Tafsir Ibn Uthaymeen — المائدة 5:84 – المائدة 5:105
المحتويات
المائدة 5:84
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.
على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.
والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.
إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.
إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.
﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة ٦٢] وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا.
وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له.
قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ نقول فيها ما قلنا في الأولى.
وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ لكن هؤلاء قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك.
﴿مَوَدَّةً﴾ (المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ نقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في ﴿أَشَدَّ﴾.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ولا سيما في عهد النبي ﷺ، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.]] فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله.
وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد ﷺ رسول.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ النصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه خمسة أشياء.
﴿ذَلِكَ﴾ أي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين.
الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع.
السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد ﷺ لكنه العناد والاستكبار، «ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] استكبار واضح، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: «هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد.
﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيضا هذا سبب ثالث؟
* طالب: رابع.
* الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.
الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومَن حوله جعلوا يبكون، تفيض أعينهم من الدمع، يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ الإناء وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: «هذا هو الناموس الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]]، فهم عرفوا الحق وبكوا، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ﴾، أيضًا هذا سبب ثالث.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٢ ، ٨٣]
الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمون للحق من حين أن عرفوه.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾.
﴿فَاكْتُبْنَا﴾ (الفاء) هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب عز وجل وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ من هم؟
قال العلماء: الشاهدون هم محمد ﷺ وأمته، الحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- لا أحد أعدل منها.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلَّغَنا، وأننا أقررنا بتبليغه.
إذن ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: مع محمد والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟ لا، ما تشهد، ولذلك لو سُئِلْنا: من الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به.
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]، هذا الحديث: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف ما أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفعٌ لِلَوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: ليش تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾.
هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه، ونفسه تقول له تحدثه: ليش تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، عندما يفكرون يرون أنه لا بد أن يؤمنوا؛ لأن الحق واضح.
ويحتمل أنه إذا ألقى إليهم أحد لومًا وقال: كيف تؤمنون؟ يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، أي شيء يمنعنا، ﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا يدل على كمال عقلهم.
قال: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله! تعبير المؤمن: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة، ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: اكتبنا مع الشاهدين، مع هذه الأمة، في الثاني وهو الطمع بدخول الجنة قالوا: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ لأن الجنة دار لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، واضح الفرق بين التعبيرين؛ الأولى: سألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين، والثانية: طمعوا أن يُدخِلهم الله في الصالحين، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: يدخلنا الجنة؛ لأن الجنة تكون للصالح من هذه الأمة وغيرها.
* طالب: ما يؤيد احتمال وجوه الآية؟
* الشيخ: أي الأوجه؟
* الطالب: أن هذه الآية نزلت مخاطبة للنبي (...) من صاروا نصارى في عهده، قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ مع أن كثيرًا من الآيات تأتي في وصفهم بالنصاري، مما يفيد أن هذه الآية تضمنت وصفهم بهذه الـ..
* الشيخ: ربما تكون هذه تُقَوِّي، لكن كلمة ﴿قَالُوا﴾ قد يعبِّر بالماضي عن المستقبل لحكاية الحال.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] هذا ذم، مما ذكر هنا في الآية أنهم يقبلون الحق، وأنهم أقرب مودة للمؤمنين بأن منهم رهبانًا، كيف يتم الجمع؟
* الشيخ: لأن هناك ما أتاهم رسول، عيسى عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي وما جاء بعده رسول، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه، لكن بعد أن جاء محمد عرفوا الحق.
* الطالب: الرهبانية الآن بقية مما ابتدعوه، يعني هذه بدعة مستمرة معهم؟
* الشيخ: إي نعم، مستمرة، فلما جاء الرسول واتبعوا الحق تركوها، لكن الراهب أقرب إلى قبول الحق؛ لأنه يريد رضا الله.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذه الصفات التي ذُكِرَت في الآية تقتضي أنهم يكونون أشدهم مودة؟
* الشيخ: لا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، وأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا﴾، الأوصاف هذه لمن آمن منهم، لكن على سبيل العموم، وعلى سبيل الجنس هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، وأنا ذكرت لكم قبل قليل الفرق بين الجنس وبين الفرد، الآن هل نقول: كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، وكل نصراني أقربهم مودة؟ لا، هذا باعتبار الجنس.
* طالب: بارك الله فيكم، السؤال يا شيخ: هل يؤيد ما ذُكِر في الآية أن أكثر من يُسلِم الآن من النصاري، ثم كيف نرد على الذين يقولون بتقريب الأديان ويقولون: هذه الآية دليل لنا فنحن نقارب النصارى (...).
* الشيخ: هذه سوف تأتي في الفوائد إن شاء الله، السؤال هذا يكون في الفوائد.
* طالب: الحكمة من التعبير بـ(نطمع) في قولهم ﴿وَنَطْمَعُ﴾؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان ما يجزم، قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦]، الإنسان ما يجزم، بل إن الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع، لو أنه جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن معناه أنه وثِق بأن عمله مقبول، وأنه ليس منه خطأ يمنعه من دخول الجنة.
* طالب: ذكرنا في قواعد التفسير أن من الأفضل للإنسان أن يحاول أن يفسِّر بنفسه، فما هو الحد الأدنى من المعرفة التى تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟
* الشيخ: طالب العلم، إنسان يعرف، طالب علم، نحن ما نقول لعاميّ ما يعرف إلا دكانه: تعال حاول أن تفسر القرآن، ما هو بعالم.
* طالب: معاني الكلمات، هل يقرأ معاني الكلمات؟
* الشيخ: معاني الكلمات ما هي لازمة، المهم المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية، والإنسان يعرف هذا، كل طالب علم يمكن يحاول ويعرف.
* طالب: المراد بالذين ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هل هم عموم النصارى، أو القسيسون والرهبان منهم؟
* الشيخ: لا، عموم النصارى، لكن كما قلت لك: المراد الجنس، يعني ليس فيهم استكبار المشركين واليهود، وقد يكون في بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين.
* طالب: ما حكم تسمية الكثير من النصارى، أغلب المسلمين يطلقون عليهم المسيحيين، يقول: هذا مسيحي، وهذا..؟
* الشيخ: أتدري متى حدث هذا؟ حدث بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء رحمهم الله إلى أن بدأ الاستعمار وذلَّ المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبِّرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء -رحمهم الله- السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقال: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابَعوهم؛ لأن الغالب -كما قال ابن خلدون في مقدمته-: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا مسيحيين، إذا نزل المسيح في آخر الزمان ماذا يصنع؟ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تُقبَل في ذلك الوقت[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) من حديث أبي هريرة. ]].
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ٨٥].
﴿أَثَابَهُمُ﴾ بمعنى: أعطاهم ثوابًا، والثواب مكافأة العامل في عمله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
وقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم، وهو: ﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ٨٣، ٨٤] إلى آخره.
والباء في قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ فإن جعلناها مصدرية صار التقدير: أثابهم الله بقولهم، وإذا جعلناها اسمًا موصولًا صار التقدير: أثابهم الله بالذي قالوا، وحينئذ لا بد من عائد يعود إلى الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: بما قالوه.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ هنا جمع (جنة)، والله سبحانه وتعالى يعبِّر عنها أحيانًا بالجنة مفردة، وأحيانًا بـ(جنات)، فأما إذا عُبِّر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس، وإذا عُبِّر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها، وأنتم تعلمون أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع: جنتان، وجنتان، وفي الحديث: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي قلنا: الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت بذلك لأن أشجارها تُجِنُّ أرضها، أي: تسترها؛ لكثرتها وانتشارها، لكن هذا التفسير لو فُسِّر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم، وتصوَّروا أنها من جنس بساتين الدنيا، ولهذا نقول في تفسيرها: إنها الدار التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وليس المراد من تحت أرضها؛ لأن من تحت أرضها لا يُستفاد منه، لكن من تحت أشجارها وقصورها، والأنهار جمع نهر، وهي أربعة ذُكِرَت في سورة محمد، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذه الأنهار خلقها الله عز وجل من غير ما خلقها في الأرض، الماء في الأرض يخرج بحفر الآبار، أو بالأمطار والسيول، لكن في الجنة ليس هكذا، أنهار تجري بغير أخدود، وبغير حفر سواقي، بل بقدرة الله عز وجل.
﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ليس من بقر، ولا من إبل، ولا من غنم، بل هي أنهار خلقها الله عز وجل من هذا.
﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ ليس عصير عنب، ولا شعير، ولا غير ذلك، بل هو مخلوق هكذا.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ﴾ من نحل؟ لا، عسل خلقه الله عز وجل وصار أنهارًا يجري في الجنة، هذه أربعة أنواع من الأنهار مما ذكره الله لنا.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، الخالد هو الباقي، والأصل في الخلود البقاء الدائم، هذا الأصل، قد يؤكد أحيانًا بكلمة (أبدًا)، وقد لا يراد به الدائم بقرينة، الخلود إذنْ هو الأصل البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبدية، فأما ما يؤكَّد بالأبدية فهو كثير في القرآن، لا في أهل الجنة، ولا في أهل النار، وأما ما لا يراد بالتأبيد بدليل آخر فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، فهنا ﴿خَالِدًا﴾ ليس المراد التأبيد؛ لأن قتل المؤمن عمدًا لا يُخرِج من الإيمان، اللهم إلا من استحلَّه، فمن استحله فهو كافر باستحلاله لا بقتله؛ لأن من استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل.
المهم اجعل على بالك أن الخلود أيش؟ البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبد لدليل.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات.
﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: مكافأتهم على عملهم، والمحسن يعُمّ من أحسن في عبادة الله، ومن أحسن إلى عباد الله؛ أما الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي صلى الله وعلى آله وسلم في قوله: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
فجعل للإحسان مرتبتين؛ الأولى: أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادة رغبة؛ لأن الشيء الذي تراه ترغب فيه وتطلبه، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ»، يعني إن لم تصل إلى هذه الحال، «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، أي: فاعبده خوفًا منه وهربًا من عقابه، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان هاتين المرتبتين.
أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف لهم، بالمال، والبدن، والجاه، وغير ذلك، فهو بذل المعروف، فمن أعطاك درهمًا فهو محسِن، ومن بَشَّ في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسِن، ومن شفع لك في أمر فهو محسن، إذنْ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله.
ولما ذكر الله سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء المحسنين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٦]، والقرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذُكِر ثواب المحسنين ذُكِر ثواب المسيئين، وإذا ذُكِر ثواب المسيئين ذُكِر ثواب المحسنين، ليبقى الإنسان بين الرغبة والرهبة.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ كفروا بالأمر، وكذَّبوا بالخبر، كفروا بالأمر فلم يقوموا بطاعة، ولم ينتهوا عن معصية، وكذَّبوا بالخبر فلم يُصَدِّقوا، فمن أنكر البعث فمن أي القسمين هو؟ مكذِّب، لكنه كافر، هو مكذِّب وكافر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، ومن لم يُصَلِّ فهو كافر.
فإذا قال قائل: هل نقول: إنه لا بد أن يجتمع الكفر والتكذيب؟ فالجواب: لا، إذا وُجِدَ الكفر ثبت الجزاء، إذا وُجِد التكذيب ثبت الجزاء.
ولذلك لو قال قائل: الصلوات الخمس غير مفروضة، ولا أصدق أنها مفروضة، ولكنه يصلي، لا تفوته الصلاة أبدًا، ماذا نقول فيه؟ كافر؛ لأنه مكذِّب، فالجمع بينهما ليس بشرط، بل إذا وُجِد أحدهما ثبت الحكم.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن ادعى أن مع الله خالقًا فهو مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بالخالق لكن لم يقبل شريعته فهو مكذِّب بالآيات الشرعية، وقد يوجد من يكذِّب بهما جميعًا، ومن كذَّب ببعض وصدَّق ببعض؟ فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اسم الإشارة هنا للبُعد ولَّا للقرب؟ للبُعد، لكن البُعد قد يكون بُعدًا سُفولًا وقد يكون بُعدًا عُلُوًّا، فإذا كان البعد مشارًا به إلى عالي المرتبة فهو بُعْد عُلُوًّا، مثل قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] هو بين أيدينا الآن ما هو بعيد، لكن لعلوّ مرتبته وشرفه أشار إليه بإشارة البعيد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فأشار إليهم إشارة البُعد لعلُوّ منزلتهم.
في هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي البُعْدَين أراد؟ السُّفْل، البعد سُفُولًا.
وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اعلم أن الله إذا ذكر أصحاب النار أصحاب الجحيم فهذا في الكفار الخُلَّص؛ لأن الصاحب هو الملازم، ولا أحد يلازم الجحيم -يعني النار- إلا إذا كان ممن لا يدخل الجنة، فالذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وكذلك الآية التي قبلها: أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، والمراد من؟ المراد الجنس، ونعني بذلك أنه قد يوجد من اليهود من لا يكون أشد عداوة، وكذلك من المشركين، نجد مثلًا أبا طالب مشرك، ومع ذلك هل كان يودّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم يَوَدُّه، لكن الجنس أن المشركين واليهود هم أشد الناس عداوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عداوة هؤلاء ظاهرة؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن اعلم أن الظهور والبطون أمران نسبيان، بمعنى أن بعض الناس يظهر له ما يخفى على آخر، وبعض الناس يخفى عليه ما يظهر للآخر، لكن مَن سَبَر الأمور ونظر باعتبار تبيَّن له ذلك، ولَّا قد يقول مثلًا قائل: لا نجد هذا، نقول: إذا لم تجد فهذا لبلادتك؛ لأنك بليد لا تعرف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن غير المسلمين يختلفون في العداوة للمسلمين، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾.
* الشيخ: ﴿أَشَدَّ﴾ و﴿أَشَدَّ﴾ اسم..؟
* طالب: تفضيل.
* الشيخ: اسم تفضيل، تدل على أن هؤلاء الأعداء يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقع، لكن بماذا نعرف الأشد؟ نعرفه بالآثار، إذا تظاهروا علينا وتحالفوا ضدنا وما أشبه ذلك عرفنا أنهم أعداء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم النصارى، وقد بيَّنَّا في التفسير السبب في ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل حكم له سبب، وهذا مطرد يا إخواني، كل حكم شرعي أو قدري فله سبب، لكن من الأسباب ما يُعلَم، ومن الأسباب ما لا يُعْلَم؛ لأن الله تعالى لم يُطلعنا على كل شيء، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن تعليم الله عز وجل في كتابه العزيز؛ لأنه إذا ذكر الحكم أحيانًا ذكر العلة، فهنا ذكر حكمًا قدريًّا، وهو قرب النصارى من مودة المسلمين، هذا حكم قدري، وذكر له علة.
وذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا شرعية كثيرة مقرونة بحِكَمِهَا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، أي هذا المطعوم، وغلط من قال: (إنه) عائد على لحم الخنزير، هذا غلط؛ لأننا إذا أعدنا آخر الكلام على أوله فأوله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ أي ذلك المطعوم، ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي المطعوم، ﴿رِجْسٌ﴾، وليس عائدًا على لحم الخنزير.
المهم أن من حسن تعليم الله عز وجل أنه إذا ذكر الحُكْم ذكر العلة، سواء كان الحكم قدريًّا أو كان شرعيًّا، وكذلك في السنة، أحيانًا تُذْكَر العلة، فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنادى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠ / ٣٥) من حديث أنس بن مالك.]].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قرب مودة النصارى للمؤمنين له أسباب، كم؟
* طالب: خمسة أسباب.
* الشيخ: نشوف، أولًا: ﴿أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فيُستفاد من هذا: أن العلم نافع حتى لغير المسلمين، وأن العبادة تُرَقِّق القلب؛ أما الأول فيؤخذ من قوله: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، وأما الثاني فيؤخذ من قوله: ﴿وَرُهْبَانًا﴾؛ لأن الراهب إنما سلك هذا الطريق يريد رضا الله، فليس مستكبرًا، لكنه طالب لرضا الله، فهو إذا تبين له يكون من أقرب الناس إلى العمل به.
* من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم ينقسمون إلى علماء وعُبَّاد، لكن هل يمكن أن يكونوا علماء عُبَّادًا؟ نعم، وبكثرة، أن يكونوا علماء عُبَّادًا، لكن من الناس من يغلب عليه العلم، ومن الناس من يغلب عليه العبادة، أعني الذين يتصفون بالعلم والعبادة منهم من يغلب عليه جانب العلم، فتجده دائمًا في بحث، وفي تحقيق، وفي مراجعة، ومنهم من يغلب عليه العبادة، ولهذا تجدون في تراجم العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا ترجموا لبعض العلماء قالوا: وكان كثير العبادة.
فأيهما أفضل في العالِم؛ أن يكون كثير العبادة، أو كثير المراجعة؟ كثير المراجعة لا شك أفضل، لكن يجب على كثير المراجعة أن يراجِع قلبه، إذا وجد منه قسوة فليشتغل بالعبادة قليلًا؛ لأنه أحيانًا مع كثرة المراجعة والمطالعة والمناقشة يكون الإنسان كأنه بطل بين صَفَّيْن، لا يلتفت مثلًا للصلاة والتهجد وما أشبهها، إذا رأيت من نفسك أنك أبعدت عن العبادة فارددها حتى لا تغفل عن العبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسباب قبول الحق والمودة للمؤمنين التواضع؛ لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
* ويؤخذ منها: أن الاستكبار سبب لرد الحق، وهو كذلك، التواضع سبب لقبول الحق؛ لأن الإنسان لا يرى نفسه، لا يرى نفسه أنه معصوم من الخطأ، فإذا بان له الحق اتبعه، ولهذا كان في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم أن ترجع إلى الحق غدًا»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ١٥٠).]]، أو كلمة نحوها، بمعنى أنك تتبع الحق أينما كان، فتكون مِطْوَاعًا للحق، ذليلًا أمام الحق.
وهل هذا الذل أمام الحق يوجب للإنسان أن يكون ذليلًا بين الناس؟ لا، «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ومن تواضع للحق وُفِّقَ للحق، وعلامة ذلك أنك إذا بان لك الحق اتبعته فورًا بدون تردد، بدون جدال، إن ترددت أو جادلت فهو خطر عليك عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠].
ولذلك إذا بان لك الحق لا تجادل، لا تحاول أنك تروح يمين ويسار لتبرِّر رأيك، إنك على خطر، وقال عز وجل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مختلط، يختلط عليهم الحق بالباطل، إذا كذبوا بالحق إذا جاءهم، انتبه لهذه الفائدة وأنت طالب علم، وربما يخالفك من يخالفك من الناس بمقتضى الدليل، ولكن تريد أن تفرض رأيك، هذا غلط كبير، اتبع الحق أينما كان يتبعك الناس أينما كنت؛ لأن الناس يطلبون الحق، فإذا رأوا منك أنه متى بان لك الحق رجعت رجعوا.
إذنْ التواضع للحق هو في الحقيقة علُوّ، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ضد ذلك الاستكبار، الاستكبار -والعياذ بالله- يوجب أن لا يقبل الحق ولا يتبع الحق.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء القوم الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، أنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾، ولا شك أن فيضها من الدمع دليل على أيش؟ على الإيمان والتصديق والتأثر؛ لأن الإنسان كلما آمن فإنه يزداد خشوعًا.
الآن إذا ذكرت آبائك وإخوانك وأصدقاءك الذين ذهبوا وماتوا، ربما تبكي أكثر مما لو ذكرت شيئًا آخر يؤمَن به؛ لأن هؤلاء أدركتهم إدراكًا حسيًّا، فالإيمان كلما قوي صار المؤمن كأنما يشاهد الشيء بعينه، فيزداد إيمانًا وخشوعًا وبكاءً.
نأخذ الفوائد المفردات،* من فوائد قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة ٨٣] أن القرآن نزل من عند الله؛ لأن هذا مبني لما لم يُسَمَّ فاعله ﴿مَا أُنْزِلَ﴾؛ لأن فاعله معلوم، وهو الله الذي أنزله.
فيُستفاد منه: أن القرآن كلام الله، وهو كذلك، تكلم به سبحانه وتعالى حقيقةً، تكلم به على وجه مسموع، من سمعه؟ سمعه جبريل، وهو أمين قوي، نزل به على قلب الرسول ﷺ، فوعاه وعقله، حتى قال له ربه عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦، ١٧]، ما يتفرق أبدًا، هو مجموع لك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة ١٨] يعني قرأه جبريل، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩].
التزامات عظيمة من الله عز وجل لهذا القرآن، مما يدل على عناية الله به -سبحانه وتعالى- ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبينه للناس لفظًا ومعنى، ولهذا نقول: لا يمكن يوجد في كتاب الله شيء لا يعرف الناس معناه، إن خفي على بعض علمه آخرون.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: التنويه بالرسول محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿الرَّسُولِ﴾؛ لأن (أل) هنا للعهد الذهني، يعني كأنه رسول معلوم مفهوم لا يخفى على أحد.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، وهو رسول الله حقًّا، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن؟ نعم، نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن، ولكن اعلم أن البكاء نوعان: بكاء متكلَّف مُصْطَنَع، فهذا لا يفيد، وليس التكحل في العينين كالكَحَل، وبكاء آخر من لين القلب، هذا هو المفيد؛ لأنه صادر عن القلب، عن الإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تأثر هؤلاء إنما كان بسبب معرفتهم الحق؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، والإنسان كلما علم الحق ازداد إيمانه به، وازداد تأثره به.
* من فوائد الآية الكريمة؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الجملة: الثناء على هؤلاء الذين آمنوا بما أُنْزِل على الرسول ﷺ بأنهم يعلنون الإيمان، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾، لا يُخفُون إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن حقًّا يعلن إيمانه، لا سيما إذا كانوا قسيسين ورهبانًا؛ لأنهم قدوة للناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف الأمم بأن هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم؛ لقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣].
* طالب: تفسيرنا لقوله تعالى: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ هل يُستدل من الآية عداوة النصارى للمسلمين، يكونون على خلاف ما يفهمه الناس الآن؟
* الشيخ: إي نعم، إحنا ذكرنا هذا لأجل أن لا يُفهَم منه الخطأ، يعني قولهم: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾، ما دخلوا في المودة، ولا عندهم مودة، وإلا لقال: أشدهم مودة.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، الثبات إذا كان القلب قاسيًا، فقرأ الإنسان القرآن ربما لم يجد رقة فتباكى، إن قلنا: إنه لا يفيد يا شيخ، ربما التباكي يرقِّق قلبه.
* الشيخ: لا، لا، ما هو التباكي، التباكي غير البكاء المصطَنَع، بعض الناس ما يبكي، يعني يجعل صوته كأنه يبكي، وهو ما يبكي.
* الطالب: هذا رياء.
* الشيخ: هذا هو.
* طالب: أكرمك الله يا شيخ، المشكلة يا شيخ وهو الفرق بين التواضع والترفُّع؛ لأن بعض الناس مثلًا إذا تبسَّط مع العامة قد يهونون في نظرهم، خاصة إذا كان مثلًا طالب علم أو عالم، فهل يترك مثلًا التبسط؟
* الشيخ: هذا تصور، ما هو بصحيح، أنا لست أقول: تواضع للعامة، قدم له حذاءه وابسط له ظهرك يركب عليه، لا، لكن لَاقِه بوجه طلق وسماحة؛ لأن بعض الناس حتى من طلبة العلم تجده مع العامي يتكلم بأحد منخريه، ما هو بكل أنفه، وينظر، يعني ما نقدر نقول شيء، تواضع يا أخي، الناس الآن يُثْنُون على الرجل الذي يكون متواضعًا، نسمع يثنون على فلان وفلان؛ لأنه متواضع، لكن ليس معنى ذلك أنك تجعل نفسك ذليلًا أمامهم، لا، التواضع غير الذل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يقصر عنه في العبادة؟
* الشيخ: أنا أظن أن الحد الأدنى الصلوات الخمس بالنسبة للصلاة، الصلوات الخمس برواتبها، والوتر، وما يوجد له أسباب، وكذلك بالنسبة لبذل المال الزكاة والصدقات.
* الطالب: ورد القرآن؟
* الشيخ: ويش لون ورد القرآن، يعني ما يقرأ من القرآن؟ قد أقول: على حسب نشاطه، لكن أخشى أن قول هكذا يتهاون الإنسان؛ لأنه إذا قرأ على حسب نشاطه يوم يقرأ مثلًا جزأين، ثلاثة، ويوم ما يقرأ شيئًا، ويضيع عليه الوقت، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون له ورد معين يحرص عليه، وأظن أن الجزأين في اليوم إن شاء الله فيهم بركة، إذا قرأ جزأين كل يوم يحفظ القرآن في الشهر مرتين، هذه نعمة.
* الطالب: الصيام؟
* الشيخ: الصيام ما كان الرسول يصومه؛ ثلاثة أيام من كل شهر، لكن أحيانًا يكون الإنسان يحب الصيام، ولذلك كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويٌفطر حتى يقال: لا يصوم[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦ / ١٧٥) من حديث عائشة.]]، لكن الشيء الذي ينبغي أن نواظب عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الرسول كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١ / ٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يبالي أن يصومها من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ذكر الله عز وجل حكاية عن قول هؤلاء وبين أن القرآن معجز.
* الشيخ: ويش التعارض؟
* الطالب: أنهم قد قالوه، قد يقول قائل: إن قولهم معجز.
* الشيخ: إن قولهم معجز؟! لا، هذه ما فيها إشكال، يعني هو الأخ يقول: كيف نقول: إنهم قالوا بهذا اللفظ؟ هم لم يقولوا بهذا اللفظ، فالقرآن يحكي أقوال الآخرين بالمعنى، ولذلك شوف قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، والقول واحد، لكن الله تعالى قدَّم ذكر هارون في سورة طه من أجل تناسب الآيات، فكل ما يحكيه الله عن السابقين فهو بالمعنى؛ لأنا نعلم أنهم ما قالوا بالعربية، لغتهم غير عربية، وترتيبهم ليس كترتيب القرآن فيما نعلم -والله أعلم-، وقد يقال: إن الله حكى قولهم، ولكنه صاغه -سبحانه وتعالى- أو تحدث به على ما يريد.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل التفرغ للعبادة وطلب العلم وترك الوظيفة كأن يتيسر له مال؟
* الشيخ: أما إذا كان له ما يقيته فالتفرغ لا شك أفضل، إلا إذا كانت الوظيفة تصلح بوجوده؛ لأن بعض الوظائف تحتاج إلى الشخص، مثل وظائف القضاء، كُتَّاب العدل، وأشياء كثيرة، فالإنسان ينظر للمصالح.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ هل يمكن أن يؤخذ منها أن الْمُجْمَل الاتباع؟
* الشيخ: لا، يعني قصدك مطلق المعية؟
* الطالب: مُجْمَل الاتباع.
* الشيخ: ليه؟
* الطالب: لما جاء به الرسل.
* الشيخ: اكتبنا معهم يعني: نفعل كما يفعلون.
* طالب: المنكرون لكلام الله يقولون: إن القرآن ليس كلام الله، إنما هو عبارة عن كلام الله، ما معنى قولهم هذا يا شيخ؟
* الشيخ: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ما تكلم به، لكن خلق أصواتًا لتعبر عما في نفسه، فسمعها جبريل ونزل بها، قول بلا علم، حقيقة أنك إذا تأملت كلامهم انتهيت إلى أن الله ليس بشيء، لا يتكلم، ولا يستوي على العرش، ولا ينزل، ولا يأتي للفصل بين عباده، ولا يفرح، وليس له يد، وليس له وجه، وليس له عين، اللهم لك الحمد، نسأل الله الهداية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٨٦ - ٨٨].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فإننا كما بدأنا في الأسبوع الماضي قررنا أن نبدأ بقواعد من قواعد التفسير، وهذا جيد، لكن يحتاج منكم تقييد القاعدة التي تكلمنا عليها؛ لئلا تتكرر؛ لأنه ليس بين أيدينا كتاب نقرأ منه حتى نأمن التكرار، في الأسبوع الماضي تكلمنا على قواعد في..؟
* طالب: تفسير الآية بالمضمون.
* الشيخ: إلى أين نرجع في التفسير؟
* طالب: القاعدة الأولى تكلمنا أنه –التفسير- هل هو فرض عين أو فرض كفاية، وذكرنا التفصيل في ذلك بأنه: ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو فرض عين، على كل مسلم أن يعلم تفسيره، وما سوى ذلك فهو فرض كفاية، هذه القاعدة الأولى.
والقاعدة الثانية هي: بماذا يكون تفسير القرآن؟ فذكرنا له ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا إذا ورد فلا عدول عنه؛ لأن المتكلم بالقرآن هو الله عز وجل، وهو أعلم بمراده،
والمرتبة الثانية: هي تفسير القرآن بالسنة؛ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله عز وجل.
والثالث: هو تفسير القرآن بأقوال السلف؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هم أدرى الناس بما قال الله عز وجل.
* الشيخ: الرابع: التفسير بمقتضى اللغة العربية، فيه شيء آخر؟
* طالب: مراعاة المعنى؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: كقوله تعالى (...) هل يستحسن أن يقف على..
* الشيخ: لا، الوقف والوصل ما يدخل في التفسير.
* طالب: ذكرنا الطريقة المثلى في التفسير أن يفسر الإنسان بنفسه ويحاول أن يستنبط المعاني.
* الشيخ: نعم، هذا أيضًا مهم، أن الإنسان يحاول أن يعرف معنى القرآن بنفسه أولًا، ثم بعد ذلك يرجع إلى ما قال المفسرون، وليس معنى هذا أن يأخذ بما رآه، ولكن يُكَوِّن معنى في نفسه، ثم يرجع إلى أقوال المفسرين؛ لئلا يضل، لكن كونه يقرأ أقوال المفسرين فقط قراءة عابرة كأنه صبي يُرْضَع برَضَّاعة هذا لا يستفيد الفائدة المطلوبة.
أما الليلة فهو في النسخ، نتكلم الآن في النسخ، هل يمكن النسخ في القرآن أو لا يمكن؟ يقال: الصحيح أنه يمكن، يمكن النسخ، وأنه واقع، وهذا هو ما عليه جمهور الأمة، ولا يعنينا أن ينكر ذلك من ينكره، فاليهود مثلًا قالوا: لا يمكن نسخ الشرائع؛ لأننا لو جَوَّزْنَا النسخ لَجَوَّزْنا البداء على الله، أي أنه تبدو له المصلحة بعد أن كانت خفيَّة عليه، فيحكم بشيء، ثم بعد ذلك يعدل عنه؛ لأنه لم يدرِ عن عواقب ما حكم به أولًا.
ومعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يصف ربه عز وجل بالجهل ثم البداء، ولكن الله عز وجل رد عليهم، فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران ٩٣]، فبيَّن أن النسخ واقع، وهو كذلك، ومن أجل إنكارهم النسخ أنكروا نبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليهما وسلم، وقالوا: إن شريعتيهما نسخت شريعة التوراة وهذا لا يجوز.
المسلمون مُجْمِعون على جواز النسخ عقلًا، ووقوعه شرعًا، إلا أن أبا مسلم الأصفهاني رحمه الله قال: لا نسخ في القرآن، وحَمَل النسخ الذي ثبت في القرآن على التخصيص.
مثال ذلك: أوجب الله على المسلمين في الجهاد أن الواحد يصابر عشرة، ثم نسخ ذلك وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦]، وهذا واضح أن هذا نسخ، وكذلك في الحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»[[أخرجه مسلم (٩٧٧ / ١٠٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، هذا أيضًا نسخ واضح، ثبت بنفس القرآن ونفس السنة.
ادعى هو رحمه الله أن هذا تخصيص وليس بنسخ، ووجَّه قوله: بأن الحكم المنسوخ كان عامًّا في جميع الأزمان وفي جميع الأحوال، ثم نُسِخ، فخرج بالنسخ الزمنُ الذي تبقى، وقال: هذا تخصيص.
وبناء على هذا التوجيه يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن، وفي كل مكان، وفي كل أمة، وفي كل حال، يجوز أن يُلْغَى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سَمِّه تخصيصًا، أو سَمِّه نسخًا.
ثم يقال له رحمه الله: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة (نسخ)، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦].
نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، لكن كيف يجوز عقلًا؟ ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود؟ بأن الله بَدَا له بعد أن كان خفيًّا عنه أن الحكم منسوخ لا يستقيم؟
فالجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت، غير مصلحة في وقت آخر، أليس كذلك؟
وقد يكون النسخ لابتلاء المكلَّف، يبتليه الله عز وجل، هل يمتثل أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حُوِّلَت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتَّجه إلى بيت المقدس، والآن نتجه إلى الكعبة؟ لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ويكفي هذا حكمة.
فإذا كان تغيير الحُكْم ونسخه له حِكَم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه وتعالى يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كَلَّفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو أن تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذ يبطل ما ادَّعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي الظهور بعد الخفاء.
إذنْ فالنسخ جائز عقلًا، وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة وجوه: نسخ للحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا، ثلاثة أقسام.
الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] هذا نسخ ليش؟ للقبلة الأولى، اللفظ باقٍ ولَّا لا؟ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة ١٤٤]، ومثل قول الله تبارك وتعالى في الصوم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو أن الله تعالى أوجب أن يصابِر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نُسِخَ ذلك، هذا نسخ أيش؟ نسخ الحكم مع بقاء اللفظ.
وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟ فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم؛ حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف، أو بالعكس، أو بالمماثل، لكن المهم التذكير بالنعمة.
القسم الثاني عكس هذه المسألة، وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يُتْلَى.
يقول عمر رضي الله عنه: «قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]، فهي كانت موجودة في القرآن، أين لفظها؟ غير موجود، ما في القرآن أن الثيب يُرْجَم إذا زنى، فاللفظ غير موجود -أعني اللفظ المنسوخ- ولفظ الناسخ؟ الناسخ موجود أو غير موجود؟ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، والثيِّب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود.
فما هي الآية التي نُسِخَت؟ ورد أن لفظها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم)[[أخرجه أحمد (٢١٢٠٧) من حديث أبي بن كعب.]]، لكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بأيش؟ بالثيوبة، ما هو بالشيخوخة، وعمر رضي الله عنه يقول: «وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن وكان الحبل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]].
فقوله: إنه حق ثابت في القرآن على من زنى إذا أحصن، ما قال: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما رُوِيَ، ولذلك لو زنى الشيخ وهو بكر لم يُرْجَم، ولو زنى الشاب وهو ثيِّب يُرْجَم، إذن الآية غير معروفة اللفظ، لكن نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر رضي الله عنه.
فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه يُنْسَخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة -والله أعلم- أنه يتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم، مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله.
هذه الأمة -ولله الحمد- عملت بحكم لا يوجد نصُّه، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس؛ أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، هذا ما تبيَّن من الحكمة.
وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى، وهي: بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيِّب لا شك أنه بشع، وأقبح مِن زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن.
هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذا هو الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله عز وجل، وهذا صعب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر –اللواط- صريحًا: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦].
لكن الوجه الأول وهو: بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح.
بقي القسم الثالث وهو: نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة في الرضاع: «كان فيما أُنْزِل عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، فنُسِخْنَ بخمس معلومات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]]، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن، ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ، إلى كم؟ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا.
فيه أقسام أيضًا للنسخ لكن الوقت ضاق علينا، نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم.
* * *
نعود إلى درسنا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، تقدم الكلام عليها، وعلى فوائدها.
قال الله تعالى عن هؤلاء النصارى الذين أسلموا، قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية من الفوائد: دفع اللوم عن الإنسان، يعني الإنسان ينبغي أن يدفع اللوم عن نفسه، ولا يبدي عِرْضَه لعباد الله يعملون ما يشاؤون فيه، ولهذا أصل من السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قام يقلِب إحدى زوجاته وهي صفية رضي الله عنها بعد أن بقيت عنده، قام يقلِبها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فلما رأيَا رسول الله ﷺ ومعه أهله خجلَا وسارَا بسرعة، فقال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فقالَا: سبحان الله،» يعني لا يمكن أن يقع في قلوبنا شيء، فقال لهما: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]، أو قال: «شَيْئًا»».
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا على الوجه الثاني في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾: حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، يعني إذا رأيت في نفسك فتورًا فقوِّها، قَوِّ عزيمتها؛ لأننا ذكرنا في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ احتمالين.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم؛ لقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾.
وهل يعتد بشهادة الأمم السابقة؟ الجواب: نعم يُعْتَدُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٤].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يُعْجَب بعمله، فيشهد لنفسه أنه من أهل الجنة؛ لقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾، ولم يجزموا بذلك.
ولهذا مهما عملت من عمل صالح مبني على الإيمان لا تُزَكِّ نفسك، لا تدري فلعل هناك سرًّا في القلب لا تشعر به -أعاذنا الله وإياكم من النفاق- «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]].
يمكن أن نأخذ من هذا أنه لا يُشْهَد لأحد بالجنة لكونه مؤمنًا عاملًا صالحًا؟ يمكن، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة ألَّا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اختيار الرفيق الصالح؛ لقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا أمر دَلَّت عليه السنة دلالة صريحة؛ فإن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، أَوْ أَنْ يُحْذِيَكَ، أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
ثم قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل، حيث أثاب هؤلاء الذين مَنَّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها، وقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يدخل الجنة أحد بعمله، مع أن النصوص كثيرة في أن العمل يدخل به الإنسان الجنة؟
فالجواب أن يقال: الباء تكون للسببية أحيانًا، وتكون للعِوَض أحيانًا، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فالباء للعِوَض، ولا يمكن أن تكون للسببية، وإذا قلت: أكرمتك بما أكرمتني، صارت للسببية، فالمنفيُّ هو أن تكون الباء للعوض، «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع، لا يمكن هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا لكانت نعمة واحدة من نعمه تحيط بأعمالنا كلها، بل إن توفيقنا للعمل الصالح يا إخواننا نعمة تحتاج إلى شكر.
فإذن لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة _وأسأل الله أن يدخلني وإياكم إياها_ لا يمكن أن يكون عوضًا عن العمل، لكن يكون سببًا، وبهذا الجمع يزول الإشكال، واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة أبدًا، فإما أن لا يكون تعارض، وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدِلّ، أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض، أو بين كلام الله وما صح من سُنَّة الرسول، أو بين سُنَّة الرسول بعضها مع بعض فهذا مستحيل.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجنة، وأنها أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة ذات أنهار مطردة تحت هذه القصور والأشجار، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج السارَّ أبدًا؛ لأن الجنة فوق ما ندرك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وهذا في القرآن، وكما قال تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا في الحديث القدسي.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأنهار في الجنة أنواع؛ للجمع: ﴿الْأَنْهَارُ﴾، وقد مر علينا تفسير أنواعها.
* من فوائدها: أن نعيم الجنة دائم؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقد قررنا أن الخلود ما هو المكث الطويل، هو المكث الدائم، إلا بدليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، «وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢٦ / ١٤٤) من حديث أبي ذر.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علُوُّ هذا الجزاء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾، حيث أشار إليه بإشارة البعيد.
المائدة 5:85
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.
على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.
والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.
إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.
إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.
﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت ٣٤] أي: صديق مخلص، إذن العداوة ضد أيش؟ ضد الولاية.
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني بذلك المؤمنين في عهد الرسول ﷺ إذا جعلنا الخطاب لمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إن جعلنها للعموم فالمراد الذين آمنوا في كل وقت، اليهود هم الذين يَدَّعون أنهم أتباع موسى ويقولون: نحن شعب الله المختار ويحتقرون ما سواهم من الشعوب، وقد عُرِفوا بالاستكبار والتعالي والتعجرف حتى على رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، سُمُّوا يهودًا قيل: إنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ [البقرة ٦٢] وقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقيل: إنه اسم لجدهم وأن اسمه يهوذا لكن مع التعريب صارت الذال دالًا.
وأيًّا كان فهم معروفون هم طائفة من بني إسرائيل يَدَّعُون أنهم مُتَّبِعُون لمَن؟ لموسى.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الذين أشركوا من العرب وغيرهم، فهذان الصنفان من بني آدم هم أشد الناس عداوة للمؤمنين، أما اليهود فوجه عداوتهم أنهم حسدوا العرب لكون الرسالة العامة الخالدة فيهم، وكان اليهود مِنْ قَبْل يستفتحون على الذين كفروا ويقولون: سيبعث نبيٌّ ونتبعه وننتصر عليكم، ولما بُعِثَ محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم من العرب حسدوهم وأنكروا ذلك، أما الذين أشركوا فهم المشركون وصاروا أشد الناس عداوة؛ لأنهم ضد التوحيد، والمؤمنون موحدون والمشرك يبغض الموحد ويكرهه ويراه أشد الناس عدوًا له.
قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ نقول فيها ما قلنا في الأولى.
وهنا قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ولم يقل: أشدهم مودة يعني ما فيه مودة، لكنهم قريبون هو قال في اليهود: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ لكن هؤلاء قال: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ ومعلوم أن القرب ليس هو الوصول، فهم ليس عندهم مودة للمؤمنين -أعني النصارى- لكنهم أقرب من غيرهم مودة، ولو كانت عندهم مودة لقال: أشد الناس مودة، أو ما أشبه ذلك.
﴿مَوَدَّةً﴾ (المودة) من الوُدِّ وهو خالص المحبة ومن أسماء الله تعالى (الودود) بمعنى الوادّ وبمعنى المودود.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ نقول في أقرب من حيث الإعراب ما قلنا في ﴿أَشَدَّ﴾.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ ولا سيما في عهد النبي ﷺ، فالنصارى في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام قريبون من المؤمنين ولذلك أسلم منهم خلق كثير، وممن أسلم ملك الحبشة رحمه الله فإنه آمن بالرسول عليه الصلاة والسلام وآوى المهاجرين من أصحابه إيواءً يُشْكَر عليه ونسأل الله أن يثيبه عليه أتم الثواب، فهو آمن حتى وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أخ للصحابة وأنه صالح حين توفي قال: «إِنَّهُ تُوِفِّيَ اليَوْمَ أَخٌ لَكُمْ صَالِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٧٧)، ومسلم (٩٥٢ / ٦٥) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه.]] فوصفه بالصلاح والأخوة، رحمه الله.
وكذلك أسلم من النصارى كثير؛ لأن النصارى أقرب عهدًا بالرسالة من اليهود فإنه ليس بين نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد ﷺ رسول.
﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ النصارى أي الأنصار، هذا أحسن ما يقال في التفسير؛ لأنه يؤيده قوله في سورة الصف: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢] ثم علَّل الله تعالى ذلك بِعِلَل فقال: ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه كون النصارى أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ هذه خمسة أشياء.
﴿ذَلِكَ﴾ أي أيش؟ أي: سبب كونهم أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ (القسيس) هو العالم الكبير، والعالم عنده معرفة يعرف الحق ويعمل به لا سيما أن التوراة والإنجيل فيهما وصف الرسول ﷺ وصفًا مطابقًا تمامًا، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] كل هذه الصفات موجودة في التوراة والإنجيل، فهم عندهم علم أعني القسيسين.
الثاني: الرهبان، ومنهم رهبان، الرهبان هم العباد؛ لأن النصارى فرضوا على أنفسهم رهبانية لم تُفْرَض عليهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] يعني ما فرضناها عليهم لكن هم يبتغون رضوان الله يريدون بذلك رضوان الله وهي غير مكتوبة عليهم، نظيرهم عندنا في الملة الإسلامية الصوفية، عندهم رهبانية ابتدعوها ما فرضها الله عليهم لكن هم يبتغون بذلك رضوان الله ولو رجعوا إلى أنفسهم لعلموا أن رضوان الله إنما يكون في الاتباع لا في الابتداع.
السبب الثاني: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ليس عندهم استكبار، المشركون عندهم استكبار؟ نعم، عندهم استكبار، اسمع ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١] والهمزة هنا للاستفهام الاحتقاري، احتقار، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] وهم يعلمون –والله- أن أعظم مَنْ في القريتين ومَنْ في الأرض كلها هو محمد ﷺ لكنه العناد والاستكبار، «ولما جمعهم ودعاهم إلى الله قالوا: تبًا لك، ألهذا جمعتنا؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٠)، ومسلم (٢٠٨ / ٣٥٥) من حديث عبد الله بن عباس.]]. اليهود، حَدِّث ولا حرج في الاستكبار حتى قالوا لنبيهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤] استكبار واضح، ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ قاعدون على الكراسي، على الأرض، على الفرش وأنتم اذهبوا للقتال، أفبعد هذا الاستكبار شيء؟ لا، فهم مستكبرون إذا كان هذا قولهم لنبيهم فما بالك بنبي بُعِثَ من العرب ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
الثالث: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ هذا، نقل المؤرخون والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومن حوله جعلوا يبكون تفيض أعينهم من الدمع يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض مما عرفوا من الحق وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق قال: «هذا هو النَّامُوسُ الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فهم عرفوا الحق وبكوا. نعم يأتي في الفوائد.
﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ ﴿يَقُولُونَ﴾ أيضا هذا سبب ثالث؟
* طالب: رابع.
* الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾.
الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمُون للحق من حين أن عرفوه ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.
والمفسرون أيضًا أن الذين هاجروا إلى الحبشة لما قرؤوا القرآن على النجاشي ومَن حوله جعلوا يبكون، تفيض أعينهم من الدمع، يعني تمتلئ، من قولهم: فاض الإناء، إذا امتلأ الإناء وخرج الماء من حافتيه، أعينهم قامت ترقرق بالدمع وتفيض، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقالوا: هذا الذي نزل على عيسى، فعرفوا أن هذا هو الحق، كما قال ورقة بن نوفل، قال للرسول عليه الصلاة والسلام حين أخبره بما نزل عليه من الحق، قال: «هذا هو الناموس الذي نزل على موسى»[[متفق عليه؛ البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة.]]، فهم عرفوا الحق وبكوا، ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ﴾، أيضًا هذا سبب ثالث.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٢ ، ٨٣]
الرابع: أنه ليس عندهم استكبار، يُسَلِّمون للحق من حين أن عرفوه.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ إقرار بالربوبية في قولهم: ﴿رَبَّنَا﴾، وبدين الله في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾.
﴿فَاكْتُبْنَا﴾ (الفاء) هذه للسببية، أي: فبسبب إقرارنا بالرب عز وجل وإيماننا به اكتبنا مع الشاهدين، والذي يسأل الله أن يكتبه مع الشاهدين هل يمكن أن يستكبر عن دين الشاهدين؟ لا يمكن، هم يسألون هذا، ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ من هم؟
قال العلماء: الشاهدون هم محمد ﷺ وأمته، الحمد لله؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة ١٤٣] يعني: عدلًا خيارًا، فلا أحد من الأمم أعدل من هذه الأمة -اللهم اجعلنا منهم- لا أحد أعدل منها.
﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣]، نحن نشهد على الناس، والرسول ﷺ يشهد علينا أنه بلَّغَنا، وأننا أقررنا بتبليغه.
إذن ﴿مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ يعني: مع محمد والمؤمنين، وكانوا شهداء؛ لأنهم هم آخر الأمم، كل الأمم ماضية وسابقة يعرفونها، لكن الأمة الأولى تشهد على من بعدها؟ لا، ما تشهد، ولذلك لو سُئِلْنا: من الأمة الشاهدة؟ لقلنا: أمة محمد ﷺ؛ لأنها آخر الأمم، تعرف ما جرى على الأمم وتشهد به.
﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة ٨٤]، هذا الحديث: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾ يحتمل أنه حديث نفس، بمعنى أن الواحد منهم يقول: كيف ما أؤمن والحق واضح، ويحتمل أنه دفعٌ لِلَوم وُجِّهَ إليهم، يعني قيل لهم: ليش تؤمنون بمحمد؟ فقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾.
هل يمكن أن يكون لهذا وهذا؟ يمكن أن يكون بعضهم يصارع نفسه، ونفسه تقول له تحدثه: ليش تؤمن، فيقول: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، عندما يفكرون يرون أنه لا بد أن يؤمنوا؛ لأن الحق واضح.
ويحتمل أنه إذا ألقى إليهم أحد لومًا وقال: كيف تؤمنون؟ يقولون: ﴿وَمَا لَنَا﴾، يعني أي شيء يصدنا، أي شيء يمنعنا، ﴿لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾، وهذا يدل على كمال عقلهم.
قال: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، سبحان الله! تعبير المؤمن: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، والقوم الصالحون يشمل من كان صالحًا من هذه الأمة، ومن كان صالحًا من غيرها، في الأول قالوا: اكتبنا مع الشاهدين، مع هذه الأمة، في الثاني وهو الطمع بدخول الجنة قالوا: ﴿نَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾؛ لأن الجنة دار لهذه الأمة وللصالحين من غيرها، فلذلك قالوا: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، واضح الفرق بين التعبيرين؛ الأولى: سألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين، والثانية: طمعوا أن يُدخِلهم الله في الصالحين، ﴿أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: يدخلنا الجنة؛ لأن الجنة تكون للصالح من هذه الأمة وغيرها.
* طالب: ما يؤيد احتمال وجوه الآية؟
* الشيخ: أي الأوجه؟
* الطالب: أن هذه الآية نزلت مخاطبة للنبي (...) من صاروا نصارى في عهده، قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ مع أن كثيرًا من الآيات تأتي في وصفهم بالنصاري، مما يفيد أن هذه الآية تضمنت وصفهم بهذه الـ..
* الشيخ: ربما تكون هذه تُقَوِّي، لكن كلمة ﴿قَالُوا﴾ قد يعبِّر بالماضي عن المستقبل لحكاية الحال.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد ٢٧] هذا ذم، مما ذكر هنا في الآية أنهم يقبلون الحق، وأنهم أقرب مودة للمؤمنين بأن منهم رهبانًا، كيف يتم الجمع؟
* الشيخ: لأن هناك ما أتاهم رسول، عيسى عليه الصلاة والسلام تُوُفِّي وما جاء بعده رسول، فابتدعوا في دين الله ما ليس منه، لكن بعد أن جاء محمد عرفوا الحق.
* الطالب: الرهبانية الآن بقية مما ابتدعوه، يعني هذه بدعة مستمرة معهم؟
* الشيخ: إي نعم، مستمرة، فلما جاء الرسول واتبعوا الحق تركوها، لكن الراهب أقرب إلى قبول الحق؛ لأنه يريد رضا الله.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، هذه الصفات التي ذُكِرَت في الآية تقتضي أنهم يكونون أشدهم مودة؟
* الشيخ: لا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، وأنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا﴾، الأوصاف هذه لمن آمن منهم، لكن على سبيل العموم، وعلى سبيل الجنس هم الذين قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، وأنا ذكرت لكم قبل قليل الفرق بين الجنس وبين الفرد، الآن هل نقول: كل يهودي أشد الناس عداوة للمؤمنين، وكل نصراني أقربهم مودة؟ لا، هذا باعتبار الجنس.
* طالب: بارك الله فيكم، السؤال يا شيخ: هل يؤيد ما ذُكِر في الآية أن أكثر من يُسلِم الآن من النصاري، ثم كيف نرد على الذين يقولون بتقريب الأديان ويقولون: هذه الآية دليل لنا فنحن نقارب النصارى (...).
* الشيخ: هذه سوف تأتي في الفوائد إن شاء الله، السؤال هذا يكون في الفوائد.
* طالب: الحكمة من التعبير بـ(نطمع) في قولهم ﴿وَنَطْمَعُ﴾؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأن الإنسان ما يجزم، قال الله عز وجل: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة ١٦]، الإنسان ما يجزم، بل إن الإنسان إذا جزم لنفسه بأنه من أهل الجنة فهذا غلط عظيم، لكن يرجو ويطمع، لو أنه جزم بأنه من أهل الجنة لكان يلزم من هذا أنه زكى نفسه وشهد لها بالجنة، وهذا خطير جدًّا على الإنسان؛ لأن معناه أنه وثِق بأن عمله مقبول، وأنه ليس منه خطأ يمنعه من دخول الجنة.
* طالب: ذكرنا في قواعد التفسير أن من الأفضل للإنسان أن يحاول أن يفسِّر بنفسه، فما هو الحد الأدنى من المعرفة التى تجعل الإنسان يحاول التفسير بنفسه؟
* الشيخ: طالب العلم، إنسان يعرف، طالب علم، نحن ما نقول لعاميّ ما يعرف إلا دكانه: تعال حاول أن تفسر القرآن، ما هو بعالم.
* طالب: معاني الكلمات، هل يقرأ معاني الكلمات؟
* الشيخ: معاني الكلمات ما هي لازمة، المهم المعنى الإجمالي، وما تدور حوله الآية، والإنسان يعرف هذا، كل طالب علم يمكن يحاول ويعرف.
* طالب: المراد بالذين ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ هل هم عموم النصارى، أو القسيسون والرهبان منهم؟
* الشيخ: لا، عموم النصارى، لكن كما قلت لك: المراد الجنس، يعني ليس فيهم استكبار المشركين واليهود، وقد يكون في بعضهم أعظم من استكبار اليهود والمشركين.
* طالب: ما حكم تسمية الكثير من النصارى، أغلب المسلمين يطلقون عليهم المسيحيين، يقول: هذا مسيحي، وهذا..؟
* الشيخ: أتدري متى حدث هذا؟ حدث بعد الاستعمار، وإلا تجد كلام العلماء رحمهم الله إلى أن بدأ الاستعمار وذلَّ المسلمون أمام قوة الاستعمار، تجدهم لا يعبِّرون إلا بالنصارى، انظر كتب العلماء -رحمهم الله- السابقين إلى أن استعمر الغرب الدول الإسلامية، فقال: المسيحيين، والكُتَّاب الذين عاشوا تحت وطأة الاستعمار تابَعوهم؛ لأن الغالب -كما قال ابن خلدون في مقدمته-: الغالب أن الذليل يخضع للعزيز ويتابعه، وإلا فليسوا مسيحيين، إذا نزل المسيح في آخر الزمان ماذا يصنع؟ يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل إلا الإسلام، حتى الجزية لا تُقبَل في ذلك الوقت[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٢٢)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) من حديث أبي هريرة. ]].
* * *
قال الله تبارك تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة ٨٥].
﴿أَثَابَهُمُ﴾ بمعنى: أعطاهم ثوابًا، والثواب مكافأة العامل في عمله، قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
وقوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ أي: بسبب قولهم، وهو: ﴿آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [المائدة ٨٣، ٨٤] إلى آخره.
والباء في قوله: ﴿بِمَا قَالُوا﴾ للسببية، و(ما) يحتمل أن تكون مصدرية، ويحتمل أن تكون موصولة؛ فإن جعلناها مصدرية صار التقدير: أثابهم الله بقولهم، وإذا جعلناها اسمًا موصولًا صار التقدير: أثابهم الله بالذي قالوا، وحينئذ لا بد من عائد يعود إلى الموصول، وهو هنا محذوف، والتقدير: بما قالوه.
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ﴿جَنَّاتٍ﴾ هنا جمع (جنة)، والله سبحانه وتعالى يعبِّر عنها أحيانًا بالجنة مفردة، وأحيانًا بـ(جنات)، فأما إذا عُبِّر عنها بالجنة مفردة فالمراد بها الجنس، وإذا عُبِّر عنها بالجمع فالمراد بها أنواعها، وأنتم تعلمون أن الله ذكر في سورة الرحمن أربعة أنواع: جنتان، وجنتان، وفي الحديث: «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
وقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾، إن أردنا أن نردها إلى المعنى اللغوي قلنا: الجنات هي البساتين الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت بذلك لأن أشجارها تُجِنُّ أرضها، أي: تسترها؛ لكثرتها وانتشارها، لكن هذا التفسير لو فُسِّر للعامة لهبطت قيمة الجنة عندهم، وتصوَّروا أنها من جنس بساتين الدنيا، ولهذا نقول في تفسيرها: إنها الدار التي أعدَّها الله عز وجل لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حتى يعرف الإنسان أن هذه الجنة ليس لها نظير.
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت قصورها وأشجارها، وليس المراد من تحت أرضها؛ لأن من تحت أرضها لا يُستفاد منه، لكن من تحت أشجارها وقصورها، والأنهار جمع نهر، وهي أربعة ذُكِرَت في سورة محمد، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذه الأنهار خلقها الله عز وجل من غير ما خلقها في الأرض، الماء في الأرض يخرج بحفر الآبار، أو بالأمطار والسيول، لكن في الجنة ليس هكذا، أنهار تجري بغير أخدود، وبغير حفر سواقي، بل بقدرة الله عز وجل.
﴿أَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ ليس من بقر، ولا من إبل، ولا من غنم، بل هي أنهار خلقها الله عز وجل من هذا.
﴿أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ﴾ ليس عصير عنب، ولا شعير، ولا غير ذلك، بل هو مخلوق هكذا.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ﴾ من نحل؟ لا، عسل خلقه الله عز وجل وصار أنهارًا يجري في الجنة، هذه أربعة أنواع من الأنهار مما ذكره الله لنا.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، الخالد هو الباقي، والأصل في الخلود البقاء الدائم، هذا الأصل، قد يؤكد أحيانًا بكلمة (أبدًا)، وقد لا يراد به الدائم بقرينة، الخلود إذنْ هو الأصل البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبدية، فأما ما يؤكَّد بالأبدية فهو كثير في القرآن، لا في أهل الجنة، ولا في أهل النار، وأما ما لا يراد بالتأبيد بدليل آخر فمثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٩٣]، فهنا ﴿خَالِدًا﴾ ليس المراد التأبيد؛ لأن قتل المؤمن عمدًا لا يُخرِج من الإيمان، اللهم إلا من استحلَّه، فمن استحله فهو كافر باستحلاله لا بقتله؛ لأن من استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يقتل.
المهم اجعل على بالك أن الخلود أيش؟ البقاء الدائم، قد يؤكَّد بالأبدية، وقد لا يراد به الأبد لدليل.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ﴾ المشار إليه ما أثابهم الله به من الجنات.
﴿جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: مكافأتهم على عملهم، والمحسن يعُمّ من أحسن في عبادة الله، ومن أحسن إلى عباد الله؛ أما الإحسان في عبادة الله فقد فسَّره النبي صلى الله وعلى آله وسلم في قوله: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
فجعل للإحسان مرتبتين؛ الأولى: أن يعبد الله كأنه يراه، وهذه عبادة رغبة؛ لأن الشيء الذي تراه ترغب فيه وتطلبه، «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ»، يعني إن لم تصل إلى هذه الحال، «فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، أي: فاعبده خوفًا منه وهربًا من عقابه، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام للإنسان هاتين المرتبتين.
أما الإحسان إلى عباد الله فهو بذل المعروف لهم، بالمال، والبدن، والجاه، وغير ذلك، فهو بذل المعروف، فمن أعطاك درهمًا فهو محسِن، ومن بَشَّ في وجهك وأدخل السرور عليك فهو محسِن، ومن شفع لك في أمر فهو محسن، إذنْ الإحسان يكون في عبادة الله، ويكون في معاملة عباد الله.
ولما ذكر الله سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء المحسنين قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٦]، والقرآن الكريم مثاني تُثَنَّى فيه المعاني، إذا ذُكِر ثواب المحسنين ذُكِر ثواب المسيئين، وإذا ذُكِر ثواب المسيئين ذُكِر ثواب المحسنين، ليبقى الإنسان بين الرغبة والرهبة.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾ كفروا بالأمر، وكذَّبوا بالخبر، كفروا بالأمر فلم يقوموا بطاعة، ولم ينتهوا عن معصية، وكذَّبوا بالخبر فلم يُصَدِّقوا، فمن أنكر البعث فمن أي القسمين هو؟ مكذِّب، لكنه كافر، هو مكذِّب وكافر، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧]، ومن لم يُصَلِّ فهو كافر.
فإذا قال قائل: هل نقول: إنه لا بد أن يجتمع الكفر والتكذيب؟ فالجواب: لا، إذا وُجِدَ الكفر ثبت الجزاء، إذا وُجِد التكذيب ثبت الجزاء.
ولذلك لو قال قائل: الصلوات الخمس غير مفروضة، ولا أصدق أنها مفروضة، ولكنه يصلي، لا تفوته الصلاة أبدًا، ماذا نقول فيه؟ كافر؛ لأنه مكذِّب، فالجمع بينهما ليس بشرط، بل إذا وُجِد أحدهما ثبت الحكم.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يشمل الآيات الكونية والآيات الشرعية، فمن ادعى أن مع الله خالقًا فهو مكذِّب بالآيات الكونية، ومن أقرَّ بالخالق لكن لم يقبل شريعته فهو مكذِّب بالآيات الشرعية، وقد يوجد من يكذِّب بهما جميعًا، ومن كذَّب ببعض وصدَّق ببعض؟ فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اسم الإشارة هنا للبُعد ولَّا للقرب؟ للبُعد، لكن البُعد قد يكون بُعدًا سُفولًا وقد يكون بُعدًا عُلُوًّا، فإذا كان البعد مشارًا به إلى عالي المرتبة فهو بُعْد عُلُوًّا، مثل قوله تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] هو بين أيدينا الآن ما هو بعيد، لكن لعلوّ مرتبته وشرفه أشار إليه بإشارة البعيد، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فأشار إليهم إشارة البُعد لعلُوّ منزلتهم.
في هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي البُعْدَين أراد؟ السُّفْل، البعد سُفُولًا.
وقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، اعلم أن الله إذا ذكر أصحاب النار أصحاب الجحيم فهذا في الكفار الخُلَّص؛ لأن الصاحب هو الملازم، ولا أحد يلازم الجحيم -يعني النار- إلا إذا كان ممن لا يدخل الجنة، فالذين كفروا وكذَّبوا بآيات الله ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وكذلك الآية التي قبلها: أن أشد الناس عداوة للمؤمنين هم اليهود والمشركون، والمراد من؟ المراد الجنس، ونعني بذلك أنه قد يوجد من اليهود من لا يكون أشد عداوة، وكذلك من المشركين، نجد مثلًا أبا طالب مشرك، ومع ذلك هل كان يودّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ نعم يَوَدُّه، لكن الجنس أن المشركين واليهود هم أشد الناس عداوة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عداوة هؤلاء ظاهرة؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، لكن اعلم أن الظهور والبطون أمران نسبيان، بمعنى أن بعض الناس يظهر له ما يخفى على آخر، وبعض الناس يخفى عليه ما يظهر للآخر، لكن مَن سَبَر الأمور ونظر باعتبار تبيَّن له ذلك، ولَّا قد يقول مثلًا قائل: لا نجد هذا، نقول: إذا لم تجد فهذا لبلادتك؛ لأنك بليد لا تعرف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن غير المسلمين يختلفون في العداوة للمسلمين، من أين نأخذها؟
* طالب: ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾.
* الشيخ: ﴿أَشَدَّ﴾ و﴿أَشَدَّ﴾ اسم..؟
* طالب: تفضيل.
* الشيخ: اسم تفضيل، تدل على أن هؤلاء الأعداء يختلفون، وهو كذلك، هذا هو الواقع، لكن بماذا نعرف الأشد؟ نعرفه بالآثار، إذا تظاهروا علينا وتحالفوا ضدنا وما أشبه ذلك عرفنا أنهم أعداء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أقرب الناس مودة للمؤمنين هم النصارى، وقد بيَّنَّا في التفسير السبب في ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل حكم له سبب، وهذا مطرد يا إخواني، كل حكم شرعي أو قدري فله سبب، لكن من الأسباب ما يُعلَم، ومن الأسباب ما لا يُعْلَم؛ لأن الله تعالى لم يُطلعنا على كل شيء، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن تعليم الله عز وجل في كتابه العزيز؛ لأنه إذا ذكر الحكم أحيانًا ذكر العلة، فهنا ذكر حكمًا قدريًّا، وهو قرب النصارى من مودة المسلمين، هذا حكم قدري، وذكر له علة.
وذكر الله سبحانه وتعالى أحكامًا شرعية كثيرة مقرونة بحِكَمِهَا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، أي هذا المطعوم، وغلط من قال: (إنه) عائد على لحم الخنزير، هذا غلط؛ لأننا إذا أعدنا آخر الكلام على أوله فأوله يقول: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ أي ذلك المطعوم، ﴿مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي المطعوم، ﴿رِجْسٌ﴾، وليس عائدًا على لحم الخنزير.
المهم أن من حسن تعليم الله عز وجل أنه إذا ذكر الحُكْم ذكر العلة، سواء كان الحكم قدريًّا أو كان شرعيًّا، وكذلك في السنة، أحيانًا تُذْكَر العلة، فإن النبي ﷺ أمر أبا طلحة فنادى: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، فَإِنَّهَا رِجْسٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٢٨)، ومسلم (١٩٤٠ / ٣٥) من حديث أنس بن مالك.]].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن قرب مودة النصارى للمؤمنين له أسباب، كم؟
* طالب: خمسة أسباب.
* الشيخ: نشوف، أولًا: ﴿أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾، فيُستفاد من هذا: أن العلم نافع حتى لغير المسلمين، وأن العبادة تُرَقِّق القلب؛ أما الأول فيؤخذ من قوله: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ﴾، وأما الثاني فيؤخذ من قوله: ﴿وَرُهْبَانًا﴾؛ لأن الراهب إنما سلك هذا الطريق يريد رضا الله، فليس مستكبرًا، لكنه طالب لرضا الله، فهو إذا تبين له يكون من أقرب الناس إلى العمل به.
* من فوائد الآية الكريمة: أن بني آدم ينقسمون إلى علماء وعُبَّاد، لكن هل يمكن أن يكونوا علماء عُبَّادًا؟ نعم، وبكثرة، أن يكونوا علماء عُبَّادًا، لكن من الناس من يغلب عليه العلم، ومن الناس من يغلب عليه العبادة، أعني الذين يتصفون بالعلم والعبادة منهم من يغلب عليه جانب العلم، فتجده دائمًا في بحث، وفي تحقيق، وفي مراجعة، ومنهم من يغلب عليه العبادة، ولهذا تجدون في تراجم العلماء -رحمهم الله- أنهم إذا ترجموا لبعض العلماء قالوا: وكان كثير العبادة.
فأيهما أفضل في العالِم؛ أن يكون كثير العبادة، أو كثير المراجعة؟ كثير المراجعة لا شك أفضل، لكن يجب على كثير المراجعة أن يراجِع قلبه، إذا وجد منه قسوة فليشتغل بالعبادة قليلًا؛ لأنه أحيانًا مع كثرة المراجعة والمطالعة والمناقشة يكون الإنسان كأنه بطل بين صَفَّيْن، لا يلتفت مثلًا للصلاة والتهجد وما أشبهها، إذا رأيت من نفسك أنك أبعدت عن العبادة فارددها حتى لا تغفل عن العبادة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أسباب قبول الحق والمودة للمؤمنين التواضع؛ لقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
* ويؤخذ منها: أن الاستكبار سبب لرد الحق، وهو كذلك، التواضع سبب لقبول الحق؛ لأن الإنسان لا يرى نفسه، لا يرى نفسه أنه معصوم من الخطأ، فإذا بان له الحق اتبعه، ولهذا كان في كتاب عمر رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: «لا يمنعنَّك قضاء قضيته اليوم أن ترجع إلى الحق غدًا»[[أخرجه الدارقطني (٤٤٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠ / ١٥٠).]]، أو كلمة نحوها، بمعنى أنك تتبع الحق أينما كان، فتكون مِطْوَاعًا للحق، ذليلًا أمام الحق.
وهل هذا الذل أمام الحق يوجب للإنسان أن يكون ذليلًا بين الناس؟ لا، «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]. ومن تواضع للحق وُفِّقَ للحق، وعلامة ذلك أنك إذا بان لك الحق اتبعته فورًا بدون تردد، بدون جدال، إن ترددت أو جادلت فهو خطر عليك عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ لماذا؟ ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠].
ولذلك إذا بان لك الحق لا تجادل، لا تحاول أنك تروح يمين ويسار لتبرِّر رأيك، إنك على خطر، وقال عز وجل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥]: مختلط، يختلط عليهم الحق بالباطل، إذا كذبوا بالحق إذا جاءهم، انتبه لهذه الفائدة وأنت طالب علم، وربما يخالفك من يخالفك من الناس بمقتضى الدليل، ولكن تريد أن تفرض رأيك، هذا غلط كبير، اتبع الحق أينما كان يتبعك الناس أينما كنت؛ لأن الناس يطلبون الحق، فإذا رأوا منك أنه متى بان لك الحق رجعت رجعوا.
إذنْ التواضع للحق هو في الحقيقة علُوّ، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧٧٩٠) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ضد ذلك الاستكبار، الاستكبار -والعياذ بالله- يوجب أن لا يقبل الحق ولا يتبع الحق.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء القوم الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام، أنهم ﴿إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾، ولا شك أن فيضها من الدمع دليل على أيش؟ على الإيمان والتصديق والتأثر؛ لأن الإنسان كلما آمن فإنه يزداد خشوعًا.
الآن إذا ذكرت آبائك وإخوانك وأصدقاءك الذين ذهبوا وماتوا، ربما تبكي أكثر مما لو ذكرت شيئًا آخر يؤمَن به؛ لأن هؤلاء أدركتهم إدراكًا حسيًّا، فالإيمان كلما قوي صار المؤمن كأنما يشاهد الشيء بعينه، فيزداد إيمانًا وخشوعًا وبكاءً.
نأخذ الفوائد المفردات،* من فوائد قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾ [المائدة ٨٣] أن القرآن نزل من عند الله؛ لأن هذا مبني لما لم يُسَمَّ فاعله ﴿مَا أُنْزِلَ﴾؛ لأن فاعله معلوم، وهو الله الذي أنزله.
فيُستفاد منه: أن القرآن كلام الله، وهو كذلك، تكلم به سبحانه وتعالى حقيقةً، تكلم به على وجه مسموع، من سمعه؟ سمعه جبريل، وهو أمين قوي، نزل به على قلب الرسول ﷺ، فوعاه وعقله، حتى قال له ربه عز وجل: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦، ١٧]، ما يتفرق أبدًا، هو مجموع لك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة ١٨] يعني قرأه جبريل، ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩].
التزامات عظيمة من الله عز وجل لهذا القرآن، مما يدل على عناية الله به -سبحانه وتعالى- ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: نبينه للناس لفظًا ومعنى، ولهذا نقول: لا يمكن يوجد في كتاب الله شيء لا يعرف الناس معناه، إن خفي على بعض علمه آخرون.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: التنويه بالرسول محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿الرَّسُولِ﴾؛ لأن (أل) هنا للعهد الذهني، يعني كأنه رسول معلوم مفهوم لا يخفى على أحد.
* ومن فوائدها: إثبات رسالة النبي ﷺ، وهو رسول الله حقًّا، أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن؟ نعم، نقول: الثناء على من بكى لسماع القرآن، ولكن اعلم أن البكاء نوعان: بكاء متكلَّف مُصْطَنَع، فهذا لا يفيد، وليس التكحل في العينين كالكَحَل، وبكاء آخر من لين القلب، هذا هو المفيد؛ لأنه صادر عن القلب، عن الإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تأثر هؤلاء إنما كان بسبب معرفتهم الحق؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، والإنسان كلما علم الحق ازداد إيمانه به، وازداد تأثره به.
* من فوائد الآية الكريمة؛ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الجملة: الثناء على هؤلاء الذين آمنوا بما أُنْزِل على الرسول ﷺ بأنهم يعلنون الإيمان، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا﴾، لا يُخفُون إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، والمؤمن حقًّا يعلن إيمانه، لا سيما إذا كانوا قسيسين ورهبانًا؛ لأنهم قدوة للناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف الأمم بأن هذه الأمة هي الشاهدة على الأمم؛ لقوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، وهم أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة ١٤٣].
* طالب: تفسيرنا لقوله تعالى: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ هل يُستدل من الآية عداوة النصارى للمسلمين، يكونون على خلاف ما يفهمه الناس الآن؟
* الشيخ: إي نعم، إحنا ذكرنا هذا لأجل أن لا يُفهَم منه الخطأ، يعني قولهم: ﴿أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾، ما دخلوا في المودة، ولا عندهم مودة، وإلا لقال: أشدهم مودة.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، الثبات إذا كان القلب قاسيًا، فقرأ الإنسان القرآن ربما لم يجد رقة فتباكى، إن قلنا: إنه لا يفيد يا شيخ، ربما التباكي يرقِّق قلبه.
* الشيخ: لا، لا، ما هو التباكي، التباكي غير البكاء المصطَنَع، بعض الناس ما يبكي، يعني يجعل صوته كأنه يبكي، وهو ما يبكي.
* الطالب: هذا رياء.
* الشيخ: هذا هو.
* طالب: أكرمك الله يا شيخ، المشكلة يا شيخ وهو الفرق بين التواضع والترفُّع؛ لأن بعض الناس مثلًا إذا تبسَّط مع العامة قد يهونون في نظرهم، خاصة إذا كان مثلًا طالب علم أو عالم، فهل يترك مثلًا التبسط؟
* الشيخ: هذا تصور، ما هو بصحيح، أنا لست أقول: تواضع للعامة، قدم له حذاءه وابسط له ظهرك يركب عليه، لا، لكن لَاقِه بوجه طلق وسماحة؛ لأن بعض الناس حتى من طلبة العلم تجده مع العامي يتكلم بأحد منخريه، ما هو بكل أنفه، وينظر، يعني ما نقدر نقول شيء، تواضع يا أخي، الناس الآن يُثْنُون على الرجل الذي يكون متواضعًا، نسمع يثنون على فلان وفلان؛ لأنه متواضع، لكن ليس معنى ذلك أنك تجعل نفسك ذليلًا أمامهم، لا، التواضع غير الذل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما هو الحد الأدنى الذي لا ينبغي لطالب العلم أن يقصر عنه في العبادة؟
* الشيخ: أنا أظن أن الحد الأدنى الصلوات الخمس بالنسبة للصلاة، الصلوات الخمس برواتبها، والوتر، وما يوجد له أسباب، وكذلك بالنسبة لبذل المال الزكاة والصدقات.
* الطالب: ورد القرآن؟
* الشيخ: ويش لون ورد القرآن، يعني ما يقرأ من القرآن؟ قد أقول: على حسب نشاطه، لكن أخشى أن قول هكذا يتهاون الإنسان؛ لأنه إذا قرأ على حسب نشاطه يوم يقرأ مثلًا جزأين، ثلاثة، ويوم ما يقرأ شيئًا، ويضيع عليه الوقت، ولهذا قال العلماء: ينبغي أن يكون له ورد معين يحرص عليه، وأظن أن الجزأين في اليوم إن شاء الله فيهم بركة، إذا قرأ جزأين كل يوم يحفظ القرآن في الشهر مرتين، هذه نعمة.
* الطالب: الصيام؟
* الشيخ: الصيام ما كان الرسول يصومه؛ ثلاثة أيام من كل شهر، لكن أحيانًا يكون الإنسان يحب الصيام، ولذلك كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يصوم حتى يُقال: لا يفطر، ويٌفطر حتى يقال: لا يصوم[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦ / ١٧٥) من حديث عائشة.]]، لكن الشيء الذي ينبغي أن نواظب عليه صيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لأن الرسول كان لا يدع صيام ثلاثة أيام من كل شهر[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١ / ٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولا يبالي أن يصومها من أول الشهر، أو وسطه، أو آخره.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كيف نجمع بين ذكر الله عز وجل حكاية عن قول هؤلاء وبين أن القرآن معجز.
* الشيخ: ويش التعارض؟
* الطالب: أنهم قد قالوه، قد يقول قائل: إن قولهم معجز.
* الشيخ: إن قولهم معجز؟! لا، هذه ما فيها إشكال، يعني هو الأخ يقول: كيف نقول: إنهم قالوا بهذا اللفظ؟ هم لم يقولوا بهذا اللفظ، فالقرآن يحكي أقوال الآخرين بالمعنى، ولذلك شوف قول السحرة: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠]، والقول واحد، لكن الله تعالى قدَّم ذكر هارون في سورة طه من أجل تناسب الآيات، فكل ما يحكيه الله عن السابقين فهو بالمعنى؛ لأنا نعلم أنهم ما قالوا بالعربية، لغتهم غير عربية، وترتيبهم ليس كترتيب القرآن فيما نعلم -والله أعلم-، وقد يقال: إن الله حكى قولهم، ولكنه صاغه -سبحانه وتعالى- أو تحدث به على ما يريد.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل التفرغ للعبادة وطلب العلم وترك الوظيفة كأن يتيسر له مال؟
* الشيخ: أما إذا كان له ما يقيته فالتفرغ لا شك أفضل، إلا إذا كانت الوظيفة تصلح بوجوده؛ لأن بعض الوظائف تحتاج إلى الشخص، مثل وظائف القضاء، كُتَّاب العدل، وأشياء كثيرة، فالإنسان ينظر للمصالح.
* طالب: قوله تعالى: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ هل يمكن أن يؤخذ منها أن الْمُجْمَل الاتباع؟
* الشيخ: لا، يعني قصدك مطلق المعية؟
* الطالب: مُجْمَل الاتباع.
* الشيخ: ليه؟
* الطالب: لما جاء به الرسل.
* الشيخ: اكتبنا معهم يعني: نفعل كما يفعلون.
* طالب: المنكرون لكلام الله يقولون: إن القرآن ليس كلام الله، إنما هو عبارة عن كلام الله، ما معنى قولهم هذا يا شيخ؟
* الشيخ: يقولون: إن الله سبحانه وتعالى ما تكلم به، لكن خلق أصواتًا لتعبر عما في نفسه، فسمعها جبريل ونزل بها، قول بلا علم، حقيقة أنك إذا تأملت كلامهم انتهيت إلى أن الله ليس بشيء، لا يتكلم، ولا يستوي على العرش، ولا ينزل، ولا يأتي للفصل بين عباده، ولا يفرح، وليس له يد، وليس له وجه، وليس له عين، اللهم لك الحمد، نسأل الله الهداية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة ٨٦ - ٨٨].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فإننا كما بدأنا في الأسبوع الماضي قررنا أن نبدأ بقواعد من قواعد التفسير، وهذا جيد، لكن يحتاج منكم تقييد القاعدة التي تكلمنا عليها؛ لئلا تتكرر؛ لأنه ليس بين أيدينا كتاب نقرأ منه حتى نأمن التكرار، في الأسبوع الماضي تكلمنا على قواعد في..؟
* طالب: تفسير الآية بالمضمون.
* الشيخ: إلى أين نرجع في التفسير؟
* طالب: القاعدة الأولى تكلمنا أنه –التفسير- هل هو فرض عين أو فرض كفاية، وذكرنا التفصيل في ذلك بأنه: ما لا يقوم دين المرء إلا به فهو فرض عين، على كل مسلم أن يعلم تفسيره، وما سوى ذلك فهو فرض كفاية، هذه القاعدة الأولى.
والقاعدة الثانية هي: بماذا يكون تفسير القرآن؟ فذكرنا له ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو تفسير القرآن بالقرآن، وهذا إذا ورد فلا عدول عنه؛ لأن المتكلم بالقرآن هو الله عز وجل، وهو أعلم بمراده،
والمرتبة الثانية: هي تفسير القرآن بالسنة؛ لأن الرسول ﷺ هو أعلم الخلق بمراد الله عز وجل.
والثالث: هو تفسير القرآن بأقوال السلف؛ لأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هم أدرى الناس بما قال الله عز وجل.
* الشيخ: الرابع: التفسير بمقتضى اللغة العربية، فيه شيء آخر؟
* طالب: مراعاة المعنى؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: كقوله تعالى (...) هل يستحسن أن يقف على..
* الشيخ: لا، الوقف والوصل ما يدخل في التفسير.
* طالب: ذكرنا الطريقة المثلى في التفسير أن يفسر الإنسان بنفسه ويحاول أن يستنبط المعاني.
* الشيخ: نعم، هذا أيضًا مهم، أن الإنسان يحاول أن يعرف معنى القرآن بنفسه أولًا، ثم بعد ذلك يرجع إلى ما قال المفسرون، وليس معنى هذا أن يأخذ بما رآه، ولكن يُكَوِّن معنى في نفسه، ثم يرجع إلى أقوال المفسرين؛ لئلا يضل، لكن كونه يقرأ أقوال المفسرين فقط قراءة عابرة كأنه صبي يُرْضَع برَضَّاعة هذا لا يستفيد الفائدة المطلوبة.
أما الليلة فهو في النسخ، نتكلم الآن في النسخ، هل يمكن النسخ في القرآن أو لا يمكن؟ يقال: الصحيح أنه يمكن، يمكن النسخ، وأنه واقع، وهذا هو ما عليه جمهور الأمة، ولا يعنينا أن ينكر ذلك من ينكره، فاليهود مثلًا قالوا: لا يمكن نسخ الشرائع؛ لأننا لو جَوَّزْنَا النسخ لَجَوَّزْنا البداء على الله، أي أنه تبدو له المصلحة بعد أن كانت خفيَّة عليه، فيحكم بشيء، ثم بعد ذلك يعدل عنه؛ لأنه لم يدرِ عن عواقب ما حكم به أولًا.
ومعلوم أنه لا يجوز للإنسان أن يصف ربه عز وجل بالجهل ثم البداء، ولكن الله عز وجل رد عليهم، فقال: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران ٩٣]، فبيَّن أن النسخ واقع، وهو كذلك، ومن أجل إنكارهم النسخ أنكروا نبوة عيسى، ونبوة محمد صلى الله عليهما وسلم، وقالوا: إن شريعتيهما نسخت شريعة التوراة وهذا لا يجوز.
المسلمون مُجْمِعون على جواز النسخ عقلًا، ووقوعه شرعًا، إلا أن أبا مسلم الأصفهاني رحمه الله قال: لا نسخ في القرآن، وحَمَل النسخ الذي ثبت في القرآن على التخصيص.
مثال ذلك: أوجب الله على المسلمين في الجهاد أن الواحد يصابر عشرة، ثم نسخ ذلك وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال ٦٦]، وهذا واضح أن هذا نسخ، وكذلك في الحديث: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا»[[أخرجه مسلم (٩٧٧ / ١٠٦) من حديث بريدة بن الحصيب.]]، هذا أيضًا نسخ واضح، ثبت بنفس القرآن ونفس السنة.
ادعى هو رحمه الله أن هذا تخصيص وليس بنسخ، ووجَّه قوله: بأن الحكم المنسوخ كان عامًّا في جميع الأزمان وفي جميع الأحوال، ثم نُسِخ، فخرج بالنسخ الزمنُ الذي تبقى، وقال: هذا تخصيص.
وبناء على هذا التوجيه يكون الخلاف بينه وبين جمهور الأمة خلافًا لفظيًّا لا فائدة منه، ما دمنا متفقين على أنه يمكن أن يكون هذا الحكم العام في كل زمن، وفي كل مكان، وفي كل أمة، وفي كل حال، يجوز أن يُلْغَى في وقت من الأوقات، فهذا هو النسخ، سَمِّه تخصيصًا، أو سَمِّه نسخًا.
ثم يقال له رحمه الله: ما الفائدة من أن نتحاشى كلمة (نسخ)، والله تعالى في القرآن يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦].
نرجع إلى جواز النسخ عقلًا، أما وقوعه شرعًا فلا شك فيه، لكن كيف يجوز عقلًا؟ ألا يجوز أن يرد ما أورده اليهود؟ بأن الله بَدَا له بعد أن كان خفيًّا عنه أن الحكم منسوخ لا يستقيم؟
فالجواب: لا، الأحكام تثبت بحسب أحوال الأمم، فقد يكون الوجوب مثلًا مصلحة للأمة في وقت، غير مصلحة في وقت آخر، أليس كذلك؟
وقد يكون النسخ لابتلاء المكلَّف، يبتليه الله عز وجل، هل يمتثل أو لا يمتثل، ثم يأتي النسخ؛ لأن بعض الناس قد لا يقبل النسخ، كالذين ارتدوا حينما حُوِّلَت القبلة؛ لأنهم قالوا: كيف أمس نتَّجه إلى بيت المقدس، والآن نتجه إلى الكعبة؟ لا يمكن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة ١٤٣]، ويكفي هذا حكمة.
فإذا كان تغيير الحُكْم ونسخه له حِكَم لم يلزم على الله البداء؛ لأنه سبحانه وتعالى يشرع لعباده من الأحكام ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، أرأيت لو كَلَّفت ولدك بعمل، ثم رأيت هذا العمل شاقًّا عليه، فهل من المصلحة أن تبقيه في هذا العمل الشاق، أو أن تنقله إلى عمل آخر؟ تنقله إلى عمل آخر، هذا مقتضى العقل، فحينئذ يبطل ما ادَّعاه اليهود من أنه يلزم منه البداء على الله، أي الظهور بعد الخفاء.
إذنْ فالنسخ جائز عقلًا، وواقع شرعًا، ثم إن النسخ يكون على ثلاثة وجوه: نسخ للحكم مع بقاء اللفظ، ونسخ اللفظ مع بقاء الحكم، ونسخهما جميعًا، ثلاثة أقسام.
الأول: نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، وهذا كثير، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ١٤٩] هذا نسخ ليش؟ للقبلة الأولى، اللفظ باقٍ ولَّا لا؟ باقٍ؛ لأن الله قال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة ١٤٤]، ومثل قول الله تبارك وتعالى في الصوم: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومثل قوله في الآية في مصابرة العدو أن الله تعالى أوجب أن يصابِر المسلمون عشرة أمثالهم، ثم نُسِخَ ذلك، هذا نسخ أيش؟ نسخ الحكم مع بقاء اللفظ.
وهنا يرد سؤال: ما الفائدة من نسخ الحكم مع بقاء اللفظ، لماذا لم ينسخ اللفظ؛ لأن العمل باللفظ انتهى؟ فيقال: الفائدة بالنسبة للقرآن، أولًا: زيادة الأجر بالتلاوة، وثانيًا: تذكير العباد بنعمة الله عليهم؛ حيث نقلهم من الأشد إلى الأخف، أو بالعكس، أو بالمماثل، لكن المهم التذكير بالنعمة.
القسم الثاني عكس هذه المسألة، وهو: نسخ اللفظ مع بقاء الحكم، مثاله آية الرجم، آية الرجم كانت قرآنًا يُتْلَى.
يقول عمر رضي الله عنه: «قرأناها ووعيناها، ورجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]]، فهي كانت موجودة في القرآن، أين لفظها؟ غير موجود، ما في القرآن أن الثيب يُرْجَم إذا زنى، فاللفظ غير موجود -أعني اللفظ المنسوخ- ولفظ الناسخ؟ الناسخ موجود أو غير موجود؟ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور ٢]، والثيِّب جاء في السنة، فهنا لا يوجد آية الرجم في القرآن، لفظها غير موجود.
فما هي الآية التي نُسِخَت؟ ورد أن لفظها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم)[[أخرجه أحمد (٢١٢٠٧) من حديث أبي بن كعب.]]، لكن هذا لا يصح، هذا اللفظ لا يطابق الحكم؛ لأن الحكم منوط بأيش؟ بالثيوبة، ما هو بالشيخوخة، وعمر رضي الله عنه يقول: «وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن وكان الحبل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥). ]].
فقوله: إنه حق ثابت في القرآن على من زنى إذا أحصن، ما قال: إذا شاخ، قال: إذا أحصن، يتبين أن لفظ الآية المنسوخة ليس كما رُوِيَ، ولذلك لو زنى الشيخ وهو بكر لم يُرْجَم، ولو زنى الشاب وهو ثيِّب يُرْجَم، إذن الآية غير معروفة اللفظ، لكن نعلم أنها لفظ دالٌّ على ما ذكره عمر رضي الله عنه.
فإن قال قائل: ما الحكمة من أنه يُنْسَخ اللفظ ويبقى الحكم؟ لأننا ذكرنا أن بقاء اللفظ فيه فائدة وهي التلاوة، لكن هنا ما الفائدة؟ الفائدة -والله أعلم- أنه يتبين فضل هذه الأمة على من سبقها، فاليهود حاولوا إخفاء آية الرجم، مع أنها موجودة في التوراة، لكنهم تركوا العمل بها، وسبب ترك العمل بها أنه كثر الزنا في أشرافهم، وشق عليهم أن يقتلوا أشرافهم، فأحدثوا حكمًا جائرًا ليس في شريعة الله.
هذه الأمة -ولله الحمد- عملت بحكم لا يوجد نصُّه، فأظهرت الحكم مع خفاء الدليل، واليهود بالعكس؛ أبطلوا الحكم مع وجود الدليل، هذا ما تبيَّن من الحكمة.
وقد يقال: إن هناك حكمة أخرى، وهي: بشاعة الجريمة؛ لأن زنا الثيِّب لا شك أنه بشع، وأقبح مِن زنا الشاب، ولذلك كانت عقوبته الرجم، بخلاف غير المحصن.
هذا الأخير الإنسان يتردد في أن هذا هو الحكمة؛ لأنه سيقول: إن هذا هو مراد الله عز وجل، وهذا صعب؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر ما هو أبشع من هذا، وهو إتيان الذكر –اللواط- صريحًا: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦].
لكن الوجه الأول وهو: بيان فضل هذه الأمة على من سبقها واضح.
بقي القسم الثالث وهو: نسخ اللفظ والحكم، هذا له مثال، وهو حديث عائشة في الرضاع: «كان فيما أُنْزِل عشر رضعات معلومات يُحَرِّمن، فنُسِخْنَ بخمس معلومات»[[أخرجه مسلم (١٤٥٢ / ٢٤).]]، الآن لا تجد عشر رضعات، لا في القرآن، ولا في الحكم، عشر رضعات العمل بها منسوخ، إلى كم؟ إلى خمس، الخمس منسوخة لفظًا لا حكمًا، والعشر منسوخة لفظًا وحكمًا.
فيه أقسام أيضًا للنسخ لكن الوقت ضاق علينا، نؤجله إن شاء الله إلى الدرس القادم.
* * *
نعود إلى درسنا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، تقدم الكلام عليها، وعلى فوائدها.
قال الله تعالى عن هؤلاء النصارى الذين أسلموا، قال: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية من الفوائد: دفع اللوم عن الإنسان، يعني الإنسان ينبغي أن يدفع اللوم عن نفسه، ولا يبدي عِرْضَه لعباد الله يعملون ما يشاؤون فيه، ولهذا أصل من السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قام يقلِب إحدى زوجاته وهي صفية رضي الله عنها بعد أن بقيت عنده، قام يقلِبها، فمرَّ به رجلان من الأنصار، فلما رأيَا رسول الله ﷺ ومعه أهله خجلَا وسارَا بسرعة، فقال لهما: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فقالَا: سبحان الله،» يعني لا يمكن أن يقع في قلوبنا شيء، فقال لهما: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي.]]، أو قال: «شَيْئًا»».
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا على الوجه الثاني في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾: حمل النفس عند الوسواس على الإيمان والعمل الصالح، يعني إذا رأيت في نفسك فتورًا فقوِّها، قَوِّ عزيمتها؛ لأننا ذكرنا في قوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ﴾ احتمالين.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به الرسول ﷺ حق بشهادة من سبق من الأمم؛ لقوله: ﴿وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ﴾.
وهل يعتد بشهادة الأمم السابقة؟ الجواب: نعم يُعْتَدُّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس ٩٤].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يُعْجَب بعمله، فيشهد لنفسه أنه من أهل الجنة؛ لقولهم: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا﴾، ولم يجزموا بذلك.
ولهذا مهما عملت من عمل صالح مبني على الإيمان لا تُزَكِّ نفسك، لا تدري فلعل هناك سرًّا في القلب لا تشعر به -أعاذنا الله وإياكم من النفاق- «وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٩٨)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد.]].
يمكن أن نأخذ من هذا أنه لا يُشْهَد لأحد بالجنة لكونه مؤمنًا عاملًا صالحًا؟ يمكن، ولهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة ألَّا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اختيار الرفيق الصالح؛ لقوله: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا أمر دَلَّت عليه السنة دلالة صريحة؛ فإن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ؛ إِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، أَوْ أَنْ يُحْذِيَكَ، أَوْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
ثم قال تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل، حيث أثاب هؤلاء الذين مَنَّ عليهم بالإيمان بهذا الجزاء العظيم.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وأمثالها، وقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى أن يدخل الجنة أحد بعمله، مع أن النصوص كثيرة في أن العمل يدخل به الإنسان الجنة؟
فالجواب أن يقال: الباء تكون للسببية أحيانًا، وتكون للعِوَض أحيانًا، فإذا قلت: بعت عليك هذا الثوب بدرهم، فالباء للعِوَض، ولا يمكن أن تكون للسببية، وإذا قلت: أكرمتك بما أكرمتني، صارت للسببية، فالمنفيُّ هو أن تكون الباء للعوض، «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، يعني لا يمكن أن يكون العمل كالدرهم بالنسبة للثوب في البيع، لا يمكن هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو أراد أن يحاسبنا على أعمالنا لكانت نعمة واحدة من نعمه تحيط بأعمالنا كلها، بل إن توفيقنا للعمل الصالح يا إخواننا نعمة تحتاج إلى شكر.
فإذن لا يمكن أن يكون دخولنا الجنة _وأسأل الله أن يدخلني وإياكم إياها_ لا يمكن أن يكون عوضًا عن العمل، لكن يكون سببًا، وبهذا الجمع يزول الإشكال، واعلم أنه لا يمكن أن يقع تعارض بين نصوص الكتاب والسنة أبدًا، فإما أن لا يكون تعارض، وإما أن يكون تعارض بحسب فهم المستدِلّ، أما أن يوجد تعارض بين كلام الله بعضه ببعض، أو بين كلام الله وما صح من سُنَّة الرسول، أو بين سُنَّة الرسول بعضها مع بعض فهذا مستحيل.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجنة، وأنها أنواع؛ لقوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجنة ذات أنهار مطردة تحت هذه القصور والأشجار، ولا يمكن للإنسان أن يتصور ذلك المنظر العظيم البهيج السارَّ أبدًا؛ لأن الجنة فوق ما ندرك، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وهذا في القرآن، وكما قال تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا في الحديث القدسي.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الأنهار في الجنة أنواع؛ للجمع: ﴿الْأَنْهَارُ﴾، وقد مر علينا تفسير أنواعها.
* من فوائدها: أن نعيم الجنة دائم؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، وقد قررنا أن الخلود ما هو المكث الطويل، هو المكث الدائم، إلا بدليل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإحسان؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، «وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٢٦ / ١٤٤) من حديث أبي ذر.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علُوُّ هذا الجزاء؛ لقوله: ﴿وَذَلِكَ﴾، حيث أشار إليه بإشارة البعيد.
المائدة 5:86
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
* من فوائدها: أن الكفر والتكذيب بآيات الله من أسباب دخول النار والخلود فيها؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان هذا القرآن الكريم، وأنه مثاني تُثَنَّى فيه المعاني والأحوال، حتى لا يَمَلَّ القارئ، وحتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان الواعظ للناس أن لا تكون موعظته بالترغيب دائمًا، أو بالترهيب دائمًا؛ لأنه إن أدام الترغيب أوقعهم في الأمن من مكر الله، وإن أدام الترهيب أوقعهم في القنوط من رحمة الله، فالواعظ في الحقيقة كالطبيب، إن أعطى جرعة زائدة هلك المريض، وإن نقص لم يبرأ المريض، لا بد أن يكون الإنسان يراعي الأحوال، لا يقتصر على الترغيب دائمًا، ولا على الترهيب دائمًا، وإذا قلنا بهذه القاعدة تبيَّن لنا أن من الناس مَن الأَوْلَى بحقه الترغيب، ومن الناس مَن الأَوْلَى بحقه الترهيب، إذا رأيت شخصًا مقبلًا على طاعة الله حريصًا عليها، فهنا ماذا نقول؟ الأَوْلَى الترغيب، حتى نَحُثَّه على الطاعة وتقدمها، ونؤمله القبول، وإذا رأيت أحدًا بالعكس متهاونًا بالطاعة، مُصِرًّا على المعصية، فهنا جانب الترهيب أولى، ومع ذلك نأمره بالتوبة ونُرَغِّبُه في قبولها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذا الاسم للنار، وهو الجحيم، ولها أسماء متعددة، وأسماؤها تعتبر أوصافًا لها، فجهنم، والنار، والحريق، وما أشبه ذلك، هذه كلها أسماء تعتبر أوصافًا.
المائدة 5:87
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، فيما يتعلق بالنسخ، بعض العلماء يقول: إن اصطلاح المتقدمين من الصحابة وبعض التابعين للنسخ أوسع من اصطلاح المتأخِّرين.
* الشيخ: صحيح، بعض السلف يطلق التخصيص على النسخ، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، أجاز بعض السلف أن يجمع الإنسان بين الأختين في ملك اليمين، يعني يطأهما، وقال: الآية عامة، لكن عبَّر بعض السلف قال: هذه الآية نسختها آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء ٢٣]، فقال: نسختها، ويريد بذلك التخصيص، وله وجه؛ لأن التخصيص نَسْخٌ للعموم، فله وجه.
* الطالب: سورة البقرة، آخر آية هل هي نسخ أو بالتخصيص ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]؟
* الشيخ: لا، الظاهر -والله أعلم- إطلاق النسخ عليها من باب التخصيص، أو التبيين أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤] هذا من الأمور العملية والقلبية، أما مجرد الفكر فقد تجاوز الله عنه.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل نسخ القرآن بالسنة، هل السنة نسخت الـ..؟
* الشيخ: فيه مثال وهو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ أي: الفاحشة، ﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٦]، والحديث الذي صحَّحه كثير من الأئمة: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فهذا الحديث ينسخ قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾، الحديث ينسخ الآية، هذا نسخ القرآن بالسنة، والمثال عزيز جدًّا، يعني قليل جدًّا جدًّا.
كما أن القرآن يخصِّص السنة، مثل اشتراط النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية أن مَن جاء من المشركين مسلمًا فإنه يُرَدُّ عليهم[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة.]]، وهذا عام للرجال والنساء، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا من الأمور العزيزة النادرة؛ أن يكون القرآن يخصِّص عموم السنة.
* طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، ﴿أَشَدَّ﴾ هذا إذا جعلناه مفعول أول أبلغ من لو جعلناه مفعولًا ثانيًا، أحسن الله إليك، ما فهمت وجه إنه أبلغ.
* الشيخ: تفهم إن شاء الله هذا في وقت آخر؛ لأنه تكلمنا عليها كثيرًا.
* طالب: أسأل الله أن يحسن إليك، كما لا يخفى أن الخوف والرجاء من العبادات القلبية، فكيف يستطيع الإنسان يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟
* الشيخ: وهذا ليس انفعالًا في الواقع، وإذا قُدِّر انفعالًا فإننا نقول: الإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه أيرجوه أو لا؟ يرجوه، وإذا خُوِّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا وقرروا وعملوا به يا شيخ، والحقيقة تقصر عقولنا عنهم فهمًا وعملًا، كيف (...) يا شيخ؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل، ما فيه دليل، بعض من الناس الحين، آية الرجم؟
* الشيخ: سبحان الله! عمر رضي الله عنه موفَّق للصواب، وعنده فراسة عجيبة، هو نفسه رضي الله عنه قال: «أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥).]]، وهذا الذي ذكرت الآن هو ما توقعه عمر، وإلا هو يُعلِن على منبر الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ويكون الأمر على خلاف ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما مدى صحة قول من يقول: إن النار دركات، وكل دركة لها اسم؟
* الشيخ: يعني معناه يجعل الأسماء هذه بحسب الدركات، ما هو صحيح، الصحيح أنها أسماء لمسمى واحد.
* الطالب: (...) الدرك الأسفل من النار؟
* الشيخ: إي نعم، كما أن البيت اسم واحد، وفيه سطح، وفيه مصباح، وفيه بدروم، وغيره.
إذا خُوّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حكم وأقروه وعملوا به يا شيخ، تقصر عقولنا عنه فهمًا وعملًا، كيف العدول عنه يا شيخ؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل؟ ما فيه دليل (...) آية الرجم؟
* الشيخ: سبحان الله! عمر رضي الله عنه موفّق بالصواب، وعنده فراسة عجيبة، هو نفسه رضي الله عنه قال: «أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وهذا الذي ذكرت الآن هو ما توقعه عمر فهمت؟ وإلا هو يُعلن على منبر الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ويكون الأمر على خلاف ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن.
* طالب: ما مدى صحة قول من يقول: إن النار دركات؟
* الشيخ: يعني معناها يجعل أسماء هذه بحسب الدركات؟ ما هو صحيح، الصحيح أنها أسماء لمسمى واحد.
* طالب: في الدرك الأسفل من النار.
* الشيخ: إي، كما أن البيت اسم واحد، وفيه سطح، وفيه مصباح، وفيه بدروم وغيره.
الفرق بينهما أن مطلق الشيء يعني الجزء منه والشيء منه؛ يعني معناه أنه يسمى شيئًا، مطلق الشيء يسمى شيئًا، والشيء المطلق يعني الشيء الكامل، المطلق يعني من غير قيد اللي ما يُقال: إنه قليل، ولا يقال: إنه ضعيف، ولا شيء، فالشيء المطلق الكامل من الشيء، ومطلق الشيء يعني الذي يصدق عليه أنه شيء وإن لم يكن كاملًا.
* طالب: لذلك قلنا: فيه إطلاق.
* الشيخ: لا، بس فرق بين أن تضيف الإطلاق إلى النوع أو إلى الجنس، وأن تصف النوع بالإطلاق، الشيء المطلق يعني الكامل، مطلق الشيء يعني معناه أنه ما يصدق عليه الشيء وإن لم يكن كاملًا.
* * *
نكمل ما تقدم في النسْخ حتى يكمل البحث فيه. ذكرنا أمس أن النسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا، علل لجوازه عقلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: يقال في معظم الأحكام: إذا شرعت في زمان معين لأمة معينة، فتصلح له، وقد لا تصلح لغيرها، فيكون من الحكمة أن يشرع لمن بعدها خلاف ما شرع لمن قبلها حيث..
* الشيخ: لأن أحكام الله تعالى يُراد بها مصالح العباد، وهي تختلف في كل زمان أو مكان أو حال، فلذلك كان مقتضى الحكمة أيش؟
* الطالب: نسخ الأحكام.
* الشيخ: نعم، نسخ الأحكام. واقع شرعًا هات مثالًا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] ودليل وقوعه؟
* الشيخ: إي، وقوعه.
* الطالب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ﴾ [الأنفال ٦٦].
* الشيخ: واقع شرعًا.
* الطالب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ بعد أن قال؟
* الطالب: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال ٦٥].
* الشيخ: ﴿مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآن﴾ [الأنفال ٦٥، ٦٦].
* الطالب: ﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾.
* الشيخ: كمِّل.
* الطالب: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾.
* الشيخ: صحيح ﴿صَابِرَةٌ﴾.
* الطالب: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٦٦] بارك الله فيك.
النسخ يكون نسخ لفظ، أو نسخ حكم، أو نسخهما، نسخ اللفظ؟
* طالب: أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم.
* الشيخ: نعم، أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم، مثاله؟
* الطالب: آية الرجم التي نُسخت فكانت..
* الشيخ: الرجم يعني رجم أيش؟
* الطالب: رجم المحصَن.
* الشيخ: الزاني المحصن، نعم.
* الطالب: نُسخت، وبقي حكمها.
* الشيخ: كانت تُقرأ في كتاب الله، ثم نسخ لفظها، وبقي حكمها، ما هو الدليل؟
* الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن مما أنزل من القرآن آية الرجم»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] (...) هذا الدليل.
* الشيخ: كمّل: «إن مما أنزل الله تعالى على رسوله آية الرجم قرأناها، وحفظناها، ووعيناها، ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده. وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن، وكان الحبَل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]. أفهمت؟ إذا قامت البينة وكان الحبل أو الاعتراف.
ما هي الحكمة من نسخ اللفظ دون الحكم؟
* طالب: نسخ اللفظ دون الحكم لتذكير العباد بنعمة الله عز وجل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أو لتبيين فضل هذه الأمة على غيرها.
* الشيخ: نعم؛ لتبيين فضل هذه الأمة على غيرها؛ حيث عملت بالرجم مع أنه لا يوجد لفظه في كتاب الله، واليهود بالعكس جحدوا آية الرجم حتى إنهم لما جاؤوا بالتوراة وضع الذي يقرأ يده على آية الرجم حتى لا تَبين.
الثاني: نسخ الحكم وبقاء اللفظ، مثاله؟
* طالب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ﴾، الآية في الأول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال ٦٥، ٦٦].
* الشيخ: أين المنسوخ؟
* الطالب: الأول.
* الشيخ: الآية الأولى نُسخ حكمها، وبقي لفظها، بارك الله فيك، الحكمة؟
* طالب: أن بقاء اللفظ فيه (...) أخرى مثل زيادة الأجر كما في الصلاة.
* الشيخ: أن في بقاء اللفظ زيادة الأجر.
* الطالب: وأيضًا تذكُّر نعمة الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: التذكير بنعمة الله عز وجل، الثالث؟
* الطالب: نسخ الحكم واللفظ معًا.
* الشيخ: نعم، نسخ اللفظ والحكم معًا، مثاله؟
* طالب: العشر رضعات.
* الشيخ: مثل العشر رضعات؟ يعني عشر رضعات نُسخت إلى خمس عشرة رضعة؟!
* الطالب: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن»[[أخرجه مسلم ( ١٤٥٢ / ٢٤) من حديث عائشة.]]، العشر إلى خمس، الأولى منسوخة لفظًا وحكمًا.
* الشيخ: العشر منسوخة لفظًا وحكمًا؛ لأن حكمها نُسخ بخمس ولفظها لا يوجد.
فيه تقسيم آخر للنسخ: النسخ تارة يُنسخ إلى أثقل، وتارة ينسخ إلى أخف، وتارة ينسخ إلى مساوٍ، ثلاثة أقسام: تارة ينسخ إلى أثقل، مثال ذلك: الصوم، أول ما فرض الصوم (...) الناس مخيرون بين أن يصوم الإنسان أو يفدي، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سلمة بن عقبة رضي الله عنه، أول ما نزل الصيام صام من شاء صام ومن شاء افتدى، ثم تعيّن الصوم، أيهما أثقل؟
* طالب: الناسخ.
* الشيخ: تعيين الصوم؛ لأن المخيّر إن شاء هذا أو هذا، فإذا تعين الصوم صار أثقل.
الثاني: إلى أخف، مثاله: آية المصابرة التي قرأنا ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال ٦٥] إلى آخره، هذه نسخت إلى أخف، ومما نسخ إلى أخف؛ الصلوات الخمس نُسخت من خمسين إلى خمس.
الثالث: النسخ إلى مساوٍ، بالنسبة لفعل المكلف لا فرق بين هذا وهذا كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، فهنا الفعل بالنسبة للمكلف واحد، الإنسان لا فرق أن يتجه يمينًا أو شمالًا، فلننظر إذا نسخ من أخف إلى أشد ففيه فائدتان؛ الفائدة الأولى: زيادة الأجر؛ لأن العمل إذا شق على المكلف لا بفعل نفسه واختياره فله أجر يزداد أجره. انتبه للقيد! إذا شق على المكلف أيش؟
* طالب: لا بفعله واختياره.
* الشيخ: لا بفعله واختياره فهو أفضل، ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٨٧)، ومسلم ( ١٢١١ / ١٢٦) من حديث عائشة بلفظ: «وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ».]]. يعني على قدر المشقة، أما ما كان بفعل المكلف واختياره فهو إلى الإثم أقرب منه إلى الأجر، مثال الأول: إنسان قام يتوضأ في البر، وليس عنده إلا ماء بارد، وليس عنده ما يسخن به، فتوضأ بالماء البارد، فيه مشقة ولَّا لا؟
* طلبة: فيه.
* الشيخ: فيه مشقة، آخر قام يتوضأ وعنده ماء ساخن، وماء بارد فتوضأ بالماء البارد، أيكون أفضل مما لو توضأ بالماء الساخن؟
لا، بل هو إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة؛ لأن هذا باختياره، إذن النسخ من الأخف إلى الأشد فيه أيش؟
* طلبة: زيادة الأجر.
* الشيخ: زيادة الأجر، فيه أيضًا بيان حكمة التشريع، حيث يتبين للإنسان أن التشريع في هذه الشريعة الإسلامية يأتي بالتدريج الأسهل فالأسهل حتى لا يصطدم الناس بالشريعة الكاملة، وانظر إلى تحريم الخمر، تحريم الخمر جاء على درجات: درجة تعريض، درجة مؤقتة بوقت معين، درجة محرمة نهائيًّا، التعريض يبينه لنا الأخ، تحريم الخمر بالتعريض؟
* طالب: قال الله تعالى: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب آخر: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة ٢١٩].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ التحريم ما هو الإباحة.
* طلبة: التعريض.
* الشيخ: التعريض ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، فهنا لما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ العاقل ما يفعل.
التحريم في وقت معين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟
* طالب: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣].
* الشيخ: نعم، ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فهنا حرم شرب الخمر في وقت قريب من الصلاة؛ لأنه إذا شرب في وقت قريب من الصلاة لزم أن تأتي الصلاة وهو سكران.
الثالث: التحريم النهائي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة ٩٠].
إذن يتبين بذلك أيش؟
* طلبة: حكمة التشريع.
* الشيخ: حكمة التشريع في الشريعة الإسلامية، هل هذه الحكمة باقية إلى الآن؟ بمعنى لو رأينا شخصًا يشرب الخمر، هل لنا أن نقول: اترك الخمر بالتدريج أو نقول: الآن؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: إذا أمكن الثاني لا بأس، لكن قال: لا يمكن، فإذا قلنا له بالتدريج، وكذلك شرب الدخان بالتدريج، فهذا لا بأس به إذا لم يمكن إلا ذلك؛ لأنه إذا تعذّر الكمال أخذنا به شيئًا فشيئًا. بقينا بأيش؟
القسم الثالث: المساوي، مثل الاتجاه من بيت المقدس إلى الكعبة، قد يقول قائل: ما الفائدة من ذلك؟
نقول: الفائدة لا يمكن أن يكون هذا النسخ إلا لسبب، فمثلًا أيهما أشرف الكعبة أو بيت المقدس؟
لا شك أن الكعبة أفضل، لكن لو فرضنا أنه لا فرق بينهما إطلاقًا فإن فائدته امتحان المكلَّف واختباره، هل هو تابع لشريعة الله أو هو تابع للهوى؟
فيقول: ليش إن الله ينسخ هذا إلى هذا وهما سواء؟ أنا سأفعل ما شئت.
ففائدة النسخ إلى المماثل أيش؟ اختبار المكلَّف هل يكون منقادًا تمامًا لشريعة الله أو هو متبع لهواه، وبهذا انتهى ما أردنا أن نتكلم عنه في باب النسخ.
* طالب: الحكمة من النسخ إلى الأخف.
* الشيخ: ما ذكرناها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إي، الحكمة من النسخ من الأشد إلى الأخف واضحة جدًّا؛ وهي التخفيف على الأمة.
* * *
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة ٨٧].
هذه ثلاث جمل، بل أربع جمل؛ الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وتصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يستلزم انتباه المخاطب، وإصدار الخطاب بوصف الإيمان يدل على أن ما سيُذكر من خصال الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن فيه إغراء للامتثال؛ لأنك إذا وصفت شخصًا بوصف لتأمره أو تنهاه فهذا من باب الإغراء بهذا الوصف، ولذلك تقول لشخص: أنت رجل كيف تفعل كذا وكذا؟!
قولك: أنت رجل؛ يعني مقتضى الرجولة أيش؟ ألَّا تفعل. وتقول: يا فلان، أنت كريم، وهذا سائل؛ يعني فأعطه.
الجملة الثانية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هذه ناهية ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ أي: لا تجعلوه حرامًا، وتحريم ما أحل الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فلننظر أيها المراد: خبر، وإنشاء، وامتناع، فالخبر أن يقول: الضأن حرام، يخبر، هذا نقول له: إنك كاذب، لماذا؟ لأن الضأن حلال، وهو قال: إنه حرام كاذبًا.
الإنشاء أن يحرم ما أحل الله كما فعل أهل الجاهلية بالسائبة والوصيلة والحام، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام ١٣٩]. هذا التحريم أيش؟ إنشاء؛ يعني أراد أن يحكم بأن هذا الشيء حرام على جميع الناس، هذا هو الذي يراد بالآية الكريمة، وحقيقته الحكم بغير حكم الله عز وجل.
الثالث: الامتناع؛ يعني أن يقصد الامتناع، هو ما مقصد أنه حرام وما قصد إنشاء الحكم عليه بالتحريم، ولا قصد الخبر، وإنما قصد الامتناع، فهذا حكمه حكم اليمين؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]. أفهمتم الآن ولَّا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: واضح؟ إذا قال: هذه الخبزة عليَّ حرام، يريد الامتناع، ما قصده أن حكمها حرام في شرع الله، ولا أن يخبر أنها حرام، لكن أراد أن يمتنع، فهذا حكمه حكم اليمين؛ الدليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢].
هذه ثلاثة أقسام في التحريم: إخبار، وإنشاء، وامتناع، أيها المراد؟ الإنشاء، ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ لأنه طيب، ولأنه حلال فكيف تحرّمونه؟!
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: تجاوزوا حدودكم؛ لأن الإنسان له حد، فكونه يحلِّل ويحرِّم هذا اعتداء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦].
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ هذه الجملة الثالثة، أخبر عز وجل أنه لا يحب المعتدين في حقه ولا في حق عباده؛ لأن الله عدل أحكم الحاكمين، فلا يحب أن يعتدي أحد لا في حقه ولا في حق العباد.
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة ٨٨].
﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وهو في معناه مشترك بين الإباحة وبين الوجوب وبين الندب، فمن توقّفت حياته على الأكل فأكله واجب، ومن احتاج، ولكن لا ضرورة فأكله مستحب، ومن كان لا يحتاج، وليس بمضطر فالأمر للإباحة.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مما أعطاكم.
﴿حَلَالًا﴾ أي: حال كونه حلالًا أي محلَّلًا، فهو مصدر بمعنى اسم مفعول.
﴿طَيِّبًا﴾ أي: لا خبيثًا، وهل الوصف هنا وصف ملازم يعني لأن كل حلال طيب، أو المعنى حلالًا طيبًا في كسبه، فالمعنى أنه حلال في ذاته طيب في كسبه؟
الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام مؤسِّسًا أو مؤكِّدًا فحمله على أن يكون مؤسسًا أولى، فنقول: ﴿حَلَالًا﴾ أحله الله، ﴿طَيِّبًا﴾ أي: من حيث الكسب.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: الزموا تقوى الله عز وجل.
﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا من باب الحث على التقوى؛ يعني ما دمتم مؤمنين بالله عز وجل فاتقوه، وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جملة اسمية تدل على الثبوت؛ يعني أنه قد تقرر عندكم الإيمان بالله، فإذا كان كذلك فاتقوا الله.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: النهي عن تحريم طيبات ما أحل الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٨٧]. وهذا التحريم هل يعم الأقسام الثلاثة التي ذكرناها؟
نعم، يعمها لكن بعضها أشد من بعض، فالتحريم الإنشائي أشدها؛ لأنه مشاركة لله في حكمه، والتحريم الخبري محرم؛ لأنه كذب، والتحريم الامتناعي أيضًا محرّم؛ لأن الله عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام عليه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦ / ٣) من حديث عبد الله بن عمر.]].
* ومن فوائد هذه الآية: النهي عن العدوان؛ يعني الاعتداء في حق من؟ في حق الله وفي حق العباد.
* ومنها: الإشارة إلى أن تحريم ما أحل الله من باب العدوان؛ لأن الله قال: لا تُحرّموا ولا تعتدوا، وهو إشارة إلى أن هذا من باب العدوان، وأيهما أشد أن يحرِّم الحلال، أو أن يحلّل الحرام؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: أن يحرم الحلال؛ لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قُدّر أنه حرام بناء على الأصل، الأصل في الأشياء أيش؟ الحِلّ إلا الشرائع فالأصل فيها الحذر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى مِنّة الله تبارك وتعالى على عباده فيما أحل لهم.
﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولو شاء الله عز وجل لحرم علينا، لحرّم علينا طيبات أُحلّت لنا كما حرم ذلك على بني إسرائيل حيث قال عز وجل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]؛ يعني بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات، وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يُحْرَم الطيبات تحريمًا قدريًّا لمعصيته، مثل أن يكون رجل إذا أكل اللحم تأثّر، مرض، هذا يعني أنه يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم، وهذا تحريم قدري ولَّا شرعي؟
* الطلبة: قدري.
* الشيخ: قدري، إنسان مثلًا فيه السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، يجتنب السكر، هذا التحريم أيش؟
* طلبة: قدري.
* الشيخ: قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط بل حتى القدري.
ومن التحريم القدري: أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
فإن قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات؟
قلنا: نفيه محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لا يحب مطلقًا لم يكن لنفي محبته المعتدين فائدة؛ لأنه أصلًا لا يحب، والذين قالوا: إن الله لا يحب لم ينكروا المحبة، لكن حرّفوها، ففي الآية إذن ردّ على منكري محبة الله عز وجل مثل من؟
الأشاعرة -الذين هم أقرب أهل التعطيل لأهل السنة- ينكرون محبة الله، يقولون: إن الله لا يحب أحدًا، لا يحب ولا الرسول؟! قالوا: ولا الرسول، أليس رسولنا قال: إن الله اتخذني خليلًا؟! قالوا: نعم، لكن زاد ثوابه؛ لأن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، وفسّروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، والحقيقة أننا نسأل الله لهم العفو، وأن يهدي أحياءهم؛ أنهم حُرِموا لذة محبة الله عز وجل، الإنسان إذا شعر بأن الله يحبه يفرح ويزداد في محبة الطاعات وكراهة المعاصي؛ لأنه يعلم أن ربه عز وجل يحبه من فوق سبع سماوات، وإذا كان المعنى يُثيبه فهو يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فحُرموا لذة محبة الله؛ لأنهم أنكروها.
إذن المهم أن في الآية إثبات المحبة، وإذا قال قائل: ما طريق إثباتها؟
قلنا: لأن نفيها عن المعتدين أيش؟ يدل على ثبوت أصلها؛ إذ لو لم يكن أصلها ثابتًا لم يكن فائدة في نفيها عن المعتدين، وهذا نظير استدلال الشافعي رحمه الله على رؤية الله في نفي الرؤية عن الفجار حيث قال عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
قال: لو كانت الخلائق محجوبة عن الله كلها لم يكن في نفي حجب الرؤية عن الفجار فائدة، نفي الرؤية عن الفجار دليل على إثباتها لمن؟
* طلبة: للأبرار.
* طالب: للمتقين.
* الشيخ: للأبرار.
* ومن فوائد الآية التي تليها: أمر الإنسان بالأكل مما رزق الله، ضده عدم الأكل، عدم الأكل مما رزق الله ثلاثة أقسام؛ الأول: أن يترك الأكل مع خوف الهلاك إذا لم يأكل، فهنا ترك الأكل حرام؛ لأنه يجب على الإنسان أن ينقذ نفسه، وبهذا نعرف سفه أولئك الذين يُضربون عن الطعام، نعرف سفههم في عقولهم وضلالهم في دينهم، بعضهم يُضرب عن الطعام حتى يحمل إلى المستشفى كالميت، هذا حرام لا شك في هذا، وإذا كان ليس به ضرورة للأكل، لكنه يحتاج إلى الأكل لتقوية البدن، فهنا الأكل أيش؟ مستحب؛ لأنه لو ترك لم يهلك، لكنه في حاجة نقول: لا تمنع نفسك، والثالث: أيش؟ أن يترك الأكل تنزهًا، فهذا يُنهى عنه، ويقال: كل مما أباح الله لك، بعض الناس لا يأكل من طيّب الطعام تزهدًا وورعًا، فماذا نقول عنه؟
نقول: هذا خطأ، أفضل الخلق محمد عليه الصلاة والسلام كان يختار الطيب من الطعام، أليس قد جاؤوا له بالتمر الطيب بدل التمر الرديء؟ بلى، ومع ذلك ما نهاهم، ما قال: ليش تأتون لي بالطيب؟ بل أرشدهم إلى أن يأتوا بالطيب لكن بطريق مباح.
فتنزه بعض الناس عن الطيبات تورعًا وتزهدًا، نقول: لا، أنت الآن مجانب للورع؛ لأن الورع اتباع الشرع، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، واتباع الشرع مما ينفع في الآخرة، فأنت الآن لا زاهد ولا ورع، نعم، لو فرض أن الإنسان -بصفة خاصة- يجد من نفسه أنه لو اختار الطيبات لحصل الأشر والبطر، فهنا قد نقول: أيش؟ اترك الطيبات لئلّا تصاب بالأشر والبطر، لكننا نعالجه قبل ذلك بعلاج آخر، نقول: لا يجوز أن يحملك التمتع بنِعم الله على الأشر والبطر، فإن عجزت وأبيت إلا أن يحملك نقول: الآن اترك؛ لأن حقيقة بعض الناس إذا لبس ثياب الزينة، المشلح الزين، الغطرة الزينة انتفخ، وصار فيه علو واستكبار، هذا نقول له: اترك هذا ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نقول: اتركها، بينما نقول: لا يتكبر، لكنه يقول: أنا أعجز، نأمره أولًا ألَّا يتكبر، لكن إذا قال: أنا أعجز، نقول: الحمد لله، اترك هذه لمن لا يتكبر إذا لبسها، ولكن هذا علاج خاص كما أننا نعالج الإنسان الذي يتأثر بأكل الطيبات من جهة أخرى فنقول: اتركها ودعها لمن لا يتأثر بها.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون مأكله طيبًا؛ لقوله تعالى: أيش؟ ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فالكسب الحرام وإن كان في ذاته حلالًا؛ يعني مثلًا كسب دراهم، الدراهم الأصل فيها أنها اكتساب حلال، فإذا كسبها بحرام قلنا: هي حرام عليك، يحرم عليك أن تأكل منها، لماذا؟
لأنها ليست طيبة، ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِطَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠)، ومسلم ( ١٠١٤ / ٦٣) من حديث أبي هريرة بنحوه.]].
قوله: «بطيّب»؛ يعني بطيب في كسبه وفي ذاته، فإن الله يقبل هذه الصدقة.
طيب إذا كان المال محرمًا لكسبه، فهل يحل لغير الكاسب إذا اكتسبه بطريق مباح؟
الجواب: نعم، وهذه القاعدة دل عليها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أكل من طعام اليهود»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس بلفظ: أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها.]] وهم معروفون بأيش؟
* طلبة: بالربا.
* الشيخ: بأكل الربا والسحت، والرشوة، وأكل منه؛ لأنه يأكل بطريق مباح بالإذن؛ أُذن له في ذلك أو أهدي إليه، إلا إذا علمت أن هذا المال هو عين مال رجل آخر، كالسارق إذا سرق شاة وذبحها لك ضيافة وأنت تعرف أنه سرقها، فهنا لا يجوز أن تأكلها؛ لأن هذا محرّم لعينه؛ يعني لعينه من حيث إن هذا الكاسب لم يملك هذه العين، لم يملكها فلا يجوز أن تأكلها، لكن لو يدعوك إلى وليمة من عُرف بأن ماله كله حرام، اكتسبه عن طريق الربا الصريح أو عن طريق الربا الذي اتُّخذ بالحيلة، فهل لك أن تأكل منه؟
نعم، لي أن آكل منه، إلا إذا علمت أنني إذا امتنعت من إجابة دعوته وأكل طعامه صار ذلك سببًا لتوبته فحينئذٍ، نعم، لا يجوز أن أجيبه، ولا يجوز أن آكل من طعامه؛ لأنه إذا رأى الناس قد هجروه فلا يجيبون دعوته، ولا يأكلون طعامه لا شك أن هذا سيؤثر عليه إلا أن يكون قلبه ميتًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بالله عز وجل مستلزِم لتقواه؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: فلإيمانكم يلزمكم التقوى، فالإيمان الحقيقي مستلزِم للتقوى، فمن قال: إنه مؤمن، ولكنه لم يتقِ الله فهو إما فاقد الإيمان بالكلية وإما ناقص الإيمان.
فإن قال قائل: إنه يفعل المعاصي، وإذا قيل له: يا فلان، اتقِ الله لا تعصِ الله، قام يضرب على صدره ويقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟
نقول: هذا كلام الرسول ﷺ لا شك فيه، وليس عندنا في هذا شك، ولكن لو اتقى ما هاهنا لاتقت اليد والرجل والعين واللسان؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. فلو كان فيما هاهنا تقوى لظهر ذلك على جوارحه (...).
المائدة 5:88
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، فيما يتعلق بالنسخ، بعض العلماء يقول: إن اصطلاح المتقدمين من الصحابة وبعض التابعين للنسخ أوسع من اصطلاح المتأخِّرين.
* الشيخ: صحيح، بعض السلف يطلق التخصيص على النسخ، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، أجاز بعض السلف أن يجمع الإنسان بين الأختين في ملك اليمين، يعني يطأهما، وقال: الآية عامة، لكن عبَّر بعض السلف قال: هذه الآية نسختها آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء ٢٣]، فقال: نسختها، ويريد بذلك التخصيص، وله وجه؛ لأن التخصيص نَسْخٌ للعموم، فله وجه.
* الطالب: سورة البقرة، آخر آية هل هي نسخ أو بالتخصيص ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]؟
* الشيخ: لا، الظاهر -والله أعلم- إطلاق النسخ عليها من باب التخصيص، أو التبيين أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤] هذا من الأمور العملية والقلبية، أما مجرد الفكر فقد تجاوز الله عنه.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل نسخ القرآن بالسنة، هل السنة نسخت الـ..؟
* الشيخ: فيه مثال وهو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ أي: الفاحشة، ﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٦]، والحديث الذي صحَّحه كثير من الأئمة: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس.]]، فهذا الحديث ينسخ قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾، الحديث ينسخ الآية، هذا نسخ القرآن بالسنة، والمثال عزيز جدًّا، يعني قليل جدًّا جدًّا.
كما أن القرآن يخصِّص السنة، مثل اشتراط النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية أن مَن جاء من المشركين مسلمًا فإنه يُرَدُّ عليهم[[أخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة.]]، وهذا عام للرجال والنساء، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا من الأمور العزيزة النادرة؛ أن يكون القرآن يخصِّص عموم السنة.
* طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، ﴿أَشَدَّ﴾ هذا إذا جعلناه مفعول أول أبلغ من لو جعلناه مفعولًا ثانيًا، أحسن الله إليك، ما فهمت وجه إنه أبلغ.
* الشيخ: تفهم إن شاء الله هذا في وقت آخر؛ لأنه تكلمنا عليها كثيرًا.
* طالب: أسأل الله أن يحسن إليك، كما لا يخفى أن الخوف والرجاء من العبادات القلبية، فكيف يستطيع الإنسان يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟
* الشيخ: وهذا ليس انفعالًا في الواقع، وإذا قُدِّر انفعالًا فإننا نقول: الإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه أيرجوه أو لا؟ يرجوه، وإذا خُوِّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا وقرروا وعملوا به يا شيخ، والحقيقة تقصر عقولنا عنهم فهمًا وعملًا، كيف (...) يا شيخ؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل، ما فيه دليل، بعض من الناس الحين، آية الرجم؟
* الشيخ: سبحان الله! عمر رضي الله عنه موفَّق للصواب، وعنده فراسة عجيبة، هو نفسه رضي الله عنه قال: «أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥).]]، وهذا الذي ذكرت الآن هو ما توقعه عمر، وإلا هو يُعلِن على منبر الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ويكون الأمر على خلاف ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، ما مدى صحة قول من يقول: إن النار دركات، وكل دركة لها اسم؟
* الشيخ: يعني معناه يجعل الأسماء هذه بحسب الدركات، ما هو صحيح، الصحيح أنها أسماء لمسمى واحد.
* الطالب: (...) الدرك الأسفل من النار؟
* الشيخ: إي نعم، كما أن البيت اسم واحد، وفيه سطح، وفيه مصباح، وفيه بدروم، وغيره.
إذا خُوّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم حكم وأقروه وعملوا به يا شيخ، تقصر عقولنا عنه فهمًا وعملًا، كيف العدول عنه يا شيخ؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل؟ ما فيه دليل (...) آية الرجم؟
* الشيخ: سبحان الله! عمر رضي الله عنه موفّق بالصواب، وعنده فراسة عجيبة، هو نفسه رضي الله عنه قال: «أخاف إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٢٩)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]، وهذا الذي ذكرت الآن هو ما توقعه عمر فهمت؟ وإلا هو يُعلن على منبر الرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الكلام، هل يمكن أن يعلن على منبر الرسول ويكون الأمر على خلاف ما قال ويسكت الصحابة؟ لا يمكن.
* طالب: ما مدى صحة قول من يقول: إن النار دركات؟
* الشيخ: يعني معناها يجعل أسماء هذه بحسب الدركات؟ ما هو صحيح، الصحيح أنها أسماء لمسمى واحد.
* طالب: في الدرك الأسفل من النار.
* الشيخ: إي، كما أن البيت اسم واحد، وفيه سطح، وفيه مصباح، وفيه بدروم وغيره.
الفرق بينهما أن مطلق الشيء يعني الجزء منه والشيء منه؛ يعني معناه أنه يسمى شيئًا، مطلق الشيء يسمى شيئًا، والشيء المطلق يعني الشيء الكامل، المطلق يعني من غير قيد اللي ما يُقال: إنه قليل، ولا يقال: إنه ضعيف، ولا شيء، فالشيء المطلق الكامل من الشيء، ومطلق الشيء يعني الذي يصدق عليه أنه شيء وإن لم يكن كاملًا.
* طالب: لذلك قلنا: فيه إطلاق.
* الشيخ: لا، بس فرق بين أن تضيف الإطلاق إلى النوع أو إلى الجنس، وأن تصف النوع بالإطلاق، الشيء المطلق يعني الكامل، مطلق الشيء يعني معناه أنه ما يصدق عليه الشيء وإن لم يكن كاملًا.
* * *
نكمل ما تقدم في النسْخ حتى يكمل البحث فيه. ذكرنا أمس أن النسخ جائز عقلًا وواقع شرعًا، علل لجوازه عقلًا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: يقال في معظم الأحكام: إذا شرعت في زمان معين لأمة معينة، فتصلح له، وقد لا تصلح لغيرها، فيكون من الحكمة أن يشرع لمن بعدها خلاف ما شرع لمن قبلها حيث..
* الشيخ: لأن أحكام الله تعالى يُراد بها مصالح العباد، وهي تختلف في كل زمان أو مكان أو حال، فلذلك كان مقتضى الحكمة أيش؟
* الطالب: نسخ الأحكام.
* الشيخ: نعم، نسخ الأحكام. واقع شرعًا هات مثالًا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة ١٠٦] ودليل وقوعه؟
* الشيخ: إي، وقوعه.
* الطالب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ﴾ [الأنفال ٦٦].
* الشيخ: واقع شرعًا.
* الطالب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ بعد أن قال؟
* الطالب: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال ٦٥].
* الشيخ: ﴿مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآن﴾ [الأنفال ٦٥، ٦٦].
* الطالب: ﴿خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾.
* الشيخ: كمِّل.
* الطالب: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ﴾.
* الشيخ: صحيح ﴿صَابِرَةٌ﴾.
* الطالب: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٦٦] بارك الله فيك.
النسخ يكون نسخ لفظ، أو نسخ حكم، أو نسخهما، نسخ اللفظ؟
* طالب: أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم.
* الشيخ: نعم، أن يُنسخ اللفظ ويبقى الحكم، مثاله؟
* الطالب: آية الرجم التي نُسخت فكانت..
* الشيخ: الرجم يعني رجم أيش؟
* الطالب: رجم المحصَن.
* الشيخ: الزاني المحصن، نعم.
* الطالب: نُسخت، وبقي حكمها.
* الشيخ: كانت تُقرأ في كتاب الله، ثم نسخ لفظها، وبقي حكمها، ما هو الدليل؟
* الطالب: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إن مما أنزل من القرآن آية الرجم»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]] (...) هذا الدليل.
* الشيخ: كمّل: «إن مما أنزل الله تعالى على رسوله آية الرجم قرأناها، وحفظناها، ووعيناها، ورجم النبي ﷺ ورجمنا بعده. وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنى إذا أحصن، وكان الحبَل أو الاعتراف»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨٣٠)، ومسلم (١٦٩١ / ١٥) من حديث عمر بن الخطاب.]]. أفهمت؟ إذا قامت البينة وكان الحبل أو الاعتراف.
ما هي الحكمة من نسخ اللفظ دون الحكم؟
* طالب: نسخ اللفظ دون الحكم لتذكير العباد بنعمة الله عز وجل.
* الشيخ: لا.
* الطالب: أو لتبيين فضل هذه الأمة على غيرها.
* الشيخ: نعم؛ لتبيين فضل هذه الأمة على غيرها؛ حيث عملت بالرجم مع أنه لا يوجد لفظه في كتاب الله، واليهود بالعكس جحدوا آية الرجم حتى إنهم لما جاؤوا بالتوراة وضع الذي يقرأ يده على آية الرجم حتى لا تَبين.
الثاني: نسخ الحكم وبقاء اللفظ، مثاله؟
* طالب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ﴾، الآية في الأول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال ٦٥، ٦٦].
* الشيخ: أين المنسوخ؟
* الطالب: الأول.
* الشيخ: الآية الأولى نُسخ حكمها، وبقي لفظها، بارك الله فيك، الحكمة؟
* طالب: أن بقاء اللفظ فيه (...) أخرى مثل زيادة الأجر كما في الصلاة.
* الشيخ: أن في بقاء اللفظ زيادة الأجر.
* الطالب: وأيضًا تذكُّر نعمة الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: التذكير بنعمة الله عز وجل، الثالث؟
* الطالب: نسخ الحكم واللفظ معًا.
* الشيخ: نعم، نسخ اللفظ والحكم معًا، مثاله؟
* طالب: العشر رضعات.
* الشيخ: مثل العشر رضعات؟ يعني عشر رضعات نُسخت إلى خمس عشرة رضعة؟!
* الطالب: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «ما أنزل عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن»[[أخرجه مسلم ( ١٤٥٢ / ٢٤) من حديث عائشة.]]، العشر إلى خمس، الأولى منسوخة لفظًا وحكمًا.
* الشيخ: العشر منسوخة لفظًا وحكمًا؛ لأن حكمها نُسخ بخمس ولفظها لا يوجد.
فيه تقسيم آخر للنسخ: النسخ تارة يُنسخ إلى أثقل، وتارة ينسخ إلى أخف، وتارة ينسخ إلى مساوٍ، ثلاثة أقسام: تارة ينسخ إلى أثقل، مثال ذلك: الصوم، أول ما فرض الصوم (...) الناس مخيرون بين أن يصوم الإنسان أو يفدي، ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سلمة بن عقبة رضي الله عنه، أول ما نزل الصيام صام من شاء صام ومن شاء افتدى، ثم تعيّن الصوم، أيهما أثقل؟
* طالب: الناسخ.
* الشيخ: تعيين الصوم؛ لأن المخيّر إن شاء هذا أو هذا، فإذا تعين الصوم صار أثقل.
الثاني: إلى أخف، مثاله: آية المصابرة التي قرأنا ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [الأنفال ٦٥] إلى آخره، هذه نسخت إلى أخف، ومما نسخ إلى أخف؛ الصلوات الخمس نُسخت من خمسين إلى خمس.
الثالث: النسخ إلى مساوٍ، بالنسبة لفعل المكلف لا فرق بين هذا وهذا كنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، فهنا الفعل بالنسبة للمكلف واحد، الإنسان لا فرق أن يتجه يمينًا أو شمالًا، فلننظر إذا نسخ من أخف إلى أشد ففيه فائدتان؛ الفائدة الأولى: زيادة الأجر؛ لأن العمل إذا شق على المكلف لا بفعل نفسه واختياره فله أجر يزداد أجره. انتبه للقيد! إذا شق على المكلف أيش؟
* طالب: لا بفعله واختياره.
* الشيخ: لا بفعله واختياره فهو أفضل، ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة: «أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٨٧)، ومسلم ( ١٢١١ / ١٢٦) من حديث عائشة بلفظ: «وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ».]]. يعني على قدر المشقة، أما ما كان بفعل المكلف واختياره فهو إلى الإثم أقرب منه إلى الأجر، مثال الأول: إنسان قام يتوضأ في البر، وليس عنده إلا ماء بارد، وليس عنده ما يسخن به، فتوضأ بالماء البارد، فيه مشقة ولَّا لا؟
* طلبة: فيه.
* الشيخ: فيه مشقة، آخر قام يتوضأ وعنده ماء ساخن، وماء بارد فتوضأ بالماء البارد، أيكون أفضل مما لو توضأ بالماء الساخن؟
لا، بل هو إلى الإثم أقرب منه إلى السلامة؛ لأن هذا باختياره، إذن النسخ من الأخف إلى الأشد فيه أيش؟
* طلبة: زيادة الأجر.
* الشيخ: زيادة الأجر، فيه أيضًا بيان حكمة التشريع، حيث يتبين للإنسان أن التشريع في هذه الشريعة الإسلامية يأتي بالتدريج الأسهل فالأسهل حتى لا يصطدم الناس بالشريعة الكاملة، وانظر إلى تحريم الخمر، تحريم الخمر جاء على درجات: درجة تعريض، درجة مؤقتة بوقت معين، درجة محرمة نهائيًّا، التعريض يبينه لنا الأخ، تحريم الخمر بالتعريض؟
* طالب: قال الله تعالى: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب آخر: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة ٢١٩].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ التحريم ما هو الإباحة.
* طلبة: التعريض.
* الشيخ: التعريض ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، فهنا لما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ العاقل ما يفعل.
التحريم في وقت معين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؟
* طالب: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣].
* الشيخ: نعم، ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فهنا حرم شرب الخمر في وقت قريب من الصلاة؛ لأنه إذا شرب في وقت قريب من الصلاة لزم أن تأتي الصلاة وهو سكران.
الثالث: التحريم النهائي في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة ٩٠].
إذن يتبين بذلك أيش؟
* طلبة: حكمة التشريع.
* الشيخ: حكمة التشريع في الشريعة الإسلامية، هل هذه الحكمة باقية إلى الآن؟ بمعنى لو رأينا شخصًا يشرب الخمر، هل لنا أن نقول: اترك الخمر بالتدريج أو نقول: الآن؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: إذا أمكن الثاني لا بأس، لكن قال: لا يمكن، فإذا قلنا له بالتدريج، وكذلك شرب الدخان بالتدريج، فهذا لا بأس به إذا لم يمكن إلا ذلك؛ لأنه إذا تعذّر الكمال أخذنا به شيئًا فشيئًا. بقينا بأيش؟
القسم الثالث: المساوي، مثل الاتجاه من بيت المقدس إلى الكعبة، قد يقول قائل: ما الفائدة من ذلك؟
نقول: الفائدة لا يمكن أن يكون هذا النسخ إلا لسبب، فمثلًا أيهما أشرف الكعبة أو بيت المقدس؟
لا شك أن الكعبة أفضل، لكن لو فرضنا أنه لا فرق بينهما إطلاقًا فإن فائدته امتحان المكلَّف واختباره، هل هو تابع لشريعة الله أو هو تابع للهوى؟
فيقول: ليش إن الله ينسخ هذا إلى هذا وهما سواء؟ أنا سأفعل ما شئت.
ففائدة النسخ إلى المماثل أيش؟ اختبار المكلَّف هل يكون منقادًا تمامًا لشريعة الله أو هو متبع لهواه، وبهذا انتهى ما أردنا أن نتكلم عنه في باب النسخ.
* طالب: الحكمة من النسخ إلى الأخف.
* الشيخ: ما ذكرناها؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: إي، الحكمة من النسخ من الأشد إلى الأخف واضحة جدًّا؛ وهي التخفيف على الأمة.
* * *
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة ٨٧].
هذه ثلاث جمل، بل أربع جمل؛ الأولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وتصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته؛ لأن النداء يستلزم انتباه المخاطب، وإصدار الخطاب بوصف الإيمان يدل على أن ما سيُذكر من خصال الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، ثم إن فيه إغراء للامتثال؛ لأنك إذا وصفت شخصًا بوصف لتأمره أو تنهاه فهذا من باب الإغراء بهذا الوصف، ولذلك تقول لشخص: أنت رجل كيف تفعل كذا وكذا؟!
قولك: أنت رجل؛ يعني مقتضى الرجولة أيش؟ ألَّا تفعل. وتقول: يا فلان، أنت كريم، وهذا سائل؛ يعني فأعطه.
الجملة الثانية: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هذه ناهية ﴿لَا تُحَرِّمُوا﴾ أي: لا تجعلوه حرامًا، وتحريم ما أحل الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فلننظر أيها المراد: خبر، وإنشاء، وامتناع، فالخبر أن يقول: الضأن حرام، يخبر، هذا نقول له: إنك كاذب، لماذا؟ لأن الضأن حلال، وهو قال: إنه حرام كاذبًا.
الإنشاء أن يحرم ما أحل الله كما فعل أهل الجاهلية بالسائبة والوصيلة والحام، ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام ١٣٩]. هذا التحريم أيش؟ إنشاء؛ يعني أراد أن يحكم بأن هذا الشيء حرام على جميع الناس، هذا هو الذي يراد بالآية الكريمة، وحقيقته الحكم بغير حكم الله عز وجل.
الثالث: الامتناع؛ يعني أن يقصد الامتناع، هو ما مقصد أنه حرام وما قصد إنشاء الحكم عليه بالتحريم، ولا قصد الخبر، وإنما قصد الامتناع، فهذا حكمه حكم اليمين؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]. أفهمتم الآن ولَّا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: واضح؟ إذا قال: هذه الخبزة عليَّ حرام، يريد الامتناع، ما قصده أن حكمها حرام في شرع الله، ولا أن يخبر أنها حرام، لكن أراد أن يمتنع، فهذا حكمه حكم اليمين؛ الدليل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢].
هذه ثلاثة أقسام في التحريم: إخبار، وإنشاء، وامتناع، أيها المراد؟ الإنشاء، ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ لأنه طيب، ولأنه حلال فكيف تحرّمونه؟!
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ أي: تجاوزوا حدودكم؛ لأن الإنسان له حد، فكونه يحلِّل ويحرِّم هذا اعتداء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦].
﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ هذه الجملة الثالثة، أخبر عز وجل أنه لا يحب المعتدين في حقه ولا في حق عباده؛ لأن الله عدل أحكم الحاكمين، فلا يحب أن يعتدي أحد لا في حقه ولا في حق العباد.
﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [المائدة ٨٨].
﴿كُلُوا﴾ فعل أمر، وهو في معناه مشترك بين الإباحة وبين الوجوب وبين الندب، فمن توقّفت حياته على الأكل فأكله واجب، ومن احتاج، ولكن لا ضرورة فأكله مستحب، ومن كان لا يحتاج، وليس بمضطر فالأمر للإباحة.
﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: مما أعطاكم.
﴿حَلَالًا﴾ أي: حال كونه حلالًا أي محلَّلًا، فهو مصدر بمعنى اسم مفعول.
﴿طَيِّبًا﴾ أي: لا خبيثًا، وهل الوصف هنا وصف ملازم يعني لأن كل حلال طيب، أو المعنى حلالًا طيبًا في كسبه، فالمعنى أنه حلال في ذاته طيب في كسبه؟
الثاني أولى؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون الكلام مؤسِّسًا أو مؤكِّدًا فحمله على أن يكون مؤسسًا أولى، فنقول: ﴿حَلَالًا﴾ أحله الله، ﴿طَيِّبًا﴾ أي: من حيث الكسب.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: الزموا تقوى الله عز وجل.
﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا من باب الحث على التقوى؛ يعني ما دمتم مؤمنين بالله عز وجل فاتقوه، وفي قوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ جملة اسمية تدل على الثبوت؛ يعني أنه قد تقرر عندكم الإيمان بالله، فإذا كان كذلك فاتقوا الله.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ منها: النهي عن تحريم طيبات ما أحل الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٨٧]. وهذا التحريم هل يعم الأقسام الثلاثة التي ذكرناها؟
نعم، يعمها لكن بعضها أشد من بعض، فالتحريم الإنشائي أشدها؛ لأنه مشاركة لله في حكمه، والتحريم الخبري محرم؛ لأنه كذب، والتحريم الامتناعي أيضًا محرّم؛ لأن الله عاتب نبيه عليه الصلاة والسلام عليه في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم ١]؛ ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٩)، ومسلم (١٦٤٦ / ٣) من حديث عبد الله بن عمر.]].
* ومن فوائد هذه الآية: النهي عن العدوان؛ يعني الاعتداء في حق من؟ في حق الله وفي حق العباد.
* ومنها: الإشارة إلى أن تحريم ما أحل الله من باب العدوان؛ لأن الله قال: لا تُحرّموا ولا تعتدوا، وهو إشارة إلى أن هذا من باب العدوان، وأيهما أشد أن يحرِّم الحلال، أو أن يحلّل الحرام؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: أن يحرم الحلال؛ لأن تحريم الحلال تضييق على عباد الله بدون علم، وتحليل الحرام إن قُدّر أنه حرام بناء على الأصل، الأصل في الأشياء أيش؟ الحِلّ إلا الشرائع فالأصل فيها الحذر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى مِنّة الله تبارك وتعالى على عباده فيما أحل لهم.
﴿طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ولو شاء الله عز وجل لحرم علينا، لحرّم علينا طيبات أُحلّت لنا كما حرم ذلك على بني إسرائيل حيث قال عز وجل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]؛ يعني بسبب ظلمهم وعصيانهم حرم الله عليهم الطيبات، وتحريم الطيبات الشرعي بسبب الظلم مثله التحريم القدري بسبب الظلم، فإن الإنسان قد يُحْرَم الطيبات تحريمًا قدريًّا لمعصيته، مثل أن يكون رجل إذا أكل اللحم تأثّر، مرض، هذا يعني أنه يجب عليه أن يجتنب أكل اللحم، وهذا تحريم قدري ولَّا شرعي؟
* الطلبة: قدري.
* الشيخ: قدري، إنسان مثلًا فيه السكر، إذا أكل الحلو ازداد عليه السكر وآلمه، يجتنب السكر، هذا التحريم أيش؟
* طلبة: قدري.
* الشيخ: قدري، فلا تظن أن التحريم بسبب المعاصي هو التحريم الشرعي فقط بل حتى القدري.
ومن التحريم القدري: أن يمنع الله نبات الأرض بسبب المعاصي كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المحبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
فإن قال قائل: هذا نفي وليس بإثبات؟
قلنا: نفيه محبة المعتدين يدل على ثبوت أصل المحبة، ولو كان لا يحب مطلقًا لم يكن لنفي محبته المعتدين فائدة؛ لأنه أصلًا لا يحب، والذين قالوا: إن الله لا يحب لم ينكروا المحبة، لكن حرّفوها، ففي الآية إذن ردّ على منكري محبة الله عز وجل مثل من؟
الأشاعرة -الذين هم أقرب أهل التعطيل لأهل السنة- ينكرون محبة الله، يقولون: إن الله لا يحب أحدًا، لا يحب ولا الرسول؟! قالوا: ولا الرسول، أليس رسولنا قال: إن الله اتخذني خليلًا؟! قالوا: نعم، لكن زاد ثوابه؛ لأن المحبة هي الثواب أو إرادة الثواب، وفسّروها بالإرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة، والحقيقة أننا نسأل الله لهم العفو، وأن يهدي أحياءهم؛ أنهم حُرِموا لذة محبة الله عز وجل، الإنسان إذا شعر بأن الله يحبه يفرح ويزداد في محبة الطاعات وكراهة المعاصي؛ لأنه يعلم أن ربه عز وجل يحبه من فوق سبع سماوات، وإذا كان المعنى يُثيبه فهو يثيب أي واحد من العباد ممن يستحق الثواب، فحُرموا لذة محبة الله؛ لأنهم أنكروها.
إذن المهم أن في الآية إثبات المحبة، وإذا قال قائل: ما طريق إثباتها؟
قلنا: لأن نفيها عن المعتدين أيش؟ يدل على ثبوت أصلها؛ إذ لو لم يكن أصلها ثابتًا لم يكن فائدة في نفيها عن المعتدين، وهذا نظير استدلال الشافعي رحمه الله على رؤية الله في نفي الرؤية عن الفجار حيث قال عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥].
قال: لو كانت الخلائق محجوبة عن الله كلها لم يكن في نفي حجب الرؤية عن الفجار فائدة، نفي الرؤية عن الفجار دليل على إثباتها لمن؟
* طلبة: للأبرار.
* طالب: للمتقين.
* الشيخ: للأبرار.
* ومن فوائد الآية التي تليها: أمر الإنسان بالأكل مما رزق الله، ضده عدم الأكل، عدم الأكل مما رزق الله ثلاثة أقسام؛ الأول: أن يترك الأكل مع خوف الهلاك إذا لم يأكل، فهنا ترك الأكل حرام؛ لأنه يجب على الإنسان أن ينقذ نفسه، وبهذا نعرف سفه أولئك الذين يُضربون عن الطعام، نعرف سفههم في عقولهم وضلالهم في دينهم، بعضهم يُضرب عن الطعام حتى يحمل إلى المستشفى كالميت، هذا حرام لا شك في هذا، وإذا كان ليس به ضرورة للأكل، لكنه يحتاج إلى الأكل لتقوية البدن، فهنا الأكل أيش؟ مستحب؛ لأنه لو ترك لم يهلك، لكنه في حاجة نقول: لا تمنع نفسك، والثالث: أيش؟ أن يترك الأكل تنزهًا، فهذا يُنهى عنه، ويقال: كل مما أباح الله لك، بعض الناس لا يأكل من طيّب الطعام تزهدًا وورعًا، فماذا نقول عنه؟
نقول: هذا خطأ، أفضل الخلق محمد عليه الصلاة والسلام كان يختار الطيب من الطعام، أليس قد جاؤوا له بالتمر الطيب بدل التمر الرديء؟ بلى، ومع ذلك ما نهاهم، ما قال: ليش تأتون لي بالطيب؟ بل أرشدهم إلى أن يأتوا بالطيب لكن بطريق مباح.
فتنزه بعض الناس عن الطيبات تورعًا وتزهدًا، نقول: لا، أنت الآن مجانب للورع؛ لأن الورع اتباع الشرع، الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، واتباع الشرع مما ينفع في الآخرة، فأنت الآن لا زاهد ولا ورع، نعم، لو فرض أن الإنسان -بصفة خاصة- يجد من نفسه أنه لو اختار الطيبات لحصل الأشر والبطر، فهنا قد نقول: أيش؟ اترك الطيبات لئلّا تصاب بالأشر والبطر، لكننا نعالجه قبل ذلك بعلاج آخر، نقول: لا يجوز أن يحملك التمتع بنِعم الله على الأشر والبطر، فإن عجزت وأبيت إلا أن يحملك نقول: الآن اترك؛ لأن حقيقة بعض الناس إذا لبس ثياب الزينة، المشلح الزين، الغطرة الزينة انتفخ، وصار فيه علو واستكبار، هذا نقول له: اترك هذا ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نقول: اتركها، بينما نقول: لا يتكبر، لكنه يقول: أنا أعجز، نأمره أولًا ألَّا يتكبر، لكن إذا قال: أنا أعجز، نقول: الحمد لله، اترك هذه لمن لا يتكبر إذا لبسها، ولكن هذا علاج خاص كما أننا نعالج الإنسان الذي يتأثر بأكل الطيبات من جهة أخرى فنقول: اتركها ودعها لمن لا يتأثر بها.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون مأكله طيبًا؛ لقوله تعالى: أيش؟ ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فالكسب الحرام وإن كان في ذاته حلالًا؛ يعني مثلًا كسب دراهم، الدراهم الأصل فيها أنها اكتساب حلال، فإذا كسبها بحرام قلنا: هي حرام عليك، يحرم عليك أن تأكل منها، لماذا؟
لأنها ليست طيبة، ولهذا قال النبي ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِطَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠)، ومسلم ( ١٠١٤ / ٦٣) من حديث أبي هريرة بنحوه.]].
قوله: «بطيّب»؛ يعني بطيب في كسبه وفي ذاته، فإن الله يقبل هذه الصدقة.
طيب إذا كان المال محرمًا لكسبه، فهل يحل لغير الكاسب إذا اكتسبه بطريق مباح؟
الجواب: نعم، وهذه القاعدة دل عليها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أكل من طعام اليهود»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦١٧)، ومسلم (٢١٩٠ / ٤٥) من حديث أنس بلفظ: أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها.]] وهم معروفون بأيش؟
* طلبة: بالربا.
* الشيخ: بأكل الربا والسحت، والرشوة، وأكل منه؛ لأنه يأكل بطريق مباح بالإذن؛ أُذن له في ذلك أو أهدي إليه، إلا إذا علمت أن هذا المال هو عين مال رجل آخر، كالسارق إذا سرق شاة وذبحها لك ضيافة وأنت تعرف أنه سرقها، فهنا لا يجوز أن تأكلها؛ لأن هذا محرّم لعينه؛ يعني لعينه من حيث إن هذا الكاسب لم يملك هذه العين، لم يملكها فلا يجوز أن تأكلها، لكن لو يدعوك إلى وليمة من عُرف بأن ماله كله حرام، اكتسبه عن طريق الربا الصريح أو عن طريق الربا الذي اتُّخذ بالحيلة، فهل لك أن تأكل منه؟
نعم، لي أن آكل منه، إلا إذا علمت أنني إذا امتنعت من إجابة دعوته وأكل طعامه صار ذلك سببًا لتوبته فحينئذٍ، نعم، لا يجوز أن أجيبه، ولا يجوز أن آكل من طعامه؛ لأنه إذا رأى الناس قد هجروه فلا يجيبون دعوته، ولا يأكلون طعامه لا شك أن هذا سيؤثر عليه إلا أن يكون قلبه ميتًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بالله عز وجل مستلزِم لتقواه؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: فلإيمانكم يلزمكم التقوى، فالإيمان الحقيقي مستلزِم للتقوى، فمن قال: إنه مؤمن، ولكنه لم يتقِ الله فهو إما فاقد الإيمان بالكلية وإما ناقص الإيمان.
فإن قال قائل: إنه يفعل المعاصي، وإذا قيل له: يا فلان، اتقِ الله لا تعصِ الله، قام يضرب على صدره ويقول: التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، التقوى هاهنا، ماذا نقول له؟
نقول: هذا كلام الرسول ﷺ لا شك فيه، وليس عندنا في هذا شك، ولكن لو اتقى ما هاهنا لاتقت اليد والرجل والعين واللسان؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]]. فلو كان فيما هاهنا تقوى لظهر ذلك على جوارحه (...).
المائدة 5:89
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ﴾ أي: لا يعاقبكم ولا يحاسبكم.
﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اللغو ما لم يقصد؛ بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
وقد ذكرنا أن من طرق التفسير أن تُقابل الكلمة إذا كانت خفية بشيء واضح فيتبين معناها بما قُوبل بها، وذكرنا على هذا مثالًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] فإن (ثباتًا) لا يُفهم معناها بسرعة، لكن إذا قارنتها بالمقابل ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تبيّن أن معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: فرادى متفرّقين، هنا قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾.
إذن اللغو هو الذي لا يُقصد بأن يجري على اللسان بدون قصد، وهذا يقع كثيرًا، يقول لك صاحبك: أتريد أن نذهب إلى فلان؟ تقول: لا والله، لا أريد الذهاب إليه، أو يقول: اذهب فسلّم على فلان، تقول: لا والله لا أذهب، على سبيل اللغو لا القسم، فهذا على اسمه لغو، لا يترتب عليه حكم؛ ولأن هذا أيضًا من الأشياء التي قد يشق تجنبها.
وقوله: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ جمع (يمين) وهو الحلف.
﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ أي: بالذي عقدتم، وفي هذه الكلمة ثلاث قراءات: ﴿عَاقَدْتُمُ﴾ و﴿عَقَدْتُمُ﴾ ، والمعنى واحد أي: بما نويتم عقده من الأيمان.
﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ فكفارته إذا حلفتم أو إذا حلفتم وحنثتم؟
الثاني؛ يعني أن في الآية شيئًا محذوفًا، فكفارته إن حنثتم فيه أي: التي تُكفّره، ولا يقع فيه مؤاخذة إطعام عشرة مساكين، وأطلق الله الإطعام فيُرجع في ذلك إلى العرف؛ لأن لدينا قاعدة؛ وهي: أن ما جاء مطلقًا في الكتاب والسنة فإنه يُحمل على العرف؛ على عرف الناس.
﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ جمع (مسكين)، وهو الذي لا يجد كفايته، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه؛ لأن العادة أن الغني يكون نشيطًا، له شخصية، يقابل الناس، ويتكلم معهم، ويأخذ منهم ويرد، والغالب على الفقير العكس، فلذلك سُمّي الفقير مسكينًا.
﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: لا من أجوده ولا من أردئه، من الوسط.
وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ معطوف على ﴿إِطْعَامُ﴾.
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ والكسوة ما يكسو به الإنسان بدنه، وتختلف الكسوة باختلاف الأزمان والبلدان والأحوال، ولذلك ترون في مواسم الحج والعمرة اختلافًا كبيرًا في كسوة الناس، فيُرجع في هذا إلى العرف، ففي بلادنا هذه الكسوة عبارة عن قميص وسروال وغطرة وطاقية، هذه الكسوة، وإن نقص شيء من ذلك فالكسوة ناقصة، وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ولم يقيد من أوسط ما تكسون فيؤخذ بما يُعد كسوة.
﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: عتقها، وسمي العتق تحريرًا؛ لأن الرقيق يتحرر به من الملك؛ ملك سيده الذي يفرض عليه أن يكون عبدًا مطيعًا، وفي الآية الترقي من الأسهل إلى الأشد؛ لأنك لو نظرت لوجدت في الغالب أن الإطعام أسهل من الكسوة، وأن الكسوة أسهل من العتق.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: فمن لم يجد الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، أو وجد لكن لم يجد من يطعمهم، أو يكسوهم، أو يعتقهم؛ بأن يكون المجتمع غنيًّا، كلهم أغنياء، لا يجد فيهم فقيرًا ولم يوجد أرقاء يمكن إعتاقهم، فإنه يعدل إلى الرابع من أصناف الكفارة، وهو صيام ثلاثة أيام مطلقه لم يقيدها الله عز وجل بالتتابع، والصيام إذا أُطلق فهو مُطلق لا يشترط فيه التتابع، ودليل ذلك أن الله إذا أراد سبحانه وتعالى أن يكون الصوم متتابعًا قيده كما في آية الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة ٤]، وكما في آية القتل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء ٩٢]، وإذا أُطلق فإنه لا يجب فيه التتابع، لكن قد ورد في قراءة عبد الله بن مسعود اشتراط التتابع، فقرأ رضي الله عنه : (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، وعلى هذا فتكون قراءة عبد الله بن مسعود مقيِّدة لهذا الإطلاق (فصيام ثلاثة أيام متتابعة). ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾.
﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه هذه الأربعة؛ وهي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أو صيام ثلاثة أيام على حسب ما جاء في الآية من ترتيب وتخيير.
﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يعني إذا حلفتم وحنثتم، أما إذا لم تحنثوا فإنه لا شيء عليكم، فإذا حلف الإنسان أن لا يفعل شيئًا ولم يفعله فلا شيء عليه، أو أن يفعل شيئًا ففعله فلا شيء عليه.
قال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ لها ثلاثة معانٍ:
المعنى الأول: احفظوها من الحنث؛ أي: حافظوا على ألّا تحنثوا.
الثاني: احفظوا أيمانكم؛ أي: لا تكثروا الحلف، لا تجعلوها رخيصة؛ كل شيء تحلفوا عليه، فلا تحلفوا إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة لذلك.
الثالث: احفظوها بأن لا تدعوا الكفارة عنها، وهذه المعاني الثلاثة صحيحة، ولا يناقض بعضها بعضًا فتكون الآية شاملة لها.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك البيان، وعليه فتكون الكاف مفعولًا مطلقًا؛ لأنه أضيف إلى المصدر؛ أي: مثل ذلك البيان يبين الله لكم آياته، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية؛ لأن السياق يدل عليه، ولا شك أن الله بين لنا الآيات الشرعية والآيات الكونية؛ ففي مخلوقاته آيات عظيمة كما قال عز وجل: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات ٢٠، ٢١].
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (لعل) للتعليل؛ أي: لأجل أن تشكروا الله عز وجل على بيان الآيات، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم، هذا أجمع ما قيل فيه، هذا هو الشكر، فيشمل القيام بطاعة المنعِم فيما يُقال، والقيام بطاعة المنعِم فيما يُفعل، والقيام بطاعة المنعِم فيما يُعتقد، فيكون محل الشكر ثلاثة: القلب، اللسان، والجوارح، وعلى هذا قول الشاعر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
هذه أوسع آية فيما يتعلق بالأيمان، وإلا فقد جاء في البقرة ما يشابهها مثل قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٢٥] لكن هذه الآية مفصّلة.
* فيها من الفوائد الكثيرة: أولًا: سعة حِلم الله وعفوه حيث نفى المؤاخذة عن اللغو في الأيمان، وذلك لكثرة تكرارها ومشقة التحرُّز منها، وهذا بناءً على أيش؟ على أن المراد بها الأيمان التي لا تُقصد، والتي تكون في عدد الحديث.
وقال بعض أهل العلم: من اللغو في الأيمان أن يحلف على شيء ماضٍ يظنه واقعًا ولم يقع، مثل أن يقول: والله لقد قدم فلان البلد أمس، بناء على أيش؟ على أنه رأى رجلًا يشبهه فظنه إياه، فأقسم أنه قدم ولم يقدم، لكن الصواب خلاف ذلك، وأن هذا ليس من اللغو؛ لأن هذا قَصَد العقد؛ حلف، وأقسم بالله لم يأتِ الرجل، قال: والله لقد جاء، والله لقد رأيته، لكن هذا مما لا حنث فيه؛ لأن الرجل حلف على ما في ظنه وهو واقع، يقول: لا زلت أظن هذا، فهو حلف على ما ظنه؛ ولهذا التعليل لا يفرَّق -على القول الصحيح- بين الماضي والمستقبل، المستقبل مثل أن يقول: والله ليقدمن زيد غدًا، بناء على ما سمعه من الأخبار، أو ما سمعه من نطقه أنه سيقدم غدًا، فقال: والله ليقدمن زيد غدًا، فمضى الغد ولم يقدم، فهذا لا حنث عليه مع أنه عاقد وحالف، لكن نقول: الرجل حلف على ما في ظنه وهو يقول: لا أزال أظن هذا حتى لو انتهى الغد ولم يأتِ فأنا على ظني، وكون الواقع يكون على خلاف ظني هذا ليس إليّ، وليس من فعلي، ولا من تصرفي، ولذلك لو قال: والله ليقدمن زيد غدًا، بناء على أنه سيلزمه بالقدوم ولم يقدم فإنه يحنث، واضح؟
إذن القول الراجح أن اليمين التي يحلفها على ظنه ليست من لغو اليمين، وإنما لغو اليمين ما لا يُقصد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العبرة على ما في القلوب، وهذا كقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[[أخرجه البخاري (١) من حديث عمر بن الخطاب.]]. وينبني عليه مسائل كثيرة في الأيمان، والطلاق، والبيوع، والأوقاف، وغيرها؛ الدليل على أن العبرة بما في القلوب قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وفي سورة البقرة: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنه لا حنث في اليمين إلا إذا كانت منعقدة.
قال العلماء: والمنعقِدة هي التي يقصد عقدها على أمر مستقبَل ممكن، فإذا لم يقصد العقد فهي لغو، وإذا عقدها على ماضٍ فإنه لا يخلو من ثلاثة أقسام؛ إما أن يعقدها على أمر ماضٍ متيقَّن، فهذا لا شيء عليه، لكنه لا ينبغي إلا عند الحاجة، مثل أن يقول: والله لقد نزل المطر أمس على بلدنا، وهو يعلم أنه نزل، هذا جائز أو غير جائز؟
* طلبة: جائز.
* الشيخ: جائز، لكن الأولى ألَّا يفعل إلا لحاجة.
الثاني: أن يقصد عقدها على ماضٍ يعلم أنه كاذب، فهذه حرام، مثل أن يقول؟ مثِّل.
* طالب: اليمين الغموس يعني؟
* الشيخ: لا، ما أسألك عن وصف اليمين، مثِّل.
* الطالب: على؟
* الشيخ: على ما ذكرت.
* الطالب: على الذي (...).
* الشيخ: على ما ذكرت.
* الطالب: مثل: والله لقد صليت أمس في المسجد الحرام، وهو لم يصلِّ.
* الشيخ: إي، صحيح مثاله؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، مثل أن يقول: والله لقد صليت أمس في المسجد الحرام، وهو لم يُصلِّ، هذا لا شك أنه آثم؛ لأنه جمع بين إثمين؛ الإثم الأول: الكذب، والإثم، الثاني: الاستهانة باليمين بالله عز وجل، واليمين -كما نعلم جميعًا- هي تأكيد الشيء بذكر مُعظّم، لكن هل هذه يمين غموس أو اليمين الغموس ما تتضمن أكل المال بالباطل أو الاعتداء على الغير؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: المذهب الأول؛ أن كل يمين كاذبة على ماضٍ فهي يمين غموس، ولا شك أن اليمين على أمر ماضٍ وهو يعلم أنه كاذب لا شك أنها محرمة وأشد مما لو أخبر بدون يمين، لكن الذي يظهر أن اليمين الغموس هي التي يحلف بها الإنسان فاجرًا ليقتطع بها مال امرئ مسلم، مثاله: أن يدعي على شخص بأن في ذمته له ألف ريال، ويقيم شاهدًا؛ شاهد زور ويحلف، فهنا يُحكم له بالألف، هذه اليمين نسميها يمينًا غموسًا؛ لأنه اقتطع بها مال امرئ مسلم، أو يجحد بها مال امرئ مسلم، مثل أن يُدَّعى عليه بألف ريال، ويقول: أبدًا، ليس لك عندي شيء، ويحلف على هذا، فهذه يمين غموس، فالراجح أن اليمين الغموس هي التي يقتطع بها مال امرئ مسلم.
القسم الثالث من الحلف على الماضي: أن يحلف على ماضٍ يظنه واقعًا، وليس بواقع فهذه يسميها الفقهاء فقهاؤنا رحمهم الله، يسمونها لغو اليمين؛ يعني يجعلونها من لغو اليمين، والصحيح أنها ليست من لغو اليمين، وإنما هي من اليمين التي بر فيها؛ لأنه حلف على أيش؟
* طلبة: ظنه.
* الشيخ: على ظنه، وهو لا يزال على ظنه، ولكن مع ذلك الأوْلى ألَّا يحلف على شيء بناءً على الظن إلا إذا دعت الحاجة لذلك، طيب قلنا: التي قصد عقدها على أمر مستقبل ممكن، ما ضد الممكن؟ المستحيل، هذا لا تنعقد عليه اليمين؛ لأنه إذا كان على إيجاده ماذا نقول له؟
نقول: إذا كان على إيجاده نقول: هذا غير ممكن فيحنث في الحال، وتلزمه الكفارة؛ لأنه لا يمكن أن يوجده، وإن كان على عدمه فهو ليس فيه كفارة؛ لأن هذا هو الواقع.
وقال بعض أهل العلم: إن الحلف على المستحيل لا كفارة فيه مطلقًا؛ لأن كونه يحلف على شيء يستحيل وجوده هذا لغو فلا حنث فيه.
بقي علينا أشياء: هل يشترط أن يكون باختياره؟ أي أنه يحلف مختارًا؟
الجواب: نعم، يشترط أن يكون حلفه اختيارًا، فإن أُكره على اليمين لم تنعقد اليمين، ولكن هنا مسألة لو أُكره على اليمين فحلف قاصدًا اليمين؛ يعني وإذا أكره وحلف إما أن يقصد باليمين دفع الإكراه أو يقصد اليمين لكنه مكره عليه، هاتان مسألتان، أحيانًا يحلف ليدفع الإكراه عن نفسه، ويتخلص من عدوان المكره، وأحيانًا يحلف يقصد اليمين، لكن حمله عليها الإكراه، أما إذا قصد دفع الإكراه فلا شك أنه لا حنث عليه، لماذا؟
لأنه لم يقصد اليمين، ما قصد اليمين أصلًا، قصد الخلاص من هذا الذي أكرهه، أما إذا حلف يقصد اليمين، لكن أُلجئ إليه، فهذا فيه خلاف، والصواب أنه كالأول، لا سيما إذا وقع من شخص عامي، العامي إذا أُكره على الشيء فعله، ولا يخطر بباله أنه لدفع الإكراه، أو لأنه أُكره إليه، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: يعني هذه إن وقعت فإنما تقع لطالب علم يفهم، فالصواب أن المكره لا تنعقد يمينه سواء نوى بذلك دفع الإكراه أو؟
* طالب: عقد اليمين.
* الشيخ: عقد اليمين للإكراه، هل يُشترط أن يكون مكلفًا أو لا يشترط؟
الصواب: أنه يُشترط أن يكون مكلفًا؛ لأن غير المكلف لا يلزمه شيء لا بأصل الشرع ولا بإلزام نفسه، ولهذا لا ينعقد منه النذر، غير مكلف، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٩٨) من حديث عائشة.]] فلو حلف من له عشر سنوات ألا يشتري شيئًا معينًا فبلغ واشتراه هل يحنث أو لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن يمينه غير منعقدة، ولو حلف وهو مكلف بالغ، ثم حنث وهو غير مكلّف يحنث؟
* طلبة: يحنث.
* الشيخ: يحنث أو لا؟
* الطلبة: يحنث.
* طالب: لا يحنث.
* الشيخ: تأمل الآن.
* طالب: لا يحنث.
* الشيخ: حلف مكلفًا، وحنث غير مكلف.
* الطلبة: لا يحنث.
* الشيخ: ليس عليه شيء؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: هذا يتصور؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: إي؟
* الطلبة: مجنون.
* الشيخ: عاقل جُنّ، صح، إذن اليمين لا تنعقد من غير البالغ العاقل؛ لأنه غير مكلّف، واليمين فيه نوع إلزام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه أولًا، وهو اعتبار النية والقصد، وهذا ينبني عليه مسائل من أهمها ما يقع كثيرًا، يطلّق الرجل زوجته بناءً على أنها تكلم الرجال في الهاتف، ثم يتبين أنها تكلم أقاربها، محارمها، فهنا الطلاق يقع أو لا يقع؟
* الطلبة: لا يقع.
* الشيخ: لا يقع، يحلف الرجل ألَّا يقدم هذا البلد؛ لأنه يعتقد أن أميره ظالم فيقول: ما لي وللأمير الظالم! ثم يتبين أن أميره ليس بظالم، فهل عليه شيء؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا؛ لأنه إنما حلف على نية أن هذا الوصف هو الذي يمنعه من دخول البلد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي الحنث إلا إذا كان خيرًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾، والكفارة لا تكون إلا في مقابلة ذنب أو ما يشبه، ولهذا قال في آخر الآية: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفارة اليمين على التخيير في أشياء ثلاثة: إطعام المساكين، وكسوتهم، وعتق الرقبة، هذا على التخيير، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وما اشتهر عند العوام من أن كفارة اليمين هي الصيام فخطأ ينبغي لطلبة العلم أن يبيّنوا للناس أن الصيام لا يجوز لمن يقدر على واحد من الثلاثة التي قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإطعام مُطلق لا يشترط فيه التمليك؛ لأن الله تعالى لم يقُل: فللمساكين، لو قال: فللمساكين لكان يشترط فيه التمليك كما قال في الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة ٦٠]، لكن هنا قال: إطعام عشرة، فإذا كان إطعام عشرة فما يحصل به الإطعام كافٍ، فلو غدَّى المساكين أو عشّاهم أجزأه بلا شك؛ لأنه يصدق عليه صدقًا تامًّا أنه أطعمهم، فإن أعطاهم شيئًا يطعمونه بأنفسهم -أي: يصنعونه بأنفسهم- فهل يجزئ أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: الظاهر الإجزاء؛ لأنه إذا أعطاهم مثلًا ما يكفيهم من حب ولحم، وما أشبه ذلك مما يُطعم به الحب فإنه يصدق عليه أنه أطعم عشرة مساكين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لو أطعم من يأكل الطعام، ولو كان صغيرًا كفى؛ لقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ فإن كان صغيرًا، المسكين لا يأكل الطعام، فهل يُجزئ أن يُطعمه حليبًا؟ لا؛ لأن هذا خلاف ظاهر اللفظ.
وإذا قال قائل: إذا لم أجد عشرة مساكين، لم أجد في البلد إلا خمسة، فهل أعدل إلى الصيام أو أكرر على الخمسة؟
فيه احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يعود إلى ما سبق، والذي سبق كم العدد؟
* طالب: عشرة.
* الشيخ: عشرة، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: من لم يجد عشرة ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، ويحتمل أن يقال: ما دام وجد مساكين فإنه يكرر عليهم الإطعام، فإذا وجد خمسة يكرر مرتين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى الحكمة فيما يشرع لعباده؛ لأنك لو قارنت بين إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وعتق الرقبة لوجدت الفرق كبيرًا، لكن لله الحكمة فيما يشرع، فلا يمكن أن يعترض معترِض فيقول: لماذا لم يكونوا عشرين؟ لماذا لم يكونوا ثلاثة كالصيام مثلًا؟
لأنا نقول: هذا حكم الله عز وجل، وهذا من الأمور التعبدية؛ يعني تقدير من يُعطون من الكفارات أمر تعبدي لا مدخل للعقل فيه كعدد الصلوات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب على الإنسان يكون الوسط، فالزكاة مثلًا على صاحب الغنم الواجب، شو الواجب؟
* طالب: الوسط.
* الشيخ: الوسط، الزكاة في الثمار الواجب الوسط.
* ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: عدالة الإسلام؛ لأن الوسط ليس فيه حيف لا على من يجب عليه ولا على من يجب له، وهذا لا شك أنه من العدالة.
فإن قال قائل: أرأيتم لو أطعمهم من أعلى ما يكون، أيجوز أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: يجوز؛ لأن هذا أكمل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإنفاق على الأهل؛ لقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ يعني كأن هذا أمر مقرر؛ أن الرجل يطعم أهله، وهذا لا شك أنه يجب على الرجل أن ينفق على أهله، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء ٣٤] أكمل.
* طالب: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾.
* الشيخ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكسوة مطلقة أيضًا كالإطعام، فما سُمي كسوة حصل به الإجزاء، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأماكن والأمم، هل يمكن أن نقول: فيها أيضًا مناسبة بين الكسوتين: الباطنة، والظاهرة؛ لأن في الإطعام كسوة الباطن، وفي الكسوة كسوة الظاهر، يمكن أن نقول هذا؛ لأن الله تعالى قال لآدم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه ١١٨] الجوع عري الباطن؛ خلو المعدة، والعري أيش؟ عري الظاهر، قال: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ الظمأ حرارة الباطن ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ حرارة الظاهر، وقد يتبادر إلى الأذهان الضعيفة أن يكون القول: ألا تجوع فيها ولا تظمى، ولا تعرى ولا تضحى؛ لأن العري يكشف البدن للشمس والكسوة تستره، لكن البلاغة العظيمة فيما جاء به القرآن.
* طالب: شيخ، هل يدخل في اللغو الحلف بغير الله تعالى؟
* الشيخ: لا، الحلف بغير الله لم ينعقد أصلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ينعقد أصلًا؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]].
والحلف بغير الله ليس عليه أمر الله ورسوله.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، البيت:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ .........................
معناه؟ ثلاثة.
* الشيخ: لا، ثلاثة يعني أنكم ملكتم ثلاثة مني:
....................... ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أفادتكم يعني أنكم ملكتم هذي؛ ملكتم قولي وقلبي وعملي، واضح المعنى، ويؤيده والضميرَ المحجبَا بالنصب.
* الطالب: اللي أشكل عليّ أنها منصوبة لو مرفوعة كان ما أشكل.
* الشيخ: إي، أنا أقول: يعني فهمك هو الذي أوجب الإشكال، والشاعر يقول -يخاطب من يخاطب-: إن نعماءكم عليّ، ملكتم بها فؤادي ولساني، فصار يُثني عليكم وكأنكم أسياده، وكذلك الجوارح أخدمكم.
* طالب: (...) بقلبه ولسانه والجوارح.
* الشيخ: لكن هؤلاء ملكوه بذلك؛ ملكوا هذه الثلاثة بنعمائه، هو هذا المعنى، أرى ألا إشكال في الموضوع من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فقوله: (والضمير المحجبا) يعين أن يكون بالنصب. (...)
* * *
قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، فيها قراءات؟
* طالب: فيها ثلاث قراءات، الأولى: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ قراءة، والثانية: ﴿عَاقَدْتُمُ﴾ ، والثالثة: ﴿عَقَدْتُمُ﴾
* الشيخ: طيب، وكلها بمعنى واحد، قوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ هل فيها حذف؟
* طالب: لا، (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنه لو حذف..
* الطالب: لا يجوز (...).
* الشيخ: بمجرد الحال تمام قوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ هل هو مقيد بكمية أو نوع معين؟
* طالب: (...) غير مقيد.
* الشيخ: طيب ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ﴾ مو هذا تقييد؟
* الطالب: في هذا قيد.
* الشيخ: لأنه من أوسط ما نطعم أهلينا، هل يلزم في الإطعام أن نملكهم إياه؟
* الطالب: لا يلزم.
* الشيخ: لا يلزم على القول الراجح، نعم، بل إطعامهم مطبوخًا أولى من تمليكهم لموافقته ظاهر الآية.
قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ يجد أيش؟
* طالب: فمن لم يجد (...).
* الشيخ: تمام؛ يعني تشمل من لم يجد من يطعم، أو يكسو أو يعتق، ومن ليس عنده شيء يُطعم به، ويكسو ويعتق، هل الأيام متتابعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لماذا لم نقل: إنها متتابعة وإن لم تقيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لأن الله لو أراد التتابع لذكره، كذا؟ لكننا نقول: إن قراءة ابن مسعود رضي الله عنه تقيد هذا.
ما معنى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾؟
* طالب: احفظوها من الحنث.
* الشيخ: احفظوها من الحنث، هذه واحدة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: أي: لا تكثروا الأيمان.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني إذا حنثتم فكفّروا، بارك الله فيك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد من إطعام هذا العدد؛ أي عشرة، وكسوتهم، فلو كرّر الطعام على واحد عشرة أيام لم يجزئ؛ لأن الله نص على العدد فيجب اتباع ما نص الله عليه، هذا وقد قال العلماء رحمهم الله: إنه قد يُعيَّن المدفوع إليه أو المعطى دون المدفوع كما في هذه الآية، المطعَمون كم؟
* طالب: عشرة.
* الشيخ: والإطعام غير مقيّد، ما يقال: صاع ولا مُدّ، وقد يقيد المعطى يعني المدفوع دون المدفوع إليه كما في زكاة الفطر من رمضان؛ فإن المدفوع مقيد كم؟ صاع من طعام، والمدفوع إليه لم يُقيّد، ولهذا يجوز أن تعطي الصاع من الفطرة لعدة فقراء، ويجوز أن تعطي فطرًا لواحد.
القسم الثالث: أن يُقدّر المدفوع والمدفوع إليه كما في فدية الأذى، فإن النبي ﷺ قال لكعب بن عجرة رضي الله عنه: «تُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٦)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٥) بنحوه من حديث كعب بن عجرة.]]. فقيد المعطى يعني المدفوع والمدفوعة إليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفّارة اليمين لا تُعطى للمؤلفة قلوبهم، ولا تعطى للغارمين، وإنما هي إطعام المساكين، كما نقول ذلك أيضًا في زكاة الفطر؛ فإنها لا تدفع إلا للفقراء فقط.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام عدل الله عز وجل في إيجاب الأوسط؛ لأنه لو أوجب الأكمل والأعلى لكان في هذا ضرر على من؟
* طالب: المعطي.
* الشيخ: نعم، على الحالف، ولو أوجب الأدنى لكان فيه ضرر على الْمُعْطَى المدفوع إليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكسوة مطلقة لم تخصص بشيء معين ولا بعدد معين؛ يعني لا يعطى ثوبين أو ثلاثة أو عشرة، فما يحصل به هذا المسمى وهو الكسوة يحصل به براءة الذمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الحنث في اليمين أمره عظيم، ولهذا لا يكفّره إلا عتق الرقبة التي يحصل بها عتق المعتِق من النار، لكن الله تعالى لحِلمه ورحمته خفّف عن العباد؛ دليل ذلك قوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن تقدير العبادات كمية ونوعًا وكيفية موكول إلى الشرع، ولذلك لا يتقابل أو لا يتساوى إطعام عشرة مساكين مع صيام ثلاثة أيام، أليس كذلك؟
لو نظرنا إلى كفارة الظهار لكان الواجب صيام شهرين متتابعين، فإن لم يجد فإطعام ستين مسكينًا، فجاء الإطعام في الفقير يقابل صيام يوم، لكن هنا يختلف الوضع، ولعل السبب -والله أعلم- أنه في كفارة الظهار الإطعام بدل عن الصيام؛ لأنه من لم يستطع الصيام أطعم، وإذا كان بدلًا عن الصيام، فالحكم أن صوم كل يوم يُطعَم عن مسكين كما في العاجز عن الصيام عجزًا لا يُرجى زواله، فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا، أما في كفارة اليمين وفدية الأذى فليس الأمر كذلك؛ لأن الأمر فيه على التخيير، فكلٌّ من خصال الكفارة نوع مستقل بنفسه، أفهمتم هذا أو لا؟ الإطعام في كفارة الظهار بدل عن الصوم، أفهمتم هذا أو لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: الصوم شهران، والغالب أن تكون ستين يومًا، فكان بدلها إطعام ستين مسكينًا كما نقول في رمضان إذا عجز الإنسان عن الصيام عجزًا مستمرًّا فإنه يطعم أيش؟ عن كل يوم مسكينًا؛ لأن الإطعام بدل عن الصيام، في كفارة اليمين إطعام عشرة أو صيام ثلاثة أيام، لكن كل واحد مستقل أيش؟ مستقل بنفسه، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لما كان كل واحد مستقلًّا بنفسه صار كل واحد مختصًّا بوصف يناسبه حسب حكمة الله عز وجل، فدية الأذى إطعام ستة مساكين أو صيام أيش؟ ثلاثة أيام؛ لأن صيام ثلاثة أيام ليس بدلًا عن إطعام ستة مساكين، وإطعام ستة مساكين ليس بدلًا عن الصيام؛ إذ إن الإنسان مخير بين هذا وهذا، فكل واحد منهما مستقل بنفسه؛ يعني قسم مستقل بنفسه، هذا ما ظهر لنا والله أعلم بما شرع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: دفع توهُّم العوام من أن كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام، ولهذا تجد بعضهم يقول: أنا ما أنا بصايم ثلاثة أيام، فيمنعه صيام ثلاثة أيام من الحنث، فيقال: الأصل أن الواجب إطعام عشرة مساكين.
لو قال قائل: هل يجوز أن نُلزم الغني بصيام ثلاثة أيام؛ لأنها أشق عليه من إطعام عشرة مساكين؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا يجوز هذا، ولذلك غلط بعض العلماء الذين أوجبوا على أحد الملوك في كفارة الظهار، أوجبوا عليه أن يصوم شهرين متتابعين وقالوا..
بما شرع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: دفع توهم العوام من أن كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام، ولهذا تجد بعضهم يقول: أنا ما أنا بصائم ثلاثة أيام، فيمنعه صيام ثلاثة أيام من الحنث، فيقال: الأصل أن الواجب إطعام عشرة مساكين.
طيب لو قال قائل: هل يجوز أن نلزم الغني بصيام ثلاثة أيام؛ لأنها أشق عليه من إطعام عشرة مساكين؟
لا يجوز هذا، ولذلك غلط بعض العلماء الذين أوجبوا على أحد الملوك في كفارة الظهار؛ أوجبوا عليه أن يصوم شهرين متتابعين وقالوا: إن هذا أشق عليه من أن يعتق رقبة؛ لأنه سلطان أمير يستطيع يعتق عشر رقاب، لكن صيام شهرين متتابعين أشق عليه، فيقال: هذا غلط؛ لأن هذا مخالف للنص، والله سبحانه تعالى يحب أن تعتق العبيد فيما فرضه الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المشروع احترام اليمين وحفظها، وهو كذلك، ولكن جاءت السنة بالتفصيل في هذا؛ فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنِّي وَاللهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥١٨)، ومسلم (١٦٤٩ / ١٠) من حديث أبي موسى. ]].
وعلى هذا فنقول: الحنث في اليمين ينقسم إلى أقسام: تارة يجب الحنث، وتارة يحرم الحنث، وتارة يسن، وتارة يكره، فإذا حلف الإنسان على ألا يصلي مع الجماعة فالحنث واجب، يعني يجب أن يصلي ويكفر، وإذا حلف شقي أن يشرب الخمر أيش؟ الحنث واجب. حلف أن يشرب الخمر، نقول: يجب عليك ألا تشرب وتكفر عن يمينك، لكن الفرق بين هذا وبين الأول أن ذاك في ترك الواجب وهذا في فعل المحرم، وإذا حلف ألا يزور قريبه -وصلة الرحم واجبة- فما حكم الحنث؟ واجب، يجب أن يزور قريبه ويكفر عن يمينه، وإذا حلف على فعل محرم؟
* الطلبة: الحنث واجب.
* الشيخ: الحنث واجب، مثاله؟
* الطلبة: يشرب الخمر.
* الشيخ: حلف أن يشرب الخمر، نقول: الحنث واجب، يعني لا تشرب الخمر وكفِّر، وإن حلف ألا يشرب الخمر فالحنث حرام؛ لأنه لو شرب الخمر لكان فعل محرمًا. لو حلف شخص ألا يأكل بصلًا فالحنث مكروه، لماذا؟ لأن أكل البصل مكروه لمن أراد أن يصلي، وإذا حلف ألا يصلي راتبة الفجر فالحنث مستحب، نقول: صل وكفر.
القاعدة إذن أنه يسن الحنث في اليمين إذا كان خيرًا كما قال النبي ﷺ، وقد يجب الحنث وقد يحرم، والأصل أن الحنث جائز، ولكن عدم الحنث أولى؛ لقوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة ٨٩].
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى بيّن لعباده من آياته كل ما يحتاجون إليه؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه يجب علينا شكر الله تعالى على بيان الآيات؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: محبة الله تعالى للشكر، حيث بيّن الآيات من أجل الشكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العلم من نعم الله التي يجب علينا شكرها؛ لأن بيان الآيات به يعلم الإنسان آيات الله، فإذا كان الله يبينها لنشكره عليها دل ذلك على أن العلم بالشريعة وبآيات الله نعمة يجب على الإنسان أن يشكرها؛ لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: تعليل أحكام الله عز وجل وأنها مقرونة بالحكمة؛ لأن ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ للتعليل، والتعليل يفيد الحكمة، فجميع أفعال الله وأحكام الله كلها لحكمة، لكن منها ما يعلم ومنها ما لا يعلم.
المائدة 5:90
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠]، هذه الآية جمعت بين خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والطلب قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، في هذه الآية يبدأ الله تعالى الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تكرر هذا الخطاب، وبيَّنَّا أن بدء الكلام بالخطاب يدل على أهميته والعناية به، ثم بدؤه بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن العمل به تصديقًا أو امتثالًا من مقتضيات الإيمان، كذلك أيضًا يدل على أن مخالفته أو الشك فيه أو تكذيبه منافٍ للإيمان؛ إما لأصله أو لكماله، وثالثًا: أن في هذا إغراءً للمخاطب، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فاستمع وامتثل.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطلق الله عز وجل الإيمان ولم يذكر ما يؤمن به؛ لأن ذلك معلوم، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه -أي عن الإيمان- فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا هو الأصل، وقد يراد به تحقيق الحكم في المذكور، ولا يلزم أن ينفى عما سواه؛ كما سيتبين إن شاء الله في التفسير.
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الخمر قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: إنه المسكر، المسكر هذا هو الخمر، كل ما أسكر فهو خمر، ولا نقول: كل ما أذهب العقل فهو خمر، أو كل ما أذهب الإحساس فهو خمر، بل نقول: الخمر ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب؛ لأن الذين يشربون الخمر يجدون راحة ونشوة وطربًا، وعلى هذا فالبنج ليس بخمر؛ لأنه وإن كان يفقد الإحساس لكنه لا يجد الإنسان فيه النشوة والطرب، ومع ذلك لا يستعمل البنج إلا للحاجة والضرورة.
الميسر هو: أخذ المال على وجه المغالبة، وسُمي ميسرًا لتيسر الحصول عليه، مثاله: المراهنة والقمار، مثل أن يقول: سنعمل عملًا سويًّا ونجعل العوض مثلًا عشرة آلاف ريال، فمن غلب أخذ العشرة، ومن غُلب أُخذت منه العشرة. إذن المسألة الآن غرر وجهالة، فيسمى هذا ميسرًا؛ لما فيه من المغامرة والغرر والمخاطرة، وقد كان هذا معروفًا عند العرب وكذلك في أول الإسلام، ولكنه -والحمد لله- حرم.
﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ الأنصاب هي: ما ينصب ليعبد من دون الله، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ هي ما يُستقسم به، أي يطلب به الإنسان ما قُسم له، وكانوا يستعملون هذا في الجاهلية، يضعون أقداحًا فيها: افعل، ولا تفعل، والقدح الثالث ليس فيه شيء، ثم يخلطونها جميعًا ويقول القائل: خذ منها بدون أن تعلم، تجعل في كيس أو نحوه، ثم يقال: أدخل يدك وأخرج قدحًا، إن خرج (افعل) فعل، وإن خرج (لا تفعل) لم يفعل، إن خرج المهمل أعاد مرة أخرى. هذا العمل كانوا يستعملونه في الجاهلية، وهو مبني على أوهام لا حقيقة له، ولذلك حرمه الله عز وجل.
وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الرجس: النجس، لكن يكون الرجس نجسًا حسيًّا ويكون معنويًّا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣ ] المراد من الرجس هنا حسي ولَّا معنوي؟ هذا معنوي، وقد يكون حسيًّا، أي نجس نجاسة حسية؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
* الشيخ: هذه الآية من أي الرجسين؟ الحسي أو المعنوي؟
* طالب: معنوي.
* الشيخ: الصواب أنها من الرجس المعنوي؛ لأنه وُصف بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة ٩٠]، فقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ صفة لرجس وليست خبرًا ثانيًا؛ لأننا إذا جعلناها خبرًا ثانيًا صار المعنى أن هذه الأربعة: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس وأنها من عمل الشيطان، وإذا جعلناها وصفًا لرجس صار المعنى أنه رجس عملي وليس رجسًا حسيًّا، وهذا هو الصواب.
* طالب: شيخ، هنا العشرة مساكين، يعني إطعام عشرة مساكين، لو أنهم تسعة وفيهم امرأة مرضعة..
* الشيخ: رضيع؟
* طالب: رضيع نعم، فهل نعطيهم على حساب عشرة على هذا الطفل هذا..؟
* الشيخ: نطعمها مرتين، نعم. يسأل يقول: إذا كان تسعة فقراء أحدهم امرأة ترضع فهل يكفي أن يطعمها مرتين؟ الجواب: لا، لا بد من إطعام عشرة مساكين يتغذون بالطعام، لا باللبن.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، لو وجدنا فقيرًا، وهو يعول عائلة من تسعة، وهو العاشر، لكنهم ليسوا معه في البلد، فهل نعطيه الكفارة..؟
* الشيخ: نعم، إذا علمنا أنه سيؤديها لهم، أما إذا لم نعلم فلا.
* الطالب: هو يعولهم، قد يبيعه مثلًا ويروح له فلوسه؟
* الشيخ: لا ما يجوز، لازم من إطعام عشرة.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، هناك بعض المشروبات فيه نوع مادة الكحول واحد أو أكثر (...) هل يجوز فعله؟
* الشيخ: لم نصل إليه بعد.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، خص الآية للمؤمنين دون الكافرين يا شيخ، عدم العناية فيهم للكفار، ولّا إنه هو لا بأس (...)؟
* الشيخ: هذه لم تأت بعد.
* طالب: أحسن الله إليكم، هل ينعقد اليمين إذا دفعه إليه موقف معين، غضب أو غيظ أو نحوه؟
* الشيخ: إي نعم، يعني إذا صدر اليمين عن غضب، هل ينعقد أو لا ينعقد؟ هذه مسألة لا بد أن تأخذوا بها قاعدة: كل قول يكون عن غضب لا يملك فيه الإنسان نفسه فلا عبرة به، كل قول يكون عن غضب شديد لا يملك فيه الإنسان نفسه فإنه لا عبرة به، فلو طلق في غضب شديدلم تطلق امرأته، ولو أقسم في غضب شديدلم ينعقد اليمين، ولو ظاهر من امرأته في غضب شديدلم يكن ظهارًا، وهذه قاعدة ثابتة، نعم.
* طالب: يا شيخ، هل يشترط في الكسوة التمليك؟
* الشيخ: التمليك؟ إي نعم، تعير الثوب وتأخذه على العصر!
* طالب: طيب، شيخنا قلنا: إذن الإطعام ما يشترط تمليكه؟
* الشيخ: إي؛ لأن الطعام ينتفع به مرة واحدة وينتهي.
* طالب: (...) استضاف المساكين رز نيء (...)؟
* الشيخ: إي، كلام الفقهاء يقولون: لا بأس أن يعطيهم رزًّا نيئًا لكن يحسن أن يكون معه شيء يؤدمه.
* طالب: أقول: لحم يا شيخ يعني؟
* الشيخ: إي، لحم.
* طالب: اللبن والحليب أليس من الإطعام؟
* الشيخ: لا، ليس طعامًا.
* طالب: اليمين الغموس هل تجب الكفارة مع التوبة؟
* الشيخ: لا، اليمين الغموس لا تكون إلا على شيء ماض، كل يمين على شيء ماض ما فيه كفارة.
* طالب: أحسن الله إليك، ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ رقبة هنا مطلقة، هل يقيد بالإيمان؟
* الشيخ: أحسنت، هذه نسينا أن ننبه عليها، الرقبة هنا مطلقة ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فهل يصح إعتاق الكافر؟
يرى بعض أهل العلم أنه يصح؛ لأننا نطلق ما أطلقه الله ونقيد ما قيده الله، والرقبة وردت مطلقة هنا في كفارة اليمين، ووردت مطلقة في كفارة الظهار، ووردت مطلقة في كفارة الجماع في رمضان، ووردت مقيدة في كفارة القتل، فمن العلماء من قال: يجب علينا أن نبقي النصوص كلها على ما هي عليه، فيشترط الإيمان في كفارة القتل، ولا يشترط في كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الجماع، ومنهم من قال: ما دام الحكم واحدًا فإنه يجب أن يقيد المطلق بالقيد الذي قيد به المقيد، وإن اختلف السبب، واستدل هؤلاء بدليل حديث معاوية بن الحكم أنه أراد أن يعتق جاريته التي لطمها، فدعا بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألها: «أَيْنَ اللهُ؟» قالت: في السَّماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فإنه يستفاد من هذا أنه لو لم تكن مؤمنة ما شرع عتقها، وعللوا أيضًا بتعليل جيد، قالوا: إنه إذا عتق الكافر فإنه لا يُؤمَن أن يرجع إلى أصله وأهله؛ لأنه الآن تحرر، فيمكن أن يذهب إلى أهله ويزيد سوادهم في محاربة المسلمين، فالصواب أنه لا بد من الإيمان، الصحيح أنه لا بد من الإيمان.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للكسوة يكفي كسوة ككسوة الأطفال؟
* الشيخ: إي نعم، ظاهر الآية أنه يكفي، لكن الطفل الذي يأكل الطعام.
﴿وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك أثر، ما هو؟
* طالب: «أنه قال: إذا سمعتم قوله:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* الشيخ: نعم، إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه. وذكرنا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل؟
* طالب: على ثلاثة أشياء.
* الشيخ: لا.
* الطالب: على التنبيه.
* الشيخ: على التنبيه والإتيان به. وإذا صُدِّر بمخاطبة المؤمنين ماذا يفيد؟
* الطالب: فإنه يدل على أن امتثال ما يأتي إما فعلًا أو تركًا من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: وتصديقه إن كان خبرًا..
* الطالب: من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: هذه واحدة.
* الطالب: الثاني أن فيه الإغراء.
* الشيخ: نعم، الإغراء والحث؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يؤدي إلى أن يُقدِم هذا إغراء وحث.
* الطالب: الثالث: أن مخالفته من أسباب نقصان الإيمان.
* الشيخ: نعم، أن مخالفته سبب لنقصان الإيمان، بارك الله فيك. الخمر له تعريف؟
* طالب: هو ما أذهب العقل على وجه اللذة والطرب.
* الشيخ: ما غطَّى، ما هو أذهب، ما هو يذهب العقل.
* الطالب: غطى العقل.
* الشيخ: على وجه اللذة والطرب. طيب، هل له أصل في المعاني الحسية؟
* الطالب: الخمر؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نعم، من ما (...).
* الشيخ: ومنه الخمار تغطي به المرأة رأسها. طيب، الميسر؟
* طالب: أخذ المال على وجه غير مقابل.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح، أجل معناه أني لو آتي وأعطيك هبة صار ميسرًا؟
* الطالب: لا يا شيخ، وجه أخذ المال على وجه المغالبة من غير حق.
* الشيخ: هو ما فيه ظلم ولا..
* طالب: أخذ المال كالمغالبة من جهتين: المغالبة كالمراهنة.
* الشيخ: نعم، هو أخذ المال على وجه المغالبة، طيب ويسمى قمارًا، لماذا سمي ميسرًا؟
* طالب: لتيسر الحصول عليه.
* الشيخ: ولهذا ربما يربح الإنسان في مجلس واحد مئات الآلاف. طيب، الأنصاب؟
* طالب: الأنصاب هي الأصنام التي ينتصب لها الإنسان للعبادة.
* الشيخ: لأنها تنصب لتُعبد من دون الله. طيب، الأزلام؟
* طالب: هي ما يُستقسم به.
* الشيخ: كيف ذلك؟ معروفة.
* الطالب: كان توضع أقداح و..
* الشيخ: لنفرض أنها رِقاع.
* الطالب: يكتب على أحدهما: افعل، أو لا تفعل، فإذا خرج..
* الشيخ: والثالث؟
* الطالب: والثالث لا يكتب عليه شيء.
* الشيخ: طيب، ويضعها في؟
* الطالب: ويضعها في إناء أو كيس أو ما أشبه ذلك..
* الشيخ: لا، في إناء ما يصح، الإناء يشوفه ويأخذ اللي يبغيه.
* الطالب: يضعها في جيب أو ما أشبه ذلك..
* الشيخ: أو في كيس.
* الطالب: أو في كيس، ثم يدخل يده فيأخذ واحدًا، إذا خرجت (افعل) فيأخذ به، وإذا خرجت (لا تفعل) فيأخذ به، وإذا خرجت التي غير مكتوب عليها شيء يعيد مرة ثانية.
* الشيخ: صح، ما معنى (يستقسمون)، هو الأزلام يستقسمون بها؟
* طالب: يطلبون ما قُسم لهم.
* الشيخ: نعم يطلبون ما قُسم لهم، بارك الله فيك.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) هنا؟
* طالب: للترجي، وهي من الله عز وجل واقعة.
* الشيخ: (لعل)؟
* الطالب: للتعليل.
* الشيخ: (لعل) للتعليل، أي لأجل أن تفلحوا.
فما هو الفلاح؟ نأخذ إن شاء الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ذكرنا أن الرجس نوعان؟
* طالب: حسي ومعنوي.
* الشيخ: مَثِّل للمعنوي؟
* الطالب: المعنوي عبادة غير الله كالأصنام.
* الشيخ: مثل؟ لقوله تعالى؟
* الطالب: لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾.
* الشيخ: طيب، الحسي؟
* الطالب: الحسي مثل الخمر.
* الشيخ: لا. طيب كمل؟
* طالب: الحسي مثل الميتة.
* الشيخ: هات مثالًا، شاهدًا؟
* الطالب: يعني يا شيخ، الخنزير أو الميتة.
* الشيخ: إي لكن نريد دليلًا من القرآن أو السنة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
* الشيخ: هذا رجس حسي ولّا معنوي؟
* الطالب: حسي.
* الشيخ: بارك الله فيك. طيب، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني أن هذا العمل من عمل الشيطان، أضافه إلى الشيطان لأنه أوحى به وأمر به الإنسان، والشيطان قيل: إنه مشتق من (شطن) إذا بعُد، لبعده عن رحمة الله عز وجل؛ لأن الله لعنه وطرده وأبعده عن رحمته، وقيل: إنه من شاط، أي: غضب، والغضب دائمًا يكون التصرف فيه أهوج، والأول أصح، والدليل على هذا أنه مصروف: شيطان، ولو كان من (شاط) لكان فيه زيادة الألف والنون، فيكون غير مصروف.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: ابتعدوا عنه، كونوا في جانب وهو في جانب.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) للتعليل، أي لأجل أن تصلوا إلى الفلاح، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، فهو يجمع أمرين: الفوز بالمطلوب؛ أي: حصول مطلوب الإنسان، أي ما يطلبه، والنجاة من المرهوب، وهو كثير في القرآن.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة ٩١] الجملة فيها حصر، أداته (إنما)، أي: ما يريد الشيطان إلا ذلك ﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿يُرِيدُ﴾ هنا بمعنى: يحب، وإذا أحب سيفعل.
﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: أيها المؤمنون، العداوة والبغضاء في الخمر والميسر. العداوة ضد الولاية، والبغضاء ضد المحبة، ففي البغضاء تنفر القلوب، وفي العداوة تنفر الأبدان بعضها من بعض فلا يتولى أحد الآخر، وأيهما الناتج عن الثاني؟ العداوة؛ لأنه يُبغِض أولًا ثم يعادي ثانيًا.
﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (في) هنا للسببية، وتأتي (في) للسببية في اللغة العربية في مواضع كثيرة، ومنها قول النبي ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا» » أي بسبب هرة «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٦٥)، ومسلم (٢٢٤٢ / ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر.]]، أي بسبب الهرة، وليس المعنى أنها دخلت في جوف الهرة، بل المعنى أنها عُذبت بسببها.
﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ووجه ذلك أنه يوقع العداوة والبغضاء، أن صاحب الخمر -والعياذ بالله- إذا شرب صار كالمجنون، ربما يقتل أو يسرق أو يزني، وبذلك تحصل العداوة والبغضاء. الميسر أيضًا وجه العداوة والبغضاء أن الميسر أخذ المال على وجه المغالبة، والمال محبوب إلى النفوس، فإذا أخذ هذا الإنسان منك مالًا كثيرًا من أجل أنه غلبك في شيء لا يساوي ولا ربع المال الذي أخذه فإنه سوف يبقى في قلبه بغضاء وتُنتج العداوة.
﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ نعم يريد الشيطان أن يصدنا عن ذكر الله؛ عن ذكر الله باللسان، وعن ذكر الله بالجوارح، وعن ذكر الله بالقلب. هذا ما يريد الشيطان منا؛ أن يصدنا عن ذكر الله بالقلب واللسان والجوارح، فتجد الإنسان إذا هم أن يقوم يصلي يثبطه الشيطان ويسول له ويأتيه التثاؤب ثم يبقى. إذا أراد أن يذكر الله أو يقرأ القرآن فكذلك، تجده نشيطًا في شيء من الأشياء فإذا أمسك بالمصحف ليقرأ أتاه الكسل. إذا عجز الشيطان عن الإنسان أن يصده عن القول والفعل أتاه من ناحية ثانية وهي الصد بالقلب؛ أن يصد قلبه عن ذكر الله، وهذه هي الفاجعة العظيمة؛ لأن القلب إذا غفل عن ذكر الله فإنه يضيع على الإنسان أمور دينه ودنياه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
ولهذا يجب على الإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الناحية، هل هو إذا جلس يقرأ القرآن قلبه يكون حاضرًا؟ وهل هو إذا ذكر الله يكون قلبه حاضرًا؟ وهل هو إذا صلى يكون قلبه حاضرًا؟ أم هو غافل؟
إنه إذا كان غافل القلب عن ذكر الله باللسان والجوارح فقدْ فقدَ رُوح العبادة حقيقةً، ولذلك نجد الإنسان إذا غفل في صلاته خرج منها بقلب كما دخل فيها بقلب، يعني بنفس القلب، لا يزداد نورًا ولا إيمانًا ولا كراهة للفحشاء والمنكر، وقد أخبر الله تعالى أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلماذا لا يجد الإنسان إذا خرج من الصلاة كراهة للفحشاء والمنكر؟ لماذا لا يجد؟
لأنه إنما صلى صلاة جسد فقط، لا صلاة قلب، وهذه نقطة نسأل الله تعالى أن يعيننا عليها، أكثر الناس اليوم مبتلَون بها ويسألون دائمًا كيف يتخلصون منها، لكن الخلاص منها سهل، وهو أن تحاول حضور القلب في الصلاة من أولها إلى آخرها، عوِّد نفسك هذا، أجبِر نفسك على هذا حتى تجد لذة العبادة.
﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ خص الصلاة بالذكر معيدًا حرف الجر إشارة إلى شرفها وعظمها، يعني أعاد حرف الجر، دون أن يكون الكلام: ويصدكم عن ذكر الله والصلاة، قال: ﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى أهميتها، فالتنصيص عليها، وهي من ذكر الله، دليل على شرفها، وإعادة العامل وهي معطوفة دليل آخر على شرفها وأنها جديرة بأن تكون قسمًا مستقلًّا برأسه.
و﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الإغراء، الإغراء عن، بأي شيء؟ بالانتهاء، فهو أبلغ من قوله: فانتهوا، يعني فهل بعد هذا البيان والإيضاح هل تنتهون؟ الجواب: نعم أنتهي، ولهذا قال عمر رضي الله عنه حين نزلت الآية: «انتهينا انتهينا»[[أخرجه الترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٠) من حديث عمر بن الخطاب.]].
* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أهمية الحكم، وهو اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووجه ذلك تصدير الآية بالنداء.
* ومن الفوائد: أن اجتناب هذه الأشياء الأربعة من مقتضيات الإيمان، وأن الوقوع فيها من نواقص الإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الخمر من أي شيء كان، سواء من العنب، أو من الرطب، أو من الشعير، أو من البُر، أو من أي شيء؛ لعموم الآية، والقول بأنه لا يحرم إلا خمر العنب قول ضعيف؛ أولًا لأن الآية مطلقة، بل هي عامة؛ إذ فيها (أل) الداخلة على المفرد، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الخمر كل مسكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخمر قليله وكثيره حرام؛ للعموم، ولكن إذا كان الشراب لو أقللت منه لم يحصل الإسكار، ولو أكثرت لحصل الإسكار، فهل يحرم؟
الجواب: نعم يحرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥) من حديث جابر بن عبد الله، والنسائي (٥٦٠٧) من حديث عبد الله بن عمرو. ]]، ولأن تناول اليسير الذي لا يسكر ذريعة إلى تناول الكثير الذي يسكر؛ فإن الإنسان إذا شرب هذا الشراب اللذيذ وهو لا يسكره فإن ذلك يتعدى إلى أن يزداد منه فيسكر.
وهل إذا كان هذا الشراب يسكر من شربه ولا يسكر من أدمن عليه، كما يوجد الآن في الذين يدمنون على الخمر -نسأل الله العافية- لا يسكره، فهل يحرم عليهم أو لا يحرم؟ يحرم؛ لأنه إذا كان اليسير الذي لا يسكر يحرم فهذا مثله، وعدم الإسكار في هذا باعتبار الشخص المعين لا باعتبار قوة هذا الشراب، فإن هذا الشراب فيه القوة المسكرة لا شك، فيكون حرامًا على من أسكره وعلى من لم يسكره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز النبيذ إذا لم يصل إلى حد الإسكار، النبيذ هو الماء ينبذ فيه العنب أو الرطب لمدة يوم أو يومين، فيكتسب الماء طعم هذا الذي نبذ فيه دون أن يسكر، فهل هو حلال أو حرام؟
الجواب: حلال؛ لأن المحرم الخمر، وهذا لا يسكر، طيب لو طالت مدته بأن زاد على ثلاثة أيام؟ فما دام لم يسكر فإنه حلال، لكن ينبغي إذا أتى عليه ثلاثة أيام، ولا سيما في أيام الحر والمناطق الحارة، ألا يشربه؛ لأن الإسكار فيه قد يكون خفيًّا، ولكن علامة المسكر أنه يرتفع، أن الشراب يرتفع؛ لأنه يكون فيه الزبد، والزبد يرفع عن مستواه، فهذا علامة المسكر.
والخلاصة أن النبيذ حلال؛ لأنه لا يسكر، لكن إذا كان في زمن أو مكان يغلب على الظن أنه وصل إلى حد الإسكار فالورع اتقاؤه، ويعطى الحيوان أو ما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الميسر قليله وكثيره؛ للعموم ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، حتى لو كانت المغالبة من قرش واحد، كذا؟ لو يسيرًا؟ ولو يسيرًا؛ لأننا نقول: قليل الميسر الذي لا يجحف بمال الإنسان ولا يهتم به كقليل الخمر الذي إذا كان قليلًا لم يسكر، وإذا كان كثيرًا أسكر، ولا شك أن المغالبة إذا كانت في شيء يسير تجر إلى المغالبة في شيء كثير، لا شك في هذا، ويُستثنى من ذلك ما مصلحته أعلى من مفسدته، وذلك في ثلاثة أشياء بيَّنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) واللفظ للترمذي، من حديث أبي هريرة.]]، (السَّبَق) بفتح الباء هو العِوض المأخوذ على السبق، و(النصل) السهام، و(الخف) البعير، و(الحافر) الفرس.
قال أهل العلم: وإنما استثنى النبي ﷺ ذلك بأن بها يقوم الجهاد في سبيل الله الذي به إعلاء كلمة الله، وهذه مصلحة عظيمة، فالناس إذا علموا أنهم إذا تسابقوا في هذه الأشياء رُخص لهم في أخذ العِوض عليها سوف يُكثرون المسابقة؛ لأنه سيحصل عليها شيئًا.
فإن قال قائل: لو أن الناس عدلوا عن هذه الثلاثة في الجهاد إلى وسائل أخرى، فهل يبقى الحكم فيها أو ينتقل إلى الوسائل الأخرى؟
فالجواب: تعارض هنا اللفظ والمعنى، فمن كان لفظيًّا قال: يبقى الحكم فيها، وإن لم تستعمل في الحرب، ومن نظر إلى المعنى قال: إنها إذا كانت لا تستعمل في الحرب فلا فرق بينها وبين الأشياء الأخرى، وهذا هو الأقرب، إلا أن هذا يعكر عليه أن الرسول أخبر أنه في آخر الزمان تبطل وسائل الحرب ويعود الناس إلى السهام، هذا واحد.
ثانيًا: أن الرسول ﷺ أخبر «أنَّ الخيلَ في نَوَاصِيها الخير إلى يوم القيامةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٤٩)، ومسلم (١٨٧١ / ٩٦) من حديث عبد الله بن عمر.]].
ثالثًا: أنه ربما تسقط منفعة هذه الأشياء في مكان دون مكان، ففي المغارات والجبال لا ينفع فيها إلا الخيل.
فعلى كل حال نحن نريد أن نحرر المسألة من الناحية الفقهية، نقول: إذا ثبت الحكم لعلة فإنه يزول بزوالها، فإذا قدرنا أن الناس لا يستعملون هذه الأشياء الثلاثة في الحرب فقد انتفت العلة، فينتفي الحكم، وتكون المغالبة فيها كالمغالبة في غيرها، هي إذا بطلت لا بد أن ينتقل الناس إلى أيش؟ إلى شيء آخر، فهل تجوز المسابقة بعوض في هذا الشيء الآخر الذي حل محل هذه المذكورات؟
الجواب: نعم، لا شك في هذا، وعليه فالوسائل الحديثة في الحرب تجوز فيها المغالبة بالعوض؛ لأنها قائمة مقام هذه الأشياء الثلاثة.
يشبه هذا من بعض الوجوه أن زكاة الفطر جاء فيها ذكر التمر والشعير والزبيب والأقط، وقد أخبر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن هذا هو طعامهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: «كنَّا نُخْرِجها على عهد الرسول ﷺ صاعًا من طعامٍ، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والشعير والزبيب والأَقِط»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥ / ١٧) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. لو أن الناس عدلوا عن الشعير وصاروا لا يقتاتونه، فهل يبطل الحكم فيه أو لا يبطل؟ نقول: من كان لفظيًّا قال: لا يبطل؛ لأنه نص عليه في الحديث، ومن كان معنويًّا قال: إنه يبطل، والصحيح أنه يبطل، وأنه إذا صار الشعير غير قوت فلا يجزئ في الفطر؛ لأن السنة واضحة في هذا، واضحة في أنه لا بد أن يكون طعامًا، مثل قوله في الحديث؛ حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «فَرَضَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم زكاةَ الفِطْر طُهرةً للصائم من اللَّغو والرَّفَث وطُعمةً للمساكينَ»[[أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧) من حديث ابن عباس. ]] فانتبه لهذا.
الآن لدينا مثالان: الفطرة، والمسابقة في الثلاثة. المسابقة في العلم، نحن نعلم أن الدين الإسلامي قام بالجهاد باللسان والسنان، فهل تجوز المغالبة في العلم الشرعي بعوض أو لا تجوز؟
المشهور من المذهب أنها لا تجوز، وقالوا: إن النبي ﷺ حصر «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي»[[أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا حصر، والذين يذهبون إلى اعتبار المعاني يقولون: يجوز، تجوز المناظرة والمغالبة في العلوم الشرعية. وربما استدلوا بقصة أبي بكر رضي الله عنه مع قريش في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم ١- ٤] من الذي غلب الروم؟ الفرس، والفرس قوم مشركون، ويميل إلى جانبهم المشركون من قريش، والروم أهل كتاب يميل إليهم المؤمنون ويفرحون بانتصارهم على الفرس، مع أنهم كفار، لكنهم أقرب إلى المؤمنين من الفرس في ذلك الزمن؛ لقوة الفرس في ذلك الوقت، قال المشركون: لا يمكن أن يغلب الروم الفرس وقال أبو بكر: بل يمكن، أبو بكر يصدق بالقرآن وأخباره، وهم لا يصدقون، فضربوا أجلًا عشر سنين إن غلبت الفرس في هذه العشر فالسبق على من؟ على أبي بكر، وإن غلبت الروم فالسبق على قريش، فأقر النبي ﷺ هذه المغالبة؛ لأنها علم شرعي، تصديق بالقرآن وعدم تصديق.
واختار هذا القول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله على أن المغالبة في العلم بالسبق جائزة.
لكن انتبهوا لنقطة في هذه المسألة: إذا كانت المغالبة لقصد الوصول إلى الحكم الشرعي، أما إذا كانت المغالبة من أجل أن يكتسب هذا مالًا من أخيه فلا تجوز؛ لأن هؤلاء لم يريدوا الدين، أرادوا المال، أرادوا الدنيا.
بعض الناس استغل هذه المسألة، أو استغل هذا القول على إطلاقه وقال: خلاص، ما دام المسألة مسألة علم (...). ولكن لا بد من التقييد، أن يكون القصد بالمغالبة الوصول إلى الحق، لا الوصول إلى المال.
العلوم غير الشرعية؛ كعلم النحو مثلًا، تجوز المغالبة فيه؟ الظاهر لا؛ لأن النحو وإن قلنا: إنه شرعي فإنما يكون شرعيًّا إذا كان المقصود به الوصول إلى معرفة الكتاب والسنة، ولهذا نقول: علوم العربية وسيلة، ما هي مقصودة لذاتها. طيب الفيزياء والكيمياء والجغرافيا والأشياء دي تجوز المغالبة فيها؟ لا تجوز المغالبة فيها.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الأصنام؛ لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وهل يعم هذا كل ما اتخذ صنمًا من أي مادة كان؟ الجواب: نعم، يَعُمّ؛ لأن الآية مُطْلَقة، وقد أبدل الله تبارك وتعالى عبادة الأصنام بعبادة الرحمن؛ لأن الإنسان بطبيعته لا بد له من شيء يأوي إليه في طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأبدل الله تعالى التعلق بالأصنام بالتعلق بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الاستقسام بالأزلام، وهو صريح، ومثل ذلك ما يسمونه بـ(حظك ونصيبك)، فهي إن لم تدخل في هذا تدخل في الميسر، فهي محرمة.
وهل مثلها أن يستقسم بالنجوم؟ فيقال مثلًا: هذا الرجل ولد في ساعة السعود فحياته سعيدة، هذا ولد في نجم الدبران فحياته تعيسة، دبور، وما أشبه ذلك؟
الجواب: نعم، يدخل في هذا، بل هو نوع من الشرك؛ لأن إثبات سبب لم يجعله الله سببًا شرعيًّا ولا قدريًّا من الشرك، وقد أبدل الله -والحمد لله- هذه الأزلام بصلاة الاستخارة، فإذا أشكل عليك أمر من الأمور تريد أن تفعله أخير هو لك أم شر فعليك بالاستخارة، تصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم إذا سلمت تدعو الله تعالى بالدعاء المعروف: «اللَّهُمِّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله. ]] إلى آخره.
* طالب: المراهنة من طرف واحد، هذه الأمور ليست شرعية، كأن يقول مثلًا: أراهن إن جاء فلان الليلة ثلاث مئة ريال (...)؟
* الشيخ: هذه ما هي مراهنة، هذه إما جُعْل وإلا تشجيع، إذا كان فيها خير مثل أن أقول: إن عرفت كذا، فلك كذا وكذا.
* طالب: الناس (...) الواقع في هذا؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: إن جاء فلان أعشيك بالليل. أشياء تافهة.
* الشيخ: في الحقيقة الناس ارتكبوا مثل هذا الذي تقول وارتكبوا أيضًا شيء آخر، يتلاعبون بالمال؛ لأن الله منعم عليهم، لو تريد تنادي واحد اسمه محمد تقول: عبد الله، نسيانًا، قالوا: عليك حق، ولو تعطيه الفنجان ما امتلأ، قالوا: ما ملأته يا أخي، عليك حق. هذه الحقيقة عندنا من باب الترف والميوعة، وإنها في الحقيقة التلاعب بالمال، ولهذا نُستفتَى في هذه المسألة ونقول: لا يلزمك أن تلتزم بما قال، قل: لا ما أعطيك.
* طالب: شيخ، بعض العلماء يقول بالتحريم؟
* الشيخ: التحريم صعب.
* * *
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ إلى آخره. انتهينا إلى قوله: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من هذه الأعمال الأربعة؛ لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فإن هذا يقتضي التنفير التام بوصفها رجسًا، ثم بوصف هذا الرجس من عمل الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن اجتناب هذه الأشياء الأربعة سبب للفلاح، وكل إنسان منا يريد الفلاح فليأت أسبابه، وجه ذلك قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات تعليل الأحكام الشرعية، يعني أن الأحكام الشرعية لها غايات حميدة، وهي الحكمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومن قوله أيضًا: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريقة القرآن الكريم في بيان العلل تارة يتقدم بيان العلة وتارة يتأخر، يعني إذا ذكر الله حكمًا وذكر له علة فتارة يذكر العلة قبل ثم يبني عليها الحكم، وتارة يذكر الحكم ثم يأتي بالعلة، حسب ما تقتضيه الحال وقرائن السياق، فهنا ذكر العلة قبل الحكم، أيش العلة؟ ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] قدم العلة أو الحكم؟ العلة، فقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾. وفائدة تقديم العلة هو أن الحكم يأتي إلى النفس وقد اطمأنت وترقبت إلى الحكم، اطمأنت إلى الحكم وترقبت الحكم؛ لأن من المعلوم أن العاقل إذا ذُكرت له العلة فسوف يعمل بمقتضى هذه العلة، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ بمجرد ما يسمع الإنسان ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ سوف يأتي إلى الحكم ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ وهو قد ترقبه، وهذا أيضًا مثله.
﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ من حين أن تأتي العلة ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يكون الإنسان مترقبًا لحكم النهي. وتارة تكون العلة بعد الحكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾؛ وذلك لأن الميتة والدم ولحم الخنزير تنفر منه الطباع، فقدَّم الحكم؛ لأن النفوس السليمة تترقب هذا الحكم، وربما تتجنبه بدون حكم شرعي، ثم تأتي العلة مطابقة لما تقتضيه الفطرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعمال الشيطان التي يأمر بها رجس؛ لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. ثم هل نقول: إن في الآية دليلًا على نجاسة الخمر؛ لأن الرجس هو النجس، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]؟
الجواب: نعم، بعض العلماء استدل بهذه الآية على نجاسة الخمر، ولكن عند التأمل في الآية الكريمة لا تجد دليلًا فيها على نجاسة الخمر، من وجهين: الوجه الأول: أنه قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ﴾ فهو رجس عملي، والرجس العملي هو الرجس المعنوي؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾.
الوجه الثاني: أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست رجسًا حسيًّا، والخبر عن هذه الأربعة واحد أو مختلف؟ واحد، الخمر مبتدأ، وعطف عليه الثلاثة، ثم جاء الخبر: رجس، فأين الدليل على أن هذه الأشياء الأربعة مختلفة في الحكم، فيقال في الثلاثة: رجس عملي، ويقال في الأول: رجس حسي، أين الدليل؟ يحتاج إلى دليل.
فإن قال قائل: دلالة الاقتران ضعيفة ولا يحمل بها؟
فالجواب: أن الأصل في الاقتران أن يكون الحكم واحدًا في الجميع إلا بدليل، مثال ذلك: قال أبو حنيفة: إن الخيل حرام، الخيل تعرفونها؟ معروفة؟ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، فقرنها بالبغال والحمير فتكون حرامًا، ولا شك أن الصواب معه؛ لأن الأصل في الاقتران التوافق في الحكم، لكن الخيل لها دليل يخرجها، وهو ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «نحرنا في المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرسًا وأكلناه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥١١)، ومسلم (١٩٤٢ / ٣٨) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، وهذا يخرِج الخيل عن حكم البغال والحمير، هنا ليس هناك في الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ليس عندنا دليل يخرج الخمر عن حكم ما قرن معه، وهي الميسر والأنصاب والأزلام، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على نجاسة الخمر نجاسة حسية.
فإن قال قائل: وهل في السنة ما يدل على ذلك؟
فالجواب: لا، ليس في السنة ما يدل على هذا، وأما حديث أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ وقال: «يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال:» «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠ / ٨) من حديث أبي ثعلبة الخشني، بنحوه.]]، ما الجواب على هذا الحديث؟
نقول: هذا الحديث استدل به من يرى نجاسة الخمر نجاسة حسية، ولكن لا دليل فيه في الواقع؛ لأن هذا الحديث إنما نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأكل فيها إلا بعد الغسل، وشرط آخر ألا نجد غيرها، مراده بلا شك في هذا الابتعاد عن مخالطتهم والأكل في أوانيهم، بدليل أنه لو كانت العلة النجاسة لكان غسلها يكفي في جواز الأكل بها، يعني أنه لا يشترط ألا نجد غيرها، ولكن النبي ﷺ أراد منا ألا نختلط بأهل الكتاب وأن نبتعد عنهم وألا نستعير منهم؛ لئلا يمنوا علينا في ذلك، هذه واحدة.
ثانيًا: أن نقول: ما هو وجه كون هذا دليلًا على نجاسة الخمر؟
قالوا: لأن آنيتهم يكون فيها الخمر؛ لأنهم يستحلون الخمر، فنقول: ويكون فيها الخنزير؛ لأنهم يستحلون الخنزير، وما الذي أدرانا أن الرسول عليه الصلاة والسلام راعى الخمر دون الخنزير، أو راعى الخنزير دون الخمر، أو راعى الأمرين جميعًا؟
لا دليل، والذي يتبين لنا أن العلة في ذلك هو ألا نختلط بهم، وألا نأكل في آنيتهم، إذن لا دليل في هذا الحديث.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلًّا قال: «لَا»[[ أخرجه مسلم (١٩٨٣ / ١١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]؟ يعني إذا تخمر الشراب فهل يجوز أن نحبسه ليكون خلًّا، أو أن نضيف إليه مادة تجعله خلًّا، قال: «لَا»؟
قلنا: لا دليل على النجاسة، هذا دليل على أنه لا يجوز أن يبقي الخمر عنده، بل يريقها؛ لئلا تدعوه نفسه إلى تناولها، وهو واضح، وليس فيه الإشارة إلى النجاسة في أي حال من الأحوال.
إذن من ادعى نجاسة الخمر نجاسة حسية فليأت بالدليل، وإلا فلا يمكن أن نلزم عباد الله بغسل الأواني من الخمر أو بغسل الثياب إذا أصابها أو بغسل الأبدان، ولا يمكن أيضًا أن نبطل صلاة عباد الله إذا كان في ثيابهم بقع من الخمر أو في أجسادهم إلا بدليل، المسألة ما هي مسألة لفظية فقط نجس ولّا غير نجس، المسألة يترتب عليها أشياء، فلا بد أن يكون عندنا برهان من الله عز وجل يمكننا أن نلزم عباد الله بشيء يقتضيه النص. إذن نقول: الأصل عدم النجاسة، ومطلق التحريم لا يقتضي النجاسة، بدليل أن السم والمأكولات الضارة حرام وليست نجسًا، هذا دليل مأخوذ من القاعدة المعروفة، وهي أن الأصل براءة الذمة.
ثم نقول: لدينا دليل إيجابي غير الدليل الأصلي الذي هو النفي أو العدم، دليل إيجابي على أنها طاهرة -أي الخمر- وأن نجاستها معنوية.
الدليل: الصحابة رضي الله عنهم لما حرمت الخمر خرجوا بها إلى الأسواق وأراقوها، ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق،لم يريقوها في الأسواق لأنه لا يجوز أن نريق في أسواق المسلمين شيئًا نجسًا، كما لا يجوز البول والغائط، أجاب القائلون بالنجاسة بناء على أصلها، وإلا فالأصل عدم النجاسة، لكن قالوا: قنان الخمر يعني أواني الخمر ليست بكثرة بحيث تسيل منها الطرقات، يعني لم تبلغ كثرة تسيل منها الطرقات، فنقول: سبحان الله! هل هذه الأواني التي يستعملها الصحابة رضي الله عنهم قبل التحريم أيها أكثر أو نقطة من بول؟
* طالب: هي هي.
* الشيخ: هي أكثر لا شك، وهي أكثر من شيء صغير من العدد، ونحن لا نقول: إن سكك المدينة صارت أنهارًا تجري من الخمر، ما نقول بهذا، لو قالوا: ما الذي أدراكم أنهم أراقوها في الأسواق؟ لعلهم أراقوها في حافات السوق الذي ليس مطرقًا للناس؟ فنقول: هذا خلاف الإطلاق، أراقوها في الأسواق ولم يقل: أراقوها في جوانب الأسواق، وكون الشيء في الجانب شرط زائد على الإطلاق فيحتاج إلى ثبوت أنهم أراقوها في جوانب الأسواق، ثم هل نقل عن الصحابة أنهم لما أراقوها غسلوا الأواني؟ لم ينقل، لم ينقل ذلك، ولو كانت نجسة لغسلوا الأواني ونقلوا هذا للأمة.
دليل آخر ما ثبت في صحيح مسلم «أن رجلًا أتى براوية من الخمر، الراوية قربة كبيرة، راوية كان يدخرها للرسول عليه الصلاة والسلام، فجاء إلى الرسول ﷺ وأهداها لم يعلم أنها حرمت، فقال النبي ﷺ: إنها حرمت، ومعلوم أن الإنسان لا يجوز أن يقبل هدية محرمة، سواء كانت محرمة لعينها أو لكسبها إذا علم صاحبها الذي أخذت منه، فكلمه أحد الصحابة سرًّا وقال له: بعها. فقال النبي ﷺ: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» » وإنما استفهم عن المسارة مع أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل رجلين يتساران: ماذا قلتما؟ لكن المقام يقتضي السؤال، ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع طرف الحديث «فقال: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فقال: قلت: بعها. فقال: «إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»، أو كما قال ﷺ، ففتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأمره النبي ﷺ بغسلها»[[أخرجه مسلم (١٥٧٩ / ٦٨) من حديث عبد الله بن عباس. ]].
أرأيتم لو كانت الخمر نجسًا أيسكت النبي ﷺ عن أن يقول لهذا الرجل: اغسل الراوية؟ لا يسكت أبدًا؛ لأن هذا الرجل لا يدري أنها حرمت، كيف يدري أنها نجسة، فإذن يتبين أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية، وهذا وإن كان لم يقل به إلا قليل من الأمة فالجماعة مع الدليل، والجمهور على أنه نجس نجاسة حسية، لكن كما رأيتم الأدلة الآن واضحة أن نجاسته نجاسة معنوية.
ينبني على هذا ما الأشياء التي فيها الكحول الآن، السبرتو، وكذلك أيضًا ما يدهن به الجروح وما أشبه ذلك هل تكون نجسة أو طاهرة؟ طاهرة؛ لأنه إذا كان الأصل الذي هو الخمر طاهرًا على ما تبين لنا من القرآن والسنة، فكذلك ما كان فيه شيء منه من باب أولى أن يكون طاهرًا.
فإن قيل: فهل تبيحون أن يتطيب الإنسان بهذه الأطياب أو يتدهن بهذه الدهونات؟
نقول: أما عند الحاجة فنبيحه، ولا عندنا فيه- والحمد لله- إشكال، يعني مثل أن يحتاج الجرح إلى مسح بالسبرتو أو غيره من أجل سهولة بطه بالإبرة، هذا لا شك أنه جائز؛ لأن الحكم المشتبه تبيحه الحاجة، ولو كان أصله التحريم.
فإن لم يكن محتاجًا وإنما يتطيب به فهل هذا حرام أو لا؟ ننظر، قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هل المراد اجتناب شربه المؤدي إلى المفسدة أو الاجتناب مطلقًا؟ نقول: إذا كان الله يقول: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ إلى آخره، علمنا أن المراد بالأمر بالاجتناب هو اجتناب الشرب، لا شك في هذا أنه اجتناب الشرب، أما اجتناب غير الشرب فهذا محل اشتباه، والورع ألا يفعل الإنسان إلا لحاجة، ألا يتدهن بهذه الأشياء إلا لحاجة؛ كالتعقيم للجرح وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: إذا كان في هذه الأطياب نسبة لكنها ضئيلة خمسة في المئة مثلًا فهل يؤثر؟ فالجواب: لا يؤثر، لا يؤثر إلا ما أثر في المخلوط معًا، وأما إذا لم يؤثر فليس بحرام، بدليل رجل عنده إناء من ماء سقطت فيه نجاسة، لكن لم تغيره، ماذا يكون هذا الماء؟ يكون طهورًا؛ لأنه لم يؤثر، فعلى هذا نقول: إذا كانت النسبة ضئيلة حتى في هذه الأطياب فإنه لا شك في أنها مباحة؛ لأن النسبة الضئيلة لا تؤثر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بعباده الذين خلقهم لعبادته، حيث حذرهم من كل ما فيه ضرر، وبيَّن لهم النتائج الطيبة؛ لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة: إثبات الإرادة للشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾، ولا شك أن له إرادة، أرأيتم قول الله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة ٣٤] وجادل ربه عن إرادة ولّا عن غير إرادة؟ عن إرادة، إذن الشيطان له إرادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سوء إرادة الشيطان ببني آدم، وهو أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء التي توجب التفرق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تَفرق الأمة من مرادات الشيطان؛ لأن العداوة والبغضاء تؤدي إلى التفرق لا شك، فيكون كل ما يؤدي إلى الفرقة من مرادات الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: القاعدة التي أشرنا إليها الآن؛ أن كل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مرادات الشيطان، فيدخل في هذا آلاف المسائل: البيع على بيع المسلم يوجب البغضاء والفرقة، الاستئجار على استئجاره، الخطبة على خطبته، وما أشبه ذلك، فكل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مراد الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة الله تبارك وتعالى للعداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأن هذا تحذير لا بعده تحذير ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ إلى آخره. وهذا واضح؛ لأن الله تعالى أمر بالاجتماع ونهى عن التفرق، فقال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. والدليلان الأصلان الكتاب والسنة مملوءة بهذا، أي بطلب الاجتماع والنهي عن التفرق.
فهل يدخل في ذلك طلبة العلم؟ من باب أولى، لكن مع الأسف أن طلبة العلم إذا اختلفوا في أمر اجتهادي صار بعضهم لبعض عدوًّا إلا من شاء الله، وصار يتكلم في عرض أخيه بلا حرج، فيكون ظالمًا لنفسه أولًا، وظالمًا لأخيه ثانيًا، وظالمًا لعباد الله الذين ينتفعون من أخيه؛ لأنه إذا سقطت هيبته وقيمته في عينهم لم ينتفعوا بعلمه، فيكون هذا ظالمًا لنفسه وظالمًا لأخيه وظالمًا لكل من ينتفع بعلم أخيه.
ولذلك يجب التنبه لهذا، وأن تعتقد أن من خالفك في أمر اجتهادي فقد وافقك في الحقيقة؛ لأن كليكما يريد الحق، فهو يرى أن الحق في هذا، وأنت ترى الحق في خلافه، من منكم رسول للآخر يجب عليه اتباعه، من منكما في هذه الحال؟ لا أحد، إذن هو محق في اتباع ما ظن أن الدليل يدل عليه، وأنت محق في اتباع ما ظننت أن الدليل يدل عليه، ولتكن القلوب نزيهة.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم (...) من الورع اجتنابه واستعماله.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ لفظ عام، اجتنبوه في كل شيء؛ في الاستعمال والشرب، لكن لا نجزم بأنه بالاستعمال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فلذلك رأيناه من الأمور التي من الورع تركه.
* طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إذا كانت النسبة من الكحول هذه في الأدهان ضئيلة لا يضر، هل مثله يا شيخ يعني فيه بعض الأشربة يكون فيها شيء من .. يحل ولّا يحرم؟
* الشيخ: إي نعم، إذا كان قليلًا اشرب منها، لكن أبغي أنصحك إذا شربت فقل: باسم الله، وإذا انتهيت فقل: الحمد لله.
* طالب: يمكن الناس (...) تحريم الحمر كما ذكرته أسماء – رضي الله عنها وأرضاها- في ذبح الفرس؛ لأن أكل الخيل عند الناس الحين غير معروف؟
* الشيخ: لا، أنا أبغي أزيدك على هذا، الخيل عند الناس يحرم صدرها ويحل دبرها، عند العامة يقول: مستقبل جسم الفرس حرام؛ لأنه يُتقى به العدو عند الجهاد، وأما مؤخره فهو حلال؛ لأن المؤخر يكون عند الإدبار عن العدو خله يؤكل.
* الطالب: يا شيخ أنا أسأل عن التاريخ (...) نسأل عنه ولّا ما نسأل؟
* الشيخ: لا، اسأل عن التاريخ، الحمر حرمت في خيبر، وأسماء بنت أبي بكر تحدثت بهذا استدلالًا على حل الخيل، فلولا أن عندها علمًا بأن الخيل أكلت بعد خيبر ما ذكرت هذا على وجه الاستدلال.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كما ذكرتم يا شيخ ربما توجد بعض الشحناء في قلب الرجل لكن يا شيخ (...) بالدواء الناجح في (...)؟
* الشيخ: قلبه؟ والله يا أخي أنا عندي ما هو سهل، فهمتم السؤال؟ يقول: الإنسان قد يجد يعني شحناء أو حسدًا في قلبه بالنسبة لأخيه، فكيف يعالجها؟ يعالج هذا أن يقول لنفسه: أنت تريدين الحق، والمسألة ما هي نص، المسألة اجتهاد، أما لو كانت نصًّا ما نقبل أن نعذره، لكن إذا كان اجتهادًا فالاجتهاد كلنا على اجتهاد.
* طالب: أريد جوابًا عن حديث: «لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَشَارِبَهَا»[[أخرجه أبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]] إلى آخره من (...) مع أنه (...) ولم يشرب إلا واحد؟
* الشيخ: لأن هؤلاء يعينونه، هذه لإعانته عليه، مثل لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه.
* طالب: بارك الله فيك، بعض العلماء يستدل بحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التداوي بالخمر، يقول: يقاس عليها غيرها كاستعمال الخمر في غير التداوي من باب أولى، مثل العطور وغيرها من باب أولى يعني فحرمت..
* الشيخ: لكن التداوي بها شربًا، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز التداوي بها حتى للعطش، لا يجوز أن تشرب الخمر للعطش، وعللوا ذلك أن الخمر إذا شرب الإنسان على العطش لا تزيده إلا عطشًا، ويرى بعض العلماء أنه يجوز للعطش ولا يسلم أنها لا تزيد إلا عطشًا، لكن إذا غص باللقمة وليس عنده إلا كأس خمر وغص إما يموت ينخنق ولّا يشرب الكأس مشى اللقمة ماذا يصنع؟ يستعملها؟ إي نعم، يستعملها للضرورة؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى في آية عامة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]، هذه أعم من قوله لما حرم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به حين قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣] الآية، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أعم.
طالب: بارك الله فيك، بعضهم يأخذون بحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التداوي بالخمر، (...) يقول: يقاس عليها غيرها للاستعمال فقط لغير التداوي من باب أولى؟
* الشيخ: يقاس عليها؟
* الطالب: الاستعمال فقط في غير التداوي؛ كالعطور وغيرها من باب أولى يعني.
* الشيخ: لكن التداوي بها شربًا، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز التداوي بها، حتى للعطش لا يجوز أن تشرب الخمر للعطش. وعللوا ذلك بأن الخمر إذا شربها الإنسان للعطش لا تزيده إلا عطشًا. ويرى بعض العلماء أنه يجوز للعطش، ولا يسلِّم أنها لا تزيده إلا عطشًا. لكن إذا غصت باللقمة وليس عنده إلا كأس خمر، وغص، إما يموت ينخنق ولّا يشرب الكأس ويمشي اللقمة، ماذا يصنع؟ يستعملها؟ إي نعم، يستعملها للضرورة؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى في آية عامة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]. هذه أعم من قوله لما حرم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به حين قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣] الآية، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ [المائدة ٩١ - ٩٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مبينًا ما يريده الشيطان من بني آدم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ما هو ضد العداوة؟
* الطالب: الموالاة.
* الشيخ: الموالاة. والبغضاء؟ المحبة، يعني المحبة ضد البغضاء، فيريد أن تشتت القلوب والأبدان، وأظن أخذنا الفوائد.
* طالب: خمس فوائد.
* الشيخ: من أين خمس فوائد؟
* الطالب: كراهة الله للعداوة والبغضاء بين المسلمين، هذه آخر واحدة، أقولها كلها؟
* الشيخ: طيب.
* الطالب:
-إثبات إرادة الشيطان.
-سوء إرادة الشيطان ببني آدم.
-أن تفرق الأمم من مرادات الشيطان.
-أن كل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مرادات الشيطان.
-كراهة الله للعداوة والبغضاء بين المسلمين.
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وجه ذلك أن الله تعالى أخبر أن الخمر والميسر سبب للعداوة والبغضاء، وهذا لا شك فيه، ولا أحد ينكره إلا السفيه، كل يعلم أن من غمس في البحر فإنه يغرق، وأن من ألقي في النار فإنه يحترق، أليس كذلك؟ أنكر قوم الأسباب، وغلا قوم في إثباتها، فأما الذين أنكروا الأسباب فزعموا أنهم بإنكارهم ينزهون الله تعالى عن الشريك، فغلوا في التنزيه، وأما الذين أثبتوا الأسباب على أنها الفاعلة فهؤلاء أشركوا مع الله.
أما أهل الحق فقالوا: إن الأسباب لها تأثير، ولكن من الذي جعل لها تأثيرًا؟ هو الله، فتأثير الأسباب ليس بنفسها، ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة.
ويدل لهذا أنه توجد أسباب موجبة للشيء بإيجاب الله إياه، ومع ذلك قد يرتفع هذا الإيجاب، من ذلك: النار محرقة، ولما أُلقي فيها إبراهيم قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا، فانتفى الإحراق وانتفت الحرارة، فصارت بردًا وسلامًا، لو كانت الأسباب مؤثرة بنفسها لاحترق إبراهيم عليه الصلاة والسلام. كذلك الرجل الذي يقطعه الدجال جزلتين ثم يقول له: قم، فيقوم، نحن نعلم أن الدجال لم يكن هو السبب في إحيائه، بل ذلك إلى الله عز وجل، ولهذا إذا قتله في الثالثة لم يستطع أن يقتله، لا يسلطه الله عليه بعد ذلك.
إذن نقول: الأسباب لها تأثير، ولكن لا بنفسها، بل بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة، والأدلة في هذا شرعًا وعقلًا وواقعًا لا تحصَى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما صد عن ذكر الله فهو من أوامر الشيطان، وذِكر الله تبارك وتعالى سبق لنا أنه؟
* طالب: أنه محفوظ من الله عز وجل.
* الشيخ: لا (...).
* طالب: يكون بالقلب.
* الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح، فكل ما صدك عن ذكر الله بهذه الأشياء فهو من أوامر الشيطان وإراداته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصلاة؛ لتخصيصها بالذكر من بين ذكر الله عز وجل، وهذا يدل على شرفها وفضلها على غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] الروح هو جبريل، وهو من الملائكة، لكن خصه الله تعالى بالذكر لشرفه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من صد الشيطان إيانا عن الصلاة، إما أن نتلهى عنها بأموالنا أو بأولادنا، أو بلغونا أو بجدنا، بأي شيء، وإما أن نفعلها بأجسامنا دون قلوبنا، فاحذر الشيطان أن يصدك عن الصلاة.
* ومن فوائدها: أنه كلما وقع في قلبك التثاقل عن الصلاة فاعلم أنه من الشيطان ومراد الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد النهي عن الخمر والميسر؛ لقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، ووجه التأكيد أنه أتى بصيغة الاستفهام، يعني فهل بعد هذا البيان تنتهون أو تستمرون؟ ماذا كان جواب الصحابة يا إخوان؟ «انتهينا انتهيا»[[أخرجه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩ )، والنسائي (٥٥٤٠) من حديث عمر بن الخطاب.]].
المائدة 5:91
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠]، هذه الآية جمعت بين خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والطلب قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، في هذه الآية يبدأ الله تعالى الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تكرر هذا الخطاب، وبيَّنَّا أن بدء الكلام بالخطاب يدل على أهميته والعناية به، ثم بدؤه بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن العمل به تصديقًا أو امتثالًا من مقتضيات الإيمان، كذلك أيضًا يدل على أن مخالفته أو الشك فيه أو تكذيبه منافٍ للإيمان؛ إما لأصله أو لكماله، وثالثًا: أن في هذا إغراءً للمخاطب، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فاستمع وامتثل.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطلق الله عز وجل الإيمان ولم يذكر ما يؤمن به؛ لأن ذلك معلوم، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه -أي عن الإيمان- فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا هو الأصل، وقد يراد به تحقيق الحكم في المذكور، ولا يلزم أن ينفى عما سواه؛ كما سيتبين إن شاء الله في التفسير.
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الخمر قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: إنه المسكر، المسكر هذا هو الخمر، كل ما أسكر فهو خمر، ولا نقول: كل ما أذهب العقل فهو خمر، أو كل ما أذهب الإحساس فهو خمر، بل نقول: الخمر ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب؛ لأن الذين يشربون الخمر يجدون راحة ونشوة وطربًا، وعلى هذا فالبنج ليس بخمر؛ لأنه وإن كان يفقد الإحساس لكنه لا يجد الإنسان فيه النشوة والطرب، ومع ذلك لا يستعمل البنج إلا للحاجة والضرورة.
الميسر هو: أخذ المال على وجه المغالبة، وسُمي ميسرًا لتيسر الحصول عليه، مثاله: المراهنة والقمار، مثل أن يقول: سنعمل عملًا سويًّا ونجعل العوض مثلًا عشرة آلاف ريال، فمن غلب أخذ العشرة، ومن غُلب أُخذت منه العشرة. إذن المسألة الآن غرر وجهالة، فيسمى هذا ميسرًا؛ لما فيه من المغامرة والغرر والمخاطرة، وقد كان هذا معروفًا عند العرب وكذلك في أول الإسلام، ولكنه -والحمد لله- حرم.
﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ الأنصاب هي: ما ينصب ليعبد من دون الله، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ هي ما يُستقسم به، أي يطلب به الإنسان ما قُسم له، وكانوا يستعملون هذا في الجاهلية، يضعون أقداحًا فيها: افعل، ولا تفعل، والقدح الثالث ليس فيه شيء، ثم يخلطونها جميعًا ويقول القائل: خذ منها بدون أن تعلم، تجعل في كيس أو نحوه، ثم يقال: أدخل يدك وأخرج قدحًا، إن خرج (افعل) فعل، وإن خرج (لا تفعل) لم يفعل، إن خرج المهمل أعاد مرة أخرى. هذا العمل كانوا يستعملونه في الجاهلية، وهو مبني على أوهام لا حقيقة له، ولذلك حرمه الله عز وجل.
وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الرجس: النجس، لكن يكون الرجس نجسًا حسيًّا ويكون معنويًّا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣ ] المراد من الرجس هنا حسي ولَّا معنوي؟ هذا معنوي، وقد يكون حسيًّا، أي نجس نجاسة حسية؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥].
* الشيخ: هذه الآية من أي الرجسين؟ الحسي أو المعنوي؟
* طالب: معنوي.
* الشيخ: الصواب أنها من الرجس المعنوي؛ لأنه وُصف بقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة ٩٠]، فقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ صفة لرجس وليست خبرًا ثانيًا؛ لأننا إذا جعلناها خبرًا ثانيًا صار المعنى أن هذه الأربعة: الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس وأنها من عمل الشيطان، وإذا جعلناها وصفًا لرجس صار المعنى أنه رجس عملي وليس رجسًا حسيًّا، وهذا هو الصواب.
* طالب: شيخ، هنا العشرة مساكين، يعني إطعام عشرة مساكين، لو أنهم تسعة وفيهم امرأة مرضعة..
* الشيخ: رضيع؟
* طالب: رضيع نعم، فهل نعطيهم على حساب عشرة على هذا الطفل هذا..؟
* الشيخ: نطعمها مرتين، نعم. يسأل يقول: إذا كان تسعة فقراء أحدهم امرأة ترضع فهل يكفي أن يطعمها مرتين؟ الجواب: لا، لا بد من إطعام عشرة مساكين يتغذون بالطعام، لا باللبن.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، لو وجدنا فقيرًا، وهو يعول عائلة من تسعة، وهو العاشر، لكنهم ليسوا معه في البلد، فهل نعطيه الكفارة..؟
* الشيخ: نعم، إذا علمنا أنه سيؤديها لهم، أما إذا لم نعلم فلا.
* الطالب: هو يعولهم، قد يبيعه مثلًا ويروح له فلوسه؟
* الشيخ: لا ما يجوز، لازم من إطعام عشرة.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، هناك بعض المشروبات فيه نوع مادة الكحول واحد أو أكثر (...) هل يجوز فعله؟
* الشيخ: لم نصل إليه بعد.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، خص الآية للمؤمنين دون الكافرين يا شيخ، عدم العناية فيهم للكفار، ولّا إنه هو لا بأس (...)؟
* الشيخ: هذه لم تأت بعد.
* طالب: أحسن الله إليكم، هل ينعقد اليمين إذا دفعه إليه موقف معين، غضب أو غيظ أو نحوه؟
* الشيخ: إي نعم، يعني إذا صدر اليمين عن غضب، هل ينعقد أو لا ينعقد؟ هذه مسألة لا بد أن تأخذوا بها قاعدة: كل قول يكون عن غضب لا يملك فيه الإنسان نفسه فلا عبرة به، كل قول يكون عن غضب شديد لا يملك فيه الإنسان نفسه فإنه لا عبرة به، فلو طلق في غضب شديدلم تطلق امرأته، ولو أقسم في غضب شديدلم ينعقد اليمين، ولو ظاهر من امرأته في غضب شديدلم يكن ظهارًا، وهذه قاعدة ثابتة، نعم.
* طالب: يا شيخ، هل يشترط في الكسوة التمليك؟
* الشيخ: التمليك؟ إي نعم، تعير الثوب وتأخذه على العصر!
* طالب: طيب، شيخنا قلنا: إذن الإطعام ما يشترط تمليكه؟
* الشيخ: إي؛ لأن الطعام ينتفع به مرة واحدة وينتهي.
* طالب: (...) استضاف المساكين رز نيء (...)؟
* الشيخ: إي، كلام الفقهاء يقولون: لا بأس أن يعطيهم رزًّا نيئًا لكن يحسن أن يكون معه شيء يؤدمه.
* طالب: أقول: لحم يا شيخ يعني؟
* الشيخ: إي، لحم.
* طالب: اللبن والحليب أليس من الإطعام؟
* الشيخ: لا، ليس طعامًا.
* طالب: اليمين الغموس هل تجب الكفارة مع التوبة؟
* الشيخ: لا، اليمين الغموس لا تكون إلا على شيء ماض، كل يمين على شيء ماض ما فيه كفارة.
* طالب: أحسن الله إليك، ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ رقبة هنا مطلقة، هل يقيد بالإيمان؟
* الشيخ: أحسنت، هذه نسينا أن ننبه عليها، الرقبة هنا مطلقة ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فهل يصح إعتاق الكافر؟
يرى بعض أهل العلم أنه يصح؛ لأننا نطلق ما أطلقه الله ونقيد ما قيده الله، والرقبة وردت مطلقة هنا في كفارة اليمين، ووردت مطلقة في كفارة الظهار، ووردت مطلقة في كفارة الجماع في رمضان، ووردت مقيدة في كفارة القتل، فمن العلماء من قال: يجب علينا أن نبقي النصوص كلها على ما هي عليه، فيشترط الإيمان في كفارة القتل، ولا يشترط في كفارة اليمين وكفارة الظهار وكفارة الجماع، ومنهم من قال: ما دام الحكم واحدًا فإنه يجب أن يقيد المطلق بالقيد الذي قيد به المقيد، وإن اختلف السبب، واستدل هؤلاء بدليل حديث معاوية بن الحكم أنه أراد أن يعتق جاريته التي لطمها، فدعا بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وسألها: «أَيْنَ اللهُ؟» قالت: في السَّماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فإنه يستفاد من هذا أنه لو لم تكن مؤمنة ما شرع عتقها، وعللوا أيضًا بتعليل جيد، قالوا: إنه إذا عتق الكافر فإنه لا يُؤمَن أن يرجع إلى أصله وأهله؛ لأنه الآن تحرر، فيمكن أن يذهب إلى أهله ويزيد سوادهم في محاربة المسلمين، فالصواب أنه لا بد من الإيمان، الصحيح أنه لا بد من الإيمان.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للكسوة يكفي كسوة ككسوة الأطفال؟
* الشيخ: إي نعم، ظاهر الآية أنه يكفي، لكن الطفل الذي يأكل الطعام.
﴿وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في ذلك أثر، ما هو؟
* طالب: «أنه قال: إذا سمعتم قوله:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* الشيخ: نعم، إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك؛ فإما خير تؤمر به وإما شر تنهى عنه. وذكرنا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل؟
* طالب: على ثلاثة أشياء.
* الشيخ: لا.
* الطالب: على التنبيه.
* الشيخ: على التنبيه والإتيان به. وإذا صُدِّر بمخاطبة المؤمنين ماذا يفيد؟
* الطالب: فإنه يدل على أن امتثال ما يأتي إما فعلًا أو تركًا من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: وتصديقه إن كان خبرًا..
* الطالب: من مقتضيات الإيمان.
* الشيخ: هذه واحدة.
* الطالب: الثاني أن فيه الإغراء.
* الشيخ: نعم، الإغراء والحث؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يؤدي إلى أن يُقدِم هذا إغراء وحث.
* الطالب: الثالث: أن مخالفته من أسباب نقصان الإيمان.
* الشيخ: نعم، أن مخالفته سبب لنقصان الإيمان، بارك الله فيك. الخمر له تعريف؟
* طالب: هو ما أذهب العقل على وجه اللذة والطرب.
* الشيخ: ما غطَّى، ما هو أذهب، ما هو يذهب العقل.
* الطالب: غطى العقل.
* الشيخ: على وجه اللذة والطرب. طيب، هل له أصل في المعاني الحسية؟
* الطالب: الخمر؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نعم، من ما (...).
* الشيخ: ومنه الخمار تغطي به المرأة رأسها. طيب، الميسر؟
* طالب: أخذ المال على وجه غير مقابل.
* الشيخ: لا، ما هو صحيح، أجل معناه أني لو آتي وأعطيك هبة صار ميسرًا؟
* الطالب: لا يا شيخ، وجه أخذ المال على وجه المغالبة من غير حق.
* الشيخ: هو ما فيه ظلم ولا..
* طالب: أخذ المال كالمغالبة من جهتين: المغالبة كالمراهنة.
* الشيخ: نعم، هو أخذ المال على وجه المغالبة، طيب ويسمى قمارًا، لماذا سمي ميسرًا؟
* طالب: لتيسر الحصول عليه.
* الشيخ: ولهذا ربما يربح الإنسان في مجلس واحد مئات الآلاف. طيب، الأنصاب؟
* طالب: الأنصاب هي الأصنام التي ينتصب لها الإنسان للعبادة.
* الشيخ: لأنها تنصب لتُعبد من دون الله. طيب، الأزلام؟
* طالب: هي ما يُستقسم به.
* الشيخ: كيف ذلك؟ معروفة.
* الطالب: كان توضع أقداح و..
* الشيخ: لنفرض أنها رِقاع.
* الطالب: يكتب على أحدهما: افعل، أو لا تفعل، فإذا خرج..
* الشيخ: والثالث؟
* الطالب: والثالث لا يكتب عليه شيء.
* الشيخ: طيب، ويضعها في؟
* الطالب: ويضعها في إناء أو كيس أو ما أشبه ذلك..
* الشيخ: لا، في إناء ما يصح، الإناء يشوفه ويأخذ اللي يبغيه.
* الطالب: يضعها في جيب أو ما أشبه ذلك..
* الشيخ: أو في كيس.
* الطالب: أو في كيس، ثم يدخل يده فيأخذ واحدًا، إذا خرجت (افعل) فيأخذ به، وإذا خرجت (لا تفعل) فيأخذ به، وإذا خرجت التي غير مكتوب عليها شيء يعيد مرة ثانية.
* الشيخ: صح، ما معنى (يستقسمون)، هو الأزلام يستقسمون بها؟
* طالب: يطلبون ما قُسم لهم.
* الشيخ: نعم يطلبون ما قُسم لهم، بارك الله فيك.
قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) هنا؟
* طالب: للترجي، وهي من الله عز وجل واقعة.
* الشيخ: (لعل)؟
* الطالب: للتعليل.
* الشيخ: (لعل) للتعليل، أي لأجل أن تفلحوا.
فما هو الفلاح؟ نأخذ إن شاء الله.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ذكرنا أن الرجس نوعان؟
* طالب: حسي ومعنوي.
* الشيخ: مَثِّل للمعنوي؟
* الطالب: المعنوي عبادة غير الله كالأصنام.
* الشيخ: مثل؟ لقوله تعالى؟
* الطالب: لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾.
* الشيخ: طيب، الحسي؟
* الطالب: الحسي مثل الخمر.
* الشيخ: لا. طيب كمل؟
* طالب: الحسي مثل الميتة.
* الشيخ: هات مثالًا، شاهدًا؟
* الطالب: يعني يا شيخ، الخنزير أو الميتة.
* الشيخ: إي لكن نريد دليلًا من القرآن أو السنة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾.
* الشيخ: هذا رجس حسي ولّا معنوي؟
* الطالب: حسي.
* الشيخ: بارك الله فيك. طيب، ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يعني أن هذا العمل من عمل الشيطان، أضافه إلى الشيطان لأنه أوحى به وأمر به الإنسان، والشيطان قيل: إنه مشتق من (شطن) إذا بعُد، لبعده عن رحمة الله عز وجل؛ لأن الله لعنه وطرده وأبعده عن رحمته، وقيل: إنه من شاط، أي: غضب، والغضب دائمًا يكون التصرف فيه أهوج، والأول أصح، والدليل على هذا أنه مصروف: شيطان، ولو كان من (شاط) لكان فيه زيادة الألف والنون، فيكون غير مصروف.
﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: ابتعدوا عنه، كونوا في جانب وهو في جانب.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل) للتعليل، أي لأجل أن تصلوا إلى الفلاح، والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، فهو يجمع أمرين: الفوز بالمطلوب؛ أي: حصول مطلوب الإنسان، أي ما يطلبه، والنجاة من المرهوب، وهو كثير في القرآن.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة ٩١] الجملة فيها حصر، أداته (إنما)، أي: ما يريد الشيطان إلا ذلك ﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ إلى آخره.
وقوله: ﴿يُرِيدُ﴾ هنا بمعنى: يحب، وإذا أحب سيفعل.
﴿أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: أيها المؤمنون، العداوة والبغضاء في الخمر والميسر. العداوة ضد الولاية، والبغضاء ضد المحبة، ففي البغضاء تنفر القلوب، وفي العداوة تنفر الأبدان بعضها من بعض فلا يتولى أحد الآخر، وأيهما الناتج عن الثاني؟ العداوة؛ لأنه يُبغِض أولًا ثم يعادي ثانيًا.
﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (في) هنا للسببية، وتأتي (في) للسببية في اللغة العربية في مواضع كثيرة، ومنها قول النبي ﷺ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا» » أي بسبب هرة «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٦٥)، ومسلم (٢٢٤٢ / ١٥١) من حديث عبد الله بن عمر.]]، أي بسبب الهرة، وليس المعنى أنها دخلت في جوف الهرة، بل المعنى أنها عُذبت بسببها.
﴿فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ووجه ذلك أنه يوقع العداوة والبغضاء، أن صاحب الخمر -والعياذ بالله- إذا شرب صار كالمجنون، ربما يقتل أو يسرق أو يزني، وبذلك تحصل العداوة والبغضاء. الميسر أيضًا وجه العداوة والبغضاء أن الميسر أخذ المال على وجه المغالبة، والمال محبوب إلى النفوس، فإذا أخذ هذا الإنسان منك مالًا كثيرًا من أجل أنه غلبك في شيء لا يساوي ولا ربع المال الذي أخذه فإنه سوف يبقى في قلبه بغضاء وتُنتج العداوة.
﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ نعم يريد الشيطان أن يصدنا عن ذكر الله؛ عن ذكر الله باللسان، وعن ذكر الله بالجوارح، وعن ذكر الله بالقلب. هذا ما يريد الشيطان منا؛ أن يصدنا عن ذكر الله بالقلب واللسان والجوارح، فتجد الإنسان إذا هم أن يقوم يصلي يثبطه الشيطان ويسول له ويأتيه التثاؤب ثم يبقى. إذا أراد أن يذكر الله أو يقرأ القرآن فكذلك، تجده نشيطًا في شيء من الأشياء فإذا أمسك بالمصحف ليقرأ أتاه الكسل. إذا عجز الشيطان عن الإنسان أن يصده عن القول والفعل أتاه من ناحية ثانية وهي الصد بالقلب؛ أن يصد قلبه عن ذكر الله، وهذه هي الفاجعة العظيمة؛ لأن القلب إذا غفل عن ذكر الله فإنه يضيع على الإنسان أمور دينه ودنياه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف ٢٨].
ولهذا يجب على الإنسان أن يلاحظ نفسه في هذه الناحية، هل هو إذا جلس يقرأ القرآن قلبه يكون حاضرًا؟ وهل هو إذا ذكر الله يكون قلبه حاضرًا؟ وهل هو إذا صلى يكون قلبه حاضرًا؟ أم هو غافل؟
إنه إذا كان غافل القلب عن ذكر الله باللسان والجوارح فقدْ فقدَ رُوح العبادة حقيقةً، ولذلك نجد الإنسان إذا غفل في صلاته خرج منها بقلب كما دخل فيها بقلب، يعني بنفس القلب، لا يزداد نورًا ولا إيمانًا ولا كراهة للفحشاء والمنكر، وقد أخبر الله تعالى أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلماذا لا يجد الإنسان إذا خرج من الصلاة كراهة للفحشاء والمنكر؟ لماذا لا يجد؟
لأنه إنما صلى صلاة جسد فقط، لا صلاة قلب، وهذه نقطة نسأل الله تعالى أن يعيننا عليها، أكثر الناس اليوم مبتلَون بها ويسألون دائمًا كيف يتخلصون منها، لكن الخلاص منها سهل، وهو أن تحاول حضور القلب في الصلاة من أولها إلى آخرها، عوِّد نفسك هذا، أجبِر نفسك على هذا حتى تجد لذة العبادة.
﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ خص الصلاة بالذكر معيدًا حرف الجر إشارة إلى شرفها وعظمها، يعني أعاد حرف الجر، دون أن يكون الكلام: ويصدكم عن ذكر الله والصلاة، قال: ﴿وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ إشارة إلى أهميتها، فالتنصيص عليها، وهي من ذكر الله، دليل على شرفها، وإعادة العامل وهي معطوفة دليل آخر على شرفها وأنها جديرة بأن تكون قسمًا مستقلًّا برأسه.
و﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ الاستفهام هنا بمعنى الإغراء، الإغراء عن، بأي شيء؟ بالانتهاء، فهو أبلغ من قوله: فانتهوا، يعني فهل بعد هذا البيان والإيضاح هل تنتهون؟ الجواب: نعم أنتهي، ولهذا قال عمر رضي الله عنه حين نزلت الآية: «انتهينا انتهينا»[[أخرجه الترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي (٥٥٤٠) من حديث عمر بن الخطاب.]].
* في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: أهمية الحكم، وهو اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، ووجه ذلك تصدير الآية بالنداء.
* ومن الفوائد: أن اجتناب هذه الأشياء الأربعة من مقتضيات الإيمان، وأن الوقوع فيها من نواقص الإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الخمر من أي شيء كان، سواء من العنب، أو من الرطب، أو من الشعير، أو من البُر، أو من أي شيء؛ لعموم الآية، والقول بأنه لا يحرم إلا خمر العنب قول ضعيف؛ أولًا لأن الآية مطلقة، بل هي عامة؛ إذ فيها (أل) الداخلة على المفرد، وقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام أن الخمر كل مسكر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخمر قليله وكثيره حرام؛ للعموم، ولكن إذا كان الشراب لو أقللت منه لم يحصل الإسكار، ولو أكثرت لحصل الإسكار، فهل يحرم؟
الجواب: نعم يحرم؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٨١)، والترمذي (١٨٦٥) من حديث جابر بن عبد الله، والنسائي (٥٦٠٧) من حديث عبد الله بن عمرو. ]]، ولأن تناول اليسير الذي لا يسكر ذريعة إلى تناول الكثير الذي يسكر؛ فإن الإنسان إذا شرب هذا الشراب اللذيذ وهو لا يسكره فإن ذلك يتعدى إلى أن يزداد منه فيسكر.
وهل إذا كان هذا الشراب يسكر من شربه ولا يسكر من أدمن عليه، كما يوجد الآن في الذين يدمنون على الخمر -نسأل الله العافية- لا يسكره، فهل يحرم عليهم أو لا يحرم؟ يحرم؛ لأنه إذا كان اليسير الذي لا يسكر يحرم فهذا مثله، وعدم الإسكار في هذا باعتبار الشخص المعين لا باعتبار قوة هذا الشراب، فإن هذا الشراب فيه القوة المسكرة لا شك، فيكون حرامًا على من أسكره وعلى من لم يسكره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز النبيذ إذا لم يصل إلى حد الإسكار، النبيذ هو الماء ينبذ فيه العنب أو الرطب لمدة يوم أو يومين، فيكتسب الماء طعم هذا الذي نبذ فيه دون أن يسكر، فهل هو حلال أو حرام؟
الجواب: حلال؛ لأن المحرم الخمر، وهذا لا يسكر، طيب لو طالت مدته بأن زاد على ثلاثة أيام؟ فما دام لم يسكر فإنه حلال، لكن ينبغي إذا أتى عليه ثلاثة أيام، ولا سيما في أيام الحر والمناطق الحارة، ألا يشربه؛ لأن الإسكار فيه قد يكون خفيًّا، ولكن علامة المسكر أنه يرتفع، أن الشراب يرتفع؛ لأنه يكون فيه الزبد، والزبد يرفع عن مستواه، فهذا علامة المسكر.
والخلاصة أن النبيذ حلال؛ لأنه لا يسكر، لكن إذا كان في زمن أو مكان يغلب على الظن أنه وصل إلى حد الإسكار فالورع اتقاؤه، ويعطى الحيوان أو ما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الميسر قليله وكثيره؛ للعموم ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، حتى لو كانت المغالبة من قرش واحد، كذا؟ لو يسيرًا؟ ولو يسيرًا؛ لأننا نقول: قليل الميسر الذي لا يجحف بمال الإنسان ولا يهتم به كقليل الخمر الذي إذا كان قليلًا لم يسكر، وإذا كان كثيرًا أسكر، ولا شك أن المغالبة إذا كانت في شيء يسير تجر إلى المغالبة في شيء كثير، لا شك في هذا، ويُستثنى من ذلك ما مصلحته أعلى من مفسدته، وذلك في ثلاثة أشياء بيَّنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) واللفظ للترمذي، من حديث أبي هريرة.]]، (السَّبَق) بفتح الباء هو العِوض المأخوذ على السبق، و(النصل) السهام، و(الخف) البعير، و(الحافر) الفرس.
قال أهل العلم: وإنما استثنى النبي ﷺ ذلك بأن بها يقوم الجهاد في سبيل الله الذي به إعلاء كلمة الله، وهذه مصلحة عظيمة، فالناس إذا علموا أنهم إذا تسابقوا في هذه الأشياء رُخص لهم في أخذ العِوض عليها سوف يُكثرون المسابقة؛ لأنه سيحصل عليها شيئًا.
فإن قال قائل: لو أن الناس عدلوا عن هذه الثلاثة في الجهاد إلى وسائل أخرى، فهل يبقى الحكم فيها أو ينتقل إلى الوسائل الأخرى؟
فالجواب: تعارض هنا اللفظ والمعنى، فمن كان لفظيًّا قال: يبقى الحكم فيها، وإن لم تستعمل في الحرب، ومن نظر إلى المعنى قال: إنها إذا كانت لا تستعمل في الحرب فلا فرق بينها وبين الأشياء الأخرى، وهذا هو الأقرب، إلا أن هذا يعكر عليه أن الرسول أخبر أنه في آخر الزمان تبطل وسائل الحرب ويعود الناس إلى السهام، هذا واحد.
ثانيًا: أن الرسول ﷺ أخبر «أنَّ الخيلَ في نَوَاصِيها الخير إلى يوم القيامةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٤٩)، ومسلم (١٨٧١ / ٩٦) من حديث عبد الله بن عمر.]].
ثالثًا: أنه ربما تسقط منفعة هذه الأشياء في مكان دون مكان، ففي المغارات والجبال لا ينفع فيها إلا الخيل.
فعلى كل حال نحن نريد أن نحرر المسألة من الناحية الفقهية، نقول: إذا ثبت الحكم لعلة فإنه يزول بزوالها، فإذا قدرنا أن الناس لا يستعملون هذه الأشياء الثلاثة في الحرب فقد انتفت العلة، فينتفي الحكم، وتكون المغالبة فيها كالمغالبة في غيرها، هي إذا بطلت لا بد أن ينتقل الناس إلى أيش؟ إلى شيء آخر، فهل تجوز المسابقة بعوض في هذا الشيء الآخر الذي حل محل هذه المذكورات؟
الجواب: نعم، لا شك في هذا، وعليه فالوسائل الحديثة في الحرب تجوز فيها المغالبة بالعوض؛ لأنها قائمة مقام هذه الأشياء الثلاثة.
يشبه هذا من بعض الوجوه أن زكاة الفطر جاء فيها ذكر التمر والشعير والزبيب والأقط، وقد أخبر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن هذا هو طعامهم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: «كنَّا نُخْرِجها على عهد الرسول ﷺ صاعًا من طعامٍ، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والشعير والزبيب والأَقِط»[[متفق عليه؛ البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥ / ١٧) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. لو أن الناس عدلوا عن الشعير وصاروا لا يقتاتونه، فهل يبطل الحكم فيه أو لا يبطل؟ نقول: من كان لفظيًّا قال: لا يبطل؛ لأنه نص عليه في الحديث، ومن كان معنويًّا قال: إنه يبطل، والصحيح أنه يبطل، وأنه إذا صار الشعير غير قوت فلا يجزئ في الفطر؛ لأن السنة واضحة في هذا، واضحة في أنه لا بد أن يكون طعامًا، مثل قوله في الحديث؛ حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «فَرَضَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم زكاةَ الفِطْر طُهرةً للصائم من اللَّغو والرَّفَث وطُعمةً للمساكينَ»[[أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧) من حديث ابن عباس. ]] فانتبه لهذا.
الآن لدينا مثالان: الفطرة، والمسابقة في الثلاثة. المسابقة في العلم، نحن نعلم أن الدين الإسلامي قام بالجهاد باللسان والسنان، فهل تجوز المغالبة في العلم الشرعي بعوض أو لا تجوز؟
المشهور من المذهب أنها لا تجوز، وقالوا: إن النبي ﷺ حصر «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي»[[أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا حصر، والذين يذهبون إلى اعتبار المعاني يقولون: يجوز، تجوز المناظرة والمغالبة في العلوم الشرعية. وربما استدلوا بقصة أبي بكر رضي الله عنه مع قريش في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم ١- ٤] من الذي غلب الروم؟ الفرس، والفرس قوم مشركون، ويميل إلى جانبهم المشركون من قريش، والروم أهل كتاب يميل إليهم المؤمنون ويفرحون بانتصارهم على الفرس، مع أنهم كفار، لكنهم أقرب إلى المؤمنين من الفرس في ذلك الزمن؛ لقوة الفرس في ذلك الوقت، قال المشركون: لا يمكن أن يغلب الروم الفرس وقال أبو بكر: بل يمكن، أبو بكر يصدق بالقرآن وأخباره، وهم لا يصدقون، فضربوا أجلًا عشر سنين إن غلبت الفرس في هذه العشر فالسبق على من؟ على أبي بكر، وإن غلبت الروم فالسبق على قريش، فأقر النبي ﷺ هذه المغالبة؛ لأنها علم شرعي، تصديق بالقرآن وعدم تصديق.
واختار هذا القول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله على أن المغالبة في العلم بالسبق جائزة.
لكن انتبهوا لنقطة في هذه المسألة: إذا كانت المغالبة لقصد الوصول إلى الحكم الشرعي، أما إذا كانت المغالبة من أجل أن يكتسب هذا مالًا من أخيه فلا تجوز؛ لأن هؤلاء لم يريدوا الدين، أرادوا المال، أرادوا الدنيا.
بعض الناس استغل هذه المسألة، أو استغل هذا القول على إطلاقه وقال: خلاص، ما دام المسألة مسألة علم (...). ولكن لا بد من التقييد، أن يكون القصد بالمغالبة الوصول إلى الحق، لا الوصول إلى المال.
العلوم غير الشرعية؛ كعلم النحو مثلًا، تجوز المغالبة فيه؟ الظاهر لا؛ لأن النحو وإن قلنا: إنه شرعي فإنما يكون شرعيًّا إذا كان المقصود به الوصول إلى معرفة الكتاب والسنة، ولهذا نقول: علوم العربية وسيلة، ما هي مقصودة لذاتها. طيب الفيزياء والكيمياء والجغرافيا والأشياء دي تجوز المغالبة فيها؟ لا تجوز المغالبة فيها.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الأصنام؛ لقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وهل يعم هذا كل ما اتخذ صنمًا من أي مادة كان؟ الجواب: نعم، يَعُمّ؛ لأن الآية مُطْلَقة، وقد أبدل الله تبارك وتعالى عبادة الأصنام بعبادة الرحمن؛ لأن الإنسان بطبيعته لا بد له من شيء يأوي إليه في طلب ما ينفعه ودفع ما يضره، فأبدل الله تعالى التعلق بالأصنام بالتعلق بالله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم الاستقسام بالأزلام، وهو صريح، ومثل ذلك ما يسمونه بـ(حظك ونصيبك)، فهي إن لم تدخل في هذا تدخل في الميسر، فهي محرمة.
وهل مثلها أن يستقسم بالنجوم؟ فيقال مثلًا: هذا الرجل ولد في ساعة السعود فحياته سعيدة، هذا ولد في نجم الدبران فحياته تعيسة، دبور، وما أشبه ذلك؟
الجواب: نعم، يدخل في هذا، بل هو نوع من الشرك؛ لأن إثبات سبب لم يجعله الله سببًا شرعيًّا ولا قدريًّا من الشرك، وقد أبدل الله -والحمد لله- هذه الأزلام بصلاة الاستخارة، فإذا أشكل عليك أمر من الأمور تريد أن تفعله أخير هو لك أم شر فعليك بالاستخارة، تصلي ركعتين من غير الفريضة، ثم إذا سلمت تدعو الله تعالى بالدعاء المعروف: «اللَّهُمِّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ»[[أخرجه البخاري (١١٦٢) من حديث جابر بن عبد الله. ]] إلى آخره.
* طالب: المراهنة من طرف واحد، هذه الأمور ليست شرعية، كأن يقول مثلًا: أراهن إن جاء فلان الليلة ثلاث مئة ريال (...)؟
* الشيخ: هذه ما هي مراهنة، هذه إما جُعْل وإلا تشجيع، إذا كان فيها خير مثل أن أقول: إن عرفت كذا، فلك كذا وكذا.
* طالب: الناس (...) الواقع في هذا؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: إن جاء فلان أعشيك بالليل. أشياء تافهة.
* الشيخ: في الحقيقة الناس ارتكبوا مثل هذا الذي تقول وارتكبوا أيضًا شيء آخر، يتلاعبون بالمال؛ لأن الله منعم عليهم، لو تريد تنادي واحد اسمه محمد تقول: عبد الله، نسيانًا، قالوا: عليك حق، ولو تعطيه الفنجان ما امتلأ، قالوا: ما ملأته يا أخي، عليك حق. هذه الحقيقة عندنا من باب الترف والميوعة، وإنها في الحقيقة التلاعب بالمال، ولهذا نُستفتَى في هذه المسألة ونقول: لا يلزمك أن تلتزم بما قال، قل: لا ما أعطيك.
* طالب: شيخ، بعض العلماء يقول بالتحريم؟
* الشيخ: التحريم صعب.
* * *
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ إلى آخره. انتهينا إلى قوله: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من هذه الأعمال الأربعة؛ لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ فإن هذا يقتضي التنفير التام بوصفها رجسًا، ثم بوصف هذا الرجس من عمل الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب اجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن اجتناب هذه الأشياء الأربعة سبب للفلاح، وكل إنسان منا يريد الفلاح فليأت أسبابه، وجه ذلك قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات تعليل الأحكام الشرعية، يعني أن الأحكام الشرعية لها غايات حميدة، وهي الحكمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، ومن قوله أيضًا: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريقة القرآن الكريم في بيان العلل تارة يتقدم بيان العلة وتارة يتأخر، يعني إذا ذكر الله حكمًا وذكر له علة فتارة يذكر العلة قبل ثم يبني عليها الحكم، وتارة يذكر الحكم ثم يأتي بالعلة، حسب ما تقتضيه الحال وقرائن السياق، فهنا ذكر العلة قبل الحكم، أيش العلة؟ ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة ٢٢٢] قدم العلة أو الحكم؟ العلة، فقال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾. وفائدة تقديم العلة هو أن الحكم يأتي إلى النفس وقد اطمأنت وترقبت إلى الحكم، اطمأنت إلى الحكم وترقبت الحكم؛ لأن من المعلوم أن العاقل إذا ذُكرت له العلة فسوف يعمل بمقتضى هذه العلة، فقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا﴾ بمجرد ما يسمع الإنسان ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ سوف يأتي إلى الحكم ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾ وهو قد ترقبه، وهذا أيضًا مثله.
﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ من حين أن تأتي العلة ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ يكون الإنسان مترقبًا لحكم النهي. وتارة تكون العلة بعد الحكم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾؛ وذلك لأن الميتة والدم ولحم الخنزير تنفر منه الطباع، فقدَّم الحكم؛ لأن النفوس السليمة تترقب هذا الحكم، وربما تتجنبه بدون حكم شرعي، ثم تأتي العلة مطابقة لما تقتضيه الفطرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعمال الشيطان التي يأمر بها رجس؛ لقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. ثم هل نقول: إن في الآية دليلًا على نجاسة الخمر؛ لأن الرجس هو النجس، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]؟
الجواب: نعم، بعض العلماء استدل بهذه الآية على نجاسة الخمر، ولكن عند التأمل في الآية الكريمة لا تجد دليلًا فيها على نجاسة الخمر، من وجهين: الوجه الأول: أنه قال: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ﴾ فهو رجس عملي، والرجس العملي هو الرجس المعنوي؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾.
الوجه الثاني: أن الميسر والأنصاب والأزلام ليست رجسًا حسيًّا، والخبر عن هذه الأربعة واحد أو مختلف؟ واحد، الخمر مبتدأ، وعطف عليه الثلاثة، ثم جاء الخبر: رجس، فأين الدليل على أن هذه الأشياء الأربعة مختلفة في الحكم، فيقال في الثلاثة: رجس عملي، ويقال في الأول: رجس حسي، أين الدليل؟ يحتاج إلى دليل.
فإن قال قائل: دلالة الاقتران ضعيفة ولا يحمل بها؟
فالجواب: أن الأصل في الاقتران أن يكون الحكم واحدًا في الجميع إلا بدليل، مثال ذلك: قال أبو حنيفة: إن الخيل حرام، الخيل تعرفونها؟ معروفة؟ لقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل ٨]، فقرنها بالبغال والحمير فتكون حرامًا، ولا شك أن الصواب معه؛ لأن الأصل في الاقتران التوافق في الحكم، لكن الخيل لها دليل يخرجها، وهو ما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «نحرنا في المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فرسًا وأكلناه»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥١١)، ومسلم (١٩٤٢ / ٣٨) من حديث أسماء بنت أبي بكر.]]، وهذا يخرِج الخيل عن حكم البغال والحمير، هنا ليس هناك في الآية الكريمة ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ ليس عندنا دليل يخرج الخمر عن حكم ما قرن معه، وهي الميسر والأنصاب والأزلام، وعلى هذا فلا دلالة في الآية على نجاسة الخمر نجاسة حسية.
فإن قال قائل: وهل في السنة ما يدل على ذلك؟
فالجواب: لا، ليس في السنة ما يدل على هذا، وأما حديث أبي ثعلبة الخُشَنِيِّ رضي الله عنه أنه سأل النبي ﷺ وقال: «يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ قال:» «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠ / ٨) من حديث أبي ثعلبة الخشني، بنحوه.]]، ما الجواب على هذا الحديث؟
نقول: هذا الحديث استدل به من يرى نجاسة الخمر نجاسة حسية، ولكن لا دليل فيه في الواقع؛ لأن هذا الحديث إنما نهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن الأكل فيها إلا بعد الغسل، وشرط آخر ألا نجد غيرها، مراده بلا شك في هذا الابتعاد عن مخالطتهم والأكل في أوانيهم، بدليل أنه لو كانت العلة النجاسة لكان غسلها يكفي في جواز الأكل بها، يعني أنه لا يشترط ألا نجد غيرها، ولكن النبي ﷺ أراد منا ألا نختلط بأهل الكتاب وأن نبتعد عنهم وألا نستعير منهم؛ لئلا يمنوا علينا في ذلك، هذه واحدة.
ثانيًا: أن نقول: ما هو وجه كون هذا دليلًا على نجاسة الخمر؟
قالوا: لأن آنيتهم يكون فيها الخمر؛ لأنهم يستحلون الخمر، فنقول: ويكون فيها الخنزير؛ لأنهم يستحلون الخنزير، وما الذي أدرانا أن الرسول عليه الصلاة والسلام راعى الخمر دون الخنزير، أو راعى الخنزير دون الخمر، أو راعى الأمرين جميعًا؟
لا دليل، والذي يتبين لنا أن العلة في ذلك هو ألا نختلط بهم، وألا نأكل في آنيتهم، إذن لا دليل في هذا الحديث.
فإن قال قائل: أليس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن الخمر تتخذ خلًّا قال: «لَا»[[ أخرجه مسلم (١٩٨٣ / ١١) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]؟ يعني إذا تخمر الشراب فهل يجوز أن نحبسه ليكون خلًّا، أو أن نضيف إليه مادة تجعله خلًّا، قال: «لَا»؟
قلنا: لا دليل على النجاسة، هذا دليل على أنه لا يجوز أن يبقي الخمر عنده، بل يريقها؛ لئلا تدعوه نفسه إلى تناولها، وهو واضح، وليس فيه الإشارة إلى النجاسة في أي حال من الأحوال.
إذن من ادعى نجاسة الخمر نجاسة حسية فليأت بالدليل، وإلا فلا يمكن أن نلزم عباد الله بغسل الأواني من الخمر أو بغسل الثياب إذا أصابها أو بغسل الأبدان، ولا يمكن أيضًا أن نبطل صلاة عباد الله إذا كان في ثيابهم بقع من الخمر أو في أجسادهم إلا بدليل، المسألة ما هي مسألة لفظية فقط نجس ولّا غير نجس، المسألة يترتب عليها أشياء، فلا بد أن يكون عندنا برهان من الله عز وجل يمكننا أن نلزم عباد الله بشيء يقتضيه النص. إذن نقول: الأصل عدم النجاسة، ومطلق التحريم لا يقتضي النجاسة، بدليل أن السم والمأكولات الضارة حرام وليست نجسًا، هذا دليل مأخوذ من القاعدة المعروفة، وهي أن الأصل براءة الذمة.
ثم نقول: لدينا دليل إيجابي غير الدليل الأصلي الذي هو النفي أو العدم، دليل إيجابي على أنها طاهرة -أي الخمر- وأن نجاستها معنوية.
الدليل: الصحابة رضي الله عنهم لما حرمت الخمر خرجوا بها إلى الأسواق وأراقوها، ولو كانت نجسة ما أراقوها في الأسواق،لم يريقوها في الأسواق لأنه لا يجوز أن نريق في أسواق المسلمين شيئًا نجسًا، كما لا يجوز البول والغائط، أجاب القائلون بالنجاسة بناء على أصلها، وإلا فالأصل عدم النجاسة، لكن قالوا: قنان الخمر يعني أواني الخمر ليست بكثرة بحيث تسيل منها الطرقات، يعني لم تبلغ كثرة تسيل منها الطرقات، فنقول: سبحان الله! هل هذه الأواني التي يستعملها الصحابة رضي الله عنهم قبل التحريم أيها أكثر أو نقطة من بول؟
* طالب: هي هي.
* الشيخ: هي أكثر لا شك، وهي أكثر من شيء صغير من العدد، ونحن لا نقول: إن سكك المدينة صارت أنهارًا تجري من الخمر، ما نقول بهذا، لو قالوا: ما الذي أدراكم أنهم أراقوها في الأسواق؟ لعلهم أراقوها في حافات السوق الذي ليس مطرقًا للناس؟ فنقول: هذا خلاف الإطلاق، أراقوها في الأسواق ولم يقل: أراقوها في جوانب الأسواق، وكون الشيء في الجانب شرط زائد على الإطلاق فيحتاج إلى ثبوت أنهم أراقوها في جوانب الأسواق، ثم هل نقل عن الصحابة أنهم لما أراقوها غسلوا الأواني؟ لم ينقل، لم ينقل ذلك، ولو كانت نجسة لغسلوا الأواني ونقلوا هذا للأمة.
دليل آخر ما ثبت في صحيح مسلم «أن رجلًا أتى براوية من الخمر، الراوية قربة كبيرة، راوية كان يدخرها للرسول عليه الصلاة والسلام، فجاء إلى الرسول ﷺ وأهداها لم يعلم أنها حرمت، فقال النبي ﷺ: إنها حرمت، ومعلوم أن الإنسان لا يجوز أن يقبل هدية محرمة، سواء كانت محرمة لعينها أو لكسبها إذا علم صاحبها الذي أخذت منه، فكلمه أحد الصحابة سرًّا وقال له: بعها. فقال النبي ﷺ: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟» » وإنما استفهم عن المسارة مع أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل رجلين يتساران: ماذا قلتما؟ لكن المقام يقتضي السؤال، ولعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع طرف الحديث «فقال: «بِمَ سَارَرْتَهُ؟»، فقال: قلت: بعها. فقال: «إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»، أو كما قال ﷺ، ففتح الرجل فم الراوية وأراق الخمر بحضرة النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يأمره النبي ﷺ بغسلها»[[أخرجه مسلم (١٥٧٩ / ٦٨) من حديث عبد الله بن عباس. ]].
أرأيتم لو كانت الخمر نجسًا أيسكت النبي ﷺ عن أن يقول لهذا الرجل: اغسل الراوية؟ لا يسكت أبدًا؛ لأن هذا الرجل لا يدري أنها حرمت، كيف يدري أنها نجسة، فإذن يتبين أن الخمر نجاستها نجاسة معنوية، وهذا وإن كان لم يقل به إلا قليل من الأمة فالجماعة مع الدليل، والجمهور على أنه نجس نجاسة حسية، لكن كما رأيتم الأدلة الآن واضحة أن نجاسته نجاسة معنوية.
ينبني على هذا ما الأشياء التي فيها الكحول الآن، السبرتو، وكذلك أيضًا ما يدهن به الجروح وما أشبه ذلك هل تكون نجسة أو طاهرة؟ طاهرة؛ لأنه إذا كان الأصل الذي هو الخمر طاهرًا على ما تبين لنا من القرآن والسنة، فكذلك ما كان فيه شيء منه من باب أولى أن يكون طاهرًا.
فإن قيل: فهل تبيحون أن يتطيب الإنسان بهذه الأطياب أو يتدهن بهذه الدهونات؟
نقول: أما عند الحاجة فنبيحه، ولا عندنا فيه- والحمد لله- إشكال، يعني مثل أن يحتاج الجرح إلى مسح بالسبرتو أو غيره من أجل سهولة بطه بالإبرة، هذا لا شك أنه جائز؛ لأن الحكم المشتبه تبيحه الحاجة، ولو كان أصله التحريم.
فإن لم يكن محتاجًا وإنما يتطيب به فهل هذا حرام أو لا؟ ننظر، قوله تبارك وتعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ هل المراد اجتناب شربه المؤدي إلى المفسدة أو الاجتناب مطلقًا؟ نقول: إذا كان الله يقول: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ إلى آخره، علمنا أن المراد بالأمر بالاجتناب هو اجتناب الشرب، لا شك في هذا أنه اجتناب الشرب، أما اجتناب غير الشرب فهذا محل اشتباه، والورع ألا يفعل الإنسان إلا لحاجة، ألا يتدهن بهذه الأشياء إلا لحاجة؛ كالتعقيم للجرح وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: إذا كان في هذه الأطياب نسبة لكنها ضئيلة خمسة في المئة مثلًا فهل يؤثر؟ فالجواب: لا يؤثر، لا يؤثر إلا ما أثر في المخلوط معًا، وأما إذا لم يؤثر فليس بحرام، بدليل رجل عنده إناء من ماء سقطت فيه نجاسة، لكن لم تغيره، ماذا يكون هذا الماء؟ يكون طهورًا؛ لأنه لم يؤثر، فعلى هذا نقول: إذا كانت النسبة ضئيلة حتى في هذه الأطياب فإنه لا شك في أنها مباحة؛ لأن النسبة الضئيلة لا تؤثر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بعباده الذين خلقهم لعبادته، حيث حذرهم من كل ما فيه ضرر، وبيَّن لهم النتائج الطيبة؛ لقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة: إثبات الإرادة للشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾، ولا شك أن له إرادة، أرأيتم قول الله للملائكة: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة ٣٤] وجادل ربه عن إرادة ولّا عن غير إرادة؟ عن إرادة، إذن الشيطان له إرادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سوء إرادة الشيطان ببني آدم، وهو أن يوقع بينهم العداوة والبغضاء التي توجب التفرق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تَفرق الأمة من مرادات الشيطان؛ لأن العداوة والبغضاء تؤدي إلى التفرق لا شك، فيكون كل ما يؤدي إلى الفرقة من مرادات الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: القاعدة التي أشرنا إليها الآن؛ أن كل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مرادات الشيطان، فيدخل في هذا آلاف المسائل: البيع على بيع المسلم يوجب البغضاء والفرقة، الاستئجار على استئجاره، الخطبة على خطبته، وما أشبه ذلك، فكل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مراد الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة الله تبارك وتعالى للعداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأن هذا تحذير لا بعده تحذير ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ﴾ إلى آخره. وهذا واضح؛ لأن الله تعالى أمر بالاجتماع ونهى عن التفرق، فقال جل وعلا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]. والدليلان الأصلان الكتاب والسنة مملوءة بهذا، أي بطلب الاجتماع والنهي عن التفرق.
فهل يدخل في ذلك طلبة العلم؟ من باب أولى، لكن مع الأسف أن طلبة العلم إذا اختلفوا في أمر اجتهادي صار بعضهم لبعض عدوًّا إلا من شاء الله، وصار يتكلم في عرض أخيه بلا حرج، فيكون ظالمًا لنفسه أولًا، وظالمًا لأخيه ثانيًا، وظالمًا لعباد الله الذين ينتفعون من أخيه؛ لأنه إذا سقطت هيبته وقيمته في عينهم لم ينتفعوا بعلمه، فيكون هذا ظالمًا لنفسه وظالمًا لأخيه وظالمًا لكل من ينتفع بعلم أخيه.
ولذلك يجب التنبه لهذا، وأن تعتقد أن من خالفك في أمر اجتهادي فقد وافقك في الحقيقة؛ لأن كليكما يريد الحق، فهو يرى أن الحق في هذا، وأنت ترى الحق في خلافه، من منكم رسول للآخر يجب عليه اتباعه، من منكما في هذه الحال؟ لا أحد، إذن هو محق في اتباع ما ظن أن الدليل يدل عليه، وأنت محق في اتباع ما ظننت أن الدليل يدل عليه، ولتكن القلوب نزيهة.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم (...) من الورع اجتنابه واستعماله.
* الشيخ: إي نعم؛ لأن قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ لفظ عام، اجتنبوه في كل شيء؛ في الاستعمال والشرب، لكن لا نجزم بأنه بالاستعمال؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ فلذلك رأيناه من الأمور التي من الورع تركه.
* طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إذا كانت النسبة من الكحول هذه في الأدهان ضئيلة لا يضر، هل مثله يا شيخ يعني فيه بعض الأشربة يكون فيها شيء من .. يحل ولّا يحرم؟
* الشيخ: إي نعم، إذا كان قليلًا اشرب منها، لكن أبغي أنصحك إذا شربت فقل: باسم الله، وإذا انتهيت فقل: الحمد لله.
* طالب: يمكن الناس (...) تحريم الحمر كما ذكرته أسماء – رضي الله عنها وأرضاها- في ذبح الفرس؛ لأن أكل الخيل عند الناس الحين غير معروف؟
* الشيخ: لا، أنا أبغي أزيدك على هذا، الخيل عند الناس يحرم صدرها ويحل دبرها، عند العامة يقول: مستقبل جسم الفرس حرام؛ لأنه يُتقى به العدو عند الجهاد، وأما مؤخره فهو حلال؛ لأن المؤخر يكون عند الإدبار عن العدو خله يؤكل.
* الطالب: يا شيخ أنا أسأل عن التاريخ (...) نسأل عنه ولّا ما نسأل؟
* الشيخ: لا، اسأل عن التاريخ، الحمر حرمت في خيبر، وأسماء بنت أبي بكر تحدثت بهذا استدلالًا على حل الخيل، فلولا أن عندها علمًا بأن الخيل أكلت بعد خيبر ما ذكرت هذا على وجه الاستدلال.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، كما ذكرتم يا شيخ ربما توجد بعض الشحناء في قلب الرجل لكن يا شيخ (...) بالدواء الناجح في (...)؟
* الشيخ: قلبه؟ والله يا أخي أنا عندي ما هو سهل، فهمتم السؤال؟ يقول: الإنسان قد يجد يعني شحناء أو حسدًا في قلبه بالنسبة لأخيه، فكيف يعالجها؟ يعالج هذا أن يقول لنفسه: أنت تريدين الحق، والمسألة ما هي نص، المسألة اجتهاد، أما لو كانت نصًّا ما نقبل أن نعذره، لكن إذا كان اجتهادًا فالاجتهاد كلنا على اجتهاد.
* طالب: أريد جوابًا عن حديث: «لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَشَارِبَهَا»[[أخرجه أبو داود (٣٦٧٤)، وابن ماجه (٣٣٨٠)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.]] إلى آخره من (...) مع أنه (...) ولم يشرب إلا واحد؟
* الشيخ: لأن هؤلاء يعينونه، هذه لإعانته عليه، مثل لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه.
* طالب: بارك الله فيك، بعض العلماء يستدل بحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التداوي بالخمر، يقول: يقاس عليها غيرها كاستعمال الخمر في غير التداوي من باب أولى، مثل العطور وغيرها من باب أولى يعني فحرمت..
* الشيخ: لكن التداوي بها شربًا، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز التداوي بها حتى للعطش، لا يجوز أن تشرب الخمر للعطش، وعللوا ذلك أن الخمر إذا شرب الإنسان على العطش لا تزيده إلا عطشًا، ويرى بعض العلماء أنه يجوز للعطش ولا يسلم أنها لا تزيد إلا عطشًا، لكن إذا غص باللقمة وليس عنده إلا كأس خمر وغص إما يموت ينخنق ولّا يشرب الكأس مشى اللقمة ماذا يصنع؟ يستعملها؟ إي نعم، يستعملها للضرورة؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى في آية عامة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]، هذه أعم من قوله لما حرم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به حين قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣] الآية، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أعم.
طالب: بارك الله فيك، بعضهم يأخذون بحديث نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن التداوي بالخمر، (...) يقول: يقاس عليها غيرها للاستعمال فقط لغير التداوي من باب أولى؟
* الشيخ: يقاس عليها؟
* الطالب: الاستعمال فقط في غير التداوي؛ كالعطور وغيرها من باب أولى يعني.
* الشيخ: لكن التداوي بها شربًا، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه لا يجوز التداوي بها، حتى للعطش لا يجوز أن تشرب الخمر للعطش. وعللوا ذلك بأن الخمر إذا شربها الإنسان للعطش لا تزيده إلا عطشًا. ويرى بعض العلماء أنه يجوز للعطش، ولا يسلِّم أنها لا تزيده إلا عطشًا. لكن إذا غصت باللقمة وليس عنده إلا كأس خمر، وغص، إما يموت ينخنق ولّا يشرب الكأس ويمشي اللقمة، ماذا يصنع؟ يستعملها؟ إي نعم، يستعملها للضرورة؛ لأن الله قال سبحانه وتعالى في آية عامة: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام ١١٩]. هذه أعم من قوله لما حرم الميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به حين قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣] الآية، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أعم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ [المائدة ٩١ - ٩٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى مبينًا ما يريده الشيطان من بني آدم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ ما هو ضد العداوة؟
* الطالب: الموالاة.
* الشيخ: الموالاة. والبغضاء؟ المحبة، يعني المحبة ضد البغضاء، فيريد أن تشتت القلوب والأبدان، وأظن أخذنا الفوائد.
* طالب: خمس فوائد.
* الشيخ: من أين خمس فوائد؟
* الطالب: كراهة الله للعداوة والبغضاء بين المسلمين، هذه آخر واحدة، أقولها كلها؟
* الشيخ: طيب.
* الطالب:
-إثبات إرادة الشيطان.
-سوء إرادة الشيطان ببني آدم.
-أن تفرق الأمم من مرادات الشيطان.
-أن كل ما يؤدي إلى الفرقة فإنه من مرادات الشيطان.
-كراهة الله للعداوة والبغضاء بين المسلمين.
* الشيخ: أحسنت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وجه ذلك أن الله تعالى أخبر أن الخمر والميسر سبب للعداوة والبغضاء، وهذا لا شك فيه، ولا أحد ينكره إلا السفيه، كل يعلم أن من غمس في البحر فإنه يغرق، وأن من ألقي في النار فإنه يحترق، أليس كذلك؟ أنكر قوم الأسباب، وغلا قوم في إثباتها، فأما الذين أنكروا الأسباب فزعموا أنهم بإنكارهم ينزهون الله تعالى عن الشريك، فغلوا في التنزيه، وأما الذين أثبتوا الأسباب على أنها الفاعلة فهؤلاء أشركوا مع الله.
أما أهل الحق فقالوا: إن الأسباب لها تأثير، ولكن من الذي جعل لها تأثيرًا؟ هو الله، فتأثير الأسباب ليس بنفسها، ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة.
ويدل لهذا أنه توجد أسباب موجبة للشيء بإيجاب الله إياه، ومع ذلك قد يرتفع هذا الإيجاب، من ذلك: النار محرقة، ولما أُلقي فيها إبراهيم قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا، فانتفى الإحراق وانتفت الحرارة، فصارت بردًا وسلامًا، لو كانت الأسباب مؤثرة بنفسها لاحترق إبراهيم عليه الصلاة والسلام. كذلك الرجل الذي يقطعه الدجال جزلتين ثم يقول له: قم، فيقوم، نحن نعلم أن الدجال لم يكن هو السبب في إحيائه، بل ذلك إلى الله عز وجل، ولهذا إذا قتله في الثالثة لم يستطع أن يقتله، لا يسلطه الله عليه بعد ذلك.
إذن نقول: الأسباب لها تأثير، ولكن لا بنفسها، بل بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة، والأدلة في هذا شرعًا وعقلًا وواقعًا لا تحصَى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل ما صد عن ذكر الله فهو من أوامر الشيطان، وذِكر الله تبارك وتعالى سبق لنا أنه؟
* طالب: أنه محفوظ من الله عز وجل.
* الشيخ: لا (...).
* طالب: يكون بالقلب.
* الشيخ: يكون بالقلب واللسان والجوارح، فكل ما صدك عن ذكر الله بهذه الأشياء فهو من أوامر الشيطان وإراداته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصلاة؛ لتخصيصها بالذكر من بين ذكر الله عز وجل، وهذا يدل على شرفها وفضلها على غيرها، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] الروح هو جبريل، وهو من الملائكة، لكن خصه الله تعالى بالذكر لشرفه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من صد الشيطان إيانا عن الصلاة، إما أن نتلهى عنها بأموالنا أو بأولادنا، أو بلغونا أو بجدنا، بأي شيء، وإما أن نفعلها بأجسامنا دون قلوبنا، فاحذر الشيطان أن يصدك عن الصلاة.
* ومن فوائدها: أنه كلما وقع في قلبك التثاقل عن الصلاة فاعلم أنه من الشيطان ومراد الشيطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تأكيد النهي عن الخمر والميسر؛ لقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، ووجه التأكيد أنه أتى بصيغة الاستفهام، يعني فهل بعد هذا البيان تنتهون أو تستمرون؟ ماذا كان جواب الصحابة يا إخوان؟ «انتهينا انتهيا»[[أخرجه أبو داود (٣٦٧٠)، والترمذي (٣٠٤٩ )، والنسائي (٥٥٤٠) من حديث عمر بن الخطاب.]].
المائدة 5:92
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة ٩٢]، أطيعوا: فعل أمر من الإطاعة، وهي الانقياد، والمراد بالانقياد هنا فعل الأوامر واجتناب النواهي، وعليه فإذا قال الإنسان: ما المراد بطاعة الله؟ نقول: فعل أوامره واجتناب نواهيه.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الخطاب لا شك أنه لهذه الأمة، وعلى هذا فتكون (أل) في الرسول للعهد، أي العهود؟ الذهني، يعني أطيعوا الرسول محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أرسله الله عز وجل.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الله أرسله؟
نقول: الدليل على أن الله أرسله: ما أيده به من المعجزات التي أعظمها القرآن الكريم، ثم ما يشاهد من الآيات الحسية التي لا يقدر بشر أن يأتي بها، لا الرسول ولا غيره، آيات واضحة على رسالته، وهي أكثر من أن تحصَى.
ومن أراد المزيد من ذلك فعليه بمراجعة آخر كتاب الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد عقد فصلًا مفيدًا جدًّا في آيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أراد المزيد أيضًا فعليه بما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية في آخر سيرة النبي ﷺ، فقد ذكر كثيرًا من الآيات في السماء وفي الأرض، في الإنسان وفي الحيوان، ولا حاجة إلى أن نذكر شيئًا كثيرًا منها، لكنها موجودة والحمد لله.
وينبغي لنا أن نحرص على معرفة هذه الآيات؛ لأن الإنسان بشر، والشيطان حريص، قد يهاجم القلب ويضعف الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا راجع الآيات ازداد بذلك إيمانًا، فعليكم بها.
﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ احذروا: أي من معصية الله ورسوله، يعني احذروا المعصية، معصية الله ورسوله، ولم يأمرنا الله تعالى بشيء إلا لمصلحتنا، ولم ينه عن شيء إلا لمضرتنا.
﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي أعرضتم عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله؛ فإنكم لن تضروا الله ولا رسول الله، لن تضروا الله ولن تضروا رسول الله، أما كون الإنسان لا يضر الله بمعصيته فأمر ظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧] وقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»[[ أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. ]].
كذلك المتولِّي لا يضر النبي ﷺ، لماذا؟ لأن النبي ﷺ قد بلغ وأدى الأمانة، ولا يُلام على معصية غيره، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات ٥٤]، فهم لن يضروا الرسول ﷺ بمعصية الله؛ لأنه بلغ وأدى الأمانة ونصح الأمة، ولهذا قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، (اعلموا) أمر بالعلم، ومعلوم أننا يجب أن نعلم كل ما أخبر الله به عن نفسه وعن غيره، لكن هذا علم خاص ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وهنا نسأل عن إعراب ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، كيف نعرب ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؟
* طالب: (أنما) أداة حصر لا محل لها من الإعراب، (على رسولنا) جار ومجرور، (رسول) مجرور بـ (على)، و(نا) مضاف إليه، وشبه الجملة في محل رفع مبتدأ.
* الشيخ: ساعد أخاك.
* طالب آخر: (...) خبر مبتدأ مقدم، و(البلاغ) مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و(المبين) صفة.
* الشيخ: صفة.
* الطالب: صفة للبلاغ.
* طالب: والجملة المتكونة من حرف الحصر وما بعده في محل نصب سدت مسد مفعولي اعلموا.
* الشيخ: هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر في الإعراب وأن نقول: أن الذي على رسولنا البلاغ المبين؟ انظر للكتابة: الكتابة (أن) مقرونة بـ(ما) هذا عندي وعندكم كذلك. لو كانت موصولة لفُصلت عن (أن)؛ لأن (ما) الموصولة إذا كانت اسمًا لـ(أن) أو لـ(إن) فإنها تفصل عنها.
وهنا قد يقول قائل: لعل هذه القاعدة وهي اتصال (ما) الموصولة بـ(إن) كانت قاعدة قديمة في خط المصحف؟
فنقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأن (ما) إذا اتصلت بـ(إن) أو (أن) فهي تكفها عن العمل وتجعل الجملة فيها حصر.
قوله: ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ﴾ يعني التبليغ، وأصل التبليغ من: بلغ الشيء كذا؛ أي: وصل إليه، أي: عليه أن يوصل الوحي الذي أوحاه الله إليه إلى المرسَل إليه، هذه وظيفته، ليس له أكثر من هذه الوظيفة.
﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ من (أبان) المتعدي، وليست من (أبان) اللازم، أبان اللازم تقول: أبان الصبحُ، كما تقول: بان الصبحُ، (أبان) المتعدي تتعدى للمفعول به، فهنا نقول: المبين أيش؟ من أبان المتعدي أو اللازم؟ المتعدي، يعني البلاغ الذي أبان الحق، وذلك لفصاحته عليه الصلاة والسلام وحلاوة كلامه ووصوله إلى القلب حينما يصل إلى الأذن واقتناع النفس به، فلهذه الأوصاف كان بلاغ النبي ﷺ مبينًا بما يبلغه صلوات الله وسلامه عليه.
في هذه الآية الكريمة مناسبة لما قبلها، وهي أن الله تعالى لما أمر بالانتهاء واجتناب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام؛ أمر بطاعته عمومًا، وحذر من مخالفته.
* فيكون فيها من الفوائد أولًا: وجوب طاعة الله ورسوله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
* ومن فوائدها: أن طاعة النبي ﷺ مستقلة، بمعنى أنه إذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشيء لا نقول: هل يوجد في القرآن هذا الأمر أو لا يوجد، بل طاعته مستقلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
* ومن فوائدها: أن النبي ﷺ يمتاز عن غيره بالرسالة، ولا يمتاز عن غيره بأنه رب يفعل ما يشاء، بل هو نفسه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؛ لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
* ومن فوائده: أن الرسالة من أفخر الأوصاف التي يتصف بها العبد؛ لقوله: ﴿الرَّسُولَ﴾، ولا شك أن الرسول يفضل ويشرف بحسب منزلة مرسِله، أتوافقون على هذه الجملة؟ نعم توافقون إن شاء الله، نعم لو جاء رسول من عند رجل شريف عالي المنزلة فهل يكون في نفوسكم كرسول جاء من عامة الناس؟ لا أبدًا، بل يكون في نفوسنا لهذا الرسول بمقدار ما يستحقه من منزلة من أرسله، فعليه تكون الرسالة فخرًا لمن أرسل.
وهل مقام النبوة أفضل أو مقام الرسالة؟
مقام الرسالة؛ لأن الرسول نال مقام النبوة ومقام الرسالة، مقام النبوة فيما أُوحي إليه، ومقام الرسالة بما كُلف بتبليغه، فيكون أشرف، خلافًا لأهل الباطل الذين يقولون: أفضل بني آدم الولي، ثم النبي، ثم الرسول، معللين بأن الرسول خادم، والنبي من النبوة، وهي العلو والارتفاع، والولي من الولاية، وهي أخص، ويقول شاعرهم:
مَقَامُ النُّبُــــــــــوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي
قاتله الله، فويق الرسول يعني ما هناك فرق بيِّن. بالنسبة للولي؟ بعيد، دون الولي، ولقد ضل ضلالًا مبينًا؛ لأن النبي وليّ وزيادة، والرسول ولي ونبي ورسول، لكن الله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور ٤٠].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من معصية الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَاحْذَرُوا﴾، وكلمة (احذروا) التي حذف مفعولها أشد وقعًا من (احذروا) إذا ذكر مفعولها؛ لأنها أبلغ في التخويف، كأن المتكلم اقتصر عليها دون متعلقاتها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل في أوامر الله ورسوله الوجوب؛ لأن التحذير لا يكون إلا من شيء يأثم به الإنسان، فإن ما لا إثم فيه لا يكون الحذر منه. وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل الأصول؛ أصول الفقه؛ فمنهم من يقول: الأصل في الأمر الوجوب، ومنهم من يقول: الأصل فيه الندب، ومنهم من يقول: أما في الآداب فهو للندب، وأما في العبادات التي هي حق الله فهي للوجوب، والمسألة مبسوطة في أصول الفقه، لكن الشيء الذي يهمنا هو أن الإنسان إذا سمع أمر الله ورسوله لا يتردد فيقول: هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟ هذه عبارة منتقَدة: (هل الأمر للوجوب أو للاستحباب؟)، الأصل أن الأمر الموجَّه من خالقك أو رسوله الذي أرسله إليك أن يكون ملزِمًا، هذا هو الأصل، وإلى ساعتي وإلى ساعتكم أنتم لم يعهد من الصحابة أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أمرهم بأمر قالوا: يا رسول الله، هل هذا واجب علينا ولّا مستحب، أبدًا، وخير لنا أن نقتفي آثاره.
نعم لو أن الإنسان تورط في المخالفة فإن السؤال عن الأمر هل هو للوجوب أو للاستحباب قد يكون وجيهًا، كيف ذلك؟ إذا كان واجبًا وجب عليه أن يحدث عنه توبة ويتوب إلى الله من ذلك، وأما إذا لم يكن واجبًا فالأمر سهل، لكن كلامي على أول ما يرد عليك الأمر لا تتردد، افعل ما استطعت، أما إذا جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا جاء أنك مخيَّر فأنت مخير، كما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَريرة أن ترجع إلى زوجها مُغِيث ، وكانت بَريرة عَتقت وزوجها رقيق، فلما عتقت ملكتْ نفسها، فخيرها النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «إِنْ شِئْتِ أَنْ تَبْقَيْ مَعَ مُغِيثٍ فَابْقَيْ، وَإِنْ شِئْتِ أَلَّا تَبْقَيْ فَلَا (...)». قالت: لا أريد البقاء معه. فحزن مغيث عليها وجعل يبكي وراءها في أسواق المدينة، يريد أن تَرجع إليه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ لِبَرِيرَةَ وَبُغْضِ بَرِيرَةَ لِمُغِيثٍ؟»[[أخرجه البخاري (٥٢٨٣) من حديث ابن عباس.]]. ما جوابكم أنتم؟ بلى نعجب؛ لأن الغالب أن القلوب إذا تآلفت فهي تتآلف من الجانبين، فأمرها أن ترجع إليه، قالت له: يا رسول الله، إن كان أمرًا فسمعًا وطاعة -ولم تقل: إن كان أمرًا على سبيل الوجوب- إن كان أمرًا فسمعًا وطاعة، وإن كانت مشورةً فلا رغبة لي فيه. قال: «بَلْ مَشُورَةً»، هذا صرح النبي عليه الصلاة والسلام بأن الأمر ليس للوجوب، بل للمشورة.
ولما قال: «إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» قام الأقرع بن حابس قال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ قال: «لَا»[[أخرجه مسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة. ]].
فالحاصل أن نقول: الأصل في الأمر الوجوب، وأن تفعل ما أمرت، ولا تسأل تتردد؛ لأن المسألة خطيرة إذا ترددت، قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠] أعاذنا الله وإياكم من ذلك، وقال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ بعدها ﴿فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق ٥] متقلب غير مستقر؛ لأنهم كذبوا بالحق لما جاءهم، فاقبل -يا أخي- الحق ولا تتردد، ولا تقل: واجب أو مستحب، لكن كما قلت لكم: إذا تورطت في شيء فلا بأس.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن تولي الناس عما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يضره؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
ويتفرع على ذلك: أن الداعية إلى الله في وقتنا وفيما قبلنا لا يضره ألا يقبل الناس منه؛ لأنه أدى الواجب، وينبغي أن يفرح نفسه بأنه أدى الواجب، وألا يحزن بعدم قبولهم دعوته؛ لأن الله تعالى قال للرسول: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧]، لكن ربما نقول: يحزن لعدم قبول الشريعة، لا لعدم قبولهم منه، والفرق بين هذا وهذا واضح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لا يستطيع أن يهدي أحدًا؛ لأنه بلغ البلاغ المبين، ومع ذلك حصل المخالفة والتولي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، ففيه إبطال لقول أهل التفويض فيما يختص بأسماء الله وصفاته الذين قالوا: إن الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا يعرف ما قال، وإنما ألقى كلامًا للناس كأنه حروف هجائية أو ألغاز.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن بلاغ الرسول ﷺ بلاغ مبين، لا عي فيه ولا تعقيد ولا إشكال، بل هو بين في نفسه مبين لغيره؛ لقوله: ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الرجوع إلى قول النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وأنه عليه الصلاة والسلام قام بالواجب، فعلينا نحن أن نقوم بالواجب.
هل يمكن أن نأخذ منه: أن من لم تبلغه الرسالة فهو معذور؟
يمكن أن نأخذ منه أن من لم تبلغه الرسالة فإنه معذور، أو بلغته على وجه مشوش فإنه معذور، ولكن الثاني الذي بلغته على وجه مشوش يكون واجبًا عليه أن يطلب الوصف الصحيح لهذه الرسالة التي بلغته، وألا يسكت ويقول: الأمر ما بان لي ولا يلزمني، بل يجب أن يبحث، أما إذا كان الأمر لم يعلم به إطلاقًا فهذالم تقم عليه الحجة فهو معذور. فلو رأينا رجلًا لم يسمع عن الشرع شيئًا، عن الإسلام، في الكهوف والجبال والأدغال يرعى الغنم ويحلب الإبل، ما يعلم من شيء، فهل نقول: إن هذا معذور أو غير معذور؟ معذور، لا شك أنه معذور، ولكن إذا ذكر له أن هناك رسالة وجب عليه أن يبحث، وحينئذ قد نقول: إن هذا الذي بلغه ترتفع به الحجة؛ لأن الواجب أن يسأل.
الآية الكريمة: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء ٥٩] هل يمكن أن تتعارض طاعة الله ورسوله؟
لا يمكن، ولا يمكن أن تتعارض طاعة النبي ﷺ بالنصوص الواردة عنه، فإذا رأينا حديثًا يناقض ما في القرآن فإننا نحكم برده، وإن لم نعرف سنده، بل ولو عرفنا سنده فإننا نقول: هذا منكر إذا خالف القرآن، لا يمكن أن يكون الله يأمر بطاعته وطاعته مقدمة على كل شيء وبطاعة الرسول، لو كان هذا أننا نأخذ بما يتناقض من الكتاب والسنة لكانت مستحيلة.
من ذلك ما يذكر عن النبي ﷺ في لحوم البقر أنها داء وفي ألبانها أنها دواء أو شفاء، هذا بدون أن ننظر إلى سنده نحكم بأنه باطل ولا يصح، لو كان لحومها داء هل يمكن أن يحلها الله لعباده؟ لا يمكن أبدًا، لو كان لحمها داء ما أحلها الله للعباد أبدًا؛ لأن الله تعالى لا يحل لعباده ما كان ضررًا عليهم.
حتى لو قال قائل: يمكن أن نحمل هذا الحديث على أكل لحم البقر بدون طبخ، هل يصح هذا؟ لا، لماذا؟ لأن أكله بدون طبخ نادر، ولا يمكن أن يحمل الحديث على الشيء النادر، والشيء بالشيء يذكر، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧ / ١٥٣) من حديث عائشة. ]]، بعض العلماء يقول: المراد من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه، أما صيام الفرض كصيام رمضان والكفارة فلا يصام عن الميت.
فيقال: سبحان الله! أنتم صححوا الحديث ثم نقحوا المراد، صيام النذر بالنسبة لصيام الفرض والكفارة كثير أو نادر؟ نادر، كيف تحملون الحديث على شيء نادر وتتركون الشيء الكثير، ولهذا كان القول الراجح أن من مات وعليه صيام، سواء كان واجبًا بالنذر أو بأصل الشرع فإنه يصام عنه.
* طالب: أشكل علي فيما لو بلغ الإنسان الدين على وجه مشوش أننا لا نعذره بالجهل، يعني يا شيخ هذا البلاغ كأنه لا بلاغ؟
* الشيخ: لا، اصبر، ما نقول: لا، نقول: قد لا نعذره لتركه الواجب، وهو البحث.
* طالب: إنسان عامي أو عجوز في داخل أوربا، وما أشبه ذلك، والإعلام غطى عليهم ولا يعرفون شيئًا؟
* الشيخ: سبحان الله، كل شيء محتمل، إذا بلغه أن محمدًا رسول الله ﷺ، وأنه أتى لجميع الخلق، وأن من خالفه فهو في النار، ومن وافقه ففي الجنة، يسمع هذا.
* طالب: (...) عربي يقول: إنه رسول.
* الشيخ: وليس بصادق، هذا نعم قد يكون معذورًا، خصوصًا إذا كان الذي أخبره ممن يعد من رؤسائهم في الدين، قد يكون معذورًا، ولهذا لما «أنكر عمر على الرجل الذي قرأ في سورة الفرقان خلاف ما كان يعرفه عمر أنكر آية من كتاب الله ظانًّا أن الرجل أخطأ فيها، حتى ذهبا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقال «هَكَذَا أُنْزِلَ» لقراءة الرجل، و«هَكَذَا أُنْزِلَ» لقراءة عمر»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨ (٢٧٠) من حديث عمر بن الخطاب.]].
والمسألة هذه الناس فيها طرفان ووسط، طرف يغلو في التكفير ويقدم على التكفير ويقول: لا يعذر بالجهل في أصل الدين، وهذا غير صحيح، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ [النحل ٤٣، ٤٤] وقسم آخر لا، يغلو في رفع التكفير حتى وإن كان الإنسان في حال يحكم في كفره يقول: لا، والقول الوسط هو الوسط أن نقول: من لم تبلغه فهو معذور، ومن بلغته ولم يفهمها فهو معذور؛ لأن عدم الفهم كعدم العلم، لو أتى إليك إنسان أعجمي وقام يتكلم بأعجميته في شيء هل تدري ما يقول؟ ما تدري ما يقول، هذا معذور، فالفهم شرط، يعني مجرد البلاغ لا يكفي.
وأما قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩] فهل المعنى: ومن وصل إليه وإن لم يفهمه، أو من بلغه فأدركه؟ الثاني هو المطلوب.
* طالب: بعض الناس يدعي الإسلام ويخالفون آراء النصوص الشرعية (...).
* الشيخ: لا..
* الطالب: مثل الرافضة يا شيخ يقولون: الله خان العالمين، ويخونون جبريل، ويسبون عمر وأبا بكر وعائشة ويبارزون المسلمين..
* الشيخ: لا شك أن الذي يسب أبا بكر وعمر ليس من الدين في شيء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: الله يكفينا شرهم ويهديهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، يجب بغضهم، كيف من قال: يجب محبتهم؟ يجب بغضهم، ما فيه إشكال، لكن نسأل الله لهم الهداية.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة ٩٣، ٩٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ هل يمكن أن يكون أمر الله وأمر الرسول متناقضين؟
* طالب: لا يمكن.
* الشيخ: ما وجه ذلك من الآية؟
* طالب: العطف، قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
* الشيخ: أي ما وجهه؟
* طالب: كونه عطف طاعة الرسول ﷺ على طاعة الله.
* الشيخ: لا.
* طالب: أنه أعاد الفعل.
* الشيخ: لا.
* طالب: وجه ذلك أن الواو لمطلق الجمع (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: طاعة الرسول مأمور به من عند الله عز وجل (...) طاعة الله عز وجل.
* طالب: أن الله عز وجل قال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فجعلهما في مقابلة من تولى عن طاعتة؛ كقوله ﴿فَمَنْ تَوَلَّى﴾ [آل عمران ٨٢](...).
* الشيخ: لا يقع التناقض؛ لأنه لو وقع التناقض لكانت طاعة الرسول معصية لله وطاعة الله معصية للرسول، هذا التناقض؛ لأن التناقض يكون النقيض حكمه ضد حكم نقيضه، فلو قلنا: إنه يقع التناقض لزم من ذلك أن تكون طاعة الله معصية للرسول وطاعة الرسول معصية لله.
هل في الآية ما يدل على أن طاعة الرسول مستقلة، بمعنى أننا لا نحتاج إلى شاهد من القرآن فيما أمر به الرسول ﷺ؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو الدليل؟
* الطالب: لأنه أعاد الفعل هنا، قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
* الشيخ: لأنه أعاد الفعل فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، وإعادة الفعل تدل على أن الطاعة مستقلة.
هل لقوله: ﴿وَاحْذَرُوا﴾ ما يشبهها من القرآن (...)، هل في القرآن ما يشبه هذا التحذير؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: آية تدل على الحذر من مخالفة أمر الله ورسوله؟
* الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء ١٤].
* الطالب: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
* الشيخ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] قال الإمام أحمد: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
* الشيخ: هل يلام النبي ﷺ على عدم قبول دعوته؟
* الطالب: لا يلام (...).
* الشيخ: ومن الآية هنا لا يلام؛ لقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات ٥٤] لكن من الآية هنا؟
* الطالب: هنا لقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
* الشيخ: فإذا كان ليس عليه إلا البلاغ فإنه لن يضره توليه ولا يلام عليه.
﴿الْمُبِينُ﴾ هل هي بمعنى المبين أو بمعنى البين؟
* الطالب: المبين.
* الشيخ: وهل تأتي المبين بمعنى البين؟
* الطالب: نعم قد تأتي.
* الشيخ: مثاله؟
* الطالب: أبان الصبح.
* الشيخ: أبان الصبح، لكن هذه (أبان) فعل لكن نريد اسم الفاعل (مبين) ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة ٢] يعني: بين.
المائدة 5:93
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ [المائدة ٩٣] (ليس) أداة نفي، وهي فعل ماض جامد، والجامد عند النحويين هو الذي لا يتصرف، والجمود قد يكون جمودًا كليًّا، وقد يكون جمودًا جزئيًّا بحيث يمتنع التصريف فيه من وجه دون آخر، وهنا الجمود كلي، لا يمكن أن تتغير (ليس) وهي للنفي.
﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم، وهذا شامل للدين كله؛ لأن الدين كله إيمان وعمل.
وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات لا يمكن أن تكون بهذا الوصف إلا إذا كانت موافقة للشريعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:« «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨) من حديث عائشة.]] يعني فاسدًا، فالأعمال الصالحة ما وافقت الشريعة، ولا يمكن أن توافق الشريعة إلا إذا وافقت الشريعة في أمور ستة؛ وهي: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان.
يعني لا يمكن أن تكون العبادة شرعية صالحة إلا إذا وافقت الشريعة في هذه الأمور الستة، الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: القدر، والرابع: الكيفية، والخامس: الزمان، والسادس: المكان. فإذا خالفت الشريعة في واحد من هذه الستة فليست شرعية ولا مقبولة، هذه شروط الموافقة للشريعة:
أولا: السبب، فلو أحدث الإنسان سببًا يتعبد لله تعالى بمقتضاه وليس شرعيًّا فعمله مردود، ونضرب لهذا مثلًا: لو أن الإنسان إذا تجشأ قال: الحمد لله، والجشاء معروف عندكم ولّا غير معروف؟ معروف، هنا أحدث عبادة لله عز وجل؛ وهي الحمد لسبب؛ وهو الجشاء، فهل جاء في الشريعة أن الجشاء سبب للحمد؟ لا. إذن لا يقبل منه؛ لأنه تعبد لله بما لم يشرعه.
الثاني قلنا: الجنس، من المعلوم أن الأضاحيّ تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى الإنسان بفرس لم يقبل منه، لأيش؟ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، لو ضحى بنعامة لم يقبل منه، لو ضحى بحمامة لم يقبل منه؛ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، وإن كان الشرع قد أوجب في الحمامة إذا قتلها المحرم شاة، لكن لم يأتِ الشرع بأن يضحي الإنسان بحمامة، وبه نعرف خطأ من قال: إنه تجوز التضحية بالدجاج والديكة؛ لأن النبي ﷺ قال في الرجل يغتسل في بيته ويخرج إلى المسجد يوم الجمعة في الساعة الرابعة: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠ / ١٠) من حديث أبي هريرة.]]، قالوا: هذا يدل على أن الدجاجة يصح التقرب بها. وجوابنا على هذا أن معناه: تقرب إلى الله بالصدقة بها، لا بذبحها، ولا شك أن الإنسان لو ذبح دجاجة وتصدق بها على الفقراء أنه يجزئه، إذن لا بد من موافقة العمل للشريعة في الجنس.
الثالث: القدر، لو تعبد الإنسان لله عز وجل بصلاة سادسة جعلها عند ارتفاع الشمس قِيد رمح، وقال: إنه يتقرب إلى الله تعالى بهذه الصلاة لارتفاع الشمس قيد رمح، لا لأنها صلاة ضحى، فهذه عبادة لا تُقبَل، يعني أراد أن يجعلها أيش؟ أراد أن يجعلها صلاة سادسة مع الخمس، فإنها لا تقبل؛ لأنه زاد صلاة لم ينزل الله بها من سلطان، ولو أنه صلى الظهر خمس ركعات لم تقبل؛ لمخالفة الشريعة في القدر.
الرابع: الكيفية، لو تعبد لله تعالى بالوضوء، توضأ وضوءًا كاملًا مشتملًا على الأعضاء كلها، لكنه بدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، لم تقبل العبادة؛ لأنها مخالفة للشريعة في كيفيتها، وكذلك لو سجد قبل أن يركع لم تقبل الصلاة؛ لأنها مخالفة للشريعة في الكيفية.
الخامس: الزمان، لو أن الإنسان ضحى في عيد الفطر وقال: عيد كعيد، فالقياس أن يُضحَّى في عيد الفطر كما يُضحَّى في عيد الأضحى، لم تُقبَل، لماذا؟ لمخالفة الشريعة في الوقت أو في الزمان.
المكان، لو أن الإنسان اعتكف في رمضان في بيته، أو امرأة في مصلاها الذي في البيت، لم يجزئ، لماذا؟ لأنه مخالف للشرع في المكان.
بقي أن يقال: وهل يأثم الإنسان لو تعبد لله عز وجل بما يخالف الشريعة في واحد من هذه؟
فالجواب: يأثم؛ لقول النبي ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) واللفظ له، والترمذي (٢٦٧٦) من حديث العرباض بن سارية.]].
﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إذن الصالحات وصف لموصوف محذوف، التقدير: الأعمال الصالحات.
﴿جُنَاحٌ﴾ أي إثم، وهذا هو المنفي، فليس على المؤمن الذي يعمل الصالحات جناح أي إثم ﴿فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ فيما طعموا أعم من: فيما أكلوا، فيشمل الأكل والشرب؛ لأن الشرب يطعم ويذاق، فهو طعام، ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ يقوله من؟ طالوت ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة ٢٤٩] ﴿مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ يعني النهر، والنهر يؤكل ولّا يشرب؟ يشرب.
إذن قوله: ﴿فِيمَا طَعِمُوا﴾ يعم كل ما له طعم في الفم من مأكول ومشروب، لكن بشروط، ليس عليهم جناح فيما طعموا بشروط: الشرط الأول: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾، الثاني: ﴿وَآمَنُوا﴾، الثالث: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، الرابع: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾، الخامس: ﴿وَآمَنُوا﴾، السادس: ﴿اتَّقَوْا﴾، والسابع: ﴿أَحْسَنُوا﴾، هذه قيود خمسة وليست متكررة، كل واحد له معنى.
قوله: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ يعني اتقوا ما حرم عليهم من المأكول وليست التقوى العامة، إذا ما اتقوا ما حرم عليهم من المطعوم، هذه واحدة. ﴿وَآمَنُوا﴾ أي آمنوا بالله؛ لأن الإيمان لا شك أنه أصل في قبول الأعمال. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذا شرط، أي عملوا الصالحات فيما يأكلون من المباحات فلم يستعينوا بها على محرم، فإن استعانوا بها على محرم وهي مباحة صارت حرامًا؛ لأن الله اشترط أن يعملوا بها الصالحات. قال: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾، هذا كلمة ﴿ثُمَّ﴾ تدل على أن هذا نوع آخر غير الأول؛ لأن العطف ولا سيما بـ (ثم) الدالة على المهلة والترتيب يدل على أن الثاني غير الأول، فيكون معنى ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ أي ثم استمروا على تقواهم ما حرم عليهم من هذا الطعام. وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ أي استمروا على إيمانهم، والأمر بالإيمان يصح مرادًا به الثبوت عليه والاستمرار فيه، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦]، ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ هذه التقوى العامة، اتقوا جميع المحرمات وأحسنوا بفعل جميع الطاعات، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
هذه الآية يمكن أن نحملها على حالين: الحال الأولى حال من يذهب إلى التقشف ويخشى من الترف المباح، فيتجنب الفواكه واللحم المندي والشيء اللذيذ تعبدًا لله، ولها محمل آخر فيمن توفوا قبل تحريم الخمر، فهم قد شربوا الخمر وهي حرام ولّا حلال؟ هي في النهاية حرام، لكن حين شربهم إياها حلال؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يحرمها بتاتًا إلا بعد موته، وإن كان قد نزلت آيات تعرض بالتحريم وتقيد الحل؛ كما في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ٢١٩]، وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣]، وهؤلاء أشكل على الصحابة حالهم، لما حرمت الخمر أشكل على الصحابة حال الذين توفوا من قبلهم، فأنزل الله هذه الآية؛ أنه ليس عليهم جناح؛ لأنهم لم ينتهكوا ما حرم الله، بل هم مؤمنون متقون محسنون، إذن تحمل على وجهين، على من شرب الخمر قبل تحريمها، وأيضًا لو قلنا: الآن وقبل أن يعلم بتحريمها، فهذا يشمل أنه ليس عليه جناح، الثاني: من تورعوا عما أحل الله لهم خوفًا من الإثم، فيقال لهم: ليس عليكم جناح فيما طعمتم إذا تمت هذه الشروط.
وقوله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحبة لو أردنا أن نحدها لم نستطع، ما يستطيع الإنسان أن يحد المحبة أبدًا، أحد منكم يستطيع أن يحدها؟ محبات فيما بيننا أحد يستطيع؟ شيء هو من حياتكم اليومية في داخل البيت وخارج البيت ومع ذلك ما تحدونها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، تعريف المعروف يزيده جهالة، أو يزيد به جهلًا، ولذلك لما ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه روضة المحبين تعريف المحبة قال: هذه الأمور الطبيعية لا يمكن تعريفها، ما تستطيع أن تعرف المحبة ولا الكراهة ولا البغضاء ولا الخوف ولا الفرح، ما تستطيع؛ لأن هذه أمور كامنة في النفس، كل إنسان يعرفها، نعم عليها علامات لا شك، فلو قلت مثلًا: المحبة أن تميل للشيء الذي ينفعك أو تدفع به ضررك، أيش تقولون بها التعريف؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا أثر المحبة، المحبة أن ترى الرجل قد استنار وجهه واستبشر فرحًا، أثر ما يمكن تعريفه، إذن المحبة معلومة، وإن شئت قل: معروفة، وتعريف المعروف يزيده جهالة.
* في الآية فوائد: أولًا: نفي الجناح في المطعومات من مأكول ومشروب لهذه الشروط.
* ومن فوائدها: أن على الكفار جناح فيما طعموا، لماذا؟ وجهه؟ غير مؤمنين، فالكافر لو رفع لقمة إلى فمه أو شرب كأسًا من ماء فإنه محاسَب عليه، وعليه الإثم فيه، ويؤيد هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢]. وهل هي لغير المؤمنين في الحياة الدنيا؟ أما قدرًا فنعم، أليس كذلك؟ وأما شرعًا فلا، ولهذا قال بالنسبة للمؤمنين: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ولغير المؤمنين غير خالصة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القيود الشديدة في نفي الإثم عمن أكل أو شرب في مأكوله ومشروبه، وعرفتم الآن التقوى كم ذكرت؟
* طلبة: ثلاث مرات.
* الشيخ: والإيمان مرتين، والإحسان مرة، قيود شديدة عظيمة، فاحذر يا أخي المسلم أن يكون في مطعومك عليك إثم لأنك لم تتم هذه القيود. أسأل الله أن يعيننا وإياكم عليها.
* من فوائد الآية الكريمة: أن من أكل حلالًا بكسب حرام فعليه الإثم، لماذا؟ لأنه لم يتقِ الله في كسبه، ولا بد أن يتقي الله عز وجل. فهل يكون غير الكاسب كالكاسب في هذا الإثم؟ نقول: أما إذا كان الشيء معيَّنًا، المحرَّم معيَّنًا فهذا يكون الآكل كالكاسب، مثل أن أعرف أن هذه الشاة التي ذبحها إكرامًا لي قد سرقها من فلان، فهذا حرام علي أن آكلها، أما إذا كان هذا الإنسان يتعامل بالربا ويكسب من الربا برضا صاحبه المرابي فإنه لا بأس أن تأكل من ماله، إلا إذا كان امتناعك منه يؤدي إلى توبته فهنا امتنع، أما إذا كان كل على حد سواء فكل ولا حرج عليك، ويدل لهذا أن رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكل من مال اليهود واشترى من مال اليهود مع أنهم معروفون بأكل السحت وأخذ الربا، ولم يستفسر ولم يقل لأي واحد: هل كسبتها بالربا؟
وبناء على ذلك، إذا مات ميت ونحن نعرف أنه يتعامل بالربا ويتعامل بالمباح، فهل يلزم الورثة أن يبحثوا كيف كسب ذلك؟ لا يلزمهم، الإثم على الكاسب، إلا إذا علمنا أن هذا هو عين مال الغير فيجب علينا أن نرده إلى صاحبه، يجب علينا أن نرده لأننا علمنا أنه ليس ملكه، فإن شككت هل هو ملكه وأخذه بطريق شرعي أو سرقة فما الأصل؟ الأصل أنه له، ولا يلزمنا أن نقول لكل من أهدى إلينا هدية: من أين؟ أنت سارقه ولّا جاءتك بطريق مباح؟ لو كنا مكلفين بهذا لشق علينا مشقة شديدة، ولكن -الحمد لله- أن الأمور بظاهرها، مثلما «سأل قوم النبي ﷺ عن أناس يأتونهم بلحم وهم حديثو عهد بالكفر، أسلموا قريبًا، ولا يدري المهدَى إليه اللحم أذكروا اسم الله أم لا؟ فقال لهم: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»[[أخرجه البخاري، (٥٥٠٧) وابن ماجه (٣١٧٤) واللفظ له، من حديث عائشة. ]]؛ لأن الأصل الحل حتى يتبين التحريم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والتقوى وأنها سبب لطيب المطعم وحل المطعم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإحسان إلى من؟ الإحسان إلى الخلق، والإحسان في عبادة الخالق، فالإحسان إلى الخلق أن تبذل جاهك، تبذل مالك، تبذلك خدمتك، منفعتك البدنية، والإحسان في عبادة الخالق فسره أعلم الناس بمعناه -وهو النبي ﷺ- بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠) واللفظ له، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الله يحب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، وهذه الصفة كسائر الصفات يجب على العبد أن يصدق ربه بها، وأن يحمل كلام ربه على ظاهره وعلى ما تقتضيه اللغة العربية؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يعني صيرناه باللغة العربية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] لأجل نعقل هذا القرآن ونفهمه، وعليه فيجب أن نؤمن بأن الله يحب، ولو فسرناه بغير ظاهره لكنا معتدين على النص من وجهين: الوجه الأول صرفه عن ظاهره، والوجه الثاني إثبات معنى على خلاف الظاهر، وهذا جناية على النصوص وتحريف للكلم عن مواضعه، فيه من هم مسلمون لا شك في إسلامهم يفسرون المحبة بأنها الثواب، أي يثيب المحسنين، ونقول: عفا الله عمن مات ونسأل عن الهداية لمن بقي، هذا التفسير تحريف للكلم عن مواضعه؛ لأن الإثابة شيء والمحبة شيء آخر، وإن كانت المحبة يلزم منها الثواب لكن لا يمكن أن نفسر شيئًا بلازمه إلا بدليل، ثم أيما أبلغ في الحث على الإحسان: أن نقول: معنى الآية: والله يثيب المحسنين أو أن نقول: والله يحب المحسنين؟ الثاني بلا شك.
ولهذا لما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٣١] ولم يقل: إن كنتم تحبون الله فاتبعوني تصدقوا في دعواكم، بل قال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾؛ لأن محبة الله هي المقصود -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه- هي المقصود، فلذلك نقول أيضًا: في تفسيرها بالثواب نقص في دلالتها ومضمونها؛ لأن النفس لا تتشجع إذا كانت بمعنى الثواب، بل المحبة على ظاهرها، ولا يجوز صرفها عن ظاهرها.
فإن قال قائل: فهل تطردون هذه القاعدة في كل النصوص؟
فالجواب: نعم يجب علينا أن نطردها في جميع النصوص؛ لأن الصحابة أجمعوا على ذلك، ما منهم أحد يفسر القرآن بخلاف ظاهره أبدًا، فعلينا فيما يتعلق بصفات الله أن نؤمن بها، لكن على أساس مهم ذكره الله عز وجل في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] كل شيء أثبته لله فعلى هذه القاعدة، ما هي؟ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وبهذا تستريح وتسلم من اعتراضات كثيرة، من ذلك: أنه يكثر الآن السؤال عن هل نثبت لله الملل أم لا؟ احتجاجًا بقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»[[ متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢ / ٢١٥)، وأبو داود (١٣٦٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]]، فيقال: ما الذي حدك أن تحك الشيء حتى يخرج العظم، ما الذي حدك على هذا: هل تثبت لله الملل أو ما تثبت؟ إن من هو خير منك ممن سبقك من هذه الأمة وخير هذه الأمة لم يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك أبدًا، عرفوا المعنى وأبقوا اللفظ على ما هو عليه، ما الذي حدك؟ هل الحديث صريح في أن الله يمل؟ ما هو بصريح، ليس بصريح، سياقه «اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ -يعني تحملوا منه ما تطيقون- فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢ / ٢١٥)، وأبو داود (١٣٦٨) واللفظ له، من حديث عائشة. ]]، يعني لا يمل من ثوابكم حتى تملوا من العمل، هذا معناه وواضح، فإن كان يدل على ثبوت الملل لله فالملل كسائر الصفات ملل يليق بالله، لا يماثل ملل المخلوقين، ملل المخلوق تعب وإعياء وضيق نفس، لكن لا يثبت هذا لله عز وجل أبدًا، واضح يا جماعة؟
مثل الغضب، الآن الغضب أثبت الله لنفسه غضبًا، ما فيه إشكال، في القرآن في عدة مواضع، وفي السنة كذلك، لو قال قائل: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، الغضب يحمل الغاضب على التصرف السيئ، حتى إنه يكسر الأواني ويطلق النساء ويعتق العبيد ويوقف الأملاك ويمزق الأوراق، أليس كذلك؟ بلى، يعني بعض الناس يصل به الحد إلى هذا، لو قال قائل: هل غضب الله الذي نثبته حقًّا كغضب المخلوق؟
أبدًا، إن الله تعالى إذا غضب فإنه لن يفعل إلا لحكمة، لن يفعل إلا لحكمة، وغضبه دليل على قوته عز وجل وقوة سلطانه؛ لأن الغضب لا يصدر إلا من قادر على الانتقام، أليس هكذا؟ العاجز ما يمكن يغضب، لا يمكن يغضب، لو تضرب صبيًّا يغضب عليك بيجي ينتقم منك؟ أجيبوا يا جماعة، ويش يسوي؟ يبكي ويحزن ويروح لأمه ويقول: هذا دقني وفعل، لكن ذو السلطان هو الذي يغضب وينتقم، فالغضب إذن صفة حميدة لكن بشرط ألا تخرج الغاضب عن طوره، ولهذا نحن نقول: إن الله عز وجل يغضب لكن ليس كغضب المخلوق الذي يخرج عن طوره حتى يتصرف تصرفًا لا يليق، وعلى هذا فقس، وأنت إذا أثبت لله ما أثبته لنفسه وتأدبت مع الله بحيث لا تتجاوز ما ذكر الله عز وجل، وأثبت هذا على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] فإنك ستسلم في عقيدتك وفكرك، والتشويش الذي يلقيه الشيطان في قلبك، أما إذا قمت تتحرك في هذه النصوص يمينًا وشمالًا فأنت على شفا جُرُف هارٍ.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الإحسان إلى الخلق، وعلى الإحسان في عبادة الخالق؛ لأن الله حين يخبرنا أنه يحب المحسنين ماذا يريد منا؟ أن نفعل لننال هذه المرتبة العظيمة، وهي محبة الله، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أحبابه. فلذلك يستفاد منها الحث على الإحسان.
* طالب: الذين ينكرون الرضا والغضب، في قصة موسى، إخراج موسى من فرعون (...)؟
* الشيخ: ما يقدرون يصرفون.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: هم عاجزون.
* الطالب: (...) لا يتصورها عقل الإنسان، هذا رضا ولّا غضب؟
* الشيخ: لا شك أنه غضب، وإنجاء موسى رضا، هم- بارك الله فيك - هم ليس عندهم عقول، وصفهم شيخ الإسلام رحمه الله وصفًا دقيقًا قال: إنهم أُوتوا فهومًا ولم يؤتَوا علومًا -فهم ما عندهم علم من الكتاب والسنة، عندهم فهم- وأُوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء ما عندهم تقوى لله عز وجل، وإلا لو اتقوا الله عز وجل لاحترموا نصوص الكتاب والسنة، أدنى ما نقول فيهم: إنهم جهلوا، يعني قد لا يكون عدم التقوى عندهم عن عمد، لكن عن ظن أنهم على هدى، ويحسبون أنهم على شيء وهم ضالون.
* طالب: المهاجرون من العرب في البلاد الأوربية يعملون أعمالًا مخلوطة الحلال بالحرام كأصحاب الدكاكين..
* الشيخ: أيش؟
* طالب: بعض المسلمين يعملون في البلاد الأوربية فيبيعون مثلًا أشياء في الدكاكين فيها الحرام وفيها الحلال، كالخمر والخنزير وما أشبه ذلك، فإذا دُعي الإنسان عندهم مثلًا أو إذا أكل عندهم فهل عليه شيء؟
* الشيخ: ليس عليه شيء إذا أكل المباح، إذا أكل المباح ليس عليه شيء، لكن كما (...) إذا كان في عدم إجابة الدعوة مصلحة فهنا لا تجب الدعوة.
* طالب: ما رأيكم يا شيخ فيمن يقول: إن النبي ﷺ أكل طعام اليهود وقبل هداياهم لأنهم يهود كفار ليسوا على ملة صحيحة، أما الآن المسلمون فعلموا من الكتاب والسنة تحريم ذلك عليهم؟
* الشيخ: هذا جواب غير صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم يأكلون السحت ويأخذون الربا مدحًا لهم أو ذمًّا لهم؟
* طالب: ذمًّا لهم.
* الشيخ: ولهذا قال: ﴿وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء ١٦١] فهم منهيون عنه، لكن بعض الناس يريد أن يحرم مال من أكله مختلط بالحرام، ثم يدفع بهذا الدفاع الضعيف.
* طالب: هل ماله يعتبر (...) محرم؟
* الشيخ: لا ما هو محرم، كسب محرم.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة ٩٤، ٩٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾
وقبل أن نشرع في درس الليلة نود أن نبحث عن قوله تعالى: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ ما معنى الأولى؟
* الطالب: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ أي المحرمات، ﴿وَآمَنُوا﴾ أي بقلوبهم..
* الشيخ: أنا أريد التقوى الأولى معناها.
* الطالب: اتقوا المحرمات.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: المحرمات من المطعمات.
* الشيخ: والثانية؟
* الطالب: استمروا في تقواهم.
* الشيخ: استمروا في التقوى وترك المحرمات، والثالثة؟
* الطالب: التقوى العامة.
* الشيخ: التقوى العامة، إذن لا تكرار؛ لأن كل واحدة محمولة على معنى.
قوله: ﴿وَآمَنُوا﴾، ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ الأولى؟
* طالب: الأولى آمنوا بحل هذه المذكورات.
* الشيخ: بحلها؟
* طالب: آمنوا يما يجب الإيمان به.
* الشيخ: نعم يعني للعموم. آمنوا الثانية؟
* طالب: أي استمروا على إيمانهم.
* الشيخ: أي استمروا على إيمانهم.
سبق أن من فوائد الآية إثبات صفة من صفات الله عز وجل؟
* طالب: إثبات المحبة.
* الشيخ: إثبات المحبة لله صفة من صفات الله.
لعلكم عرفتم فيما سبق أن المحبة من الصفات الذاتية أو الفعلية؟
* طالب: الفعلية.
* الشيخ: الفعلية، لماذا؟
* الطالب: الله إذا أراد أن يحب شخصًا أحبه.
* الشيخ: لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة لها سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها معلقة بهذا السبب.
المائدة 5:94
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة ٩٤] أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في مثل هذا التعبير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أثر عنه كلمة ابن مسعود؟
* طالب: قال: إذا سمعت الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.
* الشيخ: قال رضي الله عنه:« إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك -استمع، انتبه- فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنهَى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]].
لننظر الآن ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إلخ [المائدة: ٩٤] الجملة هنا خبرية، ومؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي؟
* طالب: اللام، ونون التوكيد.
* الشيخ: ونون التوكيد ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾.
* الطالب: والقسم.
* الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام موطئة للقسم.
ومعنى يبلونكم: يختبرنكم، وبماذا يكون الاختبار؟ قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الذي تصطادونه وهو محرم عليكم في حال..
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ أُثِرَ عن ابن مسعود رضي الله عنه في مثل هذا التعبير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أُثِرَ عنه كلمة؛ قال رضي الله عنه:« إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك -استمع، انتبه- فإما خير تُؤْمَر به وإما شر تُنْهَى عنه»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠). ]].
لننظر الآن ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إلى آخره، الجملة هنا خبرية ومؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي؟
* طالب: اللام.
* الشيخ: نعم، اللام.
* الطالب: ونون التوكيد.
* الشيخ: ونون التوكيد ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾.
* الطالب: والقسم.
* الشيخ: القسم المقدَّر؛ لأن اللام موطئة للقسم، ومعنى (يَبْلُوَنَّكُم): يختبرَنَّكم، وبماذا يكون الاختبار؟
قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الذي تصطادونه وهو مُحَرَّم عليكم في حال الإحرام.
﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي: تصيدونه باليد وتصيدونه بالرماح، وهذا على اختلاف حال الصيد، فما كان زاحفًا صاروا ينالونه بأيديهم، وما كان طائرًا كانوا ينالونه برماحهم؛ لأن الطائر أعلى والطيران أسرع من الزحف، لكن مع ذلك يكون الطير نازلًا وهادئًا في طيرانه؛ لأن الذي يُمْسِكه عز وجل في جَوِّ السماء مَنْ هو؟ الله عز وجل، فهو قادر عز وجل على أن يُهْبِطه إلى قرب الأرض وأن يجعل طيرانه هادئًا.
وقلنا: إن الابتلاء هو الاختبار، لأي شيء؟ قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام هنا للتعليل، و(يعلم) أي: يُدْرِك عز وجل مَنْ يَخَافُه بالغيب، أي: من يخاف الله.
﴿بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: يخافه وهو سبحانه وتعالى غائب عن نظره كقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
﴿بِالْغَيْبِ﴾ أيضًا المعنى الثاني: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي حال غيابه عن الناس، مثل أن يكون في ليل أو في ظل شجرة أو من وراء أكَمَة أو في مجرى صيد أو نحو ذلك.
إذن ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ الأول: أنه يخاف ربه مع غيبته تبارك وتعالى عنه؛ إذ إنه لم ير ربه لكنه عرفه بآياته.
والمعنى الثاني: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي بغيبه عن الناس؛ لأن من الناس من يُظْهِر مخافةَ الله ظاهرًا ولكنه باطنًا لا يخاف الله عز وجل، والذي يُمْدَح من يخاف اللَّهَ بالغيب؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك ١٢].
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: فمن اعتدى على محارم الله عز وجل بعد أن بَيَّن الله له الحكم ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: عذاب مُؤْلِم في الدنيا أو في الآخرة؛ إما في الدنيا وإما في الآخرة.
* في الآية الكريمة: بيان امتحان الله تبارك وتعالى لعباده بتَيْسِير أسباب المعصية لهم؛ ليعلم من يخافه بالغيب ومن لا يخافه إلا في العلانية؛ وَجْهُهُ من الآية ظاهر ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصحابة رضي الله عنهم الذين هم مُقْدَّم هذه الأمة، وذلك بخوفهم من الله وعدم تَحَيُّلِهِم على محارم الله وعدم انتهاكهم لحرمات الله، فإن هذا الصيد الذي ابْتُلُوا به وقع ذلك فعلًا؛ لأن الله أخبر بأنه سيفعل وفعل عز وجل، لكن لم يُذْكَر عن واحد منهم أنه أخذ صيدًا واحدًا، خافوا الله عز وجل وعَظَّمُوا محارمه، وهذا فضل عظيم لهذه الأمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه الأمة تَفْضُل سائرَ الأمم وعلى رأسهم الأمة اليهودية؛ لأن الأمة اليهودية ابتلاهم الله تعالى بنحو هذا، ولكنهم تَحَيَّلُوا على محارم الله؛ ابتلاهم الله تعالى بالصيد -الصيد البحري لا الصيد البري- فحرَّم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فاحتالوا على ذلك وجعلوا شِبَاكا في يوم الجمعة يأخذون السمك أو الحيتان يوم الأحد، فابتلاهم الله عز وجل بكون الحيتان تأتي يوم السبت شُرَّعًا أي: على سطح الماء من كثرتها، فتَحَيَّلُوا هذه الحيلة، فقال الله تعالى لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] فكانوا قردة -والعياذ بالله- كل أهل القرية أصبحوا يَتَعَاوَوْن كما تَعَاوَى القردة؛ لأنهم تَحَيَّلُوا على محارم الله بما ظاهره الإباحة فقلبهم الله تعالى إلى حيوان أقرب ما يكون من الإنسان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن يَتَنَبَّه الإنسان لنفسه إذا يُسِّرَت له أسباب المعصية، وألَّا يتدرج به الشيطان؛ لأن الإنسان قد تُيَسَّر له أسباب المعصية، ولا يدري عن نفسه ثم ينهمك حتى يقع في المحظور، فليحذر الإنسان من تسهيل أو من تيسير أسباب المعصية له أن يقع في المعصية؛ ولهذا الإنسان إذا ابْتُلِيَ بتيسير المعصية له وتَرَكَها لله عوَّضه الله تعالى خيرًا منها.
وانظر إلى يوسف عليه الصلاة والسلام؛ فقد يسَّر الله له أسبابَ المعصية تيسيرًا لا نظير له فيما نعلم؛ كان مملوكًا لعزيز مصر وكان له امرأة نُرى أنها من أجمل النساء لأنها امرأة العزيز، وأَعْجَبَها يوسف وأحبَّتْه حبًّا شديدًا حتى وصل إلى شغاف القلب يعني: قَعْر القلب -حُبُّ هذا الرجل- وعجزت أن تَصْبر، في يوم من الأيام سوَّلت لها نفسها أن تَدْعُوَه إلى فعل الفاحشة فدعته وغلَّقت الأبواب، والأبواب جمع باب أقلها ثلاثة، في حجرة من وراء حجرة من وراء حجرة، والأبواب مغلَّقة، وليس عندها أحد، فدعته لنفسها وتوعدته أنه إن لم يفعل سجنته وأهانته؛ قالت: ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] فدعا ربه وقال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف ٣٣].
ولا تظنوا أن الجمع يعني أن مع المرأة أحدًا، لكن يريد الجنس فإن هذه التي فتنته ربما يفتنه غيرُها فأراد أن يكون دعاؤه عامًّا ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف ٣٤]، يوسف عليه الصلاة والسلام هُيِّئَت له أسباب المعصية؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، بل أكثر من ذلك، هُدِّدَ بأن يُهَان ويُسْجَن إن لم يفعل، ومع ذلك لجأ إلى الله عز وجل، وفي هذه الضرورة استجاب الله تعالى دعاءه، وفي السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٠)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]] لم يَذْكُر أيَّ مانع سوى خوف الله عز وجل، بالغيب ولّا بالشهادة؟
* طلبة: بالغيب.
* الشيخ: بالغيب؛ لأنه ما عنده أحد، لو عنده أحد لقال: إني أخاف أن يشهد فلان أو فلان، فالمهم انتبه لنفسك سواء في البيع أو الشراء أو في أي شيء انتبه لنفسك، إذا يُسِّرت لك أسباب المعصية فاعلم أن ذلك امتحان من الله (...).
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصيد في حال الإحرام محرم؛ لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من اعتدى بعد أن تَبَيَّن له الحكم ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم.
* ومن فوائدها: أن من كان جاهلًا فإنه لا إثم عليه إذا فعل المعصية؛ لقوله: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى؛ لقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، والله تبارك وتعالى علمه محيط بكل شيء.
فإن قال قائل: هذه الآية سياقُها يدل على تجدُّدِ العلم لله عز وجل؛ يعني هو قال: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ﴾، ثم قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ وهو جلَّ وعلا عالم بذلك قبل أن يَخْلُق هذا وقبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وهذا إشكال واقع يُشْكِل على كثير من الناس؛ ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ أليس الله قد علم؟
الجواب: بلى، قد علم، لكن الجواب عن ذلك من وجهين؛ الوجه الأول: أن علم الله بالشيء قبل وقوعه علمٌ بأنه سيقع، وعلمَه بعد وقوعه علمٌ بأنه واقع، وفرق بين كون الشيء معلومًا قبل أن يقع ومعلومًا بعد أن يقع.
فإن قال قائل: هذا مسلَّم في علم الإنسان؛ فإن الإنسان إذا عَلِمَ بأن الشيء سيقع غدًا فهذا علم، لكن إذا وقع صار علمُه الثاني أقوى من علمه الأول؛ لأن علمه الأول علمُ يقين وعلمه الثاني عينُ يقين، ومعلوم أن الإنسان يتجدد علمُه ويقوى علمه تارة ويضعُف تارة، لكن علم الله واحد؟
فالجواب: نحن لا نقول: إن الله سبحانه وتعالى إذا علمه واقعًا ازداد علمُه بذلك، أبدًا، هو عالم به، لكن عالم به أنه وقع لا أنه سيقع؛ لأن العلم الأول لا يترتب عليه جزاء بالنسبة للعبد، والعلم الثاني يترتب عليه الجزاء.
أما الوجه الثاني؛ فنقول: علمه السابق لما وقع علم بأنه سيقع ولكنه لا يترتب على هذا العلم أيُّ ثواب أو عقاب، متى يترتب الثواب والعقاب؟ إذا عمل العبد، فيكون علمه الثاني الذي بعد وقوع الشيء علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، ويتعيَّن الجواب بهذا لئلا يظن الجاهل أن علم الله يتجدد، ونحن نعلم أن علم ربنا عز وجل لم يزل ولا يزال موجودًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من يخاف الله بالغيب، جعلنا الله وإياكم منهم؛ لأن كثيرًا من الناس يخاف الله سبحانه وتعالى عنده خوف من الله لكن يَقِلُّ خوفه إذا لم يكن حوله أحد، وإذا علم الناس يعلمون به ازداد خوفًا، يعني أصل الخوف عنده، لكن إذا كان عنده أحد ازداد خوفه من فعل المعصية خوفًا من عقاب الله وخوفًا من ملامة الناس، وهذا وإن كان محمودًا لكنه ضعيف الخوف من الله ويُخْشَى عليه أن يداهن الناس ويراقبهم فيقع في الرياء، فعليك -أيها الأخ- أن يكون خوفك لله واحدًا في السر وفي العلانية.
المائدة 5:95
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥].
لما ذَكَرَ أنه سبحانه وتعالى سيبتليهم ذَكَرَ الحُكْمَ فقال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ و﴿لَا﴾ هنا ناهية، وعلامة كونها ناهية حذفُ النون.
﴿الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (أل) لبيان الحقيقة، فما هو الصيد المحرَّم؟ العلماء -ولا سيما أهل الفقه رحمهم الله- بَيَّنوا ضابطًا لهذا فقالوا: إنه الحيوان البريُّ المأكول، والعبرة بكون أصله بريًّا، المتوحش طبعًا، هو الحيوان البري المأكول المتوحش طبعًا، (الحيوان) هذا جنس، (البريّ) ضده البحري، (المأكول) ضده الحرام، (المتوحش طبعًا) ضده المتأهل وهو الحيوان الإنسي الذي يألف الناس في بيوتهم، هذا هو الصيد، وعلى هذا فحيوان البحر لا يدخل في النهي؛ لأنه ليس مرادًا بهذه الآية وإن كان صيدًا لكنه بحريٌّ.
وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وهذه الآية صريحة فَصَّل الله فيها وبَيَّن، كم ذكرنا من قيد؟
قلنا: البري ضد البحري، المأكول ضد الحرام، المتوحش ضده المتأهل ويُسَمَّى الإنسي، فلو أن المحرم ذبح دجاجة فإنه ليس عليه إثم؛ لأن الدجاج من الإنسي ليس من المتوحش، ولو ذبح خروفًا فلا بأس مع أنه بري مأكول لكنه ليس متوحشًا وإن كان بريًّا ومأكولًا، والعبرة بالأصل، لا عبرة بالوصف الطارئ، الوصف الطارئ لا عبرة به، فلو توحَّش إنسي أو استأنس وحشي فما العبرة؟
* طلبة: بالأصل.
* الشيخ: بالأصل، ولهذا لو أن إنسانًا ربَّى أرنبًا، فهل يجوز إذا أحرم أن يذبحها؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: رباها.
* الطلبة: لا يجوز.
* الشيخ: لماذا؟
* الطلبة: لأن العبرة بالأصل.
* الشيخ: لأن العبرة بأصلها متوحشة في الأصل، والتأهل طارئ عليها، ولو أن دجاجة فرت وتوحشت وصارت تطير مع الطيور فهي حلال ولَّا غير حلال للمحرم؟
* طلبة: حلال.
* الشيخ: حلال؛ لأن أصلها أنها متأهلة، فالعبرة بالأصل، وإنما النهي هنا لئلا يجر طلب الصيد المحرم عن نسكه فينشغل قلبه؛ لأنه لا أشد من لهو الصيد، الإنسان المبتلى باللهو في الصيد لا يَقَرُّ له قرار حتى يتابع الصيد؛ ولهذا نسمع عن أهل الصيد أن الواحد منهم يتعب في الخروج إلى البر لطلب الصيد ويلحقه الظمأ والجوع والشوك وحرارة الأرض وبرودة الشتاء، ولكنه لا يبالي؛ لأن قلبه مشغول، وإذا كان الله قال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧] لئلا ينشغل الحاج فانشغاله في الصيود أشد لهوًا.
﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الجملة الشرطية ﴿وَمَنْ﴾ اسم شرط، وأسماء الشرط تفيد العموم يعني: أَيُّ إنسان قتله منكم متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم؛ وعلى هذا فقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه جزاء، و ﴿مِثْلُ﴾ عطف بيان لقوله: جزاء ولا يمكن أن نجعلها نعتًا؛ لأن ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ معرفة؛ حيث أضيفت إلى اسم الموصول.
و﴿جَزَاءٌ﴾ نكرة ولا تنعت النكرة بالمعرفة، لكن نجعلها عطف بيان، وعطف البيان قريب من الصفة لكنه لا يشترط فيه ما يشترط في النعت.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، الحيوانات المتوحشة أو الأهلية هل هي محدودة أم معدودة؟
* الشيخ: هذا عرف، يعني غير معدودة (...).
* طالب: شيخ بعض المناطق، المتوحش عندنا عندهم أهل، كالجواميس، بعض المناطق برية؟
* الشيخ: هي برية لا شك، لكن هل متوحشة؟
* الطالب: إي، مثل (...) مع الأسود ولأنه..
* الشيخ: لا، لا الجاموس ما هو متوحش.
* الطالب: لو وُجِد، يا شيخ فعلًا؟
* الشيخ: متوحشة؟
* طالب: نعم، متوحشة.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: متوحشة، الجواميس.
* طالب آخر: مستأنسة عندنا.
* الشيخ: لا، هو مستأنس.
* طالب: عندنا متوحشة.
* الشيخ: سبحان الله، يعني يعامل معاملة الصيد؟!
* طلبة: إي نعم.
* الشيخ: يعني: يخرج الناس لاصطياده في البر؟
* طلبة: إي نعم، ما يُقْدَر عليه إلا بالاصطياد.
* الشيخ: الذي ينبغي أن يقال: يُرْجَع للعُرف، إذا لم يكن معيَّنًا بالشرع أنه صيد فيرجع للعرف.
* طالب: بالنسبة للخشية من الله سبحانه وتعالى، الناس ها الحين (...) منهم (...) بس شو إنسان مستقيم استقامة، ويصل رحمه وهو مستقيم على طاعة ربه، ويبتدي (...) شيء إما بغنى ولا بحالة من الأحوال (...)، ويقطع حتى رحمه (...).
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: هذا شيء (...).
* الشيخ: إي، ما فيه شك، باطل، هذا واقع.
* الطالب: لو الناس (...) بيفكروا بعقولهم وفكروا في الدنيا لصدقوا أخبار الله سبحانه وتعالى من دون شك، من دون تجربة.
* الشيخ: هذا واقع؛ يعني إصابة الإنسان بذنبه لإعراضه عن طاعة الله أشد من العقوبة، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩] فكون الإنسان مستقيمًا، ثم يشعر بأنه ضعفت استقامته وصار يرتكب المعاصي هذه عقوبة، يقول بعض السلف: «إن الإنسان ليُحْرَم صلاة الليل بالذنب يصيبه»[[ذكره الصفوري في نزهة المجالس (١ / ١٢٠) وعزاه إلى الحسن البصري.]] لكن أكثر الناس في هذا عن غفلة يظنون أن المصائب التي على الذنوب هي المصائب الحسية وليس كذلك، مصيبة القلب أشد، نسأل الله السلامة.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة ٩٥].
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
يقال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ كما قلنا في الآية التي قبلها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ﴾.
والمناسبة بين هذه الآية والتي قبلها ظاهرة؛ أنه عز وجل لما أخبر أنه سيختبرهم بهذا الصيد نهاهم أن يقتلوه فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
جملة ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ في محل نصب على الحال، و(الحُرُم) جمع حرام والمراد به الحُرُم في المكان والحُرُم في الحال؛ الحُرُم في المكان بأن يكونوا في حَرَمِ مكة، والحُرُم في الحال بأن يكونوا محرمين بحج أو عمرة، وعلى هذا لو أحرم الإنسان من ذي الحليفة فمن حين إحرامه من ذي الحليفة يدخل في الآية، ولو كان محِلًّا ووصل إلى مكة إلى حدود الحرم فإذا دخل هذه الحدود فقد صار حرامًا، أي: يدخل في الآية.
وقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ فسَّرنا الصيد بأنه كل حيوان بري مأكول متوحش طبعًا، هذا هو الصيد، وذكرنا فيما سبق مفاهيم هذه القيود.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ من قتله منكم -أيها المؤمنون- متعمدًا لقتله في حال إحرامه أو في حال كونه حرامًا ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ ﴿جَزَاءٌ﴾ مبتدأ وخبرها محذوف والتقدير: فعليه جزاء، أي: عليه جزاء يَجْزِي به عما قتل، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ يعني: يكون مماثلًا له، والمراد بالمماثلة هنا المقاربة في الخِلْقة؛ لأن التماثل بين الصيد وبين النَّعَم مستحيل، التماثل من كل وجه، لكن المراد بذلك التقارب في الخلقة.
وقوله: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ هي ثلاثة أشياء: الإبل، والبقر، والغنم، وتُسَمَّى بهيمة الأنعام.
﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أي: بهذا الجزاء أو بهذا المثل ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ﴿ذَوَا﴾ مثنى، وهي مضافة إلى ﴿عَدْلٍ﴾ أي: صاحبا عدل منكم، والعدل هو الاستقامة في الدين والمروءة، هذا العدل، هي الاستقامة في الدين والمروءة، فمعنى ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ أي: ذوا استقامة في الدين والمروءة.
أما في الدين ففسَّرها الفقهاء رحمهم الله بأن يأتي بالفرائض، وألا يفعل كبيرة ولا يصِرُّ على صغيرة، هذا الاستقامة في الدين.
الاستقامة في المروءة ألا يفعل ما يَشِينُه عند الناس وأن يفعل ما يُجَمِّلُه عندهم؛ يعني يفعل الجميل ويدع المشين، وهذا الأخير يختلف باختلاف الأحوال والبلدان والأزمان، قد يكون فعلُ شيءٍ في بلد لا يخرم المروءة وقد يكون في بلد آخر يخرم المروءة، والعبرة بأعراف الناس المستقيمة، لا عبرة بالهمج الذين حق عليهم قول النبي ﷺ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»[[أخرجه البخاري (٣٤٨٤) من حديث أبي مسعود.]] المراد: ذوو المروءة الحميدة.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والخطاب للمؤمنين فلا بد أن يكون الحَكَم من المؤمنين، ويحتمل أن يكون الخطاب للصحابة رضي الله عنهم فيرجع في ذلك إلى حكمهم وسيذكر هذا في الفوائد إن شاء الله.
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ﴿هَدْيًا﴾ حال؛ يعني حال كون هذا الجزاء هديًا.
﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: واصلًا إلى الحرم، وليس المراد إلى جوف الكعبة بإجماع المسلمين.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا للتخيير، كلما جاءت (أو) في كتاب الله فهي للتخيير، وإن (...) للترتيب فإن الله يبينه عز وجل، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
وقوله: ﴿طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ بيان للكفارة أنها طعام مساكين، وفي قراءة عندي: ﴿كَفَّارَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ﴾ بالإضافة، والكفارة مأخوذة من الكَفر بمعنى الستر وهي الفدية التي تستر الذنب حتى لا يكون له أثر على الإنسان لا في قلبه ولا في وجهه ولا في قومه.
وقوله: ﴿مَسَاكِينَ﴾ المساكين جمع مسكين والمراد به الفقير، ويقال: فقير، والمراد به المسكين؛ وذلك أن الفقير والمسكين من الكلمات التي إذا اجتمعت تفارقت، وإذا تفارقت اجتمعت؛ أي أنه إذا ذكر أحدها شمل الآخر، وإن اجتمعا فُسِّر كل واحد منها بمعنى، فمثلًا هنا المسكين هو الفقير، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠] المساكين غير الفقراء.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ولم يبين الله عز وجل أنه -أي الطعام- مماثل للصيد؛ وذلك لتعذر المماثلة؛ لأن الطعام إما بر أو شعير أو تمر أو ما أشبه ذلك، فلا يمكن أن يماثل الحمامة أو النعامة أو الظبي أو ما أشبه ذلك بخلاف ما إذا كان من النعم فإنه يمكن أن يماثله.
﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ولم يبين الله عز وجل مقدار هذا الطعام، وسيأتي إن شاء الله بيانه في الفوائد.
﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ ﴿عَدْلُ﴾ أي: معادل.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارة، والإشارة تكون إلى أقرب مذكور، ما أقرب مذكور؟ الطعام، فيكون المعنى أو عدل الطعام صيامًا.
﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ ﴿لِيَذُوقَ﴾ اللام هنا للتعليل، و(يذوق) فعل مضارع فاعله مستتر جوازًا تقديره (هو)؛ لأنه يعود على ﴿مَنْ﴾ في قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾.
﴿وَمَنْ﴾ اسم موصول لفظه مفرد، ومعناه صالح للمفرد والجمع، ويبين ذلك الضمير الذي يرجع إليه، وعليه، فنقول: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ﴾ واحد أو جماعة؟ واحد.
﴿لِيَذُوقَ﴾ أي: القاتل ﴿وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: عاقبته، عاقبة أمره الثقيلة؛ لأن الوبال أصله الشيء الثقيل، والمراد به هنا العاقبة الثقيلة؛ لأن من المعلوم أن الإنسان إذا ألزم بهذا الجزاء مثل ما قتل من النَّعَم، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صيامًا فإن ذلك يشق عليه حسب حاله.
وقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: وبال شأنه وحاله.
﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ الحمد لله، ﴿عَفَا اللَّهُ﴾ أي: تجاوز ومحا ﴿عَمَّا سَلَفَ﴾ يعني: من قتلِكم الصيد، لماذا؟
لأنه كان قبل التحريم فلا يُؤاخَذ به العبد، وهذا نظير قول الله تبارك وتعالى فيمن ماتوا قبل تغيير القبلة وكانوا يُصَلُّون إلى بيت المقدس، فقال الله تعالى في حقهم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة ١٤٣].
﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: من عاد بعد أن تبين له الحكم ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: فإن الله ينتقم منه، والانتقام الأخذ بالعقوبة.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ذو عزة، والعزة هي القهر والغلبة والانتقام هو أخذ الجاني بما فعل.
و﴿ذُو﴾ في قوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ خبر ثان للفظ الجلالة، والخبر الأول: عزيز.
* في هذه الآية فوائد كثيرة في الحقيقة؛ منها: تحريم قتل الصيد على الإحرام أو في الحرم؛ لقوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾.
* ومنها: أن قتله مناف لكمال الإيمان؛ وجه ذلك أن الله تعالى وجه الخطاب بهذا النهي إلى المؤمنين.
* ومنها: أن امتثال ذلك -أي اجتناب قتل الصيد- من مقتضيات الإيمان.
* ومنها: أن تركه -أي ترك قتل الصيد- يزيد في الإيمان؛ لأنه إذا كان قتله ينقص الإيمان فترك قتله يزيد فيه، وهنا نقول: مَنْ ترك المعصية، هل يثاب عليها ويزداد بها إيمانه؟
والجواب: لا بد من تفصيل على النحو التالي؛ الأول: أن يتركها لله عز وجل بعد أن هَمَّ بها، أو زُيِّنَت له بوساوس شياطين الإنس أو الجن، تركها لله فهذا يثاب عليها؛ لأنه تركها لله عز وجل، وإخلاصه لله بتركها طاعة يثاب عليها.
القسم الثاني: أن يتركها رغبة عنها لا لله ولا لعجزه عنها، فهذا لا له ولا عليه، كإنسان همَّ بمعصية وتأهَّب لها ولكنه تركها، تَنَازَل، لماذا؟ قال: والله طابت نفسي، ما أردت، فهذا لا له ولا عليه، لا له لأنه لم يحدث إخلاصًا، ولا عليه لأنه لم يفعلها.
الثالث: من أراد المعصية وسعى لها سعيها لكنه عجز عنها، فهذا يُكْتَب له وِزْر فاعلها، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «لَأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) من حديث أبي بكرة.]] هذه أقسام ترك المحرم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما صاده المحرم ميتة لا يحل أكله لا له ولا لغيره، سواء قتله بالسهم أو أمسكه وذبحه فإنه ميتة؛ وجه الدلالة أن الله عبر عن صيده بقتله، ومعلوم أن القتل ليس ذكاة، فيدل هذا على أن ما قتله المحرم من الصيود، فهو ميتة، هذا ما قتله المحرم.
طيب، ما صاده المحِلُّ فهل يحرم على المحرم؟
الجواب الصحيح: أن في هذا تفصيلًا، وأنه إن صاده للمحرم فهو حرام على المحرم، وإن صاده لنفسه أو لغيره من غير المحرمين فهو حلال للمحرم، وعلى هذا تدل الأدلة، ففي حديث أبي قتادة رضي الله عنه «أنه كان في غزوة الحديبية -كان غير محرم- فرأى حمارًا وحشيًّا، فطلب من أصحابه أن يناولوه الرمح، فأَبَوْا عليه، ثم صاد الحمار، وجاء به إليهم، فأباحه النبي ﷺ لهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٩٢)، ومسلم (١١٩٦ / ٥٧) من حديث أبي قتادة.]] مع أنهم محرمون، لكنه لم يَصِدْه لهم، إنما صاده لنفسه، ويهدي إلى من شاء.
وهذا ظاهر أنه لم يُرِدْه لهم؛ لأنهم لما طلب منهم الرمح أَبَوْا عليه، ومقتضى الطبيعة أن مثل هذه القضية لا يمكن أن يريده لهم وهم الذين منعوا أن يساعدوه.
أما الثاني وهو إذا صِيدَ الصيد للمحرم؛ فحديث الصعب بن جَثَّامة رضي الله عنه نزل به النبي ﷺ ضيفًا، وكان رجلًا راميًا وسبَّاقًا، فأخذ الرمح وذهب يصيد، فجاء بحمار وحشي، فرده النبي ﷺ عليه، فلما رأى ما في وجهه، قال له: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨٢٥)، ومسلم (١١٩٣ / ٥٠) من حديث الصعب بن جثامة.]] يعني: مُحْرِمُون.
الأول حديث أبي قتادة أحله النبي ﷺ لهم، والثاني امتنع منه؛ لأن الصعب إنما صاده لأجل النبي ﷺ إكرامًا له؛ لأنه ضيفه.
ويؤيد هذا التفصيل حديث جابر أن النبي ﷺ قال: «صَيْدُ الْبَرِّ حَلَالٌ لَكُمْ » -يعنى المحرمين- «مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أَوْ يُصَدْ لَكُمْ»[[أخرجه أبو داود (١٨٥١)، والترمذي (٨٤٦) من حديث جابر بن عبد الله.]].
طيب، ما صِيدَ للمحرم حرام عليه، هل يَحْرُم على غيره من المحرمين أو المحلين؟
لا؛ لأن الذي صاده حلال، وصيد الحلال حلال، فلو صاد الإنسان صيدًا، ولنقل: صاد غزالًا وهو مُحِلٌّ يريد أن يُهْدِي لآخر محرم فهي حرام على المحرم، لكن فيه أناس محرمون آخرون تحل لهم أو لا؟ تحل لهم، وتحل للمحلين من باب أولى.
إذن نأخذ أن اصطياد المحرم حرام يعني أن ما صاده المحرم فهو حرام، من أين؟ من قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء إنما يلزم المتعمد؛ لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، فلو أخطأ بأن رمى شجرة وإذا فوقها صيد فأصابه، فوقع الصيد فهل عليه جزاء أو لا؟ ليس عليه جزاء، لماذا؟ لأنه ليس متعمدًا وإذا لم يكن متعمدًا فإن مفهوم الآية الكريمة أنه لا جزاء عليه.
﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ لو كان ناسيًا أنه محرم أو ناسيًا أنَّ قتل الصيد حرام، فقَتَلَ الصيد فهل عليه جزاء؟ لا ليس عليه جزاء؛ لأنه ناسٍ، وقد قيَّد الله ذلك بقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾، ويدل لهذا عمومات الأدلة الدالة على أن الجاهل والناسي ليس عليهما إثم ولا فدية ولا كفارة في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فقال الله: قد فعلت، وكقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٥]، وهذه القاعدة أنه لا مؤاخذة مع الجهل والنسيان، وكذلك الإكراه قاعدة عظيمة في الشريعة الإسلامية، ولا يجوز أن نخرج منها أي شيء إلا بدليل، وهذا الذي قررناه هو الصواب الذي تدل عليه الأدلة العامة والخاصة.
وقال بعض أهل العلم: إن المخطئ والناسي يرتفع عنه الإثم ولكن عليه الجزاء، وعلَّلوا ذلك بتعليل عليل أولًا: بقضاء بعض الصحابة رضي الله عنهم في النعامة بدنة، وفي الحمامة شاة وما أشبه ذلك ولم يستفصل، هذه واحدة.
ثانيًا: أن ما سبيله الإتلاف يستوي فيه العلم والذكر وضدهما، بدليل أن الإنسان لو أتلف مالًا لشخص يظنه مال نفسه فهل عليه ضمانه أو لا؟ عليه ضمان لا شك، وكذلك لو أتلفه ناسيًا فعليه ضمان لا إشكال في هذا، ولكن هذا التعليل عليل، أما الأول وهو قضاء بعض الصحابة رضي الله عنهم ولم يستفصل فالصحابة، إنما بينوا الواجب يعني الواجب في قتل الصيد بقطع النظر هل على هذا القاتل جزاء أم لا؛ لأن هذا يحتاج إلى تحرير وإلى سؤال ومناقشة هل هو عالم أو جاهل، ذاكر أو ناس، وحينئذ لا دليل فيما أطلقه الصحابة لأنهم إنما يريدون بيان الواجب فقط.
وأما الثاني وهو أن الإتلاف يستوي فيه العمد والسهو والجهل فهذا حق، لكنه في حق الآدمي الذي حقه مبني على المُشاحَّة ولئلا يتلاعب الناس بالحقوق.
لو قلنا: إن مَنْ أتلف مال شخصٍ جاهلًا ليس عليه ضمان، لتلاعب الناس بعضهم ببعض وصار يتلف مال هذا ويحرق مال هذا، ويقول: أنا ما دريت، ما علمت، وحصل في هذا ضرر عظيم، فصار تضمين من أتلف مال آدمي جاهلًا أو ناسيًا؛ لأن حق الآدميِّ مبني على المُشاحَّة، هذه واحدة، ولأننا لو لم نضمنه لكان في ذلك فتح لأكل أموال الناس بالباطل ونهب الناس بعضهم أموال بعض.
أما حق الله عز وجل فهو مبنيٌّ على أيش؟ على المسامحة والمياسرة، والدين يسر، فافترقا، إذن الصواب أيش؟ أن مَنْ قتل صيدًا جاهلًا أو ناسيًا أو مخطئًا فليس عليه جزاء، أما الصيد نفسه فهو قتل مَيْتَة لا يؤكل، لكن الكلام على الجزاء.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الإحرام، وتعظيم الحَرَم؛ أما تعظيم الإحرام فإن منع المحرم من الصيد يعني احترام النسك، وعدم اللهو وعدم الترف؛ لأنه لو أبيح للمحرم أن يصطاد لتلهَّى عن النسك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧] كل هذا لأجل أن يتفرغ الإنسان قلبًا وقالبًا لما هو مُتَلَبِّس به من النسك.
وأما حرم مكة فظاهر أيضًا أن في الآية دليلًا على تعظيمه وحرمته؛ لأن الحرم آمن كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٦٧]، وقال عز وجل: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين ٣] هذا البلد آمن في الآدميين وفي الحيوان وفي الأشجار؛ ولذلك يَحْرُم صيده ويحرم قطع شجره إلا الميِّت ويحرم القتال فيه كما قال عز وجل: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ١٩١]، ولأن النبي ﷺ أعلن عام فتح مكة أنه لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، وأجاب عليه الصلاة والسلام عن كونه استحلها بأنها إنما أحلت له ساعة من نهار؛ لأن إحلالها يتضمن مصلحة كبرى أعظم من انتهاك حرمتها في تلك الساعة، ولأنه يؤدي إلى احترامها؛ لأن هناك فرقًا بَيْنَ أن تكون بلاد كفر أو بلاد إسلام ولا طريق في كونها بلاد إسلام في ذلك الوقت إلا بالقتال، فالقتال أُحِلَّ للضرورة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ»، وقال: «إِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٩٥)، ومسلم (١٣٥٤ / ٤٤٦) من حديث أبي شريح العدوي.]] جواب سديد، ولله تبارك وتعالى أن يأذن لمن شاء من خلقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الواجب في قتل الصيد -يعني بالجزاء- واحد من أمور ثلاثة، إما المثل، وإما إطعام مساكين، وإما صيام يعادل ذلك، على التخيير أو على الترتيب؟ على التخيير، كلما وجدت (أو) في القرآن فهي على التخيير، كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة ١٩٦]، وكقوله تعالى في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة ٨٩].
في هذه الآية: ﴿جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾، ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، فهو للتخيير فيُخَيَّر الإنسان الذي قَتَل الصيد بين أن يهدي مثله إلى الحرم، وسيأتي كيف يعرف المثل هذه واحدة.
أو إطعام مساكين، ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ ولم يذكر الله تبارك وتعالى مقدار هذا الطعام، فهل نقول: ﴿كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ إنَّ أقلَّ الجمع ثلاثةٌ وإنه لو أطعم ثلاثة مساكين كفى؟ أو نقول: ما دامت المسألة معادلة فلا بد أن يكون هذا الطعام معادلًا إما للصيد لنفسه وإما لمثل الصيد؟
الاحتمال الأول وهو أن يكون طعام ثلاثة مساكين هذا غير صحيح، بقي عندنا أن يُعادَل بالصيد أو بمثل الصيد، هذا اختلف فيه العلماء فقيل: إنه يُقَوَّم الصيد بما يساوي من طعام، ثم يُطعَم هذا الطعام للمساكين، وقيل: إنه يُقَوَّم المثل ويُشْتَرى بقيمته طعام يطعم المساكين، أيهما أحظ للفقراء؟
يختلف، أحيانًا تُقَوّم المثل يكون المثل أغلى، وأحيانًا يكون الصيد أغلى، أليس كذلك النعامة مثلًا كم تساوي؟ أحيانًا ترتفع قيمتها حتى تكون أكثر من قيمة البدنة عشر مرات، وأحيانًا تكون رخيصة وقيمة البدنة أكثر منها.
فالعلماء رحمهم الله منهم من جنح إلى أن الذي يُقَوَّم الصيد، ومنهم من قال: بل الذي يقوم المثل، ولو ذهب ذاهب وقال: إنه ينظر الأحظ للمساكين؛ فإن كان الأحظ تقويم المثل قومناه وإن كان الأحظ تقويم الصيد قومناه، لو ذهب ذاهب هذا المذهب لكان مذهبًا جيدًا، وله نظير: عروض التجارة في الزكاة تُقَوَّم بالدراهم أو بالدنانير؟ بالأحظ للفقراء، إن كان الأحظ أن تُقَوَّم بالدنانير قَوَّمْناها بالدنانير، إن كان الأحظ أن تُقَوَّم بالدراهم قوَّمناها بالدراهم.
فلو قيل في هذه المسألة: إنه يُنْظَر إلى الأحظ للمساكين؛ لأن الطعام طعامهم، فما كان أحظ عُمِلَ به لكان له وجه، لكن هذا الوجه يقابله وجه آخر وهو أن الأصل براءة الذمة فلا نُكَلِّف القاتل أكثر مما يجب عليه، وعلى هذا التقدير ينظر لأيش؟ يُنْظَر للأقل، إن كان تقويم الصيد أقل أُخِذَ به وإن كان تقويم المثل أقل أخذ به.
* * *
* طالب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة ٩٦ - ٩٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظننا لم نكمل فوائد الآية السابقة.
* طلبة: القواعد..
* الشيخ: إي، قواعد التفسير، نأخذ قاعدة؛ وهي من أين نأخذ تفسير الآيات الكريمة.
* طالب: أخذناها.
* الشيخ: أخذناها، ثانيًا: النسخ، أخذناها.
ثالثا: المكي والمدني؟ المكي والمدني نسبة إلى مكة وإلى المدينة، يتبادر إلى الذهن أن المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة، ولكن المشهور عند أهل العلم أن المكي ما نزل قبل الهجرة وأن المدني ما نزل بعد الهجرة حتى لو كان في مكة، هذا الذي عليه الجمهور، وهو أضبط من أن نقول: المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة؛ لأن هناك قسمًا ثالثًا وهو أن بعض الآيات ينزل في السفر لا في مكة ولا في المدينة، وأيضًا انضباط هذا صعب أن نقول: هذه الآية نزلت في مكة، وهذه الآية نزلت في المدينة، ووجه صعوبته أنه ليس ترتيب القرآن الكريم على حسب النزول وإذا لم يكن على حسب النزول صعب التمييز، فما ذهب إليه الجمهور هو الصواب؛ أن المكي ما نزل قبل الهجرة ولو نزل في المدينة أو في أي مكان.
وقوله: (ولو نزل) يعني على فرض، وإلا من المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما ذهب إلى المدينة إلا بعد الهجرة، وأن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو نزل في مكة أو أي مكان.
ثانيا: نرى بعض الأحيان أن بعض العلماء رحمهم الله يقول: هذه السورة مكية إلا آية كذا وكذا، هذه السورة مدنية إلا آية كذا وكذا، وهذا يحتاج إلى الدليل، هذا الاستثناء يحتاج إلى دليل، أما مجرد أنه اشتهر فهذا لا يُقْبَل، لماذا؟ لأنه مرسل؛ إذ لا بد من سند من الراوي إلى الرسول ﷺ، وإلا فلا يقبل، فالأصل أن جميع آيات السور المكية مكية وأن آيات السورة المدنية مدنية إلا أن يكون هناك دليل صريح فحينئذ نوافق عليها.
ثم إن الغالب في الآيات المكية التحدث عن التوحيد وعن البعث؛ لأن المقام يقتضيه، فقد نزل بين قوم ينكرون التوحيد وينكرون البعث، ولهذا تجدون في الآيات المكية أكثر ما يكون هو هذا، في الآيات المدنية أكثر ما يكون في فروع الدين والمعاملات وما أشبه هذا؛ لأن الناس قد ثبت ورسخ في قلوبهم التوحيد والإيمان بالبعث وبقيت شرائع الإسلام الأخرى فتجدون السور المدنية تتحدث عن هذا.
هناك أيضًا أمر آخر وهو أننا نجد أن قصة موسى عليه الصلاة والسلام تكررت كثيرًا في القرآن أكثر من غيرها على وجه الاختصار أحيانًا وعلى وجه البسط أحيانًا؛ وذلك لأن الرسول علية الصلاة والسلام علم الله عز وجل أنه سوف يرتحل إلى المدينة، والمدينة فيها أناس من اليهود، واليهود أهل كبر وغطرسة فكان من الحكمة أن النبي ﷺ يعلم عن قصة موسى جملة وتفصيلًا بسطًا واختصارًا حتى يكون على أُهْبَة الاستعداد لما سيواجَه من هؤلاء اليهود، وحتى يكون ما ذكر في القرآن الكريم مطابقًا تمامًا لما جاء في صحيح التوراة فيشهد علماء بني إسرائيل على أن القرآن حق كما قال عز وجل ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧].
أيضًا جميع الأنبياء الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم كلهم من الجزيرة وما حولها؛ لأن هذا هو الذي يعرفه العرب ويتداولونه بينهم، أما ما في أمريكا وما في أقصى آسيا وما أشبه ذلك فإنه لم يأت عنهم ذكر على وجه التفصيل لكننا نعلم أن الله قد بعث إليهم رسولًا كما قال عز وجل ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] لكن الله لم يقصه علينا؛ لأنه قص علينا ما كان الناس يعرفونه ويتداولونه حتى يميز الصحيح من غير الصحيح، وحتى تكون الأخبار المتداولة مُؤَيِّدَة لما في القرآن، والقرآن مؤيد لها.
أيضًا بالنسبة لما يهمنا من العلم بالمكي والمدني هو أن نعرف أن البلاغة تقتضي مخاطبة الناس بما تقتضيه أحوالهم؛ ففي المكي نجد أن الآيات شديدة قوية؛ لأنها تصادم أناسًا أشداء أقوياء بلغاء فصحاء، ونجد أن الآيات المدنية في غالبها سهلة لينة؛ لأنها تخاطب أناسًا قد رسخ في قلوبهم الإيمان ولا يحتاجون إلى شدة، وهذا ظاهر، اقرأ سورة القمر تجد كيف كانت آياتها عظيمة تزلزل القلب في الواقع لمن تأملها جيدًا؛ لأنها تتحدث بين قوم عتاة مستكبرين فكانت الآيات مناسبة تمامًا لمقتضى الحال، وهذا هو غاية البلاغة.
أما هل تُنْسَخ الآيات المكية بالآيات المدنية؟ فهذا نعم، قد تنسخ؛ لأن كونها مدنية وقد قررنا أن المدني ما نزل بعد الهجرة، إذا كان فيه حكم مخالف لما في الآيات المكية ولم يمكن الجمع قلنا: إن السور المدنية ناسخة للسور المكية، والله أعلم.
* من فوائد الآية الكريمة: وجوب المماثلة في جزاء الصيد، لكن بماذا تكون المماثلة؟ هل هو في الحجم أو في الشبه أو بماذا؟ المماثلة تكون بالشبه، ولكن لا تلزم المطابقة، حتى إن العلماء قالوا رحمهم الله، بل الصحابة قالوا: إن الحمامة فيها شاة، بماذا تشبه الشاة كيف تكون مثالًا لها، الحمامة تطير والشاة لا تطير، الشاة تختلف عن الحمامة بأنها ذات أربع أرجل وهذه ذات رجلين، المهم وجه المماثلة أنها تشبه الحمامة في الشرب شرب الماء، الحمامة تَعُبُّ الماء، والشاة تعب الماء، يعني ما هي بتشرب شوي شوي، الآن نجد أن الدجاجة مثلًا هل هي تَعُبُّ الماء تصوروها، يعني أيش تعمل؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: يعني جرعة جرعة، ما تَعُبُّ الماء، فالمماثلة تجدونها أحيانًا في شيء يسير.
فإن قال قائل: قوله ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ هل هذا يختلف باختلاف الزمان بمعنى أن نجعل في كل سنة حكامًا يحكمون بالمثل أم ماذا؟
نقول: إن العلماء رحمهم الله قالوا: ما حكمت به الصحابة فإنه لا يُغَيَّر، ومن باب أولى ما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُغَيَّر؛ لأن الصحابة أقرب إلى فهم القرآن الكريم من غيرهم؛ ولأنهم يعيشون في الجزيرة ويعرفون المشابهة فقولهم أحق بالاتباع من غيرهم؛ وعلى هذا فما قضت به الصحابة لا يُغَيَّر حتى لو جاء متحذلق وقال: هذا الجزاء ليس مثل الصيد فإننا لا نقبله، مهما بلغ في الطب، ومهما بلغ في الخبرة، وما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام من باب أولى فإنه عليه الصلاة والسلام «جعل في الضَّبُع شاة»[[أخرجه أبو داود (3801)، وابن ماجه (3085) من حديث جابر بن عبد الله بلفظ: هو صيد ويجعل فيه كبش إذا صاده المحرم.]]، الضبع جعل فيه شاة وعليه فتكون الشاة مماثلة للضبع، ويستدل بهذا الحديث على أن الضبع حلال وأنها من الصيد، وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله أن على حل الضبع.
وأما ما لم تحكم به الصحابة، فهل يُرَدُّ إلى أقرب شيء حكمت به الصحابة؟ ونقول مثلًا: إذا كان هذا الصيد الذي لم تحكم به الصحابة مماثلًا للصيد الذي حكمت به الصحابة أو مقاربًا له جعلنا فيه ما حَكَمَت به الصحابة أو نستأنف حكمًا جديدًا؟
الصواب: الأول؛ لأن ما يشبه ما قضت به الصحابة يكون مقيسًا عليه، والقياس أولى من حكم متجدد؛ لأنه قد يتجدد حكم يخالف تمامًا ما قضت به الصحابة، أما ما لم يشبه ما قضت به الصحابة فإنه يُرْجَع فيه إلى قول شاهدين حَكَمَيْن ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
ماذا يستلزم الحكم؟ يستلزم الخبرة بأن يكون هؤلاء الحكمان ممن لهم خبرة بمعرفة الصيود وما يقاربها أو يشابهها من النعم.
والثاني: الأمانة؛ أن يكون عندهم أمانة بحيث لا يحكمون لشخص بهذا المثل ولشخص آخر بخلافه، لا بد أن يكونوا أمناء خبراء؛ وذلك بناء على القاعدة المعروفة التي دل عليها قول الله تعالى ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦] القوي يعني ذو الخبرة، أو القوي علي العمل، وقوة كل شيء بحسبه، وقال الجِنِّي لسليمان -عفريت من الجن- قال له: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش ملكة سبأ ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩]، فهذان الركنان في كل عمل القوة والأمانة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من العدالة في الحَكَمَيْن بقوله ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والأمانة التي ذكرناها هي جزء من العدالة.
فإن قال قائل: وهل يصح أن يكون القاتل أحد الحكمين؛ مثل أن يكون هذا القاتل عنده خبرة وعنده علم، وقال: أرى أن هذا الصيد يماثل هذا النوع من النَّعَم، فهل يُقْبَل قولُه مع واحد آخر؟
فيه خلاف، ولا بد من توبته، أما إذ لم يتب فمن المعلوم أنه ليس من ذوي العدالة فلا يُقْبَل، لكن إذا علمنا أن الرجل نَدِمَ وتأسَّف وتاب إلى الله وقال: أنا عندي معرفة، فمن العلماء من قال: يُقْبَل قولُه، ومنهم من قال: لا يُقْبَل قولُه؛ لأنه مُتَّهَم فهو في الحقيقة يحكم لمن؟ يحكم لنفسه فلا يُقْبَل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جزاء الصيد لا بد أن يصل إلى الحرم؛ لقوله ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة ٩٥] فلو قُدِّرَ أن إنسانًا أحرم من ذي الحليفة وقتل صيدًا في بدر، فإنه يجب عليه أن يجزي هذا الصيد في أي مكان؟! في مكة ولا بد، بخلاف غيره من المحظورات فإن غيره من المحظورات -غير جزاء الصيد- يكون في المكان الذي حصل فيه فعل المحظور؛ بدليل أن النبي ﷺ أمر كعب بن عُجْرة «أن يَفْدِي عن حَلْقِ رأسه في مكانه، ليس في مكة»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٠) من حديث كعب بن عجرة.]] وعلى هذا فيقال: جميع محظورات الإحرام يجوز أن يَفْدِي عنها في مكانها إلا الصيد فإنه يجب أن يكون في مكة، ولو كان قتله خارج الحرم.
فإن قال قائل: وهل يجوز أن ننقل فدية غير جزاء الصيد إلى مكة؟
قال العلماء رحمهم الله: إنه يجوز أن يُنْقَل إلى مكة؛ لأن هذه الفدية إنما وجبت لشيء يتعلق بالإحرام، ومنتهى الإحرام مكة، فيجوز أن نُؤَخِّر الفدية إلى الوصول إلى مكة، وليس كالزكاة تُفَرَّق في مكانها، ثم إن الغالب أن إيصاله إلى مكة أشقُّ على الإنسان مما لو فداه في مكانه، وهذا صحيح؛ يعني معناه من وجبت عليه فدية محظور فله أن يفديها في مكانه، وله أن يَنقُلها إلى مكة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للإنسان أن يعدل عن جزاء الصيد من النَّعَم إلى الكفارة بإطعام المساكين؛ لقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ على التخيير أو على الترتيب؟
* طلبة: على التخيير.
* الشيخ: على التخيير؛ لأن (أو) كلما جاءت في القرآن في الأحكام الشرعية فهي للتخيير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفداء كفارة للذنب وستر له في الدنيا وفي الآخرة؛ لقوله ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المساكين لا يُحْصَرون بعدد معين، بل له أن يطعم أجزاء، كل ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أطلق كفارة مساكين وأقلهم ثلاث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للإنسان أن ينتقل في جزاء الصيد عن المِثْل وعن الإطعام إلى الصيام؛ لقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، ولكن كيف المعادلة؟
قيل: المعادلة أن يصوم عن كل نصف صاع يومًا، واستدل هؤلاء العلماء بأن النبي ﷺ جعل نصف الصاع يعادل كم؟ نَذْكُر فدية الأذى؛ قال لكعب بن عجرة: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٨١٤)، ومسلم (١٢٠١ / ٨٠).]]، ثلاثة أيام بدل، كم من (...)؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
وقال بعض أهل العلم: بل يُقَدَّر الطعام ثم يوزع على كل مسكين مُدٌّ، إذا كان الطعام كثيرًا لزم أن تكون أيام الصيام كثيرة، إذا قدَّرْنا مثلًا أن الطعام قُدِّر بخمسين صاعًا وقلنا: المسكين يُطْعَم بمُدٍّ، كم؟ مئتين يوم.
لكن بعض أهل العلم قال: إنه لا يتجاوز بالصيام ستين يومًا؛ لأن أعلى ما ورد في الكفارة بالصيام كم؟ شهران، و هي ستون يومًا، أما أن نلزمه بأن يصوم ستة أشهر، أو ما أشبه ذلك فهذا يحتاج إلى دليل، فنقول: إننا نُقَدِّر الصيام، ولكننا لا نتجاوز أكثر الكفارات وهي ستون يومًا، والمسألة لم تنضج عندي كثيرًا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التعزير بالمال؛ لأن هذا القاتل أُلْزِم بهذه الفدية ليذوق وَبَالَ أمرِه، فهو نوع من التعزير.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قال: إنه لا تعزير في المال إلا ما جاءت به الشريعة فقط ولا يتجاوز؛ فالغالُّ مثلا يُحَرَّق رحلُه كله إلا السلاح -الغال من الغنيمة- وكاتم الضالة تُضاعَف عليه العقوبة.
فما ورد به النص أخذنا به وما لم يرد به النص فإننا لا نعزر بالمال؛ لأن المال إذا عَزَّرْنا به فقد أخذنا أموال الناس بغير حق، وأموال الناس محترمة، ولكن الصواب المقطوع به بلا شك أنه يجوز التعزير بالمال.
فإننا نقول: ألستم تجيزون أن يُعَزَّر بالضرب؟ فالجواب: بلى، الضرب محرم ولَّا غير محرم في الأصل؟ محرم، فليس التعزير بالمال أشد من التعزير بالضرب، قد تكون إهانة الإنسان بضربه أمام الناس أشد عليه من آلاف الريالات.
فالصواب أنه يجوز التعزير بالمال، ويجوز التعزير بالضرب، ويجوز بالحبس، ويجوز بعزله عن وظيفته، ويجوز (...) بين الناس؛ لأن المقصود هو تأديبه لكن لا يجوز التعزير بقطع عضو من أعضائه، فهذا حرام لا يجوز؛ لأن هذا -قطع العضو- لا يُستخلَف وهو جناية عن النفس واضحة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سعة عفوِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾.
* ومن فوائدها: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه، ولا كفارة ولا جزاء، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية؟ يمكن أو لا يمكن؟
ننظر ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (ما سلف) فعله الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلًا لم يُحرَّم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعله بعد نزول حكمه، ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق.
ومن فوائد الآية الكريمة: سعة عفو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة ٩٥].
* ومن فوائدها: أن من فعل محظورًا قبل العلم بالشرع فإنه لا إثم عليه ولا كفارة ولا جزاء، انتبه، هل يمكن أن نأخذ هذه الفائدة من الآية؟
* طالب: نعم.*
* الشيخ: يمكن أو لا يمكن؟ ننظر، ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ ما سلف فعله الصحابة قبل نزول حكمه، فهو أصلا لم يُحرَّم، وأما إذا كان الإنسان جاهلًا فقد فعله بعد نزول حكمه، ويكون هذا المانع من العلم خاصًّا به، فبينهما فرق؛ بين شخص فعل محظورًا لم يحرَّم وشخص آخر فعل محظورًا قد حُرِّم ولكنه جاهل، فالصورتان لا شك أنهما مفترقتان.
لكن يقال: لماذا عفا الله عنه؟ للجهل لا شك؛ لأنه ما نزل حكم، فالصواب: أن جميع الشرائع لا تلزم مع الجهل، لكن ربما يكون الإنسان قد فرَّط وقصَّر في الطلب؛ بمعنى أنه قيل له: إن هذا واجب أو إن هذا حرام، وقصَّر في طلب الحق وصار كما يقول العوام الذي يستدلون بالقرآن إذا كان موافقًا لهواهم: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]، وهذا تنزيل للقرآن في غير محله، فالصحيح على كل حال أن الجاهل معذور لا يأثم، ولا تلزمه الكفارة، ولا غير ذلك.
فإن قال قائل: ينتقض هذا عليكم بقصة الرجل الذي جامع زوجته في رمضان وأتى يستفتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه لا يدري ماذا عليه؟[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٣٦)، ومسلم (١١١١ / ٨١) من حديث أبي هريرة.]]
فالجواب: أن الرجل ليس جاهل، الرجل عالم بالحكم لكنه جاهل بما يترتب على الحكم، والجهل بما يترتب على الحكم ليس بعذر؛ لأن الفاعل قد انتهك المحظور عن علم فليس له عذر، وعليه فيفرق بين الجهل بالحكم والجهل بما يترتب على الحكم.
ومثل ذلك: لو أن رجلًا يعلم أن الزنا حرام فزنى وهو ثيِّب، فما عقوبته، ما حده؟ الرجم، فقال: امسكوا، لو علم أن حده الرجم ما زنى، فنقول: لا نمسك؛ لأن الجهل بما يترتب ليس بعذر، أنت الآن فعلت الزنى معتقدًا أنه حرام وتعلم أنه حرام فلا عذر لك.
ولهذا لو سألك سائل قال: ما تقول فيمن زنى وهو جاهل أتقيم عليه الحد أم لا؟ إن قلت: لا، أخطأت، وإن قلت: نعم، أخطأت، فأقول: إن كان جاهلًا بالحكم أيش؟ فلا يقام عليه الحد، وإن كان جاهلًا بالعقوبة أقيم عليه الحد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العفو لله عز وجل، ومن أسمائه تعالى العفوُّ، وفي الدعاء المأثور الذي ذكره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأم المؤمنين عائشة حين سألته: «أرأيت يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»[[أخرجه الترمذي (٣٥١٣)، وابن ماجه (٣٨٥٠) من حديث عائشة.]]، تحب العفو منك لعبادك والعفو من عبادك لإخوانهم فاعف عني.
فما هو العفو؟ العفو عدم المؤاخذة على الذنب، والأكثر أن العفو في ترك الواجب، والمغفرة في فعل المحرم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من عاد إلى قتل الصيد بعد علمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥].
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الاسم الكريم (العزيز) لله عز وجل، والعزيز بمعنى الغالب الذي لا يغلبه أحد، والعزيز بمعنى الذي يمتنع عليه النقص بأي وجه من الوجوه، والعزيز هو ذو العزة التي تكسب من اتصف بها قدرة وسلطانًا وغير ذلك.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى ذو انتقام، لكن ممن؟ من المجرمين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]؛ ولهذا لا يوصف الله تعالى بالانتقام مطلقًا، ولا يسمى بالمنتقم؛ لأن الله تعالى قيد الانتقام بمن؟
* طالب: بالمجرمين.
* الشيخ: بالمجرمين، فنقيد ما قيَّده الله عز وجل.
وهنا كلمة ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ لا تدل على أنه وصف مطلق لله، بل ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحب انتقام فقط، لكن ممن؟ من المجرمين.
* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- مشكلة العذر بالجهل في حديث أسامة لما قتل الرجل (...) رضي الله عنه، (...) جاهل بالحكم، أو أنه مجتهد وأخطأ؟
* الشيخ: إي، هو متأول.
* الطالب: وغضب عليه النبي ﷺ غضبًا شديدًا[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٦٩)، ومسلم (٩٦ / ١٥٩) من حديث أسامة بن زيد.]]؟
* الشيخ: نعم، ما فيه شك؛ لأن المسألة خطيرة؛ مسألة القتل، أليس المخطئ عليه الكفارة؟ القتل له شأن خاص.
* الطالب: يعني غضب النبي ﷺ تأنيبًا لأسامة أم تحذيرًا منه؟
* الشيخ: لا، تحذيرًا، وإلا لقتله؛ لأنه قتل نفسًا معصومة، الرجل هذا لما قال: لا إله إلا الله، عصم.
* طالب: أحسن الله إليك، قلنا: اختلف العلماء في هل يعادل بالصيد أو بمثله، القول الراجح في هذه المسألة؟
* الشيخ: إحنا ذكرنا هذا.
* الطالب: لا، ما..
* الشيخ: ما ذكرنا هذا؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لا، ذكرناه قلنا: الآية محتملة، ولو قال قائل بأنه ينظر للأحظ للفقراء؛ إن كانت قيمة الصيد أكثر قوَّمنا الصيد، إن كانت قيمة الجزاء أكثر قوَّمنا الجزاء، لو قيل بهذا لكان له وجه، قياسًا على قيمة العروض في الزكاة إذا كانت تبلغ النصاب في الذهب ولا تبلغ بالفضة أو بالعكس، بماذا نقوِّمها؟
* طالب: بالأحظ.
* الشيخ: بالأحظ، ثم قلنا أيضًا: ولو قال قائل بالعكس وهو: أن الأصل براءة الذمة فلا نلزمه بالأكثر لكان له وجه، فالآية عندي محتملة لهذا وهذا، والإنسان نرجو أنه إن أخذ بهذا لا يأثم، أو بهذا لا يأثم، ما ذكرت هذا؟
* طالب: الجزم.
* الشيخ: الجزم، الله أعلم.
* طالب: الآيات المكية اشتملت على أصول الدين من إثبات التوحيد والرسالة وهذه الأشياء لا يقع فيها النسخ، فكيف نقول: تنسخ الآية؟
* الشيخ: ما نقول (...)، أين أنت؟ هل قلنا: إن جميع الآيات المكية تنسخ؟
* الطالب: ليس جميعها.
* الشيخ: ليس جميعها.
* الطالب: لكن هي لم تأتِ بإثبات شرع؛ يعني حكم من أحكام الدين مثل الآيات المدنية؟
* الشيخ: كيف ما جاء بالإثبات؟ جاءت بأثبت الإثبات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: على أيش؟
* الطالب: يعني مثلاً حكم من أحكام الصيام أو شرب الخمر، أحكام..
* الشيخ: لا، الصيام فيه حكم، الصيام نسخ مرتين، بل ثلاث مرات.
* طالب: بعض العلماء يقول: الآيات المكية لا يقع فيها النسخ أبدًا؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح، أبدًا، غير صحيح، كلها تحتمل، لكن معلوم أن أصول الدين ما يمكن نسخها.
* الطالب: ما تقول: يقع النسخ في الآيات المكية في نفسها يعني؟
* الشيخ: لا، ما نقول هكذا، لكن نقول: الآيات اللي هي أصول الدين ما يمكن تنسخ.
* طالب: حديث أسامة رضي الله عنه فيه شهد باللسان، وهل من احتمى بمثل ما احتمى ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله يعصم دمه؟
* الشيخ: نعم، يعصم دمه حتى يتبين خلاف ما قال.
* الطالب: لو قال بهذا مشركون ومقاتلون ربما يعني..؟
* الشيخ: ما يخالف، ولهذا فعلًا في حرب الأفغان مع الروس بعضهم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، إذا يعني أدركهم المقاتلون.
المائدة 5:96
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٦ - ٩٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، لما بيَّن الله سبحانه وتعالى في الآيات الماضية حكم صيد البر للمحرم ذكر حكم صيد البحر فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، والمحِل هو الله عز وجل؛ لأنه الذي بيده التحليل والتحريم والإيجاب.
وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب للمقيمين في البلاد بدليل قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: السائرين؛ أي: المسافرين يتزودونه بأمتعتهم.
وقوله تعالى: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ﴿صَيْدُ﴾ بمعنى (مصيد)، وهو ما أخذ حيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يطعم بدون صيد، وهو ما يلفظه البحر من السمك والحوت، فيكون على هذا كل ما في البحر حلال، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.
وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن تتمتعوا به، وقد بيَّن الله تعالى في آيات أخرى أنه سخر البحر لنأكل منه لحمًا طريًّا، وكما هو مشاهد الآن أن لحم البحر من أطيب اللحوم.
وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ﴿حُرِّمَ﴾ المحرِّم هو الله عز وجل، وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ هل المراد بصيد البر مصيدُه؛ أي: ما صيد، أو المراد أن تصيدوه؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني هو المراد؛ لأن المصيد فيه تفصيل على ما سبق؛ يعني: حرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البر، هذا المعنى يحتاج إلى تقدير، والتقدير: صيدكم صيد البر؛ لأن البر لا يُصاد، فلا بد من تقدير.
أما إذا قلنا: إن الصيد بمعنى المصيد، فإنه لا حاجة إلى التقدير، ويكون معنى ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾ يعني: ما صيد فيه، وقد مر علينا أن الصيد المحرَّم كل أيش؟ حيوان بري حلال متوحش.
وقوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: حالة كونكم محرمين حتى تحلوا.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أعمُّ ما قيل في تفسير التقوى أنها: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الذي) صفة للاسم الكريم (الله)، و﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ صلة الموصول، وقُدِّم الجار والمجرور على عامله لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات، ففي ذلك فائدة معنوية وفائدة لفظية؛ الفائدة المعنوية: الحصر، والفائدة اللفظية: مناسبة رؤوس الآيات.
ومعنى ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون إليه، وذلك يوم القيامة، فإن الناس يحشرون إلى الله تبارك وتعالى كما جاء ذلك في السنة مبينًا.
* في هذه الآية فوائد؛ منها: حِلُّ صيد البحر للمحلين والمحرمين، ويؤخذ من قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
* ومن فوائدها: أنه لو وجد ماء فيه سمك داخل حدود الحرم فإنه يكون حلالًا؛ لعموم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وهذا هو القول الراجح.
وقال بعض أهل العلم: بل هو حرام وفيه الجزاء؛ لأنه في مكان آمن.
وقال آخرون: هو حرام لكن لا جزاء فيه، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنه حلال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع حيوان البحر حلال، يؤخذ من الإضافة ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، والإضافة تقتضي العموم، فيشمل كل ما في البحر من سمكٍ وحيتانٍ، صغير وكبير، مشابه للإنسان، مشابه للذئاب، مشابه للخنزير، أي شيء؛ لأنه عام ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن جميع ما في البحر مما يطعم من سمك وأشجار وغيرها حلال؛ لعموم قوله ﴿وَطَعَامُهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في حل صيد البحر دون صيد البر؛ لأن الأول تناوله سهل ولا يلهو به الإنسان كما يلهو به في صيد البر، ثم هو صيد خفي في باطن المياه، فلا يكون كالصيد الظاهر على سطح الأرض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى جواز ادِّخار لحم البحر، تؤخذ من قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ يعني: السائرين في السفر.
وهل مثل ذلك لحم صيد البر؛ يعني في غير الإحرام؟
الجواب: نعم، لكن يشترط في ذلك ألَّا يصل إلى حد الضرر، فإن وصل إلى حد الضرر بأن أنتن وقبحت رائحته وخيف على الإنسان منه صار إما مكروهًا، وإما حرامًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحريم صيد البر على المحرمين؛ لقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
وقد عرفتم هل المراد مصيده أو صيده؟ فإن كان المراد صيده فالأمر ظاهر، ولا إشكال فيه أنه يحكم على المحرم أن يصيد صيد البر، لكن إذا قلنا: المراد المصيد، فهل نأخذ بعموم الآية ونقول: إن المصيد من البر حرام على المحرم سواء صاده هو، أو صيد لأجله، أو صاده حلال لغيره؟ وقد عرفتم الخلاف في هذا؛ أن بعض العلماء يقول: إن المحرم لا يجوز أن يأكل من صيد البر سواء صيد له أو صيد لغيره أو صاده بنفسه، وبيَّنا فيما سبق أن القول الراجح من أقوال العلماء: أنه إن صاده المحرم فهو حرام، وإن صيد له فهو حرام، وإن صاده حلال لنفسه فهو حلال للمحرم، وهذا هو القول الراجح الذي تجتمع فيه الأدلة.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يحل الصيد؛ صيد البر لمن حلل التحلل الأول، وجه ذلك: أن من حل التحلل الأول لم يزل محرمًا، باقٍ عليه من محظورات الإحرام النساء، أفهمتم؟ هذا ما ذهب إليه بعض أهل العلم وقال: إنه لا يحل الصيد بعد التحلل الأول كما لا يحل النساء، ولكن قد دلت السنة على أنه إذا حلَّ التحلل الأول حلَّ له كل شيء إلا النساء[[أخرج أبو داود (١٩٧٨) من حديث عائشة : «إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ».]].
بقي أن يقال: الذي يحل التحلل الأول سيكون في منى، ومنى من الحرم، فهل تجيزون للمحرم في هذا المكان أن يصيد؟
الجواب: لا، لا نبيح له ذلك؛ لأنه في الحرم، وصيد الحرم حرام على المحِل وعلى المحرم، لكن لو فرض أن هذا المحرم خرج إلى عرفة، وعرفة من الحل، فهل يجوز أن يصيد أو لا؟ ينبني على الخلاف؛ من قال: إن الصيد لا يحل للتحلل الأول قال: لا يحل أن يصيد، ومن قال: إنه يحل له كل شيء إلا النساء -وهو القول الراجح- قال: له أن يصيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله تعالى والحذر من مخالفته فيما فرضه من هذه الأحكام؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من عقوبة اليوم الآخر؛ لقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات اليوم الآخر الذي يكون به الحشر إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحشر إلى الله لا إلى غيره، فهو الذي يتولى عقاب عباده أو إثابتهم، وهو نظير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥، ٢٦].
المائدة 5:97
ثم قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة ٩٧] هذه أربعة أشياء جعلها الله تعالى قيامًا للناس، أولًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ هذا الجعل هل هو جعل شرعي، أو جعل كوني، أو هما جميعًا؟ الظاهر الثالث: أن الله جعل ذلك كونًا وشرعًا.
وقوله: ﴿الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الكعبة في الأصل هو البناء المربع، لكن قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ خرج به كل مربع سوى الكعبة المشرفة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وصفًا مخرجًا لغيره وليس بيانًا أو بدلًا، بل هو وصف مخرج لغيره من الكعبات، وقوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: ذو الحرمة، وحرمة مكة أمر معروف.
وقوله: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ ، ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: تقوم به مصالح دينهم ومصالح دنياهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥] أي: تقوم بها مصالح الدين والدنيا، إذن الكعبة جعلها الله تعالى قيامًا للناس تقوم بها مصالح دينهم ودنياهم، أما مصالح الدين فظاهر؛ حج وعمرة بما فيهما من الأنساك، وأما مصالح الدنيا فقد قال الله تعالى مشيرًا إليها: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج ٢٨]، ثم إن هذه الكعبة يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقًا من عند الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: وجعل الشهر الحرام قيامًا للناس، وهل المراد به الجنس أو شهر واحد؟ المراد الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وإنما جعل الله الأشهر الحرم قيامًا للناس؛ لأنهم يأمنون فيها؛ حيث إن القتال فيها محرم، حتى في الجاهلية لا يمكن أن يكون قتال في هذه الأشهر الأربعة: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، رجب، أما الثلاثة الأولى فلأنها أشهر الحج؛ يعني: الأشهر التي يسافر الناس فيها إلى مكة ويرجعون منها، يسافرون في ذي القعدة ويرجعون في المحرم، ومن المعلوم أن المحرم ليس من أشهر الحج لكن بدله أيش؟ شوال، لكنه من حرمات الحج؛ إذ إن الناس يسافرون في شهر ذي القعدة للحج ويرجعون في شهر محرم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية لا يمكن أن يعتدي أحد على أحد في هذه الأشهر أبدًا، حتى لو وجد قاتل أبيه لم يقتله.
رجب هذا أيضًا شهر معظم في الجاهلية كالأشهر الثلاثة لا يمكن القتال فيه، فيأمن الناس في هذه الأشهر وتقوم مصالحهم، يسافرون ويؤوبون إلى بلادهم لا أحد يتعرض لهم.
هذا الثالث أو الرابع؟ الثالث: الهدي جعله الله تعالى قيامًا للناس في دينهم ودنياهم؛ أما في دينهم فبالثواب الذي ينالونه من الله عز وجل، وأما في دنياهم فالبيع والشراء، والأكل، والانتفاع بالجلود، وما أشبه ذلك، فالهدي إذن قيام للناس.
وأما قوله: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ ففيها قولان؛ القول الأول: أنهم كانوا في الجاهلية إذا حج الإنسان أو اعتمر صنع قلادة من لحاء الشجر؛ من الثمر أو غيره قلادة يتقلد بها ليعلم أنه حاج فيحترم، شوف عجائب! عادات غريبة، إذا حج أو اعتمر صنع قلادة يتقلدها، إذا رآه أحد قال: هذا حاج أو معتمر.
القول الثاني: أن المراد بالقلائد ما يقلد الهدي؛ لأن الهدي يقلد في رقبته بما يشعر أنه هدي وهو: آذان القِرَب، النعال الخلقة البالية تعلق في أعناق الهدي إشارة إلى أنه هدي فيحترم، حتى قال بعضهم: إن الرجل في الجاهلية يأكل العصب من الجوع ولا يمكن أن يذبح أو ينحر هذا الهدي؛ لأن عليه علامة وهي القلائد.
القلائد تكون في الغنم، وتكون في الإبل، وتكون في البقر، وتزيد الإبل بالإشعار وهو شق سنامها حتى يسيل الدم، فيعرف الناس أن هذه من الهدي، هذه كلها جعلها الله تعالى قيامًا للناس.
فلننظر إلى الإعراب ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾ أين مفعول ﴿جَعَلَ﴾ الأول؟
* طلبة: ﴿الْكَعْبَةَ﴾.
* الشيخ: ﴿الْكَعْبَةَ﴾، والثاني: ﴿قِيَامًا﴾.
وقوله: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أيضًا معطوفة على ﴿الْكَعْبَةَ﴾، وعلى هذا فيكون المفعول الثاني في المعطوفات مقدَّرًا؛ أي: والشهر الحرام قيامًا، والهدي قيامًا، والقلائد قيامًا للناس.
* طالب: أهل الجاهلية يعظمون الأشهر الحرم هل أخذوا هذا من دين سابق، أم يعني..؟
* الشيخ: لا أعلم أنه من دين سابق، لكنه جارٍ بينهم ومعروف، لكن لا أعلم أنه من دين سابق.
* طالب: الحكمة يا شيخ في تحريم صيد البر في الإحرام، والحل البحر أحل للمحرم، هل هو يتفاضل يا شيخ أو هذه حكمة جعلها الله للناس؟
* الشيخ: لا، يتفاضل، إحنا ذكرنا في تحريم صيد البر أن الحكمة من ذلك لئلا يتلهى الإنسان وينساب وراء الصيود، وأما البحر فلا يتأتى فيه ذلك؛ أولًا: إن البحر لا يكاد أحد يحرم من البحر إلا من مرَّ به، وثانيًا: أن البحر حتى لو فرضنا أن أحدًا من الناس أحرم من البر فيجوز أن يخوض البحر ويصيد، لكن هذا نادر؛ ولهذا لا حكم له.
* الطالب: يعني التحليل والتحريم ما بينهما تفاضل؟
* الشيخ: لا، بينهما فرق واضح، أحل صيد البحر؛ لأن الناس لا يتلهون به كثيرًا في حال الإحرام، أما في الحرم فليس في حدود الحرم بحر، لكن لو فرض أن بحيرة اصطناعية صار فيها سمك فإنه يكون حلالًا؛ لأنه من صيد البحر.
* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على الساحل؛ ساحل البحر حيوانات لا دم لها.
* الشيخ: لا دم لها؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي، مثل؟
* الطالب: ما يعني ما هي معروفه إلا عند أهل الساحل أسماء غريبة يعني.
* الشيخ: لكنها تعيش في البر ولا..؟
* الطالب: تعيش في البر وربما تعيش في البحر، وآخر ما رأيت بالساحل.
* الشيخ: هذه يقول بعض العلماء: إذا كان أكثر حياتها في البحر فهي بحرية ولو عاشت في البر، وبعضهم يقول: لا، ما دام عاشت في البر فإنها ليست بحرية، إلا إذا كان عيشها في البر كحركة المذبوح؛ يعني: لما خرج بالسمكة بقيت تضطرب حتى ماتت، هذه لا عبرة بها.
* الطالب: والطيور التي تتغذى على السمك؟
* الشيخ: على السمك؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: برية.
* الطالب: برية، لكن كل أكلها جميعًا السمك فقط.
* الشيخ: ما يخالف.
* الطالب: حلال أم حرام؟
* الشيخ: لا، حرام صيدها؛ لأنها من صيد البر.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٧ - ١٠٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ مر علينا أن السمك والحيتان الميت حلال فمن أين يؤخذ؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
* الشيخ: وجه الدلالة؟
* الطالب: يعني: كل ما في البحر هو حلال.
* الشيخ: لكن ما وجه الدلالة من أن الميت يكون حلالًا؟
* طالب: صيد البر بمعنى المصيد.
* الشيخ: لا، نتكلم عن صيد البحر، إذا وجد ميتًا هل هو حلال ولَّا حرام، أخوك يقول أنه حلال وأتى بالآية لكن لم يبين وجه الاستدلال؟
* الطالب: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يا شيخ.
* الشيخ: ﴿وَطَعَامُهُ﴾.
* الطالب: يعني: غير المصيد الذي يكون ميتًا أصلًا، طعامه، هذا معناه.
* الشيخ: إذن طعامه ما وجد؟
* الطالب: ميتًا.
* الشيخ: ميتًا، تمام هكذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٠٠٠٧) من حديث ابن عباس.]].
قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ استنبطنا منها دليلًا على أيش؟
* طالب: هو أنه يجوز ادِّخار اللحم.
* الشيخ: يجوز ادِّخار اللحم وأكله بعد ادِّخاره، هل هذا يقيد بشيء؟
* الطالب: نعم يا شيخ.
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: ما لم ينتن، فيكون ضارًّا.
* الشيخ: ما لم ينتن فيكون ضارًّا، وحينئذٍ لا.
من أين نأخذ أنه يحرم؟
* طالب: مفهوم الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾.
* الشيخ: ترى ما هو لازم نأخذ الحكم من هذه الآية.
* الطالب: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة ٣].
* الشيخ: لا، ما أدري، ما هو حرام.
* الطالب: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]].
* الشيخ: معنا شيء أبين منه وأصح منه؛ لأن الحديث هذا فيه ما فيه من كلام أهل العلم، أتقرأ القرآن؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩] أفهمت؟ أجب قل: نعم ولَّا لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب هذه الآية تدل على هذا.
فإن قال قائل: هذه الآية تدل على أن الشيء الذي يؤدي إلى الهلاك هو الحرام، وما دون القتل فلا يدخل في الآية؟
* طالب: يجاب عنه «بحديث عمرو بن العاص رضي الله عنه في غزوة ذات السلاسل؛ حيث تيمم لما خاف البرد وقال: له النبي ﷺ: «أَصَلَّيْتَ بَأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَالَ:» ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [[أخرجه أبو داود (٣٣٤) من حديث عمرو بن العاص.]]، (...) النبي ﷺ وهو (...).
* الشيخ: أحسنت، نقول: الآية وإن كانت تدل على أن المنهي عنه هو القتل، لكن استدل بها عمرو بن العاص رضي الله عنه على جواز التيمم لخوف البرد أو المرض، فأقره النبي ﷺ على ذلك.
صيد البر المحرم؟
* طالب: صيد البر محرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
* الشيخ: إي، ما هو صيد البر؟
* الطالب: صيد البر هو ما صيد من الحيوانات وغيرها.
* الشيخ: إي، لكن ما هو الحرام؟ كل ما في البر حرام؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: كل حيوانٍ.
* الشيخ: كل حيوانٍ.
* الطالب: برِّي.
* الشيخ: برِّي.
* الطالب: متوحش.
* الشيخ: متوحش.
* الطالب: حلال.
* الشيخ: حلال.
ما معنى قولك: بري؟
* الطالب: البري غير المستأنس.
* الشيخ: خطأ، المتوحش ولًّا المستأنس؟
* الطالب: البري اللي يعيش في البر.
* الشيخ: يعني ما لا يعيش إلا في البر.
ما الفائدة من قوله: ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؟
* طالب: الفائدة من قوله: ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أن الحشر إلى الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
* الشيخ: لكن الفائدة من ذكرها بعد أن قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؟
* الطالب: تفيد اليوم الآخر.
* الشيخ: لكن ما الفائدة من كونها تأتي بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؟
* طالب: التهديد.
* الشيخ: التهديد؛ يعني: أنه لا مفر لكم من الله عز وجل فاتقوه.
ما الفائدة من تقديم الجار؟
* الطالب: الحصر.
* الشيخ: الحصر، أحسنت.
هل هناك قاعدة تؤسس عليها هذا الجواب؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: إذا قدم ما حقه التأخير فإنه يفيد الحصر.
* الشيخ: أحسنت، تمام، هذه قاعدة معروفة عند البلاغيين والأصوليين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ هذا الجعل شرعي أو قدري؟
* طالب: لا، شرعي.
* الشيخ: شرعي فقط؟
* الطالب: قدري كله.
* الشيخ: شرعي وقدري.
* الطالب: لا، شرعي.
* الشيخ: أجب هل هو شرعي ولا قدري؟
* الطالب: شرعي وقدري.
* الشيخ: شرعي وقدري.
﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ هل هو عطف بيان أو هو قيد؟
* طالب: عطف.
* طالب آخر: قيد.
* الشيخ: قَيْد، يخرج؟
* الطالب: يخرج جميع الكعبات غير كعبة مكة.
* الشيخ: غير الكعبة المشرفة، تمام، يعني: لو أن إنسانًا بنى كعبة؛ يعني بناء مربعًا وقال: هذه كعبة حجوا لها، نقول: لا؛ لأن الكعبة التي جعلها الله قيامًا هي البيت الحرام وهي الخاصة.
قوله: ﴿الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ واحد ولَّا ثلاثة ولَّا أربعة ولَّا خمسة؟
* طالب: جنس يا شيخ.
* الشيخ: يشمل؟
* الطالب: كل الأشهر الحرم.
* الشيخ: كل الأشهر الحرم، وعددها؟
* الطالب: أربعة.
* الشيخ: أربعة، ما هي؟
* الطالب: ذو القِعدة.
* الشيخ: ذو القَعدة.
* الطالب: ذو الحَجة.
* الشيخ: ذو الحِجة أفصح.
* الطالب: محرم، ورجب.
* الشيخ: أحسنت، تمام، إذن هذا عام.
ما وجه كون هذه الأشهر قيامًا للناس؟
* الطالب: قوله: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ (...) يحرم فيها القتال.
* الشيخ: يحرم فيها القتال، فيأمن الناس في أسفارهم وفي أوطانهم؛ لأنها أشهر محترمة حتى في..
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه الجعل؛ يعني: جعلنا ذلك لا عن جهل مثلًا، بل هو عن علم.
﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فقد جعل الله تعالى ذلك عن علم بما في هذه الأربعة من المصالح، فجعلها الله قيامًا للناس، وإنما ذكر الله عز وجل هذا من أجل أن يطمئن الناس أن الله جعلها قيامًا، وهذا الجعل صادر عن علم من الله عز وجل.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) من صيغ العموم فيشمل كل ما في السماوات وما في الأرض، و(السماوات) جمع (سماء)، وعددها سبعة، ثبت ذلك بالقرآن والسنة؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، والسنة متواترة في هذا أو مشهورة في هذا.
وقوله: ﴿الْأَرْضِ﴾ جاءت بالإفراد لكن عددها سبع؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، من المعلوم أن المثلية هنا لا يمكن أن تكون في الحجم والسعة وما أشبه ذلك؛ للفرق العظيم بين السماء والأرض، لكن المثلية في العدد، بدليل ما جاء في السنة: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.]]، إذن الأرض المراد بها الجنس، فيشمل الأرضين السبع.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ يعني: ولتعلموا أيضًا ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عز وجل، إن الله بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء، وعلم الله تبارك وتعالى من صفاته الذاتية، فهو عالم بما يكون إلى يوم القيامة وإلى ما وراء يوم القيامة، وهو لم يزل عليمًا بذلك من الأزل، لا يطرأ على علمه نسيان، ولا يسبقه جهل، سبحانه وتعالى.
* في الآية هذه فوائد كثيرة؛ منها: أن الله سبحانه وتعالى عظَّم هذه الكعبة المشرفة؛ حيث جعلها قيامًا للناس تقوم بها أمور دينهم ودنياهم.
* ومنها: أن لله سبحانه وتعالى أن يفضل ما شاء من خلقه، وهذا أمر معلوم، وله أمثلة في القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء ٥٥]، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وقال الله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤]، فلله سبحانه وتعالى أن يفضل ما شاء من خلقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكعبة حرام؛ أي: محترمة معظمة؛ ولهذا كان ما حولها حرامًا لا يقتل صيده ولا يقطع شجره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث يجعل لهم من مخلوقاته ما تقوم به مصالح دينهم ودنياهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الأشهر الحرم وأنها قيام للناس، وتعظيمها جاء في القرآن والسنة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا﴾ أي: من هذه الشهور ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦]، وكذلك جاء في السنة كما قال النبي ﷺ مقررًا ذلك: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٠٦)، ومسلم (١٦٧٩ / ٣٠) من حديث أبي بكرة.]].
فإن قال قائل: وهل يحرم فيها القتال؟
فالجواب: أن العلماء اختلفوا في هذا؛ فمنهم من قال: إن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ، ومنهم من قال: إنه محكم، فالأول عليه الجمهور: أنه منسوخ؛ لعموم الأدلة الدالة على قتال المشركين بدون تقييد، والثاني هو الراجح: أن الأشهر القتال فيها ممنوع، وما جاء عامًّا أو مطلقًا في النصوص الأخرى فهو كغيره من العمومات والمطلقات يكون مقيدًا بما دل عليه الكتاب والسنة من تحريم القتال في الأشهر الحرم.
فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ قاتل في الأشهر الحرم؛ كغزوة حنين؟
فالجواب: بلى، لكن هذا كان امتدادًا لفتح مكة، وفتح مكة لم يكن في الأشهر الحرم بل كان في رمضان، وعلى هذا فنقول: إذا اعتدى الكفار علينا في الأشهر الحرم، فلنا أن نقاتل ولو في الأشهر الحرم؛ لأن قتالنا هذا دفاع، والإنسان يجب عليه أن يدافع عن نفسه في أي مكان وفي أي زمان، حتى مثلًا في مكة القتال فيها حرام ولَّا غير حرام؟ حرام إلى يوم القيامة، لكن لو قاتَلَنا أهلُ مكة أو قاتلنا أحدٌ من غير أهلها في مكة فإننا نقاتله؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ١٩١].
إذن نقول: إذا ابتدأ العدو بقتالنا في الأشهر الحرم فلنا أن نقاتله، ثم هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة؟ ينظر فيه، لكن الكلام على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم باقٍ إلا إذا كان امتدادًا لغزو قبله أو ابتدؤونا هم أعداؤنا بقتال.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الهدي والترغيب فيه؛ لقوله: ﴿وَالْهَدْيَ﴾؛ يعني: أن الله جعله قيامًا للناس.
ولكن هل الهدي مربوط بالنسك، أو يجوز أن يهدي الإنسان إلى البيت ولو لم يكن نسك؟
الجواب: الثاني؛ أنه يجوز للإنسان أن يبعث الهدي إلى مكة وإن كان في بلده، كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعل[[أخرجه البخاري (٥٥٦٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
فإن قال قائل: وهل الهدي يسن سوقه في العمرة كالحج؟
فالجواب: نعم، يُسن، «كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة الحديبية، فإنه ساق الهدي في عمرة»[[أخرجه البخاري (١٦٩٤)، وأحمد في المسند (١٨٩١٠) واللفظ له من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مشروعية القلائد؛ لقوله: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾، ووجه ذلك أن فيها إظهارًا لشعائر الله عز وجل؛ لأن كل من رأى هذه النعم المقلدة عرف أنها هدي فعظمها واحترمها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أحكام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا﴾، واللام هنا للتعليل، ومن أسماء الله تبارك وتعالى الحكيمُ؛ الذي يضع الأشياء في مواضعها.
* ويتفرع على هذه الفائدة العظيمة: أن نؤمن بأن كل ما شرعه الله أو فعله الله فهو لحكمة، وحينئذٍ لا يلزمنا أن نبحث عن الحكمة أو نتمحل حكمة بعيدة قد تكون غير مرادة لله عز وجل، إن تبينت لنا الحكمة بسهولة فلا شك أن هذا من نعمة الله ويزيد الإنسان طمأنينة، وإن لم تتبين فإننا نعلم أنها لحكمة، لكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله عز وجل فيما شرع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على معرفة صفات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾، فينبغي لك أن تبحث عن صفات الله تبارك وتعالى، سواء الصفات التي ليس لها أسماء أو الصفات التي تتضمنها الأسماء، ابحث؛ لأنك كلما ازددت معرفة بالله وأسمائه وصفاته ازددت يقينًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله عز وجل، وجهه: إثبات العلم؛ أن الله يعلم ما في السماوات والأرض؛ لأن كل إنسان يهم بمعصية، سواء كان ترك واجب أو فعل محرم، إذا أيقن أن الله عالم به فإنه يخاف ويمسك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عموم علم الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض، نأخذه مِن؟ من اسم الموصول ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾.
* ومن فوائده: إثبات أن السماوات ذات عدد، لكن كم هذا العدد؟ بُيِّن في أدلة أخرى أنه سبع سماوات.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تكرار الثناء على الله عز وجل؛ لأن الله كرر عموم علمه بقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ثم أكد العموم بما هو أعم في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعني: هذا يعم ما في السماوات وما في الأرض مما يكون بعد فناء السماء والأرض، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
واعلم أن العلم -أعني صفة العلم- من أعم الصفات إن لم تكن أعم الصفات؛ لأن العلم يتعلق بالواجب، والممكن والمستحيل، والسابق واللاحق، فهي أعم ما يكون من الصفات -أعني العلم- فمن تعلقها بالمستحيل قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهل يمكن أن يكون فيهما آلهة إلا الله؟ لا يمكن، ومع ذلك أخبرنا الله عز وجل بنتيجة هذا لو فرض، وأنهما -أي السماوات والأرض- تفسدا.
ومن تعلقها -أي تعلق العلم بالواجب- كل ما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال فهو علم بالواجب؛ لأنه يجب لله صفات الكمال.
وتعلقها بالممكن كل ما أخبر الله به عن مخلوقاته، فهو من باب تعلق العلم بالممكن.
المائدة 5:98
ثم قال عز وجل لما ذكر عموم علمه بعد هذه الأحكام العظيمة قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ أي: علمًا يحصل به الامتثال، ﴿اعْلَمُوا﴾، فيجب علينا أن نعلم؛ لأن الله أمرنا بذلك، ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: المؤاخذة بالذنب، وسميت المؤاخذة بالذنب عقابًا؛ لأنها تعقبه، و﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قوي، كمًّا وكيفًا، أو كيفًا فقط؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: تأملوا.
* طلبة: كمًّا.
* طلبة آخرون: الأول.
* الشيخ: كمًّا لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، لكن كيفًا صحيح، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قوي العقاب إذا عاقب المذنب.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: واعلموا أيضًا أنه مع شدة عقابه غفور عن الذنوب، رحيم بعباده جل وعلا لا يكلفهم ما يشق عليهم، وإذا أخلُّوا به فهو يرحمهم عز وجل بالعفو.
قارن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠] تجد بينهما فرقًا؛ الفرق أن الآية ﴿نَبِّئْ﴾ أمر من الله للرسول أن ينبئ الخلق، وقدِّم الوصف بالمغفرة والرحمة على العذاب الأليم؛ لأن المقصود الإخبار عن صفة الله عز وجل، فقدِّم الجانب الذي فيه اللطف والإحسان، وهذه ذكرت عقيب أحكام عظيمة قد يُخِل بها المرء، فقدِّم فيها جانب أيش؟ جانب التهديد.
﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* في هذه الآية الكريمة: وجوب العلم عن يقين؛ لقوله: ﴿اعْلَمُوا﴾.
* ومن فوائدها: أن الله تعالى شديد العقاب لمن خالف أمره، سواء بفعل ما حرَّم أو بترك ما أوجب.
فإن قال قائل: ظاهر هذه الآية: أن الله سيعاقب من خالف أمره على كل حال؟
فالجواب: أنك إذا قرأت آخرها تبين لك أنه في مقابل ذلك هو غفور رحيم، ثم اقرنها بالآية أخرى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقاب، وهو مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وهما (الغفور والرحيم)، الغفور؛ أي: ذو المغفرة، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم يعني ذا الرحمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، فنثبت هذين الاسمين لله عز وجل، ونثبت ما دلا عليه من الصفة؛ وهي المغفرة في (غفور)، والرحمة في (رحيم).
وهل يثبت الأثر؛ يعني: الحكم المترتب على هذه الصفة؟
الجواب: نعم، يغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء.
ما الذي يترتب على هذين الاسمين والإيمان بهما؟ يترتب على ذلك أن يتعرض الإنسان لمغفرة الله عز وجل بفعل الأسباب التي توجبه، ويتعرض لأيش؟ للرحمة بفعل الأسباب التي تحصل بها الرحمة، عكس ما يظن بعض العوام، بعض العوام إذا نهيته عن معصية قال: الله غفور رحيم، فيظن أن هذا من باب تهوين المخالفة على العبد، وليس كذلك، بل هذا حثٌّ للعبد أن يفعل ما به المغفرة والرحمة.
* من فوائد هذه الآية: الجمع بين أسماء الله تبارك وتعالى التي ينتج من الجمع بينها وصف زائد على الوصف الذي تفيده بدون اجتماع.
فمثلًا: إذا قلنا: إنه غفور رحيم، صار المعنى: أنه غفور للذنوب، ورحيم لحصول المطلوب في الطاعات؛ ولهذا كان المعصية الواحدة بواحدة، والطاعات الواحدة بعشر، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
المائدة 5:99
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (ما) نافية، و﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾ خبر مقدم، و﴿الْبَلَاغُ﴾ مبتدأ مؤخر.
وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (أل) هنا للعهد، أي العهود؟
* طالب: ذهني.
* الشيخ: ذهني، إذن (أل) للعهد الذهني.
فمن المعهود ذهنًا بأنه رسول بالنسبة لهذه الأمة؟ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام.
و﴿الرَّسُولِ﴾ بمعنى المرسَل، وقوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: بلاغ الرسالة، وأما هداية الخلق فليست على الرسول عليه الصلاة والسلام، عليه أن يبلغ، وإذا بلغ انتهت وظيفته؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرون، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: تخفون؛ يعني المعنى: أن أعمالكم ليست إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وليس مسؤولًا عنها، وإنما الذي يحاسبكم عليها هو الله الذي يعلم ما تبدون وما تكتمون.
* طالب: اتقاء المعاصي في الأشهر الحرم هل لها.. يعني الذنب أعظم؟
* الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦]، هل الضمير في (هن) يعود على الأشهر الحرم أو يعود على ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؟ وفيها خلاف، لكن لا شك أن الذنوب في الأشهر الحرم أعظم؛ لأن الضمير سواء قلنا: عائد على الجميع أو عليهن يدل على تأكيد النهي عن الظلم في هذه الأشهر الأربعة، وللعلماء قاعدة في هذه المسألة يقولون: إنها تضاعف الحسنات والسيئات في كل زمان ومكان فاضل.
* طالب: بالنسبة للكفار يا شيخ وأهل المعاصي يكونون في الدنيا بعافية والأموال وسعة في الرزق، ولكن في الآخرة يا شيخنا ما (...)؟
* الشيخ: في الآخرة يقول الله عز وجل في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، وهم ليسوا من أهلها فلا رحمة، حتى إن الله عز وجل يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن تعذيبهم رحمة بالمؤمنين أن يروا أعداءهم وهم يعذبون في النار، إي نعم.
* طالب: بعض الناس -يا شيخ- يستدلون على أهل المعاصي بالأرزاق والصحة والعافية يقولون: لو أن الله سخط عليهم ما أعطاهم الأموال هذه ولا (...)؟
* الشيخ: وبعض العوام بالعكس، أنا أسمع من العوام مثلًا يقول: عطاه ما يدل على رضاه، وهو كذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢]، وهذا استدراج من الله تبارك وتعالى، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ»[[أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧٢)، والحاكم في المستدرك (٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، جعلنا الله وإياكم منهم.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]؛ أي: آلهة تصرف وتدبر شؤون الكون أو آلهة تعبد فقط؟
* الشيخ: لا، الأول، أو قال: آلهة حق؛ لأن الآلهة التي تعبد من دون الله وإن سموها آلهة فهي كما قال الله عز وجل عنها: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣] مجرد أسماء على غير مسمى.
* طالب: حفظك الله، في درس الأمس سأل أحد الأخوة أثناء الأذان عن الحيوانات التي تعيش في البر وفي البحر عيشة كاملة لا حركة المذبوح؛ التماسيح، الضفادع، السلاحف، ما أدري يا شيخ هل هذه يغلب جانب البر فيعتبر أنها محرمة؟
* الشيخ: لا؛ لأن التي تعيش كحركة المذبوح، كثير من السمك الكبار ما تموت على طول، تبقى لساعات، لكنها تكون مضطربة ومغمى عليها وتموت بعدين.
* الطالب: لكن التي تعيش عيشة كاملة تبيض في البر وتعيش في البحر؟
* الشيخ: إي نعم، بعض العلماء يقول: المعتبر الأكثر، إذا كانت تعيش في هذا وهذا فالمعتبر الأكثر؛ لأن الوصف الغالب هو الذي يعتبر، وبعضهم يقول: لا، تحرَّم تغليبًا لجانب الحظر.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: واللهِ الاحتياط أن يتركها، لكن لو فرض أنه وجد ميتة من صيد البر أو هذه، فهذه أولى.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قلنا: علم، وجهه، ما فهمت وجهه تعلق العلم؛ علم الله بالممكنات أو بالجائز، وجهه؟
* الشيخ: ويش معنى وجهه؟
* الطالب: يعني: تفسيره..
* الشيخ: مثلًا وجود الخلق من الممكنات أو المستحيلات أو الواجبات؟
* الطالب: الممكنات.
* الشيخ: من الممكنات، فالله تعالى يتحدث عن المخلوقات؛ خلق السماوات في ستة أيام، استوى على العرش، وما أشبه هذا، هذا من العلم بالممكنات، كذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: طيب، علمه أيضًا بما يكون من عقوبات المذنبين وإثابة الطائعين، هذا علم؟
* الطالب: بالممكنات.
* الشيخ: بالممكنات، علمه بالواجب؛ إذا تحدث سبحانه وتعالى عن كماله، فهذا حديث عن علم بشيء واجب، واضح؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: المستحيل كما سمعت.
* الطالب: بعضهم يقول: الجائز هذا ما عاد ممكن يا شيخ؟
* الشيخ: لا، الجائز والممكن سواء؛ يعني: بعضهم يعبِّر: جائز، وبضعهم يعبِّر: ممكن، ولا فرق.
* طالب: فيه بعض الأنواع من الأسماك تلتقط، ولكن لا تؤكل إلا إذا تغير طعمها، إذا تغيرت وقاربت على أن..
* الشيخ: تنتن يعني؟
* الطالب: تعفن، فيأكلها الناس، فما حكمها؟
* الشيخ: وقبل؟
* الطالب: هي مرغوبة على هذه الكيفية.
* الشيخ: يمكن، بعض الناس يرغب المخنز، بعض الناس يرغب هذا؟
* الطالب: هذا يا شيخ موجود بكثرة.
* الشيخ: والله ما أدري.
* طالب: هذا النوع من الأسماك يوجد بكثرة في بعض البلاد.
* الشيخ: ويش اسمه؟
* الطالب: اسمه سمك البوري الذي..
* الشيخ: البوري؟
* الطالب: البوري هذا يصنع يسمى فسيخًا، يؤخذ ويوضع في الشمس وينشر في الشمس الحار حتى يتعفن وينتفخ، ثم بعد ذلك يوضع في براميل ويوضع عليه ملح، وتغلق البراميل بإحكام لمدة مثلًا ستة أشهر أكثر أو أقل، ثم تباع، و..
* الشيخ: ولذيذة؟
* الطالب: إي، لذيذة.
* طالب آخر: شيخ فيه طريقة أخرى يا شيخ يوضع في ملح دون أن يوضع في الشمس.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يوضع في ملح وخل ويغطى، دون أن يترك؛ يعني يعفن (...) ويوضع عليه ملح وخل ويغطى حتى يؤثر فيه الملح ينضج.
* طالب: هذه نفس الطريقة يتحلل يعني..
* الشيخ: على كل حال، أنتم أهل البحار ما نعرفه، إلا أن تأتوا إلينا بشيء من ذلك يكون عين اليقين، ثم نأكل منه -إن شاء الله- ويكون حق اليقين.
* * *
* طالب: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة ٩٩ - ١٠٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ يعني بذلك محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فـ(أل) للعهد الذهني.
وقوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: إلا تبليغ ما أوحي إليه، وهذا الحصر -كما لا يخفى- حصر إضافي؛ لأن النبي ﷺ عليه واجبات أخرى؛ عليه الصلاة، الصدقة، الصيام، الحج، الجهاد، وغير ذلك، لكن ما عليه بالنسبة لكم إلا البلاغ؛ يعني: إلا أن يبلغكم وليس عليه هداكم، فالهدى أو فالهداية بيد الله، إذن هذا الحصر إضافي، ويش معنى إضافي؟ أي بالإضافة لما يجب لكم عليه، ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ يعني: لكم ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، أما الهداية فهي إلى الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ هذا الذي يتفرع عليه الإنسان، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرونه من الأعمال القولية والفعلية، علمها قبل أن تكون أو بعد أن كانت؟ قبل أن تكون، وبعد أن كانت.
وقوله: ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: ما تخفون في نفوسكم، وذلك الأعمال القلبية، بل أشد من الأعمال القلبية ما يوسوس به القلب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، وهذا يعني أن حسابهم على الله عز وجل لا على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* فمن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إبلاغ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن (على) ظاهرة في الوجوب، أين (على)؟
* طالب: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس للنبي ﷺ أن يجبر الناس على أن يهتدوا، ويؤيد هذا آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾.
* ومن فوائدها: تحذير المبلغين من المخالفة؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، فإن إخباره بعلمه بعد أن قال: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ فيه التهديد والوعيد على من خالف.
* ومنها: سعة علم الله وعمومه؛ لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، وهذا عام للأمة كلها، و(ما) هنا -كما تعرفون- اسم موصول يشمل القليل والكثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعمال العباد تنقسم إلى قسمين: قسم يبدو للناس، وقسم لا يبدو؛ لقوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.
فإن قال قائل: هل الأفضل للإنسان أن يبدي ما عمل أو أن يكتم ما عمل؟
قلنا: كل ذلك خير؛ لأن الله مدح الذين ينفقون أموالهم سرًّا وعلانية، ولكن أيهما أفضل؟ ينظر للمصالح؛ إن كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وذلك كإنسان يُقتدى به ويُتأسى به، فالأفضل أن يعلن حتى يتأسى الناس به ويعرف أن هذا حق، ويكون بذلك إمامًا لمن اتبعه، وإذا كان الإخفاء خيرًا فالإخفاء أفضل، كما لو تصدق إنسان على شخص متعفف لا يحب أن يطلع عليه، فهنا ما الأفضل؟ الإسرار، وإن تساوى الأمران -والغالب أنهما لا يتساويان من كل وجه- لكن على فرض أنهما تساويا من كل وجه فالإسرار أفضل؛ لأنه أدل على الإخلاص، وأقرب إلى الإخلاص.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ليس له إرادة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، فالإنسان يريد أن يبدي ويريد أن يكتم، وهذا هو إثبات الإرادة للعبد.
الجبرية قوم يقولون: إن الإنسان غير مخير بل مجبر، ويستدلون بآيات، منها قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [القصص ٦٨]، قالوا: نفى أن يكون للعبد الخيرة، فشبهتهم قوية، ولكنه لا شك أن هذه الشبهة باطلة؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: في فعله عز وجل، يعني مثلًا: ﴿قَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] يريدون أن يختاروا هم من يكون أيش؟ رسولًا، فقال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف ٣٢]، فيكون معنى قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي فيما أيش؟ يفعله الله، أما بالنسبة لأفعالهم فلهم الخيار.
والدليل على هذا آيات كثيرة؛ منها: خصال الكفارة مثلًا في كفارة اليمين ثلاثة منها على التخيير: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، وغير ذلك من الأدلة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل العلم الذي هم ورثة الأنبياء إذا بلغوا برئت ذمتهم.
ولكن هل يجب عليهم التبليغ على كل حال أو إذا كانت الفائدة أو ماذا؟ نقول: الأصل أنه واجب لكل حال التبليغ، هذا هو الأصل؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «بَلِّغُوا عَنِّي» أمر «وَلَوْ آيَةً»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، لكن قد لا يجب التبليغ، ويجوز أن يكتم العلم إلى وقت ما إذا رأى في ذلك مصلحة، كما فعل معاذ بن جبل رضي الله عنه حين لم يبلغ قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ» لم يبلغها إلا عند موته تأثمًا[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٥٦)، ومسلم (٣٠ / ٤٩) من حديث معاذ.]]، وإلا فالأصل وجوب الإبلاغ.
أما إذا سئل الإنسان عن العلم؛ فإذا كان السائل مسترشدًا وجب أن يبلغ السائل، هذا إذا كان مسترشدًا، وأما إذا كان ممتحنًا فإن الإنسان بالخيار؛ إن شاء بلغ، وإن شاء منع؛ لأن هذا السائل غير مسترشد، لا يريد العلم، يريد أن يمتحن هذا المسؤول فهو بالخيار.
وهل الأفضل أن يبلغ أو الأفضل ألَّا يبلغ؟ في هذا تفصيل؛ إن كان هذا السائل إذا ترك صار في ذلك إذلالٌ له وخزيٌ فليتركه، وإن كان إذا ترك ازداد شره وطغى طغيانه، فإنه يجب أن يبلغ ويبين له ضلاله، فالمسألة يرجع فيها إلى المصالح.
فإن قلت: ما هو ميزان المصالح؟ قلنا: كل إنسان مسؤول عن نفسه، وكل قضية لها حكم؛ ولهذا يمر بكم أحيانًا في الإجابات عن بعض الأدلة يقال فيها: إنها قضية عين، كل إنسان حسب ما يرى، والله حسيبه.
المائدة 5:100
ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قل يا محمد: لا يستوي، وتصدير الحكم بـ(قل) يدل على العناية به؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مأمورًا أن يقول جميع القرآن، أن يقوله للناس ويبلغه، لكن إذا نصَّ على شيء معين دل هذا على أخصيته، فهو كالتخصيص بعد أيش؟ بعد التعميم، فيفيد العناية.
﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لكل من يصح خطابه ويدرك خطابك ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾، صدق الله، لا يستوي الخبيث والطيِّب من الأشخاص والأعمال والأعيان، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا، صح؟ لا يستوي، هل تستوي الصلاة لله والسجود للصنم؟ لا تستوي، هذا من الأعمال.
من الأعيان: هل يستوي الشراب الطيب المستخلص من ثمرات طيبة والخمر؟ لا يستوي.
بالنسبة للأشخاص: هل يستوي المؤمن الطيب والكافر الخبيث؟ لا، وهلم جرًّا.
إذن الخبيث والطيب من كل شيء؛ من الأشخاص، والأعيان، والأقوال، والأفعال، من كل شيء، هل يستوي ذكر الله والغيبة؟ لا، إذن هذا عام ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ الخطاب هنا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول لا يعجبه كثرة الخبيث، لكن ولو أعجبك أيها المخاطب؛ أي: قل للإنسان: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، وليس الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعجبه كثرة الخبيث.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي: أعجبك؛ أي: بلغ منك موضع الإعجاب.
وهذا إذا طبقته على بني آدم فأيهما أكثر: الخبيث أو الطيب؟
* طلبة: الخبيث (...).
* الشيخ: الخبيث؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: الخبيث من بني آدم أكثر؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: صحيح، الخبيث من بني آدم أكثر لو أعجبك، كذلك لو أعجبك كثرة الخبيث بقوته وإنتاجه لا يهمنك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١] لا يهمنك.
الخبيث باطل، والله عز وجل يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨]، شوف كلمات قوية ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يعني نرمي بشدة، ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يصيب دماغه ولا يُفلت ولا يبقى لحظة عين، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾، والفاء للترتيب والتعقيب، و(إذا) فجائية تدل على مفاجأة الزهوق، وأنه يكاد أن يكون الزهوق قبل أن يُدمغ، ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾، ولكن لاحظوا يا إخوانا أن السيف بضاربه، يعني الحق لا بد أن يكون الحامل للحق قويًّا في ذات الله، لا يهمه أحد في ذات الله، وحينئذٍ يندحر الباطل ويقوم الحق.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [المائدة ١٠٠] الفاء للتفريع، أي فبناء على ذلك وعلى كثرة الخبيث اتقوا الله، لا يعجبنكم كثرة الخبيث، وبتقوى الله يحصل المطلوب ويزول المرهوب.
وقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ شوف النداء كيف يداخل القلب ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: يا أولي العقول، أي: يا أصحاب العقول، والمراد بالعقول: ذوات الرشد وحسن التصرف، وليس عقل الإدراك قد يكون عند الكافر من عقل الإدراك أكثر مما عند المؤمن، لكن عقل الرشد منفي عن الكافر مطلقًا (...) عقل الرشد لأنه لو كان عنده عقل الرشد.
* طالب: ما كفر.
* طالب آخر: لآمن.
* الشيخ: لآمن ولم يكفر، لكن ليس عنده عقل الرشد، إذن يا أصحاب العقول أي العقول؟
* طلبة: الراشدة.
* الشيخ: الراشدة التي تعرف ما ينفعها فتقوم به وما يضرها فتجتنبه.
و﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: لتفلحوا، فـ(لعل) هنا للتعليل، أين المعلل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا هذا..
* طالب: (...).
* الشيخ: الاتقاء، تقوى الله يعني لأجل أن تفلحوا إذا اتقيتم الله عز وجل، والفلاح كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح.
* طالب: بارك الله فيكم، دائمًا الإنسان يواجه بعض المنكرات وتكون كثيرة، ويعني يتحير هل ينكر أم لا، لم يكن منكرًا كثيرًا، ولو أنكر قد يحصل فيه خير، وقد لا يحصل خير، قد يواجه ضمن الاستهزاء مثلًا.
* الشيخ: أما مسألة الاستهزاء فلا بد من هذا في الغالب، لا بد من هذا، ولكن هل يحصل أذى؟
* الطالب: نعم، نفسي نعم.
* الشيخ: لا، ما هو نفسي، إلا أذى جسميًّا.
* الطالب: لا.
* الشيخ: لا يحصل الأذى، يصبر الإنسان ويحتسب، ورب كلمة انتفع بها واحد من هؤلاء فتنفعه، ولكن لا يشترط في الأمر الإعلان هكذا، يستطيع يمسك الرؤساء خاصة من هؤلاء القوم ويتكلم معهم بهدوء ويبين لهم، والرؤساء إذا وُفقوا للهداية اهتدى بهدايتهم كثير من الناس.
* الطالب: شيخ أحيانًا الواحد يواجه شخصًا يعني من شكله ما أكلمه (...) مضطر.
* الشيخ: ما أكثر هذا، وما أكثر الانتفاع، ترى بعض الناس ما هو على شكله، شكله صحيح يعني تظن أنه (...) لكن تجد نفسه لينة، وهذا مجرب، يعني: قد تقول: حليق اللحية مسبل الثوب وجهه ما هو بوجه الخيِّر، لكن سبحان الله قلبه لين أقل ما يبغي يقولك إذا لم تأته بعنف بيقول: جزاك الله خيرًا وأسأل الله الهداية، وهذا مجرب، خذ بيده بس بسهولة، تنَحَّ به عن الطريق قليلًا وكلمه تجد خيرًا كثيرًا، لكن بلانا من أنفسنا إذا شفنا الواحد يخالف فالإنسان يغار ما يتحمل ثم يبدأ يتكلم بكلام يعني ينفر صاحبه.
* طالب: ذكرنا بأن الأصل هو وجوب البلاغ، لكن المشكلة يا شيخ ما نقل عن بعض الأئمة وبعض العلماء أنهم يقولون: إني لا أعطي علمي إلا من يستحق العلم، ولا أبثه إلا في أهله، فهل من تعارض مع قولهم؟
* الشيخ: لا، هو قصده -إن صح هذا الخبر- قصده الجلوس للناس يعلم أنه ما يجلس إلا للناس يريدون العلم حقيقة، ما يريدون الضحك على الذقون.
* الطالب: بس يا شيخ مثلًا أحيانًا يكون الإنسان راكب السيارة، معه قوم، ويعرف أنهم ما يريدون النصيحة، ويريد استغلال الوقت، فهل يقوم مثلًا ينصحهم، يذكرهم، يعطيهم..
* الشيخ: لا، هذا ما يصح هذا، أحيانًا راكب السيارة ما يصعد على طول يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ويهم يجيب مواعظ، ما هم متحملين هذا، لكن يقدر يدخل على عقولهم بأشياء؛ إما قصص، ولتكن قصصًا مضحكة، ما يهم، أو مسائل علمية غريبة يلقيها عليهم؛ حتى تتهيأ أذهانهم لهذا. وإلا معلوم أن الواحد إذا جلس مجلسًا يقول: يَلّه بسم الله الرحمن الرحيم يعظهم، قد يستثقلون هذا، كل مقام له مقال.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، أحيانًا يجلس الإنسان مع جماعة يكونون على منكر، لو أنه قام لم يستفد منهم شيئًا، ولم يستفيدوا منه شيئًا، لو أنه أنكر عليهم مباشرة لن يتقبلوا منه، فهل يضغط على نفسه ويجلس مكرهًا في هذا المكان؟
* الشيخ: لا بأس، كالطبيب يشق الجرح ويشم رائحة كريهة من أجل إصلاحه، ولأحد العلماء تأثير بالغ في بعض جهات المملكة، كان يدخل معهم في منكرهم ويحتفل معهم باحتفالات (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ [المائدة ١٠١، ١٠٢].
* الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
* طلبة: فوائد الآية السابقة.
* الشيخ: فوائد التي قبلها، الآية اللي قبلها فقط، قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة ٩٩] هذه الآية تتمة لما قبلها في قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨] يعني وسيحاسبكم، ثم بيّن وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي الآية: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
* طلبة: (...) فوائد التي قبلها.
* الشيخ: أخذتوها طيب ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٠٠].
* من فوائدها: أنه لا يستوي الخبيث والطيب عند الله عز وجل، ولا عند أصحاب العقول، وهذا في مراتبهم عند الله وعند ذوي العقول، أما فيما يعملون من أمور الدنيا فإنه قد يكون الخبيث أكثر من الطيب عملًا، كما هو مشاهد الآن، فإن الدول الكافرة أقدم من الدول المسلمة فيما يتعلق بأمور الدنيا.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعتبر بالكثرة، وإنما يعتبر بالكيف، لا بالكم؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه إذا اجتمع قوم للشورى ثم تنازعوا في شيء فإننا نعتبر من هو أقرب إلى الصواب، إذا كان الفرق يسيرًا نعتبر من هو أقرب للصواب، فإن تساووا فهنا نعتبر الأكثر؛ لأن المقصود هو الحق، فإذا علمنا أن هؤلاء القلة في جانبهم الحق من حيث العلم والثقة والأمانة والمعرفة فإنهم يقدَّمون على الأكثر، لكن إذا تساووا اعتبرنا الأكثر؛ لأنه لا طريق لنا إلى الترجيح إلا هذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن وصف الخبث والطيب يكون في الأعمال ويكون في الأعيان، فالمؤمن طيب في ذاته وعمله، والكافر خبيث نجس في ذاته وعمله، لكن نجاسته في ذاته ليست نجاسة حسية كنجاسة البغل والحمار، ولكنها نجاسة معنوية.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان قد يعجب بما ليس محلًّا للإعجاب؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله عز وجل، وأن من تقوى الله ألا يعجب الإنسان بالخبيث ولو كثر؛ لأنه ذكر الأمر بالتقوى بعد قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين يخاطبون بالتقوى وبمثل هذه الأحكام العظيمة هم أصحاب العقول؛ لقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والمراد بالعقول هنا: عقول الرشد، لا عقول الإدراك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التقوى سبب للفلاح؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وسبق معنى الفلاح.
المائدة 5:101
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ إلى آخره.
الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبق الكلام عليه مرارًا فلا حاجة لإعادته.
﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُم﴾ (أشياء) هنا ممنوعة من الصرف، وعلل الصرفيون كونها ممنوعة من الصرف أن الهمزة فيها للتأنيث وليست أصلية (...) لكن فيها إعلال بالتقديم والتأخير بحروفها، حيث قدمت الهمزة الوسطى إلى أولها فصارت (أشياء)، ولذلك لو أردت أن تزنها فوزنها فعلاء.
﴿عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ يعني: إنْ يُبدَ لكم الجواب عنها فإنه يسوؤكم الجواب، وهذا يشمل كل ما سكت الشرع عنه، ثم صار السؤال عنه سببًا للمشقة على الناس واستيائهم مما حصل، ومن ذلك ما كان بعض المسلمين يسألون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الرجل منهم يسأل: من أبي؟[[متفق عليه؛ البخاري (٩٢)، ومسلم (٢٣٦٠ / ١٣٨) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وأين أبي؟[[أخرجه مسلم (٢٠٣ / ٢٤٧) من حديث أنس. ]] وما أشبه ذلك، فإن هذا من الأمور الذي يجب السكوت عنها، لو أن رجلًا قال للرسول عليه الصلاة والسلام: من أبي؟ فقال: أبوك فلان، غير أبيه، لكان في هذا فضيحة له ولأبيه ولأمه، فالسكوت عنه هو الأدب، كذلك إذا قال: أين أبي؟ فإذا قال الرسول ﷺ: أبوك في النار أساءه بلا شك، وكان هذا أيضًا فيه إساءة إلى من؟ إلى الأب.
كذلك في الأشياء الواجبة، الأقرع بن حابس لما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ» قال: أفي كلِّ عامٍ؟»[[أخرجه أبو داود (١٧٢١)، والنسائي في المجتبى (٢٦٢٠)، وابن ماجه (٢٨٨٦) من حديث ابن عباس.]] هذا سؤال غير وجيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لو قال: نعم لوجبت، ولشق ذلك على المسلمين أفرادًا وجماعاتٍ، أفرادًا لأن الإنسان إذا فرض عليه أن يحج كل عام يشق عليه، جماعات لو أن الأمة الإسلامية قيل لها: من قدر منكم الحج فليحج كل عام، ما الأرض التي تسعهم؟ لا تسعهم الأرض، فلهذا كان السؤال في غير وجهه، فما أعظم الجرم ممن سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته، أو لم يجب فوجب من أجل مسألته.
قال: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: يظهر لكم جوابها ﴿تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ يعني: إن سألتم عنها في زمن الوحي الذي ينزل فيه القرآن تبد لكم، من يبديها؟ يبديها الله على لسان رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي وجه السؤال إليه.
﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ يعني عفا الله عما سكت عنه، ولهذا جاء في الحديث: «وَمَا سَكَتُّ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ»[[أخرجه الترمذي (١٧٢٦)، وابن ماجه (٣٣٦٧) من حديث سلمان الفارسي.]].
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور للذنوب، حليم في العقوبة، فلا يعاجل عباده بالعقوبة؛ كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر ٤٥].
* في هذه الآية فوائد: أولًا: أنه مما ينافي كمال الإيمان أن يسأل الإنسان عن شيء لم يكلَّف به؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا﴾.
وهل يشمل هذا زمن الوحي وما بعده، أو هذا خاص في زمن الوحي الذي يمكن أن يثبت به التحريم أو الإيجاب؟
الثاني، في زمن الوحي، أما فيما بعد الوحي فلا بد أن يسأل الإنسان عن دينه، ولذلك نقول: إن ما يفعله بعض العوام إذا قيل له: هذا حرام، هذا واجب، اسأل العلماء، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ هذا حرام، حرام من وجهين: الوجه الأول: أنه امتنع من السؤال مع وجود مقتضيه، والثاني: أنه نزّل الآية على غير تنزيلها، على غير ما أراد الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يسوؤه ما شرعه الله عز وجل من إيجاب أو تحريم، ولكن المؤمن وإن كره ذلك بطبيعته لا يكره من حيث كونه شرعًا لله عز وجل، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، ما المكروه؟ هل هو القتال أو فرضية القتال؟ القتال، دون فرضيته، المؤمن يرضى بكل ما فرض الله وبكل ما أوجب وبكل ما حرم ومنع، لكنه قد يكرهه من جهة مشقته وتعبه وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أي سؤال يرد في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا بد أن يجاب عنه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، ولذلك تجدون في القرآن الكريم أسئلة كثيرة موجهة للرسول عليه الصلاة والسلام فيجيب الله عنها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢١٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٢٢٠]، فلا بد أن يجاب؛ لقوله: ﴿إِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾.
لكن إذا قال قائل: أليس النبي ﷺ يُسأل أحيانًا فلا يجيب؟ قلنا: بلى، لكنه لا يجيب لأنه لم ينزل عليه فيه وحي، ولو نزل عليه فيه وحي لأجاب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما سكت الله عنه فهو عفو؛ لقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
نضرب لهذا مثلًا: يسأل كثير من النساء عن حكم إزالة الشعور من الساقين أو الذراعين فهل هو حرام أو حلال؟
لننظر الشعور تنقسم ثلاثة أقسام: قسم نهي عن إزالتها، وقسم أمر بإزالتها، وقسم مسكوت عنه؛ مما أمر بإزالته ما جاء في الفطرة، ومما نهي عن إزالته اللحية، ومما سكت عنه بقية الشعور، فهل نقول: إنها مما سكت عنه فتكون حلالًا، أو نقول: الأصل في تغيير خلق الله أنه حرام فتكون حرامًا؟
الجواب: الأول، أنه مما سكت عنه، ولو شاء الله عز وجل لأنزل فيه قرآنًا، أو لتكلم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الحشرات وأشباهها ثلاثة أقسام: قسم أُمر بقتله، وقسم نُهي عن قتله، وقسم مسكوت عنه، مما أُمر بقتله أيش؟
* طالب: الكلب والعقرب.
* الشيخ: العقرب والحية والكلب العقور، ومما نهي عن قتله النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد، ومما سكت عنه البقية، فهل نقول: إن البقية يجوز قتلها بدون إيذاء أو نقول: لا، الأصل أنها حيوان خلقه الله عز وجل ليُستدل به على قدرته وسعة علمه ورحمته، ولأنها تسبح بحمد الله فلا تُقتل إلا إذا كان فيه أذية.
في هذا ثلاثة أقوال: قولان معلومان عندي إلى الآن لم أنسهما، الثالث نسيت، الأول: أنه يكره أن تقتل هذه الحشرات بدون أذية؛ إذا لم يكن منها أذية، أما إذا كان منها أذية فتقتل، فيكره أن يقتلها؛ لأنها تسبح بحمد الله، ولأن فيها آية من آيات الله، وهي أن الإنسان كلما تأملها عرف بذلك سعة علم الله ورزقه ورحمته، فيكون فيها مصلحة للعباد، فلا تُقتل، ولكن على وجه الكراهة.
القول الثاني: أن ذلك مباح؛ لأنه مما سكت الله ورسوله عنه، وما سكت الله عنه فهو عفو.
والثالث: التحريم، لكنني لم أُجَوِّده؛ لأنه إذا لم يكن منها أذية كان قتلها مجرد عبث، وفيه أيضًا تعويد النفس على العدوان، هذا إذا لم تؤذ، أما إذا آذت فلا شك في جواز قتلها، ولكن الأفضل أن يدافعها بما هو أهون، فمثلًا إذا دخلت الحية في جحرها، وهذه مما أمر بقتله، وصار قتلها إما بالماء يغرقها أو بالنار تحرقها، أيها أولى؟ الماء، الأول، بالماء، هذه الحشرات أيضًا التي لم يؤمر ولم يُنهَ عن قتلها نقول فيها: إذا كان فيها نوع أذية فإن أمكن أن تطردها حتى تسلم من الأذية بدون قتل فهو أولى، وإذا لم يمكن إلا بالقتل فاقتلها ولا حرج عليك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منزل ممن؟
* طلبة: من الله.
* الشيخ: ﴿يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ﴾ ما ذُكر الفاعل لكنه حُذف للعلم به؛ لأن المنزل للقرآن هو الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ مبلغ عن الله؛ لقوله: ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ لأن المبدي للبشر مباشرة هو الرسول ﷺ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: البناء على الأصل في براءة الذمة، تؤخذ من قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾، فالأصل عدم شغل الذمة بإيجاب أو تحريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الأسمين لله عز وجل: الغفور والحليم، فهو غفور للذنوب حليم عند العقوبة، فلا يعاجل، لقد قال ابن القيم رحمه الله:
وَهْــــــوَ الْحَلِيـــــمُ فَـــــلَا يُعَاجِـــــلُعَبْـــــدَهُ ∗∗∗ بِعُقُوبَــــــةٍ لِيَتُـــــــــوبَ مِـــــــنْعِصْيَــــــــــــــانِ
المائدة 5:102
ثم قال: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾
* طالب: أحسن الله لكم، بعض الحشرات طبيعتها أذية، لكنه ما بدت منها أذية، هل يقتلها؟
* الشيخ: مثل أيش؟
* الطالب: الحية مثلًا، طبعها أذية، والعقرب كذلك، هل يعني بمجرد ما رأيناه..؟
* الشيخ: إي نعم؛ لعموم الأمر بقتلها، ثم إذا لم يكن منها أذية، وهذا في الحية، يعني مجرب الحية أحيانًا ما تلدغ أبدًا، حتى إني رأيتها أنا بعيني مشت على رجل امرأة قد مدت رجليها ولم تنلها بسوء، أما العقرب فيا ويل من مسته، ما تعطي فرصة إطلاقًا، ولا سمعنا بعقرب لا تلدغ، اللهم إلا كان عقارب أفريقيا ما ندري.
* طالب: هنا وهناك سواء.
* الشيخ: أجل طبيعتها أن تلدغ على طول ولا تعطي مهلة.
* الطالب: شيخ، ما رأيك يا شيخ في بعض الناس يستخدمون هذه الآية مضرب أمثال. فمدرس مثلًا يسأل في مادة: هل هذا معنا مثلًا؟ فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾..
* الشيخ: لا يجوز؛ لأن السؤال الذي ورد لا يتناسب مع معنى الآية.
* طالب: بارك الله فيك، هل كل ما ينافي كمال الإيمان محرم؟
* الشيخ: نعم، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: كل شيء نُفي الإيمان عن فاعله فهو من كبائر الذنوب.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، فيه آلة لقتل الحشرات بالكهرباء (...)؟
* الشيخ: لعلك هذه إي نعم والسؤال؟
* الطالب: هل جائزة لقتل الحشرات؟
* الشيخ: إي نعم جائزة؛ لأن ما هي تحرق بالصعق، ثم إن هذا المؤذي إذا لم نتمكن من القضاء عليه إلا بالإحراق فلا بأس؛ كما «أحرق النبي ﷺ نخل بني النضير»،[[ متفق عليه؛ البخاري (٢٣٢٦)، ومسلم (١٧٤٦ / ٢٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]] مع أن النخل في الغالب يكون فيها أفراخ الطيور وغيرها.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل من الأذية أن العنكبوت يبني بيتًا في الجدران وفي المساجد هل هذه طبيعته؟
* الشيخ: والله لا، هي الحقيقة تختلف، بعض العناكب تبني البيوت وتجيب أشياء مؤذية في النظر تعلقها، هذه مؤذية لا شك، كذلك أيضًا في المكتبة قد تعشش على الكتب، هذه مؤذية، لكن الغريب أن الناس يقولون: إن العنكبوت لا يجوز قتله مطلقًا لو تعشش على رأسك، لماذا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قالوا: لأنها عششت على النبي ﷺ في الغار، هذا ما هو صحيح، تعشيش العنكبوت على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الغار غير صحيح أبدًا، ولم يمنع رؤية الكفار إلا حماية الله عز وجل، ولهذا قال أبو بكر: «والله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٥٣)، ومسلم (٢٣٨١ / ١) من حديث أبي بكر.]]، بعض العلماء أورد الحديث لكنه ضعيف: «أمر بقتل العنكبوت»[[أخرجه أبو داود في المراسيل (٤٩٩) بلفظ: «العنكبوت شيطان فاقتلوه» من حديث يزيد بن مرثد المدعي.]] نقول: لا أمر ولا نهي، هي من الحيوانات التي تركها أولى، لكن إذا حصل منها أذية ولو قليلة فلا بأس أن تقتلها.
* الطالب: والأصل فيها أنها تبني بيتها معروف (...) فهل يقتل الإنسان بمجرد ما يشوفه يقتله؟
* الشيخ: لكن إذا قدرنا أن مثلًا فيه درجة في البناء الأول، خشب وجريد، وبنتْ بين الخشب والجريد، ما يؤثر هذا، لكن في مثل البناء المسلح الآن لا شك تشوه المنظر، هي تجيب ما شاء الله ممن يدخر القوت تجيب أشياء.
* طالب: له فوائد العنكبوت.
* الشيخ: فوائد، ما هي؟
* الطالب: يقتل النمل يا شيخ.
* الشيخ: النمل.
* الطالب: النمل الصغير.
* الشيخ: لا بد أن تثبت هذا، ائتنا بعنكبوت ونملة غدًا إن شاء الله ونشوف. لا، هو الحقيقة يقتل الذباب وتجده يتخبى له ويمسك بنفسه، حتى إذا قرب قفز، سبحان الله أعطى كل شيء خلقه ثم هدى.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، المسمى بالحية يا شيخ، اسم الحية نوع من الهوام، بس كبيرة، منها الدابة السريعة اللي منها (...) هذا ما (...).
* الشيخ: اللي أيش؟ (...).
* الطالب: وهذه الحية بطيئة الممشى.
* الشيخ: هذا صدقت هذه اللي أنا رأيتها مشت على ساق المرأة أو قدمها هكذا طويلة شوية.
* الطالب: إي نعم، أما الحية اللي تجيء قصيرة (...) هذه يا شيخ ما تخلي أحد.
* الشيخ: إي هذا، ولهذا «نهى النبي ﷺ عن قتل الجنّان التي تكون في البيوت إلا الأبتر وذا الطفيتين»،[[ متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٠)، ومسلم (٢٢٣٣ / ١٣٦) من حديث أبي لبابة.]] الأبتر: هو كما وصفت قصير ومتين وذَنَبه قصير أيضًا، هذا شديد.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، في بعض الأحيان يطرأ الإنسان أسئلة، يعني يطرأ في ذهن الإنسان أسئلة، إن سأل عنها قد تكون أسئلة يعني غريبة أو تُحمل في قسم يعني أنها أسئلة بدعية أو شيء، هذه الأسئلة إذا سكت عنها يكون مخالفًا لأمر الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل ٤٣].
* الشيخ: إذا كان مما يجب على الإنسان اعتقاده أو عمله لا بد أن يسأل.
* الطالب: ولو كانت غريبة يا شيخ؟
* الشيخ: ولو كانت غريبة، لكن إذا كانت من التنطع والتكلف كالذي قال: كيف استوى على العرش مثلا هذا لا يسأل (...).
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة ١٠٢- ١٠٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما نهى الله سبحانه وتعالى هذه الأمة أن يسألوا عن أشياء سكت الله عنها، وأنهم إذا سألوا عنها فلا بد أن تبين لهم حين نزول القرآن؛ لئلا يبقى المسلمون في حيرة من دينهم، ولئلا يكون في الدين نقص.
بين عز وجل أن مثل هذه المسائل قد سألها قوم من قبل هذه الأمة، ولكن لم يقوموا بما أوجبوا به، وأبين مثلا لذلك قصة البقرة حين قتل قتيل وشكوا فيمن قتله فأمرهم نبيهم موسى ﷺ أن يذبحوا بقرة، فظنوه يمزح عليهم و﴿قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة ٦٧]، ﴿مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ يعني: من المعتدين، ليس من الجهل الذي هو ضد العلم، كما قال الله تبارك وتعالى في الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢] يعني: ولن أعتدي فأسخر بكم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ يعني: كبيرة في السن، ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ صغيرة، ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ [البقرة ٦٨]، هذا سؤال هل له داعٍ؟ لا، ليس له داعٍ، اذبحوا بقرة يذبحوا، أيّ بقرة تكون ويحصل الامتثال؛ لأن البقرة معلومة الجنس، وأما كونها معلومة اللون أو معلومة السن أو معلومة الفعل فليس بلازم.
انتقلوا إلى سؤال آخر: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ [البقرة ٦٩] سبحان الله! هل طولبوا بلون معين؟ لا، ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ ليس فيها سوى الأصفر ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ في حجمها ولحمها وسمنها وهيكلها، اقتصروا على هذا؟ لا، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة ٧٠] لكن هم بقر! ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، وهل يتشابه البقر بعد هذا الوصف الأول والثاني؟ لا يتشابه، ومع هذا قالوا: ﴿إِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، فلم يجزموا بالهداية ولا أظنهم والله أعلم ذكروا ذلك تبركًا ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة ٧١] أربعة أوصاف شدد عليهم ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ الآن، وقبل؟ ما جاء بالحق؟! ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني ذبحوها بعد التي واللتيا وما قاربوا أن يفعلوا، لكن رأوا أنهم لا بد أن يفعلوا، هذا من التعنت، يعني لو أنهم ذبحوا بقرة من أول الأمر انتهى الموضوع ولم يكن إشكال، والأمثلة على هذا كثيرة في القرآن والسنة لمن تدبرها، أن الذين سألوا سؤال التعنت ابتلوا -والعياذ بالله- بالإباء والاستكبار.
﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ (أصبح) هنا مجردة عن الزمان، فهي بمعنى (صار)، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣] تصبح في الصباح ولَّا في أي وقت من الزمن؟ في أي وقت، لكن مثل هذا يعبر به في اللغة العربية مجردًا عن إرادة الزمان الذي هو الإصباح.
﴿ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ و(أصبح) بينها وبين (كان) نسب، ما هو؟
* طلبة: أختها.
* الشيخ: أنها أختها، أخت كان، يعني أنها تعمل عملها، والأخوة تصدق بأدنى سبب، فتكون الواو اسمها و(كافرين) خبرها.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: ضرب الأمثال بالأمم السابقين، حتى نقتنع بأنه لا ينبغي لنا أن نسأل؛ لأن غيرنا سأل وكفر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من قبلنا كانوا يسألون ولكن يَهلِكون بالسؤال، ويؤيد هذا قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح عمن سبقنا، لفظ الحديث: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨)، ومسلم (١٣٣٧ / ١٣٠) من حديث أبي هريرة.]] يسألون ثم يختلفون عليهم، لا يوافقونهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا ينبغي أن يتعرض لما قد يكون محنة عليه، ولهذا جاء في الحديث «النهي عن أن يتعرض الإنسان لشيء لا يستطيعه»؛[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣)، ومسلم (٧٨٢ / ٢١٥) من حديث عائشة. ]] فإن هذا من البلاء والذل.
وربما يؤخذ من هذا منهاج حسن في كل شيء، مثال ذلك: لو أن رجلًا ماله قليل وبنى له بيتًا، وصار يمكن أن يستغني بفراش يجلس عليه ومضربة ينام عليها ووسادة يتكئ عليها، لكنه أراد أن يفعل ما يفعله الأغنياء، من أن يملأ البيت كله فراشًا، وأن يأتي بفراش فخم وما أشبه ذلك، نقول: لا تتعب نفسك، فإن هذا من الإشفاق على النفس وأن يلحق الإنسان دَين في ذمته فيعجِز، وفي الأمثال العامية أيش؟ مد رجلك على قدر لحافك؛ لأن لو مددتها مستطيلة واللحاف قصير طلعت فأصابها البرد.
المائدة 5:103
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾.
قوله: ﴿مَا جَعَلَ﴾ (ما) نافية، والجعل هنا بمعنى الشرع، أي: ما شرع الله.
واعلم أن (يجعل) تأتي بمعنى (خلق) وبمعنى (صيّر) وبمعنى (شرع).
تأتي بمعنى (خلق)، مثل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١].
و(جعل) التي بمعنى (خلق) لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، وتأتي بمعنى؟
* طلبة: (صير).
* الشيخ: (صير)، وهذه تتعدى إلى مفعولين، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ ١٠، ١١]، ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء ٣٢] والأمثلة في هذا كثيرة.
وبهذا نعرف ضلال الجهمية الذين استدلوا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] حيث قالوا: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ أي: خلقناه، فيقال: هذا دليل على لكنتهم وعدم معرفتهم للغة العربية؛ لأن (جعل) إذا تعدت إلى مفعولين ويش قلنا؟
* طالب: (...) تعدى إلى مفعولين.
* الشيخ: إلى مفعولين، فإنها لا تكون بمعنى (خلق) أبدًا، بل تكون بمعنى (صير).
القسم الثالث: تأتي بمعنى (شرع) كما في هذه الآية، هنا يتعين أن تكون بمعنى (شرع)، ولا يجوز أبدًا أن نجعلها بمعنى (صير) أو (خلق)؛ لأن الأمر واقع فيه البحيرة والسائبة والوصيلة والحام موجود، وعليه فنقول: ما جعل الله أيش؟
* طلبة: ما شرع الله.
* الشيخ: أي: ما شرع الله.
﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ (من) هذه زائدة للتوكيد، توكيد النفي، ولهذا نقول عند إعرابها: (من) حرف جر زائد زائد، كيف؟ حل لنا هذا اللغز، (من) حرف جر زائد زائد، هل (زائد) الثانية توكيد للأولى؟
* طالب: زائد في الإعراب وزائدة في المعنى.
* الشيخ: نعم زائد في الإعراب، يعني أنه لو حذف لاستقام الكلام، زائدة أي زائدة المعنى؛ لأن كل شيء في القرآن لا يمكن أن يزاد بلا معنى إطلاقًا؛ إذ إن زيادة الكلمة أو الحرف بدون معنى لغو، والقرآن منزه عن هذا؛ إذ هي زائدة إعرابًا زائدة للمعنى، أي: تزيد، إذن ما هو الذي زادته في هذا السياق؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم توكيد النفي.
﴿مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ البحيرة والسائبة والوصيلة والحام هذه أسماء لها اصطلاحات مختلفة عند العرب، خلاصتها أنها إما أن تكون لآلهتهم وإما أن يحرموها أكلًا وركوبًا وانتفاعًا بلبنها وأصوافها وأوبارها، وهم على اختلاف بينهم في متى تكون بحيرة إلى آخره، لكن علامة البحيرة عندهم أن تشق أذنها شقًّا واسعًا، مأخوذة من البحر، البحر واسع أليس كذلك؟ متى يشقونها؟ لهم اصطلاح في هذا، إذا ولدت كذا وإذا ولدت كذا، المهم أنها اصطلاحات مختلفة.
﴿وَلَا سَائِبَةٍ﴾ السائبة: هي التي تترك، سائبة أي: متروكة مسيبة، وهذا أيضًا متى تسيب؟ عندهم في ذلك اصطلاح يختلف، لكن النهاية أنها تسيب ويحرمون ركوبها والانتفاع بها وألبانها.
﴿وَلَا وَصِيلَةٍ﴾ الوصيلة: هي التي تكون بكرًا تلد أنثى أول ما تلد ثم توصلها بأنثى أخرى، يعني: البكر تلد بطنين على التوالي، كلاهما أنثى، فيكون هذه وصلت أنثى بأنثى، فتحرم أو تجعل للآلهة.
﴿وَلَا حَامٍ﴾ نحتاج إلى إعراب (حام)؟
* طالب: معطوفة على (بحيرة).
* الشيخ: كمل.
* الطالب: و(بحيرة) منصوب، والعطف على المنصوب منصوب (...) اسم منقوص.
* الشيخ: هل هي منقوص أو حرف صحيح (حام)؟
* الطالب: لا، منقوص.
* الشيخ: منقوص، أصلها؟
* الطالب: حامي.
* الشيخ: (حامي) نعم، إذن هو اسم منقوص محذوف الياء: وَلَا حامِي. والحامي من الحماية، وهو الذي حمى ظهره فلا يركب، إذن هو جمل، ويختلفون فيه متى يكون حاميًا؛ بعضهم قال: إذا أنجب عشرة أولاد، وبعضهم قال خلاف ذلك، المهم أن هذه أوصاف لأزواج من الأنعام، الإبل والبقر والغنم متى حصلت حرمت هذه البهيمة أو جعلت للأصنام.
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معطوفة على ﴿مَا جَعَلَ اللَّه﴾، ﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ حيث يقولون: إن هذه محرمة وهذه محللة افتراءً على الله عز وجل.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أكثر هؤلاء الكفار لا يعقلون؛ لأنهم همج رعاع تابعون لأكابرهم، فأكثرهم لا يعقلون، يعني: ليس لهم عقل يرشدهم، مع أن الله ذكر في أوصاف الكفار في آية أخرى أنهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]، لكنه قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ لأن هنا إمامًا ومقلدًا، من الأئمة عندهم؟ أئمة الكفر الذين يحللون ويحرمون بأهوائهم العوام يتبعونهم، ويقولون: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢]، ولهذا قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي قيل لهؤلاء الأكثر ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ يعني: إلى القرآن لنتحاكم إليه ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أيضًا لنتحاكم إليه ليكون التحاكم إليه، وهذا في حياته يؤتى إليه شخصيًّا، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ قالوا في جواب من يقول لهم: ﴿تَعَالَوْا﴾: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: كافينا ﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ يعني: وليس لنا حاجة أن نتحاكم إلى القرآن ولا إلى الرسول؛ لأن لدينا ما يكفينا، وهو ما كان عليه آباؤنا.
قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ يعني: أيقولون هذا ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، ولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا ولا يهتدون، وهذا في غاية التوبيخ أن يتبعوا آباءهم، وآباؤهم ليسوا على علم.
﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ يعني شيئًا من شريعة الله، وإلا فهم يعلمون كيف يأكلون وكيف يشربون، كيف يذهبون ويجيئون، لكن لا يعلمون شيئًا من شريعة الله.
﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ الطريق الذي يوصلهم إلى الله عز وجل، فنفى عنهم العلم والعمل، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ هذا نفي العلم، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ نفي العمل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد: منها إطلاق الجعل على التشريع؛ لقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾.
* ومنها: بطلان ما كان عليه أهل الجاهلية في تحريم هذه الأنعام الموصوفة بهذه الصفات: البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
* ومن فوائدها: الإنكار على الكفار حيث شرعوا هذه الشريعة وحرموا هذه الأشياء الأربعة.
* ومنها: أن كل من أتى بشريعة ليست من عند الله فإنه يصدق أن نقول: إنه افترى على الله الكذب، لكن من اجتهد من هذه الأمة، وبذل الوسع في الوصول إلى الحق، وحكم بغير الصواب، فإنه لا يقال: إنه افترى على الله كذبًا، بل يقال: إنه اجتهد وأخطأ وله أيش؟ أجر واحد، وهذا والحمد لله من سعة رحمة الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر الإفتاء وأن الإنسان قد يفتي بالشيء، فيكون ممن افترى على الله كذابًا، وقد كان السلف -رحمهم الله- إذا استفتي أحدهم يقول: لا أفتي حتى أنظر الصراط بين يدي، فهل أنجو منه أو لا أنجو؟ وكذلك الإجابة هل ينجو منها أو لا ينجو؟ ووالله إن هذا لدليل على تعظيم الله عز وجل وهيبته في القلب، ألا يقدم الإنسان حتى يعرف أنه سوف ينجو في العبور على الصراط، ولا شك أن الفتوى أمرها عظيم وخطرها عظيم، وما أشد زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب. نسأل الله العافية.
* ومن فوائد هذه الآية: ذم أولئك الذين يقولون بلا علم وأنهم قد فقدوا عقولهم؛ لقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وصدق الله عز وجل، كل إنسان يقدم على الفتوى بالتحليل أو التحريم أو الإيجاب بدون علم فهو غير عاقل، وإن ظن أنه صار إمامًا فإنه غير عاقل، وسيفضحه الله عز وجل إما في الدنيا وإما في الآخرة، يعني قد يمهل الله له ويكون إمامًا في وقت ما لغفلة الناس وعدم العلماء، ولكن النتيجة سوف يكون مخذولًا والعياذ بالله؛ لأن كل من ابتغى الإمامة في غير دين الله فإنه مخذول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التحري في الإفتاء من العقل، ولقد كان السلف الصالح يتدافعون الإفتاء ويؤجلون المستفتي، حتى إنهم ذكروا أن قومًا أتوا من خُراسان من المشرق إلى المدينة يستفتون الإمام مالكًا -رحمه الله- في مسألة، فقال: أنظروني، وبقوا خمسة عشر يومًا ينتظرون الفتوى، في النهاية قال: ليس عندي علم، قالوا: سبحان الله! إمام دار الهجرة ليس عنده علم، ونحن أتينا من بلاد بعيدة وأقمنا في انتظار هذه الفتوى وتقول ما عندي علم! قال: نعم، أقول: ما عندي علم، اذهبوا إلى قومكم وقولوا: إن مالكًا يقول: ليس عندي علم، وهو إمام، لكن الإنسان يعرف أنه سيقف بين يدي الله عز وجل، وسيسأله: لماذا حكمت في عبادي بما لم تعلم أنه حكمي، أو يغلب على ظنك أنه حكمي إذا كنت من أهل الاجتهاد، فالمسألة خطيرة -نسأل الله أن ينجينا وإياكم- الإنسان لولا أنه يقول: لعلي أكون إمامًا في الخير لقال: ليتني لم أرزق هذا العلم، لكني أقول: نرجو الله عز وجل التوفيق للصواب وأن نكون أئمة في دين الله وندخل في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان ٧٤].
المائدة 5:104
ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ هذا لمن؟ هؤلاء العوام، لما ذكر العلماء في الآية الأولى ذكر العوام. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾.
* يستفاد منها: أن هؤلاء العوام يوجهون ويرشدون ويدعون إلى الكتاب والسنة، وأبهم القائل إما لكثرة القائلين وإما لاختلاف مراتبهم؛ لأن كثرة القائلين توجب أن الإنسان ينصاع ويأتي، والمرتبة العليا أيضًا توجب أن الإنسان ينصاع ويأتي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الله تبارك وتعالى أنزل الكتاب القرآن.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن كلام الله، فإذا قال قائل: لا يلزم من كون الله أنزله أن يكون كلامه؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، ويقول: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩] فهل تجعلون الحديد من صفات الله أو الماء النازل من السماء؟ لا، لا نقول هذا، إذن يقول: القرآن مخلوق كما خلق الحديد وكما خلق الماء النازل من السماء، تمويه من أهل الباطل؛ لأن أهل الباطل يتبعون المتشابه.
فنقول لهم: هل الكلام عين قائمة بنفسها جسم أو غير جسم قائم بنفسه، أو لا بد لكل كلام من متكلم؟ الثاني، لا شك؛ لأن الكلام وصف، لا بد أن يكون من موصوف، إذن إذا أضاف الله إنزال القرآن إلى نفسه علمنا أنه كلامه؛ لأن القرآن كلام، فيكون في هذا دليل واضح على أن القرآن كلام الله.
* فيه أيضًا دليل على علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ لأن النزول لا يكون إلا من أعلى، وعلو الله عز وجل أبين وأظهر من أن تقام عليه الأدلة، ولكن السلف وأهل السنة والجماعة اجتهدوا في تقرير الأدلة؛ لأن هناك من ينازع في علو الله عز وجل، وإذا وجد منازع فلا بد أن يكون له مقابل، وإلا لضاعت الشريعة، يعني أقول: العلو أبين من أن يحتاج إلى أيش؟ إلى تكثير الأدلة، لكن لما كان في الأمة الإسلامية التي تستقبل قبلتنا وتنحر نسيكتنا من ينكر العلو صار لا بد أن نأتي بالأدلة من كل وجه.
من أدلة العلو: القرآن: فهو مملوء من الأدلة على علو الله عز وجل العلو الذاتي. السنة كذلك مملوءة وعلى جميع وجوهها: القول والفعل والإقرار. إجماع الصحابة موجود، ما منهم أحد قال: إن الله ليس في السماء، وهم يقرؤون القرآن ويسمعون السنة، ما أحد منهم قال: إن الله ليس في السماء، وعلى هذا فيكونون مجمعين على ما دل عليه الكتاب والسنة، وهذا الطريق به نعرف إجماع الصحابة أن القرآن يتلونه والسنة يسمعونها ولم يرد عنهم ما يخالفها، فإذن هم قائلون به أليس كذلك؟ فإذا طلبك إنسان بإجماع الصحابة على مثل هذه الأمور فقل: إنهم يقرؤون القرآن ويسمعون السنة ويشاهدون الفعل من الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يرد عنهم ما يخالف ذلك، إذن هم مقرون بهذا؛ لأنهم أهل اللسان وأعرف الناس بمعاني القرآن والسنة. العقل أيضًا دليل على علو الله سبحانه وتعالى؛ لأن كل إنسان يعلم أن العلو صفة كمال ما فيه إشكال، وأن السفلة صفة نقص، والرب عز وجل يجب له الكمال من كل وجه، ولهذا قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢] صنم تعبده لا يسمع دعاءك ولا يبصر حالك، ولا يغني عنك شيئًا. الفطرة: تحتاج إلى دليل؟ ما يحتاج، كل إنسان يؤمن بالله عز وجل وأنه حي موجود فإنه لا يمكن أن يتصور إلا أنه في السماء، لو أتيت العجائز اللاتي لم يقرأن ما كتب حول الموضوع وقلت: أين الله؟ ويش تقول؟
* طالب: في السماء.
* الشيخ: تقول: في السماء، ولا تقول: خلي بطالع وأشوف، الجواب: في السماء، حتى الجارية التي أعتقها معاوية بن الحكم رضي الله عنه «لما سألها النبي ﷺ: «أَيْنَ اللهُ؟» قالت: في السماء»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم.]]، فأي حكم يكون أثبت من حكم دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب الرجوع إلى ما جاء في الكتاب والسنة؛ لأن الله أنكر على هؤلاء الذين قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
* ومن فوائد الآية: أن من تعصب لقول إمام والتزمه وأصر عليه مع وجود الكتاب والسنة ففيه شبه من هؤلاء الكفار؛ لأنه إذا قيل له: تعال إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قال: حسبي إمامي، فيكون فيه شبه من هؤلاء الكفار.
وقد أنكر قوم التقليد إنكارًا عظيمًا، وقابلهم آخرون فأوجبوه، وقالوا: إن باب الاجتهاد قد سد من زمان ولا مناص للأمة الإسلامية الآن من التقليد، فصاروا طرفي نقيض؛ قسم ينكر إنكارًا عظيمًا ويقول: التقليد شرك والتقليد دأب المشركين ولا يمكن أبدًا إلا أن يعرف الإنسان الحق بنفسه، وقسم آخر بالعكس قال: ما في الكتاب مذهب هو الحق، ولو بان بالكتاب والسنة أنه غير صحيح فالزم المذهب لا تخرج عنه، وقد أدركنا هذا، أدركنا من يقول: المرجع الإقناع والممتع، وإياك أن تخرج عما فيهما، حتى وشوا ببعض الناس إلى السلطات حين ذكروا ما هو الراجح من الأقوال، وقالوا: هذا خارج عن المذهب.
وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، ومن اعتقد أن أحدًا من الناس من العلماء وإن كبر، بل من الصحابة، يجب التزام قوله عزيمة ورخصة وتحليلا وتحريمًا؛ فإنه ضال مبتدع يستتاب، فإن تاب وإلا أدبه الحاكم بما يرى أنه يردعه وأمثاله.
القسم الثالث: توسط في التقليد والاجتهاد، قالوا: من أمكنه الاجتهاد ومعرفة الحق بنفسه لم يحل له أن يقلد، ومن لا فله أن يقلد، واستدلوا بقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٤٣] ولم يأمر الله تعالى بسؤالهم إلا للرجوع إلى قولهم، وإلا لكان سؤالهم لغوًا لا فائدة منه، وبقول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وبأن الله تعالى أباح التيمم عند عدم الماء، كم هذا؟ كم من دليل؟
* طلبة: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة، وبأن الله أباح الميتة عند الضرورة، إذا لم يجد الإنسان إلا ميتة فإما أن يأكلها فيبقى أو لا يأكلها فيهلك، يقال: يجب أن تأكلها وجوبًا، فإن لم تفعل فأنت آثم، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام رحمه الله: اجعل التقليد كالميتة، لا تحل إلا عند الضرورة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسن الجدال في القرآن الكريم، حيث أقام الحجة على هؤلاء الذين قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، بأن آباءهم ﴿لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، فهم ضالون في علمهم وفي عملهم.
المائدة 5:105
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ١٠٥ - ١٠٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾.
* طلبة: (...).
* الشيخ: قواعد التفسير.
* طالب: (...) الفوائد.
* الشيخ: الآن ما حضّرت شيئًا، يعني بمعنى إلا إذا كان لديكم شيء نبحث فيه لا بأس، أما الآن ما حضرت شيئًا.
* طالب: شيخ، كتب التفسير.
* الشيخ: كتب التفسير ما أحيط بها.
* الطالب: طيب أحسن طريقة لقراءة كتاب تفسير.
* الشيخ: أحسن طريقة أخبرتكم بها أن الإنسان يتدبر الآية بنفسه حتى يتبين له ما شاء الله أن يتبين، ثم بعد ذلك يرجع إلى كتب التفسير؛ لئلا يكون أخطأ في الفهم.
* الطالب: شيخ مثل كتاب ابن كثير فيه فوائد في التفسير وفوائد في الفقه وفوائد في الحديث، فالإنسان إذا قرأ من كتاب تفسير مثل هذا يجمع كل ما أتى فيه، أم يمر مرورًا يعني سريعًا، يعني الفائدة المرجوة كيف يستفيد الإنسان؟
* الشيخ: هو أهم شيء معرفة القرآن، وما زاد فهو فضل أحيانًا، ابن كثير رحمه الله يتكلم على المسائل الفقهية في نفس التفسير، وأحيانًا لا يتكلم، أما القرطبي فهو دائمًا يتكلم على مسائل الفقه، فهو يعتبر تفسيرًا وفقهًا.
* طالب: أحسن الله عملك، المنهجية في قراءة كتب التفسير هل هناك يعني منهجية خاصة يبتدئ الطالب مثلًا في المختصرات ثم يتدرج إلى المطولات؟
* الشيخ: ما أعرف من المختصرات إلا تفسير الجلالين، وتفسير الجلالين لا أرى يقرأ به إلا رجل فحل؛ لأنه كالرموز.
نبدأ لأن هذه أسئلة ما لها قيمة في نظري.
يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الخطاب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تكرر علينا كثيرًا والحمد لله، وعرفنا ما يترتب على هذا الخطاب.
﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي الزموا أنفسكم بالإصلاح، ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني الزموا أنفسكم، ولهذا (على) تعتبر نائبة مناب اسم الفعل، أي الزموا أنفسكم بإصلاحها وطلب الهدى لها.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لأن الناس قد يقولون إذا كان هناك فسقه أو كفار فإننا نخشى على أنفسنا من هذا، فبين الله عز وجل أنه لا يضرنا أن ذلك لا يضرنا إذا أصلحنا أنفسنا، وهذا كما جاء في الحديث: «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يعني: إذا استقمتم على صراط الله، ومن الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر بقدر الاستطاعة، فليس في الآية ما يدل على إسقاط أو على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن من أعظم الهداية وأتم الهداية أن يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر.
﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: إلى الله مرجعكم أيها المؤمنون، وكذلك غير المؤمنين، فالمرجع إلى الله عز وجل، ويوم القيامة يفصل الله تعالى بين الخلائق.
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: يخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ إنباءً يترتب عليه الثواب أو العقاب.
فإن قال قائل: أليس قد ثبت في صحيح البخاري «أن النبي ﷺ استيقظ ذات ليلة محمرًّا وجهه يقول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ». قال: «فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وأشار بالسبابة والإبهام –هكذا- قالوا: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠ / ١، ٢) من حديث زينب بنت جحش.]]، قلنا: هذا لا يعارض الآية؛ لأنه إذا هلك الصالحون بسبب الفتنة التي حصلت من هؤلاء فإن ذلك لا يضرهم؛ لأن الهلاك مصير كل حي، لكنه لا يتضرر في دينه؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] وبهذا الوجه يتبين أن لا معارضة بين هذه الآية وبين ما جاء في الحديث.
* فمن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان وأن أهله أهلٌ لأن توجه إليهم الخطابات؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أن إصلاح النفس والعناية بها من مقتضيات الإيمان، فعليك نفسك، اعتن بها، أصلحها ما استطعت.
* ومن فوائدها: أن ضلال من يضل لا يترتب عليه ضرر المهتدي، يعني الضرر المعين الشخصي، وأما الضرر العام، وهي العقوبة العامة، فهذه قد تكون وقد لا تكون أيضًا، أليس الله تبارك وتعالى إذا أخذ الأمم السابقة ينجي النبي ومن معه؟ بلى، إذن ليس من الضروري أن الله سبحانه وتعالى إذا أخذ المجرم بالعقوبة أن تشمل حتى المؤمن ولكن قد يكون.
* من فوائد هذه الآية: انقسام الناس إلى ضال ومهتد؛ لقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، والضلال له سبب، والهداية لها سبب. سبب الضلال الإعراض عن دين الله وعما جاءت به الرسل؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]، ومن أسباب الهداية الإقبال على الله عز وجل وعلى ما جاءت به الرسل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا لم يهتدوا فقد يسلَّط عليهم أعداؤهم فيضرونهم؛ لأن الله اشترط لعدم الضرر اشترط أيش؟ الهداية، فإذا لم يهتد المؤمنون فيوشك أن الله تعالى يسلط عليهم الأعداء فيضرونهم في أموالهم أو أهليهم أو أوطانهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرجع إلى الله عز وجل، لا إلى غيره، وجه الدلالة من قولي: لا إلى غيره، تقديم ما حقه التأخير، يعني ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ خبر مبتدأ مقدم، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص فالمرجع إلى الله عز وجل.
وهل المراد بالمرجع المرجع يوم القيامة أو المرجع حتى في الدنيا؟ فإننا عند النزاع نتحاكم إلى الله ورسوله؟ الجواب: المراد هذا وهذا، فالمرجع إلى الله عز وجل، لكن قد يقوي أن المراد به المرجع يوم القيامة قوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإيمان بالبعث؛ لقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ﴾، والإيمان بالبعث أحد أركان الإيمان الستة، فمن أنكره أو شك فيه فهو كافر، يعني يجب عليك أن تؤمن إيمانًا قاطعًا بأن الناس سيبعثون ويحاسبون.
* ومن فوائد الآية: أن كل إنسان يبعث صغيرًا كان أم كبيرًا، وذلك بتأكيد هذا في قوله: ﴿جَمِيعًا﴾، ولكن هل من سقط من بطن أمه قبل أن تنفخ فيه الروح هل يبعث يوم القيامة؟ الجواب: لا، لا يبعث؛ لأنه لم يكن إنسانًا. ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤] فبين جل وعلا أن الخلق بعد نفخ الروح غير الأول وأن الأول عبارة عن قطعة لحم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل شيء قد أُحصي على الإنسان، من أين يؤخذ؟ أن كل شيء قد أُحصي على الإنسان؟
* طالب: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ و(ما) هنا من صيغ العموم، فكل شيء فهو مكتوب، لكن هل يمحى بعد كتبه؟ الجواب: نعم يمحى بعد كتبه، لكن القرار على ما في اللوح المحفوظ، أما الأعمال التي تتكرر اليومية فإنها قد تُثبَت وقد تُمحَى؛ لقول الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد ٣٩]، وقول النبي ﷺ: «أَتْبِعِ الْحَسَنَةَ السَّيِّئَةَ تَمْحُهَا»[[أخرجه الترمذي (١٩٨٧) من حديث أبي ذر.]]، وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤] لكن ما استقر في اللوح المحفوظ فإنه لا تغيير فيه لأنه انتهى.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يحاسَب الإنسان على حديث النفس، لا يحاسب على حديث النفس، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وحديث النفس ليس عملًا، ودليل ذلك قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن إذا ركن الإنسان إلى حديث النفس واطمأن إليه واعتقده فحينئذٍ يكون عمل عملًا قلبيًّا أو جوارحيًّا؟ قلبيًّا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله تعالى بكل شيء؛ لقوله: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.