Tafsir Ibn Uthaymeen — المائدة 5:106 – المائدة 5:120
المحتويات
المائدة 5:106
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى آخره، هذه الآية في قصة، سافر كافران مع رجل مسلم، ثم حضرته الوفاة، وليس معهم مسلم، فأشهدهما على وصيته، فهل تقبل شهادة هذين الرجلين أو لا تقبل؟ الحكم يعرف من هذه الآية، والمسألة مسألة ضرورة؛ لأنه لا يوجد مسلم، فإذا لم يوجد مسلم اضطررنا إلى قبول شهادة الكافر، وللحديث سبب مذكور، فلنفسر الآية ونقرأ السبب إن شاء الله.
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني إذا مرضتم مرض الموت، وليس المراد حضور الأجل بالفعل؛ لأنه إذا حضر الأجل بالفعل فقد لا يُعتبر قول الإنسان.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ متعلق بـ﴿شَهَادَةُ﴾؛ لأن (شهادة) مصدر تعمل عمل الفعل، فيصح أن يتعلق بها الظرف والجار والمجرور، يعني شهادتكم حين الوصية إذا حضر أحدكم الوصية اثنان.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: صاحبا عدل ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، فالخطاب هنا (منكم) للمؤمنين عمومًا، وهذا لا إشكال فيه أن يشهد الإنسان على وصيته كم؟
* طلبة: اثنان.
* الشيخ: أن يشهد اثنان ذوا عدل ما فيه إشكال.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ثم ذكر الله تعالى الصورة التي دعت الضرورة إلى إشهاد من ليس بمسلم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، كلمة ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ تشمل كل ملل الكفر، وإن كانت القضية وردت في اثنين من أهل الكتاب لكن العبرة بعموم اللفظ.
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني: سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ نعم قبل أن نتجاوز.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
اثنان من أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ؛ ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يعني سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
الثاني؛ للتنويع؛ يعني: أو آخران من غيركم إن لم يوجد ذوا عدلٍ منكم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هي كقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة ١٠٦]؛ يعني: أيقنتم أنكم ميِّتون لكون المرض مرضًا مخوفًا لا يُرجَى بُرؤُه.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ هذا كالتفصيل لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: عند أداء الشهادة تحبسونهما؛ أي: الآخرَيْنِ من غيرنا، والمراد بالحبس: الإيقاف؛ توقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر؛ لأن الصلاةَ صلاةَ العصر هي أفضل الصلوات، وهي الصلاة الوسطى، وآخر النهار أقرب في إجابة الدعاء من أول النهار، لا سيَّما إذا كان ذلك في يوم الجمعة.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاة العصر. فإذا قال قائل: لماذا جعلتم (أل) للعهد الذهني ولم تجعلوها للجنس فتقولوا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: أيِّ صلاة؟
قلنا: «لأن النبي ﷺ حبس الرجلين الشهيدين من بعد صلاة العصر»[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٨٩) عن عكرمة.]]، فتكون السُّنَّة هي التي عيَّنت هذه الصلاة.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان به.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: شكَكْتم في شهادتهما.
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نشتري بهذا اليمين ثمنًا ولو كان المشهود له ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: صاحبَ قَرابة.
وحاصل هذا القَسَم أنهما يُقسمان بأننا على حقٍّ، وشهادتنا حقٌّ، ولا يمكن أن نشهد بباطلٍ لأجل شيء من الدنيا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ معطوفة على ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾؛ أي: ونحن لا نكتم شهادةَ الله؛ أي: الشهادةَ التي حمَّلنا الله إياها على ما حصلت به الوصية.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ يعني: إنا إن كتمنا شهادة الله لَمِن الآثمين، والجملة هنا مؤكدة باثنين وهما: (إنَّ) واللام، ومعنى ﴿مِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: من الواقعين في الإثم، وإنما يقولان ذلك زيادةً في التوكيد أنهما شَهِدا بحقٍّ.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة ١٠٧] ﴿إِنْ عُثِرَ﴾ يعني: تبيَّن أنهما استحقَّا إثمًا، وذلك بشهادة الزور؛ أي: تبيَّن أن شهادتهما زور وكذب.
﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني في الشهادة ليرُدَّا شهادتهما، من أين هذان الآخران؟ يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ لأن الشهادة بالوصية تستلزم أن يؤخذ من نصيب الورثة لمن؟ لمن أُوصِيَ له، فيكون ما شَهِد به الأوَّلان مستحَقًّا على هؤلاء الورثة.
وقوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ يعني هما الأوليان؛ يعني: أَوْلى الناس بإرث هذا الذي شُهِد على وصيَّته.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ من هما؟ الشاهدان اللذان هما من ورثة الموصي.
﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾ واقعة في جواب القسم. ما هي شهادتهما؟ شهادتهما نفي هذه الوصية، وشهادة الأوَّليْنِ إثبات الوصية، ﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وإذا كانت الحقَّ لزِم أن تبطل شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وهما كما قرَّرنا أولًا ليسا مسلمَيْنِ، بل هما من غير المسلمين.
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ يعني: ما اعتدينا بالاعتراض وإبطال الشهادة.
﴿إِنَّا إِذًا﴾ يعني: إن اعتدينا ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن شهادتهما استلزمت شيئين؛ الشيء الأول: القدح في شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، والثاني: الظلم، ظلم من؟ ظلم الموصَى له، فلذلك قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة ١٠٨] أي: ذلك المذكور أقربُ أن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ يعني: على الوجه الصحيح.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني أن الذين شهدوا أولًا إذا علموا أنه لا بد أن يتعقَّبهم مِن الورثة مَن يتعقَّبهم فإنهم سوف يحرصون غاية الحرص أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو إن لم يأتوا بالشهادة على وجهها ﴿يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، ﴿أَيْمَانٌ﴾ أيمانُ مَنْ؟ الورثة، ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أَيْمان الشهداء.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر الله تعالى بأن نتقيه بالتزام أحكامه، وأكَّد هذا بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: اسمعوا ما أقول لكم وآمركم به وهو تقوى الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته، وهذا سيأتي إن شاء الله في الفوائد أنه وعيدٌ شديدٌ أن الفاسق عُرضة لأنْ لا يهديه الله عز وجل، هذا معنى الآية الكريمة.
ويحسن أن نقرأ القصة حتى يتبيَّن أكثر، من معه تفسير، ابن كثير.
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون..).
* الشيخ: أتدرون ما هي؟ يعني شهادة الكافر، وهذه سنذكرها إن شاء الله في الفوائد؛ أن بعض العلماء قال: إنها منسوخة. ولكن ليس بصحيح؛ (المائدة) يقولون: ليس فيها شيء منسوخ لأنها مِن آخر ما نزل.
* الطالب: (وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير-: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان؛ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٣).]] ثم قال: ورُوي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك. وقال ابن جرير(...)).
* * *
* الشيخ: نقرأ.
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* الشيخ: استمعوا إلى الحديث لأنه يعين على فهم الآية.
* الطالب: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ؛ قيل: إنه منسوخ. رواه العوفي..).
* الشيخ: (عزيز) يعني: قليل الجنس.
* الطالب: (رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير[[تفسير الطبري (٣ / ٣٨٥).]] -: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان).
* الشيخ: بل هي محكمةٌ الآية، وهذا هو الصواب، وقد ذكرنا لكم أنه لا نسخ فيما في سورة المائدة، كلها محكمة، على أن أيَّ إنسانٍ يدَّعي في أيِّ نصٍّ من القرآن أو السُّنة أنه منسوخ فعليه الدليل.
* الطالب: (فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين).
* الشيخ: يعني كأن اللي قالوا: لا بد من تقدير، قالوا: إنه لا يمكن أن تكون الجثة خبرًا للمعنى، و(الشهادة) معنى، و﴿اثْنَانِ﴾ شخصان؛ فقالوا: إنها على تقدير مضاف: شهادةُ اثنين، أو: أنْ يشهد اثنان، والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا وأنه إذا فُهِم المعنى فهو المقصود، ولهذا يقولون: الليلةَ الهلالُ، فيخبرون بالظرف عن الجثة لأن المعنى مفهوم، ولا حاجة إلى أن نُقَدِّر: الليلةَ طلوعُ الهلال، فالصواب أنه لا تقدير في الآية وأنَّ الآية معناها واضح.
* الطالب: (وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٤).]] ثم قال: رُوِي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: عنى ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ أي: من حيِّ الموصي، وذلك قولٌ رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدَّة غيرهما.
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾..).
* الشيخ: لا شك أن القول الأول متعيِّن؛ لأنه يخاطب المؤمنين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ يخاطب مَن؟ المؤمنين، وليس يخاطب حيَّ الذي وقعت فيهم القضية.
* الطالب: (وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا سعيد بن عون قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا حبيب ابن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين؛ يعني أهلَ الكتاب.
ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح..).
* الشيخ: قوله: (يعني أهلَ الكتاب) فيه نظر، والصواب أنه شاملٌ لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كل من ليس بمسلم فهو من غيرنا.
* الطالب: (ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وأبي مجلز، والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحوُ ذلك.
وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ -أي المراد: من قبيلة الموصِي- يكون المراد هاهنا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصِي، وقد رُوِي عن ابن أبي حاتمٍ مثلُه عن الحسن البصري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣٠) ( ٦٩٣٦).]] والزهري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٥).]] رحمهما الله.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذِّمِّيِّينَ عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية؛ كما صرَّح بذلك شريح القاضي.
قال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٤).]] : حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية.
ثم رواه عن أبي كُريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله.
وقد رُوِي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذِّمَّة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود..).
* الشيخ: ولا يضر أن ينفرد الإمام أحمد بالمسألة إذا كان معه الدليل؛ لأن من معه الدليل فهو جماعة وإن كان واحدًا، وغالب ما انفرد به الإمام أحمد رحمه الله بالتتبع هو الصواب، هذا بالتتبع، وليس كل ما انفرد به، بل غالب ما انفرد به هو الصواب.
* الطالب: (وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السُّنَّة أنه لا تجوز شهادة كافرٍ في حَضَرٍ ولا سفرٍ، إنما هي في المسلمين.
وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل تُوُفِّي وليس عنده أحدٌ من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حربٌ والناس كفَّارٌ، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفُرِضت الفرائض وعَمِل الناس بها. رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: اختُلِف في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد أن يُوصِي إليهما أو يشهدهما على قولين:
أحدهما: أن يُوصِيَ إليهما؛ كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال: سُئِل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال: هذا رجلٌ سافر ومعه مالٌ فأدركه قَدَرُه، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تَرِكَته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) (٦٩٣١).]]، وفيه انقطاع.
والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدَيْنِ، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وَصِيٌّ ثالثٌ معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة؛ كما في قصة تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفا إن شاء الله، وبه التوفيق.
وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدَينِ؛ قال: لأنَّا لا نعلم حُكمًا يحلف فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمَّنته هذه الآية الكريمة، وهو حكمٌ مستقلٌّ بنفسه لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكمٌ خاصٌّ بشهادةٍ خاصَّة في محلٍّ خاصٍّ، وقد اغتُفِر فيه من الأمور ما لم يُغتفَر في غيره، فإذا قامت قرائن الرِّيبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة.
وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. وقال السُّدي عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما. والمقصود أن يُقام هذان الشاهدان بعد صلاةٍ اجتمع الناس فيها بحضرتهم.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرتْ لكم منهما رِيبة أنهما قد خانا أو غلَّا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأَيْماننا، قاله مقاتل بن حيان. ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية..).
* الشيخ: قوله: (بأَيْماننا) فيه نظر؛ لأنه قال: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ هذا مفرد، كيف يُفسَّر بجمعٍ، لكن إذا جعلناه عائدًا على اليمين فالمعنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بالقَسَم الذي نُقسِم به، فهو عائد على القَسَم.
* الطالب: (﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية الزائلة.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها، وقرأ بعضهم: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ) مجرورًا على القَسَم؛ رواها ابن جرير عن عامر الشعبي، وحُكي عن بعضهم أنه قرأ: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهَ)[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٧).]]، والقراءة الأولى هي المشهورة.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتْمِها بالكلِّية.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقَّق من الشاهدَيْنِ الوصيَّينِ أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصَى به إليهما وظُهِر عليهما بذلك ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ هذه قراءة الجمهور: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ، ورُوي عن عليٍّ وأُبَيٍّ والحسن البصري أنهم قرؤوها: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. وقد روى الحاكم..).
* الشيخ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ هذا القراءة المشهورة.
* الطالب: جعل الجمهور ﴿اسْتُحِقَّ﴾ .
* الشيخ: ﴿اسْتَحَقَّ﴾، عندك بالضم؟
* الطالب: بالضم.
* الشيخ: هي قراءة لكن بس ما أدري قراءة غير الجمهور ولَّا..
يقول في قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ﴾ ، وفي قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم الْأَوَّلِينَ﴾ .
* الطالب: جعل الأولى قراءة الجمهور.
* الشيخ: إي والله غريبة.
* الطالب: (وقد روى الحاكم في المستدرك[[ (٢ / ٢٥٩).]] من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. ثم قال: صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقرأ الحسن: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلَانِ) حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي: متى تحقَّق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما فلْيَقُم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أَوْلى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لقولُنا: إنهما خانا، أحقُّ وأصحُّ وأَثْبَتُ من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: فيما قُلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنَّا قد كذبنا عليهما.
وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْثٌ في جانب القاتل، فيُقسم المستحقون على القاتل فيُدفع برُمَّته إليهم، كما هو مقرَّر في باب القَسَامة من الأحكام.
وقد وردت السُّنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ فقال ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣١) (٦٩٤١).]] : حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن زياد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني أبا صالحٍ مولى أم هانئ بنت أبي طالب- عن ابن عباس، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئَ الناسُ منها غيري وغير عَدِيِّ بن بَدَّاء. وكانا نصرانيَّيْنِ يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولًى لبني سهم يُقال له بُدَيلُ بن أبي مريم بتجارة ومعه جامٌ من فضة يريد به الْمَلِك وهو عُظْمُ تجارته، فمَرِضَ، فأوصى إليهما..
* الشيخ: هو أيش؟
* الطالب: (وهو عُظْمُ تجارته).
* الشيخ: (عُظْمُ) يعني هو أعظم تجارته التي معه، الجام: الإناء.
* الطالب: (فمَرِض، فأوصى إليهما وأمرهما أن يُبلِّغا ما ترك أهلَه. قال تميمٌ: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعَدِيّ بن بَدَّاء، فلما قدِمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثَّمتُ من ذلك، فأتيتُ أهلَه فأخبرتهم الخبر ودفعتُ إليهم خمس مئة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي[[الترمذي (٣٠٥٩).]] وابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٨٨).]] كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البيِّنة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يُكنَى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير؛ سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يُكنَى أبا النضر.
ثم قال: ولا نعرف لسالمٍ أبي النضر روايةً عن أبي صالحٍ مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيءٌ من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه:
حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميمٍ الداري وعَدِيِّ بن بَدَّاء، فمات السهمي بأرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة..
* الشيخ: (مخوَّصًا بالذهب) يعني: مُرصَّع عليه مثل الخوص من الذهب؛ يعني مُزَركش، وهو من فضة.
* الطالب: (فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميمٍ وعَدِيٍّ. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحقُّ من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٠٦) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.]].
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة[[جامع الترمذي (٣٠٦٠).]].
ومحمد بن أبي القاسم كوفيٌّ قيل: إنه صالح الحديث. وقد ذكر هذه القصة مرسلةً غير واحد من التابعين منهم: عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر؛ رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٨٧).]]، وكذا ذكرها مرسلةً مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.
ومن الشواهد بصحة هذه القصة أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير قال: حدثني يعقوب قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي أن رجلًَا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقاءَ. قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشهِدُهُ على وصيَّته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعريَّ -يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه- فأخبراه، وقدما بتركته ووصيَّته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيَّرا، وإنها لَوصيةُ الرجل وتركتُه. قال: فأمضى شهادتهما[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٤).]].
ثم رواه عن عمرو بن عليٍّ الفلَّاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقاء.
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري.
فقوله: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ. الظاهر -والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميمٍ وعَدِيِّ بن بَدَّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدَّعي نَسْخِهِ إلى دليلٍ فاصلٍ في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط عن السدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت؛ يوصِي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه. قال: هذا في الحضر، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفرِه وليس بحضرته أحدٌ من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِيَ بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يُباليانِ صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقَف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين؛ إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خُنتما فضحتُكما في قومكما ولم تَجُز لكما شهادة وعاقبتُكما. فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٥) من حديث السدي عن ابن عباس.]].
وقال ابن جرير: حدثنا الحسين قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر فليُشهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب[[تفسير الطبري (١١ / ١٧١) من حديث المغيرة بن مقسم وإبراهيم النخعي.]]. فإذا قدما بتركته فإن صدَّقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما أُحلِفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمْنا ولا كذَبْنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارْتِيبَ في شهادتهما استُحلِفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطَّلع الأولياء على أن الكافرَيْنِ كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فذلك قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اطُّلِع على أن الكافرَيْنِ كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فتُرَدُّ شهادة الكافرَيْنِ وتجوز شهادة الأولياء[[تفسير الطبري (١١ / ١٨١).]].
وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير.
وهكذا قرَّر هذا الحكمَ على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرْضي من تحليف الشاهدَيْنِ الذِّمِّيَّين وقد استُريبَ بهما؛ أقربُ إلى إقامتهما الشهادةَ على الوجه المرْضي.
وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها هو تعظيمُ الحلف بالله ومراعاةُ جانِبه وإجلالُه، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقُّون ما يدَّعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته).
* الشيخ: أحسنت، أطال رحمه الله على هذه الآية؛ لأن هذه الآية فيها إشكالات، لكنه حلَّ جميع هذه الإشكالات، فيها إشكال من جهة الإعراب ومن جهة السياق، ولكن الله عز وجل يتكلم بما شاء كيف شاء؛ حتى يعرف الناس أن هذا القرآن الكريم مناسبٌ لمقتضى الحال، والقضية معقدة حكمًا وإعرابًا وغير ذلك، لكن -والحمد لله- بمثل هذا التفسير الذي سمعتم يزول الإشكال.
خلاصة المعنى: أنه إذا سافر الإنسان وليس حوله مسلم، ليس حوله إلا كُفَّار، وأراد أن يوصي فليستشهد شاهدَينِ اثنين على الوصية، فإذا وصلوا إلى البلاد الإسلامية أدْلَوْا بالشهادة وقُبِلت الشهادة بدون أيِّ شيءٍ، إلا إذا حصل ارتيابٌ، فإذا حصل ارتيابٌ حينئذٍ نستعمل القَسَم، نحبسهما من بعد الصلاة ونجعلهما يُقسمان بالله إنهما صادقان وإنهما لم يشتريا بشهادتهما شيئًا من الدنيا، ويُخَوَّفان أنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بعد أَيْمانهم؛ لأن أولياء المقتول إذا أقسموا رُدَّتْ شهادة الشاهدَينِ، ومعلوم أنه إذا حُكِم بِرَدِّ شهادتهما صار ذلك عارًا عليهما وخِزْيًا، فربما إن لم يخافا من الله خافا من العار والخزي، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هذا مجمل معنى الآية الكريمة.
لكن فيها فوائد كثيرة نذكر منها ما نسأل الله أن ييسِّره ويوفقنا به إلى الصواب.
* من فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر للضرورة، ولكن هل تُخصَّص الضرورة بهذه الصورة أم بكل ضرورة؟
أولًا: في أصل المسألة -وهي شهادة الكافر- فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل، وهذا مبني على أن هذا الحكم أيش؟ منسوخٌ، فلا تُقبل، وهذا قولٌ مردود بأن النسخ يحتاج إلى دليلٍ، وأن سورة المائدة قد قال كثيرٌ من العلماء: إنه ليس فيها نسخٌ لأنها من آخر ما نزل. فليُطرح هذا القول.
والعجب أن الذي قال بهذا القول أكثر العلماء، وأن القول بشهادة الكافر هو قول الإمام أحمد رحمه الله، وما أكثرَ ما ينفرد بالشيء فيكون قوله هو الصواب؛ كقوله في كُفر تاركِ الصلاة، انفرد بهذا القول، لكنه حقيقةً لم ينفرد لأن معه الكتاب والسُّنة والصحابة.
على القول بقبول الكافر، هل يختصُّ هذا بهذه الصورة الواقعة؛ بمعنى أنه يُشترط أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ لأن الشاهدَينِ في هذه القصة كانا من النصارى، فهل يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ أو لا يُشترط؟
المشهور من المذهب أنه يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ، ولكن سيأتي أن ظاهر الآية يخالف ذلك وأن الآية عامة في كل كافر.
وهل يختصُّ ذلك بالوصية أو في كل شيء؟
هذا أيضًا محلُّ خلافٍ، وسبب القول باختصاصه بالوصية أن هذه خارجة عن قواعد الشهادة، والخارج عن القواعد قاعدته أن يُقتصَر فيه على ما أيش؟ على ما خرج فقط؛ يعني على ما ورد فقط، وسيأتي إن شاء الله أن القول الراجح أنه تجوز شهادة غير الكتابيَّينِ، وأنه تجوز الشهادة في الوصية وغيرها وفي السفر وغيره، وهذا قد يقع أحيانًا؛ عندنا الآن كثيرٌ من المستشفيات القائمون على العلاج نصارى، فإذا حضر الموتُ أحدًا من هؤلاء المرضى وأشهدَ مَن عنده من الأطباء فهذا حكمه كذلك.
* * *
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ١٠٦ - ١٠٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه الآية والتي بعدها قرأناها أولًا وفسرناها، بقي الفوائد.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الإشهاد على الوصية؛ لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾، وظاهر الآية الكريمة أنه لا بد من رجلين؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾، واثنان عدد للمذكر، فهل هذه الآية على ظاهرها؟
الجواب أن يقال: هذه الآية تقيَّد بآية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأن الأموال وما يُقصَد به الأموال إذا لم يُقِرّ المدَّعَى عليه يكفي في إثباته واحدٌ من أمورٍ ثلاثة: شهادة رجلينِ، شهادة رجلٍ وامرأتينِ، شهادة رجلٍ ويمينُ المدَّعي. هذه بيِّنات المال وما يتعلَّق به المال، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾ هذا مبنِيٌّ على الأكمل؛ يعني أن الأكمل في الإشهاد على الوصية أن يكون الشاهدان رجلين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الوصية عند حضور الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، وهذا مقيَّد بما إذا لم يتغير تمييز الموصِي، فإن تغير تمييز الموصِي فلا عبرة بقوله؛ يعني لو كان عند موته اضطرب وصار كلامه غير مرتَّب فإنه لا عبرة به بهذا الكلام، وهذا معروفٌ من قواعد الشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُشترط للإشهاد أن يكون الشاهدان ذَوَيْ عدلٍ؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾، وسبق لنا تعريف العدالة، ولكن إذا لم يوجد عدلٌ ووُجِد فاسقٌ مأمونٌ فهل يقوم مقام العدل؟
اختار بعض أهل العلم أن ذلك يقوم مقام العدل وأن اشتراط العدالة إنما هو عند التحمُّل؛ بمعنى أنك إذا أردتَ أن تُشهِد فلا تُشهِد إلا عدلين، أما عند أداء الشهادة فالضرورات لها أحكام؛ إذا لم نجد مَن يشهد إلا هذين الفاسقينِ لكنهما في الأمانة موثوقانِ فإننا نقبل شهادتهما، وهذا الأخير هو الصواب: أن العدالة شرط مع الإمكان، وأما إذا لم يمكن فإنه تُقبل شهادةُ الفاسق بشرط أيش؟ أن يكون ثقة، وكم من إنسان يكون فاسقًا في عبادته لكنه أمينٌ في شهادته، ونعلم أننا لو اتبعنا اشتراط العدالة في أداء الشهادة معتبرين الشروط التي ذكرها الفقهاء في العدالة؛ أن كثيرًا من الحقوق سوف تضيع؛ لأن كثيرًا من الناس ليسوا على الاستقامة التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر إذا عُدِم المسلم؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
وهل يختص هذا بالكتابيين أم بكل كافر؟
ظاهر الآية: كل كافر؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو بوذيًّا أو شيوعيًّا، أيًّا كان؛ لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل مطلقًا، وأجابوا عن هذه الآية بأنها منسوخة؛ لأن الله تعالى اشترط العدالة في الشهود، والكافر ليس بعدلٍ.
والقول الثاني: أن شهادة الكافر جائزة بشرط أن يكون كتابيًّا وأن يكون عند الضرورة، فاشترطوا شرطين؛ الأول: الضرورة بأن لا يوجد مسلم، والثاني: أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ، وهؤلاء احتجوا لاشتراط الضرورة بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخره، وقيَّدوا ذلك بالكتابيَّيْنِ أو بالكتابيِّينَ، قيَّدوا ذلك لأن القضية التي وردت فيها الآية كان الشاهدان من أهل الكتاب، وقالوا في تقرير الاستدلال: إن عدم اشتراط الإسلام في هذه الصورة خرج عن الأصل، وما خرج عن الأصل وجب اختصاصه بما ورد فيه فقط.
ولا شكَّ أن الجواب على هؤلاء سهل؛ نقول: الآية الكريمة عامة، والعبرة بعموم اللفظ، ولذلك إذا أراد الله تعالى تخصيص الحكم بأهل الكتاب قيَّده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥]، فأمَّا أن نقيِّد ما أطلقه الله هذا ليس بصواب، وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يسلكها: كل شيء ورد مطلقًا في القرآن والسُّنة فلا يجوز إضافة قيدٍ إليه أبدًا؛ لأنه إذا فعل ضيَّق ما وسَّعه الله واتخذ نفسَه مشرِّعًا ومستدرِكًا على الحكم الشرعي، وهذا خطير، فالقاعدة إذن أن كلَّ ما أطلقه الله ورسوله فالواجب أيش؟ إبقاؤه على الإطلاق، ولا يحلُّ أن نُضيف إليه قيدًا إلا بدليل لا بد من اتباعه، وحينئذٍ نقول: الصواب أنه يجوز أن يشهد اثنان على الوصية عند عدم المسلم سواء كانا كتابيَّينِ أو من غير الكتابيِّينَ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علوُّ مرتبة المسلم على الكافر، وهذا لا إشكال فيه؛ وجه ذلك: أن شهادة الكافر لا تُقبل إلا إذا لم يوجد مسلم، وهذا يدل على أن المسلم أعلى مرتبةً ومنزلةً من غير المسلم.
فإن قال قائل: فهمنا أن شهادة الكافر فيما يتعلق بأمور المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة، فهل تقبلون شهادة الكفار بعضهم على بعض؟
الجواب: نعم، سواء كان للضرورة أو غير ضرورة، شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة، لكن بشرط أن يكون عدلًا في دينه، كما اشترطنا في شهادة المسلم أن يكون عدلًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفر يطلق عليه: الضرب في الأرض؛ لقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. والقرآن الكريم تارةً يذكر السفر بلفظه وتارةً يذكر عنه الضرب في الأرض؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة ٦] هذا ذكر السفر ولم يقُل: أو ضربتم في الأرض، وقال تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة ١٨٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق الضرب في الأرض، ولم يقيده بمسافة القصر أو أكثر أو أقل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أراد الشاهدان من غير المسلمين أداء الشهادة فإنهما يُحبسان من بعد الصلاة؛ يعني: يوقَفان من بعد الصلاة، وذلك لانتفاء التهمة؛ لأن الصلاة معظَّمة، والإنسان يخاف أن يشهد بباطل بعد هذه الصلاة التي ذكرها الله عز وجل.
ولكن هل هذا مشروطٌ بالارتياب في شهادتهما، أو نقول: إنهما يُحبسان على كل حالٍ ليظهر الفرق بين أداء الشهادة من المسلم وأداء الشهادة من غير المسلم؟
الآية فيها احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قيدًا في قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ وقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، ويحتمل أن تكون قيدًا لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ فعلى الاحتمال الثاني يكون حبْسهما واجبًا، وعلى الأول لا يكون حبْسهما واجبًا إلا إذا ارتبْنا منهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُحلَف بغير الله؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، فلو أقسم بغير الله حتى بمن يُعَظَّم عندهم كالمسيح مثلًا فإنه لا تُقبل يمينُه ولا يُعتَدُّ بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
فهل يؤخذ من هذا أن للقاضي أن يُحلِّف الشاهدَينِ عند الارتياب في شهادتهما؟
نقول: نعم، له ذلك، ولا يقول قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في الكفار، لا، لو قال قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في شهادة الكفار فالجواب: الحكم يدور مع عِلَّته؛ لأننا لم نُحَلِّفهما بالله إلا عند الارتياب لا لكونهما من الكفار، إذن للقاضي أن يُحلِّف الشهودَ إذا ارتاب في شهادتهما.
هل له -أي: للقاضي- أن يفرق الشهود أيضًا عند الارتياب بأن يخلو بكل واحدٍ منهما ويسأله سؤالًا تفصيليًّا؛ حتى إذا اختلفا عرف أن شهادتهما غير صحيحة؟
الجواب: نعم، له ذلك.
وهل له أن يُوَرِّي فيُظهِر لهما خلافَ ما يريد لاستظهار الحق؟
الجواب: نعم، ويدلُّ لذلك قصة سليمان مع المرأتين اللتين خرجتا بحاجة لهما، ثم أكل الذئب ولد إحداهما، فتخاصمتا إلى داود فقضى به للكبرى، ثم تخاصمتا إلى سليمان فطلب السكِّين، دعا بالسكِّين؛ قال يريد أن يشُقَّ الولد نصفين ويعطي الكبرى نصفًا والصغرى نصفًا، الكبرى وافقت على هذا، ليش؟ ما في قلبها رحمة له، وولدها قد مات؛ أكله الذئب، فلْيكنْ هذا تبعًا له، الصغرى قالت: يا نبيَّ الله، هو لها، هو لها. فتنازلت عن دعواها ليش؟ لشفقتها ورحمتها، تنازلت، وليس معنى قولها: (هو لها) أنه عبدٌ لها، لا؛ (هو لها) يعني أنها قد تنازلت عن الدعوى، فقضى به سليمان عليه الصلاة والسلام لمن؟ للصغرى[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٦) ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]].
فإذا ارتاب القاضي في شهادة الشهود فلا بأس أن يُوَرِّي في الحكم من أجل استظهار الحق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن يكون صفة الإقسام على هذا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ١٠٦]، فهل يُكتفى بالمعنى أو لا بد من هذا اللفظ بعينه؟
الصواب أنه يكفي المعنى؛ لأن هذا اللفظ لا يُتعبَّد به حتى نقول لا يمكن أن يُغيَّر، بل عبَّر الله عز وجل عن المعنى بهذا اللفظ، إذن فالمرجع يا إخواننا إلى أيش؟ المرجع إلى المعنى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن للقرابة تأثيرًا في الميل والعاطفة؛ لقولهما: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وهذا شيء فطريٌّ معروفٌ، وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة ١١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كتمان الشهادة إثمٌ؛ لقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وقد قرر الله تعالى هذا بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة ٢٨٣]، ولا شك أن الشهادة إذا كتمها الإنسان لزِم من ذلك إخفاء حقٍّ واجبٍ لشخصٍ وإضافةُ باطلٍ للشخصِ الآخرِ؛ فمثلًا: إذا استشهده شخصٌ بأن في ذِمَّة فلانٍ له كذا وكذا فكتمه، ما الذي يحصل؟ إخفاء الحق وإضافة الباطل إلى من لم يشهد عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ردُّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ إلى آخره، كيف يُرَدُّ اليمين على المدَّعِي؟
ادَّعى زيدٌ على عمرٍو مئة ريالٍ، فطلبنا البيِّنة من زيدٍ، فقال: لا بينة عندي، ولكن أطلب يمين المدَّعَى عليه، أفهمتم؟ إذا حلف المدَّعَى عليه انتهت الخصومة، لا ما هو بريء، انتهت الخصومة؛ بمعنى لو أن المدعِي فيما بعد علم ببيِّنة له لم يعلمها من قبل فإنه على دعواه، لكن انتهت الخصومة.
لو قال المدعي إذا نَكَل عن اليمين: احكم عليه؛ لأن الخصومة انتهت وإنه لا يطالبني بشيء. فرأى القاضي أن يرد اليمين على المدعِي، فهنا لا بأس، لماذا؟ لأنه قد يكون المنكِر صادقًا، ولكن يحتاج إلى إثبات زيادة، فيرده عليه، وهذا القول هو الصحيح: أنه يجوز أن تُردَّ اليمين على المدعِي كما في هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على حقٍّ فيها؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعِثار لا يكون إلا بعد التحرِّي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشاهدَينِ إذا غيَّرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهُما آثمان؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثمٌ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُقام عند العثور على أن الشاهدَينِ كاذبانِ يُقام اثنان ممن استحقَّ عليهم، والقضية كما تعرفون كانت في وصية، فيقوم اثنان ممن استحقَّ عليهم، ويكون الاثنان هما الأوليانِ؛ يعني الأحقَّانِ بإرثِ الميت، والكلام في الآيتين عن الوصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإرث يكون للأَوْلى فالأَوْلى؛ يؤخذ من قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقرِّرًا ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]. أليس كذلك؟ اقرأ الحديث.
* طالب: (...).
* الشيخ: عن ابن عباس رضي الله عنه: قال ﷺ. إي، لا بد أن تكون هكذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة كما ذكرنا أولًا: أن تُرَدَّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها من فوائد الآية الكريمة: أن المدَّعَى عليه لا يجزم ببُطلان شهادة الشاهد التي تبيَّن أن فيها شيئًا من الخلل؛ لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ، ولم يقُل: باطلة. لكن قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدَّعَى عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القَسَم إلى إثباتٍ ونفيٍ فلا بد من ذكر الإثبات والنفي؛ فقولهما -يعني الأَوْليينِ- ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ هذا أيش؟ إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفيٌ، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ردَّ الأَوْليينِ لشهادة الشاهدَينِ أعظمُ اعتداءً من تغيير الشهادة من الشاهدين؛ ووجه ذلك أنه بتغيُّر الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وسبق في التفسير بيان وجه الفرق بينهما.
* ومن فوائد الآية الثالثة: أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق بالشهادة فهو أَوْلى أن يُتَّبع؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ لأن الإنسان إذا فهِم أن من ورائه أُناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بُطلانها فلا بد أن يتحرَّى الصدق فيما شهد به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾، ومعنى ﴿اسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا، كما سبق أيضًا في الشرح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي: الخارجين عن طاعته، وخبر اللهِ صِدقٌ.
لكن يُشكل على هذا أن الواقع أن الله أيش؟ قد يهدي الفاسقين ويهدي الكافرين، فكيف نجمع بين الواقع وهذا الخبر الصادق؟
الجمع أن نقول: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي الذين كتب الله تعالى عليهم الفسق، وأما مَن كتب أن يؤمن فيؤمنُ ولا بد، ولكن الفائدة من هذا -إطلاق قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ - الإشارةُ إلى أن عدم هداية الله للفاسقين لأنهم اختاروا الفسق؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. نسأل الله لنا ولكم الهداية وأن يُعيذنا من أنفسنا والشيطانِ.
* طالب: أحسن الله إليكم، شهادة الكفار قلنا: يجوز بعضهم على بعض ولو كان لغير ضرورة، هل لا يفرق بين أهل الكتاب وغيرهم؟
* الشيخ: إي، لا فرق، إي نعم، لكن لا بد أن يكون عدلًا في دينه كما يُشترط في المسلم أن يكون عدلًا.
* طالب: شيخ، ما ذكرنا يا شيخ أن الشهادة بعد العصر أن لأهل الكتاب لا يعتبرون هذه الصلاة عندهم يعني معظمة كما في حديث ابن عباس وكما قال أبو موسى الأشعري؟
* الشيخ: لا، الصواب أن المراد صلاة العصر وإن لم يعظِّموها؛ لأنها عظيمة عند الله، ولأن العقوبة أسرع إلى من شهِد كاذبًا أو حلف كاذبًا بعد صلاة العصر.
* طالب: وابن عباس يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: يعني اجتهاد ابن عباس يخالف هذا.
* الشيخ: ويش قال؟
* الطالب: حديث أبي موسى الأشعري عندما قرأناه في التفسير؛ عندما قال له: اجعلها بعد صلاتهم في دينهم.
* الشيخ: إي نعم، اختياره.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا اشترك رجلان في جريمة ما، وعند التحقيق وجدت قرائن كثيرة تدل على أنهما هما الفاعلان حقيقة، هما الفاعلان لهذه الجريمة، ثم أرادوا بالحق يقول أن يسحبوا منهم اعترافات، هل يجوز مثلًا للمحقق يعنى مثلًا يخلو بأحدهم ويقول إن صاحبك قد اعترف بهذه الجريمة؟
* الشيخ: وكان أنكرها من قبل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ما يجوز، إن هذا كذب.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١٠٩، ١١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
سبق لنا قواعد في التفسير ينبغي أن نراجعها الآن.
أولًا: ما الذي ينبغي لمن أراد أن يفسِّر كتاب الله عز وجل؟
* طالب: (...) أن يبدأ بـ (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أول ما يبدأ هل نقول: تدبَّرْ القرآن أنت بنفسك، ثم انظر ماذا يكون لك، وبعدين راجع عليه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء ٨٢] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩].
وهل يكون عند الإنسان ثقةٌ أنه أصاب ما أراد الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن كيف يعمل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب، بعد ذلك يرجع إلى كتب التفسير.
وهل يرجع إلى كتب التفسير بالأثر أو بالنظر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بالأثر أولًا، وبالنظر ثانيًا.
يشترط لهذا إذا أراد أن يفسِّر القرآن بعدما يتدبره بنفسه أن يرجع إلى..؟
* طالب: كتب التفسير.
* الشيخ: كتب التفسير انتهينا منها، لكن هل يَرجع في تفسير القرآن إلى آراء المتأخرين؟ يعني المراتب التي يسلكها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يفسر القرآن بأيش؟ بالقرآن، ثم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه مرتبة ثانية؟
* الطالب: تفسير الصحابة.
* الشيخ: تفسير الصحابة، ثم تفسير كبار التابعين الذين يعتنون بتفسير القرآن.
مثال لتفسير القرآن بالقرآن؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩].
* الشيخ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] ومثلها: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة ١ - ٤]. وبعد ذلك نرجع إلى..؟
* طالب: السُّنة.
* الشيخ: السُّنة، تعليل؟
* الطالب: النبي ﷺ فسر القرآن.
* الشيخ: لكن التعليل؟
* الطالب: (...) المرتبة الثانية (...).
* الشيخ: (...) حكم يعني كونه يرجع إلى تفسير الله تعليله واضح؛ لأن الله أعلم بمراده في كتابه.
* الطالب: لا أحد أعلم بعد الله من رسول الله.
* الشيخ: ولا أحد أعلم بكتاب الله من البشر من رسول الله ﷺ. المثال؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] (...) أي أن القوة في الرمي.
* الشيخ: فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القوة بالرمي. تمام.
تفسير الصحابة؟ تفسير الصحابة كثير.
* طالب: مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة ٣٥] فقالوا يا شيخ: الحاجة.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: قالوا الوسيلة: الحاجة.
* الشيخ: حاجة؟
* الطالب: نعم، (...) من قول الشاعر:
إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ∗∗∗ أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي
* الشيخ: لا، على كل حال هذا يحتاج إلى إثبات، لكن غالِبَ التفسير بالأثر عن الصحابة؛ مثل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] أي: لا شكَّ، هذا موجود.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] يعني: المودة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنتَ، تمام، الأمثلة كثيرة في الواقع.
إذا لم نجِد لكلام الصحابة نرجع إلى كلام كبار التابعين المعتنين بالتفسير مثل مَنْ؟ مجاهد بن جبر.
كيف عرفنا أن مجاهدًا من الذين لهم عناية بالتفسير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، تمام، لأنه أخذ التفسير عن ابن عباس، وابنُ عباس هو من أعلم الصحابة بالتفسير.
إذا احتملت الآية معنيينِ فهل نحملها عليهما أو ماذا؟
* طالب: (...) ليس بينهما تعارض (...).
* الشيخ: ليس بينهما تعارض. على السواء ولَّا؟ على السواء؛ إذا احتملتْ معنيينِ على السواء وليس بينهما تعارضٌ وجب أن تُحمَل على المعنيينِ جميعًا؛ لأنها إذا احتملت هذا صار المعنيانِ من معانيها. مَثِّلْ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب هذه واحدة هذا رأي، الرأي الثاني.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كلمة واحدة أوضح من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: صح، يعني إما أن نُقدِّر: (فِي) أو (عَنْ).
فيه أيضًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] فسَّره بعضهم بأن المعنى: إذا أَقْبَل، والآخَر: إذا أَدْبَر، لكن هذا المثال قد يؤاخَذ، قد يكون عليه مآخذ؛ وهو أن تفسيره بـ(أَدْبَر) يُغنِي عنه قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨]؛ لأنه إذا تنفَّس الصبحُ أدبر الليلُ، فيكون الراجح الأول.
إذا وردتْ آيةٌ عامَّةٌ وآيةٌ خاصَّةٌ فهل يكون بينهما تعارض أو يجب العمل بهما جميعًا؟
* طالب: (...) العام على الخاص.
* الشيخ: يعني يجب العمل بهما جميعًا، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] وفي آية أخرى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]
* الشيخ: ويش الآية الأخرى؟
* الطالب: في آية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: آية؟ آية القتل، نحمل؟
* الطالب: على الاشتراط أن تكون مؤمنة.
* الشيخ: نحملها على الاشتراط أن تكون مؤمنة؛ لأن هذا الإطلاق قُيِّد بكلمة ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ في هذه الآية.
لو قال قائل: إن الحمل غير صحيح؛ لأن هذه كفَّارة الظِّهار ثلاثة أنواع، كفَّارة القتلِ نوعان.
* طالب: لكن الكلام ليس في عدد الكفارة الكلام في الرقبة، والرقبة مشتركة بين الكفارة في (...).
* الشيخ: ويؤيد هذا حديث معاويةَ بنِ الْحَكَم أن الرسول ﷺ قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]، يؤيد هذا.
هل مِن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: منسوخة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المائدة؟ النساء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، توافقون على هذا أن آية البقرة منسوخة بآية النساء؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، الحديث هذا ما هو ناسخ، الحديث مبيِّن للناسخ؛ أن الله نسخ بآية المواريث، لكن هذه منسوخة بآية المواريث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم بَيِّنْ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو الجمع؟
* طالب: نقول تكون الوصية لغير الأقربين وغير الوارثين.
* الشيخ: صحيح، هذا هو الصواب، الآية غير منسوخة؛ لأن الله قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ أخرج من كان وارثًا فيبقى من ليس بوارث، فلا يُعارض آيةَ المواريث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا يكون الوالد غيرَ وارثٍ؛ كما لو كان الوالد رقيقًا مثلًا فإنه لا يرث من ابنه، لكن لا بأس أن يوصِي له أو يؤمَر أن يوصِي له، خصوصًا إذا قلنا بأن العبد يَمْلِك بالتمليك؛ لأن العلماء اختلفوا: هل العبد يَمْلِك بالتمليك أو أنه إذا مُلِّكَ يكون الملْك لسيده، أو يُفَرَّق بين أن يكون الْمُمَلِّك السيدَ فيَمْلِك أو غيرَه فلا يَمْلِك.
الصحيح أنها غير منسوخة، وما وردَ عن السلف بأنها منسوخة فإن السلف يُطْلِقون النَّسْخ على التخصيص؛ لأن التخصيص في الواقع نسخٌ للعموم فيُطْلِقون عليه النَّسخ.
مر علينا قريبًا في سورة المائدة قصة إشهاد الكافر على الوصية، هي ذاتُ سببٍ ولفظها عامٌّ، فهل نقول: إن هذا العام خُصِّص بالسبب، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول: السبب لا يخصِّص العموم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ما هو السبب الذي وردت فيه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٠٦]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أشْهَدَ على وصيَّته رجُلَينِ من أهل الكتاب، فأنزل الله هذه الآية، لكن لو أنه لم يجد رجُلَينِ من أهل الكتاب ولا من المسلمين وأشهد الرجُلَينِ من الشيوعيِّينَ، فهل نأخذ بذلك، أو نقول: إنه خاصٌّ بالكتابيِّينَ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) نريد الآن اللفظ العام؛ الآية: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، فقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعُمُّ الكتابيِّينَ وغيرَ الكتابيِّينَ.
هل يُخَصُّ هذا الحكم بشهادتهما بالوصية أو حتى على غير الوصية لو شَهِد على أن الميت أقرَّ بدَينٍ في ذِمَّته لفلان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هل (...) الوصية؟ بَس الواقع وصية.
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين العموم؟ أَرِنا إيَّاه.
* الطالب: (...).
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يَعُم الكتابيين وغير الكتابيين، هل يُخص هذا الحكم بشهادتهما بالوصية، أو حتى على غير الوصية لو شهد على أن الميت أقر بدين في ذمته لفلان؟
* طالب: حتى غير الوصية.
* الشيخ: حتى غير الوصية؟ بس الواقع وصية؟
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟ أرنا إياه؟
* الطالب: ما خرج منه قيد، ويبني على القصة الوصية؛ يعني غير الوصية كذلك.
* الشيخ: إي، بس يأتيك الخصم، ويقول: لا نُسَلِّم، أعطنا عمومًا من الآية.
* الطالب: إي نعم، قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة ١٠٦]، وهذا ليس فيه نص على الوصية فقط، وإن كان (...) مصيبة.
* الشيخ: يعني قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يشمل ما لو شهد بالوصية، أو شهد بإقرار الميت بدَيْن أو غير ذلك، توافقون على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: الدليل في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ شهادة مضاف (...).
* الشيخ: بس نُقيد ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، والعموم يُؤخذ من قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني وأشهدتم على هذا حين الموت.
لو قال قائل: هل نُلحِق كل ضرورة بهذه الحال؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم! كل ضرورة؟!
* الطالب: كل ضرورة.
* الشيخ: يعني لو مثلًا إنسان في البلد حضره الموت، وليس عنده إلا كُفّار، وهذا قد يقع في العمال الآن عندنا معهم عمال كفار.
* الطالب: إي نعم، نقول به يا شيخ.
* الشيخ: نقول به في الضرورة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف نخرج هذا؟ أو كيف نقول بهذا، والآية فيها: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؟
* الطالب: إذا ليس بقيد.
* الشيخ: بس (إن) شرطية.
* الطالب: لهذا البيان.
* الشيخ: بيان أيش؟
* الطالب: بيان (...).
* الشيخ: يعني الآية سيقت ببيان القصة الواقعة، فيقاس عليها من حيث المعنى كل ضرورة، توافقون على هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، وهذا هو الصحيح، وقد عرفتم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال، أتذكرونها؟
قول: إن هذه الآية منسوخة، وأن الكفار لا تُقبل شهادتهم مطلقًا فيما يتعلق بحقوق المسلمين.
والقول الثاني: أنها خاصة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وعلّلوا هذا؛ قالوا: لأن قبول شهادة الكافر خارج عن الأصل، الأصل أن الكافر لا تُقبل شهادته، فإذا كان خارجًا عن الأصل وجب أن يقتصر على ما جاء به النص في القضية الواقعة، وهؤلاء يخصصون بالسفر، وفي الوصية، وبأهل الكتاب، ثلاث مخصصات عندهم.
القول الثالث: أنها تُقبل شهادة الكافر في كل ضرورة، وهذا أقرب إلى قواعد الشريعة، ولكن ذكر الله عز وجل أنه في حال الارتياب يحبسون من بعد الصلاة كما في الآية.
لدينا آيتان بينهما عموم وخصوص من وجه، فأيهما نقدم؟
* طالب: يحمل أما الخاص اللذان تقابلا فيه إما يرجع (...).
* الشيخ: هذا ما فيه إشكال.
* الطالب: وأما العامل الخاص (...) يحمل عليهما.
* الشيخ: التعارض، إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني يُطلب مُرجِّح، فإن لم يوجد؟ مَثِّل؟
* الطالب: ما يحتاج لمثال.
* الشيخ: مَثِّل لما فيه الترجيح؟
* الطالب: مثلًا قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] فإنه يتعارض مع قوله تعالى..
* طالب آخر: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، هاتان الآيتان بينهما خصوص وعموم من وجه.
* الشيخ: فَسِّر، يعني بَيِّن ذلك؟
* الطالب: تعتد بأطول الأجلين.
* الشيخ: كيف؟! ما أريد الحكم الآن، لكن كيف التعارض؟
* الطالب: في الآية الأولى بين الله عز وجل أنها تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
* الشيخ: سواء كانت حاملًا.
* الطالب: أو غير حامل.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: وفي الآية الثانية عند الحمل تعتد بوضع الحمل.
* الشيخ: سواء متوفى عنها أو لا. كيف الجمع، إذا وجدنا امرأة حامل توفي عنها زوجها، فبماذا تعتد؟
* الطالب: بأطول الأجلين.
* الشيخ: بأطول الأجلين نعم.
* طالب: تعتد الحامل بحديث..
* الشيخ: بوضع الحمل، بناءً على القاعدة الآن، هل تعتد بأطول الأجلين؟
إي نعم، بناءً على القاعدة تعتد بأطول الأجلين، مثلًا إذا وضعت لشهرين، نقول: كمِّلي أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن وضعت لست شهور نقول: انتظري حتى تضعي.
وبهذا نعمل بالآيتين، لكن السنة دلت على أن الحامل عدتها وضع الحمل، ولو أقل من أربعة أشهر وعشرة أيام، ما هي السنة الواردة في هذا؟
* طالب: الحديث عن سبيعة الأسلمية، أن (...) دخل عليها.
* الشيخ: أبو السنابل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال لها: إنكِ لست بناكح، حتى..
* الطالب: حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما قال لي ذلك: جمعت عليَّ ثيابي، وذهبت إلى النبي ﷺ فسألته.
* الشيخ: فأخبرته بما قال لها أبو السنابل، نعم، فقال لها؟
* الطالب: أنها حلّت للأزواج.
* الشيخ: أخبرها أنها حلت للأزواج حين وضعت، فدل هذا على أن عموم ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مقدّم على عموم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
من القواعد إذا جاء لفظ عام، ثم فُرّع عليه من يقتضي التخصيص، هل يؤخذ بالعموم أو بالتخصيص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثاله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨] كلمة ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ إذا نظرنا لعمومها صارت تشمل أيش؟ الرجعيات وغير الرجعيات؛ يعني مَن طلقت سواء كان طلاقها بائنًا أم رجعيًّا. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يقتضي أيش؟
يقتضي أن هذا خاص بالرجعيات، فهل نقول: إن العموم هنا لما فُرّع عليه حكم يختص ببعض أفراده يُحمل على الخاص أو لا؟
نعم، هذه أيضًا مما اختلف فيها العلماء، فمنهم من يقول: إن المطلقة البائن التي لا رجعة لزوجها عليها تعتد بحيضة واحدة؛ لأنه لا فائدة من إطالة المدة عليها، الرجعية فيه فائدة من إطالة المدة؛ وهو أن الزوج ربما يرجع، لكن هذه لا فائدة، وإذا لم يكن فائدة فليُفسح لها المجال، ويقال: انقضت عدتها بحيضة واحدة، وتحل للأزواج.
ومنهم من قال: نأخذ بالعموم، والتفريع على بعض أفراده كذكر بعض أفراد العموم بحكم يطابق العموم فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذا رأي الجمهور، والأول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن المطلقة التي يلزمها ثلاثة قروء، إنما هي المطلقة الرجعية.
ونظير هذا في السنة: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»[[أخرجه البخاري (٢٢٥٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. إذا نظرنا إلى عموم صدر الحديث قلنا: الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات، وإذا نظرنا إلى التفريع قلنا: لا شفعة إلا في الأرَضين التي تقع فيها الحدود، وتُصرّف فيها الطرق، وهذا أيضًا مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من يقول: إن الشفعة لا تثبت إلا في الأراضي، وأنه لو كان سيارة بين شخصين فباع أحدهما نصيبه على ثالث فليس لشريكه أن يأخذ بالشفعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» والسيارة ما فيها حدود ولا طرق.
ومنهم من قال: يؤخذ بالعموم، وتثبت الشفعة في كل ما لم يقسم من أراضي ومنقولات وغيرها، ويقول: فإذا وقعت الحدود تفريع على بعض أفراد العام، ولا يخالف العموم فلا يقتضي التخصيص، وهذا أيضًا فيه خلاف، ولكن قد وردت الأحاديث تدل على العموم، وأن الشفعة واجبة حتى في غير الأراضي؛ يعني حتى لو كانت بين رجلين سيارة وباع أحدهما نصيبه على آخر فإنه لا شفعة لشريكه؛ لأن العلة التي من أجلها أُثبتت الشفعة للشريك موجودة في الأراضي وغير الأراضي، بل ربما تكون في غير الأراضي أشد نزاعًا، فإنه قد يحدث من الشريك الجديد من النزاع والخصوم مع الشريك الأول ما يُنكد عليه الحياة.
إذا ورد عن السلف أقوال في تفسير الآية والأقوال تحتمل، فهل نقول: إن هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا أو هو اختلاف تنوُّع؟
فيه تفصيل؛ بعضه اختلاف تنوّع، وبعضه اختلاف تضاد؛ فإذا كان اختلاف تضاد وجب أن نفرض المرجِّح بين القولين، وإذا كان اختلاف تنوع فلا اختلاف في الواقع، مثاله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] بعضهم قال: الظالم لنفسه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، وبعضهم قال: الظالم لنفسه الذي لا يزكِّي، هذا واحد.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قالوا: المقتصد الذي يؤدي الزكاة، ولا يؤدي الصدقة، والذي يأتي بالصلاة في وقتها، لكن لا يحرص على إقامتها.
والسابق بالخيرات: هو الذي يؤدي الزكاة والصدقة، ويحرص على إقامة الصلاة على ما ينبغي، هل هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا بحيث نقول: في تفسير الآية قولان؟
لا؛ لأن هذا الاختلاف اختلاف تنوع؛ أي: أن كل واحد منهم ذكر نوعًا مما يدخل في الآية، وهذه قد يعدها بعض الناس اختلافًا، وليس كذلك، هذا يسمونه اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وعليه فلا يجوز أن نقول: إن السلف اختلفوا في معنى هذه الآية؛ لأن الكل اتفقوا على أنه الظالم مَن فرط في واجب، والمقتصد مَن قام بالواجب، والسابق بالخيرات مَن زاد عن الواجب، متفقين على هذا، لكن كل واحد منهم مثّل بمثال.
نريد آية فيها تخصيص متصل بغير الاستثناء؟ الاستثناء كثير: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره [العصر: ٢، ٣] كثير.
* طالب: قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].
* الشيخ: إي، ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني هذا خُصّص بالوصف.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] فلما ذكر العموم أولًا قيد بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فهل نأخذ بالعموم أو بالقيد؟
نأخذ بالقيد بلا شك؛ لأن القيد يخصص الْمُقَيَّد، وعلى هذا فلا يجب الحج إلا على مَن؟ مَن استطاع.
فلو قال قائل: جميع العبادات مقيدة بالاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، فما الحكمة من كونه يذكر هذا الشرط في الحج، ولم يذكره في الصلاة مثلًا ما قال: أقيموا الصلاة إن استطعتم؟
الجواب سهل؛ لأن المشقة في الحج أظهر وأبين من المشقة في غيره؛ فلهذا نص على هذا الشرط، فالصيام لما كان فيه نوع من المشقة قال فيه عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، وأما ما لا مشقة فيه فتُذكر فيه الأوامر مطلقة، ولكنها تُحمل على القاعدة العامة، وهو أنه لا واجب مع العجز؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فلماذا ذكر الأخوة في الآية الثانية دون الأولى؟
* طالب: لأنه نسبهم إلى الشجرة التي يعبدونها، فلما نسبهم إلى الشجرة خلع عليهم أخوة الدين، ولما نسبهم إلى الأرض أثبت لهم أخوة النسب.
* الشيخ: هذا وجه، وجه آخر يعني يقول: إنه لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنهم يعبدون الشجر.
وبعضهم قال: إن هؤلاء ليسوا من قومه، ليسوا من قومه، فليس أخًا لهم في النسب، وأما الآية الأولى فهو أخوهم بالنسب، وكلاهما صحيح.
ما رأيكم في طريقة التفسير؛ أننا نعرب الآيات المشكل وغير المشكل تمرينًا للطلاب، يذكرنا بالنحو؛ لأن الحقيقة النحو ما حصل لنا أن نوفر فيه وقتًا لدراسته إما في الألفية أو غيرها، أقول: لعل الإعراب يُعوِّض.
المائدة 5:107
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى آخره، هذه الآية في قصة، سافر كافران مع رجل مسلم، ثم حضرته الوفاة، وليس معهم مسلم، فأشهدهما على وصيته، فهل تقبل شهادة هذين الرجلين أو لا تقبل؟ الحكم يعرف من هذه الآية، والمسألة مسألة ضرورة؛ لأنه لا يوجد مسلم، فإذا لم يوجد مسلم اضطررنا إلى قبول شهادة الكافر، وللحديث سبب مذكور، فلنفسر الآية ونقرأ السبب إن شاء الله.
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني إذا مرضتم مرض الموت، وليس المراد حضور الأجل بالفعل؛ لأنه إذا حضر الأجل بالفعل فقد لا يُعتبر قول الإنسان.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ متعلق بـ﴿شَهَادَةُ﴾؛ لأن (شهادة) مصدر تعمل عمل الفعل، فيصح أن يتعلق بها الظرف والجار والمجرور، يعني شهادتكم حين الوصية إذا حضر أحدكم الوصية اثنان.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: صاحبا عدل ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، فالخطاب هنا (منكم) للمؤمنين عمومًا، وهذا لا إشكال فيه أن يشهد الإنسان على وصيته كم؟
* طلبة: اثنان.
* الشيخ: أن يشهد اثنان ذوا عدل ما فيه إشكال.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ثم ذكر الله تعالى الصورة التي دعت الضرورة إلى إشهاد من ليس بمسلم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، كلمة ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ تشمل كل ملل الكفر، وإن كانت القضية وردت في اثنين من أهل الكتاب لكن العبرة بعموم اللفظ.
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني: سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ نعم قبل أن نتجاوز.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
اثنان من أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ؛ ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يعني سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
الثاني؛ للتنويع؛ يعني: أو آخران من غيركم إن لم يوجد ذوا عدلٍ منكم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هي كقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة ١٠٦]؛ يعني: أيقنتم أنكم ميِّتون لكون المرض مرضًا مخوفًا لا يُرجَى بُرؤُه.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ هذا كالتفصيل لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: عند أداء الشهادة تحبسونهما؛ أي: الآخرَيْنِ من غيرنا، والمراد بالحبس: الإيقاف؛ توقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر؛ لأن الصلاةَ صلاةَ العصر هي أفضل الصلوات، وهي الصلاة الوسطى، وآخر النهار أقرب في إجابة الدعاء من أول النهار، لا سيَّما إذا كان ذلك في يوم الجمعة.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاة العصر. فإذا قال قائل: لماذا جعلتم (أل) للعهد الذهني ولم تجعلوها للجنس فتقولوا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: أيِّ صلاة؟
قلنا: «لأن النبي ﷺ حبس الرجلين الشهيدين من بعد صلاة العصر»[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٨٩) عن عكرمة.]]، فتكون السُّنَّة هي التي عيَّنت هذه الصلاة.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان به.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: شكَكْتم في شهادتهما.
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نشتري بهذا اليمين ثمنًا ولو كان المشهود له ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: صاحبَ قَرابة.
وحاصل هذا القَسَم أنهما يُقسمان بأننا على حقٍّ، وشهادتنا حقٌّ، ولا يمكن أن نشهد بباطلٍ لأجل شيء من الدنيا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ معطوفة على ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾؛ أي: ونحن لا نكتم شهادةَ الله؛ أي: الشهادةَ التي حمَّلنا الله إياها على ما حصلت به الوصية.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ يعني: إنا إن كتمنا شهادة الله لَمِن الآثمين، والجملة هنا مؤكدة باثنين وهما: (إنَّ) واللام، ومعنى ﴿مِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: من الواقعين في الإثم، وإنما يقولان ذلك زيادةً في التوكيد أنهما شَهِدا بحقٍّ.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة ١٠٧] ﴿إِنْ عُثِرَ﴾ يعني: تبيَّن أنهما استحقَّا إثمًا، وذلك بشهادة الزور؛ أي: تبيَّن أن شهادتهما زور وكذب.
﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني في الشهادة ليرُدَّا شهادتهما، من أين هذان الآخران؟ يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ لأن الشهادة بالوصية تستلزم أن يؤخذ من نصيب الورثة لمن؟ لمن أُوصِيَ له، فيكون ما شَهِد به الأوَّلان مستحَقًّا على هؤلاء الورثة.
وقوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ يعني هما الأوليان؛ يعني: أَوْلى الناس بإرث هذا الذي شُهِد على وصيَّته.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ من هما؟ الشاهدان اللذان هما من ورثة الموصي.
﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾ واقعة في جواب القسم. ما هي شهادتهما؟ شهادتهما نفي هذه الوصية، وشهادة الأوَّليْنِ إثبات الوصية، ﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وإذا كانت الحقَّ لزِم أن تبطل شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وهما كما قرَّرنا أولًا ليسا مسلمَيْنِ، بل هما من غير المسلمين.
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ يعني: ما اعتدينا بالاعتراض وإبطال الشهادة.
﴿إِنَّا إِذًا﴾ يعني: إن اعتدينا ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن شهادتهما استلزمت شيئين؛ الشيء الأول: القدح في شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، والثاني: الظلم، ظلم من؟ ظلم الموصَى له، فلذلك قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة ١٠٨] أي: ذلك المذكور أقربُ أن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ يعني: على الوجه الصحيح.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني أن الذين شهدوا أولًا إذا علموا أنه لا بد أن يتعقَّبهم مِن الورثة مَن يتعقَّبهم فإنهم سوف يحرصون غاية الحرص أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو إن لم يأتوا بالشهادة على وجهها ﴿يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، ﴿أَيْمَانٌ﴾ أيمانُ مَنْ؟ الورثة، ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أَيْمان الشهداء.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر الله تعالى بأن نتقيه بالتزام أحكامه، وأكَّد هذا بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: اسمعوا ما أقول لكم وآمركم به وهو تقوى الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته، وهذا سيأتي إن شاء الله في الفوائد أنه وعيدٌ شديدٌ أن الفاسق عُرضة لأنْ لا يهديه الله عز وجل، هذا معنى الآية الكريمة.
ويحسن أن نقرأ القصة حتى يتبيَّن أكثر، من معه تفسير، ابن كثير.
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون..).
* الشيخ: أتدرون ما هي؟ يعني شهادة الكافر، وهذه سنذكرها إن شاء الله في الفوائد؛ أن بعض العلماء قال: إنها منسوخة. ولكن ليس بصحيح؛ (المائدة) يقولون: ليس فيها شيء منسوخ لأنها مِن آخر ما نزل.
* الطالب: (وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير-: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان؛ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٣).]] ثم قال: ورُوي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك. وقال ابن جرير(...)).
* * *
* الشيخ: نقرأ.
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* الشيخ: استمعوا إلى الحديث لأنه يعين على فهم الآية.
* الطالب: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ؛ قيل: إنه منسوخ. رواه العوفي..).
* الشيخ: (عزيز) يعني: قليل الجنس.
* الطالب: (رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير[[تفسير الطبري (٣ / ٣٨٥).]] -: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان).
* الشيخ: بل هي محكمةٌ الآية، وهذا هو الصواب، وقد ذكرنا لكم أنه لا نسخ فيما في سورة المائدة، كلها محكمة، على أن أيَّ إنسانٍ يدَّعي في أيِّ نصٍّ من القرآن أو السُّنة أنه منسوخ فعليه الدليل.
* الطالب: (فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين).
* الشيخ: يعني كأن اللي قالوا: لا بد من تقدير، قالوا: إنه لا يمكن أن تكون الجثة خبرًا للمعنى، و(الشهادة) معنى، و﴿اثْنَانِ﴾ شخصان؛ فقالوا: إنها على تقدير مضاف: شهادةُ اثنين، أو: أنْ يشهد اثنان، والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا وأنه إذا فُهِم المعنى فهو المقصود، ولهذا يقولون: الليلةَ الهلالُ، فيخبرون بالظرف عن الجثة لأن المعنى مفهوم، ولا حاجة إلى أن نُقَدِّر: الليلةَ طلوعُ الهلال، فالصواب أنه لا تقدير في الآية وأنَّ الآية معناها واضح.
* الطالب: (وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٤).]] ثم قال: رُوِي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: عنى ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ أي: من حيِّ الموصي، وذلك قولٌ رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدَّة غيرهما.
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾..).
* الشيخ: لا شك أن القول الأول متعيِّن؛ لأنه يخاطب المؤمنين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ يخاطب مَن؟ المؤمنين، وليس يخاطب حيَّ الذي وقعت فيهم القضية.
* الطالب: (وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا سعيد بن عون قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا حبيب ابن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين؛ يعني أهلَ الكتاب.
ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح..).
* الشيخ: قوله: (يعني أهلَ الكتاب) فيه نظر، والصواب أنه شاملٌ لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كل من ليس بمسلم فهو من غيرنا.
* الطالب: (ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وأبي مجلز، والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحوُ ذلك.
وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ -أي المراد: من قبيلة الموصِي- يكون المراد هاهنا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصِي، وقد رُوِي عن ابن أبي حاتمٍ مثلُه عن الحسن البصري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣٠) ( ٦٩٣٦).]] والزهري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٥).]] رحمهما الله.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذِّمِّيِّينَ عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية؛ كما صرَّح بذلك شريح القاضي.
قال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٤).]] : حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية.
ثم رواه عن أبي كُريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله.
وقد رُوِي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذِّمَّة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود..).
* الشيخ: ولا يضر أن ينفرد الإمام أحمد بالمسألة إذا كان معه الدليل؛ لأن من معه الدليل فهو جماعة وإن كان واحدًا، وغالب ما انفرد به الإمام أحمد رحمه الله بالتتبع هو الصواب، هذا بالتتبع، وليس كل ما انفرد به، بل غالب ما انفرد به هو الصواب.
* الطالب: (وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السُّنَّة أنه لا تجوز شهادة كافرٍ في حَضَرٍ ولا سفرٍ، إنما هي في المسلمين.
وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل تُوُفِّي وليس عنده أحدٌ من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حربٌ والناس كفَّارٌ، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفُرِضت الفرائض وعَمِل الناس بها. رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: اختُلِف في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد أن يُوصِي إليهما أو يشهدهما على قولين:
أحدهما: أن يُوصِيَ إليهما؛ كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال: سُئِل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال: هذا رجلٌ سافر ومعه مالٌ فأدركه قَدَرُه، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تَرِكَته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) (٦٩٣١).]]، وفيه انقطاع.
والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدَيْنِ، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وَصِيٌّ ثالثٌ معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة؛ كما في قصة تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفا إن شاء الله، وبه التوفيق.
وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدَينِ؛ قال: لأنَّا لا نعلم حُكمًا يحلف فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمَّنته هذه الآية الكريمة، وهو حكمٌ مستقلٌّ بنفسه لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكمٌ خاصٌّ بشهادةٍ خاصَّة في محلٍّ خاصٍّ، وقد اغتُفِر فيه من الأمور ما لم يُغتفَر في غيره، فإذا قامت قرائن الرِّيبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة.
وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. وقال السُّدي عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما. والمقصود أن يُقام هذان الشاهدان بعد صلاةٍ اجتمع الناس فيها بحضرتهم.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرتْ لكم منهما رِيبة أنهما قد خانا أو غلَّا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأَيْماننا، قاله مقاتل بن حيان. ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية..).
* الشيخ: قوله: (بأَيْماننا) فيه نظر؛ لأنه قال: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ هذا مفرد، كيف يُفسَّر بجمعٍ، لكن إذا جعلناه عائدًا على اليمين فالمعنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بالقَسَم الذي نُقسِم به، فهو عائد على القَسَم.
* الطالب: (﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية الزائلة.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها، وقرأ بعضهم: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ) مجرورًا على القَسَم؛ رواها ابن جرير عن عامر الشعبي، وحُكي عن بعضهم أنه قرأ: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهَ)[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٧).]]، والقراءة الأولى هي المشهورة.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتْمِها بالكلِّية.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقَّق من الشاهدَيْنِ الوصيَّينِ أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصَى به إليهما وظُهِر عليهما بذلك ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ هذه قراءة الجمهور: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ، ورُوي عن عليٍّ وأُبَيٍّ والحسن البصري أنهم قرؤوها: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. وقد روى الحاكم..).
* الشيخ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ هذا القراءة المشهورة.
* الطالب: جعل الجمهور ﴿اسْتُحِقَّ﴾ .
* الشيخ: ﴿اسْتَحَقَّ﴾، عندك بالضم؟
* الطالب: بالضم.
* الشيخ: هي قراءة لكن بس ما أدري قراءة غير الجمهور ولَّا..
يقول في قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ﴾ ، وفي قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم الْأَوَّلِينَ﴾ .
* الطالب: جعل الأولى قراءة الجمهور.
* الشيخ: إي والله غريبة.
* الطالب: (وقد روى الحاكم في المستدرك[[ (٢ / ٢٥٩).]] من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. ثم قال: صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقرأ الحسن: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلَانِ) حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي: متى تحقَّق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما فلْيَقُم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أَوْلى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لقولُنا: إنهما خانا، أحقُّ وأصحُّ وأَثْبَتُ من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: فيما قُلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنَّا قد كذبنا عليهما.
وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْثٌ في جانب القاتل، فيُقسم المستحقون على القاتل فيُدفع برُمَّته إليهم، كما هو مقرَّر في باب القَسَامة من الأحكام.
وقد وردت السُّنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ فقال ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣١) (٦٩٤١).]] : حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن زياد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني أبا صالحٍ مولى أم هانئ بنت أبي طالب- عن ابن عباس، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئَ الناسُ منها غيري وغير عَدِيِّ بن بَدَّاء. وكانا نصرانيَّيْنِ يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولًى لبني سهم يُقال له بُدَيلُ بن أبي مريم بتجارة ومعه جامٌ من فضة يريد به الْمَلِك وهو عُظْمُ تجارته، فمَرِضَ، فأوصى إليهما..
* الشيخ: هو أيش؟
* الطالب: (وهو عُظْمُ تجارته).
* الشيخ: (عُظْمُ) يعني هو أعظم تجارته التي معه، الجام: الإناء.
* الطالب: (فمَرِض، فأوصى إليهما وأمرهما أن يُبلِّغا ما ترك أهلَه. قال تميمٌ: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعَدِيّ بن بَدَّاء، فلما قدِمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثَّمتُ من ذلك، فأتيتُ أهلَه فأخبرتهم الخبر ودفعتُ إليهم خمس مئة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي[[الترمذي (٣٠٥٩).]] وابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٨٨).]] كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البيِّنة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يُكنَى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير؛ سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يُكنَى أبا النضر.
ثم قال: ولا نعرف لسالمٍ أبي النضر روايةً عن أبي صالحٍ مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيءٌ من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه:
حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميمٍ الداري وعَدِيِّ بن بَدَّاء، فمات السهمي بأرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة..
* الشيخ: (مخوَّصًا بالذهب) يعني: مُرصَّع عليه مثل الخوص من الذهب؛ يعني مُزَركش، وهو من فضة.
* الطالب: (فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميمٍ وعَدِيٍّ. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحقُّ من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٠٦) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.]].
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة[[جامع الترمذي (٣٠٦٠).]].
ومحمد بن أبي القاسم كوفيٌّ قيل: إنه صالح الحديث. وقد ذكر هذه القصة مرسلةً غير واحد من التابعين منهم: عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر؛ رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٨٧).]]، وكذا ذكرها مرسلةً مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.
ومن الشواهد بصحة هذه القصة أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير قال: حدثني يعقوب قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي أن رجلًَا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقاءَ. قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشهِدُهُ على وصيَّته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعريَّ -يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه- فأخبراه، وقدما بتركته ووصيَّته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيَّرا، وإنها لَوصيةُ الرجل وتركتُه. قال: فأمضى شهادتهما[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٤).]].
ثم رواه عن عمرو بن عليٍّ الفلَّاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقاء.
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري.
فقوله: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ. الظاهر -والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميمٍ وعَدِيِّ بن بَدَّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدَّعي نَسْخِهِ إلى دليلٍ فاصلٍ في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط عن السدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت؛ يوصِي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه. قال: هذا في الحضر، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفرِه وليس بحضرته أحدٌ من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِيَ بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يُباليانِ صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقَف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين؛ إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خُنتما فضحتُكما في قومكما ولم تَجُز لكما شهادة وعاقبتُكما. فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٥) من حديث السدي عن ابن عباس.]].
وقال ابن جرير: حدثنا الحسين قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر فليُشهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب[[تفسير الطبري (١١ / ١٧١) من حديث المغيرة بن مقسم وإبراهيم النخعي.]]. فإذا قدما بتركته فإن صدَّقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما أُحلِفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمْنا ولا كذَبْنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارْتِيبَ في شهادتهما استُحلِفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطَّلع الأولياء على أن الكافرَيْنِ كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فذلك قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اطُّلِع على أن الكافرَيْنِ كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فتُرَدُّ شهادة الكافرَيْنِ وتجوز شهادة الأولياء[[تفسير الطبري (١١ / ١٨١).]].
وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير.
وهكذا قرَّر هذا الحكمَ على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرْضي من تحليف الشاهدَيْنِ الذِّمِّيَّين وقد استُريبَ بهما؛ أقربُ إلى إقامتهما الشهادةَ على الوجه المرْضي.
وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها هو تعظيمُ الحلف بالله ومراعاةُ جانِبه وإجلالُه، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقُّون ما يدَّعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته).
* الشيخ: أحسنت، أطال رحمه الله على هذه الآية؛ لأن هذه الآية فيها إشكالات، لكنه حلَّ جميع هذه الإشكالات، فيها إشكال من جهة الإعراب ومن جهة السياق، ولكن الله عز وجل يتكلم بما شاء كيف شاء؛ حتى يعرف الناس أن هذا القرآن الكريم مناسبٌ لمقتضى الحال، والقضية معقدة حكمًا وإعرابًا وغير ذلك، لكن -والحمد لله- بمثل هذا التفسير الذي سمعتم يزول الإشكال.
خلاصة المعنى: أنه إذا سافر الإنسان وليس حوله مسلم، ليس حوله إلا كُفَّار، وأراد أن يوصي فليستشهد شاهدَينِ اثنين على الوصية، فإذا وصلوا إلى البلاد الإسلامية أدْلَوْا بالشهادة وقُبِلت الشهادة بدون أيِّ شيءٍ، إلا إذا حصل ارتيابٌ، فإذا حصل ارتيابٌ حينئذٍ نستعمل القَسَم، نحبسهما من بعد الصلاة ونجعلهما يُقسمان بالله إنهما صادقان وإنهما لم يشتريا بشهادتهما شيئًا من الدنيا، ويُخَوَّفان أنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بعد أَيْمانهم؛ لأن أولياء المقتول إذا أقسموا رُدَّتْ شهادة الشاهدَينِ، ومعلوم أنه إذا حُكِم بِرَدِّ شهادتهما صار ذلك عارًا عليهما وخِزْيًا، فربما إن لم يخافا من الله خافا من العار والخزي، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هذا مجمل معنى الآية الكريمة.
لكن فيها فوائد كثيرة نذكر منها ما نسأل الله أن ييسِّره ويوفقنا به إلى الصواب.
* من فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر للضرورة، ولكن هل تُخصَّص الضرورة بهذه الصورة أم بكل ضرورة؟
أولًا: في أصل المسألة -وهي شهادة الكافر- فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل، وهذا مبني على أن هذا الحكم أيش؟ منسوخٌ، فلا تُقبل، وهذا قولٌ مردود بأن النسخ يحتاج إلى دليلٍ، وأن سورة المائدة قد قال كثيرٌ من العلماء: إنه ليس فيها نسخٌ لأنها من آخر ما نزل. فليُطرح هذا القول.
والعجب أن الذي قال بهذا القول أكثر العلماء، وأن القول بشهادة الكافر هو قول الإمام أحمد رحمه الله، وما أكثرَ ما ينفرد بالشيء فيكون قوله هو الصواب؛ كقوله في كُفر تاركِ الصلاة، انفرد بهذا القول، لكنه حقيقةً لم ينفرد لأن معه الكتاب والسُّنة والصحابة.
على القول بقبول الكافر، هل يختصُّ هذا بهذه الصورة الواقعة؛ بمعنى أنه يُشترط أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ لأن الشاهدَينِ في هذه القصة كانا من النصارى، فهل يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ أو لا يُشترط؟
المشهور من المذهب أنه يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ، ولكن سيأتي أن ظاهر الآية يخالف ذلك وأن الآية عامة في كل كافر.
وهل يختصُّ ذلك بالوصية أو في كل شيء؟
هذا أيضًا محلُّ خلافٍ، وسبب القول باختصاصه بالوصية أن هذه خارجة عن قواعد الشهادة، والخارج عن القواعد قاعدته أن يُقتصَر فيه على ما أيش؟ على ما خرج فقط؛ يعني على ما ورد فقط، وسيأتي إن شاء الله أن القول الراجح أنه تجوز شهادة غير الكتابيَّينِ، وأنه تجوز الشهادة في الوصية وغيرها وفي السفر وغيره، وهذا قد يقع أحيانًا؛ عندنا الآن كثيرٌ من المستشفيات القائمون على العلاج نصارى، فإذا حضر الموتُ أحدًا من هؤلاء المرضى وأشهدَ مَن عنده من الأطباء فهذا حكمه كذلك.
* * *
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ١٠٦ - ١٠٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه الآية والتي بعدها قرأناها أولًا وفسرناها، بقي الفوائد.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الإشهاد على الوصية؛ لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾، وظاهر الآية الكريمة أنه لا بد من رجلين؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾، واثنان عدد للمذكر، فهل هذه الآية على ظاهرها؟
الجواب أن يقال: هذه الآية تقيَّد بآية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأن الأموال وما يُقصَد به الأموال إذا لم يُقِرّ المدَّعَى عليه يكفي في إثباته واحدٌ من أمورٍ ثلاثة: شهادة رجلينِ، شهادة رجلٍ وامرأتينِ، شهادة رجلٍ ويمينُ المدَّعي. هذه بيِّنات المال وما يتعلَّق به المال، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾ هذا مبنِيٌّ على الأكمل؛ يعني أن الأكمل في الإشهاد على الوصية أن يكون الشاهدان رجلين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الوصية عند حضور الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، وهذا مقيَّد بما إذا لم يتغير تمييز الموصِي، فإن تغير تمييز الموصِي فلا عبرة بقوله؛ يعني لو كان عند موته اضطرب وصار كلامه غير مرتَّب فإنه لا عبرة به بهذا الكلام، وهذا معروفٌ من قواعد الشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُشترط للإشهاد أن يكون الشاهدان ذَوَيْ عدلٍ؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾، وسبق لنا تعريف العدالة، ولكن إذا لم يوجد عدلٌ ووُجِد فاسقٌ مأمونٌ فهل يقوم مقام العدل؟
اختار بعض أهل العلم أن ذلك يقوم مقام العدل وأن اشتراط العدالة إنما هو عند التحمُّل؛ بمعنى أنك إذا أردتَ أن تُشهِد فلا تُشهِد إلا عدلين، أما عند أداء الشهادة فالضرورات لها أحكام؛ إذا لم نجد مَن يشهد إلا هذين الفاسقينِ لكنهما في الأمانة موثوقانِ فإننا نقبل شهادتهما، وهذا الأخير هو الصواب: أن العدالة شرط مع الإمكان، وأما إذا لم يمكن فإنه تُقبل شهادةُ الفاسق بشرط أيش؟ أن يكون ثقة، وكم من إنسان يكون فاسقًا في عبادته لكنه أمينٌ في شهادته، ونعلم أننا لو اتبعنا اشتراط العدالة في أداء الشهادة معتبرين الشروط التي ذكرها الفقهاء في العدالة؛ أن كثيرًا من الحقوق سوف تضيع؛ لأن كثيرًا من الناس ليسوا على الاستقامة التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر إذا عُدِم المسلم؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
وهل يختص هذا بالكتابيين أم بكل كافر؟
ظاهر الآية: كل كافر؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو بوذيًّا أو شيوعيًّا، أيًّا كان؛ لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل مطلقًا، وأجابوا عن هذه الآية بأنها منسوخة؛ لأن الله تعالى اشترط العدالة في الشهود، والكافر ليس بعدلٍ.
والقول الثاني: أن شهادة الكافر جائزة بشرط أن يكون كتابيًّا وأن يكون عند الضرورة، فاشترطوا شرطين؛ الأول: الضرورة بأن لا يوجد مسلم، والثاني: أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ، وهؤلاء احتجوا لاشتراط الضرورة بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخره، وقيَّدوا ذلك بالكتابيَّيْنِ أو بالكتابيِّينَ، قيَّدوا ذلك لأن القضية التي وردت فيها الآية كان الشاهدان من أهل الكتاب، وقالوا في تقرير الاستدلال: إن عدم اشتراط الإسلام في هذه الصورة خرج عن الأصل، وما خرج عن الأصل وجب اختصاصه بما ورد فيه فقط.
ولا شكَّ أن الجواب على هؤلاء سهل؛ نقول: الآية الكريمة عامة، والعبرة بعموم اللفظ، ولذلك إذا أراد الله تعالى تخصيص الحكم بأهل الكتاب قيَّده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥]، فأمَّا أن نقيِّد ما أطلقه الله هذا ليس بصواب، وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يسلكها: كل شيء ورد مطلقًا في القرآن والسُّنة فلا يجوز إضافة قيدٍ إليه أبدًا؛ لأنه إذا فعل ضيَّق ما وسَّعه الله واتخذ نفسَه مشرِّعًا ومستدرِكًا على الحكم الشرعي، وهذا خطير، فالقاعدة إذن أن كلَّ ما أطلقه الله ورسوله فالواجب أيش؟ إبقاؤه على الإطلاق، ولا يحلُّ أن نُضيف إليه قيدًا إلا بدليل لا بد من اتباعه، وحينئذٍ نقول: الصواب أنه يجوز أن يشهد اثنان على الوصية عند عدم المسلم سواء كانا كتابيَّينِ أو من غير الكتابيِّينَ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علوُّ مرتبة المسلم على الكافر، وهذا لا إشكال فيه؛ وجه ذلك: أن شهادة الكافر لا تُقبل إلا إذا لم يوجد مسلم، وهذا يدل على أن المسلم أعلى مرتبةً ومنزلةً من غير المسلم.
فإن قال قائل: فهمنا أن شهادة الكافر فيما يتعلق بأمور المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة، فهل تقبلون شهادة الكفار بعضهم على بعض؟
الجواب: نعم، سواء كان للضرورة أو غير ضرورة، شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة، لكن بشرط أن يكون عدلًا في دينه، كما اشترطنا في شهادة المسلم أن يكون عدلًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفر يطلق عليه: الضرب في الأرض؛ لقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. والقرآن الكريم تارةً يذكر السفر بلفظه وتارةً يذكر عنه الضرب في الأرض؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة ٦] هذا ذكر السفر ولم يقُل: أو ضربتم في الأرض، وقال تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة ١٨٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق الضرب في الأرض، ولم يقيده بمسافة القصر أو أكثر أو أقل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أراد الشاهدان من غير المسلمين أداء الشهادة فإنهما يُحبسان من بعد الصلاة؛ يعني: يوقَفان من بعد الصلاة، وذلك لانتفاء التهمة؛ لأن الصلاة معظَّمة، والإنسان يخاف أن يشهد بباطل بعد هذه الصلاة التي ذكرها الله عز وجل.
ولكن هل هذا مشروطٌ بالارتياب في شهادتهما، أو نقول: إنهما يُحبسان على كل حالٍ ليظهر الفرق بين أداء الشهادة من المسلم وأداء الشهادة من غير المسلم؟
الآية فيها احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قيدًا في قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ وقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، ويحتمل أن تكون قيدًا لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ فعلى الاحتمال الثاني يكون حبْسهما واجبًا، وعلى الأول لا يكون حبْسهما واجبًا إلا إذا ارتبْنا منهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُحلَف بغير الله؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، فلو أقسم بغير الله حتى بمن يُعَظَّم عندهم كالمسيح مثلًا فإنه لا تُقبل يمينُه ولا يُعتَدُّ بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
فهل يؤخذ من هذا أن للقاضي أن يُحلِّف الشاهدَينِ عند الارتياب في شهادتهما؟
نقول: نعم، له ذلك، ولا يقول قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في الكفار، لا، لو قال قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في شهادة الكفار فالجواب: الحكم يدور مع عِلَّته؛ لأننا لم نُحَلِّفهما بالله إلا عند الارتياب لا لكونهما من الكفار، إذن للقاضي أن يُحلِّف الشهودَ إذا ارتاب في شهادتهما.
هل له -أي: للقاضي- أن يفرق الشهود أيضًا عند الارتياب بأن يخلو بكل واحدٍ منهما ويسأله سؤالًا تفصيليًّا؛ حتى إذا اختلفا عرف أن شهادتهما غير صحيحة؟
الجواب: نعم، له ذلك.
وهل له أن يُوَرِّي فيُظهِر لهما خلافَ ما يريد لاستظهار الحق؟
الجواب: نعم، ويدلُّ لذلك قصة سليمان مع المرأتين اللتين خرجتا بحاجة لهما، ثم أكل الذئب ولد إحداهما، فتخاصمتا إلى داود فقضى به للكبرى، ثم تخاصمتا إلى سليمان فطلب السكِّين، دعا بالسكِّين؛ قال يريد أن يشُقَّ الولد نصفين ويعطي الكبرى نصفًا والصغرى نصفًا، الكبرى وافقت على هذا، ليش؟ ما في قلبها رحمة له، وولدها قد مات؛ أكله الذئب، فلْيكنْ هذا تبعًا له، الصغرى قالت: يا نبيَّ الله، هو لها، هو لها. فتنازلت عن دعواها ليش؟ لشفقتها ورحمتها، تنازلت، وليس معنى قولها: (هو لها) أنه عبدٌ لها، لا؛ (هو لها) يعني أنها قد تنازلت عن الدعوى، فقضى به سليمان عليه الصلاة والسلام لمن؟ للصغرى[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٦) ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]].
فإذا ارتاب القاضي في شهادة الشهود فلا بأس أن يُوَرِّي في الحكم من أجل استظهار الحق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن يكون صفة الإقسام على هذا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ١٠٦]، فهل يُكتفى بالمعنى أو لا بد من هذا اللفظ بعينه؟
الصواب أنه يكفي المعنى؛ لأن هذا اللفظ لا يُتعبَّد به حتى نقول لا يمكن أن يُغيَّر، بل عبَّر الله عز وجل عن المعنى بهذا اللفظ، إذن فالمرجع يا إخواننا إلى أيش؟ المرجع إلى المعنى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن للقرابة تأثيرًا في الميل والعاطفة؛ لقولهما: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وهذا شيء فطريٌّ معروفٌ، وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة ١١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كتمان الشهادة إثمٌ؛ لقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وقد قرر الله تعالى هذا بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة ٢٨٣]، ولا شك أن الشهادة إذا كتمها الإنسان لزِم من ذلك إخفاء حقٍّ واجبٍ لشخصٍ وإضافةُ باطلٍ للشخصِ الآخرِ؛ فمثلًا: إذا استشهده شخصٌ بأن في ذِمَّة فلانٍ له كذا وكذا فكتمه، ما الذي يحصل؟ إخفاء الحق وإضافة الباطل إلى من لم يشهد عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ردُّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ إلى آخره، كيف يُرَدُّ اليمين على المدَّعِي؟
ادَّعى زيدٌ على عمرٍو مئة ريالٍ، فطلبنا البيِّنة من زيدٍ، فقال: لا بينة عندي، ولكن أطلب يمين المدَّعَى عليه، أفهمتم؟ إذا حلف المدَّعَى عليه انتهت الخصومة، لا ما هو بريء، انتهت الخصومة؛ بمعنى لو أن المدعِي فيما بعد علم ببيِّنة له لم يعلمها من قبل فإنه على دعواه، لكن انتهت الخصومة.
لو قال المدعي إذا نَكَل عن اليمين: احكم عليه؛ لأن الخصومة انتهت وإنه لا يطالبني بشيء. فرأى القاضي أن يرد اليمين على المدعِي، فهنا لا بأس، لماذا؟ لأنه قد يكون المنكِر صادقًا، ولكن يحتاج إلى إثبات زيادة، فيرده عليه، وهذا القول هو الصحيح: أنه يجوز أن تُردَّ اليمين على المدعِي كما في هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على حقٍّ فيها؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعِثار لا يكون إلا بعد التحرِّي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشاهدَينِ إذا غيَّرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهُما آثمان؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثمٌ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُقام عند العثور على أن الشاهدَينِ كاذبانِ يُقام اثنان ممن استحقَّ عليهم، والقضية كما تعرفون كانت في وصية، فيقوم اثنان ممن استحقَّ عليهم، ويكون الاثنان هما الأوليانِ؛ يعني الأحقَّانِ بإرثِ الميت، والكلام في الآيتين عن الوصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإرث يكون للأَوْلى فالأَوْلى؛ يؤخذ من قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقرِّرًا ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]. أليس كذلك؟ اقرأ الحديث.
* طالب: (...).
* الشيخ: عن ابن عباس رضي الله عنه: قال ﷺ. إي، لا بد أن تكون هكذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة كما ذكرنا أولًا: أن تُرَدَّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها من فوائد الآية الكريمة: أن المدَّعَى عليه لا يجزم ببُطلان شهادة الشاهد التي تبيَّن أن فيها شيئًا من الخلل؛ لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ، ولم يقُل: باطلة. لكن قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدَّعَى عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القَسَم إلى إثباتٍ ونفيٍ فلا بد من ذكر الإثبات والنفي؛ فقولهما -يعني الأَوْليينِ- ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ هذا أيش؟ إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفيٌ، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ردَّ الأَوْليينِ لشهادة الشاهدَينِ أعظمُ اعتداءً من تغيير الشهادة من الشاهدين؛ ووجه ذلك أنه بتغيُّر الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وسبق في التفسير بيان وجه الفرق بينهما.
* ومن فوائد الآية الثالثة: أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق بالشهادة فهو أَوْلى أن يُتَّبع؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ لأن الإنسان إذا فهِم أن من ورائه أُناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بُطلانها فلا بد أن يتحرَّى الصدق فيما شهد به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾، ومعنى ﴿اسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا، كما سبق أيضًا في الشرح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي: الخارجين عن طاعته، وخبر اللهِ صِدقٌ.
لكن يُشكل على هذا أن الواقع أن الله أيش؟ قد يهدي الفاسقين ويهدي الكافرين، فكيف نجمع بين الواقع وهذا الخبر الصادق؟
الجمع أن نقول: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي الذين كتب الله تعالى عليهم الفسق، وأما مَن كتب أن يؤمن فيؤمنُ ولا بد، ولكن الفائدة من هذا -إطلاق قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ - الإشارةُ إلى أن عدم هداية الله للفاسقين لأنهم اختاروا الفسق؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. نسأل الله لنا ولكم الهداية وأن يُعيذنا من أنفسنا والشيطانِ.
* طالب: أحسن الله إليكم، شهادة الكفار قلنا: يجوز بعضهم على بعض ولو كان لغير ضرورة، هل لا يفرق بين أهل الكتاب وغيرهم؟
* الشيخ: إي، لا فرق، إي نعم، لكن لا بد أن يكون عدلًا في دينه كما يُشترط في المسلم أن يكون عدلًا.
* طالب: شيخ، ما ذكرنا يا شيخ أن الشهادة بعد العصر أن لأهل الكتاب لا يعتبرون هذه الصلاة عندهم يعني معظمة كما في حديث ابن عباس وكما قال أبو موسى الأشعري؟
* الشيخ: لا، الصواب أن المراد صلاة العصر وإن لم يعظِّموها؛ لأنها عظيمة عند الله، ولأن العقوبة أسرع إلى من شهِد كاذبًا أو حلف كاذبًا بعد صلاة العصر.
* طالب: وابن عباس يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: يعني اجتهاد ابن عباس يخالف هذا.
* الشيخ: ويش قال؟
* الطالب: حديث أبي موسى الأشعري عندما قرأناه في التفسير؛ عندما قال له: اجعلها بعد صلاتهم في دينهم.
* الشيخ: إي نعم، اختياره.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا اشترك رجلان في جريمة ما، وعند التحقيق وجدت قرائن كثيرة تدل على أنهما هما الفاعلان حقيقة، هما الفاعلان لهذه الجريمة، ثم أرادوا بالحق يقول أن يسحبوا منهم اعترافات، هل يجوز مثلًا للمحقق يعنى مثلًا يخلو بأحدهم ويقول إن صاحبك قد اعترف بهذه الجريمة؟
* الشيخ: وكان أنكرها من قبل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ما يجوز، إن هذا كذب.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١٠٩، ١١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
سبق لنا قواعد في التفسير ينبغي أن نراجعها الآن.
أولًا: ما الذي ينبغي لمن أراد أن يفسِّر كتاب الله عز وجل؟
* طالب: (...) أن يبدأ بـ (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أول ما يبدأ هل نقول: تدبَّرْ القرآن أنت بنفسك، ثم انظر ماذا يكون لك، وبعدين راجع عليه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء ٨٢] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩].
وهل يكون عند الإنسان ثقةٌ أنه أصاب ما أراد الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن كيف يعمل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب، بعد ذلك يرجع إلى كتب التفسير.
وهل يرجع إلى كتب التفسير بالأثر أو بالنظر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بالأثر أولًا، وبالنظر ثانيًا.
يشترط لهذا إذا أراد أن يفسِّر القرآن بعدما يتدبره بنفسه أن يرجع إلى..؟
* طالب: كتب التفسير.
* الشيخ: كتب التفسير انتهينا منها، لكن هل يَرجع في تفسير القرآن إلى آراء المتأخرين؟ يعني المراتب التي يسلكها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يفسر القرآن بأيش؟ بالقرآن، ثم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه مرتبة ثانية؟
* الطالب: تفسير الصحابة.
* الشيخ: تفسير الصحابة، ثم تفسير كبار التابعين الذين يعتنون بتفسير القرآن.
مثال لتفسير القرآن بالقرآن؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩].
* الشيخ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] ومثلها: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة ١ - ٤]. وبعد ذلك نرجع إلى..؟
* طالب: السُّنة.
* الشيخ: السُّنة، تعليل؟
* الطالب: النبي ﷺ فسر القرآن.
* الشيخ: لكن التعليل؟
* الطالب: (...) المرتبة الثانية (...).
* الشيخ: (...) حكم يعني كونه يرجع إلى تفسير الله تعليله واضح؛ لأن الله أعلم بمراده في كتابه.
* الطالب: لا أحد أعلم بعد الله من رسول الله.
* الشيخ: ولا أحد أعلم بكتاب الله من البشر من رسول الله ﷺ. المثال؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] (...) أي أن القوة في الرمي.
* الشيخ: فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القوة بالرمي. تمام.
تفسير الصحابة؟ تفسير الصحابة كثير.
* طالب: مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة ٣٥] فقالوا يا شيخ: الحاجة.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: قالوا الوسيلة: الحاجة.
* الشيخ: حاجة؟
* الطالب: نعم، (...) من قول الشاعر:
إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ∗∗∗ أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي
* الشيخ: لا، على كل حال هذا يحتاج إلى إثبات، لكن غالِبَ التفسير بالأثر عن الصحابة؛ مثل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] أي: لا شكَّ، هذا موجود.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] يعني: المودة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنتَ، تمام، الأمثلة كثيرة في الواقع.
إذا لم نجِد لكلام الصحابة نرجع إلى كلام كبار التابعين المعتنين بالتفسير مثل مَنْ؟ مجاهد بن جبر.
كيف عرفنا أن مجاهدًا من الذين لهم عناية بالتفسير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، تمام، لأنه أخذ التفسير عن ابن عباس، وابنُ عباس هو من أعلم الصحابة بالتفسير.
إذا احتملت الآية معنيينِ فهل نحملها عليهما أو ماذا؟
* طالب: (...) ليس بينهما تعارض (...).
* الشيخ: ليس بينهما تعارض. على السواء ولَّا؟ على السواء؛ إذا احتملتْ معنيينِ على السواء وليس بينهما تعارضٌ وجب أن تُحمَل على المعنيينِ جميعًا؛ لأنها إذا احتملت هذا صار المعنيانِ من معانيها. مَثِّلْ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب هذه واحدة هذا رأي، الرأي الثاني.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كلمة واحدة أوضح من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: صح، يعني إما أن نُقدِّر: (فِي) أو (عَنْ).
فيه أيضًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] فسَّره بعضهم بأن المعنى: إذا أَقْبَل، والآخَر: إذا أَدْبَر، لكن هذا المثال قد يؤاخَذ، قد يكون عليه مآخذ؛ وهو أن تفسيره بـ(أَدْبَر) يُغنِي عنه قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨]؛ لأنه إذا تنفَّس الصبحُ أدبر الليلُ، فيكون الراجح الأول.
إذا وردتْ آيةٌ عامَّةٌ وآيةٌ خاصَّةٌ فهل يكون بينهما تعارض أو يجب العمل بهما جميعًا؟
* طالب: (...) العام على الخاص.
* الشيخ: يعني يجب العمل بهما جميعًا، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] وفي آية أخرى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]
* الشيخ: ويش الآية الأخرى؟
* الطالب: في آية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: آية؟ آية القتل، نحمل؟
* الطالب: على الاشتراط أن تكون مؤمنة.
* الشيخ: نحملها على الاشتراط أن تكون مؤمنة؛ لأن هذا الإطلاق قُيِّد بكلمة ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ في هذه الآية.
لو قال قائل: إن الحمل غير صحيح؛ لأن هذه كفَّارة الظِّهار ثلاثة أنواع، كفَّارة القتلِ نوعان.
* طالب: لكن الكلام ليس في عدد الكفارة الكلام في الرقبة، والرقبة مشتركة بين الكفارة في (...).
* الشيخ: ويؤيد هذا حديث معاويةَ بنِ الْحَكَم أن الرسول ﷺ قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]، يؤيد هذا.
هل مِن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: منسوخة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المائدة؟ النساء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، توافقون على هذا أن آية البقرة منسوخة بآية النساء؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، الحديث هذا ما هو ناسخ، الحديث مبيِّن للناسخ؛ أن الله نسخ بآية المواريث، لكن هذه منسوخة بآية المواريث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم بَيِّنْ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو الجمع؟
* طالب: نقول تكون الوصية لغير الأقربين وغير الوارثين.
* الشيخ: صحيح، هذا هو الصواب، الآية غير منسوخة؛ لأن الله قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ أخرج من كان وارثًا فيبقى من ليس بوارث، فلا يُعارض آيةَ المواريث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا يكون الوالد غيرَ وارثٍ؛ كما لو كان الوالد رقيقًا مثلًا فإنه لا يرث من ابنه، لكن لا بأس أن يوصِي له أو يؤمَر أن يوصِي له، خصوصًا إذا قلنا بأن العبد يَمْلِك بالتمليك؛ لأن العلماء اختلفوا: هل العبد يَمْلِك بالتمليك أو أنه إذا مُلِّكَ يكون الملْك لسيده، أو يُفَرَّق بين أن يكون الْمُمَلِّك السيدَ فيَمْلِك أو غيرَه فلا يَمْلِك.
الصحيح أنها غير منسوخة، وما وردَ عن السلف بأنها منسوخة فإن السلف يُطْلِقون النَّسْخ على التخصيص؛ لأن التخصيص في الواقع نسخٌ للعموم فيُطْلِقون عليه النَّسخ.
مر علينا قريبًا في سورة المائدة قصة إشهاد الكافر على الوصية، هي ذاتُ سببٍ ولفظها عامٌّ، فهل نقول: إن هذا العام خُصِّص بالسبب، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول: السبب لا يخصِّص العموم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ما هو السبب الذي وردت فيه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٠٦]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أشْهَدَ على وصيَّته رجُلَينِ من أهل الكتاب، فأنزل الله هذه الآية، لكن لو أنه لم يجد رجُلَينِ من أهل الكتاب ولا من المسلمين وأشهد الرجُلَينِ من الشيوعيِّينَ، فهل نأخذ بذلك، أو نقول: إنه خاصٌّ بالكتابيِّينَ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) نريد الآن اللفظ العام؛ الآية: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، فقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعُمُّ الكتابيِّينَ وغيرَ الكتابيِّينَ.
هل يُخَصُّ هذا الحكم بشهادتهما بالوصية أو حتى على غير الوصية لو شَهِد على أن الميت أقرَّ بدَينٍ في ذِمَّته لفلان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هل (...) الوصية؟ بَس الواقع وصية.
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين العموم؟ أَرِنا إيَّاه.
* الطالب: (...).
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يَعُم الكتابيين وغير الكتابيين، هل يُخص هذا الحكم بشهادتهما بالوصية، أو حتى على غير الوصية لو شهد على أن الميت أقر بدين في ذمته لفلان؟
* طالب: حتى غير الوصية.
* الشيخ: حتى غير الوصية؟ بس الواقع وصية؟
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟ أرنا إياه؟
* الطالب: ما خرج منه قيد، ويبني على القصة الوصية؛ يعني غير الوصية كذلك.
* الشيخ: إي، بس يأتيك الخصم، ويقول: لا نُسَلِّم، أعطنا عمومًا من الآية.
* الطالب: إي نعم، قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة ١٠٦]، وهذا ليس فيه نص على الوصية فقط، وإن كان (...) مصيبة.
* الشيخ: يعني قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يشمل ما لو شهد بالوصية، أو شهد بإقرار الميت بدَيْن أو غير ذلك، توافقون على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: الدليل في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ شهادة مضاف (...).
* الشيخ: بس نُقيد ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، والعموم يُؤخذ من قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني وأشهدتم على هذا حين الموت.
لو قال قائل: هل نُلحِق كل ضرورة بهذه الحال؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم! كل ضرورة؟!
* الطالب: كل ضرورة.
* الشيخ: يعني لو مثلًا إنسان في البلد حضره الموت، وليس عنده إلا كُفّار، وهذا قد يقع في العمال الآن عندنا معهم عمال كفار.
* الطالب: إي نعم، نقول به يا شيخ.
* الشيخ: نقول به في الضرورة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف نخرج هذا؟ أو كيف نقول بهذا، والآية فيها: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؟
* الطالب: إذا ليس بقيد.
* الشيخ: بس (إن) شرطية.
* الطالب: لهذا البيان.
* الشيخ: بيان أيش؟
* الطالب: بيان (...).
* الشيخ: يعني الآية سيقت ببيان القصة الواقعة، فيقاس عليها من حيث المعنى كل ضرورة، توافقون على هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، وهذا هو الصحيح، وقد عرفتم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال، أتذكرونها؟
قول: إن هذه الآية منسوخة، وأن الكفار لا تُقبل شهادتهم مطلقًا فيما يتعلق بحقوق المسلمين.
والقول الثاني: أنها خاصة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وعلّلوا هذا؛ قالوا: لأن قبول شهادة الكافر خارج عن الأصل، الأصل أن الكافر لا تُقبل شهادته، فإذا كان خارجًا عن الأصل وجب أن يقتصر على ما جاء به النص في القضية الواقعة، وهؤلاء يخصصون بالسفر، وفي الوصية، وبأهل الكتاب، ثلاث مخصصات عندهم.
القول الثالث: أنها تُقبل شهادة الكافر في كل ضرورة، وهذا أقرب إلى قواعد الشريعة، ولكن ذكر الله عز وجل أنه في حال الارتياب يحبسون من بعد الصلاة كما في الآية.
لدينا آيتان بينهما عموم وخصوص من وجه، فأيهما نقدم؟
* طالب: يحمل أما الخاص اللذان تقابلا فيه إما يرجع (...).
* الشيخ: هذا ما فيه إشكال.
* الطالب: وأما العامل الخاص (...) يحمل عليهما.
* الشيخ: التعارض، إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني يُطلب مُرجِّح، فإن لم يوجد؟ مَثِّل؟
* الطالب: ما يحتاج لمثال.
* الشيخ: مَثِّل لما فيه الترجيح؟
* الطالب: مثلًا قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] فإنه يتعارض مع قوله تعالى..
* طالب آخر: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، هاتان الآيتان بينهما خصوص وعموم من وجه.
* الشيخ: فَسِّر، يعني بَيِّن ذلك؟
* الطالب: تعتد بأطول الأجلين.
* الشيخ: كيف؟! ما أريد الحكم الآن، لكن كيف التعارض؟
* الطالب: في الآية الأولى بين الله عز وجل أنها تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
* الشيخ: سواء كانت حاملًا.
* الطالب: أو غير حامل.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: وفي الآية الثانية عند الحمل تعتد بوضع الحمل.
* الشيخ: سواء متوفى عنها أو لا. كيف الجمع، إذا وجدنا امرأة حامل توفي عنها زوجها، فبماذا تعتد؟
* الطالب: بأطول الأجلين.
* الشيخ: بأطول الأجلين نعم.
* طالب: تعتد الحامل بحديث..
* الشيخ: بوضع الحمل، بناءً على القاعدة الآن، هل تعتد بأطول الأجلين؟
إي نعم، بناءً على القاعدة تعتد بأطول الأجلين، مثلًا إذا وضعت لشهرين، نقول: كمِّلي أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن وضعت لست شهور نقول: انتظري حتى تضعي.
وبهذا نعمل بالآيتين، لكن السنة دلت على أن الحامل عدتها وضع الحمل، ولو أقل من أربعة أشهر وعشرة أيام، ما هي السنة الواردة في هذا؟
* طالب: الحديث عن سبيعة الأسلمية، أن (...) دخل عليها.
* الشيخ: أبو السنابل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال لها: إنكِ لست بناكح، حتى..
* الطالب: حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما قال لي ذلك: جمعت عليَّ ثيابي، وذهبت إلى النبي ﷺ فسألته.
* الشيخ: فأخبرته بما قال لها أبو السنابل، نعم، فقال لها؟
* الطالب: أنها حلّت للأزواج.
* الشيخ: أخبرها أنها حلت للأزواج حين وضعت، فدل هذا على أن عموم ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مقدّم على عموم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
من القواعد إذا جاء لفظ عام، ثم فُرّع عليه من يقتضي التخصيص، هل يؤخذ بالعموم أو بالتخصيص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثاله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨] كلمة ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ إذا نظرنا لعمومها صارت تشمل أيش؟ الرجعيات وغير الرجعيات؛ يعني مَن طلقت سواء كان طلاقها بائنًا أم رجعيًّا. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يقتضي أيش؟
يقتضي أن هذا خاص بالرجعيات، فهل نقول: إن العموم هنا لما فُرّع عليه حكم يختص ببعض أفراده يُحمل على الخاص أو لا؟
نعم، هذه أيضًا مما اختلف فيها العلماء، فمنهم من يقول: إن المطلقة البائن التي لا رجعة لزوجها عليها تعتد بحيضة واحدة؛ لأنه لا فائدة من إطالة المدة عليها، الرجعية فيه فائدة من إطالة المدة؛ وهو أن الزوج ربما يرجع، لكن هذه لا فائدة، وإذا لم يكن فائدة فليُفسح لها المجال، ويقال: انقضت عدتها بحيضة واحدة، وتحل للأزواج.
ومنهم من قال: نأخذ بالعموم، والتفريع على بعض أفراده كذكر بعض أفراد العموم بحكم يطابق العموم فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذا رأي الجمهور، والأول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن المطلقة التي يلزمها ثلاثة قروء، إنما هي المطلقة الرجعية.
ونظير هذا في السنة: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»[[أخرجه البخاري (٢٢٥٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. إذا نظرنا إلى عموم صدر الحديث قلنا: الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات، وإذا نظرنا إلى التفريع قلنا: لا شفعة إلا في الأرَضين التي تقع فيها الحدود، وتُصرّف فيها الطرق، وهذا أيضًا مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من يقول: إن الشفعة لا تثبت إلا في الأراضي، وأنه لو كان سيارة بين شخصين فباع أحدهما نصيبه على ثالث فليس لشريكه أن يأخذ بالشفعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» والسيارة ما فيها حدود ولا طرق.
ومنهم من قال: يؤخذ بالعموم، وتثبت الشفعة في كل ما لم يقسم من أراضي ومنقولات وغيرها، ويقول: فإذا وقعت الحدود تفريع على بعض أفراد العام، ولا يخالف العموم فلا يقتضي التخصيص، وهذا أيضًا فيه خلاف، ولكن قد وردت الأحاديث تدل على العموم، وأن الشفعة واجبة حتى في غير الأراضي؛ يعني حتى لو كانت بين رجلين سيارة وباع أحدهما نصيبه على آخر فإنه لا شفعة لشريكه؛ لأن العلة التي من أجلها أُثبتت الشفعة للشريك موجودة في الأراضي وغير الأراضي، بل ربما تكون في غير الأراضي أشد نزاعًا، فإنه قد يحدث من الشريك الجديد من النزاع والخصوم مع الشريك الأول ما يُنكد عليه الحياة.
إذا ورد عن السلف أقوال في تفسير الآية والأقوال تحتمل، فهل نقول: إن هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا أو هو اختلاف تنوُّع؟
فيه تفصيل؛ بعضه اختلاف تنوّع، وبعضه اختلاف تضاد؛ فإذا كان اختلاف تضاد وجب أن نفرض المرجِّح بين القولين، وإذا كان اختلاف تنوع فلا اختلاف في الواقع، مثاله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] بعضهم قال: الظالم لنفسه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، وبعضهم قال: الظالم لنفسه الذي لا يزكِّي، هذا واحد.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قالوا: المقتصد الذي يؤدي الزكاة، ولا يؤدي الصدقة، والذي يأتي بالصلاة في وقتها، لكن لا يحرص على إقامتها.
والسابق بالخيرات: هو الذي يؤدي الزكاة والصدقة، ويحرص على إقامة الصلاة على ما ينبغي، هل هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا بحيث نقول: في تفسير الآية قولان؟
لا؛ لأن هذا الاختلاف اختلاف تنوع؛ أي: أن كل واحد منهم ذكر نوعًا مما يدخل في الآية، وهذه قد يعدها بعض الناس اختلافًا، وليس كذلك، هذا يسمونه اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وعليه فلا يجوز أن نقول: إن السلف اختلفوا في معنى هذه الآية؛ لأن الكل اتفقوا على أنه الظالم مَن فرط في واجب، والمقتصد مَن قام بالواجب، والسابق بالخيرات مَن زاد عن الواجب، متفقين على هذا، لكن كل واحد منهم مثّل بمثال.
نريد آية فيها تخصيص متصل بغير الاستثناء؟ الاستثناء كثير: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره [العصر: ٢، ٣] كثير.
* طالب: قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].
* الشيخ: إي، ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني هذا خُصّص بالوصف.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] فلما ذكر العموم أولًا قيد بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فهل نأخذ بالعموم أو بالقيد؟
نأخذ بالقيد بلا شك؛ لأن القيد يخصص الْمُقَيَّد، وعلى هذا فلا يجب الحج إلا على مَن؟ مَن استطاع.
فلو قال قائل: جميع العبادات مقيدة بالاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، فما الحكمة من كونه يذكر هذا الشرط في الحج، ولم يذكره في الصلاة مثلًا ما قال: أقيموا الصلاة إن استطعتم؟
الجواب سهل؛ لأن المشقة في الحج أظهر وأبين من المشقة في غيره؛ فلهذا نص على هذا الشرط، فالصيام لما كان فيه نوع من المشقة قال فيه عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، وأما ما لا مشقة فيه فتُذكر فيه الأوامر مطلقة، ولكنها تُحمل على القاعدة العامة، وهو أنه لا واجب مع العجز؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فلماذا ذكر الأخوة في الآية الثانية دون الأولى؟
* طالب: لأنه نسبهم إلى الشجرة التي يعبدونها، فلما نسبهم إلى الشجرة خلع عليهم أخوة الدين، ولما نسبهم إلى الأرض أثبت لهم أخوة النسب.
* الشيخ: هذا وجه، وجه آخر يعني يقول: إنه لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنهم يعبدون الشجر.
وبعضهم قال: إن هؤلاء ليسوا من قومه، ليسوا من قومه، فليس أخًا لهم في النسب، وأما الآية الأولى فهو أخوهم بالنسب، وكلاهما صحيح.
ما رأيكم في طريقة التفسير؛ أننا نعرب الآيات المشكل وغير المشكل تمرينًا للطلاب، يذكرنا بالنحو؛ لأن الحقيقة النحو ما حصل لنا أن نوفر فيه وقتًا لدراسته إما في الألفية أو غيرها، أقول: لعل الإعراب يُعوِّض.
المائدة 5:108
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى آخره، هذه الآية في قصة، سافر كافران مع رجل مسلم، ثم حضرته الوفاة، وليس معهم مسلم، فأشهدهما على وصيته، فهل تقبل شهادة هذين الرجلين أو لا تقبل؟ الحكم يعرف من هذه الآية، والمسألة مسألة ضرورة؛ لأنه لا يوجد مسلم، فإذا لم يوجد مسلم اضطررنا إلى قبول شهادة الكافر، وللحديث سبب مذكور، فلنفسر الآية ونقرأ السبب إن شاء الله.
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ يعني إذا مرضتم مرض الموت، وليس المراد حضور الأجل بالفعل؛ لأنه إذا حضر الأجل بالفعل فقد لا يُعتبر قول الإنسان.
﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ قوله: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ متعلق بـ﴿شَهَادَةُ﴾؛ لأن (شهادة) مصدر تعمل عمل الفعل، فيصح أن يتعلق بها الظرف والجار والمجرور، يعني شهادتكم حين الوصية إذا حضر أحدكم الوصية اثنان.
﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: صاحبا عدل ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون، فالخطاب هنا (منكم) للمؤمنين عمومًا، وهذا لا إشكال فيه أن يشهد الإنسان على وصيته كم؟
* طلبة: اثنان.
* الشيخ: أن يشهد اثنان ذوا عدل ما فيه إشكال.
﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ ثم ذكر الله تعالى الصورة التي دعت الضرورة إلى إشهاد من ليس بمسلم ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، كلمة ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ تشمل كل ملل الكفر، وإن كانت القضية وردت في اثنين من أهل الكتاب لكن العبرة بعموم اللفظ.
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعني: سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ نعم قبل أن نتجاوز.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
اثنان من أهل الكتاب، لكن العبرة بعموم اللفظ؛ ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يعني سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.
قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل هي للتخيير أو للتنويع؟
الثاني؛ للتنويع؛ يعني: أو آخران من غيركم إن لم يوجد ذوا عدلٍ منكم.
﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم.
﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هي كقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة ١٠٦]؛ يعني: أيقنتم أنكم ميِّتون لكون المرض مرضًا مخوفًا لا يُرجَى بُرؤُه.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ هذا كالتفصيل لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾؛ يعني: عند أداء الشهادة تحبسونهما؛ أي: الآخرَيْنِ من غيرنا، والمراد بالحبس: الإيقاف؛ توقفونهما.
﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: من بعد صلاة العصر؛ لأن الصلاةَ صلاةَ العصر هي أفضل الصلوات، وهي الصلاة الوسطى، وآخر النهار أقرب في إجابة الدعاء من أول النهار، لا سيَّما إذا كان ذلك في يوم الجمعة.
﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: صلاة العصر. فإذا قال قائل: لماذا جعلتم (أل) للعهد الذهني ولم تجعلوها للجنس فتقولوا: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ أي: أيِّ صلاة؟
قلنا: «لأن النبي ﷺ حبس الرجلين الشهيدين من بعد صلاة العصر»[[أخرجه الطبري في التفسير (٩ / ٨٩) عن عكرمة.]]، فتكون السُّنَّة هي التي عيَّنت هذه الصلاة.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: يحلفان به.
﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يعني: شكَكْتم في شهادتهما.
﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ أي: لا نشتري بهذا اليمين ثمنًا ولو كان المشهود له ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: صاحبَ قَرابة.
وحاصل هذا القَسَم أنهما يُقسمان بأننا على حقٍّ، وشهادتنا حقٌّ، ولا يمكن أن نشهد بباطلٍ لأجل شيء من الدنيا ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ معطوفة على ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾؛ أي: ونحن لا نكتم شهادةَ الله؛ أي: الشهادةَ التي حمَّلنا الله إياها على ما حصلت به الوصية.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ يعني: إنا إن كتمنا شهادة الله لَمِن الآثمين، والجملة هنا مؤكدة باثنين وهما: (إنَّ) واللام، ومعنى ﴿مِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: من الواقعين في الإثم، وإنما يقولان ذلك زيادةً في التوكيد أنهما شَهِدا بحقٍّ.
﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ [المائدة ١٠٧] ﴿إِنْ عُثِرَ﴾ يعني: تبيَّن أنهما استحقَّا إثمًا، وذلك بشهادة الزور؛ أي: تبيَّن أن شهادتهما زور وكذب.
﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يعني في الشهادة ليرُدَّا شهادتهما، من أين هذان الآخران؟ يقول: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ لأن الشهادة بالوصية تستلزم أن يؤخذ من نصيب الورثة لمن؟ لمن أُوصِيَ له، فيكون ما شَهِد به الأوَّلان مستحَقًّا على هؤلاء الورثة.
وقوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ يعني هما الأوليان؛ يعني: أَوْلى الناس بإرث هذا الذي شُهِد على وصيَّته.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ من هما؟ الشاهدان اللذان هما من ورثة الموصي.
﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ اللام هنا في قوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا﴾ واقعة في جواب القسم. ما هي شهادتهما؟ شهادتهما نفي هذه الوصية، وشهادة الأوَّليْنِ إثبات الوصية، ﴿يُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وإذا كانت الحقَّ لزِم أن تبطل شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، وهما كما قرَّرنا أولًا ليسا مسلمَيْنِ، بل هما من غير المسلمين.
﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ يعني: ما اعتدينا بالاعتراض وإبطال الشهادة.
﴿إِنَّا إِذًا﴾ يعني: إن اعتدينا ﴿لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن شهادتهما استلزمت شيئين؛ الشيء الأول: القدح في شهادة الشاهدَيْنِ الأوَّلَيْنِ، والثاني: الظلم، ظلم من؟ ظلم الموصَى له، فلذلك قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ [المائدة ١٠٨] أي: ذلك المذكور أقربُ أن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ يعني: على الوجه الصحيح.
﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني أن الذين شهدوا أولًا إذا علموا أنه لا بد أن يتعقَّبهم مِن الورثة مَن يتعقَّبهم فإنهم سوف يحرصون غاية الحرص أن يأتوا بالشهادة على وجهها، أو إن لم يأتوا بالشهادة على وجهها ﴿يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، ﴿أَيْمَانٌ﴾ أيمانُ مَنْ؟ الورثة، ﴿بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أَيْمان الشهداء.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾ أمر الله تعالى بأن نتقيه بالتزام أحكامه، وأكَّد هذا بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾؛ أي: اسمعوا ما أقول لكم وآمركم به وهو تقوى الله عز وجل.
﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لا يهدي القوم الفاسقين الخارجين عن طاعته، وهذا سيأتي إن شاء الله في الفوائد أنه وعيدٌ شديدٌ أن الفاسق عُرضة لأنْ لا يهديه الله عز وجل، هذا معنى الآية الكريمة.
ويحسن أن نقرأ القصة حتى يتبيَّن أكثر، من معه تفسير، ابن كثير.
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن كثير: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون..).
* الشيخ: أتدرون ما هي؟ يعني شهادة الكافر، وهذه سنذكرها إن شاء الله في الفوائد؛ أن بعض العلماء قال: إنها منسوخة. ولكن ليس بصحيح؛ (المائدة) يقولون: ليس فيها شيء منسوخ لأنها مِن آخر ما نزل.
* الطالب: (وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير-: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان؛ فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضافُ وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين.
وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٣).]] ثم قال: ورُوي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك. وقال ابن جرير(...)).
* * *
* الشيخ: نقرأ.
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* الشيخ: استمعوا إلى الحديث لأنه يعين على فهم الآية.
* الطالب: قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (اشتملت هذه الآية الكريمة على حكمٍ عزيزٍ؛ قيل: إنه منسوخ. رواه العوفي..).
* الشيخ: (عزيز) يعني: قليل الجنس.
* الطالب: (رواه العوفي عن ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون -وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير[[تفسير الطبري (٣ / ٣٨٥).]] -: بل هو محكَم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان).
* الشيخ: بل هي محكمةٌ الآية، وهذا هو الصواب، وقد ذكرنا لكم أنه لا نسخ فيما في سورة المائدة، كلها محكمة، على أن أيَّ إنسانٍ يدَّعي في أيِّ نصٍّ من القرآن أو السُّنة أنه منسوخ فعليه الدليل.
* الطالب: (فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فقيل: تقديره: شهادةُ اثنين؛ حُذِف المضاف وأُقيمَ المضاف إليه مقامه. وقيل: دلَّ الكلام على تقدير: أن يشهد اثنان.
وقوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين).
* الشيخ: يعني كأن اللي قالوا: لا بد من تقدير، قالوا: إنه لا يمكن أن تكون الجثة خبرًا للمعنى، و(الشهادة) معنى، و﴿اثْنَانِ﴾ شخصان؛ فقالوا: إنها على تقدير مضاف: شهادةُ اثنين، أو: أنْ يشهد اثنان، والصحيح أنه لا حاجة إلى هذا وأنه إذا فُهِم المعنى فهو المقصود، ولهذا يقولون: الليلةَ الهلالُ، فيخبرون بالظرف عن الجثة لأن المعنى مفهوم، ولا حاجة إلى أن نُقَدِّر: الليلةَ طلوعُ الهلال، فالصواب أنه لا تقدير في الآية وأنَّ الآية معناها واضح.
* الطالب: (وقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين، قاله الجمهور؛ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٤).]] ثم قال: رُوِي عن عبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، والسدي، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحوُ ذلك.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: عنى ذلك ﴿ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ أي: من حيِّ الموصي، وذلك قولٌ رُوِي عن عكرمة وعبيدة وعدَّة غيرهما.
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾..).
* الشيخ: لا شك أن القول الأول متعيِّن؛ لأنه يخاطب المؤمنين يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم﴾ يخاطب مَن؟ المؤمنين، وليس يخاطب حيَّ الذي وقعت فيهم القضية.
* الطالب: (وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا سعيد بن عون قال: حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا حبيب ابن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال: من غير المسلمين؛ يعني أهلَ الكتاب.
ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح..).
* الشيخ: قوله: (يعني أهلَ الكتاب) فيه نظر، والصواب أنه شاملٌ لأهل الكتاب وغيرهم؛ لأن كل من ليس بمسلم فهو من غيرنا.
* الطالب: (ثم قال: ورُوِي عن عبيدة، وشريح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وأبي مجلز، والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحوُ ذلك.
وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ -أي المراد: من قبيلة الموصِي- يكون المراد هاهنا ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أي: من غير قبيلة الموصِي، وقد رُوِي عن ابن أبي حاتمٍ مثلُه عن الحسن البصري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣٠) ( ٦٩٣٦).]] والزهري[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) ( ٦٩٣٥).]] رحمهما الله.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذِّمِّيِّينَ عند فقد المؤمنين: أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية؛ كما صرَّح بذلك شريح القاضي.
قال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٤).]] : حدثنا عمرو بن علي، قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في الوصية.
ثم رواه عن أبي كُريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبيعي قال: قال شريح، فذكر مثله.
وقد رُوِي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذِّمَّة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود..).
* الشيخ: ولا يضر أن ينفرد الإمام أحمد بالمسألة إذا كان معه الدليل؛ لأن من معه الدليل فهو جماعة وإن كان واحدًا، وغالب ما انفرد به الإمام أحمد رحمه الله بالتتبع هو الصواب، هذا بالتتبع، وليس كل ما انفرد به، بل غالب ما انفرد به هو الصواب.
* الطالب: (وقال ابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٦٨).]] : حدثنا عمرو بن علي قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السُّنَّة أنه لا تجوز شهادة كافرٍ في حَضَرٍ ولا سفرٍ، إنما هي في المسلمين.
وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل تُوُفِّي وليس عنده أحدٌ من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام والأرض حربٌ والناس كفَّارٌ، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسِخت الوصية وفُرِضت الفرائض وعَمِل الناس بها. رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: اختُلِف في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ منكم أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هل المراد أن يُوصِي إليهما أو يشهدهما على قولين:
أحدهما: أن يُوصِيَ إليهما؛ كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال: سُئِل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال: هذا رجلٌ سافر ومعه مالٌ فأدركه قَدَرُه، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تَرِكَته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٢٩) (٦٩٣١).]]، وفيه انقطاع.
والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدَيْنِ، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وَصِيٌّ ثالثٌ معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة؛ كما في قصة تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفا إن شاء الله، وبه التوفيق.
وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدَينِ؛ قال: لأنَّا لا نعلم حُكمًا يحلف فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمَّنته هذه الآية الكريمة، وهو حكمٌ مستقلٌّ بنفسه لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكمٌ خاصٌّ بشهادةٍ خاصَّة في محلٍّ خاصٍّ، وقد اغتُفِر فيه من الأمور ما لم يُغتفَر في غيره، فإذا قامت قرائن الرِّيبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلَّت عليه هذه الآية الكريمة.
وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين. وقال السُّدي عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما. والمقصود أن يُقام هذان الشاهدان بعد صلاةٍ اجتمع الناس فيها بحضرتهم.
﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ أي: فيحلفان بالله ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ظهرتْ لكم منهما رِيبة أنهما قد خانا أو غلَّا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بأَيْماننا، قاله مقاتل بن حيان. ﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية..).
* الشيخ: قوله: (بأَيْماننا) فيه نظر؛ لأنه قال: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ هذا مفرد، كيف يُفسَّر بجمعٍ، لكن إذا جعلناه عائدًا على اليمين فالمعنى ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ﴾ أي: بالقَسَم الذي نُقسِم به، فهو عائد على القَسَم.
* الطالب: (﴿ثَمَنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوضٍ قليلٍ من الدنيا الفانية الزائلة.
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه.
﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها، وقرأ بعضهم: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً آللَّهِ) مجرورًا على القَسَم؛ رواها ابن جرير عن عامر الشعبي، وحُكي عن بعضهم أنه قرأ: (وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةً اللَّهَ)[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٧).]]، والقراءة الأولى هي المشهورة.
﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتْمِها بالكلِّية.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ أي: فإن اشتهر وظهر وتحقَّق من الشاهدَيْنِ الوصيَّينِ أنهما خانا أو غلَّا شيئًا من المال الموصَى به إليهما وظُهِر عليهما بذلك ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ هذه قراءة الجمهور: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ ، ورُوي عن عليٍّ وأُبَيٍّ والحسن البصري أنهم قرؤوها: ﴿اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. وقد روى الحاكم..).
* الشيخ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ هذا القراءة المشهورة.
* الطالب: جعل الجمهور ﴿اسْتُحِقَّ﴾ .
* الشيخ: ﴿اسْتَحَقَّ﴾، عندك بالضم؟
* الطالب: بالضم.
* الشيخ: هي قراءة لكن بس ما أدري قراءة غير الجمهور ولَّا..
يقول في قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ﴾ ، وفي قراءة: ﴿اسْتُحِقَّ عَلَيْهِم الْأَوَّلِينَ﴾ .
* الطالب: جعل الأولى قراءة الجمهور.
* الشيخ: إي والله غريبة.
* الطالب: (وقد روى الحاكم في المستدرك[[ (٢ / ٢٥٩).]] من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب أن النبي ﷺ قرأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. ثم قال: صحيحٌ على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقرأ الحسن: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوَّلَانِ) حكاه ابن جرير، فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك أي: متى تحقَّق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما فلْيَقُم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أَوْلى من يرث ذلك المال ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لقولُنا: إنهما خانا، أحقُّ وأصحُّ وأَثْبَتُ من شهادتهما المتقدمة ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ أي: فيما قُلنا من الخيانة ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن كنَّا قد كذبنا عليهما.
وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْثٌ في جانب القاتل، فيُقسم المستحقون على القاتل فيُدفع برُمَّته إليهم، كما هو مقرَّر في باب القَسَامة من الأحكام.
وقد وردت السُّنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ فقال ابن أبي حاتم[[تفسير ابن أبي حاتم (٤ / ١٢٣١) (٦٩٤١).]] : حدثنا أبي، قال: حدثنا الحسين بن زياد، قال: حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني أبا صالحٍ مولى أم هانئ بنت أبي طالب- عن ابن عباس، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: برئَ الناسُ منها غيري وغير عَدِيِّ بن بَدَّاء. وكانا نصرانيَّيْنِ يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام بتجارتهما، وقدم عليهما مولًى لبني سهم يُقال له بُدَيلُ بن أبي مريم بتجارة ومعه جامٌ من فضة يريد به الْمَلِك وهو عُظْمُ تجارته، فمَرِضَ، فأوصى إليهما..
* الشيخ: هو أيش؟
* الطالب: (وهو عُظْمُ تجارته).
* الشيخ: (عُظْمُ) يعني هو أعظم تجارته التي معه، الجام: الإناء.
* الطالب: (فمَرِض، فأوصى إليهما وأمرهما أن يُبلِّغا ما ترك أهلَه. قال تميمٌ: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعَدِيّ بن بَدَّاء، فلما قدِمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمتُ بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثَّمتُ من ذلك، فأتيتُ أهلَه فأخبرتهم الخبر ودفعتُ إليهم خمس مئة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر منهم فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي[[الترمذي (٣٠٥٩).]] وابن جرير[[تفسير ابن جرير (٩ / ٨٨).]] كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به فذكره، وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البيِّنة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحَلَف، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، فقام عمرو بن العاص ورجلٌ آخر فحلفا، فنُزِعت الخمس مئة من عَدِيِّ بن بَدَّاء.
ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يُكنَى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير؛ سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يُكنَى أبا النضر.
ثم قال: ولا نعرف لسالمٍ أبي النضر روايةً عن أبي صالحٍ مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيءٌ من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه:
حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميمٍ الداري وعَدِيِّ بن بَدَّاء، فمات السهمي بأرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوَّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة..
* الشيخ: (مخوَّصًا بالذهب) يعني: مُرصَّع عليه مثل الخوص من الذهب؛ يعني مُزَركش، وهو من فضة.
* الطالب: (فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميمٍ وعَدِيٍّ. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحقُّ من شهادتهما وإن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وكذا رواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يحيى بن آدم به[[أخرجه أبو داود في سننه (٣٦٠٦) من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس.]].
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة[[جامع الترمذي (٣٠٦٠).]].
ومحمد بن أبي القاسم كوفيٌّ قيل: إنه صالح الحديث. وقد ذكر هذه القصة مرسلةً غير واحد من التابعين منهم: عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر؛ رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٨٧).]]، وكذا ذكرها مرسلةً مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.
ومن الشواهد بصحة هذه القصة أيضًا ما رواه أبو جعفر بن جرير قال: حدثني يعقوب قال: حدثنا هُشيم قال: أخبرنا زكريا، عن الشعبي أن رجلًَا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقاءَ. قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يُشهِدُهُ على وصيَّته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعريَّ -يعني أبا موسى الأشعري رضي الله عنه- فأخبراه، وقدما بتركته ووصيَّته، فقال الأشعري: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدَّلا ولا كتما ولا غيَّرا، وإنها لَوصيةُ الرجل وتركتُه. قال: فأمضى شهادتهما[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٤).]].
ثم رواه عن عمرو بن عليٍّ الفلَّاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي أن أبا موسى قضى بدقوقاء.
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري.
فقوله: هذا أمرٌ لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ. الظاهر -والله أعلم- أنه إنما أراد بذلك قصة تميمٍ وعَدِيِّ بن بَدَّاء، وقد ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري رضي الله عنه كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا يحتاج مدَّعي نَسْخِهِ إلى دليلٍ فاصلٍ في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط عن السدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت؛ يوصِي ويُشهِد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه. قال: هذا في الحضر، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ في السفر، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ هذا الرجل يدركه الموت في سفرِه وليس بحضرته أحدٌ من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا مال صاحبهم تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العِلْجين حين انتُهِيَ بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخوَّنوهما، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يُباليانِ صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فيوقَف الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله، إنا إذن لمن الآثمين؛ إن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خُنتما فضحتُكما في قومكما ولم تَجُز لكما شهادة وعاقبتُكما. فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير[[تفسير الطبري (١١ / ١٧٥) من حديث السدي عن ابن عباس.]].
وقال ابن جرير: حدثنا الحسين قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجلَ الوفاةُ في سفر فليُشهِد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب[[تفسير الطبري (١١ / ١٧١) من حديث المغيرة بن مقسم وإبراهيم النخعي.]]. فإذا قدما بتركته فإن صدَّقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما أُحلِفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمْنا ولا كذَبْنا ولا خُنَّا ولا غيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارْتِيبَ في شهادتهما استُحلِفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطَّلع الأولياء على أن الكافرَيْنِ كذبا في شهادتهما قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فذلك قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن اطُّلِع على أن الكافرَيْنِ كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: إن شهادة الكافرَيْنِ باطلة، وإنَّا لم نعتدِ. فتُرَدُّ شهادة الكافرَيْنِ وتجوز شهادة الأولياء[[تفسير الطبري (١١ / ١٨١).]].
وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس، رواهما ابن جرير.
وهكذا قرَّر هذا الحكمَ على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف رضي الله عنهم وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرْضي من تحليف الشاهدَيْنِ الذِّمِّيَّين وقد استُريبَ بهما؛ أقربُ إلى إقامتهما الشهادةَ على الوجه المرْضي.
وقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها هو تعظيمُ الحلف بالله ومراعاةُ جانِبه وإجلالُه، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا رُدَّت اليمين على الورثة فيحلفون ويستحقُّون ما يدَّعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته).
* الشيخ: أحسنت، أطال رحمه الله على هذه الآية؛ لأن هذه الآية فيها إشكالات، لكنه حلَّ جميع هذه الإشكالات، فيها إشكال من جهة الإعراب ومن جهة السياق، ولكن الله عز وجل يتكلم بما شاء كيف شاء؛ حتى يعرف الناس أن هذا القرآن الكريم مناسبٌ لمقتضى الحال، والقضية معقدة حكمًا وإعرابًا وغير ذلك، لكن -والحمد لله- بمثل هذا التفسير الذي سمعتم يزول الإشكال.
خلاصة المعنى: أنه إذا سافر الإنسان وليس حوله مسلم، ليس حوله إلا كُفَّار، وأراد أن يوصي فليستشهد شاهدَينِ اثنين على الوصية، فإذا وصلوا إلى البلاد الإسلامية أدْلَوْا بالشهادة وقُبِلت الشهادة بدون أيِّ شيءٍ، إلا إذا حصل ارتيابٌ، فإذا حصل ارتيابٌ حينئذٍ نستعمل القَسَم، نحبسهما من بعد الصلاة ونجعلهما يُقسمان بالله إنهما صادقان وإنهما لم يشتريا بشهادتهما شيئًا من الدنيا، ويُخَوَّفان أنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بعد أَيْمانهم؛ لأن أولياء المقتول إذا أقسموا رُدَّتْ شهادة الشاهدَينِ، ومعلوم أنه إذا حُكِم بِرَدِّ شهادتهما صار ذلك عارًا عليهما وخِزْيًا، فربما إن لم يخافا من الله خافا من العار والخزي، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ هذا مجمل معنى الآية الكريمة.
لكن فيها فوائد كثيرة نذكر منها ما نسأل الله أن ييسِّره ويوفقنا به إلى الصواب.
* من فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر للضرورة، ولكن هل تُخصَّص الضرورة بهذه الصورة أم بكل ضرورة؟
أولًا: في أصل المسألة -وهي شهادة الكافر- فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل، وهذا مبني على أن هذا الحكم أيش؟ منسوخٌ، فلا تُقبل، وهذا قولٌ مردود بأن النسخ يحتاج إلى دليلٍ، وأن سورة المائدة قد قال كثيرٌ من العلماء: إنه ليس فيها نسخٌ لأنها من آخر ما نزل. فليُطرح هذا القول.
والعجب أن الذي قال بهذا القول أكثر العلماء، وأن القول بشهادة الكافر هو قول الإمام أحمد رحمه الله، وما أكثرَ ما ينفرد بالشيء فيكون قوله هو الصواب؛ كقوله في كُفر تاركِ الصلاة، انفرد بهذا القول، لكنه حقيقةً لم ينفرد لأن معه الكتاب والسُّنة والصحابة.
على القول بقبول الكافر، هل يختصُّ هذا بهذه الصورة الواقعة؛ بمعنى أنه يُشترط أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ لأن الشاهدَينِ في هذه القصة كانا من النصارى، فهل يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ أو لا يُشترط؟
المشهور من المذهب أنه يُشترط أن يكونا كتابيَّينِ، ولكن سيأتي أن ظاهر الآية يخالف ذلك وأن الآية عامة في كل كافر.
وهل يختصُّ ذلك بالوصية أو في كل شيء؟
هذا أيضًا محلُّ خلافٍ، وسبب القول باختصاصه بالوصية أن هذه خارجة عن قواعد الشهادة، والخارج عن القواعد قاعدته أن يُقتصَر فيه على ما أيش؟ على ما خرج فقط؛ يعني على ما ورد فقط، وسيأتي إن شاء الله أن القول الراجح أنه تجوز شهادة غير الكتابيَّينِ، وأنه تجوز الشهادة في الوصية وغيرها وفي السفر وغيره، وهذا قد يقع أحيانًا؛ عندنا الآن كثيرٌ من المستشفيات القائمون على العلاج نصارى، فإذا حضر الموتُ أحدًا من هؤلاء المرضى وأشهدَ مَن عنده من الأطباء فهذا حكمه كذلك.
* * *
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة ١٠٦ - ١٠٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه الآية والتي بعدها قرأناها أولًا وفسرناها، بقي الفوائد.
* من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي الإشهاد على الوصية؛ لقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾، وظاهر الآية الكريمة أنه لا بد من رجلين؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ﴾، واثنان عدد للمذكر، فهل هذه الآية على ظاهرها؟
الجواب أن يقال: هذه الآية تقيَّد بآية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة ٢٨٢]؛ لأن الأموال وما يُقصَد به الأموال إذا لم يُقِرّ المدَّعَى عليه يكفي في إثباته واحدٌ من أمورٍ ثلاثة: شهادة رجلينِ، شهادة رجلٍ وامرأتينِ، شهادة رجلٍ ويمينُ المدَّعي. هذه بيِّنات المال وما يتعلَّق به المال، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿اثْنَانِ﴾ هذا مبنِيٌّ على الأكمل؛ يعني أن الأكمل في الإشهاد على الوصية أن يكون الشاهدان رجلين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز الوصية عند حضور الموت؛ لقوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، وهذا مقيَّد بما إذا لم يتغير تمييز الموصِي، فإن تغير تمييز الموصِي فلا عبرة بقوله؛ يعني لو كان عند موته اضطرب وصار كلامه غير مرتَّب فإنه لا عبرة به بهذا الكلام، وهذا معروفٌ من قواعد الشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُشترط للإشهاد أن يكون الشاهدان ذَوَيْ عدلٍ؛ لقوله: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾، وسبق لنا تعريف العدالة، ولكن إذا لم يوجد عدلٌ ووُجِد فاسقٌ مأمونٌ فهل يقوم مقام العدل؟
اختار بعض أهل العلم أن ذلك يقوم مقام العدل وأن اشتراط العدالة إنما هو عند التحمُّل؛ بمعنى أنك إذا أردتَ أن تُشهِد فلا تُشهِد إلا عدلين، أما عند أداء الشهادة فالضرورات لها أحكام؛ إذا لم نجد مَن يشهد إلا هذين الفاسقينِ لكنهما في الأمانة موثوقانِ فإننا نقبل شهادتهما، وهذا الأخير هو الصواب: أن العدالة شرط مع الإمكان، وأما إذا لم يمكن فإنه تُقبل شهادةُ الفاسق بشرط أيش؟ أن يكون ثقة، وكم من إنسان يكون فاسقًا في عبادته لكنه أمينٌ في شهادته، ونعلم أننا لو اتبعنا اشتراط العدالة في أداء الشهادة معتبرين الشروط التي ذكرها الفقهاء في العدالة؛ أن كثيرًا من الحقوق سوف تضيع؛ لأن كثيرًا من الناس ليسوا على الاستقامة التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز شهادة الكافر إذا عُدِم المسلم؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾.
وهل يختص هذا بالكتابيين أم بكل كافر؟
ظاهر الآية: كل كافر؛ لقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ سواء كان يهوديًّا أو نصرانيًّا أو بوذيًّا أو شيوعيًّا، أيًّا كان؛ لقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن شهادة الكافر لا تُقبل مطلقًا، وأجابوا عن هذه الآية بأنها منسوخة؛ لأن الله تعالى اشترط العدالة في الشهود، والكافر ليس بعدلٍ.
والقول الثاني: أن شهادة الكافر جائزة بشرط أن يكون كتابيًّا وأن يكون عند الضرورة، فاشترطوا شرطين؛ الأول: الضرورة بأن لا يوجد مسلم، والثاني: أن يكون الشاهدان كتابيَّينِ، وهؤلاء احتجوا لاشتراط الضرورة بقوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخره، وقيَّدوا ذلك بالكتابيَّيْنِ أو بالكتابيِّينَ، قيَّدوا ذلك لأن القضية التي وردت فيها الآية كان الشاهدان من أهل الكتاب، وقالوا في تقرير الاستدلال: إن عدم اشتراط الإسلام في هذه الصورة خرج عن الأصل، وما خرج عن الأصل وجب اختصاصه بما ورد فيه فقط.
ولا شكَّ أن الجواب على هؤلاء سهل؛ نقول: الآية الكريمة عامة، والعبرة بعموم اللفظ، ولذلك إذا أراد الله تعالى تخصيص الحكم بأهل الكتاب قيَّده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة ٥]، فأمَّا أن نقيِّد ما أطلقه الله هذا ليس بصواب، وهذه قاعدة يجب على طالب العلم أن يسلكها: كل شيء ورد مطلقًا في القرآن والسُّنة فلا يجوز إضافة قيدٍ إليه أبدًا؛ لأنه إذا فعل ضيَّق ما وسَّعه الله واتخذ نفسَه مشرِّعًا ومستدرِكًا على الحكم الشرعي، وهذا خطير، فالقاعدة إذن أن كلَّ ما أطلقه الله ورسوله فالواجب أيش؟ إبقاؤه على الإطلاق، ولا يحلُّ أن نُضيف إليه قيدًا إلا بدليل لا بد من اتباعه، وحينئذٍ نقول: الصواب أنه يجوز أن يشهد اثنان على الوصية عند عدم المسلم سواء كانا كتابيَّينِ أو من غير الكتابيِّينَ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علوُّ مرتبة المسلم على الكافر، وهذا لا إشكال فيه؛ وجه ذلك: أن شهادة الكافر لا تُقبل إلا إذا لم يوجد مسلم، وهذا يدل على أن المسلم أعلى مرتبةً ومنزلةً من غير المسلم.
فإن قال قائل: فهمنا أن شهادة الكافر فيما يتعلق بأمور المسلمين لا تجوز إلا عند الضرورة، فهل تقبلون شهادة الكفار بعضهم على بعض؟
الجواب: نعم، سواء كان للضرورة أو غير ضرورة، شهادة الكفار بعضهم على بعض مقبولة، لكن بشرط أن يكون عدلًا في دينه، كما اشترطنا في شهادة المسلم أن يكون عدلًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السفر يطلق عليه: الضرب في الأرض؛ لقوله: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. والقرآن الكريم تارةً يذكر السفر بلفظه وتارةً يذكر عنه الضرب في الأرض؛ فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة ٦] هذا ذكر السفر ولم يقُل: أو ضربتم في الأرض، وقال تعالى في الصيام: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة ١٨٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق الضرب في الأرض، ولم يقيده بمسافة القصر أو أكثر أو أقل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا أراد الشاهدان من غير المسلمين أداء الشهادة فإنهما يُحبسان من بعد الصلاة؛ يعني: يوقَفان من بعد الصلاة، وذلك لانتفاء التهمة؛ لأن الصلاة معظَّمة، والإنسان يخاف أن يشهد بباطل بعد هذه الصلاة التي ذكرها الله عز وجل.
ولكن هل هذا مشروطٌ بالارتياب في شهادتهما، أو نقول: إنهما يُحبسان على كل حالٍ ليظهر الفرق بين أداء الشهادة من المسلم وأداء الشهادة من غير المسلم؟
الآية فيها احتمال؛ لأن قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ قيدًا في قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ وقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، ويحتمل أن تكون قيدًا لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ فعلى الاحتمال الثاني يكون حبْسهما واجبًا، وعلى الأول لا يكون حبْسهما واجبًا إلا إذا ارتبْنا منهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُحلَف بغير الله؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾، فلو أقسم بغير الله حتى بمن يُعَظَّم عندهم كالمسيح مثلًا فإنه لا تُقبل يمينُه ولا يُعتَدُّ بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إقسامهما لا يلزم إلا عند الارتياب في شهادتهما، تؤخذ منين؟ من قوله: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾.
فهل يؤخذ من هذا أن للقاضي أن يُحلِّف الشاهدَينِ عند الارتياب في شهادتهما؟
نقول: نعم، له ذلك، ولا يقول قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في الكفار، لا، لو قال قائل: إن هذا إنما ورد في ارتيابنا في شهادة الكفار فالجواب: الحكم يدور مع عِلَّته؛ لأننا لم نُحَلِّفهما بالله إلا عند الارتياب لا لكونهما من الكفار، إذن للقاضي أن يُحلِّف الشهودَ إذا ارتاب في شهادتهما.
هل له -أي: للقاضي- أن يفرق الشهود أيضًا عند الارتياب بأن يخلو بكل واحدٍ منهما ويسأله سؤالًا تفصيليًّا؛ حتى إذا اختلفا عرف أن شهادتهما غير صحيحة؟
الجواب: نعم، له ذلك.
وهل له أن يُوَرِّي فيُظهِر لهما خلافَ ما يريد لاستظهار الحق؟
الجواب: نعم، ويدلُّ لذلك قصة سليمان مع المرأتين اللتين خرجتا بحاجة لهما، ثم أكل الذئب ولد إحداهما، فتخاصمتا إلى داود فقضى به للكبرى، ثم تخاصمتا إلى سليمان فطلب السكِّين، دعا بالسكِّين؛ قال يريد أن يشُقَّ الولد نصفين ويعطي الكبرى نصفًا والصغرى نصفًا، الكبرى وافقت على هذا، ليش؟ ما في قلبها رحمة له، وولدها قد مات؛ أكله الذئب، فلْيكنْ هذا تبعًا له، الصغرى قالت: يا نبيَّ الله، هو لها، هو لها. فتنازلت عن دعواها ليش؟ لشفقتها ورحمتها، تنازلت، وليس معنى قولها: (هو لها) أنه عبدٌ لها، لا؛ (هو لها) يعني أنها قد تنازلت عن الدعوى، فقضى به سليمان عليه الصلاة والسلام لمن؟ للصغرى[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٢٦) ومسلم (١٧٢٠ / ٢٠) من حديث أبي هريرة.]].
فإذا ارتاب القاضي في شهادة الشهود فلا بأس أن يُوَرِّي في الحكم من أجل استظهار الحق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن يكون صفة الإقسام على هذا: ﴿لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة ١٠٦]، فهل يُكتفى بالمعنى أو لا بد من هذا اللفظ بعينه؟
الصواب أنه يكفي المعنى؛ لأن هذا اللفظ لا يُتعبَّد به حتى نقول لا يمكن أن يُغيَّر، بل عبَّر الله عز وجل عن المعنى بهذا اللفظ، إذن فالمرجع يا إخواننا إلى أيش؟ المرجع إلى المعنى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن للقرابة تأثيرًا في الميل والعاطفة؛ لقولهما: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وهذا شيء فطريٌّ معروفٌ، وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى هذا في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة ١١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كتمان الشهادة إثمٌ؛ لقوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وقد قرر الله تعالى هذا بقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة ٢٨٣]، ولا شك أن الشهادة إذا كتمها الإنسان لزِم من ذلك إخفاء حقٍّ واجبٍ لشخصٍ وإضافةُ باطلٍ للشخصِ الآخرِ؛ فمثلًا: إذا استشهده شخصٌ بأن في ذِمَّة فلانٍ له كذا وكذا فكتمه، ما الذي يحصل؟ إخفاء الحق وإضافة الباطل إلى من لم يشهد عليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ردُّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ إلى آخره، كيف يُرَدُّ اليمين على المدَّعِي؟
ادَّعى زيدٌ على عمرٍو مئة ريالٍ، فطلبنا البيِّنة من زيدٍ، فقال: لا بينة عندي، ولكن أطلب يمين المدَّعَى عليه، أفهمتم؟ إذا حلف المدَّعَى عليه انتهت الخصومة، لا ما هو بريء، انتهت الخصومة؛ بمعنى لو أن المدعِي فيما بعد علم ببيِّنة له لم يعلمها من قبل فإنه على دعواه، لكن انتهت الخصومة.
لو قال المدعي إذا نَكَل عن اليمين: احكم عليه؛ لأن الخصومة انتهت وإنه لا يطالبني بشيء. فرأى القاضي أن يرد اليمين على المدعِي، فهنا لا بأس، لماذا؟ لأنه قد يكون المنكِر صادقًا، ولكن يحتاج إلى إثبات زيادة، فيرده عليه، وهذا القول هو الصحيح: أنه يجوز أن تُردَّ اليمين على المدعِي كما في هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز تنقيب من عليه الحق عن القضية والتدقيق فيها حتى يعثر على حقٍّ فيها؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا﴾ والعِثار لا يكون إلا بعد التحرِّي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشاهدَينِ إذا غيَّرا في الشهادة بزيادة أو نقص أو تبديل فهُما آثمان؛ لقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ وذلك بكون الشهادة غير صحيحة؛ لأن هذا إثمٌ.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يُقام عند العثور على أن الشاهدَينِ كاذبانِ يُقام اثنان ممن استحقَّ عليهم، والقضية كما تعرفون كانت في وصية، فيقوم اثنان ممن استحقَّ عليهم، ويكون الاثنان هما الأوليانِ؛ يعني الأحقَّانِ بإرثِ الميت، والكلام في الآيتين عن الوصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإرث يكون للأَوْلى فالأَوْلى؛ يؤخذ من قوله: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وقد جاء الحديث مقرِّرًا ذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٧٣٢) ومسلم (١٦١٥ / ٢) من حديث ابن عباس.]]. أليس كذلك؟ اقرأ الحديث.
* طالب: (...).
* الشيخ: عن ابن عباس رضي الله عنه: قال ﷺ. إي، لا بد أن تكون هكذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة كما ذكرنا أولًا: أن تُرَدَّ اليمين على المدَّعِي؛ لقوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها من فوائد الآية الكريمة: أن المدَّعَى عليه لا يجزم ببُطلان شهادة الشاهد التي تبيَّن أن فيها شيئًا من الخلل؛ لقوله: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ بهذا اللفظ، ولم يقُل: باطلة. لكن قوله: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ يستلزم أن تكون مردودة وأن القول قول المدَّعَى عليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه إذا احتيج في الشهادة أو في القَسَم إلى إثباتٍ ونفيٍ فلا بد من ذكر الإثبات والنفي؛ فقولهما -يعني الأَوْليينِ- ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ هذا أيش؟ إثبات، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا﴾ هذا نفيٌ، فإذا احتيج إلى ذلك فلا بد من ذكر النفي والإثبات حتى تكون الشهادة خالصة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ردَّ الأَوْليينِ لشهادة الشاهدَينِ أعظمُ اعتداءً من تغيير الشهادة من الشاهدين؛ ووجه ذلك أنه بتغيُّر الشهادة من الشاهدين قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾، وهنا قال: ﴿إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وسبق في التفسير بيان وجه الفرق بينهما.
* ومن فوائد الآية الثالثة: أنه كلما كان الشيء أقرب إلى استنتاج الصواب والحق بالشهادة فهو أَوْلى أن يُتَّبع؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾؛ لأن الإنسان إذا فهِم أن من ورائه أُناسًا سيقومون برد شهادته والإقسام على بُطلانها فلا بد أن يتحرَّى الصدق فيما شهد به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تقوى الله والسمع والطاعة له؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا﴾، ومعنى ﴿اسْمَعُوا﴾ هنا: استجيبوا، كما سبق أيضًا في الشرح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه أخبر بأنه لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي: الخارجين عن طاعته، وخبر اللهِ صِدقٌ.
لكن يُشكل على هذا أن الواقع أن الله أيش؟ قد يهدي الفاسقين ويهدي الكافرين، فكيف نجمع بين الواقع وهذا الخبر الصادق؟
الجمع أن نقول: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين؛ أي الذين كتب الله تعالى عليهم الفسق، وأما مَن كتب أن يؤمن فيؤمنُ ولا بد، ولكن الفائدة من هذا -إطلاق قوله: ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ - الإشارةُ إلى أن عدم هداية الله للفاسقين لأنهم اختاروا الفسق؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف ٥]. نسأل الله لنا ولكم الهداية وأن يُعيذنا من أنفسنا والشيطانِ.
* طالب: أحسن الله إليكم، شهادة الكفار قلنا: يجوز بعضهم على بعض ولو كان لغير ضرورة، هل لا يفرق بين أهل الكتاب وغيرهم؟
* الشيخ: إي، لا فرق، إي نعم، لكن لا بد أن يكون عدلًا في دينه كما يُشترط في المسلم أن يكون عدلًا.
* طالب: شيخ، ما ذكرنا يا شيخ أن الشهادة بعد العصر أن لأهل الكتاب لا يعتبرون هذه الصلاة عندهم يعني معظمة كما في حديث ابن عباس وكما قال أبو موسى الأشعري؟
* الشيخ: لا، الصواب أن المراد صلاة العصر وإن لم يعظِّموها؛ لأنها عظيمة عند الله، ولأن العقوبة أسرع إلى من شهِد كاذبًا أو حلف كاذبًا بعد صلاة العصر.
* طالب: وابن عباس يا شيخ؟
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: يعني اجتهاد ابن عباس يخالف هذا.
* الشيخ: ويش قال؟
* الطالب: حديث أبي موسى الأشعري عندما قرأناه في التفسير؛ عندما قال له: اجعلها بعد صلاتهم في دينهم.
* الشيخ: إي نعم، اختياره.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا اشترك رجلان في جريمة ما، وعند التحقيق وجدت قرائن كثيرة تدل على أنهما هما الفاعلان حقيقة، هما الفاعلان لهذه الجريمة، ثم أرادوا بالحق يقول أن يسحبوا منهم اعترافات، هل يجوز مثلًا للمحقق يعنى مثلًا يخلو بأحدهم ويقول إن صاحبك قد اعترف بهذه الجريمة؟
* الشيخ: وكان أنكرها من قبل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ما يجوز، إن هذا كذب.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١٠٩، ١١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
سبق لنا قواعد في التفسير ينبغي أن نراجعها الآن.
أولًا: ما الذي ينبغي لمن أراد أن يفسِّر كتاب الله عز وجل؟
* طالب: (...) أن يبدأ بـ (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أول ما يبدأ هل نقول: تدبَّرْ القرآن أنت بنفسك، ثم انظر ماذا يكون لك، وبعدين راجع عليه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، الدليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء ٨٢] وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص ٢٩].
وهل يكون عند الإنسان ثقةٌ أنه أصاب ما أراد الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن كيف يعمل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب، بعد ذلك يرجع إلى كتب التفسير.
وهل يرجع إلى كتب التفسير بالأثر أو بالنظر؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بالأثر أولًا، وبالنظر ثانيًا.
يشترط لهذا إذا أراد أن يفسِّر القرآن بعدما يتدبره بنفسه أن يرجع إلى..؟
* طالب: كتب التفسير.
* الشيخ: كتب التفسير انتهينا منها، لكن هل يَرجع في تفسير القرآن إلى آراء المتأخرين؟ يعني المراتب التي يسلكها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يفسر القرآن بأيش؟ بالقرآن، ثم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيه مرتبة ثانية؟
* الطالب: تفسير الصحابة.
* الشيخ: تفسير الصحابة، ثم تفسير كبار التابعين الذين يعتنون بتفسير القرآن.
مثال لتفسير القرآن بالقرآن؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧] ثم قال: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩].
* الشيخ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ [الانفطار ١٧ - ١٩] ومثلها: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ [القارعة ١ - ٤]. وبعد ذلك نرجع إلى..؟
* طالب: السُّنة.
* الشيخ: السُّنة، تعليل؟
* الطالب: النبي ﷺ فسر القرآن.
* الشيخ: لكن التعليل؟
* الطالب: (...) المرتبة الثانية (...).
* الشيخ: (...) حكم يعني كونه يرجع إلى تفسير الله تعليله واضح؛ لأن الله أعلم بمراده في كتابه.
* الطالب: لا أحد أعلم بعد الله من رسول الله.
* الشيخ: ولا أحد أعلم بكتاب الله من البشر من رسول الله ﷺ. المثال؟
* طالب: قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠] (...) أي أن القوة في الرمي.
* الشيخ: فسر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم القوة بالرمي. تمام.
تفسير الصحابة؟ تفسير الصحابة كثير.
* طالب: مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة ٣٥] فقالوا يا شيخ: الحاجة.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: قالوا الوسيلة: الحاجة.
* الشيخ: حاجة؟
* الطالب: نعم، (...) من قول الشاعر:
إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ ∗∗∗ أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي
* الشيخ: لا، على كل حال هذا يحتاج إلى إثبات، لكن غالِبَ التفسير بالأثر عن الصحابة؛ مثل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] أي: لا شكَّ، هذا موجود.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة ١٦٦] يعني: المودة.
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنتَ، تمام، الأمثلة كثيرة في الواقع.
إذا لم نجِد لكلام الصحابة نرجع إلى كلام كبار التابعين المعتنين بالتفسير مثل مَنْ؟ مجاهد بن جبر.
كيف عرفنا أن مجاهدًا من الذين لهم عناية بالتفسير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، تمام، لأنه أخذ التفسير عن ابن عباس، وابنُ عباس هو من أعلم الصحابة بالتفسير.
إذا احتملت الآية معنيينِ فهل نحملها عليهما أو ماذا؟
* طالب: (...) ليس بينهما تعارض (...).
* الشيخ: ليس بينهما تعارض. على السواء ولَّا؟ على السواء؛ إذا احتملتْ معنيينِ على السواء وليس بينهما تعارضٌ وجب أن تُحمَل على المعنيينِ جميعًا؛ لأنها إذا احتملت هذا صار المعنيانِ من معانيها. مَثِّلْ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: طيب هذه واحدة هذا رأي، الرأي الثاني.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كلمة واحدة أوضح من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: صح، يعني إما أن نُقدِّر: (فِي) أو (عَنْ).
فيه أيضًا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] فسَّره بعضهم بأن المعنى: إذا أَقْبَل، والآخَر: إذا أَدْبَر، لكن هذا المثال قد يؤاخَذ، قد يكون عليه مآخذ؛ وهو أن تفسيره بـ(أَدْبَر) يُغنِي عنه قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير ١٨]؛ لأنه إذا تنفَّس الصبحُ أدبر الليلُ، فيكون الراجح الأول.
إذا وردتْ آيةٌ عامَّةٌ وآيةٌ خاصَّةٌ فهل يكون بينهما تعارض أو يجب العمل بهما جميعًا؟
* طالب: (...) العام على الخاص.
* الشيخ: يعني يجب العمل بهما جميعًا، مثل؟
* الطالب: قوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة ٣] وفي آية أخرى: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء ٩٢]
* الشيخ: ويش الآية الأخرى؟
* الطالب: في آية ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة ٨٩]
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: آية؟ آية القتل، نحمل؟
* الطالب: على الاشتراط أن تكون مؤمنة.
* الشيخ: نحملها على الاشتراط أن تكون مؤمنة؛ لأن هذا الإطلاق قُيِّد بكلمة ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ في هذه الآية.
لو قال قائل: إن الحمل غير صحيح؛ لأن هذه كفَّارة الظِّهار ثلاثة أنواع، كفَّارة القتلِ نوعان.
* طالب: لكن الكلام ليس في عدد الكفارة الكلام في الرقبة، والرقبة مشتركة بين الكفارة في (...).
* الشيخ: ويؤيد هذا حديث معاويةَ بنِ الْحَكَم أن الرسول ﷺ قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]، يؤيد هذا.
هل مِن ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة ١٨٠] ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: منسوخة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المائدة؟ النساء.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، توافقون على هذا أن آية البقرة منسوخة بآية النساء؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، الحديث هذا ما هو ناسخ، الحديث مبيِّن للناسخ؛ أن الله نسخ بآية المواريث، لكن هذه منسوخة بآية المواريث؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم بَيِّنْ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو الجمع؟
* طالب: نقول تكون الوصية لغير الأقربين وغير الوارثين.
* الشيخ: صحيح، هذا هو الصواب، الآية غير منسوخة؛ لأن الله قال: ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾؛ أخرج من كان وارثًا فيبقى من ليس بوارث، فلا يُعارض آيةَ المواريث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا يكون الوالد غيرَ وارثٍ؛ كما لو كان الوالد رقيقًا مثلًا فإنه لا يرث من ابنه، لكن لا بأس أن يوصِي له أو يؤمَر أن يوصِي له، خصوصًا إذا قلنا بأن العبد يَمْلِك بالتمليك؛ لأن العلماء اختلفوا: هل العبد يَمْلِك بالتمليك أو أنه إذا مُلِّكَ يكون الملْك لسيده، أو يُفَرَّق بين أن يكون الْمُمَلِّك السيدَ فيَمْلِك أو غيرَه فلا يَمْلِك.
الصحيح أنها غير منسوخة، وما وردَ عن السلف بأنها منسوخة فإن السلف يُطْلِقون النَّسْخ على التخصيص؛ لأن التخصيص في الواقع نسخٌ للعموم فيُطْلِقون عليه النَّسخ.
مر علينا قريبًا في سورة المائدة قصة إشهاد الكافر على الوصية، هي ذاتُ سببٍ ولفظها عامٌّ، فهل نقول: إن هذا العام خُصِّص بالسبب، أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يقول: السبب لا يخصِّص العموم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ما هو السبب الذي وردت فيه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٠٦]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أشْهَدَ على وصيَّته رجُلَينِ من أهل الكتاب، فأنزل الله هذه الآية، لكن لو أنه لم يجد رجُلَينِ من أهل الكتاب ولا من المسلمين وأشهد الرجُلَينِ من الشيوعيِّينَ، فهل نأخذ بذلك، أو نقول: إنه خاصٌّ بالكتابيِّينَ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) نريد الآن اللفظ العام؛ الآية: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾، فقوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ يعُمُّ الكتابيِّينَ وغيرَ الكتابيِّينَ.
هل يُخَصُّ هذا الحكم بشهادتهما بالوصية أو حتى على غير الوصية لو شَهِد على أن الميت أقرَّ بدَينٍ في ذِمَّته لفلان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هل (...) الوصية؟ بَس الواقع وصية.
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين العموم؟ أَرِنا إيَّاه.
* الطالب: (...).
﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة ١٠٦] يَعُم الكتابيين وغير الكتابيين، هل يُخص هذا الحكم بشهادتهما بالوصية، أو حتى على غير الوصية لو شهد على أن الميت أقر بدين في ذمته لفلان؟
* طالب: حتى غير الوصية.
* الشيخ: حتى غير الوصية؟ بس الواقع وصية؟
* الطالب: نأخذ بالعموم.
* الشيخ: نأخذ بالعموم، وين العموم؟ أرنا إياه؟
* الطالب: ما خرج منه قيد، ويبني على القصة الوصية؛ يعني غير الوصية كذلك.
* الشيخ: إي، بس يأتيك الخصم، ويقول: لا نُسَلِّم، أعطنا عمومًا من الآية.
* الطالب: إي نعم، قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة ١٠٦]، وهذا ليس فيه نص على الوصية فقط، وإن كان (...) مصيبة.
* الشيخ: يعني قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يشمل ما لو شهد بالوصية، أو شهد بإقرار الميت بدَيْن أو غير ذلك، توافقون على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: الدليل في قوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ شهادة مضاف (...).
* الشيخ: بس نُقيد ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، والعموم يُؤخذ من قوله: ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ يعني وأشهدتم على هذا حين الموت.
لو قال قائل: هل نُلحِق كل ضرورة بهذه الحال؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم! كل ضرورة؟!
* الطالب: كل ضرورة.
* الشيخ: يعني لو مثلًا إنسان في البلد حضره الموت، وليس عنده إلا كُفّار، وهذا قد يقع في العمال الآن عندنا معهم عمال كفار.
* الطالب: إي نعم، نقول به يا شيخ.
* الشيخ: نقول به في الضرورة؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف نخرج هذا؟ أو كيف نقول بهذا، والآية فيها: ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؟
* الطالب: إذا ليس بقيد.
* الشيخ: بس (إن) شرطية.
* الطالب: لهذا البيان.
* الشيخ: بيان أيش؟
* الطالب: بيان (...).
* الشيخ: يعني الآية سيقت ببيان القصة الواقعة، فيقاس عليها من حيث المعنى كل ضرورة، توافقون على هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، وهذا هو الصحيح، وقد عرفتم أن المسألة فيها ثلاثة أقوال، أتذكرونها؟
قول: إن هذه الآية منسوخة، وأن الكفار لا تُقبل شهادتهم مطلقًا فيما يتعلق بحقوق المسلمين.
والقول الثاني: أنها خاصة في الوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم، وعلّلوا هذا؛ قالوا: لأن قبول شهادة الكافر خارج عن الأصل، الأصل أن الكافر لا تُقبل شهادته، فإذا كان خارجًا عن الأصل وجب أن يقتصر على ما جاء به النص في القضية الواقعة، وهؤلاء يخصصون بالسفر، وفي الوصية، وبأهل الكتاب، ثلاث مخصصات عندهم.
القول الثالث: أنها تُقبل شهادة الكافر في كل ضرورة، وهذا أقرب إلى قواعد الشريعة، ولكن ذكر الله عز وجل أنه في حال الارتياب يحبسون من بعد الصلاة كما في الآية.
لدينا آيتان بينهما عموم وخصوص من وجه، فأيهما نقدم؟
* طالب: يحمل أما الخاص اللذان تقابلا فيه إما يرجع (...).
* الشيخ: هذا ما فيه إشكال.
* الطالب: وأما العامل الخاص (...) يحمل عليهما.
* الشيخ: التعارض، إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني يُطلب مُرجِّح، فإن لم يوجد؟ مَثِّل؟
* الطالب: ما يحتاج لمثال.
* الشيخ: مَثِّل لما فيه الترجيح؟
* الطالب: مثلًا قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] فإنه يتعارض مع قوله تعالى..
* طالب آخر: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة ٢٣٤].
وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، هاتان الآيتان بينهما خصوص وعموم من وجه.
* الشيخ: فَسِّر، يعني بَيِّن ذلك؟
* الطالب: تعتد بأطول الأجلين.
* الشيخ: كيف؟! ما أريد الحكم الآن، لكن كيف التعارض؟
* الطالب: في الآية الأولى بين الله عز وجل أنها تعتد بأربعة أشهر وعشرة أيام.
* الشيخ: سواء كانت حاملًا.
* الطالب: أو غير حامل.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: وفي الآية الثانية عند الحمل تعتد بوضع الحمل.
* الشيخ: سواء متوفى عنها أو لا. كيف الجمع، إذا وجدنا امرأة حامل توفي عنها زوجها، فبماذا تعتد؟
* الطالب: بأطول الأجلين.
* الشيخ: بأطول الأجلين نعم.
* طالب: تعتد الحامل بحديث..
* الشيخ: بوضع الحمل، بناءً على القاعدة الآن، هل تعتد بأطول الأجلين؟
إي نعم، بناءً على القاعدة تعتد بأطول الأجلين، مثلًا إذا وضعت لشهرين، نقول: كمِّلي أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن وضعت لست شهور نقول: انتظري حتى تضعي.
وبهذا نعمل بالآيتين، لكن السنة دلت على أن الحامل عدتها وضع الحمل، ولو أقل من أربعة أشهر وعشرة أيام، ما هي السنة الواردة في هذا؟
* طالب: الحديث عن سبيعة الأسلمية، أن (...) دخل عليها.
* الشيخ: أبو السنابل.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فقال لها: إنكِ لست بناكح، حتى..
* الطالب: حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. قالت: فلما قال لي ذلك: جمعت عليَّ ثيابي، وذهبت إلى النبي ﷺ فسألته.
* الشيخ: فأخبرته بما قال لها أبو السنابل، نعم، فقال لها؟
* الطالب: أنها حلّت للأزواج.
* الشيخ: أخبرها أنها حلت للأزواج حين وضعت، فدل هذا على أن عموم ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مقدّم على عموم ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
من القواعد إذا جاء لفظ عام، ثم فُرّع عليه من يقتضي التخصيص، هل يؤخذ بالعموم أو بالتخصيص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مثاله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة ٢٢٨] كلمة ﴿الْمُطَلَّقَاتُ﴾ إذا نظرنا لعمومها صارت تشمل أيش؟ الرجعيات وغير الرجعيات؛ يعني مَن طلقت سواء كان طلاقها بائنًا أم رجعيًّا. وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ يقتضي أيش؟
يقتضي أن هذا خاص بالرجعيات، فهل نقول: إن العموم هنا لما فُرّع عليه حكم يختص ببعض أفراده يُحمل على الخاص أو لا؟
نعم، هذه أيضًا مما اختلف فيها العلماء، فمنهم من يقول: إن المطلقة البائن التي لا رجعة لزوجها عليها تعتد بحيضة واحدة؛ لأنه لا فائدة من إطالة المدة عليها، الرجعية فيه فائدة من إطالة المدة؛ وهو أن الزوج ربما يرجع، لكن هذه لا فائدة، وإذا لم يكن فائدة فليُفسح لها المجال، ويقال: انقضت عدتها بحيضة واحدة، وتحل للأزواج.
ومنهم من قال: نأخذ بالعموم، والتفريع على بعض أفراده كذكر بعض أفراد العموم بحكم يطابق العموم فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذا رأي الجمهور، والأول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن المطلقة التي يلزمها ثلاثة قروء، إنما هي المطلقة الرجعية.
ونظير هذا في السنة: «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ»[[أخرجه البخاري (٢٢٥٧) من حديث جابر بن عبد الله.]]. إذا نظرنا إلى عموم صدر الحديث قلنا: الشفعة في كل شيء حتى في المنقولات، وإذا نظرنا إلى التفريع قلنا: لا شفعة إلا في الأرَضين التي تقع فيها الحدود، وتُصرّف فيها الطرق، وهذا أيضًا مما اختلف فيه العلماء؛ فمنهم من يقول: إن الشفعة لا تثبت إلا في الأراضي، وأنه لو كان سيارة بين شخصين فباع أحدهما نصيبه على ثالث فليس لشريكه أن يأخذ بالشفعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ» والسيارة ما فيها حدود ولا طرق.
ومنهم من قال: يؤخذ بالعموم، وتثبت الشفعة في كل ما لم يقسم من أراضي ومنقولات وغيرها، ويقول: فإذا وقعت الحدود تفريع على بعض أفراد العام، ولا يخالف العموم فلا يقتضي التخصيص، وهذا أيضًا فيه خلاف، ولكن قد وردت الأحاديث تدل على العموم، وأن الشفعة واجبة حتى في غير الأراضي؛ يعني حتى لو كانت بين رجلين سيارة وباع أحدهما نصيبه على آخر فإنه لا شفعة لشريكه؛ لأن العلة التي من أجلها أُثبتت الشفعة للشريك موجودة في الأراضي وغير الأراضي، بل ربما تكون في غير الأراضي أشد نزاعًا، فإنه قد يحدث من الشريك الجديد من النزاع والخصوم مع الشريك الأول ما يُنكد عليه الحياة.
إذا ورد عن السلف أقوال في تفسير الآية والأقوال تحتمل، فهل نقول: إن هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا أو هو اختلاف تنوُّع؟
فيه تفصيل؛ بعضه اختلاف تنوّع، وبعضه اختلاف تضاد؛ فإذا كان اختلاف تضاد وجب أن نفرض المرجِّح بين القولين، وإذا كان اختلاف تنوع فلا اختلاف في الواقع، مثاله قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر ٣٢] بعضهم قال: الظالم لنفسه الذي يؤخّر الصلاة عن وقتها، وبعضهم قال: الظالم لنفسه الذي لا يزكِّي، هذا واحد.
﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قالوا: المقتصد الذي يؤدي الزكاة، ولا يؤدي الصدقة، والذي يأتي بالصلاة في وقتها، لكن لا يحرص على إقامتها.
والسابق بالخيرات: هو الذي يؤدي الزكاة والصدقة، ويحرص على إقامة الصلاة على ما ينبغي، هل هذا الاختلاف يعتبر اختلافًا حقيقيًّا بحيث نقول: في تفسير الآية قولان؟
لا؛ لأن هذا الاختلاف اختلاف تنوع؛ أي: أن كل واحد منهم ذكر نوعًا مما يدخل في الآية، وهذه قد يعدها بعض الناس اختلافًا، وليس كذلك، هذا يسمونه اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، وعليه فلا يجوز أن نقول: إن السلف اختلفوا في معنى هذه الآية؛ لأن الكل اتفقوا على أنه الظالم مَن فرط في واجب، والمقتصد مَن قام بالواجب، والسابق بالخيرات مَن زاد عن الواجب، متفقين على هذا، لكن كل واحد منهم مثّل بمثال.
نريد آية فيها تخصيص متصل بغير الاستثناء؟ الاستثناء كثير: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخره [العصر: ٢، ٣] كثير.
* طالب: قوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء ٢٥].
* الشيخ: إي، ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يعني هذا خُصّص بالوصف.
ومثله قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] فلما ذكر العموم أولًا قيد بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فهل نأخذ بالعموم أو بالقيد؟
نأخذ بالقيد بلا شك؛ لأن القيد يخصص الْمُقَيَّد، وعلى هذا فلا يجب الحج إلا على مَن؟ مَن استطاع.
فلو قال قائل: جميع العبادات مقيدة بالاستطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، فما الحكمة من كونه يذكر هذا الشرط في الحج، ولم يذكره في الصلاة مثلًا ما قال: أقيموا الصلاة إن استطعتم؟
الجواب سهل؛ لأن المشقة في الحج أظهر وأبين من المشقة في غيره؛ فلهذا نص على هذا الشرط، فالصيام لما كان فيه نوع من المشقة قال فيه عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، وأما ما لا مشقة فيه فتُذكر فيه الأوامر مطلقة، ولكنها تُحمل على القاعدة العامة، وهو أنه لا واجب مع العجز؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء ١٧٦، ١٧٧]، وفي آية أخرى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف ٨٥]، فلماذا ذكر الأخوة في الآية الثانية دون الأولى؟
* طالب: لأنه نسبهم إلى الشجرة التي يعبدونها، فلما نسبهم إلى الشجرة خلع عليهم أخوة الدين، ولما نسبهم إلى الأرض أثبت لهم أخوة النسب.
* الشيخ: هذا وجه، وجه آخر يعني يقول: إنه لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ لم يقل: أخوهم؛ لأنهم يعبدون الشجر.
وبعضهم قال: إن هؤلاء ليسوا من قومه، ليسوا من قومه، فليس أخًا لهم في النسب، وأما الآية الأولى فهو أخوهم بالنسب، وكلاهما صحيح.
ما رأيكم في طريقة التفسير؛ أننا نعرب الآيات المشكل وغير المشكل تمرينًا للطلاب، يذكرنا بالنحو؛ لأن الحقيقة النحو ما حصل لنا أن نوفر فيه وقتًا لدراسته إما في الألفية أو غيرها، أقول: لعل الإعراب يُعوِّض.
المائدة 5:109
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١٠٩، ١١٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.
كلمة ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والظرف والجار والمجرور لا بد لهما من عامل، ويُسمَّى هذا العامل مُتعلَّق، ولهذا قال ناظم القواعد:
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي
يعني اسم الفاعل واسم المفعول وما أشبهها، فعلى هذا يكون ﴿يَوْمَ﴾ منصوبًا، وعامله محذوف؛ لأنه ليس بين أيدينا عامل ممكن أن نُحيل العمل عليه فنقول: العامل محذوف، والتقدير: اذكر يومًا.
وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ ﴿يَوْمَ﴾ هنا مضافة إلى جملة فعلية مضارعية، فهي إذن منصوبة وليست مبنية؛ لأنها أُضيفت إلى فعل معرب، وهي لا تُبنى إلا إذا أضيفت إلى فعل مبني.
﴿اللَّهُ﴾ الاسم الكريم فاعل، وبعضهم يقول: لفظ الجلالة فاعل، وبعضهم يقول: (الله) فاعل، لكن الأولى أن يقال: الاسم الكريم أو لفظ الجلالة، حتى لا يقع الشيء على نفس ذات الله عز وجل بل على الاسم، وهو فاعل و﴿الرُّسُلَ﴾ مفعول به ﴿فَيَقُولُ﴾ معطوفة على ﴿يَجْمَعُ﴾؛ ولهذا صارت مرفوعة.
﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يحتمل أن تكون ﴿مَاذَا﴾ كلمة واحدة على أنها استفهام، ويحتمل أن تكون (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَمِثْلُ (مَا) (ذَا) بَعْدَ (مَا) اسْتِفْهَامِ ∗∗∗ أَوْ (مَنْ) إِذَا لَمْ تُلْغَ فِيالْكَلَامِ
فإذا قلنا: إن ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ ﴿مَاذَا﴾ جميعًا صارت اسم استفهام، وإذا قلنا (ما) اسم استفهام، و(ذا) بمعنى الذي، صارت (ما) اسم استفهام مبتدأ، و(ذا) اسم موصول خبر المبتدأ. و﴿أُجِبْتُمْ﴾ مبني لما لم يُسمّ فاعله، ويقال: مبني للمفعول، ويقال: مبني للمجهول، ويقال: مبني لما لم يُسمّ فاعله، والأخير هو الأولى؛ لأنه قد يُبنى على هذه الصيغة وفاعله معروف، لكنه لم يُسمّ مثل قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لا يمكن أن تقول: ﴿خُلِقَ﴾ فعل ماضٍ مبني للمجهول، لماذا؟ لأن الخالق معروف، ولهذا عبَّر ابن مالك في الألفية، بقوله: ما لم يُسمَّ فاعله، وهذا أحسن.
وقوله: ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذه جواب قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.
وقوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذه ﴿لَا﴾ نافية للجنس، وهي تعمل عمل (إن)، لكن اسمها يكون مبنيًّا معها إذا كان مفردًا، والمفرد في باب (لا) النافية للجنس ما ليس مضافًا ولا شبيهًا بالمضاف، وعلى هذا فيكون (العلم) مبني على الفتح في محل نصب و﴿لَنَا﴾ جار ومجرور خبرها.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جملة استئنافية تبين أنهم وكلوا العلم إلى عالم عز وجل، وهو الله تبارك وتعالى، ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ جمع (غيب)، و(إن) تنصب الاسم وترفع الخبر والكاف اسمها، و﴿عَلَّامُ﴾ خبرها وهو مضاف إلى ﴿الْغُيُوبِ﴾.
أما معنى الآية، وقبل أن نبدأ بمعناها هل هذا مناسب ولا غير مناسب؟
* طلبة: مناسب.
* الشيخ: نعم، مناسب للكبار والصغار، كذا؟ الصغار ما يحتاج مناسبة، لكن ميدانه الكبار، أظن -إن شاء الله- مناسبًا ما دام إحنا ما بنسأل فيضيع علينا الوقت، إنما نُعرب ويكون المعنى إن شاء الله جيدًا.
قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يعني اذكر هذا اليوم العظيم ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وذلك في يوم القيامة، يجمعهم على أي كيفية؟ وفي أي وقت؟ هل هو في أول يوم القيامة أو في آخره أم ماذا؟
يجب علينا في مثل هذه المسائل الغيبية أن نقف حيث وقف النص؛ لأنه ليس للعقل في هذا مدخل، لا ندري أيكون أول ما يبعث الناس أو في أثناء اليوم أو في آخر اليوم، علينا أن نذكر هذا الجمع.
وقوله: ﴿الرُّسُلَ﴾ جمع (رسول) فيشمل الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ يعني ماذا أجابكم الذين أرسلناكم إليهم؟ بماذا أجابوا؟ وهذا كقوله في المرسَل إليهم: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥].
وعلى هذا فيكون الله عز وجل يسأل الرسل، ويسأل المرسَل إليهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦]؛ سؤال الذين أُرسل إليهم أن يقال لهم: ماذا أَجبتم المرسلين؟ وسؤال المرسلين أن يقال: ماذا أُجبتم؟ وهذا السؤال هل هو للاستعلام؟
الجواب: لا؛ لأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
هل هو للتوبيخ؟ أي: توبيخ المرسَل إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨، ٩]؟ الموؤودة ما لها ذنب وتُسأل بأي ذنب قُتلت، توبيخًا لمن؟ توبيخًا لقاتليها، ﴿فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ المقصود به توبيخ المرسَل إليهم، وهذا لا شك أنه الصواب، أما الاستعلام فغير وارد.
وقولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ لا شك أن الإنسان يُشكل عليه هذا النفي، وهو نفي مطلق عام؛ لأنه بلا النافية للجنس، فكيف لا يكون عند المرسلين علم؟
الجواب على هذا من وجوه:
إما أن يقال: لا علم لنا بما حدث بعدنا، كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الواردين على الحوض حين يردون فيزادون عنه فيقول: «أَصْحَابِي». فَيُقَالُ: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٦٢٥)، ومسلم ( ٢٨٦٠/ ٥٨) من حديث ابن عباس.]]. فيكون ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ أي فيما أيش؟ فيما حدث بعدنا، وهذا حق لا علم لهم، هذا وجه.
وجه آخر ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ فيما في بواطن الذين أجابوا؛ لأن مِن الذين أجابوا للرسل مَن كانوا منافقين لا تعلم الرسل ما في قلوبهم، وهذا أيضًا وجه قوي، فإن الرسل عليهم الصلاة والسلام لا يعلمون ما في قلوب الذين يُظهرون اتباعًا، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد ٣٠] والمعرفة بلحن القول مبنية على قرينة ما هي على شيء محسوس مقطوع به، هذا وجه.
الوجه الثالث: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ وأنت تعلم ماذا أُجِبنا؛ لأنك علام الغيوب، وهذا وإن كان له وجه لكنه ليس بذاك القوي، فأحسن ما يقال: إنه لا علم لنا بما حدث بعدنا، أو لا علم لنا فيما في بواطن الأمور.
فيه احتمال رابع أنهم قالوا: لا علم لنا تأدبًا مع الله عز وجل، كما يقول التلميذ لأستاذه: ليس عندي علم، تأدبًا معه وإن كان عنده علم، وكأنّ ابن جرير رحمه الله يميل إلى هذا القول؛ إلى أن معنى أنهم يقولون: لا علم لنا، تأدبًا مع الله عز وجل؛ لأنهم يعلمون أن الله لم يسألهم استعلامًا؛ لأنه عالم.
وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ﴿أَنْتَ﴾ هنا هل نقول: إنها توكيد للكاف في ﴿إِنَّكَ﴾؟ أو نقول: هي ضمير فصل لا محل له من الإعراب؟ أو نقول: إنها مبتدأ وخبره ﴿عَلَّامُ﴾؟
كل هذا محتمل، وأوجه الإعراب كثيرة، ولهذا يقولون: إن حُجج النحويين نَافِقَاءُ اليَرابِيع.
تعرفون اليَرابيع؟ وتعرفون النافقاء؟
النافقاء جحر اليربوع، واليربوع ذكي يحفر له جحرًا في الأرض ويمضي فيه، ثم يحفر في آخره إلى فوق، حتى إذا لم يبقَ إلا قشرة رقيقة خلاها تبقى، فإذا سَدَّ عليه أحد الباب، وإذا النافقاء يَسهل الخروج منها، فيخرج من النافقاء، فيقولون: إن النحويين كلما حجرتهم من جهة وقلت: هذا ما يصلح، أتوا بوجه آخر، ولو كان الاحتمال بعيدًا، ولذلك لا يُغلب النحوي القوي في النحو أبدًا، ما يُغلب، لم يستطيعوا.. كلما أتيت عليه بحجة أتى لك بما يُسوّغ قوله، فنقول: كلمة ﴿أَنْتَ﴾ إما تكون ضمير الفصل، أو توكيدًا للكاف، أو مبتدأ.
وقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هذه نسبة ومبالغة في الواقع؛ يعني أنه -سبحانه وتعالى- علام الغيوب؛ بمعنى أنه ذو علم بالغ في الغيوب، و﴿الْغُيُوبِ﴾ جمع (غيب)، وهو ما يختفي على الخلق، فالله جل وعلا علام الغيوب، ما من غائبة في السماء والأرض إلّا في كتاب مبين يعلم حتى ما لم يكن كيف يكون، ليس يعلم الموجود، لكن الغائب عن الخلق، بل يعلم ما لم يكن كيف يكون عز وجل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أنه يجب على الإنسان أن يتذكر هذا اليوم العظيم لينظر ماذا أجاب به الرسل وهو يوم القيامة فيه يُجمع الرسل ويُسألون.
* ومنها: تمام قدرة الله تبارك وتعالى، وذلك بجمعه الرسل في ذلك الموقف العظيم الذي يختلط فيه الآدميون والوحوش والسباع والإبل وغيرها، فيجمع الله الرسول سبحانه وتعالى بقدرته وإذنه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث إن الله سبحانه وتعالى يعتني بهم هذا الاعتناء؛ حتى إنه يسألهم يوم القيامة في هذا المشهد العظيم: ماذا أُجيبوا؟ تكريمًا لهم وإظهارًا لإبلاغهم الرسالة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَيَقُولُ﴾. وإثبات القول لله قد امتلأ به القرآن وامتلأت به السنة، وصار إثبات القول لله من الأمور القطعية اليقينية؛ أن الله سبحانه وتعالى يقول.
* ومن فوائدها: أنه يقول بحرف وصوت، وجه الدلالة أن مقول القول هو قوله: ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ وهذه حروف، وجه الدلالة على الصوت أنه يخاطب الرسل فلا بد أن يكون الخطاب مسموعًا لهم، وإلا لم يكن له فائدة، وهذا الذي قررناه في إثبات القول لله عز وجل، وأنه بحرف وصوت هو الذي أجمع عليه أهل السنة أئمتهم ومقلّدوهم، ومن قال سوى ذلك فهو مبتدع ضال، من قال: إن الله لا يُوصف بالقول، وإن الذي يضاف إليه من أقوال عبارة عن أصوات مخلوقة؛ خلقها الله عز وجل لتعبر عما في نفسه، فهذا القول من أبطل الأقوال، وقد أبطله شيخ الإسلام رحمه الله في رسالة تسمى التسعينية من تسعين وجهًا رحمه الله، وهو جدير بالإبطال؛ لأنه متناقض وفاسد، والمشكِل أن هذا عليه كثير من الناس اليوم؛ لأنه مذهب الأشعرية السائد بين كثير من الأمة الإسلامية مع أنه باطل، ولا يمكن أن يصدقه من كان على الفطرة السليمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدُّب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع الله عز وجل، حيث قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ هذا وجه.
الوجه الثاني: أنهم عرفوا قدر أنفسهم؛ وأنهم لا يعلمون الغيب.
الوجه الثالث: أنهم علموا أن الأمم بعدهم لا يعلمون عنها شيئًا حسب الاحتمالات التي ذكرناها في وجه قوله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الغيب لله عز وجل؛ لقول الرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذا القول إجماع منهم ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يعني لا غيرك، فمن ادعى علم الغيب فهو كافر؛ لأنه مكذّب للقرآن الكريم ولما أجمع عليه المسلمون، من قال: إنه سيحدث في يوم كذا، كذا وكذا، فهو كاذب، وهو كافر، والكهنة يخبرون عن مغيبات المستقبل، لكنهم لهم أناس من الجن يستمعون الوحي، ويسترقونه، ويلقونه إلى الكاهن، ويضيف الكاهن إليه كذبات كثيرة، ويصدق بكلمة واحدة، وهذا لا ينافي القول بأن الله علام الغيوب وحده؛ لأن الله تعالى قال في هؤلاء الذين يسترقون السمع قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر ١٨] فاستثنى الله عز وجل، قال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.
المائدة 5:110
ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ نقول في ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ كما قلنا في ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ أي أن ﴿إِذْ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: اذكر.
وقوله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ هذا نداء ووصف أو عطف بيان، ﴿عِيسَى﴾ منادى مبني على الضم؛ لأنه علم، وكل علم منادى وهو غير مضاف فإنه يُبنى على الضم في محل نصب، فتقول: يا زيدُ، ولا تقول: يا زيدًا، كل علم غير مضاف فإنه يبنى على الضم، وأما ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ فهو وصف أو عطف بيان ونُصب؛ لأنه مضاف، و﴿مَرْيَمَ﴾ اسم أمه، ونُسب إليها؛ لأنه لا أب له؛ إذ إنه خُلق من أم بلا أب.
﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ هذه مقول القول ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، ثم فسر ذلك قال: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، هذه ﴿إِذْ﴾ متعلقة بقوله: نعمة، ونعمة مفعول ﴿اذْكُرْ﴾. ﴿إِذْ﴾ يعني هذا متعلق بنعمة ﴿أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. ﴿أَيَّدْتُكَ﴾ يعني فاعل مستتر؛ يعني (أنا) تقديره: (أنا)، والفاعل إذا كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) كان مستترًا وجوبًا، وإذا كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا إلا في بعض المسائل مثل فعل التعجب، فإن تقدير الفاعل فيه (هو) ومع ذلك مستتر وجوبًا.
وقوله: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ متعلق بـ(أَيَّد).
﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ هذا بيان للنعمة؛ فالجملة استئنافية.
وقوله: ﴿تُكَلِّمُ﴾ الفاعل مستتر، تقديره: أنت، و﴿النَّاسَ﴾ مفعول به.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: حال كونك في المهد، و﴿كَهْلًا﴾ وحال كونك كهلًا.
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ يعني واذكر نعمتي عليك أيضًا ﴿إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ فتكون الواو حرف عطف و﴿إِذْ﴾ معطوفة على ﴿إِذْ﴾ الأولى.
وقوله: ﴿عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ﴾ هذه (علّم) تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (الكاف)، والثاني الكتاب، و﴿الْحِكْمَةَ﴾ معطوفة عليها، ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ معطوفان، ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ معطوفة على ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ فهو من نعمة الله عليه، فهي إذن في حل نصب.
﴿تَخْلُقُ﴾ أي: أنت ﴿مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الكاف اسم بمعنى مثل؛ أي: مثل هيئة الطير، وهو مضاف وإن كان حرفًا إلى هيئة، وهيئة مضافة إلى ﴿الطَّيْرِ﴾، و﴿بِإِذْنِي﴾ متعلق بـ﴿تَخْلُقُ﴾، ﴿فَتَنْفُخُ﴾ معطوفة على ﴿تَخْلُقُ﴾.
﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه المخلوقة التي خلقتها ﴿طَيْرًا﴾ خبر ﴿تَكُونُ﴾ واسمها مستتر وجوبًا أو جوازًا؟ فتكون هي؟
* طلبة: جوازًا.
* الشيخ: جوازا، و﴿بِإِذْنِي﴾ متعلقة بتكون، و﴿تُبْرِئُ﴾ معطوفة على ﴿تَخْلُقُ﴾؛﴾ يعني وإذ تبرئ الأكمه والأبرص.
و﴿تُبْرِئُ﴾ فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبًا تقديره: أنت، و﴿الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ مفعول به ومعطوف عليه، و﴿بِإِذْنِي﴾ متعلق بـ﴿تُبْرِئُ﴾.
﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ نقول في إعرابها كما قلنا في إعراب ﴿تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾.
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ﴾ معطوفة على ﴿إِذْ﴾ الأولى ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾؛ يعني واذكر نعمتي عليك إذ كففت بني إسرائيل عنك.
و﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ مفعول ﴿كَفَفْتُ﴾.
و﴿عَنْكَ﴾ متعلقة بـ﴿كَفَفْتُ﴾.
﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلقة بـ﴿كَفَفْتُ﴾ أيضًا.
و﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ صفة لموصوف محذوف، والتقدير: بالآيات البينات.
﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ أي من بني إسرائيل ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ في محل نصب مقول القول في (قال)، و(إن) نافية، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ، و﴿إِلَّا﴾ أداة حصر، و﴿سِحْرٌ﴾ خبر المبتدأ، و﴿مُبِينٌ﴾ صفته.
يقول الله عز وجل مُذكِّرًا عيسى عليه الصلاة والسلام بهذه النعم: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ وعيسى هو ابن مريم، وهو من بني إسرائيل، ومِن ذرية مَن؟ من ذرية إبراهيم، كما قال عز وجل: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى آخره [الأنعام: ٨٤].
وقوله: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ مفعول (قال)، المعنى: اذكر النعمة التي أنعمت بها عليك وعلى والدتك، أما نعمته عليه فذكرها وعدَّ منها ما عد، وأما نعمته على الأم فإنه هيّأ لها، ويسّر لها المكان الذي تضع فيه حملها، وجعل عندها رطبًا جنيًّا ونهرًا على قول في معنى ﴿سَرِيًّا﴾ [مريم ٢٤]، ومن نعمته أيضًا على أمه أنه أنطق عيسى في المهد ليبين براءة أمه مما اتهمها به اليهود الذين قالوا لها: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] يعني وأنتِ كيف صِرتِ على هذه الحال؟
وقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ﴾ أي: قويتك، وروح القدس هو جبريل عليه السلام، يؤيده في كل ما يحتاج فيه إلى تأييد ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ هذه من نعمة الله عليه أنه كلّم الناس وهو في المهد أي: صغير يُحمل باليد، والعادة أن هذا لا يتكلم.
﴿وَكَهْلًا﴾ أي: كبيرًا، والكهل قيل: ما بين الثلاثين إلى الخمسين، وقيل: ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وإنما ذكر الله تكليمه في المهد، وتكليمه في الكهل حين كهلًا ليبيّن أن كلامه حين كان في المهد ككلامه حين كان كهلًا لا يختلف، والمعروف أن الصغير لا يتكلم، وأنه لو تكلم لم يكن ككلام الكبير لا في الأداء، ولا في الترتيب، ولا في المعنى، لكن كلام عيسى حال كونه في المهد ككلامه حين كان كهلًا.
ولذلك لو قال قائل: ما الفائدة من قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ لأن كلام الإنسان في حال الكهولة أمر معلوم؟
قلنا: ليبيّن أن كلامه حين كان كهلًا ككلامه حين كان في المهد.
وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ﴾ أي: اذكر إذ علمتك الكتاب والحكمة، الكتاب قيل: إنه الكتابة؛ لأنه ليس المراد الكتاب المنزّل بدليل قوله: ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ فيكون الكتاب بمعنى أيش؟ الكتابة.
﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ هي العلم والفهم والعقل الراجح؛ حيث يُنزل الأشياء في منازلها؛ لأنه أحد الرسل الكرام، فالحكمة إذن العلم والفهم والرشد؛ أي: تنزيل الأشياء في منازلها.
﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة هي الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل هو الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، وهو فرع على التوراة؛ لأن الأصل هي التوراة، لكن الإنجيل جاء فيه بعض الأشياء التي لم تكن في التوراة كما قال عز وجل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠].
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ﴾ أيضًا هذه من نعم الله عليه؛ ﴿إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ يعني تصنع من الطين شيئًا كهيئة الطير.
﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا﴾ أي: فيما صنعت من هذه الهيئة ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾ وفي قراءة: ﴿طَائِرًا بِإِذْنِي﴾ يعني يخلق شكل الطائر، ولنقل شكل حمامة، فينفخ فيها نفخة واحدة فتكون طيرًا؛ يعني طيرًا حيًّا، والقراءة الثانية: ﴿طَائِرًا﴾ أي: أنها تطير بالفعل، وهذا لا أحد يقدر عليه إلا الله عز وجل أو مَن أذن له بذلك.
﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ ﴿وَتُبْرِئُ﴾ أي: تشفي ﴿الْأَكْمَهَ﴾ من مرضه، والأكمه أحسن ما قيل فيه أنه الذي وُلِد بلا بصر، إما لأن الأجفان لم تنفتح، وهذا وَقَع؛ يعني وقع مولود في زماننا هذا أكمه أجفانه منطبقة غير منفتحة، أو أن المعنى الأعشى الذي يبصر بالليل، ولا يبصر بالنهار أو بالعكس، ولكن المعنى الأول أبلغ في الآية أن يكون خُلق بلا بصر فيبرئه بإذن الله عز وجل، وأما الأبرص فمعروف.
وقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ كررها لبيان أن هذه الآية العظيمة لم تكن إلا بإذن الله، في آل عمران كُرّرت الإذن مرتين، لكن الذي في (آل عمران) من الذي قال ذلك، هل الله خاطب عيسى ولا عيسى خاطب قومه؟ عيسى خاطب قومه فافترقا.
وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ ﴿إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي: من قبورهم فيقف على القبر ويقول: يا فلان، اخرج، فيخرج بإذن الله عز وجل.
في آية (آل عمران) يقول: ﴿أُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٤٩] فإذا جمعت هذه إلى هذه صار عيسى عليه الصلاة والسلام يحيي الميت قبل أن يدفن، ويحييه بعد أن يدفن، تُخرج الموتى بإذن الله.
النعمة الأخيرة: ﴿إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ﴾ ﴿إِذْ كَفَفْتُ﴾ أي: صددتهم عنك؛ لأنهم أرادوا قتله، وقصة الصلب مشهورة؛ فإنهم اجتمعوا على قتله، ثم انْتَدَب بعضهم لذلك، فألقى الله الشبه على واحد منهم، ورفع عيسى عليه الصلاة والسلام، هذا الذي أُلقِي عليه الشبه يصيح: لست عيسى، ولكنهم كذبوه، قالوا: أنت عيسى فقتلوه وصلبوه، فادَّعى بنو إسرائيل أنهم قتلوا عيسى وصلبوه، ولكن الله كذَّبهم، فقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [النساء ١٥٧]، بل هو حي باقٍ، وسينزل في آخر الزمان.
وقوله: ﴿إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني حين جئتهم بالبينات أرادوا قتلك بعد أن ظهر الأمر وتبين، وأتيت بآيات بينة ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: قالوا إن عيسى سَحرنا، كيف يبرئ الأكمه؟ كيف يخلق شيئًا من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرًا؟
ما هذا إلا سحر، وكذبوه، وهكذا المكذِّبون للرسل، كلهم يقولون: إن الرسل سحرة؛ لأن الرسل تأتي بآيات لا يستطيعها البشر، فيموّهون على العامة ويقولون: إنهم سحروكم، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، وهذه الآية عامة كل الرسل قيل لهم هذا، ساحر أو مجنون.
وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيّن واضح؛ لأن (أبان) تستعمل متعدية ولازمة، فيقال: أبان الفجر؛ أي: طلع، ويقال: أبان الأمر، أي: وضَّحه، وهي على حسب السياق فتارة تكون بمعنى (أبان)، وتارة تكون بمعنى (بان)، وهنا مأخوذة من (بان) أي هذا سحر بيِّن ظاهر.
وفي الآية فوائد تأتي -إن شاء الله- في الدرس المقبل؛ لأن الأسئلة حل وقتها.
* طالب: ما إعراب ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ إذا قلنا: ﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ، و﴿عَلَّامُ﴾ خبر، هل تفيد معنى الذي تفيد ﴿أَنْتَ﴾ إذا كانت ضمير فصل أم التأكيد؟
* الشيخ: إي نعم، يمكن تفيد؛ لأنه إذا صارت الجملة طرفاها معرفتين أفادت الحصر، لكن ضمير الفصل أقوى في الحصر.
* طالب: لماذا الصليب مقدس عند النصارى؟
* الشيخ: إي، يقولون إن عيسى عليه الصلاة والسلام -حسب زعمهم- إنه رضي بأن يفدي العالم بنفسه فرضي بالقتل والصلب، فمن أجل ذلك نعظّمه، والحقيقة أنهم لو كانوا عقلاء لكانوا يُكسّرون الصليب؛ لأنه صُلب عليه -على زعمهم- نبيهم، فكان يجب أن يكون أكره ما يكون إليهم النظر إلى الصليب، لكن -كما تعلم- النصارى ضالون، ليس عندهم عقول.
* طالب: قال الله تعالى: ﴿أُحْيِ الْمَوْتَى﴾ فإذا عيسى إذا أحيا، هل يعيش بعدها؟
* الشيخ: أما أنا ما حضرت، جواب سليم أو غير سليم؟! أسألك؛ لأن هذا السؤال في غير محله، المقصود بيان أنه يحيي الموتى، أما كونه يبقى أو لا يبقى، هذا البحث فيه غير صحيح، السؤال عنه غير جيد، وأنا دائمًا أقول لكم: مسائل الغيب اقتصروا بها على ما ورد، والشأن كل الشأن أن يحيا بعد الموت لا أن يموت بعد الحياة.
* طالب: قوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ قلنا: بأن في (آل عمران) تكررت دون ما تكررت في هذه الآية؛ لأن المقام هناك كان عيسى يخاطب قومه، هنا الله سبحانه يخاطب عيسى عليه السلام، شيخ، فالمتبادر للذهن أنه كان المفروض أن عيسى عند مخاطبته لقومه يكرر هذا أكثر لئلا يغلوا فيه؟
* الشيخ: لا، هذا في سورة آل عمران، أضافها إلى الله عز وجل حتى يبيّن أن الإله حقًّا هو الله عز وجل، هذا هو المهم، أما هنا فلئلا يغتر أحد بكونه يحيي الموتى، فقال: ﴿بِإِذْنِي﴾ يأتينا -إن شاء الله- في الفوائد لأجل أن يعرف عيسى عليه الصلاة والسلام أنه إنما يتصرف بإذن الله عز وجل.
* طالب: أحسن الله إليك، إذا نزل عيسى في آخر الزمان، هل ينزل بمعجزات أخرى، أو تكون معه هذه المعجزات؟
* الشيخ: الظاهر أنه لا يأتي بهذه المعجزات؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله- أنه أعطاه الله المعجزات هذه؛ لأن الطب في زمنه ترقّى إلى مكان بعيد فآتاه الله من الآيات ما يعجز عنه الأطباء.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ١١١ - ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قبل أن نتكلم على الدرس لهذا اليوم نتكلم على فوائد الدرس الماضي كما زعمتم.
فمن فوائد قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾ إلى آخره.
* من فوائدها: تذكير هذه الأمة بما جرى للأمم السابقة قبلها لأنبيائهم ومَن أُرسل إليهم؛ لأن ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ متعلقة بمحذوف، والتقدير أيش؟ اذكر إذ قال الله.
* ومن فوائدها: إثبات أن الله تعالى يتكلم ويقول بحرف وصوت؛ لأن مقول القول هو ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إلى آخره، وهذه حروف، والقول لا يُوجّه إلا لمن يسمعه، ولو كان قول الله ما قام بنفسه لم يصحّ أن يقول: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى﴾، وفي هذا رد على الأشاعرة الذين قالوا: إن قول الله وكلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وليس هو المسموع، والمسموع أصوات يخلقها الله عز وجل تعبّر عما في نفسه، وهذا القول باطل من أوجه كثيرة، كتب عليها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله، وجزاه عن هذه الأمة خيرًا- رسالة تسمى (التسعينية) أبطل هذا القول من تسعين وجهًا، وهو جدير بأن يبطل ويطرح؛ لأنه متناقض، والعجب أنهم هم والمعتزلة اتفقوا على أن ما في المصحف مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو كلام الله، وهؤلاء قالوا: هو عبارة عن كلام الله، فكان المعتزلة والجهمية من هذه الوجه أسعد منهم بالصواب مع أنهم كلهم خطأ؛ لأن هؤلاء يقولون -أعني الأشاعرة-: الذي في المصحف هذا ليس كلام الله، عبارة عنه، وأولئك يقولون: كلام الله مخلوق، وهم يقولون: عبارة عن كلام الله وهو مخلوق، ومن تدبّر هذا القول وجده في غاية البطلان.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان تذكير الله سبحانه وتعالى عباده بنعمه عليهم، وهذا جاء في القرآن في غير موضع، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ٩] أحيانًا يكون عامًّا كهذه الآية، وأحيانًا يكون خاصًّا مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف ٨٦] وما أشبه ذلك، وإنما يُذكّر الله العباد بالنعمة من أجل وجوب شكرها؛ لأن وجوب شكر المنعم ثابت سمعًا وعقلًا، أما السمع ففي القرآن مملوء: اشكروا، اشكروني، اشكروا الله، وما أشبه ذلك، وأما عقلًا فلأنه ليس من المروءة أن تقابل النعمة بالإساءة والكفر، فشكر المنعم إذن واجب سمعًا وعقلًا، وفائدة التذكير بالنعم هو أيش؟ القيام بالشكر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الإنسان إلى أمه إذا لم يكن له أب؛ لقوله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، وهل يمكن أن يكون للإنسان أم بلا أب؟ الجواب: نعم، وذلك فيما إذا نفى الزوج الولد عن نفسه فإنه ينتفي عنه بالشروط التي ذكرها الفقهاء رحمهم الله، وكذلك ولد الزنا إذا لم يستلحقه الزاني فإنه له أم، وليس له أب، فإن استلحقه الزاني فالمسألة فيها خلاف معروف، وجمهور العلماء على أنه لا يلحقه بعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»[[متفق عليه؛أخرجه البخاري (٢٠٥٣)، ومسلم ( ١٤٥٧/٣٦ ) من حديث عائشة.]].
لكن لو قال قائل: إذا كانت نسبته إلى أمه توجب التساؤلات، وأن ينكسر قلبه، وأن يُساء إلى أمه، فهل يُعدل عن هذا؟
الجواب: نعم، يُعدل عن هذا؛ لأن نسبته إلى أمه إذا لم يكن له أب على سبيل الإباحة والجواز، فإذا كان يستلزم ما يؤذي صاحبه فإنه يُعدل عنه إلى نسبته إلى آخر، إلى مَن؟ نقول: ننسبه إلى اسم يصح لكل إنسان، مثل: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الكريم، عبد اللطيف، وما أشبه ذلك، فعلى هذا نقول: الأصل فيمن ليس له أب أن يُنسب إلى أمه، فإن خُشي من ذلك مضرة أو إيذاء نُسب إلى مَن يصح أن ينطبق على كل أحد.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجب عليهم الشكر كما يجب على مَن أُرسل إليهم؛ لأن الله أمر عيسى أن يذكر نعمته عليه وعلى أمه، ونقول: نعم، يجب وهم -أي الأنبياء- أشد الناس قيامًا بشكر النعمة، فقد «كان إمامهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوم في الليل حتى تتورّم قدماه وتتفطّر، فيقال: يا رسول الله، أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١١٣٠)، ومسلم ( ٢٨١٩/٧٩) من حديث المغيرة بن شعبة.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن نعمة الله على الوالدين نعمة على الولد؛ لقوله: ﴿عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، ولا شك أنها نعمة على الولد كما هي نعمة على الوالد، والنعمة على الولد نعمة على الوالد؟ من باب المساواة أو الأولى؟ من باب الأوْلى؛ لأن الولد بضعة من أبيه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة رضي الله عنها: «إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٣٠)، ومسلم ( ٢٤٤٩/٩٣) من حديث المسور بن مخرمة.]] فنعمة الله على الولد في الحقيقة نعمة من الله على الوالد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يؤيد البشر بالملائكة؛ لقوله: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
* ومن فوائدها: هذه المزيّة لجبريل عليه السلام؛ أنه يؤيد الأنبياء والرسل.
* ومن فوائد هذه الآية: اللقب الفاضل لمن؟ لجبريل ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ فإن القدس بمعنى الطهارة والنزاهة من كل عيب، فهو أي جبريل عليه السلام ذو مِرَّة؛ أي: ذو هيئة حسنة، وهو قوي كما قال عز وجل: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير ٢٠]، وله مكانة عند الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾.
واليهود يبغضون جبريل، والمسلمون يحبون جبريل؛ لأن جبريل موكّل بالوحي ينزل به وفيه حياة الأمة، وأولئك يكرهون جبريل؛ يقولون: إنه ينزل بالعذاب، ولكنه ينزل بالعذاب على مَن؟ على من يستحقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة التي أعطاها الله تعالى عيسى؛ وهي أنه يكلم الناس في المهد وكهلًا على السواء؛ أي أنه يتكلم بكلام رصين بليغ عجيب مع أنه في المهد، وعادة لا يتكلم الناس في المهد، إنما ينبغ نبغًا لا يُفهم، لكن هذا من آيات الله عز وجل، كما أن أصل عيسى من آيات الله، وسبق لنا ما ذكره الله تعالى من كلام عيسى في المهد لما قال قوم مريم لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٨ - ٢٩]. فقال؟
* الطلبة: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم ٢٩].
* الشيخ: نعم، هم قالوا: كيف نكلم، لكن هو قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام عجيب بليغ، لكن الله على كل شيء قدير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على النعمة بالعلم والشرف والحكمة، وأنها أخص من مطلق النعمة؛ لأن مطلق النعمة سبق ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾، لكن العلم خصه فقال: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وعلى هذا فيجب على طالب العلم أن يشكر الله تعالى على نعمته عليه حيث خصَّه بالعلم الذي حرمه كثيرًا من الناس، وإذا منّ الله عليه مع العلم بالعبادة والدعوة إلى الله صار نعمة فوق نعمة، فكم من أناس ضلّوا عن سواء السبيل؛ قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ١١٦]، والإنسان إذا شعر بنعمة الله عليه بالعلم والعبادة والدعوة فإنه يزداد فرحًا وسرورًا ومثابرة وصبرًا على ما هو عليه من طلب العلم، وازدياد العبادة، وقوة الدعوة إلى الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التنصيص على الحكمة؛ وهي معرفة أسرار الشريعة وغاياتها وثمراتها، فإن معرفة ذلك لا شك أنها تزيد الإيمان، وأنها تزيد الإنسان بصيرة في شرائع الله.
وإنها -أي الشرائع- من لدن حكيم عليم، ولهذا نقول: لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، هذه القاعدة خذها مطردة، لا يمكن أن يوجد في صريح المعقول ما ينافي صحيح المنقول، فإن وجدت ما ينافيه فاعلم أن الأمر لا يخلو من أحد أمرين ولا بد: إما أن عقلك ليس بصريح؛ يعني فيه شبهات أوجبت اختفاء الحق عليه، أو شهوات انطمس بها، نسأل الله العافية.
وإما أن يكون النص غير صحيح، يكون حديثًا ضعيفًا أو مكذوبًا على الرسول ﷺ أو ما أشبه ذلك، أما أن يكون عقل صريح سالم من الشبهات والشهوات ونقل صحيح، فلا يمكن أن يتناقض أبدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة والإنجيل كتابان من عند الله عز وجل، وسبق أن قلنا: إن عطفهما على الكتاب من باب عطف الخاص على العام إذا لم نقل إن المراد بالكتاب الكتابة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله تبارك وتعالى على إحياء الموتى، وعلى إدخال الروح في الجماد؛ من قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾.
* ومن فوائدها: إطلاق لفظ الخلق على ما صنعه المخلوق، مثلًا لو صنعت بابًا تقول: خلقت بابًا، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤] وقوله في الحديث الصحيح: «يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢١٠٥)، ومسلم(٢١٠٧ /٩٦) من حديث عائشة.]].
فإن قال قائل: إذا أثبتّ صفة الخلق للمخلوق فأيّ فرق بين خلق الخالق وخلق المخلوق؟
فالجواب: الفرق عظيم جدًّا؛ خلق الخالق إيجاد من عدم على ما يريد الله عز وجل ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٦]، خلق المخلوق تحويل مخلوق الله إلى صفة أخرى، وإلا فالأصل منين؟ من الله عز وجل؛ هل يمكن لأحد أن يجعل من الحجر ذهبًا؟ لا يمكن، لكن يمكن أن يجعل من الذهب حليًّا، وأن يجعل منه على شكل حيوان كما جعلت بنو إسرائيل الحلي الذي أخذوه من آل فرعون، جعلوه عجلًا، فافترق الخلق المنسوب للخالق والخلق المنسوب للمخلوق، خلق المخلوق يعني تحويل الشيء من شيء إلى آخر لا ذاته ولكن صفاته، وأما خلق الخالق فهو إيجاد من عدم، وهذا لا يستطيع أحد أن يفعله.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل جعل لعيسى آية تُعجز علماء الفن الذي اشتهر في حياته، فقد قيل: إن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام اشتهر في وقته الطب، وترقّى ترقيًا عظيمًا، فجاء عيسى بآيات لا يستطيع الأطباء أن يقوموا بها، كما أن السحر في عهد موسى كان منتشرًا؛ فجاء موسى بآيات تبطل سحرهم، وكما أن البلاغة في العرب منتشرة في عهد الرسول ﷺ؛ فجاء الله تعالى بكتاب أعجزهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه سبحانه وتعالى يختار من الآيات أشدها إعجازًا، فإنه لم يمنّ على عيسى بأن يخلق أرنبًا أو قطًّا أو ما أشبه ذلك، بل طائرًا؛ لأن الطيران في الجو أبلغ من المشي على الأرض فاختار الله له أن يخلق أيش؟ طائرًا يعني على صورة الطير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفخ له تأثير في الأجساد إذا أراد الله عز وجل أن يُؤثِّر؛ لأنه نفخ في الطير الذي صنعه فصار أيش؟ صار طائرًا كما في القراءة الأخرى، لما نفخ فيه صار حيوانًا من الطيور، ثم طار لتحقق أنه دخلته الروح، ومن ثم جاءت القراءة على المريض عن طريق النفث، والنفث -كما نعلم جميعًا- يتضمن نفخًا وريقًا، وهذا مؤثّر بإذن الله عز وجل، ولهذا لو أن القارئ صار يقرأ ويأخذ بأصبعه من ريقه ويبل به مكان الألم، أو يبل به المريض فلا أظنه ينفع، لا بد من نفخ مع ريق.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: ما أعطاه الله تعالى عيسى من الآيات في إبراء الأكمه، وهو الذي خلق بلا عين ولا بصر، وهذه دليل على قدرة الله، والظاهر -والله أعلم- أنه يبرئه في الحال، ما يحتاج إلى علاج، وإلى انتظار، الظاهر أنه يبرئه في الحال كما جرى للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عين أبي قتادة رضي الله عنه حين جُرحت في أُحد، وبَرزت على خده، العين بَرزت على الخد، فأُتي به إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فأخذ العين وردها في مكانها، وعادت كما كانت في الحال[[أخرجه أبو يعلى (١٥٤٩) من حديث قتادة بن النعمان.]]، سبحان الله العظيم! هذه القدرة ما يبلغها الأطباء، الظاهر أن إِبْرَاءه الأكمه والأبرص الظاهر أنه يكون في الحال بدون معالجة وتردد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الآية العظيمة لعيسى أنه يخرج الموتى من القبور؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾، وهذه لا يقدر عليها أحد، أما هل يبقى الميت إذا خرج أو لا يبقى؟ هذا ليس لنا فيه كلام، ولا ينبغي أن نتكلم فيه، لماذا؟ لأن الآية حصرت بإخراجه من قبره، أما هل يبقى ويعيش مع الناس أو يموت بعد أن خرج وبرز للناس، ثم يُدفن؟ فهذا ليس لنا في معرفته مصلحة وليس لنا أن نسأل عنه؛ لأن الآية حاصلة بدونه.
في هذه الجمل الأربع: الطير، إبراء الأكمه، إبراء الأبرص، إحياء الموتى، فيه دليل على أنه لا يمكن لأي بشر مهما أوتي أن يحصل له مراده إلا بإذن الله عز وجل؛ لأن كل جملة أو كل كلمة قيدها الله تعالى بأيش؟ بإذنه لئلا يدعي مدعٍ أن الخلق لهم استقلال في أفعالهم، فيكون في هذه الفائدة يكون لها فرع؛ وهو: الرد على القدرية، مَن القدرية؟ القدريّة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، الإنسان يأكل ويشرب، ويدخل ويخرج، ويتحرك ويسكن بإرادة تامة ليس لله فيها تعلق، وهذا يعني إثبات خالق مع الله عز وجل، أو إثبات موجب للحوادث مع الله عز وجل؛ ولهذا سُميّت القدرية مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يقولون: إن الحوادث الكونية لها خالقان: ظلمة، ونور، وهؤلاء يقولون: الحوادث في الكون لها موجدان، كل واحد مستقل عن الآخر: أفعال العباد يستقل بها العباد حتى إن بعضهم يقول: إن الله لا يعلم من أفعال العباد إلا ما وقع، وأما ما لم يقع فلا يعلمه الله عز وجل، فوصفوا الله تبارك وتعالى بالجهل فيما هو في ملكه تبارك وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات إذن الله، وليُعلم أن الإذن المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: إذن كوني قدري، وإذن شرعي تعبدي، مثال الإذن الكوني: هذه الآية ﴿بِإِذْنِي﴾، مثال الإذن الشرعي قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] ما لم يأذن به الله شرعًا أو قدرًا؟ شرعا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: وقدرًا؟ قد أذن فيه؛ فإنه مَكَّن هؤلاء من أن يشرعوا لأقوامهم ما لم يأذن به الله، ومكّن الأقوام أن يتعبدوا بهذه الشريعة البدعية، لكن شرعًا لا، فالإذن إذن المضاف إلى الله عز وجل تنقسم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، مثال الإذن الكوني هذه الآية ﴿تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾، مثال الإذن الشرعي: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]، الفائدة من معرفة القسمين: أن نؤمن بأن ما أذن الله فيه قَدرًا فلا بد من وقوعه، وما لم يأذن به فلا يمكن وقوعه، أما شرعًا، فما أذن الله به شرعًا فقد يقع، وقد لا يقع، وما لم يأذن فيه فقد يقع، وقد لا يقع نعم، هذا هو الفرق.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كف الأذى عن الإنسان من نعمة الله عليه، ولهذا امتن الله به على المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج ٣٨] فكلما كان الإنسان أشد إيمانًا بالله عز وجل دافع الله عنه، وتسليط بعض الناس عليه بالإيذاء ما هو إلا كتسليط المرض على الرسل والأنبياء من باب أيش؟ رفعة الدرجات وإلا فلا شك أن هناك أئمة من هذه الأمة أُذوا أشد الإيذاء، بل الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذون كما قال عز وجل: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٣٤] نعم ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾، لكن هذا من باب رفعة الدرجات، منين نأخذ الفائدة هذه أن الله يدافع عن المؤمنين؟ من قوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الأنعام ٣٤].
* ومن فوائد الآية: تشجيع الداعي إلى الله عز وجل الذي يأتي بالآيات البينات فإنه عُرضة لأيش؟ للإيذاء؛ لقوله: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فكل إنسان يدعو إلى الله ويأتي بالبراهين والأدلة لا بد أن يُسلَّط عليه من يُسلَّط، ولكن الله تعالى بقوته وقدرته يَصرف عنه ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمرد بني إسرائيل الذين كفروا، حيث ادّعوا أن هذا سحر، بل حصروا ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ﴾ يعني ولا يمكن أن يكون حقًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السحر قد يَخفى، أو أن السحر ما خَفِي سببه، فقالوا: كيف يكون عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله كيف يكون هذا؟ هذا سحر، لو أن أحدًا وقف على جثة هامدة، وقال: قومي فقامت، ماذا يقول الناس؟
* طالب: ساحر.
* الشيخ: نعم، يقولون: هذا ساحر كيف يقوم الميت؟ فهم لبَّسوا -والعياذ بالله- على عباد الله، وقالوا في آيات الأنبياء: إنها سحر مبين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين يتبين لهم الحق، ويعلمون أنه حق؛ لأن مثل هذا القول: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إنما يَصدر من أهل الكفر، أما المؤمن فيؤمن بالآيات، ويرى أنها حق ويزيد إيمانه بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام كغيره من الرسل جاء بالآيات البينات؛ يعني الواضحات التي لا تُشكل على أحد، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه: «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلّا أَعْطَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٩٨١) ومسلم ( ١٥٢/٢٣٩) عن أبي هريرة.]]. ولولا هذا لكان الناس معذورين ألَّا يُصدقوا؛ يعني لولا الآيات مع الرسل عليهم الصلاة والسلام لكان الناس لهم عذر ألَّا يصدقوا، وعليه يكون قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥] يكون مقيدًا بأنهم أوتوا أيش؟
آيات يؤمن على مثلها البشر، وآيات الأنبياء أنواع كثيرة يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله فصلًا قيما جدًّا جدًّا في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ذكر فيه آيات النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن آياته نوعان: حسية ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية، وضّح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته، بل أعظم آيات هذا القرآن، الذي كان آية في وقته، وفيما بعد إلى يوم القيامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ» أو كلمة نحوها «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٩٨١)، ومسلم ( ١٥٢/٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط ما لبث أقوامهم أن حرّفوا الكتب من بعدهم لا أهل التوراة، ولا أهل الإنجيل، ولا الكتب الأخرى.
* طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما الفرق بين الإرادة والإذن؟
* الشيخ: والإذن؟ لا، متقاربات، لكن الإذن أبلغ في التأثير، فمثلًا أنا أريد منك أن تفعل، وأذِنت أن تفعل، هذه أبلغ، إنما بالنسبة لصفات الله عز وجل متقاربة.
* طالب: قلنا: إن خلق الله سبحانه وتعالى إيجاد من العدم، وخلق العباد تحويل شيء إلى شيء، هل خلق عيسى للطير هذا من خلق الله..؟
وآيات الأنبياء أنواع كثيرة، يجمعها أنها معنوية وحسية، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله فصلًا قيمًا جدًّا جدًّا في آخر كتابه الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ذكر فيه آيات النبي عليه الصلاة والسلام وقال: إن الآيات نوعان: حسية ومعنوية، والحسية آفاقية وأرضية، وضح توضيحًا كاملًا، وأن من أعظم آياته، بل أعظم آياته هذا القرآن الذي كان آية في وقته وفيما بعده إلى يوم القيامة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ» - أو كلمة نحوها- «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١) ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة. ]]؛ لأن القرآن بقي، وآيات الأنبياء انتهت بحياتهم فقط، ما لبث أقوامهم أن حرفوا الكتب من بعدهم، لا أهل التوراة ولا أهل الإنجيل ولا الكتب الأخرى.
* طالب: ما الفرق بين الإرادة والإذن؟
* الشيخ: لا، متقاربات، لكن الإذن أبلغ في التأثير، فمثلًا أنا أريد منك أن تفعل، وأذنت أن تفعل، هذه أبلغ، إنما بالنسبة لصفات الله عز وجل متقاربة.
* طالب: (...) قلنا بأن خلق الله سبحانه وتعالى إيجاد (...).
* الشيخ: تحويل نعم.
* طالب: هل خلق الإنسان للطير هذا من خلق الله أو من خلق المخلوق؟
* الشيخ: لا، خلق المخلوق، كل إنسان يستطيع أن يأتي بشيء ويصنعه كهيئة الطير.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هو ما أوجد هذا، أصلها من طين، والطين مخلوق لله عز وجل من قبل صنعه على شبه طائر.
المائدة 5:111
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ (أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ﴾ على قراءة، والقراءة المشهورة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١]، ومثل قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ -هذا جواب ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ - ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا -أي ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ - يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير ﴿بِأَنَّنَا﴾، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟
* طالب: البدلية.
* الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وكلاهما سبعية، أما ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.
﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.
قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ لأن الإيمان يحمل على التقوى، وهي شرط في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ هنا هل هو الوحي الشرعي أو الوحي الكوني الإلهامي؟ في هذا قولان للعلماء، فمنهم من قال: إنه وحي الشرع، يعني أوحيت إليهم بواسطة عيسى، وإلا من المعلوم أن الوحي الشرعي لا يكون إلا للأنبياء والرسل، لكن أوحيت إليهم شرعًا بواسطة نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان وحيًا كونيًّا فالمراد به الإلهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧] أوحينا وحي إلهام ولّا وحي شرع؟ إلهام، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل ٦٨]، هذا وحي إلهام، وهو وحي كوني؛ لأنه يتعلق بالخلق.
فإن قال قائل: ألا يمكن أن نحمل الآية على المعنيين جميعًا، فيكون الله أوحى إلى نبيهم عيسى أن يبلغهم ذلك وألهمهم قبوله؟ الجواب نعم ولّا بلى؟
بلى، يمكن أن يحمل الوحي على المعنيين جميعًا.
وقوله: ﴿الْحَوَارِيِّينَ﴾ الحواريون هم الخُلَّص من الأصحاب، وقد قال النبي ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥ / ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله. ]] رضي الله عنه، فالحواريون هم الخلص من الأصحاب، وتأمل كيف كان هؤلاء هم الخلص من أصحابه، ماذا صنعوا بعد ذلك وهم الخلص، اقرن هؤلاء الخلص بالخلص من هذه الأمة، تجد الفرق العظيم. كما لو قرنت الخلص من قوم موسى لوجدت الفرق العظيم بينهم وبين الخلص من هذه الأمة، مما يدلك على فضل هذه الأمة التي اختارها الله تعالى لاتباع هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بوجوده والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، يعني يتضمن أربعة أشياء، فالإيمان بوجوده ضد أولئك الشيوعيين الذين يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي طبائع تتفاعل وينتج بعضها بعضًا، وإلا فلا رب، والعياذ بالله؛ لأنه قد ختم على قلوبهم، نسأل الله العافية، الإيمان بربوبيته رد على من يقولون: إن الله سبحانه وتعالى له معين في الخلق أو له شريك، ولهذا نفى الله تعالى ذلك في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣].
الإيمان بألوهيته، والمراد انفراده بالألوهية، ردًّا على من؟ على الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر يعبدونه كما يعبدون الله؛ كمشركي قريش، الإيمان بأسمائه وصفاته رد على طائفتين: مُعَطِّلة ومُمَثِّلة، الممثلة أشركوا بالله فقالوا مثلًا: إن لله وجهًا كوجوهنا، وله يد كأيدينا، وله عين كأعيننا، وما أشبه ذلك، هؤلاء مشركون، أليس كذلك؟
الثاني: المعطلة الذين نفوا الوجه واليد والعين والقدم والنزول والاستواء، وما أشبه ذلك، هؤلاء معطِّلون، لهم نصيب من قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] وإن كانوا لا يعطلون الألوهية لكنهم يعطلون الأسماء والصفات، فمن آمن برب لا يوصف بسمع ولا بصر، ولا حكمة ولا عزة ولا قوة، ولا مجيء ولا استواء، هل آمن برب حقيقة؟ لا.
إذن الإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، الإيمان بربوبيته، الإيمان بألوهيته، الإيمان بأسمائه وصفاته، والمراد الانفراد بهذه الأشياء.
﴿وَبِرَسُولِي﴾ أي عيسى عليه الصلاة والسلام، والإيمان برسول واحد يتضمن الأمر بالإيمان بجميع الرسل، الأمر بالإيمان برسول واحد يتضمن الإيمان بجميع الرسل؛ لأن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، ألم تقرؤوا قول الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] وهل أحد من الرسل قبل نوح؟
لا، ما فيه رسول قبل نوح، ومع ذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأنه إذا كذب بواحد من جنس فقد كذب بالجنس كله، إذا آمنوا بعيسى فقد آمنوا بجميع الرسل، ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى بشر به.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ قالوا بألسنتهم: آمنا ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قالوا لمن؟ لله ولّا لعيسى؟ إذا كان عيسى هو الذي أمرهم سيقول لعيسى: آمنا، ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ فأقروا واستشهدوا، وإذا أقر الإنسان واستشهد صار استشهاده غيره مانعًا له من الإنكار فيما بعد؛ لأن الإنسان قد يقر بنفسه لكن إذا لم يكن عنده من يشهد عليه ربما ينكر، لكن هم أقروا بألسنتهم واستشهدوا، استشهدوا من؟ استشهدوا عيسى؛ إذا كان المراد بقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي لعيسى، أما إذا كان المراد أنهم قالوا لله عز وجل، فإن المستشهَد هنا هو الله تبارك وتعالى.
﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي منقادون لله عز وجل، ولا انقياد إلا بإيمان بأن الله تعالى آمر وناهٍ، واعلم أن الإسلام إذا أُطلق شمَل الإيمان، والإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، وإذا اجتمعا صار الإسلام علانية والإيمان سرًّا، يعني الإسلام الأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأفعال الجوارح، والإيمان الأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وحبها ورجائها وغير ذلك.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ يعني: اذكر يا محمد إذ قال الحواريون المنتخبون من قوم عيسى.
﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ انظر إلى هذا الخطاب الجافّ، لم يقولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله، قالوا: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل يستطيع أن ينزل: هذا فيه إشكال عظيم على هذه القراءة؛ لأن شكهم في قدرة الله يستلزم الكفر، فلهذا أشكل على أهل العلم كيف يقولون هذا وهم الحواريون؟
فنقول في الجواب عن هذا: إما أن تُحمل الاستطاعة على الإرادة، وهذا سائغ في كلام العرب، تقول لصاحبك: يا فلان، هل تستطيع تمشي معي لفلان سأزوره، وأنت تعلم أنه يقدر، لكن المراد، أيش المراد؟ هل تريد أن تمشي معي. فيكون ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي هل يريد، وليس عندهم شك في كونه قادرًا عز وجل.
أو يقال جواب آخر: هم يؤمنون بالقدرة العامة، لكن قد يحصل عند الإنسان شك في قدرة خاصة، كحال الرجل الذي قال لأهله وكان مسرفًا على نفسه: «إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الْيَمِّ -يعني في البحر- فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]] الرجل خائف أو لا؟ خائف من الله، وليس عنده شك بأنه قادر، لكن على سبيل العموم، أما على هذا الفعل بعينه فإنه يقول: لعله إذا أحرق وذر في اليم لا يقدر الله عليه.
فصار الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن تكون الاستطاعة بمعنى القدرة، الوجه الثاني: أن يكون عندهم إيمان بقدرة الله على كل شيء لكن التفصيل قد يتردد الإنسان في حصوله ويحتاج إلى زيادة الطمأنينة، انظر إلى زكريا وانظر إلى مريم لما بشره الله تعالى بأنه سيهبه ولدًا ماذا قال؟ قال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] كيف يصير هذا؟ قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩] يعني انظر لأصلك ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾؛ إذن قادر على أن يخلق ولدًا، ومع هذا طلب آية على تحقق ما بشر به.
فيه رأي آخر ثالث يقول: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ ليس من الاستطاعة التي هي ضد العجز، بل هي من الاستطاعة التي هي الإطاعة، يعني هل يطيعك ربك إذا سألته أن ينزل علينا مائدة أو لا يطيع؟ وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول وهو الإرادة؛ لأن الإطاعة بمعنى الانقياد، فالمعنى: هل إذا سألت ربك يطيعك، فيكون الاستطاعة هنا ليست من باب الطوق والقدرة، ولكن من باب الإطاعة، وهي الانقياد إذا سألته.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ اتقوا الله يعني: امتنعوا عن هذا الطلب، أو عن هذا السؤال الذي يتضمن الطلب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني مؤمنين بقدره راضين بقضائه، إن أغناكم أغناكم، وإن أعدمكم أعدمكم؛ لأن المؤمن حقًّا والمتقي حقًّا يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يسأل أشياء تكون خارجة عن نطاق العادة.
هذا على قراءة ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾، أما على قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، فيكون الاستطاعة هنا عائدة إلى من؟ إلى عيسى، يعني هل تستطيع أن تسأل الله أو تستحيي فلا تسأل، وعلى هذه القراءة ليس هناك إشكال والحمد لله، على القراءة الأولى عرفتم الوجوه التي يجاب بها عن الإشكال.
وقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة تطلق أحيانًا على الطعام، والأصل أنها تُطلق على الكرسي الذي يكون عليه الطعام، هذا الأصل، لكن قد تطلق على الطعام، وهنا المراد -والله أعلم- المراد الأمران جميعًا، يعني كرسي طعام، وهو الخوان أو الخوّان -أنا لا أضبط اللفظة- وعليها الطعام.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من فوق.
﴿قَالُوا نُرِيدُ﴾ يعني أخبروه بالسبب أنهم سألوا هذا السؤال العجيب ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ إذن هم جياع، وهو يشبه من بعض الوجوه، وإن كان أحسن منها ما قال قوم موسى له: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة ٦١]، لكن هؤلاء طلبوا شيئًا ينزل من السماء ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾، ثانيا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، ﴿تَطْمَئِنَّ﴾: تستقر، ولا يكون فيها قلق ولا ريب، هذا غرض ثان، الثالث: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ كيف نعلم أن قد صدقتنا؟ نعم، هو قال لهم: إنه رسول الله، فإن جاء بآية بينة فقد صدق وإن لم يأت فلم يصدق، لكن كيف يقولون: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ وهم قد صدقوه؟ هذا إشكال، لكن الجواب: إما أن المعنى: ونزداد علمًا أن قد صدقتنا، ولا شك أنه كلما وجدت الآيات الدالة على صدق القائل ازداد علمًا بصدق القائل، أو يكون بعضهم عنده تردد، والعلم ينفي الشك والتردد، لكن أيما أولى: الإحسان بهم ظنًّا ونقول: نعلم أي يزداد علمًا، أو نقول: لعل بعضهم عنده تردد؟
الأول أحسن ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي أخبرتنا بالصدق، يقال: صدقه بمعنى: أخبره بالصدق، ويقال: صدقه بمعنى: أتى بما وعده به، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] يعني تقتلونهم، بمعنى: أتى بما وعد به، ويقال: صدقه، إذا أخبره بالصدق وإن لم يأتِ ما أخبر به؛ كقوله ﷺ في الشيطان: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هذا أمر رابع، يعني نشهده بأعيننا من غير أن نُخبَر عنه، وليس الخبر كالمعاينة.
* من فوائد الآيتين: إثبات وحي الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون، وقد سمعتم الأمثلة في التفسير.
* ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى عليه السلام له حواريون، يعني: أصحاب ذوو صفاء في مودتهم. اذكر آخر سورة الصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف ١٤] وكما سمعتم الحديث: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥ / ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر رضي الله عنه، قال: «لَوْ كُنْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٦٥٦) من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإيمان هو «الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا.
* ومن فوائد هذه الآية: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: آمنا.
* ومن فوائد الآية: جواز حذف المعلوم، من أين؟
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ولم يقل: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلَق يُحمَل على المقيَّد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلتُ، أو قبلتُ البيع مثلًا، قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلتُ البيع، هل يثبت الشرط؟ نعم يثبت؛ لأن قول البيع يعني بهذا الشرط وإن لم يذكَر لكنه معلوم من السياق.
* ومن فوائد هذه الآية: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه؛ لقوله: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ»[[أخرجه أبو داود (٥٠٦٩) والترمذي (٣٥٠١) من حديث أنس بن مالك دون قوله: وأنبياءك. وفي المعجم الأوسط للطبراني (٩٣٥٦) «وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ عَلَى شَهَادَتِي عَلَى نَفْسِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».]]، هذا من أذكار المساء والصباح، على خلاف في ثبوت الحديث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان هو الإسلام؛ لقوله: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١]، ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر مع الإيمان صار له معنى آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] يعني لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن (لما) تفيد النفي مع قرب المنفي، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إذن كيف نخرج هذه الآية؟ نخرجها أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان بالقلوب والإسلام في الجوارح، يعني أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١١٢].
* من فوائد هذه الآية: أن الحواريين مع كونهم خلصًا عندهم شيء من الجفاء؛ لقولهم: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]؟ قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام باسمه، مع أنهم يريدون أن يدعوا الله لهم لحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدون أن يسأل الله أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؟ الجواب: الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، الدليل؟ أول ما بدؤوا بالأكل ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أول ما بدؤوا، فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤] ماذا فعلوا؟ دخلوا على أستاههم، على أدبارهم، يقولون: حِنْطَة، أُمروا أن يقولوا: حِطّة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نبغي شيئًا ثانيًا وهو ملء البطن، حنطة، هؤلاء يشبه هذا، والأصل واحد يا إخوان، الأصل واحد، كلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا. والله أعلم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ وسبق تفسيره، وهل هذا وحي إلى الحواريين أم ماذا؟
* الطالب: فيه قولان، أحدهما وحي بواسطة نبيهم عيسى، الثاني: الإلهام.
* الشيخ: يعني أوحاه إليهم بواسطة عيسى.
* الطالب: إي نعم، والقول الثاني أنه الإلهام.
* الشيخ: أن إيحاءه لهم بمعنى الإلهام.
أيهما أرجح؟
* الطالب: نقول: إن المعنى شامل للمعنيين جميعًا؛ الوحي الشرعي والوحي الكوني.
* الشيخ: فقد أوحى الله إلى عيسى وحيًا شرعيًّا، وأوحى إليهم وحيًا قدريًّا.
ما معنى الحواريين؟
* طالب: الخلص من أصحابه.
* الشيخ: الخلص من أصحابه.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قلهما؟
* طالب: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ و﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ .
* الشيخ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، و﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ .
على القراءة الأولى فيها إشكال؟ أن هذا يفيد أنهم شاكون بقدرة الله، ما هو الجواب عن ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، المثال هذا غير صحيح، كأن يقول الرجل لأخيه: هل تستطيع أن تمشي معي، هل تستطيع أن نذهب أو نجيء، المهم أن الاستطاعة بمعنى القدرة، وجه آخر؟
* طالب: أنهم مؤمنون بالقدرة العامة لله عز وجل، لكن في التفصيل (...).
* الشيخ: يعني عندهم إيمان بالقدرة العامة، لكن القدرة على الشيء المعين، طيب هذا وجه ذلك، ثانيًا؟
* الطالب: معنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي هل يطيعك ربك إن سألته.
* طالب آخر: يقولون: ليس بمعنى القدرة، وإنما من الإطاعة، الاستطاعة بمعنى الإطاعة
* الشيخ: يعني؟
* طالب: يعني إذا سألته يعني هل تستطيع سؤاله.
* الشيخ: يعني ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ يعني هل يجيب، هذه الخلاصة، هل يجيب ربك، من الإطاعة بمعنى الانقياد.
على قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ؟
* طالب: لا إشكال.
* الشيخ: لا إشكال، ويش المعنى؟
* طالب: يعني هل تستطيع أن تسأل ربك.
* الشيخ: هل تستطيع أن تسأل ربك، وعلى هذا فلا إشكال.
* طالب: (...)
* الشيخ: فيشبه قول اليهود: حنطة، لما قيل لهم: قولوا: حِطة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (٢٤٤٧) من حديث ابن عباس. ]]، ولهذا أمثلة، منها قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] نأخذ هذا من قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقهم؛ لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، أي أخبرتنا بالصدق.
* ومنها: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين؛ لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يُستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة رضي الله عنهم قولهم حق وحجة؛ لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.
المائدة 5:112
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ (أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ﴾ على قراءة، والقراءة المشهورة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١]، ومثل قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ -هذا جواب ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ - ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا -أي ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ - يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير ﴿بِأَنَّنَا﴾، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟
* طالب: البدلية.
* الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وكلاهما سبعية، أما ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.
﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.
قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ لأن الإيمان يحمل على التقوى، وهي شرط في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ هنا هل هو الوحي الشرعي أو الوحي الكوني الإلهامي؟ في هذا قولان للعلماء، فمنهم من قال: إنه وحي الشرع، يعني أوحيت إليهم بواسطة عيسى، وإلا من المعلوم أن الوحي الشرعي لا يكون إلا للأنبياء والرسل، لكن أوحيت إليهم شرعًا بواسطة نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان وحيًا كونيًّا فالمراد به الإلهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧] أوحينا وحي إلهام ولّا وحي شرع؟ إلهام، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل ٦٨]، هذا وحي إلهام، وهو وحي كوني؛ لأنه يتعلق بالخلق.
فإن قال قائل: ألا يمكن أن نحمل الآية على المعنيين جميعًا، فيكون الله أوحى إلى نبيهم عيسى أن يبلغهم ذلك وألهمهم قبوله؟ الجواب نعم ولّا بلى؟
بلى، يمكن أن يحمل الوحي على المعنيين جميعًا.
وقوله: ﴿الْحَوَارِيِّينَ﴾ الحواريون هم الخُلَّص من الأصحاب، وقد قال النبي ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥ / ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله. ]] رضي الله عنه، فالحواريون هم الخلص من الأصحاب، وتأمل كيف كان هؤلاء هم الخلص من أصحابه، ماذا صنعوا بعد ذلك وهم الخلص، اقرن هؤلاء الخلص بالخلص من هذه الأمة، تجد الفرق العظيم. كما لو قرنت الخلص من قوم موسى لوجدت الفرق العظيم بينهم وبين الخلص من هذه الأمة، مما يدلك على فضل هذه الأمة التي اختارها الله تعالى لاتباع هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بوجوده والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، يعني يتضمن أربعة أشياء، فالإيمان بوجوده ضد أولئك الشيوعيين الذين يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي طبائع تتفاعل وينتج بعضها بعضًا، وإلا فلا رب، والعياذ بالله؛ لأنه قد ختم على قلوبهم، نسأل الله العافية، الإيمان بربوبيته رد على من يقولون: إن الله سبحانه وتعالى له معين في الخلق أو له شريك، ولهذا نفى الله تعالى ذلك في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣].
الإيمان بألوهيته، والمراد انفراده بالألوهية، ردًّا على من؟ على الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر يعبدونه كما يعبدون الله؛ كمشركي قريش، الإيمان بأسمائه وصفاته رد على طائفتين: مُعَطِّلة ومُمَثِّلة، الممثلة أشركوا بالله فقالوا مثلًا: إن لله وجهًا كوجوهنا، وله يد كأيدينا، وله عين كأعيننا، وما أشبه ذلك، هؤلاء مشركون، أليس كذلك؟
الثاني: المعطلة الذين نفوا الوجه واليد والعين والقدم والنزول والاستواء، وما أشبه ذلك، هؤلاء معطِّلون، لهم نصيب من قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] وإن كانوا لا يعطلون الألوهية لكنهم يعطلون الأسماء والصفات، فمن آمن برب لا يوصف بسمع ولا بصر، ولا حكمة ولا عزة ولا قوة، ولا مجيء ولا استواء، هل آمن برب حقيقة؟ لا.
إذن الإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، الإيمان بربوبيته، الإيمان بألوهيته، الإيمان بأسمائه وصفاته، والمراد الانفراد بهذه الأشياء.
﴿وَبِرَسُولِي﴾ أي عيسى عليه الصلاة والسلام، والإيمان برسول واحد يتضمن الأمر بالإيمان بجميع الرسل، الأمر بالإيمان برسول واحد يتضمن الإيمان بجميع الرسل؛ لأن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، ألم تقرؤوا قول الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] وهل أحد من الرسل قبل نوح؟
لا، ما فيه رسول قبل نوح، ومع ذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأنه إذا كذب بواحد من جنس فقد كذب بالجنس كله، إذا آمنوا بعيسى فقد آمنوا بجميع الرسل، ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى بشر به.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ قالوا بألسنتهم: آمنا ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قالوا لمن؟ لله ولّا لعيسى؟ إذا كان عيسى هو الذي أمرهم سيقول لعيسى: آمنا، ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ فأقروا واستشهدوا، وإذا أقر الإنسان واستشهد صار استشهاده غيره مانعًا له من الإنكار فيما بعد؛ لأن الإنسان قد يقر بنفسه لكن إذا لم يكن عنده من يشهد عليه ربما ينكر، لكن هم أقروا بألسنتهم واستشهدوا، استشهدوا من؟ استشهدوا عيسى؛ إذا كان المراد بقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي لعيسى، أما إذا كان المراد أنهم قالوا لله عز وجل، فإن المستشهَد هنا هو الله تبارك وتعالى.
﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي منقادون لله عز وجل، ولا انقياد إلا بإيمان بأن الله تعالى آمر وناهٍ، واعلم أن الإسلام إذا أُطلق شمَل الإيمان، والإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، وإذا اجتمعا صار الإسلام علانية والإيمان سرًّا، يعني الإسلام الأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأفعال الجوارح، والإيمان الأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وحبها ورجائها وغير ذلك.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ يعني: اذكر يا محمد إذ قال الحواريون المنتخبون من قوم عيسى.
﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ انظر إلى هذا الخطاب الجافّ، لم يقولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله، قالوا: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل يستطيع أن ينزل: هذا فيه إشكال عظيم على هذه القراءة؛ لأن شكهم في قدرة الله يستلزم الكفر، فلهذا أشكل على أهل العلم كيف يقولون هذا وهم الحواريون؟
فنقول في الجواب عن هذا: إما أن تُحمل الاستطاعة على الإرادة، وهذا سائغ في كلام العرب، تقول لصاحبك: يا فلان، هل تستطيع تمشي معي لفلان سأزوره، وأنت تعلم أنه يقدر، لكن المراد، أيش المراد؟ هل تريد أن تمشي معي. فيكون ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي هل يريد، وليس عندهم شك في كونه قادرًا عز وجل.
أو يقال جواب آخر: هم يؤمنون بالقدرة العامة، لكن قد يحصل عند الإنسان شك في قدرة خاصة، كحال الرجل الذي قال لأهله وكان مسرفًا على نفسه: «إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الْيَمِّ -يعني في البحر- فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]] الرجل خائف أو لا؟ خائف من الله، وليس عنده شك بأنه قادر، لكن على سبيل العموم، أما على هذا الفعل بعينه فإنه يقول: لعله إذا أحرق وذر في اليم لا يقدر الله عليه.
فصار الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن تكون الاستطاعة بمعنى القدرة، الوجه الثاني: أن يكون عندهم إيمان بقدرة الله على كل شيء لكن التفصيل قد يتردد الإنسان في حصوله ويحتاج إلى زيادة الطمأنينة، انظر إلى زكريا وانظر إلى مريم لما بشره الله تعالى بأنه سيهبه ولدًا ماذا قال؟ قال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] كيف يصير هذا؟ قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩] يعني انظر لأصلك ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾؛ إذن قادر على أن يخلق ولدًا، ومع هذا طلب آية على تحقق ما بشر به.
فيه رأي آخر ثالث يقول: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ ليس من الاستطاعة التي هي ضد العجز، بل هي من الاستطاعة التي هي الإطاعة، يعني هل يطيعك ربك إذا سألته أن ينزل علينا مائدة أو لا يطيع؟ وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول وهو الإرادة؛ لأن الإطاعة بمعنى الانقياد، فالمعنى: هل إذا سألت ربك يطيعك، فيكون الاستطاعة هنا ليست من باب الطوق والقدرة، ولكن من باب الإطاعة، وهي الانقياد إذا سألته.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ اتقوا الله يعني: امتنعوا عن هذا الطلب، أو عن هذا السؤال الذي يتضمن الطلب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني مؤمنين بقدره راضين بقضائه، إن أغناكم أغناكم، وإن أعدمكم أعدمكم؛ لأن المؤمن حقًّا والمتقي حقًّا يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يسأل أشياء تكون خارجة عن نطاق العادة.
هذا على قراءة ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾، أما على قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، فيكون الاستطاعة هنا عائدة إلى من؟ إلى عيسى، يعني هل تستطيع أن تسأل الله أو تستحيي فلا تسأل، وعلى هذه القراءة ليس هناك إشكال والحمد لله، على القراءة الأولى عرفتم الوجوه التي يجاب بها عن الإشكال.
وقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة تطلق أحيانًا على الطعام، والأصل أنها تُطلق على الكرسي الذي يكون عليه الطعام، هذا الأصل، لكن قد تطلق على الطعام، وهنا المراد -والله أعلم- المراد الأمران جميعًا، يعني كرسي طعام، وهو الخوان أو الخوّان -أنا لا أضبط اللفظة- وعليها الطعام.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من فوق.
﴿قَالُوا نُرِيدُ﴾ يعني أخبروه بالسبب أنهم سألوا هذا السؤال العجيب ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ إذن هم جياع، وهو يشبه من بعض الوجوه، وإن كان أحسن منها ما قال قوم موسى له: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة ٦١]، لكن هؤلاء طلبوا شيئًا ينزل من السماء ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾، ثانيا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، ﴿تَطْمَئِنَّ﴾: تستقر، ولا يكون فيها قلق ولا ريب، هذا غرض ثان، الثالث: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ كيف نعلم أن قد صدقتنا؟ نعم، هو قال لهم: إنه رسول الله، فإن جاء بآية بينة فقد صدق وإن لم يأت فلم يصدق، لكن كيف يقولون: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ وهم قد صدقوه؟ هذا إشكال، لكن الجواب: إما أن المعنى: ونزداد علمًا أن قد صدقتنا، ولا شك أنه كلما وجدت الآيات الدالة على صدق القائل ازداد علمًا بصدق القائل، أو يكون بعضهم عنده تردد، والعلم ينفي الشك والتردد، لكن أيما أولى: الإحسان بهم ظنًّا ونقول: نعلم أي يزداد علمًا، أو نقول: لعل بعضهم عنده تردد؟
الأول أحسن ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي أخبرتنا بالصدق، يقال: صدقه بمعنى: أخبره بالصدق، ويقال: صدقه بمعنى: أتى بما وعده به، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] يعني تقتلونهم، بمعنى: أتى بما وعد به، ويقال: صدقه، إذا أخبره بالصدق وإن لم يأتِ ما أخبر به؛ كقوله ﷺ في الشيطان: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هذا أمر رابع، يعني نشهده بأعيننا من غير أن نُخبَر عنه، وليس الخبر كالمعاينة.
* من فوائد الآيتين: إثبات وحي الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون، وقد سمعتم الأمثلة في التفسير.
* ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى عليه السلام له حواريون، يعني: أصحاب ذوو صفاء في مودتهم. اذكر آخر سورة الصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف ١٤] وكما سمعتم الحديث: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥ / ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر رضي الله عنه، قال: «لَوْ كُنْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٦٥٦) من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإيمان هو «الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا.
* ومن فوائد هذه الآية: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: آمنا.
* ومن فوائد الآية: جواز حذف المعلوم، من أين؟
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ولم يقل: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلَق يُحمَل على المقيَّد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلتُ، أو قبلتُ البيع مثلًا، قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلتُ البيع، هل يثبت الشرط؟ نعم يثبت؛ لأن قول البيع يعني بهذا الشرط وإن لم يذكَر لكنه معلوم من السياق.
* ومن فوائد هذه الآية: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه؛ لقوله: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ»[[أخرجه أبو داود (٥٠٦٩) والترمذي (٣٥٠١) من حديث أنس بن مالك دون قوله: وأنبياءك. وفي المعجم الأوسط للطبراني (٩٣٥٦) «وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ عَلَى شَهَادَتِي عَلَى نَفْسِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».]]، هذا من أذكار المساء والصباح، على خلاف في ثبوت الحديث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان هو الإسلام؛ لقوله: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١]، ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر مع الإيمان صار له معنى آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] يعني لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن (لما) تفيد النفي مع قرب المنفي، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إذن كيف نخرج هذه الآية؟ نخرجها أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان بالقلوب والإسلام في الجوارح، يعني أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١١٢].
* من فوائد هذه الآية: أن الحواريين مع كونهم خلصًا عندهم شيء من الجفاء؛ لقولهم: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]؟ قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام باسمه، مع أنهم يريدون أن يدعوا الله لهم لحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدون أن يسأل الله أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؟ الجواب: الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، الدليل؟ أول ما بدؤوا بالأكل ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أول ما بدؤوا، فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤] ماذا فعلوا؟ دخلوا على أستاههم، على أدبارهم، يقولون: حِنْطَة، أُمروا أن يقولوا: حِطّة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نبغي شيئًا ثانيًا وهو ملء البطن، حنطة، هؤلاء يشبه هذا، والأصل واحد يا إخوان، الأصل واحد، كلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا. والله أعلم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ وسبق تفسيره، وهل هذا وحي إلى الحواريين أم ماذا؟
* الطالب: فيه قولان، أحدهما وحي بواسطة نبيهم عيسى، الثاني: الإلهام.
* الشيخ: يعني أوحاه إليهم بواسطة عيسى.
* الطالب: إي نعم، والقول الثاني أنه الإلهام.
* الشيخ: أن إيحاءه لهم بمعنى الإلهام.
أيهما أرجح؟
* الطالب: نقول: إن المعنى شامل للمعنيين جميعًا؛ الوحي الشرعي والوحي الكوني.
* الشيخ: فقد أوحى الله إلى عيسى وحيًا شرعيًّا، وأوحى إليهم وحيًا قدريًّا.
ما معنى الحواريين؟
* طالب: الخلص من أصحابه.
* الشيخ: الخلص من أصحابه.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قلهما؟
* طالب: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ و﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ .
* الشيخ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، و﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ .
على القراءة الأولى فيها إشكال؟ أن هذا يفيد أنهم شاكون بقدرة الله، ما هو الجواب عن ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، المثال هذا غير صحيح، كأن يقول الرجل لأخيه: هل تستطيع أن تمشي معي، هل تستطيع أن نذهب أو نجيء، المهم أن الاستطاعة بمعنى القدرة، وجه آخر؟
* طالب: أنهم مؤمنون بالقدرة العامة لله عز وجل، لكن في التفصيل (...).
* الشيخ: يعني عندهم إيمان بالقدرة العامة، لكن القدرة على الشيء المعين، طيب هذا وجه ذلك، ثانيًا؟
* الطالب: معنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي هل يطيعك ربك إن سألته.
* طالب آخر: يقولون: ليس بمعنى القدرة، وإنما من الإطاعة، الاستطاعة بمعنى الإطاعة
* الشيخ: يعني؟
* طالب: يعني إذا سألته يعني هل تستطيع سؤاله.
* الشيخ: يعني ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ يعني هل يجيب، هذه الخلاصة، هل يجيب ربك، من الإطاعة بمعنى الانقياد.
على قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ؟
* طالب: لا إشكال.
* الشيخ: لا إشكال، ويش المعنى؟
* طالب: يعني هل تستطيع أن تسأل ربك.
* الشيخ: هل تستطيع أن تسأل ربك، وعلى هذا فلا إشكال.
* طالب: (...)
* الشيخ: فيشبه قول اليهود: حنطة، لما قيل لهم: قولوا: حِطة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (٢٤٤٧) من حديث ابن عباس. ]]، ولهذا أمثلة، منها قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] نأخذ هذا من قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقهم؛ لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، أي أخبرتنا بالصدق.
* ومنها: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين؛ لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يُستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة رضي الله عنهم قولهم حق وحجة؛ لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.
المائدة 5:113
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ (إذ) على حسب ما مر علينا مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ أوحيت. وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ (أن) هنا تفسيرية؛ لأنها إذا وقعت بعد فعل تضمن معنى القول دون حروفه سميت تفسيرية، والوحي فعل متضمن لمعنى القول دون حروفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]، فـ(أن) هنا يعربها أهل النحو على أنها تفسيرية، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أعاد حرف الجر في قوله: ﴿وَبِرَسُولِي﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿بِي﴾؛ لأنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يؤتى بحرف الجر الذي كان في المعطوف عليه، هذا هو الأشهر في اللغة العربية، وربما يخرج الكلام عن الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ﴾ على قراءة، والقراءة المشهورة ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١]، ومثل قوله: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧] ولم يقل: وبالمسجد، وإلا فالأصل أنه إذا عطف على ضمير متصل فإنه يعاد حرف الجر.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ -هذا جواب ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ - ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ يجوز في مثل هذا -أي ﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ - يجوز أن تضعف النون وألا تضعف، إن ضعفت فلا بد من الإتيان بالضمير ﴿بِأَنَّنَا﴾، وإن لم تضعف أدغمت النون بنون الضمير فصارت: بأنا مسلمون، وقد جاء ذلك في القرآن.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ هذه أيضًا جملة استئنافية، عامل (إذ) محذوف، والتقدير: اذكر إذ قال الحواريون: يا عيسى بن مريم. عيسى: منادى، وهو في مثل هذا يُبنى على الضم في محل نصب، ولكن جاءت (ابن) وهي صفة أو عطف بيان منصوبة، ولم تتبع موصوفها، لماذا؟ لأنها مضافة، ولهذا تقول: يا زيدُ بنَ عبد الله، ولا تقول: يا زيدُ بنُ عبد الله؛ لأن هذا لو سلط عليه العامل -أعني المضاف- لنصبه، فإذا كان العامل لو سلط عليه مباشرة لنصبه فكيف والعامل لم يسلط عليه إلا بواسطة، واسطة أيش؟
* طالب: البدلية.
* الشيخ: المعطوف عليه عطف بيان أو بدل.
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قراءة: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ وقراءة: ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ، وكلاهما سبعية، أما ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فهي فعل وفاعل، وأما ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فهي فعل وفاعل متصل، ومفعول به، الفاعل المتصل في (هَلْ تَسْتَطِيعُ) يعود على من؟ على عيسى.
﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾، قوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ جار ومجرور صفة لـ(مائدة)؛ وذلك لأن الجار والمجرور والفعل إذا أتى بعد النكرة فهو صفة، وإن أتى بعد المعرفة فهو حال.
قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه متعلقة بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ لأن الإيمان يحمل على التقوى، وهي شرط في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾: ﴿أَوْحَيْتُ﴾ هنا هل هو الوحي الشرعي أو الوحي الكوني الإلهامي؟ في هذا قولان للعلماء، فمنهم من قال: إنه وحي الشرع، يعني أوحيت إليهم بواسطة عيسى، وإلا من المعلوم أن الوحي الشرعي لا يكون إلا للأنبياء والرسل، لكن أوحيت إليهم شرعًا بواسطة نبيهم عيسى عليه الصلاة والسلام، أما إذا كان وحيًا كونيًّا فالمراد به الإلهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧] أوحينا وحي إلهام ولّا وحي شرع؟ إلهام، وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل ٦٨]، هذا وحي إلهام، وهو وحي كوني؛ لأنه يتعلق بالخلق.
فإن قال قائل: ألا يمكن أن نحمل الآية على المعنيين جميعًا، فيكون الله أوحى إلى نبيهم عيسى أن يبلغهم ذلك وألهمهم قبوله؟ الجواب نعم ولّا بلى؟
بلى، يمكن أن يحمل الوحي على المعنيين جميعًا.
وقوله: ﴿الْحَوَارِيِّينَ﴾ الحواريون هم الخُلَّص من الأصحاب، وقد قال النبي ﷺ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥ / ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله. ]] رضي الله عنه، فالحواريون هم الخلص من الأصحاب، وتأمل كيف كان هؤلاء هم الخلص من أصحابه، ماذا صنعوا بعد ذلك وهم الخلص، اقرن هؤلاء الخلص بالخلص من هذه الأمة، تجد الفرق العظيم. كما لو قرنت الخلص من قوم موسى لوجدت الفرق العظيم بينهم وبين الخلص من هذه الأمة، مما يدلك على فضل هذه الأمة التي اختارها الله تعالى لاتباع هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، ﴿أَنْ آمِنُوا بِي﴾ الإيمان بالله عز وجل يتضمن الإيمان بوجوده والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، يعني يتضمن أربعة أشياء، فالإيمان بوجوده ضد أولئك الشيوعيين الذين يقولون: ليس هناك رب، وإنما هي طبائع تتفاعل وينتج بعضها بعضًا، وإلا فلا رب، والعياذ بالله؛ لأنه قد ختم على قلوبهم، نسأل الله العافية، الإيمان بربوبيته رد على من يقولون: إن الله سبحانه وتعالى له معين في الخلق أو له شريك، ولهذا نفى الله تعالى ذلك في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢، ٢٣].
الإيمان بألوهيته، والمراد انفراده بالألوهية، ردًّا على من؟ على الذين جعلوا مع الله إلهًا آخر يعبدونه كما يعبدون الله؛ كمشركي قريش، الإيمان بأسمائه وصفاته رد على طائفتين: مُعَطِّلة ومُمَثِّلة، الممثلة أشركوا بالله فقالوا مثلًا: إن لله وجهًا كوجوهنا، وله يد كأيدينا، وله عين كأعيننا، وما أشبه ذلك، هؤلاء مشركون، أليس كذلك؟
الثاني: المعطلة الذين نفوا الوجه واليد والعين والقدم والنزول والاستواء، وما أشبه ذلك، هؤلاء معطِّلون، لهم نصيب من قول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص ٣٨] وإن كانوا لا يعطلون الألوهية لكنهم يعطلون الأسماء والصفات، فمن آمن برب لا يوصف بسمع ولا بصر، ولا حكمة ولا عزة ولا قوة، ولا مجيء ولا استواء، هل آمن برب حقيقة؟ لا.
إذن الإيمان بالله عز وجل يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، الإيمان بربوبيته، الإيمان بألوهيته، الإيمان بأسمائه وصفاته، والمراد الانفراد بهذه الأشياء.
﴿وَبِرَسُولِي﴾ أي عيسى عليه الصلاة والسلام، والإيمان برسول واحد يتضمن الأمر بالإيمان بجميع الرسل، الأمر بالإيمان برسول واحد يتضمن الإيمان بجميع الرسل؛ لأن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، ألم تقرؤوا قول الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] وهل أحد من الرسل قبل نوح؟
لا، ما فيه رسول قبل نوح، ومع ذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأنه إذا كذب بواحد من جنس فقد كذب بالجنس كله، إذا آمنوا بعيسى فقد آمنوا بجميع الرسل، ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن عيسى بشر به.
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ قالوا بألسنتهم: آمنا ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ قالوا لمن؟ لله ولّا لعيسى؟ إذا كان عيسى هو الذي أمرهم سيقول لعيسى: آمنا، ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ فأقروا واستشهدوا، وإذا أقر الإنسان واستشهد صار استشهاده غيره مانعًا له من الإنكار فيما بعد؛ لأن الإنسان قد يقر بنفسه لكن إذا لم يكن عنده من يشهد عليه ربما ينكر، لكن هم أقروا بألسنتهم واستشهدوا، استشهدوا من؟ استشهدوا عيسى؛ إذا كان المراد بقوله: ﴿قَالُوا﴾ أي لعيسى، أما إذا كان المراد أنهم قالوا لله عز وجل، فإن المستشهَد هنا هو الله تبارك وتعالى.
﴿بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي منقادون لله عز وجل، ولا انقياد إلا بإيمان بأن الله تعالى آمر وناهٍ، واعلم أن الإسلام إذا أُطلق شمَل الإيمان، والإيمان إذا أطلق شمل الإسلام، وإذا اجتمعا صار الإسلام علانية والإيمان سرًّا، يعني الإسلام الأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأفعال الجوارح، والإيمان الأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وحبها ورجائها وغير ذلك.
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ يعني: اذكر يا محمد إذ قال الحواريون المنتخبون من قوم عيسى.
﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ انظر إلى هذا الخطاب الجافّ، لم يقولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله، قالوا: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل يستطيع أن ينزل: هذا فيه إشكال عظيم على هذه القراءة؛ لأن شكهم في قدرة الله يستلزم الكفر، فلهذا أشكل على أهل العلم كيف يقولون هذا وهم الحواريون؟
فنقول في الجواب عن هذا: إما أن تُحمل الاستطاعة على الإرادة، وهذا سائغ في كلام العرب، تقول لصاحبك: يا فلان، هل تستطيع تمشي معي لفلان سأزوره، وأنت تعلم أنه يقدر، لكن المراد، أيش المراد؟ هل تريد أن تمشي معي. فيكون ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي هل يريد، وليس عندهم شك في كونه قادرًا عز وجل.
أو يقال جواب آخر: هم يؤمنون بالقدرة العامة، لكن قد يحصل عند الإنسان شك في قدرة خاصة، كحال الرجل الذي قال لأهله وكان مسرفًا على نفسه: «إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الْيَمِّ -يعني في البحر- فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٨١) ومسلم (٢٧٥٦ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]] الرجل خائف أو لا؟ خائف من الله، وليس عنده شك بأنه قادر، لكن على سبيل العموم، أما على هذا الفعل بعينه فإنه يقول: لعله إذا أحرق وذر في اليم لا يقدر الله عليه.
فصار الجواب على هذا من وجهين: الوجه الأول: أن تكون الاستطاعة بمعنى القدرة، الوجه الثاني: أن يكون عندهم إيمان بقدرة الله على كل شيء لكن التفصيل قد يتردد الإنسان في حصوله ويحتاج إلى زيادة الطمأنينة، انظر إلى زكريا وانظر إلى مريم لما بشره الله تعالى بأنه سيهبه ولدًا ماذا قال؟ قال: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] كيف يصير هذا؟ قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩] يعني انظر لأصلك ﴿خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾؛ إذن قادر على أن يخلق ولدًا، ومع هذا طلب آية على تحقق ما بشر به.
فيه رأي آخر ثالث يقول: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ ليس من الاستطاعة التي هي ضد العجز، بل هي من الاستطاعة التي هي الإطاعة، يعني هل يطيعك ربك إذا سألته أن ينزل علينا مائدة أو لا يطيع؟ وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول وهو الإرادة؛ لأن الإطاعة بمعنى الانقياد، فالمعنى: هل إذا سألت ربك يطيعك، فيكون الاستطاعة هنا ليست من باب الطوق والقدرة، ولكن من باب الإطاعة، وهي الانقياد إذا سألته.
﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ اتقوا الله يعني: امتنعوا عن هذا الطلب، أو عن هذا السؤال الذي يتضمن الطلب، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني مؤمنين بقدره راضين بقضائه، إن أغناكم أغناكم، وإن أعدمكم أعدمكم؛ لأن المؤمن حقًّا والمتقي حقًّا يرضى بقضاء الله وقدره، ولا يسأل أشياء تكون خارجة عن نطاق العادة.
هذا على قراءة ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾، أما على قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ فالمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء، فيكون الاستطاعة هنا عائدة إلى من؟ إلى عيسى، يعني هل تستطيع أن تسأل الله أو تستحيي فلا تسأل، وعلى هذه القراءة ليس هناك إشكال والحمد لله، على القراءة الأولى عرفتم الوجوه التي يجاب بها عن الإشكال.
وقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ المائدة تطلق أحيانًا على الطعام، والأصل أنها تُطلق على الكرسي الذي يكون عليه الطعام، هذا الأصل، لكن قد تطلق على الطعام، وهنا المراد -والله أعلم- المراد الأمران جميعًا، يعني كرسي طعام، وهو الخوان أو الخوّان -أنا لا أضبط اللفظة- وعليها الطعام.
﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي من فوق.
﴿قَالُوا نُرِيدُ﴾ يعني أخبروه بالسبب أنهم سألوا هذا السؤال العجيب ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ إذن هم جياع، وهو يشبه من بعض الوجوه، وإن كان أحسن منها ما قال قوم موسى له: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة ٦١]، لكن هؤلاء طلبوا شيئًا ينزل من السماء ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾، ثانيا: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾، ﴿تَطْمَئِنَّ﴾: تستقر، ولا يكون فيها قلق ولا ريب، هذا غرض ثان، الثالث: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ كيف نعلم أن قد صدقتنا؟ نعم، هو قال لهم: إنه رسول الله، فإن جاء بآية بينة فقد صدق وإن لم يأت فلم يصدق، لكن كيف يقولون: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ وهم قد صدقوه؟ هذا إشكال، لكن الجواب: إما أن المعنى: ونزداد علمًا أن قد صدقتنا، ولا شك أنه كلما وجدت الآيات الدالة على صدق القائل ازداد علمًا بصدق القائل، أو يكون بعضهم عنده تردد، والعلم ينفي الشك والتردد، لكن أيما أولى: الإحسان بهم ظنًّا ونقول: نعلم أي يزداد علمًا، أو نقول: لعل بعضهم عنده تردد؟
الأول أحسن ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي أخبرتنا بالصدق، يقال: صدقه بمعنى: أخبره بالصدق، ويقال: صدقه بمعنى: أتى بما وعده به، فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] يعني تقتلونهم، بمعنى: أتى بما وعد به، ويقال: صدقه، إذا أخبره بالصدق وإن لم يأتِ ما أخبر به؛ كقوله ﷺ في الشيطان: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٧٥) من حديث أبي هريرة.]].
﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هذا أمر رابع، يعني نشهده بأعيننا من غير أن نُخبَر عنه، وليس الخبر كالمعاينة.
* من فوائد الآيتين: إثبات وحي الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْتُ﴾، ووحي الله ينقسم إلى قسمين: وحي شرع ووحي إلهام، فالأول يتعلق بالشرع، والثاني يتعلق بالكون، وقد سمعتم الأمثلة في التفسير.
* ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى عليه السلام له حواريون، يعني: أصحاب ذوو صفاء في مودتهم. اذكر آخر سورة الصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف ١٤] وكما سمعتم الحديث: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٦١) ومسلم (٢٤١٥ / ٤٨) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، هذه منقبة لا شك للزبير، لكن أبو بكر رضي الله عنه، قال: «لَوْ كُنْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»[[أخرجه البخاري (٣٦٥٦) من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإيمان بالله لا يتم إلا بالإيمان برسله؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن الإيمان هو «الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، هذه الأركان لا بد منها في الإيمان، فمن نقص منها واحدًا لم يكن مؤمنًا.
* ومن فوائد هذه الآية: استجابة الحواريين لما أوحي إليهم به، حيث قالوا: آمنا.
* ومن فوائد الآية: جواز حذف المعلوم، من أين؟
﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ ولم يقل: بك وبرسولك؛ لأن هذا معلوم، فالمطلَق يُحمَل على المقيَّد إذا كان معلومًا، فإذا عقد الإنسان عقدًا وذكر عند الإيجاب شروطًا، فقال الآخر: قبلتُ، أو قبلتُ البيع مثلًا، قال: بعتك هذا البيت على أن أسكن فيه سنة، فقال: قبلتُ البيع، هل يثبت الشرط؟ نعم يثبت؛ لأن قول البيع يعني بهذا الشرط وإن لم يذكَر لكنه معلوم من السياق.
* ومن فوائد هذه الآية: جواز استثبات الشيء بالإشهاد عليه؛ لقوله: ﴿اشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وفي الدعاء المأثور: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيْتُ أُشْهِدُكَ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتَكَ وَأَنْبِيَاءَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ، بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ»[[أخرجه أبو داود (٥٠٦٩) والترمذي (٣٥٠١) من حديث أنس بن مالك دون قوله: وأنبياءك. وفي المعجم الأوسط للطبراني (٩٣٥٦) «وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، وَأَنْبِيَاءَكَ وَرُسُلَكَ، وَجَمِيعَ خَلْقِكَ عَلَى شَهَادَتِي عَلَى نَفْسِي أَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».]]، هذا من أذكار المساء والصباح، على خلاف في ثبوت الحديث.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان هو الإسلام؛ لقوله: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة ١١١]، ولم يقولوا: مؤمنون، قالوا: مسلمون، فدل هذا على أن الإيمان هو الإسلام، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل العلم وقالوا: لا فرق بين الإسلام والإيمان، واستدلوا بمثل هذه الآية، واستدلوا أيضًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦]، ولكن هذا القول على إطلاقه فيه نظر، والصواب أن الإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر مع الإيمان صار له معنى آخر، ويدل لهذا التفصيل قول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] يعني لم يدخل لكن قريبًا يدخل؛ لأن (لما) تفيد النفي مع قرب المنفي، ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إذن كيف نخرج هذه الآية؟ نخرجها أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام، فيكون الإيمان بالقلوب والإسلام في الجوارح، يعني أنهم آمنوا وانقادوا انقيادًا تامًّا لأوامر الله ورسوله.
ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١١٢].
* من فوائد هذه الآية: أن الحواريين مع كونهم خلصًا عندهم شيء من الجفاء؛ لقولهم: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾.
فإن قال قائل: لعل شريعتهم تبيح لهم أن ينادوا نبيهم باسمه، بخلاف هذه الشريعة فقد قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]؟ قلنا: وليكن ذلك، لكن هل من الأدب أن يخاطبوا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام باسمه، مع أنهم يريدون أن يدعوا الله لهم لحصول هذه المائدة، أو الأليق ما داموا يريدون أن يسأل الله أن ينادوه بوصف النبوة والرسالة؛ لأنه أنسب وأقرب إلى إجابة دعوتهم؟ الجواب: الثاني لا شك، على كل حال هذا الخطاب لا شك أن فيه شيئًا من الجفاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الحواريين يريدون من الآيات ما يملأ بطونهم، الدليل؟ أول ما بدؤوا بالأكل ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أول ما بدؤوا، فيشبه قول اليهود لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء ١٥٤] ماذا فعلوا؟ دخلوا على أستاههم، على أدبارهم، يقولون: حِنْطَة، أُمروا أن يقولوا: حِطّة، يعني: احطط عنا ذنوبنا، لكن قالوا: لا، نبغي شيئًا ثانيًا وهو ملء البطن، حنطة، هؤلاء يشبه هذا، والأصل واحد يا إخوان، الأصل واحد، كلهم من بني إسرائيل، فلا عجب أن يكون سؤالهم متقاربًا. والله أعلم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة ١١١- ١١٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ وسبق تفسيره، وهل هذا وحي إلى الحواريين أم ماذا؟
* الطالب: فيه قولان، أحدهما وحي بواسطة نبيهم عيسى، الثاني: الإلهام.
* الشيخ: يعني أوحاه إليهم بواسطة عيسى.
* الطالب: إي نعم، والقول الثاني أنه الإلهام.
* الشيخ: أن إيحاءه لهم بمعنى الإلهام.
أيهما أرجح؟
* الطالب: نقول: إن المعنى شامل للمعنيين جميعًا؛ الوحي الشرعي والوحي الكوني.
* الشيخ: فقد أوحى الله إلى عيسى وحيًا شرعيًّا، وأوحى إليهم وحيًا قدريًّا.
ما معنى الحواريين؟
* طالب: الخلص من أصحابه.
* الشيخ: الخلص من أصحابه.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ فيها قراءتان، قلهما؟
* طالب: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ و﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ .
* الشيخ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، و﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ .
على القراءة الأولى فيها إشكال؟ أن هذا يفيد أنهم شاكون بقدرة الله، ما هو الجواب عن ذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، المثال هذا غير صحيح، كأن يقول الرجل لأخيه: هل تستطيع أن تمشي معي، هل تستطيع أن نذهب أو نجيء، المهم أن الاستطاعة بمعنى القدرة، وجه آخر؟
* طالب: أنهم مؤمنون بالقدرة العامة لله عز وجل، لكن في التفصيل (...).
* الشيخ: يعني عندهم إيمان بالقدرة العامة، لكن القدرة على الشيء المعين، طيب هذا وجه ذلك، ثانيًا؟
* الطالب: معنى ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ أي هل يطيعك ربك إن سألته.
* طالب آخر: يقولون: ليس بمعنى القدرة، وإنما من الإطاعة، الاستطاعة بمعنى الإطاعة
* الشيخ: يعني؟
* طالب: يعني إذا سألته يعني هل تستطيع سؤاله.
* الشيخ: يعني ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ يعني هل يجيب، هذه الخلاصة، هل يجيب ربك، من الإطاعة بمعنى الانقياد.
على قراءة ﴿هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ﴾ ؟
* طالب: لا إشكال.
* الشيخ: لا إشكال، ويش المعنى؟
* طالب: يعني هل تستطيع أن تسأل ربك.
* الشيخ: هل تستطيع أن تسأل ربك، وعلى هذا فلا إشكال.
* طالب: (...)
* الشيخ: فيشبه قول اليهود: حنطة، لما قيل لهم: قولوا: حِطة.
* ومن فوائد هذه الآية: أن وقوع الشيء يعطي يقينًا أكثر من الخبر به، ومنه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (٢٤٤٧) من حديث ابن عباس. ]]، ولهذا أمثلة، منها قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] نأخذ هذا من قوله: ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الأنبياء يزداد بها تصديقهم؛ لقوله: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾، أي أخبرتنا بالصدق.
* ومنها: ثبوت الخبر بالتواتر وكثرة المخبرين؛ لقولهم: ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ويمكن أن يُستدل بهذا أيضًا على أن الصحابة رضي الله عنهم قولهم حق وحجة؛ لأنهم شاهدوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشاهدوا آياته، وأيقنوا بها أكثر من غيرهم، وفهموها أكثر من غيرهم.
المائدة 5:114
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الإعراب في قوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾ هو أن (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، و(رب) بدل أو عطف بيان، وإن شئت فاجعله صفة نعتًا، ولكنه صار منصوبا؛ لأنه مضاف، وقوله: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ الجملة صفة لـ ﴿مَائِدَةً﴾ و﴿عِيدًا﴾ خبر ﴿تَكُونُ﴾ واسمها مستتر، وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ بدل من قوله (لنا)، لكنه بإعادة حرف الجر، بدل لكنه بإعادة العامل؛ لأن قوله: (لنا) يشمل الأول والآخر، لكن أتى بالتفصيل في قوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾. وقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ معطوفة على ﴿عِيدًا﴾، وقوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ الجملة تدل على أن الله تبارك وتعالى موصوف بهذا الوصف. ﴿ارْزُقْنَا﴾ فعل أمر، لكن هل يقال في الأمر الموجه إلى الله: إنه فعل أمر؟ لا يقال تأدبًا مع الله، ولكنه يقال: فعل طلب أو فعل سؤال أو ما أشبه ذلك.
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني قال عيسى بن مريم مستجيبًا لطلب هؤلاء الحواريين، سائلًا الله عز وجل أن ينزل عليهم مائدة من السماء، والسماء يحتمل أن تكون العلو أو تكون من السماء ذاتها، وهي السقف المحفوظ، كما سبق.
﴿تَكُونُ لَنَا عِيدًا﴾ أي نتذكرها كلما جاء وقتها؛ لأن العيد اسم لما يعود ويتكرر، ومنه الأعياد الشرعية وهي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ أولهم الذين كانوا في عهد عيسى، وآخرهم الذين كانوا من بعده.
﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي علامة على قدرتك وعلى سمعك وعلمك، وآية على صدق عيسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن هؤلاء طلبوا الآية ليعلموا أن عيسى قد صدقهم.
﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: أعطنا؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم منه.
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يعني: أخيرهم من جهة الكم والكيف، فلا أحد أكرم من الله، ولا أحد أجود من الله عز وجل.
* في هذه الآية فوائد، منها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يستطيعون أن يأتوا بكل ما يُطلَب منهم، وأنهم كغيرهم مفتقرون إلى الله يسألونه ويلجئون إليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان في حال الدعاء أن يذكر هذين المعنيين: الألوهية والربوبية؛ لقوله: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا﴾؛ لأن هذا نوع من التوسل، يتوسل الإنسان بألوهية الله عز وجل وربوبيته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أجاب الحواريين على وجه الأمانة التامة؛ لأنه قال: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ كما قالوا هم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذه المائدة تكون عيدًا للنصارى، كلما جاء زمنها فهو عيد لهم. فإذا قال قائل: هل هذا يقتضي أن نقول: كلما مر وقت المناسبات فإننا نجعله عيداً؟ فالجواب: لا؛ لأن هذه الأشياء ليس فيها قياس، وهي كانت عيدًا بطلب من؟ بطلب نبيهم، بطلب نبيهم عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء على خلاف المعهود، وكان خارقًا للعادة فهو آية؛ لقوله: ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾، ووجه هذا أنه لم يعهد أن المائدة تنزل من السماء عِيانًا يشاهدها الناس، فيكون نزولها -ولا سيما أنه بطلب بعد اقتراح- يكون نزولها آية ودليلًا على صدق من تكلم بالرسالة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى بن مريم مفتقِر إلى الله تعالى؛ إلى عطائه، وينبني على هذه الفائدة بطلان دعوى النصارى أنه إله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى خير الرازقين، وهذا فرد من قاعدة عامة وهي قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فكل وصف كمال فلله منه الأعلى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الرزق على غير الله عز وجل، بمعنى أنه يصح أن نصف غير الله بأنه رازق؛ لأن الرزق بمعنى العطاء، ولكن الرزق الأكمل والأوفى هو رزق الله تبارك وتعالى.
المائدة 5:115
قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، في قراءة: ﴿مُنْزِلُهَا عليكم﴾ ، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾ أي بعد إنزالها، وبنيت (بعد) على الضم لأنه حذف المضاف إليه ونوي معناه، و(قبل) و(بعد) إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه بني على الضم، وإذا حذف ونوي لفظه أعرب لكن بدون تنوين، وإذا حذف ولم ينو لفظه أعرب ولكن بتنوين، فمثلا إذا قلت: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم ٤] هنا حذف المضاف إليه ونوي معناه، وفي قول الشاعر:
فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلًا ∗∗∗ أَكَادُ أَغَصُّ بِالْمَاءِ الْفُرَاتِ
هذا لم يُنوَ لا لفظه ولا معناه، وإذا قلت: سأزورك من قبلِ ومن بعدِ مجيء فلان، الأُولى حُذف المضاف إليه ونُوي لفظه، والثانية وُجد المضاف إليه.
فصار إما أن يُحذف المضاف إليه وإما أن يوجد في (قبل) و(بعد) وأخواتهما، إنْ وُجد المضاف إليه فهما معربان بلا تنوين، وإن حُذف ونوي لفظه فهما معربان بلا تنوين أيضًا، وإن حذف ونوي معناه فهما مبنيان على الضم، وإن حذف ولم يُنوَ لفظه ولا معناه فهما معربان منونان. فالأحوال إذن أربعة.
يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ﴾ من أي الأحوال؟ ما هو؟ حذف المضاف إليه ونوي معناه.
﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ الفاء رابطة للجواب، جواب الشرط في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ﴾، وإنما ارتبطت بالفاء لأن الجملة اسمية، وكلما وقعت جملة الشرط اسمية وجب قرنها بالفاء أو بـ(إذا) الفجائية، ﴿فَإِنِّي﴾ فيها قراءتان: ﴿فَإِنِّيَ﴾ و﴿فَإِنِّي﴾، فأما على السكون فالياء مبنية على السكون، وأما على الفتح فهي مبنية على الفتح لأنها ضمير متكلم.
﴿أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ﴾ الضمير يعود في قوله: ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ -وأعني بذلك الهاء- يعود إلى أيش؟ على العذاب، يعني لا أعذب أحدًا مثل هذا العذاب، ﴿أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾: (أعذب) نصبت هنا مفعولين، هل أصلهما المبتدأ والخبر أو لا؟ لا؛ لأنك لو حذفت العامل وجعلت ضمير المفعول به في ﴿لَا أُعَذِّبُهُ﴾ جعلته ضمير رفع لم يصح، لو قلت: هو أحد ما صح؛ لأن الضمير يعود على العذاب.
نبدأ تفسير الآية: يقول الله عز وجل: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وفي قراءة: ﴿مُنْزِلُهَا﴾ ، فهل هذا للحال أو للمستقبل؟ يعني هل أن الله عز وجل وعد بإنزالها وأنزلها؟ أو هو وعد ولكن لم يتحقق؛ لأن الله تعالى اشترط شرطًا لم يلتزمْه بنو إسرائيل؟
في ذلك قولان للعلماء، فمنهم من قال: إن الله أنزله لأن وعده حق وهو لا يخلف الميعاد، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ أو ﴿مُنْزِلُهَا﴾ ثم توعد من كفر بعد إنزال هذه الآية، وقال بعضهم: إنه لم ينزلها لأن الله اشترط قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ﴾، ولما رأوا هذا الشرط الثقيل الذي يصعب أن يحقق عدلوا عن طلبهم فلم تنزل المائدة، وهؤلاء أيدوا رأيهم بأن النصارى لا يعرفون عن هذه المائدة شيئًا في كتبهم وقالوا: إنها لو نزلت لكانت عيدًا لأولهم وآخرهم كما طلب عيسى عليه الصلاة والسلام، ولما لم يكن عندهم علم بهذه المائدة علمنا أنهم لم يقبلوا الشرط الذي اشترطه الله فلم ينزلها الله عز وجل، والآية في الحقيقة محتملة، يعني لا يستطيع الإنسان أن يجزم بهذا ولا هذا.
فإن قال قائل: لماذا لا نجزم بأنها لم تنزل لأنها لم توجد في كتبهم؟
فالجواب عن هذا سهل؛ أن لعلها من جملة ما نسي وترك من دين النصارى، فلم يكن عندهم علم منها، والله أعلم أنزلت أم لم تنزل، ومتى احتملت الآية معنيين على السواء ولا مرجح، فإن كانا لا يتنافيان حملت عليهما جميعًا، وإن كانا يتنافيان فالتوقف، وهنا فيما أرى أن الآية محتملة هل نزلت أم لم تنزل.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: أن كلامه تبارك وتعالى بحرف وصوت؛ لأنه تعالى قال قولًا وصل إليهم، ولا يمكن أن يصل إليهم إلا بصوت.
* ومنها: أن كلام الله بحرف، بل بحروف متتابعة؛ لأن الله قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ﴾ وهذه حروف متتابعة لا إشكال فيها.
* ومنها: إثبات أفعال الله الاختيارية، بمعنى أنه عز وجل يفعل ما يشاء اختيارًا بلا مكره؛ لأن هذا الكلام المرتب بالحروف أفعال أو غير أفعال؟ هو فعل وقول، هو من جهة إحداثه فعل، ومن جهة أنه كلام قول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر طلب الآيات من الأمم، وأنه إذا جاءت الآيات المطلوبة فقد عرضوا أنفسهم للهلاك، وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أنه متى طلبت الأمة آية معينة وحصلت لهم حق عليهم العذاب.
فإن قال قائل: هذه القاعدة تنتقض بما تواتر عن انشقاق القمر؛ أن قريشًا طلبوا من النبي ﷺ آية فأراهم انشقاق القمر؟
فالجواب عن هذا: أن قريشًا لم يطلبوا آية معينة، وإنما طلبوا آية فقط، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الذي عينها، أراهم انشقاق القمر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن العذاب له أعلى وله أدنى؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا دليل على أن العذاب يتفاوت من شخص لآخر، وتفاوت العذاب أسبابه كثيرة؛ منها: قلة الداعي إلى الذنب، فإن قلة الداعي إلى الذنب توجب شدة العقوبة عليه، وانظر إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» وهم «أُشَيْمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اللهَ بِضَاعَتَهُ؛ لَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَلَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ»[[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٦١١١) والأوسط (٥٥٧٧) من حديث سلمان الفارسي.]].
الشاهد الأول والثاني:
أشيمط وزانٍ، يعني رجلًا شمطه الشيب، وهذا يدل على ضعف قوته في طلب النكاح. وصغّره بقوله: «أُشَيْمِطٌ» تحقيرًا له. إذن زنا الشيخ أعظم عقوبة من زنا الشاب؛ لأن الداعي في الشيخ أقل.
«عَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» عائل يعني: فقير، مستكبر، الفقير يجب أن يعرف نفسه وقدره فكيف يستكبر، الاستكبار من الغني أهون بلا شك ومتوقَّع؛ كما قال عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] أي استغنى عن غيره، وهذا عائل فيستكبر! فلذلك اشتدت عقوبته، فكلما قوي السبب في طلب المعصية صارت العقوبة عليها أهون، وكلما ضعف الطلب صارت العقوبة عليها أشد، هنا بين الله عز وجل أنه لا يعذبه أحدا من العالمين.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن كفر من رأوا الآيات ليس ككفر من لم يروها، أيهما أعظم؟ الأول، من رأى الآيات؛ لأن من رأى الآيات فقد رآها علم اليقين، بل عين اليقين، ومن نقلت إليه فقد علمها علم اليقين، أي بواسطة.
في الآية قراءة: ﴿إِنِّي مُنْزِلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ وفيها: ﴿فِإِنِّيَ أُعَذِّبُهُ﴾ .
المائدة 5:116
قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مقول القول هو قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ﴾، إذن فالجملة في محل نصب. واعلم أن مقول القول لا يكون إلا جملة، إلا إذا أُجري مَجرى الظن، إذا أجري مجرى الظن فإنه قد يُسلَّط على المفرد، وإلا فلا يكون إلا جملة، فأين الجملة هنا؟
﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ في ﴿أَأَنْتَ﴾ قراءتان: ﴿آانْتَ﴾ بمد الهمزة الثانية، وبالقصر ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ﴾ فيها قراءتان: ﴿أُمِّي﴾ و﴿أُمِّيَ﴾. و(اتخذ) تنصب مفعولين، الأول فيها -في هذه الآية- هو الياء، في قوله: ﴿اتَّخِذُونِي﴾، والثاني قوله: ﴿إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا لك، فهو منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل واجب الحذف، ولهذا لا تجد الفعل مع (سبحان) أبدًا، وإنما قلنا: إنه مفعول مطلق لأن المصدر (تسبيح)، وكل لفظ يكون بمعنى المصدر ولكنه لا يشتمل على حروفه يسمى مفعولًا مطلقًا، ويسمى اسم مصدر.
﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الباء في قوله: ﴿بِحَقٍّ﴾ الباء حرف جر زائد، ومعنى زائد أي: إعرابًا؛ إذ لا شيء في القرآن زائد معنًى أبدًا، ولكنها زائدة إعرابًا، وأما معنى فإن لها معنًى عظيمًا، وهو التوكيد. كيف نعرب ﴿بِحَقٍّ﴾؟
* الطالب: ﴿بِحَقٍّ﴾ خبر (ليس) منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
* الشيخ: فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، أين اسم (ليس)؟
* طالب: مستتر.
* الشيخ: مستتر، يعود علام؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ هذه جملة شرطية، فعل الشرط ﴿كُنْتُ﴾، والتاء اسم كان، و﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ جواب الشرط، واقترنت بالفاء لأن الجزاء صُدر بـ(قد).
ثم قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ الإعراب واضح.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ الجملة استئنافية تفيد عموم علم الله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يعني: اذكر يا محمد لهؤلاء القوم هذا الذي صدر من الله إلى عيسى، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ وهذا القول يكون يوم القيامة ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الاستفهام هنا لا شك أنه لا يراد به الاستعلام؛ لأن الله تعالى يعلم، ولكن المراد به التوبيخ، توبيخ من؟ توبيخ من قالوا: إن عيسى وأمه إلهان، وهو نظير قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير ٨، ٩]، هي لم تفعل شيئًا، ولكنها تسأل توبيخًا لمن فعلوا، فهنا ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، توبيخ من؟ من جعلوا عيسى وأمه إلهين من دون الله.
و﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ يقول علماء البلاغة: هناك فرق بين أن تقول: أأنت قلت، وبين أن تقول: أقلت، قالوا: إنه إذا وقع المستفهم عنه بعد همزة الاستفهام مُصدَّرًا باسم فالمطلوب به التعيين، تعيين الفاعل، وإذا جاء الفعل بعد الهمزة فالمقصود به تعيين الفعل الحادث، إذا قلت: أقام زيد، تستفهم عن أيش؟ عن الفعل الحادث، يعني هل قام أو هو قاعد، وقلت: أزيد القائم؟ تعيين الفاعل. فهنا ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ تعيين أيش؟ الفاعل، ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ أي: اجعلوني ﴿وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي معبودين.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي من سوى الله عز وجل. كان جواب عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهًا لك، أنزهك عما لا يليق بك ولا يليق بالله أن يكون له شريك في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك.
واعلم أن تنزيه الله عز وجل يكون عن شيئين: الأول: النقص، والثاني: مشابهة المخلوقين، ومشابهة المخلوقين وإن كانت نقصًا لكن ينبغي أن ينص عليها بعينها.
﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ يعني لا يمكن، فنفي الكون في مثل هذا يعني أنه مستحيل، ﴿أَنْ أَقُولَ﴾ يعني للناس ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾؛ لأنه ليس من حق عيسى أن يقول للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، بل إن رسالته إنما كانت من أجل النهي عن الشرك وإخلاص العبادة لله وحده ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، وهذه الجملة تدل على أن عيسى عليه الصلاة والسلام يعلم أنه لو صدر منه ذلك لعلمه الله، وهو حق. وسيأتي إن شاء الله في الفوائد أن هذا تنديد بالذين يعبدون عيسى بأنه لو قال للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله لعلمه الله ولم يمكنه من هذه الدعوة.
وقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ النفس هنا بمعنى الذات، يعني أن ما في نفسي تعلمه وما في نفسك لا أعلمه، والفرق ظاهر؛ لأن الله هو الخالق، وعيسى مخلوق، والخالق يعلم مخلوقه، والمخلوق لا يعلم عن خالقه إلا ما أخبره به، وإلى هذا يشير قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤].
﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ هذه الجملة استئنافية توكيد لمضمون ما سبق.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ألا يجوز أن يقال بمثل هذا عالمي زمانهم؟
* الشيخ: إذا دل دليل على هذا لا بأس، مثل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة ٤٧] أما إذا لم يدل عليه دليل فالأصل العموم.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: أعندك شك في رسالة محمد؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: ما عندك شك، لكن إذا جئت فقل: اللهم ارزقني مائدة يكفيك مائدة الأرض.
* طالب: أحسن الله إليك، لو أن داعية سأل الله سبحانه أن يري الناس كرامة له يري الناس صدق دعوته؟
* الشيخ: هذه لا ينبغي إلا في مقام التحدي، في مقام التحدي لا بأس؛ كما يذكر عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه أكل السم[[أخرجه الطبراني في الكبير (٣٨٠٩).]]. لكن بغير تحدٍّ لا، واصبر لا تستعجل الآيات حتى تتم دعوتك، قد يكون الله عز وجل أخر عنك الآيات الدالة على صدقك، وهي الكرامات؛ لأن الآيات للأولياء من الكرامات، قد يكون لرفعة درجاتك وصبرك، أما في مقام التحدي فنعم.
* طالب: تنزيه الله عن النقائص والعيوب، وتنزيه الله عن مشابهة خلقه، قلنا: إن مشابهة خلقه ينبغي أن ينص عليها بعينها، كيف يكون هذا؟
* الشيخ: لئلا يظن ظان أن الكمال الذي في الخالق يكون مثل الكمال اللي في المخلوق، والمخلوق مهما كان ناقص، فلا بد من أن نقول عن (...) المخلوق.
* الطالب: سياق الآية يا شيخ في قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا﴾ أليس يا شيخ للتأكيد، والعذاب توعدهم على المخالفة؟
* الشيخ: نعم هذا مما يرجح أنها نزلت، لكن كونها لم تذكر في كتب النصارى ولم يعرفوها، وعيسى سأل الله تعالى أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم يشكل على هذا، وليس ذاك الإشكال البعيد؛ لأنه قد يقال: إن الله تعالى لم يجب عيسى على كل ما سأل أن تكون عيدًا لأولهم وآخرهم.
* طالب: الآثار التي وردت ذكرها ابن كثير أنها نزلت وعليها سمكة عظيمة عن كعب الأحبار..
* الشيخ: لا، هذه إسرائيليات، هذه من الإسرائيليات التي لو أن ابن كثير رحمه الله تركها لكان أحسن.
* طالب: أليست تكون هذه من كتبهم دلت عليها أن هذه الأشياء؟
* الشيخ: ما أدري الأناجيل اللي موجودة في أيديهم ليس بها ذكر المائدة.
* طالب: الاعتداء في الدعاء أن يكون المسؤول مستحيلًا كونًا، فما مثال المستحيل كونًا؟
* الشيخ: المستحيل كونا أن يسأل الله تعالى أن يجعله مغيرًا للخلق؛ لأن هذا مستحيل؛ لأن لا يملك التغيير إلا الله عز وجل.
* طالب: وإن يمكنه نفخ الروح في الأشياء كذا.
* الشيخ: إي نعم، هذا كذلك إذا نظرنا إلى قدرة الإنسان، أما إذا كان بيد الله، فالله على كل شيء قدير.
* طالب: فلا يجوز أن يسأل الله أن يقدره على هذا الشيء.
* الشيخ: لا، ما يجوز، أو شرعًا مثل أن يقول: اللهم اجعلني نبيًّا، هذا لا يجوز.
* طالب: إذا وردت النفس في القرآن هل يحمل على الذات؟
* الشيخ: النفس إي نعم هذا الداخل؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة ٣٢] وقال: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة ٤٥] فالنفس بمعنى الذات.
* طالب: بالنسبة لعيسى عليه السلام كان عنده آيات كإحياء الميت وإبراء الأكمه ولكن النصارى عندهم أن أم عيسى مريم يقولون: إنها بغية زانية، كيف قالوها إلهًا مع عيسى؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: هؤلاء النصارى بعضهم يقول: إن مريم أم عيسى بغية يعني كانت تزني، كيف قالوها إلهًا مع عيسى؟
* الشيخ: لأنهم من أضل الناس دينًا وأسفههم عقولًا النصارى.
* طالب: الآن يا شيخ بعض النصارى عندهم أن مريم زنت بـ..
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: النصارى فيه عندهم أقسام.
* الشيخ: أقسام ما فيه شك.
* الطالب: والبعض منهم يقول: إن مريم بغية؛ لأن مريم يعني الزانية، يقول هذا بعض النصارى.
* الشيخ: لا، هذا اليهود، لا، النصارى ما يقولون هذا، الذين قالوا ذاك اليهود.
* طالب: بارك الله فيكم يا شيخنا، هل اليهود هم الذين حرفوا دين النصارى.
* الشيخ: لا، حتى الأحبار من النصارى، حتى النصارى حرفوا، الآن الأناجيل أنا ما قرأتها، لكن الأناجيل يقولون: فيها اختلاف كثير، كل يدعي أن هذا الإنجيل الذي نزل على عيسى.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يستبعد، أقول: لا يستبعد هذا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٦ - ١١٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ نأخذ الفوائد:
* في هذه الآية الكريمة: إثبات القول لله ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ﴾، وفي القرآن إثبات القول وإثبات الكلام وإثبات النداء وإثبات المناجاة، وكل هذا يدل على أن الله يتكلم بكلام حقيقة بحرف وصوت، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي نعتقده وندين الله به، وهو الواجب على كل مؤمن.
* وفي هذه الآية من الفوائد: أن قول الله بحرف وصوت، أما كونه بحرف فلأن الكلمات التي جاءت بعد القول حروف، وأما كونه بصوت فلأن الله تعالى يخاطب به عيسى، وعيسى يرد عليه، مما يدل على أنه كلام مسموع، فهو بصوت. هاتان فائدتان عظيمتان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ الذين اتخذوا عيسى إلهًا وأمه؛ لقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾؛ لأنه سبق أن المراد من هذا الاستفهام هو توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بُعد الرسل عليهم الصلاة والسلام عن الشرك، لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وهذا أمر مسلم؛ لأن أصل بعثة الرسل من أجل تحقيق التوحيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله تبارك وتعالى أن يكون له شريك؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ لأننا قلنا: (سبحانك) بمعنى: تنزيهًا لك عن كل ما لا يليق بك، والمقام الآن باتخاذ شريك، فيكون معناه تنزيه الله عن كل شريك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: اعتراف عيسى عليه الصلاة والسلام بما لا يستحق؛ لقوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ وهكذا إخوانه من الرسل، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «لما قال له رجل: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ. قال له:» «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه أحمد (١٨٣٩) من حديث ابن عباس ولفظه: «أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا».]]، فكل الرسل يعرفون قدر أنفسهم، فلا يمكن أن يقروا ما لا يستحقونه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الألوهية حق خاص لله؛ لقوله: ﴿مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وإذا كان الرسل، بل خلاصة الرسل، ليس لهم في الألوهية، فمن دونهم من باب أولى، فلا أحد يستحق أن يكون إلهًا، ولا أحد يستحق أن نعبده من دون الله عز وجل.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يصدر من الإنسان من قول؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأدب الرسل عليهم الصلاة والسلام مع ربهم جل وعلا؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾، وإذا كنت علمته فإنه صادر عن علم من عندك يا رب، وعن قضاء وقدر، ولا يخفى عليك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق النفس على الذات، بل إن بعض العلماء يقول: إن إطلاق الذات على النفس غلط، وإن أصل ذات بمعنى صاحبة، فلا تقال إلا مضافة، كما قال عز وجل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١] أي صاحبة البروج، وإن إطلاق الذات على النفس من الكلمات المحدثة، وقد صرح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنها ليست من كلام العرب العرباء -أي إطلاق الذات على النفس- وإنما يعبر عن الذات بالنفس، يعني بمعنى أن ذات الرجل هي نفسه، ولكن الاصطلاح شيء آخر واللغة العربية الفصحى شيء آخر.
فإذن معنى قوله: ﴿مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ يعني ما في ذاتي ولا أعلم ما في ذاتك، وليست النفس شيئًا زائدًا على الذات، يعني ليست كالعلم والقدرة والسمع والبصر وما أشبه ذلك، وقول بعض أهل العلم: أثبت الله لنفسه نفسًا فقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ من باب التسامح والتجاوز، وإلا فإن نفس الله هو ذات الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله بما في نفس الإنسان؛ لقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، فالله عز وجل يعلم ما في قلبك، احذر أن يكون في قلبك ما يخالف أمر الله عز وجل.
* ومن هنا نأخذ فائدة ثانية وهي: وجوب الخشوع في الصلاة؛ لأنك إذا غفلت وفكرت في غير ما يتعلق بالصلاة فقد أعرضت عن الله عز وجل، هكذا قرره بعض أهل العلم، ولكن في مسألة وجوب الخشوع في الصلاة فيها نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنه «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَلَّى الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْإِقَامَةُ جَاءَ إِلَى الْمُصَلِّي وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ حَتَّى يَقُولَ: اذْكُرْ كَذَا فِي يَوْمِ كَذَا، فَلَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨٥) ومسلم (٣٨٩ / ٨٣) من حديث أبي هريرة.]].
وقد يقال: إن النبي ﷺ أخبر عن الواقع، ولا يلزم من الإخبار عن الواقع أن يكون الواقع جائزًا، كما أخبر أننا نركب سنن من كان قبلنا اليهود والنصارى[[أخرجه الترمذي (٢١٨٠)، وأحمد في المسند (٢١٨٩٧) واللفظ له من حديث أبي واقد الليثي.]]، ومع ذلك لا يحل لنا هذا، وكما أخبر أن الظعينة تذهب من كذا إلى كذا وحدها[[ أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، ومع ذلك لا يحل للظعينة أن تسافر بلا محرم، لكن الذي يظهر لي أن إيجاب الخشوع في الصلاة فيه مشقة، يعني كون الإنسان ما يهوجس بشيء ولا يوسوس بشيء فيه مشقة شديدة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أننا لا نعلم ما عند الله عز وجل، فلا نعلم ما في نفسه مما يقدره جل وعلا ويريده، ولا نعلم عن إرادة الله إلا بوقوع المراد. يعني نحن لا نعلم أن الله أراد أن تمطر حتى ينزل المطر، ولا نعلم أن الله تعالى قضى بحروب تقع بين الناس إلا إذا وقعت هذه الحروب، فإذا وقعت علمنا أن الله أرادها؛ إذ لا يكون في ملكه ما لا يريد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى بالغيب؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، ومعنى ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ أي أنك موصوف بهذا، وليس المراد الكثرة، بل المراد المبالغة في هذا الوصف بقطع النظر عن أفراده؛ لأنها لا تحصى، وقد ذكر بعض العلماء أن كل ما جاء بصيغة المبالغة في حق الله فليس معناه الكثرة، وإنما معناه الكمال، لكن من تأمل وجد أنه يأتي لهذا وهذا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى علم الغيب فقد ادعى أنه شريك لله، وجه الدلالة أنه أتى بضمير الفصل ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وضمير الفصل يدل على أيش؟ على الحصر، يعني أنت لا غيرك علام الغيوب، وليعلم أن الغيب نوعان: غيب نسبي وغيب مطلق، فما هو الغيب الذي اختص الله به؟ هو الغيب المطلق، وأما الغيب النسبي الذي يعلمه فلان دون فلان فهذا يشترك.
فقد ادَّعى أنه شريك لله؛ وجه الدلالة أنه أتى بضمير الفصل: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة ١١٦]، وضمير الفصل يدل على أيش؟
على الحصر؛ يعني: أنت لا غير علام الغيوب، وليُعلَم أن الغيب نوعان؛ غيب نسبيٌّ، وغيب مطلق، فما هو الغيب الذي اختص الله به؟
هو الغيب المطلق، وأما الغيب النسبيّ الذي يعلمه فلان دون فلان فهذا يشترك في علمه من قَدَّره -وهو الله عز وجل- ومن وقع منه.
المائدة 5:117
ثم قال الله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة ١١٧] ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾ أي: للناس ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ﴿أَنِ﴾ هذه تفسيرية؛ لأنها وقعت بعد ما تضمن معنى القول دون حروفه، وهو ﴿أَمَرْتَنِي﴾.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ﴿رَبِّي﴾ هذه بدل أو صفة من لفظ الجلالة.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إعرابها واضح، هذه ما فيها إشكال إلا قوله: ﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ فإن (ما دام) تعمل عمل (كان) إذا سُبِقَت بـ(ما) المصدرية الظرفية، أما إذا سبقت بـ(ما) النافية فليست من أخوات (كان)، فإذا قلت: ما دمت قائمًا، يعني لم أقم قيامًا دائمًا، فهذه نافية.
وإذا قلت: لا أجلس ما دمت قائمًا، فهذه مصدرية ظرفية، الجملة الأخيرة إثبات، والجملة الأولى نفي.
هنا هل هي مصدرية ظرفية؟ نعم، فعليه تكون (التاء) اسمها، والجار والمجرور خبر.
﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة ١١٧] ما فيها إشكال في الإعراب.
يقول عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يعني: إلا الذي أمرتني به، وما هو؟ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾، وأتى بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ قبل أن يقول: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ ليبين أنه عليه الصلاة والسلام رسول مُبَلِّغ مأمور، فبدأ بما يدل على الرسالة وأنه مأمور قبل أن يذكر ما أُرْسِل به.
وقوله: ﴿أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ يعني: كلَّفتني بإبلاغه أمرًا منك.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ العبادة تطلق على معنيين؛ المعنى الأول التعبد، والمعنى الثاني المتعبَّد به؛ فإذا قلت: الصلاة عبادة، فالمراد بذلك المتعبَّد به، وإذا قلت: صلى هذا الرجل لعبادة الله عز وجل، فالمراد تعبُّده هو.
وقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ من أجل أن يبرهن لهم أنه ليس برب.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ يعني: كنت أشهد عليهم بما هم عليه من التوحيد والإخلاص.
﴿مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ يعني: مدة دوامي فيهم ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: قبضتني، يقال: تَوَفَّى الرجل حقَّه أي: قبضه.
﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنت المُراقِب الذي تحفظ أعمالهم وتشهدها وتعلمها.
﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ هذا التعميم بعد التخصيص؛ يعني: أنت على كل شيء شهيد من أفعالهم وغيرها.
* ففي الآية فوائد؛ منها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بالرسالة أمرًا من الله؛ لقوله: ﴿مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾، وهذا له شواهد في القرآن كثيرة، مثل قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة ٦٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حُسْن أدب الرسل مع الله عز وجل؛ حيث قال: ﴿إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ وجه ذلك: أنه يُشعِر بأن عيسى رسولٌ مأمور مكلَّف بالأمر.
* ومن فوائدها: أن عيسى عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يبلِّغ الناس بأنه عبد والله تعالى رب؛ لقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ والرب مقابله العبد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حق لعيسى في الألوهية ولا الربوبية؛ لقوله: ﴿رَبِّي﴾، ومَنْ ليس له ربوبية ليس له ألوهية.
فإن قال قائل: أليس يُحْيِي الموتى ويُبْرِئ الأكْمَه والأبرص؟ فالجواب: بلى ولكن بإذن الله.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام شهداء على أمتهم ما داموا فيهم؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، ومع ذلك هم شهداء على ما يَرَوْن أو يسمعون، وليسوا شهداء على غائبٍ بعيد لا يرونه ولا يسمعونه؛ لأن الرسل لا يعلمون الغيب.
* ومن فوائد هذه الآية: أن عيسى عليه الصلاة والسلام قد تَوفَّاه الله؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾، وقد جاء في ذلك آيات منها قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران ٥٥] إلى آخره، فأثبت أنه متوفيه.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه الوفاة؛ فقيل: إنها بمعنى القبض، ولا يلزم منها نوم ولا موت، والتوفِّي بمعنى القبض وارد في اللغة العربية؛ إذ يقال: تَوَفَّى الرجل حقَّه أي: قَبَضَه، وعلى هذا المعنى لا إشكال في الآية إطلاقًا.
وقال بعضهم: إنه موت حقيقيٌّ، وهؤلاء أنكروا نزول عيسى في آخر الزمان، وقالوا: إنه مات كما مات الأنبياء، وهذا قول باطل يُبْطِله ظاهر القرآن وصريح السنة.
القول الثالث: أن المراد بالوفاة النوم، وهو أن الله تعالى أَلْقَى عليه النوم ثم رفعه إلى السماء، هذا القول له وجهة نظر، لكنه ليس ظاهرًا كثيرًا، فإن صح هذا التفسير دلَّ ذلك على أن محمدًا ﷺ أقوى جأشًا من عيسى؛ لأن محمدًا عُرِجَ به إلى السماء في حال اليقظة، وَشَاهَد من آيات الله ما شاهد، وعيسى أَلْقَى الله عليه النوم ثم رفعه؛ لأنه سوف يُشَاهِد مخلوقات عجيبة عظيمة والمسافة بعيدة.
إذن عندنا ثلاثة أقوال؛ القول الأول: أنه وفاة موت، وهذا ضعيف.
الثاني: أنه وفاة نوم، وهذا له وجهة نظر.
والثالث: أنه بمعنى القبض؛ لأن النوم أمر زائد على القبض، فيحتاج في ثبوته إلى دليل واضح، الثالث أنه بمعنى القبض ولا إشكال فيه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله تبارك وتعالى ورقابته؛ لقوله: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾.
فإن قال قائل: إن الله قال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨] والمراد الملك فكيف نجمع بين الآيتين؟
فالجواب: أن الله رقيبٌ عليهم بملائكته، كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧] فإن كثيرًا من العلماء يقول: ﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ أي: بملائكتنا، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ وليس المراد قرب نفسه تبارك وتعالى بخلاف قول النبي ﷺ: «إن الذي تَدْعُونَه أقرب إلى أحدكم من راحلته أو قال: من عُنُقِ راحلتِه»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٤ / ٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]] وفرق بين المعنيين بأن قوله: ﴿نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ يعني: إلى الإنسان عامة.
ومعلوم أن قُرْبَ الله تعالى للعبد خاصٌّ بعابده أو داعيه أي بمن يعبده أو يدعوه، فالقرب ليس كالمعية ينقسم إلى قسمين، بل القرب خاصٌّ بمَن يعبده أو يدعوه؛ أما من يعبده فكقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، وأما داعيه فهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَإِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٩٢)، ومسلم (٢٧٠٤ / ٤٤) من حديث أبي موسى الأشعري.]] «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٠٤ / ٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن الله تعالى شهيد على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
* وهذا يستلزم فائدة أخرى وهي: أنه يجب على العبد كمال مراقبة الله تبارك وتعالى؛ حيث لا يفقده عند أمره ولا يجده عند نهيه؛ لأن الله رقيب عليك، فلا بد أن تتحاشى هذه الرقابة، وألَّا يفقدَك الله تعالى حيث أمرك ولا يجدَك على ما نهاك.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، النصارى قالت: إن عيسى وأمَّه إلهان مع الله عز وجل، والآية: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦] (...)؟
* الشيخ: لا، لكن تأتي بمعنى أقل وتأتي بمعنى سوى، وهنا بمعنى سوى، من سوى الله؛ يعني من سوى إفراد الله عز وجل.
* طالب: أكرمك الله، إطلاق الذات على النفس أو النفس على الذات، كيف نفاه شيخ الإسلام مع أنه..؟
* الشيخ: كيف نفاه؟
* الطالب: نفاه قال: ليس من لغة العرب الفصحاء؟
* الشيخ: الذات، هو نفى لفظ الذات على النفس، إطلاق الذات على النفس.
* الطالب: إي نعم، يا شيخ، كيف ينفيه مع أنه ثابت لله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: الآن نحن ما قلنا: إن النفس يطلق على الذات؟
* الشيخ: لا، قلنا: النفس بمعنى الذات، هذا تفسير لها، وإلا ما في القرآن ولا في السنة إثبات الذات لله، وأما قول خُبَيْب:
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ .... ∗∗∗ ......................[[أخرجه البخاري (٣٠٤٥) من حديث أبي هريرة.
]]
فمعناه في جانب الإله.
* الطالب: كيف يعني، نحن قلنا: إن النفس بمعنى الذات وشيخ الإسلام..
* الشيخ: شيخ الإسلام يقول: إطلاق الذات يراد بها النفس هذا دخيل على اللغة العربية، إحنا فسرنا الذات بناء على الاصطلاح، الآن مثلا عبد الله، هذا الشبح اللي أمامنا نُسمِّيه ذاتًا ونسميه نفسًا، أيهما الفصحى؟ النفس.
* طالب: يعني شيخ الإسلام يقر هذا أو ما يقره؟
* الشيخ: لا، يُعَبِّر به، لكن يقول: ليس من كلام العرب (...)، يقره لأنه مشى الناس عليه فقالوا: الذات والصفات.
* طالب: أحسن الله إليك، يا شيخ، بعض العلماء يفرقون بين النبي والرسول؛ أن النبي لم يُؤْمَر بتبليغه، والرسول أُمِرَ بتبليغ شريعته صحيح هذا؟
* الشيخ: صحيح، هذا الذي عليه الجمهور وهو الذي لا يَسْلَم من النقد، شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن النبي كالعالم في هذه الأمة، يعني: يكمل شريعة من سبق، ولكنه يَرِدُ عليه أن آدم نبي، ولم يسبقه شريعة، على رأي الجمهور لا إشكال؛ لأن آدم تَعَبَّد لله عز وجل بما أَوْحَى الله إليه، وكانت ذريته إذ ذاك قليلة تتأسى به فلما كَثُرَ الناس وانتشروا اختلفوا وحينئذ دعت الضرورة إلى الرسل.
* طالب: (...) يدَّعون علم الغيب؛ يقولون: أنه يحصل كذا في المستقبل، ويجمعون أموالًا على هذا بادعائهم الغيب، والناس يصدقونهم ويعطونهم أموالًا، هؤلاء ما حكمهم إذا مات واحد منهم، هل يُصَلَّى عليه؟
* الشيخ: لا يُصَلَّى عليه، كل من ادَّعى علمَ الغيب فإنه كافر، لماذا؟ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥] وهذا نفيٌ، يعني حصر، ما أحد يعلم الغيب في السموات ولا في والأرض إلا الله عز وجل، نعم، إن كان عنده قرائن فيكون دعواه خَرْصًا وتَخْمِينًا، أفهمت؟ مثل أن يَتَوَسَّم في شخصٍ أنه سيكون ظالمًا، هذا ربما، يعرف من ملامح وجهه، وقد وقع هذا في رجل تَلَمَّح بشخص له مؤلفات مفيدة جدًّا في الدين الإسلامي، ولكنه قال: إن هذا الرجل سيرتد، وفعلًا ارتد ومات على ردته، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر ٧٥]، أما مجرد علم غيبٍ فهذا لا شك أنه كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
* طالب: (...) واحد قال لشخص (...) قال له: أنت من أهل النار، فهذا الرجل قال: ما دمت أنا من أهل النار خلاص ما أصلي.
* الشيخ: طيب، من أهل النار لا بد أنه يستند إلى قرائن يعني أنه يفعل أفعالًا توجب أن يكون من أهل النار فلا يكون هذا علم غيب؛ لأنه لم يقل هذا إلَّا مستندًا إلى شيء، فيقال: المحظور في هذا أنك شهدت له أنه من أهل النار وهو بعينه وهذا لا يجوز.
* طالب: كثيرًا جدًّا من الأحيان ما يكاد الإنسان يَذْكُر نعمة هو فيها إلا ويُحْرَمُها، فهل مثل هذا يُعَدُّ من التشاؤم أو لا؟
* الشيخ: هذا غلط، الله عز وجل يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، لكن ربما يكون ذكره إياها على سبيل الفخر والإعجاب فحينئذ يُحْرَم إياها.
* الطالب: أحيانًا أشياء ما تستوجب فخرًا ولا عجبًا، كصحة مثلًا أو مال أو ذهاب أو إياب، أي شيء؟
* الشيخ: هذا ما يمكن، الإنسان مأمور بأن يتحدث بنعمة الله بدون فخر وبدون إعجاب.
* طالب: قلنا: إن في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ١١٧] بمعنى بينه وبين قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨] أي: بملائكته ما الإشكال في آية المائدة؟
* الشيخ: ما فيه إشكال؟
* الطالب: ما فهمت الإشكال.
* الشيخ: الإشكال أن الله أضاف الرقابة إليه في آية المائدة، وفي سورة (ق) إلى الملكين، الجمع أن رقابة الملكين بأمر الله عز وجل فيكون هو الرقيب، كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، ومن المعلوم أن الذي يقرأ على الرسول مَنْ هو؟ جبريل فأضاف قراءة الرسول إليه لأنه بأمره.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، على قول شيخ الإسلام كيف نوجه أن آدم عليه الصلاة والسلام نبي؟
* الشيخ: ما أدري إلا إذا كان يرى أنه مستثنى، وإلا ما له وجه، ولهذا رأيُ الجمهور هو الصواب.
* * *
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قبل أن نبدأ بالدرس (...)، حينما يسأله الله عز وجل يوم القيامة: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ فيتبرأ من ذلك، ويقول: إنه ليس بحق له، وينزِّه الله تعالى عن أن يكون له شريك.
المائدة 5:118
يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ في النهاية، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ بمعنى: إن تُقَدِّر لهم ما يستحقون أن يُعَذَّبوا عليه فإنهم عبادك، وليس المراد أنه يعذبهم بدون جُرْمٍ، فإنه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن ذلك غاية التنزيه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، ولقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لكن معنى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ بأن تُقَدِّر عليهم ذنبًا يكون سببًا للعذاب فإنهم عبادك.
ومع هذا نقول: إن الله تعالى لن يُقَدِّر لهم ذنوبًا يستحقون عليها العذاب إلا إذا عَلِمَ ما في قلوبهم من الإعراض، وعدم قَبول الحق؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فالذنوب سبب للإعراض، والعياذ بالله، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].
إذن كلمة ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ لا بد لها من مقدمات؛ الأولى: فعل ما يستحقون عليه العذاب، الثانية: أنهم يُقَدَّر لهم ما يَحْصُل به العذاب؛ لأنهم أهل لذلك؛ إذ إن الله تعالى وعد: ﴿أَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧] لكن الذنب ذنب العبد ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال ٢٣].
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ هذه المراد بها العبادة الكونية لا الشرعية؛ لأنَّ العبد بالعبودية الشرعية لا يستحق أن يُعَذَّب، ولكن المراد العبودية الكونية؛ لأن الله تعالى يفعل ما يشاء، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢].
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الجملة لا يَخْفَى أنها جواب أيش؟ جواب الشرط، واقترنت بالفاء؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان جازمًا أم غير جازم فإنها تقرن بالفاء، وقد نظم بعضهم الجمل التي ترتبط بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط في قوله:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّـــــــــــةٌوَبِجَـــــــــــــــــامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
سبعة مواضع، هنا من أي المواضع؟ الجملة الاسمية، لكنها جملة اسمية أُكِّدت بـ(إن) فاقترنت بالفاء.
قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يعني: إن قَدَّرْتَ لهم أسباب المغفرة فَغَفَرْت لهم ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الغالب.
قالوا: والعزة ثلاثة أنواع: عزة القهر والغلبة، وعزة الامتناع، وعزة الشرف التي يُعَبِّر عنها بعضهم بعزة القَدْر؛ أما عزة الغلبة فظاهر مثل قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون ٨]، ومثل قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] هذا واضح أن المراد بها الغلبة.
عزة الامتناع قالوا: معناها: أن الله عز وجل أعظم من أن يناله ما يكون عيبًا أو نقصًا؛ يعني: يمتنع عليه النقص، رجعوا في ذلك إلى الاشتقاق؛ قالوا: لأنه يُقال: أرض عَزَازٌ؛ أي: صلبة لا تؤثر فيها المعاول لامتناعها وشدتها.
والثالث: عزة الشرف، عزة الشرف يعني أنه عز وجل ذو قَدْر عظيم وشرف عظيم، كما تقول لصديقك: أنت عزيز علي، أيش معناه؟ أي: أنت ذو قدر عظيم عندي.
و﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ مشتقة من (حَكَمَ) و(أَحْكَم)، فإن كانت من (حَكَم) فـ(فعيل) بمعنى (فاعل)، وإن كانت من (أَحْكَم) فـ(فعيل) بمعنى مُحكِم، إتيان (فعيل) بمعنى (فاعل) كثير؛ كسميع بمعنى سامع، بصير بمعنى باصر وهكذا، لكن (فعيل) بمعنى (مُفْعِل) قليل في اللغة العربية لكنه ثابت، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُــــــــــوعُ
معنى السميع: المُسمِع، إذن (الحكيم) مأخوذة من: الحُكْمِ والإحكام، فإذا كانت من الحكم فهي بمعنى: حاكم، وإن كانت من الإحكام فهي بمعنى: مُحكِم، والمحكم هو الذي منه الحكمة.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١١٩، ١٢٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، هذا كلام عيسى للرب عز وجل يوم القيامة، وسبق لنا أن معنى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي: تُقَدِّر لهم عملًا يعذبون عليه فهم عبادك، و﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فتهيِّئ لهم أسباب المغفرة ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وسبق لنا أن ﴿الْعَزِيزُ﴾ له ثلاثة معان؟
* طالب: عزة القهر والغلبة.
* الشيخ: عزة القهر والغلبة، والثاني؟
* الطالب: عزة الشرف.
* الشيخ: عزة الشرف والقدر، والثالث؟
* الطالب: والثالث عزة الامتناع.
* الشيخ: الامتناع، تمام؛ أي: أنه يمتنع عليه كل نقص وعيب، وهذا الأخير مأخوذ من قولهم: أرض عَزاز؛ أي، قوية صلبة. ﴿الْحَكِيمُ﴾؟
* طالب: من (حكم) بمعنى حاكم (...).
* الشيخ: مِنْ (حَكَمَ) و(أَحْكَم)؛ (حكم) بمعنى حاكم، هو الحاكم في كل شيء، (أحكم) أي: أتقن كل شيء كما قال عز وجل: ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨].
نبقى في شرح هذه الكلمة العظيمة؛ أولًا: يجب أن نعلم أن هذا وصف الله عز وجل؛ أن له الحكم فهو الحاكم قدرًا وشرعًا، دنيا وأخرى، وأن نعلم أن له الحكمة في كل ما يفعله كل ما يحكم به، من أمور كونية وأمور شرعية، وإذا علمنا هذا استسلمنا تمامًا للأحكام الشرعية والأحكام الكونية، لا نقول مثلًا: إذا قدَّر الله تعالى وباء أو قدَّر زلازل وما أشبه ذلك، لا نقول: هذا عبث، بل نقول: هذا لحكمة.
الحكمة تكون في ذات الشيء، وتكون في غايات الشيء، وتكون في الشرع، وتكون في القَدْر، فالأقسام إذن أربعة؛ الحكمة في ذات الشيء: بمعنى أن يُقَدَّر هذا الشيء إن كان قَدَرِيًّا على وجه مناسب تمامًا، انظر في المخلوقات تَجِد كونها على هذا الوجه التي خُلِقَت عليه موافقًا تمامًا للحكمة.
واسأل أهل التشريح للأجساد البشرية وغير البشرية، اسألهم كيف ركَّب الله عز وجل هذه الأبدان على أبدع ما يكون وأدق ما يكون، كم في الإنسان من معامل في جسمه! معامل عظيمة، انظر للطعام يدخل متنوعًا ويخرج نوعًا واحدًا، انظر إلى الطعام يدخل على وجه الصعوبة أو الليونة، ويخرج على مستوى واحد، كل هذه بسبب المعامل، ثم هذه المعامل-سبحان الله- تباشر العمل ما تتأخر، فالمعدة من حين ما يصل إليها الطعام تبتدأ تشتغل والإفرازات عليها من المرارة أو غيرها، شيء عجيب.
كون الإنسان خُلِقَ على هذا الوجه؛ عَدَّله الله وجعله سويًّا، ليس كالأنعام مناسب تمامًا لما خُلِقَ له العبد من كونه مخلوقًا للطاعة والعبادة حتى يتمكن من القيام والقعود والركوع والسجود وغيرها مما يكلفه الله به، وعلى هذا فَقِس.
كذلك أيضًا الحكمة في الأمور الشرعية؛ في ذات الأوامر الشرعية حكمة عظيمة؛ الصلاة صلة بين الإنسان وبين الله عز وجل؛ إنه يناجي ربه قائمًا في قراءته، وإنه يبتهل إليه في سجوده، وإنه يخشع له بقلبه، فكونه على هذا الوجه هذه حكمة.
أما الغايات؛ فالغايات أيضًا حكمة، الغايات مثلًا فيما يقدره الله تعالى قدرًا غايات حميدة، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم ٤١] ويش الغاية من هذا؟ ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم ٤١]، والغاية من هذه العقوبة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، فهذه غاية بعد غاية، مع أن الإنسان لو تَصَوَّر الأمر في أول وهلة؛ لقال: الفساد فساد كيف نقول: إن له غاية حميدة؟
المصالح لها غايات حميدة أيضًا، هي بنفسها حميدة ولها غايات حميدة أيضًا؛ ومنها: الشكر على النعم؛ فإن الله تعالى يبتلي بالشرِّ والخير؛ إذا صبر الإنسان على الشر فهي غاية حميدة، وإذا شكر على الخير فهي غاية حميدة، كذلك هذه المخلوقات -أنا أتكلم على الشريعة-.
أيضًا المخلوقات لها غاية؛ إذا رأيت الشمس تطلع كل يوم من مطلع غير المطلع الذي بالأمس، وبين مطلعها اليوم ومطلعها بالأمس مسافات عظيمة ما يعلمها إلا الله عز وجل؛ لأن مع هذا البُعْد العظيم الذي مثل الشعرة تجد مساحته كم؟ أعوامًا، إحنا نظن أن المساحة يسيرة ما هي إلا كشعرة انحرفت الشمس عنها، وهي ليس كذلك، مسافات عظيمة جدًّا كل يوم وترجع في نفس الخط، لماذا؟ للمصالح العظيمة؛ الناس تختلف مصالحهم في الشتاء عنها في الصيف، في الخريف عنها في الربيع، مصالح عظيمة، الشمس أيضًا في نضج الأشجار وتدفئة الجو، لها -سبحان الله- شيء لا يتصور.
انظر مثلًا إلى الجوِّ، الأفق، تجد أنه -ونحن في عز الصيف- تجده باردًا جدًّا؛ لأن الأضواء -أضواء الشمس- ليس لها ما يعكسها، هي تنعكس على الأرض، ثم تولد حرارة، لكن في الجو ما في شيء يُعكَس تخرقه خرقًا وتمضي إلى الأرض، فلكل مخلوق غاية، ولكل مشروع غاية حميدة.
فالحكمة إذن -يا جماعة- تكون في المقدور؛ أي في ذات المقدور كونه على هذا الوجه حكمة، ثانيًا: في الغاية منه، ثالثًا: في المشروع، رابعًا: في الغاية منه.
وتأمل الشرائع تجد أنها صلاح للبدن والقلب، صوم، صلاة، زكاة، حج، توحيد وإخلاص، مصلحة للبدن، أَسَرُّ ما يكون الإنسان وأنشط ما يكون وأفرح ما يكون إذا اصطفى قلبه بالإخلاص لله عز وجل؛ ولذلك يمرُّ على الإنسان أحيانًا وهو في العبادة يمر عليه حال يقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا النعيم فهو كافٍ، وتأتي الغفلة تستولي كثيرًا فربما يَثْقُل عليه ما كان خفيفًا عليه بالأمس، والقلوب بيد الله عز وجل.
فالمهم أن الحكمة تكون على هذه الوجوه الأربعة: حكمة في المخلوق، حكمة في المشروع نفسه، الثالث: حكمة في الغاية من المخلوق، حكمة في الغاية من المشروع، واضح؟
الغريب أن هذه الحكمة العظيمة أنكرها الأشاعرة والجهمية، وقالوا: إن الله يفعل ليس لحكمة؛ لأن الحكمة غَرَض، والله مُنَزَّه عن الأغراض والأعراض والأبعاض، سجع باطل؛ منزه عن الأغراض (...) ما له حكمة، ما يفعل لحكمة، هكذا بس، مجرد مشيئة، عن الأعراض ما له صفات؛ لا يضحك ولا يغضب، وعن الأبعاض ما له وجه ولا له يد ولا له عين وما أشبه ذلك.
لكن نقول: إن هذا باطل، والله تعالى منزَّه عن النقص، أما الحكمة فليست غرضًا ينتفع بها، هو إنما ينتفع بها الخلق لتظهر آثار رحمته وآثار حكمته في خلقه حتى يعبدوه، وإلَّا فالله غَنِيٌّ عنَّا، لو أن أهل الأرض كلهم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منهم أَيُنْقِص الله شيئًا؟ لا ينقصه.
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عمن؟ ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] كلهم، ما ينتفع بالطاعة، ولا تضره المعصية، لكنه لتظهر آثار رحمته وحكمته وسلطانه وقوته جعل هذه الشرائع، فليست الحكمة غرضًا ينتفع به الحكيم بالنسبة لله عز وجل أو يدفع به ضررًا عنه.
أما قولهم مُنَزَّه عن الأعراض يعني: أنه لا ينزل، ولا يستوي على السماء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب ولا يكره، فنقول: هذا يعني: إبطال ما وصف الله به نفسه، وهذا الإبطال هو بمنزلة الجحد؛ لأنهم يبطلون أشياء واضحة المعنى، فهي كما لو قال الذي اشترى فرسًا قال: اشتريت خبزًا، هل يَصْدُق بهذا؟ ما يصدق، تحريفاتهم للنصوص مثل تحريفات مَنْ قال: اشتريت خبزًا، يريد: اشتريت فرسًا، لكنهم لا يصَرِّحُون بالنفي، يقولون: إن الله لا يغضب، يقول: يغضب لكن المراد بغضبه الانتقام أو إرادة الانتقام.
الثالث: الأبعاض، يقولون: ما يمكن أن يكون لله وجه ولا عين ولا يد ولا قدم ولا ساق، فنقول: سبحان الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٤٠]؟
فإذا قالوا: الله أعلم، نقول: هل يُحَدِّثُ الله تعالى بالكذب؟ إذا قالوا: لا يمكن أن يكذب، هو أصدق القائلين؛ قلنا: إذن، كيف تقولون: ليس له يد حقيقية، ليس له وجه حقيقي؟
فالحاصل أنَّا نقول: إن نفي الحكمة يعني أن أفعال الله تعالى كلها سفه؛ لأنه إذا انتفت الحكمة حل العبث، ضده لا بد؛ إذ لا يُعْقَل أن فاعلًا يفعل ما ليس له حكمة إلا وله ضدها، فالحمد لله الذي هدانا، نسأل الله أن يُثَبِّتَنا وإياكم.
إذن، الآية هذه تفيد الحكمة على الوجوه الأربعة. فلنعود إلى الفوائد منها:
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عيسى عليه السلام -وهو أحد أولو العزم من الرسل- يفوض الأمر إلى الله؛ حيث قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وهكذا يجب علينا نحن أن نفوض الأمر إلى الله عز وجل فيما يفعله ولا نعترض عليه، فالله يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣] ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ لكمال حكمته، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عابدون لله عز وجل.
* * *
* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١١٩، ١٢٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ سأذكر ما يفتح الله به علينا من فوائدها:
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تسليم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وتفويض الأمر إلى الله عز وجل؛ لأن هذا من عيسى عليه الصلاة والسلام وهو أحد الأنبياء أولي العزم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إطلاق العبودية على مَنِ استحق التعذيب، والعبودية نوعان: خاصة، وعامة، والخاصة نوعان: أخص، وأعم؛ العامة: هي عبودية القدر؛ يعني عبودية التكوين، هذه عامَّة لكل أحد؛ قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، ولا يشذ عن هذه العبودية أحد، ولا يمكن أن يعارض هذه العبودية أحد، كل الخلق، لا يستطيع أكفر عباد الله أن يمنع قدر الله عز وجل فيه، وهذه عامة للمسلم والكافر، والبَّر والفاجر.
والثاني خاصة: وهي العبودية للشرع؛ العبودية لشريعة الله أن يتذلل الإنسان لشريعة الله عز وجل، وهذه خاصَّة بمن؟ بمن أسلم وجه لله، فيَخْرج منها الكافر؛ فليس بعبد لله بهذا المعنى.
هذه العبودية الخاصة تنقسم إلى أعم وأخص؛ أخص هذه العبودية الخاصة عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم ١٠]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف ١] والأمثلة كثيرة، وقال في نوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء ٣]، هذه أخص أنواع العبودية، وهي عبودية الرسالة؛ لأن الرسل عليهم الصلاة والسلام مكلَّفون بأمر زائد على ما كُلِّف به المرسل إليهم من تبليغ الرسالة والصبر على إبلاغها والدعوة إلى الله وغير ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تبارك وتعالى أن يعذب ويرحم، وإن شئت فقل: أن يعذب ويغفر؛ لتطابق الآية، ولكن هل هذا على ظاهره أو نقول: أن يُعذِّب من يستحق التعذيب؟ لأن الله تعالى لا يُعَذِّب أحدًا لا يستحق التعذيب كما قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جَعْل الخلق ينقسمون إلى قسمين: معذب، ومغفور له، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]، ولولا هذا الانقسام ما ظهر فضل الإيمان، ولا شُرِعَ الجهاد ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أرسلت الرسل، لكن حكمة الله اقتضت أن يكون الناس قسمين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات المغفرة -أي مغفرة الله عز وجل- لمن شاء من عباده؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، وقد مر عليكم معنى المغفرة وهي: ستر الذنب والتجاوز عنه، نأخذ هذا من اشتقاق هذه الكلمة؛ فإنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يُتَّقَى به السهام، يجعل على الرأس، فهو ساتر وواقٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين: العزيز والحكيم، وإثبات ما تضمناه من صفة، وهي العزة والحكم والحكمة.
واعلم أن الأسماء الكريمة قد تستلزم معاني أخرى لا يدل عليها اللفظ الاشتقاقي لكن تكون من اللوازم، كالخالق مثلًا، الخالق من أسماء الله، الخلَّاق من أسماء الله تدل على صفة الخلق، وتدل على صفات أخرى لازمات لذلك وهي العلم والقدرة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢]، وبهذا نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء؛ وجه هذا أن كل اسم لا بد أن يتضمن صفة أو أكثر، وليس كل صفة يُشْتَق منها اسم؛ فلهذا نقول: صفات الله عز وجل التي بلغتنا أكثر من أسمائه.
فإن قال قائل: الإنسان إذا قرأ هذه الآية يتوقع أن يكون ختامها (فإنك أنت الغفور الرحيم)؛ لأن ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ جواب ﴿إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ والمناسب أن يقول: (إنك أنت الغفور الرحيم) فما الجواب؟
قيل: إن الآية وإن كانت مركبة من شرطيتين فهما بمعنى واحد، الآن الآية فيها شرطيتان: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ وجوابها: ﴿فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ جوابها: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، لكنها في الحقيقة كشرط واحد، فيكون تعذيب الظالمين بظلمهم والمغفرة لمن يستحق المغفرة مبنيًّا على العزة التي بها يعذب الكافرين، وعلى الحكمة التي بها يغفر لمن يستحقون المغفرة، هذا من وجه.
من وجه آخر: تقسيم الناس إلى هذا اقتضته العزة والحكمة فكان هذا هو المناسب، هذا أقرب ما يكون، والله أعلم بمراده.
المائدة 5:119
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ في هذه الآيات كلها: إثبات القول لله عز وجل، وأنه مسموع وأنه بحرف؛ لأن مقول القول هو حروف، والله تعالى يخاطب من يُخاطِب به فيكون مسموعًا، فيكون في هذا رد على القائلين بأن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه كما هو مذهب الأشعري، قصدي بالأشعري المنتسب لأبي الحسن الأشعري، لا نفس أبي الحسن.
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ﴿هَذَا﴾ المشار إليه: يوم القيامة، و﴿يَوْمُ﴾ خبر المبتدأ؛ ولهذا جاء مرفوعًا، وليس ظرفًا؛ إذ لو كان ظرفًا لكان منصوبًا، لكن فيه قراءة سبعية بالنصب ﴿هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ﴾ وعلى هذه القراءة يكون هذا الواقع يقع يومَ ينفع الصادقين صدقهم.
وقوله: ﴿يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الصدق يكون بالقول وبالعمل؛ يعني بالفعل وبالاعتقاد، أما الصدق بالقول فهو مطابقة الخبر للواقع، مطابقة الخبر للواقع هذا صدق؛ صدق بالقول، وأما الصدق بالاعتقاد فأن يكون اعتقاده مطابقًا لقوله، مثال ذلك: قول القائل: لا إله إلا الله، هذا خبر، صِدْق ولّا كَذِب؟ صدق، لكن هل يصدقه القلب؛ بمعنى هل القلب يؤمن بهذا بأنه لا إله إلا الله أو لا؟
إن كان يؤمن بذلك اجتمع في حقه صِدْق القول وصدق الاعتقاد.
صدقُ الفعل أن يكون الفعل متبعًا فيه الشريعة ومطابقًا لما في القلب، وعلى هذا فالمبتدع ليس صادقًا، والمنافق ليس صادقًا؛ لأن فعله لا يطابق ما في قلبه، والمبتدع ليس بصادق؛ لأنه لو كان صادق الإيمان ما خرج عن شريعة الرحمن.
﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ والصديقية مرتبة هي أعلى المراتب بعد النبوة، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله في الفوائد.
﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، وهذا يقتضي الاختصاص أي لهم دون غيرهم.
﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الجنات جمع جنة، وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للمتقين، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر، تأتي في القرآن مفردة ومجموعة ومثناة؛ أما الإفراد فباعتبار الجنس فتشمل كل ما كان من الجنات، وأما الجمع فباعتبار الأنواع؛ لأنها درجات متعددة أعد الله للمجاهدين في سبيله مئة درجة، وأما التثنية فباعتبار الجنس، وهذا في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢].
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الجريان معروف، و﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع نهر وهو الماء، هذا ما نعرفه في الدنيا، لكنه في الجنة أنهار أصنافها أربعة ذكرها الله تعالى في سورة القتال فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذا في الشراب، في المأكل: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد ١٥] في عدم المسؤولية عما أكلوا أو تركوا: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد ١٥].
وقوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعني لا من فوقها، ولكن هل معناه من تحت السقف؟ لا، ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت هذه الأشجار والقصور والخيام، وجريان هذه الأنهار كما جاء في السنة بدون أخدود[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٩٥٤)، وعبد الرزاق في التفسير (٣١٠٩) عن مسروق مقطوعًا.]] وبدون حفر تجري على السطح، لا تحتاج إلى أخدود تقوم، ولا الحُفَر تُحْفر، وإنما تجري حسب رغبة الساكنين يُصَرِّفها الإنسان كما شاء.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ٥٧] الخلود: هو المُكث الطويل، فإن أُكِّد بالأبدية صار أبديًّا، وقيل: إن الخلود: هو المكث الدائم ما لم يقم دليل على أنه مؤقت، وعلى كل حال فإن أُكِّد بالأبدية انقطع القول بأنه خلود طويل لأنه أكد بالأبدية.
﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بما قاموا به من طاعته، وتمام الرضا إذا دخلوا الجنة؛ فإن الله تعالى يسألهم ماذا يريدون، فيَعُدُّون عليه نعمه عليهم، فيقول: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ أُحِلَّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَغْضَبُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩ / ٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، وهذا الرضوان الدائم الكامل.
﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بماذا؟ بما وفقهم له من الأعمال الصالحة في الدنيا، وبما أثابهم عليه في الآخرة؛ فإن المؤمن لا شك مسرور بطاعة الله راض بها فرح بها.
﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذكره الله عز وجل من الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والخلود فيها والرضا، وأشار إليه بإشارة البعد، وذلك لعلو مرتبته وارتفاعها، وإلا فالذكر قريب لكن أشار إليه لعلو مرتبته فإنه فوز لا نظير له، الفوز العظيم، يقال: فاز الرجل، إذا غلب غَلَبَةً مَرْضِيَّة، ولا يكون هذا إلا بالنجاة من المرهوب وحصول المطلوب، و﴿الْعَظِيمُ﴾ أي: ذو العظمة البالغة التي ليس لها نظير.
* من فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل؛ لقوله: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن قول الله تعالى بحروف، وليس المعنى القائم بنفسه؛ لأن مقول القول حروف.
* ومنها: أن قول الله تعالى بصوت مسموع؛ لأن كل هذا في سياق المحاورة مع عيسى عليه الصلاة والسلام.
ثم اعلم أن القول عند الإطلاق لا يراد به إلا اللفظ المسموع، لا يمكن أن يراد بالقول عند الإطلاق المعنى القائم بالنفس أبدًا، بل إذا أريد به المعنى القائم بالنفس قُيِّد، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ﴾ [المجادلة ٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الفائدة العظيمة في الصدق؛ لأن الإنسان في يوم القيامة أحوج ما يكون إلى ما ينفعه، والصدق يوم القيامة ينفع.
* ومن فوائدها: الحث على الصدق والترغيب فيه؛ لأن ذكر كونه نافعًا في ذلك الوقت الحرج يدل على الترغيب فيه والحث عليه، وقد حث عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥) واللفظ له، من حديث عبد الله بن مسعود.]].
والصدِّيقيَّة أعلى مراتب البشر بعد النبوة، ويكفيك اقتناعًا بفائدته وثمرته ما حصل للثلاثة الذين خُلِّفُوا؛ أي خُلِّفَ أمرُهم ولم يُقْضَ فيه بشيء حتى جاء الوحي، وهم: كعب بن مالك، هلال بن أمية، مرارة بن الربيع، هؤلاء الثلاثة تخلفوا عن غزوة تبوك، ولما رجع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها جاء المعذِّرون يعتذرون إلى الرسول صلى الله عليه الصلاة والسلام، وقد أخبر الله عنهم قبل وصول النبي ﷺ إلى المدينة وقال: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة ٩٤] ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة ٩٥ - ٩٦].
أما الثلاثة فصدقوا وأخبروا بالصدق، وأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم آيات تُتْلَى في الصلاة وخارج الصلاة، ويُثاب على قراءتها، وحثَّ على أن نكون مثلهم؛ فقال بعد ذكر الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الثواب بالجنة؛ لقوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾، وهذا أمر معتقد عند جميع الطوائف المسلمة.
* ومن فوائد الآية: أن هذا الثواب يختص به الصادقون، مَنْ يعرف وجه ذلك؟
* طالب: تقديم الخبر على المبتدأ.
* الشيخ: تقديم الخبر على المبتدأ يدل على الحصر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف الجنات بأن الأنهار المطردة تجري من تحت الأشجار والقصور، وما أجمله من منظر وما ألذَّه من مَخْبَر، اللهم اجعلنا منهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الجنة مخلَّدون فيها أبدًا؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وهل هي موجودة الآن؟ نعم، هي الآن موجودة في السماوات؛ قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣] والإعداد يكون مهيَّأ لأهله، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخلها حين عُرِجَ به ورأى فيها ما رأى[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٩)، ومسلم (١٦٣ / ٢٦٣) من حديث أبي ذر.]]، ومَثُلَت له حين قام يصلي صلاة الكسوف[[متفق عليه؛ البخاري (٥٤٠)، ومسلم (٢٣٥٩ / ١٣٦) من حديث أنس بن مالك. ]] هي والنار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رضا الله عز وجل؛ لقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، والرضا صفة فعلية أو ذاتية؟
* طالب: فعلية.
* الشيخ: فعلية؛ لأنها تتعلق بمشيئته، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهي فعلية، وهل هي حقيقة أو هي كناية عن إرادة الثواب أو هي الثواب نفسه؟ فيها قولان: القول الأول: أنها حقيقة، وهذا القول هو الذي يجب اتباعه؛ لأنه ظاهر الكتاب، والواجب إجراء الكتاب على ظاهره بدون تحريف.
فإن قال قائل: الرضا معنى يقوم بالنفس، يقوى ويضعف ويزول ويبقى؟
قلنا: وما المانع أن نثبت هذا لله، وقد أثبته لنفسه؟ ما هو المانع؟ لكن نعلم أن رضا الله ليس كرضا المخلوق الذي يزول بأدنى سبب أو يوجد بأدنى سبب، بل له أسبابه المقتضية له، وله ما يزيله على وجه يختص بالله عز وجل؛ لأن لدينا قاعدة عامة وهي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، أهل التحريف قالوا: إن الله لا يمكن يرضى، الرضا صفة عارضة، والله تعالى مُنَزَّه عن الصفات العارضة؛ لأن الصفات العارضة صفات حادثة، والحادث لا يقوم إلا بمحدَث، وكل هذه التعليلات وهمية لا عقلية، منقوضة بدلالة الكتاب والسنة على ثبوت ذلك، ولهذا -أي لكونهم لا يعتقدون الرضا الحقيقي- قالوا: معنى الرضا: إرادة الثواب، ولم يقولوا: إنه الثواب، بل قالوا: إرادة؛ لأنهم يثبتون الإرادة.
تعرفون أن الأشعرية يثبتون سبع صفات: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، فقالوا: الرضا إرادة الثواب، ومنهم من يقول -وهم الذين لا يثبتون الإرادة- يقول: إن الرضا هو الثواب، والثواب -كما نعلم- شيء منفصل عن الله مخلوق يكون بالكلمة -كلمة الله عز وجل- ولا شك أن هذا تحريف، وكما تعلمون مما ذكرنا في الحديث أن الرضا الذي يعطيه الله أهل الجنة أعظم مُنَاهُم وأكمل من كُلِّ ما يجدونه في الجنة من النعيم، فكيف نفسِّره بما هو أدنى، ونقول: هو الثواب أو إرادة الثواب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رضا أهل الصدق عن الله عز وجل، وهذا فيه شيء من الإشكال؛ هل للإنسان أن يرضى عن الله أو لا يرضى، أو الواجب الرضا بقضاء الله مطلقًا؟
الثاني، الواجب رضا الإنسان عن ربه مطلقًا لا بد أن يقول: رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولًا، فهل نقول: إن هذا من باب المشاكلة في اللفظ؛ لما قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ قال: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾، أو نقول: إن الرضا هنا ليس المراد مقابل الغضب؛ لأنه إذا ثبت الرضا ثبت الرضا، إذا لم يثبت فضده الكراهة والسخط والغضب، أو عدم الرضا بدون كراهة ولا سخط ولا غضب؟
فلا يلزم من هذا أن نقول: إن الإنسان له الخيار بين أن يرضى بقضاء الله وقدره وألَّا يرضى، بل نقول: إن الواجب أن يرضى الإنسان بقضاء الله وقدره؛ لأن هذا من تمام الرضا بالله ربًّا، لكن رضاهم عنه إما من باب مقابلة اللفظ بمثله، وإلَّا أن المراد برضاهم أنهم فرحوا بذلك واستبشروا به، ولم يبغوا عنه حِوَلًا، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٧، ١٠٨].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز حقيقة ليس بالربح؛ بربح الدينار والدرهم والجاه والرئاسة، الربح العظيم أو الفوز العظيم هو فوز الإنسان بجنات النعيم -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الفائزين بها- ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
المائدة 5:120
ثم قال جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لله وحده، واستفدنا (وحده) من تقديم الخبر، أي: لله وحده لا غيره.
﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يتصرَّف فيه كما يشاء ولا يشاركه أحد في ملكه، قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ ٢٢ - ٢٣].
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جَمَع (السماوات)؛ لأن عددها سبع، وأفرد (الأرض) باعتبار الجنس، وإلا فإن الأرضين سبع.
﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ ﴿مَا فِيهِنَّ﴾ ﴿مَا﴾ هنا اسم موصول، وعبَّر بـ﴿مَا﴾ الأداة التي يُعَبَّر بها عن غير العاقل، قالوا: لأن أكثر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء، وأكبر ما في السماوات والأرض من غير العقلاء؛ فلهذا قال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾، وقيل: بل عبَّر بـ﴿مَا﴾؛ لأنها تشمل الأعيان والأحوال، فكأنه قال: ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ من أعيانٍ وأحوال، و(مَن) إنما يعبر بها في العاقل لتعيين الشخص نفسه، وهذه فائدة لا تكد تجدها عند كثير من النحويين، لكن ابن القيم رحمه الله في بدائع الفوائد أشار إليها؛ أنَّ (مَنْ) للعاقل إذا قُصِدَ التعيين؛ يعني عينه، أما إذا قُصِدَ عموم الأعيان والأحوال فإنه يؤتى بـ(ما).
وأَبْيَن مثال لذلك قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: (من)، لكن لو قال قائل لشخص: تزوج مَن شئت مِن بناتي، فـ(مَن) هنا جاءت لأجل التعيين، وهذا معنى لطيف؛ أنه إذا قُصِدَ بـ(ما) ما يشمل الأعيان والأحوال فإنها أفصح من الإتيان بـ(من).
وقوله: ﴿مَا فِيهِنَّ﴾ من المخلوقات العظيمة، واسمع إلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]] «أَطَّتْ» يعني صار لها صوت كسرير الرحل عند ثِقَلِ الحمل، البعير إذا حَمَّلْت عليها فإن رحلها يكون له صوت يسمَّى أطيطًا.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مع عموم ملكه قدرتُه أيضًا عامة على كل شيء، ما من موجود إلا وهو قادر على إعدامه، وما من معدوم إلا وهو قادر على إيجاده تبارك وتعالى، ولا يُسْتَثْنى من هذا شيء، هو قادر على كل شيء، وأخطأ صاحب الجلالين في التفسير؛ حيث قال عند هذه الآية: (وخَصَّ العقل ذاته فليس عليها بقادر)؛ فإن هذا قول منكر، لكن هذا مقتضى مذهبه حيث ينفي أن تقوم الأفعال الاختيارية بالله؛ يعني عنده أن الله لا ينزل ولا يستوي على العرش ولا يضحك ولا يفرح، ومن المعلوم أن الأفعال الاختيارية تكون بمشيئته فهو قادر على إيجادها وإعدامها، فالقول هذا منكر مبنيٌّ على عقيدة فاسدة.
ونحن نقول: إن الله على كل شي قدير ولا نستثنى، يفعل ما يشاء عز وجل.
* طالب: في قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قلنا: تقديم الخبر يفيد الحصر، الثاني: كيف حصر على ﴿الصَّادِقِينَ﴾ مع أن الجنات..؟
* الشيخ: لا، أصلًا ليس هناك مؤمن إلا وهو صادق، فلا إشكال.
* طالب: قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ إذا أُكِّدَ الخلود بالأبدية، فهل يكون من لازمه الخلود بمكان الخلود؟
* الشيخ: إي معلوم، لو عُدِمَ المكان أين يكون الخالد؟ ضروري.
* طالب: (...) قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ (...) أسباب المغفرة (...) إن الله قد يغفر لعباده بمقتضى رحمته تفضُّلًا منه؟
* الشيخ: المغفرة ما فيها إشكال، الإشكال ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ فإنه لن يعذبهم إلا بذنب.
* الطالب: الإشكال عندي (...) قَدَّرْت له أسباب المغفرة.
* الشيخ: في مقابل قدَّرْت له أسباب العذاب.
* الطالب: (...) حين يعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد يغفر، وينتهي العبد (...).
* الشيخ: نعم، إن الله يغفر ما دون الشرك بفضله ومَنِّه، لكن كونه لم يشرك من أسباب المغفرة التي تكون تحت مشيئة الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الدعاة يذكرون صفة الجنة وكذا؛ يعني ذكروا أن الرجل الذي يشرب الدخان إذا مَنَّ الله عليه أن دخل الجنة، ثم اشتهى دخَّانًا في الجنة، فيؤتى بدخان ولم يوجد نار في الجنة، يروح علشان يولع سيجارة من النار ويدخلونه النار.
* الشيخ: يدور (...)، من قال هذا؟
* الطالب: بعض الدعاة يتكلمون بهذا.
* الشيخ: أعوذ بالله، هذا غلط عظيم، واعلم أنه لا يمكن أن يشتهي أهل الجنة شيئًا محرَّمًا أبدًا.
* طالب: (...) ذكرنا في العبودية -يا شيخ- أن العبودية العامة هي عبودية القدَرْ.
* الشيخ: القدر يعني التقدير.
* طالب: فهل يفهم من هذا أن الحيوانات عباد لله؟
* الشيخ: إي نعم، غير الآدميين والجن عباد لله تعالى بالقدر والشرع.
* الطالب: الآن -يا شيخ- في الآية: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [مريم ٩٣] (...).
* الشيخ: لا، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ١٨].
* الطالب: يعني (من) هذه (...) كونها أداة للعاقل (...).
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: كون (من) للعاقل.
* الشيخ: (من) للعاقل إذا أريد التعيين.
* طالب: أحيانًا الإنسان إذا أراد أن يصدق، الصدق يوقعه في الإحراج، مثل أن يكون له شيء، طلب منه رجلٌ آخر (...)، قال: ما عندي.
* الشيخ: ما عندي.
* الطالب: نعم، وهو عنده لكن بقصد المماطلة.
* الشيخ: هذه سهلة، يتأول، في التأويل مندوحة عن الكذب؛ يقول: ما عندي شيء أقرضك إياه، ينوي هذا، والنية تخصِّص العام، فهمت؟ خلِّ هذا عندك مسألة تأويل، انتفع بها، إن في التأويل لمندوحة عن الكذب.
* طالب: شيخ بارك الله فيكم، (...) قول الله عز وجل: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور ٤٥].
* الشيخ: قالوا: من باب التغليب، لأجل العطف.
* طالب: رضي الله عنك، يا شيخ، إذا نظرنا لطريقة الرسل مع ربهم سبحانه وتعالى يخاطبونه كأنهم بين يديه، يعتقدون أنهم بين يديه، وأهل الكلام يا شيخ (...) تكلَّموا بكلام، وحرَّفوا تحريفًا وكذَّبوا الرسول، وكذبوا نصوص القرآن الظاهرة، مثل أهل الكلام -يا شيخ- أعظمهم ذنبًا هم ولَّا ذنب اللي ما يعترف بالربوبية..
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١ - ٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما جرى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى تبرَّأ مما يدعيه النصارى فيه؛ بَيَّن أن ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وأن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا لا هو ولا غيره؛ لأنهم لا يملكون شيئًا مما في السماوات والأرض؛ فيستفاد من هذا: اختصاص ملك السماوات والأرض وما فيهن بالله عز وجل، وجه الاختصاص؟ تقديم الخبر، والقاعدة أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر سواء كان هذا الذي حقُّه التأخير خبرًا أو مفعولًا أو غير ذلك مما حقه التأخير.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله للسماوات والأرض؛ يؤخذ من الإضافة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد، ولا يحتاج إلى عدد، لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾؛ ولهذا لو قال الإنسان: عبدي حر، وعنده أَعْبُد مَنْ يَعْتِق منهم؟ الجميع إلا إذا كان له نية بعبدٍ خاصٍّ، ولو قال: زوجتي طالق، وعنده أربع؟ تطلق الزوجات كلهن ما لم يَنْوِ واحدة؛ لأن المفرد المضاف يكون للعموم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ما جرى بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، وأن عيسى تبرأ مما يدّعيه النصارى فيه، بيّن أن لله ملك السماوات والأرض، وأن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا، لا هو ولا غيره؛ لأنهم لا يملكون شيئًا مما في السماوات والأرض.
* فيستفاد من هذا: اختصاص ملك السماوات والأرض وما فيهن لله عز وجل، وجه الاختصاص تقديم الخبر.
والقاعدة: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، سواء كان هذا الذي حقه التأخير خبرًا، أو مفعولًا، أو غير ذلك مما حقه التأخير.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم ملك الله للسماوات والأرض، يؤخذ من الإضافة ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والمفرد المضاف يفيد العموم، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد، ولا يحتاج إلى عدد لو أخذنا بظاهره لقلنا: النعمة واحدة، لكن لما كان المفرد المضاف يفيد العموم صح أن يقول: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾.
ولهذا لو قال الإنسان: عبدي حر، وعنده أعبد من يعتق منهم؟ الجميع، إلا إذا كان له نية بعبد خاص.
ولو قال: زوجتي طالق، وعنده أربعة؟ تطلق الزوجات كلهن ما لم ينوِ واحدة؛ لأن المفرد المضاف يكون للعموم.
* من فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع عدد، وقد بين الله تعالى في كتابه أنها سبع سماوات، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦] إذن فالسماوات سبع، وهي طباق كما قال الله تعالى عن نوح: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح ١٥] أي: متطابقة بعضها فوق بعض، وبينها مسافات كما دل على ذلك حديث المعراج حيث كان جبريل عليه السلام يصعد بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سماء بعد سماء، كلما أتى سماء استفتح واستفهم أهلها: من هذا؟ من معك؟ هل هو رسول؟
وعلينا أن نؤمن بهذا، وأن ننكر قول أولئك الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس هناك شيء، ليس هناك سماوات، وإنما هي مجرات ونجوم، وما أشبه ذلك، وفضاء لا نهاية له، فإن هذا كذب؛ لأنه يخالف ما جاء في الكتاب والسنة، وليسوا أعلم بالله من خلق الله عز وجل.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان الحكمة من إفراد الأرض وجمع السماوات، الأرض أفردها الله عز وجل في كل موضع ذكرها يفردها سبحانه وتعالى وإن كان في القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، ولعل من فائدة ذلك وحكمته أن الإنسان إذا ملك ظاهر الأرض ملك إلى (...)، كل ما تحتها من أراضٍ فهي ملك له، ويشهد لهذا قول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد. ]] لأنه يملك القرار إلى آخر الأرض السابعة، أخذ العلماء من هذا أنه كما يملك القرار يملك الهواء إلى السماء، لو أراد أحد أن يبني على ساحة بيته رفًّا، يسمونه أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قصدي رف يجلس عليه! لا إله إلا الله! فرندا أو بلكونة؟ طيب لو أراد أن يبني على فناء بيت جاره بلكونة، فإنه يمنعه حتى لو كانت عالية، لو أن أشجارهم امتدت أغصانها إلى هواء جاره طالبه بقطعها، أو ليها إذا أمكن، إذن الهواء إلى أين؟ إلى السماء، القرار إلى الأرض السابعة؛ لأنها كلها أرض واحدة عبّر الله عنها بالإفراد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات والأرض فيهن شيء، ﴿وَمَا فِيهِنَّ﴾ وهذا أمر معلوم، السماوات فيها الملائكة، والأرض فيها: الإنس، والجن، والشياطين، كذلك أيضًا هناك غير ما فيه حياة: الجبال، السحب، النجوم كلها ثابتة لله عز وجل لله ملكه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم قدرة الله عز وجل على كل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذه العبارة -أعني هذه الصفة- مطلقة ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهل هو قدير على ما لا يشاء؟
نعم، قدير على ما لا يشاؤه، فإذا شاءه وقع، وبهذا نعرف خطأ من يعبر من الناس فيقول: إنه على ما يشاء قدير، ما يجوز هذا، لا يجوز؛ لأنك إذا قلت: إنه على ما يشاء، وقدّمت أيضًا المعمول خصصت قدرته بأيش؟ بما يشاؤه دون ما لا يشاؤه، وهذا غلط، هو قادر على ما يشاء وما لا يشاء، لكن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال بعض المتأخرين: وإذا قلت: إنه على ما يشاء قدير، فقد وافقت القدرية؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يشاء أفعال العبد، وإذا كان لا يشاؤها لم يكن له قدرة عليها.
فالجملة هذه أيضًا: ترمي إلى قول مبتدع قول القدرية، فإذا سمعت أحدًا يقول: إنه على ما يشاء قدير، قل له: قدير، وعلى ما لا يشاء قدير، وليس لك الحق أن تقيد ما أطلقه الله عز وجل من الصفة، الله تعالى أطلقها ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا تقيد.
فإذا قال قائل: إذا قررتم هذا فكيف تجيبون عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]؟
قلنا: المشيئة هنا عائدة إلى الجمع؛ يعني: أنه إذا شاء جمعهم فهو قدير عليه، لا يعجز عنه خلافًا لمن يقول: إنه لا يقدر على جمعهم، وأنكروا البعث، فيكون التقييد بالمشيئة هنا للجمع لا للقدرة.
فإن قال قائل: ما تقولون في الرجل الذي يدخل الجنة آخر من يدخلها، فإذا قال الله له: هذا لك، قال الله تعالى: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]؟
نقول: نعم، هنا المشيئة قُيّدت بفعل معين؛ يعني كأن الله يقول له: إني شئته فأنا قادر عليه، مثل قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ والمهم أنه ليس لنا أن نقيد ما أطلقه الله عز وجل، بل نقول: إن الله على كل شيء قدير.