Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الأنعام 6:1 – الأنعام 6:53

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الأنعام 6:1
  2. الأنعام 6:2
  3. الأنعام 6:3
  4. الأنعام 6:4
  5. الأنعام 6:5
  6. الأنعام 6:6
  7. الأنعام 6:7
  8. الأنعام 6:8
  9. الأنعام 6:9
  10. الأنعام 6:10
  11. الأنعام 6:11
  12. الأنعام 6:12
  13. الأنعام 6:13
  14. الأنعام 6:14
  15. الأنعام 6:15
  16. الأنعام 6:16
  17. الأنعام 6:17
  18. الأنعام 6:18
  19. الأنعام 6:19
  20. الأنعام 6:20
  21. الأنعام 6:21
  22. الأنعام 6:22
  23. الأنعام 6:23
  24. الأنعام 6:24
  25. الأنعام 6:25
  26. الأنعام 6:26
  27. الأنعام 6:27
  28. الأنعام 6:28
  29. الأنعام 6:29
  30. الأنعام 6:30
  31. الأنعام 6:31
  32. الأنعام 6:32
  33. الأنعام 6:33
  34. الأنعام 6:34
  35. الأنعام 6:35
  36. الأنعام 6:36
  37. الأنعام 6:37
  38. الأنعام 6:38
  39. الأنعام 6:39
  40. الأنعام 6:40
  41. الأنعام 6:41
  42. الأنعام 6:42
  43. الأنعام 6:43
  44. الأنعام 6:44
  45. الأنعام 6:45
  46. الأنعام 6:46
  47. الأنعام 6:47
  48. الأنعام 6:48
  49. الأنعام 6:49
  50. الأنعام 6:50
  51. الأنعام 6:51
  52. الأنعام 6:52
  53. الأنعام 6:53

الأنعام 6:1

الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١ - ٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق في الدرس الماضي أن شرعنا في الكلام على البسملة، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: انتهينا إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ [الفاتحة ١] وذكرنا أن هذا الاسم العظيم هو أصل الأسماء، ولا يسمى به سوى الله عز وجل. أما قوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ فالرحمن مشتق من (الرحمة)، ولكنه على صيغة (فَعْلان)، وهذه الصيغة تدل على السعة والامتلاء فيكون معناه أنه ذو رحمة واسعة؛ ولهذا فسرها بعضهم بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، ولكن الصواب أنه ذو الرحمة الواسعة يرحم من شاء عز وجل؛ فهي أدل على الوصف منها على الفعل، أدل على وصف الله منها على الفعل، أما الرحيم فهي صيغة مبالغة من الرحمة أيضًا، لكنها أدل على الفعل منها على الوصف فسبقت الرحمن؛ لأنها وصف، وأتت الرحيم؛ لأنها فعل؛ فهو رحمن يرحم عز وجل. وقد ذكر الله تبارك وتعالى أنه بالمؤمنين رحيم، والمراد الرحمة الخاصة. إذن الرحمن تدل على أيش؟ الوصف، والرحيم على الفعل؛ يعني أنه يرحم. قسم العلماء -رحمهم الله- الرحمة إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فأما العامة فهي الشاملة لجميع الخلق؛ المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والبهيم والعاقل، كل الخلق تحت رحمة الله عز وجل، لا يشذ أحد عن هذه الرحمة العامة، الرحمة الخاصة هي التي تختص بالمؤمنين؛ فهي رحمة خاصة؛ والفرق بينهما أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله عز وجل على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، أما الرحمة العامة فلا أثر لها إلا في الدنيا. ولذلك نقول: الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل لا يعاملون بالرحمة، البهائم وغير العاقل كذلك يعاملون بالعدل؛ لأن الله يقضي بينهم بين البهائم، ثم يأمرهن أن يكن ترابًا فيكن ترابًا، ولا نعي فالرحمة إذن كم؟ * طالب: نوعان. * الشيخ: نوعان أو قسمان؛ عامة تشمل جميع الخلق، وخاصة تختص بالمؤمنين، الفرق بينهما أن العامة إنما تكون في الدنيا فقط، والخاصة تكون في الدنيا والآخرة، اللهم ارحمنا برحمتك. وذِكر هذين الاسمين الكريمين عند البسملة التي تتقدم فعلَ العبد وقوله إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد من هذا الفعل، ولا من هذا القول؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]]. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (أل) هنا للاستغراق؛ أي: جميع الحمد من كل وجه ثابت لله عز وجل، واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾ إما للاختصاص، وإما للاستحقاق، ولا تنافي بين المعنيين، وعلى هذا فتكون للاستحقاق والاختصاص؛ لأن (أل) في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ للعموم، ولا أحد يستحق الحمد على العموم إلا الله عز وجل، فتكون اللام للاستحقاق وللاختصاص أيضًا. ولكن ما هو الحمد؟ الحمد كثير من الناس يفسره بالثناء على الجميل الاختياري، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الثناء يكون تكرار الحمد؛ والدليل على هذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ:» ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ «قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ:» ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ «قَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا يدل على أن الثناء هو تكرار الوصف الكامل، والاشتقاق يدل عليه؛ لأن الثناء من الثَّنْي، وهو إعادة الشيء، أو رد الشيء بعضه إلى بعض، وأما قولهم: على الجميل الاختياري فهو أيضًا بالنسبة لله عز وجل غير صحيح؛ لأن الله يُحمد على ما يفعله عز وجل، وهو يختار ما يشاء، ويُحمد على كمال صفاته اللازمة التي لا تتعدى إلى أحد؛ فهو محمود على كمال حياته، ومحمود على كمال قيوميته؛ الأول: وصف لازم، والثاني: وصف متعدٍّ ولازم أيضًا كما سبق تفسيره. إذن الصواب أن حمد الله يكون على أفعاله التي يختارها، وعلى صفاته الكاملة اللازمة له، فبماذا نعرّفه؟ نقول: الحمد وصف المحمود بالكمال حبًّا وتعظيمًا؛ لأن الوصف بالكمال قد تصف شخصًا ما بالكمال لا محبة له، لكن رجاءً لما سيجازيك به، وقد تمدحه لا على سبيل المحبة والتعظيم، ولكن خوفًا من شره، فالحمد إذن لا بد أن يقيد بأنه على وجه المحبة والتعظيم، فإن لم يكن على وجه المحبة والتعظيم فهو مدح. وانظر إلى عمق اللغة العربية كيف فرّقت بين حمد ومدح مع تساويهما في الحروف نوعًا وعددًا؟ الحروف ثلاث، هذا العدد، النوع نفس الحرف (حاء، ميم، دال)، لكن اختلف الترتيب في الحروف (حمد ومدح) باختلاف هذا الترتيب اختلف معناهما، والنسبة بينهما الخصوص والعموم، فكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا؛ لأن الحمد -كما قلنا- لا بد أن يكون على وجه المحبة والتعظيم، والمدح بخلاف ذلك؛ قد يمدح الرجل سلطانًا أو وزيرًا، أو ما أشبه ذلك لا محبة له، ولا تعظيمًا له، ولكن يرجو نواله أو يخاف منه، أما الحمد فلا. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله الفروق بينهما في كتابه بدائع الفوائد الذي حثّنا شيخنا عليه حين الطلب وقال: إنه كتاب عظيم، وهو كذلك يشبهه من بعض الوجوه صيد الخاطر لابن الجوزي، لكن من حيث العمق والمعنى والفائدة لا سواء ولا مقارنة؛ فهو رحمه الله بيَّن بيانًا واضحًا الفروق بين (الحمد والمدح)، وبحث هذا المبحث حتى أنضجه طبخًا. وقال: إن شيخنا -يعني ابن تيمية رحمه الله- كان إذا بحث في مثل هذه الأمور أتى بالعجب العجاب رحمه الله، ولكنه كما قيل: تَأَلَّقَ الْبَرْقُ نَجْدِيًّا فَقُلْـــــتُلَـــــــــــــــــهُ ∗∗∗ إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنِّي عَنْكَ مَشْغُولُ لأن شيخ الإسلام ما عنده تفرغ إلى أن يتكلم في مثل هذه الأمور، يتكلم بما هو أعظم، وقد جمع أخونا وزميلكم فريد بن عبد العزيز الزامل المباحث النحوية التي تكلم عليها شيخ الإسلام ابن تيمية، جمعها في رسالة، ولكنها لم تُطبع بعد، وهذا طيب، ومر علينا من هذا النوع في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لما تكلم على قول الله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة ٦٩] بحث بحثًا ما تجده في أي كتاب رحمه الله. المهم نرجع إلى ما نحن بصدده، الحمد: هو وصف المحمود أيش بالكمال على وجه المحبة والتعظيم. ﴿لِلَّهِ﴾ قلنا: (اللام) للاستحقاق والاختصاص، لا أحد يستحق الحمد كله من كل وجه إلا الله عز وجل. وهذا الحمد المذكور خاص بالله عز وجل، فهو جل وعلا مستحق لأن يحمد، والحمد الكامل مختص به. أما (الله) فهي علَم على الله عز وجل، والتعبير بها أحسن من التعبير بغيرها، بعض الناس الآن يعبّر فيقول: قال الحق كذا وكذا، قال الحق كذا وكذا، هذا صحيح أن الله هو الحق المبين، لكن اجعل عبارتك على عبارة السلف فهم يقولون: قال الله، أو يقولون: قال ربنا. أما (قال الحق) فهذه يأتي بها الإنسان لأجل يفتح الأذهان بحيث يقول السامع: من هذا الحق؟ لكن نقول: قال الله، التي بُنيت عليها الألوهية والعبادة أحسن، ولكن لا بأس أن تقول: قال ربنا، أو قال ربكم، كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول لأصحابه أحيانًا: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١ / ١٢٥) من حديث زيد بن خالد.]]. ﴿اللَّهِ﴾: مشتقة من الألوهية، و(أَلِه) بمعنى: تعبّد، وليست بمعنى: تحيّر كما زعمه بعضهم؛ لأن الإنسان إذا قال: الله، ما يجد تحيرًا، يجد ربًّا معروفًا عز وجل، لا حيرة فيه، يقولون: أصلها (الإله)، لكن حُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. وقالوا: إن نظيرها (الناس)، وأصلها: (الأُناس)، وكلمة (خير)، و(شرّ)، وأصلها: (أخير)، و(أشر). إذن ﴿اللَّهِ﴾ أصلها (الإله)، وهي من (ألِه)؛ ألهِه أي: تعبّد له، وهل هو مشتق أو جامد؟ الصواب: أنه مشتق، وأنه لا يوجد اسم من أسماء الله، ولا من أسماء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا من أسماء القرآن يكون جامدًا أبدًا؛ لأن الجامد معناه أنه لا معنى له إلا الدلالة على المعين فقط؛ لأن العلم كما قال ابن مالك: اسْمٌ يُعَيِّنُ الْمُسَمَّىمُطْلَقَــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ عَلَمُـــــــــــــــــهُ كَجَعْفَـــــــــــــرٍوَخِرْنِقَــــــــــــــــا فلو قلنا: إن أسماء الله، أو أسماء الرسول، أو أسماء الكتاب العزيز إنها جامدة؛ معناها أنها لا تدل إلا على تعيين المسمى فقط، ولكن نقول: هي مشتقة، تدل على تعيين المسمى، وعلى المعنى الذي اشتُقت منه، لا بد. إذن ﴿اللَّهِ﴾ مشتقة من (الإله)، أو (الألوهية)، وهي التعبُّد لله عز وجل. ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿الَّذِي﴾ وصف للفظ الجلالة. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾. ﴿خَلَقَ﴾ أي: أوجدها على تقدير مُحكم؛ لأن الأصل في الخلق في اللغة هو التقدير، كما قال الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْ ∗∗∗ ضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْـــــــــرِي (يفري) يعني: يفعل. (تَفْرِي مَا خَلَقْتَ) يعني: ما قدرته، ولا يمنعك أحد؛ فالخلق إذن هو الإيجاد على وجه التقدير المحكَم. وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مفعول ﴿خَلَقَ﴾، ولا مانع من أن نقول: إنها مفعول خلافًا لمن قال: إنه لا يصح أن تكون مفعولًا؛ لأن المفعول لا بد أن يرد الفعل عليه، وهو موجود، وخلق السماوات والأرض ورد عليها قبل أن تُخلق، ولكن نقول: هذا تكلُّف، والصواب -الذي عليه أكثر المعربين-: أن ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مفعول به. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ من (سما يسمو) إذا علا، وقد بيَّن الله تعالى أنها سبع، وأنها طِباق، وأنها شِداد، وأنها مبنيّة بأيدٍ؛ أي: بقوة. وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوفة على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي لفظ مفرد، لكنه لا يمنع التعدد إذا ثبت أنها متعددة. انتبه لهذا القيد: لا يمنع التعدُّد إذا ثبت أنها أيش؟ متعددة، ولو لم يثبت أنها متعددة لقلنا: إنها واحدة؛ لأن هذا مقتضى اللفظ، لكن نقول: إن المراد بها الجنس وحينئذٍ لا ينافي التعدد، وهي متعددة بدلالة ظاهر القرآن وصريح السنة؛ أما ظاهر القرآن فقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] أي: في العدد، ولا يمكن أن يقول قائل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في الكيفية والصفة، هذا ما أحد يقوله؛ لأن الفرق بين السماء والأرض واضح، فيتعين أن يكون المراد العدد، وهو كذلك. أما السنة فصريحة: قال النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]. فصار المراد بالأرض الجنس، فلا ينافي التعدد، وقد ثبت تعدُّد الأرَضين بظاهر القرآن وصريح السنة أنها سبع. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: (خلق)، ولكن إذا كانت بمعنى (خلق)، فما هي الحكمة في أن عُبّر عن الخلق بالجعل؟ قيل: إن الحكمة هي التفنن في العبارة؛ يعني تغيير اللفظ مع اتحاد المعنى أحيانًا يكون من البلاغة. وقيل: إن الحكمة من ذلك أن النور لا يمكن أن يقوم إلا بغيره؛ مثلًا نور الشمس الآن لا يمكن أن يتبين إلا إذا كان هناك جسم قابل له؛ ولذلك ما بيننا وبين الشمس ظلمة ما فيه نور؛ لأن النور لا يمكن أن يظهر أثره إلا أن يكون مقابَلًا بجسم. تجدون الآن الفرق بين أن تقابل الشمس جسمًا قابلًا للحرارة وجسمًا غير قابل، وقسمًا قابلًا لنصاعة البياض، وقسمًا غير قابل؛ لأن النور لا يمكن أن يكون قائمًا بنفسه، ولا يتبيّن إلا إذا كان منعكسًا على جسم، فهذا هو الحكمة من قوله: ﴿وَجَعَلَ﴾. حكمة أخرى: أن الظلمات والنور تكون حسية ومعنوية، أليس كذلك؟ ظلمة الليل ما هي؟ * طالب: حسية. * الشيخ: حسية، ظلمة الجهل؟ * الطلبة: معنوية. * الشيخ: ظلمة الجهل معنوية، كذلك النور، نور النهار؟ حسي، نور العلم والإيمان؟ معنوي، ومن نور العلم والإيمان استنارة القلب بكلام الله عز وجل، وكلام الله تعالى غير مخلوق مع أن القرآن يسمى نورًا كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤] واضح؟ فلذلك عبّر الله عز وجل بالجعل؛ لأنه يتعلق بالمخلوق وغير المخلوق. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام ١] ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف معروف، ويفيد العطف والتراخي، وإن شئت قل: يفيد الترتيب والتراخي؛ فيكون معنى الآية: ثم مع ظهور هذا الأمر؛ وهو خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور مع هذا الذين كفروا بربهم يعدلون مع ظهور الآيات، ولا شك أن كفر الكافرين مع ظهور الآيات أشد في اللوم والتوبيخ ممن ليسوا كذلك. وقوله: ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾، ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ هل نجعلها متعلقة بـ﴿كَفَرُوا﴾ أو متعلقة بـ﴿يَعْدِلُونَ﴾؟ التركيب محتمل أن تكون ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أي: يعدلون به غيره، ويحتمل أن تكون الذين كفروا منفصلة عن قوله: ﴿بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ويكون الذين كفروا يعدلون بربهم؛ أي: يجعلون غير الله معادلًا لله تبارك وتعالى. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ١ - ٣]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ سبق تفسير هذه الجملة كلها. ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ إلى هنا وقفنا. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ثم بعد هذه الآيات العظيمة الظاهرة البينة الذين كفروا يعدلون بربهم أي: يعدلون به غيره؛ أي: يجعلونه عديلًا له، ندًّا له. وفي قوله: ﴿كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ هل الجار والمجرور ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بـ﴿كَفَرُوا﴾ أو بـ﴿يَعْدِلُونَ﴾؟ الأَوْلَى أن يكون متعلقًا بـ﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ لأن هذا هو المعنى المطابِق، أما ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فمعروف أن المراد كفروا بربهم، وإنما قُدِّم على عامله مراعاةً لفواصل الآيات؛ لأن الفواصل إذا جاءت متناسقة فإن ذلك يكون ألذّ على السمع وأقبل للنفس، وأتى بـ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي؛ يعني أنه بعد أن تأملوا ونظروا وعلموا كفروا والعياذ بالله، وعدلوا به غيره فجعلوا له أندادًا. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أولًا: ثناء الله على نفسه، بل حمد الله تعالى نفسه أن خلق السماوات والأرض، وهذا حمد عند ابتداء الخلق؛ أي: خلق السماوات والأرض، هناك حمد آخر عند انتهاء الحمد، كما في آخر سورة (الزمر) حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥] (قيل): أي قاله كل العالم، الحمد لله رب العالمين. وحمد نفسه تبارك وتعالى على تنزهه من كل عيب ونقص وكبريائه وعظمته، فقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء١١١]، وحمد نفسه تبارك وتعالى على إنزال القرآن الكريم فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ١، ٢] فالله تعالى يحمد نفسه عند الأمور العظيمة؛ لأن هذه الأمور العظيمة تُوجِب للعبد المتأمل أن يحمد الله عز وجل على كمال صفاته، وعلى كمال إفضاله وإنعامه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن خالق السماوات والأرض هو الله عز وجل خلق السماوات والأرض، ولا أحد ادعى أنه يخلق السماوات والأرض حتى المشركون لو سُئلوا: من خلق السماوات والأرض؟ لقالوا: الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات مخلوقة وليست أزليّة؛ لقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فيكون في ذلك رد على الفلاسفة الذين قالوا بقِدَم هذا العالم، وأنه أزلي، فإن قولهم هذا مردود بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات جمع؛ لأنها جُمعت، وكم عددها؟ سبع سماوات بنص القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: التفريق بين ذكر السماوات والأرض حيث تُذكر السماوات جمعًا والأرض مفردة؛ وذلك لأن السماوات أعظم من الأرض بكثير لا من جهة ارتفاعها ولا سعتها ولا شيء، كل ما في السماوات فهو أعظم مما في الأرض؛ قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ إلى آخره [النازعات: ٢٧، ٢٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يُعبَّر بالمفرد ويُراد به الجنس، فيعُم ما كان زائدًا على المفرد؛ لقوله: ﴿وَالْأَرْضَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما قد يُؤخذ منها أن من ملك ظاهر الأرض فقد ملك أسفلها حتى لا يُقال: إنه ليس لك إلا أرض واحدة، فلا تملك الأرض إلى تخومها، وقد قرّر هذا العلماء -رحمهم الله- فقالوا: إن مالك الأرض يملكها إلى الأرض السابعة، وعلى هذا دل الحديث أن النبي ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، واللفظ له من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التعبير المختلف بين خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، فإن لقائل أن يقول: لماذا اختلف التعبير؟ هل هو مجرد اختلاف لفظ أو هناك فرق؟ لننظر (جعل) تأتي بمعنى (خلق) لا شك، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء ١]، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف ١٨٩] فدل ذلك على أن (خلق) و(جعل) معناهما واحد، وعلى هذا فيكون التفريق هنا لمجرد اختلاف اللفظ فقط. وقيل: بينهما فرق؛ فالخلق إنشاء لذات المخلوق، وأصل المخلوق، والظلمات وصف في المخلوق، وكذلك النور؛ ولهذا لا تجد للنور جسمًا يُشاهَد أبدًا، انظر إلى النور لا يظهر إلا على سطح، أما في الفضاء فلا يظهر النور، وما نشاهده أحيانًا من السهم الأبيض إذا ضربنا بشيء له قوة نفوذ على الضوء، ليس هذا النور، لكنه انعكاس لذرات صغيرة في الفضاء، وليس هو النور بل هو انعكاس لهذا، فلما كان النور والظلمة ليسا شيئًا محسوسًا، وإنما يظهران في غيرهما عبَّر عنهما بكلمة (جعل)، وهذا لا شك أنه أبلغ من أن نقول: إنه ليس بينهما فرق، وإنما اختلف اللفظ فقط. * من فوائد هذه الآية الكريمة: ما يحصل من جمع الظلمات وإفراد النور، بعضهم قال: إن النور أفرد؛ لأنه شيء واحد، النور نور، والظلمات جمعت؛ لأنها تختلف باختلاف الجرم، الجرم الذي حصلت به الظلمة؛ فمثلًا لو كان معك زجاجة مشمّعة وجعلتها بين اللمبة وبين الأرض صار هناك ظلمة أو لا؟ * الطلبة: نعم. * الشيخ: لكنها خفيفة، وإذا جعلت شيئًا ثخينًا صار ظلمة سوداء بينة؛ فلذلك جُمعت الظلمات من أجل أن الظلمة تختلف بحسب الجسم الذي أوجدها أو الذي وُجدت به فجمعت. وبعضهم قال: لأن الظلمات هي الأصل والنور طارئ عليها، والظلمات معروفة أنها تختلف؛ فمثلًا الظلمات في وقت تكون السماء فيه ملبّدة بالغيوم ليس كما إذا كانت السماء صحوًا، الظلمات في قاع البحر ليست كالظلمات في سطح البحر، وهلم جرًّا، هذا إذا قلنا: إن المراد بالظلمات والنور ما كان حسيًّا منهما، أما إذا قلنا -وهو الصحيح كما قررناه-: إنه يشمل الظلمات الحسية والمعنوية، وكذلك النور الحسي والمعنوي فالأمر ظاهر؛ لأن شعب الكفر كثيرة، والإيمان شيء واحد، وفروعه مجرد فروع، وإلا أصله ثابت، فإن صراط الله تعالى أيش؟ واحد، والطرق الأخرى متعددة، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]. * من فوائد هذه الآية: سفه الكفار، وأنه لا عقول لهم، وجهه أنه بعد ظهور هذه الآيات العظيمة، عدلوا بالله عز وجل، جعلوا له عديلًا وندًّا، وهذا يدل على سفههم وإن كانوا أذكياء، ويؤيد هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]؛ وبأن الله تعالى دائمًا ينعى على الكفار فقدهم العقل أكثرهم لا يعقلون، والآيات في هذا كثيرة، وهذا هو الحق أن الكفار ليسوا عقلاء، والمراد بنفي العقل هنا نفي عقل التصرف، ما هو عقل الإدراك؟ هم عقلاء من جهة الإدراك، ولهذا تلزمهم الطاعات ويلزمهم الإسلام، لكنهم ليسوا عقلاء من حيث التصرف، بل هم سفهاء؟ وما أحسن ما قال شيخ الإسلام رحمه الله عن المتكلمين قال: إنهم أوتوا فهومًا ولم يُؤتوا علومًا، وأوتوا ذكاءً ولم يؤتوا زكاءً، هم عندهم فهم، لكن ما عندهم عِلم، عِلم يعني بالشريعة، وعندهم إدراك، لكن ما عندهم عقل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ربوبية الله تعالى عامة للمؤمن والكافر كذا؛ لقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ فجعل نفسه ربًّا لهؤلاء، ولا إشكال فيه، لكن هذه الربوبية العامة، هناك ربوبية خاصة بالمؤمنين تقتضي الكلاءة، والعناية، والحفظ، والتربية، وقد اجتمع النوعان في قول سحرة فرعون: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فالأولى عامة، والثانية خاصة.

الأنعام 6:2

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام ٢] لما ذكر خلق السماوات والأرض ثنّى بخلقنا نحن، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، والطين هو التراب المبلول بالماء أو المخلوط بالماء، وهو معروف، وذلك بخلق أصلنا، وهو آدم، أما الإنسان فقد خُلق من ماء مهين من النطفة، لكن آدم خُلق من طين. ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام ٢] أي: قدَّر أجلًا انقضى وانتهى. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام ٢] ﴿مُسَمًّى﴾ أي: معلوم عند الله، وهنا الأفضل أن تقف ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾، ولا تصل؛ لأن الوصل قد يُشعِر بالتناقض؛ وجهه أن الأول: منصوب ﴿قَضَى أَجَلًا﴾، والثاني: مرفوع، والحكم أيضًا مختلف كما سيتبين -إن شاء الله- في الفوائد. ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ عند الله؛ وهو قيام الساعة، فإن هذا مما يختص الله به عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٦٣] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف ١٨٧]، هذا عند الله لا أحد يعلمه، ولا أحد يعلم عن انقضائه، أما الأجل الأول فنحن نعرف انقضاءه إذا وجدنا الرجل أنشأه الله، ثم أماته انقضى الأجل أو لا؟ قضى الله أجله وعرفناه، لكن الأجل المسمى المعلوم عند الله عز وجل يختص الله بعلمه. ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد أن عرفتم أنكم خُلقتم من طين، وأن الآجال تنقضي بعلم منكم وأجل آخر غير معلوم بعد هذا ﴿تَمْتَرُونَ﴾، والامتراء هو الشك أي: تشكون في البعث، فانظر الآن كيف ذكر في الآيات الأولى شرك هؤلاء بربهم؛ يعني الكفار، ثم ذكر نوعًا آخر، وهو الكفر باليوم الآخر؛ لأن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن بني آدم حادث بعد أن لم يكن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [البقرة ٢٩]، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١] ﴿هَلْ﴾ بمعنى (قد)، فمن عمره عشرون سنة هو قبل إحدى وعشرين سنة، نعم، لم يكن شيئًا مذكورًا فأوجده الله، ففيه دليل على حدوث بني آدم، وأنهم مخلوقون من العدم. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أصل بني آدم، وأنهم من الطين، والطين من أين؟ من الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه ٥٥]. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وبين قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ [الحجر ٢٦] وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]؟ فالجمع بينهما سهل؛ وذلك أن أصل بني آدم تراب صُبَّ عليه الماء فصار طينًا، بقي زمنًا مدة طويلة فصار صلصالًا؛ لأنه يسود، وإذا صُنع منه الشيء صار صلصالًا له صوت، إذا ضربته بأصبعك صار له صوت، فلا خلاف ولا تناقض. واعلم أنه لا يمكن أن يقع التناقض بين دليلين قطعيين أبدًا؛ لأنه لو وُجد تعارض بينهما لم يكونا قطعيين؛ لأن القطعي؛ يعني أن غيره لا يمكن، فلا يمكن التعارض بين دليلين قطعيين أبدًا، لا في القرآن، ولا في السنة، ولا فيما بين القرآن والسنة، ولا بين الأدلة العقلية والنقلية، هذا لا يمكن؛ لأنه لو تصورنا هذا فأحدهما قطعًا غير صحيح؛ إذ إن الدليلين القطعيين النسبة بينهما التناقض والنقيضان أيش؟ لا يجتمعان ولا يرتفعان، لا بد من وجود أحدهما، ولا يمكن أن يجتمعا، ولا أن يتفقا. فإذا تراءى لك التعارض بين دليلين قطعيين فاعلم أن الخطأ من فهمك، وأنه يمكن الجمع بينهما، وإما ألا يكون أحدهما قطعيًّا، ويكون الحكم لأيش؟ للقطعي، أما إذا كانا ظنيين فيمكن التعارض، وحينئذٍ يُنظر للترجيح. إذا كان في القرآن ما ظاهره التعارض على وجه قطعي فاعلم أن هذا أيش؟ لا يمكن أبدًا، فإما أن تكون الدلالة غير قطعية، وإما أن يكون الحكم منسوخًا، أما أن يبقى الحكم والدلالة قطعية في الآيتين مثلًا فإن ذلك لا يمكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم لله عز وجل وحده؛ لقوله: ﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، ولا أحد يُغيّر في هذه الآجال. * ومن فوائدها: أن من مات مقتولًا فقد مات بأجله الذي قدّره الله له؛ لأن الله قضى، لا يقال: لولا أنه قُتل لم يمت، هذا مستحيل؛ لأن الله قضى أن يموت بالقتل؛ فهو مقتول بأجل. لو قال قائل: لولا أن هذا الرجل قتل مثلًا الساعة الثانية عشرة من النهار لأمكن أن يتغدى الساعة الواحدة، ماذا نقول؟ نقول: لا يمكن أبدًا؛ لأن الله قضى هكذا، فلا بد أن يقع، فكل ميت ميت بأيش؟ بأجله المقدر له، ما يتقدم ولا يتأخر، لكن السبب قد يتقدم ويتأخر بحسب نظر الإنسان. كما أن طول العمر بصلة الرحم أيضًا مقضي، لا يمكن أن نقول: لو كان هذا عاقًّا لمات قبل أن يموت إذا كان واصلًا ليش؟ لأننا قلنا: إن الله قدر أن يكون واصلًا، وأن يتأخر عمره، قضى الله أجلًا، ولا يمكن أن يتأخر. * من فوائد الآية الكريمة: أن الأجل المعلوم -الذي هو الساعة- عند الله عز وجل، لا أحد يصل إلى العلم به، وهذا أمر متفق عليه بين المسلمين؛ حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأله جبريل، وجبريل أفضل الملائكة، ومحمد أفضل البشر، سأله عن الساعة فقال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. فإذا كان هذان الرسولان الكريمان لا يعلمان متى الساعة، فَمَن دونهما من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النداء بالبلاهة والغفلة لأولئك القوم الذين عرفوا أصلهم ومنشأهم فيمترون ويشكون في الأجل المسمى عند الله وهو يوم القيامة. في سورة الجاثية احتج الذين ينكرون البعث و﴿قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، فماذا تقولون في هذه الدعوى؟ غير صحيحة؛ لأن الذين أخبروا بالقيامة ما قالوا: الآن يبعثون، لم يأتِ الوقت بعد، لكن هذا من باب التشبيه الذي يُقصد به إضلال الخلق.

الأنعام 6:3

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام ٣]. قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ علَم على الرب عز وجل، لا يكون لغيره، وهذا متفق عليه بين المسلمين. وهو علَم مشتق من أين؟ من الألوهية، وأصله (الإله)، واعلم أن جميع أسماء الله مشتقة كما هو ظاهر ما فيه اسم جامد لله عز وجل أبدًا. وقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بالاسم؛ لأننا قلنا لكم الآن: إن هذا الاسم مشتق، والمشتق يحوز التعلق به كما قال ناظم القواعد؛ قواعد الجمل: لَا بُـــــــــدَّ لِلْجَــــــار مِــــــــنَالتَّعَلُّـــــــــقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِـــــــــــــــــــي إذن ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلقة بلفظ الجلالة؛ لأنها مشتقة، والمشتق يجوز تعلق الجار والمجرور به، ولكن ما معنى ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾؟ المعنى أنه على السماوات، وليس المراد أنه فيها وهي محيطة به؛ لأن هذا مستحيل؛ فالله تعالى أكبر من كل شيء، أو نقول: إن المراد المعنى ليس الذات؛ المعنى بمعنى أنه مألوه في السماوات يتألّه إليه أهل السماء. وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ الواو حرف عطف و﴿الْأَرْضِ﴾ معطوفة على السماوات، فيكون المعنى الله في السماوات وفي الأرض؛ أي: مألوه أيش؟ في السماوات وفي الأرض، فتكون هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤]. وعلى هذا التفسير لا إشكال فيه أن الله تعالى إله في السماوات وفي الأرض أيضًا. وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها وقف على السماوات، وهذا على جعل الله علمًا على الذات دون المتعبّد لله؛ يعني معناه أن الله في السماوات كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦]. ثم استأنف فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فتكون ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلقة بما بعدها بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾؛ أما على الوجه الأول فمعنى الآية ظاهر أن الله مألوه في السماوات ومألوه في الأرض، كما أنه خالق السماوات والأرض فهو مألوه في السماوات والأرض، ويراد بذلك إثبات الألوهية في السماوات والأرض كما ثبتت أيش؟ الربوبية؛ لأن الخلق من مقتضيات الربوبية، هذا لا إشكال فيه. المناسبة على القول الثاني أن المعنى أن الله ذاته لا من يألهه، أن الله ذاته في السماوات، فيكون المناسبة أنه ليس كونه في السماوات مع بعدها الشاسع بمانع عن علمه بِكُم وأنتم في الأرض، فهو في السماوات، ومع ذلك في الأرض يعلم سركم وجهركم، فهمتم الفرق بين المعنيين؟ المعنى الأول؛ وهو الله في السماوات وفي الأرض أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض؛ بمعنى أن من في السماوات يتألهه، ومن في الأرض يتألهه، نظيرها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف ٨٤]. المعنى الثاني يقول: إن الله نفسه في السماوات؛ أي: عليها، ومع ذلك يعلم سركم وجهركم في الأرض فليس بُعده بمانع من علم السر والجهر منكم في الأرض. إذن المعنى الثاني ما فيه ذكر للألوهية، لكن فيه ذكر للإحاطة إحاطة الله بنا عز وجل وإن كان في السماوات. وهذا يفسّره قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، أين التحاور الذي وقع؟ في الأرض، والله تعالى في السماء، فتكون هذه الآية آية ﴿قَدْ سَمِعَ﴾ كالتفسير لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾. وقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي: ما في الصدور، والإسرار نوعان؛ إصرار في النفس، وإسرار مع الغير؛ فمثلًا إذا حدّث الإنسان نفسه بشيء في نفسه هذا إسرار مع النفس، وإذا حدث غيره سرًّا لا يسمعه من بجانبه، فهذا إسرار مع الغير، ولهذا نسمي القراءة في الظهر والعصر مثلًا نسميها أيش؟ سرية، مع أنه ينطق الإنسان ويُسمع نفسه، ومع ذلك نسميها سرًّا، ونسمي ما حدَّث به الإنسان نفسه، نسميها سرًّا؛ إذن فالسر يشمل المعنيين جميعًا، يعلم ما نُسر في نفوسنا ولا نظهره لأحد، وما نخبر به الغير على وجه خفي لا يسمعه الآخرون. ﴿وَجَهْرَكُمْ﴾ أي: ما تجهرون به وتعلنونه. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ يعني يعلم كسبكم من خير وشر ودين ودنيا، وعلم وغيره، كل ما يحصل فالله عالم به جل وعلا، لا يخفى عليه، نسأل الله أن يعاملنا بعفوه. * الطالب: كما يقال، الذين يقولون: إن الله موجود في كل مكان، يستدلون بمثل هذه الآية، وبمثل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة ٧]، وبقول النبي ﷺ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوْ سَاجِدٌ»[[أخر جه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]] بمثل هذه الأدلة يقولون: إن الله في كل مكان، فكيف نرد عليهم؟ * الشيخ: نعم، نرد عليهم بكل سهولة: أولًا نقول: أنتم الآن اتبعتم المتشابه؛ يعني أن في الآيات احتمالًا لما قالوا فهو متشابِه، وتركتم الآيات المحكمات في أن الله تعالى بائن من خلقه فوق خلقه، تركتموها فأنتم من القسم الثاني ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران ٧]، فإذا قالوا مثلًا هذه الآية، نقول: هي مثل قول الإنسان، فلان أمير في مكة والمدينة؛ يعني أن إمرته ثابتة في مكة والمدينة، وليس المعنى أن هو نفسه في مكة والمدينة؛ لأن هذا مستحيل، أليس كذلك؟ إذن ألوهية الله في السماوات وفي الأرض، وليس هو في السماوات ولا في الأرض، تمام؟ أما المعية فالمعية نقول: إنه لا تتنافى مع العلو حتى في المخلوقات ما تتنافى مع العلو؛ فاللغة العربية يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا، أو ما زلنا نسير والقطب معنا، وهو كلام سائغ رائج، فيكون معنى أن الله معنا يعني أنه مُطّلع علينا وإن كان بعيدًا، فإذا كان يمكن اجتماع العلو والمعية بحق المخلوق فاجتماعهما في حق الخالق من باب أوْلَى. * الطالب: الله موجود في كل الوجود مسألة (...). * الشيخ: في كل الوجود؟ حرام؛ أولًا: لأن الله في كل الوجود ما يستقيم هذا، إلا إذا أرادوا بالوجود اللي هو المعنى أرادوا اسم المفعول، فيكون الله موجود في كل موجود هو مذهب الحلولية تمامًا. * الطالب: شيخ -بارك الله فيكم- كيف نرد على الصوفية الذين يقولون: إذا قلتم: إن الله عز وجل مستوٍ على العرش فأين هو قبل ذاك؟ (...) في الأرض؟ * الشيخ: لا، الصحابة سألوا الرسول فقال: «كَانَ فِي عَمَاءٍ»[[أخرجه الترمذي (٣١٠٩)، وابن ماجه (١٨٢) من حديث أبي رزين.]] والعماء يعني الغيم الخفيف؛ هو السحاب الخفيف. * الطالب: في السماء يعني؟ * الشيخ: في السماء، وهؤلاء كلهم الذي يحملهم على هذا هو أنهم ظنوا أن الرب عز وجل تحيط به المخلوقات، وأنه مثل الإنسان، لكن لو قدروا الله حق قدره، وعلموا أن الرب عز وجل أكبر من كل شيء، ولا يمكن لأحد أن يتصوره، ولهذا قال بعض أهل العلم عبارة طيبة قال: تفكّروا في آيات الله، ولا تتفكروا في ذات الله. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام ٣ - ٦]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾، فما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق ٥، ٦]؟ * طالب: قلنا: الطين خلق منه آدم. * الشيخ: من ماء دافق؛ يعني هذا باعتبار الأصل، الطين باعتبار الأصل، وهذا باعتبار الفرع المتولّد من الأصل. ما الجمع بين قوله هنا تبارك وتعالى: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ وقوله في آية أخرى: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩]؟ * الطالب: أن التراب إذا صُبّ عليه الماء يكون صلصالًا. * الشيخ: صار طينًا. * الطالب: نعم. * الشيخ: يعني معناها أن التراب هو الأصل، فإذا صُبّ عليه الماء صار طينًا، فإذا بقي مدة صار صلصالًا. هل يمكن التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة؟ أجب؟ * طالب: لا يمكن. * الشيخ: ويش هو اللي ما يمكن؟ * الطالب: التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة ما يمكن. * الشيخ: لا يمكن، لماذا؟ * الطالب: لأنه إذا حصل تعارض آيتين قطعيتي الدلالة يكون تعارضًا بين الأحكام من الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يكون. * الشيخ: يكون جمعًا بين النقيضين، وهذا مستحيل. طيب، لو ورد على إنسان مثل هذا؛ يعني ظن التعارض بين آيتين قطعيتي الدلالة؟ * طالب: يكون قصورًا في فهمه. * الشيخ: نعم، نقول: هذا دليل على قصور فهمه أو علمه، فعليه أن يرجع مرة ثانية للتدبر حتى يتبين له أنه لا تعارض؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ألوهية الله ثابتة في السماوات والأرض، يألهه من في السماوات ومن في الأرض؛ لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يعلم السر والجهر، يعلم ما يسر به الإنسان وما يجهر به، والإسرار تارة يكون إسرارًا في النفس، وتارة يكون إسرارًا مع الغير بصفة خاصة، والجهر هو الإعلان الذي لا يخفى؛ فالله يعلم السر سواء مع النفس أو مع الغير بصفة خاصة أو الجهر. * من فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علم الله تبارك وتعالى؛ عموم علمه؛ لأن قوله: سرّكم يشمل كل أحد، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه ٩٨] والآيات في هذا المعنى كثيرة. * ومنها: ما يترتب على إيماننا بأن الله يعلم السر والجهر مع إيماننا بهذا يقتضي ألا نخالف أمر الله عز وجل بترك واجب، أو فعل معصية؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يعلمه، ولو لم يثمر العلم هذه الثمرة الجليلة لكان علمنا لا فائدة منه. وانتبه لهذه المسألة؛ إن كثيرًا من الناس لا يعتني بالفوائد المسلكية المترتبة على أسماء الله وصفاته، وهذا أمر لا بد منه، هذا هو الثمرة، فإذا علمت أن الله يعلم سرك وجهرك استحييت منه فلم تترك ما وجب، ولم تفعل ما يحرم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: علم الله تبارك وتعالى بما يكسب؛ أي: بما يكسبه من الأعمال سواء كان كسبًا دنيويًّا أو كسبًا أخرويًّا، فإن الله تعالى يعلمه، لا يخفى عليه، ويترتّب على هذه الفائدة ألا نكسب شيئًا حرّمه الله علينا.

الأنعام 6:4

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام ٤] (ما) نافية. وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا وليست زائدة معنى؛ لأن لها معنى؛ وهو توكيد النفي؛ فإنها تحوّل النفي الذي يحتمل العموم والخصوص إلى كونه للعموم، فهي تحوّل الجملة المنفية إلى نص في العموم، مثل (لا) النافية للجنس فإنها نص في العموم. كيف نعربها إذا قلنا: إن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا؟ نقول: ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿آيَةٍ﴾ فاعل (تأتي) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بأيش؟ بحركة الحرف الزائد، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِير﴾ [المائدة ١٩] فإن ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، و﴿بَشِيرٍ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. وقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ الآية هي العلامة، لكنها أخص من العلامة؛ لكونها نصًّا في الدلالة، العلامة قد تكون أقل من ذلك، لكن الآية نص في أنها علامة على ما جاءت من أجله، وآيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين؛ كونية، وشرعية كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد. ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا لبيان الجنس وليست كالأولى؛ فهي لبيان الجنس؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَةٍ﴾؛ لأن الآية قد تكون من عند الله، وقد تكون من عند غيره، لكن من آيات ربهم. وقوله: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أي: خالقهم، ومالكهم، ومدبرهم؛ لأن الربوبية تشمل هذه المعاني الثلاثة؛ وهي خالِق ومالِك ومدبّر، هذه الذي تقتضيه الربوبية. ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ هذه إثبات للنفي؛ يعني ما تأتيهم إلا كانوا عنها معرضين؛ معرضين عن تدبرها، وعمَّا تدل عليه، فكأنهم لم يروا الآيات؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧] إذن معرضين عنها بأيش؟ بوجوههم أو بقلوبهم؟ الجميع، يشمل هذا وهذا، قد يقال له: تعالَ انظر آية الله فيُعرض ولا ينظر، وقد يرى، ولكن يُعرض عن التأمل في القلب؛ لأنه -والعياذ بالله- محجوب عن الخير، فلا يحب أن يصل إليه. * في هذه الآية من الفوائد: بيان عتو هؤلاء المكذبين؛ وجه ذلك أنه لا تأتيهم أي آية إلا كانوا عنها معرضين، وقد طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم آية، فأراهم انشقاق القمر؛ أشار إلى القمر انفلق فرقتين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٤) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وشاهده الناس، وقد أشار الله إليه في قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١]، وهو انشقاق حسي، والمراد بالقمر القمر المشاهَد المعروف. وقد أنكر الفلاسفة وعلماء الفلك أن القمر انشق، وقالوا: لا يمكن؛ لأن الأجرام السماوية لا يمكن فيها التفكّك، فهل نقبل قولهم ونرد الأحاديث الصحيحة المشهورة المستفيضة، أو نرد قولهم؟ * الطلبة: الثاني. * الشيخ: الواجب على المؤمن الثاني؛ أن يرد كل قول يخالف الكتاب والسنة مهما كان قائله، فهو سبحان الله كيف نقول: يستحيل أن تتغير الأجرام السماوية والذي يغيرها من؟ الله عز وجل، خالقها، يفعل ما يشاء وهو انشقاق حسي للقمر المعلوم الحسي، وليس كما قال علماء الفلك، وحرّفوا من أجله الكتاب والسنة، وقالوا: إن أخبار الانشقاق أخبار أحادية تحتمل التأويل أو الرد، وأما القرآن فمعنى انشق القمر أي بان نور النبوة، وهذا غلط، ما هو صحيح. فإن قال قائل: قريش رأت هذه الآية، والله سبحانه وتعالى قضى بأن من أُوتوا الآية التي يطلبونها ولم يؤمنوا أهلكهم، فكيف لم يهلك الله قريشًا؟ * طالب: لم يطلبوا الآية نفسها. * الشيخ: نعم، الجواب عن هذا أن الذين يهلكون هم الذين يطلبون آية معينة، فإذا أتوا بها وكفروا بها أهلكهم الله؛ لأنهم يكونون متحدين لله عز وجل، وأما من يطلب آية عامة وتُعيَّن من قِبل الله، فهؤلاء لا يهلكون. ويحتمل وجهًا آخر؛ أن نقول: إن هذا العموم يجوز أن يُخصّص، فيكون الله سبحانه وتعالى لم يُهلكهم؛ لأن الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما جاءه ملك الجبال يقول له: «إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَيْهِمْ» وهما الجبلان العظيمان المحيطان بمكة، ولكن النبي ﷺ قال: «لَا أَسْتَأْنِي بِهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة.]]. ويكون عدم إهلاك قريش لما يعلمه جل وعلا من أن هؤلاء سيكون من أصلابهم المخلصون لله المجاهدون في سبيل الله، وقع هذا أو لم يقع؟ * طلبة: وقع. * الشيخ: وقع بلا شك، فإما أن يكون الجواب كما قال الأخ، وإما أن يكون الجواب ما ذكرناه. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى حكيم رحيم، وذلك لكونه يأتي بالآيات للخلق، فإن هذا من الحكمة الواضحة؛ لأنه ليس من المعقول أن يأتي رجل ويقول للناس: إنه رسول، ويستبيح دماء من لم يُؤمن به وأموالهم وذرياتهم ونساءهم بدون أن يكون هناك آية تدل على صدقه؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ» - يَعْنِي بَعَثَهُ اللَّهُ- «إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]. لا بد، هذه من جهة الحكمة. من جهة الرحمة؛ أن الله رحم الخلق بكونه إذا أرسل إليهم الرسل آتاهم الآيات الدالة على صدقهم، ولو شاء لأرسل رسلًا بدون آيات، ثم من كذب أخذه، لكن تأبى حكمته ورحمته أن يرسل رسلًا بلا آية. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية للكفار؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، وهذه الربوبية العامة، وربوبية الله عز وجل تنقسم إلى عامة وخاصة، فربوبيته لأوليائه خاصة، ولأعدائه وأوليائه جميعًا عامة بإزاء ذلك العبودية تنقسم إلى أيش؟ عامة وخاصة؛ فالعامة كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، والخاصة مثل قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١] والأمثلة كثيرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطر الإعراض عن الآيات، وأنه يُخشى على مَن أعرض عن الآيات ألا يهتدي لها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾. ويدل لهذا -أي لخطر الإعراض عن الآيات- قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام ١١٠]، والكاف هنا للتعليل ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وهذه مسألة خطيرة في الواقع، يجب على طالب العلم أن يجعلها نصب عينيه، إذا كان يمشي على طريق معين، وجاءت النصوص دالة على خلافه، فإن بعض الناس قد يتلكأ ويحاول أن يحرّف النصوص التي تخالف طريقه، وهذا خطر عظيم، بل الواجب على المؤمن أن يستسلم للنصوص من حين أن تأتيه كما كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلون هذا، مجرد ما يأمر الرسول بشيء يفعلونه، مجرد ما ينهى عن شيء يتركونه، فكون الإنسان يتلكأ أول ما يأتيه الحق خطر عظيم، والآية واضحة في سورة الأنعام: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام١١٠]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩].

الأنعام 6:5

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام ٥]. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ الفاء عاطفة، و(قد) تفيد التحقيق، في الفعل الماضي هو الأغلب أنها تفيد التحقيق، في الفعل المضارع الأغلب أنها تفيد التقليل؛ كقولهم: قد يجود البخيل، وقد يصدق الكاذب، لكنها قد تأتي للتوكيد حتى في المضارع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب ١٨]. فـ(قد) هنا أيش؟ للتوكيد لا شك، لكنها تفيد الاستمرار؛ أي: قد يعلم هذا في الحاضر والمستقبل. قوله هنا: (قد كذبوا) للتحقيق. ﴿كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الحق ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فكله حق؛ لأنه من عند الله، والحق هو الشيء الثابت؛ إن كان خبرًا فبوقوعه وإن كان حكمًا فبثبوته، وضده الباطل؛ ففي الأخبار الباطل فيها الكذب، وفي الأحكام الباطل فيها ما خالَف الشريعة هنا، كذبوا بالحق لما جاءهم نقول: الحق ما جاءت به الرسل من أخبار صادقة وأحكام عادلة. ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ﴿لَمَّا﴾ بمعنى (حين)؛ أي: حين جاءهم، واعلم أن ﴿لَمَّا﴾ لها معانٍ؛ فتأتي بمعنى (حين)، فتكون ظرفية كما في الآية، وتأتي شرطية فتشارك (إن) في الشرط، مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس٧٦]، فهي شرطية، وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]؛ يعني إلا عليها حافظ، وتأتي نافية تجزم الفعل المضارع، كما في قول الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨] بمعنى أيش؟ بمعنى (لم)، لكنها تفيد قرب مدخولها ليست (لم) للنفي المطلق، أما (لما) فإنها للنفي، لكنها تفيد قُرب مدخولها، تقول مثلًا: فلان لم يقم، هذا نفي مطلق، وتقول: لَمّا يقم فلان، هذا نفي؛ يعني إلى الآن ما قام، لكنه سيقوم عن قُرب. في الآية الكريمة التي نقرؤها الآن: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، ماذا نعربها؟ ظرف بمعنى (حين)، وفي هذه الحال تكون مبنية؛ لأنها حرف في الواقع، ما هي مشابهة للحرف، وأصل البناء -كما عرفتم- هو مشابهة الاسم للحرف، لكن هذه نفسها حرف، فتكون ظرفًا، لكنها مبنية على السكون في محل نصب بمعنى (حين). ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ﴾ الفاء عاطفة، ويحتمل أن تكون للسببية أيضًا. ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: سوف يأتيهم الْمَخْبَر الذي أخبروا به، الأنباء أتتهم من قبل، لكن المراد يأتيهم عقوبة الأنباء التي كانوا يستهزئون بها. ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يتخذونه هزوًا ولعبًا وضحكًا، وكما نعلم جميعًا أن الكفار يتخذون الدين هزوًا، وأنهم يتخذون أهل الدين هزوًا أيضًا، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين ٢٩ - ٣١]. فقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يشمل استهزاءهم بالدين، واستهزاءهم بالرسل وبأتباعهم، بل وبالله عز وجل سيجدون هذا. نرجع إلى الفوائد. * من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء مع تواتر الآيات عليهم كذبوا بالحق ولم يستجيبوا له، والتكذيب بالحق بعد مجيئه أشد من التكذيب به قبل أن يأتي بحيث يسمع الإنسان عنه، ولكنه لم يتأكد، فإن هذا الذي أتاه الحق وكذَّب به يكون تكذيبه أعظم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الحكم لمن قامت عليه الحجة بمجيء الحق إليه، وأما من لم يعرف الحق فإنه على قسمين تارةً يدين بدين الحق، لكنه لا يعرفه، وتارة يدين بدين الباطل، ولا ينتسب لدين الحق. الأول: الذي يدين بالباطل، لكنه ينتسب لدين الحق، فيصلي، ويُزكّي، ويصوم، ويحج، لكنه يستغيث بالأموات، هذا نقول: إنا لا نحكم بإسلامه إذا لم تقم عليه الحجة. والآخر: لا يدين بدين الإسلام أصلًا، هو لم تبلغه الحجة، ولم يدرِ أنه على ضلال، لكنه يدين بدين غير الإسلام، فكيف نعامله؟ نعامله بأنه كافر؛ ولهذا لو مات أحد الآن لم تبلغه الدعوة من غير المسلمين فإننا لا نصلي عليه، ولا نترحم عليه؛ لأنه يدين بدين غير الإسلام، لكنه في الآخرة أمره إلى الله عز وجل، أما لو كان مسلمًا يدين بدين الإسلام، ويقول: أشهد أن لا إله الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، لكنه يأتي شركًا أكبر لا يدري أنه شرك أكبر، فهذا نعامله معاملة المسلم، نُغسّله، ونُكفّنه، ونصلي عليه، وندفنه معنا ما دام لم تقم عليه الحجة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هؤلاء سوف يُمهلون، ولا يأتيهم العذاب؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فسّرناها. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء كذبوا بالحق بعد أن جاءهم فيكون تكذيبهم أشد قبحًا وأعظم إثمًا؛ ذلك لقيام الحجة عليهم. * ومن فوائدها: تهديد هؤلاء بالعذاب؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب هؤلاء مقرون بالاستهزاء؛ إذ إنهم يسخرون: كيف نُبعث وقد كنا عظامًا ورفاتًا؟! ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥] فسيأتيهم هذا أنباء ما كانوا به يستهزئون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار عندهم عناد والعياذ بالله؛ وذلك أنهم قرنوا كفرهم بالاستهزاء فلم يَسلم الشرع، ولا من جاء بالشرع من استهزائهم.

الأنعام 6:6

قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ الاستفهام هنا داخل على النفي، الاستفهام (ألم) الهمزة داخلة على النفي، وإذا دخلت الهمزة على النفي صار معناها التقرير كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، وكما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]؛ يعني قد شرحنا لك صدرك، وألا يعلم من خلق؛ يعني قد علم من خلق، فإذا أتى حرف النفي بعد همزة الاستفهام فهو للتقرير. وقوله: ﴿يَرَوْا﴾ يحتمل أن يراد بالرؤية هنا الرؤية العلمية، أو الرؤية البصرية؛ فالبلاد التي مرّوا بها مدمرة رؤيتها أيش؟ بصرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، والبلاد التي لم يروها لم يمروا بها تكون رؤيتها علمية يتناقلها أهل الأخبار. وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: أتلفنا، و﴿كَمْ﴾ هنا للتكثير؛ يعني أمم أهلكناهم. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ القرن، بعضهم حدده بمئة سنة، أو أربعين سنة، وبعضهم حدده قال: المراد بالقرن القوم الذين يهلكون مثلًا في خلال سبعين سنة، ربما يهلك هؤلاء الموجودون ويخلفون غيرهم، وعلّلوا ذلك بمثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود.]] قرنه وهم الصحابة في حدود المئة هلكوا. ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. قوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾ الضمير يعود على القرن باعتباره جنسًا؛ أي: مكنا هؤلاء القرون في الأرض. ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ يعني جعلنا لهم ما يتمكنون به، ويثبتون به ما لم نمكن لكم، بل أعظم وأعظم، والسابقون أشد قوة من اللاحقين، وأكثر أموالًا وأولادًا، وعمروا الأرض أكثر مما عمروها. وقوله: ﴿مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ فيه التفات من الغَيْبة إلى؟ أتمّ؟ * طالب: إلى الخطاب. * الشيخ: نعم، إلى الخطاب، وهو الحضور؛ الالتفات يكون من الغَيْبة إلى الحضور، ومن الحضور إلى الغَيْبة، ومن الإظهار إلى الإضمار، المهم له أنواع، وفائدته تنبيه السامع أو القارئ على ما سيأتي من بعد؛ وجه ذلك أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقّف أيش الذي طرأ فيكون هذا الالتفات منبهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾. أو القارئ على ما سيأتي من بعد، وجه ذلك؟ أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة انساب الإنسان معه، لكن إذا اختلف توقف، أيش الذي طرأ؟ فيكون هذا الالتفات منبِّهًا لمن؟ للقارئ والسامع، وهو من أساليب اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية. ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام ٦]، المراد بـ ﴿السَّمَاءَ﴾ هنا المطر، وعُبِّر عنه بالسماء؛ لأنه ينزل من السماء، و﴿مِدْرَارًا﴾ حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، أي: حال كونه مدرارًا يدرُّ عليهم، كلما احتاجت أرضهم إلى الماء نزل الماء. ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾، ﴿الْأَنْهَارَ﴾ يحتمل أنها أنهار الثلوج التي تتسرب من قمم الجبال، ويحتمل أنها الأودية التي تكون من المطر، وسواء هذا أو هذا لا شك أن الأرض ستكون خصبة، وستأكل منها أنعامهم وأنفسهم. ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: أتلفناهم، ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ (الباء) هنا للسببية، أي: بسبب ذنوبهم، والذنوب بمعنى المعاصي. ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، ﴿أَنْشَأْنَا﴾ أي: خلقنا من جديد من بعدهم قومًا آخرين، وهل القوم الآخرون عصوا أو أطاعوا؟ منهم من عصى، ومنهم من أطاع، ولكن الله قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [المؤمنون ٤٤]. * في هذه الآية الكريمة: تهديد المكذِّبين لرسول الله ﷺ أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة، وجه ذلك أن الله قرَّر أنهم قد رأوا الأمم التي أهلكت من قبل. * ومن فوائدها: الاستدلال بالأعلى على الأدنى، وجه ذلك أنهم لما كانوا أقوى من هؤلاء أرسل الله عليهم السماء مدرارًا، وجعل الأنهار تجري من تحتهم، ومع ذلك أهلكهم، فمَن دونهم من باب أولى. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى وغيرته، حيث أهلك أولئك القوم مع ما عندهم من القوة والنَّعْمَة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما يحصل من النعم واندفاع النِّقم فإنه من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الذنوب من أسباب الهلاك، ولكن هل المراد الهلاك الحسي؟ يعني أن يموت الناس، أو يفقدوا الأموال، أو ما أشبه ذلك، أو يشمل الهلاك الحسي والمعنوي الذي هو موت القلوب؟ * طالب: كلاهما. * الشيخ: كلاهما، يعني يشمل هذا وهذا، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فجعل تولِّيهم من أسباب الذنوب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى وسلطانه، حيث يُهْلِك أقوامًا وينشئ آخرين؛ لأن الأمر أمره عز وجل، والملك ملكه، والسلطان سلطانه، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء من إهلاك وإنشاء.

الأنعام 6:7

ثم قال تعالى مبِّينًا عُتُوَّ هؤلاء المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام ٧]، (لو) هنا شرطية، بدليل وجود فعل الشرط وجواب الشرط، أين فعل الشرط؟ ﴿نَزَّلْنَا﴾، وجواب الشرط ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ يعني: كتابًا عاديًّا يدركه الناس. ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ يعني: لم يتخيلوه من بُعد، بل هو بين أيديهم يلمسونه نازلًا من السماء إلى الرسول ﷺ. وقوله: ﴿لَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ إذا قال قائل: وهل هناك لمس بغير اليد؟ فالجواب: إن شئت فقل: نعم؛ لأن الإنسان يمس بقدمه، ويمس بلسانه، ويمس بكل أجزاء جلده، وإن شئت فقل: إن اللمس يكون باليد، لكنها ذكرت اليد هنا من باب التوكيد، كقوله تبارك وتعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام ٣٨]، ومعلوم أن الطائر لا يطير إلا بجناح. ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا الجواب، ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، أين هو؟ ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ولم يقل: لقالوا، إشارة إلى شيئين: الشيء الأول: التسجيل على هؤلاء بالكفر، يعني الحكم عليهم بالكفر. الثاني: أن من قال مثل قولهم فهو كافر. ففيه فائدتان: فائدة متعدية، وفائدة لازمة؛ الفائدة اللازمة: هي الحكم عليهم بالكفر، والمتعدية: أن من قال قولهم فهو كافر. ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، (إن) هنا نافية، بدليل قوله: ﴿إِلَّا﴾، وهي إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي، وقد تكون للنفي وإن لم تأت بعدها (إلا)، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي للنفي. (إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي شرطية مثل: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧]. وتأتي مخفَّفة من الثقيلة، كقوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه ٦٣]؛ لأن أصل ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ أصلها (إنَّ هذان لساحران). وتأتي زائدة، كما في قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ....................... والتقدير: ما أنتم ذهب، لكنها جاء بها زائدة، وهذا ليس بغريب، هذا مما يدل على أن اللغة العربية واسعة، خلافًا لمن قال: إنها ضيقة؛ لأن معانيها أكثر من ألفاظها، نقول: كون الحرف الواحد أو الكلمة الواحدة تأتي بمعنى متعدد هذا يدل على مرونة اللغة العربية، لا على قلة مواردها، ولا شك أنه إذا كانت اللغة مرنة كان ذلك أوسع للمتخاطبين بها، وأيسر عليهم. ﴿إِنْ هَذَا﴾ المشار إليه الكتاب في القرطاس. ﴿إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ السحر: كل شيء خفي يُسَمَّى سحرًا، مأخوذ من السَّحَر الذي هو آخر الليل، والغالب أن آخر الليل يكون خفيًّا، الناس لا يخرجون من بيوتهم، فيكون هناك خفاء في الأمور التي تحدث. لكنه في الاصطلاح: هو عبارة عن عُقَد ورُقًى وأدوية تصدر من الساحر بواسطة الشياطين، كما قال الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾، يعني: ويعلِّمونهم ما أُنْزِل على الملكين ببابل، ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ هذان اسمان لملكين، ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة ١٠٢]. ولذلك كثيرًا ما يكون السحر مرتبطًا بالجن، حتى إنه يتكلم الجني ويقول: أنا لا أستطيع أن أخرج لأني مسحور، لكن إذا أراد الله عز وجل عُثِرَ على السحر وأُتْلِف، ثم برأ المريض. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بَيِّن ظاهر، وذلك لأن (بان) و(أبان) يأتيان بمعنى واحد، تقول: بان الصبح، وأبان الصبح، (أبان) رباعي، و(بان) ثلاثي، (بان) يُقال: بَيِّن، و(أبان) يقال: مُبِين، على أن (أبان) تأتي متعدية، لا بمعنى (بان)، مثل أن تقول: أبان الحق، أبان الأمر لي، بمعنى: أظهره. نرجع إلى هذه الآية. * في هذه الآية: بيان عناد المكذِّبين للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجه ذلك أن الله ذكر أنه لو نزل عليهم كتاب في قرطاس ولَمَسُوه بأيديهم قالوا: هذا سحر، ما هو صحيح. وجه هذا الاستنتاج -مع أنه قد لا يكون من اللائق أن أقول: استنتاج- وجه ذكر الله ذلك عنهم؛ لأنه أتاهم من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، ومع ذلك ﴿إِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [ القمر ٢ ]، فعلم الله من حالهم أنهم لو وصلت بهم الحال إلى هذا؛ كتاب في قرطاس كما عهدوه ولمسوه بأيديهم، قالوا: هذا سحر مبين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الكتاب إذا كان في القرطاس فهو أبين وأظهر، وإلا يمكن يُكْتَب على غير قرطاس، في أيش؟ في اللوح من خشب، في اللوح من عظام، في اللوح من أحجار، في اللوح من جريد النخل، كما كان في أول الأمر، لكن القرطاس أثبت وألين وأسهل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذِّبين لن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية؛ لأن من أعظم الآيات أن ينزل الكتاب يشاهدونه في قرطاس ويلمسونه، ثم ينكرون، ويفسِّر هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، وقال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [القمر ٤ - ٦] وهنا انتبه تقف على: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ولا تَصِل؛ لأنك لو وصلت فسد المعنى، صار المعنى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ متى؟ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾، هذه واحدة. وفي الآية التي بعدها: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ﴾ [ القمر ٩ ] قف لا تَصِل؛ لأنك لو وصلت: ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ صار قوله: ﴿وَازْدُجِرَ﴾ من قولهم، وليس كذلك، لكن ﴿وَازْدُجِرَ﴾ معطوف على ﴿قَالُوا﴾، أي: قالوا: مجنون، وازْدَجَرُوه. ومثل هذه الأشياء في الواقع يا إخوان يجب الإنسان ينتبه لها؛ لأن القرآن الكريم ليس كالكلام الذي نكتبه نحن أو نقوله، نحن نحاول أن يكون الكلام على نسق واحد، لكن في القرآن -سبحان الله- وهو من إعجازه، أنك ترى أحيانًا الكلمة ليس بينها وبين الأخرى صلة، من أجل أن ينتبه المخاطَب أو القارئ، ويتأمل، ويتفكر، وهذه نقطة لا يحس بها كثير من الناس، تجده يقرأ قراءة مرسَلة ولا ينتبه للمواقف. ونحن تعلَّمنا هذا من شيخنا عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله، كان يقوم بنا في رمضان التراويح والقيام، ويقف المواقف اللائقة، فنتعجب كيف هذا! وكنا بالأول نقرؤها نقرأ القرآن مرسلًا ولا نلتفت للمعنى، حتى إن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] هل تقف على ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾؟ تقف؛ لأن الله جعلها موقفًا، فإذا قلت -سبحان الله-: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ كيف؟! قال الشاعر الملحد: مَا قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌ لِلْأُولَى سَكِرُوا ∗∗∗ بَلْ قَالَ رَبُّكَ وَيْلٌلِلْمُصَـــــــــــلِّينَا نقول: نعم، قاله ولكنه ملحد، ما قرأ الآية الثانية، الوقف على: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ فيه فائدة قد لا تظهر لبعض الناس؛ لأنه إذا سُمِع القارئ يقرأ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ وقف، تجده يشوِّش، كيف ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾؟ ثم تأتيه: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، فتكون كأنها الغيث نزل على أرض يابسة، وهذا هو السر في أن الأَوْلَى اتباع الآيات إذا أمكن، تقف على كل آية ولو تعلق ما بعدها فيها. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي الإظهار في موضع الإضمار إذا دعت الحاجة؛ لقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهذا يقع كثيرًا في القرآن الكريم في آيات متعددة، مثل قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [ البقرة ٩٨ ]، ما قال: عدو له، مع أن الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيها مناسبة ثالثة، وهي مراعاة فواصل الآيات، فانظر كيف كان الإظهار في موضع الإضمار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: مكابرة أولئك المشركين الذين يكذِّبون النبي ﷺ بصرفهم الحق إلى باطل، الحق أنه قرآن من عند الله، وهم يصرفونه إلى السحر، هذا السحر الذي قالوه هل هو في بلاغة القرآن، وفصاحة القرآن، وبيان القرآن، أو في كونه أتى بكتاب نزل من السماء فمَوَّه على أبصارهم؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين، يقول: هذا ما هو حقيقة يا محمد، سحرتنا، أو يقولون إنه لبيانه وفصاحته سَحَرَهم، وأيًّا كان فالجاحد -والعياذ بالله- يتشبث في كل شيء * طالب: (...). * الشيخ: إي تقف، ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة ٢٨٥] قف، يختلف لو قلت: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ﴾ [البقرة ٢٨٥] صرت سامعًا مطيعًا غفران الله، وليس كذلك. * طالب: في أثناء القراءة سواء قراءة الحزب التي بسرعة جدًّا، أو في أثناء التسميع، هل يراعي الإنسان هذه الوقوف؟ * الشيخ: إي نعم، ينبغي أن يراعي هذا ويقف حتى وإن كان مدرَجًا. * طالب: أحسن الله إليك، في رسم المصحف تجد يكتبون في بعض الأحيان على رأس الآيات لا على آخر الآية، مع أن الموضع يعني وقف ما .. * الشيخ: لا هذا من النساخ، ما هو مأثور. * طالب: بارك الله فيك، رجل مسحور أتى إليه رجل هو ما يعرف هل هو ساحر أم لا، قال له: سأخبرك بمكان السحر، فهل يتعامل معه، فإذا تعامل معه يعني يدخل في .. * الشيخ: هذا يسمى عند أهل العلم نقض السحر بالسحر، ونقض السحر بالسحر ذكر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتابه التوحيد، نقل عن سعيد بن المسيب أنه لا بأس به، وقال: إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم يَنْهَ عنه، ولعله أخذه من قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ [البقرة ١٠٢]، ومن قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٠٢]، لكن هذا لا ينبغي أن يُفْتَى به الناس فتوى عامة هكذا؛ لأنه يُخْشَى أولًا: من دجل السحرة، وثانيًا: من تكاثرهم وخيانتهم وخداعهم، فيقول أحدهم للآخر: اسحر فلانًا وأنا (...)، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ثالثًا: أنه لا ينقض الساحر السحر إلا بتعلم السحر، ولذلك لا ينبغي فتح الباب للناس في هذه المسألة العظيمة ويكونون على باب (...). * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. * الشيخ: قف ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. * الطالب: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام ٨ - ١٠]. * الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ * من فوائدها: علم الله تبارك وتعالى بما سيكون لو كان؛ لأنه عَلِم ماذا سيكون قول هؤلاء لو نُزِّلَ عليهم كتاب في قرطاس. * ومنها: تأكيد المعلوم بالمحسوس، وإن شئت فقل: المعقول بالمحسوس؛ لقوله: ﴿فِي قِرْطَاسٍ﴾، وقوله: ﴿لَمَسُوهُ﴾؛ لأن هذا تأكيد لشيء محسوس يُنظر أنه في قرطاس، ويُلْمَس باليد. * ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء كفار؛ لقوله: ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وكان مقتضى السياق أن يقول: (لقالوا)، لكنه أظهر في موضع الإضمار، والإظهار في موضع الإضمار له فوائد: منها: الحكم على مرجع الضمير بما يقتضيه الوصف الظاهر، أيش الوصف الظاهر معنا؟ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، مرجع الضمير لو كان ضميرًا: أولئك المكذِّبون. الفائدة الثانية: القياس، بمعنى أن كل من قال قولهم فهو كافر؛ لأنه لو قال: (لقالوا)، ما استفدنا أن من قال مثل قولهم يكون كافرًا بالنص، فإذا كان ظاهرًا هذا الوصف قسنا عليه كل ما ماثله، أو كل ما اتصف بهذا الوصف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن للسحر تأثيرًا، وهل التأثير يكون بقلب الحقائق، أو بالتخييل على الحواس؟ الجواب: الثاني، وإلا فإنه لا يقلب الحقائق، فالعِصِيّ والحبال التي ألقاها سحرة فرعون لم تنقلب حيات، ولكن خُيِّل للرَّائين أنها حيات، وإلا فهي على حقيقتها عِصِيّ وحبال. وبهذا نجمع بين قول من قال: إنه لا يؤثر، وقول من قال: إنه يؤثر، فيقال: أما تأثيره بقلب الحقائق فهذا لا يمكن؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، وأما تأثيره بالتخييل فإنه يمكن؛ لأن التخييل في الواقع مرض في الإدراك، والمرض ينتج من السحر؛ لأن السحرة أيضًا أحيانًا يسحرون الإنسان حتى يكون مريضًا، أو يختلَّ ذهنه، أو ما أشبه ذلك.

الأنعام 6:8

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿قَالُوا﴾ أي: المكذِّبون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا أُنْزِل عليه ملك ليكون ذلك مصدِّقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنُّت، وإلا فقد جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، انشق القمر نصفين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ والملك واحد من الملائكة. ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ يعني: لو أنزلنا ملكًا لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة ثم أُعْطُوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا، أُخِذُوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخَذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد، أَرِنَا آية، فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذِّبون للرسل آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب. وقوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لقضي شأن هؤلاء، وذلك بإهلاكهم. ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: ثم لا يُمْهَلُون، بل يعاجَلون بالعقوبة، والعياذ بالله. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ يعني: لو جعلنا الرسول ملَكًا، ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، حتى لو فُرِضَ أننا جعلناه ملَكًا، فلا بد أن نجعله بشرًا؛ لأنه لا يتلاءم ملك مع البشر، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥]، لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن نرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب. ﴿لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، وحينئذ يبقى الإشكال، ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أي: خلطنا عليهم الأمر كما خلطوه على أنفسهم. * نستفيد من هذه الآية فوائد؛ منها: تعنُّت المكذِّبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنِّتون. * ومنها: أنهم يؤمنون بالملائكة، أعني المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. * ومنها: أنهم يعلمون أن الملائكة في السماء، هي مقرُّهم ومسكنهم، الدليل: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. * ومنها -يعني- من فوائد هذه الآية: أن الملك آية من آيات الله عز وجل إذا نزل مساعدًا للبشر؛ لأنهم هم أقرُّوا بأنه آية تدل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. * ومنها: ما أشرنا إليه أن المكذِّبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عُجِّلَت لهم العقوبة. * ومن فوائد الآية الثانية: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكًا لم ينزل ملكًا بصورته الملكية، ولجعله أيش؟ رجلًا، لماذا؟ من أجل التناسب؛ تناسب الرسل والمرسَل إليهم. * ومنها: حكمة الله تبارك وتعالى في إرسال الرسل من البشر من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله تبارك وتعالى يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، وهذا لا يضر، أن يجعل الله تبارك وتعالى للرسل من يحميهم من أقوامهم، ويدل لذلك قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود ٩١]، مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط عليه السلام: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود ٨٠ ]، يعني إلى قوم يكونون عمادًا لي. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن المحاجة في القرآن الكريم، وهو أنه لو جاء الأمر على اقتراح هؤلاء لم يكن على ما اقترحوه، أي: لم يكن ملَكًا، لماذا؟ لعدم المناسبة بين الرسول والمرسَل إليهم، فإذا كان رجلًا عاد اللبس والاقتراح الذي اقترحوه؛ لقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.

الأنعام 6:9

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿قَالُوا﴾ أي: المكذِّبون للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا أُنْزِل عليه ملك ليكون ذلك مصدِّقًا له، وهذا الاقتراح اقتراح تعنُّت، وإلا فقد جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بآيات واضحة، ولا أعظم من أنهم لما طلبوا آية أراهم انشقاق القمر، انشق القمر نصفين[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، وشاهدوه، وهذا تغيير في الأفلاك، فهي من أكبر الآيات، لكن قولهم هذا من باب التعنت والتحدي والإعجاز. ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ والملك واحد من الملائكة. ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ يعني: لو أنزلنا ملكًا لانتهى الأمر بنزول العقاب بهم؛ لأن الأمم السابقة إذا اقترحت آية معينة ثم أُعْطُوا الآية المعينة التي طلبوها، ثم لم يؤمنوا، أُخِذُوا بالعقاب بدون إمهال، ولم تؤخَذ قريش بآية انشقاق القمر؛ لأنها لم تطلب هذه الآية المعينة، بل قالوا: يا محمد، أَرِنَا آية، فأراهم انشقاق القمر، هكذا قال أهل العلم، أما إذا اقترح المكذِّبون للرسل آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا نزل بهم العذاب. وقوله: ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: لقضي شأن هؤلاء، وذلك بإهلاكهم. ﴿ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: ثم لا يُمْهَلُون، بل يعاجَلون بالعقوبة، والعياذ بالله. ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ يعني: لو جعلنا الرسول ملَكًا، ﴿لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، حتى لو فُرِضَ أننا جعلناه ملَكًا، فلا بد أن نجعله بشرًا؛ لأنه لا يتلاءم ملك مع البشر، ولهذا قال الله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٥]، لكن ليس في الأرض إلا بشر، ولا يمكن أن نرسل إليهم ملائكة؛ لأن ذلك لا يناسب. ﴿لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾، وحينئذ يبقى الإشكال، ولهذا قال: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، أي: خلطنا عليهم الأمر كما خلطوه على أنفسهم. * نستفيد من هذه الآية فوائد؛ منها: تعنُّت المكذِّبين للرسل، وطلبهم آيات، مع أن الآيات كانت موجودة، لكنهم متعنِّتون. * ومنها: أنهم يؤمنون بالملائكة، أعني المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. * ومنها: أنهم يعلمون أن الملائكة في السماء، هي مقرُّهم ومسكنهم، الدليل: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾. * ومنها -يعني- من فوائد هذه الآية: أن الملك آية من آيات الله عز وجل إذا نزل مساعدًا للبشر؛ لأنهم هم أقرُّوا بأنه آية تدل على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومنها: أن الله سبحانه وتعالى يرد على المعاندين بمثل ما عاندوا به، ويحذرهم من اقتراح الآيات؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. * ومنها: ما أشرنا إليه أن المكذِّبين للرسل إذا اقترحوا آية معينة ولم يؤمنوا عُجِّلَت لهم العقوبة. * ومن فوائد الآية الثانية: أن الله تعالى لو أراد أن ينزل ملكًا لم ينزل ملكًا بصورته الملكية، ولجعله أيش؟ رجلًا، لماذا؟ من أجل التناسب؛ تناسب الرسل والمرسَل إليهم. * ومنها: حكمة الله تبارك وتعالى في إرسال الرسل من البشر من أجل الركون إليهم وقبولهم، بل إن الله تبارك وتعالى يجعل الرسل من أوساط الأقوام وأشرافهم وأفاضلهم حتى يحتموا بهم، وهذا لا يضر، أن يجعل الله تبارك وتعالى للرسل من يحميهم من أقوامهم، ويدل لذلك قول قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود ٩١]، مما يدل على أن الإنسان إذا كان من القوم صار له شأن كبير وهيبة، ويدل لعكس هذا قول لوط عليه السلام: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود ٨٠ ]، يعني إلى قوم يكونون عمادًا لي. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن المحاجة في القرآن الكريم، وهو أنه لو جاء الأمر على اقتراح هؤلاء لم يكن على ما اقترحوه، أي: لم يكن ملَكًا، لماذا؟ لعدم المناسبة بين الرسول والمرسَل إليهم، فإذا كان رجلًا عاد اللبس والاقتراح الذي اقترحوه؛ لقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.

الأنعام 6:10

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، (اللام) هنا موطِّئة للقسم ومؤكِّدة له، و(قد) للتحقيق، وهذا يرد في القرآن كثيرًا، وعلى هذا فالجملة تكون مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: قسم مُقدَّر، والثاني (اللام)، والثالث (قد). ﴿اسْتُهْزِئَ﴾ أي: سُخِرَ، بدليل قوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾، سخروا بهم، وقالوا: هذا رجل، ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]، ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود ٣٨]. وقوله: ﴿بِرُسُلٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات، لا تدل على العموم، أي: لا تدل على أن جميع الرسل سُخِرَ بهم، بل برسل. واعلم أن النكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم إلا إذا قام الدليل على هذا، فإنها تكون للعموم، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [ الانفطار ٥ ]، ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [ التكوير ١٤ ]، فهنا ﴿نَفْسٌ﴾ نكرة في سياق الإثبات لكنها للعموم؛ إذ معنى الآية: علمت كل نفس. ﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: في الزمن. ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ أي: نزل بهم. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: عقوبة ما كانوا به يستهزئون، أو جزاء ما كانوا به يستهزئون، وإنما عبَّر الله تعالى عن الجزاء بالفعل؛ للإشارة إلى سببه من وجه، وليُعْلَم أن الجزاء بقدر العمل من وجه آخر، فالعقوبة سببها العمل الذي استحق به العامل أن يعاقَب، فأُطْلِق على العقوبة نفس العمل الذي هو السبب. ثانيًا: إذا كان الإنسان يجازَى عمله، نفس العمل، فهذا يعني أن الجزاء أو العقوبة بقدر العمل، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. * في الآية الكريمة فوائد، منها: توكيد الجملة بأنواع المؤكِّدات. فإذا قال قائل: أليس خبر الله تعالى صدقًا، سواء اقترن بالقسم وأدوات التوكيد أم لا؟ فالجواب: بلى، لكن القرآن الكريم جاء باللسان العربي، واللسان العربي يحسُن فيه التأكيد إذا اقتضت الحال ذلك، وإلا فمن المعلوم أن الله إذا أخبر بخبر وإن لم يؤكَّد فهو حق وصدق كما نشاهد الشمس، لكن القرآن بلسان عربي مبين، هذه واحدة. ثانيًا: تأكيد الله له بالقسم يدل على أهميته، وأنه من الأمور التي لا بد أن يقبلها الإنسان ويصدِّق بها، واضح؟ ثالثًا: أنه قد يراد به دفع إنكار من أنكر مدلول الخبر، ككون الله عز وجل يؤكِّد قيام الساعة بالمؤكِّدات الكثيرة لرد إنكار المكذِّبين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس بغريب أن يستهزئ المشركون بالنبي ﷺ؛ لأن هذا قد سبق من الأمم السابقة، استهزاء المكذِّبين للرسول بأي شيء؟ بأمور متعددة: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، كأنهم يقولون: محمد لا يستحق هذا، وكما في قولهم: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٣٦]، والاستفهام هنا للتحقير، يعني: من هذا الرجل الذي يذكر آلهتكم بالسوء! ليس بشيء، وليس له قيمة، ومنها وصفهم إياه بأنه مجنون مخرِّف، وما أشبه ذلك. * ومن فوائد هذه الآية: عناية الله تبارك وتعالى بنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث ينزل عليه من القرآن ما يسلِّيه به، وجهه؟ أن ذكر هذا -أعني استهزاء الأمم السابقة برسلها- تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن كونه يعلم بأن الأمم السابقة كذَّبت رسلها يهون عليه الأمر، أليس كذلك؟ وهذا واضح، فإن الإنسان يتسلَّى بالمصائب إذا أصابت غيره، وتهون عليه مصيبته، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩ ]، مع أنه لو كان في الدنيا واشترك الناس في العذاب لهان عليهم ونفعهم، وحملهم على الصبر، لكن في القيامة لا ينفع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من أين تؤخذ؟ ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، يعني: فاحذروا أيها المكذِّبون لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم المستهزئون به. * ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا رسول بعد محمد، انتبهوا، هل يمكن أن تؤخذ من الآية أو لا؟ * طالب: ما هو بواضح. * الشيخ: الواقع أنه ليس بواضح؛ لأن: ﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ هذا تسلية الإنسان بما مضى، ولا يمنع لو كان ممكنًا أن يوجد رسل آخرون بعد الرسول ﷺ، إذن ليس فيها دليل على هذا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن السخرية والاستهزاء بالرسل موجِب للعقاب؛ لقوله: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ثم هل هذا العقاب عقاب على كفر أو على فسوق؟ الجواب: الأول؛ على كفر، فكل من سخر بالرسل أو استهزأ بهم فهو كافر، لا إشكال في هذا. ولكن هل تُقبَل توبته؟ الجواب: نعم، تُقْبَل توبته؛ لعموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣ ]. ودليل عقلي: أن سبَّ النبي إنما كان كفرًا؛ لنبوته لا لشخصيته، والنبوة والعمل بالشريعة التي جاءت بها من حقوق الله في الواقع، وحقوق الله تُقْبَل فيها التوبة بالاتفاق، فالصحيح أن مَن سَخِر بالنبي أو استهزأ به فإنه إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ارتفع عنه وصف الردة، وصار مسلمًا، وارتفع عنه القتل. لكن إذا سبَّ الرسول فهل إذا تاب وقبلنا توبته ارتفع عنه القتل أو لا؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء من قال: إنها تُقْبَل توبته، وذلك لأن سبَّ الرسول ليس سبًّا شخصيًّا، وإنما السب منصبٌّ أيش؟ على النبوة والرسالة، والنبوة والرسالة من حق الله، فتُقْبَل، فلا يُقْتَل ما دُمْنَا قبلنا توبته. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها تُقْبَل توبته، ولكنه يُقتَل حَدًّا، وعلل ذلك بأن سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام عدوان على شخصه وعلى رسالته لا شك، فعلى رسالته نقول أيش؟ تُقبَل التوبة، وأما على شخصه فلا بد أن نثأر لنبينا ﷺ ونأخذ بالثأر ونقتله، فيتحتم قتل سابِّ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن قبلنا توبة الساب. إذن ما الفائدة إذا قلنا: تُقْبَل توبته ويُقتَل؟ الفائدة: أنه يُقتَل مسلمًا، يُغَسَّل ويُكَفَّن ويصلَّى عليه، ويرثه أقاربه المسلمون، ويبقى على حكم الإسلام، بخلاف ما إذا قلنا: إنه مرتد، فلا يثبت له هذا الحكم. فإن قال قائل: أليس قد وُجِد مَن سبَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حياته وتاب وقبل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبته؟ فالجواب: بلى؛ لأن الحق له، فإذا عفا عنه فله الحق، هذا من جهة، من جهة أخرى: ترغيبًا له في التوبة رَفَع عنه القتل. ثالثًا: أنه إذا تاب فسيكون من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين استؤذن في قتل المنافقين: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، أما بعد موته فكل هذه العلل منتفية، فيجب على أمته أن يقتلوا مَن سَبَّه عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعاصي سبب للعقوبة؛ لقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وأن العقوبة بقدر العمل، ولذلك عُبِّرَ به عنها، وهذا من عدل الله عز وجل؛ أن العقوبة بقدر العمل، أما المثوبة فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.

الأنعام 6:11

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، وإنما أتت ﴿فِي﴾ بمعنى (على) لبيان أنه ينبغي أن يكون السير عميقًا، كأنما يسيرون في أجواف الأرض، ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وهل السير هنا بالقلوب أو بالأقدام؟ الجواب: يحتمل هذا وهذا، فالسير في القلوب أن يتأمل الإنسان ما جرى للأمم السابقة بما صح من تاريخهم، وأصح تاريخ للأمم السابقة ما جاء في القرآن، أو صحَّت به السنة، أو بأقدامكم، سيروا في الأرض بأقدامكم، بأن ينظروا آثار المكذِّبين المهلَكين، كما في قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، فصار السير هنا يشمل السير بالقلب، والسير بالقدم لأجل الاعتبار. ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿انْظُرُوا﴾ بأعينكم أو ببصائركم، يعني: بأبصاركم أو بصائركم؟ إذا قلنا: السير بالقلب، فالمراد انظروا بالبصائر، وإذا قلنا: بالقدم، فالمراد بالبصر، وينبني على ما سبق. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام ١١]، ﴿كَيْفَ﴾ هذه خبر (كان) مقدم، ويتعين أن يكون مقدمًا لأنه اسم استفهام، واسم الاستفهام له صدر الكلام؛ لأنه هو المقصود بالجملة، وإذا كان المقصود بالجملة كان حقه أن يُقَدَّم، ولهذا إذا قلت: أين زيد؟ تعيَّن أن تكون (أين) خبرًا مقدمًا، ولا يجوز أن تقول: زيد أين؟ فـ﴿كَيْفَ﴾ في محل نصب خبر (كان) مقدم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها مؤخَّر باعتبار تقديم الخبر، وإلا هو في مكانه. ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ فماذا كانت؟ كانت أسوأ عاقبة -والعياذ بالله- دمَّرهم الله عز وجل، وجعلهم مثلًا للآخِرين يعتبرون بهم. * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: الأمر بالسير في الأرض للاعتبار، سواء كان بالبصائر أو بالأبصار؛ لقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي أن نقرأ تاريخ الأمم السابقة، من أي مصدر؟ من القرآن وصحيح السنة، قيِّد؛ لأن من الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الأمم السابقة ما لا يحصيه إلا الله عز وجل، والعبرة بالصحيح، وما أكثر الأحاديث التي فيها الأخبار عن الأمم السابقة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضل الاعتبار، وأنه أمر مطلوب؛ لقوله: ﴿انْظُرُوا﴾، وسواء كان الاعتبار بمن انتقم الله منهم، أو بمن أثابهم؛ إن كان بمن انتقم الله منهم فالإنسان يحذر، وإن كان ممن أثابهم فالإنسان يرغب، وفي هذه الآية أيّ الاعتبارين؟ بمن انتقم الله منهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن الآثار تدل على المؤثِّر، وهذا أمر معلوم بالحس والواقع، سُئِلَ أعرابي: بما عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير -يعنى على السير- والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ الجواب: بلى والله تدل على السميع البصير، فالآثار تدل على المؤثِّر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عقوبة المكذِّب، والتكذيب أحد شِقَّيِ ما يحصل به الكفر؛ لأن الكفر يحصل بأمرين: إما التكذيب، وإما الاستكبار، مع أن التكذيب فرع عن الاستكبار؛ لأنه ما كَذَّب إلا أنه يرى أنه فوق المرسَل. إن قال قائل: يُشْكِل على قولكم: إن السير يشمل السير بالقدم لينظر بالبصر، يشكل عليه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن دخول ديار المكذِّبين أو المهلَكين؟ فالجواب: أنه عليه الصلاة والسلام لم يَنْهَ عنها مطلقًا، بل نهى عنها عن أن ندخل فرِحِين بَطِرِين معجَبِين بالآثار، وما أشبه ذلك، أما أن ندخل معتَبِرين باكين خائفين فلا، ولهذا قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن عمر. ]]. فهناك فرق بين إنسان يدخل هذه الديار ليعتبر ويخاف ويبكي، وإنسان آخر يدخلها للبَطَر والأَشَر، والنزهة والإعجاب بالآثار؛ الأول محمود، والثاني مذموم، وبذلك يزول الإشكال.

الأنعام 6:12

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام ١٢]، اسأل هؤلاء المكذِّبين المنكِرين لتوحيد الألوهية: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ألزيد، أو لعمرٍو، أو لفلان أو لفلان؟ ثم أمره تبارك وتعالى، أمر نبيه ﷺ أن يجيب عن هذا السؤال بنفسه، فقال: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، وهنا نقول: هل الجواب من الله أو من الرسول؟ الجواب: من الرسول بأمر الله، وعلى هذا يكون الجواب جواب الله عز وجل؛ لأن الله أمر الرسول أن يقول هكذا: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾. ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ١٢]، ﴿كَتَبَ﴾ بمعنى أوجب؛ لأن الكتابة بمعنى الإيجاب، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ١٨٣]، ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى أيش؟ فُرِض وأُوجِب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣ ] أي فريضة مؤقتة. ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: على ذاته، ونفس الله هي ذاته، وليست صفة، بل هي الذات، قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، ليس المعنى: يحذركم صفة هي نفسه، بل المعنى: يحذركم الله إياه، أي: ذات الله عز وجل، فليست صفة، بل هي الذات، ومعنى يحذركم نفسه، أي: يحذركم الله من عقابه؛ لأنه جل وعلا أمرنا أن نعلم علمًا مهمًّا فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، فأمرنا أن نعلم هذا العلم المهم الذي فيه الترغيب والترهيب، الترهيب في أي جملة؟ * طالب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، هذا التحذير. * الشيخ: هذا التحذير، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا الترغيب، فأمرنا سبحانه وتعالى أن نعلم عن أفعاله وصفاته تحذيرًا وترغيبًا، هنا قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾؛ لأن المقام مقام تهديد وعقوبة، يخاطب المشركين المكذِّبين. وقوله: ﴿الرَّحْمَةَ﴾ يعني أن يرحم عباده عز وجل، فرض هذا على نفسه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم (٢٧٥١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]]، رحمة الله بالعباد فرضها الله على نفسه، لسنا الذين فرضناها عليه، بل هو فرضها على نفسه. فإن قال قائل: إننا نجد من الناس من أصابه البؤس والبلاء، وفقد المال، وفقد الأولاد، وهو في غاية البؤس، أين الرحمة؟ فالجواب: كل ما أصاب الإنسان من شيء من بلاء وهو مؤمن فإنه أيش؟ رحمة؛ لأنه إذا صبر أُثِيبَ ثواب الصابرين، وإذا احتسب أُثِيبَ ثواب الشاكرين، فهو خير له، وكم من أناس لو أنهم رُزِقُوا صحة ومالًا وأولادًا لبطروا وأفسدهم الغنى، وكم من أناس بالعكس. كل شيء يصيب المؤمن -والحمد لله- فهو رحمة وكفَّارة، حتى لو أن الإنسان فزع من شيء قابله كُتِبَ له بذلك أجر -اللهم لك الحمد- حتى جاء في الحديث: لو أن إنسانًا فقد شيئًا في جيبه مثلًا ثم فزع، خاف أن يكون ضاع مثلًا، فله أجر[[أخرجه الترمذي (٢٩٩١) من حديث عائشة، ولفظه: «حَتَّى يَضَعَهَا فِي كُمِّ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ». ]]، إلى هذا الحد!! إذن هذه رحمة، وما أحسن قول رابعة العدوية: إن حلاوة أجرها أَنْسَتْنِي مرارة صبرها. والآلام، والبؤس، والتعب، والهم، والغم في الدنيا كله يزول، إما أن يزول إلى ضده، وإما أن يصل بصاحبه إلى الهلاك، ولا بد أن يزول، لكن الأجر باقٍ. فإذا قال قائل: والكافر؟ فالجواب أن نقول: إن الكافر هو الذي فوَّت الرحمة على نفسه، مع أن لله عليه رحمة بما يسَّرَه له من الأكل والشرب والنكاح والمسكن، وما أشبه ذلك. ثم قال عز وجل: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، صدق الله، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ هذه أيضًا جملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات: القسم المقدَّر، واللام الواقعة في جواب القسم، ونون التوكيد، والتقدير: والله ليجمعنكم، الخطاب للخلق، ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أيها الناس كلكم، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠] الله أكبر، نُجْمَع مع آبائنا وأجدادنا وأجداد أجدادنا، إلى آدم، كل يُجْمَع، وكذلك ذرياتنا الأولون والآخرون مجموعون كلهم إلى يوم القيامة، لما شَبَّه المكذِّبون بالبعث بقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، قيل لهم: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الجاثية ٢٦] أنتم ما قيل لكم أنكم الآن تُبْعَثُون حتى تحتجوا، وتقولوا: هاتوا آباءنا، بل قيل لكم: أنكم مجموعون لأيش؟ ليوم القيامة لا ريب فيه. وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، يوم القيامة هو اليوم الآخِر، وسُمِّيَ بهذا؛ لأمور ثلاثة، هذا الذي علمناه، والله أعلم إن كان وراءه شيء، لأمور ثلاثة: الأول: قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، وهذا القيام قيام عظيم يا إخواننا، كل العالم بصيحة واحدة يحضرون كلهم لا يتخلف أحد، وهذا قيام عظيم جدًّا جدًّا، حتى الذي أكلته السباع، أحرقته النار، أغرقه الماء، لا بد أن يخرج. وسُمِّي أيضًا قيامة لأنه يُقام فيه العدل، يُقتَصُّ حتى للشاة الْجَلْحَاء من الشاة القَرْنَاء[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة. ]]، هذه اثنان. الثالث: تُقَامُ فيه الأشهاد الذين يشهدون، هذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكون شهيدًا على هذه الأمة، فلهذه الأمور الثلاثة سُمِّيَ يوم القيامة. إذا قيل: ما هو الدليل؟ قلنا: أما الأول فدليله قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. وأما الثاني فقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء ٤٧] أي: لليوم الذي يُقَام فيه العدل. وأما الثالث فقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. ثم قال عز وجل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، هذا نفي يراد به تأكيد الإثبات السابق، ما هو الإثبات؟ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، أي: جمعًا مؤكَّدًا لا ريب فيه، والنفي هنا ليس نفيًا محضًا، بل لبيان كمال الإثبات أنه أمر لا ريب فيه، وعلى هذا التقرير يكون النفي على بابه. وقيل: إن النفي بمعنى النهي، أي: لا ترتابوا فيه، والأول أبلغ؛ لأنه إذا قيل: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فإذا ارتاب إنسان فلِخَلَلٍ في عقله؛ لأن ما نُفِيَ فيه الريب مطلقًا لا يمكن أن يرتاب فيه عاقل، فجعلها للنفي على بابها أبلغ وأولى. ثم قال عز وجل: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ مبتدأ، والخبر قد يكون محذوفًا، التقدير: الذين خسروا أنفسهم خاسرون، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ من؟ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [ الزمر ١٥ ]، فيكون المعنى: الذين خسروا أنفسهم هم الخاسرون حقًّا. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ توكيد أو بيان للسبب الذي كان به الخسران، ويحتمل أن تكون جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، وقُرِنَت بالفاء لأن (الذين) اسم موصول وهو مفيد للعموم، والاسم الموصول يشبه الشرط في عمومه، فكان اقتران الفاء في خبره. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن جميع من في السماوات والأرض لله عز وجل، الدليل: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾. فإن قال قائل: كيف أخذتم العموم مع أن (من) للعاقل، و(ما) لغير العاقل؟ فالجواب: أن هذين الاسمين يتناوبان، بمعنى أن أحدهما يقع مكان الآخر، الدليل قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الجمعة ١]، وفي آية أخرى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النور ٤١]، وهذا يدل على أن (مَن) و(ما) يتناوبان، وإن كان الأكثر استعمالًا أن (ما) في غير العاقل، و(مَن) في العاقل، وعليه فنقول: (مَن) هنا تشمل العاقل وغير العاقل، أو نقول: (مَن) للعاقل، لكن عُبِّر به أي بالعاقل؛ لأنه إذا كان الله تعالى يملك العاقل وهو مختار مريد، فغيره من باب أولى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات والأرض، وهذا متكرر كثيرًا علينا، وتعلمون أن السماوات سبع والأرضين سبع. * ومن فوائد الآية الكريمة: أننا متى آمنا بهذا، وأن مَن في السماوات والأرض لله، فإننا لن نلجأ إلا لله، ولن نخاف إلا من الله عز وجل؛ لأنه مالك من في السماوات والأرض، وليتنا نتوكل على الله حق توكله، لو توكلنا على الله حق توكله لكان الأمر كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، «تَغْدُو خِمَاصًا» أي: تطير في أول النهار وهي جائعة، وترجع في آخر النهار وهي ممتلئة البطون، سبحان الله! وهذا شيء مشاهَد، تجد الطيور في أول الصباح تطير في الجو، وقد أعطاها الله تعالى قوة النظر -من رحمة الله عز وجل- تنظر للحَبِّ وهي في جو السماء، فتنزل عليه، وتنظر للحبة الصغيرة التي لا يدركها الإنسان إلا بمشقة، وهي تنظرها بسهولة، تجد أنها تأخذ الحبة الصغيرة جدًّا في وسط القطيفة المفروشة من بين الخمل اللي فيها، لكن الله عز وجل أعطاها قوة بصر حتى تعيش. المهم أنك متى علمت أن من في السماوات والأرض لله فعلى من تتوكل؟ ومن تخاف؟ ومن ترجو؟ الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواب إجابة السائل نفسه إذا كان الأمر واضحًا؛ لقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، مع أنه أمره أن يسأل، ثم أمره أن يجيب، فإذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه فأَجِب أنت؛ لأن المسؤول قد يمنعه من الإجابة استكباره وكبرياؤه، فأَجِب أنت إذا كان الأمر واضحًا لا نزاع فيه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لله تعالى أن يكتب على نفسه ما شاء؛ لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. فإذا قال قائل: كيف يكون الشيء لازمًا على الله؟ فالجواب: أن الله ألزم نفسه به، وله أن يفعل ما شاء، نحن لا نلزم الله بشيء، لكن الله له أن يلزم نفسه بشيء، فكتابة الله على نفسه الرحمة لا تنافي كماله، بل هي من كماله عز وجل أن يفرض على نفسه الرحمة، لكن نحن ليس لنا على الله حق إلا ما أوجبه على نفسه، قال ابن القيم رحمه الله في النونية: مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَالشَّانِ هو أوجب، ما هو نحن.. إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ ... ∗∗∗ ................... لأن الذنب ذنبهم.. .............. أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُ لِلْمَنَّانِ سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله يُعَبِّر عنه بالنفس؛ لقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، ولها نظائر، قال الله عز وجل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، وقال عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة ١١٦]. وليست نفس الله كنفس الإنسان، الإنسان يطلِق على نفسه نفس، وله نفس، قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر ٤٢]، وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران ١٨٥]. فهنا: ﴿يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ يعني الروح اللي في البدن وليس الجسم؛ لأنه عند الموت الجسم ما يُقْبَض، الجسم في الأرض ويتوارى، الذي يُقْبَض هو الروح، فالإنسان له نفس وهي الروح، ويعبِّر عن ذاته بالنفس، فيقول: كلمتك بنفسي، وتقول: جاء الرجل نفسه، أما الله عز وجل فليس له نفس، بل هو نفسه، هو ذاته عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. * ومن فوائدها: تأكيد الشيء بالقسم وغيره من المؤكِّدات إذا دعت الحاجة إليه، متى تدعو الحاجة؟ تدعو الحاجة في مواطن، منها: إذا كان المخاطَب منكِرًا، فهنا يجب -حسب البلاغة- أن يؤكَّد الكلام، ومنها: إذا كان الأمر بعيدًا يُسْتَغْرَب، فإنه يؤكَّد، لكن ليس كالأول، الأول يؤكَّد وجوبًا، وهذا يؤكَّد..؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا ما هو جوازًا، نقول: استحبابًا، يعني توكيده أحسن من عدمه، ونقول: استحسانًا، كلما دعت الحاجة إلى توكيد الكلام أَكِّد، ولا يعد هذا تطويلًا ولا إخلالًا بالبلاغة. * ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جمع الأولين والآخرين حتى يكون هذا اليوم يومًا مشهودًا، كما قال عز وجل: ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]: يشهده الأوَّلون والآخِرون، نحن نشهد هابيل وقابيل، ونشهد آخر واحد من هذه الأمة، كل العالم مشهود، بل كل شيء مشهود، الجن، البهائم، الوحوش، كل شيء، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فوق الأرض، ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، كل شيء، لو تصور الإنسان هذا اليوم لرأى مشهدًا عظيمًا ما يستطيع أن يدركه الآن، لكن نفهم معناه ولا ندرك حقيقته، حقيقته أبلغ مما نتصوره، اللهم اجعله علينا يسيرًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسمية يوم البعث بيوم القيامة؛ للوجوه التي سمعتموها في التفسير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا ريب في هذا اليوم شرعًا وعقلًا؛ شرعًا: لأن الله أخبر به، وأكَّده، وضرب له الأمثال. وعقلًا: لأنه ليس من المعقول أن الله تعالى يوجِد هذه الخليقة، ويأمرها وينهاها، ويرسل إليها الرسل، وتُسْتَبَاح الأنفس، والأموال، والذرية، في القتال في سبيل الله، ثم تكون النتيجة أن الأرض تبلعهم فقط، هذا ينافي الحكمة، فالعقل يوجِب أن يكون هناك بعث، حتى وإن لم يكن نصٌّ، فكيف والنصوص كثيرة كثيرة. ومن رحمة الله عز وجل -وله الحمد، والفضل، والمِنَّة- أنه يُكْثِر من إثبات يوم القيامة، ويضرب له الأمثال؛ لأن الإيمان باليوم الآخر هو الذي يحمل الإنسان حقيقةً على الإيمان؛ إذ لولا اعتقاد المؤمن أنه سيُبْعَث ويجازَى، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ما عمل أبدًا، ولصارت الأمة موطنًا للسلب والنهب والأخذ والعدوان. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء المكذِّبين خسروا أنفسهم، يعني كأن لم يوجَدوا على الأرض؛ لأنهم لم يستفيدوا من حياتهم، ولذلك لما لم يستفيدوا من حياة الدنيا لم يستفيدوا من حياة الآخرة، فكانوا مخلَّدين في نار جهنم، والعياذ بالله. * ومن فوائد الآية: أنه من الفصاحة أن يُذْكَر السبب بعد الْمُسَبَّب، إذا جعلنا جملة: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبرًا، وجه ذلك أن سبب خسرانهم هو عدم الإيمان، فأُخِّر السبب وقُدِّم المسبَّب، هذا إذا جعلنا ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبرًا لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، أما إذا جعلناها جملة مستقلة فلا تتأتى هذه الفائدة؛ لأنها على الترتيب.

الأنعام 6:13

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ١٣]، ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل. ﴿مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، ﴿سَكَنَ﴾ يصح أن تكون من السُّكْنَى، ويصح أن تكون من السُّكُون الذي هو ضد الحركة، فإن كان من السُّكون بقي أن يقال: وأين المتحرك؟ لأن الأشياء إما ساكن وإما متحرك، وهنا قال: ﴿لَهُ مَا سَكَنَ﴾؟ والجواب عن هذا الإشكال أن يقال: إن هذا من باب الاستغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، ونظيره قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل ٨١]، السرابيل تقي الحر والبرد، لكن ذكر الحر والبأس؛ لأن اللباسين متفقان، هذا يُلْبَس عند حرارة الجو، والثاني يُلْبَس عند حرارة القتال، فقال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾، المهم أنه استغنى بذكر الحر عن ذكر البرد. أما إذا جعلناها من السكنى ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ﴾، فالمعنى: أن له كل شيء؛ لأن كل المخلوقات ساكنة في مقارِّها. إذا كانت الآية صالحة لها، أو إذا كان اللفظ صالحًا لهذا وهذا، فهل نستعمله في المعنيين؟ نعم، بشرط ألا يقع بينهما منافاة، فإن وقع بينهما منافاة أُخِذَ بما يُرَجِّحه الدليل. ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، تأمل قوله: ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ تجد أنه عامٌّ في الزمن، والتي قبلها: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عامٌّ في المكان، فذكر الله تبارك وتعالى عموم المكان وعموم الزمن؛ عموم المكان في قوله: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾، وعموم الزمان: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ذَكَر السمع لكل صوت، والعليم بكل حال. ولا بأس أن نعيد أقسام السمع التي وصف الله بها نفسه، وهو أولًا قسمان: سمع إجابة، وسمع صوت؛ سمع إجابة في مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، هذا يشمل سمع الإجابة، وسمع الصوت، ومنه قول المصلِّي: سمع الله لمن حمده. سمع الصوت أقسام أو أنواع -إن شئت قل: أنواع؛ لأنك ذكرت الأول أقسامًا، فاذكر الثاني أنواعًا- النوع الأول: المقصود به التأييد والنصر، والثاني: المراد به التهديد، والثالث: المراد به الإحاطة. مثال الأول الذي يُقصَد به التأييد قول الله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومثال الثاني المراد به التهديد قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى﴾ [الزخرف ٨٠]. ومثال الثالث قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة ١]. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ في ﴿سَكَنَ﴾ معنيان: * طالب: (...). * الشيخ: نعم، والثاني؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، من السكون، وهل المعنيان يتنافيان؟ * طالب: لا يتنافيان. * الشيخ: إذن تكون الآية دالة على المعنيين. قوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ المراد بالسمع هنا سمع الإجابة وليس سمع الصوت؟ * طالب: يدخل سمع الصوت. * الشيخ: إذن يراد بها المعنيان جميعًا، ما تقول في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، من أي النوعين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، سمع الصوت والإجابة؛ لأنه يسمعهم ثم يجيبهم. هل لديك دليل على أن السمع يأتي بمعنى الإجابة أو الاستجابة؟ دليل من القرآن. * طالب: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. * الشيخ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، هذا نص صريح، ﴿سَمِعْنَا﴾ يعني الإدراك بالصوت، ذاك الصوت. ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: لا يستجيبون، وإلا فهم يسمعون بآذانهم. * من فوائد هذه الآية الكريمة العظيمة ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ﴾: اختصاص الله تبارك وتعالى بملك كل شيء، وجه الاختصاص؟ تقديم الخبر ﴿وَلَهُ﴾؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ ولهذا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة ٥] توحيد خالص، بمعنى: لا نعبد إلا إياك، وكذلك نقول في: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السكون والحركة بيد الله عز وجل؛ لأن مالك من يسكن ويتحرك مالك للحركة والسكون، فيكون في هذا دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، وهذا هو مذهب السلف وأهل السنة، وهو وسط بين مذهبي الجبرية والقدرية. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات هذين الاسمين: السميع والعليم، وإثبات ما تضمناه من صفة؛ صفة السمع في ﴿السَّمِيعُ﴾، والعلم في ﴿الْعَلِيمُ﴾.

الأنعام 6:14

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿أَتَّخِذُ﴾ هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول (غير) مقدَّمًا، والثاني ﴿وَلِيًّا﴾، ولو أردنا أن نرتب حسب العمل لكانت الآية: قل أتخذ غير الله وليًّا، المهم أن الله أمر نبيه ﷺ أن يقول مُعْلِنًا: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أستنصر به ويتولى أمري وأتولى شرعه؟ والاستفهام هنا للنفي. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق. و﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم الكلام عليها مرارًا. ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ هو الله عز وجل، ﴿يُطْعِمُ﴾، ما من طاعم يطعم إلا والله الذي أطعمه، أطعمه: يسَّر له الطعام، ولولا ذلك ما وصل إليه الطعام. قال الله عز وجل مبينًا هذا: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة ٦٣، ٦٤]، الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة ٦٥ - ٦٧]، ولو جعله الله حطامًا ما طعمناه. ثم: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩] الجواب: بل أنت يا ربنا، هذا الطعام وهذا الشراب، الزرع: الطعام، والماء: الشراب. ثم ما يصلح به الطعام والشراب وهو الطبخ والطهي الذي يكون بالنار، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة ٧١، ٧٢]. إذن الذي يُطْعِم هو الله عز وجل، ثم لو شاء الله تعالى ما طعِمْنَا حتى لو وُجِدَ الطعام، لو شاء الله لم يخلق لنا أفواهًا ولا أمعاء ولا معدات فلا نطعم. إذن ﴿يُطْعِمُ﴾ أي: يوجِد الطعام من مأكول ومشروب، وما يصلح به الطعام والشراب، وكذلك يوجِد الآلات في بني آدم التي تقبل الطعام وتنتفع به. ذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله- أنه لن يصل إليك الطعام إلا بعد أن يعمل به أكثر من ثلاث مئة واحد؛ لأنك تبدأ من الحرث، والسقي، وتصريف الماء، وغير ذلك، والشراء، والطحن، والعجن، تجد أشياء كثيرة لا يصل إليك الطعام إلا بعد أن يتجاوز هذه الأشياء. ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ أو: ولا يَطْعَم؟ اللي عندنا ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾، إذن غيره محتاج إليه، وهو لا يحتاج لأحد، فهو ﴿لَا يُطْعَمُ﴾؛ لغناه عن كل أحد، ثم هو جل وعلا لا يَطْعَم؛ لأنه أحد صمد، ولو طعم لكان محتاجًا للطعام، وهذا مستحيل على الله عز وجل. ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ﴾، إعلان آخر، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، فالأمر الأول لتحقيق توحيد الربوبية، والثاني لتحقيق توحيد العبادة. ﴿قُلْ﴾ أي: للناس معلِنًا، ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، ﴿أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ من هذه الأمة، لا من جميع الأمم، ومعنى ﴿أَسْلَمَ﴾ هنا أي: استسلم لله ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإسلام يطلَق على هذا، وإذا كان الإسلام بمعنى هذا دخل فيه الإيمان. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، قوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ﴾ معطوفة على ﴿قُلْ﴾، يعني: قل هذا ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، بل أَخْلِص العبادة والإسلام لله عز وجل. * في هذه الآية الكريمة: أمر النبي ﷺ أن يعلن أنه لن يتخذ وليًّا من دون الله، وهذا واجب عليه أو لا؟ نعم، واجب عليه أن يعلن؛ لأنه رسول إمام مقتدًى به، فلا بد أن يعلِن تحقيق الربوبية. * ومن فوائدها: ألا يلجأ العبد إلا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله هو الولي، ثم ولاية الله عز وجل ولاية مبنية على الحمد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى ٢٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله وحده خالق السماوات والأرض على غير مثال؛ يعني أنه سبحانه وتعالى لم يخلق سماوات وأرضين قبل ثم أعادها مرة أخرى، بل هي على ما هي عليه. * ومن فوائد الآية: تمام قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث فطر السماوات والأرض، وبقيت السماوات والأرض على حسب ما أراد الله تبارك وتعالى: ﴿الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨] ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس ٣٩] لم تختلف. * ومن فوائد هذه الآية: أن الله تبارك وتعالى هو الْمُطْعِم لا مُطْعِمَ سواه. * وينبني على هذه الفائدة: ألا نسأل الإطعام إلا من الله تبارك وتعالى، ولو أننا -ونستغفر الله ونتوب إليه- لو أننا تمسَّكنا بهذا مع التوكل على الله والاستعانة به لكان رزقنا مضمونًا؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، لكن غلبت علينا الأمور المادية الحسية، فصار الإنسان -مع الأسف- يعتمد على الأسباب أكثر مما يعتمد على المسبِّب عز وجل. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا»، أي: تذهب في أول النهار جائعة، «وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]] : ترجع في آخر النهار. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُطْعِمُه أحد؛ لعدم حاجته إلى الطعام، وعدم حاجته إلى غيره، فهو ﴿لَا يُطْعَمُ﴾؛ لأنه لا يحتاج للطعام، ﴿وَلَا يُطْعَمُ﴾ أيضًا يعني: لا يحتاج إلى غيره، فهو غني عن كل من سواه، وكل من سواه مفتقر إليه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب إعلان النبي ﷺ عن نفسه أنه أول من أسلم؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام ١٤]، يعني من هذه الأمة، وهذا هو الذي صار. * ومن فوائد الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم محتاج إلى الإسلام، وليس له حق في الربوبية، كما صرح بذلك هو عليه الصلاة والسلام، حيث دعا عشيرته الأقربين، وجعل يناديهم بأسمائهم: يا فلان ابن فلان، إلى أن وصل إلى بنته فاطمة فقال: «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦ / ٣٥١) من حديث أبي هريرة. ]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: صحة النهي عما لا يمكن أن يقع؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فشرك النبي ﷺ لا يمكن أن يقع شرعًا، ومع ذلك نهى عنه. إذا قال قائل: ما هي الحكمة مع أنه لا يمكن أن يقع؟ قلنا: الحكمة فيما نعلمه وجهان: الوجه الأول: دعوته إلى الثبات على الإخلاص حتى لا يشرك في المستقبل. والثاني: تطمين أمته إذا نُهُوا عن الشرك أن ذلك ليس بمستنكَر، وليس به بأس؛ لأنه أمر إمامهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ألا يكون من المشركين. هل يؤخذ من هذا أننا نقول للشخص: أنت مشرك، إذا فعل ما يكون شركًا؟ يمكن أن نقول هذا، وهو على حسب الحال، إن كنا نظن أنَّا إذا قلنا: أنت مشرك، أخذته حمية الجاهلية واستكبر واستنكر، فإننا لا نخاطبه بهذا الأسلوب، وإن كان نعلم أنه ممن يتقي الله، وأننا إذا قلنا: هذا شرك، فإن فعلته فأنت مشرك، وإن قلته فأنت مشرك، أخذه خوف الله عز وجل، فأبعد عن ذلك إبعادًا كاملًا، فإننا لا بأس أن نقول: إنك مشرك، على حسب ما تقتضيه الحال.

الأنعام 6:15

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام ١٥]، أيضًا أَعْلِن أنك إن عصيت الله فإنك ستُعَذَّب. ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿عَذَابَ﴾ مفعول أيش؟ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، ولّا ﴿عَصَيْتُ﴾؟ ﴿أَخَافُ﴾، يعني: إني أخاف عذاب يوم عظيم إن عصيت ربي، فما هو اليوم العظيم؟ اليوم العظيم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج ١]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلن الجزاء يوم القيامة، وأنه يخافه إن عصى ربه. * ومن فوائدها: أن المعصية سبب للعذاب، ولكن المعاصي على نوعين: معاصٍ لا يغفرها الله؛ وهي الشرك، ومعاصٍ تدخل تحت مشيئة الله؛ وهي الكبائر، وهناك معاصٍ أخرى تُكَفِّرها الأعمال الصالحة؛ وهي الصغائر، هذا فيما يتعلق بينك وبين الله عز وجل. أما حقوق الآدميين فلا بد من إيصالهم حقَّهم؛ إما باستحلالٍ منه في الدنيا، وإما بأعمال صالحة تؤخَذ من أعمال هذا الظالم، وسبق لنا أن الإنسان إذا تاب من ذنب فيه جناية على غيره هل يسقط حق الغير أو لا، وذكرنا أن ظاهر النصوص أنه يسقط إذا كان غير مالٍ، كالذي يزني بامرأة كرهًا ثم يتوب، فإن الله يتوب عليه، ويُرضِي التي أُكْرِهت على الزنا، قال: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام ١٦]. قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام ١٥]، ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء وغيرهم، مُعْلِنًا هذا الكلام المهم. وفي قوله ﴿إِنِّي﴾ قراءتان: ﴿إِنِّيَ﴾ ، و﴿إِنِّي﴾، وهما سبعيتان. وقوله ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ مفعول ﴿أَخَافُ﴾، يعني: أخاف من عذاب هذا اليوم العظيم، وأظن أننا شرحنا هذا وفوائده.

الأنعام 6:16

﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ، ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾ فيها أيضًا قراءتان: ﴿مَنْ يَصْرِفْ﴾ و﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾. ﴿عَنْهُ﴾ يعني: عنه العذاب. ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: رحمه الله عز وجل، والضمير في قوله: ﴿رَحِمَهُ﴾ قد يقول قائل: كيف نعرف أنه عاد إلى الله عز وجل؟ فيقال: لأنه تقدم ذكره: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ﴿مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ﴾ يعني ربي، هذا العذاب، ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أو ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ هذا العذاب ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي: ربي. ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾، المشار إليه ﴿ذَلِكَ﴾ يعني الصرف المفهوم من قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ﴾. وقوله: ﴿الْفَوْزُ﴾ هذه خبر المبتدأ، ﴿الْمُبِينُ﴾ صفة للفوز. * في هذه الآية: دليل على أن الفوز الحقيقي هو الذي يحصل بصرف الله العذاب عن الإنسان يوم القيامة؛ أي الفوز لبيان الحقيقة الذي هو الفوز الأعظم؛ لأن غير هذا الفوز فوز زائل، حتى مَن وُفِّق في الدنيا فإن فوزه ناقص، إلا أن يكون فوزه في الدنيا سببًا للأعمال الصالحة التي يفوز بها في الآخرة. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ أي: البيِّن، وهي اسم فاعل من (أبان)، و(أبان) يصح أن تكون لازمة، ويصح أن تكون متعدية، فإذا قلت: أبان المعلم للطالب معنى الكتاب، هذه أيش؟ متعدية، وإذا قلت: أبان الصبح، بمعنى انجلى، فهذه لازمة، إذن ﴿الْمُبِينُ﴾ هنا بمعنى بَيِّن. * في الآية فوائد، منها: فوز من يُصْرَف عنه العذاب يوم القيامة. * ومنها: إثبات الرحمة لله عز وجل بلفظ الفعل؛ لقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، ورحمة الله تبارك وتعالى من الصفات الذاتية الفعلية؛ فباعتبار المفهوم تكون فعلية، وباعتبار كونها وصفًا ثابتًا لله تكون من الصفات الذاتية، والرحمة يكون بها حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب. فإذا قال قائل: هل رحمة الله حقيقية، أو هي عبارة عن الثواب، أو إرادة الثواب؟ فالجواب: هي حقيقية ولكنها ليست كرحمة المخلوق يكون فيها نوع من الضعف، ولكنها رحمة الخالق الذي هو فوق عباده -عز وجل-. وقد أنكر قوم الرحمة، وقالوا: إن الله لا يُوصَف برحمة حقيقية؛ لأنها تدل على الرقة واللين، وهذا لا يليق بالله عز وجل، فإذا قلنا لهم: فسِّروها لنا، قالوا: الرحمة هنا عبارة عن آثار الرحمة، وهي إما الإرادة، وإما الثواب والفضل الذي حصل برحمة الله. فإذا قيل لهم: ما الذي حملكم على صرف الكلام عن ظاهره؟ قالوا: لأن الرحمة على الوجه الذي ذكرنا تدل على الضعف، هذا منتهى تقريرهم. فنقول لهم: هذه الثمرة من تقريركم جوابها لدينا سهل جدًّا، وهو أن نقول: هذه الرحمة التي ادعيتم أنها تدل على الضعف إنما هي رحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فإنها لا تدل على هذا بوجه من الوجوه، بل تدل على كمال فضله وكرمه عز وجل. ثم إن لنا أن ننازعكم في دعواكم أن اللين والرقة يدل على الضعف، فكم من ذي سلطان قوي يكون رحيمًا، وهو ذو سلطان قوي يستطيع أن يبطش برعيته كما يشاء، ويكون رحيمًا بمن يستحق الرحمة، فنمنع أولًا الدعوى، ثم لو سلَّمنا جدلًا بأن الرحمة تدل على اللين والرقة فهذه رحمة المخلوق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفوز الحقيقي البيِّن الظاهر هو الفوز من نجاة العذاب يوم القيامة، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك.

الأنعام 6:17

ثم قال الله عز وجل مسلِّيًا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومُثْبِّتًا له ومقوِّيًا عزيمته: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام ١٧]، والضر هنا يشمل: الضر في البدن، والعقل، والمال، وكل ما يكون به الضرر على الإنسان. وكلمة ﴿ضُرٍّ﴾ كما تشاهدون نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، أيُّ ضر يمسسك الله به، يعني يصيبك، ﴿فَلَا كَاشِفَ﴾ أي: لا مزيل له إلا الله عز وجل. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، والخير هنا المراد به ضد الضرر؛ من الصحة، والعقل، والمال، والأهل، والأمن، وشرح الصدر، وغير ذلك. ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: قادر على أن يزيل الضرر الذي أصابك إلى خير. وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] عز وجل. * يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله. وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس ١٠٧] عز وجل. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلِّق رجاءه بالله عز وجل؛ لأنه إذا علم مضمون هذه الآية فسوف يعتمد في أموره كلها على الله. * ومنها: تقوية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدعوة إلى الله، وأنه مهما حاول هؤلاء أن يصيبوك بضرر فإنهم لا يملكون ذلك إذا لم يكن الله أراد. * ومنها: الحث على الصبر؛ لأنك إذا علمت أن الذي أصابك بالضُّرِّ هو الله فلا بد أن تَصْبِر؛ لأنك عبده يفعل بك ما شاء، فتصبر على ما يصيبك من الضَّرَر. * ومنها: قوة رجاء العبد بالله عز وجل إذا أصابه الضرر أن يزول عنه الضرر؛ وجه ذلك قوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وكم من أضرار حدثت للإنسان حتى أوصلته إلى اليأس والقنوط كشفها الله عز وجل، كم من إنسان أصيب بمرض حتى وصل إلى حافة القبر ثم شفاه الله، وكم من إنسان أصيب بالفقر حتى وصل إلى ألَّا يجد قوت يومه وليلته أغناه الله، وكم من إنسان كان وحيدًا فرزقه الله، وهلم جرًّا؛ لأن الله على كل شيء قدير. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تمام سلطان الله عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى هو المتصرف كما يشاء بعباده؛ لقوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكَ﴾ بكذا، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ﴾ بكذا. * ومنها: عموم قدرة الله؛ لقوله: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، يقابل القدرة العجز، وهنا صفتان متشابهتان أو متقاربتان؛ القوة والقدرة، والفرق بينهما يحصل بالتعريف، القدرة: التمكن من الفعل بلا عجز، والقوة: التمكن من الفعل بلا ضعف؛ والدليل قول الله تبارك وتعالى في القدرة: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، والدليل للقوة قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، أيهما أكمل أو أيهما أعمُّ؟ نقول: أما القوَّة فهي أعمُّ؛ لأنها تكون في ذي الشعور وغيره؛ ذي الشعور يعني: في ذي الإرادة وغيره؛ فتقول: فلان قويٌّ، وتقول: الحديد قويُّ، وأما القدرة فإنها لا تكون إلا من ذي الإرادة؛ إذ لا يصح أن تقول: الباب قادر؛ لأنه ليس له إرادة، أيهما أكمل؟ القوة أكمل؛ لأنه يلزم من وجود القوة القدرة ولا عكس، ونضرب مثلًا لهذا برجل قيل له: احمل هذا الجحر، فحمله لكن بمشقة، بماذا نصف هذا الرجل؟ بأنه قادر غير قوي، وإنسان آخر قلنا له: احمل هذا الحجر، أراد أن يحمله فعجز، نقول: هذا عاجز غير قادر، ورجل ثالث قلنا: احمل هذا الحجر، فأخذه وكأنه ريشة، هذا قويٌّ، وهل هو قادر؟ نعم، من باب أولى. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ فالله قادر عليه، حتى وإن بَعُدَ في ذهنك فالله قادر عليه؛ ولهذا نبَّه الله تبارك وتعالى زكريا حين قال: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨] قال الله له: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩] قال: لا، أنا خلقتك من قبل ولم تك شيئًا، قادر على أن يخلق لك ولدًا، أليس كذلك؟ وهذا قياس أولوية واضح أو على الأقل قياس مِثْلِيٌّ واضح، فالقادر على العدم قادر على الإيجاد، والقادر على الإيجاد قادر على العدم. إذن يا أخي، لا تستكثر أن تسأل الله تبارك وتعالى شيئًا لا تكون فيه معتديًا في الدعاء، ولو كان في نظرك بعيدًا؛ لأن الله تعالى على كل شيء قدير.

الأنعام 6:18

ثم قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام ١٨]. ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، ومرجعه ما سبق من الآية. ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ القاهر هو الغلبة مع السلطان يعني السلطة؛ لأن الغالب المطلق قد لا يكون له سُلْطة، لكن قهر الله عز وجل غلبة مع سلطة تامة. وقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هل المراد فوقية المكانة أو فوقية المكان أو هما جميعًا؟ نعم، هما جميعًا؛ فوقية المكان وفوقية المكانة؛ وعليه فيكون المعنى هو القاهر فوق عباده؛ من حيث المعنى لا يمكن أن تغلبه قُوَّةٌ، ومن حيث المكان أنه فوق كل شيء. وقوله: ﴿عِبَادِهِ﴾ جمع عبد، والمراد به هنا العبودية العامة التي تشمل المؤمن والكافر؛ لأن العبودية ثلاثة أقسام: عامة، وخاصة، وأخص؛ العامة: هي عبودية أن جميع المخلوقات كلها ذليلة أمام الله عز وجل فهي عابدة، قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، الخاصة: هي عبودية المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]، العبودية التي أَخَصُّ: هي عبودية الرسل قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧١ - ١٧٣]؛ فهنا ثلاثة أقسام، الأخ يبينها لنا بارك الله فيك هنا ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ هي العامة أو الخاصة؟ * طالب: العامة. * الشيخ: العامة، واعلم أن الخاصة تدخل في العامة؛ بمعنى أنهم عباد لله العبودية القدرية والعبودية الشرعية. إذن ﴿الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ المراد عبودية القدَر؛ كلٌّ خاضع لله عز وجل لو كان من أقسى عباد الله فهو عبد لله، ففرعون مثلًا عَبْدٌ لله بالمعنى العام، وموسى عبد لله بالمعنى العام والخاص. فالعبودية الشرعية خاصَّة، والعبودية القدرية الكونية عامَّة. ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ﴿الْحَكِيمُ﴾ تصحُّ أن تكون بمعنى مُحكِم؛ والشاهد على مجيء (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، بل الشواهد كثيرة؛ منها قول الشاعر: أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُــــــــــــــوعُ (الدَّاعِي السَّمِيعُ) ولّا المُسْمِع؟ ليس المعنى السامع؛ لأنه داعٍ، (السميع) يعني المسمع. ............................ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِيهُجُـــــــــــــــــوعُ و(حكيم) أيضًا بمعنى حاكم؛ إذن هي مشتقة من الحِكمة ومن الحكم، والدليل على هذا -على أنها من (الحكم)- قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، وأما من (الحكمة) فكما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨] والجواب: بلى. إذن ﴿الْحَكِيمُ﴾ مشتقة من الإحكام والحكم؛ فإذا كان مشتقًّا من الإحكام فهي بمعنى مُحكِم، وإذا كانت من الحكم فهي بمعنى حاكم، والله تبارك وتعالى موصوف بهذا وهذا. ثم اعلم أن الحكم كونيٌّ وشرعيٌّ؛ من الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] أي: يُقَدِّر لي، هذا حكم قَدَرِيٌّ. وأما الشرعيُّ فمنه قول الله تبارك وتعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]. إذن الحكم نوعان: كوني، وشرعي؛ مثال الكوني قول الله تعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠]، ومن الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] أي: شَرْعُه، حكم شرعي. فإن قال قائل: ما الفرق بينهما؟ قلنا: الفرق بينهما من وجهين؛ الأول أن الحكم القدري لا بد أن يقع إذا حكم الله تعالى بشيء حكمًا قدريًّا فلا بد أن يقع؛ حَكَم سبحانه وتعالى بالخوف لا بد أن يقع الخوف، بالجدب لا بد أن يقع الجدب، بالرخاء لا بد أن يقع الرخاء، وهلم جرًّا. الحكم الشرعي إذا حكم بشيء قد يُنَفَّذ وقد لا ينفذ؛ فإذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة ١٧٣] فهل نقول: إن هذه الآية تدل على أنه لا يمكن أن يأكل الميتة أحد؟ لا، قد يأكل وقد لا يأكل. الفرق الثاني: أن الحكم الشرعي سواء كان إيجابًا أو تحريمًا لا يكون إلا فيما يرضى الله عز وجل، لا يمكن أن يأمر الله عباده بما يكرهه ولا أن ينهاهم عما يحبه. الحكم الكوني يكون فيما يحبه ويرضاه، وفيما يكرهه ويُسخطه، هذا هو الفرق، انتهينا من الكلام على الحكم. الحكمة نوعان: حكمة وهي أن يكون الشيء على هذه الصورة المعينة، حكمة أخرى: أن يكون هذا الشيء لغاية محمودة، الأولى حكمة صورية، الثانية غائية، فإذا تأملت المخلوقات كلها وجدت أنها في غاية الحكمة: شمس، وقمر، نجوم، رياح، أمطار، وهكذا كلها لحكمة، وإذا نظرت الغاية منها وجدتها غاية حميدة مطابقة للحكمة. كذلك أيضًا الشرع إذا تأملت الشرائع وجدت كون هذا الشيء على صورة معينة حكمة، وكونه لغاية حميدة حكمة؛ في الزكاة مثلًا نجد الزروع ما سقي بالمؤونة، كم فيه؟ نصف العشر، وما سُقِي بلا مؤونة العشر، ليش اختلف؟ لأن الواقع يقتضي ذلك؛ ما سقي بالمؤونة تَعِبَ عليه صاحبه وأنفق مالًا كثيرًا في استخراج الماء، وذاك لم يكن عليه هذا. كذلك إذا تأملت الحكمة في الزكاة أيضًا؛ وجدت أن المال القليل لا تجب فيه الزكاة، لأنه لا يحتمل المواساة بخلاف الكثير، ووجدت ما يشقُّ إخراج الزكاة عنه لا تجب فيه الزكاة كالثياب والمراكب والبيوت وما أشبهه. طيب، ما الحكمة من الزكاة؟ الآن عرفنا أن الزكاة على صورة معنية حكمة، لكن ما الحكمة من الزكاة؟ اسمع ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣] هذا أفضل شيء؛ تطهرهم من الذنوب؛ لأن الصدقة تطفئ الخطيئة. ﴿تُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تزكِّي أخلاقهم ودينهم، تزكِّي دينهم؛ لأنه يبذل ما يحب فيما يحب الله عز وجل، ولا يمكن أن يبذل الإنسان محبوبًا إلا لما هو أحب، كذلك تزكي أخلاقهم بالكرم والسخاء والرخاء. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن من أسباب انشراح الصدر الصدقة والبذل، وهذا معنى خفيٌّ؛ كلما كان الإنسان أشدَّ بذلًا للمال كان أوسع صدرًا لا سيما إذا كان يؤمن بأنه يقربه إلى الله عز وجل، وأنه يُكَفِّر سيئاته، وما أشبه ذلك. المهم الآن (الحكم) و(الإحكام)؛ الحكم كوني وشرعي، الإحكام صوري وغائي، وتكون أيضًا الحكمة في المشروعات وفي المخلوقات. ﴿الْخَبِيرُ﴾ يعني: ذا الخبرة، قال أهل العلم: والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، مشتقة من خبير الزرع الذي يدفنه في الأرض ويكون خفيًّا، ولهذا يمر عليكم في الحديث أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «نهى عن الْمُخَابَرَة»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨١) من حديث جابر بن عبد الله.]] يعني: المزارعة التي تشتمل على الغرر. إذن ﴿الْخَبِيرُ﴾ يعني: العليم ببواطن الأمور -جل وعلا- حتى إن الله قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] الذي يُحدِّث به نفسَه يعلمه الله عز وجل قبل أن يحدِّث به لسانه، وقبل أن يعلم به إخوانه. ﴿الْخَبِيرُ﴾ إذن ذو الخبرة وهي العلم ببواطن الأمور، هل نقول: إذا كان خبيرًا لزم أن يكون عليمًا؟ نعم، يلزم أن يكون عليمًا، وقرن الله تعالى هنا بين (الحكيم) و(الخبير) ليعلم الناس أن حكمة الله عز وجل عن خبرة وعلم ببواطن الأمور؛ وعلى هذا فقد تكون خفيَّة على كثير من الناس؛ لأنه لا يدرك الحكمة إلا من كان خبيرًا. ففي قَرْن هذين الاسمين فائدة؛ وهي أن الخبرة قد تكون خفيَّة لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ ومن ثَمَّ قلنا: إن جميع أوامر الشرع ونواهيه حكمة، ولا حاجة أن نعرف العلَّة؛ لأنا نعلم أن الله حكيم عز وجل، وأنه ما شرعه إلا لحكمة فلا حاجة، وما موقفنا من الأوامر والنواهي إلا أن نقول: سمعنا وأطعنا. إن تيسَّر لنا معرفة الحكمة فهذا مِنَّة من الله عز وجل ومساعدة ومعونة من الله حتى يطمئن القلب ويقوى الإيمان، وإن لم تتبين فالمؤمن يكفيه أن هذا حكم الله عز وجل؛ ولذلك ربما تكون العبادة التي تخفى حكمتها أبلغ في التعبد؛ لأن الشيء إذا عَلِمْت علَّتَه قد يكون عقلك يأمرك به، لكن إذا كنت لا تعرف العلة فإن تَذَلُّلَك لله به وعبادتك إياه أبلغ في التذلُّل، مثلًا رمي الجمرات؛ حصى تأخذها من الأرض ترمي بها في مكان معين، فالإنسان قد يعلم العلة، وقد لا يعلم أكبر علة فيها أنها ذكر لله عز وجل، كما جاء في الحديث «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ»[[أخرجه أبو داود (١٨٨٨)، وأحمد (٢٤٣٥١) من حديث عائشة.]] فهذا كمال التعبد، إنسان عاقل مؤمن فاهم ذكي يأخذ حصيات ويرميها في مكان معين، هذا لولا أنه مشروع لقيل: إنه عبث، لكنه في وقته ومكانه مشروع لأنه أيش؟ فيه كمال التعبد والتذلل لله، وأن المؤمن يقول: سمعنا وأطعنا، مع أن فيه ذكرًا لله في القلب وهو كمال التذلل والتعبد، وفيه ذكر الله باللسان؛ لأن يُشْرَع في كل حصاة ترميها أن تقول: الله أكبر.

الأنعام 6:19

ثم قال عز وجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام ١٩] قيل: إن هذه الآية لها سبب؛ وهو أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: مَنْ يشهد لك بأنك حق؟ اليهود والنصارى أنكروا، فمن يشهد لك؟! فأنزل الله هذه الآية[[ذكره الثعلبي في تفسيره (٤ / ١٤٠).]]، وسواء كان هذا هو السبب أو لم يكن هذا هو السبب؛ لأن في قلوب المشركين لا شك أن الشيطان يُلْقِي في قلوبهم ويقول: محمد ويش عنده من الآيات؟ ويش عنده من الشهادة؟ يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾، أي شيء؟ الجواب واضح؛ ولهذا أمر الله نبيَّه أن يجيب قبل أن يجيب هؤلاء لئلا يكابروا ويعاندوا؛ فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وكان يتبادر أن ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ جوابًا لهم هم لو قالوا: مَنِ الشاهد؟ لكن الرسول يسألهم يقول: أي شيء أكبر شهادة؟ ربما يكابرون ويقولون: لا شاهد لك؛ فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. نُعرب هذه الآية؛ لأن فيها أُوْجُهًا؛ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ الإعراب الأول: أن يكون الاسم الكريم مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير (قل الله أكبر شهادة)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير (هو شهيد بيني وبينكم). أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره محذوف، التقدير: الله أكبر شهادة؛ ليكون مطابقًا لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾؛ وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير (هو شهيد بيني وبينكم). الوجه الثاني: أن يكون الاسم الكريم خبره محذوف تقديره (هو الله)، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿شَهِيدٌ﴾ يجوز فيها وجهان: الوجه الأول: أن تكون خبرًا ثانيًا للمبتدأ المحذوف، ويكون التقدير (هو الله شهيد) خبر ثان. والوجه الثاني: أن تقول: (شهيد) خبر مبتدأ محذوف يعني: هو الله هو شهيد بيني وبينكم. هذه الأوجه في الإعراب يتوقف عليها الوقوف على أي كلمة (...) ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ نقف على هذا، فيه وجه آخر منفصل عن هذه الوجوه أن يكون الاسم الكريم مبتدأ خبره شهيد ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾، وإذا كان الله شهيدًا بينه وبين أعدائه فمن أكبر من الله؟ لا أحد أكبر. كل هذه الأوجه مهما تنوعت لا تعدو أن يكون المعنى الله أكبر شهادة من كل شيء، ولا شك في هذا، الله أكبر شهادة من كل شيء. وبماذا شهد الله للرسول عليه الصلاة والسلام؟ شهد الله للرسول ﷺ بصدقه باللفظ وبالفعل؛ اللفظ قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦]، وقال عز وجل: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون ١] فهذه شهادة قولية من الله على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق. أما الفعل؛ الآيات الذي يظهرها الله علي يده هذه شهادة فعلية من الله، التمكين له في الأرض، تمكينه من أن يضرب الأعناق ويسبي الأموال والذرية، تمكينه من أن يتلو القرآن على الناس، ويقول: هذا كلام الله، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] شهادة الله الفعلية كثيرة، شهد الله لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه حق. ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام ١٩]، ﴿أُوحِيَ﴾ أَبْهم الفاعل؛ لأنه معلوم، فالموحي هو الله عز وجل. و(الوحي) في اللغة العربية في الأصل الإعلام بسرعة وخفاء، أن تُعلِم صاحبك بسرعة تُعْطيه كلمات يفهمها بسرعة وخفاء لئلا يطَّلع عليها أحد، فأصله السر، أصل الوحي السر؛ لكنه في الاصطلاح هو عبارة عن تكليم الله عز وجل بواسطة أو بغير واسطة لأحدٍ من عباده بشريعة يُبَلِّغها الناس، هذا الوحي، وسُمِّي بذلك؛ لأن الوحي خفيٌّ؛ تارة يكون في رَوْع الرسول، وتارة يكون بتكليم الله للرسول من وراء حجاب، وتارة يكون بإرسال رسول يرسله الله عز وجل فيوحي بعلمه ما يشاء. وقوله: ﴿الْقُرْآنُ﴾ مصدر كالغفران والشكران، وهل هذا المصدر بمعنى اسم المفعول ولَّا بمعنى اسم الفاعل؟ المصدر يأتي بمعنى اسم الفاعل ويأتي بمعنى اسم المفعول، تقول: هذا عدل رضًا أي: عادل راض، وفي الحديث «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]] أي: مردود، فهل هنا هذا المصدر بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ الجواب: بهما، يكون لهما جميعًا، فهو بمعنى اسم الفاعل أي: قارئ؛ لأنه جامع، جامع آياته وكلماته وما يحتاج الناس إليه، بمعنى مفعول أي: مقروء، وكلا الوصفين ثابت للقرآن الكريم. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ (اللام) هنا متعلق بأوحي أي: أوحي إلي؛ لأكون منذرًا لكم، وهذا هو الحكمة من الوحي؛ أن الله سبحانه وتعالى يوحي للرسول لينذر به، وإذا أورث الله تبارك وتعالى رجلًا هذا الوحي، فإنما أورثه الله لينذر ويقول الحق، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد. ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ (مَنْ) هذه اسم موصول معطوف على أيش؟ على كاف (لِأُنْذِرَ)؛ يعني: وأُنذر من بلغ، والفاعل يعود على القرآن، والمعنى ومن بلغه القرآن بأي واسطة، مَنْ بَلَغَه القرآنُ فقد أُنذِرَ، ولكن مَنْ بلغه القرآن بغير اللغة العربية لم يفهم منه شيئًا فلا تقم عليه الحجة، ومن بلغه باللغة العربية وهو لا يفهمها فإنها لا تقوم عليه الحجة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أيش؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] جعلناه يعني: صيرناه باللغة العربية. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ إلى آخره. * وفي هذه الآية فوائد منها: إثبات اسم (القاهر) لله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ﴾، وجاءت بصيغة أخرى (القَهَّار) كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فيستفاد من إثبات الاسم إثبات الصفة وهي القهر؛ لأن كل أسماء الله دالة على معنى واحد أو أكثر؛ لأنها أسماء وأوصاف، فهي باعتبار تعيين الذات أسماء، وباعتبار دلالتها على المعنى أوصاف، ولهذا نقول: أسماء الله عز وجل ليست كأسماء بني آدم مثلًا، فإن بني آدم قد يُسَمَّى الإنسانُ باسم، وهو من أبعد الناس عن وصفه بخلاف أسماء الله. * من فوائدها: إثبات الفوقية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وكما سبق أنها فوقية مكان وفوقية مكانة؛ أما فوقية المكانة فما أحد من المسلمين ينازِع، وهي الفوقية المعنوية، أما فوقية المكان فقد تنازع المسلمون فيها على طرفين ووسط، الطرف الأول يقول: إنه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في السماء وفي الأرض وفي الأسواق وفي المساجد وفي المدارس وفي كل مكان، ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من اللوازم الفاسدة كمخالفة النصوص، مخالفة الفطَر، مخالفة العقول، وصف الله تعالى بما لا يليق بجلاله. وقسم آخر على العكس من هذا؛ قال: لا يجوز أبدًا أن نثبت أن الله في مكان؛ لا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال، ومعلوم أن هذا القول يعني العدم، فإذا قلت: إن الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، فهذا هو العدم تمامًا؛ ولهذا قال محمود بن سُبَكتَكين رحمه الله -وهو من أقوى الأمراء والسلاطين في المشرق- قال لمحمد بن فورك لما سأله عن علوِّ الله وقال: لا نقول: فوق ولا تحت إلى آخره، قال: بَيِّن الفرق بين إلهك والعدم، أو كلمة نحوها، وصدق رحمه الله. قلنا: إنهم طرفان ووسط؛ الوسط الذي هدى الله إليه سلف الأمة وأئمة الأمة وأهل السنة أن الله تعالى في مكان فوق كل شيء، لكن ليس معنى ذلك أنه في مكان يحيط به مكان، كما نحن الآن في المسجد يحيط بنا جدار المسجد لا، في مكان فوق فضاء؛ لأن ما فوق المخلوقات عدم، ما فوقها شيء، حتى نقول: إن الله أحاط به شيء من مخلوقاته فهو فضاء عدم، والله تعالى فوق كل شيء. وهذه الفوقية فوقية المكان دل عليها الكتاب والسنة، فلنسأل؛ نريد دليلًا من القرآن على فوقية الله عز وجل فوقية المكان؟ * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك ١٦]، وقوله سبحانه وتعالى في الآيات: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]. * الشيخ: من السنة. * طالب: (...) «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّها مُؤْمِنَة»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]]. * الشيخ: نعم، من السنة الفعلية. * طالب: النبي ﷺ عندما كان في حجة الوداع كان يشير إليهم.. * الشيخ: كان يقول: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» يرفع أصبعه إلى السماء ثم يَنْكُتُهَا إلى الناس، يردها إليهم»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر.]]، كذلك أيضًا من أدلة علو الله الدليل العقلي. * طالب: أن العلو أفضل من السفل. * الشيخ: صفة كمال، أليس كذلك؟ والله تعالى موصوف بصفة الكمال، فلزم أن يكون عاليًا؛ ولأن ضد العلو السفل لأنهما متقابلان، فإذا انعدم عُلُوُّه لزم ثبوت سفوله، وهذا مستحيل على الله عز وجل. الفطرة؟ * طالب: أن الإنسان يجد في نفسه توقًا إلى العلوِّ إذا ضُيِّق عليه، أو ما أشبه ذلك ارتفع قلبه إلى السماء. * الشيخ: نعم، أن الإنسان كلما دعا يجد من نفسه ضرورة لطلب العُلو، ما قال: يا ألله، إلَّا يجد قلبه يرتفع إلى السماء بدون أي دراسة، وبدون أي تعليم، فهو دليل فطريٌّ، حتى قيل: إن البهائم تُقِرُّ بذلك، وفيه الحديث الضعيف: «أن سليمان بن داود عليهما السلام خرج مرة يستسقي أي: يطلب نزول المطر، فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء تقول: اللهم إنَّا خلق من خلقك، فلا تمنع عنا رزقك. فقال: ارجعوا فقد سُقِيتُم بدعوة غيركم»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٩٧٩)، والطبراني في الدعاء (٩٦٨) من حديث أبي الصديق الناجي.]] هذا الأثر ضعيف لكن ما يُسْتَبْعَد أن البهائم العُجمى تعترف بعُلُوِّ الله عز وجل. فتبين الآن أن دلالة الأدلة كلها الكتاب والسنة والعقل والفطرة -وهناك إجماع على هذا- متفِقة على علو الله تبارك وتعالى علو مكانة، وليس فيه أي نقص، وأما تدجيل المنكرين على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والنبي والصحابة بأنه يلزم من ذلك أن يكون (...). فنقول: إذا لزم هذا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليكن، وما يضرنا إذا لزم، ولا شك أن الله سبحانه تعالى له ذات مخالفة لذوات المخلوقات من كل وجه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] حتى في الوجود والحدوث مخالفة، فإن الله لم يزل ولا يزال موجودًا بخلاف غيره من المخلوقات فهو حادث بعد أن لم يكن، وأيُّ ضرر في هذا؟ لكن إياك أن تتصور هذه الذات العليَّة؛ لأنك لا تستطيع أن تتصورها بصورة مطابقة إطلاقًا كما قال عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠]. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات العبودية لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وهذه العبودية الكونية؛ كل الخلق عباد الله عز وجل يفعل فيهم ما شاء، ولا يمكن لأي واحد بَرٍّ أو فاجر، مؤمن أو كافر يستعصي على ربه عز وجل من هذه الناحية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اسم الله، بل إثبات اسمي الله (الحكيم) و(الخبير) وما تضمناه من صفة؛ فالذي تضمنه (الحكيم) صفتان الإحكام والحكم وإن شئت فقل: الحكمة والحكم، وقد سبق في التفسير أن الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها. قال بعضهم: إن الشرع ما أمر بأمر فقال العقل: ليته لم يأمر به، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته لم ينه عنه؛ لأنَّ أوامر الشرع ونواهيه مطابقة تمامًا للحكمة، كذلك الأمور الكونية كلها مطابقة للحكمة كما سبق في التفسير. بالنسبة للحكم أيضًا؛ حكم الله نوعان: شرعي وقدري، أو إن شئت قل: كوني، وهي أيضًا موافقة للحكمة، وذكرنا أن الحكمة في التفسير نوعان: حكمة غاية وحكمة صورة؛ الغاية أن كل ما قضاه الله كونًا أو شرعه فإنه على وفق الحكمة والغاية منه حكمة أيضًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات وصف الْخِبْرة لله عز وجل؛ وهي العلم ببواطن الأمور، يترتب على إيماننا بهذا أولًا: أن نستسلم لحكم الله الشرعي كما أننا مستسلمون لحكمه القدري، وألَّا نكلِّف أنفسنا بالاطلاع على الحكمة فيما لا تدركه عقولنا، بل نؤمن ونسلم، وكذلك يقال: في الأحكام القدرية تؤمن بالله وتسلِّم لقضائه. إذن يستلزم من جهة المنهج والمسلك أن الإنسان يرضى بالحكم الشرعي، لا يقول: ليته لم يُحرَّم أو ليته لم يُوجَب، وكذلك القدر يستسلم له. * كذلك من الفوائد المسلكية والمنهجية: أنك تلتزم بأحكام الله الشرعية؛ لأن الحكم له والحكمة فيما شرع، فلا مناص لك عن أحكام الله الشرعية، وهل هذا يمنع من أن نسأل عن الحكمة؟ لا يمنع لكن بشرط أن نستسلم تمامًا قبل معرفة الحكمة، أما أَلَّا نستسلم إلا إذا عرفنا الحكمة فهذا غلط عظيم. وبالنسبة (للخبير) متى علمت أن الله سبحانه تعالى خبير بكل شيء يقع منك؛ فإنك سوف تخاف من مخالفة الله عز وجل، وسوف ترغب بالقيام بأمر الله؛ لأنك تعلم أنك لن تعمل عملًا إلا علم الله به، وهذه نتيجة مهمة جدًّا، من يترك الزنا مثلًا في مكان لا يطلع عليه إلا الله وبدون معارضة من المرأة والنفس تدعو لذلك، من يترك هذا في مثل هذه الحال إلا مؤمن يعلم أن الله يراقبه، وتأمل في قصة يوسف عليه السلام دعته سيدته إلى نفسها في مكان خال ولا يمكن الوصول إليه لأنها غَلَّقت الأبواب، وهي امرأة العزيز ستكون على جانب كبير من الجمال أو التجمُّل، ولما هَمَّت به وهم بها رأى برهان الله عز وجل؛ أي ما في قلبه من الإيمان فانصرف عنها وتركها خوفًا من الله تبارك وتعالى، وقال الله في ذلك: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كان الأمر كذلك ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف ٢٤]. وتأمل قول النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله منهم: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]. فالمهم أنك متى آمنت بعلم الله عز وجل بجميع أحوالك وبما في قلبك فإنك لن تخالفه فتعصيه، كيف تخالف الله عز وجل وتعصيه وهو يعلم؟ هذا لا يقع إلا ممن أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية. * طالب: أحسن الله إليك، أشكل علي قول الله أن يوسف عليه السلام ﴿رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤] (...) في قلبه فهل الإيمان شيء يرى (...)؟ * الشيخ: لا، الرؤية قد تكون بصرية، وقد تكون علمية. * الطالب: (...) رأى شيئًا (...). * الشيخ: لا، (...) ﴿بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ ما رأى شيئًا، أما قولهم: إنه تمثَّل له أبوه، وما أشبه ذلك ما هو بصحيح. * طالب: (...) قلتم يا شيخ، في فوقية المكان: تنازع فيها المسلمون، فهل من يقول بأن الله في كل مكان نعتبرهم مسلمين؟ * الشيخ: نعم، هم الآن ينتسبون للإسلام؛ ولذلك يُعَدُّون من الفرق الإسلامية، وبعض العلماء رحمهم الله أخرج الجهمية من الفرق الإسلامية، لكن هذه مشكلة لو قلنا بها يوجد فيها ناس ما نستطيع أن نحكم عليهم بالردة. * طالب: رضي الله عنك يا شيخ، بالنسبة للبهائم يا شيخ، أعلم أن الله يعلم ما في قلبي ويعلم (...) ويعلم صدقي وكذبي يا شيخ، رأيت ناقة من شدِّة الولادة ترفع رأسها لفوق. * الشيخ: لا إله إلا الله! * الطالب: (...) ما أدري (...)؟ * الشيخ: الله أكبر، هذا ما يُسْتَبعد أنها رفعت رأسها إلى ربها عز وجل. * الطالب: (...). * الشيخ: سبحان الله! هذا ما يستبعد، لا يستبعد. * طالب: رأيت يا شيخ (...) حشرة كالجرادة، الإنسان يقف يدعو وهي تمد يدها هكذا، وتقف على رجليها تمد يدها هكذا، وترفع رأسها للسماء. * الشيخ: إذا آذاها أحد. * الطالب: لا، واقفة هكذا رأيتها في سفر هي تقف ويدها مرفوعة. * الشيخ: بدون أذية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: سبحان الله! أما الجُعْل تعرفون الجعل واضح إذا أحد آذاه وقف على رجليه ورفع يديه، هذا مشاهد. * طالب: (...) سلاحه. * الشيخ: كيف؟ * الطالب: يبرز السلاح. * الشيخ: أيُّ سلاح؟ * الطالب: السلاح اللي (...). * الشيخ: ما فهمت. * الطالب: (...).* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ يعني قل يا محمد لهؤلاء المكذبين لك: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ فإن أجابوا خصموا، وإن لم يجيبوا فقل أنت، أجب: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ يعني: أكبر شهادة. ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ سبق الكلام على إعرابها، وذكرنا أن شهادة الله لرسوله بالحق نوعان: قولية وفعلية. قال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ﴾ أيضًا تكلمنا عليه وبينَّا معنى القرآن وأنه مصدر إما بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول. ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فمَنْ بلغه هذا القرآن فكأنما خاطبه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى يوم القيامة؛ لأنه قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ﴾ أيها المخاطبون ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ هذا الاستفهام للإنكار، وهو استفهام داخل على جملة مؤكدة بـ (إن واللام) فهي كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] همزة داخلة على جملة مؤكدة بـ (إن واللام). ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يؤكِّد أنهم شهدوا أن مع الله آلهة أخرى، وينكر عليهم هذه الشهادة؛ لأن هذه أكذب شهادة، ولقد قال هؤلاء: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ [ص ٥، ٦] أي: الأشراف ﴿أَنِ امْشُوا﴾ دعوا هذه الدعوة لا تغرنكم، ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ إلى آخره [ص: ٦، ٧]. ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ يعني: إن شهدتم فأنا بريء منكم، لا أشهد أن مع الله آلهة أخرى. ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ كرر الأمر بالقول لأهمية الموضوع، فأمر أولًا بنفي شهادتهم، ثم أمر ثانيًا بإثبات شهادته أن الله إله واحد. ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿بَرِيءٌ﴾ (البراءة) بمعنى الخُلُوِّ، ومنه أبرأ الرجل غريمة أي: أخلاه من الدَّيْن الذي عليه؛ فمعنى ﴿بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أَنِّي خَلِيٌّ مما تشركون، فأنبِذه ولا أقِرُّ به. وقوله: ﴿مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ يعمُّ كل ما يشركون به. فإن قال قائل: هل هو بريء من عيسى؟ الجواب: أن نقول: إن عيسى عليه السلام لا يَتَبَرَّأ منه الرسول عليه الصلاة والسلام، وبناء على هذا فإما أن نجعل (ما) مصدرية ويكون المعنى بريء من شرككم، وإما أن نجعلها موصولة، ويستثنى من ذلك من يُعبَد من دون الله وهو صالح من الأنبياء والملائكة وغيرهم، وهذا نظير قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨ - ١٠٠] لما نزلت هذه الآية احتج المشركون على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقالوا: إذن عيسى من أهل النار؛ لأنه يُعْبَد من دون الله، فأنزل الله تعالى ردًّا لهذه الشبهة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١] فيكون عيسى عليه السلام مستثنى من العموم، وهنا كذلك نقول، فصار المخرج خمسة أوجه؟! * طلبة: أحد أمرين. * الشيخ: أحد أمرين؛ إما أن نجعل (ما) مصدرية، فيكون المعنى بريء من شرككم، أو نجعلها موصولة، ويستثنى من ذلك من جُعِلَ شريكًا مع الله وهو لا يرضى بذلك من الأنبياء والملائكة والصالحين. * من فوائد الآية: إطلاق اسم الشيء على الله لقوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾؛ لأن اسم الاستفهام إذا أضيف إلى كلمة صارت هذه الكلمة صادقة على جواب الاستفهام، وهنا جواب الاستفهام ما هو؟ الله، فيكون الله تعالى شيئًا؛ يعني: يصدق أن نسمِّيَه شيئًا، وقد قال البخاري رحمه الله: وسمَّى الله نفسه شيئًا. ولكن يجب أن نعلم أنه يُخْبَر بكلمة الشيء عن الله، ولكن لا يُسَمَّى به؛ دليل هذا هو أن الله تعالى له الأسماء الحسنى، وكلمة (الشيء) لا تدل على هذا المعنى فيُخْبَر بها عنه، ولكنه لا يُسَمَّى بها، إذن يُخْبَر عن الله بأنه شيء ولكن لا يُسَمَّى به. هل يطلق على القرآن بأنه شيء؟ نعم، هو شيء لا شك. قالت الجهمية: إذا أطلقتم على القرآن أنه شيء فقد أقررتم بأنه مخلوق؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد ١٦]. وجوابنا على هذا أن نقول: القرآن كلام الله عز وجل، وكلام الله وصفه، ووصف الخالق غير مخلوق؛ لأن الوصف تابع للذات، فكما أن الذات غير مخلوقة فكذلك الوصف، ثم لا يُمنع أن يكون المراد الله خالق كل شيء، أن يكون المراد بهذا العموم الخصوص أي خالق كل شيء من المخلوقات، والعموم قد يُرَاد به الخصوص كما في قول الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٥]، ومعلوم أنها (...) لم تدمر السماء ولا الأرض، بل ولا المساكن، كما قال عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شهادة الله أكبر شهادة، نعم، والله إن شهادة الله أكبر شهادة؛ لأنها مبنيَّة على علم ويقين وعدل. الخلل في الشهادة أن تكون مبنيَّة على ظن أو على جهل أو على جَوْر؛ لأن الشاهد إما أن يبني على أشياء ظنيَّة أو يشهد عن جهل تام أو يشهد عن جور، كل هذا يُخِل بالشهادة، وشهادة الله عز وجل منزَّهة عن هذا، صادرة عن أيش؟ عن علم يقيني وعن عدل، لا يمكن أن يجور في الشهادة جل وعلا، ولا يمكن أن يشهد إلا عن علم. إذن هو أكبر شهادة، يدل لذلك القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء ١٦٦] يكفي بشهادة الله، وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة ٤٤] شوف ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، (بعض) هذه مضافة للأقاويل؛ يعني قولًا من أقاويل كثيرة؛ يعني مثلًا أوحينا إليه ألف قول فتقوَّل واحدًا، ﴿لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦] شوف كلام الله عز وجل، هل قُطِع من الرسول ﷺ الوتين؟ لا، بل بقي حيًّا إلى الأجل المحتوم له، ونصره الله، فدلَّ هذا على أنه حقٌّ ﷺ. شهادة الله ذكرنا في التفسير أنها نوعان: قولية وفعلية؛ فالقولية كما سمعتم ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء ١٦٦]، والفعلية نصره إياه وتمكينه إياه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى حاكم بين النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخصومه؛ لقوله: ﴿شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. فإن قال قائل: وهل يُطلَق الشاهد على الحاكم؟ فالجواب: نعم، استمع إلى قول الله عز وجل في سورة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] ﴿شَهِدَ شَاهِدٌ﴾ يعني حكم حاكم، يعني: ما شهد؛ لأنه يقول: ﴿إِنْ كَانَ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَ﴾، لكنه حاكم، هنا نقول: الحاكم في الواقع شاهد يا إخواني، شاهد من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أنه يشهد بأن الحكم كذا وكذا. الوجه الثاني: أنه يشهد على المحكوم عليه بأن الحق عليه. الوجه الثالث: أنه يشهد للمحكوم له بأن الحق له، فالحُكم متضمن للشهادة بلا شك، فيصح أن يُطْلَق على الحاكم أنه شاهد، نعم ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن موحى إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كله، ما فيه ولا كلمة ولا حرف غير موحى إليه، وأَبْهَم الفاعل؛ لأنه معلوم، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أُمِر أن يقول: ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ ٥٠]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عظمة هذا القرآن حيث أُوحِي من الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا شك في هذا، وآثار تعظيمه وعظمته كثيرة؛ منها أنه لا يقرؤه الجنب حتى يغتسل، ومنها أنه لا يمسُّه المحدث حتى يتوضأ، ومنها أنه لا يجوز أن تُدْخَل به الأماكن القذرة، ومنها أنه لا تجوز إهانته بأن يوضع بين القدمين مثلًا، ومنها أنه لا يُسافَر به إلى أرض العدو إذا كان يُخْشى عليه من الإهانة، ومنها أنه لا يجوز بيع المصحف؛ بعض العلماء يقول: لا يجوز بيعه، وعللوا ذلك بأن ذلك ابتذال له حتى قال ابن عمر رضي الله عنهما: «وددت أن الأيدي تُقْطَع في بيعه»[[أخرجه ابن أبي شيبة (٢٠٤٦١).]] لأن الواجب على من استغنى عنه أن يبذله لغيره، فالمهم أن تعظيم القرآن واجب، وله صُوَرٌ ذكرنا منها ما شاء الله. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن الكريم كافٍ في الإنذار؛ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ فمن لم يتعظ بالقرآن فلا وَعَظَه الله، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بَلَغَه القرآن فقد قامت عليه الحجة؛ لقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ولكن هل من بلغه القرآن وهو لا يعرف اللغة العربية هل يقال: إنها قامت عليه الحجة؟ لا، والدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤]. * ومنها: أنه يجب على علماء المسلمين أن يُبَلِّغوا القرآن كل أحد؛ لأنهم ورثة الأنبياء، ولكن من لم يكن لسانه عربيًّا فإنه يُبَلَّغ معنى القرآن بلسانه، ثم يُعطى القرآن فيقرأه باللفظ العربي؛ ولهذا نرى بعض الذين لا ينطقون العربية يقرؤون القرآن بالعربية، وهم لا يعرفون معناه، وهذه من آيات الله أن الله تعالى يسَّر القرآن لهم حتى كانوا ينطقون به بالعربي، مع أنك لو أعطيتهم قطعة من سطرين فقط ما يقرؤونها، ما يستطيعون، لكن هذا من آيات الله، وربما نقول: إنه داخل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧]. فيه أيضًا مسألة أخرى؛ إذا بَلَغ القرآن قومًا يعرفون اللغة العربية لكنهم عاشوا في أحضان أئمة الضلال، ولا يدرون عن شيء؛ إذ إن أئمة الضلال عندهم هم المبلِّغون عن الله ورسوله، فهل هؤلاء معذورون أو غير معذورين؟ الذي أرى أنهم معذورون، لكن عليهم إذا نُبِّهوا للحق أن يبحثوا عنه، فإن أصروا مع التنبيه، وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢] فهم كفار، وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة عندنا، أنهم إن بَقَوا على جهلهم ولم يُنَبَّهُوا للحق فهم معذورون وإلا فهم غير معذورين، وهذا فيمن يدين بدين الإسلام، وأما من عُرِف أنه على غير الإسلام يتبع أئمة الضلال، وهو يعرف أنه غير مسلم كالنصارى مثلًا واليهود، فهؤلاء كفرهم ظاهر حتى هم بأنفسهم يعرفون أنهم ممن؟ من أمة الكفر ولا ينتسبون للإسلام. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإنكار على من يشهدون أن مع الله آلهة أخرى الإنكار الشديد؛ لقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾، وتأمل كيف أتت الجملة مؤكَّدة حتى لا يستطيعوا أن ينكروا. ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ يعني: أؤكد أنكم تشهدون أن مع الله آلهة أخرى، وأنا أنكر عليكم. ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ قلت: الاستفهام لأيش؟ للإنكار، والجملة التي دخل عليها الاستفهام مؤكدة بـ(إن واللام) حتى لا يمكن، يعني أؤكد أنكم تشهدون ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾، وأنكر عليكم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: سفه أولئك المشركين الذين يشهدون أن مع الله آلهة أخرى، ولو سئلوا عنها: أتخلق شيئًا؟ لقالوا: لا، وهذا من سفههم أن يعبدوا من لا يخلق. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التبرُّؤ من أهل الباطل وما هم عليه؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾ يعني: أؤكد أنكم تشهدون، ولكني أنا لا أشهد، وهذا واجب أن يتبرأ الإنسان من كل ما يُعْبَد من دون الله، فإنْ لم يشهد ببطلان آلهتهم سوى الله فإنه لم يُخلص ولم يوحِّد؛ إذ إن التوحيد مبنيٌّ على النفي والإثبات. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب البراءة مما عليه المشركون؛ لقوله: ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾، يجب أن يتبرأ الإنسان مما يشرك به هؤلاء من المعبودات، أو من عملهم الشركي ولا تجوز المداهنة في هذا، ولا تجوز الموافقة، بل تجب البراءة، والعجب أن بعض الناس يداهن هؤلاء الكفار ويقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥]؛ يعني فنحن مؤمنون بعيسى يقوله أمام النصارى، وأمام اليهود يعني نحن مؤمنون بموسى، المسألة ما هي بالإيمان بموسى وعيسى، نحن نؤمن بهذا، المسألة الكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام هؤلاء كافرون بمحمد، فهم غير مؤمنين لا بموسى ولا عيسى، وقد سبق لنا أن من كذَّب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع الرسل، واستدللنا لذلك بقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]. * طالب: مسألة كفر الإنسان إذا بلغه أو لم يبلغه العذر بالجهل، كذلك نحن نقول: ما الفائدة من (...) هذا إذا بلغه على وجه يصل إلى الحقيقة، من يدري (...) ما بلغه (...) الأصل لما يخبر واحد من أهل السنة وهو على بدعة كفريَّة يقول: أصلًا أنا ما أعترف بهذا هذا كافر، السنِّيُّ هذا هو كافر، كيف آخذ من كافر؟ هو لا يقبل منه صرفًا ولا عدلًا. * الشيخ: إذا بلغه الحق، الحق واضح -الحمد لله- في القرآن والسنة واضح. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، بأي طريق، بيني وبينك كتاب الله. * الطالب: (...) ألم تقرأ قول الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]؟ * الشيخ: بلى أقرؤها، لكن هذا بالنسبة لهم ما هو لك أنت ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، إذن معناها مكابرون، هؤلاء مكابرون، مَنْ يفهم من قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢] أن هذا يعني جواز عبادتهم؟! والله تعالى قد ملأ القرآن بالنهي عن العبادة عن عبادة غيره. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا إذا قال هكذا على طول، فالسيف أمامه. * الطالب: (...). * الشيخ: المهم إذا كابر، إذا أريناه الآيات، وكابر فنحن نقتله ونحكم بكفره في الدنيا، وإذا كان ما يقوله حقًّا من أنه لم تبلغه الدعوة إلا مشوشة فأمره إلى الله؛ لأنه لا يجوز أن نقرن أحكام الدنيا بأحكام الآخرة، أحكام الدنيا لها حال، وأحكام الآخرة لها حال، هذا الرجل الذي قتله موسى يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أحكام الدنيا أيش؟ نرفع عنه القتل مع أنه ربما يكون قالها تعوُّذًا ما (...)، على كل حال المسألة عويصة جدًّا، المسألة لا شك أنها عويصة، لكن الذي تبين لي ما قررته عليكم. * طالب: ممكن يقول: أشكل علي لفظ الجلالة يُسَمَّى به، مثل ما قلنا: أئنكم، والله لتشهدون، قلنا: الجملة مؤكدة باللام الموطئة. * الشيخ: لا ما في لام موطئة، اللام هذه للتوكيد؛ لأنها جاءت في خبر (إن) (...) بعض الأوامر في أشعارهم. * طالب: (...). * الشيخ: يا أبا الأفراج، هذه مشكلة؛ لأنَّنا إن أخذنا بظاهرها جعلوا الله أبًّا، لكني أعلم أنهم لا يريدون هذا، يريدون يا أبا الأفراج، يعني صاحب الأفراج، فنقول لهم: لا تقولون هذا، قولوا: يا صاحب الأفراج، وأحسن من هذا يا مفرج الكربات. * طالب: (...). * الشيخ: من باب الخطأ. * طالب: بعض العوام، (...) الضلال قد طعنوا في مشايخ الحق مثل شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبد الوهاب كيف يعني تُبلّغ لهم تفسير (...) كتاب؟.. * الشيخ: نقول: دعونا من فلان وفلان، الآن القرآن بيننا والسنَّة بيننا، وكما قال الله عز وجل عن موسى يخاطب فرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢] نقول لهؤلاء: كلُّ من يُدعى من دون الله فلن يستجيب لأحد، ودعاؤه ضلال، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥] فإذا كابر صار مكابرًا ما يحتاج.. * طالب: (...). * الشيخ: صحيح. * الطالب: (...). * الشيخ: جهل عظيم، ولّا كما تفضلت إذا كان أنت اللي تصنعه بيدك كيف تعبده؟ أنت أعلم منه، ثم الغريب إن بعضهم من جهله يصنع من العبيط التمر يصنع إلهًا ويعبده، وإذا جاع أكله ثم خرج من دبره قذرًا، نسال الله السلامة. * طالب: (...) مداهنة؟ * الشيخ: المداهنة أن الإنسان يُبْقِي صاحبه على ما هو عليه ويؤمن به ولا يتكلم معه، والمداراة: أنه يريد أن ينقله مما هو عليه لكن بتلطف.

الأنعام 6:20

قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام ٢٠]. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ مبتدأ وخبر؛ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ خبر؛ الجملة. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم اليهود والنصارى؛ لأنهم آخر أمة كان عندها أصل كتاب، فهم الذين أوتوا الكتاب. وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ يحتمل أن يكون المعنى يعرفون هذا الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني أقوى ويؤيده قوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ فإن الأبناء بشر، والنبي ﷺ من البشر يعني أن الذين أوتوا الكتاب وهم اليهود والنصارى يعرفون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما يعرف الرجل ابنه، وخصَّ الأبناء؛ لأن تعلُّق الرجل بالأبناء أكثر من تعلقه بالبنات فتكون معرفته للأبناء أكثر من معرفته للبنات، هذا وجه. وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر فهو من الأبناء، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يحتمل أن تكون خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير (هم الذين خسروا أنفسهم)، ويحتمل أن تكون (الذين) مبتدأ وخبره جملة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والفاء دخلت بخبر لمشابهة المبتدأ الشرط في العموم؛ لأن الاسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ويكون تقدير الكلام بدون الفاء (الذين خسروا أنفسهم هم لا يؤمنون)، ومؤدَّى الاحتمالين واحد، والمعنى أن الذين خسروا أنفسهم هم الذين لا يؤمنون؛ أي: الذين اختاروا الخسارة هم الذين لا يؤمنون، ومنهم الذين آتاهم الله الكتاب. * في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن الحجة قائمة على اليهود والنصارى في صحة بعثة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. فإن قال قائل: هذا كلام الله عز وجل فهل له من دليل؟ قلنا: سبحان الله! أنَّى يُطلَب الدليل على صدق خبر الله؟ خبر الله تبارك وتعالى هو الدليل، ومدلوله هو المدلول، ولا حاجة أن نقول: هل هناك شاهد يدل على أن الذين أوتوا الكتاب يعرفون محمدًا كما يعرفون أبناءهم؛ لأن كلام الله أقوى شاهد، ولكن مع ذلك لا مانع أن نقيم الحجة عليهم من كتبهم. فقد قال الله تعالى في سورة الأعراف عن النبي ﷺ: إنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل ومكتوبًا وَصْفُه عليه الصلاة والسلام ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] يعرفون هذا تمامًا، وقد نقل الشيخ السيد محمد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره النصوص من الإنجيل على هذا القول، بل على إقامة الحجة عليهم، وأن هذا مكتوب عندهم في كتبهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي أن يُضْرَب المثل بأقرب مطابق للمُمَثَّل؛ لقوله: ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ لأن هذا أقرب إلى التصور وإلى الصدق. * ومنها: الْمِنَّة والتوبيخ على اليهود والنصارى، كيف هذا؟ المِنَّة أن الله آتاهم الكتاب، وبَيَّن لهم وصف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي سيرسل للناس كافة، وهذه نعمة أن يبين الله للعبد طريق الهدى. التوبيخ أنهم كانوا كافرين به مع وضوح الدليل فتكون الآية جامعة بين أيش؟ بَيَّن بيان المنة عليهم من الله، وتوبيخهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من لم يؤمن فقد خسر نفسه؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهل خسر أهله؟ نعم، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ١٥] خسروا أيضًا عمرهم، أعمارهم خسروها مضت في غير فائدة؛ لأن شخصًا مآله نار جهنم -والعياذ بالله- بعد أن عُمِّر في الدنيا ما عمر، قد خسر وقته وزمنه، كما قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر ٣٧].

الأنعام 6:21

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]. (من) اسم استفهام والمراد به النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والنفي إذا جاء بصيغة الاستفهام صار أبلغ، لماذا يا جماعة؟ لأنه يكون مُشْرَبًا معنى التحدي كأن المتكلم يقول: بيِّن إن كنت صادقًا أحدًا أظلم ممن افترى على الله الكذب، فيكون مجيء النفي بصيغة الاستفهام أبلغ في النفي. والظلم في الأصل النقص كما قال الله عز وجل: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أيش؟ ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، لكنه تعدَّى إلى نقص الإنسان فيما يجب عليه من فعل الأوامر وترك النواهي فإنه نقص حق نفسه بذلك. ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ افترى بمعنى اختلق، اختلق على الله الكذب؛ لأن الكذب على الله عز وجل أعظم الكذب، ويليه الكذب على مَنْ؟ على الرسول ﷺ كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤ / ٤) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، بل هو أعظم، يلي ذلك الكذب على علماء الشريعة، إذا كُذِبَ عليهم بأنهم أفتَوْا بكذا، فهذا كذب لأنه كذب على الشرع؛ إذ إن علماء الشريعة هم الذي يبلغون الشريعة، فإذا كُذِبَ عليهم فقد كذب على الشرع. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ ﴿أَوْ﴾ هنا للتنويع؛ يعني افترى أو كذب، وإن جمع بين الأمرين صار أشد، إذا طبقنا هذه الآية على واقع المشركين في قريش نجد أنها منطبقة عليهم تمامًا فقد افتروا على الله الكذب بأن أشركوا معه ما لم ينزل به سلطانًا؛ افتروا على الله الكذب فقالوا: هذا حلال، وهذا حرام ﴿قَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام ١٣٩] هم أيضًا كذَّبوا بآيات الله، كذبوا بالآيات الشرعية التي جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما الآيات الكونية فهم لم يكذِّبوا بها. * * * نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى فيما سبق: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ مَنِ المراد بـ﴿الذين أوتوا الكتاب﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، وما المراد بالكتاب؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الإنجيل، ولماذا خَصَّ الأبناء ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾. * طالب: (...) يقينية. * الشيخ: ومعرفة البنات فيها نظر؟ لا. * طالب: لأن تعلُّق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات. * الشيخ: لأن تعلق الإنسان بالبنين أكثر من تعلقه بالبنات، فهذا يستلزم أن يكون معرفته بحاله أكثر من معرفته بحال البنات، ما المراد بهذه الجملة ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما المراد بها؟ * الطالب: (...) ليس عندهم شكٌّ (...). * الشيخ: أنهم ليس عندهم شكٌّ في أن هذا حق، فتكون الحجة قد قامت عليهم. ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أليس انتفاء الإيمان قبل الخسران؟ كيف قدم الخسران على ترتب الحكم؟ * الطالب: النتيجة عليه. * الشيخ: يعني الذين قضى الله أنهم خاسرون، فلن يؤمنوا فهم لا يؤمنون. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾. أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا أو كذَّب بآياته، فهذان صنفان الأول كذَب على الله، والثاني كذَّب آيات الله، لا أحد أظلم منه، ومن جمع بينهما فهو أشد. ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بأن قال: إن لله ولدًا، هذا افتراء على الله كذبًا أو قال: إن لله شريكًا، هذا افتراء على الله كذبًا، أو قال: إن هذا الكون لم يخلقه الله، افترى على الله كذبًا، إذا قال: خلقه الطبيعة وما أشبه ذلك. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: كذَّب بالآيات الدالة على أن الله عز وجل حقٌّ، الكونية أو الشرعية؟ كليهما، كذَّب بالآيات الكونية أو الآيات الشرعية. التكذيب بالآيات الكونية أن ينفي كون الله عز وجل خلقها أو ينفي أن الله تعالى انفرد بخلقها، والشرعية أن ينفي إرسال الرسل بما جاءت به من الوحي. وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ هذا الحكم على من افترى على الله كذبًا أو كذَّب بآياته، ولكن لم يقل: إنهم، بل أظهر في موضع الإضمار للعموم؛ ليعمهم وغيرهم. والفلاح هو النجاة وحصول المطلوب، فالظالم لن ينجو ولن يُفلح. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الظلم يختلف، بعضه أشدُّ من بعض، لماذا؟ لأن المعاصي تختلف، بعضها أعظم من بعض، هناك كبائر وهناك صغائر، والكبائر نفسها تختلف، فيه أكبر الكبائر وما دونها، والصغائر كذلك تختلف، فمن أين نعرف أن الأعمال المحرمة تختلف باختلاف الظلم؟ لأن كل فعل محرَّم أو تركِ واجب ظلم، وإذا كان يتفاوت لزم من ذلك تفاوت الأعمال. * ومن فوائد الآية: التحذير من أن يفتري الإنسان على الله الكذب؛ لأنه بَيَّن أنه في المرتبة العليا من الظلم، ومن ذلك -أي من الافتراء على الله كذبًا- أن يَكْذِب الإنسان على ربه عز وجل في مدلول آياته فيقول: أراد الله بكذا كذا وكذا، هذا كذب على الله، ومن ذلك أن يفتري على الله كذبًا في أحكامه فيقول: هذا حلال وهذا حرام كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل ١١٦]، وعلى هذا فمن قال: المراد بقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] استولى على العرش؛ يدخل في الآية أو لا؟ يدخل في الآية لا شك؛ لأنه افترى على الله كذبًا. ومن قال: إن هذا الشيء حرام، وهو حلال فقد افترى على الله كذبًا. ومن قال: هذا حلال وهو حرام فقد افترى على الله كذبًا. فالقاعدة إذن في الافتراء على الله كذبًا أن يحرف آياته إلى معان لا يريدها الله عز وجل، أو يقول بأحكام لم يحكم الله بها. ومن ذلك التكفير إذا قال: هذا كفر وليس بكفر فقد افترى على الله كذبًا؛ لأن التكفير حكم شرعي، بأي شيء يستدل عليه؟ بالكتاب والسنة، ليس التكفير إلى الناس، مَنْ شاء كفَّر ومن شاء لم يُكفّر، بل التكفير إلى الله ورسوله، فمن كفَّره الله ورسوله وجب علينا أن نكفِّره، ومن نفى الله ورسوله الكفر عنه وجب علينا أن ننفي عنه الكفر. فإن قال قائل: هناك إطلاقات في بعض الأحكام بالكفر يعني يطلق عليها الكفر، فكيف نعرف أنه كفر أكبر أو أصغر؟ نعرف ذلك بقواعد الشريعة العامة ويُنزَّل الحكم بالكفر على هذه القواعد، وبذلك يتبين أنه أكبر أو أصغر، ولما كان تكفير ولاة الأمور من أشد الأشياء خطرًا منع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الخروج عليهم إلا أن نرى كفرًا بواحًا ظاهرًا بَيِّنًا عندنا فيه من الله برهان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عِظَمُ ظلم من كذَّب بآيات الله؛ لأنه دخل في الطبقة العليا من الظلم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾. * ومنها: أنه لا يُحْكَم بظلمه أو بكونه في المرتبة العليا إلا إذا تبينت له الآيات، كذَّب بآيات الله وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة ١١٥] فإذا بَيَّن لهم ما يتقون حكم بضلالهم سبحانه وتعالى وإلا فهم في عذر. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التصديق بكل آيات الله الكونية والشرعية؛ وجه ذلك أن (آيات) مضاف، والجمع إذا أضيف يفيد العموم. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن من آمن ببعض وكفر ببعض فقد كفر بالجميع فلا يُعَدُّ مؤمنًا؛ لأنه يوجد بعض الناس يؤمن ويصدق بما يرى عقله أنه حق ويكذِّب بما يرى أنه ليس بحق، أو يؤمن بما يرى أنه مناسب ويكفر بضد ذلك، وهؤلاء بَيَّن الله حكمهم فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١]. وقال تعالى منكرًا على بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة ٨٥]، وبَيَّن الله عز وجل أنَّ مَنْ كفر برسول واحد فهو كافر بالجميع فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، مع أن قوم نوح هم أول من أُرْسِل إليهم الرسل، فانتبهوا لهذا، لا يمكن لإنسان أن يُجَزِّئ الشريعة فيؤمن ببعضها ويكفر ببعض؛ لأننا نعلم أن مثل هذا متَّبِع لهواه فقط. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: نفي الفلاح عن الظالم؛ أي لا يمكن أن يحصل له مقصوده بل بالعكس. فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية الكريمة وبين نصوص أخرى تدل على أن هذا الفعل أظلم شيء مثل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤] وهنا يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] في المصورين، فكيف نجمع بين هذه النصوص؟ الجواب من أحد وجهين؛ إما أن نقول: اشتركت هذه الأشياء في المرتبة العليا من الظلم فكلها في مقام الأظلمِيَّة. وإما أن يقال: إن الأظلمِيَّة أظلمية نسبيَّة؛ فمثلًا هنا ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ مِنَ الذين يفترون على غيرهم كذبًا. الوجه الأخير أن نقول: إن هذه أظلمية نسبية؛ المعنى: أن الذين يفترون على غيرهم الكذب مَنْ أظلم ممن افترى على الله؟ لا أحد؛ يعني: افترى على مثلًا زيد، على فلان، على فلان، هذا حرام لا شك، لكن أظلم شيء أن يفتري على الله عز وجل. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤] هذه أظلمية نسبيَّة؛ يعني: أَيُّ إنسان يمنع الناس من حقٍ لهم مَن أظلم ممن منع حقهم في المساجد؛ يعني مثلًا قد تمنع هذا الرجل أن يدخل المدرسة هل هذا أشد أو منعه من دخول المسجد؟ الثاني قد تمنعه من دخول السوق هذا ظلم، لكن أيهما أظلم هذا أو من منع مساجد الله؟ الثاني. في مسألة التصوير «مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] أي: الذين يقلدون غيرهم في التصوير إذا كان على وجه الظلم، فمن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله؟ لا أحد، هذا وجه. الوجه الأول عرفتموه أيضًا ولّا ما عرفتوه؟ أنها كلها اشتركت في الأظلمية أي في المرتبة العليا من الظلم. أيضًا إشكال آخر ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ذكرنا أن الظالم لا يفلح، وهذه الفائدة تتضمن بشرى للمظلومين أن الظالم لن يفلح فيُبَشَّر المجاهدون بالنصر وأنَّ مآل من جاهدهم الخذلان، ويبشر من ظلم بأخذ ماله أو جحد ماله وما أشبه ذلك بأن هذا الظالم لن يفلح. لكن لو قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية والواقع لأننا نرى أن الظالم قد يفلح؟ الجمع بينها وبين الواقع أن يقال: الفلاح نوعان؛ فلاح مطلق هذا لا يمكن للظالم أبدًا، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، وتلا قوله تعالى: » ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢][[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، فلا بد أن يَعْثُر الظالم، لا بد أن يخسر، طالت الدنيا أو قصرت، هذا الفلاح المطلق، لا يمكن مطلق الفلاح بمعنى أن يفلح في زمن معين أو مكان معين أو قضية معينة فهذا يمكن أن يقع ولا يخالف الآية؛ لأن الله تعالى قد يُعْطِي الظالم فلاحًا حتى يَغْتَرَّ بهذا الفلاح فيتمادى في طغيانه، ثم يقصم الله ظهره. وقد أشار الله تعالى إلى هذا في سورة آل عمران ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحِّصهم بكفارات الذنوب على ما حصل من هزيمة، ويمحصهم ألا يعودوا إلى المعصية مرة ثانية، ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ كيف يمحق الكافرين، وهم منتصرون؟ لأن الكافر إذا انتصر تجرأ وافتخر واعتز؛ فالظالم قد يُفلح، لكن فلاحًا مقيَّدًا لحكمة أو حِكَم لا نعلمها نحن ولكن يعلمها الله عز وجل. وما موقفنا إذا سُلّط الظالم علينا؟ موقفنا أن نصبر، وألا نيأس وأن ننتظر الفرج من فاطر الأرض والسماوات، فإن الصبر مفتاح الفرج كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الظلم وأن عاقبته الخسارة والدمار؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، أعاذنا الله وإياكم من الظلم، وجعلنا من المفلحين المتقين المحسنين. * طالب: شيخ بارك الله فيكم، أحيانًا يقع من بعض الناس خاصَّة من غير طلبة العلم ممن هم ملتزمون ويريدون إظهار غَيْرَتَهُم على الإسلام، فيبدؤون يتكلمون في ولاة الأمر، ويظهرون أنهم على حنق وأنهم يتمنون زوالهم وما أشبه ذلك من هذه الأمور التي مما درسنا تخالف الأدلة وتخالف أيضًا مقتضى العقل، ما هو الموقف السليم لطلبة العلم؛ لأنهم أيضًا يتكلمون عن طلبة العلم، وبعضهم يقِرُّه بل قد يشجعه؟ ما هو الواجب على طالب العلم في مثل هذا الموقف؟ * الشيخ: الواجب على طالب العلم أن يُبَيِّنَ ما يقتضيه الدليل من السمع والطاعة لولاة الأمور إلا إذا أُمِرُوا بمعصية، وما تقتضيه الأدلة من وجوب الكفِّ عن مساوئهم، ومَنْ أراد النصيحة فطريقها مفتوح. * الطالب: بعضهم يحتج يقول: أنا إذا منعتهم أُعَوِّدُهم على الجبن وعلى الذل، وهذا جزاه الله خيرًا قد أظهر حبَّه للإسلام والدين فبأي صورة فعل يقول: خليه. * الشيخ: نعم نقول: لا بأس، عِزُّ النفس واجب، لكن عز النفس لا بد أن يكون على مقتضى الشريعة حتى يكون مُتَّزِنًا وإلَّا لكان هذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وتكون فوضى، فهناك دليل، ولعلك وغيرك أيضًا وقع في مثل هذا، أنَّه جابه أناسًا على هذا الحال، فالواجب النصيحة وأن تُضرب الأمثال لهؤلاء بما حصل من البلاء وإراقة الدماء وانتهاب الأموال. وإلا لكان هذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وهذا يريد عزة النفس، وتكون فوضى، فهناك دليل، ولعلك وغيرك أيضًا وقع في مثل هذا؛ أنه جابه أناسًا على هذا الحال، فالواجب النصيحة، وأن تُضرب الأمثال لهؤلاء بما حصل من البلاء، وإراقة الدماء، وانتهاب الأموال فيمن سلك هذا المسلك من حين الخوارج على علي رضي الله عنه، ومعاوية إلى يومنا هذا. * طالب: عفا الله عنك يا شيخ، الذنوب يا شيخ لها أثر، ولها صفة (...) العقوبة؛ لأن الإنسان يعاقب بالذنوب اللي تسبب له عقوبة من الله سبحانه وتعالى، وتصير خيرًا له، مثل المريض يا شيخ، لولا بعض الناس ما هو كل الناس، لكن بعض الناس، المرض (...) صار المريض ذكر الله، ورجع إلى ربه، فإذا ما عافاه الله نسي ما على حاله اللي هو مضى، ومنها يا شيخ منها ما جرى للصحابة في غزوة أحد وغزوة حنين يا شيخ، ومنهم عصوا الرسول ﷺ، عاقبهم الله سبحانه وتعالى بالهزيمة، وعاقبهم لما اغتروا بكثرتهم في حنين. * الشيخ: إي نعم، صحيح، هذه من حكمة الله عز وجل؛ أن هذا الجند الذي هو أشرف جند على وجه الأرض منذ خُلق آدم حصلت عليهم الهزيمة بمعصية واحدة، فكيف بالمعاصي التي ملأت الأجواء؟ ثانيًا: حصلت لهم هزيمة لافتخارهم لعددهم وكثرتهم، وهم أشرف جُند على وجه الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، فهذا موعظة لنا، إذا كنا نريد الانتصار على أعدائنا فلا يجوز أبدًا أن ننغمس في المعاصي، وبعضنا منغمس في الإلحاد والكفر والعياذ بالله ومولاة الكفار ومناصرتهم، كيف يكون النصر، فهذا في الواقع من حكمة الله عز وجل أنهما مثلان عظيمان تحصل بهما العبرة إلى آخر هذه الأمور. * طالب: شيخ -حفظك الله- هناك بعض الظالمين لا نرى حتى في آخر حياتهم لا تحصل لهم عقوبة، فهل العقوبة هنا لا بد أن تصلهم في الدنيا أو؟ * الشيخ: ظالمًا، إذا كان ظالمًا بمبدأ من المبادئ لا بد أن ينخذل هذا المبدأ حتى بعد موته، إذا كان خاصًّا فإنه وإن لم يحصل ذلك في الدنيا حسب ما نرى فهو في الآخرة، وربما يكون في قلب الظالم أشياء ما ندري عنها، يُبتلى بها: من ضيق الصدر، وكراهة الحق وما أشبه ذلك. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: من التكذيب على الله التكذيب في مدلول الأدلة، وإذا أخطأ الإنسان في مدلول آية لا (...) أصلها. * الشيخ: هذا -بارك الله فيك- إذا قال بتفسير الآية، ننظر هل هو على قاعدة شرعية؟ هل هذا ما تقتضيه اللغة أو ما تقتضيه الشريعة؟ فهو إذا أخطأ مغفور له بعد بذل الجهد، أما إذا عاند وقال: المراد بكذا كذا وكذا، فلا عذر له. * الطالب: يريد أن يشرح للناس وهو ليس أهلًا له. * الشيخ: لا، ما يجوز خاصة القرآن، القرآن أنت إذا أخبرت بمعنى آية فقد شهدت على الله أنه أراد هذا، هذه صعبة. * طالب: ما هو ضابط المناصرة؛ مناصرة الكفار حتى تكون ناقضة من نواقض الإسلام؟ * الشيخ: المناصرة أن يناصرهم على الكفر، هذه المناصرة. * طالب: كتهنئة الكفار؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: بأنهم حلوا في بلاد المسلمين، واستقروا فيها، فيهنئ بعضهم بعضًا؟ * الشيخ: لا، حرام هذا، ما يجوز. * الطالب: هل يُعد ناقضًا؟ * الشيخ: هذا حرام، مسألة النواقض إحنا ما نتكلم فيها؛ لأنها تحتاج إلى تحرير، لكن لا شك أن الذي يُهنئ الكفار باحتلال بلاد المسلمين أنه على خطر عظيم، نسأل الله العافية.

الأنعام 6:22

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل: لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ) إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟ الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم. ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم. ﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا. ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم. ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون. فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟ الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟ والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه. ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها. وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين. نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن المعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم. الثاني: ﴿وَاللَّهِ رَبَّنَا﴾ قراءة يعني والله يا ربنا ما كنا مشركين، هذا الاختلاف في القراءات -يا إخواني- لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يُعجِمونها؛ يعني لا يجعلون نقطة ولا نقطتين، لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة، إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ذُكر له مآل المكذبين له. * ومن فوائدها: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يُوبَّخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه. * ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة، يوم الحشر. * ومن فوائدها: أن الحشر عام شامل، لا يشذّ عنه أحد، لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر؛ حيث أكده الله عز وجل بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد الآية: الكريمة إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ قد ينازع منازع، ويقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله القائلون بأمره فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨] مع أن القارئ جبريل. نقول: هذا وارد بلا شك أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ما هو ظاهر القرآن؟ أن القائل هو الله عز وجل، وإذا كان هذا ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول الكلام، ثم نقول، فكيف يصرف بأن المراد الملائكة بلا دليل؟ فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس، المهم في هذا إثبات أن الله يقول. فإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة أو بحروف أخرى؟ الجواب: الأول بلا شك. فإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟ فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؛ ولأن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، في كلام المخلوقين عمومًا، لا يمكن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ أولئك المشركين حيث يُقال لهم في هذا المجمع العظيم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. * ومن فوائدها: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ تحصبون بها في وسطها، ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، شوف هذه الآية فرح بها المشركون وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى تُؤخذ من قوله: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، والزعم -في الغالب- يكون في قول لا دليل له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة التي بعدها: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ إلى آخره؛ من فوائدها: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا، وهو: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يُفتن بالشيء فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، فاسلم من هذه الفتنة، وحاسِب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها. * ومن فوائدها: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله وربوبية الله؛ بألوهيته في قولهم: ﴿وَاللَّهِ﴾، وربوبيتهم في قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾ لكن هل ينفع هذا؟ في ذلك الوقت ما ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحَّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما افتروه من الشريك لله عز وجل سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها؛ لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، صرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا؛ قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟ فالجواب: أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا، التناقض في فهم الإنسان لقصوره، أما القرآن فلا تناقض فيه، ولا يمكن أن يتناقض، وقد ألَّف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله المفسّر والأصولي المشهور: دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب. لا يمكن أبدًا التناقض، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك؛ إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية، تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن القرآن أو قصور في العلم، وإلا فلا تناقض، هنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة، وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرون، إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فإذا خُتم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.

الأنعام 6:23

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل: لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ) إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟ الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم. ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم. ﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا. ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم. ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون. فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟ الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟ والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه. ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها. وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين. نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن المعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم. الثاني: ﴿وَاللَّهِ رَبَّنَا﴾ قراءة يعني والله يا ربنا ما كنا مشركين، هذا الاختلاف في القراءات -يا إخواني- لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يُعجِمونها؛ يعني لا يجعلون نقطة ولا نقطتين، لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة، إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ذُكر له مآل المكذبين له. * ومن فوائدها: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يُوبَّخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه. * ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة، يوم الحشر. * ومن فوائدها: أن الحشر عام شامل، لا يشذّ عنه أحد، لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر؛ حيث أكده الله عز وجل بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد الآية: الكريمة إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ قد ينازع منازع، ويقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله القائلون بأمره فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨] مع أن القارئ جبريل. نقول: هذا وارد بلا شك أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ما هو ظاهر القرآن؟ أن القائل هو الله عز وجل، وإذا كان هذا ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول الكلام، ثم نقول، فكيف يصرف بأن المراد الملائكة بلا دليل؟ فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس، المهم في هذا إثبات أن الله يقول. فإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة أو بحروف أخرى؟ الجواب: الأول بلا شك. فإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟ فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؛ ولأن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، في كلام المخلوقين عمومًا، لا يمكن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ أولئك المشركين حيث يُقال لهم في هذا المجمع العظيم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. * ومن فوائدها: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ تحصبون بها في وسطها، ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، شوف هذه الآية فرح بها المشركون وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى تُؤخذ من قوله: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، والزعم -في الغالب- يكون في قول لا دليل له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة التي بعدها: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ إلى آخره؛ من فوائدها: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا، وهو: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يُفتن بالشيء فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، فاسلم من هذه الفتنة، وحاسِب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها. * ومن فوائدها: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله وربوبية الله؛ بألوهيته في قولهم: ﴿وَاللَّهِ﴾، وربوبيتهم في قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾ لكن هل ينفع هذا؟ في ذلك الوقت ما ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحَّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما افتروه من الشريك لله عز وجل سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها؛ لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، صرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا؛ قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟ فالجواب: أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا، التناقض في فهم الإنسان لقصوره، أما القرآن فلا تناقض فيه، ولا يمكن أن يتناقض، وقد ألَّف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله المفسّر والأصولي المشهور: دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب. لا يمكن أبدًا التناقض، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك؛ إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية، تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن القرآن أو قصور في العلم، وإلا فلا تناقض، هنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة، وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرون، إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فإذا خُتم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.

الأنعام 6:24

ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف، والمعروف أن الظرف والجار والمجرور لا بد لهما من متعلَّق، كما قال ناظم الجمل: لَا بُدَّ لِلْجَــــــــــــــــــــــــــــــار مِنَالتَّـــــــــــــــعَلُّقِ ∗∗∗ بِفعْـــــــــــــــــــــلٍ اوْ مَعنَاهُ نَحْوُمُرْتَقِــــــــــــــــــــــــــــــــــي؎واسْتَثْنِ كُلَّ زَائِدٍ لَــــــــــــــهُعَمَــــــــــــــــــــــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا و(مِنْ) وَ(الْكَافِ) أَيْضًا وَ(لَعَلْ) إذن أين متعلق ﴿يَوْمَ﴾؟ محذوف؛ التقدير: اذكر يوم نحشرهم، اذكر في نفسك، أو اذكر لهم؟ الجواب: الثاني، ويجوز أن نقول: اذكر في نفسك حتى تتسلى بهذه الذكرى، ويهون عليك أمرهم. ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم. ﴿جَمِيعًا﴾ لا يُفلت منهم أحد. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام ٢٢] ﴿نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي: بالله عز وجل في الدنيا. ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ والتبكيت، وإلا من المعلوم أنهم لن يأتوا، لكن توبيخًا لهم وتبكيتًا لهم، وتنديمًا لهم أنهم لن ينتفعوا بهم. ﴿شُرَكَاؤُكُمُ﴾ أي: ما أشركتم بهم في الله عز وجل، ونعلم أن المشركين كانوا أنواعًا وأصنافًا؛ منهم من يُشرك مع الله حجرًا، أو شجرًا، أو قمرًا، أو نجمًا، المهم أنهم مختلفون. فيقال: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تزعمون أنهم آلهة، والإله ينفع مَنْ تألَّهه، فأين هم؟ الجواب: بيّنه الله عز وجل ﴿ثُمَّ﴾ أي: بعد هذا السؤال ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] (الفتنة) هنا بمعنى الحجة. ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ أقسموا بالله أنهم لم يكونوا مشركين، وهل هم صادقون في هذا القسم؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام ٢٤]، انظر أيها المخاطب كيف كذبوا على أنفسهم، وهنا إشكال: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، وأمرنا أن ننظر، والمراد هنا نظر الاعتبار، لكن كيف يقول: ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ والأمر لم يأتِ بعد؛ لأن هذا يكون يوم القيامة؟ والجواب: أن هذا على حكاية الحال، والله -عز وجل- دائمًا يحكي الأشياء المستقبلة حتى يتصورها الإنسان وكأنها واقعة، وإنما يكون ذلك؛ لأن الشيء المستقبَل المحقق يكون كالواقع تمامًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه ما أتى بدليل قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون التعبير بالماضي على حكاية الحال حتى يتصور الإنسان وكأن الشيء بين يديه. ﴿كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ بقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. ثم قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿ضَلَّ﴾ بمعنى ضاع فلم يجدوه، كالرجل الذي ضاع له المال فلم يجده، هؤلاء ضاعت عنهم الآلهة فلم يجدوها. وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ما كانوا يفترونه من دعواهم أن هذه آلهة مع الله، فإن هذا من أعظم الافتراء كما سبق في الآية فيما قبل آيتين. نعود إلى القراءات في هذه الآية يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، عندي القراءات: ﴿ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ والقراءة اللي في المصحف: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الخلاف: في الفعل، وفي اسم (كان)، وفي خبر (كان)، الفعل بدل ﴿تَكُنْ﴾ أيش؟ ﴿يَكُنْ﴾ لماذا؟ لأن اسم كان على هذه القراءة مذكر، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ لأن المعنى: لم يكن فتنتهم إلا قولهم. الثاني: ﴿وَاللَّهِ رَبَّنَا﴾ قراءة يعني والله يا ربنا ما كنا مشركين، هذا الاختلاف في القراءات -يا إخواني- لا يضر؛ لأنه فيما سبق في العهد الأول كانوا لا يحركون الحروف ولا يُعجِمونها؛ يعني لا يجعلون نقطة ولا نقطتين، لا فوق ولا تحت، فتكون القراءتان في الرسم واحدة، إنما تختلف في النطق، وفي الإعجام والإعراب بعد أن أعجم القرآن وأعرب. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث ذُكر له مآل المكذبين له. * ومن فوائدها: التحذير من الشرك؛ لأن المشرك سوف يُوبَّخ في يوم لا يستطيع الخلاص فيه. * ومن فوائدها: إثبات يوم القيامة، يوم الحشر. * ومن فوائدها: أن الحشر عام شامل، لا يشذّ عنه أحد، لا مؤمن ولا كافر، ولا بر ولا فاجر؛ حيث أكده الله عز وجل بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد الآية: الكريمة إثبات القول لله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾ قد ينازع منازع، ويقول: إن القائل هم الملائكة، وأضاف الله قولهم إلى نفسه؛ لأنهم رسله القائلون بأمره فهو كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨] مع أن القارئ جبريل. نقول: هذا وارد بلا شك أنه يحتمل أن يكون الذي يقول لهؤلاء المشركين ملائكة، وأضاف الله ذلك إليه؛ لأنهم يقولون بأمره، ولكن ما هو ظاهر القرآن؟ أن القائل هو الله عز وجل، وإذا كان هذا ظاهر القرآن فليس لنا مندوحة عنه؛ لأن الله سوف يحاسبنا يوم القيامة، فيقول الكلام، ثم نقول، فكيف يصرف بأن المراد الملائكة بلا دليل؟ فالواجب الأخذ بظاهر القرآن ما لم يوجد دليل، فإذا وجد دليل ينقل الكلام عن ظاهره فعلى العين والرأس، المهم في هذا إثبات أن الله يقول. فإن قال قائل: أيقول بالحروف المسموعة المعقولة أو بحروف أخرى؟ الجواب: الأول بلا شك. فإن قال قائل: وهل يشبه صوته صوت المخلوقين؟ فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]؛ ولأن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة وصعق الملائكة، ومثل هذا لا يقع في كلام الآدميين أبدًا، في كلام المخلوقين عمومًا، لا يمكن. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: توبيخ أولئك المشركين حيث يُقال لهم في هذا المجمع العظيم: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾. * ومن فوائدها: أن هذه الآية تدل على أن الأصنام لا تنفع عابديها؛ لأنها لا تنصرهم في هذا الموقف، بل قد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ تحصبون بها في وسطها، ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، شوف هذه الآية فرح بها المشركون وانتهزوا الفرصة، وقالوا: هذا محمد يقول: إن المعبودات في النار، وعيسى معبود فيقتضي أن يكون عيسى في النار، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ١٠١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك العابدين لهذه الأصنام ليس عندهم حجة ولا برهان، وإنما هي مجرد دعوى تُؤخذ من قوله: ﴿تَزْعُمُونَ﴾، والزعم -في الغالب- يكون في قول لا دليل له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة التي بعدها: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ إلى آخره؛ من فوائدها: أن أولئك القوم فتنوا بهذا الجواب واستحسنوه وظنوه مفيدًا، وهو: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن الإنسان قد يُفتن بالشيء فيرى الحق باطلًا والباطل حقًّا، فاسلم من هذه الفتنة، وحاسِب نفسك عليها، واستعذ بالله أن تكون من أهلها. * ومن فوائدها: إقرار هؤلاء المشركين بألوهية الله وربوبية الله؛ بألوهيته في قولهم: ﴿وَاللَّهِ﴾، وربوبيتهم في قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾ لكن هل ينفع هذا؟ في ذلك الوقت ما ينفع، بل لا ينفعهم لو أنهم وحَّدوا حين نزل بهم الموت، كما قال عز وجل: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما افتروه من الشريك لله عز وجل سوف يضل عنهم مع شدة طلبهم له، كما تضل الضالة عن صاحبها؛ لقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية الكريمة وهم يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وبين قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء ٤٢]، صرح الله في هذه الآية أنهم لا يكتمون الله حديثًا، وهنا كتموا؛ قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟ فالجواب: أولًا: يجب أن نعلم ونؤمن ونتيقن أنه لا تناقض في القرآن أبدًا، التناقض في فهم الإنسان لقصوره، أما القرآن فلا تناقض فيه، ولا يمكن أن يتناقض، وقد ألَّف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة العظيمة مؤلفات، ومنها: تأليف الشيخ محمد الشنقيطي رحمه الله المفسّر والأصولي المشهور: دفع إيهام الاضطراب في آي الكتاب. لا يمكن أبدًا التناقض، فإن رأيت متناقضًا فالخلل من عندك؛ إما لقصور في الفهم، أو تقصير في الطلب، أو سوء نية، تريد أن تبحث عن الأشياء التي ظاهرها التعارض لتطعن القرآن أو قصور في العلم، وإلا فلا تناقض، هنا نقول: يوم القيامة خمسون ألف سنة، وللناس فيه أحوال، ففي حال ينكرون أنهم مشركون، وفي حال يقرون، إذا رأوا أن أهل التوحيد نجوا قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فإذا خُتم على أفواههم وشهدت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون حينئذٍ أقروا؛ لأنه لا يمكن أن ينكروا مع وجود الشهود من أنفسهم.

الأنعام 6:25

ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ إلى آخره [الأنعام: ٢٥] ﴿مَنْ﴾ هذه تبعيضية، وعلامتها أن يحل محلها بعض؛ أي: بعضهم الذي يستمع إليك. و﴿يَسْتَمِعُ﴾ هنا جاءت بصيغة الإفراد مراعاة للفظ (مَن)؛ لأن (مَن) الموصولة يجوز أن يُراعى معناها، وأن يراعى لفظها، فإذا رُوعي معناها جُعل العائد عليها حسب ما يراد بالمعنى، وإذا رُوعي اللفظ صار مفردًا. ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ أي: من يحضر ويستمع إلى قراءتك، ولكن لا ينتفعون، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. ﴿جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ و(الأكنة) جمع (كنان) كـ(زِمام) و(أزِمَّة)، وهو ما يغطي الشيء ويستره. وقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: إرادة أن يفقهوه، فهو على تقدير مضاف؛ يعني: لا نريد أن يفقهوه، وإن شئت فقل: كراهة أن يفقهوه، وبعضهم قال: إنه على تقدير (لا)، والمعنى ألا يفقهوه، والمعنى واحد، لكن كوننا نفسرها بكراهة أولى من كوننا أن نفسرها بـ(لا)؛ لأننا إذا فسرناها بـ(لا) فسّرنا المثبت بالمنفي، وهذا بعيد، وإذا فسَّرناها بكراهة فهذا مضطرد، مثل قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]؛ أي: كراهة أن تضلوا. وقوله: ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ الفقه في اللغة الفهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] أي: لا تفهمونه؛ والمعنى أن الله جعل على قلوبهم سترًا واقيًا من فقههم له، فلا يصل معناه إلى قلوبهم. ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: وجعلنا في آذانهم. ﴿وَقْرًا﴾ أي: حملًا وصممًا بحيث لا ينتفعون بما سمعوا، ومن لا ينتفع بلا سمع فهو كمن لم يسمع، فنفى الله عز وجل عنه الفقه ومحله القلب، والسمع ومحله الأذن. ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وهذا كقوله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥] يعني لم يفهمها، ولم يفقهها، وإنما يظنها أساطير أي سواليف ليست ذات معنى مصلح للخلق. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إن يروا بأبصارهم، أو يروا بقلوبهم كل آية فإنهم: ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾، والآية: هي العلامة الدالة على صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال عز وجل في سورة القمر: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢]. نسأل الله الهداية، الإنسان إذا طُبع على قلبه -نعوذ بالله- لا يؤمن بأي آية، تأتيه الآيات مثل الشمس، ولكن لا يؤمن؛ لأن القلب مُغَلَّف عليه لا يصل إليه الهدى. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ هنا نفى الله عنهم الفقه ومحله القلب، والسمع محله الأذن، والإيمان بالآيات ومحله القلب مع مشاهدة العين. ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية، ويحتمل أن تكون للابتداء، والفرق بينهما أننا إذا جعلناها للغاية صار ما قبلها مُغيًّا بها، أي أنهم لا ينتفعون بالآيات حتى إنهم إذا جاؤوك جادلوك، ويحتمل أن تكون ابتدائية، والابتدائية: هي مثل الواو الاستئنافية. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره. ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ المجادلة: هي المخاصمة، وسميت مجادلة؛ لأن كل واحد من الخصمين يجدل الحجة لتقوم على صاحبه، مأخوذة من جَدْل الحبل؛ وهو فتله حتى يشتد ويقوى، فهم يجادلون النبي ﷺ بما يُوردون عليه من الشبهات، ولكن الله تعالى يجيب عنه. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من الواو في قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾ أي: حال كونهم مجادلين لك. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذا جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم تُجزم؛ لأن إذا الشرطية ليست جازمة، تقول: إذا قدم زيد يقدم عمرو، ولا تجزم، وأما قول الشاعر: ........................... ∗∗∗ وَإِذَا تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ فَتَحَمَّلِ فهذا يعتبر شاذًّا لا يحتج به. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه النهاية. ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا، ويدل على ﴿إِنْ﴾ هنا نافية، أنه أتى بعدها ﴿إِلَّا﴾، وإذا أتى بعدها (إلا) فهي نافية. وقد تأتي نافية بدون (إلا)، وهي أعني (إن) لها معانٍ، تأتي شرطية، وتأتي نافية، وتأتي زائدة، وتأتي مخففة من الثقيلة، أربعة معانٍ. تأتي شرطية، وهذا كثير، ومثاله، مثال (إن) الشرطية؟ مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة ٥٠]، وتأتي نافية، مثاله؟ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر ٢٥] أي: ما هذا إلا قول البشر، وتأتي مخفّفة من الثقيلة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، (إن)، نريد (إن). * الطالب: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. * الشيخ: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ [القلم ٥١]. الرابعة الزائدة؟ * طالب: ما إن رأيت الحق حتى تبعته. * الشيخ: ما إن رأيت الحق حتى تبعته، يعني ما رأيت الحق حتى تبعته، يعني ما رأيته حتى اجتنبته؟ يستقيم الكلام؟ * طالب: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ * الشيخ: قول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿إِنْ﴾ نافية. ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع (أسطورة)، والأسطورة: هي ما يتحدث الناس به في المجالس من أجل قتل الوقت، ليس لها معانٍ، وتسمى عند العامة أيش؟ السواليف ما لها معنى، لكن يريد الإنسان يزيل عنه الملل والكسل وقطع الوقت. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ أي: السابقين. * في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أنه ليس كل مستمع بمنتفع؛ لقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾، الآية. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد ١٦] لا يدرون ماذا قال؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الاستماع بلا انتفاع، وأن هذا دأب الكفار، ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان إذا استمع أن يتأمل ويتفكر فيما استمع، لا سيما إذا كان الكتاب والسنة حتى يعرف معناه. * ومن فوائد هذه الآية: أن الفقه محله القلب؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. فإن قال قائل: ما سبب هذه الأكنة التي تحجب الحق عن القلب؟ فالجواب: أن سببها المعاصي، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٣، ١٤]، فالمعاصي تحول بين الإنسان وبين الفقه في دين الله، ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لمن استفتي أن يستغفر الله قبل الإجابة، حتى يمحوا الاستغفار ما كان على القلب من الرين، واستدل بقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٥، ١٠٦ ]، وهذا استنباط جيد لا سيما إذا اشتبهت عليك المسألة، وحِيل بينك وبين معرفة الصواب فيها فعليك بالاستغفار والدعاء ولا تتسرع؛ لأنك تعبر عن شرع الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عدم الانتفاع بالسماع كالصمم تمامًا؛ لقوله: ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت ٤٤]، بل صاحب الصمم معذور، والذي لا ينتفع بما سمع غير معذور؛ لأن صاحب الصمم إذا لم يسمع؛ هذا من آفة حلّت به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار لا ينتفعون بما سمعوا ولا ينتفعون بما شاهدوا؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾؛ والآيات نوعان: آيات قدرية، وآيات شرعية، فمن الآيات القدرية ما يحدثه الله عز وجل في الكون كانشقاق القمر، وهبوب الرياح التي أرسلها الله عز وجل على الأحزاب، وكذلك نزول المطر، وامتناع المطر، أشياء كثيرة لا تُحصى، ثم الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، كلها من آيات الله الكونية أو الشرعية؟ * طلبة: الكونية. * الشيخ: الكونية، وأما آيات الله الشرعية فهي الوحي، إذا تأملت الوحي -وأشرفه القرآن- عرفت ما فيه من الآيات العظيمة في الأخبار والأحكام؛ فالمؤمن ينتفع وغير المؤمن لا ينتفع حتى قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤] لا يصدّقون بأنه عذاب، ومن ذلك ما يحدث في زمننا الآن، العواصف والقواصم والفيضانات والزلازل هي عند قوم من الأمور الطبيعية التي لا تدل على التهديد والتخويف، وذلك من رين القلوب- نسأل الله العافية- ومن مشابهة الكفار في أنهم: ﴿إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل يُرسل الآيات تأييدًا للرسل وتخويفًا لمخالفيهم كما قال عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]، وقال عز وجل: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء ٥٩]، فالآيات التي يرسلها الله عز وجل هي تأييد للرسل وتخويف لمخالفيهم، ولكن كما قلنا: إن هؤلاء المخالفين -نسأل الله العافية- لا ينتفعون بالآيات، فلا يؤمنون بها. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار يجادلون المسلمين، يجادلون النبي عليه الصلاة والسلام، ويجادلون من اتبع النبي، لكن بأيش؟ بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن ليبشر صاحب الحق الذي هو أهله أن النصر له؛ لقول الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء ١٨]، لكن هذا يحتاج إلى أمرين: إلى نية صادقة، وإلى علم يدفع به شبهة المحتج، ولا يجوز للإنسان أن يدخل مع صاحب باطل يجادله وليس عنده علم؛ لأنه لو فعل لكانت الهزيمة على مَنْ؟ على الحق، فلا تدخل مع شخص في مجادلة إلا وأنت تعرف كيف تصيبه مع إحسان النية، أما أن تدخل في مجادلة مع شخص ذي بيان فصيح وشُبه قوية فلا تفعل؛ لأنك إن فعلت هُزمت، وصارت هزيمتك هزيمة للحق الذي تجادل عنه. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق الجدل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ فتعلّم يا أخي طرق الجدل من أجل أن تجادل بها لنُصرة الحق، وربما يُقال: يتفرع على هذا أن ما بثه بعض الناس من قولهم: إنه لا حاجة إلى أن نراجع جدل المتكلمين من الأشعرية، والمعتزلة، وأشباههم؛ لأن زمنهم انقضى؛ فإن هذا توهُّم واضح. أولًا: أن هؤلاء لم ينتهِ زمنهم، ما زالوا موجودين، معتزلة، جهمية، أشعرية، خوارج، شيعة، موجودون. وثانيًا: أن طرق الجدل مع هؤلاء تفيد الإنسان في مجادلة آخرين؛ لأنها تفتح للإنسان أبواب الجدل، ويعرف كيف يقضي على صاحبه بما يجادل به، ثم إننا بالنسبة لبلادنا هنا في السعودية كنا لا نعرف من هذه الطوائف شيئًا كثيرًا، لكن بما أننا اندمجنا مع الناس فذهبنا إليهم وأتوا إلينا وُجِد هذا الشيء، وجد شيء من البدع، وإلا كان الناس لا يعرفون شيئًا من هذا إلا من طالع الكتب؛ لذلك نقول: إن مطالعة الجدل مع المتكلمين فيه فائدة بلا شك، ولكن اصح أن تطالع وأنت ضعيف في العلم؛ لأنك لو فعلت أيش؟ لضللت، لا بد أن يكون عندك حماية تحمي بها نفسك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المجادل بالباطل يلجأ إلى المكابرة أو إلى التهديد إذا كان له سوء، المكابرة في هذه الآية: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هذه مكابرة؛ لأن دعواهم أنها أساطير الأولين مكابرة بلا شك، وكل أحد يعرف أن القرآن الكريم ليس قول البشر فضلًا عن أن يكون أساطير الأولين، أما اللجوء إلى القوة فانظر إلى مجادلة فرعون وموسى حيث قال له فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩] فلجأ إلى القوة والإرهاب، وتأمل قوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩] ولم يقل: لأسجننك، إشارة إلى أنه يريد أن يظهر بمظهر القوة الذي يسجن الناس، وعنده مساجين، فيهدد موسى بأنه سيكون منهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فأظهر في موضع الإضمار، وكان مقتضى السياق أن يقول: حتى إذا جاؤوك يجادلونك، يقولون: إن هذا إلا أساطير الأولين، لكن قال: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والإظهار في موضع الإضمار من فوائده: أن هذا الْمُظهر إذا كان معنى من المعاني فإنه يكون شاملًا محيطًا بكل ما ينطبق عليه، فمن جادل بالباطل لإدحاض الحق فهو كافر، ثم إما أن يكون كافرًا كفرًا أصغر أو كفرًا أكبر.

الأنعام 6:26

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٦]. ﴿هُمْ﴾ الضمير يعود على مَنْ؟ على الكفار المجادلين. ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: عما جئت به من الوحي. ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يبعدوه، وقدم (النهي) على (النأي) مع أنه كان المتوقع أن يُبدأ بـ(النأي) الذي هو فعلهم بأنفسهم دون فعلهم بغيرهم؛ إشارة إلى شدة كراهتهم لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى إنهم يبدؤون بنهي الناس قبل أن يبتعدوا عنه. ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا بمعنى: (ما)؛ أي: ما يُهلِكون إلا أنفسهم، وكما في آية أخرى: ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النساء ١١٣]، فمجادلتهم ونهيهم الناس لا يضر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا، وإنما هو هلاك أنفسهم، وهل المراد هنا الهلاك الحسي أو المعنوي؟ الجواب: المعنوي؛ لأن هذا الكافر المجادل لا يموت بجداله، بل يبقى، لكنه حقيقة من الناحية المعنوية قد هلك. ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: ما يشعر هؤلاء أنهم بهذا النهي عما جاء به الرسول ﷺ والبعد عنه، لا يشعرون أنهم بذلك أهلكوا أنفسهم، ولذلك تجدهم يفتخرون بما هم عليه من الكفر، حتى إن أبا سفيان قال يوم أحد قال:« اعْلُ هُبَل». يفتخر بأيش؟ بالصنم الذي يعبده، ويقول: إنه علا على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال لهم النبي ﷺ: «أَجِيبُوهُ». قالوا: بماذا نجيبه؟ قال: «قُولُوا اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]. فالشاهد أن هؤلاء الكفار المجادلين لا يشعرون أنهم على ضلال -نسأل الله العافية- وهذا غاية ما يكون من الابتلاء؛ أن يرى الإنسان أنه على الحق مع أنه على باطل، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ»[[قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٣ / ١٤١٨): لم أقف لأوّله على أصل، وروى المستغفري في الدعوات من حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ سَأَلْتَنَا مِنْ أَنْفُسِنَا مَا لَا نَمْلِكُهُ إِلَّا بِكَ فَأَعْطِنَا مِنْهَا مَا يُرْضِيكَ عَنَّا». وفيه ولهان بن خبير، ضعفه الأزدي، وإن لمسلم من حديث عائشة فيما كان يفتتح به صلاته من الليل: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ» إلى آخر الحديث. وقال ابن شاهين في كتاب مذاهب أهل السنة (٣٨): ومن أدعية من تقدم: اللهم أرنا الحق حقا وألهمنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا، وألهمنا اجتنابه.]]. * طالب: الكتب التي يُنصح بها في مطالعة كلام المتكلمين، والذي فيه الردود التي تُقنع الإنسان، أحيانًا بعض الكتب والمؤلفات.. * الشيخ: نعم، والله أنا ما رأيت أحسن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، هو وابن القيم، لكن كلام ابن القيم -رحمه الله- أسهل وأقرب إلى الفهم، وأما بقية المتكلمين فأكثر ما يكون الجدل؛ الأشاعرة مع المعتزلة، وهذا ما يكفي، إذا أردت العقيدة السليمة فعليك بكتب شيخ الإسلام وابن القيم، هذا أحسن ما رأيت. * طالب: عفا الله عنك يا شيخ، شيخ الإسلام ابن تيمية يا شيخ أعمق بالدليل، وابن القيم -رحمهما الله- أسهل في تنسيق الكلام، وانتظام الكلام مع بعضه. * الشيخ: صحيح، هذا هو الواقع؛ ولذلك تعتبر كتب ابن القيم سلّمًا لكتب شيخ الإسلام رحمه الله. * طالب: كيف يجمع بين العذر بالجهل -يعني عذر هؤلاء الأتباع الذين يكونون أتباعًا للضلال- وبين أن الله عز وجل يزيد الناس ضلالًا؛ حيث إن الإنسان يعني ما تكون إقامة الحجة بالكلمة الواحدة فتعيد عليه دائمًا؟ * الشيخ: هؤلاء ما جهلوا؛ لأن الرسول أتاهم بآيات بينات، لكنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]. * الطالب: هل يُطبق هذا على أتباع الضلال يعني أي واحد.. * الشيخ: أتباع أيش؟ * الطالب: أتباع الضلال، الأتباع الذين يقولون.. * الشيخ: هذا يختلف الحكم، إن كان هؤلاء الأتباع ما ذُكر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام أبدًا، ولا أنه جاء رسول للخلق، وقادتهم قد كتموا عنهم هذا فهم معذورون، لكن إذا علموا لا بد أن يُعلم، وليُعلم أن هناك فرقًا بين اليهود والنصارى وغيرهم، غيرهم لا بد أن تبلغه الحجة ويفهمها، وأما اليهود والنصارى فبمجرد السماع -سماع الرسول عليه الصلاة والسلام- تقوم عليهم الحجة، ولهذا قال النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]. ووجه ذلك أن اليهود والنصارى كتبهم مصرحة بوصف الرسول ﷺ، فبما بقي عليهم إلا أيش؟ إلا أن يسمعوا بخروجه، فإذا سمعوا بخروجه قامت عليهم الحجة. * طالب: حديث النبي ﷺ: «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا»[[أخرجه أبو داود (٤٨٠٠) من حديث أبي أمامة.]] هل هو على إطلاقه حتى على أهل البدع؟ * الشيخ: لا، المراء في غير الحق، أما المراء الذي يُراد به إحقاق الحق وإبطال الباطل فهو واجب، لكن مثلًا تمارينا في شيء من أمور الدنيا، وأنا أعرف أن الصواب معي، لكن لما رأيت صاحبي يريد أن يجادل تركته. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الإسلام ينهون عن الإسلام، ونهيهم عنه يستلزم أن يسلكوا كل طريق يُبعِد الناس عنه؛ لأن نهيهم عنه نهي حقيقي عن قلب، وهذا يستلزم أن يسلكوا كل طريق يُبعِد الناس عن شريعة الله، والأساليب في هذا مختلفة قد تكون بإيراد الشكوك، أو بالأفكار الفاسدة، أو بالأخلاق الفاسدة، أو بالتحريش بين الناس، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الأساليب كثيرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء جمعوا بين الضلال والإضلال، الإضلال في قوله؟ * طالب: ﴿يَنْهَوْنَ﴾. * الشيخ: والضلال؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أحسنت، وهذا أشد ما يكون من العدوان؛ وهو الظلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل من حاول إبطال الحق وإبعاد الناس عنه فإنما جنى على نفسه. قوله: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ حتى لو برقت له الدنيا، وظهر له النصر الظاهري فإنه -في الحقيقة- هالك، أفهمتم هذا؟ من ذلك مثلًا أبو سفيان قال في غزوة أحد: «اعلُ هُبَلُ». وقال: «لَنَا العُزَّى ولا عُزَّى لَكُمْ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]] فافتخر وشمخ بأنفه، ولكن هل هذا الأمر سيبقى أو ستكون العاقبة عليهم؟ الثاني هو المتعين سواء في الدنيا أو في الآخرة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من سلوك الإنسان سبل الهلاك وهو لا يشعر، وقد بيَّن الله تعالى ذلك في قوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨]. احذر، ولكن إذا قال قائل: ما الذي يدل الإنسان على كونه على صواب أم لا؟ الجواب: أن يرجع إلى الكتاب والسنة وإلى هدي السلف الصالح، ومنهجهم فيعرف أنه على صواب، أو على خطأ.

الأنعام 6:27

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام ٢٧]. أولًا: ﴿لَوْ﴾ شرطية، وهي حرف وجود لوجود، أو امتناع لامتناع؟ ننظر ﴿لَوْ تَرَى﴾ لرأيت الجواب محذوفًا، تقديره: لو ترى إذ وقفوا على النار لرأيت أمرًا فظيعًا عظيمًا جسيمًا، فالجواب محذوف، إذا قلت: لو جاء زيد لجاء عمرو، هنا حرف امتناع لامتناع، لو قلت: لما جاء زيد جاء عمرو، فهذا حرف وجود لوجود، ولو قلت: لولا زيد لجاء عمرو؛ امتناع لوجود، إذن تقاسمت هذه الثلاث: الوجود والعدم. وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يتأتّى خطابه؛ أي: لو ترى أيها الرائي ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، وُقفوا عليها؛ أي: أوقفتهم الملائكة؛ لأنهم هم نفسهم لا يريدون النار، لكن يوقفون عليها اضطرارًا توقفهم الملائكة كما قال عز وجل: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك ٨] ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾، والنار هي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١]. فقالوا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] قالوا بألسنتهم أو بقلوبهم؟ الأصل أن القول باللسان، بصوت وحرف. وقولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا﴾ ﴿يَا﴾ هذه للتنبيه، وليست حرف نداء، وإنما قلنا ذلك؛ لأن (ليت) حرف لا يصح أن يُنادَى، هذا هو الأسهل والأقرب. وقيل: إن (يا) حرف نداء، والمنادى محذوف، ويُقدّر بحسب ما يقتضيه السياق، فهنا يُقدر بقول: يا ربنا ليتنا نُردّ، لكن ما قلناه أولًا أصح؛ لأنه أيسر ولا يحتاج إلى تقدير، وإذا دار الكلام بين أن يكون فيه شيء مُقدّر أو لا فإنا نأخذ بالثاني؛ لأنه الأصل. ﴿لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ (ليت) للتمني، والتمني يكون في المحال وفي الصعب، في المحال كقول الشاعر: أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْمًا ∗∗∗ فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَالْمَشِيـــــــــــــــــــــــــــبُ هذا محال، في العسير قوله: أَلَا لَيْتَ مَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا ∗∗∗ إِلَى حَمَـــــــــــــــامَتِنَا وَنِصْفَهُفَقَدِ هذا عسير. وكقول الفقير: ليت لي مالًا فأتصدق منه، هذا ليس بمحال لكنه عسير. هنا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ تمني محال أو تمني عسير؟ تمني محال؛ لأنه لا يمكن أن يردوا إلى الدنيا، مع أنهم لو ردوا لكان الأمر خلاف ما قالوه. ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ هذه داخلة في ضمن التمني. ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كذلك، تمنوا ثلاثة أشياء: الأول: الرد إلى الدنيا. الثاني: ألا يكذبوا بآيات الله. الثالث: أن يكونوا من المؤمنين. ولهذا جاءت ﴿لَا نُكَذِّبَ﴾ بالنصب؛ لأن (الواو) هنا (واو المعية)، فالثاني مع الأول، وكذلك ﴿نَكُونَ﴾ جاءت بالنصب؛ لأن (الواو) أيش؟ (واو المعية)، فالثاني مع الأول، تمنوا هذا كله ثلاثة أشياء، ولكنهم كاذبون فيما قالوا؛ لذلك قال الله عز وجل: ﴿بلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]. * طالب: نزلت في أبي طالب معنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ بمعنى أنه يدافع عن النبي ﷺ ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: أنه لا يؤمن. * الشيخ: لا، هذا غلط عظيم؛ لأن الآية في سياق الذم للنهي عنه والنأي عنه، ومعلوم أن الدفاع عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس ذمًّا، بل هو محمود، لا، هذا غلط لكن شاف الصورة تشبه حال أبي طالب فظنها كذلك، وهذا من تحريف القرآن، والذم منصبّ على الأمرين. * * * * طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٧، ٢٨]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ وما قبلها أخذنا فوائدها. ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ الخطاب إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل من يبلغه هذا الخطاب فقالوا: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. قلنا: في قوله: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ قراءتان: قراءة بالرفع وقراءة بالنصب، فعلى قراءة النصب تكون (الواو) واو المعية؛ يعني: أنهم تمنوا أنهم يردون، ولا يكذبون بآيات الله، وعلى قراءة الرفع تكون داخلة في قوله: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ أي: مقول القول؛ والمعنى: يقولون: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا، فتكون (الواو) عاطفة على الجملة السابقة، فقالوا: لا نكذب بآيات ربنا، والأول أبلغ وهو قراءة النصب ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطف عليها. * في هذه الآية فوائد؛ منها: شدة ندم الكافرين إذا وُقِفوا على نار جهنم؛ لكونهم يتمنون أمرًا لا يمكن أن يكون. * ومنها: إثبات النار؛ وهي الدار التي أعدها الله عز وجل للكافرين، وقد جاء في الكتاب والسنة من أصناف العذاب فيها ما هو معلوم لكثير من الناس. * ومنها: إثبات القول للناس بعد البعث، وأن الإنسان بعد البعث يقول ويفعل كما يقول في الدنيا ويفعل. * ومنها: إقرار هؤلاء بآيات الله عز وجل؛ لقولهم: ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. * ومنها أيضًا: إقرارهم بأنهم ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم تمنوا أن يكونوا مؤمنين، ولكن هذا لا ينفع؛ إذ قد انتهى كل شيء. * ومنها: جواز حذف المعلوم، والمعنى: جوازه لغة، وفي هذا يقول ابن مالك رحمه الله: وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ∗∗∗ تَقُولُ زَيْدٌ عِنْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا (وحذف ما يعلم جائز) ليس في المبتدأ والخبر فقط، بل في المبتدأ والخبر، والفعل والفاعل، وفي كل كلام، فما هو المقدَّر؟ أيش؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، لرأيت أمرًا عظيمًا، هذا الجواب.

الأنعام 6:28

ثم قال عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام ٢٨] ﴿بَلْ﴾ إضراب لإبطال ما سبق من قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بل لن يؤمنوا ولو ردوا. ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم. ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ فما الذي يخفونه من قبل؟ هل هو تصديق الرسل بما جاؤوا به، ولكن يجحدون، أو ما كانوا يخفون من قبل من الكفر الذي كانوا يكتمونه؟ فعلى الأول يكون السياق في الكافرين، وعلى الثاني يكون السياق في المنافقين. ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ ما الذي أخفوه؟ تصديق الرسل، ولكن جحدوا، والجحد: هو إنكار ما كان معلومًا، أو ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ من الكفر؛ حيث إنهم يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، فعلى الأول تكون الآية في مَن؟ في الكافرين، وعلى الثاني في المنافقين، فهل يمكن أن نقول: إن الآية شاملة للمعنيين؟ الجواب: نعم؛ لأنه لا منافاة، لكن يشكل على كونها في المنافقين أن السورة مكية؛ لأن سورة الأنعام مكية نزلت في مكة جملةً واحدة، فكيف يكون فيها إشارة للمنافقين؟ والجواب عن هذا الإشكال: أن لا إشكال؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبر عما يكون يوم القيامة، ويوم القيامة قد حصل النفاق، أليس كذلك؟ وأيضًا يذكر الله المنافقين في السور المكية تحسبًا لما يقع واستعدادًا لهم، قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت ١١]، وهي مكية، وعليه فلا إشكال، وتكون الآية شاملة للمعنيين، والقرآن الكريم عظيم تأتي فيه الآيات والجمل والكلمات تحتمل معاني متعددة، ولكن القرآن لعظمته يتسع لكل هذه المعاني ما لم يكن بعضها منافيًا لبعض، فإن كان بعضها منافيًا لبعض طُلب الترجيح. قال الله عز وجل: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: ظهر لهم: ﴿مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾. ﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾ يعني إلى الدنيا ﴿لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ إذن قولهم حقيقة أو كذب؟ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: من تكذيب الرسل ومن النفاق، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾. * ففي الآية الكريمة: أنه تظهر الحقائق يوم القيامة وتبين، واقرأ قول الله عز وجل في سورة (يس) حيث قال آخر السورة، قال الله عز وجل في آخر السورة عند ذكر نفخ الصور: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ فيقولون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ أو يقال لهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ٥٢] فيتبين الأمر جليًّا في ذلك الوقت، ولكنه لا ينفع من لم يؤمن به في حياته. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعلُّق علم الله بالمستحيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. فإذا قال قائل: هذا ليس بمستحيل؛ لأن الله قادر أن يعيدهم إلى الدنيا. فيقال: إنه مستحيل حسب وعد الله عز وجل، فإن الله قد قضى أن الناس لا يرجعون إلى الدنيا، ولهذا إذا تمنى الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله؛ تمنوا أن يرجعوا إلى الدنيا فيقتلوا مرة ثانية كما فعل عبد الله بن حرام «حين قال له الله عز وجل: تمنّ، قال: أتمنى أن أعود إلى الدنيا فأقتل فيك مرة أخرى، قال: إني قضيتُ أنهم إليها لا يُرجعون»[[أخرجه الترمذي (٣٠١٠)، وابن ماجه (١٩٠) من حديث جابر بن عبد الله.]]. هذا قضاء كوني قدري، فيكون مستحيلًا حسب قدرة الله أو حسب وعد الله؟ * طلبة: حسب وعد الله. * الشيخ: حسب وعد الله، كالظلم بالنسبة لله عز وجل مستحيل حسب وعد الله عز وجل، لكنه قادر على أن يظلم، هناك شيء مستحيل لذاته وشيء مستحيل لغيره، إذن قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ فيها دليل على تعلُّق علم الله تعالى بالمستحيل. فإذا قال إنسان: وهل يمكن أن يستحيل الشيء لذاته ويعلمه الله عز وجل؟ فالجواب: نعم، اسمع إلى قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهذا مستحيل عقلًا لا يمكن، ومع ذلك علم الله عز وجل أنه لو كان في السماوات والأرض آلهة سوى الله لفسدتا، إذن عِلم الله متعلّق بالمستحيل، ومتعلق بالممكن مثل: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧]، ومتعلِّق بالواجب، مثل علم الله تبارك وتعالى بما له من الصفات الكاملة، ولهذا نقول: أوسع الصفات في صفات الله عز وجل هو العلم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكافرين لا يستنزهون من الكذب حتى في الآخرة، وكذلك المنافقون؛ لأن الله تعالى كذبهم وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد الشيء إذا دعت الحاجة إليه؛ إما لأهميته وإما لكون المخاطب مترددًا فيه، أو لغير ذلك من الأسباب، المهم أن من الفصاحة والبلاغة أن يُؤكّد الخبر إذا دعت الحاجة إلى تأكيده، التأكيد في الآية في أي جملة؟ ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فهنا مؤكد بـ(إن) و(اللام).

الأنعام 6:29

﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿قَالُوا﴾ أي: المنكرون للبعث. ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: ما هي. ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ يعني ما فيه حياة أخرى ما فيه إلا الحياة الدنيا، ثم أكدوا هذه الجملة بقولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، وهذا إنكار صريح للبعث، مع أن البعث قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والإجماع، وسيأتي في الفوائد. وقوله: ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ﴿الدُّنْيَا﴾ هل هي من الدنو رتبة ومنزلة، أو من الدنو وقتًا وزمنًا أو منهما؟ منهما جميعًا، فهي بالنسبة للآخرة قبل الآخرة فتكون دنيا، وهي بالنسبة للمرتبة أيضًا دنيا دون الآخرة، كما قال عز وجل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٧]، ولهذا لا تجد في الدنيا سرورًا دائمًا أبدًا؛ يعني سرورًا للبدن وسرورًا للقلب، هذا لا تجده؛ أي: نعيمًا للبدن والقلب، لا يمكن دائمًا، فإما نعيم في البدن وهو الرفاهية التي يدعو إليها الناس الآن، كثير من الناس يدعون للرفاهية أهم شيء عندهم الترفيه والرفاهية، هذا نعيم أيش؟ نعيم بدن، لكنه يُولّد في القلب حسرة عظيمة وضيق صدر، وإما نعيم في القلب، وهذا للمؤمنين كما قال عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]، ولكن مع ذلك لا بد للإنسان من وجود ما يسر به وما يساء به، فلا يمكن أن تجد في الدنيا شيئًا كاملًا من كل وجه، ولهذا انطبق الوصف تمامًا عليها، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الزهادة فيها والرغبة في الآخرة. وقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ أي: بمخرجين من القبور، وليس عندهم دليل على هذا الإنكار إلا مجرد الأهواء والمكابرة، وإلا ما المانع؟ وقد أقام الله الدلائل العقلية والحسية والشرعية على وجوب البعث أو على إمكان البعث، وأنه ليس بممتنع، لكن هم -والعياذ بالله- أنكروا هذا، ومن أجل إنكارهم له لم يعملوا للآخرة، عملهم كله للدنيا، نسأل الله السلامة. * في هذه الآيات الكريمة: أن الكافرين ينكرون البعث؛ لأن قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ معطوف على ما سبق، وقد صرح الله عز وجل بهذا في قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن ٧]. * ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى دنوّ حياة الدنيا، وأنها ليست بتلك الحياة التي ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها وينسى الآخرة؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾. وقد جاء في الحديث: «لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ لَمْ يَسْقِ اللَّهُ مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)، وابن ماجه (٤١١٠) من حديث سهل بن سعد.]]. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله: لَوْ سَاوَتِ الدُّنْيَا جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْقِ مِنْهَا الرَّبُّ ذَا الْكُفْرَانِ؎لَكِنَّهَا وَاللَّهِ أَحْقَرُعِنْــــــــــــــــــــــــــــــدَهُ ∗∗∗ مِنْ ذَا الْجَنَاحِ الْقَاصِرِالطَّيــــَرَانِ * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنكار هؤلاء للبعث إنكار مكابرة، نأخذها من أنه لو صدق ما قالوا لأصبح خلق الخلق عبثًا لا فائدة منه، أمم تحيا وتموت وتتقاتل وتتناحر، ثم لا يكون بعث، يُجازَى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، هذا غير ممكن.

الأنعام 6:30

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام ٣٠]، هذا موقف آخر، والخطاب في قوله: ﴿تَرَى﴾ إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لكل من يتوجه إليه الخطاب. ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ أي: حين وُقفوا على ربهم، وفي الآية التي سبقت قد يقول قائل: كيف عُبِّر عن المستقبل بالماضي؛ ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ ولم يقل: إذ يقفون؟ فيقال: الشيء المحقَّق يُعبّر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١]، فيكون هذا تصويرًا للحال المستقبلة كأنها شيء حاضر ماضٍ. ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ وهو الله عز وجل، وإنما أضاف ربوبيته إليهم مع أنهم من أراذل عباد الله إشارة إلى أنه عز وجل هو الخالق المالك المدبر لهم فكان عليهم أن يقوموا بعبادته، فيكون إضافة الربوبية إليهم للإشارة إلى أن السلطان له عليهم عز وجل، ومع ذلك لم يؤمنوا به ولا برسله، ولا عملوا لهذا اليوم. قال الله عز وجل: ﴿إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ ﴿قَالَ﴾ جملة استئنافية لبيان ما حصل عند الوقوف. ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ المشار إليه البعث الذي كانوا ينكرونه، وفي هذه الجملة حرف جر زائد؛ (الباء) في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، زيادة الحروف يقول أهل العلم في البلاغة: إنها تدل على التوكيد، فعلى هذا تكون هذه الجملة مؤكدة بـ(الباء) الزائدة إعرابًا ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الثابت الذي لا مرية فيه. ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ فأجابوا بالجواب مع الإقسام، وكانوا بالأول يقولون: لا نُبعث، وهنا أقسموا على أن هذا البعث حق، ولكن لو سألني سائل هل ينفعهم هذا الإقسام؟ لا ينفع؛ لأن الدار الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل. ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (قال) طيب. ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾ (الواو) هذه حرف قسم، والقسم -كما مر علينا كثيرًا- هو تأكيد الشيء بذكر مُعظّم بأداة مخصوصة؛ وهي (الواو) و(الباء) و(التاء). قال: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ يعني قال الله عز وجل لما أقروا بأن هذا هو الحق تبيّن أن إنكارهم الأول كان كفرًا بإقرارهم. وقوله: ﴿ذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الأمر هنا للإهانة، وليس للتكريم؛ لأنه لا أحد يكرم بالعذاب لكنه للإهانة، وأطلق الذوق على العذاب لتحقق وقوعه، فإن ذوق الإنسان للشيء يعني أنه تيقنه تمامًا، فلو قلت لك مثلًا: في جيبي لك تفاحة، تُصدِّق، فإذا رأيتها ازداد يقينك، فإذا أكلتها ازداد أكثر؛ ويسمى الأول: علم اليقين، والثاني: عين اليقين، والثالث: حق اليقين. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الباء) للسببية، و(ما) مصدرية، وعليه فيُقدر ما بعدها بمصدر، ويكون التقدير: بكونكم تكفرون؛ أي: تكفرون باليوم الآخر، وبمن أخبركم باليوم الآخر وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وبمن أرسلهم. أين جواب (لو)؟ محذوف، تقديره: لرأيت أمرًا عظيمًا، وحذفه جائز، ولكن هل حذفه جائز أي مستوي الطرفين أو حذفه أبلغ؟ الجواب: الثاني، من أجل أن يذهب الذهن كل مذهب؛ لأنه لو ذُكر الجواب تحدّد بما ذُكر، لكن إذا حُذف صار الإنسان يتصوّر هذا الشيء المحذوف شيئًا عظيمًا أكثر مما يُوصف، فيكون حذف مثل هذا الشيء من باب البلاغة إلا أنه مطابق لمقتضى الحال. * من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات ربوبية لله عز وجل لهؤلاء الكفار؛ لقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن لله ملائكة يأتون بالناس إليه عز وجل بدليل قوله: ﴿إِذْ وُقِفُوا﴾ ولم يقل: إذ وَقَفُوا فهم يؤتى بهم ويقفون. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله عز وجل: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾. * ومنها: أن قول الله بالحرف وبالصوت، الحرف؛ لأن ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ حروف، وبالصوت؛ لأنهم سمعوا وأجابوا، فقالوا: ﴿بَلَى وَرَبِّنَا﴾. * ومنها: أن هذا القسم منه يُشعر بشدة الندم على إنكارهم الأول؛ فكأنهم كذبوا أنفسهم تكذيبًا مقرونًا بالقسم، ولا يخفى أن مثل هذا لا يخرج إلا من قلب متحسِّر، ولكن فات الأوان. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وإثبات الأسباب هو المطابِق للواقع، واعلم أن الناس في إثبات الأسباب انقسموا إلى ثلاثة أقسام؛ الناس من الأمة هذه، من أمة محمد عليه الصلاة والسلام انقسموا ثلاثة أقسام: الأول: من أنكر الأسباب نهائيًّا، وقال: إن الأشياء تأتي بمجرد الصدفة، وبمجرد أن الله خلقها. ومنهم: من أثبت الأسباب على أنها مؤثرة بذاتها، وهؤلاء هم الماديون الذين يعتقدون أن الكون يتفاعل بنفسه، وإن انتسبوا للأمة مثل بعض الفلاسفة أو المتفلسفة. الثالث: من أثبتوا الأسباب، لكن بما أودع الله فيها من القوة لا بنفسها، وهذا القول هو الوسط المتعيِّن، ولذلك نجد أن الأشياء تتغير مسبباتها بتقدير الله عز وجل؛ فالنار التي أُوقدت لإبراهيم ماذا كانت؟ كانت بردًا وسلامًا، مع أننا لو رجعنا إلى السبب نفسه لكانت محرقة، لكن هي لا تكون محرقة إلا بإرادة الله عز وجل، ونجد أن الله تبارك وتعالى يُحدِث أشياء لا نعلم أسبابها مما يدل على أن السبب ليس هو الفاعل، ولكن الفاعل هو الله، ولكنه لحكمته جعل لكل شيء سببًا. * ومن ذلك أيضًا؛ من فوائد الآية: حذف ما كان معلومًا كالآية التي قبلها. * طالب: الحلف بغير الله عز وجل من الشرك الأصغر إذا لم يكن فيه تعظيم، فإذا كان الإنسان لا يحلف إلا وهو معظِّم للمقسِم به، لكن تعظيمه دون تعظيم الله، فهل يكون كفرًا أكبر؟ * الشيخ: يسأل، يقول: إن إذا كان الإنسان يحلف بغير الله عز وجل معتقدًا تعظيمه، فهل يكفر؟ الجواب: لا يكفر، إلا إذا اعتقد أن له من التعظيم مثل تعظيم الله أو أشد، وكثير من الجهّال قد يعتقدون أن رؤساءهم لهم من التعظيم أكثر من تعظيم الله، هذا شرك أكبر، أما ما دون ذلك فليس أكبر. * طالب: (...) لماذا لا يقال: بدا لهم عاقبة تكذيبهم وكفرهم؛ لأنه يوم القيامة، لماذا لا يقال هذا؟ * الشيخ: هو هذا اللي، ما الذي يخفونه؟ يخفون إما الكفر إذا كانوا من المنافقين، أو يخفون تصديق الأنبياء إذا كانوا من الكافرين. * الطالب: وبدا لهم يوم القيامة عاقبتهم. * الشيخ: يبدو لهم هذا، والله عز وجل يعبّر عن العقوبة بالفعل الذي يكون سببًا لها. * طالب: الأرض يا شيخ، نبات الأرض يموت كله عن آخره وينبت كله سوى (...) هذا يدل -يا شيخ- على البعث يوم القيامة؟ * الشيخ: إي نعم، وقد ضرب الله هذا فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]. * طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض الناس إذا حلفوا أقسموا بالله سبحانه وتعالى لفظًا ما صدقوا، في حين إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، شيخ -أحسن الله إليك- ماذا يقال في هؤلاء؟ * الشيخ: ما سمعنا بهذا إلا هذه الليلة! * الطالب: هذا عندنا كثير؛ إذا حلفوا بالمصحف صدقوا، أما إذا قلت لهم: قل: والله، قالوا وما صدقوا. * الشيخ: هذا من جهلهم؛ لأن تعظيم الحلف بالمصحف من تعظيم الله عز وجل؛ إذ إن المصحف كلام الله تعالى، لكن هذا من الجهل، كما أن بعضهم يحلف بالله ولا يبالي، لكن لو تقول: احلف بالنبي ما يحلف إلا وهو صادق. * طالب: بعض المسلمين إذا خُوِّف من عذاب القبر ومن العذاب عمومًا يقولون: هل رأيت القبر؟ وهل رأيت عذابه؟ فهل هؤلاء يدخلون في الآية يا شيخ؟ * الشيخ: إي، يدخلون في الآية مكذبون؛ لأن الذي لا يؤمن إلا بما يحسه لم يؤمن بالغيب فهو كافر، لكن إنكار عذاب القبر على نوعين: قد يُنكر عذاب القبر على البدن، هذا لا يكفر؛ لأن بعض العلماء قال به من علماء الملة على البدن يعني، وقد ينكره أصلًا، يقول: لا على البدن ولا على الروح فهذا كافر، لماذا؟ لأنه مُكذِّب لما تواتر عن النبي ﷺ وتلقته الأمة كلها بالقبول، كل مُصلٍّ يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨ / ١٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، والقرآن الكريم قد أشار إلى هذا في عدة آيات. * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بعض الناس العصاة عندما تنصحهم وتخوّفهم بالله يقول بأن الله قدّر عليه أن يكون هكذا، فبماذا يُردّ على مثل هذا. * الشيخ: هذا احتجاج بالقدر، والعاصي ليس له حُجّة في القدر؛ لأننا نقول لهذا الرجل بكل سهولة: هل تعلم أن الله قدَّر عليك هذا الشيء إلا إذا فعلت؟ سيقول؟ * الطالب: سيقول: لا. * الشيخ: سيقول: لا. طيب إذن لماذا تعمل؟ لماذا لم تقدّر أن الله قدر لك الخير وتعمل بالخير؟ هذا الجواب سهل جدًّا، بقطع النظر عن أن نقول الآن لو سمعت عن بلد فيه تجارة، وآمن، ومطمئن، وبلد آخر بالعكس إلى أيهما تذهب؟ لقال: أذهب إلى الأول، فنقول: هذا مثل عمل الدنيا مثل عمل الآخرة. * طالب: حفظكم الله يا شيخ، لولا البعث بطلت أهمية الحياة، صحيح؟ * الشيخ: نعم. * الطالب: هل ممكن يعني تعلق على هذا القول؟ * الشيخ: لولا؟ * الطالب: لولا يعني البعث –بأننا سوف نبعث- بطلت أهمية الحياة؟ * الشيخ: أيش؟ * الطالب: بطلت؟ * الشيخ: بترت؟ * الطالب: بطَلت. * الشيخ: بطلت، إي نعم، صحيح، لولا البعث لبطلت أهمية الحياة؛ لأن الحياة في الواقع ما هي حياة كاملة، ما لها أهمية أن الإنسان يعمر ما يعمر، ثم يفنى إلى غير شيء، ويش الفائدة؟ حقيقة، الإنسان ينكر البعث معناه أنه أنكر أن يكون في الدنيا فائدة، افرض أن الرجل فعل كل شيء، وصار عنده إنتاجات وعنده اختراعات، وماذا ينتفع؟ ما ينتفع إلا إذا لم يكن له آخرة يجازَى عليها، إذا قال: لا يمكن تدرّ عليه الأموال، نقول له: طيب والأموال ما مآلها؟ مآلها بيت الخلاء. الآن أشد عموم الانتفاع هو الأكل والشرب وين يروح؟ في البطن يخرج إلى وين؟ إلى الأماكن القذرة، هذه نهاية المال، إذن ويش الفائدة من الدنيا؟! ولهذا يعتبر إنكار البعث بقطع النظر عن كونه كفرًا وضلالًا يعتبر سفهًا.

الأنعام 6:31

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام ٣١ - ٣٥]. * الشيخ: نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ الجملة هذه مؤكدة بـ﴿قَدْ﴾، والحروف المؤكِّدة كثيرة منها ما يسبق ومنها ما يتأخر؛ فاللام في قولك: إن زيدًا لقائم. هذه مؤكِّدة، لكنها متأخرة، وقد ذكرها علماء أهل البلاغة حينما تكلموا على الخبر وأقسامه، وأنه ابتدائي وطلبي وإنكاري، تكلموا على حروف التوكيد، فمن أراد استيعابها فليرجع إليها. هذه الآية مؤكدة بمؤكِّد واحد؛ وهي ﴿قَدْ﴾. ﴿خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ خسروا أيش؟ أطلق الله عز وجل الخسارة، ما قال: خسروا أنفسهم ولا أهليهم ولا شيئًا، فيكون ذلك خسرانًا مطلقًا، وصدق الله عز وجل، فما أخسر الذين كذبوا بلقاء الله! لأن هؤلاء لن يعملوا للقاء الله، ويكون وجودهم في الدنيا خسرانًا لا فائدة منه، بل فيه مضرة؛ لأن وجود الإنسان في الدنيا مع كفره بالله عز وجل شر من كونه لم يُوجد أصلًا، وشر من وجود البهائم؛ لأن البهائم تُوجد في الدنيا، ثم تفنى، ثم تُبعث يوم القيامة ولا حساب عليها، وهذا عليه حساب، ولهذا تمنّى بعض الصحابة رضي الله عنهم ومنهم عمر بن الخطاب أنه شجرة تُعضَد؛ أي: تُقطع، وقال: «وددت أن أخرج منها» -أي من الدنيا- «كفافًا لا عليَّ ولا لي »[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (١٨٢٣ / ١١).]]. هذا وهو عمر رضي الله عنه، فما بالك بمن دونه، فكل من لم يعمر أوقاته بطاعة الله عز وجل -وأسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فإنه خسران، فاته الربح. وقوله: ﴿كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: باللقاء معه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أيش؟ ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، لا بد أن هذا الذي أمرك ونهاك، وأرسل إليك الرسل، وأعطاك العقل لا بد أن تلاقيه فيحاسبك، والمراد أنهم كذبوا بالبعث الذي يكون فيه لقاء الله. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هذه ابتدائية تفيد فصل ما بعدها عما قبلها. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ﴾ وهي ساعة القيامة ﴿بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وقد يراد بالساعة ساعة فراقهم للدنيا؛ لأن من مات فقد قامت قيامته، انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء. وقوله: ﴿بَغْتَةً﴾ أي: من غير احتساب لها، والساعة الكبرى تكون بغتة تأتي الناس والإنسان قد جهّز حوض إبله ليسقيها فلا يتمكن، وقد رفع اللقمة إلى فمه فلا يتمكن، والرجلان قد نشرا الثوب بينهما ليبيعه أحدهما على الآخر فلا يتمكن من إتمام العقد[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٢١)، ومسلم (٢٩٥٤ / ١٤٠) من حديث أبي هريرة. ]]، تأتي بغتة. ﴿قَالُوا﴾ جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ﴿يَا﴾ هنا لا يمكن أن نجعلها للنداء، لماذا؟ لأن الحسرة لا تُنادى، والحسرة هو الندم، والتحسّر على الشيء الذي فات، وعليه تكون ﴿يَا﴾ للتنبيه؛ كأنهم قالوا: ما أعظم حسرتنا، وقيل: إن ﴿يَا﴾ للنداء، وأن (الحسرة) تُخيّل كأنها شيء عاقل يتوجّه إليه النداء، وعلى هذا القول يكون المعنى: يا حسرتنا احضُري، فهذا أوانك، والمعنى لا يختلف بين هذا وهذا غاية ما هنالك التقدير وعدم التقدير، والحسرة: هي الندم والتحسُّر على شيء فائت. ﴿عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ التفريط: هو التقصير. و﴿فِيهَا﴾ الضمير يعود على الساعة؛ أي: فرطنا في الاستعداد لها؛ لأنهم أضاعوا أعمارهم بما لا فائدة فيه، بل بما فيه مضرة أحيانًا. قال: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ يعني يوم القيامة ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾، والله تعالى يعبر دائمًا عن الجزاء بالعمل، أتدرون لماذا؟ لفائدتين: الفائدة الأولى: أن يُصلح الإنسان عمله. والفائدة الثانية: أن يُعْلَم أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن الجزاء على العمل دائر بين أمرين لا ثالث لهما: الأول: الفضل، والثاني: العدل. ولا ظلم؛ فإن كان العمل حسنات فبالفضل، وإن كان سيئات فبالعدل، وربما يكون بالفضل حيث يعفو الله عنه عز وجل. ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ أي: جزاء الأعمال ﴿عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ حملًا حقيقيًّا، هذا هو الواجب أن نحمل الآيات على ظاهرها. ولا يقول قائل: كيف يحمل الجزاء على الظهر؟ قلنا: يوم القيامة لا يُقاس بأيام الدنيا؛ لأن الحال تختلف اختلافًا عظيمًا، فمن الجائز الممكن أن الله تعالى يخلق هذه الجزاءات حتى تكون أجسامًا تُحمل على الظهور وما المانع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟ ولا يجوز أبدًا أن نقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا؛ لأنك إذا قرأت القرآن، وعلمت ما جاء في السنة من أحوال يوم القيامة تجزم أنه ليس هناك اتفاق، ولا يمكن أن يقاس بعضها على بعض. قال الله عز وجل: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ﴿سَاءَ﴾ بمعنى: بئس. و﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح وتنبيه، وربما نقول في هذا الموضع زيادة أخرى، وهي: التحذير من الأعمال السيئة. وقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ﴿مَا﴾ إن جعلتها اسمًا موصولًا احتجت إلى العائد، وإن جعلتها مصدرية لم تحتج إلى عائد، فما هو التقدير إذا جعلناها اسمًا موصولًا؟ التقدير: ألا ساء ما يزرونه، أما إذا جعلناها مصدرية فلا تحتاج إلى ضمير، ولكن تحتاج إلى سبك؛ بمعنى إلى تحويل الفعل مصدرًا، وعليه يكون التقدير: ألا ساء وزرُهم، ولكن المعنى لا يختلف؛ وهو أن الله تعالى ذم هذا الذي يحملونه على ظهورهم من الأوزار. * في هذه الآية فوائد: أولًا: بيان خسران الكافرين المكذبين بالبعث، وأنهم مهما ظنوا أنهم ربحوا فهم خاسرون، ولكن متى يعلمون أنهم خاسرون؟ إذا جاء الأجل، أما الآن فهم في سكرة لا يدرون، ولهذا لو انتصروا اقتصاديًّا أو عسكريًّا أو فكريًّا لظنوا أنهم رابحون، ولكنهم خاسرون. * ومن فوائد الآية: وجوب الإيمان بلقاء الله؛ بدليل ثبوت الخسران لمن كذب به، ومعلوم أنه لا يحل للإنسان أن يُوقع نفسه في الخسران. وهل من لقاء الله عز وجل النظر إليه؟ استدل بعض العلماء -رحمهم الله- على النظر إلى الله عز وجل بهذه الآية وبقوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦]، وقالوا: إن اللقاء لا يكون إلا مواجهة، وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت أيش؟ رؤية الله عز وجل، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص والإجماع. وعلى هذا فيكون في الآية دليل على ثبوت رؤية الله عز وجل، وثبوت رؤية الله ثابت بالنص والإجماع؛ النص القرآني والنبوي. والإجماع: من الصحابة رضي الله عنهم، وأئمة الهدى من بعدهم. من أدلة النظر إلى الله في القرآن، ويش وجه الدلالة؟ * طالب: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٣] * الشيخ: إي نعم، على تقدير: إلى ثواب ربها ناظرة. * الطالب: يا شيخ، النظر إذا قُرن بـ(إلى) يفيد.. * الشيخ: (...) ما يخالف ويقول: نظر، ما هو نظر فكري كقوله: ﴿انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس ١٠١] يقول: نظر بالبصر، لكن ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ أي: إلى ثواب ربها، ما يطيعك، خصمك ما يطيعك، يقول: إلى ثواب ربها، نعم تنظر إلى ثواب الله مما في الجنة من النعيم والحور العين وكل شيء، كيف ترد عليه؟ * طالب: شيخ، الهاء -يا شيخ- مضاف إلى (رب) يا شيخ، فلا يمكن أن نحمله إلى الثواب. * الشيخ: الهاء مضافة إلى رب، غلط هذا. * طالب: نقول: الصحابة رضي الله عنهم ما يزالون يقرؤون القرآن.. * الشيخ: لا هذا تقرير الإجماع. * طالب: أن الله عز وجل لو أراد أنهم ينظرون إلى ثواب الله لعبّر بهذا صريحًا، ولم يأت بلفظ يحتمل غيره. * الشيخ: تمام، هذا الجواب هو السليم، لو أراد الله عز وجل أن يبين أنها تنظر إلى ثواب الله لقاله، فكونه عز وجل يريد ثواب الله، ثم يأتي بقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا﴾ [القيامة ٢٣] هذا تعمية على الخلق. هل هو بيان ولّا تعمية؟ تعمية، والله عز وجل يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ويقول: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦] ثم ما دليلك على أن تقحم هذه الكلمة في القرآن؟ أنت إذا أجزت هذا، أجزت لمن أراد أن يعبر عن القرآن بالمعنى أن يقول: وجوه يومئذ ناضرة إلى ثواب ربها ناظرة، وهذا تحريف ظاهر، واضح؟ طيب، من السنة؟ * طالب: في قول الله تعالى.. * الشيخ: لا (...). * الطالب: في تفسير قوله تعالى.. * الشيخ: لا. * طالب: النبي ﷺ يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣ / ٢١١)، والترمذي (٢٥٥٤) واللفظ له من حديث أبي هريرة. ]]. * الشيخ: نعم «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» وهذا التشبيه للتحقيق، يعني كما أنكم في أماكنكم المتباعدة ترون القمر ليلة البدر بدون انضمام بعضكم إلى بعض، فإنكم سترون الله عز وجل. ولما سأل أبو رَزِين العُقيليّ النبي ﷺ وقال: «يا رسولَ اللهِ، كيف يُحاسِبُنا الله تعالى في يومٍ واحدٍ ونحن جميعٌ وهو واحدٌ؟ كيف هذا؟ قال: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللهِ؟ ما هو؟ قال: الْقَمَرُ، كُلُّكُمْ يَرَاهُ فِي مَكَانِهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَأَنْتُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ»[[أخرجه أبو داود ( ٤٧٣١)، وابن ماجه ( ١٨٠) من حديث أبي رزين. ]] إذن هذا الحديث كما قال الأخ دليل على ثبوت رؤية الله بالعين. طيب، بقينا في الإجماع؟ * طالب: أجمع الصحابة والتابعون على رؤية الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: من قال هذا الكلام؟ * الطالب: نقل الثقات يا شيخ. * الشيخ: كيف السبيل إلى إثبات هذا الإجماع؟ * الطالب: نقل العلماء الثقات. * الشيخ: لا، العلماء بماذا استدلوا على إجماعهم؟ * الطالب: بالقرآن والسنة. * طالب: لما قرأ الصحابة القرآن، وقرؤوا حديث رسول الله ﷺ، وفسروه على ظاهره، ولم يصرفوا اللفظ عن ظاهره، فهذا دليل على أنهم مجمعون، ولم يثبت أي أحد من الصحابة خالف في تفسير ذلك. * الشيخ: ذكرت لكم هذا، قلت: لو قال لك القائل: لا تصديق لما تقول من الإجماع، أين طريقه؟ أقول: إن الصحابة قرؤوا القرآن، وسمعوا الأحاديث من الرسول ﷺ، ولم يأت عن أحد منهم أنه قال بخلاف ظاهره، فيكون هذا إجماعًا منهم أيش؟ ما هو سكوتي، إقراري، إجماعًا منهم على أنها على ظاهرها، وهذا حجة لا إشكال فيها، هات واحدًا من الخلفاء الراشدين، أو غيره من الصحابة، يقول: إن الرؤية لما أعد الله لهم من الجنة والثواب، وليس لرؤية الله، ما تجد. أئمة الهدى من بعدهم تبعوهم. على كل حال الآية الموجودة هنا من لقاء الله استدل بها بعض العلماء على ثبوت رؤية الله سبحانه وتعالى، محتجًّا بأن الملاقاة لا بد أن تكون مواجهة. فإن صح هذا الاستدلال، وإلا فنحن في غنى عنه، واضح؟ طيب إذا لم يصح هذا الاستدلال فالمراد بلقاء الله: البعث بعد الموت؛ لأن الكافر لن يرى الله سبحانه وتعالى، كما قال عز وجل: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الساعة تأتي بغتة، سواء كانت الساعة الكبرى، أو الساعة الصغرى. ألم تكن الساعة الصغرى تأتي بغتة؟ بلى، تأتي الزلازل بغتة، تأتي العواصف والقواصف بغتة، وقد حذر الله عز وجل من هذا فقال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف ٩٧] نائمون ساترون، لا يفكرون في عذاب، فيأتيهم وهم نائمون، ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٨] هم يلعبون، لاهون، ما فكروا أن يأتيهم العذاب فيأتيهم العذاب، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ٩٩] بما أنعم عليهم من الأمن والرغد والرخاء ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٩] خسارة البغتة هنا الساعة الكبرى والصغرى. * من فوائد هذه الآية الكريمة: شدة تحسر هؤلاء الذين كذبوا بلقاء الله، وإقرارهم على أنفسهم بأنهم فرطوا، ولكن هل هذا ينفعهم؟ لا، انتهى العمل، ما ينفعهم، شيء فات لا يمكن رده، ولهذا أقروا بأنهم مفرطون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الأوزار يحملون أوزارهم على ظهورهم يوم القيامة حقيقةً أو مجازًا؟ حقيقة؛ لأن هذا هو الواجب؛ أن نجري النصوص القرآنية والنبوية على ظاهرها. فإذا قال قائل: كيف يحملونها؟ فالجواب: أن هذا سؤال في غير محله؛ لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعمال محل الثناء والقدح؛ لقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، هذا قدح. محل الثناء مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فالأعمال محل القدح ومحل المدح. إذا ثبت القدح في العمل أو المدح فهل يستلزم القدح في الفاعل، في العامل، أو المدح له؟ الجواب: نعم، هذا هو الأصل، لا سيما في أمور الدنيا، فإنه ليس لنا إلا الظاهر، أمور الآخرة عند الله. ولهذا لو أننا رأينا شخصًا يسجد لصنم قلنا: كافر، مع أنه يحتمل أن يكون جاهلًا، لكن نقول: كافر، فإن استقام ووحد الله ارتفع عنه هذا الوصف، وإلا فهو باق. وليعلم أن بعض الناس توسعوا في مسألة التعيين والتعميم، حتى إن بعضهم شك هل يجوز أن نقول لمن سجد للصنم: إنه كافر. الله المستعان، كيف؟ قل ولا تبالِ: هل يجوز أن نقول لمن ترك الصلاة: إنه كافر؟ نقول: قل ولا تبال، إذا لم تقل فمتى يكون كفرًا ومتى يكون شركًا؟ نعم إذا وُجد مانع من التكفير فحينئذ يكون لكل شيء حكمه. وأما الأصل فإننا نحكم على كل من فعل ما يكفر، أو قال ما يكفر، بأنه كافر بعينه؛ حتى نقيم عليه الحد. فإذا ادعى مانعًا نظرنا هل هذا صحيح أو غير صحيح؟ ونحكم لكل قضية بما تقتضيه الحال. * الطالب: معلوم في بعض الآيات. * الشيخ: نعم. * الطالب: فيه الآيات التعبير بالخطايا. * الشيخ: أيش؟ * الطالب: في بعض الآيات فيه التعبير بالخطايا؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢]. * الشيخ: نعم. * الطالب: (...) صريح بأنه الذي يحمل هو الخطايا، والأوزار دون جزاء الأعمال؟ * الشيخ: (...) الآن في القيامة ما فيه أعمال، في القيامة ما فيه إلا الجزاء فقط. * طالب: أحسن الله إليكم، الذي يقول: إن الله يرى لكن لا من جهة، هل يعني يعتبر أنه أثبت رؤية الله؟ * الشيخ: أبدًا، ما يمكن يرى الشيء بدون جهة، وأين تراه؟ لكن هذا غريب. والظاهر لي بناء على ما نعرف من ذكائهم: أنهم لا يريدون أنه لا يرى من جهة، لكن يقول: يرى، ولكن لا تثبت الجهة، فهمت؟ وبينهما فرق، إذا قلنا: لا يرى من جهة معناه الإنكار، وإذا قلنا: يرى لا من جهة، أي: لا تثبت الجهة، فهذا ليس كالأول، إنما يجب أن نقول: إن الله تعالى في جهة بلا شك، وهي جهة العلو، أليس الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» نعم، وقالت: في السماء»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي. ]]، لكن جهة تحيط به عز وجل، أو جهة لا تليق به كجهة السفل، هذا ممنوع.

الأنعام 6:32

قال الله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. (ما) نافية، و(الحياة) مبتدأ، وما بعد (إلا) هو الخبر، وهذا طرق من طرق الحصر، وهو أقوى طرق الحصر، أعني النفي والإثبات. ﴿مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾، الحياة الدنيا هي حياتنا هذه، ووصفت بالدنيا لوجهين: الوجه الأول: دنو زمنها. والوجه الثاني: دنو مرتبتها. أما الأول فظاهر، فإن الدنيا قبل الآخرة، وأما الثاني فظاهر أيضًا لمن كان ذا عقل، فإن هذه الدنيا دنية، ليس فيها خير، وغاية ما فيها أن ينعم البدن دون القلب، فأهل الدنيا محرومون من نعيم القلب؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧] فالحياة الطيبة لمن جمع بين هذين الوصفين؛ العمل الصالح والثاني: الإيمان. إذن سميت دنيا لهذين الوجهين: الأول: دنو الزمن. والثاني: دنو القدر والمرتبة؛ فإنها دانية، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما رواه الإمام أحمد عن المستورد بن شداد، قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه أحمد في المسند (٩٦٥١) من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد. ]] من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها وما فيها، وهو موضع سوط، فكيف والإنسان في الجنة -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ينظر إلى أقصى ملكه كما ينظر إلى أدناه مسيرة ألفي عام. وقوله: ﴿إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: لعب بالأبدان ولهو بالقلوب. كل عمل الدنيا لعب، كل عمل الدنيا لهو، لكنه لهو بشيء عن شيء، لهو بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة، لعب بالنسبة أنه لا يحصل فاعله على شيء، فأدنى ما يقال: إنه ليس له ولا عليه في هذا العمل، لا له ولا عليه، مع أنه قد يكون عليه إذا كان لا له ولا عليه، فهل هو جد أو لعب؟ أجيبوا، لعب لا شك، إذا كان لا له ولا عليه، وهكذا نقول في معنى قوله: ﴿لَعِبٌ﴾. إذا قال قائل: كيف يكون لعبًا وأهل الدنيا عندهم جد وعزيمة ونشاط في أعمالهم؟ قلنا: لكنه بالنسبة للثواب والأجر لعبٌ لا خير فيه. ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ اللام هنا لام الابتداء، وتفيد التوكيد. و(الدار الآخرة) فيها قراءتان: هذه القراءة ﴿لَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، والثانية: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ بالإضافة. الدار الآخرة هي عديلة الدنيا، وضرة الدنيا، وهي ما يكون بعد البعث، وسماها الله تعالى آخرة لأنها آخر المراحل؛ فإن بني آدم لهم أربع مراحل: المرحلة الأولى: في بطون الأمهات. والمرحلة الثانية: في هذه الحياة. والمرحلة الثالثة: في البرزخ بين البعث والممات. والمرحلة الرابعة: في البعث بعد الممات إذا قامت الساعة، ولذلك سميت آخرة. ﴿خَيْرٌ﴾ منين؟ من المعلوم أن سياق الكلام يقتضي: خير من الدنيا ولعبها ولهوها. وحذف المفضل عليه للعلم به. ومن قواعد البلاغة: أن المعلوم الذي لا يحتاج إلى تكلف في تقديره حذفه أولى؛ لما في ذلك من الاختصار، وقد يكون الأمر بالعكس تقتضي البلاغة أن يبسط في القول. ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتقون الله عز وجل. وتقوى الله تعالى مرت علينا كثيرًا، يجمعها اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم وبصيرة. وبعضهم يتفنن في تعريفها، كقولهم: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَالتُّقَـــــــــــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْــــــــــقِرَنَّ صَــــــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَالْحَصَـــــــــــــى وبعضهم يقول: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. لكن الأول أجمع وأوضح؛ لأنه يُعرف به اشتقاق التقوى، اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه على علم وبصيرة. ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ، والمعنى: اعقلوا هذه الحقيقة، واعرفوا قدر الدنيا وقدر الآخرة. والمراد بالعقل هنا: عقل الرشد، لا عقل التكليف؛ لأن هؤلاء يعقلون، لكنها عقول ليست عقول رشد. * في هذه الآية فوائد: * منها: التزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، وجه ذلك بأنه وصف الدنيا بما سمعتم، ووصف الآخرة بما سمعتم. * ومنها: أن الدنيا كلها لعب ولهو، لعب في الجوارح، ولهو في أيش؟ في القلوب. * ومنها: أنه لا حال للدنيا سوى ذلك، وجه الدلالة الحصر ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾. * ومنها: أن الدار الآخرة خير للمتقين؛ للذين يتقون، خير من أيش؟ خير من الدنيا. وعلى هذا فما يصيبهم في الدنيا من الأذى في الله عز وجل، أو في أمراض تصيبهم، أو في فقد حبيب، أو ما أشبه ذلك، فإنه في الآخرة يُنسى وكأنه لم يكن؛ لأن الدار الآخرة تمحو كل شيء سبق، كأنه لم يكن. * ومنها: إثبات الدار الآخرة؛ لأن إثبات وصفها يدل على وجود أصلها. * ومنها: أن الآخرة خير لهؤلاء المعتصمين بالتقوى، ولغيرهم ليست خيرًا، بل هي شر، ولهذا جاء في الحديث «أنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة. ]]. فهي بالنسبة للمؤمن سجن؛ لأنه لو نسب نعيم الدنيا كلها إلى نعيم الآخرة لم يكن شيئًا، أما الكافر فهي جنته؛ لأنه في الدنيا كان في أهله مسرورًا، لكن في الآخرة على العكس من ذلك. وقد حدثناكم بما جرى للحافظ ابن حجر، وكان رئيس القضاه في مصر، ومر بيهودي زيات تعبان من الأذى؛ أذى الزيت والحرارة وغير ذلك، وابن حجر -رحمه الله- تجره الخيول أو البغال على العربة؛ لأنه كان قاضي القضاه في مصر، فاستوقفه هذا اليهودي وقال: كيف تكون أنت في هذه الحال، وأنا في هذه الحال، والحديث عندكم «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة. ]]؟ فأجابه على البديهة، قال: ما المؤمن فيه من النعيم بالنسبة للآخرة إلا سجن، وما العذاب الذي أنت فيه بالنسبة للآخرة إلا جنة. فعلم اليهودي الحقيقة وأسلم. ذكر الله تعالى في تفضيل الآخرة على الدنيا ثلاث آيات: الآية الأولى: تتعلق بشخص معين، والثانية: بمعين بوصف، والثالثة: إطلاق. ما هي الآية المقيدة بشخص معين؟ * طالب: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ١- ٤]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ وهو الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والمعينة بوصف ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧]. وما هي المطلقة؟ * طالب: في آخر سورة (سَبِّح). * الشيخ: آخر سورة (سبح): ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] بارك الله فيك.

الأنعام 6:33

ثم قال الله عز وجل: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾. البحث أولًا: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ (قد) للتحقيق، لكن قال النحويون: إنها مع الماضي للتحقيق، ومع المضارع للتقليل، هذا هو الغالب مع الماضي للتحقيق؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ [ق ٤]. وفي المضارع يقولون: إنها للتقليل، ومنه قولهم: قد يجود البخيل، فـ(قد) هنا للتقليل، لكنها وردت في القرآن مقرونة بالمضارع، وهي للتحقيق، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور ٦٤]، ومثل هذه الآية ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾، ولها أمثلة. فهل نقول: إنها للتقليل، أو نقول: إنها للتحقيق؟ الجواب: للتحقيق لا شك، لكن عبر عن الماضي بالمضارع؛ إشارة إلى أن الله عز وجل علم ويعلم ما يكون، فتكون دالة على الاستمرار، بخلاف علم الماضي، فهي دالة على شيء مضى وانتهى، لكن إذا كان الشيء مستمرًّا جاءت بلفظ المضارع. وثانيًا: ﴿إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ مع أنها واقعة بعد العلم، وإذا وقعت بعد العلم وجب أن تكون مفتوحة الهمزة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة ١٨٧] ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٥] فلماذا كسرت الهمزة هنا؟ كسرت لوجود اللام، لام التوكيد. فإذا وجدت لام التوكيد وجب كسر (إن) على كل حال، عرفتم؟ إذا اقترن خبرها أو اسمها باللام وجب أن تكسر على كل حال، لولا اللام لكان سياق الآية: قد نعلم أنه يحزنك، لكن اللام تكسر الهمزة. ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَيُحْزِنُكَ﴾ ، و ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾. ﴿لَيُحْزِنُكَ﴾ من الرباعي، من أحزنه يُحْزِنه. ﴿لَيَحْزُنُكَ﴾ من الثلاثي: حزنه يَحْزُنه. والحزن ضد السرور، وهو معنى قائم بالنفس، يستلزم الانكسار والندم. ﴿لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ ما الذي يقولون؟ يقولون قولًا منكرًا عظيمًا، يقولون: لله البنات، يقولون: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله عز وجل، يقولون للرسول عليه الصلاة السلام: إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كاهن. فكل ما يقولونه مما ينافي التوحيد والرسالة لا شك أنه يحزن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. هل هذا انتصار لنفسه، أو حزنًا لله عز وجل؟ الثاني بلا شك. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يقولها عالم السر وأخفى عز وجل، الذي يعلم ما في القلوب ﴿إِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني: في قلوبهم، وأما في ألسنتهم يقولون: إنه ساحر كذاب، لكن في قلوبهم لا، يعلمون أنه صادق وأنه أمين، وكانوا يسمونه قبل الرسالة الأمين ويرضونه ويحكِّمونه، لكن لما جاء بالحق -والعياذ بالله- شرقوا به وأنكروه. ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: بقلوبهم، بخلاف الألسن، فإنهم يكذبون ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، ﴿الظَّالِمِينَ﴾ هنا المراد بهم: المكذبون للرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو ظلم الكفر. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ وقُدّم عليه لإفادة الحصر، والثاني: لتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة بلا شك، ولهذا تأمل قول الله عز وجل في سورة طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] فقدم هارون، مع أن موسى مقدم في جميع المواضع، لكن من أجل تناسب رؤوس الآيات. * ففيها إذن فائدتان: معنوية، والثاني: لفظية. المعنوية: هي إفادة الحصر، كأن المعنى: ولكنَّ الظالمين لا يجحدون إلا بآيات الله، وإلا يعترفون بأشياء كثيرة، إلا آيات الله عز وجل فإنهم لا يعترفون بها. * في هذه الآيات الكريمة: إثبات علم الله عز وجل في كل ما يقوله هؤلاء المكذبون؛ لقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾. * ومنها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وتقوية روحه المعنوية؛ فإن في هذه الآية من تسليته وتقوية روحه المعنوية ما هو ظاهر، وهكذا ينبغي للإنسان أن يسلي أخاه فيما يقع لمثله حتى يهون عليه الأمر؛ لأن الإنسان بطبيعته إذا وجد مشاركًا أيش؟ هان عليه الأمر، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]، في الدنيا إذا اشتركوا في العذاب هان عليهم، لكن في الآخرة لن ينفعهم، وانظر إلى قول المرأة الخنساء: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَــــــــاكِينَحــــــــــَوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــي فإذا ذكر الله عز وجل لنبيه ﷺ ما يسليه، ويقوي معنويته، ويذهب عنه حزنه، فإن هذا من فضل الله عليه تبارك وتعالى. * ومن فوائد الآيات الكريمة: حرص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على هداية الخلق، وأنه يحزنه إعراض الناس عن دين الله عز وجل. * ومنها: علم الله تعالى بما في القلوب؛ بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. نظير هذه الآية قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ هذه مفعول لأجله عامله (جحدوا)، أي: جحدوا بذلك ظلمًا ﴿وُعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤]، وانظر إلى قول موسى، وهو يجادل فرعون، يقول له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢] قال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، ولم يكذبه فرعون، في هذه المحاورة، ما قال: لم أعلم، بينما لما كان يشرح لقومه يقول لهم: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ [القصص ٣٨] والظاهر لي -والله أعلم- أن فرعون لم يقل لموسى: إنني لا أعلم خوفًا من نزول العقوبة العاجلة، أو خوفًا من أن ينزل كتاب يكذبه. على كل حال الرجل أقر، وطريق إقراره السكوت. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للدعاة أن يتسلوا برسول الله ﷺ فيما إذا سمعوا ما يكرهون من هؤلاء المكذبين المعاندين، فليتسلوا به ويقولوا في أنفسهم وفي ألسنتهم: إن الله تعالى عالم ما تقولون وسيجازيهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجحد بآيات الله كفر، ولو استيقنها الإنسان، ما دام جحدها، وإن كان مؤمنًا بها في قلبه، فإنه يكفر؛ لأن أحكام الدنيا تُجرَى على أيش؟ تجرى على الظاهر. فنحن نكفر من أظهر الكفر وإن كان مؤمنًا بقلبه، ونسكت عمن أظهر الإسلام ولو كان كافرًا بقلبه؛ لأن هذا أحكام الدنيا التي أوجب الله عز وجل؛ إذ إننا نحن لا نعلم ما في قلوب الناس، ومن ثم أنكر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أسامة بن زيد حيث قتل المشرك بعد أن قال: لا إله إلا الله، واحتج أسامة بأنه قالها تعوذًا، أي: خوفًا من القتل، لا عن يقين، فقال له النبي ﷺ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟»[[أخرجه مسلم (٩٦ / ١٥٨) من حديث أسامة بن زيد. ]]. فأمور الدنيا على الظاهر لا على الباطن، لكن في الآخرة -نسأل الله أن يسترها علينا وعليكم- على الباطن، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق ٨، ٩]، وقال عز وجل: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠]. إذا قيل: هل هناك وصف آخر يكفر به الإنسان؟ فالجواب: نعم، بالاستكبار، فالردة لها أصلان فقط: الجحود، والثاني: الاستكبار. الجحود ولو عمل ولم يستكبر ظاهرًا، فإنه يكفر، كما لو قال: الصلوات الخمس غير مفروضة لكني أفعلها تورعًا واحتياطًا، ماذا نقول له؟ نقول: إنه كافر؛ لأنه جحد. والاستكبار: أن يستكبر عن فعل ما تركه كفر، ما عن كل شيء، على أن الإنسان إذا ترك الطاعة استكبارًا حتى ولو كانت نافلة فإننا في شك من إيمانه؛ لأن جنس الاستكبار علو على الله عز وجل، وعلى أوامره ونواهيه، فيخشى إذا ترك المسنون استكبارًا واستنكافًا أن يكون كافرًا، لا إذا تركه عمدًا متهاونًا به. هناك فرق كما تعرفونه من أنفسكم، فرق بين شخص يقول: أنا لا أصلي الراتبة استكبارًا، وآخر يقول: لا أصلي الراتبة لأنها لا تجب علي. الثاني: لا يكفر ولا يفسق. وأما الأول: فإن الإنسان يكون في شك من إيمانه؛ لأن الاستكبار -والعياذ بالله- علو على الخالق، وعلى أوامره تبارك وتعالى ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.

الأنعام 6:34

ثم سلَّاه الله عز وجل بطريقة أخرى فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أكثرهم، حتى إن النبي ﷺ رأى في المنام أن الرجل لا يتبعه إلا رجلان، أو رجل واحد، والنبي ليس معه أحد[[متفق عليه، البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس. ]]. نوح عليه الصلاة والسلام بقي في قومه كم؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا، يذكرهم بآيات الله، ويجهر لهم بالدعوة، ويسر بالدعوة، ولكن لم يزدهم ذلك إلا نفورًا، وهو صابر ألف سنة، صابر على الأذى والسخرية، هو يصنع السفينة فإذا مروا به ﴿كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود ٣٨] وتأمل (ملأ) الملأ الأشراف، وسخرية الأشراف غير سخرية آحاد الناس، يعني: أشد في قمع الإنسان واستهانته، كُذبوا وأُوذوا ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا﴾، صبروا: أي تحملوا الرسالة وأدوها على ما فيها من مصادمات وأذى. ﴿صَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ يَحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبُوا﴾ يعني: صبروا على ما كذبوا وعلى ما أوذوا، ويحتمل أن تكون معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾ يعني: ولقد كذبت رسل من قبلك وأوذوا. والمعنيان لا يختلفان كثيرًا. ﴿أُوذُوا﴾ بالقول أو بالقول والفعل؟ بهما جميعًا، حتى إن بعضهم قتل. أوذوا بالقول: يسخرون بهم خِلقة وخُلقا، وغير ذلك، حتى إن اليهود قالوا لموسى: إنه رجل آدَرُ؛ أي: كبير الخُصيتين، وهذا عيب عند الناس، وكان موسى عليه الصلاة والسلام لا يبدي عورته لهم، فلما كان ذات يوم خلع ثوبه ليغتسل، ووضعه على الحجر، هرب الحجر بثوبه، فجعل يسعى وراءه ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، لكن الحجر لم يقف إلا في الملأ من بني إسرائيل حتى شاهدوا أن موسى بريء مما قيل فيه[[متفق عليه، البخاري (٣٤٠٤)، ومسلم (٣٣٩ / ٧٥) من حديث ابن عباس. ]]، وأظهر الله تعالى كذبهم علنًا. فالمهم أن الرسل عليهم الصلاة والسلام أوذوا إيذاء لا يصبر عليه إلا أمثالهم، وقد قال الله لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥]، بل لما ذكر أنه أنزل عليه الكتاب قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤] لم يقل: فاشكر نعمة الله، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ إشارة إلى أنه سيناله ما يناله من الأذى من أجل هذا الكتاب الذي نزل عليه. * طالب: قلنا: لهو بالقلب ولعب بالجوارح، فهل يقال يعني هذا اللفظان من الألفاظ التي إذا اجتمعا تفترقا، وإذا..؟ * الشيخ: ربما يقال: إذا افرد أحدهما لزم منه الآخر. * طالب: عفا الله عنك يا شيخ، العقل يا شيخ، لو نظرنا في اللي صنعوا آلات اللهو (...) قلنا: هذا ذكاء، ولكن بالحقيقة إنه عقوبة؛ لأن على كل حال إن الله محاسبهم مثلما حاسب المصورين. * الشيخ: يعني ابتلاء من الله عز وجل، هو يجب أن نعرف الفرق بين الذكاء والعقل؛ الذكاء: سرعة الإدراك، سرعة إدراك الشيء معناه الذكاء، لكن العقل: حسن التصرف، وليس كل ذكي عاقلًا، ولا كل عاقل ذكي. أليس كذلك؟ يوجد من العقلاء القائمين بأمر الله عز وجل على ما يرضي الله من هو بليد، حتى روي حديث ضعيف: «أَكْثَرُ أَهْل الْجَنَّةِ الْبُلْهُ»[[أخرجه البزار (٦٣٣٩) من حديث أنس بن مالك. ]]. البله يعني: الأبله، لكنه موضوع، إنما بعض العلماء جعل له وجهًا قال: إنهم بله في أمور الدنيا، ولكنهم أذكياء في أمور الآخرة. لكن الحمد لله، الحديث موضوع، ونستريح منه. * الطالب: (...) يصنعون آلات اللهو والمصنوعات الأخيرة هذه شيخ يعاقبون على مثلها مثلما يعاقب المصورين عليها. * الشيخ: لا، ما نقدر أن تقول عليهم، لكن كل من أساء بواسطة هذه الآلات فله نصيب من الإثم. * الطالب: مثل التلفزيون، مثل الدش.. * الشيخ: إي نعم.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ سبق أن قلنا: إن هذه الجملة مؤكدة بكم؟ * طالب: دخول اللام عليها. * الشيخ: أنت الآن بدأت بالأخير، الأول القسم المقدم. * الطالب: الثاني: (اللام) والثالث: (قد). * الشيخ: أحسنت ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ هل ذكرنا مثالًا لهذا؟ هل ذكرنا مثالًا أن رسولًا كُذب وأوذي، موسى عليه السلام، هل هناك دليل على هذا المثال؟ * طالب: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب ٦٩]. * الشيخ: نعم، أحسنت، بارك الله فيك. قوله: ﴿وَأُوذُوا﴾ معطوف على أيش؟ * طالب: إما معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾، وإما معطوفة على ﴿صَبَرُوا﴾. * الشيخ: على ﴿صَبَرُوا﴾؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: نعم، غلط. * طالب: على ﴿كُذِّبُوا﴾ (...). * الشيخ: على (ما كذبوا) وعلى (ما أوذوا) نعم، وهذا الأخير أبلغ؛ لأنه يدل على أنهم صبروا على الأمرين؛ على التكذيب والإيذاء. قال: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ (حتى) هذه للغاية، يعني: فكان الغاية أن الله تبارك وتعالى نصرهم؛ لأن الله أخذ على نفسه أن ينصر رسله، فقال عز وجل: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١]، وقال عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١] ولا ينافي هذا ما يحصل لبعض الأنبياء من عدم النصر؛ وذلك لأننا نقول: هؤلاء الذين لم ينصروا إما ألا يكونوا أمروا بالقتال أصلًا حتى يكون نصر، وإما أن نقول: إن النصر نوعان: نصر عاجل للنبي يجده في حياته، ونصر آجل لدعوته يكون لها انتصار من بعده، وآجل أيضًا يكون في الآخرة. ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ٣٤] أي: لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله عز وجل، لا يبدل كلمات الله إلا الله وحده، كما أنه لا مبدل لحكمه فلا مبدل لكلماته. وكلماته: هي وحيه الذي أنزله على الرسل، وكذلك هي كلماته القدرية، التي يكون بها النصر لأنبيائه والخذلان لأعدائه. ولا يرد على هذا ما جاء به النسخ؛ لأن مبدل الحكم المنسوخ من هو؟ الله، والآية تدل على أنه لا أحد يبدل كلمات الله، أما الله تبارك وتعالى فله أن يبدل، كما قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة ١٠٦]. وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل ١٠١]. ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و(قد). والخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي: لقد جاءك أيها الرسول من نبأ المرسلين. ﴿مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من النبأ الذي يأتيهم، وهو الوحي، هذا المعنى هو المتبادر. المعنى الثاني: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من قصصهم، وأخبارهم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود ١٢٠]. وعلى هذا يكون للآية معنيان: المعنى: أنه قد جاءك من أنباء الوحي الذي أتى الرسل من قبلك. والثاني: أنه قد جاءتك أخبارهم، وتبين لك ما حصل للرسل من أتباعهم، وما حصل لأتباعهم. ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. * في هذه الآية فوائد: * منها: بيان أن تكذيب الأنبياء ليس وليد عهده، بل هو سابق؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا﴾. فإن قال قائل: ما الحكمة في إرسال الرسل مع تكذيبهم؟ فالجواب: أن ذلك لإقامة الحجة عليهم؛ أي: على المكذبين؛ لأن هؤلاء المكذبين لولم يأتهم رسول لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسول، لولم يأتيهم رسول لكان لهم حجة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عتو بعض بني آدم، حيث تأتيهم الآيات فيكذبون؛ لأنه ما من رسول بعثه الله إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهذا أمر لا بد منه؛ أن يؤتي الله عز وجل الرسل الآيات التي تقوم بها الحجة، فإذا كذب الرسل مع هذه الآيات صار ذلك دليلًا على عظم عتو هؤلاء المكذبين. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تسلية الله لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره قد أصابه ما أصابه هان عليه الأمر، وقد ذكرنا في التفسير أمثلة لذلك من القرآن ومن كلام العرب، من القرآن أن الإنسان يتسلى بغيره. * طالب: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]. * الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، ومن أقوال العرب؟ * الطالب: قول الخنساء: وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَ حَـــــــــــــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــي * الشيخ: تمام، والواقع شاهد بهذا، لو أن الإنسان أصيب بحادث وانكسرت قدمه، ثم حدث أن آخر أصيب بحادث وانقطعت الرجل مع الفخذ، ماذا يكون؟ نعم يتسلى، وتهون عليه المصيبة. * من فوائد الآية الكريمة: الثناء على الرسل عليهم الصلاة والسلام بالصبر على ما كذبوا، وعلى ما أوذوا. * ومن فوائدها أيضًا: أنه يجب علينا أن نتأسى، وأن نتسلى أيضًا بما جرى للرسل عليهم الصلاة والسلام، فنصبر على أذى من يقوم أمام دعوتنا، نصبر، والعاقبة للمتقين؛ لقوله: ﴿فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعداء الرسل لا يقتصرون على مجرد التكذيب، بل يؤذون الرسل وأتباعهم، والأذية قد تكون جسدية، وقد تكون مالية، وقد تكون فكرية، وقد تكون عسكرية، أنواع متعددة، والكافر يرى أقرب وسيلة تحصل بها الأذية للمسلم لا شك في هذا، ولو حصل له أن يبيد الأمم الإسلامية في ليلة بين عشية وضحاها لفعل ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فرج الله عز وجل يأتي مع شدة الكرب، كلما اشتد الكرب فاعلم أنه دنا الفرج، ويؤيد هذا قوله عز وجل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥، ٦] فجعل الله مقابل العسر الواحد يسرين، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣) من حديث عبد الله بن عباس. ]]. وهذا كلام الله وكلام رسوله حق وصدق، لكن النفوس قد تبوء بالفشل فلا تصبر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ألا يرجى النصر إلا من عند الله؛ لقوله: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ لم يقل: حتى نصرهم فلان أو فلان، قال: ﴿حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾، وإذا علمنا أن النصر لا يكون إلا من عند الله فممن نطلب النصر؟ من الله عز وجل، ولهذا اختصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عريش له يوم بدر يناشد ربه تبارك وتعالى النصر حتى نصره الله[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس.]]، والحمد لله لا تطلب النصر إلا من الله، حتى في المجادلة العلمية لا تطلب النصر من فلان يوافقك أو لا يوافقك، اطلب النصر من الله، إذا كنت وصلت إلى الحق فاطلب الله أن ينصرك، أو اطلب الله أن يهديك الصراط المستقيم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا مبدل لكلمات الله، أي لا أحد يبدلها، إذا قدر الله النصر لا أحد يمنعه، وإذا قدر الخذلان لا أحد يمنعه. أما الكلمات الكونية فعدم المبدل لها ظاهر، الكلمات الكونية لا بد أن تقع، كن فيكون، قال الله تعالى: كن لنزول المطر فنزل، لا أحد يمنعه، قال: كن لامتناع المطر، يمتنع، لا أحد ينزله. فالكلمات الكونية مفروغ منها أنه لا أحد يستطيع أن يبدلها، أما الكلمات الشرعية فمن الناس من يبدلها لكن تبديله هذا باطل، والباطل لا وجود له شرعًا في من بدل الكلمات الشرعية ولّا لا؟ في الأمم السابقة، وفي هذه الأمة لكن هل هذا التبديل غير من خصائص هذه الكلمات؟ أبدًا، لا يستطيعون، مهما حاولوا لا يمكن، هم لو بدلوها ظاهرًا فما بدلوه فإنه باطل، والباطل لا حكم لوجوده. * ومن فوائد الآية الكريمة: قوة عظمة الله وسلطانه عز وجل، حيث إنه لا مبدل لكلماته غير الله عز وجل، مهما بلغ من السلطان والقدرة والقوة والجنود، فإن كلماته تبدل. فإن قال قائل: ما تقولون في النسخ، أليس فيه تبديل؟ بلى فيه تبديل. لكن من بدله؟ الله عز وجل، وكلماته الناسخة لا مبدل لها، يعني: لا يمكن أن نلغي الناسخ؛ لأنها كلمات الله عز وجل، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام ٣٤]. * من فوائد الآية أيضًا: إثبات أن الله يتكلم، وهذا قد مُلِئ منه القرآن، وقد جاءت الآية الكريمة في قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤] مؤكدة ذلك؛ لأن ﴿تَكْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد، والمصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز. كلمات الله عز وجل بحروف ولّا بغير حروف؟ بحروف، وإلا لم تكن كلامًا. بأصوات ولّا بغير أصوات؟ نعم بصوت، يتكلم الله بصوت مسموع، ولا يمكن أن يكون الكلام معنى قائمًا في النفس؛ لأن هذا المعنى القائم في النفس يا إخواننا هل يسمى كلامًا؟ يسمى حديث نفس، ولا يسمى كلامًا، الكلام ما نطق به اللسان وليس ما حل بالجنان، ولهذا إذا أراد الله عز وجل حديث النفس عبّر عنه كما في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨]. خالف في الكلام طوائف مرت علينا في كتاب النونية، يعني من أبينها وأبرزها، الأول مذهب المعتزلة، يقولون: إن كلام الله أصوات مخلوقة، خلق الله أصواتًا، كما خلق أصوات الرعد والصواعق، فهي مخلوقة تمامًا بائنة عن الله، وإنما نسبت إلى الله تشريفًا لها، كما في قوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، وما أشبه ذلك. الطائفة الثانية: الأشاعرة الذين يدعون أنهم هم الذين جادلوا المعتزلة، قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، معنى قائم بنفس، لا يسمع وليس له صوت ولا حروف، ولكنه خلق أصواتًا وحروفًا لتعبر عما في نفسه. بالله عليكم أهناك فرق بين مذهبهم ومذهب المعتزلة؟ لا فرق، كما قاله بعض علمائنا، قال: إنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة؛ لأننا متفقون على أن ما في هذا المصحف مخلوق، لكن المعتزلة قالوا: هو مخلوق حقيقة، وهو كلام الله حقيقة، وأولئك الأشعرية قالوا: ليس كلام الله حقيقة، كلام الله هو الذي القائم في نفسه، وهذا عبارة عن كلام الله، فأيهم أقرب إلى الصواب من حيث القواعد؟ المعتزلة أقرب، المعتزلة أقرب إلى الصواب. أما أهل الحق السلف وأتباعهم من الأئمة فقالوا: إن الله عز وجل يتكلم نفسه، يتكلم بكلام مسموع، بحرف مرتب، ولا يُعقل الكلام إلا على هذا الوجه. فإذا قال قائل: هل كل ما خلقه الله قليلًا أو كثيرًا يكون بكلمة (كن)؟ فالجواب: ظاهر النصوص هكذا، كل ما خلقه الله يقول له: كن، ولهذا كان كلمات الله لا نفاد لها ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف ١٠٩] ويحتمل أنه عز وجل قال: كن في أول الأمر، وصار المخاطب يقوم بما أمر به، كما قال للقلم: اكتب ما هو كائن، فكتب ما هو كائن.[[أخرجه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت.]] * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ، كما ثبتت رسالات من قبله؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بالقسم، واللام و(قد). * من فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم يُراعَى فيه فواصل الآيات؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال في آية أخرى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود ١٢٠]. ومراعاة الفواصل ظاهر في القرآن الكريم، انظر إلى سورة (طه)، انظر إلى سورة (اقتربت الساعة) حتى قال: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] دسر: جمع دسار، وهو المسمار. كل ذلك لأجل أن تتناسب السورة في فواصل الآيات؛ وذلك لأن هذا من البلاغة، ولأن هذا مما تُصغي له الأسماع، ولأن ذلك مما تطرب له القلوب. فهذه ثلاث فوائد لتناسب الآيات الكريمة. * ومن فوائد الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن محمدًا خاتم الرسل؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ يعني: الذين أرسلوا، فإن صح أخذ هذه الفائدة من الآية وإلا فكونه خاتم النبيين أمر مجمع عليه، نص عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب ٤٠] يعني: ولكن كان رسول الله وخاتم النبيين، اللهم صلِّ وسلم عليه. * طالب: أحسن الله إليك، يقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢١٤]. ولا شك أن رسول الله صادق، لكن ما وجه هذا القول ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾؟ * الشيخ: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ لا يقولون هذا استبعادًا، ولكنهم يقولونه استعجالًا، يستعجلون نصر الله، لا استبعادًا ولا شكًّا. * الطالب: بارك الله فيكم يا شيخ، قررنا في درس التفسير السابق أن أصول الردة تكمن في الجحود والاستكبار، وأنه قد يخشى على الإنسان إذا ترك المسنون استكبارًا يخشى أن يكفر. ثم مر معنا بالأمس حديث الذي أبى أن يأكل إلا بشماله، فسره النبي ﷺ أنه ما منعه إلا الكبر[[أخرجه مسلم (٢٠٢١ / ١٠٧) من حديث سلمة بن عمرو.]]، هل في تحفظنا في قولنا: يخشى عليه الكفر، يدل على أن هناك كبرًا دون كبر، كبر غير مخرج من الملة؟ * الشيخ: (يخشى) ليس معناه أنه مؤكد، لكن إذا صدر هذا الاستكبار عن كراهة لشرع الله عز وجل فهو كفر؛ كما قال الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٩]، ولهذا لا بد من الذل في القلب، والتذلل في الجوارح.

الأنعام 6:35

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ لا شك أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر، و(كبر) تحتاج إلى فاعل، فهل نقول: إن (كان) اسمها ضمير الشأن مستتر، و(كبر عليك إعراضهم) خبرها، أو نقول: إن (إعراضهم) تنازع فيه؛ (كان) تطلبه اسمًا، و(كبر) تطلبه فاعلًا، يحتمل هذا وهذا، ولكن الأول أوجه، يعني: فإن كان الشأن في هذا الأمر أنه كبر عليك إعراضهم، أي عظم عليك إعراضهم، وذلك بما كان في نفسك من الحزن والأسى، فحاول أن يهتدوا على يدك، ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ يعني فافعل، ولكن ليس عليك إلا الصبر. وهذه الجملة: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أتى بعدها جملة شرطية أخرى ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وهذا من تداخل الجملتين الشرطيتين، فتكون الجملة الثانية في محل جزم جواب الجملة الأولى، وهذا يوجد حتى في القرآن وفي كلام العرب: أما في القرآن؛ كهذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] هذا شرط داخل شرط. ومنه في قول العرب: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ .................................. فعل الشرط الأول، ثم الثاني قيد فيه، و(تجدوا) هي جواب الشرط. المهم ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ هذه جملة شرطية، الجملة الأولى، يعني الجملة شرطية في ضمن جملة شرطية أخرى، الأولى: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، الثانية: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾. جواب الجملة الثانية محذوف، التقدير: فافعل ولن يمكنك ذلك، فإذا كان لا يمكنك فإنه لا يمكنك أن تأتي بالآيات التي اقترحوها، وإذا كان لا يمكنك فلا تحزن عليهم؛ لأن الإنسان لا يحزن إلا على شيء يمكنه أن يفعله ولم يفعل. ﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: عظم عليك وشق عليك. ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أي: قدرت على ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تطلب نفقًا في الأرض، والنفق هو السرداب يُحفَر في الأرض ويدخل الإنسان فيه ليصل إلى أعماق الأرض، فالآية هنا فتأتيهم بآية، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ تبتغي سُلَّمًا في السماء أي مصعدًا تصعد إلي الجو ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. فبيّن الله عز وجل له النزول والارتفاع، لا يستطيع أن ينزل إلى نفق في الأرض فيستخرج الآيات، ولا أن يصعد إلى السماء فيأتي بالآيات. واضح المعنى؟ واضح. إذا كان لا يمكنك هذا وهو معلوم للجميع، فإنه لا يمكنك أن تأتي بما اقترحوه من الآيات، كما قال عز وجل في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (لو) شرطية، فعل الشرط (جاء) جوابه (لجمع)، لكن أين المفعول في (شاء)؟ هل نقدره مطابقًا للفظ الجواب، أو نقدره بمعنى آخر؟ قدره بعضهم بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هدايتهم ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقدره آخرون بقولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يجمعهم على الهدى ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. أيهما أنسب؟ الثاني أو الأول؟ الثاني، أن نقدر المحذوف مطابقًا للموجود، أي: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى. وجمعهم على الهدى أعظم من مجرد الهداية؛ لأنهم قد يهتدون ولا يجتمعون. وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نطرده في كل ما كان مشابهًا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] ماذا نقدر؟ ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا. فتقدير الشيء مطابقًا للموجود أولى من تقدير شيء غير مطابق، ولا نعلم هل الله أراده أم لا، فما بين أيدينا هو المتعين. إذن ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم؛ لأن القلوب بيد الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]؛ أي: على دين الإسلام. ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد ٣١] لأن الأمر كله بيده عز وجل. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ نهي مؤكد بأيش؟ النهي هنا مؤكد بأيش؟ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بنون التوكيد، يعني: ينهاه الله عز وجل نهيًا مؤكدًا ألا يكونن من الجاهلين. والجهل نوعان: جهل سفاهة وجهل انتفاء علم، أيهما المراد؟ الثاني بلا شك. مثال الجهل الذي هو السفاهة: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧] بسفاهة، وليس المراد بالجهالة انتفاء العلم؛ لأن انتفاء العلم يَرتفِع به الحرج والإثم. إذن ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بأيش؟ أي: من الذين لا يعلمون سنن الله عز وجل في خلقه. فإن قال قائل: هل يلزم من نهيه تبارك وتعالى نبيه عن أن يكون من الجاهلين أن يكون النبي ﷺ فَعَلَ فِعْلَ الجاهليين؟ الجواب: لا، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس ٩٤] فلا يلزم من هذا الشرط أن يقع المشروط، أعني ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] وأشباهها. ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من ذوي الجهل الذين لا يعرفون سنن الله في خلقه، انتبه فأنت يا محمد لست جاهلًا حتى يكبر عليك إعراضهم، وحتى تحزن لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك من حكمة الله عز وجل. نعود إلى استخراج الفوائد: * في هذا من الفوائد: أن النبي ﷺ قد عظم عليه إعراض المدعوين إلى الإسلام. هل هذا انتصار لنفسه أو رغبة في هداية عباد الله؟ الثاني بلا شك، وهذا من تمام نصحه للأمة عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان ينبغي له ألا يهون عليه إعراض الناس، بل يكون كبيرًا في نفسه، لكن لا تعصب لما هو عليه، ولكن أيش؟ من أجل مصلحة الآخرين، إذا رأينا مثلًا رجلًا عالمًا عابدًا كريمًا لكنه في الأسماء والصفات على غير ما يرام، فهل يشق علينا هذا أو لا يشق؟ نعم يشق، لا شك أنه يشق علينا. وإذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه وقلنا: سبحان الله، كيف يكون هذا الرجل الفاضل على عقيدة غير سليمة؟! نرحمه، فهو حقيقة؛ لأنه محروم، لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع فإننا نجادله، فإن رجع إلى الحق فهذا المطلوب، وإن لم يرجع فإننا نفعل به كما قال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة وأقبل على علم الكلام. رجل زانٍ، زنا، وهو من علية القوم، ومن أهل الخير، إذا نظرنا إليه بعين القدر نعم رحمناه ورققنا له؛ كيف يصدر الزنا من هذا؟! لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع أقمنا عليه الحد ولا نرأف به، كما قال عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢] ما قال: في قدر الله، قال: فِي دِينِ اللَّهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور ٢]، أفهمتم؟ ولهذا جاء في الحديث، وإن كان فيه نظر: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٧٥) من حديث عائشة.]]. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يبين الشيء المستحيل بضرب مثل له دون أن يذكره بعينه، وجهه أن الله قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. يعني: فافعل بدلًا من أن يقول: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا؛ لأن هذا هو المتوقع؛ أن يقول: إن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا، لكن الله تعالى ضرب مثلًا، حتى يكون مقنعًا للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا. * ومن فوائد في هذه الآية: أن نقول -وانتبهوا-: الملاجئ قسمان: إما نفق في الأرض، وإما صعود في السماء، هل يستقيم هذا؟ أو نقول: طلب الشواهد قد يكون من الأرض وقد يكون من السماء؟ طلب الشواهد للصحة؛ صحة ما يقول الإنسان؟ الظاهر أن الثاني أولى؛ لأن الله إنما قال له ذلك لا لأجل أن يلجأ، ولكن من أجل أن يأتي بما يشهد له، ولهذا قال: ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لكل نبي من آية، وهذا من حكمة الله عز وجل، أرأيتم لو جاء رجل في غير هذه الأمة وادعى أنه رسول، وقال: أنا رسول، ومنهجي كذا، وعقيدتي كذا، وعبادتي كذا، فأطيعوني. بدون أي آية، هل يكون هذا من الحكمة، أو لا؟ ليس من الحكمة. ومن كذبه فهو معذور، وإلا لكان كل كاذب دجال يدعي أنه نبي أو ربما يدعي أنه رب. إذن الآيات فيها نصر للرسل، ورحمة بالمرسَل إليهم حتى يؤمنوا عن يقين. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الهداية والضلالة بيد الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وهي المشيئة؛ أن الله تعالى قد شاء جميع أفعال العباد. ومراتب القدر مرت علينا أظن كثيرًا، وهي أربع: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. مجموعة في قول الشاعر: عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ∗∗∗ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ هذه المراتب الأربع. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جعل الناس صنفين: مؤمنين وكافرين. وهذا أمر لا بد منه؛ لأنه لولا الكفر لم يُعرف قدر الإيمان، ولولا الإيمان لم يُعرَف قُبح الكفر، أليس كذلك؟ كما أنه لولا الحلو ما عُرف المر، وهذا واضح. إذا لم يكن هناك أشياء متضادة ما عرف فضل الأشياء المحمودة، ثم إنه لولا اختلاف الناس في الإيمان والكفر ما قامت راية الجهاد؛ لأنهم كلهم إما مؤمنون وإما كافرون، فمن يجاهد؟ لولا هذا الاختلاف ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس سيكونون كلهم إما على منكر وإما على معروف. لولا هذا الاختلاف ما قامت الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين كلهم لم يحتاجوا إلى دعوة، وإن كانوا كافرين ما دعوا، واضح؟ إذن من الحكمة: أن الله جعل الخلق صنفين، لكن قد يقول قائل: إذا كان أحد الناس من الصنف الآخر الكافر، أفلا يكون في هذه ظلم له؟ وهذا قد يرد على النفس ما دمنا نقول: إن الكفر بمشيئة الله، وإن الله عز وجل بحكمته قسم الناس إلى قسمين، أفلا يقول الكافر: إن هذا ظلم لي؟ فالجواب: لا، كما قال بعض أهل السنة وهو يجادل معتزليًّا لما قال: أرايت إن منعني الهدى وقضى علي بالشقاء، فهل أساء إليّ أم لم يسئ إلي؟ فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. أعيد السؤال الأول: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالشقاء أحسن إليّ أم أساء؟ فقال له: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام ٢١]. هذا الاستفهام بمعنى؟ * الطالب: هذا الاستفهام بمعنى النفي، والمعنى لا أحد أظلم. * الشيخ: لا أحد أظلم، ما هي فائدة الإتيان بالاستفهام عن النفي؟ * الطالب: تأكيد النفي. * الشيخ: تأكيد النفي، وغير؟ * الطالب: أي: لا أحد أظلم من هذا. * الشيخ: وغير؟ * الطالب: حصره في هذا. * الشيخ: لا، كيف كان أبلغ في النفي؟ * طالب: يكون مشربًا بالتحدي يعني. * الشيخ: يكون مشربًا للتحدي، يعني متضمنًا للتحدي، كأنه يقال: إن كنت صادقًا فبيِّن لي من هو أظلم. طيب يرد مثل هذه العبارة في ذنب آخر غير هذا، مثل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة ١١٤] فكيف نجيب؟ * الطالب: نجيب -أحسن الله إليك يا شيخ- بأن هذا خاص بهذا الذنب، أي في منع المساجد لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، وهذا افتراء على الله الكذب، وكل واحد خاص به. * الشيخ: يعني: معناها أن منع محل العبادة، أو المعاملة، أو الدراسة، أعظمها من منع مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه، فيكون هذا أمرًا نسبيًّا. طيب والافتراء أعظمه؟ * طالب: أعظمه من افترى الله الكذب أو كذب بآياته. * الشيخ: الافتراء على الله كذبًا. هل هناك وجه آخر؟ * طالب: أن كل هذه اشتركت في الأظلمية، وكل مقام بحسبه. * الشيخ: طيب، تقول: كلها اشتركت في أنها أظلم شيء نعم، وكل شيء وعقوبته. قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] قد وجدنا من أفلح وهو ظالم؟ * طالب: يظهر أنهم قد أفلحوا في الدنيا، لكن لا نعرف في الحقيقة أمرهم، قد يصبهم من الأمور النفسية والباطنية ما لا نعرف، فأما في الآخرة لا شك أنهم سوف يحاسبون على ما فعلوا في الدنيا، لم يفلحوا. * الشيخ: نعم، يعني كأنك تقول: الفلاح أنواع، هؤلاء وإن أفلحوا ظاهرًا وحسيًّا فإنهم لم يفلحوا في الباطن، تجد نفوسهم في حسرة، في حزن، في ألم، نعم. أو يقال شيء آخر: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني فلاحًا مطلقًا لا ينتكسون بعده، أو يقال: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ في الآخرة؛ لأنه لو قُدر أن هؤلاء لم يصابوا بأمراض، ولم ينتكسوا عن الفلاح، فوراءهم اليوم الآخر، لا يفلحون فيه. إذن النفي يكون محمولًا على أحد الوجوه الثلاثة. * * * قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام ٢٥] الضمير يعود على من؟ * طالب: على هؤلاء المكذبين. * الشيخ: على هؤلاء المكذبين. طيب هل ينتفعون بهذا الاستماع أو لا؟ * الطالب: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام ٢٥]. * الشيخ: الجواب نعم ولّا لا؟ * الطالب: لا ينتفعون. * الشيخ: لا ينتفعون. الدليل؟ * الطالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام ٢٥]. * الشيخ: تمام ثلاثة أشياء. طيب ما هي نهاية مجادلتهم؟ * الطالب: مذكورة في الآية. * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: أنهم يقولون في النهاية قولًا جحدوا به واستيقنته أنفسهم: إن هذا إلا أساطير الأولين. * الشيخ: المكابرة، نهاية المجادلة المكابرة. قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام ٢٥] واضح؟ مثل ما يوجد الآن بين أهل البدع وأهل السنة، تجد الواحد منهم يقول: نحن ما ثبت عندنا هذا، حتى لو كان في البخاري ومسلم، ما ثبت عندنا هذا، أو يقول فيما يحتج به لبدعته: هذا عندنا ثابت بنقل الرواة العدول، وهذا أكثر ما يكون في الرافضة. ولهذا يقال: إن بعضهم زاد في القرآن الكريم نحو الثلث وحذف من القرآن الكريم، وهذه مكابرة مشكلة، المكابر لا تستطيع أن تقنعه أبدًا لكن قد يهديه الله عز وجل. إذن هؤلاء المجادلون المكابرون نهاية أمرهم أن يقولوا: هذا أساطير الأولين، وليس وحيًا، ولا نعترف به. ما الفرق بين ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ و﴿يَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؟ * طالب: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ ينهون الناس أن يأتوا إليه، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ينأون بأنفسهم أن يسمعوه. * الشيخ: نعم، أي يبعدون بأنفسهم وينهون الناس عن الاستماع إلى الرسول ﷺ. طيب الضرر في هذه الحال عليهم أو على الرسول؟ * الطالب: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾. * الشيخ: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بارك الله فيك، قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام ٢٧] الخطاب لمن؟ * طالب: الخطاب للنبي ﷺ في الأصل، وأمته تبع له. * الشيخ: أو لكل من يتأتى خطابه هنا، يعني لو ترى أيها الرائي، أو أيها الإنسان، بقطع النظر بكون هذا للرسول ﷺ. ﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام ٢٧] من يوقفهم عليها؟ * طالب: الله عز وجل. * الشيخ: الله عز وجل بواسطة الملائكة. طيب قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [الأنعام ٢٧] ما معناها؟ * طالب: أي يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا، فلا يكذبون بما جاء (...) جاءت به الرسل. * الشيخ: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ على النصب، يعني يتمنون الرجوع إلى الدنيا مع كونهم لا يكذبون. طيب فيها قراءة ثانية، ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ والحال أننا لا نكذب، والفرق بين المعنيين أن الأول تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات الله، فهو داخل في التمني، أما الثانية: ﴿وَلَا نُكَذِّبُ﴾ فهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ثم وعدوا ألا يكذبوا بآيات ربهم. طيب هل صدقهم الله بما قالوا؟ * طالب: لا. * الشيخ: الدليل؟ * الطالب: كذبهم الله عز وجل ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨]. * الشيخ: نعم ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، إذن قولهم: لا نكذب هذا وعد كاذب. هل في هذا ما يدل على أن الناس يتكلمون يوم القيامة؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، وجهه؟ * الطالب: أنهم يقولون. * الشيخ: أنهم يقولون، وأنهم يتمنون، والناس في الآخرة كحالهم في الدنيا، يعني أنهم عندهم عقول يجادلون ويدافعون عن أنفسهم. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ٣١] ما معنى تكذيبهم بلقاء الله؟ * طالب: إنكارهم البعث. * الشيخ: إنكارهم البعث، يعني أنهم يكذبون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] طيب وما خسرانها؟ هل هو في الدنيا ولّا في الآخرة؟ * الطالب: خسرانهم في الآخرة. * الشيخ: وفي الدنيا؟ * الطالب: في الدنيا أيضًا خسرانين.. * الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأنهم لم يستفيدوا في وجودهم في الدنيا شيئًا، واضح؟ وهذا حق، هم الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة. قولهم: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام ٣١] فما معناها؟ * الطالب: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ للندم يقولون هذا، للندم على ما فاتهم من قبول الإيمان، قالوا ذلك ندمًا وتحسرًا على تفريطهم في الإيمان. * الشيخ: على تفريطهم في الدنيا حيث لم يستغلوا الأوقات فيما يرضي الله. لو قال لك قائل: ﴿يَا حَسْرَتَنَا﴾، هل الحسرة تنادى؟ * الطالب: (يا) هنا للتنبيه. * الشيخ: للتنبيه، ماذا تقولون؟ * طلبة: صحيح. * الشيخ: صحيح؛ لأن (يا) إذا دخلت على ما لا يمكن أن يصلح للنداء فهي للتنبيه، ومثلها قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، ومثل الآية السابقة ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧]. طيب، أحسنت. قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام ٣١] هل هذا على حقيقته؟ * طالب: نعم في الآخرة على حقيقته. * الشيخ: في الآخرة على حقيقته، يعني تجعل هذه الأوزار بمنزلة الأشياء المحسوسة التي تحمل على الظهور زيادة في فضحهم وتعذيبهم.

الأنعام 6:36

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام ٣٦] يستجيب ويجيب معناهما واحد. والجملة فيها حصر، طريقه (إنما)، يعني: ما يستجيب لدعوتك يا محمد إلا الذين يسمعون. والمراد بالسماع هنا: سماع الانقياد والقبول، وليس سماع الإدراك؛ لأن سماع الإدراك يدخل فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر. ويدل على ذلك -أي: على التفريق بين سماع القبول والإذعان وسماع الإدراك- قوله تبارك تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] أي: لا يستجيبون وينقادون، يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (الذين) إعرابها فاعل (يستجيب). ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٣٦] هذه جملة مستأنفة لا يصح أن تعطف على ما سبق ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾. الموتى: جمع ميت، وهل المراد موتى القلوب أو موتى الأجسام؟ في ذلك قولان للعلماء: بعضهم قال: الموتى يبعثهم الله أي موتي القلوب، وهم الكفار يبعثهم الله فيجازيهم. وبعضهم قال: الموتى موتى الأجساد يبعثهم الله؛ ردًّا على الذين ينكرون البعث. وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ليس أحدهما أظهر من الآخر، ولا منافاة بينهما فما القاعدة؟ أن تحمل عليهما جميعًا، فالموتى من هؤلاء الكفار سيبعثهم الله ويجازيهم. والموتى موتى الأجساد الذين فارقت أرواحهم أجسادهم سوف يبعثهم الله، فيكون في الآية تهديد ووعيد، ورد على من ينكرون البعث، ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يخرجهم من قبورهم يوم القيامة. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني: ثم بعد البعث يرجعون إلى الله عز وجل، ويكون أمرهم إلى الله تعالى، وفي ذلك الوقت ليس هناك مخاصم ولا مجادل. في هذه الآية الكريمة حصر الاستجابة لدعوة الرسل بالذين أيش؟ يسمعون سماع إدراك ولّا سماع قبول وإذعان؟ سماع قبول وإذعان. * ومن فوائد هذه الآية: أنهم كلما صار الإنسان أسمع لكلام الله ورسوله صارت استجابته أقوى، مأخوذ من القاعدة المعروفة: أن ما علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب هذا الوصف الذي علق عليه الحكم؛ مثال ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، فكلما كان أقوى كان أخير وأنفع، وكذلك الأمان؛ كلما كان آمن فهو أخير، المهم من هذه القاعدة المفيدة: كل شيء علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب قوة ذلك الوصف. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث، وهو -أعني الإيمان بالبعث- أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حينما قال: أخبرني عن الإيمان. قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. * ومنها أيضًا: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الموتى؛ وذلك لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون، كما أن الميت لا ينتفع بما يسمع، جثة، فكذلك هؤلاء الكفار. * ومنها: تهديد أولئك الكفار الذين لا يسمعون بأن الله سيبعثهم ثم يجازيهم. * ومنها: قدرة الله عز وجل الكاملة، وذلك بالبعث، والبعث الذي يكون ليس يأتي كالإحياء شيئًا فشيئًا، فتجد البشر وغير البشر يخرج صغيرًا ثم ينمو حتى يأتي كاملًا، البعث يبعثون كلهم في لحظة واحدة، اقرأ قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرجع في النهاية إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام ٣٦]، وهذا الرجوع فيه حصر، طريقه تقديم المعمول في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وفائدة هذا التقديم -أعني تقديم المعمول في هذه الآية- لفظية ومعنوية: أما المعنوية فهي إفادة الحصر، وأنه لا مرجع إلا إلى الله. وأما اللفظية فلتتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة، انظر إلى سورة طه كلها آخرها الألف إلا قليلًا، لما جاء ذكر موسى وهارون قدّم هارون على موسى لتتناسب الآيات، وإلا من المعلوم أن موسى أفضل من هارون.

الأنعام 6:37

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام ٣٧]، ﴿قَالُوا﴾ أي: المعاندون المكذبون للرسول المتعنتون، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهم يريدون بذلك الآيات التي اقترفوها، مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك يقولون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء ٩٣] نعم، وغير ذلك من الآيات التي اقترحوها، ولكن من حكمة الله عز وجل أنه قطع هذا الباب وسد هذا الباب، أعني باب الاقتراح على الله عز وجل، فإنما الآيات عند من؟ عند الله سبحانه وتعالى، هو الذي يأتي بها وليست اقتراح الخلق، والخلق إذا اقترحوا آية معينة ثم أتوا بها فلم يؤمنوا هلكوا، هذه سنة الله عز وجل. ولا يرد على هذا أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد. فأشار إلى القمر فانشق نصفين[[متفق عليه، البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث ابن مسعود.]]. قال أهل العلم: إنما لم يهلكوا لأنهم لم يقترحوا آية. هذه سنة الله عز وجل. ولا يرد على هذا: «أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد، فأشار إلى القمر فانشق نصفين»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) بنحوه من حديث عبد الله بن مسعود.]]، قال أهل العلم: إنما لم يُهلكوا؛ لأنهم لم يقترحوا آية معينة، ولو اقترحوا آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا لهلكوا، هكذا قرر أهل العلم رحمهم الله. وقوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأنعام ٣٧] ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدل على صدقه وصحة رسالته، وهنا نقف لنبين أن بعض العلماء -وما أكثرهم- يعبِّرون عن آيات الرسل بالمعجزات، وهذا نقص عظيم؛ لأننا لو سمينا المعجزات لورد علينا ما يفعله السحرة؛ فإن السحرة يفعلون ما يعجز البشر، لكن (آية) تحدد المعنى وهو: العلامة على صدقه وصحة رسالته؛ ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عبَّر عن آيات الرسل بالمعجزات أبدًا، إنما يعبر عنها بأيش؟ بالآيات. وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنون بذلك الله عز وجل، وفي هذا التعبير تكبُّر وتعالٍ؛ حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ولم يقولوا: من الله، كأنهم في شق والرسولُ ﷺ مع الله في شق آخر، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ما قالوا: من ربنا، ولا: من الله. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ليس بعاجز على أن ينزل آية، بل هو قادر، لما طلب الحواريون من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء هل قدر الله عليها؟ نعم، قدر الله عليها، على قول من يقول: إنها نزلت، وكذلك آيات الرسل الحسية والمعنوية كلها من عند الله، فهو قادر على أن ينزل آية، ولكنه لا يريد أن يأتي بما يطلبه هؤلاء؛ لأنه لو جاءت الآيات حسب الاقتراح لكان كل واحد يقترح ما يرى أنه آية، وقد يقترح ما يري أنه آية وليس بآية؛ لذلك نقول: الآيات عند الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، ولكنه يريد أو لا يريد؟ لا يريد، وإذا لم يرد لم يكن. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن الله عز وجل هو الذي ينزل الآيات، وهو قادر على أن يأتي بآية وقادر على ألَّا يأتي بآية، فهم جهلة، ولو كان عندهم علم لعلموا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يأتي بالآية، بل الذي يأتي بها هو الله. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تعنت هؤلاء المكذبين؛ حيث احتجوا بهذا أن الله لم ينزل عليهم آية، ولكن هل هذه الدعوى حق أو باطل؟ واللهِ إنها باطل، آيات النبي ﷺ مشاهدة معلومة، من آياته العظيمة هذا القرآن الذي جعل كبار قريش يتسللون لواذًا في الليل ليستمعوا قراءة النبي ﷺ؛ لأنها سحرت ألبابهم وأعجبتهم إعجابًا كثيرًا لكنهم معاندون. كذلك آيات كثيرة حسية مثل ما حصل لعمه أبي طالب من البركات في أهله وماله بسبب حضانته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كذلك أيضًا صد أعدائه عنه عليه الصلاة والسلام، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩]، والآيات كثيرة يعرفونها لكنهم أيش؟ مستكبرون. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استكبار هؤلاء وترفعهم؛ حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ لم يقولوا: من ربنا، ولم يقولوا: من الله، كأنهم في جانب والرسولُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم واللهُ في جانب آخر. * من فوائد الآية الكريمة: انتصار الله عز وجل للنبي ﷺ؛ حيث يدافع عنه لما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، لا شك أن هذا يوجب ضغطًا على الرسول عليه الصلاة والسلام، فالله تعالى يجيب عنه انتصارًا له ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، هذه القدرة قدرة كاملة لا يلحقها شيء من العجز؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، فلكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء؛ لأن العجز عن الشيء سببه؛ إما الجهل وإما الضعف، فالله عليم قدير. هذه القدرة تتعلق بكل شيء، على كل شيء قدير، ولا تبحث كما بحث المتكلمون المتعمقون المتنطعون هل تتعلق بالممكن والواجب والمستحيل، أو بالممكن والواجب فقط دون المستحيل؟ هذا كلام فاضٍ، فالله عز وجل أطلق قدرته، والله على كل شيء قدير. فيه عبارة لبعضهم يقولون: خص العقل ذاته فليس عليه بقادر، كلام فاضٍ؛ لأن العقل دلَّ على أن الله لا يقدر على نفسه، أفهمتم؟ وهذا يعني تعطيل الله عز وجل عن كل فعل؛ لأنه ما يقدر يفعل أي شيء فيما يتعلق بنفسه، ونحن نقول: إن الله على كل شيء قدير. فإذا قال قائل: هل تقول: إن الله يقدر على أن يهلك نفسه؟ نسأل الله العافية، فالجواب نقول: إن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه الكمال من كل وجه، والهلاك نقص، فلا يمكن، وهذا السؤال غير وارد، لكن المتكلمين يوردونه حتى يصلوا إلى أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل. يُذْكَر أن الشيطان يضع كرسيه على البحر ويرسل جنوده يضلون الناس، فإذا مات العابد لم يكترث بذلك، وإذا مات العالم فإنه يفرح فرحًا عظيمًا، فقال له جنوده: كيف تفرح هذا الفرح بموت العالم، والعابد لا تكترث به؟ قال: لأن العالم أضر عليَّ من العابد، العابد إذا مات لم يفقده إلا نفسه، والعالم تفقده الأمة، فالعالم إذا اهتدى هدى الله به أمة، والعابد في مسجده. وإن شئتم ضربت لكم مثلًا يقال: إنه أرسل إلى العابد وقال له: فلان، هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض كلها في بيضة، هل يستطيع؟ هل يقدر؟ العابد قال: لا، السماوات كلها في بيضة -يقول بعقله العابد، أنا أقول عنه، يعني أنا ما أعرف- يقول: أنا لو بقيت ببيضة ما حملته، كيف السماوات والأرض؟ ما يصير، قال: خير، راح للعالم قال له: هل يقدر أن الله يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون، فجاء المندوب قال: يلَّا، شوفوا هذا العابد كفر وهو لا يعلم، أنكر قدرة الله عز وجل، وهذاك آمن، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون. على كل حال أنا قصدي أن هذه المسائل التعمق فيها غلط، أثبت ما أثبته الله لنفسه، وهو أن الله على كل شيء قدير، وأعرض عما سوى ذلك. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أفعال الله عز وجل مقرونة بمشيئته؛ بمعنى أن ما لم يشأه لم يكن وإن كان قادرًا عليه؛ لقوله: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ يعني: ولكنه لم يشأ. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أكثر هؤلاء المنكرين المكذبين لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأنهم لم يتفكروا، ولو تفكروا لعلموا لكنهم معرضون.

الأنعام 6:38

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام ٣٨] السماء، سبحان الله، ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ المراد بالدابة كل ما يدب على الأرض بأرجل متعددة، أو أربع، أو اثنتين، أو يزحف على بطنه، أي دابة في الأرض. ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فذكر المخلوقات الأرضية والمخلوقات الهوائية التي تسبح في الجو، ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الطيور على اختلاف أنواعها، وكذلك الدواب اللي على الأرض على اختلاف أنواعها كلها أمم مثلنا؛ تختلف في أجناسها، تختلف في ألوانها، تختلف في قدراتها، تختلف في أرزاقها، تختلف في لغاتها، كما أننا نحن كذلك أمم. وقوله: ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا من باب التوكيد؛ لأنه من المعروف أن الطائر لا يطير إلا بجناحيه، كما إذا قلت: يمشي برجليه، أو: ينظر بعينيه، أو: يسمع بأذنيه، وما أشبه ذلك، فهو من باب التوكيد. وأما دعوى بعضهم أن هذا قيد تخرج به الطائرات؛ لأن الطائرات تطير لكن ليس بجناحين، فهذا غلط؛ لأن شيئًا لم يكن معروفًا في ذلك الوقت لا يصح الاحتراز منه؛ لأنه غير وارد أصلًا، فالصواب أن قوله: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ من باب التوكيد. على أني أقول لكم: إن الطائرة مركَّبة على الطير؛ فيها جناح يمين ويسار يمنعها من التأرجح، وفيها أيضًا هواء، والطير يطير بالهواء، وفيها أيضًا انخفاض الأجنحة عند النزول وارتفاع عند الطلوع، المهم أن الذي سمعنا وقرأنا ورأيناه في الصورة: أن هذه الطائرات مركبة على حسب الطيور. ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ هذه الأمم -سبحان الله- متنوعة متفرقة مختلفة في الأحجام، في الألوان، في القوى، في كل شيء، أيضًا مختلفة في اللغات والألسن، هل تعرف البقرة ما تقوم به الهرة من الصوت؟ ما تعرف، ولا العكس، لكن بقرة مع بقرة تعرف، وهرة مع هرة تعرف، وتأمل -سبحان الله- تجد الهرة لها أصوات مختلفة، إذا كانت تريد الفحل فلها صوت خاص، إذا كانت تريد أن تدعو أولادها الصغار لها صوت خاص، تجدها تدخل على المكان ثم تنعق لأطفالها، فإذا هم مجتمعون عليها، سبحان الله! صوت غير العادة، كذلك اللي غيرها مثلها، كل واحد من هذه الأمم لا يعرف لغة الأمم الآخرين. ثم إن الله عز وجل أعطى كل نوع من هذه الأنواع من هذه الأمم أعطاه هداية يهتدي بها كيف يعيش، ويقال: إن أذكى ما يكون النمل، النمل -سبحان الله- أعطاه الله تعالى ذكاء عجيبًا، هو من الحيوان الذي ينظر للمستقبل، فإذا جاء وقت الحب جمع الحب في جحوره، وماذا يصنع؟ يأكل رأس الحبة، يأكله من أجل ألَّا تنبت؛ لأنها لو نبتت فسدت عليه، فيأكلها لئلا تنبت، ثم إذا جاءت الأمطار ووصل المطر إلى الحب خرج به مهما كان، خرج به ينشره؛ لئلا يفسد ولاتقاء رائحته، وهذا مشاهد، يعني شاهدناه وشاهده غيرنا. وسأل سائل يقول: هل يجوز إذا رأيت هذا الحب المزبر الذي يكال بالصيعان هل يجوز أني آخذه، ما رأيك هل يجوز؟ * طالب: لا يجوز. * الشيخ: النمل لا يملك، لكن هو قوته. هل نقول: يجوز أخذه عند الضرورة فقط؛ لأن حرمة الآدمي أبلغ من حرمة هذا، ثم نقول أيضًا: يجوز إذا كانت النمل يمكن أن تتغذى بغيره؛ لأن النمل في أيام الشتاء ما تخرج، تبقى في جحرها فهي محتاجة، فأنا أقول: الذي أراه في هذه المسألة أنه إذا كان الآدمي مضطرًا لذلك فهو مقدم، إذا لم يكن مضطرًا نظرنا؛ إذا كان يمكن أن تجلب طعامًا غيره فلا بأس أن يأخذه، وإلا فيبقيه لها؛ لأني أخشى أن يكون هذا من جنس «حبس الهرة التي دخلت النار امرأة بها، لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣١٨)، ومسلم (٢٦١٩ / ١٣٥) بنحوه من حديث أبي هريرة.]]. نظير ذلك أيضًا وجدت مع هرة لحمًا جاءت بها من الجيران، لحم تساوي، هل لك أن تأخذها من هذه الهرة؟ نعم، هذا صحيح؛ لأن الهرة الآن سرقت، فيؤخذ منها ويرد إلى صاحبها، لا سيما إذا كانت دجاجة وهي حية، معلوم أنقذها وأعطها الجيران. المهم أن هذه الدواب أمم أمثالنا ولها عجائب، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب مفتاح دار السعادة ذكر العجب العجاب من هذه الأمم. * طالب: (...)؟ * الشيخ: هذا سؤال مشكل أيضًا، يقول: نرى بعض الهرر في مكة تأخذ الحمام هل لنا أن نمنعها؟ أنت قادر على إنقاذ هذا الطير فيجب عليك أن تنقذه، لكن لو رأيتها ميتة معها فدعها. * طالب: الأشياء التي ليست فيها حياة من السيارات والطائرات هل تسمى دواب أو يختص هذا بالأحياء؟ * الشيخ: لا، المراد ما فيه الروح. * طالب: الحديث الذي فيه أنه «كان إذا ركب دابته سمى، وإذا استوى عليها حمد»[[أخرجه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦) بنحوه من حديث علي بن أبي طالب.]]، ثم قال به، هل نقول: هذا حتى إذا ركبنا السيارة مع أنها ليست دابة؟ * الشيخ: إي، لكنها راحلة. * طالب: ذكرنا الحبوب اللي في قرية النملة، هل يجوز لي أنا أخذ النصف وأترك النصف، هذا عندنا كثير الناس يأخذونه؟ * الشيخ: مصالحة يعني، يعني تأخذ النصف، طيب إذا أخذت النصف ألا نقول: يجب عليك أن ترده إلى صاحبه، ما هي النملة، المزرعة اللي حولها؛ لأن هي في الغالب أنها تأخذ من اللي حولها، هل نقول: خذ هذا الحب وأعطه صاحب المزرعة؟ * طالب: ورد عن بعض الإخوة أنهم يكلمون النمل، قيل: يعني بيت النمل إذا كانت في بيت أو حديقة أو كذا، ثم يقول: اخرجي ويذكر الآيات اللي في سورة النمل، وواحد منهم جربها قريب لي، فخرجت من بيته ودخلت في بيت جاره؟ * الشيخ: يعني خاطبها؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: ويش قال؟ * الطالب: يقول: أسألك بالله أن تخرجي من هذا المكان ويعطيها زادًا، يقول: فخرجت من مزرعتي ودخلت مزرعة جاري (...). * الشيخ: سبحان الله! * طالب: عندنا في مسجد الحي كان عند باب مسجد نمل كثير جدًّا، وجاء أحد الإخوة؛ رجل مستقيم من الإخوان عندنا وقال: أسألك بالله أن تخرجي من هذا المكان، ومؤذن المسجد من دولة يعني بها صوفية وكذا، فلما جاء بكرة ما وجد النمل فقال: ده أنت ولي، والله يا شيخ. * الشيخ: نحن نسمع من بعض الإخوان يجلس على كرسي صغير، ثم يقرأ آيات من القرآن، ثم ترحل النمل عن بيته، الله أكبر، وهذا يدل على أنها تفهم، وفي قصة سليمان واضح أنها تفهم. * طالب: بالنسبة للنمل يعيش مثلًا في السكن في البيت، ويكون أطفال صغار، وفي الغالب يقرصهم، يعني: قد يؤذي هذا النمل، فهل لنا أن نقتله؟ * الشيخ: إي، معلوم إذا لم يندفع أذاه إلا بالقتل، ولكن إحنا جربنا الجاز هذا الوقود إذا صبيته على جحره وحوله خلاص تروح ترحل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ ما المراد بقوله: ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾؟ * طالب: التوكيد. * الشيخ: لا، بجناحيه ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ المراد بها؟ * الطالب: جميع الطيور. * الشيخ: إي، لكن المراد أيش؟ يعني لو قال قائل: يستغنى بقوله: ﴿طَائِرٍ﴾ عن (جناحيه)؟ * الطالب: للتأكيد يا شيخ. * الشيخ: هذه للتأكيد، كما يقال؟ * الطالب: يسمع بأذنيه. * الشيخ: يسمع بأذنيه، ويبصر بعينيه، وما أشبه ذلك. ما معنى قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾؟ * الطالب: إلا خلق أمثالكم. * الشيخ: خلق، لا معنى (أمم). * الطالب: أمة: فئة، ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: يهتمون فيما بينهم في تدبير الأمور. * الشيخ: يعني: أصناف. * الطالب: إي نعم. * الشيخ: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أصناف، كل صنف له حاله الخاص، تمام. هل يشمل ذلك صغار النمل؟ * طالب: نعم، يشمل. * الشيخ: يشمل، كيف ذلك، كيف يشمل، وضح لي؟ * الطالب: أنهم (...). * الشيخ: ويدبون على الأرض ولَّا لا؟ هذا وجه الدلالة يدبون على الأرض. لو قال قائل: هناك من يمشي على بطنه يدخل في هذا؟ * طالب: يدخل. * الشيخ: يدخل في هذا؛ لأنه؟ * الطالب: يدب على الأرض. * الشيخ: يدب على الأرض، تمام. قوله عز وجل: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما المراد بالكتاب؟ * طالب: ما شرحناها. * الشيخ: كيف، وقفنا على هذه؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: قال الله عز وجل تبارك تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿فَرَّطْنَا﴾ يعني: أهملنا، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وليس الكتاب العزيز، الكتاب العزيز قال الله فيه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، فالمراد بالكتاب هنا اللوح المحفوظ؛ يعني: ما أهمل الله شيئًا إلا كتبه في اللوح المحفوظ. ولا يشكل عليك أن تقول: كيف يكتب كل شيء حتى أصناف الدواب؟ لأننا نقول: الواجب على الإنسان أن يؤمن بما أخبر الله به سواء أدركه عقله أيش؟ أم لم يدركه، ولو كان الإنسان لا يؤمن إلا بما أدركه عقله لم يكن مؤمنًا حقًّا، فكل ما أخبر الله به من هذا وغيره فالواجب علينا أن نؤمن به ولا نعترض ولا نورد، سواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه، على أنه وجد الآن من صنع البشر أشياء صغيرة تحتمل كلمات كثيرة جدًّا وهي من صنع البشر، هذه الأقراص يسمونها الليزر تحمل كثيرًا جدًّا من الكلمات. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (من) هذه زائدة للتوكيد، وليعلم أنه ليس في كتاب الله تعالى شيء زائد لغير معنًى أبدًا؛ لأن القرآن لفظ ومعنًى، لكن قولنا: زائد، بمعنى الزيادة الإعرابية؛ يعني: زائد إعرابًا، أما معنًى فلا، ما في كتاب الله شيء زائد، واضح؟ يعني: كل شيء فإن الله تعالى كتبه في هذا اللوح المحفوظ. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ سبحان الله! يعني: ثم بعد أن تنتهي الدنيا إلى ربهم الذي خلقهم عز وجل وكتبهم في اللوح المحفوظ، ﴿يُحْشَرُونَ﴾ أي: يجمعون، كل شيء يحشر يوم القيامة. ولا تستغرب أيضًا تقول: كيف تحشر هذه الدواب والسباع والبهائم والطيور وغيرها؟ لا تستغرب، الواجب عليك أيش؟ أن تصدق، والمسألة فوق ما يدركه العقل، كلهم يحشرون إلى الله، كلهم يقتص للمجني عليه من الجاني عليه، «حتى الشاة التي ليس لها قرون تقتص من الشاة التي لها قرون إذا نطحتها في الدنيا»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة. ]]، سبحان الله! كمال العدل؛ ولهذا يظهر يوم القيامة من تمام عدل الله عز وجل ورحمته وغضبه أيضًا ما لم يكن سابقًا، حتى يظهر تمام العدل للخلائق جميعًا، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي: يجمعون بعد الحياة. * في هذه الآية الكريمة: أنه ما من حيوان يدب على الأرض أو يطير في السماء إلا وهو مكتوب عند الله عز وجل. * ومن فوائدها: أن القرآن الكريم جاء بالأسلوب العربي، بمعنى أنه جرى على ما ينطق به العرب في لغتهم، فإذا كان من عادة العرب مثلًا أن يؤكدوا الشيء بما يزيده قوة جاء به القرآن؛ ولذلك تجدون في القرآن الكريم كثيرًا من الإقسامات على الشيء، ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق ١]، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج ١]، وما أشبه ذلك، هل هذا لشك فيما أخبر الله به؟ لا؛ لأن الله تعالى صادق سواء أقسم أم لا، لكن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين فجرى في التعبير على ما كان العرب يعبرون به. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يعرف قدر نفسه، فهو بالنسبة لعظمة الله عز وجل كالنملة، ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، إذن لا تترفع ولا تتعالَ، ما أنت إلا مثل هذه الدواب بالنسبة لعظمة الله عز وجل، وإن كان الله عز وجل قال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]، لم يفضل بنو آدم على كل ما خلق الله، بل على كثير مما خلق الله، وما يفهمه بعض الناس من أن بني آدم هم أفضل المخلوقات فخطأ، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: غلط. * طالب: (...). * الشيخ: لقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ [الإسراء ٧٠]، ما قال: على من خلقنا، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾، أفهمت؟ وإياك أن تأتي بالتعليل مع وجود الدليل، فهمت؟ * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يهمل شيئًا في اللوح المحفوظ، كل شيء كتبه؛ لقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ولأن الله تعالى أمره -أي أمر القلم- أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مآل هذه المخلوقات الطائرة والزاحفة إلى الله عز وجل، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.

الأنعام 6:39

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ [الأنعام ٣٩] الجملة هذه معطوفة عطف جمل، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: قالوا: إنها كذب ولم يصدقوا بها، جاؤوا للآيات الكونية وقالوا: هذه سحر، كما قال فرعون حين رأى آيات موسى قال: هذه سحر، وكما قال الله عز وجل عن قريش: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ١، ٢]، فكذبوا بالآيات الكونية، كذبوا كذلك بالآيات الشرعية، ووصفوا الرسل بالكذبة، بالشعراء، بالكهنة، بالمجانين، بالمسحورين، وما أشبه ذلك، وهذا تكذيب بأيش؟ بالآيات الشرعية. هؤلاء الذين كذبوا بآيات الله ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ ثلاثة أحوال لهم: صم بآذانهم لا يسمعون الكتاب سماع انتفاع، فانسد طريق الحق عنهم من جهة السماع، (بكم) جمع (أبكم) وهو الذي لا ينطق، فلا ينطقون بالحق ولكنهم ينطقون بالباطل، ﴿فِي الظُّلُمَاتِ﴾ لا يبصرون، الظلمات محيطة بهم من كل جانب؛ لأن (في) تدل على الظرفية والظرف محيط بمظروفه، فانسدت عليهم أبواب العلم والمعرفة؛ السمع، والبصر، والنطق، والعياذ بالله، وفي هذا قال الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة ١٧١]. ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ الجملة شرطية، فعل الشرط ﴿يَشَإِ﴾، وجوابه ﴿يُضْلِلْهُ﴾ أي: من يشأ الله إضلاله يضلله؛ لأن الأمر أمره عز وجل، لا معقب لحكمة، ولا اعتراض عليه، ولا يسأل عما يفعل، فنسأل الله أن يهدينا فيمن هدى، ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ فيعمى عن الحق ولا يصل إليه. ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ونقدِّر هنا: ومن يشأ هدايته، ﴿يَجْعَلْهُ﴾ أي: يصيره، ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق مستقيم لا عوج فيه وهو الإسلام. * وفي هذه الآية من الفوائد: بيان حال الذين كذبوا بآيات الله، وأنه لا سبيل إلى هدايتهم، لماذا؟ لأنهم صم لا يسمعون الحق سماع انتفاع، وكذلك في الظلمات، وأنهم لا ينطقون بالحق. * ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن من شاء الله هدايته اهتدى، ومن شاء إضلاله ضل. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن يلجأ الإنسان إلى ربه تبارك وتعالى بطلب الهداية والاستعاذة من الغواية؛ لأن الأمر بيد الله. فإن قال قائل: هل هذه المشيئة مشيئة مجردة؛ بمعنى أنه من شاء أن يهديه هداه، ومن شاء أن يضله أضله بدون أي حكمة، أو أنها مشيئة مقرونة بالحكمة؟ فالجواب: الثاني؛ أنها مشيئة مقرونة بحكمة، وهذا هو المتعين؛ لأن جميع أفعال الله تبارك وتعالى وأحكام الله كلها مقرونة بالحكمة، انظر في أحكام الله قال الله تعالى في آية المواريث: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء ١١]، وقال تعالى في الأمور القدرية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فلا مشيئة مجردة في أفعال الله ولا أحكامه، بل هي مقرونة بالحكمة، ولكن هل هذه الحكمة معلومة للخلق؟ الجواب: قد تكون معلومة، وهذا -والحمد لله- هو الأكثر، وقد تكون مجهولة لبعض الناس دون بعض، وقد تكون مجهولة لجميع الناس لا يحيطون بالله علمًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الصراط -وهو دين الإسلام- مستقيم لا اعوجاج فيه، ولا انحراف فيه، ولا شقاء فيه، مستقيم، ويضاف إلى ذلك: ولا تناقض فيه؛ لأنه لو كان فيه تناقض لم يكن مستقيمًا. إذا قال قائل: هل للإنسان حجة على الله إذا أضله وهدى آخرين؟ فالجواب: لا؛ لأن الهداية فضل من الله عز وجل، وفضل الله يؤتيه من يشاء، وأيضًا الإضلال لا بد أن يكون مبنيًّا على حال العبد؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٩]، فالحاصل أن الله تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء لحكمة، ولا بد من أن يكون الإضلال من جراء فعل العبد.

الأنعام 6:40

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام ٤٠] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عام لأيش؟ لكل من يصح خطابه. ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: (أرأيت) بمعنى (أخبرني)، والتاء للخطاب فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، و(أرأيت) تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، قالوا: المفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، هذا المحذوف يقدر بما يناسب الحال، فيكون التقدير هنا: أرأيتكم حالكم عند الشدة أغير الله تدعون، بَيَّن الله من يدعون عند الشدة قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام ٤١]. نعود للإعراب، أقول: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، والميم علامة الجمع، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا أيش؟ حالكم عند الشدة، وجملة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هي محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في الشدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ دعوا من؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فإذا وقعوا في الشدة عرفوا الله. والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض طوائف هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله، إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني، دعوا علي بن أبي طالب، دعوا الحسين، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم. ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ (بل) للإضراب الإبطالي؛ إبطال أنهم يدعون غير الله، و﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، المعنى: بل لا تدعون إلا الله. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (يكشف) بمعنى (يزيل)، كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يبدو ويظهر، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل أن يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل ﴿يَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾. وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة، فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله؛ قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة وقد لا يشاؤه حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى. ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (تنسون) بمعنى تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم، تنسى كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك؛ أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذِكْر وهما متلازمان؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه، فهي صالحة للأمرين، وفسرها كثير من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك، كما قال عز وجل: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤]، وقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا. وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، لكننا نريد النسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن معلوم، أما المنفي عن الله فنعم هو اللي يكون بمعنى الذهول عن معلوم. * طالب: تفسير (أرأيتكم) بمعنى (أخبروني) ومعنى (أرأيت) هنا الرؤية هنا علمية؟ * الشيخ: إي نعم، المعنى: أعلمت فأخبرني. * الطالب: يعني أخبروني ملازم..؟ * الشيخ: لا، إي ما هو، تفسير بالمعنى، ما هو باللفظ تفسير (...) بمعنى أخبروني أو أخبرني، هذا تفسير بالمعنى، أما المطابق للفظ فالمعنى: أعلمت هذا فأخبرني. * طالب: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قيل: الآية تحتمل اللوح المحفوظ والكتاب، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى حملت عليه؟ * الشيخ: ما يستقيم؛ لأن السياق يعين أحد المعنيين، فهنا السياق يعين أنه اللوح المحفوظ. * طالب: تعليل القول (...) إذا قال قائل: إن كشف العذاب حصل عن طريق الإلزام الشركاء على الله؟ * الشيخ: مفهوم أيش يعني؟ * طالب: المخالفة. * الشيخ: (...). * الطالب: (...) حصل كشف عن طريق الاستنكار يعني؟ * الشيخ: ما حصل؛ لأن الله قيده بالمشيئة. * طالب: أحسن الله إليك، الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام ١٥٠]؟ * الشيخ: هو التحريف -بارك الله فيك- يعني: بمعنى التأويل، إذا كان تأويل إنكار فهذا ربما يدخلون في هذا، أما إذا كان تأويل عن اجتهاد فهم لا يدخلون في هذا، والتأويل الذي يقبل إذا كان اللفظ يحتمله، ثم إذا كان هناك ما يرجح المعنى الآخر ولكن يحتمل المعنى فهنا ليسوا معاندين، لكن إذا كان لا يحتمل فهم معاندون فيشبهون الذين جحدوا. * طالب: شيخ -بارك الله فيك- الذين كفروا بآياتنا في بعض الناس (...) بآيات الله (...)، ولكن ما يعملون بعمل أهل الكتاب هل هؤلاء كذبوا؟ * الشيخ: لا، ما كذبوا، هؤلاء يدخلون في المستكبرين. * طالب: رضي الله عنك، سمعت أن الرسول ﷺ (...) للكعبة «مَا أَعْظَمَكِ، وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَعِظَمُ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْكِ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وقد مر علينا كثيرًا يا شيخ هل أفضل من المؤمن (...)؟ * الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، لكن لا شك أن المؤمن أفضل من الكعبة وأعظم حرمة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ليس المطلقة، ما يجوز؛ لأن الله قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * طالب: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يؤخذ منه أنه لا يصح الدعاء: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء؟ * الشيخ: لا، معروف أنه منكر، هذا الدعاء المنكر ما يجوز، لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، هذا غلط، هذا يدل على أن هذا الإنسان كأنه يقول: لا أبالي، لا اسأل الله عز وجل أن يعافيك، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، لكن هذه تجدها كلمة من صوفي أو شبهه وصارت على الألسن. مثل ما صار هل الإنسان مسير أو مخير؟ سبحان الله! أحد يسأل هذا السؤال؟! نفس الذي سأل هو مخير ولّا مسير؟ الجواب مخير هو الذي يختار؛ الإنسان. * طالب: بارك الله فيكم، يرد كثيرًا على ألسنة الخطباء وكذلك في مقدمة الكتب: والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد ﷺ؟ * الشيخ: لا، غلط وإن كان (...) قال: وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ∗∗∗ نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنِالشِّـــــــــــــــــــــقَاقِ لكن يجب أن يقيد الخلق ببني آدم؛ فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَنَا سَيْدُ وَلَدِ آدَمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨ / ٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، جاء في الحديث: «وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٧٢٤٩) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والمراد خلقه الآدميين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. * في هذه الآية وما بعدها فوائد؛ منها: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه، تقرير الإنسان أن يُقَرر بشيء يقر به لا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟! وقوله: ﴿عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ المراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة؛ يعني: لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجؤون إلا إلى الله؛ لقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. * ومن فوائده: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا، بل ويعلم عز وجل أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم من الكرب وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله عز وجل أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم؛ فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافرًا، فهذان صنفان تجاب دعوتهما: المضطر، والثاني المظلوم يجيب الله تعالى دعوته، أما المضطر فلأن رحمة الله سبقت غضبه، فيرحم المضطر ويجيب دعوته، وأما المظلوم فلكمال عدل الله عز وجل أن يجيب المظلوم انتصارًا له على الظالم. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يصرف السوء إلا الله عز وجل. * ويتفرع عليها: أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله عز وجل. وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟ الظاهر الثاني؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجؤون إلى الله، فالرافضة مثلًا إذا أصابهم الضر يلجؤون إلى من؟ إلى أئمتهم؛ علي بن أبي طالب، والحسين، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله عز وجل على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله عز وجل ثم يعود؛ ولهذا قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ معنى (تنسون) هنا بمعنى (تتركون)؛ يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد ذكرنا في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك أو أيش؟ أو الذهول؛ لشدة ما نزل بهم.

الأنعام 6:41

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام ٤٠] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، وإن شئت فقل: إن الخطاب عام لأيش؟ لكل من يصح خطابه. ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ قال العلماء: (أرأيت) بمعنى (أخبرني)، والتاء للخطاب فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا وليس لها محل من الإعراب، والميم علامة الجمع، و(أرأيت) تحتاج إلى مفعول أول ومفعول ثانٍ؛ لأن الرؤية هنا علمية، قالوا: المفعول الأول محذوف، والمفعول الثاني الجملة الاستفهامية: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، هذا المحذوف يقدر بما يناسب الحال، فيكون التقدير هنا: أرأيتكم حالكم عند الشدة أغير الله تدعون، بَيَّن الله من يدعون عند الشدة قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ [الأنعام ٤١]. نعود للإعراب، أقول: الهمزة للاستفهام، والرؤية هنا علمية، والتاء فاعل، والكاف للخطاب توكيدًا، والميم علامة الجمع، و(رأى) العلمية تنصب مفعولين؛ المفعول الأول هنا محذوف ويقدر بما يناسب المقام، والذي يناسب المقام هنا أيش؟ حالكم عند الشدة، وجملة ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هي محل نصب المفعول الثاني، يعني: أخبروني إذا وقعتم في الشدة أتدعون غير الله؟ الجواب: لا، ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ دعوا من؟ ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فإذا وقعوا في الشدة عرفوا الله. والعجب أن المشركين إذا وقعوا في الشدة دعوا الله، وأن بعض طوائف هذه الأمة إذا وقعوا في الشدة دعوا غير الله، إذا وقعوا في الشدة دعوا عبد القادر الجيلاني، دعوا علي بن أبي طالب، دعوا الحسين، وما أشبه ذلك، فصار حال المشركين خيرًا من حال هؤلاء. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في أن غير الله ينجيكم، ولكن إذا كانوا يدعون الله عند الشدة صاروا كاذبين في دعواهم أن هذه الآلهة تنجيهم. ثم قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ (بل) للإضراب الإبطالي؛ إبطال أنهم يدعون غير الله، و﴿إِيَّاهُ﴾ مفعول مقدم لـ﴿تَدْعُونَ﴾، وتقديم المعمول يفيد الحصر، المعنى: بل لا تدعون إلا الله. ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ (يكشف) بمعنى (يزيل)، كما تكشف المستور فتزيل ستره حتى يبدو ويظهر، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ما دعوتم به إلى الله عز وجل أن يكشف الدعاء الذي أنهيتموه إلى الله عز وجل ﴿يَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾. وإنما قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾؛ لئلا يطمع هؤلاء في كشف الكربة، فإذا لم تكشف احتجوا على الله، فإذا قال: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ صارت المسألة تحت مشيئة الله؛ قد يشاء الله عز وجل كشف هذه الكربة وقد لا يشاؤه حسب ما تقتضيه حكمته تبارك وتعالى. ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ (تنسون) بمعنى تذهلون عنه لشدة ما وقع بكم، تنسى كل شيء، وقيل: إن النسيان هنا بمعنى الترك؛ أي: أنهم يدعون الله عز وجل بحضور قلب وذِكْر وهما متلازمان؛ لأن الإنسان عند الدهشة ينسى معبوداته، ولأنه أيضًا عند الشدة يعتقد أن معبوده لا ينفعه، فهي صالحة للأمرين، وفسرها كثير من المفسرين بأن النسيان هنا بمعنى الترك، كما قال عز وجل: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أيش؟ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤]، وقال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، والنسيان المضاف إلى الله هو الترك في مثل هذا. وأما في قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢] فالمراد بالنسيان هنا أن يغيب عنه ما كان ذاكرًا له من قبل، لكننا نريد النسيان المثبت لله يجب أن يكون بمعنى الترك لا بمعنى الذهول عن معلوم، أما المنفي عن الله فنعم هو اللي يكون بمعنى الذهول عن معلوم. * طالب: تفسير (أرأيتكم) بمعنى (أخبروني) ومعنى (أرأيت) هنا الرؤية هنا علمية؟ * الشيخ: إي نعم، المعنى: أعلمت فأخبرني. * الطالب: يعني أخبروني ملازم..؟ * الشيخ: لا، إي ما هو، تفسير بالمعنى، ما هو باللفظ تفسير (...) بمعنى أخبروني أو أخبرني، هذا تفسير بالمعنى، أما المطابق للفظ فالمعنى: أعلمت هذا فأخبرني. * طالب: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إذا قيل: الآية تحتمل اللوح المحفوظ والكتاب، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى حملت عليه؟ * الشيخ: ما يستقيم؛ لأن السياق يعين أحد المعنيين، فهنا السياق يعين أنه اللوح المحفوظ. * طالب: تعليل القول (...) إذا قال قائل: إن كشف العذاب حصل عن طريق الإلزام الشركاء على الله؟ * الشيخ: مفهوم أيش يعني؟ * طالب: المخالفة. * الشيخ: (...). * الطالب: (...) حصل كشف عن طريق الاستنكار يعني؟ * الشيخ: ما حصل؛ لأن الله قيده بالمشيئة. * طالب: أحسن الله إليك، الذين يحرفون الآيات هل يدخلون في قوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام ١٥٠]؟ * الشيخ: هو التحريف -بارك الله فيك- يعني: بمعنى التأويل، إذا كان تأويل إنكار فهذا ربما يدخلون في هذا، أما إذا كان تأويل عن اجتهاد فهم لا يدخلون في هذا، والتأويل الذي يقبل إذا كان اللفظ يحتمله، ثم إذا كان هناك ما يرجح المعنى الآخر ولكن يحتمل المعنى فهنا ليسوا معاندين، لكن إذا كان لا يحتمل فهم معاندون فيشبهون الذين جحدوا. * طالب: شيخ -بارك الله فيك- الذين كفروا بآياتنا في بعض الناس (...) بآيات الله (...)، ولكن ما يعملون بعمل أهل الكتاب هل هؤلاء كذبوا؟ * الشيخ: لا، ما كذبوا، هؤلاء يدخلون في المستكبرين. * طالب: رضي الله عنك، سمعت أن الرسول ﷺ (...) للكعبة «مَا أَعْظَمَكِ، وَمَا أَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَعِظَمُ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ مِنْكِ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وقد مر علينا كثيرًا يا شيخ هل أفضل من المؤمن (...)؟ * الشيخ: هذا الحديث لا أعرفه، لكن لا شك أن المؤمن أفضل من الكعبة وأعظم حرمة. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ليس المطلقة، ما يجوز؛ لأن الله قال: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. * طالب: قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يؤخذ منه أنه لا يصح الدعاء: اللهم إنا لا نسألك رد القضاء؟ * الشيخ: لا، معروف أنه منكر، هذا الدعاء المنكر ما يجوز، لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، هذا غلط، هذا يدل على أن هذا الإنسان كأنه يقول: لا أبالي، لا اسأل الله عز وجل أن يعافيك، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، لكن هذه تجدها كلمة من صوفي أو شبهه وصارت على الألسن. مثل ما صار هل الإنسان مسير أو مخير؟ سبحان الله! أحد يسأل هذا السؤال؟! نفس الذي سأل هو مخير ولّا مسير؟ الجواب مخير هو الذي يختار؛ الإنسان. * طالب: بارك الله فيكم، يرد كثيرًا على ألسنة الخطباء وكذلك في مقدمة الكتب: والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد ﷺ؟ * الشيخ: لا، غلط وإن كان (...) قال: وَأَفْضَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ∗∗∗ نَبِيُّنَا فَمِلْ عَنِالشِّـــــــــــــــــــــقَاقِ لكن يجب أن يقيد الخلق ببني آدم؛ فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «أَنَا سَيْدُ وَلَدِ آدَمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٠)، ومسلم (٢٢٧٨ / ٣) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]، جاء في الحديث: «وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٧٢٤٩) من حديث عمر بن الخطاب.]]، والمراد خلقه الآدميين. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. * في هذه الآية وما بعدها فوائد؛ منها: تقرير الإنسان بما لا يمكنه دفعه، تقرير الإنسان أن يُقَرر بشيء يقر به لا يمكنه دفعه، وذلك في قوله: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾؛ لأنهم في هذه الحال لا يدعون إلا الله، فإذا كان كذلك فلماذا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء؟! وقوله: ﴿عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ المراد أن الله قد لا يعذب هؤلاء المكذبين ويؤخر ذلك إلى قيام الساعة؛ يعني: لا بد إما أن يصيبهم العذاب في الدنيا، وإما أن يصيبهم في يوم القيامة. * ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين عند الضراء لا يلجؤون إلا إلى الله؛ لقوله: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾. * ومن فوائده: أن الله تعالى يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا، بل ويعلم عز وجل أنه سيكفر إذا نجا؛ لأن الله ينجيهم من الكرب وهو يعلم أنهم إذا نجوا سوف يشركون، لكن وقوعهم في الشدة تقتضي رحمة الله عز وجل أن يجيب دعاءهم، ومثل ذلك المظلوم؛ فإن الله يجيب دعوته ولو كان كافرًا، فهذان صنفان تجاب دعوتهما: المضطر، والثاني المظلوم يجيب الله تعالى دعوته، أما المضطر فلأن رحمة الله سبقت غضبه، فيرحم المضطر ويجيب دعوته، وأما المظلوم فلكمال عدل الله عز وجل أن يجيب المظلوم انتصارًا له على الظالم. * ومن فوائد هذه الآية: أنه لا يصرف السوء إلا الله عز وجل. * ويتفرع عليها: أنه إذا أصابك السوء فلا تلجأ إلا إلى الله عز وجل. وهل هذا اللجوء فطري أم هو شرعي عقلي؟ الظاهر الثاني؛ وذلك لأن بعض الذين يصيبهم الضر لا يلجؤون إلى الله، فالرافضة مثلًا إذا أصابهم الضر يلجؤون إلى من؟ إلى أئمتهم؛ علي بن أبي طالب، والحسين، أو غيرهما من أئمتهم، ونحن لا ننكر أن لأئمتهم الحقيقيين درجة عند الله عز وجل على حسب عملهم، لكننا ننكر أن يدعى هؤلاء من دون الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: الحذر من ممارسة السيئات، فإن الإنسان ربما يتوب إلى الله عز وجل ثم يعود؛ ولهذا قال: ﴿وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ معنى (تنسون) هنا بمعنى (تتركون)؛ يعني: أن الآلهة التي كنتم تشركون بها تتركونها، وقد ذكرنا في التفسير أنه يحتمل أن المعنى الترك أو أيش؟ أو الذهول؛ لشدة ما نزل بهم.

الأنعام 6:42

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة. ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك. هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ. وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل. * ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أن الرسل بلسان قومهم؛ أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة. * فيتفرع على هذا: أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا ما الفائدة؟ إلا أنه يحب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سدًّا لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحيانًا يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة ولبيان المحجة، المحجة يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا، لولا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيَّن لنا كيف نتوضأ ما عرفنا، كيف نصلي ما عرفنا، كيف نزكي، كيف نصوم، كيف نحج، كيف نتعامل ما عرفنا، فإرسال الرسل من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حذف السبب ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة للمخاطب، حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة في قلوب المخاطب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ ولم يذكر التكذيب حتى يكون أشد، ويبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقعًا في قلوب المخاطب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق، ما هي الحكمة؟ بيَّنها في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلًا الخوف والجوع وما أشبه ذلك هذا شدة، المرض المباشر للشخص هذا ضرر، فالأخذ إما هذا، وإما هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، تؤخذ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وثبوت الحكمة لله عز وجل في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع. ولكن هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلومًا لنا حكمته؟ الجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله عز وجل، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، » ما ذهبت تعلل فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة، وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له في السنة يقوم مقامه، والصلاة لها نظير إذا لم تصلي اليوم صلت غدًا، ما قالت هذا، قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥/٦٩) واللفظ له من حديث عائشة.]]، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة. وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد نعلم وقد لا نعلم. الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي؛ بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به لا أن نعلم حكمته، وأحيانًا يقولون عن الشيء: إنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحيانًا يكون القول صوابًا. من هذه الأمة من أنكر الحكمة وقال: إن الله عز وجل يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص، قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص. ولهذا من عباراتهم الفاسدة الحسنة منظرًا أو مسمعًا: إن الله منزه عن الأعراض، والأبعاض، والأغراض، هذه عندهم منزه عن الأعراض، والثاني الأبعاض، والثالث الأغراض. أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل أو ترك أو نحو ذلك؛ ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، ينكرون النزول إلى السماء الدنيا. والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين، وما أشبهه. والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كان أفعاله لحكمة أو شرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض. والجواب على هذا سهل، هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة هل هو لمصلحة الله أو لمصلحة الخلق؟ الثانية قطعًا، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧]، فهذه الحكمة التي تضمنها الفعل أو الشرع أو الحكم هذه لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالًا أو نقصًا؟ كمالًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التضرع إلى الله عز وجل، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من كل ما يجب؛ من عقيدة، أو قول، أو عمل. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ إلى آخره. * من فوائدها: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار أمرهم بالعكس، بل زاد ذلك قسوة لقلوبهم، نسأل الله العافية، وكان الذي ينبغي أن يتضرعوا إلى الله عز وجل. وهذا قد يقع من الإنسان ألَّا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطًا على الله عز وجل -والعياذ بالله- وشعورًا بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ويش هذا؟ لأيش يظلمني؟ لأيش يصيبني بما لم يصب به غيري؟ ثم يقسو قلبه، والعياذ بالله. ومن ثم وجب الصبر على من أصيب بمصيبة حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد لله، أليس كذلك؟ والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل مثلًا في السماء ما يشاء، في الأرض ما يشاء، في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، أنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء. ومع ذلك -والحمد لله- الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيرًا لسيئاته، وما أكثر السيئات، أي شيء يصيبك حتى الشوكة إذا أصابتك فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أثبت ثواب الصابرين، فلم يفرط الله تبارك وتعالى بشيء فيما ينفع الخلق. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات قسوة القلب بعد لينه؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وكما في آية البقرة ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٧٤]، فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضًا، فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائمًا قلبه ألين هو أم لا؟ أمخبت إلى الله أم لا؟ أمخلص لله أم لا؟ الأعمال الظاهرة كل إنسان يستطيع أن يأتي بها على أحسن وجه، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: المنافق يمكن أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمال القلوب هي -واللهِ- الصعبة، حرر قلبك من رق المعاصي حتى يفتح الرب. فإذا قال قائل: ما دواء قسوة القلب؟ وهذا سؤال يرد كثيرًا من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب. فالجواب: أن من أسباب إزالة القسوة: كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأن تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله عز وجل لا كلام البشر، كلام الله خالق السماوات والأرض، وحينئذٍ تعظِّم هذا الكلام وتنتفع به. ثانيًا: كثرة الذكر؛ ذكر الله عز وجل، أكثر من ذكر الله، وذكر الله عز وجل ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان وليس فيه صعوبة، قال الله عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيرًا كثيرًا، وفي الحديث «أن الجليس الصالح كحامل المسك؛ إما أن يحذيك» -يعطيك تبرعًا- «وإما أن يبيعك، وإما أن ترى منه رائحة طيبة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، احرص على مصاحبة الأخيار، ولكن انتفع بهم وانفعهم؛ لأن ما كل أحد معصوم، أنت انفعهم وانتفع بهم. ومنها؛ أي من أسباب لين القلب: رحمة الصغار ولا سيما اليتامى؛ فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي ﷺ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]. وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعًا لذكره ولطاعته، إنه على كل شيء قدير. * طالب: تأديب النفس بسنة ما وتجويعها وتعذيبها، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: ما يظهر هذا، وليس من الشرع هذا أيضًا؛ لأن النفس لها حق، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يجوع نفسه هذا ليس من الشريعة. * الطالب: على أساس أنه يعرف نفسه، يعني مثلًا لو قلل من كمية الطعام أو قلل..؟ * الشيخ: ما يخالف، قلَّل غير أنه يجوع، فليقلل؛ يأكل الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث للنفَس، لكن المشكلة الآن أن بعض الناس يقولون: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مساغًا[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]]، وأبو هريرة فعل ذلك مرة، وهؤلاء يجعلونه كل مرة، والعامي يقول: الماء ثقيل ينفذ ولو كانت المعدة مملوءة بالطعام، والنفَس حربة يشق على النفس، وكأن هذا العامي يقول: املأ البطن، ولكن ملأ الحقيقة أن البطن دائمًا يضر، وأن الإنسان إذا خفف فإنه أصح له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيبًا شهيًّا ولا تستطيع أن تأكل قليلًا، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع، ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيرًا، لكن مرنْ نفسك. * طالب: الرحمة «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، حتى المخلوقات والحيوان، تشمل كل شيء؟ * الشيخ: نعم، تشمل كل شيء، هل ترحم الحيوان؟ نعم، ارحم الحيوان، لا تكلف البعير أكثر مما تطيق. * الطالب: (...) العوام يقولون: هذا حلال، هذا حيوان ما يحس ويضربوه؟ * الشيخ: لا، أعوذ بالله، يحس، كيف ما يحس؟! أليست البعير إذا ضربتها ترغي؟ * طالب: بالنسبة لهؤلاء الذين يغلب على الظن أنهم لم تقم عليهم الحجة باتباعهم كبار علماء وكذا، كيف تكون معاملتهم إذا كانوا يعملون أعمال شرك، هل يتعامل معهم الإنسان معاملة مسلمين أو كفار؟ * الشيخ: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم يستثني يقول: اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا. * من فوائد الآية: إثبات قسوة القلب، وهي صلابته وعدم لينه للحق؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل، كما قال عز وجل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي آية أخرى ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨]. * ومن الفوائد: أن الله تبارك وتعالى قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلمًا من الله عز وجل، كلا؛ لأن الله قد بين لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسنًا، وصار الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي. ثم قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عجَّل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومن الفوائد: أن يحذر الإنسان عقوبة الله عز وجل إذا مَنَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكن، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجًا، ولهذا قال بعض السلف: «إذا رأيت الله عز وجل ينعم على الإنسان مع تماديه في العصيان، فاعلم أن ذلك استدراج»[[أخرجه أحمد في المسند (١٧٣١١) مرفوعًا من حديث عقبة بن عامر، ولم نقف عليه من قول غيره. ]]، وصدقوا فلا تغتر أيها الإنسان، فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله؛ لقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومن فوائد الآية: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: فرح بطر، أما إذا فرح الإنسان بما يسره من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله فإن هذا لا بأس به، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبينا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عامًّا شاملًا أو كان خاصًّا، قد يبتلى بمرض أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل؛ ولهذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: أخذ بغتة؛ أي: مباغت، والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع في غير توقع له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله به عز وجل أخذ مدمر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.

الأنعام 6:43

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة. ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك. هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ. وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل. * ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أن الرسل بلسان قومهم؛ أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة. * فيتفرع على هذا: أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا ما الفائدة؟ إلا أنه يحب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سدًّا لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحيانًا يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة ولبيان المحجة، المحجة يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا، لولا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيَّن لنا كيف نتوضأ ما عرفنا، كيف نصلي ما عرفنا، كيف نزكي، كيف نصوم، كيف نحج، كيف نتعامل ما عرفنا، فإرسال الرسل من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حذف السبب ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة للمخاطب، حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة في قلوب المخاطب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ ولم يذكر التكذيب حتى يكون أشد، ويبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقعًا في قلوب المخاطب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق، ما هي الحكمة؟ بيَّنها في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلًا الخوف والجوع وما أشبه ذلك هذا شدة، المرض المباشر للشخص هذا ضرر، فالأخذ إما هذا، وإما هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، تؤخذ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وثبوت الحكمة لله عز وجل في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع. ولكن هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلومًا لنا حكمته؟ الجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله عز وجل، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، » ما ذهبت تعلل فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة، وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له في السنة يقوم مقامه، والصلاة لها نظير إذا لم تصلي اليوم صلت غدًا، ما قالت هذا، قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥/٦٩) واللفظ له من حديث عائشة.]]، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة. وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد نعلم وقد لا نعلم. الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي؛ بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به لا أن نعلم حكمته، وأحيانًا يقولون عن الشيء: إنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحيانًا يكون القول صوابًا. من هذه الأمة من أنكر الحكمة وقال: إن الله عز وجل يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص، قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص. ولهذا من عباراتهم الفاسدة الحسنة منظرًا أو مسمعًا: إن الله منزه عن الأعراض، والأبعاض، والأغراض، هذه عندهم منزه عن الأعراض، والثاني الأبعاض، والثالث الأغراض. أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل أو ترك أو نحو ذلك؛ ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، ينكرون النزول إلى السماء الدنيا. والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين، وما أشبهه. والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كان أفعاله لحكمة أو شرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض. والجواب على هذا سهل، هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة هل هو لمصلحة الله أو لمصلحة الخلق؟ الثانية قطعًا، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧]، فهذه الحكمة التي تضمنها الفعل أو الشرع أو الحكم هذه لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالًا أو نقصًا؟ كمالًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التضرع إلى الله عز وجل، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من كل ما يجب؛ من عقيدة، أو قول، أو عمل. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ إلى آخره. * من فوائدها: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار أمرهم بالعكس، بل زاد ذلك قسوة لقلوبهم، نسأل الله العافية، وكان الذي ينبغي أن يتضرعوا إلى الله عز وجل. وهذا قد يقع من الإنسان ألَّا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطًا على الله عز وجل -والعياذ بالله- وشعورًا بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ويش هذا؟ لأيش يظلمني؟ لأيش يصيبني بما لم يصب به غيري؟ ثم يقسو قلبه، والعياذ بالله. ومن ثم وجب الصبر على من أصيب بمصيبة حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد لله، أليس كذلك؟ والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل مثلًا في السماء ما يشاء، في الأرض ما يشاء، في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، أنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء. ومع ذلك -والحمد لله- الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيرًا لسيئاته، وما أكثر السيئات، أي شيء يصيبك حتى الشوكة إذا أصابتك فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أثبت ثواب الصابرين، فلم يفرط الله تبارك وتعالى بشيء فيما ينفع الخلق. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات قسوة القلب بعد لينه؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وكما في آية البقرة ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٧٤]، فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضًا، فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائمًا قلبه ألين هو أم لا؟ أمخبت إلى الله أم لا؟ أمخلص لله أم لا؟ الأعمال الظاهرة كل إنسان يستطيع أن يأتي بها على أحسن وجه، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: المنافق يمكن أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمال القلوب هي -واللهِ- الصعبة، حرر قلبك من رق المعاصي حتى يفتح الرب. فإذا قال قائل: ما دواء قسوة القلب؟ وهذا سؤال يرد كثيرًا من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب. فالجواب: أن من أسباب إزالة القسوة: كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأن تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله عز وجل لا كلام البشر، كلام الله خالق السماوات والأرض، وحينئذٍ تعظِّم هذا الكلام وتنتفع به. ثانيًا: كثرة الذكر؛ ذكر الله عز وجل، أكثر من ذكر الله، وذكر الله عز وجل ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان وليس فيه صعوبة، قال الله عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيرًا كثيرًا، وفي الحديث «أن الجليس الصالح كحامل المسك؛ إما أن يحذيك» -يعطيك تبرعًا- «وإما أن يبيعك، وإما أن ترى منه رائحة طيبة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، احرص على مصاحبة الأخيار، ولكن انتفع بهم وانفعهم؛ لأن ما كل أحد معصوم، أنت انفعهم وانتفع بهم. ومنها؛ أي من أسباب لين القلب: رحمة الصغار ولا سيما اليتامى؛ فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي ﷺ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]. وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعًا لذكره ولطاعته، إنه على كل شيء قدير. * طالب: تأديب النفس بسنة ما وتجويعها وتعذيبها، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: ما يظهر هذا، وليس من الشرع هذا أيضًا؛ لأن النفس لها حق، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يجوع نفسه هذا ليس من الشريعة. * الطالب: على أساس أنه يعرف نفسه، يعني مثلًا لو قلل من كمية الطعام أو قلل..؟ * الشيخ: ما يخالف، قلَّل غير أنه يجوع، فليقلل؛ يأكل الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث للنفَس، لكن المشكلة الآن أن بعض الناس يقولون: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مساغًا[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]]، وأبو هريرة فعل ذلك مرة، وهؤلاء يجعلونه كل مرة، والعامي يقول: الماء ثقيل ينفذ ولو كانت المعدة مملوءة بالطعام، والنفَس حربة يشق على النفس، وكأن هذا العامي يقول: املأ البطن، ولكن ملأ الحقيقة أن البطن دائمًا يضر، وأن الإنسان إذا خفف فإنه أصح له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيبًا شهيًّا ولا تستطيع أن تأكل قليلًا، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع، ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيرًا، لكن مرنْ نفسك. * طالب: الرحمة «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، حتى المخلوقات والحيوان، تشمل كل شيء؟ * الشيخ: نعم، تشمل كل شيء، هل ترحم الحيوان؟ نعم، ارحم الحيوان، لا تكلف البعير أكثر مما تطيق. * الطالب: (...) العوام يقولون: هذا حلال، هذا حيوان ما يحس ويضربوه؟ * الشيخ: لا، أعوذ بالله، يحس، كيف ما يحس؟! أليست البعير إذا ضربتها ترغي؟ * طالب: بالنسبة لهؤلاء الذين يغلب على الظن أنهم لم تقم عليهم الحجة باتباعهم كبار علماء وكذا، كيف تكون معاملتهم إذا كانوا يعملون أعمال شرك، هل يتعامل معهم الإنسان معاملة مسلمين أو كفار؟ * الشيخ: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم يستثني يقول: اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا. * من فوائد الآية: إثبات قسوة القلب، وهي صلابته وعدم لينه للحق؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل، كما قال عز وجل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي آية أخرى ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨]. * ومن الفوائد: أن الله تبارك وتعالى قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلمًا من الله عز وجل، كلا؛ لأن الله قد بين لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسنًا، وصار الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي. ثم قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عجَّل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومن الفوائد: أن يحذر الإنسان عقوبة الله عز وجل إذا مَنَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكن، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجًا، ولهذا قال بعض السلف: «إذا رأيت الله عز وجل ينعم على الإنسان مع تماديه في العصيان، فاعلم أن ذلك استدراج»[[أخرجه أحمد في المسند (١٧٣١١) مرفوعًا من حديث عقبة بن عامر، ولم نقف عليه من قول غيره. ]]، وصدقوا فلا تغتر أيها الإنسان، فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله؛ لقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومن فوائد الآية: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: فرح بطر، أما إذا فرح الإنسان بما يسره من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله فإن هذا لا بأس به، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبينا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عامًّا شاملًا أو كان خاصًّا، قد يبتلى بمرض أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل؛ ولهذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: أخذ بغتة؛ أي: مباغت، والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع في غير توقع له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله به عز وجل أخذ مدمر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.

الأنعام 6:44

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام ٤٢] ما أكثر ما يرد في القرآن الكريم مثل هذا التعبير، (لقد) قال أهل العلم: واللام موطئة للقسم؛ يعني: أنها تمهد للقسم، فيكون قبلها قسم مقدر، واللام موطئة للقسم مؤكدة له، و(قد) مؤكدة أيضًا، فيكون في هذا مؤكدات ثلاثة. ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: أرسلنا رسلًا إلى أمم من قبلك، ﴿أُمَمٍ﴾ جمع (أمة)، والأمة في القرآن الكريم ترد على معانٍ متعددة؛ ترد بمعنى الإمام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ﴾ [النحل ١٢٠] أي إمامًا، وترد بمعنى الوقت، مثل قول الله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥] أي: بعد زمن، وترد بمعنى الطائفة كما هنا؛ أي: طائفة وشَعْب، وما أشبه ذلك. هل ترد بغير هذا؟ ترد بمعنى رابع ولكني نسيته وهو الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢]؛ أي: على ملة، فلها في القرآن الكريم أربعة معانٍ. وقوله: ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: كل الأمم التي أرسلت إليها الرسل كلهم قبل الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه خاتمهم. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ (الفاء) هذه عاطفة، وهل هي عاطفة على إرسال الرسل، بمعنى أن الرسل أرسلوا ليؤخذ هؤلاء بالبأساء والضراء؟ لا، لكن في الآية حذفًا تقديره: فكذبوا، أو كفروا، أو ما أشبه ذلك، وهذا يسمى إيجاز حذف؛ لأن الإيجاز عند البلاغيين نوعان: إيجاز قصر وهو أن تكون الكلمات القليلة تحمل معاني كثيرة، وإيجاز حذف وهو أن يكون في الكلام القليل شيء محذوف يدل عليه السياق، فهنا لا شك أن في هذا الكلام شيئًا محذوفًا، والتقدير: فكذبوا. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ البأساء يعني: الشدة، والضراء: التضرر، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (لعل) هنا للتعليل؛ أي: لأجل أن يتضرعوا إلى الله عز وجل، ولكن هل حصل هذا؟ يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام ٤٣] أي: عذابنا، ﴿تَضَرَّعُوا﴾ (لولا) هنا بمعنى (هلَّا)؛ يعني: فهلَّا إذ جاءهم البأس تضرعوا، الجواب: لا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: صلبت ولم تَلِن وبقوا على ما هم عليه، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (زيَّن) بمعنى (حسَّن)، حسَّن لهم ما كانوا يعملون؛ يعني: من المعاصي والكفر والشرك ولم يقتصر على تهوين الأمر في قلوبهم بل زينه لهم. ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ المراد به الجنس وليس شيطانًا واحدًا معينًا، كما تقول: الإنسان يراد به الجنس، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ٤٤] لما نسوا ما ذكروا به، ﴿نَسُوا﴾ بمعنى تركوا وأعرضوا عما ذكروا به، ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يعني: من نعيم الدنيا فتح الله لهم أبواب كل شيء من نعيم الدنيا؛ من الرزق والأمن والرخاء، وغير ذلك من أنواع الترف. ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا﴾ أي: فرح بطر ومرح، ﴿بِمَا أُوتُوا﴾ أي: بما أعطوا مما فتح الله عليهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أخذناهم بأيش؟ بالعذاب، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: شيئًا مباغتًا لم يطرأ لهم على بال؛ لأنهم انغمسوا في الترف ونسوا العذاب، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ (إذا) هذه فجائية، والمعنى: فاجأهم الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله عز وجل. * ففي هذه الآيات الكريمة؛ أولًا: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل، وهذا كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومن تمام الحجة في إرسال الرسل أن الرسل بلسان قومهم؛ أي: بلغة قومهم الذين أرسلوا إليهم، وذلك من أجل أن يفهموا الحجة. * فيتفرع على هذا: أنه لا تقوم الحجة بمجرد البلاغ حتى يفهمها المرسل إليهم، وإلا ما الفائدة؟ إلا أنه يحب على من بلغه ولم يفهم أن يبحث، وهذه النقطة الأخيرة ربما تكون سدًّا لعذرهم إذا قالوا: ما فهمنا، نقول: يجب عليكم أن تبحثوا، لكن أحيانًا يتعذر البحث لكونهم لا يجدون من يثقون به فيبقون جاهلين. * ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تبارك وتعالى بالخلق؛ حيث أرسل إليهم الرسل لإقامة الحجة ولبيان المحجة، المحجة يعني: الطريق، فلولا الرسل ما عرفنا، لولا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيَّن لنا كيف نتوضأ ما عرفنا، كيف نصلي ما عرفنا، كيف نزكي، كيف نصوم، كيف نحج، كيف نتعامل ما عرفنا، فإرسال الرسل من رحمة الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حذف السبب ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة للمخاطب، حذف السبب وذكر المسبب والنتيجة ليكون ذلك أشد وقعًا وهيبة في قلوب المخاطب؛ لقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ ولم يذكر التكذيب حتى يكون أشد، ويبحث الذهن لماذا أخذوا؟ فيكون أشد هيبة ووقعًا في قلوب المخاطب. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالبأساء والضراء لكن لحكمة لا لمجرد إلحاق الضرر بالخلق، ما هي الحكمة؟ بيَّنها في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وإلا فإن الله لا يمكن أن يريد مجرد الإضرار، بل كل ما ضر الناس من تقديرات الله فالمراد به مصلحة الخلق. * ومن فوائد هذه الآية: أن الأخذ قد يكون بالبأساء، وقد يكون بالضراء، قد يكون بالشدة التي يتأذى بها الإنسان بدون ضرر، وقد يكون بالضرر، فمثلًا الخوف والجوع وما أشبه ذلك هذا شدة، المرض المباشر للشخص هذا ضرر، فالأخذ إما هذا، وإما هذا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، تؤخذ من قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾، وثبوت الحكمة لله عز وجل في أفعاله وفي شرعه أمر معلوم لكل ذي عقل؛ لأن كون الأفعال والأحكام تصدر عن حكمة يدل على كمال الفاعل والمشرع. ولكن هل كل فعل أو حكم جاء من عند الله يكون معلومًا لنا حكمته؟ الجواب: لا؛ لأن عقولنا أقصر من أن تحيط بحكمة الله عز وجل، لكن نعلم علم اليقين أن ذلك لحكمة؛ ولهذا لما سئلت أم المؤمنين عائشة: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، » ما ذهبت تعلل فتقول: الصوم لا يأتي في السنة إلا مرة، وقضاؤه سهل، والصلاة تأتي في اليوم والليلة خمس مرات، فقضاؤها صعب، والصوم لا نظير له في السنة يقوم مقامه، والصلاة لها نظير إذا لم تصلي اليوم صلت غدًا، ما قالت هذا، قالت: «كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥/٦٩) واللفظ له من حديث عائشة.]]، فجعلت مجرد الحكم هو الحكمة. وهكذا يجب على كل مؤمن أن يؤمن بأن جميع أفعال الله وجميع شرائع الله كلها لحكمة، لكن قد نعلم وقد لا نعلم. الفقهاء رحمهم الله يعبرون عن الشيء الذي لا تعلم حكمته بأنه تعبدي؛ بمعنى أنه ليس علينا إلا أن نتعبد به لا أن نعلم حكمته، وأحيانًا يقولون عن الشيء: إنه تعبدي، وهو معلوم الحكمة، وأحيانًا يكون القول صوابًا. من هذه الأمة من أنكر الحكمة وقال: إن الله عز وجل يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة، ويحكم بما شاء لمجرد المشيئة، وهذا غلط ونقص، قالوا: لأنه لو فعل لحكمة لكان ذلك لغرض، وكونه يفعل الشيء لغرض نقص. ولهذا من عباراتهم الفاسدة الحسنة منظرًا أو مسمعًا: إن الله منزه عن الأعراض، والأبعاض، والأغراض، هذه عندهم منزه عن الأعراض، والثاني الأبعاض، والثالث الأغراض. أما الأعراض فمرادهم بذلك ما يعرض للفاعل من فعل أو ترك أو نحو ذلك؛ ولهذا ينكرون الاستواء على العرش، ينكرون النزول إلى السماء الدنيا. والأبعاض يقصدون بها الوجه واليدين، وما أشبهه. والأغراض يريدون بها الحكمة، فيقولون: لو كان أفعاله لحكمة أو شرائعه لحكمة لكان له غرض، والله تعالى منزه عن الأغراض. والجواب على هذا سهل، هل الغرض الذي تتضمنه الحكمة هل هو لمصلحة الله أو لمصلحة الخلق؟ الثانية قطعًا، وإلا فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧]، فهذه الحكمة التي تضمنها الفعل أو الشرع أو الحكم هذه لمصلحة الخلق، وحينئذٍ تكون كمالًا أو نقصًا؟ كمالًا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب التضرع إلى الله عز وجل، والتضرع بمعنى اللجوء والإنابة إلى الله تعالى، والقيام بما يجب له من كل ما يجب؛ من عقيدة، أو قول، أو عمل. ثم قال: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ إلى آخره. * من فوائدها: بيان شدة قسوة هؤلاء المعذبين، أنه لما جاءهم العذاب ليتضرعوا صار أمرهم بالعكس، بل زاد ذلك قسوة لقلوبهم، نسأل الله العافية، وكان الذي ينبغي أن يتضرعوا إلى الله عز وجل. وهذا قد يقع من الإنسان ألَّا تزيده البأساء والضراء إلا قسوة في القلب وسخطًا على الله عز وجل -والعياذ بالله- وشعورًا بما لا ينبغي، فإن بعض الناس إذا ابتلي ببلاء قال: ويش هذا؟ لأيش يظلمني؟ لأيش يصيبني بما لم يصب به غيري؟ ثم يقسو قلبه، والعياذ بالله. ومن ثم وجب الصبر على من أصيب بمصيبة حتى لا يقسو قلبه، فيقال: أنت عبد لله، أليس كذلك؟ والعبد خاضع لفعل السيد، والله تعالى يفعل بعبده ما يشاء، كما أنه يفعل مثلًا في السماء ما يشاء، في الأرض ما يشاء، في الرياح ما يشاء، كذلك أنت، أنت خلق من المخلوقات يفعل بك ما يشاء، لكن عليك الصبر عند الضراء، والشكر عند السراء. ومع ذلك -والحمد لله- الضراء التي تصيب الإنسان تكون تكفيرًا لسيئاته، وما أكثر السيئات، أي شيء يصيبك حتى الشوكة إذا أصابتك فإنها تكفر السيئات، فإن احتسبت أثبت ثواب الصابرين، فلم يفرط الله تبارك وتعالى بشيء فيما ينفع الخلق. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات قسوة القلب بعد لينه؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وكما في آية البقرة ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة ٧٤]، فقسوة القلب تحدث، ولين القلب يحدث أيضًا، فكلاهما حدثان، والواجب على الإنسان أن يلاحظ دائمًا قلبه ألين هو أم لا؟ أمخبت إلى الله أم لا؟ أمخلص لله أم لا؟ الأعمال الظاهرة كل إنسان يستطيع أن يأتي بها على أحسن وجه، أليس كذلك؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: المنافق يمكن أن يأتي بالصلاة على أحسن وجه، ويمكن أن يتصدق، لكن أعمال القلوب هي -واللهِ- الصعبة، حرر قلبك من رق المعاصي حتى يفتح الرب. فإذا قال قائل: ما دواء قسوة القلب؟ وهذا سؤال يرد كثيرًا من بعض المستقيمين الذين مَنَّ الله عليهم بالاستقامة، ثم يحصل لهم هزة فيقسو القلب. فالجواب: أن من أسباب إزالة القسوة: كثرة قراءة القرآن بتدبر، وأن تشعر وأنت تقرأ أن هذا كلام الله عز وجل لا كلام البشر، كلام الله خالق السماوات والأرض، وحينئذٍ تعظِّم هذا الكلام وتنتفع به. ثانيًا: كثرة الذكر؛ ذكر الله عز وجل، أكثر من ذكر الله، وذكر الله عز وجل ليس فيه صعوبة؛ لأن الذي يتحرك هو اللسان والشفتان وليس فيه صعوبة، قال الله عز وجل: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. ومنها: مصاحبة الأخيار، فإن مصاحبة الأخيار تكسب الإنسان خيرًا كثيرًا، وفي الحديث «أن الجليس الصالح كحامل المسك؛ إما أن يحذيك» -يعطيك تبرعًا- «وإما أن يبيعك، وإما أن ترى منه رائحة طيبة»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، احرص على مصاحبة الأخيار، ولكن انتفع بهم وانفعهم؛ لأن ما كل أحد معصوم، أنت انفعهم وانتفع بهم. ومنها؛ أي من أسباب لين القلب: رحمة الصغار ولا سيما اليتامى؛ فإنها توجب رقة القلب، وجرب تجد، ولقد قال النبي ﷺ: «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]. وهناك أسباب أخرى تظهر للمتأمل في دواء قسوة القلب، أسأل الله تعالى أن يلين قلوبنا جميعًا لذكره ولطاعته، إنه على كل شيء قدير. * طالب: تأديب النفس بسنة ما وتجويعها وتعذيبها، فهل هذا صحيح؟ * الشيخ: ما يظهر هذا، وليس من الشرع هذا أيضًا؛ لأن النفس لها حق، صحيح أن الإسراف في المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب غير محمود، أما كونه يجوع نفسه هذا ليس من الشريعة. * الطالب: على أساس أنه يعرف نفسه، يعني مثلًا لو قلل من كمية الطعام أو قلل..؟ * الشيخ: ما يخالف، قلَّل غير أنه يجوع، فليقلل؛ يأكل الثلث للطعام، والثلث للشراب، والثلث للنفَس، لكن المشكلة الآن أن بعض الناس يقولون: لقد شرب أبو هريرة اللبن حتى لم يجد له مساغًا[[أخرجه البخاري (٦٤٥٢) بنحوه من حديث أبي هريرة.]]، وأبو هريرة فعل ذلك مرة، وهؤلاء يجعلونه كل مرة، والعامي يقول: الماء ثقيل ينفذ ولو كانت المعدة مملوءة بالطعام، والنفَس حربة يشق على النفس، وكأن هذا العامي يقول: املأ البطن، ولكن ملأ الحقيقة أن البطن دائمًا يضر، وأن الإنسان إذا خفف فإنه أصح له، وجرب تجد، نعم في بعض الأحيان يكون الطعام طيبًا شهيًّا ولا تستطيع أن تأكل قليلًا، أو تكون أتيت إليه وأنت جائع، ومن شدة الجوع تقوى النهمة وتأكل كثيرًا، لكن مرنْ نفسك. * طالب: الرحمة «ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٤٩٤١)، والترمذي (١٩٢٤) واللفظ له من حديث عبد الله بن عمرو.]]، حتى المخلوقات والحيوان، تشمل كل شيء؟ * الشيخ: نعم، تشمل كل شيء، هل ترحم الحيوان؟ نعم، ارحم الحيوان، لا تكلف البعير أكثر مما تطيق. * الطالب: (...) العوام يقولون: هذا حلال، هذا حيوان ما يحس ويضربوه؟ * الشيخ: لا، أعوذ بالله، يحس، كيف ما يحس؟! أليست البعير إذا ضربتها ترغي؟ * طالب: بالنسبة لهؤلاء الذين يغلب على الظن أنهم لم تقم عليهم الحجة باتباعهم كبار علماء وكذا، كيف تكون معاملتهم إذا كانوا يعملون أعمال شرك، هل يتعامل معهم الإنسان معاملة مسلمين أو كفار؟ * الشيخ: هؤلاء يتوقف فيهم، وإذا قدمت جنائزهم يستثني يقول: اللهم اغفر له إن كان مؤمنًا. * من فوائد الآية: إثبات قسوة القلب، وهي صلابته وعدم لينه للحق؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الشيطان يزين لبني آدم سوء العمل، كما قال عز وجل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وفي آية أخرى ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨]. * ومن الفوائد: أن الله تبارك وتعالى قد يسلط على العبد من هو عدو له، ولا يعد هذا ظلمًا من الله عز وجل، كلا؛ لأن الله قد بين لنا هذا العدو وحذرنا من اتباع خطواته، فلا عذر لنا. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرجل إذا سلط عليه الشيطان صار السيء في نظره حسنًا، وصار الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن المعلوم أنهم يعملون بالمعاصي. ثم قال عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى آخره. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى عجَّل لهم بالعقوبة لكن على وجه الاستدراج؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومن الفوائد: أن يحذر الإنسان عقوبة الله عز وجل إذا مَنَّ الله عليه بتيسير أمور الدنيا من مأكل ومشرب ونكاح ومركب ومسكن، فلا يغتر بهذا؛ لأنه قد يكون استدراجًا، ولهذا قال بعض السلف: «إذا رأيت الله عز وجل ينعم على الإنسان مع تماديه في العصيان، فاعلم أن ذلك استدراج»[[أخرجه أحمد في المسند (١٧٣١١) مرفوعًا من حديث عقبة بن عامر، ولم نقف عليه من قول غيره. ]]، وصدقوا فلا تغتر أيها الإنسان، فقد تبتلى بالنعم كما تبتلى بالنقم، وقد تكون البلوى بالنعم أشد من البلوى بالنقم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذي بيده الرخاء والشدة هو الله؛ لقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾. * ومن فوائد الآية: أنه يجب الحذر من الفرح الذي هو فرح البطر بنعم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: فرح بطر، أما إذا فرح الإنسان بما يسره من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة فرح سرور وانبساط بنعمة الله فإن هذا لا بأس به، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يأتيه العذاب بغتة، فبينا هو في نعيمه وسروره في الدنيا منغمسًا في معاصي الله إذا بالعذاب يأتيه بغتة، وسواء كان هذا العذاب عامًّا شاملًا أو كان خاصًّا، قد يبتلى بمرض أو بحوادث تكسره وتحطمه أو بموت عاجل؛ ولهذا قال: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: أخذ بغتة؛ أي: مباغت، والمباغت هو الشيء الذي لا يتوقعه الإنسان، فيقع في غير توقع له. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الأخذ الذي توعد الله به عز وجل أخذ مدمر؛ لقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.

الأنعام 6:45

قال الله عز وجل: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام ٤٥] ﴿فَقُطِعَ﴾ (الفاء) عاطفة وتدل على الترتيب والتعقيب، ﴿قُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ﴾ أي: هلكوا عن آخرهم؛ لأنه إذا قطع الدابر -وهو الآخر- فما سبقه من باب أولى، ولم يفصح جل وعلا بالقاطع؛ لأنه معلوم وهو الله عز وجل، ولكن الله تبارك وتعالى في الأمور التي تسوء يأتي بها بصيغة ما لم يسم فاعله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ﴾، وهو كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن ١٠]، الجن يؤمنون بأن مريد الشر من؟ هو الله عز وجل، يعرفون أن الخير والشر بيد الله عز وجل، هو المدبر، لكن كرهوا أن يضيفوا الشر إلى الله فقالوا: ﴿أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ لأن هذه العقوبة مرتبة على قوم اتصفوا بالظلم، فيكون الظلم سببًا للعقوبة، وهذا من كمال الله تبارك وتعالى: أن تكون أفعاله لحكمة وأحكامه الشرعية لحكمة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظلم سبب للعقوبة والهلاك؛ لأن الحكم إذا علق على وصف صار ذلك الوصف علة له؛ يزداد الحكم قوة بقوته، وينقص بنقصه. ﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله محمود على قطع دابر الظالمين، وهو كذلك، فهو سبحانه وتعالى محمود على جلب النعم وعلى دفع النقم، والظالم إذا أهلكه الله فإن ذلك من تمام عدله ورحمته؛ لأنه يكون نكالًا لما بين يديه وما خلفه. أما المعنى فالمعنى لا إشكال فيه، قلنا: ﴿دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يعني: آخره، وإذا قطع الآخر قطع الأول، أما ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فالمراد الكفار؛ لأن كل إنسان كافر فهو ظالم في حق من؟ في حق نفسه، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة ٥٧]، وهو في حق الله معتدٍ؛ حيث لم يقم بالحق الواجب عليه.

الأنعام 6:46

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام ٤٦] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: قل يا محمد: أخبروني، ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ بحيث لا تسمعون الكلام، ﴿وَأَبْصَارَكُمْ﴾ بحيث لا ترون الأفعال، ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ بحيث لا يكون لديكم وعي ولا عقل، ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾؟ سيكون جوابهم: لا أحد؛ لأنهم يقرون ويعترفون بربوبية الله عز وجل وبما يترتب عليها. قال تعالى: ﴿انْظُرْ﴾ يعني: نظر اعتبار؛ أي: نظر بصيرة، ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: ننوعها، و(الآيات) جمع (آية) وهي العلامة التي يحصل بها الطمأنينة؛ لاشتمالها على الدليل؛ يعني: أن الآية ليست مجرد علامة، بل هي العلامة التي تكون دليلًا على الشيء، فهي أخص من مطلق العلامة، ومعنى ﴿نُصَرِّفُ﴾ ينوع الآيات؛ شمس قمر، ليل نهار، رخاء شدة، حر برد، وهلم جرًّا، آيات منوعة. ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ينصرفون عن الحق وعن الآيات، وتأمل قوله: ﴿ثُمَّ﴾ الدالة على التراخي؛ يعني: ثم أن يتبين لهم الأمر ويتضح هم يصدفون فلا ينتفعون. * في هذه الآية الكريمة: تحدي هؤلاء الذين أشركوا بالله بهذه المسألة اليسيرة بالنسبة لغيرهم؛ وهي: أن الله إذا أخذ سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم فإنه لن ينصرفوا إلا إلى الله عز وجل، وهذا تحدٍّ لهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان إذا أصيب بسمعه أو بصره أو قلبه أو سائر جسده فليلجأ إلى من؟ إلى الله عز وجل؛ لأنه لا أحد ينفعه. فإن قال قائل: إذن لا نذهب إلى الأطباء، ولا إلى القراء، ولا نستعمل الأدوية؟ فالجواب: لا، بل اذهب إلى الأطباء، واستعمل الأدوية، واذهب إلى القراء، ولكن الذين يسترقون تنقص درجتهم بالنسبة للذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فالإنسان مأمور بفعل الأسباب، بل جاء الأمر بالتداوي، إلا أنا لا نتداوى بحرام[[أخرجه أبو داود (٣٨٧٤) من حديث أبي الدرداء.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: خطورة انسداد هذه الأمور الثلاثة؛ وهي السمع بحيث لا يسمع الآيات، والبصر لا يراها، والقلب لا يعيها، فعلى الإنسان أن يراعي هذه الأمور الثلاثة. * ومن فوئد هذه الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل؛ حيث صرَّف الآيات للعباد، ولو شاء لترك التصريف وجعل الناس يتخبطون خبط عشواء، لكن من نعمة الله أن الله يري عباده الآيات ويصرفها وينوعها، فهذا من رحمة الله عز وجل؛ يعني: إذا لم يؤمن بهذه الآية آمن بالآية الأخرى وحصل المقصود، وكم من إنسان تفوته آيات كثيرة لا يعتبر بها، ثم يصاب بآية واحدة فيعتبر، حتى إن بعض المستقيمين حكوا لي عن أنفسهم أنهم كانوا منزلقين في الشهوات والتلهي، فلما مات قريبهم استقاموا، كل الآيات السابقة لم ينتفعوا بها، لكن لما مات القريب استقاموا وعرفوا أن مآلهم كمآل هذا، فعادوا إلى الله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التشنيع على هؤلاء الذين صرفت لهم الآيات فأعرضوا؛ لقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ينصرفون عنها ولا يعتبرون بها، فيكون فيه الحذر من تولي الإنسان بعد ظهور الآيات؛ لأنه إذا تولى بعد ظهور الآيات صار من قسم أيش؟ عندنا ثلاثة أقسام: المغضوب عليهم، والضالون، وأهل الاستقامة، صار من قسم المغضوب عليهم؛ لأنه علم الحق، ولكنه تمرد عليه ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾.

الأنعام 6:47

قال عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٤٧] يعني: أخبروني، وسبق القول في إعراب هذه الجملة، ﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ أي: عقوبة الله، ﴿بَغْتَةً﴾ كما لو أتتكم وأنتم نيام، ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ كما لو أتتكم وأنتم أيقاظ، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨]، الأول ﴿بَغْتَةً﴾، والثاني ﴿جَهْرَةً﴾. ﴿بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني: إن أتتكم فهل أنتم مظلومون إذا أتاكم عذاب الله؟ على الوجهين الجواب: لا، فالجملة في قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ تقرير لأخذ العذاب، وأنهم لم يؤخذوا ظلمًا بل لعملهم السيء. * في هذه الآية: تحذير من نزول العذاب؛ إما بغتة، وإما جهرة، فلا يأمن الإنسان إذا كان عاصيًا أن ينزل به العذاب، ولكن أتظنون أن العذاب هو عقوبة الجسد؟ لا، عقوبة الجسد لا شك أنها عذاب، لكن أكبر من ذلك الإعراضُ عن دين الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إن المعاصي بريد الكفر ينزلها الإنسان مرحلةً مرحلةً، كما ينزل البريد المسافة مرحلةً مرحلةً، حتى يصل إلى الكفر، والعياذ بالله، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المعاصي تقسي القلب وتسود القلب وتوبس القلب حتى يصبح ميتًا وتحل الكارثة، ولكن -الحمد لله- جعل الله لكل داء دواء، المعصية قارنها بالتوبة، وإذا تبت فالتوبة تهدم ما قبلها تكون كأنك لم تذنب، ولله الحمد. بل إن الإنسان إذا تاب إلى الله توبة نصوحًا ربما تكون حاله بعد التوبة أكمل من حاله قبل المعصية، انظر إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢١، ١٢٢]، فارتفعت منزلته حين تاب من المعصية، وهذا شيء مشاهد؛ لأن الإنسان إذا بقي مستمرًا على حاله في طاعة الله بقي قلبه لا يتحرك يفعل الأشياء هذه وكأنها غريزة، إذا أذنب خجل من الله عز وجل واستحيى من الله وأخبت إلى الله تبارك وتعالى، وصار يتذكر هذا الذنب في كل لحظة؛ ولهذا قال بعض السلف: إن المعصية بالنسبة للفاسق كذباب وقع على أنفه فطرده؛ يعني: خفيفة عنده، وأما أهل القلوب الحية فالمعصية كأنها جبل يستثقلها ويخاف منها حتى يتوب إلى الله تبارك وتعالى. قوله: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ استفهام بمعنى النفي، فـ(هل) بمعنى (ما)، وقد ذكرنا -فيما سبق- أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي صار أشد من النفي المجرد؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي، كأن المتكلم يقول للمخاطب: أثبت لي هذا الشيء، فيكون الاستفهام بمعنى النفي أشد من النفي المجرد. ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ الظلم ينقسم إلى قسمين: ظلم في حق الله، وظلم في حق العباد، أما الظلم في حق الله فدواؤه التوبة مهما عظم حتى لو كان شركًا بالله تبارك وتعالى، بل حتى لو كان سبًّا لله على القول الراجح فإنه يجوز التوبة، حق الآدمي لا يزول إلا برده إليه أو استحلاله منه، وإلا مهما كان الإنسان إذا تاب وأخلص لله وندم فإنه لا يكفيه حتى يرد، بل إن رد المظالم لأهلها من شروط التوبة؛ لأن من شروط التوبة: أن يقلع الإنسان عن الذنب، ولا إقلاع عن الذنب مع استمرار أخذ مال الغير.

الأنعام 6:48

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام ٤٨] ﴿مَا نُرْسِلُ﴾ (ما) نافية، و(إلا) أداة حصر، والإرسال هو: تحميل الغير إبلاغ رسالة ممن أرسله؛ ولهذا كان القول الراجح في المسألة: أن الرسل أوحي إليهم بالشرع وأمروا بتبليغه. ﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لمن اتبعهم بالخير؛ بالجنة، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من خالفهم بالنار، هذه وظيفتهم، والبشارة هي: الإخبار بما يسر، والإنذار هو: التخويف بما يسوء. فإن قال قائل: كيف تقول: إن البشارة هي الإخبار بما يسر مع أن الله تعالى جعلها إخبارًا بما يسوء، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخره [التوبة: ٣٤، ٣٥]؟ فالجواب: أن الإنذار يؤثِّر في البشرة كما يؤثِّر التبشير، أليس كذلك؟ وأصل التبشير الإخبار بما يسر، أصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه تتأثر به البشرة، فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره. .. أليس كذلك؟ وأصل التبشير الإخبار بما يَسُرُّ، أصل تسميته تبشيرًا؛ لأنه تتأثر به البشرة، فتجد الرجل يستنير وجهه وينشرح صدره. أو يقال: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١] على سبيل التهكم، حيث جعل الإنذار بلفظ البشارة نظير هذا، قال الله عز وجل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، ﴿ذُقْ﴾ أمر إهانة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، قال بعض المفسرين: إن هذا من باب التهكم به حتى يزداد غمًّا إلى غَمِّه، وقيل: المعنى ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ في الدنيا، وليس لك في الآخرة إلا الإهانة. قال ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [الأنعام ٤٨]، فلماذا حصر هذا في البشارة والإنذار؟ حتى لا يدَّعِيَ مُدَّعٍ أن وظيفة الرسل تتعلق بالربوبية، وأن لهم نصيبًا من تدبير الخلق، وهذا واضح، فالرسل ليس لهم إلا أن يُبَشِّروا الناس وينذروهم فقط، أما أن يَهْدُوهم، أو يرزقوهم، أو يدفعوا عنهم السوء، فليس من وظائفهم. ثم قال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ [الأنعام ٤٨] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ إلى آخره [الأنعام: ٤٩]. والتفريق ظاهر، النبي من النبأ؛ وهو الخبر، أُخْبِرَ بالوحي ولكن لم يكلَّف بتبليغه، وإنما يتعبد به هو نفسه، ومن اتبعه فعلى هدى، لكن الرسول مكلَّف أن يبلِّغ ما أُرْسِل به، وهذا اللي عليه جمهور العلماء، وهو ظاهر؛ لأن آدم نبي، وليس مكمِّلًا لشريعة من قبله، بل شريعته مستقلة، فدل هذا على أن القول بأن النبي هو مَن تعبَّد بشريعة من سبقه، قول ضعيف، وأن قول الجمهور أصح. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، سبق الكلام على هذا نأخذ في الفوائد. * من الفوائد: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾، أي: آمن بقلبه وأصلح العمل، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام ٤٨]، لكن ﴿آمَنَ﴾ هذه مطلقة لم تقيَّد بشيء، إلا أن النصوص قَيَّدت ذلك، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جوابه لجبريل لما سأله عن الإيمان قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]]. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح العمل، وإصلاح العمل لا يتم إلى بأمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل، فمن أشرك مع الله في العبادة فإنه لم يصلح العمل، حتى ولو كان الشرك أصغر؛ لقول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]. الثاني: المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فمن لم يتابع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم في العبادة فعبادته غير صحيحة، وهو غير مُصْلِح، حتى لو خشع، ورَقَّ قلبه، ودمعت عينه، فإن ذلك لا ينفعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]، أي: مردود عليه. ﴿مَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، المتابعة لا تتحقق إلا إذا وافق العملُ الشريعةَ في الأمور الستة التي مرت علينا كثيرًا، وهي: الموافقة في السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان. وقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لما يستقبل. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: لما مضى، فلا يحزنون على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم استغرقوه في طاعة الله، ولا يخافون العذاب؛ لأنهم ناجون من العذاب.

الأنعام 6:49

ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام ٤٩]، هذا القسم الثاني من الذين أرسل إليهم الرسل، القسم الأول الذي آمن وأصلح، الثاني: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: رَدُّوها ولم يقبلوها. ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأنعام ٤٩]، ﴿يَمَسُّهُمُ﴾ أي: يصيبهم إصابة مباشرة، كمَسِّ الجسم للجسد، ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: عقوبة الله عز وجل. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: بما كانوا يخرجون عن طاعة الله، والباء هنا للسببية، أي: بكونهم، و(ما) مصدرية، ويُقَدَّر الكلام بكونهم يفسقون. * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: منَّة الله عز وجل على عباده بإرسال الرسل، ولا بد من إرسال الرسل، يعني أن حكمة الله عز وجل تقضي بإرسال الرسل؛ لأن العقل البشري لا يستقلّ بمعرفة ما يجب لله من الأسماء، والصفات، والأحكام، ولا يمكن أن يستقل بمعرفة العبادات، فالناس مضطرون غاية الضرورة إلى الرسل، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة ٢١٣]: على دين واحد، فلما كفروا تفرقوا واختلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. * ومنها: أن رسالة الرسل تتضمن هذين الشيئين؛ وهما: البشارة، والإنذار، فلمن تكون البشارة، ولمن يكون الإنذار؟ تكون البشارة لمن أطاع واتبع الرسل، والإنذار لمن كذَّب بالعقوبة، يعني ينذَّر بعقوبة الله عز وجل. * يتفرع على هذه الفائدة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام لم يأتوا بمجرد الأحكام، أي: بمجرد أن يقولوا: هذا حلال، هذا حرام، بل قَرَنُوا ذلك بالبشارة والإنذار؛ لأن البشارة تحمل الإنسان على فعل المأمور، أليس كذلك؟ لأنك لو بشَّرت إنسانًا بأنه سيحصل على كنز في المكان الفلاني، تجده يسابق إليه، ويفعل ما يوصله إليه، الإنذار يحصل به البعد عن المعاصي، وعلى هذا تتركب دعوة الرسل. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الناس انقسموا في تقبُّل وقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن، ومكذِّب. * من فوائد الآية: حكمة الله عز وجل في انقسام الناس بالنسبة لقبول دعوة الرسل إلى قسمين: مؤمن عمل صالحًا، ومكذِّب، هذا من الحكمة، بل ومن الرحمة، لماذا؟ لأنه لو لم يكن كفر لم يُعرَف قدر الإسلام، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يروى عنه: «إنه لا يَنقضُ الإسلامَ عروةً عروةً إلَّا مَن لم يعرفِ الكفرَ»[[رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٣٠١٢)، والحاكم في مستدركه (٨٥٢٣)، ولفظه: قد علمْتُ وربِّ الكعبة متى تهلك العرب؛ إذا وُلِّيَ أمرَهم مَن لم يصحبِ الرسولَ ﷺ، ولم يعالج أمرَ الجاهلية.]]، من عرف الكفر ما يمكن ينقض الإسلام. من رحمة الله وحكمة الله أن انقسم الناس إلى قسمين، لولا هذا الانقسام هل يحصل جهاد؟ لا، هل يحصل أمر بالمعروف ونهي عن منكر؟ لا، هل يحصل امتحان واختبار؟ لا؛ لأن الناس كلهم على وتيرة واحدة، حتى الإنسان لا يمكن أن (...) عن الناس، لكن إذا انقسموا إلى مؤمن وكافر حصل الامتحان والاختبار للمؤمن والكافر، فلا تظن أن الله عز وجل إذا أزاغ قلوب الكافرين أن في ذلك لَغوًا، بل هو عين الحكمة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من جمع بين هذين الوصفين؛ الإيمان والإصلاح، فليبشر أنه لا خوف عليه ولا حزن عليه؛ لقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإن قال قائل: أليس المؤمنون المصلحون ينالهم خوف من الأعداء؟ فالجواب: بلى، ينالهم خوف من الأعداء، لكن ليس هذا هو الخوف المنفي في الآية؛ لأن هذا الخوف بعده أمن، ومع قوة الإيمان لا يرى المؤمن أن في هذا خوفًا، ولهذا نجد الصحابة رضي الله عنهم في جهادهم وقتالهم مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبعده أيضًا هم بأنفسهم يتلقون الموت بكل رحب وسعة. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تشجيع الإنسان على الإيمان والعمل الصالح، والحث على ذلك بذكر عاقبة هذا المؤمن المصلِح، ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾. * ومن الفوائد في الآية الكريمة: أن الإيمان وحده لا يكفي، لا بد من إصلاح، ولكن هل نقول: إنه لمجرد الإفساد، أو مجرد ترك العمل الصالح يكون الإنسان كافرًا؟ نقول: نحن لا نستطيع أن نحكم على شخص بأنه كافر أو مؤمن إلا بدليل من الكتاب والسنة، من الذي يحكم بالكفر ويحكم بالإيمان؟ الله عز وجل ورسوله، نحن ليس لنا حق أن نقول: هذا كافر، ولا هذا مؤمن، إلا بدليل من الشرع. ولذلك نعتب على أولئك الذين يرددون الأسئلة: هل الأعمال شرط في كمال الإيمان، أو شرط في أصل الإيمان؟ أو ما أشبه ذلك من العبارات، نقول: كل هذا لا حاجة إليه؛ لأن لدينا يا إخواننا أدلة واضحة؛ كفر من القرآن والسنة، إيمان من القرآن والسنة. وإذا دار الأمر بين أن يكون هذا الرجل كافرًا أو مؤمنًا، وهو من المسلمين، فالأصل بقاء إسلامه، ولا يحل لنا أن نكفِّره، هل يمكن أن نجعل الأبيض أسود، أو الأسود أبيض؟ لا يمكن، كذلك الأحكام الشرعية، ما لنا حق أن نكفِّر أحدًا إلا بدليل، ولا أن نقول: هذا مؤمن، إلا بدليل، وبهذا نستريح من الخوض واللعب بآراء الناس وعقول الناس. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القول بالمفهوم، وهو أن ﴿مَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، ومن لم يكن كذلك فعليه الخوف والحزن. * من فوائد الآية التي بعدها: أن التكذيب بآيات الله سبب للعقوبة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وليُعْلَم أن آيات الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات شرعية، وآيات كونية؛ الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل من شرائع الله؛ لأنك لو تأملت هذه الأحكام، سواء في الأمة الإسلامية، أو في الأمم السابقة، لوجدتها مطابقة تمامًا للحكمة والمصلحة، وأنه لو اجتمع كل أهل الأرض على أن يأتوا بمثل ذلك ما أتوا، قال الله عز وجل: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]. فلا تظن أن أي نظام أو قانون يُصْلِح من الخلق ما تُصْلِحه الشريعة الإسلامية، ولذلك ضلَّ أولئك القوم الذين ذهبوا إلى تحكيم القوانين الوضعية التي وضعها بشر، هذا البشر الذي وضعها أهو مُعَرَّض للخطأ أم لا؟ مُعَرَّض، ثانيًا: أهو محيط بجميع مصالح الخلق في جميع أقطار الدنيا؟ لا، أهو محيط بمصالح الخلق في جميع الأزمان المقبلة؟ لا، الأمور تتغير، إذن فلا يجوز الاعتماد على هذه القوانين، يجب أن تؤخذ القوانين من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله تعالى أعلم بالخلق حالًا ومستقبلًا، ولأنه أرحم بالخلق، ولأنه أحكم الحاكمين، هذه الآيات الشرعية. الآيات القدرية: الليل والنهار، يعني المخلوقات: الليل والنهار، الشمس والقمر، إحياء الأرض بعد موتها، وغير ذلك. كيف يكون التكذيب بهذا وهذا؟ نقول: أما التكذيب بالشرائع فهو إما أن يكذِّب الأخبار، فيقول: هذا غير صحيح ما يدخل العقل ولا يمكن، وإما بتحريف النصوص؛ يحرِّف النص، مثل قول بعضهم: المراد بـ (استوى): استولى، والمراد باليد: القدرة، أو القوة، أو النعمة، وما أشبه ذلك، الحال الثالث الاستكبار عنها؛ لا يعمل بها. أما آيات الله الكونية فإما أن ينسبها لغير الله، كما يفعل السببيون الملحدون الذين ينسبون الأشياء لأسبابها المحضة، ويرون أن السبب فاعل بنفسه، أو يقول: هي من الله ومعه غيره، هذا أيضًا تكذيب بآيات الله الكونية؛ لأنه شرك، أو يقول: هي لله وحده، لكن له معين، هذا أيضًا كفر بالآيات الكونية، فصارت الآيات الكونية هي المخلوقات كلها، والشرعية ما جاءت به الرسل من الوحي. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذِّبين سيصيبهم العذاب مباشرة؛ لقوله: ﴿يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ﴾، وإن أفلتوا من العذاب في الدنيا لم يفلتوا منه في الآخرة. * ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، الباء للسببية، وإثبات الأسباب دل عليه العقل والسمع، ولا ينكره إلا أحمق، والقرآن مملوء من هذا، ولولا أننا في زمن اختبار قريب لطلبت منكم أن كل واحد يأخذ مثلًا نصف جزء ويأتي بالآيات التي فيها ذكر السبب؛ لأنه قد قيل: إن في القرآن أكثر من ألف دليل يدل على إثبات الأسباب، وهذا حقيقة، نفس القرآن سبب، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، لكن نظرًا لقرب الامتحانات أخشى أن يكون في هذا تكليف، توافقون على هذا؟ إن شاء الله في وقت آخر كل واحد مثلًا يأخذ نصف جزء خمس ورقات ويستنبط الآيات التي فيها الأسباب، وهي كثيرة جدًّا. انقسم الناس في الأسباب إلى ثلاثة أقسام: قسم جعلها مؤثِّرة بنفسها، وأنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبَّب، وهؤلاء هم الطبائعيون الذين لا يعترفون بالله عز وجل، ولا يخفى حكمهم أنهم أيش؟ كفرة. القسم الثاني: أنكر الأسباب، أنكر تأثير الأسباب في مسبِّباتها، وقال: إن هذه الأسباب مجرد علامات فقط، وأن المسبَّب حصل عند السبب لا بالسبب، وهؤلاء ضلُّوا سمعًا وعقلًا، حتى إنه لو رمى إنسان زجاجة بحجر وصقعها، ثم تكسرت، فالحجر ما كسر الزجاجة، ليه؟ ما يجوز تقول: كسر الزجاجة، لو قلت هذا لكنت مشركًا –الله المستعان- وأنا لو قلت هذا لكنت موحِّدًا في الواقع، مُثْبِتًا لله الحكمة، هل يمكن لو تأتي صبيًّا والصبي ضرب الزجاجة وكسرها، هل يمكن أن يقول: أنا ما كسرتها، حصل كسر عند فعلي وليس بفعلي؟ أبدًا ما يمكن، ولكن أناس كبار ذوو عقول إدراك لا عقول رشد، يقولون: الأسباب، ما فيه أسباب، حصل الشيء عند السبب لا بالسبب. القسم الثالث: أثبتوا الأسباب، لكن جعلوا تأثيرها في مسبَّباتها بما أودع الله فيها من القوى المؤثِّرة، وجعلوا الخالق أولًا وآخرًا هو الله عز وجل، قالوا: لو شاء الله لم تؤثِّر هذه الأسباب، فمثلًا: النار محرقة، لا إشكال، ولما أُلْقِي فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا، هل أثَّر هذا السبب في مُسَبَّبه؟ لا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [الأنبياء ٦٩]، وهذا القول هو المتعيِّن، ولا أقول: الراجح فقط، هو المتعيِّن، وما سواه فهو ضلال باطل. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفسق يطلَق على الكفر؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ لأنه قال الذين كذبوا بآياتنا كفار لا إشكال، التكذيب بالآيات كفر، قال: بما كانوا يفسقون، واقرأ قول الله تعالى في تنزيل السجدة: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ١٩، ٢٠]، الفسق هنا إيه؟ كفر، وقد يطلَق الفسق على ما دون الكفر، وهذا هو المراد من كلام الفقهاء رحمهم الله، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات ٧]، فهنا الفسوق ما دون الكفر ولَّا الكفر؟ ما دون الكفر، يتعيَّن، وجه التعيُّن العطف على الكفر، والعطف يقتضي المغايرة. * ومن فوائد الآية: تمام عدل الله عز وجل، حيث إنه لم يعذِّب هؤلاء إلا لأنهم استحقوا العذاب بفسقهم جزاءً وفاقًا. فإن قال قائل: جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧) من حديث أُبَيِّ بن كعب.]]؟ فالجواب: لا إشكال في هذا، يعني أنه لو وقع تعذيب أهل الأرض والسماوات لكان هذا العذاب مستحَقًّا عليهم، وهو غير ظالم لهم، وليس المعنى أنه لو عذَّبهم بدون جرم لم يكن ظالمًا؛ لأن تعذيبهم بغير ظلم قد أحاله الله عز وجل ومنع منه نفسه، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود ١١٧]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، لكن لو عذَّبهم لكانوا مستحِقِّين للعذاب، وبهذا يزول الإشكال في هذا الحديث. * طالب: في الآية ذكرنا هنا أن الفسق يُطلَق على الكفر في بعض الفوائد، وأن الكفر يُطلَق على الفسق. * الشيخ: والسؤال؟ * الطالب: السؤال قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤]، هل هذا تغير ألفاظ فقط؟ * الشيخ: تغير ألفاظ، وأين الألفاظ؟ * طالب: في الآية التي بعدها: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧]. * الشيخ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، الظالمون ثم الفاسقون، إي نعم، وأيش الإشكال؟ هذه المسألة بعضهم يقول: إن هذا مُنَزَّل على أحوال؛ فمن كان حاكمًا بغير ما أنزل الله فهو كافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله؛ لمحبته للعدوان والظلم وظلم الناس فهذا ظالم، ومن حكم بغير ما أنزل الله لا ردًّا لحكم الله، ولكن لأن نفسه تهواه، فهذا فاسق. نضرب لهذا بثلاثة حكام: حاكم حكم بالقانون وردَّ حكم الله، وقال: لا نقبله، فهذا كافر، الثاني في نفسه شيء على شخص معين، وحكم عليه دون خصمه، هذا نصفه بأنه ظالم، والثالث حكم بغير ما أنزل الله، لا ردًّا لما أنزل الله، ولا إرادة للظلم، لكن تهواه نفسه، بمعنى حكم مثلًا لشخص بأن له الأرض الفلانية، وهو ما فيه ظلم، لكن تهواه نفسه؛ إما لصداقته له، أو لقرابته له، أو لأنه يقول: الأرض بيني وبينه، هذا نقول: إنه فاسق، فنُنَزِّلها على أحوال. ومنهم من قال: إنها على حال واحدة، وأن الكافر فاسق وظالم، كما قال عز وجل: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]. والأقرب عندي أنها مُنَزَّلة على أحوال؛ لأنه لو قلنا: إن الأوصاف هذه على موصوف واحد، صارت شبه مكررة. * الطالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، الذين يستشهدون في هذه المسألة، أعني مسألة دخول الأعمال في الإيمان، هل نقول: إن عندهم شيء من التشبه بالخوارج؟ * الشيخ: هم بالحقيقة بحثهم هذا لا أصل له، لو أنهم سلكوا في الأحكام الشرعية ما سلكوه في أسماء الله وصفاته؛ ما ذكره الله لنفسه أثبتناه، وما نفاه عن نفسه نفيناه، وهنا نقول: من كَفَّره الله كَفَّرناه، ومن لم يُكَفِّره لم نُكَفِّره، وما أبلغ الناس إلى مثل هذا التأويل؛ هذا كفر مُخْرِج عن المِلَّة، وده يقول: غير مُخْرِج، حتى إن بعضهم أنكر ما ورد عن ابن عباس: «كفر دون كفر»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٢٥٨) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وقال: هذه الرواية لا تثبت، وحققها بعض تلاميذنا وقال: إنها ثابتة، والعلماء كلهم ينقلون عن ابن عباس مُقِرِّين لها، مشهورة عنه.

الأنعام 6:50

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام ٥٠]، الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو أمر من الله إليه، أي: إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا أمر لإبلاغ خاص، وإلا فكل القرآن قد أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبلغه، لكن تأتي بعض الأحكام مصدَّرة بـ (قل)، إشارة إلى أهميتها، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم ٣١]، والأمثلة على هذا كثيرة. فيكون في هذا الحكم المذكور يكون وصية خاصة لإبلاغهم، وإلا فكل القرآن قد أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يبلغه، كما قال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]. ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، الخطاب في قوله: ﴿لَكُمْ﴾ للمشركين المكذِّبين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ هذه مقول القول، أي: لا أقول: عندي خزائن الله، أي: خزائن رزقه فأرزقكم، وأحرم من أشاء. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام ٥٠] يعني: ولا أقول لكم: إني أعلم الغيب، والغيب: ما غاب، وهو نوعان: غيب نسبي؛ وهذا قد يُعلَم، فمثلًا الشارع الآن فيه أناس أنا لا أعلمهم، والذي يشاهدهم يعلمهم، هذا غيب نسبي. وغيب مطلق حقيقي؛ وهو ما غاب عن الناس كلهم، فهذا لا يعلمه أحد، كالعلم بما سيحدث في المستقبل، هذا لا يمكن أن يعلمه أحد، لا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا غيره، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾. إذن الغيب كل ما غاب، وهو نوعان: نسبي، وحقيقي؛ فالنسبي ما غاب عن بعض الناس دون بعض، والحقيقي ما غاب عن جميع الناس، والنبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لا النسبي، ولا الحقيقي، لكن في النسبي من شاهده عَلِم به. ولذلك لما انخنس منه أبو هريرة رضي الله عنه، وكان أبو هريرة جُنُبًا، قال له: «أَيْنَ كُنْتَ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٣)، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة. ]]، فهو لا يعلم، كذلك لما دخل بيته وطلب الطعام وأتوا إليه بتمر، وطلب اللحم قال: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ عَلَى النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٧) ومسلم (١٥٠٤ / ١٤) من حديث عائشة.]]، وهنا لم يجزم بأن فيها لحمًا، مع أنها عنده في البيت؛ لأنه ﷺ لا يعلم الغيب. ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٥٠]، خاطبهم مخاطبة غير الأولى، يعني كرَّر المخاطبة؛ لأن المقام هنا -وهو نفي أن يكون ملَكًا- أبلغ وأشد، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، والإتيان بكاف الخطاب يدل على شدة توجيه الخطاب إلى المخاطَب، ولهذا اقرؤوا في سورة الكهف قول الخضر لموسى؛ في الأول قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٢]، وفي الثاني قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٥]. ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ واحد الملائكة، إذن هو بشر من بني آدم، ثم ذكر الله تعالى وظيفته التي يقولها، قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام ٥٠]، (إن) بمعنى (ما)، فهي نافية، و(إن) في اللغة العربية لها معانٍ حسب السياق، فتأتي نافية، وتأتي شرطية، مثالها: إن اجتهدت نجحت، وتأتي مخففة من الثقيلة مثل: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]، أي إنهم كانوا، وتأتي زائدة لا معنى لها إلا التوكيد، كقول الشاعر: بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ الصريف: الفضة، الشاهد في قوله: (ما إن أنتم ذهب)، فإن (إن) زائدة، ولهذا لو قال الشاعر: ما أنتم ذهبًا، صح، ما الذي يُعَيِّن هذه المعاني؟ الذي يُعَيِّنها السياق، فدل ذلك على أن الألفاظ يتعين معناها بالسياق، وهو مما يؤيد قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن لا مجاز في اللغة؛ لأن الكلمة يتعين معناها بسياقها، حتى وإن استُعْمِلت بمعنى آخر في غير هذا السياق، إذن الذي يعيِّن السياقُ، كذلك يعيِّن المعنى القرينةُ الحالية؛ لأن السياق قرينة لفظية، القرينة الحالية أن يدل حال المتحدَّث عنهم على المعنى، مثل قوله: ........................ ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هنا ما يمكن أن تكون نافية؛ لأنه كان يفتخر بقومه، فيتعين أن تكون مخفَّفة من الثقيلة. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ أي: ما أتبع، ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ﴾، يعني: إلا ما أوحاه الله إليَّ، والوحي هو إعلام الله تبارك وتعالى لأحد أنبيائه بالشرع، هذا الوحي، وسُمِّيَ ذلك من الإيحاء، وهو السر والإخفاء؛ لأن الوحي يقع خفيًّا، ما كل أحد يدري عنه. وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ لم يبيِّن الْمُوحِي، وذلك للعلم به، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ ٥٠]، الْمُوحِي هو الله عز وجل. ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ هذه وظيفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه لا يختص بها ولا تقع منه. ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، بعد أن تبيَّن هذا. ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾، ﴿هَلْ﴾ بمعنى (ما)، وجاءت أداة الاستفهام بمعنى النفي؛ لأنها مُشْرَبة معنى التحدي، يعني: لا يستوي الأعمى والبصير، وإن كنتم صادقين فبيِّنُوا لي. ﴿الْأَعْمَى﴾ صفة مشبهة، ﴿وَالْبَصِيرُ﴾: من يُبْصِر، ومن المعلوم أنه لا أحد يقول: إن الأعمى والبصير سواء، فما المراد بالأعمى هنا، وما المراد بالبصير؟ المراد بالأعمى الكافر، كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة ١٨]، والمراد بالبصير المؤمن؛ بصير من البصيرة، وبصير من البصر. ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام ٥٠] الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: أَبَعْدَ هذا تُعرِضون فلا تتفكرون؟! * في هذه الآية فوائد عظيمة، منها: أنه يجب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلِن للأمة ما أمره الله به؛ ﴿لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. * ومنها: أن ما صُدِّر بـ (قُلْ) بالنسبة للرسول ﷺ كان ذلك دليلًا على أهميته، وأن الله تعالى أوصى نبيه أن يُبَلِّغه خاصة، مما يدل على العناية به. * ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك خزائن الله عز وجل، أي: خزائن الرزق، ولذلك يعيش ﷺ الشهرين والثلاثة لا يُوقَد في بيته نار[[أخرجه أحمد (٩٢٤٩) من حديث أبي هريرة.]]، ولو كان عنده خزائن الله لأدركها، مع أنه لو شاء لدعا ربه أن يحقِّق له ما يريد، لكنه ﷺ خُيِّرَ بين أن يكون عبدًا نبيًّا، أو ملَكًا نَبِيًّا، فاختار أن يكون عبدًا نَبِيًّا[[أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٦٧١٠) من حديث عبد الله بن عباس.]]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يملك خزائن الله فإنه لا يجوز أن يُطْلَب الرزق من الرسول مباشرة؛ لأنه لو طُلِب الرزق من الرسول مباشرة لكان هذا شركًا وتجاوزًا لما هو عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما السؤال في حياته فله تفاصيل ليس هذا موضع ذكرها، وقد يُعْطِي وقد لا يُعْطِي، كما منع الأشعريين حين طلبوا رواحل يجاهدون عليها، قال: «لا أجد ما أحملهم عليه»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٣)، ومسلم (١٦٤٩ / ٩) من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: «وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ».]]. * ومن فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعلم الغيب؛ لقوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾. فإن قال قائل: أليس النبي ﷺ يحدِّث عن أشياء مستقبَلة؟ فالجواب: بلى، ولكن بوحي من الله عز وجل، والله تبارك وتعالى يعلم الغيب، ولهذا نقول: كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أمور المستقبل فهي بوحي خاص من الله عز وجل، وحينئذ لا ينافي ما أخبر به من أمور الغيب ما ذكره الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ لأن علمه بالمستقبل بما أوحى الله إليه ليس علمًا ذاتيًّا أدركه بنفسه، ولكنه علم من عند الله عز وجل، كما أن الإنسان يرى الرؤيا الصالحة في المنام وينتفع بها في المستقبل، و«الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[متفق عليه، البخاري (٦٩٨٩) ومسلم (٢٢٦٣ / ٨) من حديث أبي هريرة.]]. * ومن فوائد هذه الآية: الرد الصريح على من قالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم الغيب، ثم لَبَّسوا وشَبَّهُوا بما أخبر به من المغيَّبَات التي أوحى الله إليه بها، فيقال: الأصل أنه لا يعلم الغيب، وإذا جاء شيء تحدث به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن المستقبل فإننا نعلم أن ذلك بوحي خاص من الله تبارك وتعالى. * من فوائد هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر كغيره، لا يعلم الغيب، وينسى كما ننسى، ويلحقه الجوع والظمأ، والبرد والحر، كل الخصائص البشرية تلحق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. * ومن فوائد هذه الِآية: أن الملَك قد يتصور بصورة إنسان؛ لقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾؛ لأنه لولا أنه يمكن تصوره بصورة إنسان ما احتيج إلى النفي؛ إذ إنه معلوم بدون نفي، وهذا هو الواقع، وقد جاء جبريل عليه السلام بصورة البشر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام ٨]، وقالوا: لولا نزل عليه الملائكة، فإن الملائكة لا يمكن أن ينزلوا ليكونوا رسلًا إلى البشر، كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام ٩]. * ومن فوائد الآية: كمال عبودية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، لا يزيد ولا ينقص، حتى لو كان الذي نزل إليه على شخصيته عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يمكن أن يدعه، وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧]، كلمات عظيمة، يوجِّهها الله عز وجل إلى نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولو كان كاتمًا شيئًا مما أوحاه الله إليه لكتم هذا؛ لأنه شيء عظيم، أو كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشرائع توقيفية لا يجوز لأحد أن يبتدع منها شيئًا، كقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، ولهذا قرَّر أهل العلم أن الأصل في العبادات المنع والحظر، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتعبد لله تعالى بشيء إلا ما أذن الله فيه شرعًا، وهذا حق مستنِد إلى آيات متعددة، وإلى قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٧) من حديث عائشة.]]. هل مثلًا لو أن أحدًا استحسن شيئًا يتعبد لله به هل يكون حسنًا؟ لا يكون حسنًا أبدًا، وبذلك يبطل تقسيم من قسم البدعة إلى نوعين: ضلالة، وحسنى، أو إلى خمسة أنواع، فإن هذا باطل لا شك فيه؛ لأن أعلم الخلق بشريعة الله، وأفصح الخلق، وأنصح الخلق محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»[[أخرجه مسلم (٨٦٧ / ٤٣) من حديث جابر بن عبد الله.]]، (كل) بصيغة العموم التي هي أعم الألفاظ، أعم صيغ العموم (كل)، «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وهذا العموم الْمُحْكَم لا يخرج منه شيء. ولا يرد على هذا ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وتميم الداري، وكان الناس بعد أن امتنع النبي ﷺ من إقامة قيام رمضان بهم جماعة صاروا يقومون أفرادًا، أو الرجل مع الثاني، أو الرجل مع اثنين، وما أشبه ذلك، ويحصل التشويش، خرج عمر ذات ليلة وهم على هذا، فأمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقومَا للناس بإحدى عشرة ركعة، ففعلَا، وقامَا بالناس بإحدى عشرة ركعة، ثم خرج مرة أخرى ورآهم على هذه الحال فقال: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ»[[أخرجه البخاري (٢٠١٠)، ومالك في الموطأ (٣٠١)، واللفظ له من حديث عمر بن الخطاب.]]، فسمَّاها بدعة وأثنى عليها، أفهمتم؟ هذا الأثر استدل به جميع أهل البدع على استساغة بدعهم، ونحن نجيبهم بأمرين: الأمر الأول: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين الذين بدعتهم إن صارت بدعة أيش هي؟ سُنَّة، فهل أنتم أيها الخلَف المتخلِّف هل أنتم كعمر؟ لا، إذن لو صح أنها بدعة شرعية لكان عمر ممن يُقْتَدَى به، وسُنَّتُه مُتَّبَعة بأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثانيًا: أنها بدعة نسبِيَّة باعتبار هَجْرِها من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن أقامها عمر، فهذه بدعة نسبيَّة، ولا يصح أن نقول: إنها بدعة لغوية؛ لأن البدعة اللغوية لا بد ألَّا تكون مسبوقة، لكن نقول: هي بدعة نسبية، باعتبار أنها هُجِرَت من عهد الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مارًّا بعهد أبي بكر، ثم أول خلافة عمر. ثالثًا: هذه البدعة لها أصل، أصل وسنة، وهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بأصحابه في قيام رمضان ثلاث ليال، وتخلَّف في الرابعة، «وقال: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٢)، ومسلم (٧٦١ / ١٧٨) من حديث عائشة.]]، هذه العلة التي تأخَّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إقامتها جماعة هل هي باقية في عهد عمر؟ الجواب: لا، فالحكم يدور مع علَّته، وهذه العلة في عهد عمر لا يمكن أن تكون، فبطل تشبُّث أهل البدع بمثل هذه الكلمة من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فإن قال قائل: ابتُدِعَت أشياء أقرَّها المسلمون، كجمع القرآن على مصحف واحد، وكتبويب الأحاديث، وكبناء المدارس، وأشياء كثيرة، ما تقول في هذا؟ أقول: هذه ليست مقصودة بذاتها، بل هي مقصودة لغيرها، فجمع الناس على مصحف واحد لئلَّا تتفرق الأمة، لو كان الناس يقرؤون بالمصاحف التي بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لتمزقت الأمة تمزقًا عظيمًا، ولقالت النصارى: إذا كان عندنا أربعة أناجيل أو خمسة فعندكم عشرات، فلهذا كان توحيد المصحف مقصودًا لغيره، وهو جمع كلمة المسلمين وعدم تنازعهم. كذلك أيضًا تبويب الأحاديث أو جمعها على المسانيد، هو أيضًا مقصود لغيره، حتى يتيسر على المسلمين أصول السنة، أرأيتم لو أنه لم تُبَوَّب على الأبواب، ولا على المسانيد، لكان الإنسان يجب إذا أراد مسألة أن يقرأ كل حديث ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يخفى ما في هذا من التعب العظيم، وما في هذا أيضًا من تعطل الشريعة، فكان هذا مقصودًا لغيره. أتى أناس وقالوا: المحاريب، هذه محاريب المساجد هذه بدعة لا بد أن تهدمها، ولو أن الإنسان أوصى أن يُبْنَى له مسجد فيه محراب بطلت الوصية، ليش؟ قال: لأن المحاريب نهى عنها الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله محذِّرًا: «إِيَّاكُمْ وَمَذَابِحَ النَّصَارَى»[[أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٤٧٣٢) من حديث موسى الجهني.]]، أو كلمة نحوها، فما الجواب؟ الجواب أن نقول: أولًا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيَّد فقال: كمذابح النصارى، فإذا كان المحراب على غير الشكل النصراني فلا بأس به، هذا إن صح الحديث، مع أن الحديث فيه مقال. ثانيًا: أن نقول: إذا انتفى أن تكون هذه المحاريب كمحاريب النصارى، بقي أن يقال: هل فيها مصلحة أو لا؟ الجواب: فيها مصلحة، فيها أنها تُغْنِي عن صف كامل، إذا كان المسجد ضيقًا ثم دخل الإمام في المحراب أغنى عن صف كامل؛ لأن مكانه الذي يفترض أن يقوم فيه لولا المحراب صف كامل، هذه واحدة. ثانيًا: الدلالة على القبلة، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: يُسْتَدَلّ على القبلة بالمحاريب الإسلامية، وهذا أمر مشاهَد، لو كانت المساجد كحجرة مقفَلة ليس فيها إلا الزوايا الأربع ما عرف الناس القبلة، أليس هذا واضحًا؟ إذن فيها مصلحة، فإذا كان فيها مصلحة فكيف نقول: إنها بدعة محرَّمة يجب هدمها. فإذا قال قائل: يمكن أن يُستَعَاض عنها بالتلوين، أو بوضع بلاط يخالف بلاط المسجد، قلنا: ما الذي يُحْوِجنا إلى هذا؟ ونحن نقول: فيها غير هذه الفائدة وهي التوسعة على المصلين إذا ضاق المسجد. بقي أن يقال: إن بعض الناس يكتب على المحراب ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران ٣٧]، شوف؟! أعوذ بالله، ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء ٤٦]، هل هذا المحراب اللي دخل عليها زكريا فيه؟ لا، ثم المحراب في اللغة القديمة مكان العبادة، هذا المحراب مكان العبادة، سواء محراب، أو حجرة، أو أي شيء، فأخطأ هؤلاء من وجهين: الوجه الأول: أنه ليس المراد بالمحراب في الآية محراب القبلة، والثاني: أن زكريا ما دخل عليها المحراب، ما دخل على مريم، لكن الجهل الفاضح، فمثل هذا يجب على وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد أن تتتبع المساجد التي كُتِب بها هذا وتطمسه، كيف يُحَرَّف كلام الله في قبلة المسلمين، والحمد لله. هل يلزمنا أن كل ما حدث لا بد أن يكون له شاهد من القرآن؟ أبدًا لا يلزمنا، المهم أن الآية الكريمة أُمِرَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. * الطالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لتعليلكم في مسألة المحراب قد يُفتَح باب عريض لأهل البدع. * الشيخ: وهو؟ * الطالب: وهو مسألة المصالح، أغلب أهل البدع الآن يفعلون بعض البدع يقولون: فيها مصالح، مثل القرآن مثلًا، يجتمعون على قراءة القرآن جماعة، ويقول لك: أنا ما أستطيع أقرأ لوحدي، مثل الذِّكْر، يقول: أنا لا أستطيع أن أذكر الله لوحدي، فمسألة المصالح قد تفتح بابًا عريضًا. * الشيخ: يُنْظَر، إذا كانت المصلحة حقيقة فلتُتَّبَع، لكن كونك تُحْدِث عبادة ما أحدثها الرسول وتتقرب إلى الله بها! نحن مثلًا نضع المحاريب لا للقربة بها لذاتها، ولكن لأنها علامة على شيء مقصود شرعي. * الطالب: شيخنا، حفظك الله، كثير من المساجد، خصوصًا يعني في ديارنا، ما تجد المحراب إلا وهو فوقها على اليمين (الله)، وعلى اليسار (محمد ﷺ)، يجي سؤال عن هذا، أنا سمعت أنها شرك، سمعت منك يا شيخ، والإخوان هناك قالوا: نريد فتوى مكتوبة حتى نستند إليها. * الشيخ: الفتوى الآن مكتوبة عند الأخ. * طالب: ما وصلت إلينا يا شيخ. * الشيخ: تصل إن شاء الله. * الطالب: طيب الآن يا شيخ بالنسبة لـ.. * الشيخ: لو فرضنا الإنسان ما يعرف الله ولا محمد، يعرف أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكُتِبَ أمامه على خط مستوٍ: الله محمد، وأيش يفهم؟ أنهما متساويان، هذا غلط، هذا مع أن الأصل أنها بدعة، ما كان السلف يفعلون هذا، هي أصلًا بدعة. * الطالب: أعطيناها للوزارة، ولا قامت بهذا العمل، تهاونوا بهذا الأمر، فهل نغيره نحن؟ * الشيخ: لا، ما تغيروه، هذه الأمور متعلقة بالمسؤولين، حتى أنا ما أفتي بها، يعني لو جاءني واحد مثلًا من العسكر يشكو من شيء مفعول على سبيل العموم، ما أستطيع أني أفتيه؛ لأنه يُحْدِث باب شر وفتن، أقول: هات كتابًا رسميًّا من مسؤول يمكنه أن يغيِّر، وإذا جاءنا وجب على الإنسان أن يُفْتِي بما يرى. وهذه مسألة أرجو أن تنتبهوا لها أنتم، أنتم طلاب علم، وإن شاء الله نرجو لكم مستقبلًا حافلًا بالمنافع، الشيء اللي يجيك من واحد من أفراد تحت مظلة إدارة، أو وزارة، أو ما أشبه ذلك، لا تفتي به؛ لأنك إذا أفتيت به ماذا يصنع؟ فتنة، هو نفسه مثلًا يترك هذا الشيء، فيكون عليه علامة استفهام، أو يجمع حوله ناسًا، ثم يُحْدِثُون فتنة، لكن تقول -الحمد لله-: اطلب من المسؤول اللي فوقك أن يكتب إليَّ كتابة رسميَّة، وحينئذ يجب عليَّ أن أفعل. * طالب: بارك الله فيكم، الذي يدَّعي علم الغيب النسبي هل نُكَفِّره، اللي يستعين بالجن هل يُكَفَّر كفرًا أكبر؟ * الشيخ: لا، لا ما يُكَفَّر كفرًا أكبر، يعني مثلًا عنده جن يخبرونه بشيء بعيد، ما يُكَفَّر، وكيف يُكفَّر، وأيش سَوَّى حتى يُكَفَّر؟ * الطالب: لكن ما موه منه كتاب زي نجم غاسق، ويتمتم. * الشيخ: أحسنت، هذا شيء عارض، يمكن نمنعه؛ لأنه عارض، لكن ما نقول: هذا شرك، لو راجعتم كلام شيخ الإسلام رحمه الله بالفتاوى في إيضاح الدلالة على عموم الرسالة، وفي كتاب النبوات، وفتوى أيضًا خاصة، عرفتم الموضوع، الجن ربما يُنْتَفَع بهم على وجه مباح في أشياء مباحة. * * * أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، ما المراد بخزائن الله؟ * طالب: الرزق. * الشيخ: خزائن الرزق، قوله: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ معطوفة على أيش؟ * طالب: قُلْ. * الشيخ: (...) والمعنى: ولا أقول: إني أعلم الغيب، ما المراد بالغيب هنا؟ * طالب: الغيب الحقيقي. * الشيخ: وأيش معنى الحقيقي؟ * الطالب: هو المستقبل، وكذلك ما غاب عنا. * الشيخ: لعلك نسيت. * طالب: الذي لا يعرفه إلا الله. * الشيخ: تمام الذي لا يعلمه أحد، ما هو الغيب النسبي؟ * طالب: بعض. * الشيخ: يعلمه بعض دون بعض، أحسنت، تمام، هل النفي هنا للمعنيين جميعًا أو للأول؟ * طالب: (...). * الشيخ: لهما، يعني ما غاب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولو كان مشاهَدًا لغيره لا يعلمه، وفي هذا رد على طائفة غَلَت في رسول الله ﷺ، يعلم الغيب. * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت، ومنه قول البوصيري: ......................... ∗∗∗ وَمِنْ عُلُومِكَ ............... * طالب: اللوح والقلم. * الشيخ: تمام، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، الملَك أيش؟ * طالب: واحد الملائكة. * الشيخ: ومَن الملائكة؟ * الطالب: عالم غيبي لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. * الشيخ: خلقهم الله لعبادته، ما معنى قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، هل المراد: من العبادات أو من المعلومات؟ * الطالب: (...). * الشيخ: يعني علم الغيب لا أعلمه، ولا أتبع إلا ما أوحاه الله إليَّ، وكذلك لا أتعبد له إلا بما أوحى إليَّ. * من فوائد هذه الآية الكريمة: كمال تعبُّد النبي ﷺ لله؛ لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾. * ومنها: إثبات وحي الله له؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وأنواع الوحي مذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١]. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يستوي الأعمى والبصير، ولا يمكن أن يستويَا؛ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾، ووجهه أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، والاستفهام بمعنى النفي مُضَمَّن أو مُشْرَب معنى التحدي. * ومنها: أنه كما أنه لا يستوي الأعمى والبصير حِسًّا، فلا يستوي الأعمى والبصير معنًى، أليس كذلك؟ الأعمى والبصير معنًى لا يستويان، فالجاهل أعمى والعالِم بصير. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على التفكر؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾. * ومنها: ذم مَن لم يتفكر؛ لأن الاستفهام هنا للتوبيخ، ولكن التفكر في أيش؟ التفكر في الأمور على حسب الواقع، لا يتخيل أشياء لا تمت للواقع بصلة، ولا يتفكر في أشياء لا يمكنه الوصول إليها، فلو أراد أحد أن يتفكر في ذات الله عز وجل فإنه لا يجوز، ممنوع؛ لأنه لا يمكن الوصول إليه، ولو أراد أن يتفكر في كيفية النزول إلى السماء الدنيا فلا يجوز؛ لأن ذلك لا يمكن الوصول إليه، والله عز وجل قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]، فإذا كان البصر الذي يدرك الأشياء إدراكًا حسيًّا لا يمكن أن يدرك الله عز وجل، فالفكر من باب أولى. إذن بماذا نتفكر؟ نتفكر في الأمور الواقعة، في آيات الله عز وجل الكونية والشرعية؛ فالآيات الكونية هي المخلوقات، وما أبدع الله فيها من الحِكم والأسرار العظيمة، والآيات الشرعية هي الأحكام الشرعية التي شرعها الله للعباد، وجعلها صالحة لكل زمان ومكان، يعني إذا طُبِّقَت الشريعة فهي صالحة لكل زمان ومكان، لا يمكن أن تُدَمِّر. وهنا نقف لنذكر من توسل بهذه العبارة إلى تكييف الشريعة حسب الواقع، فإن هذا غلط عظيم، والواجب تكييف الواقع حسب الشريعة، وإذا كُيِّفَ الواقع حسب الشريعة صلحت الأمور، أما أن يكيِّف الشريعة على الواقع ويكون لنا في كل زمان شريعة، أو في كل مكان شريعة، أو في كل أمة شريعة، فهذا يعني أن الشريعة تُبَدَّل، وتُعَدَّل، وتدخلها الأهواء، وهذا شيء ممتنع، فإذن التفكر في آيات الله عز وجل الكونية والشرعية. كذلك أيضًا تفكر في أسمائه وصفاته، تفكر في الاسم ماذا يدل عليه من الصفة، سواء كانت الدلالة دلالة تضُّمن، أو دلالة مطابقة، أو دلالة التزام.

الأنعام 6:51

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام ٥١]، ﴿أَنذِرْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن، والإنذار الإعلام بالشيء على وجه التخويف. ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾، يعني: يؤمنون بالبعث، ويخافون من اليوم الذي يُبْعَثُون فيه، كما قال عز وجل في الأبرار: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان ٧]. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام ٥١] أي: لا يتولاهم أحد من دون الله عز وجل، ولا يشفع لهم أحد من دون الله، فالولي أن يتولاهم أحد بدون شفاعة، يعني هو يقوم بكشف الضر عنهم، أو جلب النفع لهم، والشفاعة أن يتوسط لهم إلى الله عز وجل؛ لأن الشفاعة التوسط للغير لجلب منفعة، أو دفع مضرة، هذه هي الشفاعة، فشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل الموقف أن يقضى بينهم، هذه من أي النوعين؟ من دفع الضرر، أو من حصول المنفعة؟ من دفع الضرر؛ لأن الناس يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، من أيّ؟ من جلب النفع. ومثاله في الواقع لو أن إنسانًا شفع لشخص إلى مدير أن يوظفه في عمله، فهذا أيش؟ هذا جلب نفع، ولو شفع في شخص إلى مدير من أجل أن يرفع عنه التعزير، سواء بالمال أو بالحبس، فهذا من دفع الضرر، هؤلاء الذين أمر الله أن ينذر النبي ﷺ بالقرآن إياهم، نقول: ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع. ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ﴾ ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام ٥١]، (لعل) تعليل، يعني: لأجل أن يتقوا، ويتقون مَن؟ يتقون الله عز وجل، أو يتقون اليوم الذي يُحْشَرون فيه إلى الله، وهما متلازمان. والتقوى مأخوذة من الوقاية، وتتكرر كثيرًا في القرآن الكريم، ومعناها اتخاذ وقاية من عذاب الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وتصديق أخباره على علم وبصيرة. ومنهم من قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله. وبعضهم قال التقوى في أبيات: خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَـــــــــــا ذَاكَالتُّــــــــــقَـــــــــى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْـــــــــــــــقِرَنَّ صَــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَـــــــــى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد: وجوب الإنذار بالقرآن. * ويتفرع من هذا: أن خير ما يُنْذَر به هو القرآن؛ لأنه أبلغ المواعظ في الإنذار، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]. * ومن الفوائد: أنه لا ينتفع بالإنذار بالقرآن إلا الذين يؤمنون باليوم الآخر؛ لقوله: ﴿أَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحشر إلى الله عز وجل، وهذا يكون يوم القيامة، تُحْشَر الخلائق إلى ربها عز وجل ليقضي بينهم قضاء دائرًا بين العدل والفضل؛ العدل لمن؟ للكفار، والفضل للمؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يمنع من الله؛ لقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الشفاعة؛ لأنه لولا وجودها ما صح نفيها، والشفاعة أنواع: الشفاعة العظمى ليُقْضَى بين الناس، هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعتذر أولو العزم عنها، وتستقر للرسول ﷺ، ولم ينكرها أحد من طوائف الملة، يُقِرُّون بها. والنوع الثاني: الشفاعة في أهل الكبائر من المؤمنين أن يخرجوا من النار، وهذه ينازع فيها طائفتان من أهل الملة حسب انتسابهم، وهم الخوارج والمعتزلة؛ لأن هاتين الطائفتين يرون أن فاعل الكبيرة مخلَّد في النار -والعياذ بالله- وإذا كان الله قد قضى عليه أن يُخَلَّد في النار فإن الشفاعة لا تنفعه. وهناك شفاعات أخرى ليس هذا موضع ذكرها. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وهذا أمر شرحناه كثيرًا، فلا حاجة إلى الإعادة، وكل إنسان يعرف أن الأمور لها أسباب ولها علل.

الأنعام 6:52

ثم قال عز وجل: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٥٢]، هذه الآية تحتاج إلى إعراب. فقوله: ﴿لَا تَطْرُدِ الَّذِينَ﴾، ﴿لَا﴾ ناهية، والفعل مجزوم بها، ولكنه حُرِّكَ بالكسر لالتقاء الساكنين. الثاني: قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، فيها ﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ، لكن دخل عليها حرف الجر الزائد، فعمل به لفظًا لا محلًّا. ولهذا نعرب ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد إعرابًا، و﴿شَيْءٍ﴾ مبتدأ. ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ الفاء للسببية، والفعل بعدها منصوب بها -على رأي الكوفيين-، وبـ (أن) مُضْمَرَة بعدها -على رأي البصريين- ولكن هي جواب للنهي أو للنفي؟ لأنه سبق الآن نفي ونهي، ﴿لَا تَطْرُدِ﴾ نهي، و﴿مَا عَلَيْكَ﴾ هذه نفي، هل هي جواب للنفي، أو للنهي؟ للنفي، يعني: ليس من حسابك عليهم من شيء، ولا من حسابهم عليك من شيء فتطردَهم، ليش تطردهم؟ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الفاء للسببية، و﴿تَكُونَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ (أن) بعد فاء السببية، على رأي مَن؟ البصريين، أو بها -على رأي الكوفيين-، لكن جواب لأيش؟ لقوله: ﴿لَا تَطْرُدِ﴾، يعني: لا تطردهم فتكون من الظالمين. نعود إلى المعاني: ﴿لَا تَطْرُدِ﴾ الطرد معناه: الإبعاد، يعني: لا تبعدهم. ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، ﴿يَدْعُونَ﴾ دعاء مسألة، ودعاء عبادة؛ دعاء المسألة أن يقولوا: يا ربنا اغفر، دعاء العبادة أن يقوموا بعبادة الله عز وجل من صلاة وغيرها. فإذا قال قائل: ما وجه كون العابد داعيًا؟ فالجواب: للدليل الأثري، والنظري؛ أما الأثري فقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]، فجعل الله الدعاء عبادة، وأما كون العبادة دعاء فلأن العابد لو سئل: لماذا تعبد الله؟ لقال: أرجو ثواب الله وأخاف عقابه، إذن فهو دعاء بلسان الحال، لا بلسان المقال، على أن كثيرًا من العبادات لا يخلو من دعاء صريح. وقوله: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾، الباء هنا بمعنى (في)، وتأتي الباء بمعنى (في) كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، يعني (في). فهل هناك من حكمة أن تأتي الباء بمعنى (في)؟ اعلم أن القرآن الكريم لا يمكن أن يعدل عن الشيء المتعارَف لغة إلّا لسبب، السبب هنا أن الباء التي للظرفية أُشْرِبَت معنى الاستيعاب؛ لأن الباء تأتي للاستيعاب، كما في قوله تعالى: ﴿امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة ٦]، وكما في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩]، الباء للاستيعاب، أي أنهم قد استوعبوا الغداة والعَشِيّ بالدعاء، والغداة أول النهار، والعَشِيّ آخر النهار. وقوله عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ حال من الفاعل في ﴿يَدْعُونَ﴾، المعنى أنهم مخلصون لله، لا يريدون بذلك رياء ولا سمعة. ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، يعني أن حسابك ليس عليهم، وحسابهم ليس عليك، وإذا كان كذلك فلماذا تطردهم، دعهم يحضرون مجالس ينتفعون بها، وينفعون بها، ليس عليك من حسابهم من شيء، ولا من حسابك عليهم من شيء فتطردهم، هذا مبنى على قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في هذه العبارة تلطُّف في مخاطبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث لم يقل: فتكون ظالمًا، قال: ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا فيه شيء من التسلية؛ أن هناك من هو ظالم، والظالمون كثيرون، ومعلوم أن كون الإنسان مع عالَم يشاركونه في الوصف أهون من كونه ينفرد بذلك. ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ * في هذه الآية الكريمة فوائد، منها: تحريم طرد المؤمنين الصالحين. * من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك القوم الذين يحضرون جلسات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما ذكر الله عز وجل أنهم يَدْعُون الله بالغداة والعشي مع الإخلاص لله عز وجل. * ومن فوائدها: إثبات وجه الله عز وجل؛ ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، والوجه صفة لله عز وجل، صفة حقيقية يجب علينا أن نؤمن بذلك، ولكن على حد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وأما من فسر ذلك بأن المراد بالوجه الثواب فقد أخطأ؛ لأن ذلك مخالف لظاهر اللفظ، ومخالف لإجماع السلف، ثم إن الله عز وجل قال في القرآن الكريم: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧]، جعله وصفًا للوجه. فهل يمكن أن يقول قائل: إن الثواب موصوف بأنه ذو الجلال والإكرام؟ الجواب: لا، وتأمل هذا مع قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٧٨]، فجعلها بالجر صفة لـ (رب)، ولم تكن بالرفع صفة للاسم، مع أن أسماء الله عز وجل لها من الجلالة والتعظيم ما لها، ولكن نسأل الله العافية، ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور ٤٠]. وسبحان الله! ما أدري ماذا يلاقي الإنسان ربه يوم القيامة إذا كان الله تعالى قد قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وما أشبه ذلك من الآيات، ثم يقول: لا وجه لك يا رب، بل المراد بوجهك الثواب، ما أدري كيف يستطيع الإنسان أن يجيب الله عز وجل. والمسألة ليست جدلًا دنيويًّا ومغالبة دنيوية، المسألة عقيدة يجب على الإنسان أن يتهيأ للجواب عنها يوم القيامة، الإنسان قد يتخلص بالدنيا بالمجادلة والمغالبة، لكن عند الله لا ينفعه، كما قال عز وجل: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء ١٠٩]. هؤلاء نقول: أنتم إذا غَلَبتم في الجدل في الدنيا لكن هل تغلبون الله عز وجل يوم القيامة؟ لا، والله ما يغلبونه، المسألة خطيرة، وفي ظني أن هؤلاء المحرِّفين لمثل هذه الآيات أنهم عند تلاوتها وتحريفها ينسون أنهم سيقابلون الله عز وجل، وإلا لو كانوا على ذكرٍ ما ذهبوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه في أعظم الأشياء، إذا كانت آيات الأحكام وأحاديث الأحكام تُجْرَى على ظاهرها، وهي أحكام للعقل فيها مجال، فكيف لا تُجْرَى هذه الأخبار العظيمة على ظاهرها، وهي تتعلق بمن؟ بالله عز وجل. * ومن فوائد هذه الآية: أن كل إنسان لا يحاسَب عن الآخر؛ ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، وهذا العموم مقيَّد بما إذا لم يفرِّط الإنسان في حق أخيه، فإن فرَّط جُوزِي على ذلك، ولهذا قال العلماء رحمهم الله: يجب على الإنسان إذا رأى نائمًا وقد ضاق الوقت عن الصلاة يجب أن يُعْلِمه، أن يوقظه، مع أن النائم معذور ليس عليه إثم، لكن أنت أيها اليقظان يجب أن تُعْلِمه، توقظه وتُعْلِمه، لو لم تفعل صار عليك من حسابه، لكن الواحد في الحقيقة من حسابه، والواقع أنه من حسابك أنت؛ لأنك تركت الواجب. وكذلك قال العلماء: يجب على من رأى شخصًا يريد أن يتوضأ بماء نجس، يجب عليه أيش؟ أن يُعْلِمه، ويجب على من رأى في ثوب أخيه بقعة نجسة أن ينبهه عليها؛ لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢]. * ومن فوائد هذه الآية: كمال عدل الله عز وجل؛ لأنه خاطب نبيَّه بهذا الخطاب القوي من أجل قومٍ من أصحابه، هو -أي النبي ﷺ- عند الله أعظم جاهًا وأعلى منزلة، لكن الله عز وجل حكمٌ عدْلٌ، يقضي بالحق سبحانه وتعالى. * ومن فوائد هذه الآية: أن منْع الإنسان حقَّه ظلم، وإن لم يكن عدوان، يعني بضرب أو أخْذ مال، لكن إذا منعه حقَّه فإنه ظالم؛ لقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وهذا حق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٨)، ومسلم (١٥٦٤ / ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]، مع أن هذا لم يأكل من مال الفقير مثلًا، لكن مماطلته، يعني منع حقه، فكل مَن منَع صاحب حقٍّ حقَّه فهو ظالم له، كما لو اعتدى بأخذ شيء من ماله.

الأنعام 6:53

ثم قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِين﴾ [الأنعام ٥٣] كذلك فتنَّا بعضهم ببعض، أي أضللنا بعضهم ببعض، ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، يعني أن الأغنياء لا يؤمنون، فتنة، لماذا لا يؤمنون؟ يقولون: كيف يسبقنا إلى الإيمان هؤلاء! فنحن لا نؤمن. وهذه فتنة قد تقع من الإنسان، أن يقول: شيء ابتدأه فلان أنا لا أشارك فيه، مثلًا، أو شيء عمله فلان لا أعمل فيه، ولهذا قال: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، اللام هنا للعاقبة وليست للتعليل، المعنى: فَتَنَّا بعضهم ببعض، فقالوا: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، والاستفهام هنا للتحقير، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١]. فالمعنى في قوله: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، الاستفهام هنا أيش؟ للتحقير، قال الله عز وجل ردًّا عليهم: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، يعني: وقد علم أن هؤلاء يشكرون الله إذا أنعم الله عليهم، وأما أنتم فلا، فهو رد عليهم. * في هذه الآية من الفوائد: أن الله سبحانه وتعالى يفتن بعض الناس ببعض، فيضلّ بسبب الآخر، وهذا واقع، تجد مثلًا تفتح باب مساهمة في الخير، فيسبق فلان وفلان وفلان، فيقول آخرون: شيء تدخَّل فيه فلان ما نوافق ولا نبغيه، ولا يمكن يسبقوننا، واضح؟ هذا واقع، صلة الآية بالتي قبلها واضحة جدًّا؛ لأن الذين يأتون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ويجلسون عليه فقراء، وأما الملأ فلا يجلسون؛ لأنهم يحتقرون هؤلاء، ويقولون: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: إقرار الكافرين بأن الإيمان والإسلام مِنَّة من الله تعالى؛ لقولهم: ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾. * ومنها: أن أعداء المؤمنين يأتون بكل أسلوب للتنفير عن المؤمنين؛ لقولهم ﴿أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وهذا مشاهَد في كل شيء، الرسل عليهم الصلاة والسلام هل ذكر أعداؤهم ما يُنَفِّر عنهم من الأوصاف؟ نعم، اقرأ الآية العامة الجامعة الشاملة: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات ٥٢، ٥٣]. كذلك أيضًا أعداء أهل التعطيل من أهل السنة والجماعة يصفهم أهل التعطيل بأوصاف تُنَفِّر عنهم، يقولون: هذا مُجَسِّم؛ لأنه أثبت الصفات، فيقولون: هذا تجسيم، حتى ينفر الناس من هذا، وأهل الكلام يقولون: هؤلاء حَشْوِيَّة ما عندهم فهم، ولا عندهم معنى، ولا عندهم عقول، حَشْوِيَّة يعني لا خير فيهم، ويسمونهم نوابت، جمع نابتة، وهي الذي ينبت في الزرع من ذات الأوراق التي لا خير فيها. على كل حال ألقاب السوء لأهل الخير من أهل الشر لا تزال موجودة، ولكن هل يصمد صاحب الخير أمام هذه الألقاب، أو ينهزم؟ الواجب أن يثبت ولا ينهزم؛ لأنه إذا انهزم ليس انهزامًا لشخصه، بل هو انهزام للحق الذي جاء به، أو الذي كان عليه. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقرير علم الله عز وجل في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، أن الله عالم بِمَن هو شاكر، وهل المعنى بِمَن هو شاكر، أي: بمن هو شاكر الآن أو بمن سيشكر، أو بالجميع؟ بالجميع، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، (أعلم) مجرورة بالفتحة، لماذا جُرَّت بالفتحة؟ لأن الوصفية بوزن (أفعل)، ولكن نقول: وزن الفعل، يكون أعم. نقف على هذا. * طالب: (...). * الشيخ: أي مثل ذلك الذي حصل من هؤلاء الكبراء، واحتقارهم لهؤلاء الذين يحضرون مجالس النبي ﷺ، مثل ذلك الفتنة فَتَنَّا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا ما هو على كل حال لكن كل موضع بحسبه. * الطالب: يقولون: (...) عالم. * الشيخ: هذا من جهلهم أيهما أكمل: (أعلم) أو (عالم)؟ (أعلم) اسم تفضيل، و(عالم) ليس اسم تفضيل، ما يمنع التساوي، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] يقول: سبح اسم ربك العالي؟! * طالب: ما يقولون. * الشيخ: حتى لو قالوها فهم مخطئون، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] تقول: الله عالم؟ سبحان الله! الله يصف نفسه بالأكمل، وأنتم تُنَزِّلُونه؟ فإذا قالوا: إنك إذا قلت: أعلم، فأنت قارَنت بينه وبين العالِمين الآخرين وفضَّلته عليهم، قلت: نعم، وأنتم إذا قلتم: عالِم، وصفتموه بما يوصف به الآخرون بدون تفضيل، فانظر كيف صار تحريفهم حجةً عليهم. * طالب: (...) ضابط. * الشيخ: مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج ١٠]. * الطالب: الضابط هو السياق؟ * الشيخ: إي، السياق هو المعيِّن للمعنى، ومن ثم قلنا: إنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن. * طالب: (...) فيما يُستَعْمَل؟ * الشيخ: لا، المراد تقرير ما ذهب إليه هؤلاء من أننا نقول: المؤمن بصير، والكافر أعمى، هل يستوي هذا وهذا؟ ما يستويان. * الطالب: الأعمى يُفْتَن و.. * الشيخ: قلنا: شامل للأمرين حِسًّا ومعنًى. * طالب: طلب المناسبة بين الآيات؟ * الشيخ: لا بأس به، لكن رأيت بعض الناس بعض المؤلِّفين في هذا يتكلَّف كلافة عظيمة، ثم إنه لا يتأتى في بعض الأحيان، قال الله عز وجل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٣٨، ٢٣٩]، بعدها ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة ٢٤٠]، ما المناسبة؟ فالمهم أنه لا شك بعض الآيات واضحة المناسبة فيها، وبعض الآيات ما تعرف المناسبة، مما يجعل الإنسان يستسلم استسلامًا كاملًا لترتيب الآيات، وأنها أمر توقيفي، ما هو عقلي، وبعض الآيات تكون مقارِبة غير واضحة. * طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١١٧] ما المعنى؟ * الشيخ: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾، هنا ﴿أَعْلَمُ﴾ عملت عمل الفعل، بمعنى يعلم من يضل عن سبيله، اسم التفضيل عمل الآن في (مَن)، فهي مفعول به، والغالب كما هو معروف أن تتعدى بالباء أو بـ (مِن). * طالب: أحسن الله إليك يا شيخ (...). * الشيخ: لا، الخطاب هنا للنبي ﷺ، ولكن إذا خوطب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمثل هذا فغيره من باب أولى. * طالب: (...) وإن لم يكن كذلك يا شيخ، ما الحكمة يا شيخ من ذكر الوجه دائمًا في التعبير عن..؟ * الشيخ: هذا السؤال جيد، يقول: في هذه الآية دلالة على رؤية الله عز وجل؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، وهذا صحيح، يعني يصلح أن نجعلها من الأدلة على إثبات رؤية الله تبارك وتعالى؛ لأن أفضل شيء وأطيب شيء لأهل الجنة أن ينظروا إلى وجه الله عز وجل، اللهم اجعلنا ممن ينظر إليك. ولهذا يجب التنبه من بعض الأذكياء الْمُصَنِّفين، قال الزمخشري صاحب الكشاف، وهو جيد في اللغة والبيان، هو جيد في البلاغة وفي اللغة، وكل من بعده كلهم عيال عليه، يأخذون كلامه، قال في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] فقال: أيُّ فوز أعظم من هذا؟! كلام إذا قرأته ما تجد فيه شيئًا، لكن يريد إنكار رؤية الله عز وجل؛ لأن رؤية الله أعظم من هذا الفوز، لكنه رجل ذكي، قال: أي فوز أعظم من هذا؟ نقول: أعظم من هذا أن يرى الإنسان ربه عز وجل رؤية حقيقية. * الطالب: (...). * الشيخ: التعزير؟ إذا شفع لك؟ * الطالب: أيوه. * الشيخ: نعم. * الطالب: ما حكم الشفاعة؟ * الشيخ: لا بأس، لكن لا يشفع لك عند القاضي، يشفع عند من له الحق، فيقول: يا فلان، الآن أنت تمكنت من أخذ حقك، اعف عنه، أما الحدود فلا يمكن أن يشفع فيها؛ لإنكار النبي ﷺ ذلك على أسامة، قال: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨ / ٨) من حديث عائشة.]].