Tafsir Ibn Uthaymeen — الكهف 18:1 – الكهف 18:110
المحتويات
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:13
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
الكهف 18:1
﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟
الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟
نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.
﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: لا، قبل الجن.
* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
* طالب: كذب.
* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
الكهف 18:2
﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟
الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟
نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.
﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: لا، قبل الجن.
* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
* طالب: كذب.
* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
الكهف 18:3
﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟
الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟
نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.
﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: لا، قبل الجن.
* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
* طالب: كذب.
* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
الكهف 18:4
﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟
الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟
نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.
﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: لا، قبل الجن.
* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
* طالب: كذب.
* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
الكهف 18:5
﴿الْحَمْدُ﴾: هو وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، هذا الحمد؛ أن تصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا، وبقولنا: محبة وتعظيمًا خرج المدح؛ لأن المدح لا يستلزم المحبة والتعظيم، بل قد يمدح الإنسان شخصًا لا يساوي فلسًا، لكن لرجاء منفعة أو دفع مضرة، أما الحمد فإنه وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا اسم علم على الله عز وجل مختص به لا يُحمد به غيره، وهو علم على الذات المقدسة تبارك وتعالى.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الجملة الآن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ هل هي خبر أراد الله سبحانه وتعالى أن يخبر عباده بأنه محمود، أو هي إرشاد وتوجيه على أن نحمد الله عز وجل على هذا، أو الجميع؟
الجميع، وهو خبر من الله عن نفسه، وهو إرشاد لنا أن نحمده عز وجل على ذلك.
﴿الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿عَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وصفه بالعبودية؛ لأنه أعبد البشر لله عز وجل، فقد وصفه الله تعالى بالعبودية في حال إنزال الكتاب عليه، وفي حال الدفاع عنه، وفي حال الإسراء به، فقال جل وعلا في حال إنزال القرآن عليه: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي حال الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]؛ يعني محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي حال الإسراء به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]؛ يعني في أشرف مقامات النبي ﷺ وصفه الله تعالى بأنه عبده، ونِعم الوصف أن يكون الإنسان عبدًا لله حتى قال العاشق:
لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِــــــــــــــــــــي
وقوله: ﴿أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ هو القرآن، وسمي الكتاب؛ لأنه يُكتب، أو لأنه جامع؛ لأن الكَتْب بمعنى (الجمع)، ولهذا يقال: الكَتيبة يعني المجموعة من الخيل، والقرآن صالح لهذا وهذا، فهو مكتوب، وهو أيضًا جامع؛ الكتاب.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ﴾ أي: لهذا القرآن ﴿عِوَجًا﴾، بل هو مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ و﴿قَيِّمًا﴾ حال من قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ يعني حال كونه ﴿قَيِّمًا﴾.
فإن قال قائل: لماذا لم تجعلها صفة؛ لأن ﴿الْكِتَابَ﴾ منصوب و﴿قَيِّمًا﴾ منصوب؟
الجواب: أن ﴿قَيِّمًا﴾ نكرة، و﴿الْكِتَابَ﴾ معرفة، ولا يمكن أن توصف المعرفة بالنكرة، ومعنى ﴿قَيِّمًا﴾ يعني أنه مستقيم غاية الاستقامة، وهنا ذكر نفي العيب أولًا، ثم إثبات الكمال ثانيًا، مثال نفي العيب؟
* طالب: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾. الكمال ﴿قَيِّمًا﴾ وهكذا ينبغي أن تخلي المكان من الأذى، ثم تضع الكمال، ولهذا يقال: التخلية قبل التحلية، يعني قبل أن تحلي الشيء أخلِ المكان، عما ينافي التحلِّي، ثم حلِّه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تنبيه، وهو أنه يجب الوقوف على قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾؛ لأنك لو وصلت لصار في الكلام تناقض ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ كيف؟ هل العوج قيم؟ لا، إذن قف؛ ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ إلى آخره.
وما هي الحكمة في إنزال القرآن؟
بيّنها الله في قوله: ﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ [الكهف ٢] ﴿لِيُنذِرَ﴾ الضمير يحتمل أن يكون عائدًا على ﴿عَبْدِهِ﴾، ويحتمل أن يكون الضمير على ﴿الْكِتَابَ﴾، وكلاهما صحيح، فالكتاب نزل على الرسول لأجل أن ينذر به، والكتاب نفسه مُنذر يُنذر الناس.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من قِبَل الله عز وجل، والبأس هو العذاب كما قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة ١٧٧]، وكقوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا﴾ [الأعراف ٤]؛ يعني عذابًا.
﴿لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نجد أن الله سبحانه وتعالى حذف المفعول في قوله: ﴿لِيُنذِرَ﴾، وذكر المفعول في قوله: ﴿يُبَشِّرَ﴾ فكيف نُقدم المفعول به ﴿لِيُنذِرَ﴾؟
نقدمه مقابل ﴿يُبَشِّرَ﴾، وهذه فائدة من فوائد علم التفسير: أن الشيء يُعرف بذكر قبيله المقابل له، إذن يبشّر المؤمنين وينذر الكافرين، وحُذِفَ المفعول لدلالة ما بعده عليه.
ذكرنا أن القرآن قد يُستدل ببعض ألفاظه على بعض بذكر مقامه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني متفرقين، الدليل؟ ثم قال: ﴿أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد مع الإيمان من العمل الصالح، لا يكفي الإيمان وحده، بل لا بد من عمل صالح، ولهذا قيل لبعض السلف: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ يعني فمن أتى به دخل؟ قال: بلى، ولكن هل يَفتح المفتاح بلا أسنان؟
الجواب: لا، فلا بد من أعمال.
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ أولًا: نسأل مَن المؤمنون؟
المؤمنون الذين آمنوا بما يجب الإيمان به، وقد بيّن الرسول عليه الصلاة والسلام ما يجب الإيمان به لجبريل لما سأله عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» .
﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ يعني يعملون الأعمال الصالحة، ومتى يكون العمل صالحًا؟ لا يمكن أن يكون صالحًا إلا إذا تضمن شيئين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لشريعة الله؛ فالإخلاص لله بألا يقصد الإنسان بعمله سوى وجه الله عز وجل والدار الآخرة، المتابعة ألا يخرج عن شريعة الله عز وجل سواء ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام أو غيره، ومن المعلوم أن الشرائع بعد بعثة الرسول كلها منسوخة.
الإخلاص ما ضده؟ الشرك، والاتباع ضده البدعة، إذن البدعة مهما ازدادت في قلب صاحبها ومهما كان فيها من الفجور، ومهما كان فيها من ترقيق القلب، (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنها ليست موافقة الشيء، ولهذا نقول: كل بدعة مهما استحسنها مبتدعها فإنها غير مقبولة، بل هي ضلالة كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من عمل عملًا على وفق الشريعة ظاهرًا، لكن القلب فيه رياء، فهذا لا يُقبل، لماذا؟
لفقد الإخلاص.
إذن لا بد من أمرين: إخلاص لله عز وجل، واتباع لرسول الله ﷺ، وإلا لم يكن صالحًا، بماذا يبشرهم؟
قال: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف ٢، ٣] ﴿أَجْرًا﴾ أي: ثوابًا، وسمى الله ثواب الأعمال أجرًا؛ لأنها في مقابلة عمل، وهذا من عدله جل وعلا أن يسمي الثواب الذي يثيب به الطائع لأمره أجرًا حتى يطمئن الإنسان بضمان هذا الثواب؛ لأنه من المعروف أن الأجر إذا قام الأجير بعمله فإنه يستحقه، وسماه أجرًا حتى يطمئن العامل بأنه سوف يكافأ به.
وقوله: ﴿حَسَنًا﴾ قد جاء في آية أخرى ما هو أعلى من هذا الوصف، وهو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
وجاء في آية أخرى مثل هذه الآية: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فهل نأخذ بما يقتضي التساوي أو بما يقتضي الأكمل؟
بما يقتضي الأكمل، فنقول: ﴿حسنًا﴾ أي: هو أحسن شيء، ولا شك في هذا أن ثواب الجنة لا يعادله ثواب.
وقول الله عز وجل: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ أي: باقين فيه.
﴿أَبَدًا﴾ إلى متى؟ إلى ما لا نهاية له، فلا مرض، ولا موت، ولا جوع، ولا عطش، ولا حر، ولا برد، كل شيء كامل من جميع الوجوه، واعلم أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، وأن النار موجودة الآن، وأنها مؤبّدة، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد جاء هذا في القرآن، فآيات التأبيد بالنسبة لأصحاب اليمين كثيرة، وبالنسبة لأصحاب الشمال ذُكر التأبيد في آيات ثلاث: الأولى؟ في سورة النساء.
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ والآية الثانية؟
* طالب: في سورة الجن.
* الشيخ: لا، قبل الجن.
* طالب: في سورة الأحزاب، في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
* الشيخ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. الآية الثالثة؟
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، وإذا كان الثلاث آيات من كلام الله عز وجل قرينة للتأبيد فلا ينبغي أن يُقال بخلاف ذلك؛ لأن الشاعر يقول:
وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرًا ∗∗∗ إِلَّا خِلافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَــــرِ
وهذا لا حظّ له، كيف يقول الخالق العليم: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ثم يقول: لا أبدية؟ هذا غريب، من أغرب ما يكون!!
إذن ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ هذا دليل على أيش؟ على أبدية النار، فانتبهوا للقاعدة في مذهب أهل السنة والجماعة: أن الجنة والنار مخلوقتان لله؛ لأن الله ذكر في الجنة ﴿أُعِدَّتْ﴾، وذكر في النار ﴿أُعِدَّتْ﴾.
ثانيًا: أنهما مؤبدتان، لا تفنيان لا هما، ولا من فيهما (...).
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٤، ٥] هذا كالإيضاح لما أُبهم في الآية السابقة، ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، مثل: النصارى، قالوا: عيسى ابن الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، (...) الذكور والإناث وعزير وليس بنبي، ولكنه رجل صالح، والمسيح وهو نبي.
قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الكهف ٥]، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بالولد أو بالقول؟ بالقول. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بهذا القول، أو ما لهم به؛ أي: بالولد ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ إذن ثبت لهم أيش؟ الجهل.
﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ الذين قالوا مثل قولهم، ليس لهم بذلك علم، ليس إلا هنالك أوهام ظنوها حقائق وإلا ما لهم علوم.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾، هذه قد تُشكل على طالب العلم بأن (...)، وكلمة (...)، فيقال: كبرت كلمةٌ، ولكن الجواب عن هذا أن يقال: إن ﴿كَلِمَةً﴾ تمييز، وإن الفاعل محذوف، والتقدير: كبرت مقالتهم كلمة تخرج من أفواههم، أي: عظُمت؛ لأنها عظيمة والعياذ بالله، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم ٩٠-٩٢]، يعني مستحيل غاية الاستحالة أن يكون له ولد.
فإن قال قائل: أليس الله يقول: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]؟
الجواب: بلى، لكن تعليق الشرط لا يدل على وقوع المشروط ﴿إِنْ كَانَ﴾، وهل يمكن أن يكون؟ لا، نفهم من الآيات الأخرى أنه لا يمكن أن يكون، وهذا كقوله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس ٩٤].
هل يمكن للرسول يشك؟ لا، لكن على فرض الأمر الذي لا يقع، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، لا يمكن أن يكون فيهما آلهة غير الله عز وجل، فتبين بهذا -يا إخواني- أن وجود الشرط لا يدل على إمكان المشروط، بل قد يكون مستحيلًا غاية الاستحالة.
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فهل لنا أن نستفيد من قوله: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أن هؤلاء يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وأنهم لا يستيقنون أن لله ولدًا؟ لأن أي عاقل لا يمكن أن يقول: إن لله ولدًا، وكيف يمكن أن يكون لله ولد، وهذا الولد من البشر تراه مثلنا يأكل، ويشرب، ويلبس، ويلحقه الجوع والعطش والحر والبرد؟! كيف يكون ولد؟!
هذا غير ممكن، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ﴾ بمعنى ما يقولون.
ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا). ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام ٧]، أي: ما يقول هؤلاء إلا كذبًا، والكذب: هو الخبر المخالف للواقع، والصدق: هو الخبر المطابق للواقع.
فإذا قال قائل: قَدِمَ فلان اليوم، وهو لم يَقدم؟
* طالب: كذب.
* الشيخ: هذا كذب، سواء علم أو لم يعلم، حتى وإن لم يعرف أنه جاء، خلافًا لما يقوله بعض الناس: أن الكذب ما كان عن عمد، أي: ما خالف الواقع عن عمد، لا، حتى وإن لم يكن عن عمد، ودليل ذلك قصة سُبيعة الأسلمية رضي الله عنها، حينما مات عنها زوجها وهي حامل، فوضعت بعد موته بليالٍ، ثم خلعت ثياب الحداد، ولبست الثياب الجميلة تريد أن تُخطب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك قال لها: ما أنت بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن هي وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة أو أقل أو أكثر، هذا ما ذُكر، كم باقي على الحداد؟
أربعة أشهر وعشرة أيام، قال: ما أنتِ بناكحٍ حتى يأتي عليكِ أربعة أشهر وعشرًا، لبست ثياب الحداد، ثم أتت إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبرته بالخبر فقال لها: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ» مع أن الرجل ما تعمَّد، يظن أنها تعتد بأطول الأجلين، إن بقيت حاملًا بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، وإن وضعت بعد أربعة أشهر بقيت في الحداد، تعتد أطول الأجلين، وهذا لا شك ظن لولا السنة لكان هو المراد، لكن السنة ثبتت بأن الحامل عدتها بوضع الحمل، ولو دون أربعة أشهر وعشرًا.
الشاهد من الحديث: هو أن النبي ﷺ أطلق على قول أبي السنابل بن بعكك كذب مع أنه لم يتعمد. ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾.
الكهف 18:6
قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف ٦]، ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك، وذلك للرسول عليه الصلاة والسلام، إذا لم يجيبوه حزن حزنًا شديدًا، وضاق صدره حتى يكاد يهلك، فسرّه الله عز وجل، وبيَّن له أنه ليس عليه في ذلك من شيء، قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، ﴿بَاخِعٌ﴾ أي: مهلك.
﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: اقتفاء آثارهم، لعلهم يرجعون إذا تولوا.
﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ والمشار إليه هو القرآن.
﴿أَسَفًا﴾ هذه مفعول من أجله، العامل فيها ﴿بَاخِعٌ﴾.
المعنى: لعلك باخع نفسك من الأسف إذا لم يؤمنوا به، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس عليه من آثارهم من شيء، وظيفة الرسول عليه الصلاة والسلام ما هي؟ وظيفته البلاغ ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران ٢٠]، يبلغ والحساب على الله عز وجل، وهكذا ورثته من بعده العلماء، وظيفتهم البلاغ، وأما الهداية فهي بيد الله عز وجل، فلا تحزن عليهم ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾.
ومن المعلوم أن الإنسان لا شك أنه يحزن إذا لم يستجب الناس للحق، لكن الحال إذا لم يقبل الناس الحق على نوعين: نوع يحزن؛ لأنه لم يُقبل، ونوع يحزن لأن الحق لم يُقبل، أيهما المحمود؟
الثاني؛ لأن الأول إذا دعا فإنما يدعو لنفسه، والثاني إذا دعا فإنما يدعو إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل ١٢٥].
لكن لو قال إنسان: أنا أحزن إذا لم يُقبل قولي؛ لأنه حق، ولذلك لو تبيّن لي الحق على خلاف قولي أخذت به، فهل يكون محمودًا أو غير محمود؟
يكون محمودًا، لكنه ليس كالآخر الذي ليس له هم إلا قبول الحق سواء جاء من قِبله أو جاء من قِبل غيره، فهذا أكمل -يا إخوان- أدبًا.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف ٧] إذا رأيت في القرآن تجد أن الله تعالى يقدم الشرع على الخلق؛ ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن ١ - ٣]، وتأمل الآيات في هذا المعنى تجد أن الله يبدأ بالشرائع قبل ذكر الخلق وما يتعلق به؛ لأن المخلوقات إنما سُخِّرت للقيام بطاعة الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة ٢٩] إذن المهم هو القيام بطاعة الله، تأمل هذه النكتة حتى يتبين لك أن خلق الدنيا، وإيجاد الدنيا إنما هو بالقيام بشريعة الله عز وجل.
الكهف 18:7
يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى (صيَّرنا)، وجعل تأتي بمعنى (خلق)، وتأتي بمعنى (صير)، إن تعدّت مفعولًا واحدًا فإنها بمعنى (خلق)، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، جعل يعني خلق، وإن تعدّت إلى مفعولين تأتي بمعنى (صير)، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] أي: صيرناه بلغة العرب، وإنما نبّهت على ذلك؛ لأن الجهمية يقولون: إن الجعل بمعنى الخلق في جميع المواضع، ويقولون: معنى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: خلقناه، ولكننا نقول: (...) جعل إن تعدت لمفعول واحد فهي بمعنى (خلق)، ولمفعولين بمعنى (صير).
قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ هنا (جعل) بمعنى خلق أو بمعنى صير؟
بمعنى صير، والمفعول الأول ﴿مَا﴾، والمفعول الثاني ﴿زِينَةً لَهَا﴾، ﴿مَا عَلَى الأَرْضِ﴾ جعله الله زينة للأرض، وذلك لارتباط الناس، هل يتعلقون بهذه الزينة أو يتعلقون بالخالق؟ الناس ينقسمون إلى قسمين: منهم من يتعلق بالزينة، ومنهم من يتعلق بالخالق، واسمع إلى قول الله عز وجل مبينًا هذا: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى أين؟ إلى منازل عالية.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ مال إليها واطمأن إليها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أعاذنا الله وإياكم.
إذن جعل لهم الزينة لاختبار الناس، وسواء كانت هذه الزينة فيما خلقه الله عز وجل وأوجده، أو فيما صنعه الآدمي كالقصور الفخمة المزخرفة، زينة، لكنها من صُنع الآدمي، والأرض بجبالها وأنهارها ونباتها، وإذا أنزل الله الماء عليها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج يبهج الناظر إليه، هذه زينة من عند الله تعالى.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ أي: نختبرهم.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ والضمير يعود للخلق، وهنا قال: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لم يقل: (أكثر عملًا)؛ لأن العبرة بالأحسن لا بالأكثر، وعلى هذا لو صلَّى إنسان أربع ركعات، لكن على يقين ضعيف، وصلى آخر ركعتين بيقين قوي ومتابعة قوية، أيهما أحسن؟
الثاني أحسن وأفضل؛ لأن العبرة بإحسان العمل وإتقانه إخلاصًا ومتابعة.
في بعض العبادات الأفضل التخفيف كركعتي الفجر مثلًا، لو قال إنسان: أنا أحب أن أطيل، أحب القراءة في الركوع، وفي السجود، وفي القيام، وفي القعود، وآخر قال: أنا أحب أن أخفِّف، أيهما أفضل؟
الثاني أفضل، ولهذا ينبغي علينا إذا رأينا عاميًّا يطيل في ركعتي الفجر فلنسأل: هل هاتان الركعتان ركعة الفجر أو تحية المسجد؟
إن كان تحية المسجد فشأنه، وإن كانت ركعتي الفجر قلنا: لا، الأفضل أن تخفف.
في الصيام رخّص النبي ﷺ لأمته أن يواصلوا إلى الفجر؛ يعني ألَّا تفطر إلا بعد السحور، وندبهم إلى أن يفطروا من دون غروب الشمس، فصام رجلان أحدهما: امتد صومه إلى السحور، والثاني: أفطر من حين غابت الشمس، أيهما أفضل؟
الثاني بلا شك، والأول وإن كان لا ينهى عنه، لكنه جائز وليس بمشروع، جائز، ولكن انتبه لهذا.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولذلك تجد النبي ﷺ يفعل من العبادات يحث على اتباع الجنائز، وتمر به الجنائز ولا يتبعها، يحث على أن نصوم يومًا ونفطر يومًا ومع ذلك هو لا يفعل هذا، لا يصوم يومًا ويفطر يومًا، بل كان أحيانًا يطيل الصوم حتى يقال: لا يفطر، وبالعكس، كل هذا يدفع ما كان أرضى لله عز وجل وأصلح لقلبه.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٨] حال الأرض بقصورها وأشجارها ونباتها سوف يجعلها الله عز وجل صعيدًا خاليًا كما قال عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه ١٠٥]، أي: نسفًا عظيمًا، ولهذا جاء منكّرًا؛ أي: نسفًا عظيمًا فيجعلها ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه ١٠٦] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٧]، وليحذر كل ما يكون سبحان الله.
إذن هذه الأرض -يا أخي- لا يتعلق قلبك بها؛ هي زائلة، هي ستكون كأن لم تكن، كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤].
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، وتأمل الآن ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ﴾، فيها مؤكدان؛ (إن)، و(اللام)، ثم إنها جاءت بالجملة الاسمية الدالة على القدرة المستمرة.
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ إذا قامت القيامة أين القصور؟ لا قصور، لا جبال، لا أشجار، الأرض كأنها حجر واحد أملس، ما فيه لا نبات، ولا بناء، ولا أشجار، ولا غير ذلك.
الكهف 18:8
يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ ﴿جَعَلْنَا﴾ بمعنى (صيَّرنا)، وجعل تأتي بمعنى (خلق)، وتأتي بمعنى (صير)، إن تعدّت مفعولًا واحدًا فإنها بمعنى (خلق)، مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]، جعل يعني خلق، وإن تعدّت إلى مفعولين تأتي بمعنى (صير)، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف ٣] أي: صيرناه بلغة العرب، وإنما نبّهت على ذلك؛ لأن الجهمية يقولون: إن الجعل بمعنى الخلق في جميع المواضع، ويقولون: معنى ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: خلقناه، ولكننا نقول: (...) جعل إن تعدت لمفعول واحد فهي بمعنى (خلق)، ولمفعولين بمعنى (صير).
قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ هنا (جعل) بمعنى خلق أو بمعنى صير؟
بمعنى صير، والمفعول الأول ﴿مَا﴾، والمفعول الثاني ﴿زِينَةً لَهَا﴾، ﴿مَا عَلَى الأَرْضِ﴾ جعله الله زينة للأرض، وذلك لارتباط الناس، هل يتعلقون بهذه الزينة أو يتعلقون بالخالق؟ الناس ينقسمون إلى قسمين: منهم من يتعلق بالزينة، ومنهم من يتعلق بالخالق، واسمع إلى قول الله عز وجل مبينًا هذا: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٧٥، ١٧٦] إلى أين؟ إلى منازل عالية.
﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ مال إليها واطمأن إليها ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أعاذنا الله وإياكم.
إذن جعل لهم الزينة لاختبار الناس، وسواء كانت هذه الزينة فيما خلقه الله عز وجل وأوجده، أو فيما صنعه الآدمي كالقصور الفخمة المزخرفة، زينة، لكنها من صُنع الآدمي، والأرض بجبالها وأنهارها ونباتها، وإذا أنزل الله الماء عليها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج يبهج الناظر إليه، هذه زينة من عند الله تعالى.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ أي: نختبرهم.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ والضمير يعود للخلق، وهنا قال: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ لم يقل: (أكثر عملًا)؛ لأن العبرة بالأحسن لا بالأكثر، وعلى هذا لو صلَّى إنسان أربع ركعات، لكن على يقين ضعيف، وصلى آخر ركعتين بيقين قوي ومتابعة قوية، أيهما أحسن؟
الثاني أحسن وأفضل؛ لأن العبرة بإحسان العمل وإتقانه إخلاصًا ومتابعة.
في بعض العبادات الأفضل التخفيف كركعتي الفجر مثلًا، لو قال إنسان: أنا أحب أن أطيل، أحب القراءة في الركوع، وفي السجود، وفي القيام، وفي القعود، وآخر قال: أنا أحب أن أخفِّف، أيهما أفضل؟
الثاني أفضل، ولهذا ينبغي علينا إذا رأينا عاميًّا يطيل في ركعتي الفجر فلنسأل: هل هاتان الركعتان ركعة الفجر أو تحية المسجد؟
إن كان تحية المسجد فشأنه، وإن كانت ركعتي الفجر قلنا: لا، الأفضل أن تخفف.
في الصيام رخّص النبي ﷺ لأمته أن يواصلوا إلى الفجر؛ يعني ألَّا تفطر إلا بعد السحور، وندبهم إلى أن يفطروا من دون غروب الشمس، فصام رجلان أحدهما: امتد صومه إلى السحور، والثاني: أفطر من حين غابت الشمس، أيهما أفضل؟
الثاني بلا شك، والأول وإن كان لا ينهى عنه، لكنه جائز وليس بمشروع، جائز، ولكن انتبه لهذا.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولذلك تجد النبي ﷺ يفعل من العبادات يحث على اتباع الجنائز، وتمر به الجنائز ولا يتبعها، يحث على أن نصوم يومًا ونفطر يومًا ومع ذلك هو لا يفعل هذا، لا يصوم يومًا ويفطر يومًا، بل كان أحيانًا يطيل الصوم حتى يقال: لا يفطر، وبالعكس، كل هذا يدفع ما كان أرضى لله عز وجل وأصلح لقلبه.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٨] حال الأرض بقصورها وأشجارها ونباتها سوف يجعلها الله عز وجل صعيدًا خاليًا كما قال عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه ١٠٥]، أي: نسفًا عظيمًا، ولهذا جاء منكّرًا؛ أي: نسفًا عظيمًا فيجعلها ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه ١٠٦] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه ١٠٧]، وليحذر كل ما يكون سبحان الله.
إذن هذه الأرض -يا أخي- لا يتعلق قلبك بها؛ هي زائلة، هي ستكون كأن لم تكن، كما قال الله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس ٢٤].
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، وتأمل الآن ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ﴾، فيها مؤكدان؛ (إن)، و(اللام)، ثم إنها جاءت بالجملة الاسمية الدالة على القدرة المستمرة.
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ إذا قامت القيامة أين القصور؟ لا قصور، لا جبال، لا أشجار، الأرض كأنها حجر واحد أملس، ما فيه لا نبات، ولا بناء، ولا أشجار، ولا غير ذلك.
الكهف 18:9
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ ﴾ [الكهف: ٩] (أم) هنا منقطعة؛ فهي بمعنى (بل).
و﴿حَسِبْتَ﴾ بمعنى (ظننت).
﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف ٩]، فهنا أتى بـ(أم) المنقطعة التي تتضمن الاستفهام من أجل شد النفس إلى الاستماع إلى القصة؛ لأنها حقيقة العجب، هذه القصة عجب!
﴿أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الكهف هو الغار في الجبل.
و﴿الرَّقِيمِ﴾ بمعنى (المرقوم)؛ أي: المكتوب؛ لأنه كُتب على هذا الكهف قصتهم من أولها إلى آخرها.
﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ [الكهف ٩] ﴿كَانُوا﴾ أي: أصحاب الكهف والرقيم من آيات الله، الكونية ولَّا الشرعية؟ من آيات الله الكونية.
﴿عَجَبًا﴾ أي: محل تعجب واستغراب؛ لأن هؤلاء سبعة معهم كلب، كرهوا ما عليه أهل بلدتهم من الشرك، وخرجوا متجهين إلى الله عز وجل، يريدون أن ينجوا بأنفسهم مما كان عليه أهل بلدهم.
﴿سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢] فلجؤوا إلى هذا الغار، وكان من حسن حظهم أن هذا الغار له باب لا يتجه للمشرق ولا للمغرب، سبحان الله العظيم؛ لأنه لو اتجه إلى المشرق أكلتهم الشمس عند شروقها، وإلى المغرب تأكلهم عند غروبها، لكنه متجه إلى ما بين المشرق والمغرب كما قال عز وجل: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف ١٧]، وسيأتي إن شاء الله.
الكهف 18:10
يقول عز وجل: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ هنا بدأت القصة، وعلى هذا يكون ﴿إِذْ أَوَى﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر إذ أوى الفتية، وكانوا قد سألوا النبي ﷺ، كفار قريش سألوا النبي ﷺ عن قصتهم وهو عليه الصلاة والسلام لم يقرأ كتابًا فيدري.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، فوعدهم فأنجز الله له الوعد.
قال: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ الفتى هو الشاب الكامل القوة والعزيمة.
* طالب: الجنة والنار فيهما أحد الآن؟
* الشيخ: الرسول ﷺ «رأى عمرو بن لحي الخزاعي يجر قُصْبَه في النار ، ورأى في النار المرأة التي تعذب في هِرَّة حبستها ، ورأى في النار صاحب المحجن» ، أتعرفون المحجن؟ بالنون، العصا المحمية الرأس، وصاحب المحجن رجل معه محجن إذا مر الحجيج به في مكة جلب المتاع بهذا المحجن، إن لم ينتبه صاحب المتاع راح، وإن فطن سوى هذا المحجن، هذا نعم (...) الناس، وهو كذلك، فأخبر الرسول ﷺ أنه يعذب في نار جهنم، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كان غير مؤهل للتأسي به كأن يكون طالب علم وعابدًا لله، فلا حرج عليه، أما إذا كان ليس أهلًا (...) يعمل.. ما يصح، أو غيره أنه رجل عالم، لكنه ليس عنده قوة في العبادة.
يقول الله عز وجل: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ يعني الغار في الجبل.
﴿أَوَى﴾ بمعنى لجؤوا إليه، من أي شيء؟ من قومهم، فارين من قومهم خوفًا من أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء القوم، ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾، و﴿الْفِتْيَةُ﴾ قلنا: إنه جمع (فتى)، والفتى هو الشاب القوي.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف ١٠]، لجؤوا إلى الله.
﴿آتِنَا﴾ يعني أعطنا.
﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك.
﴿رَحْمَةً﴾ أي: ترحمنا بها، وهذا كقول النبي ﷺ لأبي بكر بما علمه من دعاء قال: «اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» .
يقول: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ هيئ بمعنى اجعل لنا، وتهيئة الشيء يعني إعداده ليكون شيئًا مستعدًّا به، وخالصًا للعمل به.
﴿هَيِّئْ لَنَا﴾ أي: يسِّر لنا من أمرنا رشدًا، والرَّشد: ضده الغي؛ يعني: اجعل شأننا موافقًا للصواب.
الكهف 18:11
قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ﴾ [الكهف ١١] ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي: أنمناهم نومة عميقة، وتعلمون أن النوم نوعان: خفيف؛ هذا لا يمنع السماع، ولهذا (...) أول ما يجيك النوم تسمع من حولك، لكن إذا نمت نومًا عميقًا (...)، ولهذا قال: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي: بحيث لا يسمعون.
﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ أي: معدودة، وسيأتي بيانها في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف ٢٥].
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ وذلك بإيقاظهم من النوم، وسمى الله الإيقاظ من النوم بعثًا؛ لأن النوم وفاة، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠] أي: بالنهار، وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ [الزمر ٤٢] يتوفَّاها في منامها.
الكهف 18:12
وفي هذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ يعني أيقظناهم ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، ﴿لِنَعْلَمَ﴾. قد يقع فيه إشكال، وهل الله لا يعلم ذلك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لكن اعلم أن مثل هذه العبارة يُراد بها شيئان:
الشيء الأول: علم الرؤية، وظهور، ومشاهدة أي: لنرى، ومعلوم أن علم ما سيكون ليس كعلم ما كان، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: نعم، هو كذلك؛ لأن علم الله عز وجل بالشيء قبل وقوعه علم بأنه سيقع، لكن بعد وقوعه علم بأنه وقع.
الأمر الثاني: أن العلم الذي يترتّب عليه الحساب هو المراد بالآية، كيف نعلم علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، وهو يعلم هذا قبل أن يبتلينا قد علم من هو المطيع ومن هو العاصي، لكن هذا لا يترتب عليه لا الجزاء ولا الثواب، فصار المعنى لنعلم علم ظهور ومشاهدة، وليس علم الظهور والمشاهدة كعلم ما سيكون.
والثاني: علمًا يترتب عليه الحساب؛ أمَّا تحقق وقوع المعلوم بالنسبة لله فلا فرق بين ما علم أنه يقع وما علم أنه وقع، كل سواء، أما بالنسبة لنا صحيح أنَّا نعلم ما سيقع في خبر الصادق، لكن ليس علمنا بذلك كعلمنا به إذا شاهدناه بأعيننا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» .
﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف ١٢] ﴿الْحِزْبَيْنِ﴾ يعني الطائفتين.
﴿أَحْصَى﴾ يعني أبلغ إحصاءً، وليست فعلًا ماضيًا، بل هي اسم تفضيل.
﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ يعني أضبط.
﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ يعني المدة التي لبثوها؛ لأنهم تنازعوا أمرهم فقالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف ١٩]، ثم جاء الناس من بعدهم أيضًا اختلفوا كم لبثوا؟ ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾.
الكهف 18:13
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ﴾ [الكهف: ١٣] نعم القائل صدقًا وعلمًا وبيانًا وإيضاحًا؛ لأن كلام الله تبارك وتعالى متضمن للعلم، والصدق، والفصاحة، والإرادة؛ أربعة أشياء: كلامه عز وجل عن علم، كلامه أيضًا عن صدق، كلامه في غاية الفصاحة، إرادته بهذا الكلام خير إرادة، يريد بما يتكلم به أن يهدي عباده.
إذن ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ قصص الله عز وجل أجمل القصص وأحسن القصص؛ لأنه صادر عن علم، والثاني: عن صدق، والثالث: بأفصح ألفاظه وأبينها وأوضحها، ولا شيء أوضح من كلام الله إلا من أزاغ الله قلبه وقال: إن هذا أساطير الأولين.
الرابع: الإرادة، لم يرد الله عز وجل بما يقص علينا أن نضل، ولا بما حكم علينا أن نضل، بل أراد أن نهتدي وأن نعتبر.
وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ إذا قال قائل: هل نحن للواحد أو للجماعة؟
فالجواب: للجماعة، صح؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: واحد، لكنه لا شك أنه جل وعلا من أعظم العظماء، والأسلوب العربي إذا أسند الواحد إلى نفسه صيغة الجمع فهو يعني أنه تعظيم، ومعلوم أنه لا أحد أعظم من الله عز وجل؛ ولهذا تجد الملوك أو الرؤساء إذا أرادوا أن يصدروا القرارات ماذا يقولون؟ نحن فلان وفلان نأمر بكذا؛ إذن كل ضمائر الجمع المنسوبة إلى الله عز وجل المراد بها التعظيم.
﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: نقص عليك ونحدثك به.
﴿نَبَأَهُمْ﴾ أي: خبرهم.
﴿بالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق المطابق للواقع.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾، ﴿فِتْيَةٌ﴾ شباب، لكن عندهم قوة في العزيمة، قوة في الإيمان.
﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ زادهم الله عز وجل هدى؛ لأن الله تعالى يزيد الذين يهتدون هدى، وكلما ازددت عملًا بعلم زادك الله هدى، أي: زادك الله علمًا.
الكهف 18:14
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ﴾ [الكهف: ١٤] أي: ثبّتناها، وجعلنا لها رباطًا؛ لأن جميع قومهم على ضدهم، ومخالفة القوم تحتاج إلى تثبيت، لا سيما أنهم شباب، والشاب ربما يؤثر فيه أبوه فيقول له: اكفر، ولكن الله ربط على قلوبهم وثبتّهم، اللهم ثبّتنا يا رب العالمين.
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ثبّتناها قويناها.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ يعني في قومهم معلّمين بالتوحيد.
﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ولم يبالوا بأحد، فهم كسحرة فرعون ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ سوِّ اللي تبغى.
﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢]، والدنيا كلها ماضية منتهية، طالت بك أم قصرت، ولا بد لكل إنسان من أحد أمرين: إما الهرم، وإما الموت، ونهاية الهرم الموت؛ ولهذا يقول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــــــــهُ بِادِّكَـــــــارِ الْمَــــــــــوْتِ وَالْهَــــــــــــرَمِ
كلما تذكر أنه سيموت طالت حياته أم قصرت فإنه لا يطيب العيش له، لكن من نعمة الله عز وجل أن الناس ينسون هذا الأمر، لكن هؤلاء الناسين منهم من ينسى هذا الأمر باشتغاله بطاعة الله عز وجل، ومنهم من ينساه باشتغاله بالدنيا، ففرْق بين الأمرين.
* * *
قوله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ ما المراد بالفتية هنا؟ يعني معنى الفتية؟
* طالب: هو الشاب الكامل في قوته وعزيمته.
* الشيخ: نعم، أحسنت.
قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾، ولم يقل: (فأنمناهم) إشارة إلى عمق نومهم، وأنهم لا يسمعون شيئًا، والنائم الذي نومه خفيف يسمع، وكلما صوّت عليه سمع، أما هؤلاء فلا يسمعون.
قوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ يُستفاد منه؟
* طالب: أن النوم يسمى وفاة.
* الشيخ: أن النوم وفاة، وهل في القرآن ما يدل على ذلك صراحة؟
* طالب: نعم، قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠].
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، أليس الله تبارك وتعالى عالمًا بذلك قبل أن يكون؟
* طالب: الله قادر على علم..
* الشيخ: الجواب نعم ولّا لا؟
* طالب: هو عالم.
* الشيخ: هو عالم، طيب كيف قال: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ والمعروف أن اللام للتعليل؟
* طالب: (...) أن يقال: علم ظهور ومشاهدة، أو أنه علم جزاء.
* الشيخ: يعني علم يترتب عليه الجزاء، لكن في غير هذه الآية قد لا يصح هذا الوجه الثاني. ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ ما هما؟
* طالب: الحزبان هما هؤلاء الفتية، أو الذين عثروا عليهم.
* الشيخ: إما الفتية، وإما قومهم الذين عثروا عليهم، لكن الفتية أقرب؛ لأن الله سيقول فيما بعد: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف ١٩]، أظن انتهينا إلى قوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
قال الله عز وجل: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ﴿رَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: ثبتناها وقوّيناها كأنها شيء رُبط عليها.
﴿إِذْ قَامُوا﴾ أي: حين قاموا؛ يعني في أقوامهم متبرِّئين مما كان عليه هؤلاء الأقوام.
﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، وليس رب فلان وفلان، بل هو رب السماوات والأرض فهو سبحانه وتعالى مالك، وخالق، ومدبر للسماوات والأرض؛ لأن الرب الذي هو اسم من أسماء الله معناه الخالق، المالِك، المدبِّر، رب السماوات والأرض، السماوات السبع والأرض كذلك سبع كما جاءت بذلك النصوص ولا حاجة لذكرها؛ لأنها معلومة والحمد لله.
﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ﴿لَنْ نَدْعُوَ﴾ دعاء مسألة، ولا دعاء عبادة. ﴿إلهًا﴾ سواه، فأقروا بالربوبية، وأقروا بالألوهية.
الربوبية قالوا: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ والألوهية قالوا: ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ أي: سواه عز وجل.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾ الجملة هذه مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ وهي: اللام، وقد، والقسم الذي دلّت عليه اللام.
وقوله: ﴿إذًا﴾ أي: لو دعونا إلهًا سواه.
﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: قولًا مائلًا وموغلًا في الكفر، وصدقوا لو أنهم دعوا غير الله إلهًا لقالوا هذا القول المائل الموغِل في الكفر والعياذ بالله.
الكهف 18:15
﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ ﴾ [الكهف: ١٥] يشيرون إلى وجهة نظرهم في انعزالهم عن قومهم.
قالوا: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا﴾ أي: صيروا.
﴿آلِهَةً﴾ من دونه آلهة، عبدوها من دون الله.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ يعني ﴿لَوْلا﴾ هنا بمعنى (هلَّا)، ولولا لها معانٍ في اللغة العربية، ليس هذا موضع ذكرها، لكنها هنا بمعنى (هلَّا)، مثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣]، أي: هلَّا جاؤوا.
﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة؛ أي: على كونها آلهة، وكونهم يعبدونها، فالمطلوب منهم شيئان: أن يُثبتوا أنها هذه آلهة، وأن يُثبتوا أن عبادتهم لها حق، وكلا الأمرين مستحيل.
﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، وقوله: ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ السلطان كل ما للإنسان به سلطة، كل شيء له سلطة به فهو سلطان، قد يكون المراد به الدليل، مثل: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس ٦٨]، وقد يكون المراد القوة والغلبة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾؛ يعني الشيطان ﴿عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل ١٠٠]، وقد يكون الحجة والبرهان كما هنا، وكما ذكرنا قبل قليل.
﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ أي: بحجة ظاهرة يكون لهم بها سلطة، والجواب يمكن أو لا يمكن؟
لا يمكن؛ ولهذا قالوا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الفاء للتفريع، و(مَنْ) استفهام بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبًا، واعلم أن الاستفهام إذا ضُمِّن معنى النفي صار فيه زيادة فائدة؛ وهي أنه يكون مشربًا معنى التحدي؛ لأن النفي المجرد لا يدل على التحدي، لو قلت: ما قام زيد. ما فيه تحدٍّ، لكن إذا قلت: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فهذا تحدٍّ كأنك تقول: أخبِرْني أو أوجد لي أحدًا أظلم ممن افترى على الله كذبًا.
وقوله: ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: من أشد ظلمًا ممن افترى على الله كذبًا بنسبة الشريك إليه وغير ذلك، كل من افترى على الله كذبًا فلا أحد أظلم منه، أنت لو كذبت على شخص لكان هذا ظلمًا، على شخص أعلى منه لكان هذا ظلمًا أعلى من الأول، فإذا افتريت على الله كذبًا صار لا ظلم فوقه؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
فإن قال قائل: نجد أن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، ويقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، وتأتي أظلم في موضعين: وأظلم تدل على اسم التفضيل، فكيف الجمع؟
نقول: إن الجمع أنها اسم تفضيل في نفس المعنى الذي وردت به، فمثلًا: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد أظلم منعًا ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه، الكذب؛ أي الكذب أظلم؟
الكذب على الله عز وجل، فتكون الأظلميَّة هنا بالنسبة للمعنى الذي سِيقت فيه، ليست أظلميَّة مطلقة؛ لأنها لو كانت أظلمية مطلقًا لكان فيه نوع من التناقض.
لكن لو قال قائل: ألا يمكن أن تقولوا: إنها اشتركت في الأظلمية؟ يعني هذه أظلم شيء وهذه أظلم شيء؟
نقول: لا يمكن؛ لأنه لا يمكن أن تقرِن بين من منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وبين من افترى على الله كذبًا، أيهما أعظم؟
الثاني، فلا يمكن أن يشتركا في الأظلمية، وحينئذٍ يتعين المعنى الأول، ما هو المعنى الأول؟
أن تكون الأظلمية بالنسبة للمعنى الذي سِيقت له أو سيقت فيه، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
الكهف 18:16
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ ﴾ [الكهف: ١٦] من قائل هذا؟ القائل هم الفتية؛ يعني قال بعضهم لبعض: ما دمتم اعتزلتم قومكم وما يعبدون من دون الله؛ يعني أصنامهم ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ يعني ائوُوا إلى الكهف، و(أل) في ﴿الْكَهْفِ﴾ يحتمل أن تكون للعهد، وكأنه كهف ألفوا أن يأووا إليه، أو أن المراد بها الكمال؛ يعني إلى الكهف الكامل الذي يمنعكم من قومكم؛ أما الأول: فيحتاج إلى دليل؛ يعني أنها للعهد، يحتاج أن نعلم أن هؤلاء الفتية كانوا يذهبون إلى كهف معين يأوون فيه.
وأما الثاني: فوجهه أنهم إنما يطلبون كهفًا يمنعهم ويحميهم، فتكون (أل) لبيان الكمال؛ أي: إلى كهف يمنعكم، ويحميكم من عدوكم.
﴿إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا﴾؛ يعني أنكم إذا فعلتم ذلك فإن الله تعالى سوف ييسِّر لكم الأمر؛ لأن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه.
وهنا سؤال: قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ الفاء يتبادر للذهن أنها في جواب الشرط، والمعروف أن (إذ) ليست للشرط، وإنما الذي للشرط هو (إذا) أو (إذ) إذا اقترنت بـ(ما)، لكن إذا لم تقترن بـ(ما) فليست للشرط؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إما أنها ضُمِّنت معنى الشرط فجاء الجواب ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ أو إن الفاء للتفريق ليست للربط، والمعنى: فحينئذٍ إذا اعتزلتموهم فأووا إلى الكهف.
وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي: يهيئ لكم من شأنكم.
﴿مِرْفَقًا﴾ أي: مكانًا ترتفقون به.
الكهف 18:17
ثم قال عز وجل: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف ١٧] ترى أيها الإنسان الشمس إذا طلعت.
﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، في قوله: ﴿تَزَاوَرُ﴾ قراءتان: ﴿تَزَّاوَرُ﴾ وأصلها تتزاور، و﴿تَزَاوَرُ﴾ بالتخفيف، والمراد بذلك أنها تميل.
﴿عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ تصوَّروا كيف يكون الكهف الآن؟ إذا كانت تزاور عنه ذات اليمين، يكون وجه الكهف إلى الشمال، ولهذا قال بعضهم: إن وجه الكهف على بنات نعش، بنات نعش معروفة نجوم في السماء، يعرفها أهل البر.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ تكون عن شمال الغار.
وقوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قيل: المعنى تتركهم، وقيل: المعنى تصيب منهم، وهو الأقرب أنها تُصيب منهم، وفائدة هذه الإصابة لأجل أن تمنع أجسامهم من التغير؛ لأن الشمس كما يقول الناس: إنها صحة وفائدة للإنسان.
﴿تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ الضمير في قوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ يعود على هؤلاء الفتية، هذه الفجوة؛ يعني الشيء الداخل؛ يعني ليسوا على جانب الباب مباشرة، بل هم في مكان داخل؛ لأن ذلك أحفظ لهم.
وفي قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ﴾ ﴿إِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ دليل على أن الشمس هي التي تتحرك، وهي التي بتحركها يكون الطلوع والغروب، خلافًا لما يقوله الناس الآن: من أن الذي يدور هو الأرض، وأما الشمس فهي ثابتة، فنحن لدينا شيء من كلام الله، الواجب علينا أن نجريه على ظاهره، وألا نتزحزح عن هذا الظاهر إلا بدليل بَيِّن، فإذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أن اختلاف الليل والنهار بسبب دوران الأرض فحينئذٍ يجب أن نؤول الآيات إلى المعنى المطابق للواقع، فنقول: ﴿إِذَا طَلَعَتْ﴾ في رأي العين، ﴿إِذَا غَرَبَتْ﴾ في رأي العين ﴿تَزَاوَرُ﴾ في رأي العين، (تقرض) في رأي العين، أما قبل أن يتبين لنا بالدليل القاطع أن الشمس ثابتة والأرض هي التي تدور، وبدورانها يختلف الليل والنهار، فإننا لا نقبل هذا أبدًا، علينا أن نقول: الشمس هي التي بدورانها يكون الليل والنهار؛ لأن الله أضاف الأفعال إليها، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» فأسند الذهاب إليها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله تعالى أعلم بخلقه، ولا نقبل حدْثًا ولا ظنًّا، لكن لو أن تيقنَّا يقينًا أن الشمس ثابتة في مكان والأرض تدور، ويكون اختلاف الليل والنهار حينئذٍ تأويل الآيات واجب حتى لا يخالف الشيء المقطوع به.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ الضمير يعود على أيش؟ على حال هذه الفتية؛ خروجهم من قومهم، وإيواؤهم إلى هذا الغار، وتيسير الله عز وجل لهم غارًا مناسبًا تمامًا لا شك أنه من آيات الله الدالة على حكمته ورحمته عز وجل، هل نعتبر هذا كرامة؟ الجواب: نعم، نعتبره كرامة ولا شك.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ اللهم اهدنا، وأعذنا من الضلال.
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ هذه (مَن) الشرطية، والدليل على أنها شرطية حذف الياء من يهدي، والجواب: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.
وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أصلها (المهتدي) بالياء، لكن حُذفت الياء تخفيفًا، كما حُذفت في قوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد ٩].
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ أي: يُقَدِّر أن يكون ضالًّا.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ أي: من يتولّاه ويرشده إلى الصواب، وفي هذا الخبر من الله عز وجل تنبيه على أننا لا نسأل الهداية إلا من الله عز وجل، وأننا لا نجزع إذا رأينا من هو ضال؛ لأن الإضلال بيد من؟
بيد الله عز وجل، فنحن نؤمن بالقدر، ولا نسخط الإضلال الواقع من الله، لكن يجب علينا أن نُرشد هؤلاء الضالين، فهنا شرط وقَدر، القَدر يجب عليك أن ترضى به على كل حال، والمقدور فيه تفصيل؛ المشروع يجب عليك أن ترضى به بكل حال، فنحن نرضى حيث إن الله تعالى جعل الناس على قسمين: مهتدٍ وضالّ، ولكن يجب علينا مع ذلك أن نسعى في هداية الخلق.
الكهف 18:18
قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف ١٨] ﴿تَحْسَبُهُمْ﴾ أي: الرائي، تحسبهم أيها الرائي، إذا رأيتهم تحسبهم أيقاظًا؛ لأنه ليس عليهم علامة النوم، النائم يكون مسترخيًا، وتغمض عيناه، وهؤلاء كأنهم أيقاظ؛ ولذلك يُفرِّق الإنسان بين رجل نائم ورجل مضطجع من حين ما يراه حتى لو أن المضطجع أراد أن يتنوّم ويخدع صاحبه لعرف أنه ليس بنائم، هم إذا رأيتهم تحسبهم أيقاظًا مما يدل على أن أجسامهم بقيت على طراوتها وعلى قوتها ولم تتغير.
﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ جمع (راقد).
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ وهذا من حكمة الله عز وجل؛ يعني مرة يكونون على اليمين، ومرة يكونون على الشمال، ولم يذكر الله الظهر ولا البطن؛ لأن النوم على اليمين أو الشمال هو الأكمل.
وقوله: ﴿نُقَلِّبُهُمْ﴾ فيه دليل على أن فعل النائم لا يُنسب إليه، وجه الدلالة؟ أن الله أضاف تقلبهم إليه، فلو أن النائم قال في نومه: امرأتي طالق، تطلق؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: قال في نومه: في ذمتي لفلان ألف ريال، يثبت؟ لا؛ لأنه لا قصد له، ولا إرادة له، لا في القول ولا في الفعل.
والحكمة من تقليبهم ذات اليمين وذات الشمال؛ بعض العلماء قال: لئلّا تأكل الأرض الجانب الذي يكون ملاصقًا لها، ولكن الصحيح أن الحكمة ليست هذه، الحكمة من أجل توازن الدم في الجسد، حتى يتوازنوا؛ لأن الدم يسير في الجسد، فإذا كان على جانب واحد أوشك أن يَنحرِم منه الجانب الأعلى، ولكن الله عز وجل بحكمته جعلهم يتقلبون.
﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ يعني الكلب كأنه -والله أعلم- لم ينم.
﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أي: جالس على بطنه وقد مد ذراعيه.
﴿بِالْوَصِيدِ﴾ ما هو الوصيد؟ الوصيد هو يعني فتحة الكهف أو فناء الكهف؛ يعني إما أن يكون على الفتحة، وإما أن يكون إلى جنب الكهف في فنائه ليحرسهم؛ وفي هذا دليل على جواز اتخاذ الكلب للحراسة؛ حراسة الآدميين، أما حراسة الماشية فقد جاءت به السنة، حراسة الحرث جاءت به السنة، حراسة الآدمي من باب أولى؛ لأنه إذا جاز اتخاذ الكلب لحراسة الماشية أو للصيد الذي هو كمال وليس بضرورة، فاتخاذه لحراسة البيت من باب أولى.
قال الله عز وجل: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ﴾ أيها الرائي عليهم ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ رهبة ينزلها الله عز وجل في قلب من يراهم حتى لا يحاول أحد أن يدنو منهم؛ ولهذا قال: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ مع أنهم لم يلحقوه، لكنه خائف منهم.
﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ (ملئت)، ما هو مُلئ قلبه، كله بالرعب، وهذا يدل على شدة الخوف الذي يحصل لمن رآه.
الكهف 18:19
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ [الكهف ١٩] أي: كما فعلنا بهم من هذه العناية تيسير الكهف لهم، وإنامتهم هذه المدة الطويلة بعثهم الله، أي: مثل هذا الفعل بعثناهم، فعلنا بهم فعلًا آخر.
﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ كما جرت به العادة أن الناس إذا ناموا يتساءلون إذا قاموا، من الناس من يقول: ما الذي رأيته في منامك؟ ومنهم من يقول: لعل نومك لذيذ، وما أشبه ذلك. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ كجاري العادة كم لنا نائمين؟
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ أي: كاملًا.
﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي: بعض اليوم؛ وذلك لأنهم دخلوا في أول النهار، وبُعثوا من النوم في آخر النهار فقالوا: لبثنا يومًا إن كان هذا هو اليوم الثاني، أو بعض يوم إن كان هذا هو اليوم الأول، وهذا مما يدل على عمق نومهم.
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض.
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ وكأنّ هؤلاء القائلين قد شعروا بأن النومة طويلة، لكن لا يستطيعون أن يحددوا، أما الأولون فحددوا بناء على إيش؟ بناء على الظاهر، وأما الآخرون فلم يحددوا بناءً على الواقع؛ لأن الإنسان يُفرّق بين النوم اليسير والنوم الكثير، ثم قال بعضهم لبعض: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ابعثوه بورِقكم؛ الوَرِق هو الفضة، كما جاء في الحديث: «وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» . كان معهم دراهم من الفضة ﴿ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ تضمن هذا؛ أولًا: جواز التوكيل في الشراء؛ لقولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ﴾ والتوكيل في الشراء جائز، وفي البيع جائز أيضًا، ولا يخفى أن الرسول ﷺ وكَّل أحد أصحابه أن يشتري له أضحية، أعطاه دينارًا قال: «اشْتَرِ أُضْحِيةً»، فاشترى شاتين بالدينار، ثم باع إحداهما بدينار فرجع بشاة ودينار، فدعا له النبي ﷺ أن يبارك الله له في بيعه، فكان لا يشتري ترابًا إلا ربح فيه» .
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أنه يجوز تصرُّف الفضولي؛ أي: يجوز للإنسان أن يتصرَّف في مال غيره إذا علم أن غيره يرضى بذلك، فهؤلاء وكَّلوا أحدهم أن يذهب إلى المدينة ويأتي بالرزق، وفي هذا أيضًا دليل على أنه لا بأس على الإنسان أن يطلب أطيب الطعام؛ لقولهم: ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾.
وفيه دليل أيضًا على ضعف قول الفقهاء: إنه لا يصح الوصف بالأفعل، مفهوم هذا؟ طيب الوصف بالأفعل؛ يعني معناه: لا يجوز أن تقول: أبيعه عليك بُرًّا أطيب ما يكون، قالوا: ما يجوز هذا؛ لأنه ما من طيب إلا وفوقه أطيب منه، ولكن يُقال: إن هذا يرجع إلى العرف؛ فأطيب يعني في ذلك الوقت، في ذلك المكان ﴿فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ هل من السنة ما يشهد لطلب الأزكى من الطعام؟
الجواب: نعم، وذلك «أن النبي ﷺ أقرَّ الصحابة الذين باعوا التمر الرديء بتمر جيد ليطعم النبي ﷺ منه» ، ولم ينههم عن هذا، ما قال: هذا ترفُّه، واتركوا طلب الأطيب، فالإنسان قد فَسَح الله له في أن يختار الأطيب من الطعام أو الشراب، أو المساكن، أو الثياب، أو المراكب ما دام الله أعطاه قدرة على ذلك فلا يُلام.
﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ يعني يشتري ويأتيه، فجمعوا في التوكيل بين الشراء والإحضار.
﴿وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ أي: يتعامل بخفية، لئلا يُشْعَر بهم فيؤذون، وهذا يعني أنهم ظنوا أنهم لم يلبثوا إلا قليلًا.
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ أي: لا يُحضرن أحدًا بكم، ثم علَّلوا هذا الأمر بالتلطُّف والنهي عن الإشعار.
الكهف 18:20
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا﴾ ﴾ [الكهف: ٢٠] يعني إن عدتم في ملتهم ﴿أَبَدًا﴾؛ يعني أنهم لا بد أن يقتلوكم أو يردوكم على أعقابكم بعد إيمانكم، وفي هذا دليل على اتخاذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة إلا الوسائل المحرمة فهي محرمة لا يجوز أن يقع الإنسان فيها.
الكهف 18:21
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف ٢١] يعني أضِف إلى بعثهم أن الله أعثر عليهم؛ يعني أطلع عليهم قومهم.
﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أطلع الله قومهم عليهم ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، لماذا؟
إما أن المعنى لقيام الساعة الذي كان ينكره هؤلاء، أو بأن الله تعالى يُنجي المؤمنين من الكفار؛ لأن هؤلاء الفتية السبعة نجوا من أمة عظيمة تقاتلهم وتنهاهم عن التوحيد، والظاهر أن المعنى ليعلموا أن وعد الله حق بنصر أوليائه.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ ﴿السَّاعَةَ﴾؛ يعني قيام الساعة ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: لا شك، واقعة لا محالة، ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ متعلقة بـ..
كل وسيلة إلا الوسائل المحرمة، فهي محرمة لا يجوز أن يقع الإنسان فيها.
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف ٢١] يعني: أضف إلى بعثهم أن الله أعثر عليهم؛ يعني: أطلع عليهم قومهم، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أطلع الله قومهم عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، لماذا؟
إما أن المعنى: بقيام الساعة الذي كان ينكره هؤلاء، أو بأن الله تعالى ينجي المؤمنين من الكفار؛ لأن هؤلاء الفتية السبعة نجوا من أمة عظيمة تقاتلهم وتنهاهم عن التوحيد، والظاهر أن المعنى: ليعلموا أن وعد الله حق بنصر أوليائه.
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ ﴿السَّاعَةَ﴾ يعني: قيام الساعة، ﴿لا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: لا شك واقعة لا محالة.
ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ متعلقة بـ﴿أَعْثَرْنَا﴾ أعثرنا عليهم حتى تنازعوا أمرهم بينهم، من اللي يتنازعون؟
* الطلبة: قومهم.
* الشيخ: قومهم فيما بينهم تنازعوا؛ ماذا نفعل بهم؟ أنتركهم أم ماذا نصنع؟
﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ هل المعنى: ابنوا على قبورهم؛ يعني: يكون الجدار على القبر، أو المعنى: حوطوهم بذلك؟ الثاني هو المراد؛ يعني: ابنوا حولهم بنيانًا ليكون أثرًا من الآثار.
﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يعني: توقفوا في أمرهم، كيف يبقون ثلاث مئة سنة وتسع سنين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتغيرون أيضًا؟ ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ توقفوا، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ وهم أمراؤهم، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ أي: حولهم، قالوا: بدل من أن نبني بنيانًا نحوطهم به ونسترهم به ولا يكون لهم أثر اتخذوا عليهم مسجدًا، ابنوا المسجد عليهم، والظاهر أنهم فعلوا؛ لأن القائل من؟ الأمراء الذين لهم الغلبة، هذا الفعل؛ أي: اتخاذ المساجد على القبور، هذا من وسائل الشرك، وقد جاءت شريعتنا بمحاربته، حتى إن النبي ﷺ قال: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، يحذر ما صنعوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٦)، ومسلم (٥٣١ / ٢٢) من حديث عائشة، وابن عباس.]].
الكهف 18:22
ثم قال عز وجل: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف ٢٢]، هنا ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ سيقولون خمسة، كيف يمكن أن يكون قولان لقائل واحد؟ هذا يخرّج على وجهين: إما أن المعنى: سيقول بعضهم: ثلاثة رابعهم كلبهم، ويقول البعض الآخر: خمسة سادسهم كلبهم، ويقول البعض الثالث: سبعة وثامنهم كلبهم، أو أن المعنى: سيترددون في هذا؛ مرة يقولون: ثلاثة، ومرة يقولون: خمسة، ومرة يقولون: سبعة، وكلاهما محتمل ولا يتنافيان، فتجدهم أحيانًا يقول كذا، وأحيانًا يقول كذا حسب ما يقوم في ذهنه.
قال الله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ قاله في الذين قالوا: ﴿ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، كلا القولين قال الله تبارك وتعالى: إنهم قالوه رجمًا بالغيب؛ أي: راجمين بالغيب وليس عندهم يقين.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ولم يقل: رجمًا بالغيب، بل سكت سبحانه وتعالى، وهذا يدل على أن عددهم كم؟ سبعة وثامنهم كلبهم؛ لأن الله لما أبطل القولين الأولين وسكت عن الثالث صار الثالث صوابًا.
نظيره قول الله تبارك وتعالى عن المشركين إذا فعلوا فاحشة: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ [الأعراف ٢٨] هذا واحد، ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ هذا اثنان، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾، فأبطل قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾، وسكت عن الأول، فدل هذا على أن الأول صحيح.
وهذا أيضًا نقول: لما قال: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ في القولين الأولين وسكت عن الثالث نقول: إذن نجزم بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ يعني: إذا حصل النزاع فقل للناس: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾، وهل أعلمنا الله بهذه العدة؟ أجيبوا
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، أعلمنا بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم، يعني: فإذا كان الله أعلم بعدتهم فالواجب أن نرجع إلى ما أعلمنا الله ونقول جازمين بأن عدتهم سبعة وثامنهم كلبهم، ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ يعني: ما يعلمهم قبل إعلام الله أنهم سبعة وثامنهم كلبهم إلا قليل.
ثم قال عز وجل: ﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ﴾ أي: في شأنهم، في زمنهم، في مكانهم، في عددهم، في مآلهم، ﴿لَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ يعني: إلا جدلًا ظاهرًا لا يصل إلى القلب؛ لأنه إذا وصل الجدال إلى القلب اشتد المجادل وغضب وانتفخت أوداجه وتأثر، لكن لما لم يكن للجدال فيهم كبير فائدة قال الله تعالى: ﴿لَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ مراء على اللسان لا يصل إلى أيش؟ إلى القلب.
﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ولا تستفت في أهل الكهف، ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من الناس سواء من أهل الكتاب أو غيرهم، ﴿أَحَدًا﴾.
قال الله عز وجل: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ ما هو السلطان بالمعنى العام؟
* طالب: كل من له سلطة أو ولاية فهو سلطان.
* الشيخ: سلطة أيش؟
* الطالب: كل من له سلطة فهو سلطان.
* الشيخ: سواء كان في الدليل أو في السطوة أو غير ذلك؛ يعني: الأمير سلطان، الرجل على أهله سلطان، وهلم جرًّا، الحجة سلطان، وما المراد بها في هذه الآية؟
* طالب: الحجة.
* الشيخ: الحجة، طيب.
قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ يحتمل أن تكون استثناء من قوله: ﴿يَعْبُدُونَ﴾، وعلى هذا يكون هؤلاء القوم يعبدون الله ويعبدون غيره، والفتية اعتزلوهم وما يعبدون إلا الله، ويحتمل أن تكون (إلا) منقطعة، فيكون المعنى: أن هؤلاء القوم لا يعبدون الله، ويكون معنى الآية: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ مطلقًا، ثم قال: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ فلم تعتزلوهم ولكنكم آمنتم به، ويحتمل أن تكون استثناء على سبيل الاحتياط؛ يعني: أن هؤلاء الفتية قالوا: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ يخشون أن يكون أحد من أقوامهم يعبد الله.
قوله: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ الفاء هنا؟
* طالب: يحتمل أنها واقعة في جواب الشرط.
* الشيخ: يحتمل أن تكون واقعة في جواب الشرط، وأن تكون (إذ)؟
* الطالب: (...) شرط.
* الشيخ: إي نعم، ويحتمل؟
* طالب: (...) للتفريع.
* الشيخ: أن الفاء للتفريع، وأن (إذ) على ما هي عليه ظرف.
قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ إلى آخره استدللنا بها على أيش؟
* طالب: على أن الشمس هي التي تتحرك.
* الشيخ: نعم، على أن الشمس هي التي تتحرك، ويكون الظل والإضاءة بسبب حركة الشمس، وهل نبقى على هذا؟
* الطالب: نقول: إذا ثبت دليل قطعي على أن الشمس..
* الشيخ: لا، هل نبقى على هذا أو لا؟ قل: نعم ولَّا لا.
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم، نبقى على هذا وجوبًا، إلا إذا ثبت بطريق حسي نقتنع به بأن الشمس واقفة والأرض هي التي تدور، فنحن نؤمن بذلك ونقول: إن القرآن الكريم إنما خاطب الناس بحسب رؤيتهم؛ يعني: بحسب ما يرون.
قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ ولم يقل: ولا أخذك الرعب لأيش؟ أيهما أبلغ؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: وهو؟
* الطالب: ملئت منهم رعبًا.
* الشيخ: ﴿لَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾؛ لأنه يدل على أنهم امتلؤوا من الرعب وليس في القلب فقط، أفهمت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا ألقى الله عز وجل على من رآهم واطلع عليهم؟
* طالب: حتى لا يلتفت إليهم.
* الشيخ: إي، يعني من أجل حمايتهم، طيب، أحسنت.
قوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ اللام لم نذكر هي لام التعليل أو لام العاقبة وهي لام العاقبة؛ يعني: ما بعثوا لأجل التساؤل ولكنهم بعثوا فتساءلوا، واللام تأتي للعاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أيش؟ ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص ٨]، اللام ليست للتعليل أبدًا، ولا يمكن أن تكون للتعليل؛ لأن آل فرعون لم يلتقطوه لهذا الغرض، لكنهم التقطوه فكان لهم عدوًّا وحزنًا.
لماذا قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنهم ناموا أول النهار وبعثوا آخره، فظنوا أنه بعض يوم، أو أنه يوم كامل إن كانوا قد ناموا بالأمس، كذا؟ طيب.
في هذه القصة ما يدل على جواز التوكيل؟
* طالب: كما قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: فهم وكلوا أحدهم حتى يشتري لهم من المدينة..
* الشيخ: ويأتي به.
* الطالب: نعم، الشراء مع إحضاره.
* الشيخ: طيب.
هل في الآية ما يدل على أنه لا حرج على الإنسان إذا طلب الطعام الأفضل؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾.
* الشيخ: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾. وهل جاءت السنة بذلك؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، طيب، بارك الله فيك.
ماذا كان مآل هؤلاء الفتية بالنسبة لأقوامهم؟
* طالب: تنازعوا فيهم.
* الشيخ: تنازعوا فيهم؛ هل يبنون عليهم بنيانًا أو يتركونهم، والنتيجة؛ يعني آخر شيء؟
* الطالب: قال أهل الرأي منهم؛ أهل الغلبة ببناء مسجد عليهم.
* الشيخ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، تمام، أي: نبني عليهم مكانًا يكون محلًا للسجود يأتي الناس إليه ويسجدون فيه.
ماذا تقول: أهم ثلاثة أو خمسة أو سبعة؟
* طالب: سبعة.
* الشيخ: سبعة، الدليل؟
* الطالب: ترجيح الآية بعد التردد.
* الشيخ: ترجيح الآية بعد التردد، ما فهمتها.
* الطالب: أكدت الآية بأنهم سبعة وثامنهم كلبهم بعدما تردد القوم في عددهم.
* الشيخ: لا.
* طالب: أن الله ذكر القولين الأولين وأبطلهما بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾.
* الشيخ: إي نعم، أن الله ذكر القولين الأولين؛ ثلاثة وخمسة وأبطلهما بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾، وذكر القول الثالث وسكت عنه، تمام، وإبطال الشيئين والسكوت عن الثالث؟
* الطالب: يدل على أنه الصواب.
* الشيخ: يدل على أنه هو الصواب، هل لهذا نظير؟
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف ٢٨]، فأبطل الله قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾.
* الشيخ: فدل على أن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ صحيح، كذا؟ طيب، بارك الله فيك.
قال تعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ يعني: لا يصل إلى القلب، اجعل الجدال جدالًا ظاهرًا، ويؤخذ من هذا: أن ما لا فائدة في الجدال فيه لا ينبغي للإنسان أن يتعب قلبه بالجدال، وهذا يقع كثيرًا، أحيانًا يحتمي بعض الناس إذا جودل في شيء لا فائدة من الجدال فيه، نقول: يا أخي لا تجادل، اجعل جدالك ظاهرًا على اللسان فقط لا يصل إلى القلب فتحتمي وتغضب، وهذا يدل على أن ما لا خير فيه لا ينبغي فيه التعمق، وهذا كثير.
وأكثر ما يوجد في علم الكلام؛ فإن علماء الكلام الذين خاضوا في التوحيد والعقيدة يأتون بأشياء لا فائدة منها، مثل قولهم: تسلسل الحوادث في الأزل، في المستقبل، وما أشبه ذلك من الكلام الفاضي الذي لا داعي له، وهم يكتبون الصفحات في تحرير هذه المسألة نفيًا أو إثباتًا مع أنه لا طائل تحته، فالشيء الذي ليس فيه فائدة لا تتعب نفسك، وإذا رأيت من صاحبك المجادلة فقل له: تأمل الموضوع وسد الباب، يعني بعض الناس -نسأل الله السلامة- مفتون بالجدل، وما ابتلي قوم بالجدل إلا ضلوا، والعياذ بالله.
﴿فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ أي: لا تسأل أحدًا عن حالهم، * وفيه: إشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يستفتي من ليس أهلًا للإفتاء، حتى وإن زعم أن عنده علمًا فلا تستفته إذا لم يكن أهلًا.
الكهف 18:23
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿لا تَقُولَنَّ﴾ الخطاب هنا للرسول ﷺ كالخطاب في الآية التي قبلها، ﴿لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أي: في شيء، ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكروا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٥ / ١٤٣) من حديث ابن عباس.]] أن قريشًا أرسلت إلى اليهود في المدينة وقالوا: إن رجلًا بعث فينا يقول: إنه نبي، فقالوا لهم: اسألوه عن ثلاث: اسألوه عن فتية خرجوا من مدينتهم ولجؤوا إلى غار، ما شأنهم؟ واسألوا عن رجل ملك مشارق الأرض ومغاربها، واسألوه عن الروح، ثلاثة أشياء، فسألوا النبي ﷺ عن أصحاب الكهف، قال: «أُخْبِرُكُمْ غَدًا»، فتوقف الوحي نحو خمسة عشر يومًا لم ينزل عليه الوحي، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدري عن قصص السابقين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، ولكن الله عز وجل ابتلاه واختبره، فأمسك الوحي خمسة عشر يومًا، كما ابتلى سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سِبِيلِ اللَّهِ، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، ما قال: إن شاء الله، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن،» وما الذي حصل؟ «أَتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشِقِّ إِنْسَانٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٣٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]، حتى يري الله عز وجل عباده أن الأمر أمره، وأن الإنسان مهما بلغ في المرتبة عند الله عز وجل والوجاهة فإنه لا مفر له من قدر الله.
مكث الوحي خمسة عشر يومًا، ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام سوف يلحقه الغم والهم لئلا يتخذ هؤلاء القوم من تأخر إخباره بذلك وسيلة إلى تكذيبه، والحقيقة أن هذا ليس وسيلة إلى تكذيبه؛ يعني قد يقولون: وعدنا محمد بأنه يخبرنا غدًا ولم يفعل، أين الوحي الذي يدعي أنه ينزل عليه؟ لكن نقول: إن تأخر الوحي وتأخر إخبار النبي ﷺ بذلك يدل على أيش؟ على صدقه؛ لأنه لو كان كاذبًا لصنع قصة فيما بين ليلة وضحاها، صنع قصة وقال: هذا قصتهم؛ لئلا يتهموه، فتأخر الوحي والنبي ﷺ لم يخبرهم يدل على كمال صدقه ﷺ.
﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لا تقل: إني فاعل إلا قولًا مقرونًا بمشيئة الله، وقرن ذلك بمشيئة الله يستفيد منه الإنسان فائدتين عظيمتين:
إحداهما: أن الله ييسر الأمر له؛ حيث فوضه إليه جل وعلا.
والثانية: إن كان حالفًا لم يحنث.
* ويستفاد من قوله: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ أنه لو قال: سأفعل هذا على سبيل الخبر لا على سبيل الجزم بوقوع الفعل، فإن ذلك لا يلزم أن يأتي فيه بالمشيئة؛ يعني: لو قال لك صاحبك: هل تمر عليَّ غدًا؟ فقلت: نعم، الآن قلت: إنك ستمر، لكن هل هذا خبر أو أنه سيقع ولا بد؟ الجواب: هذا خبر، أما إذا أردت أنه سيقع ولا بد فقل: إن شاء الله، وجه ذلك: أن الأول خبر عما في قلبك، والذي في قلبك حاصل الآن، وأما أنك ستفعل في المستقبل، فهذا خبر عن شيء لم يكن ولا تدري هل يكون أو لا يكون؟ انتبهوا لهذا الفرق.
إذا قال الإنسان: سأسافر غدًا؛ فإن كان يخبر عما في قلبه فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، لأيش؟ لأنه خبر عن شيء واقع، أما إذا كان يريد بقوله: سأسافر أنني سأنشئ السفر وأسافر فعلًا، فهنا لا بد أن يقول: إن شاء الله؛ ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ولم يقل: إني سأفعل، بل قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾، فلا تقل لشيء مستقبل: إن فاعله إلا مقرونًا بمشيئة الله.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني: اذكر ربك؛ أي: أمر ربك بأن تقول: إن شاء الله، ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقولها؛ لأن الإنسان قد ينسى، وإذا نسي فقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤ / ٣١٤)، وأبي يعلى (٣٠٨٦) واللفظ له من حديث أنس.]]، المشيئة إذا نسي الإنسان متى يقولها؟ إذا ذكرها، ولكن هل تنفعه؛ بمعنى أنه لو حنث لم تلزمه الكفارة أو لا تنفعه؟
من العلماء من قال: تنفعه حتى لو لم يذكر إلا بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين؛ لأن الله أطلق ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
ومن العلماء من قال: لا تنفعه، إلا إذا ذكر بزمن قريب بحيث ينبني الاستثناء على المستثنى منه، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
وسأضرب مثلًا يتبين به الأمر، إذا قلت: والله لأفعلن هذا، ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت بعد عشرة أيام، فقلت: إن شاء الله، ثم لم تفعل، بناء على أن من قال: إن شاء الله لم يحنث، هل ينفعه هذا أو لا؟
من العلماء من قال: ينفعه؛ لأنه هنا قال: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
ومنهم من قال: لا ينفعه؛ لأن الكلام لم ينبنِ بعضه على بعض، إذن ما الفائدة من أمر الله أن نذكره إذا نسينا؟ قال: الفائدة هو ارتفاع الإثم؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإذا نسيت فقلها إذا ذكرت، لكن هل تنفعك فلا تحنث أو يرتفع عنك بذلك الإثم؟ الظاهر الثاني؛ أنه يرتفع الإثم، وأما الحنث فإنه يحنث لو خالف؛ لأن الاستثناء بالنسبة للحنث لا ينفع إلا أن يكون متصلًا.
ثم الاتصال هل يقال: إن الاتصال معناه أن يكون الكلام متواصلًا بعضه مع بعض أو أن الاتصال ما دام في المجلس؟
فيه أيضًا خلاف؛ بعضهم يقول: ما دام في المجلس فهو متصل، وإذا قام عن المجلس فقد انقطع، قال: لأن النبي ﷺ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» أيش؟ «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]، فجعل التفرق فاصلًا.
ومنهم من قال: لا، العبرة باتصال الكلام بعضه مع بعض، والظاهر -والله أعلم- أنه إذا كان في مجلسه ولم يذكر كلامًا يقطع ما بين الكلامين فإنه لا بأس أن يستثني.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه بمعنى الرجاء إذا وقعت من مخلوق، وبمعنى الوقوع إذا وقعت من الخالق، انتبه، إذا وقعت من مخلوق فهي للرجاء، ومن الخالق فهي للوقوع، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم﴾ [النساء ٩٨، ٩٩]، نقول: (عسى) هنا واقعة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أيش؟ ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٨].
أما من الإنسان فهي للرجاء، فقوله عز وجل: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ هذه للرجاء، ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ أي: يدلني إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ هداية، وقد فعل أو لا؟ فعل عز وجل، لكن الرسول ﷺ أول ما قال: «سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا»[[أخرجه الطبري في التفسير (١٥ / ١٤٣) من حديث ابن عباس.]]، يحتاج إلى أن ينتظر أمر الله عز وجل، ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.
الكهف 18:24
﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ﴿لا تَقُولَنَّ﴾ الخطاب هنا للرسول ﷺ كالخطاب في الآية التي قبلها، ﴿لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أي: في شيء، ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكروا[[أخرجه الطبري في التفسير (١٥ / ١٤٣) من حديث ابن عباس.]] أن قريشًا أرسلت إلى اليهود في المدينة وقالوا: إن رجلًا بعث فينا يقول: إنه نبي، فقالوا لهم: اسألوه عن ثلاث: اسألوه عن فتية خرجوا من مدينتهم ولجؤوا إلى غار، ما شأنهم؟ واسألوا عن رجل ملك مشارق الأرض ومغاربها، واسألوه عن الروح، ثلاثة أشياء، فسألوا النبي ﷺ عن أصحاب الكهف، قال: «أُخْبِرُكُمْ غَدًا»، فتوقف الوحي نحو خمسة عشر يومًا لم ينزل عليه الوحي، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يدري عن قصص السابقين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، ولكن الله عز وجل ابتلاه واختبره، فأمسك الوحي خمسة عشر يومًا، كما ابتلى سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال: «لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً تَلِدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سِبِيلِ اللَّهِ، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، ما قال: إن شاء الله، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن،» وما الذي حصل؟ «أَتَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِشِقِّ إِنْسَانٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٣٩)، ومسلم (١٦٥٤ / ٢٥) من حديث أبي هريرة.]]، حتى يري الله عز وجل عباده أن الأمر أمره، وأن الإنسان مهما بلغ في المرتبة عند الله عز وجل والوجاهة فإنه لا مفر له من قدر الله.
مكث الوحي خمسة عشر يومًا، ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام سوف يلحقه الغم والهم لئلا يتخذ هؤلاء القوم من تأخر إخباره بذلك وسيلة إلى تكذيبه، والحقيقة أن هذا ليس وسيلة إلى تكذيبه؛ يعني قد يقولون: وعدنا محمد بأنه يخبرنا غدًا ولم يفعل، أين الوحي الذي يدعي أنه ينزل عليه؟ لكن نقول: إن تأخر الوحي وتأخر إخبار النبي ﷺ بذلك يدل على أيش؟ على صدقه؛ لأنه لو كان كاذبًا لصنع قصة فيما بين ليلة وضحاها، صنع قصة وقال: هذا قصتهم؛ لئلا يتهموه، فتأخر الوحي والنبي ﷺ لم يخبرهم يدل على كمال صدقه ﷺ.
﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لا تقل: إني فاعل إلا قولًا مقرونًا بمشيئة الله، وقرن ذلك بمشيئة الله يستفيد منه الإنسان فائدتين عظيمتين:
إحداهما: أن الله ييسر الأمر له؛ حيث فوضه إليه جل وعلا.
والثانية: إن كان حالفًا لم يحنث.
* ويستفاد من قوله: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ أنه لو قال: سأفعل هذا على سبيل الخبر لا على سبيل الجزم بوقوع الفعل، فإن ذلك لا يلزم أن يأتي فيه بالمشيئة؛ يعني: لو قال لك صاحبك: هل تمر عليَّ غدًا؟ فقلت: نعم، الآن قلت: إنك ستمر، لكن هل هذا خبر أو أنه سيقع ولا بد؟ الجواب: هذا خبر، أما إذا أردت أنه سيقع ولا بد فقل: إن شاء الله، وجه ذلك: أن الأول خبر عما في قلبك، والذي في قلبك حاصل الآن، وأما أنك ستفعل في المستقبل، فهذا خبر عن شيء لم يكن ولا تدري هل يكون أو لا يكون؟ انتبهوا لهذا الفرق.
إذا قال الإنسان: سأسافر غدًا؛ فإن كان يخبر عما في قلبه فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، لأيش؟ لأنه خبر عن شيء واقع، أما إذا كان يريد بقوله: سأسافر أنني سأنشئ السفر وأسافر فعلًا، فهنا لا بد أن يقول: إن شاء الله؛ ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ولم يقل: إني سأفعل، بل قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾، فلا تقل لشيء مستقبل: إن فاعله إلا مقرونًا بمشيئة الله.
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني: اذكر ربك؛ أي: أمر ربك بأن تقول: إن شاء الله، ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقولها؛ لأن الإنسان قد ينسى، وإذا نسي فقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤ / ٣١٤)، وأبي يعلى (٣٠٨٦) واللفظ له من حديث أنس.]]، المشيئة إذا نسي الإنسان متى يقولها؟ إذا ذكرها، ولكن هل تنفعه؛ بمعنى أنه لو حنث لم تلزمه الكفارة أو لا تنفعه؟
من العلماء من قال: تنفعه حتى لو لم يذكر إلا بعد يوم أو يومين أو سنة أو سنتين؛ لأن الله أطلق ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
ومن العلماء من قال: لا تنفعه، إلا إذا ذكر بزمن قريب بحيث ينبني الاستثناء على المستثنى منه، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
وسأضرب مثلًا يتبين به الأمر، إذا قلت: والله لأفعلن هذا، ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت بعد عشرة أيام، فقلت: إن شاء الله، ثم لم تفعل، بناء على أن من قال: إن شاء الله لم يحنث، هل ينفعه هذا أو لا؟
من العلماء من قال: ينفعه؛ لأنه هنا قال: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
ومنهم من قال: لا ينفعه؛ لأن الكلام لم ينبنِ بعضه على بعض، إذن ما الفائدة من أمر الله أن نذكره إذا نسينا؟ قال: الفائدة هو ارتفاع الإثم؛ لأن الله قال: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فإذا نسيت فقلها إذا ذكرت، لكن هل تنفعك فلا تحنث أو يرتفع عنك بذلك الإثم؟ الظاهر الثاني؛ أنه يرتفع الإثم، وأما الحنث فإنه يحنث لو خالف؛ لأن الاستثناء بالنسبة للحنث لا ينفع إلا أن يكون متصلًا.
ثم الاتصال هل يقال: إن الاتصال معناه أن يكون الكلام متواصلًا بعضه مع بعض أو أن الاتصال ما دام في المجلس؟
فيه أيضًا خلاف؛ بعضهم يقول: ما دام في المجلس فهو متصل، وإذا قام عن المجلس فقد انقطع، قال: لأن النبي ﷺ قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ» أيش؟ «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢ / ٤٧) من حديث حكيم بن حزام.]]، فجعل التفرق فاصلًا.
ومنهم من قال: لا، العبرة باتصال الكلام بعضه مع بعض، والظاهر -والله أعلم- أنه إذا كان في مجلسه ولم يذكر كلامًا يقطع ما بين الكلامين فإنه لا بأس أن يستثني.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ ﴿عَسَى﴾ هذه بمعنى الرجاء إذا وقعت من مخلوق، وبمعنى الوقوع إذا وقعت من الخالق، انتبه، إذا وقعت من مخلوق فهي للرجاء، ومن الخالق فهي للوقوع، فقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُم﴾ [النساء ٩٨، ٩٩]، نقول: (عسى) هنا واقعة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أيش؟ ﴿فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة ١٨].
أما من الإنسان فهي للرجاء، فقوله عز وجل: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ هذه للرجاء، ﴿أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ أي: يدلني إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ هداية، وقد فعل أو لا؟ فعل عز وجل، لكن الرسول ﷺ أول ما قال: «سَأُخْبِرُكُمْ غَدًا»[[أخرجه الطبري في التفسير (١٥ / ١٤٣) من حديث ابن عباس.]]، يحتاج إلى أن ينتظر أمر الله عز وجل، ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾.
الكهف 18:25
قال الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف ٢٥] ﴿لَبِثُوا﴾ أي: هؤلاء الفتية.
ذكرنا أن هذا ينقسم إلى؟
* طالب: إلى قسمين؛ (...) فلا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله، وإن كان يريد إيقاع الفعل يقول: إن شاء الله.
* الشيخ: نعم، إذا كان يخبر عما في نفسه فهذا لا يحتاج إلى أن يقول: إن شاء الله؛ لأن ما في نفسه قد وقع وقد شاءه الله عز وجل، مثل أن يسأل متى تسافر؟ قال: أسافر غدًا، هذا يخبر عما في نفسه وعما نواه، لا حاجة إلى أن يقول: إن شاء الله، أما إذا أراد تحقيق الفعل وإيقاع الفعل فلا بد أن يقول: إن شاء الله.
هل يمكن أن يفهم هذا التفصيل من الآية؟
* طالب: نعم؛ لأن الله قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ مؤكد.
* الشيخ: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ ولم يقل: سأفعل.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فاعل، كأنه أمر مؤكد أنني سأفعل، هذا من وجه، من وجه آخر: أن ما في ضميره قد شاءه الله، إذا كان يخبر عما في ضميره فقد شاءه الله، فلا حاجة أن يقول: إن شاء الله؛ لأنه يخبر عما في ضميره.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ ما معناها؟
* طالب: أي: اذكر أمر ربك إذا نسيت قل: إن شاء الله.
* الشيخ: نعم، إذا نسيت أن تقول: إن شاء الله فاذكر أمر الله عز وجل، واستغفر لذنبك؛ لأنك خالفت ما أمر الله به، وقيل: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أي: الاستثناء، هل يصلح الاستثناء منفصل عن المستثنى منه؟
* طالب: فيه خلاف.
* الشيخ: نعم، أيش الخلاف؟
* الطالب: بعضهم قال: ينفع الاستثناء ولو طالت المدة.
* الشيخ: ولو بعد مدة.
* الطالب: ولو بعد مدة.
* الشيخ: يعني: لو حلف أن يقول: والله لأفعلن كذا يوم جمعة ونسي أن يقول: إن شاء الله، في يوم الخميس ذكر فقال: إن شاء الله، ينفعه أو لا ينفعه؟
* الطالب: على هذا القول ينفعه.
* الشيخ: على هذا القول ينفعه، تمام. القول الثاني؟
* طالب: القول الثاني: أنه لا بد من الاتصال في الكلام.
* الشيخ: لا بد أن يكون الاستثناء متصلًا بالمستثنى منه، طيب، لكن ينفعه؟
* الطالب: ينفعه بحيث يرفع الإثم.
* الشيخ: في رفع الإثم عنه، تمام، هذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
يذكر أن الخليفة العباسي المنصور لما سمع أن أبا حنيفة رحمه الله ينكر قول ابن عباس: إن الاستثناء ينفع ولو بعد مدة[[أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره (١٣٣٣) عن ابن عباس بلفظ: أنه كان يرى الاستثناء ولو بعد سنة.">، وتعرفون أن المنصور من ذرية آل النبي ﷺ، وابن عباس يرى أن الاستثناء ينفع حكمًا ورفع إثم ولو طال الزمن، دعاه وقال: كيف تخالف ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، هذا من حظك، أرأيت الناس يبايعونك ويحلفون لك، فإذا قلنا بقول ابن عباس وخرجوا من عندك قالوا: إن شاء الله، وإذا قالوا: إن شاء الله بطلت اليمين التي بايعوك عليها. وهذا من ذكاء أبي حنيفة فلم ينكر عليه؛ لأنه لو صححنا قول ابن عباس لكان الذين يبايعون ويعاهدون الله إذا خرجوا قالوا: إن شاء الله، وحينئذٍ تبطل البيعة، فرجع؛ يعني: قصدي رفع عنه الملامة ولم يعاقبه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٦) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [الكهف ٢٥، ٢٦] إلى آخره ﴿لَبِثُوا﴾ يعني: أصحاب الكهف، ﴿فِي كَهْفِهِمْ﴾ يعني: الذي اختاروه لأنفسهم وناموا فيه.
﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ تكتب اصطلاحًا مربوطة (ثلاث) مربوطة بـ(مائة)، وتكتب (مائة) بالألف، لكن هذه الألف لا ينطق بها، ويخطئ من نسمعهم يقولون كثيرًا: ثلاث مَائَة، هذا غلط؛ كيف يقولون (مَائَة) وهي (مِائة) في القرآن الكريم ﴿لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾؟ وبعضهم يكتب (ثلاث) وحدها (ومائة) وحدها، وهذا أيضًا صحيح، وهي عندي كذلك مكتوبة: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾؛ (ثلاث) وحدها، و(مائة) وحدها، وهذه قاعدة صحيحة.
وقوله: ﴿مِائَةٍ سِنِينَ﴾ ﴿مِائَةٍ﴾ بالتنونين، و﴿سِنِينَ﴾ عطف بيان لـ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾؛ لأن (ثلاث مائة) لولا كلمة (سنين) لكنا لا ندري هل ثلاث مئة يوم أو ثلاث مئة أسبوع أو ثلاث مئة سنة؟ فلما قال: ﴿سِنِينَ﴾ بين ذلك، يقول: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ازدادوا على الثلاث مئة، فكم يكن لبثهم؟ ثلاث مئة وتسع سنوات.
قد يقول قائل: لماذا لم يقل ثلاث مئة وتسع سنين؟ قلنا: هذا بمعنى هذا ولا فرق، لكن القرآن العظيم أبلغ الكلام، فمن أجل تناسب الآيات ورؤوس الآيات قال: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، وليس كما قال بعضهم: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ بالشمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ بالقمرية، فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا، من الذي يشهد على الله أنه أراد ثلاث مئة سنين بالشمسية وتسع سنين زائدة بالقمرية؟ حتى لو وافقت أن ثلاث مئة سنين شمسية هي ثلاث مئة وتسع سنين بالهلالية، فإنه لا يمكن أن نشهد على الله بهذا؛ لأن الحساب واحد، وما هي العلامات التي يكون بها الحساب عند الله عز وجل؟ الأهلة؛ ولهذا نقول: إن القول: بأن ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ شمسية ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ يعني: قمرية قول ضعيف؛ أولًا: أنه لا يمكن أن نشهد على الله بأنه أراد هذا.
ثانيًا: أن عدة الشهور عند الله والسنوات هي بالأهلة؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ بعدها ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥].
﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ إذن لبثوا ثلاث مئة وتسع سنوات بالهلالية.
الكهف 18:26
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ﴿قُلِ﴾ يا محمد: الله أعلم بما لبثوا، وهذه الجملة تؤيد قول من يقول: إن قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ من قول الذين يتحدثون عن لبث أهل الكهف في كهفهم وهم اليهود الذين يدعون أن التوراة تدل على هذا، وعليه؛ على هذا القول يكون قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ مقولًا لقول محذوف والتقدير: وقالوا: لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، لكن هذا القول وإن قاله بعض المفسرين فالصواب خلافه، وأن قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ من قول من؟
* طالب: من كلام الله.
* الشيخ: من قول الله، ويكون قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ من باب التوكيد؛ أي: توكيد الجملة أنهم لبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين، والمعنى قل: الله أعلم بما لبثوا، وقد أعلمنا أنهم لبثوا كم؟ ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.
قال الله عز وجل: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: له ما غاب في السماوات والأرض، أو له علم غيب السماوات والأرض، وكلا الأمرين حق، و(السماوات) جمع (سماء)، وهي سبعة كما هو معروف، والأرض هي أيضًا سبع أرضين، فلا يعلم الغيب؛ غيب السماء والأرض إلا الله؛ ولهذا من ادعى علم الغيب فهو كاذب، والمراد بالغيب المستقبل.
وأما الموجود أو الماضي فمن ادعى علمه فليس بكافر؛ لأن هذا الشيء قد حصل وعلمه من علمه من الناس، لكن غيب المستقبل لا يكون إلا لله عز وجل؛ ولهذا من أتى كاهنًا يخبره عن المستقبل وصدقه فهو كافر بالله عز وجل؛ لأنه مكذب لقوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥].
أما ما كان واقعًا، فمن المعلوم أن ما كان واقعًا هو غيب بالنسبة لقوم وشهادة بالنسبة لآخرين، الآن ما في الشارع هو بالنسبة لنا غيب، بالنسبة لمن يشاهد هناك شهادة، ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ هذا يسميه النحويون فعل تعجب، فـ(أبصر) بمعنى ما أبصره، و(أسمع) بمعنى ما أسمعه، وهو غاية ما يكون من علو هذين الوصفين؛ البصر والسمع، فالله تبارك وتعالى يبصر كل شيء، يبصر دبيب النمل على الصفاة السوداء في ظلمة الليل، يبصر ما لا تدركه أعين الناس مما هو أخفى وأدق، كذلك في السمع يسمع كل شيء، يعلم السر وأخفى من السر، ويعلم الجهر، ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧].
تقول عائشة رضي الله عنها في قصة المجادلة التي ظاهر منها زوجها وجاءت تشتكي إلى الرسول ﷺ، وكانت عائشة في الحجرة، والحجرة صغيرة كما هو معروف، وكان الرسول ﷺ يحاور المرأة، وعائشة يخفى عليها بعض حديثها، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، تقول: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إني لفي الحجرة وإنه ليخفى عليَّ بعض حديثها، والله عز وجل فوق كل شيء، ومع ذلك سمع قولها ومحاورتها للرسول ﷺ»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة.]].
وفي الإيمان بأن الله تعالى ذو بصر نافذ لا يغيب عنه شيء، وذو سمع ثاقب لا يخفى عليه شيء، في الإيمان بذلك ما يقتضي للإنسان ألَّا يري ربه ما يكرهه الله، ولا يسمعه ما يكرهه الله؛ لأنك إذا آمنت بأن الله إن عملت أي عمل رآك، إن قلت أي قول سمعك، فهذا يوجب أن تخشى الله عز وجل، وألَّا تفعل فعلًا يكرهه الله، ولا تقول قولًا يكرهه الله عز وجل، لكن الإيمان ضعيف، فتجد الإنسان عندما يريد أن يقول أو أن يفعل لا يخطر بباله أن الله يسمع أو يرى إلا إذا نبه، الغفلة كثيرة، فيجب علينا جميعًا أن ننتبه لهذه النقطة العظيمة.
قال: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ﴿مَا لَهُمْ﴾ هل الضمير يعود على أصحاب الكهف أو على من في السماوات والأرض؟ الثاني هو المتعين؛ يعني: ليس لأحد ولي من دون الله، حتى الكفار وليهم الله عز وجل، وحتى المؤمنون وليهم الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢]، فالله ولي لكل أحد، وهذه هي الولاية العامة، أليس الله تعالى يرزق الكافرين، وينمي أجسامهم، وييسر لهم ما في السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر والنجوم والأمطار، وكذلك الأرض؟ هذه ولاية، ويتولى المؤمنين أيضًا، لكن هذه ولاية عامة.
الولاية الخاصة للمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، الولاية الخاصة تستلزم عناية خاصة، اللهم اجعلنا من أوليائك، تستلزم ولاية خاصة أن الله تعالى يسدد العبد، يفتح له أبواب العلم النافع والعمل الصالح؛ ولهذا قال: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ بماذا يخرجهم؟ بالعلم، فيعلمهم أولًا، ويخرجهم ثانيًا.
إذن ﴿مَا لَهُمْ﴾ أي: ما لأهل السماوات والأرض، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من سواه، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ أي: يتولى أمورهم ويدبِّرها، إعراب الجملة هذه: أن ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر دخلت عليها؛ على هذه الكلمة حرف الجر الزائد؛ لأنك لو حذفت (من) وقلت: ما لهم من دونه ولي لاستقام الكلام، لكن جاءت (مِن) من أجل التوكيد والتنصيص على العموم؛ يعني: لا يمكن أن يوجد لأهل السماوات والأرض ولي سوى الله عز وجل.
﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ لا يشرك أحدًا في حكمه، ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا﴾ لمن؟ ﴿لِلَّهِ﴾ [الأنعام ٥٧]، ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠]، والحكم كوني وشرعي؛ الخلق والتقدير وتدبير هذه الخلائق العظيمة، هذا كوني، والحكم بين الناس بالأوامر والنواهي، هذا شرعي.
فهل المراد بقوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ الأمران أو أحدهما؟ المراد الأمران، لا أحد يشرك الله عز وجل في حكمه لا الكوني ولا الشرعي.
* وفيه: دليل على وجوب الرجوع إلى حكم الله الشرعي، وأنه ليس لنا أن نشرع في دين الله ما ليس منه؛ لا في العبادات ولا في المعاملات.
وأما من قال من أهل العلم: إنه لنا أن نشرع في المعاملات ما يناسب الوقت، فهذا قول باطل؛ لأنه على قولهم لنا أن نجوز الربا، وأن نجوز الميسر، وأن نجوز كل ما فيه الكسب ولو كان محرمًا، ولا شك أن هذا قول باطل، فالشرع صالح لكل زمان ومكان، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.
الحكم الكوني هل أحد يشرك الله فيه؟ أبدًا، ولا أحد يدعي هذا، هل يستطيع أحد أن ينزل الغيث؟ لا، هل يستطيع أحد أن ينبت الأرض؟ لا، الحكم الكوني لا أحد يدعي الشركة فيه، الحكم الشرعي هو الذي محل اختلاف البشر، ودعوى بعضهم أن لهم أن يشرعوا للناس ما يرون أنه مناسبًا.
الكهف 18:27
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ هذا كالنتيجة لقوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾، فقوله: ﴿اتْلُ﴾ يشمل التلاوة اللفظية والتلاوة العملية، أما التلاوة اللفظية فظاهرة، تقول: فلان تلا عليَّ سورة الفاتحة، التلاوة الحكمية العملية أن تعمل بالقرآن، فإذا عملت به فقد تلوته؛ أي: تبعته؛ ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر ٢٩] يشمل التلاوة اللفظية والحكمية.
وقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ [الكهف ٢٧] الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن اعلم أن الخطاب الموجه للرسول ﷺ ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما دل الدليل على أنه خاص به فهو خاص به.
الثاني: ما دل الدليل أنه للعموم فهو للعموم.
الثالث: ما يحتمل الأمرين؛ فقيل: إنه عام، وقيل: إنه خاص وتتبعه الأمة لا بمقتضى هذا الخطاب ولكن بمقتضى أنه أسوتها وقدوتها.
مثال الأول الذي دل الدليل على أنه خاص به: قوله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، هذا لا شك أنه خاص به، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى ٦]، هذا خاص به.
ومثال الثاني الذي دل الدليل على أنه عام: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، فإن قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خطاب لمفرد ولَّا لجماعة؟ لجماعة وهم الأمة، لكن نادى زعيمَها ورسولَها؛ لأنهم تابعون له فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، إذن الخطاب يشمل النبي ﷺ وجميع الأمة.
ومثال ما يحتمل الأمرين: هذه الآية ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾، لكن هذه قد يقول قائل: إن فيها قرينة تدل على أنه خاص به كما سنذكرها إن شاء الله، لكن الأمثلة على هذا كثيرة، والصواب: أن الخطاب للأمة لكن وجه لزعيمها وأسوتها؛ لأن الخطابات الهامة إنما توجه للرؤساء والمتبوعين.
وقوله: ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ هو القرآن، وفي إضافة الرب إلى الرسول ﷺ دليل على أن ما أوحاه الله إلى رسوله من تمام عنايته به، ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ يعني: لا أحد يستطيع أن يبدل كلماته لا الكونية ولا الشرعية، أما الكونية فظاهر، لا أحد يستطيع أن يبدلها، فإذا قال الله تعالى: كن، في أمر كوني فلا يستطيع أحد أن يبدله، واضح؟
* طالب: لا يستطيع أحد أن يبدل كلمات الله عز وجل الكونية.
* الشيخ: الكونية لا أحد يستطيع، الشرعية لا أحد يستطيع شرعًا، فيكون النفي هنا ليس نفي الوجود ولكنه نفي للإمكان الشرعي، لا أحد يستطيع أن يبدل كلمات الله الشرعية على وجه شرعي، أبدًا، بل الواجب على الجميع أن يستسلموا لله عز وجل.
لو قال قائل: وجدنا من يبدل كلام الله، فإن الله تعالى أشار إلى هذا في قوله في الأعراب: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح ١٥]؟
قلنا: نعم، لكن هذا التبديل شرعي، والتبديل الشرعي قد يقع من البشر فيحرفون الكلم عن مواضعه، ويفسرون كلام الله بما لم يرده الله، ومن ذلك جميع المعطلة لصفات الله عز وجل أو لبعضها ممن بدلوا كلام الله.
﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ يعني: لن تجد أيها الرسول من دون الله عز وجل، ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أي: أحدًا تميل إليه وتلجأ إليه؛ لأن أصل الالتحاد من اللحد وهو الميل؛ يعني: لو أرادك أحد بسوء ما وجدت أحدًا يمنعك دون الله عز وجل، إذن عندما يصيب الإنسان شيء يتضرر به أو يخافه يلتجئ إلى من؟ إلى الله عز وجل، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن ٢١، ٢٢].
الكهف 18:28
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] إلى آخره، ﴿اصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ يعني: احبسها مع هؤلاء الذين يدعون الله دعاء مسألة ودعاء عبادة، ﴿بالغداة﴾ أول النهار، ﴿وَالْعَشِيِّ﴾ آخر النهار، مخلصين لله عز وجل ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ولا يريدون شيئًا من الدنيا؛ يعني: أنهم يفعلون ذلك لله وحده لا لأحد سواه.
وفي الآية إثبات الوجه لله عز وجل، وقد أجمع علماء أهل السنة على ثبوت الوجه لله تعالى؛ لدلالة الكتاب والسنة على ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧]، وقال النبي ﷺ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، وأجمع سلف الأمة وأئمتها على ثبوت الوجه لله.
ولكن هل يكون هذا الوجه مماثلًا لأوجه المخلوقين؟ اسمعوا يا إخواني ولا سيما الجدد، لا يمكن أن يكون وجه الله مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وقوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥] أي: شبيهًا ونظيرًا، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٢]، وهكذا كل ما وصف الله به نفسه فالواجب علينا أن نجريه على ظاهره، لكن بدون تمثيل.
فإن قال قائل: إذا أثبت لله وجهًا لزم من ذلك التمثيل، ونحمل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يعني: إلا فيما أثبته، كالوجه واليدين مثلًا؟
فالجواب: أن هذا مكابرة؛ لأننا نعلم حسًّا وعقلًا أن كل مضاف إلى شيء فإنه يناسب ذلك الشيء، أليس للإنسان وجه، وللجمل وجه، وللحصان وجه، وللفيل وجه، هل هذه الأوجه متفقة؟ لا، أبدًا، تناسب ما أضيفت إليه، بل إن الوقت والزمن له وجه، كما في قوله تعالى: ﴿آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران ٧٢]، ﴿وَجْهَ النَّهَارِ﴾ فأثبت للزمن وجهًا، هل يمكن لأحد أن يقول: وجه النهار مثل وجه الإنسان؟ لا يمكن.
إذن ما أضافه الله لنفسه من الوجه لا يمكن أن يكون مماثلًا لأوجه المخلوقين؛ لأن كل صفة تناسب الموصوف.
فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١ / ٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، فما الجواب؟
الجواب من أحد وجهين:
إما أن يقال: على صورة الله، لكن لا يلزم من كونه على صورته أن يكون مماثلًا له، الدليل أن النبي ﷺ أخبر بأن «أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٥)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٧) من حديث أبي هريرة.]]، ونحن نعلم أنه ليس هناك مماثلة بين هؤلاء والقمر، لكن على صورته من حيث العموم؛ إضاءةً وابتهاجًا ونورًا.
الوجه الثاني: أن يقال: على صورته؛ أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، فإضافة صورة الآدمي إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، ومن المعلوم أن الله ليس يصلي في المساجد، لكن أضيفت إلى الله على سبيل أيش؟ التشريف والتعظيم؛ ولأنها إنما بنيت لطاعة الله، وكقول صالح لقومه: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ [الشمس ١٣]، ومعلوم أن الله عز وجل ليست هذه الناقة له يركبها، لكن أضيفت إلى الله على سبيل التشريف والتعظيم، فيكون خلق آدم على صورته أو على صورة الرحمن؛ يعني: على الصورة التي اختارها من بين سائر المخلوقات.
قال الله تعالى في سورة الانفطار: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦، ٧] أي: جعلك ذا اعتدال، وهذا يشمل اعتدال القامة واعتدال الخلقة.
ففهمنا الآن -والحمد لله- أن الله تعالى له وجه حقيقي وأنه لا يشبه أوجه المخلوقين.
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ وفي هذا إشارة إلى الإخلاص؛ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فعليك أخي المسلم بالإخلاص حتى تنتفع بالعمل.
﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني: لا تعد عيناك عن هؤلاء السادة الكرام، ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بل اجعل نظرك إليهم دائمًا وصحبتك لهم دائمًا، وفي قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى أنه لو أن الرسول عليه الصلاة والسلام فارقهم لمصلحة دينية، فهل يدخل هذا في النهي أو لا؟ لا، النهي أن تترك أهل الخير للدنيا لا لمصلحة دينية.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ﴿لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ يعني: عن ذكره إيانا، أو عن الذكر الذي أنزلناه، فعلى الأول يكون المراد: أن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه دون قلبه داخل في الآية، وعلى الثاني يكون المراد: الرجل الذي أغفل الله قلبه عن القرآن، فلم يرفع به رأسًا ولم ير في مخالفته بأسًا.
﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ ولم يتبع الهدى، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ﴾ أي: شأنه، ﴿فُرُطًا﴾ أي: منفرطًا عليه، تمضي الأيام والليالي ولا يحس بشيء.
* وفي هذه الآية: إشارة إلى أهمية حضور القلب عند ذكر الله، وأن الإنسان الذي يذكر الله بلسانه لا بقلبه تنزع البركة من أعماله وأوقاته حتى يكون أمره فرطًا عليه، تجده يبقى الساعات الطويلة وهو لم يحصِّل شيئًا، لكن لو كان قلبه مع الله لحصلت له البركة في جميع أعماله، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.
الكهف 18:29
ثم قال عز وجل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الكهف ٢٩] ﴿قُلِ﴾ الخطاب لمن؟ للرسول ﷺ؛ أي: قلها معلنًا، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ لا من غيره، فلا تطلب الحق من طريق غير طريق الله عز وجل؛ لأن الحق من عند الله.
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ والأمر في قوله: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ للتهديد وليس للإباحة وليس للإيجاب، بل هو للتهديد، كما يهدد الإنسان غيره فيقول: افعل كذا، أو إن كنت صادقًا فافعل كذا، ويدل لذلك قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ يعني: من كفر فله النار قد أعدت.
وقوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ المراد به الكافرون، والدليل على هذا قوله: ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾.
فإذا قال قائل: هل الكفر يسمى ظلمًا؟ الجواب: نعم، كما قال عز وجل: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، ولا أحد أظلم ممن جعل مع الله شريكًا وهو الذي خلقه وأمده وأعده.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ ﴿أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أي: بالنار، ﴿سُرَادِقُهَا﴾ ما حولها؛ يعني: أن النار قد أحاطت بهم، والعياذ بالله، لا يمكن أن يفروا عنها يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ يعني: أن أهل النار -أعاذني الله وإياكم منها- إذا عطشوا عطشًا شديدًا، وذلك بأكل الزقوم أو بغير ذلك أغيثوا بهذا الماء أغيثوا بماء كالمهل، تقول: كعكل الزيت؛ يعني: تفله أو ما أشبه ذلك مما هو منظر كريه ولا تقبله النفوس، كما قال الله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: كالصديد، ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم ١٧].
﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ أعوذ بالله، إذا قرب منها شواها وتساقطت؛ لأنها تنهري -والعياذ بالله- من شدة فيح هذا الماء، وإذا وصل إلى أمعائهم قطعها، كما قال جل وعلا: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد ١٥]، وما أعظم الوجع والألم فيمن تقطع أمعاؤهم من الداخل، لكن مع ذلك تقطع وتعاد كالجلود، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦]، الله أكبر، سبحان القادر على كل شيء! وبلحظة يكون هذا الشيء متتابع، كلما نضجت بدلوا، كلما تقطعت الأمعاء فإنها توصل بسرعة.
يقول عز وجل: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا قدح في هذا الشراب، و﴿بِئْسَ﴾ فعل ماضٍ لإنشاء الذم، بئس الشراب شرابهم، والعياذ بالله، ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: قبح مرتفقها والارتفاق بها، الْمُرْتَفَق: ما يرتفق به الإنسان من سكن، قد يكون حسنًا وقد يكون سيئًا، في الجنة: حسنت مرتفقًا، في النار: ساءت مرتفقًا.
الكهف 18:30
ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف ٣٠] هذا من أسلوب القرآن أنه سبحانه وتعالى إذا ذكر أهل النار ذكر أهل الجنة، وهذا من معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣] أي: تثنى فيه المعاني والأحوال والأوصاف؛ ليكون الإنسان جامعًا بين الخوف والرجاء في سيره إلى ربه، وسبق الكلام على قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ كان الذي يتوقعه الإنسان أن يقول: إنا لا نضيع أجرهم، ولكنه عز وجل قال: ﴿أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾؛ لبيان العلة في ثواب هؤلاء وهو أنهم أحسنوا العمل، و﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، هذا من وجه معنوي، الوجه اللفظي أن تكون رؤوس الآي متوافقة متطابقة؛ لأنه لو قال: إنا لا نضيع أجرهم، اختلفت رؤوس الآي.
﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ وبماذا يكون إحسان العمل؟ يكون بأمرين: الأول: الإخلاص لله عز وجل.
والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ.
ولا يخفى ما في الآية الكريمة من الحث على إحسان العمل.
الكهف 18:31
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ [الكهف: ٣١] المشار إليه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ و(الجنات) جمع (جنة)، وهي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه؛ فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، و(العدن) بمعنى (الإقامة)؛ يعني: جنات إقامة، ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحولًا عنها.
ومن تمام النعيم: أن كل واحد منهم لا يرى أن أحدًا أنعم منه، ومن تمام الشقاء في أهل النار: أن الواحد منهم لا يرى أحدًا أشد منه عذابًا، لكن هؤلاء لا يرون أن أحدًا أنعم منهم؛ لأنهم لو رأوا ذلك لتنغص نعيمهم حيث يتصورون أنه أقل.
قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ ما معنى هذه التركيبة ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾؟
* طالب: الرد على من زعم..
* الشيخ: يعني قصدي لماذا لم تكن الآية: ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وتسع سنين؟
* الطالب: للرد على اليهود؛ لأنهم زعموا أن في التوراة يوجد هذا العدد؛ عدد ثلاث مئة وتسعة.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: لأنهم قالوا: إن هذا بين الشمسية والقمرية يا شيخ، (...).
* الشيخ: لا، غلط أيضًا.
* طالب: قلنا: إن المعنيين بمعنى واحد أو الأسلوبين بمعنى واحد، ولكن من قول الله..
* الشيخ: يعني ثلاث مئة سنين وتسع سنين بمعنى ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.
* الطالب: ولكن قال الله تعالى ذلك -والله أعلم- لتناسب رؤوس الآيات.
* الشيخ: رؤوس الآيات، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾، طيب.
يرى بعض أهل العلم أن قوله: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ باعتبار السنوات الشمسية، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ باعتبار السنوات الميلادية، ماذا تقول؟
* طالب: قلنا: إن القول هذا غير صحيح؛ لأن عدة الشهور عند الله بالسنة الهلالية.
* الشيخ: نعم؛ لأن العدد المعتبر في التوقيت هي الأشهر الهلالية، ما دليلك؟
* طالب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦].
* الشيخ: طيب.
* طالب: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة ١٨٩].
* الشيخ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، طيب، آية ثالثة؟
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس ٥].
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، تمام.
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ استدل بعض المفسرين بهذه الجملة على أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ من قول أهل الكتاب؛ أي: وقالوا: ولبثوا، فما جوابك؟
* طالب: الجواب أن نقول: إن هذا من كلام الله عز وجل..
* الشيخ: أن قوله: ﴿وَلَبِثُوا﴾ من كلام الله، إذن كيف قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾؟
* طالب: هي (...) الله عز وجل.
* الشيخ: لتأكيد أيش؟ الجملة السابقة أنهم لبثوا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا، فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، وقد أخبرنا سبحانه وتعالى أنهم لبثوا ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعًا.
قوله: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي الحكمين؛ الكوني أو الشرعي؟
* طالب: الكوني والشرعي.
* الشيخ: المراد الحكمان، نعم، أما الكوني فلا أحد يستطيع أن يغير حكم الله، وأما الشرعي فقد يغير حكم الله ولكنه ليس مأذونًا له في ذلك، فيكون النفي لنفي مشروعيته، طيب، بارك الله فيك.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ له معنيان؟
* طالب: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي..
* الشيخ: تلاوة قراءة.
* الطالب: تلاوة القراءة اللفظية، وتلاوة القراءة المعنوية.
* الشيخ: إي، يعني: الاتباع؛ ﴿اتْلُ﴾ يعني بذلك: اتله لفظًا، واتله أيضًا اتباعًا؛ لأن المتبع يقال: تلا فلانًا؛ أي: تابعه.
قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ معناها؟
* طالب: أي: لا تنظر لغيرهم.
* الشيخ: لا تنظر لغيرهم، هل هذا النهي مقيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بقوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، بارك الله فيك.
ماذا نستفيد من قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾؟
* طالب: ينبغي أن يكون الإنسان حاضر القلب..
* الشيخ: عند ذكر الله، تفيد أنه لا بد من حضور القلب عند ذكر الله عز وجل. هل الناس الآن واقعون في هذه الغفلة؟
* طالب: كثير.
* الشيخ: كثير، أحسنت، ولا سيما إذا كان الإنسان في الصلاة، فإن الشيطان يتسلط عليه ليغفل قلبه عن ذكر الصلاة الذي هو متلبس به.
هل في الآية ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ ما يدل على أن الكفر ظلم؟
* طالب: يدل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.
* الشيخ: بعد قوله: ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾. وهل عندك آية تدل على أن الكافر ظالم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾..
* الشيخ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، بارك الله فيك.
* طالب: أحسن الله إليك، ما فائدة قوله تعالى: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ هذه زيادة، ما اكتفى بقوله: أحاطت بهم؟
* الشيخ: إي نعم، يعني معناه: أن النار لها سرادق -وهو ما حولها- محيط بهؤلاء، وهو أبلغ من الإحاطة بها؛ لأن هذا السرادق محيط بالنار وبأهل النار.
* طالب: إن الله جل وعلا إذا ذكر قولًا أو شيئًا ثم سكت عنه كأنها موافقة، فمنه قوله تبارك وتعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، في قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، هذا من المعلوم أنه محرم ومع ذلك سكت الله عنه، ولم..؟
* الشيخ: لا، ما سكت، جاء في السنة بأنه منكر. وقد يقول قائل: إنه في شريعة هؤلاء ليس حرامًا، أليس الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩ / ٦) من حديث أبي سعيد.]]، خبر ولم ينه عنه، لكن جاء النهي عنه في نصوص أخرى.
* طالب: قول الله تعالى ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ إلى أي شيء؟
* الشيخ: ﴿أَبْصِرْ﴾ قلنا لكم: هذه تعجب؛ يعني: ما أبصره وما أسمعه!
* طالب: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، ﴿ذِكْرِنَا﴾ ما المراد بها؟
* الشيخ: ذكرنا فيها قولين: ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: عن ذكره إيانا، أو ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾: عن الذكر الذي أنزلنا وهو القرآن، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، قلنا: الآية شاملة لهذا ولهذا، شاملة للأمرين.
* طالب: (...) عن ذكره؟
* الشيخ: إيانا؛ يعني: هو يذكر بلسانه لكن قلبه غافل، وهذا حال كثير من الناس اليوم.
* طالب: فضيلة الشيخ في الدرس الماضي لما عثر عليهم القوم؛ قوم أهل الفتية أصحاب الكهف، لما عثروا عليهم هل أعثروا عليهم بعدما.. لأنهم تنازعوا عليهم وبنوا عليهم مسجدًا على قبورهم؛ يعني: أمراؤهم أمروهم أن يبنوا مسجدًا على قبورهم، فهل معنى ذلك أنهم عثروا عليهم بعدما توفوا؟
* الشيخ: إي، بعدما توفوا.
* طالب: أحسن الله إليك، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ هل يؤخذ منه عدم العذر بالإجبار؟
* الشيخ: ما هو ظاهر؛ لأن هؤلاء قد يذكرون بيان الواقع؛ أن هذا أو هذا سيكون.
قال الله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ﴾ (الأنهار) جمع (نهر)، وهي أربعة أنواع ذكرها الله تعالى في سورة محمد ﷺ قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، وهنا قال: ﴿تَحْتِهِمُ﴾ وفي آية أخرى يقول: ﴿تَحْتِهَا﴾ والمعنى واحد؛ لأنه إذا كانت الأنهار تجري تحت أشجارها وقصورها فهي تجري تحتها بلا شك.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات، ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ قال بعضهم: إن (من) هنا زائدة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان ٢١]، فـ(من) زائدة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن (من) لا تزاد في الإثبات، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
وإذا بطل هذا القول، فإن (من) إما أن تكون للبيان؛ لأن أساور من أي شيء؛ من فضة، من حديد، من ذهب، من زبرجد؟ ما ندري، فتكون (من) أيش؟ بيانية، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ إما أن تكون للتبعيض؛ يحلون فيها بعض أساور؛ لأن الأساور الكثيرة العظيمة توزع عليهم، فتكون (من) للتبعيض؛ يعني: بعض أساور؛ أي: يحلى كل واحد منهم شيئًا من هذه الأساور، وحينئذٍ لا يكون فيه إشكال.
﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ هذه (من) بيانية، (من) بيان لأساور أنها من ذهب، ولكن لا تحسبوا أن الذهب الذي في الجنة كالذهب الذي في الدنيا يختلف اختلافًا عظيمًا.
قال بعضهم: إن (مِن) هنا زائدة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان ٢١]، فـ(مِن) زائدة، لكن هذا القول ضعيف؛ لأن (مِن) لا تُزاد في الإثبات، كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ)
وإذا بطل هذا القول فإن (مِن) إما أن تكون للبيان؛ لأن أساور من أي شيء؟ من فضة، من حديد، من ذهب، من زبرجد، ما ندري فتكون (مِن) أيش؟ بيانية.
﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [الكهف ٣١]، إما أن تكون للتبعيض، يحلون فيها بعض أساور؛ لأن الأساور الكثيرة العظيمة توزع عليهم، فتكون (من) للتبعيض، يعني بعض أساور؛ أي يُحلى كل واحد منهم شيئًا من هذه الأساور، وحينئذ لا يكون فيه إشكال.
و﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾، هذه (من) بيانية، ﴿مِنْ﴾ بيان لأساور أنها من ذهب، ولكن لا تحسبوا أن الذهب الذي في الجنة كالذهب الذي في الدنيا، يختلف اختلافًا عظيمًا؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَر عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، ولو كان كذهب الدنيا لكانت العين رأته، ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾.
﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ﴾، السندس: ما رق من الديباج والحرير، ﴿يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾، وخصها بالـ(خُضْر)؛ لأن اللون الأخضر أشد ما يكون راحة للعين، ففيه جمال، وفيه راحة للعين لناظره، و ﴿مِنْ سُندُسٍ﴾.
وقوله: ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾، هذا ما غلظ من الديباج، فالسندس الديباج الرقيق، والإستبرق الديباج الغليظ.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾؛ ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ هذا حال من قوله تبارك وتعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، يعني حال كونهم متكئين فيها، والاتكاء يدل على راحة النفس، وعلى الطمأنينة.
﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾؛ جمع أريكة، والأريكة نوع من المرتفق الذي يرتفق فيه، وقيل: إن الأريكة هي الخيمة الصغيرة المغطاة بالثياب الجميلة، تشبه ما يسمونه بالكوخ، يعني أن كل واحد منهم يكون متكئًا على هذا، فهي إذن عبارة عن حجلة صغيرة، وفيها أَسِرَّة يتكئون فيها.
﴿عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ﴾، هذا إنشاء للمدح، مدح هذه الجنة وما فيها من النعيم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾؛ ففيها الثناء على هذه الجنة بأمرين: بأنها نعم الثواب وأنها حسنت مرتفقا، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤].
الكهف 18:32
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف ٣٢]، ﴿اضْرِبْ﴾ بمعنى: اجعل وصَيِّر، ﴿لَهُمْ﴾ أي: للكفار من قريش وغيرهم، ﴿مَثَلًا﴾ مفعول (اضرب)، وبيّن هذا المثل بقوله: ﴿رَجُلَيْنِ﴾ وعلى هذا فيكون ﴿رَجُلَيْنِ﴾ عطف بيان، وتفسير للمثل، ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا﴾؛ أي لأحد الرجلين، ﴿جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾، أغلب ما في الجنتين العنب، وأطراف الجنتين النخيل، وما بينهما زرع، ففيها الفاكهة والغذاء من الحب وثمر النخيل.
الكهف 18:33
يقول عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف ٣٣]، ولم يقل: أتتا أكلها؛ لأنه يجوز مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى في (كلتا)، وقد اجتمع ذلك؛ أي مراعاة اللفظ والمعنى في قول الشاعر:
كِلَاهُمَا حِينَ جَدَّ الْجَرْيُ بَيْنَهُمَا ∗∗∗ قَدْ أَقْلَعَا وَكِلَا أَنْفَيْهِــــــــــــــــــمَارَابِي
يشير إلى فرسين تسابقا، فيقول: (كلاهما)، أي كلا الفرسين، (حين جد الجري بينهما): يعني المسابقة، (قد أقلعا): وقفا، (وكلا أنفيهما رابي) يعني: منتفخ؛ لأنه مع شدة الجري تنتفخ مناخر الفرسين الشاهد (كلاهما حين جد الجري بينهما قد أقلعا)، ولم يقل: قد أقلع، (وكلا أنفيهما رابي) ولم يقل: رابيان، ففي البيت مراعاة المعنى ومراعاة اللفظ، وهنا ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ مراعاة أيش؟
* طالب: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ يعني ثمرها، ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: لم تنقص، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا﴾ كان خلال الجنتين نهر، لو تصورت المشهد لتصورت مشهدًا عظيمًا، جنتان فيهما كل مقومات الغذاء، أعناب وأيش؟ ونخيل وزرع، ثم بينهما هذا النهر المُطّرد.
الكهف 18:34
﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٣، ٣٤]، ﴿كَانَ﴾ يعني أحد الرجلين، ﴿لَهُ ثَمَرٌ﴾ كأن له ثمرًا زائدًا على ما تثمره هاتان الجنتان، ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ في الكلام، يتجاذبان الكلام، ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، افتخر عليه بشيئين: أولًا: كثرة المال. وثاني: عز العشيرة والقبيلة، ولهذا قال: ﴿أَعَزُّ نَفَرًا﴾، فافتخر عليه بالغنى والحسب.
﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ يقول ذلك افتخارًا ولّا تحدثًا بنعم الله؟
* طلبة: افتخارا.
* الشيخ: يقوله افتخارًا بدليل العقوبة التي حصلت عليه، والله أعلم.
* * *
وأيضًا لتناسب رؤوس الآيات.
قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾، الأساور جمع سوار، أو أسْوِرة، وأسورة جمع سوار، نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: وما هو السوار؟
* الطالب: ما تلبسه المرأة (...).
* الشيخ: لا، يعني معناه أنه ما يلبس الأسورة في الجنة إلا النساء؟
* الطالب: ما يلبسه الشخص في يده.
* الشيخ: نعم، ما يتحلى به في يده.
الواقع أن الله عز وجل ذكر لهم أساور من ذهب وفضة ولؤلؤ، يعني أصنافا ثلاثة، وإذا اجتمعت في ذراع الإنسان فهي من أكمل ما يكون رؤية وانشراحًا.
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ هذا مبتدأ درس اليوم؟
* طالب: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
* الشيخ: نعم، قول الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رجلين﴾، هل هذا المثل حقيقي أو تقديري؟ بمعنى: هل هذا الشيء واقع أو أنه شيء مقدر ضربه الله تعالى مثلًا؟ أظن هذه لم نتعرض لها، لكن الآن نتعرض لها، نقول: من العلماء من قال: إنه مثل تقديري؛ كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل ٧٦]، وقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر ٢٩]، وما أشبه هذا، فيكون هذا مثلًا تقديريًّا وليس واقعيًّا، ولكن السياق وما فيه من المحاورة والأخذ والرد يدل على أنه مثل حقيقي واقعي، ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أحدهما أنعم الله عليه في الدنيا، والثاني لم يكن له مثله، بماذا افتخر صاحب الجنتين؟
* طالب: بالمال، والسلطان.
* الشيخ: بالمال وأيش؟
* الطالب: بالمال، والسلطان.
* الشيخ: بالمال والثاني ويش؟
* الطالب: العزة.
* طالب آخر: القبيلة يا شيخ، إنه من قبيلة..
* الشيخ: يعني بالمال والعشيرة.
الكهف 18:35
قال الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [الكهف ٣٥]، يعني أحد الرجلين، ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قوله: ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ مع أنه قال: ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنتَينِ﴾، فإما أن يراد الجنس، وإما أن يراد إحدى الجنتين وتكون العظمى منهما هي التي دخلها، ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، الجملة حالية، يعني: والحال أنه ظالم لنفسه، وبماذا ظلم نفسه؟ ظلم نفسه بالكفر كما سيتبين.
﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، يعني ما أظن أن تفنى وتزول أبدًا، أُعجب بها وبما فيها من القوة وحسن المنظر وغير ذلك، حتى نسي أن الدنيا كلها تزول وأنها لا تبقى لأحد، ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ من إعجابه بها.
الكهف 18:36
ثم أضاف إلى ذلك: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف ٣٦]، والعياذ بالله، أنكر البعث؛ لأن إذا كانت جنته لا تبيد فهو يقول: وأيضًا أنا لا أبيد، ولا موت ولا بعث، ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ والمراد بالساعة ساعة البعث.
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾، ﴿لَئِنْ رُدِدْتُ﴾ يعني على فرض أن تقوم الساعة، وأُرَد إلى الله، ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا، فكأنه يقول: إن الله لما أنعم الله عليه في الدنيا فلا بد أن يُنعم عليه في الآخرة، وهذا قياس فاسد؛ لأنه لا يلزم من التنعيم في الدنيا أن يُنعَّم الإنسان في الآخرة، ولا من كون الإنسان لا ينعم في الدنيا ألا ينعم في الآخرة، لا تلازم بين هذا وهذا، بل إن الكفار يُنعّمون في الدنيا وتُعجّل لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولكنهم في الآخرة يعذبون.
إذن ﴿لَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ لا إشكال فيها، فإن بعض الناس يقول: كيف يكون هذا وهو قد أنكر البعث؟ والجواب أيش؟ أنه على سبيل الفرض، يعني إن رددت فسأجد خيرًا من ذلك، وهذا كقوله تبارك وتعالى في سورة فصلت: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٤٩، ٥٠]، هذا مثل هذا، فهم قاسوا أمر الآخرة على أمر الدنيا ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾.
الكهف 18:37
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف: ٣٧]، أي: يناقشه في الكلام، ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، ذكّره أصله، والهمزة هنا للإنكار، ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، أما قوله: ﴿خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ فلأن آدم أبو البشر خلق من تراب، وأما من نطفة فلأن بني آدم خلقوا من نطفة، يعني فكأنه يقول: إن الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا قادر على أيش؟ على البعث الذي أنت تنكره، ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ﴾ يعني: عدلك وصَيّرك رجلًا، وهذا الاستفهام للإنكار بلا شك، ثم هل يمكن أن نجعله للتعجب أيضًا؟ يمكن أن يكون للإنكار والتعجب، يعني كيف تكفر بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا؟ نعم، ويستفاد من هذا أن منكِر البعث كافر، ولا شك في هذا كما قال عز وجل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن ٧].
الكهف 18:38
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨]، أصل ﴿لَكِنَّا﴾ لكن أنا، لكن حذفت الهمزة تخفيفًا، وأدغمت النون الساكنة الأولى في النون الثانية المفتوحة فصارت ﴿لَكِنَّا﴾، وهل تقرأ بالألف وصلًا ووقفًا أو بالألف وقفًا فقط؟
فيها قراءتان؛ فمنهم من قال: تقرؤها بالألف ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ وصلًا ووقفًا، ومنهم من قال: إنك إذا وقفت وقلت: ﴿لَكِنَّا﴾ تقف، إذا وقفت فبالألف، وإن أدرجت فبدون ألف؛ فتقول: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فهما قراءتان.
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١]، وعلى هذا فتكون (هو) ضمير الشأن، يعني: الشأن أن الله تعالى ربي ولا أشرك بربي أحدًا، وهذا كقول ابن آدم لأخيه قابيل: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة ٢٧]، يعني: أنت كفرت ولكني أنا أعتز بإيماني وأؤمن بالله عز وجل.
الكهف 18:39
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ [الكهف: ٣٩] يعني: هلّا ﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾، أي: حين دخولك إياها، ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾، حتى تجعل الأمر مفوضًا إلى من؟ إلى الله عز وجل، وقوله: ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فيها وجهان:
الوجه الأول: أن ﴿مَا﴾ اسم موصول خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا ما شاء الله.
والثاني: أن ﴿مَا﴾ شرطية، و﴿شَاءَ اللَّهُ﴾ فعل الشرط، وجوابه محذوف، والتقدير ما شاء الله كان.
﴿لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ يعني تفويض القوة إلى الله عز وجل، فهو الذي له القوة المطلقة، القوة جميعا، يعني: وهذه الجنة ما صارت بقوتك أنت ولا بمشيئتك أنت، ولكنها بمشيئة الله وقوته، وينبغي للإنسان إذا أعجبه شيء من ماله أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، حتى يُفوّض الأمر إلى الله عز وجل لا إلى حوله وقوته، وقد جاء في الأثر: أن من قال ذلك في شيء يعجبه من ماله فإنه لن يرى فيه مكروهًا.
قال الله عز وجل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي﴾ [الكهف ٣٩، ٤٠]، ﴿إِنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط (تَرَ)، والنون للوقاية، والياء محذوفة للتخفيف، والأصل: إن ترني، ﴿أَنَا﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
﴿أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ يعني: أنت إن احتقرتني بكوني أقل منك مالا وأقل منك ولدا، ولست مثلك في عزة النفر.
الكهف 18:40
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ إلى آخره، جملة ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ هي جواب الشرط، وقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي﴾ هل هي للترجي أو للتوقع؟ فيها احتمالان:
الاحتمال الأول: أنها للترجي، وأن هذا دعا أن يؤتيه الله خيرًا من جنته، وأن يرسل على جنته حسبانًا من السماء؛ لأنه احتقره واستذله، فدعا عليه بمثل ما فعل به من الظلم، ولا حرج على الإنسان أن يدعو على ظالمه بمثل ما ظلمه.
الوجه الثاني: أنه دعا عليه من أجل أن يعرف -هذا المفتخر- يعرف ربه عز وجل، ويدع الإعجاب بالمال، وهذا من مصلحته، فكأنه دعا أن يؤتيه الله ما يستأثر به عليه خيرًا من جنته، وأن يُتلف هذه الجنة حتى يعرف هذا الذي افتخر بجنته وعزة نفره، أن الأمر أمر الله عز وجل، فكأنه دعا عليه بما يضره لمصلحةٍ هي أيش؟ هي أعظم، كون الإنسان يعرف نفسه ويرجع إلى ربه خير له من أن يفخر بماله ويعتز به، هذا إذا جعلنا عسى للترجي.
ويحتمل أن تكون عسى للتوقع لا للترجي، المعنى إن كنت ترى هذا فإنه يُتوقع أن الله تعالى يُزيل عني ما عبتني به، ويُزيل عنك ما تفتخر به، وأيًّا كان فالأمر وقع، إما استجابة لدعائه وإما تحقيقًا لتوقعه.
﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾، على أيش؟ على جنته ﴿حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، والمراد بالحسبان هنا ما يدمرها من صواعق، أو عذاب آخر.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ خص السماء؛ لأن ما جاء من الأرض قد يدافع؛ لأن لو نفرض أنه جاءت أمطار وسيول جارفة يمكن أن تُدافع، نيران محرقة تسعى وتُحرق أمامها يمكن أن تُدافع، لكن من السماء صعب.
﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، ﴿تُصْبِحَ صَعِيدًا﴾ يعني: لا نبات فيها، ﴿زَلَقًا﴾ يعني: قد غمرتها المياه حتى صارت زلقًا.
الكهف 18:41
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١]، عكس الزلق، بمعنى ألا يوجد فيها ماء، فدعا دعوة يكون فيها زوال هذه الجنة إما بماء يغرقها حتى تصبح أيش؟
* طالب: هشيمًا (...).
* الشيخ: لا، ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾، وإما بغور لا سقيا معه؛ لقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، وكلا الأمرين تدمير وتخريب، الفيضانات تدمر المحصول، وغور الماء حتى لا نستطيع أن نطلبه لبعده في قاع الأرض أيضًا يدمر المحصول.
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ﴾، ﴿غَوْرًا﴾ بمعنى غائر، فهو مصدر بمعنى اسم الفاعل، ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، فماذا كان بعد هذا التوقع أو بعد هذا الدعاء؟
الكهف 18:42
قال الله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف ٤٢] أحيط بثمر من؟ صاحب الجنتين، فهلكت الجنتان ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ﴾ إلى آخره، أصبح يُقلب كفيه من الندم، تعرفون الإنسان إذا ندم يُقلب كفيه: ويش اللي حصل؟ ويش اللي كان؟ ﴿عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾، وهذا يدل على أنه أنفق فيها شيئًا كثيرًا، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ نعوذ بالله ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾، خاوية: يعني هامدة، ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ جمع عرش، أو عريش، وهو ما يوضع لتتمدد عليه أغصان الأعناب وغيرها، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
لكن بعد أن فات الأوان يتندم: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، ولكن الندم بعد فوات الأوان لا ينفع، إنما ينفع من سمع القصة، من سمع القصة فسوف ينتفع، أما من وقعت عليه فلا ينفعه؛ لأنه قد فات الأوان.
الكهف 18:43
قال الله عز وجل: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ [الكهف ٤٣]، الله أكبر، الذي كان يفتخر به يقول: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، لم تنفعه، لم تمنعه من عقوبة الله عز وجل، ولم ينتصر هو بنفسه، ففاته ما كان يفتخر به؛ لأنه -والعياذ بالله- كفر وحاور المؤمن وعوقب بهذه العقوبة.
الكهف 18:44
قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف ٤٤]، ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ﴾ فيها قراءتان: ﴿الوِلَايَةُ﴾ و﴿الْوَلَايَةُ﴾، فـ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بمعنى النصرة، كما قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال ٧٢]، والوِلاية بمعنى الملك والسلطة، فيوم القيامة لا نصرة ولا ملك إلا لمن؟ لله الحق سبحانه وتعالى، وإذا كان ليس هناك انتصار ولا سلطان إلا لله فإن جميع من دونه لا يفيد صاحبه شيئًا.
﴿هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ ﴿هُوَ﴾ الضمير يعود على الله، ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ من غيره، إذا أثاب على العمل فهو ﴿خَيْرٌ ثَوَابًا﴾؛ لأن غير الله إن أثاب يثيب على العمل بمثله، وإن زاد يزيد شيئًا يسيرًا، أما الله عز وجل فإنه يثيب العمل بعشرة أمثاله إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، كذلك هو ﴿خَيْرٌ عُقْبًا﴾ جل وعلا؛ لأن من كان عاقبته نصر الله عز وجل وتولِّيه فلا شك أن هذا خير من كل ما سواه، جميع العواقب التي تكون للإنسان على يد البشر تزول، لكن العاقبة التي عند الله عز وجل لا تزول.
انتهى ضرب المثل عند هذا، وفيه عبر كثيرة، فوائد، لكن من شرطنا في هذا الدرس ألا نذكرها.
الكهف 18:45
يقول ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ [الكهف ٤٥]، مثل آخر، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ يعني اجعل لهم مثلًا، ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وهو المطر، ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾، اختلط به يعني: أن الرياض صارت مختلطة بأنواع النبات المتنوع في أزهاره وأوراقه وأشجاره، كما تشاهدون في وقت الربيع، كيف تكون الأرض، سبحان الله، كأنها وشي من أحسن الوشيات، ﴿اخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ من كل نوع، ومن كل جنس.
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، (أصبح) يعني هذا النبات المختلط المتنوع ﴿أَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾؛ هامد، ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾: تحمله، هذا مَثل الحياة الدنيا، الآن الدنيا تزدهر للإنسان، وتزهو له، وإذا بها تخمد، بأي شيء؟ بموته أو فقد الدنيا، لا بد من هذا، إما أن يموت الإنسان وإما أن يفقد الدنيا.
هذا مَثل مطابق تمامًا، وهذا النوع من الأمثال ضربه الله تعالى في عدة سور من القرآن الكريم حتى لا نغتر بالدنيا ولا نتمسك بها، والعجب أننا مغترون بها، متمسكون بها مع أن أكدارها وهمومها وغمومها أكثر بكثير من صفوها وراحتها، والشاعر الذي قال:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَر
لا يريد فيما يظهر لنا المعادلة، لكن المعنى أنه ما من سرور إلا ومعه إساءة، وما من إساءة إلا معها سرور، لكن صفوها أقل بكثير من أكدارها، حتى المُنَعّمون بها ليسوا مطمئنين إليها، كما قال الشاعر الآخر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَارِالْمَـــــــــــــــــــــــــوْتِ وَالْهَرَمِ
﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، كان الله تعالى على كل شيء مقتدرًا، ما وُجد قادر على إعدامه وما عُدم قادر أيش؟
* طالب: على إيجاده.
* الشيخ: على إيجاده، وليس بين الإيجاد والعدم إلا كلمة كن، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
الكهف 18:46
ثم قال عز وجل مقارنا لما يبقى وما لا يبقى، قال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف ٤٦]، المال من أي نوع، سواء كان من العروض أو النقود أو الآدميين أو البهائم، ﴿وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولا تنفع الإنسان في الآخرة إلا ما قدم منها.
وذكر البنين دون البنات؛ لأنه جرت العادة أنهم لا يفتخرون إلا بأيش؟ إلا بالبنين، والبنات في الجاهلية مَهينات قد أهن بأعظم المهونة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل ٥٨]، أي: صار وجهه مسودًا وقلبه ممتلئًا غيظًا ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩]، يعني يختفي منهم، ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [النحل ٥٩]، ثم يقدر في نفسه ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل ٥٩]، بقي قسم ثالث: أن يمسكه على عز، وهذا عندهم غير ممكن، ليس به إلا أحد أمرين: إما أن يمسكه على هون وذل، أو يدسه في التراب يئده؛ قال الله عز وجل: ﴿أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل ٥٩].
﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الإنسان يتجمل بها، يتجمل عنده أولاد، قدر نفسك أنك صاحب قِرَى، يعني أنك مضياف، وعندك شباب خمسة، عشرة، يستقبلون الضيوف، تجد أن هذا في غاية ما يكون من السرور والراحة، هذه زينة، أليس كذلك؟ كذلك قَدِّر نفسك أنك تسير على فرس، وحولك هؤلاء الشباب يحوطونك من اليمين والشمال، ومن الخلف والأمام، ستجد شيئًا عظيمًا من الزينة، ولكن هناك شيء خير من ذلك، قال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾.
﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ هي الأعمال الصالحة من أقوال وأفعال، ومنها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومنها الصدقات، وغير ذلك، هذه هي الباقيات الصالحات.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾، ولا شك أن الأمر كما قال ربنا عز وجل: خَيْرٌ ثَوَابًا؛ أي: أجرًا ومثوبة، ﴿وخير أملًا﴾ أي: مؤملًا يؤمله الإنسان؛ لأن هذه الباقيات الصالحات كما وصف الله باقيات، أما الدنيا فهي أيش؟
* طلبة: فانية.
* الشيخ: فانية وزائلة.
الكهف 18:47
ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف ٤٧]، اذكر يوم نسير، وعلى هذا فـ﴿يَوْمَ﴾ ظرف عامله محذوف، التقدير: اذكر يوم نسير الجبال.
﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ إلى آخره، يعني: اذكر لهم للناس هذه الحال، وهذا المشهد العظيم يوم نسير الجبال، وقد بَيّن الله عز وجل في آية أخرى أنه يسيرها فتكون سرابًا، وتكون كالعهن المنفوش، وذلك أن الله تعالى يدك الأرض، وتصبح الجبال كثيبًا مهيلًا ثم تتطاير في الجو، هذا معنى تسييرها.
ومن ذلك، من الآيات الدالة على هذا قول الله تبارك وتعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨]، بعض الناس قال: إن هذه الآية في النمل، يعني دوران الأرض، وأنك ترى الجبال تظنها ثابتة ولكنها تسير، وهذا غلط، وقول على الله تعالى بلا علم؛ لأن سياق الآية متى؟ يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل ٨٧ - ٨٩]، والآية واضحة أنها يوم القيامة.
وأما زعم هذا الرجل القائل بذلك بأن يوم القيامة تكون الأمور حقائق، وهنا يقول: ﴿تَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا﴾ فلا حسبان في الآخرة فهذا غلط أيضًا؛ لأنه إذا كان الله أثبت هذا فيجب أن نؤمن به، ثم إن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت﴾ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج ١، ٢]، فإذا قلنا: إن زلزلة الساعة هي قيامها فأثبت الله أن الناس يراهم الرائي ويظنهم سكارى وما هم بسكارى.
على كل حال هذه قاعدة ينبغي لنا أن نفهمها، الواجب علينا أن نجري الآيات على ظاهرها، وأن نعرف السياق بأنه يُعَين المعنى، فكم من جملة في سياق جمل أخرى لو كانت في غير هذا السياق لكان لها معنى، ولكنها في هذا السياق يكون لها المعنى المناسب للسياق، ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة، الأرض؛ لأنها تكون قاعًا واحدًا، وهي الآن ما هي بارزة؛ لأنها مكورة أكثرها الآن غير بارز لنا أليس كذلك؟
ثم إن البارز لنا أيضًا كثير منه مختفٍ في الجبال لا نراه، لكن يوم القيامة لا جبال ولا كروية، تُمَد الأرض مد الأديم كما قال الله عز وجل: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٣]، ﴿إِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ معناها الآن غير ممدودة، الآن هي مكورة لكن يوم القيامة تُمَد، سبحان الله العظيم.
﴿وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ يعني: جمعناهم؛ أي: الناس جميعًا، بل إن الوحوش تُحشر كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير ٥]، بل غير الوحوش أيضًا كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، لما ذكر الدواب كلها، قال: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، أتلو الآية كلها أحسن: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ كل شيء يحشر، ولهذا يقول عز وجل هنا: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ يعني الناس جميعًا، وفي الآيات الأخرى أنه تحشر الوحوش، وأنها تحشر جميع الدواب.
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، الله أكبر، ﴿نُغَادِرْ﴾ يعني نترك، ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ كل الناس يُحْشرون، إن مات في البر حُشر، في البحر حُشر، في أي مكان، لا بد أن يُحشر يوم القيامة ويجمع.
الكهف 18:48
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] ﴿عُرِضُوا﴾ من العارض؟
* طالب: الله.
* الشيخ: الله عز وجل، ويحتمل أن الملائكة تأتي بعلم الله وتعرضهم عليه، ﴿عَلَى رَبِّكَ﴾ وهو الله سبحانه وتعالى.
﴿صَفًّا﴾ يعني: حال كونهم صفا، بمعنى صفوفا، فيحاسبهم جل وعلا، «أما المؤمن فإنه يخلو به سبحانه وتعالى وحده ويقرره بذنوبه، ويقول له: عملت كذا وعملت كذا، فيُقِر، فيقول له أكرم الأكرمين: إني قد سترتها عليك بالدنيا وأنا أغفرها لك اليوم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، اللهم لك الحمد، يغفرها الله عز وجل يوم القيامة فلا يؤاخذه عليها، وفي الدنيا يسترها، وهذا هو الواقع، الآن كم من ذنوب عندك في الخفاء؟ كثيرة، سواء كانت عملية في الجوارح الظاهرة أو عملية من عمل القلوب، تُستر، سوء الظن موجود، الحسد موجود، إرادة السوء بالمسلم -ما هو بكل المسلمين- موجود، وهو مستور عليك، أعمال أخرى من أعمال الجوارح موجودة، ولكن الله تعالى يسترها على العبد، إننا نؤمل إن شاء الله أن الذي سترها علينا في الدنيا أن يغفرها لنا في الآخرة، يغفرها الله عز وجل يقول: أغفرها لك اليوم.
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، الله أكبر، الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام، وقد، والقسم المقدر، يعني: والله لقد جئتمونا.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ليس معكم مال، ولا ثياب، ولا غير ذلك، بل ربما نقول: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، بل ما فُقِد منكم يرد إليكم، كما جاء في الحديث الصحيح أنهم «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩ / ٥٦) من حديث عائشة بنحوه.]]، جمع أَغْرَل، وهو الذي لم يُختن، يعني سبحان الله، قلفة الذكر التي أخذت في الدنيا ختانًا ترجع يوم القيامة.
﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، شوف، يعرضون على الله صفًّا، ويقال: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ويقال: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، هذا إضراب انتقال، فهم يوبخون، ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ فلا مفر لكم، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فلا مال عندكم ولا أهل، ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ في الدنيا ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، وهذا الزعم تبين بطلانه أو صحته؟ تبين بطلانه فهو باطل.
الكهف 18:49
ثم قال عز وجل: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الكهف ٤٩]، ﴿وُضِعَ﴾ يعني وُزِّع بين الناس فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله.
﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: تراهم أيها الإنسان، المجرمين: أي الكافرين، ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ أي خائفين؛ لأنهم يعلمون عملهم، وهذا يشبه قول الله تعالى عن اليهود الذين قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠]، فتُحُدُّوا، قيل لهم: إن كانت لكم الآخرة فتمنوا الموت، قال الله عز وجل: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴿ ليش؟﴾ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]؛ لأنهم يعرفون أنهم إذا ماتوا عذبوا، ومن كان يعلم أنه إذا مات عُذّب فلا يتمنى الموت أبدا، فهؤلاء مشفقون مما في كتابهم؛ لأنهم يعلمون أنه محتوٍ على الفضائح والسيئات العظيمة.
﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ﴾ إذا عاينوه ﴿يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾،﴿يَا وَيْلَتَنَا﴾: ﴿يَا﴾ حرف نداء، ﴿وَيْلَتَنَا﴾ كيف تنادى الويلة؟ والويلة هي الهلاك، كيف ينادى؟
الجواب: إما أن نجعل ﴿يَا﴾ للتنبيه فقط؛ لأن النداء يتضمن الدعاء والتنبيه، وإما أن نقول: جعلوا ويلتهم كأنها عاقل تنادى، ويكون التقدير: يا ويلتنا احضري، لكن المعنى الأول أقرب؛ لأنه لا يحتاج إلى تقدير، ولأنه أبلغ.
* * *
قال الله تبارك وتعالى في قصة الرجلين اللذين تحاورا: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، الجملة في قوله: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾؟
* طالب: حالية.
* الشيخ: حالية، لماذا هو ظالم؟
* الطالب: لكونه ليس شاكرًا لنعم الله عز وجل ومنكرًا للبعث، بالآيات التي تأتي من بعدها تفسر أنه كان منكرًا للبعث و..
* الشيخ: إذن ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر بالله عز وجل.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾؟ ما الذي حمله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا لا، ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾.
* طالب: ما رأى فيها من القوة (...).
* الشيخ: أي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: المنظر يعني الإعجاب، خلاصة ذلك أنه أعجب بها حتى قال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، طيب، بماذا كفر هل بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾، أو بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾؟
* طالب: بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.
* الشيخ: بقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.
كيف نجمع بين قوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾؟
* طالب: بقياس منه، قياس فاسد، وظن أن لو صار البعث يظن أنه كما الله أعطاه في الدنيا من نعم سيعطيه في الآخرة، وهذا قياس فاسد.
* الشيخ: إي، يعني على فرض أن أرد فسأجد خيرًا منها منقلبا.
هل وردت آية مثلها في المعنى لكنها عامة؟
* الطالب: قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠].
* الشيخ: ويش اللي قبلها؟
* الطالب: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى ٤٨].
* الشيخ: نعم، في آخر فصلت.
* الطالب: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٤٩، ٥٠].
* الشيخ: بارك الله فيك، أخوه الذي كان يحاوره قال له: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ ويش المناسبة؟
* طالب: لأنه افتخر عليه بأنه أكثر منه مالًا وأعز نفرًا، فيحتمل أنه قال: إن تفخر علي بذلك وأنا أقل منك مالًا وولدًا، فيحتمل أنه دعا عليه بأن يُذهب الله ما افتخر عليه به.
* الشيخ: يعني كأنه يقول: أنت الآن استذللتني وزعمت أنك أعز مني نفرًا، فدعا عليه بأن يزيل ما افتخر به عليه، هذا احتمال، واحتمال أن (عسى) تكون؟
* طالب: من باب التوقع.
* الشيخ: من باب التوقع.
* الطالب: بأن ينزل الله سبحانه وتعالى عليه ما يستحقه.
* الشيخ: نعم، تمام؛ لأنه ربما هذا الأمر الذي تفتخر به عليّ ربما تنقلب الحال، فيؤتي الله هذا الرجل خيرًا من جنة الثاني، ويرسل عليها حسبانًا من السماء.
هل وقع ما توقعه هذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: اقرأ ما يدل على ذلك؟
* الطالب: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾.
* الشيخ: لا، ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾، تمام.
في قوله الله تبارك وتعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ ليش ما ذكر البنات؟
* الطالب: لأن عادة الإنسان أنهم يتفاخرون بالبنين وليس بالبنات، خاصة في الجاهلية كانوا يفتخرون بالبنين وليس بالبنات.
* الشيخ: يفتخرون بالأموال والبنين.
* الطالب: وليس بالبنات.
* الشيخ: ولا يفتخرون بالبنات، بل بالعكس، اتل علي آية تدل على حالهم بالنسبة للبنات؟
* الطالب: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
* الشيخ: نعم، كمّل؟ ما حفظت القرآن؟ ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، هذا اللي بعده؟
* طالب: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل ٥٨، ٥٩].
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ أين العامل في ﴿يَوْمَ﴾؟ ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾؟
* طالب: ويوم نسير نحن الجبال.
* الشيخ: لا، أين العامل؟
* الطالب: قلنا: فيه ظرف.
* الشيخ: إي، (يوم) ظرف، كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل؟
* طالب: عامل محذوف.
* الشيخ: التقدير؟
* الطالب: اذكر.
* الشيخ: اذكر ﴿يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾، وما معنى قوله: ﴿تَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً﴾؟
* طالب: خاملة.
* الشيخ: خاملة؟
* الطالب: يعني بارزة ظاهرة.
* الشيخ: بارزة، يعني ظاهرة.
* الطالب: ليس فيها..
* الشيخ: ليس فيها جبال، ولا أودية، وليست كروية حتى يغيب أكثرها عن الرائي، بل تكون مسطحة ممدودة كما جاء في الحديث: «كَمَدِّ الْأَدِيمِ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١) من حديث ابن مسعود.]].
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي كتاب هو؟
* طالب: صحائف الأعمال.
* الشيخ: صحائف الأعمال، يعني الذي كتب فيه الأعمال، أحسنت؛ لأن الملائكة الكرام يكتبون كل ما يعمله الإنسان قال الله عز وجل: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٦ - ١٨]. ﴿رَقِيبٌ﴾ حاضر ما يغيب، وأي قول يقوله يُكتب.
* * *
* طالب: رضي الله عنك يا شيخ، (...) مثال الجنة، ومثال الأرض والعشب يا شيخ، تختلف عن السياق أن بعض الناس يقول: هذا ما هو (...)، إن قيل: للرجلين، تمثيل الرجلين يدل على أنه صحيح، تمثيل الأرض من بعده يدل على أنها مثل (...).
* الشيخ: صحيح، والراجح أن قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ أنه حقيقة ما هو تقدير، هذا هو الراجح؛ لأن هذه المحاورة مع صاحبه تدل على أنه حق، شيء واقع.
* طالب: شيخ عفا الله عنك، وجه قوله: ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
* الشيخ: لا، أي نعم، أنت.
* طالب: عفا الله عنكم يا شيخ، في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ قلنا في تفسيرها: واذكر أن ربَّك، فكيف نرد يا شيخ على الذين يحرفون قول الله عز وجل: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾؟
* الشيخ: نحن لا نرد كل تأويل، نقول: التأويل الذي له دليل نقبله، والتأويل الذي ليس له دليل نرده، فإذا كما يقول: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، فهذا واضح أن المراد جاء هو بنفسه عز وجل، وأما هذا التأويل واذكر أمر ربك، أو ﴿إِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨]، يعني إذا أردت قراءته، وما أشبه ذلك مما عليه الدليل فهذا لا يُنكر؛ لأن ما دل عليه الدليل إذا صرفنا ظاهر اللفظ إليه يكون هذا هو التفسير، أفهمت؟
* طالب: تفسير آية القرآن بما يناسب علوم العصر الحديثة؟
* الشيخ: إذا صح فلا بأس.
* الطالب: وإذا كان فيه رد تفسير الآية؟
* الشيخ: أقول: إذا صح، لكن بعض الإخوان الذين يفسرون الآيات بما يناسب العصر يُحمّلونها ما لا تتحمل، لكن إذا صح فلا مانع، مثل: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل ٨]، لو قال الإنسان مثلًا: إن هذا الطائرات التي تحمل الناس الآن ورُبنا يأتي غيرها أيضًا، إن هذه دخلت في قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، نقول: هذا صحيح.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، كلمة ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ بين أيديكم الآن، هل هي على القواعد المشهورة في عصرنا؟ مكتوبة على القواعد المشهورة في عصرنا؟ لا؛ لأن (مال) و(هذا) وحدها، وعلى القواعد المعروفة عندنا (ما) وحدها و(لهذا) جميعًا، ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ يعني: أي شيء لهذا الكتاب، ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ يعني أثبتها عددًا، كأنهم يترجلون من هذا، ولكن هذا لا ينفعهم.
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ﴿وَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ هل أعمالهم التي في الدنيا ترجع يوم القيامة؟ لا، بل المراد ﴿وَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ أي: ثواب ما عملوا، أو وجدوا حقيقة ما عملوا، فلا بد من إضمار؛ لأن أعمالهم في الدنيا فنيت بفنائهم لكن كُتبت، فما عملوه يجدونه في هذا الكتاب ﴿حَاضِرًا﴾.
قال الله عز وجل: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لا يظلم أحدا لأيش؟ لكمال عدله عز وجل لا يظلم أحدًا، فلا يزيد على مسيء سيئة واحدة، ولا ينقص من محسن حسنة واحدة؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢]،
هذه الآية: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ من الصفات المنفية عن الله، صح؟ فيه صفات مثبتة لله؟ نعم، أكثر الصفات المذكورة لنا هي الصفات المثبتة، الصفات المنفية لا يتم الإيمان بها حتى تؤمن بثبوت كمال ضدها، فما ضد الظلم؟
* طلبة: العدل.
* الشيخ: العدل، ولماذا انتفى الظلم عنه؟ لكمال عدله، لا بد من هذا، إذ أن النفي المجرد لا يمكن أن يكون في صفات الله، النفي المجرد المحض لا يمكن أن يكون في صفات الله، انتبه لهذه القاعدة: (النفي المجرد -أي الذي لم يتضمن كمالًا- لا يمكن أن يكون في صفات الله عز وجل، بل لا بد من كل نفي نفاه الله عن نفسه أن يكون متضمنًا لكمال ضده)، لا بد، قال شيخ الإسلام رحمه الله: (لأن النفي المحض عدم المحض) النفي عدم، هذه واحدة، (ولأن النفي إن لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم قابليته)، يعني النفي الموصوف به إذا لم يتضمن كمالًا فقد يكون لعدم القابلية، وإذا لم يتضمن كمالًا فقد يكون للعكس، انتبهوا لهذه القواعد، إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون لعدم القابلية، كيف ذلك؟ ألسنا نقول: إن الجدار لا يظلم؟ بلى، هل هذا كمال للجدار؟ لا، لماذا؟ لأن الجدار لا يقبل أن يوصف بالظلم، ولا أن يوصف بالعدل، فليس نفي الظلم عن الجدار من كماله.
وقد يكون نفي العيب إذا لم يتضمن كمالًا قد يكون نقصًا لعجز الموصوف به عن ضده، لو أنك وصفت شخصًا بأنه لا يظلم؛ لأنه رجل قاصر لا يستطيع أن يظلم غيره، بل لا أن يفك حقه من غيره هل هذا ثناء؟ لا، استمع إلى قول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْـــــــــــدِرُونَبِــــــــذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
يمدحهم بأيش؟ هل يمدحهم بالوفاء وعدم الظلم أو يذمهم بذلك؟ يذمهم، يعني لا يغدرون بذمة؛ لأنهم ما يقدرون، ولا يظلمون الناس؛ لأنهم لا يقدرون.
فالخلاصة يا إخواننا أن كل وصْف وصَف الله به نفسه وهو نَفْي فإنه يجب أن نعتقد ثبوت أيش؟ كمال ضده.
على هذه القاعدة ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف ٣٣]، فنفى العي، وهو العجز عن خلق السماوات والأرض، لأيش؟ لثبوت كمال ضد العجز، وهو القدرة، إذن نؤمن الآن بأن الله سبحانه وتعالى له قدرة لا يلحقها عجز، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، أي: من تعب وإعياء، وذلك لكمال قدرته جل وعلا، وهذه قاعدة تفيدك في باب العقيدة: أن كل شيء نفاه الله عن نفسه فإنما ذلك أيش؟ لثبوت كمال ضده، نفي الظلم؛ لأنه عدل، نفي العجز؛ لأنه قادر، نفي الغفلة؛ لأنه رقيب على كل شيء.
﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ قلنا: لكمال عدله، لكن الجهمية قالوا: لا يظلم لعدم تصور الظلم، ما هو لأنه قادر أن يظلم ولكنه لا يظلم، لا، لعدم تصور الظلم، كيف ذلك؟ قالوا: لأن الخلق كله خلق الله، ملك لله، وإذا كان ملكًا لله فإنه لو عذب محسنًا فقد عذب أيش؟ ملكه، ما فيه ظلم، هو يفعل في ملكه ما شاء.
ولكن قولهم هذا باطل؛ لأن الله عز وجل إذا كان قد وعد المحسنين الثواب والمسيئين العقاب، ثم أحسن المحسن وعذبه وأساء المسيء وأثابه، أقل ما يقال فيه: إنه عز وجل -وحاشاه سبحانه وتعالى- أنه أخلف وعده، هذا أقل ما فيه، وهو لا شك أن هذا منافٍ للعدل وللصدق، فنقول لهم: إن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، حرمته على نفسي، وهذا يدل على أنه قادر عليه لكن حرمه على نفسه لكمال عدله جل وعلا.
إذن نحن نقول: لا يظلم الله أحدًا لأيش؟ لكمال عدله، لا لأن الظلم ممتنع كما قالت الجهمية، وإلى هذا يقول الشيخ ابن القيم في النونية:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ ........................
الظلم ما يمكن يكون لأنه ملكه، فنقول: هذا خطأ، وهذا يستلزم تكذيب الله عز وجل. ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.﴾
الكهف 18:50
ثم قال عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الكهف ٥٠] (إذ) هذه تأتي في القرآن كثيرًا، والمعربون يقولون: إنها أيش؟ إن عاملها محذوف، والتقدير اذكر، ﴿إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، ﴿المَلائِكَة﴾: هم عالم غيبي خلقهم الله من نور، وقد أعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله خلقهم من نور، وأعلمنا الله تعالى في القرآن أنه خلق الجن من نار، وأنه خلق البشر من طين، فالمخلوقات التي نعلمها الملائكة من نور، والجن من نار، والإنسان من طين، فالملائكة إذن عالم غيبي، يجب أن نؤمن بهم أو لا؟ يجب وأحد أركان الإيمان.
والملائكة على خلاف الشياطين، كما يتبين من الآية، وهم أقدر من الشياطين، وأطهر من الشياطين، ولهم من النفوذ ما ليس للشياطين، الشياطين لا يمكن أن يلجوا إلى السماء، أليس كذلك؟ بل من حاول أتبع بالشهاب المحرق، والملائكة في السماء يصعدون بأرواح بني آدم إلى أن تصل إلى الله عز وجل، وهم أيضًا قد ملئوا السماوات، فيجب علينا أن نؤمن بالملائكة إيمانًا لا شك فيه، وأنهم عالم غيبي، لكن قد يكونون من العالم المحسوس بقدرة الله عز وجل، كما كان جبريل عليه السلام رآه النبي ﷺ مرتين له ست مئة جناح، سبحان الله! قد سد الأفق وهو واحد، وهذا دليل على عظمة خِلْقته، وعظمة خِلْقة جبريل دليل على عظمة من؟
* الطلبة: الخالق.
* الشيخ: الخالق جل وعلا، أحيانًا يأتي جبريل -اللي هذا وصفه وهذه خلقته- على صورة إنسان، أليس كذلك؟ يأتي على صورة إنسان، لكن ليس تقلبه هكذا بقدرته هو، ولكن بقدرة خالقه جل وعلا، لكن الله أعطاهم قدرة على التكيف والتقلب بإرادة الله سبحانه وتعالى، فالملائكة إذن عالم غيبي في الأصل، وقد يكونون من عالم الشهادة لكن لا دائمًا، بل أحيانًا، والله أعلم.
* * *
يقول: ما رأيكم في تفسير الجلالين وما هو أفضل التفاسير في رأيكم؟
تفسير الجلالين جيد، لكنه لا يصلح إلا لطالب العلم؛ لأنه في الحقيقة تفسيره كأنه رموز، لكنه مملوء علمًا، وأيضًا فيه أشياء تخالف مذهب أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فلا يصح لطالب علم مبتدئ؛ لأنه أرفع مستوى منه، لكن عليك بتفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله؛ لأنه سهل ميسر، كل يفهمه حتى العوام يفهمونه، وفيه من الفوائد النوادر التي لا تجدها في غيره.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
كيف دعا أحد الرجلين على صاحبه أن يرسل على جنته حسبانًا من السماء؟ كيف ساغ له أن يدعو الله عز وجل بأن يرسل على جنة صاحبه حسبانًا من السماء؟
* طالب: لأنه ظلمه بالتكبر عليه.
* الشيخ: لأنه ظلمه بتكبره عليه، وهل يجوز للإنسان أن يدعو على ظالمه؟
* الطالب: يؤخذ من هذا أنه يجوز.
* الشيخ: سؤال.
* الطالب: نعم يجوز.
* الشيخ: يجوز أن يدعو على ظالمه بمثل ظلمه إياه، هل أجيبت الدعوة؟
* الطالب: نعم أجيبت (...).
* الشيخ: ماذا صارت نهاية جنته؟
* الطالب: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ هذا اللي حصل (...).
* الشيخ: (...) ويش اللي حصل؟ هذا كل دعاء.
* الطالب: صار الماء غورًا لا يستطيع أن (...).
* الشيخ: أليس الله قال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾؟ هذا محل الشاهد ﴿أُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾.
هل أظهر هذا الندم على ما حصل؟
* طالب: أظهر الندم.
* الشيخ: أظهر الندم، كيف؟
* الطالب: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾.
* الشيخ: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ينظر إليها نظرة حسرة وتحزن.
يقول الله عز وجل مبينًا حال الدنيا كيف؟
* طالب: قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾.
* الشيخ: صورة المسألة؟
* الطالب: صورة اختلاط النبات.
* الشيخ: إن الله..
* الطالب: إن الله سبحانه وتعالى أنزل (...) فنبت في الأرض فأصبحت كالربيع فاختلط النبات بعضه ببعض وازدهرت، ثم بعد ذلك أصبح هشيمًا هامدًا، وهكذا الحياة الدنيا، فإنها تزدهر لصاحبها ولكنه إما أن يتركها بالموت، وإما تنفرد وترحل.
* الشيخ: الحياة الدنيا هكذا تكون، إما أن يفارقها صاحبها وإما أن تفارقه، ولا بد.
قوله: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ هل هي بمعنى: قديرًا أو أبلغ؟
* طالب: بمعنى: قديرًا.
* الشيخ: نعم بمعنى: قديرًا، إذن لماذا لم يقل: وكان الله على كل شيء قديرًا كما جاء في آية أخرى؟
* الطالب: لأنها أعم (...).
* طالب آخر: مقتدرًا أبلغ.
* الشيخ: مقتدرًا أبلغ.
* الطالب: لأنه يدل على (...) المعلوم.
* الشيخ: حتى القدرة، لكن لأن صيغة البناء تدل على المبالغة فيها، وأنه أبلغ من ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧].
ذكر الله عز وجل: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ لماذا لم يذكر البنات؟
* طالب: ذكر البنون؛ لأنه جرت عادة العرب بأنهم يفتخرون بالبنين دون البنات.
* الشيخ: نعم، لماذا لم يذكر القصور والمراكب؟
* الطالب: لأنها داخلة في ضمن المال.
* الشيخ: داخلة في المال، جيد.
ما هو القول الجامع في معنى ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾؟
* الطالب: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾، ورد حديث يا شيخ..
* الشيخ: المعنى الجامع، لا.
* الطالب: هي كل ما يبقى من ذكر الله من التسبيح والتكبير والصدقة.
* الشيخ: يعني كل الأعمال الصالحة، يدخل في ذلك التسبيح والتكبير والتهليل، والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطلب العلم وغير ذلك، كلها داخلة في هذا.
* * *
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾،﴿إِذْ﴾ مفعول لفعل محذوف، التقدير: اذكر إذ قلنا للملائكة، يعني اذكر هذا للأمة حتى تعتبر به، ويتبين به فضيلة بني آدم عند الله عز وجل.
﴿إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ﴾ الملائكة: جمع ملك، بعد التصريف المعروف عند أهل الصرف، وهم -كما فسرنا بالأمس- عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قال بعضهم سجود تحية وليس سجودًا على الجبهة، ولكنّ في هذا القول نظرًا؛ لأنهم إنما فروا من كونه سجودًا على الجبهة أن السجود لا يصح إلا لله عز وجل، وأنه شرك، إذا وقع لغير الله، ولكن الذي يجب علينا أن نأخذ الكلام على ظاهره، ونقول: الأصل أنه سجود على الجبهة، وإذا كان امتثالًا لأمر الله لم يكن شركًا، كما أن قتل النفس بغير حق من كبائر الذنوب وإذا وقع امتثالًا لأمر الله كان طاعة من الطاعات.
إن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام أُمِر أن يذبح ابنه، هو بنفسه باشر الذبح، ولا يخفى ما في هذا من العدوان، ولا يخفى ما في هذا من قطيعة الرحم، لكن لما كان هذا امتثالًا لأمر الله عز وجل صار طاعة.
إذن السجود لآدم لولا أمر الله لكان شركًا، لكن إذا أمر الله به فالأمر كله لله عز وجل، فالصواب أن الآية على ظاهرها، وأن المراد السجود على الجبهة، لكن لما كان بأمر الله كان طاعة لله، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله عز وجل من طين، وخلقه بيده، قال أهل العلم: لم يذكر الله شيئًا بيده إلا آدم وجنة عدن، فإنه خلقها بيده، وكتب التوراة بيده جل وعلا.
فهذه ثلاثة أشياء كلها كانت بيد الله، غير آدم يخلق بالكلمة؛ كن فيكون، آدم عليه الصلاة والسلام خلقه الله تعالى بيده، وآدم نبي وليس برسول؛ لأن أول رسول أرسل إلى البشرية هو نوح، أرسله الله عز وجل لما اختلف الناس، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة ٢١٣]، أي المعنى كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أول رسول نوح عليه الصلاة والسلام وليس آدم، آدم نبي مُكَلَّم، فإذا قال قائل: كيف يكون نبيًّا ولا يكون رسولًا؟ نقول: نعم، يكون نبيًّا ولا يكون رسولًا؛ لأنه لم يكن هناك داع إلى الرسالة، الناس كانوا على ملة واحدة، والبشر لم ينتشروا بعد كثيرًا، ولم يفتتنوا بالدنيا كثيرًا، نفر قليل، فكانوا يَستنُّون بأبيهم ويعملون عمله، ولما انتشرت الأمة وكثرت واختلفوا أرسل الله الرسل.
﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ امتثالًا لأمر الله ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ لم يسجد، وإبليس هو الشيطان، ولم يسجد، بَيَّن الله ذلك بقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وجملة ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ استئنافية؛ لبيان حال إبليس أنه كان من الجن، أي من هذا الصنف، وإلا فهو أبوهم، لكنه من هذا الصنف.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج عن طاعة الله تعالى في أمره، وأصل الفسوق الخروج، ومنه قولهم: فسقت الثمرة إذا انفرجت وانفتحت، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ إلى آخره، إذا قال قائل: ظاهر القرآن أن إبليس كان من الملائكة، فالجواب: لا، ليس ظاهر القرآن؛ لأنه قال: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾، ثم ذكر أنه كان من الجن، نعم القرآن يدل على أن الأمر توجه إلى إبليس كما هو قد توجه إلى الملائكة، ولكن لماذا؟ قال العلماء: إنه كان -أي إبليس- يأتي إلى الملائكة ويجتمع إليهم، فوُجِّه الخطاب إلى هذا المجتمع من الملائكة الذين خلقوا من نور، وإلى الشيطان الذي خلق من النار، رجع الملائكة إلى أصلهم، والشيطان إلى أصله، وهو الاستكبار والإباء والمجادلة بالباطل؛ لأنه أبى واستكبر وجادل، ماذا قال لله؟ قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١٢]، كيف تأمرني أن أسجد لواحد أنا خير منه، ثم علل بعلة هي عليه قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢]، والمخلوق من الطين أحسن من المخلوق من النار؛ لأن المخلوق من النار؛ النار محرقة، ملتهبة، فيها علامة الطيش تجد اللُّهب فيها تروح يمين وشمال، ما لها قاعدة مستقرة، المهم ابن القيم رحمه الله في كتاب إغاثة اللهفان ذكر فروقا كثيرة بين الطين وبين النار، فهو ليس خيرًا من آدم لكونه خلق من النار، ثم على فرض أنه خلق من نار وكان خيرًا من آدم أليس الأجدر به أن يمتثل أمر خالقه؟ بلى، لكنه لم يفعل واستكبر، قال الله عز وجل لَمَّا بين حال هذا الشيطان؛ قال الله عز وجل: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَ﴾ الخطاب يعود لمن اتخذ إبليس وذريته أولياء من دون الله، فعبدوا الشيطان وتركوا عبادة الرحمن قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس ٦٠، ٦١]، فيقول هنا: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ أي: من وُلدوا منه، سئل بعض السلف، سأله أناس من المتعمقين، وقالوا: هل للشيطان زوجة؟ قال: إني لم أحضر العقد، جواب صحيح ولّا لا؟ قال: إني لم أحضر العقد، السؤال: هل له زوجة؟ ما له داعي، نحن نؤمن بأن له ذرية، أما من زوجة أو من غير زوجة ما ندري، أليس الله تعالى خلق حواء مِن مَنْ؟
* الطلبة: من آدم.
* الشيخ: من آدم، فيجوز أن الله عز وجل خلق ذريته منه، كما خلق حواء من آدم، وهذه المسائل -مسائل الغيب- لا ينبغي للإنسان أن يورِد عليها شيئًا يَرِد على مسائل الشاهد؛ لأن هذه أمور فوق مستوانا، نحن نؤمن بأن له ذرية، ولكن هل يلزمنا أن نؤمن بأن له زوجة؟
* طلبة: لا يلزمنا.
* الشيخ: لا يلزمنا، نعم، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ أي: تتولونهم وتأخذون بأمرهم من دون الله عز وجل.
﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ هذا محط الإنكار، يعني كيف تتخذ هؤلاء أولياء وهم أعداء؟ وهذا من السفه، ونقص العقل، ونقص التصرف أن يتخذ الإنسان عدوه وليًّا، قال الله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أي بئس هذا البدل بدلًا لهم، وما هو البدل الخير؟ أن يتخذوا الله وليًّا لا الشيطان.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾، وقوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ هنا يمكن أن نقول: إنها بمعنى الكافرين؛ لأنهم هم الذين اتخذوا الشيطان وذريته أولياء على وجه الإطلاق، ويمكن أن نقول: (الظالمين) تعم الكافرين ومن كان ظلمهم دون الكفر.
الكهف 18:51
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف ٥١]، يعني أن هؤلاء لا يستحقون أن يُتخذوا أولياء؛ لأنه ليس لهم حظ في الكون والتدبير، فالله عز وجل ما أشهدهم خلق السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض مخلوقة قبل الشياطين، ﴿وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ يعني بعضهم من بعض، يعني ما أشهدت بعضهم خلق بعض، فكيف تتخذونهم أولياء وهم لا شاركوا في الخلق ولا خلقوا شيئًا، بل ولا شاهدوا خلق السماوات والأرض.
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف ٥١]؛ يعني أن هؤلاء لا يستحقون أن يُتّخذوا أولياء؛ لأنهم ليس لهم حظ في الكون والتدبير، فالله عز وجل ما أشهدهم خلق السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض مخلوقةٌ قبل الشياطين.
﴿وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾؛ يعني: بعضهم من بعض؛ يعني ما أشهدت بعضهم خلق بعض، فكيف تتخذونهم أولياء وهم لا شاركوا في الخلق ولا خلقوا شيئًا، بل ولا شاهدوا خلق السماوات والأرض، ولا خلق أنفسهم، وفي هذه الجملة دليل على أن كل من تكلم في شيء من أمر السماوات والأرض بدون دليل شرعي أو دليل حسي فإنه لا يقبل قوله.
مثلًا لو قال: السماوات تكونت من كذا والأرض تكونت من كذا، وبعضهم يقول: الأرض قطعة من الشمس، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا ندري عن صحته، فإنا نقول له؟ أيش نقول؟ إن الله ما أشهدك خلق السماوات والأرض، ولن نقبل منك أي شيء من هذا إلا إذا وجدنا دليلًا حسيًّا لا مناص لنا منه، فحينئذٍ نؤمن به؛ لأن القرآن لا يعارض الأشياء المحسوسة.
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ الضمير ﴿كُنتُ﴾ يعود إلى الله عز وجل، ﴿مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي أنصارًا ينصرون ديني، ليش؟ لأن المضل يصرف الناس عن الدين، فكيف يتخذ الله عز وجل المضلين عضدًا؟ وهو إشارة إلى أنه لا ينبغي لك أنت أيها الإنسان أن تتخذ المضلين عضدًا تنتصر بهم؛ لأنهم لن ينفعوك بل أيش؟ بل سيضرونك.
إذن لا تعتمد على السفهاء ولا تعتمد على أهل الأهواء المنحرفة؛ لأنه لا يمكن أن ينفعوك، بل يضروك، فإذا كان الله عز وجل لم يتخذ المضلين عضدًا فنحن كذلك لا ينبغي لنا أن نتخذ المضلين عضدًا؛ لأنهم ما فيهم خير، وفي هذا النهي عن بطانة السوء، انتبه، النهي عن بطانة السوء وعن مرافقة أهل السوء، وأن يحذر الإنسان من جلساء السوء.
الكهف 18:52
﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: ٥١، ٥٢]؛ يعني: اذكر يوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم، فينادونهم ولا يستجيبون لهم، وهذا متى؟ هذا يكون يوم القيامة يقال لهم: أين شركائي الذين كنتم تزعمون؟ ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾؛ لأنه في ذلك الوقت يقول الله عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر ١٦]، فيجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، فهذه الأصنام لا تنفع أهلها، بل إنها تلقى هي وعابدوها في النار، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء٩٨].
يقول عز وجل: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف ٥٢]، الموبق: مكان الهلاك؛ يعني جعلنا بينهم شيئًا لا يمكن أن يذهبوا إلى شركائهم، ولا أن يأتوا شركاؤهم إليهم، بل هو مهلكة، وهو عبارة عن تيئيس هؤلاء من أن ينتفعوا بشركائهم يوم القيامة.
﴿جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ أرأيت لو كان بينك وبين صاحبك أو من تنتصر به، لو كان بينك وبينه خندق من نار هل يمكن أن تذهب إليه لتنصره أو يأتي إليك لينصرك؟ لا يمكن، هؤلاء يجعل الله بينهم يوم القيامة موبقًا.
الكهف 18:53
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ ﴾ [الكهف: ٥٣]، المجرمون: يعني الكافرين، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة٢٢].
﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف ٥٣]، ظنوا بمعنى أيقنوا أنهم مواقعوها، والظن يأتي بمعنى اليقين، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة٤٦]، ﴿يَظُنُّونَ﴾ يعني أيش؟
* طالب: يتيقنون.
* الشيخ: نعم، يوقنون أنهم ملاقو الله، وإلا فالظن الذي هو ترجيح أحد الأمرين المشكوك فيهما لا يكفي في الإيمان، لكنهم يظنون؛ أي يوقنون، هنا رأوها وأيقنوا أنهم مواقعوها.
﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف ٥٣]، نسأل الله العافية؛ يعني: لم يجدوا مكانًا ينصرفون عنها إليه، وهذا ليس داخلًا في الظن؛ لأنه لو كان داخلًا في الظن لقالوا: ولن، لكن هذا ابتداء؛ يعني أنهم لما رأوها وظنوا أنهم مواقعوها ﴿لَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ أي: مكانًا ينصرفون إليه لينجو به منها.
الكهف 18:54
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ ﴾ [الكهف: ٥٤]، ﴿صَرَّفْنَا﴾ يعني: نوَّعنا، تصريف الشيء يعني تنويعه، كما في قوله تعالى: ﴿تَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ [البقرة ١٦٤] أي تنويعها من جنوب إلى شمال، شرق غرب، ﴿صَرَّفْنَا﴾ يعني: نوعنا في هذا القرآن من كل مثل، وهكذا الواقع، فكلام الله صدق، أمثال القرآن تجدها متنوعة تارة لإثبات البعث، وتارة لإثبات وحدانية الله، وتارة لبيان حال الدنيا، وتارة لبيان حال الآخرة، وتارة تكون مطولة، وتارة تكون مختصرة، فهي أنواع، كل نوع في مكانه من البلاغة والفصاحة وغير ذلك.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: من كل جنس وصنف، فهذا مثل لكذا، وهذا مثل لكذا، لماذا؟ من أجل أن يتذكر الناس ويتعظوا ويعقلوها، ولكن يوجد من الناس من لا يتعظ بهذه المُثل بل على العكس.
ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف ٥٤]، قوله: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ﴾، بعض المفسرين يقول: الإنسان يعني الكافر، ولكنّ في هذا نظرًا؛ لأنه لا دليل على هذا، بل نقول: الإنسان من حيث الإنسانية أكثر شيء جدلًا؛ يعني أكثر ما عنده الجدل، هذا من حيث الإنسانية، لكن من حيث الإيمان المؤمن لا يكون مجادلًا، بل يكون مستسلمًا للحق ولا يجادل فيه، ولهذا قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أُوتِيَ قومٌ الجدلَ إلا ضلّوا» ، أعوذ بالله من ذلك.
وتدبر حال الصحابة رضي الله عنهم تجد أنهم مستسلمون غاية الاستسلام لِما جاءت به الشريعة ولا يجادلون، ولا يقول: لِمَ؟ ولما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» ، هل قال الصحابة: لِمَ؟ لا، ما جادلوا، بل قالوا: سمعنا وأطعنا، وكذلك بقية الأوامر، لكن الإنسان من حيث هو إنسان أكثر شيء عنده هو الجدل.
لاحظ إذن إذا مر بك مثل هذا في القرآن الكريم الإنسان لا تحمله على الكافر إلا إذا كان السياق يعيّن ذلك، إذا كان السياق يعيّن ذلك فصار هذا عامًّا أريد به أيش؟ الخاص، لكن إذا لم يكن في السياق ما يعين فاجعله للعموم، لكن اجعله إنسانًا بوصف الإنسانية، والإنسانية إذا غلب عليها الإيمان اضمحل مقتضاها.
﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾، هذا وقع في قول الرسول عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب وفاطمة رضي الله عنهما «حين جاء إليهما ووجدهما نائمين، فقال: «أَلَا تَقُومَانِ؟»، قال له علي رضي الله عنه: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، ولو شاء لأيقظنا، فولَّى الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يضرب على فخذه ويقول: «» ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ «» .
ولا شك الرسول يعلم أن أنفسهما بيد الله، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الفريضة: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، فعذر النائم، وهو يعلم عليه الصلاة والسلام ذلك لكنه يريد أن يحثهما، وأراد علي رضي الله عنه أن يدفع اللوم عنه وعن زوجه فاطمة.
الكهف 18:55
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ ﴾ [الكهف: ٥٥]؛ يعني: ما منع الناس عن الإيمان والاستغفار نقص في البيان؛ لما ذكر أن الله ضرب للناس من كل مثل، وكان الواجب على الإنسان إذا ضربت له الأمثال أن يؤمن، لكنه ما منعه من الإيمان نقص في البيان، الأمر بَيّن واضح ولله الحمد، أتى بها النبي ﷺ بيضاء نقية، لكن العناد، ولهذا قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾ يعني: ما ينتظرون إلا سنة الأولين.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾، يستغفروا ربهم يعني يطلبون مغفرته، فالمؤمن كثير الاستغفار، والكافر إذا آمن لا بد أن يستغفر الله عز وجل مما وقع منه من الذنوب، فإذا آمن واستغفر زال عنهم ما كان من الذنوب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال٣٨].
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ يعني: مقابلة ومعاينة ومباشرة، وما سنة الأولين؟ سنة الأولين هي أخذهم بالعذاب العام، هذه سنة الأولين، لكن لم يأخذ الله عز وجل هذه الأمة بعذاب شامل؛ لأن النبي ﷺ «دعا ربه ألا يأخذ أمته بسنةٍ بعامة، فأجاب الله دعاءه» .
الكهف 18:56
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ إلى آخره [الكهف: ٥٦]، هذه وظيفة الرسل ﴿مَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ من أولهم -وهو نوح- إلى آخرهم -محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلا لهذين الغرضين، ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ يعني: ولم نرسلهم من أجل أن يجبروا الناس على الإيمان أو يهدوا الناس، هم مبشر ومنذر، مبشر من؟ مبشر المؤمنين، كما جاء في أول السورة، ومنذر الكافرين ﴿وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [الكهف٤].
﴿إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (مبشرين) منصوبة، و(منذرين) منصوبة، على أيش؟ على الحال من المرسلين؛ يعني إلا حال كونهم مبشرين ومنذرين.
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ المجادلة: المخاصمة، وسميت المخاصمة مجادلة؛ لأن كل واحد يجدل حجته للآخر، وتعرفون الجدل هو فتل الحبل حتى يشتد ويقوى، هذا أصل المجادلة، إذن يجادل يعني يخاصم، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ والمخاصمة بالباطل باطلة، مثال ذلك يقولون: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن ٦]، البشر يهدوننا؟! يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ؛ لأنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [المؤمنون ٢٤]، يقول: إذا كان المشركون وما يعبدون من دون الله حصب جهنم فعيسى من حصب جهنم، وما أشبه ذلك من المجادلة، يجادلون، فيقول: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، وأنواع المجادلة كثيرة.
في مجادلة عيسى قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء ١٠١] ومنهم عيسى عليه الصلاة السلام ﴿أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
* ويستفاد من الآية: أن كل إنسان يجادل من أجل أن يدحض الحق فإن له نصيبًا من هذه الآية؛ يعني فيه نصيب من الكفر والعياذ بالله؛ لأن الكافرين هم الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق.
فإذا قال قائل: الشبهات التي يوردها من يوردها من الناس كيف يقال: إنها باطل، وهي شبهة؟
قلنا: ينظر للغرض، ما غرضهم بها؟ أن يدحضوا الحق، فمثلًا في الذين ينكرون استواء الله على العرش يقولون: لو استوى على العرش لكان جسمًا. ما قصدهم بهذا؟ إنكار حقيقة الاستواء.
نقول: إذن هؤلاء جادلوا بباطل من أجل إدحاض الحق، وأما مسألة أن الله جسم أو غير جسم فهذا شيء آخر، لكن هم أتوا بهذه الكلمة لأجل أيش؟ إدحاض الحق، ونحن لا ننكر عليهم مسألة أنه جسم أو غير جسم، ننكر أنهم أنكروا حقيقة الاستواء، أما الجسم أو غير الجسم فهذا له بحث آخر، وهو أنه لا ننكر اللفظ ولا نثبت اللفظ، أما المعنى فنقول: إن الله تعالى قائمٌ بذاته موصوف بصفاته، يفعل ما يشاء، يستوي على عرشه، ينزل إلى السماء الدنيا، يأتي للفصل بين عباده، يعجب، ويفرح، ويضحك، وقل ما شئت، لكن مسألة اللفظ هذا ما نقره إثباتًا ولا نفيًا، المهم أنكم كلما رأيتم شخصًا يريد أن يبطل الحق فله نصيب من هذه الآية.
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾، اتخذوها: أي صيروها، ﴿آيَاتِي﴾ يعني القرآن، ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ أي: ما أنذروا به من العذاب، اتخذوها هزوًا، مثلًا استهزأ الكفار لما أخبر الله عز وجل عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات٦٤] في قعره، فهم يضحكون، كيف تكون شجرة وتخرج في أصل الجحيم؟ وهي أبعد ما يكون عن النار؟ النار حارة جافة، والشجرة رطبة وباردة، كيف يكون هذا؟ فجعلوا يستهزئون ويقولون: هذا من هذيان محمد عليه الصلاة والسلام، فاتخذوا آيات الله واتخذوا ما أنذروا به هزوًا، والله عز وجل قال: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات ٦٦]، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة٥٤، ٥٥]، أعوذ بالله، يملؤون بطونهم من هذا الزقوم ملئًا تامًا ثم تحترق من العطش، وماذا يسقون؟ يسقون ماءً حارًا، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ أي على ما في بطونهم من الحميم، ومع ذلك شربًا ليس عاديًا بالنسبة للبشر، ولكنه شرب الإبل الهيم؛ الهائمة العاطشة، هذه الشجرة التي يستهزئون بها هي التي يملؤون منها بطونهم في نار جهنم.
﴿اتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ يعني: القرآن، ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ أي ما أنذروا به من الوعيد سواءٌ جاء الإنذار في القرآن أو في السنة اتخذوه هزوًا، أي أضحوكة ولعبًا وسخرية.
الكهف 18:57
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ مرت علينا أولًا في أول السورة، وهذه، فكيف نجمع بينهما ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾؛ لأن ﴿مَنْ أَظْلَمُ﴾ معناها لا أحد أظلم، وهذا قد يفيد التناقض، أول السورة ماذا قال الله عز وجل؟ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، وهنا يقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف ٥٧]، تناقض، أحسن ما قيل في هذا: أن كل معنى فهو بالنسبة لما كان يماثله؛ يعني من أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها من الذين يذكرون فيُعْرِضون، قد يذكر الإنسان بشيء ويُعْرض، لكن أشد ما يكون أن يذكر بأيش؟
* طلبة: بآيات الله.
* الشيخ: بآيات الله ثم يُعرض، هذا أشد شيء، في افتراء الكذب، قد يفتري الإنسان الكذب على فلان وفلان، لكن أظلم ما يكون افتراءً عليه هو الله عز وجل، وأنت إذا أخذت بهذه القاعدة سلمت من إشكالات كثيرة.
أما القول: بأن أظلم وأظلم، يشترك المعنيان بالأظلمية فهذا فيه نظر، وإن كان قد قيل به؛ لأنه لا يمكن أن نقول: ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ إنه يساوي من افترى على الله كذبًا.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾، ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ الكونية أو الشرعية؟ الكونية والشرعية، الكونية أن يقال له: إن كسوف الشمس والقمر يخوف الله بهما عباده، فيعرض عن هذا ويقول: أبدًا، خسوف القمر طبيعي، وكسوف الشمس طبيعي، ولا إنذار ولا نذير، هذا إعراض، أما الآيات الشرعية فكثير يذكر بآيات الله ولكنه يعرض.
﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ يعني: نسي ما قدمت يداه من الكفر والمعاصي والاستكبار وغير ذلك مما يمنعه عن قبول الحق؛ لأن الإنسان -والعياذ بالله- كلما أوغل في المعاصي ازداد بعدًا عن الإقبال على الحق، كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولذلك يجب أن تعلم أن من أشد عقوبات الذنوب أن يعاقب الإنسان بمرض القلب والعياذ بالله، الإنسان إذا عوقب بهلاك حبيب أو فقد محبوب من المال هذه عقوبة لا شك، لكن إذا عوقب بانسلاخ القلب -نسأل الله العافية- هذه أشد ما يكون عقوبة، يقول ابن القيم رحمه الله:
وَاللَّهِ مَا خَوْفِي الذُّنُوبَ فَإِنَّهَــــــــــــــا ∗∗∗ لَعَلَى طَرِيقِ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ؎وَإِنَّمَا أَخْشَى انْسِلَاخَ الْقَلْبِ مِنْ ∗∗∗ تَحْكِيمِ هَذَا الْوَحْيِ وَالْقُرْآنِ
هذا الذي يخشاه الإنسان العاقل، أما المصائب الأخرى فهي كفارات، وما ضاع يأتي بدله.
يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا، ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قلوب مَن؟ مَن ذُكِّر بآيات ربه فأعرض عنها، وأعيد الضمير على مفرد باعتبار المعنى، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ يعني أغطية، والعياذ بالله، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾.
* * *
مناقشة لما سبق؛ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ لماذا أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم؟
* طالب: (...) إكرامًا لبني آدم.
* الشيخ: نعم، إكرامًا لآدم وبنيه، لو قال قائل: السجود لغير الله شرك فما الجواب؟
* الطالب: الصحيح يا شيخ (...) في القرآن اتباع أمر الله، واتباع أمر الله فهو طاعة، كذكر الله حين يدخل في الخلاء، وحبس الكلام، وذكر الله حين الخلاء يكون طاعة ولا يكون معصية، ولو قلنا..
* الشيخ: أيش لون؟ سردت لنا ها الدنيا هذه ويش..
* الطالب: (...) طاعة يا شيخ.
* الشيخ: أقول لك: كيف يسجد الملائكة لآدم والسجود لغير الله شرك؟
* الطالب: قلنا: صحيح يا شيخ؛ لكن هناك..
* الشيخ: صحيح؟ إذن الملائكة مشركون؟
* الطالب: لا؛ لأن هناك امتثالًا لأمر الله يا شيخ، والامتثال لأمر الله يكون طاعة ولا يكون شركًا.
* الشيخ: يعني إذن لَمَّا أمر الله به لم يكن شركًا، والذي جعله شركًا هو الله عز وجل، الذي جعل السجود لغير الله شركًا هو الله، فإذا أمر به صار طاعة.
لو قال قائل: إن هذا سجود تحية وليس وضع الجبهة على الأرض، ماذا نقول له؟
* طالب: هذا أمر الله به.
* الشيخ: نقول: قولك هذا خلاف؟
* الطالب: خلاف ظاهر الآية.
* الشيخ: خلاف ظاهر القرآن، ولا يمكن أن نصرف الكلام عن ظاهره إلا بدليل، واضح؟
لو قال قائل: هل إبليس من الملائكة؟
* طالب: لا، ليس من الملائكة.
* الشيخ: ليس منهم؟
* الطالب: ليس منهم.
* الشيخ: كيف صح استثناؤه منهم، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾؟
* الطالب: يضبط في الآية بأن إبليس من الجن.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وهذا الاستثناء يسمى عند النحويين استثناءً منقطعًا، جيد.
الاستفهام في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾؟
* طالب: الاستفهام للإنكار والتوبيخ.
* الشيخ: للإنكار.
الفائدة من قوله: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؟
* الطالب: الإغراء والحث على معاداة إبليس وذريته.
* الشيخ: نعم، الإغراء والحث على معاداة إبليس؛ يعني كيف تفعلون وتتخذونه وليًّا وهو عدو، جيد.
هل يستفاد من هذا أن الإنسان إذا أراد أن يحذر شخصًا من شيء فليبين له أضراره؟
* الطالب: نعم يا شيخ يستفاد منه.
* الشيخ: نعم يستفاد من هذا، وكذلك إذا كان يأمره بشيء ينبغي له أن يذكر فوائده ومنافعه حتى يحمل النفس على الترك في المنهيات وعلى الفعل في المأمورات.
ما علاقة قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ بما قبلها؟
* الطالب: تجري بيانًا أو عدم علمهم وعدم استحقاقهم.
* الشيخ: بيان عدم استحقاقهم أن يكونوا أولياء؛ لأنهم ليس لهم حق من الربوبية، كذا؟
هل يستفاد من هذه الجملة أن من تحدث عن خلق السماوات والأرض أو عن خلق الإنسان وما أودع الله فيه من القوى فإننا لا نقبل قوله إلا بدليل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم، إلا بدليل حسي نقتنع به.
ما هي وظيفة الرسل؟
* الطالب: هي البلاغ والبشارة والنذارة.
* الشيخ: هل عليهم السيطرة؟
* الطالب: لا، ليس عليهم السيطرة.
* الشيخ: هل عليهم هداية الخلق؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: وهو كذلك.
العلماء هل وظيفتهم الدعوة والتبشير والإنذار أو أن يوفقوا الناس للهداية؟
* الطالب: العلماء يا شيخ تبع الرسل.
* الشيخ: تبع الرسل، فإذا كان الرسل ليس عليهم هداية الخلق فالعلماء كذلك، الحمد لله.
* * *
* طالب: قوله تعالى: ﴿لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، هل يؤخذ منها الرد على من قال: إن تسمية المعاصي صغائر لم يرد في القرآن؟
* الشيخ: إن أيش؟
* الطالب: بعضهم يقول يا شيخ: إن تقسيم المعاصي إلى صغائر وكبائر لم يرد في النصوص، الوارد تسمية بعض المعاصي كبائر فقط، أمَّا الصغائر لم يرد، هل يؤخذ من الآية الرد عليه؟
* الشيخ: هؤلاء الذين قالوا ذلك عندهم نقص في العقل، العقل ما هو عقل ضد الجنون، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١]، هل هناك كبائر لا يقابلها صغائر؟! الجواب: لا، ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢]، واضحة.
هذا نظير من قال: إننا نقول: إن الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص، كيف يزيد؟ هل يتصور زيادة بلا نقص؟ ما يتصور، أما هذا الذي ذُكِر فهذا يدل على أن صغائر الكفار لا تمحى بخلاف المؤمن فإنه إذا اجتنب الكبائر محيت صغائره بذلك.
* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إن نظرنا في كون إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم بيده، وأسجده الملائكة له يا شيخ احترامًا له وتكريما، ولو نظرت لطاعة الملائكة لله سبحانه وتعالى أكثر من طاعة الكثير من البشر، ويش التفضيل بينهم يا شيخ؟ لأن لو قلنا بالإجمال الملائكة أفضل، وإذا قلنا بالإفراد: إذن آدم خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة؟
* الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل مؤمن البشر أفضل أو الملائكة أفضل؟
أما هل البشر على سبيل العموم أفضل أو الملائكة أفضل؟ فلا شك أن الملائكة أفضل؛ لأن البشر منهم المؤمن ومنهم الكافر، والملائكة كلهم مؤمنون، لكن هل مؤمن البشر أفضل من الملائكة؟
هذه مسألة خاض الناس فيها وعندي أنها من فضول العلم، وأنها تستحق أن يقال فيها: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]، شيخ الإسلام رحمه الله يقول: أما في النهاية فالبشر أفضل وأما في البداية فالملائكة أفضل؛ لأن الملائكة ما بدر منهم معصية لله عز وجل والملائكة خلقوا من النور والبشر وجدت منهم المعاصي وخلقوا من التراب لكن أنا أقول: ما له داعي، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ» ، فلا يدل على التفضيل المطلق للملائكة على البشر، بل خير منهم من هؤلاء فقط بخصوصهم.
* طالب: جزاك الله خيرًا، في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف ١٠٠]، ليس في الآية أن الله أمرهم كما في هذه الآية؟
* الشيخ: أحسنت، يقول: قصة يوسف عليه الصلاة والسلام أنه ﴿رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، وهذا ظاهر أنهم سجدوا على الجباه.
فالجواب: أن هذا كان في شريعة من سبق، أو يقال: إنهم مع الدهشة أرادوا الانحناء، ولكن سقطوا على الأرض، أو يقال إن هذ الرؤيا أريها يوسف من قبل على أنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم ساجدين، فجعل من هذا إفتاءً بسجودهم له، كما جعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام رؤياه إفتاءً بذبح ابنه.
* * *
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الكهف ٥٧].
﴿إِنَّا جَعَلْنَا﴾ أي: صيرنا، ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب مَن إذا ذكِّر بآيات الله أعرض عنها، وحينئذٍ يكون الضمير عاد إلى اللفظ أو المعنى؟ عاد إلى المعنى؛ لأن (مَن) سواء كانت اسمًا موصولًا أو كانت شرطية يجوز في عود الضمير إليها أن يعود على لفظها فيكون مفردًا، وأن يعود إلى معناها فيكون مجموعًا أو مثنى حسب السياق، أفهمتهم؟
فإذا قلت: يعجبني من قام، فهنا راعينا؟ أين الأفهام يا جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعجبني من قام، راعينا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، إذا قلت: يعجبني مَن قاما.
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
إذا قلت: يعجبني من قاموا.
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
يعجبني من قمن؟
* طالب: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
وقد يراعى المعنى مرة واللفظ مرة أخرى، ويعادل المعنى؛ يعني معناه قد تعود الضمائر مراعاة للأمرين في سياق واحد.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الطلاق ١١] راعى اللفظ؟
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: راعى اللفظ يعني إذا أفرد فهو مراعٍ اللفظ.
﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الطلاق ١١]، اللفظ أو المعنى؟
* طالب: المعنى.
* طالب آخر: اللفظ.
* الشيخ: ﴿يُدْخِلْهُ﴾؟
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الطلاق ١١]؟
* الطلبة: المعنى.
* الشيخ: المعنى.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١]؟
* الطلبة: اللفظ.
* الشيخ: اللفظ، شوف السياق واحد فروعي اللفظ أولًا، ثم المعنى ثانيًا، ثم اللفظ ثالثًا.
* * *
يقول عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف ٥٧] أغطية، ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: يفقهوا القرآن فلا يفهمونه، وفي هذا الحث على فقه القرآن، وأنه ينبغي للإنسان أن يقرأ القرآن وأن يتعلم معناه، كما كان الصحابة رضي الله عنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل .
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الكهف ٥٧] شوف -أعوذ بالله- القلوب عليها غطاء، والآذان فيها صمم لا تسمع، فلا يسمعون الحق ولا يفقهونه.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف ٥٧]، يقول الله عز وجل: إن تدعهم يا محمد إلى الهدى ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا﴾، أي: ما دامت قلوبهم في أَكِنّة وفي آذانهم وقر لن يهتدوا، ومن أين يأتيهم الهدى؟ الآذان لا تسمع الحق، والقلوب لا تفقه الحق والعياذ بالله من أين يهتدوا؟
فإذا قال قائل: هل في هذا تيئيس للرسول عليه الصلاة والسلام من أنه وإن دعا لا يقبل منه، أو فيه تسلية له؟
الثاني: في هذا تسلية له، وأنه إذا لم يقبل الحق هؤلاء فلا عليك منهم لن يهتدوا إذن أبدًا.
الكهف 18:58
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ ﴾ [الكهف: ٥٨]، هذا أيضًا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام من وجه آخر، وهو أن النبي ﷺ قد يقول: لماذا لم يعاجلوا بالعقوبة؟ كيف يكذبونني وأنا رسول الله ولم يعاقبوا؟
فبين الله له أن الرب عز وجل هو ﴿الْغَفُورُ﴾ أي الذي يستر الذنوب، ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الذي يلطف بالمذنب، ولهذا قال: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾؛ لأنه لو أراد الله أن يؤاخذ الناس بما كسبوا لعجل لهم العذاب، وقد بَيّن الله عز وجل هذا العذاب في آيات أخرى، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر ٤٥] لأهلكهم في الحال، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ٤٥].
﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف ٥٨]، ﴿بَلْ﴾ هذه للإبطال، إضراب إبطالي؛ يعني: بل لن يسلموا من العذاب إذا أُخّر عنهم.
﴿لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي: ملجأً، متى هذا؟ يوم القيامة، ويحتمل أن يكون ما يحصل للكفار من القتل على أيدي المؤمنين كما قال عز وجل: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، فنقول: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ نقول: هذا يحتمل أن يكون المراد ما سيكون عليهم من القتل والأخذ في الدنيا أو ما سيكون عليهم يوم القيامة الذي لا مفر منه.
الكهف 18:59
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ﴾ [الكهف: ٥٩]، ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ قد يقول قائل: فيه إشكال ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ والقرى جماد، والجماد لا يعود عليه الضمير بصيغة الجمع؛ يعني ما تقول مثلًا: هذه البيوت عمرناهم، لا، هذه البيوت عمرناها، تلك القرى أهلكناها، فلماذا قال: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؟
نقول: قال هذا لأن الذي يهلك هم أهل القرى، وفي هذا دليل واضح على أن القرى قد يُراد بها أهلها، وقد يراد بها البناء المجتمع، أفهمتم؟ القرية الآن أو القرى تارة يُراد بها أهلها وتارة يُراد بها المساكن المجتمعة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]، المراد بالقرى هنا أهلها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾، وقد يراد بها البناء المجتمِع، المجتمِع يسمى قرية.
يقول عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ والمراد بالظلم هنا الكفر، ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف ٥٩]؛ يعني: جعلنا لإهلاكهم موعدًا، والله عز وجل يفعل ما يشاء، إن شاء عَجّل بالعقوبة وإن شاء أَخَّر، لكن إذا جاء الموعد لا يتأخر، ولهذا قال نوح عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح ٤]، إذا جاء لا يمكن أن يؤخر، ولكنه أجل مُعين عند الله عز وجل في الوقت الذي تقتضيه حكمته.
الكهف 18:60
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ﴾ إلى آخره [الكهف: ٦٠]، ﴿إِذْ قَالَ﴾ مفعول لفعل محذوف، والتقدير: اذكر إِذْ قال، وهذه السورة سبحان الله فيها عدد من القصص، موسى عليه الصلاة والسلام بن عمران خطب يومًا في بني إسرائيل فقام أحدهم، وقال: «هل على وجه الأرض أعلم منك؟ قال: لا» .
قال: لا، بناءً على أيش؟ بناءً على ظنه أنه ليس على وجه الأرض أعلم منه فعتب الله عليه في ذلك، لماذا لم يَرُدَّ العلم إلى الله؟ لأنه فوق كل ذي علم عليم، ليس أحد عنده العلم المطلق من البشر، ثم إن قوله: لا، فيه نظر من جهة أخرى، وهو أنه هل طاف بالأرض كلها وعرف أنه لا أحد أعلم منه؟ لا، ثم إنه لا أحد أعلم منه في كل شيء؟ لا، فقال الله عز وجل: «إن لي عبدًا هو أعلم منك»، أين هو؟ قال:« في مجمع البحرين»، وذكر له علامة، ويش العلامة؟
العلامة أن تفقد الحوت، فاصطحب حوتًا معه في مِكْتَل؛ يعني: شيء مثل الزنبيل، وسار هو وفتاه يوشع بن نون، جاء ذلك في البخاري، سارا إلى أين؟ إلى مجمع البحرين؛ لينظر من هذا الذي هو أعلم منه، وليتعلم منه أيضًا، ثم إنهما آويا إلى صخرة وناما، وكان الحوت في المكتل، فلما استيقظا مع السرعة لم يفتشا في المكتل، والحوت بأمر الله خرج ودخل في البحر، ويأتي إن شاء الله بقية القصة في الدرس القادم.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وأسأل الله تعالى أن يبارك لنا في هذا القرآن الكريم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ما معنى أَكِنَّة؟
* طالب: جمع كِنَّات، وهي الأغطية.
* الشيخ: جمع كِنّ، وهي الأغطية.
هل جعل الله تعالى هذه الأكنة، هل هي بسبب منهم أو بمجرد مشيئة؟
* الطالب: لا، بسبب منهم.
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: الدليل ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾.
* الشيخ: لا، الدليل؟
* طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس ٤٤].
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.
* الشيخ: نعم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، ولها نظائر ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة ١٣].
هل في الآية ما يشير إلى أن من المهم جدًا أن يفقه الإنسان القرآن الكريم دون أن يتلوه مجرد تلاوة؟
* طالب: نعم، في الآية دليل على هذا.
* الشيخ: ما هو الدليل؟
* الطالب: قوله ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ لأنهم عوقبوا..
* الشيخ: ﴿أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ كذا؟
من عادة السلف الصالح أنهم؟
* الطالب: أنهم يقرؤون عشر آيات ولا..
* الشيخ: لا يتجاوزون.
* الطالب: حتى يعرفوا معانيها (...).
* الشيخ: والعمل، بارك الله.
في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾؟
* طالب: هذا ليس فيه تيئيس للنبي عليه الصلاة والسلام بل فيه تسلية له.
* الشيخ: فيه تسلية للرسول ﷺ وليس فيه تيئيسًا له، المعنى أنهم لن يهتدوا؛ لأنه علم سبحانه وتعالى أنهم لا يهتدون فلا تحزن عليهم.
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ ماذا يعني بالقرى؟
* طالب: أهل القرى.
* الشيخ: مثل أيش؟ ما تعرف قرية أهلكها الله؟
* الطالب: بلى، مثل..
* الشيخ: قوم نوح.
* الطالب: قوم نوح، قوم عاد، قوم ثمود.
* الشيخ: نعم، وغيرهم.
هل يستفاد من الآية الكريمة أن الظلم سبب للهلاك؟
* طالب: أي نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: قوله ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾.
* الشيخ: ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ فأهلكهم الله لما ظلموا.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾، ما معنى هذا أو صلته باللي قبله؟
* الطالب: يعني: أجل.
* الشيخ: أجل، نعم، لئلا يقول قائل: هل يقع العذاب من حين الظلم أو يتأخر أو ما أشبه ذلك، فيقال: إن الله تعالى قد جعل له موعدًا.
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ ما هذا الفتى، هل هو ابنه؟
* طالب: لا، ليس ابنه.
* الشيخ: من؟
* طالب: يوشع بن نون يا شيخ.
* الشيخ: اسمه يوشع بن نون لكن ما صلته به؟
* الطالب: فتى لموسى.
* الشيخ: يعني: خادم له، طيب.
سبب هذا القول؟
* الطالب: قال موسى لفتاه إنه (...) بني إسرائيل (...)، فقال له -هذا يوشع بن نون-: هل أعلم منك؟ قال: لا أعلم مني، قال: لا يوجد أعلم مني، عَرَّفه الله سبحانه وتعالى، فقال الله سبحانه وتعالى: يجد عبده في مجمع البحرين هو أعلم منه، فذهب.
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف٦٠].
﴿لا أَبْرَحُ﴾ أي: لا أزال، والخبر محذوف، والتقدير: لا أزال أسير حتى أبلغ هذا أو أمضي سنين، فجعل الغاية أحد أمرين: إما أن يبلغ مجمع البحرين ولو في زمن قصير، أو يبقى أزمنة طويلة -إما ثمانون سنة أو أكثر- حتى يصل إلى هذا الرجل الذي أخبره الله عز وجل.
وما مجمع البحرين؟ قيل: إنه مكان الله أعلم به، لكن موسى يعلم، وقيل: إنه ملتقى البحر الأحمر مع البحر الأبيض، وكان فيما سبق بينهما أرض حتى فتحت القناة، وهذا ليس ببعيد أنه قيل له: إن عبدًا من عبادنا في مجمع البحرين وذهب إلى هذا.
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ (أو) هنا للتنويع؛ يعني: إما كذا وإما كذا، وقيل: (أو) بمعنى إلا، أي: حتى أبلغ مجمع البحرين إلا أن أمضي حقبًا؛ أي: سنين طويلة قبل مبلغه، لكن الوجه الأول أَسَدّ.
﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ فماذا صنع؟ تهيأ لذلك، وسار.
الكهف 18:61
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ ﴾ أي: بين البحرين، ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف ٦١]، ﴿نَسِيَا﴾ أضاف الفعل إليهما، مع أن الناسي هو الفتى، وليس موسى، لكن القوم إذا كانوا في شأن واحد وفي عمل واحد نُسِب فعل الواحد منهم أو الطائفة منهم إلى الجميع، ولهذا يخاطب الله عز وجل بني إسرائيل في عهد الرسول ﷺ، فيقول: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة٥٠]، ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، مع أنهم ما قالوا هذا لكن قاله أجدادهم.
﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ نسيان ذهول أو نسيان ترك؟ نسيان ذهول، وليس نسيان ترك، وهذا من حكمة الله عز وجل أن الله أنساهما ذلك لحكمة، ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
وهذا الحوت جعله الله سبحانه وتعالى علامة لموسى، أنك متى فقدت الحوت فثم مجمع البحرين، وهذا الحوت سبق لنا في الليلة الماضية أنه كان في مِكْتَل، وكان يقتاتان منه، لما وصلا إلى مكان ما ناما فيه عند صخرة، فلما استيقظا وإذا الحوت ليس موجودًا، لكنه -أي الفتى- لم يتفقد المكتل، ونسي شأنه وأمره، هذا الحوت -سبحان الله- طلع، خرج من المكتل ودخل في البحر، وجعل يسير في البحر والبحر ينحاز عنه.
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف ٦١]؛ أي: مثل السرب، السرب: السرداب؛ يعني أنه يشق الماء ولا يتلاءم الماء، وصفه بعض التابعين قال: هكذا؛ يعني: حجز، وهذا من آيات الله، وإلا فقد جرت العادة أن الحوت إذا انغمس في البحر أيش يعمل البحر؟ يتلاءم عليه، لكن هذا الحوت من آيات الله، أولًا: إذا كان قد ذبح أو قد مات وأنهما يقتاتان منه، كونه حيي، وقام ودخل البحر وصار طريقه على هذا الوجه، هذا من آيات الله عز وجل.
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾، ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الضمير يعود على أيش؟ على الحوت، ﴿سَبِيلَهُ﴾: طريقه، ﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ يعني: مثل السَرَب، السرب ما نسميه إحنا بالسرداب؛ يعني الشق الطويل.
الكهف 18:62
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ ﴾ [الكهف: ٦٢] الفاعل موسى وفتاه، ﴿جَاوَزَا﴾ يعني تعديا ذلك المكان، قال موسى لفتاه ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف ٦٢]، وهذا لا شك أنه في الصباح؛ لأن الغداء هو الطعام الذي يؤكل في الغداة.
﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف ٦٢] أي: تعبًا، قوله: ﴿مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾: ليس المراد من سفرهم من حين ابتدأا السفر، ولكن من حين فارقا الصخرة، ولذلك طلب الغداء، من حين فارق الصخرة تعب وطلب الغداء، قال أهل العلم: وهذا من آيات الله عز وجل، فقد سارا قبل ذلك مسافة طويلة ولم يتعبا، ولما جاوزا المكان تعبا سريعًا من أجل ألا يتماديا في البعد عن المكان.
الكهف 18:63
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ﴾ أرأيت يعني: تنبه أو بمعناها، ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ أي رجعنا إليها واتخذناها مأوى؛ لأنهما ناما، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ ما معنى نسيت؟ يعني نسيت أن أتفقده وأسعى في شأنه، وإلا فالحوت معروف كان في المكتل، لكن نسي هل هو باق أو لم يبق؟
﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قوله: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ هذه بدل من الهاء في ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ يعني: ما أنساني ذكره إلا الشيطان.
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿سَبِيلَهُ﴾ يعني طريقه، ﴿عَجَبًا﴾ أي محل عَجَب، وهو محل عجب، ماء سَيَّال يمر به هذا الحوت ويكون طريقه سربًا، فكان هذا الطريق للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عَجَبًا، ولنا أيضًا عجبًا؛ لأن الماء عادة يتلاءم على ما يمر به، لكن هذا الحوت بإذن الله لم يتلاءم.
الكهف 18:64
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ ﴾ [الكهف: ٦٣، ٦٤]، يقول موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي ما كنا نطلب؛ لأن الله أخبره بأنه إذا فقد الحوت فذاك محل اتفاقه مع مَن؟ مع الخضر، ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف ٦٤] يعني: رجع، بعد أن أخذ مسافة تعب فيها.
﴿ارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ يعني: يقصان آثارهما لئلا يضيع عنهما المحل الذي كانا أويا إليه، ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ أي: يقصان الأثر.
الكهف 18:65
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ ﴾ [الكهف: ٦٥]، وهو الخضر، كما صح عن ذلك عن النبي ﷺ.
﴿عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل هو من العباد الصالحين؟ أو من الأولياء الذين لهم كرامات؟ أو من الأنبياء؟ أو من الرسل؟ كل ذلك ممكن، لكن النصوص تدل على أنه ليس برسول ولا نبي، إنما هو عبد صالح أعطاه الله تعالى كرامات؛ ليتبين بذلك أن موسى لا يحيط بكل شيء علمًا، وأنه يفوته من العلم شيء كثير.
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥]، ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ هي أن الله تعالى جعله من أوليائه، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ يعني علمًا لا يطلع عليه الناس، علم خاص بالله عز وجل، وهو علم الغيب في هذه القصة المعينة، وليس علم نبوة، ولكنه علم خاص؛ لأن هذا العلم الذي اطلع عليه الخضر لا يمكن إدراكه، أليس كذلك؟ لا يمكن إدراكه، ليس شيئًا مبنيًّا على المحسوس فيبنى المستقبل على الحاضر، شيء غائب، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ أي معلومات لا يطلع عليها البشر.
الكهف 18:66
يقول الله عز وجل: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف ٦٦]، تأمل هذا الأدب من موسى عليه الصلاة والسلام، مع أن موسى أفضل منه ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب٦٩]، ومع ذلك يتلطف بهذا؛ لأنه سوف يأخذ منه علمًا لا يعلمه موسى، ففي هذا دليل على أنه ينبغي لطالب العلم أن يتلطف مع شيخه ومع أستاذه، وأن يعامله بالإكرام.
﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى﴾ فهو قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾، وهذا عرض، عرض رقيق، وأيضًا بَيَّن له أنه لا يريد أن يتبعه ليأكل من أكله ويشرب من شربه، لا، ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾.
الخضر لا شك أن سيفرح ممن يأخذ منه العلم، وكل إنسان أعطاه الله علمًا فينبغي أن يفرح أن يؤخذ منه هذا العلم؛ لأن العلم الذي يؤخذ من الإنسان في حياته ينتفع به بعد وفاته، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَه» .
(67-69)
فقال له: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف ٦٧، ٦٨].
﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، وبين له عذره في أنه لا يستطيع، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، وأين الدليل للخضر أن موسى لم يحط بذلك خبرًا؟
لأنه قال: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾، وهذا يدل على أنه لا علم له فيما عند الخضر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف ٦٨، ٦٩].
وهذا الذي قاله موسى عليه السلام قاله فيما في نفسه في تلك الساعة أنه سيصبر، لكنه علقه بمشيئة الله؛ لئلا يكون ذلك اعتزازًا بنفسه وإعجابًا بها، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وهذا كقول إسماعيل بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لما قال له أبوه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات ١٠٢]، قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي﴾ أيش؟ ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات ١٠٢]، موسى عليه الصلاة والسلام قال للخضر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾، وأيضًا أصبر على ما تفعل وأمتثل ما به تأمر.
﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، وعده بشيئين: الصبر على ما يفعل، والثاني: الائتمار بما يأمر، والانتهاء عما ينهى.
الكهف 18:70
﴿وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٦٩، ٧٠]؛ يعني: حتى أذكر لك السبب، ﴿إِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾، ومعلوم أنه سيتبعه، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ كل ما فعلت لا تسألني عنه ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، و﴿حَتَّى﴾ هنا للغاية؛ يعني: إلى أن أحدث لك منه ذكرًا، وهذا توجيه من مُعلِّم لمن يتعلم منه، ألَّا يتعجل في الرد على معلمه، بل ينتظر حتى يحدث له من ذلك ذكرًا، وهذا لا شك أنه من آداب المتعلم ألَّا يتعجل بالرد حتى يتبين الأمر ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.
الكهف 18:71
﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴾ [الكهف: ٧١] (انطلقا) الفاعل من؟ موسى والخضر، وسكت عن الفتى، فهل الفتى تأخر، أو أنه ركب، لكن لما كان تابعًا لم يكن له ذِكْر؟ الذي يظهر -والله أعلم- أنه كان تابعًا، لكن لما لم يكن له تعلق بالمسألة، والأصل هو موسى، طُوِي ذِكْره، وهو أيضًا تابع، ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾؛ يعني: هما يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فركبا فيها، لما ركبا في السفينة قام الخضر فخرقها، خرقها بالمخراق؟
لا، لكنه قلع إحدى خشبها الذي يدخل منه الماء، فقال له موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ [الكهف ٧١] وهذا إنكار، إنكار ممن؟ من موسى على الخضر، مع أنه قال له: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ ولكنه لم يصبر؛ لأن هذه مشكلتها عظيمة، سفينة في البحر يخرقها فتغرق.
و(اللام) في قوله: ﴿لِتُغْرِقَ﴾ ليست للتعليل ولكنها للعاقبة؛ يعني أنك إذا خرقتها غرق، وإلا لا شك أن موسى عليه الصلاة والسلام لا يدري ما غرض الخضر، ولا شك أيضًا أنه يدري أنه لا يريد أن يغرق أهلها؛ لأنه لو أراد أن يغرق أهلها لكان أول من يغرق هو وموسى، لكن اللام هنا للعاقبة، ولام العاقبة ترد في غير موضع حتى في القرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص٨]، لو سألنا أي إنسان: هل آل فرعون التقطوا موسى ليكون عدوًّا لهم وحزنًا؟ أبدًا لكن هذه الغاية.
﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ [الكهف ٧١] أي عظيمًا؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام كان شديدًا قويًّا في ذات الله، فهو أنكر عليه وبَيَّن أن فعله ستكون عاقبته الإغراق، وزاده توبيخًا في قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ أي: عظيمًا، والجملة هنا مؤكدة بكم مؤكدات يا إخوان؟ ثلاثة مؤكدات: (اللام)، و(قد)، والقسم المُقَدّر الذي تدل عليه اللام، وقلنا: عظيمًا، ومنه قول أبي سفيان لهرقل لما حدثه عن الرسول ﷺ، وبين له حاله وصفاته ومكارم أخلاقه وانصرف مع قومه، قال: «لقد أَمِر أَمْرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر »، يعني بابن أبي كبشة الرسول ﷺ، وأمِر أمره: يعني عَظُم، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾.
الكهف 18:72
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٢].
الجواب بلى، ولّا لا؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: اعتذر موسى.
الكهف 18:73
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٣]، ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ وسبب نسيان موسى أن الأمر عظيم اندهش له، أن تخرق السفينة وهو على ظهرها والخضر على ظهرها وأهلها معه، هذه توجب أن الإنسان ينسى ما سبق من شدة وَقْع ذلك في نفسه، اعتذر ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: بنسياني، ولهذا نقول في إعراب (ما) إنها مصدرية، أي: بنسياني ذلك، وهو قولك: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ يعني لا تثقل عليَّ وتُعَسّر عليَّ الأمور، وكأن هذا -والله أعلم- توطئة لما يأتي بعد.
الكهف 18:74
﴿فَانْطَلَقَا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٤] انطلقا منين؟ من السفينة بعد أن أرست على الميناء، ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ﴾ [الكهف ٧٤]، هنا قال: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ ولم يقل: قتله، وفي السفينة قال: ﴿خَرَقَهَا﴾ ولم يقل: فخرقها؛ لأن قتل النفس كأنه تأنى فيه قليلًا يعني كأن شيئًا حصل قبل القتل فقتله، الغلام والصغير، موسى عليه الصلاة والسلام ما صبر.
﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ -وفي قراءة ﴿زَاكِيَةً﴾ - ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف ٧٤]، قوله: ﴿زَكِيَّةً﴾؛ لأنه غلام صغير، والغلام الصغير تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات، إذن فهو زكي؛ لأنه صغير، فلا تكتب عليه السيئات وتكتب له الحسنات.
﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ يعني أنه لم يقتل أحدًا حتى تقتله، ولكن لو أنه قتل هل يُقتل أو لا؟ شريعتنا لا يقتل، غير المكلف لا يقتل بالعمد؛ لأنه لا عمد له.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ هذه العبارة أشد من العبارة الأولى، الأولى ماذا قال؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، لكن هنا قال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾؛ أي: منكرًا عظيمًا أن تقتل نفسًا، والفرق بين هذا وهذا أن خرق السفينة قد يكون به الغرق وقد لا يكون، وهذا اللي هو حصل لم تغرق السفينة، وأما قتل النفس فهو منكر حالًا ما فيه احتمال.
الكهف 18:75
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴾ [الكهف: ٧٤، ٧٥] هنا فيها لوم أشد على موسى، في الأول قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، في الثاني قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾؛ يعني: كأنك لم تفهم ولن تفهم، ولذلك الناس يفرقون بين الجملتين، لو أنك كلمت شخصًا في شيء وخالف، تقول في الأول: ألم أقل إنك، لكن: ألم أقل لك؛ يعني: الخطاب ورد عليك ورودًا لا خفاء فيه ومع ذلك خالفت، فصار لوم الخضر لموسى في الثانية أيش؟ أشد. ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
الكهف 18:76
فقال له موسى، لما رأى أنه لا عذر له: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف ٧٦]؛ يعني: امنعني عن صحبتك، وفي قول موسى: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام يرى أنه أعلى منه منزلة، وإلا لقال: إن سألتك عن شيء بعدها أيش؟ فلا أصاحبك، لكن قال: ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ يعني: وامنعني من ذلك.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف ٧٦] يعني أنك وصلت إلى حال تُعْذَر فيها؛ لأنه كم أنكر عليه من مرة؟ مرتين، مع أن موسى التزم بألا يسأل قال: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾.
الكهف 18:77
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ ﴾ [الكهف: ٧٧]، ولم يعين الله عز وجل القرية، فلا حاجة إلى أن نبحث عن هذه القرية، نقول: قرية أبهمها الله فنبهمها، ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف ٧٧] يعني: طلبا من أهلها طعامًا، ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ [الكهف ٧٧]، ولا شك أن هذا خلاف كمال الإيمان؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ، لكن هؤلاء أبوا أن يضيفوهما، وكان جزاؤهم ألا يعاملوا إلا بمثل ما فعلوا، لكن الأمر وقع على خلاف ذلك، والله عز وجل ييسر لعبده المؤمن ما يكون به الخير.
«بعث النبي ﷺ سرية، فنزلوا ضيفًا على قوم، ولكن القوم أبوا أن يضيفوهم، فتنحوا ناحية، فسلط الله على رئيسهم عقربًا لدغته، وكانت شديدة، فقال بعضهم لبعضهم: هل من راقٍ؟ قالوا: لا نعلم إلا كان هؤلاء الرهط، فأتوا إلى الصحابة قالوا: إن سيدهم قد لدغ، فهل عندكم من راق؟ قالوا: نعم، لكننا لا نرقيه إلا بكذا وكذا من الغنم، قال: لكم هذا، فذهب أحد رجال السرية، وجعل يقرأ على هذا اللديغ سورة الفاتحة، فقام كأنما نشط من عقال» .
فانظر إلى لطف الله عز وجل حيث يسر للصحابة ضيافة رغمًا على هؤلاء الذين أبوا أن يضيفوهم، وصاحبهم لم يمسه سوء إلا وجع اللدغة وانتهى بقراءة الرجل عليه، المهم أن موسى والخضر استطعما أهل القرية ولكن أبوا أن يضيفوهما، قال: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف ٧٧] ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ كيف يريد أن ينقض؟ هل الجدار له إرادة؟
الجواب: نعم، له إرادة، وذلك ميله، فإن ميله يدل على إرادة السقوط، ولا تتعجب إذا كان للجماد إرادة، فها هو أُحُد قال فيه النبي ﷺ: «إِنَّهُ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» ، والمحبة وصف زائد على الإرادة، وهو جماد.
وأما قول بعض الناس الذين يجوزون المجاز في القرآن وقالوا: إن هذا كناية وليس للجدار إرادة، فلا وجه له.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ أي أنه مائل يريد أن يسقط، ﴿فَأَقَامَهُ﴾ من أقامه؟ أقامه الخضر، لكن كيف أقامه؟ الله أعلم، قد يكون أقامه بيده وأن الله أعطاه قوة واستقام الجدار، وقد يكون بناه البناء المعتاد، المهم أنه أقامه.
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف ٧٧]، هذه عبارة لينة جدًا ليست كالعبارة الأولى، ما أنكر عليه أن يبنيه، ولا قال: كيف تبنيه وقد أبوا أن يضيفونا، بل قال: ﴿لَوْ شِئْتَ﴾، وهذا لا شك أسلوب رقيق، عرض، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد قدم ما يجعله لا ينكر على الخضر.
الكهف 18:78
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ ﴾ [الكهف: ٧٨]، القائل الخضر؛ يعني: انتهى ما بيني وبينك، فلا صحبة، ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ أي: سأخبرك عن قرب، ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، وإنما قلت: سأخبرك عن قرب؛ لأن السين تدل على القرب بخلاف سوف، وهي أيضًا تفيد مع القرب التحقيق، ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ أي: بتفسيره وبيان وجهه.
الكهف 18:79
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ ﴾ [الكهف: ٧٩]، ويريد بها السفينة التي خرقها، فـ(أل) في السفينة لأيش؟
* طالب: للعهد الذكري.
* الشيخ: للعهد الذكري، نعم، ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ﴾ يعني: التي خرقها، ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾؛ يعني أنهم يطلبون الرزق فيها، مساكين فقراء، والجمع أقله ثلاثة، قد يكون ثلاثة أو عشرة أو عشرين أو ثلاثين، عددهم ليس بضروري أن نعرفه.
﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾؛ يعني أن أجعل فيها عيبًا، لماذا؟ قال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، حتى إذا مرت بهذا الملك قال: هذه سفينة معيبة لا حاجة لي فيها؛ لأنه لا يأخذ إلا السفن الصالحة الجيدة، أما هذه فلا حاجة له فيها، وهذا منه أخذ الناس أن الإنسان الذي يخاف على نفسه العين ينبغي ألا يظهر بالمظهر الذي يلفت النظر؛ خوفًا من العين؛ يعني لا يلبس الثياب الجميلة جدًا التي تلفت النظر، أو يتزين زينة تلفت النظر، هل مثلًا لو فرضنا أن الرجل هذا له عينان واسعتان جميلتان قويتا النظر، هل مثلًا نقول: امش وأنت مغمض؟
* طلبة: يلبس نظارات.
* الشيخ: ممكن يلبس نظارات، أو إذا لم يكن عنده نظارات يقلل من فتح العينين؛ لئلا يصاب بأذى، على كل حال صار له وجهة نظر، فعل الخضر له مبرر، ومنه يؤخذ فائدة عظيمة، وهي إتلاف بعض الشيء لإصلاح باقيه، إتلاف بعض الشيء لإصلاح باقيه هذا شيء جائز، والأطباء الآن يعملون به، تجده مثلًا يأخذ من الفخذ قطعة ليصلح بها شيئًا في الوجه أو في الرأس أو ما أشبه ذلك ولا بأس به.
وأخذ من ذلك العلماء رحمه الله أن الوقف إذا دمر وخرب فلا بأس أن يباع بعضه ويصلح به الباقي.
﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، إذن زال الإشكال في مسألة السفينة.
الكهف 18:80
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ ﴾ [الكهف: ٨٠]، الغلام صغير، كان أبواه مؤمنين، ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ ﴿خَشِينَا﴾ قال هنا بالجمع، وهو بالنسبة للخضر واقع، وبالنسبة لموسى متوقع، أما السفينة قال: ﴿فَأَرَدْتُ﴾ ولم يقل: أردنا؛ لأن موسى قد لا يُتَوقع أنه يريد ذلك، لكن موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من المصلحين يخشون أن يكفر الإنسان بسبب شيء من الأشياء، فهذا والله أعلم وجه كون ﴿أَرَدْتُ﴾ بالإفراد و﴿خَشِينَا﴾ بالجمع.
﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ فأعلمه الله عز وجل بأن مآل هذا الغلام أيش؟ الكفر، وأنه ربما يرهق والديه؛ يعني: يكرههما على الطغيان والكفر، إما لمحبتهما إياه أو لغير ذلك من الأسباب، وإلا فالغالب أن الوالد يؤثر على الولد، لكن قد يؤثر الولد على الوالد، كما أن الغالب أن الزوج يؤثر على زوجته وقد تؤثر الزوجة على زوجها.
الكهف 18:81
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴾ [الكهف: ٨١]؛ يعني أن إذا قتلناه فعند الله ما هو خير وأبقى، ﴿أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ أي: في الدين، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ أي: في الصلة؛ يعني أنه أراد هو وموسى -تحقيقًا بالنسبة للخضر وتقديرًا بالنسبة لموسى- أن الله يخلف عليهما من هو أزكى منهما في الدين، وأوصل منهما في الرحم، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾.
بقي شيء ثالث، الآن عرفنا وجهة النظر في قتل الغلام، فهل يؤخذ من ذلك أن يقتل الكافر خوفًا من أن ينشر كفره في الناس؟ نعم، لا شك، فالداعي إلى الكفر يقتل خوفًا من أن ينشر كفره في الناس.
الكهف 18:82
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف ٨٢]، غلامين صغيرين يتيمين قد مات أبوهما، ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ تحت أيش؟ الجدار، ﴿كَنْزٌ﴾ أي: مال مدفون.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، أراد الله عز وجل أن يبلغا أشدهما؛ أي: يبلغا ويكبرا، حتى يصلا إلى سن الأشد، وهو أربعون سنة عند كثير من العلماء.
فالداعي إلى الكفر يُقْتَل؛ خوفًا من أن ينشر كفرَه في الناس.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف ٨٢] غلامين صغيرين يتيمين قد مات أبوهما.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ تحت أيش؟ الجدار، ﴿كَنْزٌ﴾ أي: مال مدفون ﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ أراد الله عز وجل ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ أي: يبلغا ويَكْبُرا حتى يصلا إلى سن الأَشُدِّ وهو أربعون سنة عند الكثير من العلماء.
﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ لأنه سيبقى تحت الجدار، ولو أن الجدار انهدم وانقض لبرز الكنز وأخذه الناس.
قال: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فكان من شكر الله عز وجل لهذا الأب الصالح أن يكون رؤوفًا بأبنائه، وهذا من بركة الصلاح في الآباء أن يحفظ الله الأبناء.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ وهنا ما قال: فأردنا، ولا قال: فأردت، قال: (أَرَادَ رَبُّكَ)؛ لأن بقاء الغلامين حتى يبلغا الأَشُدَّ ليس للخضر ولا لموسى فيه أي شيء، لكن الخشية خشية ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تكون من موسى ومن الخضر، وإرادة عيب السفينة تكون من الخضر، وفعلًا عابها، لكن مسألة نشأة الغلامين على طاعة الله عز وجل حتى يكبرا ويستخرجا كنزهما ليس لموسى ولا للخضر فيها آية.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ منين؟ من تحت الجدار.
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ هذه مفعول لأجله العامل فيه (أراد)، يعني: أراد الله ذلك رحمة منه جل وعلا.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يعني: ما فعلت هذا الشيء عن ذكاء مني أو عقل مني، ولكنه بإلهام من الله عز وجل وتوفيق؛ لأن هذا الشيء فوق ما يدركه العقل البشري.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (تأويله) يعني: تفسيره؛ لأنه في الأول قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾ ثم ختم ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ أي: تفسير، ويحتمل أن يكون المراد بالتأويل هنا في الثانية العاقبة، يعني: ذلك عاقبة ما لم تستطع عليه صبرًا؛ لأن التأويل يراد به العاقبة ويراد به التفسير.
وقوله: ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ وفي الأول قال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ الإتيان باللغتين يعني: أن استطاع واسطاع، ويستطيع ويسطيع، كل منها لغة صحيحة عربية.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ في هذه القصة من العبر شيءٌ كثير لو أردت أن يقوم كل واحد بذكر فوائد من تصويرها أو مشهدها، هل لكم طاقة بذلك؟ يعني مثلًا؛ واحد يأخذ القصة من حين خرج موسى عليه الصلاة والسلام إلى أن آوى إلى الصخرة وفارقها، ثم من ركوبه مع الخضر السفينة وما جرى من الخضر على السفينة، وبيان السبب في ذلك ثم الغلام، ثم الجدار، يعني: أربعة، كل واحد يأخذ موضوعًا.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٨٣]..
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه خليها للباحث.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذه للباحث.
* الطالب: (...).
* الشيخ: كل القصة ولا بعضها؟
* الطالب: لأن موسى يا شيخ في بعض القصة؛ لأن موسى أعلم من الخضر وأفضل من الخضر، فهو كليم الله سبحانه وتعالى ومن أولي العزم الخمسة، لكن معنى القصة هنا امتحان لموسى بما سبق من كلامه، والخضر أطلعه الله على شيء على قتل الغلام، وخرق السفينة بمنزلة الغيب، لا (...) خرق السفينة، قتل الغلام والجدار، يعني: أقرب ما يكون لمسألة الغيب، والغيب ما يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إي، هذا أطلعه الله عليه، والله عز وجل قد يطلع بعض الأولياء على الغيب.
* الطالب: لكن موسى يا شيخ أفضل منه.
* الشيخ: ولو كان أفضل منه قد يغيب عن موسى شيء، ويتضح لغيره مثل الآن يوجد مثلًا فضائل في الصحابة، لبعض الصحابة فضل لم يحصل لأبي بكر ولا لعمر.
* الطالب: (...) في قول الله عز وجل: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ ألا يمكن لقائل أن يقول: إن الرحمة هنا رحمة النبوة كما في قول نوح عليه السلام: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود ٢٨] ، وقول صالح عليه السلام: ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [هود ٦٣]؟
* الشيخ: (...) هذا لا يدل على أنه نبي، بل هو رجل صالح، حتى كل صالح فإن الله تعالى قد رحمه؛ ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٩]، كل عبد صالح فهو مرحوم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هو أقرب ما يكون لو قلنا به ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ (...) الرحمة لكل أحد، نعم.
* الطالب: ما وجه إنكار الخضر على موسى في قوله: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ ما (...) هذا عرض عليه، ما فيه لا إنكار ولم يقل: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا يتضمن الإنكار، يعني: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ هو عرض لطيف، لكن وراءه انتقاد.
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ استدل البعض على إثبات العلم اللدني، وما ضابط ذلك؟
* الشيخ: لا، نقول: كل شيء لا يمكن للإنسان أن يتوصل إليه بنفسه، فهو من لدن الله عز وجل، وأما ما قاله الصوفية: العلم اللدني وأنه يقول: إنه حضر مع الله في الليلة الماضية وسهر مع الله وأعطاني علمًا وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافاتهم، أليس هكذا؟
* الطالب: يقولون هكذا.
* الشيخ: نعم، يقولون هكذا.
* الطالب: شيخ، بالنسبة للخضر والقول عنه إنه عائش (...)؟
* الشيخ: لا، الخضر لا شك أنه مات في وقته، ولهذا لم يجر له ذكر لا مع عيسى ولا مع غيره من الأنبياء، ولا مع محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لو كان حيًّا حياة الآدميين لوجب عليه أن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأن يأتي إليه، ويشاركه في جهاده، وأيضًا فقد قال النبي ﷺ في آخر حياته:« إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤)، ومسلم (٢٥٣٧/ ٢١٧) من حديث عبد الله بن عمر.]] لا، هو مات في وقته.
الكهف 18:83
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٨٣] ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ الواو فاعل للناس سواء من اليهود أو من قريش أو من غيرهم.
﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ أي: صاحب ذي القرنين، وكان له ذكر في التاريخ، وقد قال اليهود لقريش: اسألوه عن هذا الرجل؛ إن أخبركم عنه فهو نبيٌّ.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾؛ يعني: قل لمن سألك: ﴿سَأَتْلُو﴾ سأقرأ عليك ﴿مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وليس كلَّ ذكره، بل ذكرًا منه، ما هو كل أحواله، ثم قص الله القصة.
الكهف 18:84
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿مَكَّنَّا لَهُ﴾ أي: ثبَّتْنا له في الأرض؛ وذلك بثبوت ملكه وسهولة سيره وقوته.
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: شيئًا يتوصل به إلى مقصوده.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يعمُّ كل شيء، لكن المراد من كل شيء يحتاج إليه، والدليل على هذا أن كل شيء بحسب ما تضاف إليه؛ فأنتم ترون أن الهدهد قال لسليمان عليه الصلاة والسلام عن ملكة سبأ قال: إنها أيش؟ ﴿أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٢٣]، ومعلوم أنها ما أوتيت السماوات ولا الأرض لكن من كل شيء يكون به تمام الملك، كذلك قال الله تعالى عن ريح عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف ٢٥]، ومعلوم أنها ما دمرت كل شيء، المساكن ما دمرت كما قال عز وجل: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥].
إذن هنا ﴿آتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: من كل شيء يكون به التمكين في الأرض، وقوة السلطة من كل شيء سببًا.
الكهف 18:85
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿فَأَتْبَعَ﴾ بمعنى تبع، يعني: أنه –أي: ذا القرنين- انتفع بما أعطاه الله تعالى من الأسباب؛ لأن من الناس من ينتفع، ومن الناس من لا ينتفع لكن هذا الملك انتفع (أَتْبَعَ سَبَبًا) وجال في الأرض.
الكهف 18:86
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ موضع غروبها ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ من المعلوم أن المراد المكان الذي تغرب الشمس فيه، وهو البحر؛ لأن الساعي إلى المغرب سوف يصطدم بأيش؟ بالبحر المحيط، والشمس إذا رآها الرائي وجد أنها تغرب فيه.
أرض البحر ﴿حَمِئَةٍ﴾ يعني: مُسْوَدَّة من الماء؛ لأن الماء إذا مكث طويلًا في الأرض صارت سوداء.
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ﴾ في هذه العين، ومعلوم أنها تغرب في هذه العين الحمئة حسب رؤية الإنسان، وإلَّا فهي أكبر من الأرض، وأكبر من هذه العين الحمئة وأعظم، وهي تدور على الأرض، لكن لا حرج أن الإنسان يُخْبِر عن الشيء حسب رؤيته إياه.
﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ أي: عند هذه العين الحمئة وهو البحر ﴿قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف ٨٦] يعني: أن الله عز وجل خَيَّره بين أن يعذبهم بالقتل، أو غير القتل، أو يحسن إليهم يتخذ فيهم حسنًا؛ وذلك لأن الرجل ملكٌ عادل، ملك عاقل، ويدل لعقله ودينه أنه قال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ [الكهف ٨٧، ٨٨] حُكم عدل.
الكهف 18:87
﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ وذلك بالشرك؛ لأن الظلم يطلق على الشرك، وعلى غيره لكن الظاهر -والله أعلم- أن المراد هنا الشرك؛ لقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
يقول: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ العذاب الذي يكون تعزيرًا، وعذاب التعزير يرجع إلى رأي الحاكم إما بالقتل أو بغيره.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ وهو الله -عز وجل- ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾؛ لأن العقوبات لا تُطَهِّر الكافرين، المسلم تُطَهِّره العقوبات، الكافر لا، يعذب في الدنيا وفي الآخرة، نعوذ بالله من ذلك.
﴿عَذَابًا نُكْرًا﴾ نكرًا على المعذب أو نكرًا ينكره المعذَّب؟
الثاني هو المتعيِّن؛ لأن عذاب الله ليس بِنُكر، بل هو حق وعدل، لكنه ينكره المعذَّب، ويرى أنه شديد.
الكهف 18:88
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ وهي الجنة، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ المؤمن العامل للصالحات له جزاء عند مَنْ؟ له جزاء عند الله، وهي الجنة كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] فسرها النبي ﷺ بأن (الحسنى) هي الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل.
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ هذا المؤمن الذي عمل الصالح سيقول له من شأنه أو من أمره اللفظي ﴿يُسْرًا﴾ أي: ما فيه اليسر له، فوُعِدَ هذا وهذا بأمرين؛ الظالم وعده بأمرين وهما: أنه يعذبه، ثم يرد إلى الله فيعذبه، وهذا وعده بأمرين؛ أن له الحسنى، وأنه يعامل بالأيسر.
لكن تأمل في حال المشرك بدأ بتعذيبه ثم ثنَّى بتعذيب الله، المؤمن بدأ بثواب الله أولًا ثم معاملته باليسر ثانيًا، والفرق ظاهر؛ لأن مقصود المؤمن والعامل الصالحات ما هو؟ الوصول إلى الجنة، والوصول إلى الجنة لا شك أنه أفضل وأشرف من أن يقال له قول يسر، وهذا يدل على أن هذا الملك فصيح بليغ ينزِّل القضايا منازلها.
الكهف 18:89
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩، ٩٠] سبحان الله، اتجه أولًا للمغرب ووصل إلى نهاية الأرض اليابسة مما يمكنه أن يصل إليه ثم عاد إلى المشرق، وهكذا في الغالب أن الملك يكون من المشرق إلى المغرب أو المغرب إلى المشرق، والشمال والجنوب لا، أضعف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩/ ١٩) من حديث ثوبان.]] دون شَمالها وجنوبها؛ لأن الشمال والجنوب -كما يعلم كثير من الناس- ليس محلًّا للسُكْنَى، أقصاه من الشمال وأقصاه من الجنوب كله ثلج، ما فيه سكان، السكان يتَّبِعون الشمس من المشرق للمغرب أو من المغرب إلى المشرق.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: موضع طلوعها.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ إلى آخره ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ ليس عندهم بناء، ولا أشجار ظليلة، وبعض العلماء بالغ حتى قال: وليس عليهم ثياب؛ لأن الثياب فيها نوع من الستر -فالله أعلم- المهم أن الشمس تحرقهم، وليس لهم من دونها سترًا، لا أشجار ظليلة، ولا دور، ولا قصور.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: الأمر كما قلنا، يعني: الأمر كذلك حق على حقيقته.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ سبحان الله، يعني: قد علمنا علم اليقين بما عنده من وسائل الملك وامتداده، وغير ذلك من كل ما لديه، والله أعلم.
* الطالب: إعراب ﴿جَزَاءً﴾.
* الشيخ: حال؛ يعني: فلهم الحسنى جزاءً، حال كونها جزاء.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (إذ) ما محلها من الإعراب؟
* الطالب: في محل نصب ظرف زمان.
* الشيخ: أين عاملها؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: التقدير (اذكر)؛ لأن كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل.
قوله: ﴿لِفَتَاهُ﴾؟
* الطالب: يوشع بن نون.
* الشيخ: إي، هذا اسمه يوشع بن نون، ولكن (فتى)؟
* الطالب: خادمه.
* الشيخ: لخادمه. قوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ أين خبر ﴿لَا أَبْرَحُ﴾؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: لا أبرح أسير.
* الشيخ: لا أبرح أسير. أين مكان مجمع البحرين؟
* الطالب: قيل: هو..
* الشيخ: فيه أقوال: لكن أقرب شيء؟
* الطالب: عند التقاء البحرين البحر الأبيض مع البحر الأحمر.
* الشيخ: نعم، في هذا المكان، القرن هذا، فهذا أقرب شيء؛ لأن موسى كان بمصر.
ما الفرق بين قول الخضر لموسى في الأول: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، وفي الثانية قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾؟
* الطالب: أن موسى كرر أن يسأل..
* الشيخ: لكن ما الفرق بين العبارتين: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ و﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾؟
* الطالب: الأولى فيها تخفيف أن عاتبه بخفة؛ يعني..
* الشيخ: أخفُّ عتابًا من الثانية؛ لأنه قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ يعني: لك أو لغيرك، إنك لا تستطيع لكن إذا صرَّح ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يكون أشدَّ وقعًا في نفس موسى وأشدَّ ألمًا في التوبيخ كذا؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾.
الآن لو أقول مثلًا لواحد: ألم أقل: إنك لم تفعل كذا، ما يكون عتاب مواجهة، قد يكون ألم أقل لغيرك مثلًا، لكن ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ أشد عتابًا من الأولى.
في الغلام قتله الخضر خوفًا من أيش؟
* الطالب: خوفًا من أن يدخل على أبويه (...).
* الشيخ: إي نعم، طيب كيف الولد يؤثر على الوالدين؟
* الطالب: يؤثِّر بالحب، ويؤثِّر بكثرة المخالطة.
* الشيخ: نعم، يعني: قد يكونا قد تعلقا به كثيرًا وأحبَّاه كثيرًا، ومثل هذا قد يؤثر عليهما.
هل الخضر نبي؟
* الطالب: ليس نبيًّا.
* الشيخ: على القول الراجح ليس نبيًّا ولا رسولًا.
* الطالب: إنه وليٌّ وإِنَّه عبد صالح.
* الشيخ: إي نعم، والأظهر -والله أعلم- أنه وليٌّ؛ لأن هذه الأشياء كرامات؛ أنه أُكْرِم بما حصل من هذا العلم الذي علمه الله.
* * *
الآن نبدأ في ذي القرنين أولًا: لماذا سُمِّي ذا القرنين؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ فنسأل لماذا سُمِّي ذا القرنين؟
قيل معناه: أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فإن المشرق قَرْن والمغرب قرن كما قال النبي ﷺ: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٧)، ومسلم (٢٩٠٥/ ٤٥) من حديث عبد الله بن عمر.]] فيكون هذا كناية عن أيش؟ عن سعة ملكه.
وقيل: ذو القرنين لقوته؛ ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشدَّ وأقوى، وقيل: ذو القرنين، إنهما علامتان وضعهما على رأسه كالقرن، كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن لم يُبَيِّن، لكن أقرب ما يكون للقرآن الكريم أن معناه المالك للمشرق والمغرب، وهو مناسب تمامًا؛ حيث قال النبي ﷺ في الشمس: «إِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ»[[أخرجه مسلم (٨٣٢/ ٢٩٤) من حديث عمرو بن عبسة السلمي.]]
﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وأخذناها أظن؟ إلى قوله؟
* الطالب: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (...).
الكهف 18:90
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩، ٩٠] سبحان الله، اتجه أولًا للمغرب ووصل إلى نهاية الأرض اليابسة مما يمكنه أن يصل إليه ثم عاد إلى المشرق، وهكذا في الغالب أن الملك يكون من المشرق إلى المغرب أو المغرب إلى المشرق، والشمال والجنوب لا، أضعف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩/ ١٩) من حديث ثوبان.]] دون شَمالها وجنوبها؛ لأن الشمال والجنوب -كما يعلم كثير من الناس- ليس محلًّا للسُكْنَى، أقصاه من الشمال وأقصاه من الجنوب كله ثلج، ما فيه سكان، السكان يتَّبِعون الشمس من المشرق للمغرب أو من المغرب إلى المشرق.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: موضع طلوعها.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ إلى آخره ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ ليس عندهم بناء، ولا أشجار ظليلة، وبعض العلماء بالغ حتى قال: وليس عليهم ثياب؛ لأن الثياب فيها نوع من الستر -فالله أعلم- المهم أن الشمس تحرقهم، وليس لهم من دونها سترًا، لا أشجار ظليلة، ولا دور، ولا قصور.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: الأمر كما قلنا، يعني: الأمر كذلك حق على حقيقته.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ سبحان الله، يعني: قد علمنا علم اليقين بما عنده من وسائل الملك وامتداده، وغير ذلك من كل ما لديه، والله أعلم.
* الطالب: إعراب ﴿جَزَاءً﴾.
* الشيخ: حال؛ يعني: فلهم الحسنى جزاءً، حال كونها جزاء.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (إذ) ما محلها من الإعراب؟
* الطالب: في محل نصب ظرف زمان.
* الشيخ: أين عاملها؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: التقدير (اذكر)؛ لأن كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل.
قوله: ﴿لِفَتَاهُ﴾؟
* الطالب: يوشع بن نون.
* الشيخ: إي، هذا اسمه يوشع بن نون، ولكن (فتى)؟
* الطالب: خادمه.
* الشيخ: لخادمه. قوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ أين خبر ﴿لَا أَبْرَحُ﴾؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: لا أبرح أسير.
* الشيخ: لا أبرح أسير. أين مكان مجمع البحرين؟
* الطالب: قيل: هو..
* الشيخ: فيه أقوال: لكن أقرب شيء؟
* الطالب: عند التقاء البحرين البحر الأبيض مع البحر الأحمر.
* الشيخ: نعم، في هذا المكان، القرن هذا، فهذا أقرب شيء؛ لأن موسى كان بمصر.
ما الفرق بين قول الخضر لموسى في الأول: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، وفي الثانية قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾؟
* الطالب: أن موسى كرر أن يسأل..
* الشيخ: لكن ما الفرق بين العبارتين: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ و﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾؟
* الطالب: الأولى فيها تخفيف أن عاتبه بخفة؛ يعني..
* الشيخ: أخفُّ عتابًا من الثانية؛ لأنه قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ يعني: لك أو لغيرك، إنك لا تستطيع لكن إذا صرَّح ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يكون أشدَّ وقعًا في نفس موسى وأشدَّ ألمًا في التوبيخ كذا؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾.
الآن لو أقول مثلًا لواحد: ألم أقل: إنك لم تفعل كذا، ما يكون عتاب مواجهة، قد يكون ألم أقل لغيرك مثلًا، لكن ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ أشد عتابًا من الأولى.
في الغلام قتله الخضر خوفًا من أيش؟
* الطالب: خوفًا من أن يدخل على أبويه (...).
* الشيخ: إي نعم، طيب كيف الولد يؤثر على الوالدين؟
* الطالب: يؤثِّر بالحب، ويؤثِّر بكثرة المخالطة.
* الشيخ: نعم، يعني: قد يكونا قد تعلقا به كثيرًا وأحبَّاه كثيرًا، ومثل هذا قد يؤثر عليهما.
هل الخضر نبي؟
* الطالب: ليس نبيًّا.
* الشيخ: على القول الراجح ليس نبيًّا ولا رسولًا.
* الطالب: إنه وليٌّ وإِنَّه عبد صالح.
* الشيخ: إي نعم، والأظهر -والله أعلم- أنه وليٌّ؛ لأن هذه الأشياء كرامات؛ أنه أُكْرِم بما حصل من هذا العلم الذي علمه الله.
* * *
الآن نبدأ في ذي القرنين أولًا: لماذا سُمِّي ذا القرنين؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ فنسأل لماذا سُمِّي ذا القرنين؟
قيل معناه: أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فإن المشرق قَرْن والمغرب قرن كما قال النبي ﷺ: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٧)، ومسلم (٢٩٠٥/ ٤٥) من حديث عبد الله بن عمر.]] فيكون هذا كناية عن أيش؟ عن سعة ملكه.
وقيل: ذو القرنين لقوته؛ ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشدَّ وأقوى، وقيل: ذو القرنين، إنهما علامتان وضعهما على رأسه كالقرن، كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن لم يُبَيِّن، لكن أقرب ما يكون للقرآن الكريم أن معناه المالك للمشرق والمغرب، وهو مناسب تمامًا؛ حيث قال النبي ﷺ في الشمس: «إِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ»[[أخرجه مسلم (٨٣٢/ ٢٩٤) من حديث عمرو بن عبسة السلمي.]]
﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وأخذناها أظن؟ إلى قوله؟
* الطالب: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (...).
الكهف 18:91
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٩، ٩٠] سبحان الله، اتجه أولًا للمغرب ووصل إلى نهاية الأرض اليابسة مما يمكنه أن يصل إليه ثم عاد إلى المشرق، وهكذا في الغالب أن الملك يكون من المشرق إلى المغرب أو المغرب إلى المشرق، والشمال والجنوب لا، أضعف، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا»[[أخرجه مسلم (٢٨٨٩/ ١٩) من حديث ثوبان.]] دون شَمالها وجنوبها؛ لأن الشمال والجنوب -كما يعلم كثير من الناس- ليس محلًّا للسُكْنَى، أقصاه من الشمال وأقصاه من الجنوب كله ثلج، ما فيه سكان، السكان يتَّبِعون الشمس من المشرق للمغرب أو من المغرب إلى المشرق.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: موضع طلوعها.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ إلى آخره ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ ليس عندهم بناء، ولا أشجار ظليلة، وبعض العلماء بالغ حتى قال: وليس عليهم ثياب؛ لأن الثياب فيها نوع من الستر -فالله أعلم- المهم أن الشمس تحرقهم، وليس لهم من دونها سترًا، لا أشجار ظليلة، ولا دور، ولا قصور.
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ يعني: الأمر كما قلنا، يعني: الأمر كذلك حق على حقيقته.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ سبحان الله، يعني: قد علمنا علم اليقين بما عنده من وسائل الملك وامتداده، وغير ذلك من كل ما لديه، والله أعلم.
* الطالب: إعراب ﴿جَزَاءً﴾.
* الشيخ: حال؛ يعني: فلهم الحسنى جزاءً، حال كونها جزاء.
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ (إذ) ما محلها من الإعراب؟
* الطالب: في محل نصب ظرف زمان.
* الشيخ: أين عاملها؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: التقدير (اذكر)؛ لأن كل ظرف أو جار ومجرور لا بد له من عامل.
قوله: ﴿لِفَتَاهُ﴾؟
* الطالب: يوشع بن نون.
* الشيخ: إي، هذا اسمه يوشع بن نون، ولكن (فتى)؟
* الطالب: خادمه.
* الشيخ: لخادمه. قوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ﴾ أين خبر ﴿لَا أَبْرَحُ﴾؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: ويش التقدير؟
* الطالب: لا أبرح أسير.
* الشيخ: لا أبرح أسير. أين مكان مجمع البحرين؟
* الطالب: قيل: هو..
* الشيخ: فيه أقوال: لكن أقرب شيء؟
* الطالب: عند التقاء البحرين البحر الأبيض مع البحر الأحمر.
* الشيخ: نعم، في هذا المكان، القرن هذا، فهذا أقرب شيء؛ لأن موسى كان بمصر.
ما الفرق بين قول الخضر لموسى في الأول: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، وفي الثانية قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾؟
* الطالب: أن موسى كرر أن يسأل..
* الشيخ: لكن ما الفرق بين العبارتين: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ و﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾؟
* الطالب: الأولى فيها تخفيف أن عاتبه بخفة؛ يعني..
* الشيخ: أخفُّ عتابًا من الثانية؛ لأنه قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ يعني: لك أو لغيرك، إنك لا تستطيع لكن إذا صرَّح ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ يكون أشدَّ وقعًا في نفس موسى وأشدَّ ألمًا في التوبيخ كذا؟ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾.
الآن لو أقول مثلًا لواحد: ألم أقل: إنك لم تفعل كذا، ما يكون عتاب مواجهة، قد يكون ألم أقل لغيرك مثلًا، لكن ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ﴾ أشد عتابًا من الأولى.
في الغلام قتله الخضر خوفًا من أيش؟
* الطالب: خوفًا من أن يدخل على أبويه (...).
* الشيخ: إي نعم، طيب كيف الولد يؤثر على الوالدين؟
* الطالب: يؤثِّر بالحب، ويؤثِّر بكثرة المخالطة.
* الشيخ: نعم، يعني: قد يكونا قد تعلقا به كثيرًا وأحبَّاه كثيرًا، ومثل هذا قد يؤثر عليهما.
هل الخضر نبي؟
* الطالب: ليس نبيًّا.
* الشيخ: على القول الراجح ليس نبيًّا ولا رسولًا.
* الطالب: إنه وليٌّ وإِنَّه عبد صالح.
* الشيخ: إي نعم، والأظهر -والله أعلم- أنه وليٌّ؛ لأن هذه الأشياء كرامات؛ أنه أُكْرِم بما حصل من هذا العلم الذي علمه الله.
* * *
الآن نبدأ في ذي القرنين أولًا: لماذا سُمِّي ذا القرنين؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ فنسأل لماذا سُمِّي ذا القرنين؟
قيل معناه: أي: ذي الملك الواسع من المشرق إلى المغرب، فإن المشرق قَرْن والمغرب قرن كما قال النبي ﷺ: «حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٧)، ومسلم (٢٩٠٥/ ٤٥) من حديث عبد الله بن عمر.]] فيكون هذا كناية عن أيش؟ عن سعة ملكه.
وقيل: ذو القرنين لقوته؛ ولذلك يعرف أن الفحل من الضأن الذي له قرون يكون أشدَّ وأقوى، وقيل: ذو القرنين، إنهما علامتان وضعهما على رأسه كالقرن، كتاج الملوك، والحقيقة أن القرآن لم يُبَيِّن، لكن أقرب ما يكون للقرآن الكريم أن معناه المالك للمشرق والمغرب، وهو مناسب تمامًا؛ حيث قال النبي ﷺ في الشمس: «إِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ»[[أخرجه مسلم (٨٣٢/ ٢٩٤) من حديث عمرو بن عبسة السلمي.]]
﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ وأخذناها أظن؟ إلى قوله؟
* الطالب: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ (...).
الكهف 18:92
الشيخ: نعم، ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني: سار واتخذ سببًا يصل به إلى مراده.
الكهف 18:93
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ ﴿السَّدَّيْنِ﴾ هما جبلان عظيمان يحولان بين الجهة الشرقية من شرق آسيا، والجهة الغربية، وهما جبلان عظيمان لكن بينهما منفذ ينفذ منه الناس، بلغ بينهما؛ بين السدين.
﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾ يعني: لا بينهما، ولا وراءهما ﴿مِنْ دُونِهِمَا﴾، وقد قيل: إنهم الأتراك تركيا ﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
الكهف 18:94
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَا يَكَادُونَ يُفْقِهُون قَوْلًا﴾ ، و﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والفرق بينهما ظاهر (لا يَفْقَهُونَ) يعني: هم، (لا يُفقِهون) غيرهم؛ يعني هم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم، وهذه فائدة القراءتين؛ لأن القراءتين كلتاهما صحيح، وكل واحدة تحمل معنى غير معنى القراءة الأخرى، لكن بازدواجهما نعرف أن هؤلاء القوم لا يعرفون لغة الناس، والناس لا يعرفون لغتهم ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف ٩٤] وحينئذ يقع إشكال؛ كيف يقول: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ثم ينقل عنهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح فصيح؛ ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾؟
الجواب عن هذا سهل جدًّا، وهو أن ذا القرنين أعطاه الله تعالى ملكًا عظيمًا، وعنده من المترجمين ما يُعْرَف به ما يريد، وما يَعْرِف به ما يريد غيره على أنه قد يكون الله -عز وجل- قد ألهمه لغة الناس الذين استولى عليهم كلهم، المهم أنهم خاطبوا ذا القرنين بخطاب واضح.
﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ نادوه بلقبه تعظيمًا له ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ إلى آخره.
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ هاتان قبيلتان من بني آدم كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي ﷺ «لما حدث الصحابة بأن الله عز وجل يأمر آدم يوم القيامة يقول: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بَعْثًا إلى النار، فيقول: يا رب وما بَعْثُ النار؟ قال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين، عَظُمَ ذلك على الصحابة، وقالوا: يا رسول الله، أَيُّنا ذلك الواحد؟ فقال: أَبْشِرُوا فإنكم في أمتين ما كانتا في شيء إلا كَثَرَتَاهُ: يأجوج ومأجوج»[[أخرجه الترمذي (٣١٦٩) من حديث عمران بن حصين.]] وبهذا نعرف خطأ من قال: إنهم ليسوا على شكل الآدميين، وأن بعضهم في غاية ما يكون من القصر، وبعضهم في غاية ما يكون من الطول، وأن بعضهم له أذن يفترشها وأذن يلتحف بها، وما أشبه ذلك، كل هذا من خرافات بني إسرائيل، ولا يجوز أن يُصَدَّق.
بل يقال: إنهم من بني آدم، لكن قد يختلفون كما يختلف الناس في البيئات، الآن تجد مثلًا أهل خط الاستواء بيئتهم غير بيئة الشماليين، كل له بيئة، الشرقيين الآن يختلفون عن وسط الكرة الأرضية هذا ربما يختلفون، أما أن يختلفوا اختلافًا فاضحًا كما يُذْكَر فهذا ليس بصحيح.
﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وبماذا يفسدون؟ الإفساد في الأرض يعُمُّ كل ما كان غير صالح وغير أصلح، يفسدونها في القتل، في النهب، في الانحراف، في الشرك، في كل شيء، المهم أنهم يحتاجون إلى أحد يحميهم من هؤلاء.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ يعني حاجزًا يمنع من حضورهم إلينا، فعرضوا عليه أن يعطوه شيئًا، وهذا اجتهاد في غير محله، لكنهم خافوا أن يقول: لا، ولا يمكنهم بعد ذلك، وإلا هذا الاجتهاد كيف يقولون لهذا الملك الذي فتح مشارق الأرض ومغاربها يقولون: ﴿هَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾؟ هذا لا يقال إلا لشخص لا يستطيع، لكنهم قالوا ذلك خوفًا من أن يَرُدَّ طلبهم، يريدون أن يقيموا عليه الحجة بأنهم أرادوا أن يعطوه شيئًا يحميهم به من هؤلاء.
الكهف 18:95
وقال في الجواب: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ ﴿مَا﴾ مبتدأ، و﴿خَيْرٌ﴾ خبر المبتدأ، يعني: الذي مكني فيه ربي من الملك والمال والخدم وكل شيء خير من أيش؟ خير من هذا الخرج الذي تعرضونه علي، وهذا كقول سليمان عليه الصلاة والسلام في الهدية -هدية ملكة سبأ- قال أيش؟ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ [النمل ٣٦]، وهذا من اعتراف الإنسان بنعم ربه -عز وجل- التي لا يحتاج معها إلى أحد.
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ بقوة بدنية لا بقوة مالية؛ لأنه عنده من الأموال الشيء العظيم.
﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ يعني: أكبر مما سألوا، هم سألوا سدًّا، ولكنه قال: ﴿رَدْمًا﴾ يعني: أشدَّ من السدِّ.
الكهف 18:96
فطلب منهم ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ فجمعوه له، و(الزبَر) يعني: القطع من الحديد، فجمعوا الحديد، وجعلوه يساوي الجبال، وهذا يدل على القوة العظيمة في ذلك الوقت، يعني أرطالًا من الحديد تُجْمَع حتى تساوي الجبال الشاهقة العظيمة.
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يعني جانبي الجبلين، ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ يعني: انفخوا على هذا الحديد، وليس المراد بأفواهكم؛ لأن هذا لا يمكن، ولكن انفخوا بالآلات والمعدات التي عنده؛ لأن الله أعطاه ملكًا عظيمًا فنفخوا.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ والحديد معروف أنه إذا أوقد عليه في النار يكون نارًا، تكون القطعة كأنها جمرة، بل هي أشد من الجمرة، ثم طلب أن يأتوا قطرًا يفرغه عليه، القطر: هو النحاس المذاب كما قال الله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ ١٢]، يعني: النحاس أساله الله تعالى لسليمان، بدل ما كان معدنًا قاسيًا يحتاج إلى إخراج بالمعاول، ثم صهر بالنار لا، أسال الله له عين القطر كأنها ماء -سبحان الله- هذا ذو القرنين قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فأفرغ عليه القطر النحاس، اشتبك النحاس مع قطع الحديد، فكان قويًا.
الكهف 18:97
يقول: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿مَا اسْطَاعُوا﴾، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا﴾ معناهما واحد، وسبق في قصة موسى مع الخضر ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ﴾ و﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ يعني: أن يصعدوا عليه، لماذا؟ لأنه عالٍ، ولأن الظاهر أنه أملس، فهم لا يستطيعون أن يصعدوا عليه، ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهنا لم تأت التاء في الفعل الأول، وأتت به ثانيًا، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أيهما أشق أن يصعدوا الجبل أو أن ينقبوا هذا الحديد؟ الثاني أصعب، ولهذا قال: ﴿مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾؛ لأنه حديد ممسوك بالنحاس، فصاروا لا يستطيعون ظهوره لعلوه وملاسته فيما يظهر، ولم يستطيعوا له نقبًا لصلابته وقوته، إذن صار سدًّا منيعًا، وكفى الله شر هؤلاء المفسدين وهم يأجوج ومأجوج.
الكهف 18:98
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ يقوله مَن؟ يقوله ذو القرنين، وانظر إلى عباد الله الصالحين كيف لا يسندون ما يعملونه لأنفسهم، ولكنهم يسندونه إلى الله -عز وجل- وإلى فضله؛ ولهذا لما قالت النملة حين أقبل سليمان بجنوده على وادي النمل: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل ١٨] قامت خطيبة فصيحة ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل ١٨، ١٩]، هذا أيضًا ذو القرنين -رحمه الله- قال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ وليس بحولي ولا قوتي، ولكنه رحمة به ورحمة بالذين طلبوا منه السد أن حصل هذا الردم المنيع.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف ٩٨] ﴿إِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني: بخروج هؤلاء المفسدين ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: جعل هذا السد دكًا؛ أي: منهدمًا تمامًا وسواه بالأرض، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ؛ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وأشار بالسبابة والوسطى.» [[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٦)، ومسلم (٢٨٨٠/ ١) من حديث زينب بنت جحش.]] يعني: شيء يسير، لكن ما ظهر فيه الشقُّ لا بد أن يتوسع.
يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ فما هذا الوعد؟ الوعد أن الله سبحانه وتعالى يخرجهم في آخر الزمان، وذلك بعد خروج الدجال وقتله، يخرج الله هؤلاء يخرجهم في عالم كثير مثل الجراد أو أكثر، حتى إنهم يمرون ببحيرة طبرية ويشربون ماءها، فيمرُّ آخرهم ويقول: قد كان في هذه يومًا ماء من كثرتهم، ثم يُحْصَر عيسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من المؤمنين في جبل الطور، ويلحقهم مشقة، ويرغبون إلى الله تعالى في هلاك هؤلاء، فيرسل الله عليهم النَّغَفَ في رقابهم حتى يموتوا مِيتَة رجل واحد، يصبحون في ليلة واحدة على كثرتهم مَيِّتِين ميتة رجل واحد حتى تنتن الأرض من رائحتهم، فيرسل الله أمطارًا تحملهم إلى البحر، أو يرسل طيورًا تحملهم إلى البحر، والله على كل شيء قدير.
هذه الأشياء نؤمن بها كما أخبر بها النبي ﷺ، أما كيف تصل الحال إلى ذلك؟ فهذا أمره إلى الله عز وجل.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ يعني: وعد الله تعالى بخروجهم حقًّا، كان حقًّا لا بد أن يقع، كل ما وعد الله بشيء فلا بد أن يقع؛ لأن عدم الوفاء بالوعد إما أن يكون عن عجز، وإما أن يكون عن كذب، والله عز وجل منزه عن أيش؟ عنهما جميعًا عن العجز، وعن الكذب، فهو عز وجل لا يخلف الميعاد لكمال قدرته، وكمال صدقه، ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
الكهف 18:99
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ ﴿تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ المفسرون الذين رأيت كلامهم يقولون: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: إذا خرجوا صار يموج بعضهم في بعض، ثم اختلفوا في معنى يموج بعضهم في بعض هل معناه أنهم يموجون مع الناس؟ أو يموج بعضهم في بعض يتدافعون عند الخروج من السد؟ وإذا كان أحد من العلماء يقول: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يعني: بعد السد صاروا هم بأنفسهم يموج بعضهم في بعض، إن كان أحد يقول بهذا فهو أقرب إلى سياق الآية، لكن الذي رأيته أنهم يموج بعضهم في بعض يعني: إذا خرجوا.
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم إذ يريد الله عز وجل خروجهم.
﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ النافخ إسرافيل أحد الملائكة الكرام، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفتتح صلاة الليل بهذا الاستفتاح: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠/ ٢٠٠) من حديث عائشة.]] هؤلاء الثلاثة الملائكة الكرام كل واحد منهم موكَّل بما فيه الحياة، جبريل موكل بما فيه حياة القلوب، ميكائيل بما فيه حياة النبات وهو القطر، والثالث إسرافيل بما فيه حياة الناس عند البعث، ينفخ في الصور نفختين؛ الأولى فزع وصعق، ولا يمكن الآن أن ندرك عظمة هذه النفخ، نفخ تفزع الخلائق منه وتَصْعَق بعد ذلك، كلهم يموتون إلا من شاء الله من شدة هذا النفخ، وشدة وقعه، الآن لو أن أحدًا ضرب بمدفع خارج المسجد أيش يكون؟ تفزعون ولَّا ما تفزعون؟ تفزعون، في مسجد جمعة قبل سنوات انفصل الكهرباء في المسجد الجامع، والناس ينتظرون الصلاة، وصار له صوت عظيم ذكروا لنا أن المسجد كله فزع وخرج، نعم هذا النفخ في الصور أشد وأشد ما يمكن أن نتصوره؛ لأن الناس يفزعون، بل فزع من في السماوات، ومن في الأرض، ثم يصعقون -الله أكبر- شيء عظيم كل ما يتصور الإنسان يقشعر جلده من عظمته وهوله فنفخ في الصور.
النفخة الثانية: يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨]، لا إله إلا الله، النفخة الثانية يقوم الناس من قبورهم أحياء ينظرون ماذا حدث؛ لأن الأجسام في القبور يُنزِّل الله عليها مطرًا عظيمًا، ثم تنمو في داخل الأرض، حتى إذا تكاملت الأجسام نُفخ في الصور نفخة البعث، فقاموا ينظرون ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (جَمَعْنَاهُمْ) مَنْ؟ الخلائق، ﴿جَمْعًا﴾ أي: جمعًا عظيمًا، هذا الجمع يشمل الإنس والجن والملائكة والوحوش وجميع الداوب، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، كل الخلائق حتى الملائكة ملائكة السماء كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، يا له من مشهد عظيم، الله أكبر.
الكهف 18:100
يقول: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف ١٠٠] اللهم أجرنا منها، عرضناها لهم تكون أمامهم، ﴿عَرْضًا﴾ يعني :عرضًا عظيمًا؛ ولذلك نكِّر، يعني: عرضًا عظيمًا تتساقط منه القلوب، وإخبار الله -عز وجل- بذلك لا تظنوا أنها مجرد حكايات تاريخ، المقصود من ذلك هو أن يصلح الإنسان ما بينه وبين الله، وأن يخاف من هذا اليوم، وأن يستعد له، وأن يصور نفسه، وكأنه تحت قدميه كما قال الصديق رضي الله عنه:
كُـــلُّ امْــرِئٍ مُصَبَّــحٌ فِي أَهْلِــــهِ ∗∗∗ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
فتصور هذا، وتصور أنه ليس بينك وبينه إلا أن تخرج هذه الروح من الجسد، وحينئذ ينتهي كل شيء.
الكهف 18:101
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠٠، ١٠١] هؤلاء الكافرون كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله لا ينظرون إلى ذكر الله، وقد ذكر الله تعالى فيما سبق في نفس السورة أن على قلوبهم أَكِنَّة، فالآن القلوب والأبصار والأسماع كلها مغلقة.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ هل المراد لا يريدون كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة ١١٢] أي: هل يريد؟ أو المعنى أنهم لا يستطيعون سمعًا سمع الإجابة، وليس سمع الإدراك؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل المعنيين جميعًا، وكلاهما حق ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾.
الكهف 18:102
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أفظن الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء. مَنْ عِبادُه؟ عباده كل شيء فهو عبد لله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، مَن الذي اتُّخذ وليًّا من دون الله؛ يعني: عُبِدَ من دون الله؟
عُبِدت الملائكة، عُبِدت الرسل، عُبِدت الشمس، عُبِد القمر، عُبِدت الأشجار، عُبدت الأحجار، عُبدت البقر، نسأل الله العافية، الشيطان يأتي ابن آدم من كل طريق.
﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أربابًا يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينسون ولاية الله عز وجل؛ يعني: أيظن هؤلاء الذين فعلوا ذلك أنهم ينصرون؟
الجواب: لا، لا ينصرون، ومن ظَنَّ ذلك فهو مخبَّل في عقله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ يعني: أن الله -عز وجل- هيأ النار ﴿نُزُلًا﴾ للكافرين، ومعنى النُّزل: ما يُقَدِّمه صاحب البيت للضيف، هذا النُّزُل، ويحتمل أن يكون بمعنى المَنزِل، وكلاهما صحيح؛ فهم نازلون فيها، وهم يُعْطَونها كأنها ضيافة وبئست الضيافة ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾.
الكهف 18:103
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ يعني: قل يا محمد للأمة كلها: ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾.
الجواب: نعم، نريد أن نُخبَر عن الأخسرين أعمالًا حتى نتجنب عمل هؤلاء، ونكون من الرابحين، وقد بَيَّن الله تعالى في سورة العصر أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بأربع صفات ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ٣].
الكهف 18:104
وهنا يقول: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ يعني: ضاع وبطل في الحياة الدنيا لكنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، فغطي عليهم الحق -والعياذ بالله- وظنوا وهم على باطل أن الباطل هو الحق، وهذا كثير، مثلًا اليهود يظنون أنهم على حق، والنصارى يظنون أنهم على حق، والشيوعيون يظنون أنهم على حق، وهات كل واحد منهم يظن أنه على الحق؛ ولذلك مكثوا على ما هم عليه، ومنهم من يعلم أنه ليس على الحق لكنه -والعياذ بالله- لاستكباره واستعلائه، أَصَرَّ على ما هو عليه.
الكهف 18:105
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [الكهف: ١٠٤، ١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الكونية أو الشرعية؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: الظاهر كلاهما، لكن الذين كذبوا الرسول ﷺ كذبوا بالآيات الشرعية ولم يكذبوا بالآيات الكونية، الدليل أن الله تعالى أخبر بأنهم إذا سئلوا مَنْ خلق السماوات والأرض يقولون: الله عز وجل، ولا أحد منهم يَدَّعي أن هناك خالقًا مع الله لكنهم كذبوا بالآيات الشرعية، كذبوا الرسول، وكذبوا بما جاء به فهم داخلون في الآية.
﴿وَلِقَائِهِ﴾ أي: كذَّبوا بلقاء الله، ومتى يكون لقاء الله؟ يكون يوم القيامة، فهؤلاء كذبوا بيوم القيامة، وجادلوا وأُرُوا الآيات، ولكنهم أصروا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ [يس ٧٧، ٧٨] يكذبنا فيه، فقال: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨] تحدٍّ، مَنْ يُحْييها؟ ﴿رَمِيمٌ﴾ لا فيها حياة ولا شيء، أُجِيب ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩] مَنْ أنشأها أول مرة؟ الله، يحييها الله، والإعادة أهون من الابتداء كما قال -عز وجل-: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] هذا الدليل، إذن الدليل على إمكان البعث، وإحياء العظام وهي رميم أن الله تعالى ابتدأها، ولما قال زكريا حين بُشِّرَ بالولد، وقد بلغ في الكبر عتيًا، وأن امرأته عاقر قال الله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم ٩]، فالذي خلقك من قبل وأنت لم تكن شيئًا قادر على أن يجعل لك ولدًا، إذن ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩] هذا الدليل.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس ٧٩] وإذا كان بكل خلق عليمًا فإنه لن يتعذر عليه أن يخلق ما شاء، من الذي يَمْنَعُه إذا كان عليمًا بكل الخلق؟ لا أحد يمنعه، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس ٨٠] شَجَرٌ أَخضر يخرج منه نار! هكذا عندكم؟!
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا تعرفه؟! الشجر عندكم، الشجر الأخضر يضرب بالزند ثم ينقدح نارًا، وكان العرب يعرفون هذا فالذي يخرج هذه النار، وهي حارة يابسة من غصن رطب بارد، يعني: متضادان غاية التضاد قادر على أن يخلق الإنسان أو أن يعيد خلق هذه العظام وهي رميم، كم هذا من دليل؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس ٧٩، ٨٠] ثم حقق هذه النار بقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾.
الدليل الرابع: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١] الجواب: ﴿بَلَى﴾.
قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر ٥٧]، فالذي خلق السماوات والأرض بكبرها وعظمها قادر على أن يعيد جزءًا من لا شيء بالنسبة للأرض، من أنت يا ابن آدم بالنسبة للأرض؟ لا شيء، أنت خلقت منها، أنت بعض منها، بعض يَسيرٌ منها، فالذي قدر على خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم.
﴿بَلَى﴾ قال الله تعالى مجيبًا نفسه: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١] هذا دليل خامس، ﴿الْخَلَّاقُ﴾ صيغة مبالغة، وإن شئت فاجعلها نسبة يعني: أنه موصوف بالخلق أزلًا وأبدًا، وهو تأكيدٌ لقوله قبل: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس ٨١].
الدليل السادس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، لا يحتاج إلى عُمَّال، ولا بنائين، ولا أحد ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]؛ ولهذا قال -عز وجل-: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، كلمة واحدة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]. الدليل السابع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣] ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس ٨٣] فبيده ملكوته -عز وجل- يتصرف كما يشاء، فنسأله -عز وجل- أن يهدينا صراطه المستقيم.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٨٣] هذا الدليل الثامن، وإنما كان دليلًا؛ لأنه لولا رجوعنا إلى الله -عز وجل- لكان وجودنا عبثًا، وهذا ينافي الحكمة فتأمل سياق هذه الأدلة الثمانية في هذا القول الموجز، ومع ذلك ينكرون لقاء الله، قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾.
وفي قوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ إلزام لهم بالإيمان بالآيات؛ لأن كونه ربُّهم -عز وجل- يجب أن يطيعوه وأن يؤمنوا به، لكن مَنْ حقَّت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن.
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ حبطت يعني: بطلت ولم ينتفعوا بها، حتى لو أن الكافر أحسن وأصلح الطرق وبنى الرُبُط وتصدَّق على الفقراء، فإن ذلك لا ينفعه، إن أراد الله أن يثيبه عجَّل له الثواب في الدنيا، أما في الآخرة فلا نصيب له -نعوذ بالله- نسأل الله الحماية والعافية؛ لأن أعماله حبطت.
ولكن هل يَحْبَط العمل بمجرد الردة، أم لا بد من شرط؟ لا بد من شرط، وهو أن يموت على ردته، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة ٢١٧]، أما لو ارتد ثم مَنَّ الله عليه بالرجوع إلى الإسلام، فإنه يعود عليه عمله الصالح السابق للردة.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف ١٠٥] يعني: أنه لا قدر لهم عندنا ولا يزان، وهو كناية عن سقوط مرتبتهم عند الله -عز وجل- وقيل: إن المعنى لا نزنهم؛ لأن الوزن إنما يُحتاج إليه لمعرفة ما يترجح من حسنات أو سيئات، والكافر ليس له عمل حتى يوزن، ولكن الصحيح أن الأعمال توزن كلها، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة ٦-١١]. فيقام الوزن لإظهار الحجة عليهم، والمسألة هذه فيها خلاف، نكمل إن تمكنا من ذكر الخلاف، وإلا فالكتب بين أيديكم.
الكهف 18:106
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٦] يعني: ذلك المذكور من أنه لا يقام له الوزن، وأن أعمالهم تكون حابطة.
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ اسم من أسماء النار ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ الباء للسببية، وما مصدرية، وتقدير الكلام بكفرهم.
﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ قوله: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ معطوفة على كفروا أي: بما كفروا واتخذوا، فهم -والعياذ بالله- كفروا، وتعدَّى كفرهم إلى غيرهم، صاروا يستهزئون بالآيات ويستهزئون بالرسل، ولم يقتصروا على كفرهم بالله.
﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ أي: محل هُزْء يسخرون منهم؛ ولهذا قال الله عز وجل لرسوله ﷺ: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء ٣٦] ويقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان ٤١]، والاستفهام هنا لا يخفى أنه للتحقير، أهذا الرسول؟ ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان ٤١، ٤٢]، أعوذ بالله يفتخرون بأنهم صبروا على آلهتهم، وانتصروا لها.
يقول هنا عز وجل: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾.
الكهف 18:107
ثم ذكر ثواب الذين آمنوا وعملوا الصالحات -أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الكهف ١٠٧]، بدل ما كانت جهنم نُزُلًا للكافرين صارت جنات الفردوس نُزُلًا للمؤمنين، لكن بشرطين: الإيمان والعمل الصالح، والإيمان محله القلب، والعمل الصالح محله الجوارح، وقد يراد به أيضًا عمل القلب كالتوكل، والخوف، والإنابة، والمحبة، وما أشبه ذلك.
والصالحات هي التي كانت خالصة لله موافقة لشريعة الله، ولا يمكن أن يكون العمل صالحًا إلا بهذا: الإخلاص لله، والثاني: الموافقة لشريعة الله، فمن أشرك فعمله غير صالح، ومن ابتدع فعمله غير صالح، ويكون مردودًا عليه لا الأول الذي لم يخلص، ولا الثاني الذي لم يتبع، ودليل ذلك قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥/ ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة.]] أي: مردود عليه، فصار العمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لشريعة الله -انتبه- ولَّا لرسول الله؟ لشريعة الله أحسن إلا إذا أريد بمتابعة رسول الله الجنس دون محمد -ﷺ- فنعم؛ لأن المؤمنين من قوم موسى وقوم عيسى يدخلون في هذا، إذن الإخلاص لله، والموافقة لشريعة الله.
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ المراد بالكينونة هنا هل هي الكينونة الماضية أو المراد تحقيق كونها نُزُلًا لهم؟ كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] نقول: الأمران واقعان فكانت في علم الله نزلًا لهم، وكانت نزلًا لهم على وجه التحقيق؛ لأن (كان) قد يسلب منها معنى الزمان، ويكون المراد بها التحقيق.
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ هل هذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، أو لأن الفردوس هو أعلى الجنات والجنات الأخرى تحته؟ الظاهر الثاني؛ لأنه ليس جميع المؤمنين العاملين للصالحات ليسوا كلهم في الفردوس، بل هم في جنات الفردوس، والفردوس قال النبي ﷺ: «إِنَّهَا أَعْلَى الْجَنَّةِ وَوَسَطُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا عَرْشُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]، «أَعْلَى الْجَنَّةِ وَوَسَطُ الْجَنَّةِ» معناه أن الجنة مثل القبة، وفيه أيضًا وصف رابع «وَمِنْهَا تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ».
الكهف 18:108
﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني أبدًا، أو لا؟ أبدًا، ولا نزاع في هذا بين أهل السنة.
﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يطلبون ﴿عَنْهَا﴾ أي: بدلًا عنها ﴿حِوَلًا﴾ أي: تَحَوُّلًا، لماذا؟ لأن كل واحد راضٍ بما هو فيه من النعم، وكل واحد لا يرى أن أحدًا أكملُ منه، وهذا من تمام النعيم، أنت مثلًا لو نزلت قصرًا مُنيفًا فيه من كل ما يَبْهج النفس، ولكنك ترى قصر فلان أعظم منه، هل يكمل سرورك؟ مَنْ يريد الدنيا لا يكمل سروره؛ لأنه يرى أن غيره خير منه، لكن في الجنة -وإن كان الناس درجات- لكن النازل منهم -وليس فيهم نازل- يرى أنه لا أحد أنعم منه، عكس أهل النار؛ أهل النار يرى الواحد منهم أنه لا أحد أشد منه، وأنه أشدهم.
﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ يعني: لو قيل للواحد: هل ترغب أن نجعلك في مكان آخر غير مكانك؟ لقال: لا، وهذا من نعمة الله على الإنسان أن يقنع الإنسان بما أعطاه الله -عز وجل- وأن يطمئن، ولا يقلق، ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.
الكهف 18:109
﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف ١٠٩] سبحان الله العظيم، ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ يعني: حِبرًا يُكْتَب به لكلمات الله.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ قبل أن تنفد كلمات الله عز وجل؛ لأن المدبر لكل الأمور، وبكلمة (كن) لا نفاد لكلامه -عز وجل- بل في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] يعني: لو كان أقلامًا ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان ٢٧]، لنفد البحر وتكسرت الأقلام، وكلمة الله باقية جل وعلا.
وهنا يقول: ﴿لِكَلِمَاتُ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ يعني: زيادة فإن كلمات الله لا تنفد، وفي هذا نص صريح على إثبات كلام الله -عز وجل- ﴿كَلِمَاتُ﴾ وكلمات الله -عز وجل- كونية وشرعية: أما الشرعية فهو ما أوحاه إلى رسله، وأما الكونية فهي ما قضى به قدره ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، وكل شيء بإرادته، إذن فهو يقول لكل شيء: كن، فيكون، ومن كلماته الشرعية ما أوحاه الله -عز وجل- إلى من دون الرسل كالكلمات التي أوحاها إلى آدم فإن آدم عليه السلام نبي، وليس برسول، وقد أمره الله ونهاه، والأمر والنهي كلمات كونية أو شرعية؟ كلمات شرعية.
الكهف 18:110
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١٠٩، ١١٠] يعني: أَعْلِن للملأ أنك لست مَلَكًا، وأنك من جنس البشر.
﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ وذكر المثلية لتحقيق البشرية أي: أنه بشر لا يتعدى البشرية، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام يغضب كما يغضب الناس، أليس هكذا؟ وكان عليه الصلاة والسلام يمرض كما يمرض الناس، وكان يجوع كما يجوع الناس، وكان يعطش كما يعطش الناس، وكان يتوقى الحر كما يتوقاه الناس، وكان يتوقى سهام القتال كما يتوقاه الناس، وكان ينسى كما ينسى الناس، كل الطبيعة البشرية ثابتة للرسول عليه الصلاة والسلام، وكان له ظل كما يكون للناس.
أما من زعم أن الرسول ﷺ نُوراني ليس له ظل، فهذا كذب بلا شك، فإن الرسول ﷺ كغيره من البشر له ظِلٌّ، ويستظل أيضًا هو نفسه يستظل، ولو كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس له ظِلٌّ لنُقِلَ هذا نقلًا متواترًا؛ لأنه من آيات الله عز وجل.
إذن الرسول عليه الصلاة والسلام بَشَرٌ مثل الناس، هل يقدر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجلب للناس نفعًا أو ضرًا؟ لا، كما أمره الله -عز وجل- أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن ٢١]، ومن العجب أن أقوامًا لا يزالون موجودين يتعلقون بالرسول ﷺ أكثر مما يتعلقون بالله -أعوذ بالله- إذا ذكر الرسول اقشعرت جلودهم، وإذا ذكر الله كأن لم يذكر حتى إن بعضهم يؤثر أن يحلف بالرسول دون أن يحلف بالله -عز وجل- وحتى إن بعضهم يرى أن زيارة قبر الرسول عليه الصلاة والسلام أفضل من زيارة الكعبة، ولقد شاهدت أناسًا حُجِزوا عن المدينة في أيام الحج لقرب وقت الحج؛ لأنه إذا قرب وقت الحج منعوهم من الذهاب إلى المدينة؛ لئلا يفوتهم الحج، يبكي يقول: أنا مُنعت من الأنوار، ومنعت من كذا وكذا، ويعدد ما نسيته الآن، طيب أنت جاي لأيش؟ قال: جاي لمشاهدة الأنوار، كأنه ما جاء إلا لزيارة المدينة، ونسي أنه جاي للحج يؤدي فريضة من فرائض الحج، وسبب ذلك الجهل أن العلماء لا يبينون للعامة، وإلا فالعامي عنده عاطفة جياشة، لو أنه أُخبر بالحق لرجع إليه.
يقول: ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ هذا هو الميزة للرسول عليه الصلاة والسلام أنه يوحى إليه، وغيره لا يوحى إليه إلا إخوانه من المرسلين، يقول: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الجملة هذه حصر كأنه قال: لا إله لكم إلا واحد، من أين استفدنا الحصر؟ من (إِنَّمَا) لأن كلمة (إنما) من أدوات الحصر، تقول: إنما زيد قائم، يعني: وليس له وصف غير القيام، وتقول: إنما العلم بالتعلم، وليس هناك طريق للعلم إلا بالتعلم، ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يعني: يؤمل أن يلقى الله -عز وجل- ويؤمن بذلك ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ يعني: دعوة يسيرة سهلة، أتريد أن تلقى ربك وقلبك مملوء بالرجاء؟ إذا كان كذلك ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ كل إنسان عاقل يرجو لقاء الله -عز وجل- ولقاء الله ليس ببعيد، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت ٥]، قال بعض العلماء إن قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت ٥] بمعنى قولهم: كل آت قريب، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
إذا قال قائل: ألستم قررتم أن العمل الصالح لا بد فيه من إخلاص ومتابعة؟ قلنا: بلى، لكنه لما كان الإخلاص ذا أهمية عظيمة ذكره تخصيصًا بعد دخوله ضمن قوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وتأمل قوله: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾ ليتبين لك أنه -جل وعلا- حقيق بألا يشرك به لأنه الرب الخالق المالك المدبر لجميع الأمور.
إنا نقول بقلوبنا وألسنتنا: ربنا الله، ونسأل الله تعالى الاستقامة حتى ندخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت ٣٠].
على كل حال الحمد لله الذي وفقنا لإكمال هذه السورة، والحقيقة أن لشيخنا عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله- في هذه السورة نفسها فوائد جمة عظيمة لا تجدها في كتاب آخر، ذكر فوائد عظيمة في قصة موسى والخضر ينبغي لطالب العلم أن يراجعها؛ لأنها مفيدة جدًّا جدًّا.