Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — النمل 27:57 – النمل 27:68

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. النمل 27:57
  2. النمل 27:58
  3. النمل 27:59
  4. النمل 27:60
  5. النمل 27:61
  6. النمل 27:62
  7. النمل 27:63
  8. النمل 27:64
  9. النمل 27:65
  10. النمل 27:66
  11. النمل 27:67
  12. النمل 27:68

النمل 27:57

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:58

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:59

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:60

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:61

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:62

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:63

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:64

﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ [النمل: ٥٦]. ﴿جَوَابَ﴾ خبر (كان) مقدَّم و﴿أَنْ قَالُوا﴾ اسمها مؤخر. وهذه الجملة للحصر، يعني: ما كان جواب قومه أن ينقادوا ولا أن يقفوا موقفًا سلبيًّا من دعوته، بحيث يتوقفون عن القبول وعن المعارضة، بل كان جواب قومه والعياذ بالله: اللجوء إلى القوة وإلى العنف ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾: ﴿أَخْرِجُوا﴾ الفاعل يعود إلى أهل الحل والعقد في القرية. وقوله: ﴿آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ أتوا بهذا التعبير إشارة إلى أن لوطًا ليس منكم، وإنما هو جرثومة طارئة حادثة على محل، فيجب أن ينزّه منهم؛ لأن لوطًا كما هو معروف أُرسل إلى أهل سدوم وليس منهم، ولهذا قال: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: الذين جاءوا ووفدوا إليكم وليسوا منكم ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ لم يقولوا: من القرية، بل قالوا: ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ للإغراء بإخراجه. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ إغراءً بإخراجه، يعني كأنهم يقولون: هذه قريتكم، وهذا الرجل جاء جديدًا عليها، ويريد أن يناقضكم وأن يقف ضدكم أخرجوه، القرية لكم ما هي له. ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وسيأتي إن شاء الله بيان الفائدة في هذا؛ لأن بعض الناس إذا ضاق ذرعًا بالدعاة المصلحين يقولون: اطلعوا، هذه ما هي (...)، أو لا تتكلم في هذا المسجد، ما هو مسجدك أو ما أشبه ذلك. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ الجملة تعليلٌ لما سبقها من حكم، وهو الأمر بالإخراج، أخرجوهم، لماذا؟ لأنهم أناسٌ يتطهرون (من أدبار الرجال)، فجعلوا علّة العقوبة ما هو من أسباب رفع العقوبة، فإن تطهرهم هذا حسن يقتضي المدح والثناء، أي الجميل على من تطهر منه، وهؤلاء جعلوه بالعكس؛ لأنهم والعياذ بالله إما زائغون يعرفون الحق ولم يعملوا به، وإما ضالّون يضلوا عن الحق وعمي عليهم، نسأل الله العافية. والغالب أنهم زائغون؛ لأن هذا معروفٌ لدى البشر أن الطبيعة تنفر منه ولا أحد يقبله. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هل هم أرادوا الحقيقة وأن هذا الفعل خبيث وهؤلاء يريدون التطهر منه، أو أراد يتطهرون بزعمهم وأن هذا الفعل ليس نجسًا لكن هؤلاء يريدون أن يتطهروا منه؟ الأقرب الأخير؛ لأنه هو مقتضى حالهم، مقتضى حالهم أنهم رأوا هذا المنكر معروفًا، وهذه الفاحشة يسيرة فتمسكوا بها. وقولهم: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (أناس) نكرة، والمنكر غير معروف، وكل هذا لقصد التباعد منه والإغراء بإخراجهم. قال الله عز وجل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ لما عزموا على إخراجه أمره الله تعالى أن يخرج بأمر الله، فإن الملائكة أتت إليه وأمرته أن يسري بأهله إلا امرأته كانت من الغابرين، فسرى بأمر الله، ولما بعُد عن القرية أهلك الله تعالى أهل القرية صباحًا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١،] فأرسل الله عليهم حجارة من سجّيل فجعل عاليها سافلها، ولهذا قال: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [النمل ٥٧] الاستفهام متصل ولّا منقطع؟ * طالب: منقطع. * الشيخ: ليش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: (...) أيش لون (...). * الطالب: (...) من غير جنسه. * الشيخ: وهنا؟ * الطالب: لا، من جنسه. * الشيخ: إذن متصل ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾. وفي هذا دليل على أن المرأة من الأهل؛ لأن الإنسان يأهلها ويأوي إليها، وكذلك هي بالنسبة إليه، فالزوجة من أهل الإنسان كما أن أقاربه من أولاده وآبائه هم أيضًا من الأهل: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كتبنا عليها وقدّرنا عليها، ولهذا قال: (جعلناها بتقديرنا ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب) الغابر بمعنى الباقي، فالمعنى أنها هي بقيت ولم يسر بها، فكانت والعياذ بالله من الهالكين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فإن هذه الخيانة ليست خيانة فرج وعرض، وإنما هي خيانة كفر؛ لأنهما أظهرتا أنهما مؤمنتان وهما ليستا كذلك، فبهذا صارتا خائنتين. * * * قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهو حجارة السجّيل أهلكتهم ﴿فَسَاءَ﴾ بئس ﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [النمل ٥٨] بالعذاب مطرُهم). ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ في هذا دليل على أن المطر ليس خاصًّا بالماء، بل كل ما حصب به الإنسان من فوق يسمى مطرًا، ولهذا قال: ﴿أَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ والمطر الذي أصابهم ما قاله المؤلف: (حجارة السجّيل) كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [هود ٨٢] وفي آية ثانية: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الحجر ٧٤]. هذه الحجارة أهلكتهم، وجعلت عالي القرية سافلها، بمعنى أنها تهدمت عليهم حتى صار عاليها سافلها؛ يعني إذا انهدم البناء صار أعلاه أسفله، هذا هو الظاهر. وأما ما روي من أن جبريل حملهم من تخوم الأرض السفلى وأنه صعد بهم حتى سمع أهل السماء نباح كلابهم ونهيق حميرهم، ثم قلبها؛ فإن هذا لا دليل عليه لا من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ، فالأقرب أن هذه الحجارة لما أصابت قريتهم صار عاليها سافلها، انهدم البناء فصار أعلاه أسفله. (﴿فَسَاءَ﴾ بئس) إذن (ساء) فعل ماضٍ مجرد عن الزمن، وإنما هو لإنشاء الذم، مثل (حسُن) في بعض الأحيان ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء ٦٩] هذا فعل لإنشاء المدح، ﴿سَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ هذا أيضًا فعل لإنشاء الذم. قال: (﴿مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ بالعذاب مطرهم) ليش قال: (مطرهم)؟ لأن ساء مثل بئس، تبغي فاعلًا وتبغي مبتدأ، المخصوص بالذم هو المبتدأ المحذوف. فإذن نقول في إعرابها: (ساء) فعل ماضٍ، و(مطر) فاعل، وهو مضاف إلى (المنذرين)، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: مطرهم، ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ مطرهم. وهذا المخصوص أحيانًا يتقدم وأحيانًا يأتي بدله اسم منصوب يجعل تمييزًا يكون بدل هذا المخصوص. * طالب: الجمع بين قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر ٧٣]، وقوله في سورة هود: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٨١] معنى الصبح يعني طلوع الفجر كما ذكر ابن القيم، والإشراق بعد طلوع الشمس؟ * الشيخ: لا، الصبح يشمل أول النهار من طلوع الفجر (...) إلى الزوال، يسمى ضحى ويسمى صبحًا، فلا ينافي. * الطالب: (...) ياشيخ في الجواب الكافي ما بين نجاة لوط وأهله وهلاكهم إلا من السحر إلى طلوع الفجر. * الشيخ: ما أدري، منين جابه؟ * الطالب: كأنه يعني أخذًا من ﴿مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾. * الشيخ: ما يخالف، موعدهم الصبح، الصبح قلنا يشمل أول النهار أيضًا (...). * الطالب: يعني ما له وجهان قوله هذا؟ * الشيخ: خل نقرأ الآن في اللي جبته الأخيرة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾. * الطالب: ﴿مُشْرِقِينَ﴾. * الشيخ: أو مصبحين. * الطالب: لا، مشرقين. * الشيخ: طيب ما يخالف. * طالب: قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر ٦٥]. * الشيخ: (...) عامة مصبحين أي في زمن الإصباح، (...) العذاب استمر بهم إلى الإشراق. * * * ثم قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النمل ٥٩]. (﴿قُلِ﴾ يا محمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك الكفار من الأمم الخالية). ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الأمر للنبي ﷺ أو لكل من يمكن أن يوجه إليه من العقلاء. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أطلق هنا ما يُحمد عليه، فهو أعم مما قاله المؤلف، وإن كان السياق يقتضي ما قاله المؤلف لكنه يجب أن يؤخذ بالعموم، ويكون من جملة ما يُحمد عليه إهلاك الكفار؛ لأنه دال على عدله بأخذ هؤلاء، وعلى فضله بالأنبياء والمؤمنين؛ حيث أخذ أعداءهم. ولكننا نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هذا عام يُحمد على كامل أوصافه، وعلى أحاسن أفعاله، فأفعاله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملة، فيُحمد على هذا وعلى هذا، ويكون إهلاك كفار الأمم من جملة ما يُحمد عليه، وهذا هو السر في أن الله تعالى لم يقل: قل الحمد لله على هذا، بل قال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليكون الله تبارك وتعالى محمودًا على كل حال. ومن جملة ما يُحمد عليه: إهلاك المكذبين للرسل. (﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم) هذا المفعول قدّره المؤلف. ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هل هو داخل في ضمن المقول، يعني: قل الحمد لله، وقل: سلامٌ على عباده الذين اصطفى، فيكون الإنسان مأمورًا بحمد الله وبالدعاء على عباد الله الذين اصطفاهم، بالدعاء لهم لقوله: ﴿وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾. أو هي جملة مستقلة خبر من الله سبحانه وتعالى بأنه كلّم من اصطفاه وأنجاه؟ فيه احتمال للأمرين، لكن أيهما أقرب إلى السياق؟ * طالب: يقال: إنه حمد الله وسلامه جميعًا، في مقابل الكفار: الحمد لله على هلاك الكفار (...). * الشيخ: والله فيها احتمال، ما يترجح عندي أحد الاحتمالين؛ لأن لكل منهما وجهًا، فالإنسان مأمورٌ أن يحمد الله ومأمورٌ بأن يسلّم على عباد الله. وكذلك أيضًا الله تبارك وتعالى محمود على كمال صفاته، ثم إخباره بأنه سلّم هؤلاء، هذا أيضًا مما يُحمد عليه؛ لأن زوال النقم كجلب النعم. * ويكون في هذا فائدة: وهي أن العباد الذين اصطفاهم الله قد أحل عليهم السلام، فلا ينالهم ما نال هؤلاء الكفار، ويكون الله تعالى محمودًا على الأمرين: على إهلاك الكفار، وعلى تسليم عباده الذين اصطفى. وقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ بمعنى: اختار. ﴿الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ أي اختارهم، والله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء ويختار ما يخلق ويصطفيه، فمن جملة ما اختار من بني آدم: اختار الأنبياء، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ [ص ٤٧]، واختار أيضًا المؤمنين؛ فإن المؤمنين بالنسبة للكفار مصطفَون، والأنبياء صفوة التقوى. والاصطفاء كغيره من الصفات التي تكون متفاوتة بحسب ما قام به العبد من أسباب الاصطفاء، فكلما كان الإنسان أقوم بعبادة الله وأشد تعظيمًا لله سبحانه وتعالى كان أشد اصطفاءً. (﴿آللَّهُ﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿أألله﴾ (وإبدال الثانية ألفًا) ﴿آلله﴾ (وتسهيلها) ﴿أالله﴾ (وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه). * طالب: (...). * الشيخ: تحقيق همزتين، إبدال الثانية ألفًا، هذه الثنتين واضحة. * طالب: ويش الأول؟ * الشيخ: تحقيق الهمزتين ﴿أألله﴾ ، إبدال الثانية ألفًا هي قراءتنا المعروفة ﴿آللَّهُ﴾. التسهيل فيه صفتان: يُدخَل بينهما ألف -بين الهمزة والمسهَّلة- ويترك، فتكون القراءات الآن أربعًا. * طالب: يعني الأولى تحقيق الهمزتين، القراءة الرابعة تسهيل الهمزتين بدون مد. * الشيخ: القراءة الثالثة تسهيل الهمزة الثانية لكن فيها ألف أو بدون ألف. فصارت القراءات أربعًا الآن، واضح؟ ثم قال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ (﴿خَيْرٌ﴾ لمن يعبده ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء والياء أي: أهل مكة به الآلهة خير لعابديها). قوله: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ خصّه المؤلف بخيريته لمن يعبده، والصواب أنها خيرية مطلقة لمن يعبده، وهذا يقتضي الإحسان، ولكماله، وهذا يقتضي الجلال والعظمة. فهنا ما نقول: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ لمن يعبده فقط، بل ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل صفاته وفي إحسانه وعطائه؛ لأن الآية مطلقة، فيجب إطلاقها. وإطلاقها أكمل من تقييدها؛ لأنه مثلًا قد يكون هذا خيرًا لمن يتعامل معه، لكنه ليس فيه خيرية مطلقة. نقول: هذا الرجل يتعامل مع شخص، وإذا عامله أعطاه فوق ما يستحق، لكنه في صفاته الأخرى رديء، ويجيء آخر جيد وخيّر في صفاته الأخرى لكن إذا تعامل معه هذا الرجل ربما لا يعطيه ما يستحق، فيكون الأول خيرًا له من الثاني، ومع ذلك فهو ناقص. فقول المؤلف: (خيرٌ لمن يعبده) هذا فيه نظر؛ أولًا: أنه تقييد للمطلق بلا دليل. الثاني: أن هذا التقييد لا يقتضي الأفضلية، ولذلك يجب أن يقال: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ في كل شيء في صفاته وفي ثوابه وجزائه لمن يعبده. ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني: أم الذي يشركونه مع الله من الأصنام وغيرها؟ والجواب: بل الله خيرٌ، ولهذا ينبغي لك إذا قرأت مثل هذا أن تقول: بل الله. وهذه المعادلة لا تقتضي المقاربة أو المماثلة، فإنه قد يفاضَل بين الشيئين مع خلو الطرف الثاني منهما، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ليس في مستقر النار خير وليس فيها حسن مقيل، بل إنهم يفضّلون بين أمرين متعاكسين، فيقال مثلًا: الشتاء أشد من القيظ، أو يقولون أبلغ من هذا: الشتاء أبرد من القيظ، مع أن القيظ ليس فيه برودة. فالحاصل أن هذا ما يقتضي المماثلة أو المساواة، ولكن هل يقتضي النقص؟ نقول: نعم، يقتضي النقص؛ لأنه يوهم المشاركة إلا في مقام التنزُّل، فلا يقتضي النقص. يقول الشاعر: أَلَمْ تَــــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَ يَنْقُــــــصُقَــــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا لكن عند التنزُّل لا يدل على النقص، فهذه الأصنام التي يُشرك بها مع الله يريد منها عابدوها أن تنفعهم في جلب النفع أو دفع الضرر. فنقول لهم: أيما أصنامكم خير أم الله؟ من باب التنزُّل مع الخصم؛ لأن هؤلاء يدّعون أن فيها خيرًا في آلهتهم، فيقال لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يعني على زعمكم، وإن كان ليس فيها خيرٌ إطلاقًا. وقوله: ﴿أَمَّا يُشْر كُونَ﴾ (أم) هذه متصلة ولّا منقطعة؟ * طالب: متصلة. * طالب آخر: مصدرية لاسم موصول. * الشيخ: لا، ما اسم موصول، أم الذي يشركون، يعني المعادلة بين ذاتين لا بين معنى. * طالب: متصلة. * الشيخ: متصلة، ويش الفرق بين المتصلة والمنقطعة علشان أحكم عليها؟ * طالب: المنقطع (...). * الشيخ: وغير؟ * طالب: (...). * الشيخ: المتصلة معناه: أن تكون بين متعادلين، وأما المنقطعة فتكون بين متباينين. هذا الفرق. يعني الثاني منقطع عن الأول وهذاك متصلٌ به، فإذا صارت بين المتعادلين فإنها تسمى متصلة. وأيضًا فرق آخر لفظي: أن المتصلة يسبقها همزة الاستفهام: أزيد قائم أم عمرو؟ فيُذكر فيها المعادل وتسبقها الهمزة تحقيقًا أو تقديرًا. وأما التي المنقطعة فلا تُذكر بين متعادلين ولا يلزم منها، بل ولا يكون قبلها همزة. هذه الآن قبلها الهمزة ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾، وهي أيضًا بين متعادلين ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. (بالتاء والياء) يعني: ﴿أَمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أو ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، قال المؤلف: (بالتاء والياء، أي أهل مكة به) ويش بعد؟ * طالب: (الآلهة خيرٌ لعابديها) (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ ). يعني قدر المؤلف بعد، قدّرها مرة ثانية. ويش عندكم؟ * طالب: الآلهة. * الشيخ: لا، ممدودة: آلآلهة. * طالب: وافق تحقيق (...). * الشيخ: (آلآلهة خيرٌ لعابديها ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم ﴿بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ حسن ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لعدم قدرتكم عليه ﴿أَأِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ ) إلى آخره. قول المؤلف: آلآلهة خيرٌ أم الله واضح، وعلى هذا فتكون (أم) أيضًا متصلة ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾. و(خلق) بمعنى أوجد بتقدير؛ لأن الخلق لا بد أن يسبقه تقدير، والإيجاد أعم منه، قد يوجد الإنسان الشيء بلا تقدير، ولكن الخلق لا بد فيه من تقدير. ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ بعضهم يقول: السماوات ليست مفعولًا بها، وإنما يقال: مفعول مطلق وليست مفعولًا بها؛ لأن المفعول به يقتضي أن يكون ما وقع عليه الفعل سابقًا على الفعل. وهنا السماوات ليست سابقة على خلقه، وعلى هذا فقل: إنها مفعول ولا تقل: به، لكن هذا بالحقيقة من الفلسفة التي ليس لها معنى؛ لأنه خلق: أوجد السماوات، فالمفعول به أو الفعل واقعٌ على الإيجاد، وإن كانت السماوات قبل الإيجاد ليست موجودة، هم يقولون: المفعول به أنه لا بد يكون سابقًا على الفعل. (ضربت زيدًا) زيد سابق على الضرب، (أكلت الطعام) الطعام سابق على الأكل، (صنعت الطعام) حوّلته من حال إلى حال، أيضًا سابق على الطعام. لكن خلق السماوات (...) سابق على الخلق؟ لا. إذن لا تقول: مفعول به؛ لأنه ما وقع عليها فعل الفاعل؛ إذ هي لم توجد إلا بفعل الفاعل، ويش أقول؟ أول مفعول وبس، لا به ولا فيه ولا معه ولا له؛ لأن المفاعيل خمسة كما هو معروف لكم: مفعول غير معدى بحرف، ومفعول معدى بحرف بالباء، أو بـ(في)، أو باللام، أو بـ(مع). هذه المفاعيل. ولكننا نقول: الحقيقة هذا تمحل؛ لأن (خلق) معناها يدل على الإيجاد، والإيجاد سابق على الموجود؛ لأن به يحصل الوجود فلا حاجة إلى هذا التمحل، (...) السماوات مفعول به (...) ما نحذفها. * طالب: إن كان المفعول (...). * الشيخ: المفعول المطلق مثل: ضربت ضربًا، هذا يسمونه مفعولًا مطلقًا، ما يُعدى بالباء ولا (...). * طالب: (...) تكون مثل هذا. * الشيخ: تكون مثل هذا، وإن كان ما هي موافقة للفعل، يعني المفعول المطلق يكون بمعنى الفعل. قال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والسماوات تُذكر بلفظ الإفراد والجمع كثيرًا في القرآن، والأرض ما ذُكرت إلا بلفظ الإفراد، إلا أن الله قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] وإلا فبقية الآيات، حتى في هذه الآية ما ذُكرت إلا مفردة ولم يقل: ومن الأرضين مثلهن، لكنها وردت في السنة مجموعة ومبيّن أنها سبع. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾: (ماء) هذه مفعول ولّا مفعول به؟ * طالب: على قاعدة النحويين.. * طالب آخر: مفعول. * الشيخ: لا، مفعول به. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ اللام للتعليل أو للإباحة، ولكنها للتعليل أبلغ؛ لأنها إذا كانت التعليل شملت الإباحة وشملت ما يكون به النفع من هذا الماء وإن لم نلامسه. ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والدليل على ذلك: أن الماء هذا ينزل من السحاب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة ١٦٤] فدل هذا على أن المراد بالسماء هنا العلو. وقوله: (﴿مَاءً فَأَنْبَتْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلّم) وين الغيبة؟ ﴿أَمَّنْ خَلَقَ﴾، ﴿وَأَنزَلَ﴾، وهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾. والالتفات فيه فوائد، هات واحدة منها؟ * طالب: تنبيه (...). * الشيخ: (...). * الطالب: أن الكلام إذا سار على وتيرة واحدة فإن المخاطب يمل ويسأم و ربما يعني .. * الشيخ: وينساب معه ويغفل عنه. * الطالب: فإذا تغير مجرى الخطاب ينتبه. * الشيخ: ينتبه نعم، هذه واحدة. الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: لأنه مثلًا تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون أروع (...). * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية فقط. طيب، الفائدة الثالثة وإن صار معه يغفل عنه. * طالب: إذا تغير مجرى الخطاب ينتبهوا. * الشيخ: ينتبهوا، هذه واحدة، الفائدة الثانية؟ * الطالب: تنويع الكلام. * الشيخ: تنويع الكلام؟ * الطالب: بأنه مثلاً تارة يكون على هذه الوتيرة، وتارة يكون على الوتيرة الثانية، فيكون يعني أروع. * الشيخ: يعني محسنات بديعية لفظية بس؟ * الطالب: إي. * الشيخ: الفائدة الثالثة؟ هاه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، فيها. * طالب: (...). * * * بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ إلى آخره [النمل: ١]. يقول: هذه (سورة النمل)، وسُمِّيَت به لذكر النمل فيها، وتسمية السور يكون بأدنى مناسبة، ولهذا البقرة سُميت سورة البقرة بذكر البقرة فيها، ولا يَمتنع أن تُسَمَّى سورة بعدة أسماء لعدة مناسبات. وقوله: إنها (مكيّة)، الصواب في المكي والمدني أن الفرق بينهما ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعدها فهو مدني. وقيل: المكي ما نزل بمكة، والمدني ما نزل بالمدينة، وقيل: المكي ما فيه ذكر الأصول -أصول الإسلام أو الإيمان- والمدني ما فيه ذكر الفروع. فعلى الأول يكون المعتبَر الزمن، وعلى الثاني المعتبَر المكان، وعلى الثالث المعتبَر الموضوع. ولكن الذي عليه المحقِّقون أن ما كان بعد الهجرة فهو مدني، وما قبلها فهو مكي، وقد ذكروا في أصول التفسير لذلك ضوابط يُرجَع إليها. أما البسملة فقد تقدم الكلام عليها عدة مرات، وبيَّنَّا أن أحسن ما تُقَدَّر به أن يكون فعلًا مناسبًا متأخِّرًا. أن يكون فعلًا؛ لأنه الأصل في العوامل، متأخرًا؛ لفائدتين، هما: التبُّرك بتقديم اسم الله، والثاني: إفادة الحصر، يعني: باسم الله لا باسم غيره. ومناسبًا؛ لأنه أخص من العام. وفعلًا، قلنا: لأنه الأصل في العوامل، وهو أيضًا أدل على الحدوث. بسم الله الرحمن الرحيم، التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، ويجوز أن تُقَدِّر: أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويجوز أن تُقَدِّر: قراءتي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: بسم الله الرحمن الرحيم قراءتي. لكن ما ذكرنا أولًا هو الأرجح، وأشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى رجحانه في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٨٥)، ومسلم (١٩٦٠ / ١) عن جندب بن سفيان.]]، فذكرها فعلًا، ولم يقل: فليكن ذبحه، قال: «فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْمِ اللهِ». لما قال: قال الله تعالى: (﴿طس﴾ الله أعلم بمراده بذلك). هذا ما سلكه المؤلف وجماعة من أهل العلم؛ بأن هذه الحروف الهجائية الموجودة في أوائل بعض السور موقفنا منها أن نقول: الله أعلم بمراده بذلك. وقد سبق في درس التفسير في الليل أن الراجح من ذلك أن هذه الحروف هجائية، وأنه بمقتضى كون القرآن بلسان عربي يقتضي أنه لا معنى لها، وذكرنا أن هذا قد رُوِيَ عن مجاهد، وأنها حروف هجائية ابتدأ الله بها، ليس لها معنى، وعلى هذا نجزم بأنه لا معنى لها؛ لأنه لا معنى لها، ولكن لها مغزى وهو أن هذا القرآن الذي أعجز هؤلاء الفصحاء البلغاء إنما هو من هذه الحروف الهجائية التي يكون منها كلامهم، يعني: ما أتى بحروف جديدة، مثلًا يقولون: والله هذه حروف ما نعرفها! أتى بنفس الحروف التي هم يتكلمون بها. ويؤيد ذلك أنه ما من حروف هجائية إلا ويأتي بعدها ذكر القرآن، اللهم إلا في سورتين أو شبهها، على أن هاتين السورتين مثل: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم ١، ٢] فيها ما يدل على القرآن، كالأخبار في قوله: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم ٢، ٣]، وهذا من خصائص الوحي. و﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ٢] فيها أيضًا إخبار عمن مضى؛ ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣]. وأما ما زعمه المتأخرون الخالِفون من أن هذه الحروف تدل على إعجاز من نوع العدد والحسبان، حيث زعموا أن هذه الحروف الهجائية يوجَد نظيرها في السورة المفتَتَحة بها، ويكون مجموع هذا منقسمًا على تسعة عشر، ويزعمون أن هذا أكبر آية بأن القرآن كلام الله، ويحتجون لذلك بأن أول آية نزلت -على زعمهم- هي بسم الله الرحمن الرحيم، وأنها مكوَّنة من تسعة عشر حرفًا، وأن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر ٣٠]، وأن هذا -تسعة عشر- هي هذه الحروف، كل هذا -والعياذ بالله- كذب ولا ينضبط، وهو متناقض أيضًا وغير مُطَّرِد، لكن هم فرحوا بهذا الكمبيوتر الذي أخرج لهم عدد الحروف، وأنها بمجموعها تنقسم. ونحن نقول: لا يمتنع أن الله سبحانه وتعالى أراد هذا، لا يمتنع، ولكننا نقول: لا نجزم بأن الله أراد هذا، فهنا فرق بين الجزم بأن هذه آية في القرآن، وبين أن نقول: لا نقول هذا. أولًا: لأنه ليس في ذلك إعجاز، والبشر قد يسمعون خطبة مثلًا أو كلامًا تتكون الحروف الموجودة فيه، وتنقسم على هذا العدد، أو على أي عدد شاء، وليس بمعجِز. ثم إن البسملة ليست أول ما نزل من القرآن، أول ما نزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]، ثم إن البسملة أيضًا حروفها ليست كما قالوا أنها تسعة عشر؛ لأن القرآن إنما نزل مقروءًا ولَّا مكتوبًا؟ * طلبة: مقروءًا. * الشيخ: مقروءًا، وهي بحروفها باعتبار القراءة ليست كذلك، والكتابة كما تعلمون هي صناعة، ربما لو فرض أن الكتابة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وعهد الخلفاء ليست على هذا الشكل، يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، الآن فيه بعض الكتابات في بعض اللغات يجعلون الحركة حرفًا، ويجعلون الحرف حرفين، أو يختصرون؛ يجعلون الحرفين حرفًا واحدًا، فالحاصل أن القرآن ما نزل مكتوبًا، وإنما نزل مقروءًا، ولا حجة في ذلك. إذن: نقول: (الله أعلم بمراده بذلك) هذا أحد الأقوال في المسألة. والقول الثاني: أنها رموز لأشياء معيَّنة، مثلما ذهب إليه المتأخِّرون، أو مثلما يذكر بعضهم أنها إشارة إلى حروب وملاحم تكون في آخر الزمان وما أشبهها. والثالث: أن يقال: إنه ليس لها معنى، وإذا أورد علينا كيف نجزم بذلك؟ فالجواب: أن هذا القرآن نزل بلغة العرب، ولغة العرب لا تجعل لهذه الحروف معنى، لكنها إذا قلنا بأنه ليس لها معنى فإنما لها مغزًى يظهر -والله أعلم- أن الله أراد بها ذلك. قال: (﴿طس تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات، ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾: آيات منه، ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾: مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ المشار إليه سابق أو لاحق؟ * طالب: لاحق. * الشيخ: المشار إليه لاحق وليس بسابق، وهذا مما تعود فيه الإشارة على متأخِّرٍ لفظًا ورتبة، وهو جائز إذا دل الدليل عليه. وقوله: ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يقول: (آيات منه)، وإنما لجأ المؤلف إلى قوله: (آيات منه)؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، لكان في ذلك حصر للقرآن في هذه الآيات، أليس كذلك؟ ﴿تلك آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، يعني: هذا الذي يشير إليه، ومعلوم أن هذا ليس آيات القرآن كلها، ولكنه بعض منها. ويجوز مثلًا أن نجعل الآية على ظاهرها، ولا حاجة إلى التأويل، ونقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ يُشَار إلى بعض الجنس بإشارة الجنس كله، كما تقول مثلًا: هذا البشر، وتشير إلى رجل واحد، أو هذا الإنسان، وتشير إلى رجل واحد. فالمعنى أن الإشارة إلى بعض الجنس بالجنس كله هذا سائغ، ولا يحتاج إلى تأويل كما قال المؤلف. وقوله: ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾، يقول: (عطف بزيادة صفة هو ﴿هُدًى﴾ )، عطف ويش على إيه، ﴿وَكِتَابٍ﴾. * طالب: على ﴿آيَاتُ﴾. * الشيخ: على ﴿آيَاتُ﴾، كذا؟ يصح ولَّا ما يصح هذا القول؟ * طالب: يصح، آيات مو مكتوبة. * طالب آخر: ﴿آيَاتُ﴾ مرفوعة، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور.. * الشيخ: إي، ﴿كِتَابٍ﴾ مجرور، إذن على ﴿الْقُرْآنِ﴾ ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾، وتلك آيات كتاب. وإنما وصف هذا القرآن بالقرآن والكتاب؛ لأنه مقروء ومكتوب، فهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وهو مقروء بالألسن، وهو مكتوب في المصاحف أيضًا، فكتابته سابقة ولاحقة، وقراءته لاحقة ولَّا سابقة؟ * طلبة: لاحقة. * الشيخ: لاحقة؛ لأنها بعد أن تكلم الله به ونزل به جبريل، ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٧، ١٨]، والقرآن مشتق ولَّا مصدر؟ * طالب: مشتق. * طالب آخر: مصدر. * الشيخ: مصدر؛ لأنه مثل الغُفْران والشُّكْران، فهو مصدر (قرأ، يقرأ) بمعنى: تَلَا. وقيل: إنه بمعنى جمع؛ لأن القاف والراء تدل على الجمع، ومنه القرية؛ لأنها مجتمع الناس. وفي الحقيقة أن القرآن جامع للوصفين؛ فهو مَتْلُوٌّ، وهو مجموع أيضًا. وأما قوله: ﴿كِتَابٍ﴾ فهي (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول)، أي: مكتوب، و(فِعَال) بمعنى (مفعول) تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل بِنَاء بمعنى مَبْنِيّ، وغِرَاس بمعنى مَغْرُوس، وفِرَاش بمعنى مَفْرُوش، وأمثلتها كثيرة. وسُمِّيَ كتابًا؛ لما أشرنا إليه قبل. وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ أي: مُظْهِر للحق من الباطل، كلمة (مُبِين) فعلها؟ * طالب: أَبَانَ. * الشيخ: أَبَانَ، و(أبان) يأتي لازمًا، ويأتي متعديًا، أي: يأتي بمعنى أَظْهَر، ويأتي بمعنى بَانَ. ولهذا تجد المفسِّر أحيانًا يفسِّر (مُبِين) بمعنى (بَيِّن)، وعلى هذا التفسير تكون من اللازم ولَّا المتعدي؟ * طالب: من اللازم. * الشيخ: من اللازم، ويفسِّرها أحيانًا بمعنى (مُظْهِر)، فتكون من المتعدي، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤] أيش معنى مُبِين؟ * طالب: بَيِّن. * الشيخ: أي: بَيِّن، لفي ضلال بَيِّن، فهي من (أَبَان) اللازم. وأما مثل هذه الآية؛ أن القرآن مُبِين فهو بمعنى مُظْهِر، وهل يستلزم كونه مُظْهِرًا أن يكون هو بَيِّنًا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: نعم، يستلزم، أو نقول: إنه من باب استعمال المشترَك في معنيين، والصحيح جوازه، وقد مر علينا هذا، هل يجوز استعمال المشترَك في معنيين؟ والمشترَك أيضًا فاهمينه من قبل، وهو ما اتَّحد لفظه وتعدد معناه، هذا المشترَك، وسُمِّي بذلك؛ لأن المعاني مشتركة في لفظ واحد. المشترَك الصحيح أنه يجوز استعماله في معنيين، بشرط أو بشرطين ذكرناهما قبل ليلتين، وأيش هي؟ أن لا يقع بينهما تعارض، وأن يكون محتمِلًا لهما، فإن كان لا يحتملهما ما يمكن يُحْمَل عليه، أو وقع بينهما تعارض ما يمكن، لا بد أن يكون أحدهم هو المقصود. هنا مثلًا إذا قلنا: إن (مُبِين) من (أَبَان) اللازم، ومن (أبان) المتعدي، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، وإن كان هذا مشترَكًا، لكنه إذا استُعْمِل في المعنيين فإنه مُسْتَعْمَل على وجه لا تعارض فيه، فالقرآن بَيِّن، والقرآن أيضًا مُظْهِر، وعلى هذا التقدير تكون دلالة (مُبِين) على أن القرآن بَيِّن دلالة مطابَقَة ولَّا دلالة التزام؟ * طالب: دلالة مطابَقَة. * الشيخ: دلالة مطابَقَة، إذا جعلنا (مُبِين) مستَعْمَلة في المعنيين فالدلالة المطابَقَة، لكن لو قلنا: إن (مُبِين) بمعنى (مُظْهِر) فدلالته على كونه بَيِّنًا من باب دلالة الالتزام. ﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ مُظْهِر للحق من الباطل، هل هو على عمومه، ولَّا خاص بما نزل به القرآن؟ يقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وهو عام في كل شيء، لكن البيان قد يكون بيانًا للشيء على وجه التفصيل، وقد يكون بيانًا لأسبابه وطرقه وأنت امشِ فيها. فالقرآن في الحقيقة تبيانٌ لكل شيء، حتى في غير الأمور الشرعية يُبَيِّنها، لكن ما يُبَيِّن تفصيلها؛ لأن هذه غير الأمور الشرعية، خاضعة للزمن، والمكان، وأفهام الناس، وقُوَّتِهم، لكنه يذكر الأسباب والطرق، وأنت تستعملها في نفسك. ولهذا إذا قال قائل: كيف يصح هذا القول منكم ونحن لا نرى في القرآن عدد ركعات الصلاة، ولا نرى فيها أنها خمس صلوات، ولا نرى أنصبة الزكاة، ولا مقادير (...) فيها، فما هو الجواب؟ * طالب: نقول: القرآن، يقول الله سبحانه وتعالى، كما قال ابن مسعود: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر ٧]، فالآية تشمل ما بَيَّنَه الرسول، ثم أيضًا قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النحل ٨٩]، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧]، ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤] يعني.. * الشيخ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. إذن يكون القرآن دالًّا على هذا ببيان سببه وطريقه، فعندنا الآن طريق العلم بهذا الشيء هو ما فَسَّرَه الرسول عليه الصلاة والسلام في السُّنَّة، وهذا بَيَّنَه القرآن، ولا يلزم أن يكون هذا القرآن لا بد أن يكتب كل التفاصيل، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. وابن مسعود الذي أشار إليه الأخ في قصة لَعْن النامصة والْمُتَنَمِّصة، حيث جاءت إليه امرأة فقالت: إنَّا لا نجد هذا في كتاب الله، فقال: بلى، هو في كتاب الله، ثم تلا عليها هذه الآية[[أخرجه أحمد في المسند (٣٩٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٩٤٦٦) عن ابن مسعود.]]. الحاصل أن القرآن مُبَيِّن لكل شيء، لكن البيان قد يكون تفصيليًّا، وهذا في بعض الأمور موجود، كما في المواريث مثلًا، في الْمُطَلَّقَات، هذا تجده ما يَشِذّ عن هذا إلا مسائل قليلة جدًّا، ومع ذلك بيانها موجود عند التأمل، ولَّا لا؟ يعني تفصيل الفرائض تفصيلٌ ما شذ عنه شيء، ما شَذَّ إلا كان مسألة واحدة وهي الْجَدَّة، هذه ما هي مذكورة في القرآن، لكنها جاءت بها السنة، وأما ما عدا ذلك، حتى المسائل الخلافية كالْمُشَرَّكة مثلًا وكالعُمَرِيَّتَيْن نجد أنها موجودة في القرآن، وكالجد والإخوة نجد أنه موجود بيانها في القرآن، لكنه يحتاج إلى تأمل. قال الله تعالى: (﴿وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ مُظْهِر للحق من الباطل، عطف بزيادة صفةٍ هو ﴿هُدًى﴾ ). بزيادة صفة، وين الصفة؟ * طالب: ﴿مُبِينٍ﴾. * الشيخ: ﴿مُبِينٍ﴾. ثم قال: (هو ﴿هُدًى﴾ )، قَدَّر المؤلِّف (هو)؛ ليبين لنا إعراب (هدى)، فعلى تقديره يكون (هدى) خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: هو (﴿هُدًى﴾ أي: هاد من الضلالة). ومعلوم أن (هدى) مصدر، وأن (هادٍ) اسم فاعل، فيكون المؤلف هنا فَسَّر المصدر باسم الفاعل، وفي تفسيره نظر؛ لأن الأَوْلى أن يُجْعَل المصدر على بابه؛ لسببين: السبب الأول: أن تحويل اسم الفاعل إلى المصدر أبلغ، فإنك إذا قلت: فلان عدْل، وفلان عادِل، أيهم أبلغ؟ * الطلبة: عَدْل. * الشيخ: عَدْل أبلغ، يعني كأنه مصدر العَدْل، لكن (عادل) مُتَّصِف بالعدل الموجود في غيره، لا شك أن المصدر أبلغ. السبب الثاني في هذه الآية: أنَّ جَعْله هُدًى، معناه أن القرآن نفسه هدى يهتدي به الإنسان، فهو كالعلم الذي يسير الإنسان وراءه حتى يصل إلى غايته، مثلما سَمَّاهُ الله تعالى نورًا، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]. فنحن نقول: إن (هدى) يجب أن تبقى على ما هي عليه، أي أنها مصدر، وهو أبلغ من تحويلها إلى اسم الفاعل، والثاني أنها مصدر؛ لأن القرآن نفسه هدى، ليس هاديًا، بل هو هدى يُهْتَدى به، مثلما قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾. * * * وقوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٢] (بشرى) أيضًا بمعنى بشارة، لكن لمن؟ (﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الْمُصَدِّقِين به بالجنة). قوله: (بالجنة) نذكر هذا بعد. قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الْمُصَدِّقِين به، ما يكفي هنا الإيمان مجرد التصديق، بل الإيمان الموجود في القرآن لا بد فيه من قبول وإذعان مع التصديق، أما مجرد التصديق ما يكفي، والدليل على أن مجرد التصديق لا يكفي أن أبا طالب كان مصدِّقًا لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ؎وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِيــــنَ مُحَمَّــــــدٍ ∗∗∗ مِــــنْ خــيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّـــــــةِدِينَــا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّـــــــةٍ ∗∗∗ لَــرَأَيْتَنِي سَمْـــحًا بِـــــذَاكَمُبِينَـــــــــا فإذن هو ما قَبِل ولا أذعن، وليس بمؤمن، فالإيمان كلما وجدت الإيمان في كتاب الله فالمراد به التصديق المستَلْزِم للقبول والإذعان، فليس مجرد تصديق. فإذن للمؤمنين المصدِّقين به القابلين له المذْعِنين لأحكامه، لا بد من هذا. وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ لهؤلاء ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يُسْتَفَاد من ذلك أنه كلما كمُل الإيمان في العبد كمُل اهتداؤه بالقرآن، ولَّا لا؟ لأن الشيء إذا عُلِّق بوصف زاد بزيادة ذلك الوصف، ونقص بنقصه، الحكم إذا عُلِّق بوصف فإن هذا الوصف يزيد الحكم بزيادته، وينقص بنقصانه، وهذا معلوم حتى في المحسوس، تجد أن الشيء المعلَّق بشيء يزيد بزيادته، وينقص بنقصانه. فنقول: كلما ازداد الإنسان إيمانًا ازداد اهتداء بالقرآن، ويدلك على هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٤]. ويدل أيضًا على هذا قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣]. وأيضًا ﴿بُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، البشارة هي الإخبار بما يَسُرّ، وقد تُطلَق على الإخبار بما يسوء، لكن بقرينة. وهنا يقول: بشرى بالجنة. ولكن الصحيح أنها بشرى بما هو أعم؛ بالجنة، وبالعزة، والكرامة، وبالنصر، قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف ١٣] بعدما ذكر الجنة في المؤمنين، ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: بَشِّرْهم بما لهم في الجنة، وبَشِّرْهم بما لهم في الدنيا من النصر. وكل إنسان بطبيعته البشرية يحب أن ينتصر على عدوه، أليس كذلك؟ ويحب أن يكون له العز والكرامة، هذا لا يمكن أن يكون إلا بالإيمان، وكلما ازددنا إيمانًا ازددنا انتصارًا على عدونا، وكلما تخاذلنا في الإيمان خُذِلْنَا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١١]، وإذا أردتم دليلًا على هذا فانظروا إلى الذين يُطَنْطِنُون بالقومية العربية، من متى يُطَنْطِنُون بها؟ * طالب: من أول القرن. * الشيخ: إي، أظن من أول القرن، يعني من زمان، وتبلغ هذه الدعوة أوجها في التدجيل، ومع ذلك لا يزدادون إلا تأخرًا وضعفًا؛ لأنها ما على إيمان، لكن لما ظهرت بادرة الدعوة إلى الإسلام والتضامن الإسلامي، ماذا حصل؟ حاولوا بكل ما يستطيعون أن يقضوا على هذا، ليس من الدول الكافرة، بل حتى من الدول التي تزعم أنها مسلمة، وهي عربية، وصاروا يقولون: هذه دعوة رجعية، إلى آخره، وأخيرًا قُضِيَ على من قام بها وبالدعوة إليها، فالحاصل: إنا الآن إذا أردنا أن نرجع إلى العزة والكرامة والنصر فلا يكون ذلك إلا بالإيمان. وقد يقول قائل: كيف ننتصر بالإيمان على القنابل الذرية والهيدروجينية؟ * طالب: معنا قوة الله سبحانه وتعالى، ونستعد بالقوة كما أمرنا الله. * الشيخ: نعم، نقول: نحن إذا أخذنا بالقوة المعنوية فإن توفرت لنا القوة المادية وإلا جاءت القوة الإلهية، فنحن مثلًا من جملة الإيمان أن نستعد، لكن إذا عجزنا عن الاستعداد جاء دور النصر الإلهي، فيُبْطِل ما عليه هؤلاء الأعداء من القوة، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير، التغيرات الجوية تؤثر في أسلحتهم هذه ولَّا لا؟ الصواعق تدمرها، الخسف يذهب بها وبأهلها، وكل هذا بيد الله عز وجل. وقد حدثني إنسان في العام الماضي ذهب إلى أفغانستان للقتال معهم وهو شاب متخرِّج من أمريكا، لكنه أصرَّ -وأظن قد قصصت عليكم قصته- أصرَّ إلا أن يجاهد، وقال: ما يمكن أموت بدون جهاد، ولزَّم على أمه وأبيه، وجعلوا الحكم إلى الله سبحانه وتعالى، ثم إليّ أحكم بينهم، هم يقولون: لا تروح، وهو يقول: لا، أبغي أروح، يقولون: لا تروح، ما حجيت، ما أديت الفريضة، وهو يقول: لا، أبغي أروح وألتزم لكم أني أرجع في ذي الحجة وأحج. المهم بعدما أفطر رمضان العام الماضي راح، وشاهد شاهد عيان يقول: مع قلَّة العُدَّة التي عندهم، حتى يقول: الأدوية، ما عندهم أدوية إلا أدوية قديمة فاسدة، تبيع عليهم الشركات وتغشّهم، لكن يقول: شاهدت بعيني، هم بانين -يقول- مسجد للجمعة يجتمعون فيه، يقول: الروس يحرصون يوم الجمعة على أنهم يأتون إلى هذا المسجد ليدَمِّروه، هم يقول: يجعلون على المناطق ناسًا يحرسون المسجد وما حوله. فجاءت –يقول- القنابل وضربت على المسجد، يريدون المسجد، لكن يقول: كلها ما تضرب المسجد، وتضرب اللي حوله ولا تطوله، سبحان الله العظيم! يقول: ما طارت إلا واحدة فقط طارت على أحد الجنود وقتلته، والباقي يقول: أبدًا، يعني يخرجون ما كأن شيئًا أبدًا، وهذه من آيات الله سبحانه وتعالى. فالحاصل إننا نقول: إن النصر –يعني- يجب أن نعرف أنه لا يُعْتَمَد على القوة المادية فقط، هناك وراءها شيء. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الحج ٤٠، ٤١] أربع صفات. قد يقول قائل: وما لنا وللنصر مع هذه الصفات عند القنابل وغيرها، لكن ختم الآية بقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج ٤١]، ما هي بالأمور الحسية، العاقبة لله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يُدِيل الأيام على من عصى وخالف. * طالب: أو يؤمن أحد الرؤساء ويمنح المسلمين قوة؟ * الشيخ: نعم صحيح، ربما يكون هذا، على كل حال لا تستبعد، لكن نحن نستبعد النصر بسبب أعمالنا في الحقيقة، ما عندنا رصيد يخوِّل لنا أن ننتصر. إذن: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالجنة، كما قال المؤلف، أو بما هو أعم؟ * طلبة: بما هو أعم. * الشيخ: ويش الدليل؟ * طالب: لقوله تعالى في سورة الصف. * الشيخ: في سورة الصف: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]. ثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف ١٣]. * * * ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [النمل ٣] يأتون بها على وجهها، أقام الشيء: أتى به مستقيمًا، ولا تكون الصلاة مستقيمة إلا إذا أتى بها على وجهها. وإقامة الصلاة كما تعرفون نوعان: نوع لا بد منه؛ وهو الإتيان بالأركان والواجبات والشروط، ونوع يكون على وجه الكمال، وهو الإتيان بالمكَمِّلات من السنن وغيرها. (﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: يأتون بها على وجهها، ﴿وَيُؤْتُونَ﴾: يعطون، ﴿الزَّكَاةَ﴾ ) إلى آخره. قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، هل المراد الفريضة ولَّا النافلة؟ * طالب: الفريضة. * طالب آخر: عامٌّ. * الشيخ: نعم، عامٌّ؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يأتي بالسُّنَّة مثلًا على وجه ينافي الكمال الواجب، لو قال واحد: أنا بتسَنَّن تَطَوُّع، لكن ما أنا بقارئ الفاتحة، سُنَّة، يجوز ولَّا لا؟ * طالب: لا. * الشيخ: ما يجوز، نقول: الآن يجب عليك أن تقرأ الفاتحة، لو قال: ما أنا براكع، ما أنا بساجد، ما يمكن هذا. فإذن الآية الصلاة عامة، إقامتها في الواجب وفي التطوع. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ما بَيَّنَ المفعول الثاني لـ﴿يُؤْتُونَ﴾، لكنه معلوم، ويش التقدير؟ يؤتون الزكاة مُسْتَحِقَّها، وقد بَيَّنَ الله تبارك وتعالى مُسْتَحِقّ الزكاة في سورة (براءة) ببيان واضح مُفَصَّل. وقوله: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الزكاة ما حاجة إلى تعريفها عندكم؛ لأنكم تعرفونها، وسُمِّيَت زكاة لأنها تُزَكِّي الإنسان، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]. قوله: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ هذا ثناء على الْمُؤْتِين للزكاة، والسورة كما رأينا مَكِّيَّة، فهل معنى ذلك أن الزكاة فُرِضَت في مكة أو في المدينة؟ المعروف عند أهل العلم أنها فُرِضَت في المدينة، ولكن الصحيح أنها فُرِضَت في مكة، ولكن تقدير أنصبائها وبيان الأموال على وجه التفصيل كان ذلك في المدينة، هذا هو الصحيح، وهو الذي به تجتمع الأدلة. وقوله: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. * طالب: التقدير الصلاة بَيَّنَها وبَيَّن الزكاة بعدها، ما يكون من باب تأخير بيان الأحكام؟ * الشيخ: لا. هذا من باب التطوع. * الطالب: يُبَيِّن الزكاة؟ * الشيخ: يُبَيِّن الزكاة، وخَلَّاها موكولة للإنسان يُخْرِج ما شاء لأجل النفوس تتعود، ثم بعد ذلك يُفْرَض عليها الشيء الذي أراده الله سبحانه وتعالى. * الطالب: يعني كان الإنسان يختاره. * الشيخ: إي، يختار ما يُخرج، إي نعم، هذا مثل غيره من الأشياء التي تطورت، الصلاة فُرِضَت ركعتين، ثم أُقِرَّت صلاة السفر، وزِيد في صلاة الحضر، الزكاة هكذا فُرِضَت أولًا على اختيار الإنسان، ثم حُدِّدت، الصيام فُرِض على سبيل التخيير ثم عُيِّن، الحج هو الذي ما أعلم فيه إلا أنه فُرِض مرة واحدة، ولكن السبب في ذلك أنه أتى في السنة التاسعة أو العاشرة بعد أن استقر الإيمان في القلوب، فلا حاجة إلى أن تُدَرَّج النفوس من مرحلة إلى مرحلة. * طالب: قول ابن عباس: أَوَّلُ ما فُرِضَت الصلاة أربعًا[[أخرجه مسلم (٦٨٥ / ٥) من حديث مجاهد عن ابن عباس.]]؟ * الشيخ: ما هو بصحيح، لو كان هذا قوله فحديث عائشة صريح بأن أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين. * الطالب: حديث صحيح. * الشيخ: لكن هذا أصح منه، وأنا ما علمت اللي تقول هذا عن ابن عباس، حتى لو قاله ابن عباس فحديث عائشة أصح. * الطالب: هناك من العلماء مثل ابن حجر جمع بين الحديثين بأن عائشة ذَكَرت أول (...)، وابن عباس ذكر ما استقر عليه الناس، كأنها أول ما فُرِضَت أربعة، ثم فُرِضَت ركعتين، وزيد في .. * الشيخ: يعني فُرضت مرتين يعني؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: إن حديث عائشة صريح صحيح: «أول ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٩٠)، ومسلم (٦٨٥ / ٣).]]، فعلى هذا الجمع معناه أنها أولًا فُرِضَت أربعًا، ثم فُرِضَت ركعتين، ثم قُسِّم إلى حضر وسفر؟ * طالب: هل يجوز التدريج بالأحكام لمن يُسْلِم؟ * الشيخ: الظاهر لي أنه يجوز، وأن يأمره بالأهم فالأهم، مثلما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل، مع أن الأحكام مستقرة، قال: «أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ، ثُمَّ إِيتَاءُ الزَّكَاةِ»[[أخرجه مسلم (١٩ / ٢٩) من حديث معاذ بن جبل.]]، مع أن كل هذه كانت مفروضة، وحتى الصوم والحج أيضًا مفروض. * * * قال: (﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ يعلمونها بالاستدلال، وأُعِيدَ (هم) لِمَا فُصِلَ بينه وبين الخبر). وقوله: ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ، و﴿يُوقِنُونَ﴾ خبره، و﴿بِالآخِرَةِ﴾ متعلق بـ(يوقنون). ولكن كلمة (هم) أعيدت مرة ثانية، هل هذا من باب التوكيد، ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾، يعني: وهم هم الذين يوقنون دون غيرهم، أو أنه كما قال المؤلف: للفصل بينه وبين الخبر، والفاصل قوله: ﴿بِالآخِرَةِ﴾؟ يحتمل هذا وهذا، وقد يجوز أن يكون المراد الجميع، فبَيَّن الله سبحانه وتعالى أنهم هم أهل الإيقان، حيث كرر الضمير مرتين، وكُرِّرَ أيضًا مرتين ليطول الفصل بين الخبر وبين المبتدأ بالفصل. ولكن الإيقان يقول المؤلف: (يعلمونها بالاستدلال)، إنما قال: (بالاستدلال)؛ لأن اليقين أخص من العلم؛ إذ إن اليقين معناه العلم الذي لا يتطرق إليه الاحتمال، فهو أعلى درجات العلم، وهذا إنما يكون بالاستدلال، يعني: بالأدلة المبيِّنَة الْمُقْنِعة، فلهذا فَسَّر المؤلف اليقين بأنه العلم بالأشياء عن طريق الاستدلال. وقوله: ﴿بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المراد بالآخرة أنه يُبْعَث الناس فقط؟ لا، كل ما أخبر الله تعالى به مما يكون في هذا اليوم، أو أخبر به رسوله، فإنه داخل بالآخرة. بل إن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فعلى هذا يكون الآخرة المراد بها ما بعد الدنيا، يشمل عذاب القبر، ونعيم القبر، ويشمل كذلك الموازين في يوم القيامة، والحوض المورود للرسول عليه الصلاة والسلام، وما ذُكِر. هل بقي شيء من الإيمان؟ لأنه ذَكَر إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيقان بالآخرة. * طالب: الإيمان بالله. * طالب آخر: الإيمان بالرسل. * الشيخ: لا، نحن ذكرنا أن الإيمان بالله يتضمن الإيمان بالرسل، ويتضمن الإيمان بالكتب، بل ويتضمن الإيمان باليوم الآخر أيضًا، والإيمان بالملائكة. * طالب: بالقدر. * الشيخ: الإيمان بالقدر من الإيمان بالله؛ لأن القدر قدر الله سبحانه وتعالى، لكن بقي عندنا الصيام والحج، وهو من أركان الإسلام. والجواب على ذلك: أن السورة مكيَّة، والصيام والحج لم يُفْرَض بمكة بالاتفاق، فالصيام فُرِض في السنة الثانية، والحج فُرِض في السنة التاسعة، أو العاشرة، على القول الراجح، وعلى هذا ما في الآية إشكال. * ويستفاد منها: أن الإنسان إذا آمن بالشرائع الْمُنَزَّلة فهو كامل الإيمان وإن لم يدرك الفرائض المتأخِّرة، فالذين ماتوا من الصحابة قبل فرض الصيام إسلامهم كامل، بل إن الرجل يمكن أن يؤمن ويموت قبل أن يصلي صلاة واحدة، ويكون بذلك كامل الإيمان، يعني إيمانه هو كامل، وإن كان غيره اللي أدرك أكمل منه، لكن هو بالنسبة إليه ما يقال: إيمانه ناقص، أي أنه ناقص نقصًا يُخِلّ به. * * * (﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النور ٤] القبيحة بتركيب الشهوة حتى رأوها حسنة، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾: يتحيرون فيها؛ لقبحها عندنا). ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أي: لا يُصَدِّقون بها، كذا نقول؟ * طالب: لا يصدقون المستلزِم.. * الشيخ: هم إذا لم يُصدِّقوا معلوم ما هم بقابلين ولا مُذْعِنين؛ لأن مَن لم يُصَدِّق لا يمكن أن يقبل أو يُذْعِن، طيب إذا صَدَّقوا بها ولم يقبلوا ولم يُذْعِنوا؟ نفس الشيء. إذن: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ يشمل نفي التصديق، ونفي القبول، ونفي الإذعان، وأظنكم تعرفون الفرق بين القبول والإذعان؟ أقبل مثلًا أن هذا الشيء فرض وأعتقده فرضًا، لكن ما أفعله، ويش اللي تخلَّص؟ * الطلبة: الإذعان. * الشيخ: الإذعان، وأما عدم القبول يرفض هذا، وهذا ما هو بواجب، ولا نعترف بأنه فرض، وأما (...) فهو الإنكار المطلَق. ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهمْ﴾. * طالب: الفرق بينهم. * الشيخ: التصديق والقبول، التصديق: أنه يُصدِّق بأن هذا حق لكنه ما يقبله، يقول: نعم، هذا الرجل جاء بالحق لكن أنا ما أقبله، والقبول: في الغالب يكون في المعتَقَدات، والإذعان في الأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح. ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ﴾ هذه الجملة ﴿زَيَّنَّا﴾ خبر (إن)، وتفيد أن العِلَّة في التزيين عدم الإيمان بالآخرة، وأن الله تعالى لم يُزَيِّن لهم هذه الأعمال إلا بسبب عدم إيمانهم، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (...). [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

النمل 27:65

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة. * الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟ * طلبة: لأنه ماضٍ. * الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا. وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال. وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه. * طالب: (...). * الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى. * طالب: (...). * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟ وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء. قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟ * طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية. * الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق. فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين: المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا. والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟ * طالب: كافر. * الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]]. ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...). من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب. * طالب: (...). * الشيخ: الرابع أعلاها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه. * طالب: (...) هذه المراتب. * الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى. * يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب. * ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه. الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر. * الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧]. * يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي. المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها. * الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار. * الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...). * طالب: (...). * الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم. * الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن. * الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟ * طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟ * الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله. ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات. ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور. الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير. * طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟ * الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما. * طلبة: (...) نعم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...). * طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...). * الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩] * يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه. * الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص. * الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم. * الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...). * الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة. * الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته.. * طالب: (...). * الشيخ: غير الشيكات لا، فيه.. * طالب: (...). * الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠]. * يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه. * الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. * الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر. النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام. ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]]. إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١]. * يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢]. * يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل. * الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣]. * طالب: (...). * الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠]. قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣]. * يستفاد من هذه الآية: * أولًا: بيان فضل الله على عباده. * ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر. * ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...). * ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء. * ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل. * الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء. * الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ. * والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة. * الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون. فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا. والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.

النمل 27:66

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة. * الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟ * طلبة: لأنه ماضٍ. * الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا. وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال. وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه. * طالب: (...). * الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى. * طالب: (...). * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟ وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء. قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟ * طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية. * الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق. فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين: المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا. والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟ * طالب: كافر. * الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]]. ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...). من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب. * طالب: (...). * الشيخ: الرابع أعلاها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه. * طالب: (...) هذه المراتب. * الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى. * يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب. * ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه. الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر. * الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧]. * يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي. المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها. * الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار. * الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...). * طالب: (...). * الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم. * الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن. * الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟ * طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟ * الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله. ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات. ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور. الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير. * طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟ * الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما. * طلبة: (...) نعم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...). * طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...). * الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩] * يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه. * الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص. * الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم. * الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...). * الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة. * الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته.. * طالب: (...). * الشيخ: غير الشيكات لا، فيه.. * طالب: (...). * الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠]. * يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه. * الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. * الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر. النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام. ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]]. إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١]. * يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢]. * يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل. * الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣]. * طالب: (...). * الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠]. قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣]. * يستفاد من هذه الآية: * أولًا: بيان فضل الله على عباده. * ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر. * ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...). * ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء. * ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل. * الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء. * الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ. * والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة. * الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون. فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا. والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.

النمل 27:67

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة. * الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟ * طلبة: لأنه ماضٍ. * الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا. وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال. وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه. * طالب: (...). * الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى. * طالب: (...). * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟ وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء. قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟ * طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية. * الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق. فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين: المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا. والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟ * طالب: كافر. * الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]]. ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...). من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب. * طالب: (...). * الشيخ: الرابع أعلاها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه. * طالب: (...) هذه المراتب. * الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى. * يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب. * ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه. الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر. * الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧]. * يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي. المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها. * الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار. * الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...). * طالب: (...). * الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم. * الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن. * الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟ * طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟ * الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله. ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات. ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور. الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير. * طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟ * الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما. * طلبة: (...) نعم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...). * طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...). * الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩] * يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه. * الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص. * الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم. * الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...). * الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة. * الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته.. * طالب: (...). * الشيخ: غير الشيكات لا، فيه.. * طالب: (...). * الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠]. * يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه. * الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. * الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر. النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام. ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]]. إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١]. * يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢]. * يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل. * الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣]. * طالب: (...). * الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠]. قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣]. * يستفاد من هذه الآية: * أولًا: بيان فضل الله على عباده. * ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر. * ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...). * ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء. * ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل. * الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء. * الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ. * والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة. * الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون. فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا. والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.

النمل 27:68

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة. * الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟ * طلبة: لأنه ماضٍ. * الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا. وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال. وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث. * طالب: (...). * الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩]. وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد. * طالب: (...). * الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه. * طالب: (...). * الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى. * طالب: (...). * الشيخ: إي. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون. ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟ وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء. قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾. وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟ * طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية. * الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق. فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين: المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا. والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟ * طالب: كافر. * الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]]. ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...). من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب. * طالب: (...). * الشيخ: الرابع أعلاها. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه. * طالب: (...) هذه المراتب. * الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى. * يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب. * ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه. الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر. * الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله. ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧]. * يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي. المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها. * الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار. * الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟ * طلبة: يوم القيامة. * الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...). * طالب: (...). * الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم. * الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن. * الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له. وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟ * طالب: نعم (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟ * طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟ * الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله. ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات. ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور. الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير. * طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟ * الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما. * طلبة: (...) نعم. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...). * طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...). * الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]. قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩] * يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه. * الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص. * الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم. * الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...). * الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة. * الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته.. * طالب: (...). * الشيخ: غير الشيكات لا، فيه.. * طالب: (...). * الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠]. * يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه. * الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]. * الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر. النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام. ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]]. إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة. ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١]. * يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾. * يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢]. * يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ليش؟ * طلبة: (...). * الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل. * الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣]. * طالب: (...). * الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال. * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠]. قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣]. * يستفاد من هذه الآية: * أولًا: بيان فضل الله على عباده. * ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر. * ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...). * ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: * أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء. * ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل. * الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء. * الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟ * طالب: (...). * الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ. * والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة. * الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون. فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا. والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.