Tafsir Ibn Uthaymeen — النمل 27:69 – النمل 27:80
المحتويات
النمل 27:69
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:70
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:71
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:72
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:73
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:74
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:75
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، فيستفاد من هذا ومما سبق أن توجيه الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام أن يقول قولًا يدل على عناية الله سبحانه وتعالى بهذا القول؛ لأنه عبارة عن أيش؟ رسالة خاصة، القرآن كله مأمور أن الرسول يقوله للناس كل القرآن، لكن إذا (...) بعض الآيات بكلمة ﴿قُلْ﴾ يدل على عناية الله تعالى بهذا الأمر، حيث أوصاه به، أوصاه بتبليغه وصية خاصة.
* الفائدة الثانية: أنه لا يعلم أحد الغيب إلا الله، كذا؟ اللي في المستقبل ما يعلمه أحد إلا الله بكل حال، والحاضر أو الماضي قد يُعلَم، الحاضر أو الماضي قد يُعلَم، ودعوى علمه ليست من علم الغيب، وعلى هذا! فاللي يحيّرون ويخبرون عما جرى على العبد؛ هؤلاء ليسوا ممن يدَّعون علم الغيب، أيش السبب؟
* طلبة: لأنه ماضٍ.
* الشيخ: لأنه إما ماض أو حاضر وهو معلوم، لكن قد يكون غائبًا عن البشر شاهدًا للجن؛ لأن الجن يعلمون الشيء البعيد، ويخبرون من يصحبهم من الإنس. وعلى هذا فما نحدَّث به عن بعض الناس أنه إذا جاءهم مريض قالوا: أنت أصابك كذا، وأصابك كذا، ويكون الأمر كما أخبر؛ هذا ليس من دعوى الغيب، فتصديقه ليس كفرًا بالله، لكن يبقى النظر في حال هذا الرجل، هل هو مستقيم؟ فإننا حينئذٍ نركن إليه ولا حرج علينا إذا ذهبنا إليه، أما إذا كان غير مستقيم بحيث إن الجن لا تخدمه إلا بشرك وكفر؛ فإنه لا يجوز لنا أن نذهب إليه؛ لما في ذلك من الإعانة على الكفر، وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجن يخدمون الإنس لمصالحهم؛ لمصالح الجن، فإذا كانوا كفارًا فإنهم قد يخدمونهم إذا أشرك الإنسي بالله، وقد يكون مثل عشق الإنسي مثلًا، تكون امرأة تعشق هذا الرجل، وتقول: أنا أخدمك بشرط أني أفعل به، أو كذلك رجل من الجن يعشق امرأة من الإنس فيحصل الأمر كذلك، فيكون هذا الأول شرك، اللي أشرك بالله، والثاني فسوق وزنا.
وقد يخدمه بمجرد محبته له بدون أي سبب؛ فهذا لا بأس به، وقد يخدمه لله، يرى أنه عابد وتقي، أو عالم ينفع الناس بعلمه فيخدمه لهذا السبب، فما دام أن خدمة الجن للإنس تتنوع؛ فإن حكم استخدام الإنس للجن يكون بحسب هذا التنوع، ولا يقال: إنه حرام مطلقًا، ولا يقال: إنه جائز مطلقًا، بل على حسب الحال.
وقد بلغنا أن أحد أهل العلم كان يُسمع في حلقته حركات بغير مشاهدة، ويقولون: إن الجن يحضرون العلم عنده، وأنه أحيانًا يسمعون كلامًا وسؤالًا بدون أن يعلموا به، هذا يعني (...) عندنا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا حادث، ما هو بيحدث.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) جميعًا بس ما يشوفونه، (...) وهذا ليس ببعيد، إذا كان الرسول ﷺ حضره ناس من الجن، وحضروا القرآن، وتأدبوا، ﴿لَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩].
وأيضًا لما سمعوا القرآن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن ١-٢]، فورثة الأنبياء من أهل العلم ممكن أن يحضرهم أناس من الجن ينتفعون بعلمهم، وليس هذا ببعيد.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الغالب أنه ما يراه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أعرف، لكن الغالب أنه ما يُرى.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، (...) يرونه، لكنه مثل الملائكة، (...) الأصل أنهم عالم غيب، لكن قد يُرون.
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ فإذن نقول: ما كان قد حدث من قبل أو هو الآن موجود فليس من علم الغيب، فمن ادعى معرفته لم يكن مكذبًا لله ورسوله، واضح؟
وفي قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ إشارة إلى أن الله تعالى في السماوات، فيفيد أن الله في العلو، وقد خرَّج العلماء ذلك على أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على)، أو أن المراد بالسماوات الجهات العليا؛ لأنه تعالى فوق العرش (...) السماء.
قال الله تعالى: (﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: كفار مكة كغيرهم)؛ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ قال: (﴿أَيَّانَ﴾ وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ )؛ يعني: ما يشعر أحد متى يبعث الناس؛ لأن علم الساعة إلى الله عز وجل، فلا أحد يشعر متى تكون الساعة، (...) لو جاءت علاماتها وأشراطها فإننا لا نستطيع أن نحددها بالتعيين، ونقول: بقي عليها كذا سنة، كذا شهرًا، ولا (...) ولهذا قال: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
وقول المؤلف: (وقت ﴿يُبْعَثُونَ﴾ ) فيه إشكال من جهة النحو، ما هو الإشكال؟
* طالب: إضافة (...) إلى الجملة الفعلية.
* الشيخ: ﴿أَيَّانَ﴾ هذه ظرف، لكنها استفهامية، ووقت ظرف مجردة من الاستفهام، ولهذا تفسير ﴿أَيَّانَ﴾ بوقت قصور، ولو قال المؤلف: متى يبعثون، لكان هو المناسب؛ لأن ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ نقول: إنها ظرف، وهي متضمنة للاستفهام، معلِّقة للفعل عن العمل. وين الفعل؟ ﴿يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فالجملة: ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ في محل نصب ليشعرون، ولو كان التقدير: وقت يبعثون؛ لم يكن في الجملة التعليق.
فإذن المؤلف بتقديره وقت ضيع علينا مسألتين:
المسألة الأولى: ما تضمنته أيان من الاستفهام أو لا.
والمسألة الثانية: كون الجملة هنا في محل نصب؛ لأنها معلقة بـ﴿أَيَّانَ﴾، وعلى تقديره تكون ﴿أَيَّانَ﴾ نفسها هي المفعول، هذا ما ينبغي التنبه له؛ لأنه ينبغي أن يكون التقدير اللفظي خاصة مطابقًا للمفسَر مطابقًا له في كل الأحوال.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، من ادعى أنه يعلم متى يبعث، فما الحكم؟
* طالب: كافر.
* الشيخ: كافر؟ إي نعم، كافر، اللي يقول: إن القيامة تبغي تكون في سنة ألف وأربع مئة وأربعة عشر.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ونُشِرَ هذا في صحف لبنان عن واحد يقول كاهن، استنتج أنها ستكون في ألف وأربع مئة وأربعة عشر، يعني ما بقي إلا اثنتا عشرة سنة، هذا اللي يصدقه أو يشك في خبره لو ما صدق يكون عنده تردد يعتبر كافرًا؛ لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر وجبريل أعلم الملائكة؛ لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]].
ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا، هذه الأشراط علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثين سنة، أربعين سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يوم من الأيام والشمس على رؤوس النخل، فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري. ]].
لأنه يجب الجزم بتكذيب هؤلاء، يجب أن نجزم بأن هؤلاء كاذبون؛ لأنه ما يمكن يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله، النبي عليه الصلاة والسلام أعلم البشر، وجبريل أعلم الملائكة، لما سأله قال: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ما حد يدري متى تقوم الساعة إلا الله، وهذه الأشراط أيضًا علامة على قربها، لكن القرب نسبي، لا تظن أن القرب ثلاثون سنة، أربعون سنة، مئة سنة، حدث النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه يومًا من الأيام والشمس على رؤوس النخل فقال: «إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١) من حديث أبي سعيد الخدري.]] (...).
من قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [النمل ٦٦] وقبل أن نتكلم على فوائد هذه الآيات؛ رأيت كلامًا للزمخشري جيدًا في هذه الآيات، وهو أن قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ ذكر أن المعنى ما أشرنا إليه أمس: أنه بلغ علمهم في الآخرة غاية وأعلموا بها ولم ينتفعوا، وذكر أن إدارك من الدرك، وهو الهلاك، يعني أنه ضَعُف علمهم في الآخرة، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، ثم انتقل فقال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، فيكون بالإضافة إلى قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل ٦٥] المراتب أربعًا: أولًا: نفي الشعور، ثم ضعف العلم، ثم الشك، ثم العمى. فتكون هذه الآية فيها إضرابات، انتقال من الأدنى إلى الأعلى. مفهوم هذا؟ فإنه يقول: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، ثم قال: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ انتقالات، فالأول: نفي الشعور، والثاني: ضعف العلم، والثالث: الشك، والرابع: العمى، يعني عمى القلب.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرابع أعلاها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، ما عنده علم أبدًا، وأيضًا: قد يكون عنده علم لكنه تركه وتغافل عنه.
* طالب: (...) هذه المراتب.
* الشيخ: هذه المراتب، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ هذا نفي الشعور، ثم ضعف العلم، علم لكن ضعيف، ثم بعد ذلك الشك، ثم العمى.
* يستفاد من هذه الآيات: أن هؤلاء المكذبين بيوم القيامة أنهم على هذه المراتب.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الإنسان الذي لا يريد الحق يكون له باعتبار قبوله مراتب، بعضها أشد من بعض، أي أنه ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولهذا قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر، ومعنى بريد الكفر أنه ينتقل بها الإنسان من مرحلة إلى مرحلة كما ينتقل البريد، والبريد هو الساعي بالمكاتيب إلى بلاد أخرى، وكانوا في الزمن الأول يجعلون الرسل بالكتب يجعلونهم على مراحل، كل بريد فيه منطقة إذا وصل إليها وقف وأعطاه الثاني، ثم يسعى الثاني من هذا البريد رقم واحد إلى البريد رقم اثنين ثم يقف، ثم يأخذها من رقم اثنين إلى رقم ثلاثة حتى ينتهي إلى البلد، يفعلون ذلك لئلا يشق عليهم متابعة السير من البلد إلى البلد، وهذا يكون أسرع، ولذلك سُمِّي البريد بريدًا لهذا السبب؛ لأنهم يجعلون في كل مساحة بريدًا من الأرض، والبريد كما تعرفون كم من فرسخ؟ أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، اضرب ثلاثة في أربعة باثني عشر، إذن اثنا عشر ميلًا، البريد اثنا عشر ميلًا، ولذلك كانوا في الأول يستعملون السرعة في إيصال الخطابات؛ إما بالبريد كما ذكرنا، وإما بالحمام يربي حمامًا يطير من محل إلى محل ويعلق في عنقها أو في أرجلها الرسائل، وطبعًا رسائل ماهش كبيرة، لكن قد تكون مثلًا رموزًا وإشارات وما أشبه ذلك، يعرفها المكتوب إليه.
الشاهد أنا نقول: إن الإنسان إذا فعل معصية، سواء اعتقادية أو عملية فإن الشيطان يتدرج به من أين؟ من الأدنى إلى الأعلى حتى يصل والعياذ بالله إلى الكفر.
* الثالث من فوائد هذه الآيات: أن أهل الإيمان باليوم الآخر أنهم يزدادون بها بصيرة؛ لأنهم عندهم يقين وعلم وطمأنينة بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله، لكن هؤلاء بالعكس ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ (...) يعني من أجلها ساروا عمين، أي عميت بصائرهم. وسبب ذلك أنهم إذا كذبوا بها والعياذ بالله ازدادوا ضلالًا وظلمًا ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥]، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا﴾، ما قال: عنها عمون، ﴿مِنْهَا﴾ أي من هذه الآخرة بسب أنهم أنكروها، ازدادوا عمًى وضلالًا والعياذ بالله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل ٦٧].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا: تلبيس أهل الضلال للحق بالباطل؛ لأنهم أنكروا البعث واحتجوا بشبهة لا تغنيهم من الحق شيئًا، ما هي؟ يقولون: أئذا كنا ترابا نُخرج. هذه الشبهة إنما تنطلي على الجهال، أما على أهل العلم والبصيرة فلا تنطلي.
المهم أنا نأخذ من هذه الآية أو من هذا السلوك: بيان أن أهل الباطل يُلبِّسون باطلهم بالشبهات التي يوردونها.
* الفائدة الثانية: إنكار هؤلاء للبعث؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ للإنكار.
* الفائدة الثالثة: أنهم احتجوا على تشبيههم هذا بأنهم وعدوا هم وآباؤهم من قبل ولم يروا شيئًا، وهذا من التمويه، وإلا فهم لم يوعدوا أن يُبعث الناس اليوم، متى وعدوا أن يبعثون؟
* طلبة: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥] فنقول لهم (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: ما قلنا لكم: إنكم تبعثون اليوم حتى تقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ قلنا: إنكم تبعثون يوم القيامة وستبعثون، لكن هذا أهل الباطل يُلبّسون ويُشبهون على الناس بالشبهات لإقرار باطلهم.
* الفائدة الرابعة: تأكيد إنكارهم لقولهم: ﴿أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ يعنى أتؤكدون لنا ذلك والأمر بعيد لا يمكن.
* الفائدة الخامسة: أن من لا يريد الحق فإنه لا يتبين له، الإنسان الذي لا يريد الحق يحرم منه فلا يتبين له؛ لقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [النمل ٦٨] فجعلوا أَبْين الأمور وأصح الأمور وأوكد الأمور جعلوه أساطير، والأساطير كما تعرفون هي عبارة عن كلام لا أصل له، أكاذيب، غالبه أكاذيب، فهذا القول تقدم لنا في التفسير أنه إن كان عن عقيدة فقد لُبّس عليهم الحق، وإن كان عن إنكار فقد جمعوا بين التكذيب بالحق وبين عيب الحق، يعنى جمعوا بين الأمرين أنهم كذبوه وعابوه، وأما إذا كان هذا عن عقيدة بمعنى أنهم لا يرون أن هذا حقيقة وأنه أساطير فيكون هنا قد لبس عليهم الحق بسبب أنهم لا يريدونه، ولا شك أن من لا يريد الحق فإنه لا يوفق له ولا ييسر له.
وبهذا نعرف أنه ينبغي لطالب العلم عندما يبحث عن مسألة أنه يبحث عنها -ونسأل الله العافية- يبحث عنها لأجل أن يصل إلى الحق، لا لأجل أن ينصر قوله، بمعنى أنك عندما.. افرض اختلفت أنت وزميلك في مسألة وأردت أن تحقق ما قلت، فأنت عندما تراجع وتبحث لا تجعل رائدك أن تنتصر لنفسك، فإنك ربما تحرم الوصول إلى الحق، لكن اجعل رائدك أي شيء؟ الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق، عسى أن يكون معك، فتحمد الله تعالى أن يسر لك الوصول إليه، وأن جعل بيان الحق على يدك، أو يكون مع خصمك فتحمد الله تعالى، أن الله تعالى يسر لك الرجوع عن الباطل وهيأ لك الوصول إلى الحق، فأنت على كل تقدير أنت في نعمة، ولكن ليكن رائدك الحق، وهذه مسألة صعبة جدًّا على النفوس، صعبة على النفوس أن يكون الإنسان يُراجع في مثل هذه الأمور لأجل الوصول إلى الحق، فإن كثيرًا من الناس يراجِع لأجل أن ينصر قوله، طيب افرض أنك تعتقد أن قولك هو الصواب مئة في المئة وأنت تراجع لتنصر قولك، فهل هذا ينافي النية الصحيحة؟
* طالب: نعم (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن كان إنك تريد أن تراجع لتنصر قولك؛ لأنه حق، فهذا لا ينافي؛ لأنك إنما تقصد تقوية الحق وإلزام الخصم به، وإن كنت تراجع بنية أن تنصر قولك، ولو كان هو الحق النية فيها دخل، مدخولة، فالحاصل أن هذه مسألة ينبغي للإنسان أن يلاحظها، وهو أن من لا يريد الحق لا يوفق له، بل يلتبس عليه الأمر؛ لأن هؤلاء يقولون في أجلّ الأمور وأحقها يقولون: إنها أساطير الأولين، وانظر إلى بيان السبب في هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، يعني كلا لو في القرآن أساطير الأولين لكن السبب أنهم جعلوه أساطير الأولين أنه ﴿رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، فعمُوا عن الحق أو تعامَوا عنه، واضح؟
* طالب: يا شيخ (...) طلب الحق يحب أن يكون قوله هو الحق، فيه شيء؟
* الشيخ: ما فيه شيء؛ لأنه يحب قوله، يكون هو الحق، يحب ذلك لأجل أن يكون إظهار الحق على يده، وإن كان قصده أن يكون قوله هو الحق لأجل المغالبة، فالمسألة فيها دخل، إي نعم، ولهذا مسائل النيات صعب جدًّا على الإنسان تحقيقه، تحقيقه صعب على النفس، حتى قال بعض السلف: «إني ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص»[[ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١ / ٨٤) عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب.]]، وهذا صحيح من أصعب الأمور الإخلاص لله عز وجل، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لما سأله أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» لكن شرط «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»[[أخرجه البخاري (٩٩).]] الشرط هذا صعب على كثير من الناس، وليس كل من قال: لا إله إلا الله فقد سعد بشفاعة الرسول ﷺ، أو كان أسعد الناس بها، بل لا بد أن يكون خالصًا من قلبه، وإذا كان خالصًا فثِقْ أنه سيكون مطيعًا لله.
ولهذا الذين يجادلون أحيانًا يقولون: كيف تكفّرون من ترك الصلاة وهو يقول: لا إله إلا الله، ويؤمن بالله؟ نقول: نعم لو قالها حقًّا ما ترك الصلاة (...) إنه لو كان معتقدًا ذلك حقًّا لطلب هذا الإله؛ لأن معنى (لا إله إلا الله) أي لا معبود بحق إلا الله، فأين (لا إله إلا الله) من رجل لا يعبد الله بأعظم العبادات.
ثم الإيمان أيضًا ما هو أن تقول بأن الله موجود وأن هذا الكون مخلوق، هذا إيمان حتى الكفار يؤمنون بهذا، أي عاقل لو هو أكفر الناس بيؤمن بأن الحوادث لا بد لها من محدث و(...) الإيمان، الإيمان أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى بكل ما تضمنته معاني هذه الكلمة، وقد سبق لنا شرح الإيمان أنه يتضمن أربعة أمور.
الحاصل أن الآن (...) في هذا دليل على أن الإنسان الذي لا يريد الحق لا يوفَّق له، وأنه يلبس عليه، فيظن أن ما جاءت به الرسل من الحقائق يظنها أساطير.
* طالب: من يطلب الحق يصل إليه؟
* الشيخ: نعم إذا سلك طرقه إي نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...) قد يكون هناك أشياء منعت من هذا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، على كل حال إنا نقول: هذا سبب، من عمل صالحًا دخل الجنة، وقد لا يكون له ذلك، فالمهم أن هذه الأشياء تذكر على أنها أسباب، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ويقول: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ﴾، لما قالوا كذبوا بالرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون ٦٨، ٦٩]، فالإنسان قد يحرم لأسباب تكون خفية على الناس، إنما من طلب الحق بنية وإخلاص فلا بد أن يصل إليه، أما كون هذا الرجل ما وصله الحق نقول ما.
* طلبة: (...) نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي نعم لكن أصل الاجتهاد لا بد أن يصل إلى الحق، يتبين له الحق، إلا أنه قد يكون الاجتهاد قد يكون فيه سبب من الأسباب منع الوصول إلى الحق، هل كل مجتهد يكون معه آلة الاجتهاد على ما ينبغي، نعلم أن الإنسان اللي مجتهد ويسلك طرق الاجتهاد لا بد أن يصل، وإلا لبقي الحق أعمى، ولكن هذا المجتهد إذا بذل جَهده وجُهده قد لا يكون هو السبب الوحيد الذي يوصل إلى الحق، يقول: هذا جهدي وهذه طاقتي، لكن عنده يكون نقص في العلم أو نقص في الفهم، وحينئذ قد يخالفه الصواب من أجل ذلك، من أجل إما نقص علمه وإما نقص فهمه، وإما نقص السبل أيضًا، قد يكون مثلًا إنسان يراجع المسألة في كتاب أو كتابين، بينما إن هناك كتب أخرى تفيده أكثر مما راجع، فيكون هذا فيه نقص، فمعنى اجتهد ما معناه أنه يكون أراد الحق فقط، معناه بذل ما يستطيع من جهد، ولكن هل ما يستطيعه الإنسان من جهد هو الطريق المؤدية للحق؟ لا، قد (...).
* طالب: شيخ، لو واحد طلب الحق ومنع (...) يعاقب على (...).
* الشيخ: الشيء اللي (...) ما يعاقب عليه ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦].
قال الله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل ٦٩]
* يستفاد من هذه الآية: بيان أهمية السير في الأرض، من أين يؤخذ؟ من أمر الله رسوله أن يبلغه إلى الناس، وقد قلنا: إن كل حكم أو خبر يقدر بـ(قل) هو دليل على الاهتمام به، كأن الله تعالى جعل له عناية خاصة بالوصية بإبلاغه، وإلا فجميع الكتاب ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة ٦٧]، لكن كون هذا الأمر يقدر بـ(قل) إذن ففيه عناية خاصة بتبليغه.
* الفائدة الثانية: فائدة السير في الأرض أن السير في الأرض ذو فائدة عظيمة، ولهذا أُمر به أو بإبلاغه على سبيل الخصوص.
* الفائدة الثالثة: أن السائر في الأرض يجب عليه أن يكون سيره على سبيل التفكر والاتعاظ؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ والأمر للوجوب لا سيما إذا كان هذا المخاطب معاندًا، يعني الآية هنا ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يخاطب المعاندين الجاحدين، فإنه يجب عليه أن يسير وينظر؛ لأن هذا طريق إلى هدايتهم.
* الفائدة الرابعة: أن عاقبة المجرمين وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ﴾ و(كيف) هذه للتعظيم، أي أن عاقبتهم عظيمة (...).
* الفائدة الخامسة: أن العبرة بالعاقبة، لا بالمبتدأ؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، فإذا رأيت هذا المجرم قد نُعِّم فلا تظن أنه على حق، بل المعتبر العاقبة، وستكون عاقبته وخيمة.
* الفائدة السادسة: أنه أيضًا لا تعتبر الفرد فقط، فإن من المجرمين من يبقى في تنعيمه حتى يموت، لكن العبرة بالكل، ولهذا قال: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فإن المجرمين مهما كانوا لا يمكن أن يستقر لهم قرار، فإذا قال قائل: في الوقت الحاضر الآن ما نرى أن المجرمين عوقبوا، بل إنهم منعمون غاية التنعم، فيقال: إن هذه الأمة قد عهد الله إلى نبيها ﷺ ألا يعذبهم بسَنَة عامة، ولكننا نرى في هؤلاء المجرمين من جعل البأس بينهم وتفرقهم، وكذلك أيضًا عدم استقرارهم ما هو عقوبة، فإن الذي يخرج إلى تلك الأمم يجد أنهم ليسوا مستقرين، حتى إننا نسمع أن الإنسان ما يأمن أن يجعل في جيبه دراهم وأنه لو وُجد في جيبه دراهم قُتل، ولذلك ما يتعاملون هناك إلا بالأوراق؛ أوراق التحويل، هذه يسمونها لها اسم خاص نسيته..
* طالب: (...).
* الشيخ: غير الشيكات لا، فيه..
* طالب: (...).
* الشيخ: أوراق (...) هذه تمثل كذا دولار كذا.. لأنهم ما يمكن يعني يتعاملون بالدراهم، كذا يقتل الإنسان، حدثني إنسان ذهب إلى أمريكا هذا العام يقول: ما تأمن تصحب ثلاثمئة ريال (...) وهذا أبلغ ما يكون من العذاب؛ لأن الله يقول في عقوبة القرية الآمنة المطمئنة: ﴿أَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل ١١٢] فهب أنهم ما عندهم جوع لكن عندهم خوف.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٠].
* يستفاد من هذا الآية: أولًا: أن الداعي إلى الله إذا بذل ما يجب عليه فلا ينبغي أن يحزن لمخالفة الناس؛ لقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، والحكمة من ذلك أن حزن الإنسان على مخالفة الناس يعيقه عن الدعوة إلى الله، ويستحسر من أجله؛ لأنه لا يمكن للنفس أن تمتد وتسير وهي حزينة، أليس كذلك؟ ولكن أنت سر على حسب ما أمرت، إن اهتدى الناس فلك ولهم، وإن لم يهتدوا فلك وعليهم، ولهذا إذا حزن الإنسان في هذه الأمور فإنه ييئس ويستحسر ولا ينشرح صدره ولا تنبسط نفسه.
* الفائدة الثانية: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بالتسلية والتفريج عنه؛ لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، وجه ذلك أن نهيه عن أن يكون في ضيق معناه أن مكرهم يؤثر عليه ولّا لا؟ يؤثر عليه ولّا ما؟ ما يضره، وإن ضاقت به نفسه فإن ذلك لا يضره؛ لأن الله يقول: ﴿لَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ﴾، أي لا يهمك أمرهم ولا تضق منه، فإن لدينا ما هو أعظم: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠].
* الفائدة الثالثة: هل هذا الأمر يكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره؟ نعم، يكون له ولغيره، كل من يدعو إلى شريعة الرسول عليه الصلاة والسلام، فإننا نوجه إليه هذا الخطاب ونقول: إذا رأيت الناس لم يقبلوا فلا تحزن ولا تكن في ضيق مما يمكرون، وإلا فإن أعداء الرسل سوف يمكرون بالدعاة إلى دين الرسل، سوف يبثون ضدهم الدعايات وسوف يؤذونهم بالقول، يسمعونهم ما يكرهون، وربما يؤذونهم بالفعل، والإنسان عليه أن يصبر.
النبي ﷺ جاء بأبين الأمور وأوذي في بيته وفي بدنه حاذرًا ومصابرًا، إلى حد أنهم يأتون بِسَلَى الجَزور ويضعونه عليه في المسجد الحرام اللي ﴿مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران ٩٧]، يضعونه عليه وهو ساجد لله[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، أبلغ من هذه الأذية: يأتون بالقاذورات والعذرات ويلقونها على عتبة بابه[[ينظر أنساب الأشراف للبلاذري (١ / ١٣١).]]، مع أنهم يجيرون أفسق الناس وأقذر الناس إذا جاء إلى مكة، يجيرونه ولا يجيرون الرسول عليه الصلاة والسلام.
ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الله فماذا حصل؟ أنهم سخروا به، واستهزؤوا به، واصطفوا صفين من السفهاء والغلمان وغيرهم، وجعلوا يرمون النبي ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه، أدموا عقبه، ولا أفاق إلا وهو في قرن الثعالب، ومع ذلك صبر؛ جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فقال: «بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة. ]].
إذن إذا رأينا هذا: نحن ما يصيبنا هذه (...) إلى الآن، ما أصابنا ونسأل الله العافية، نسأل الله العافية، ومع ذلك تجد الإنسان منا يتبتر عندما يسمع كلمة يتبتر، ويقول مثلًا: أنا (...)، هل (...) الناس (...)، نمشى مع العالم، هذا ليس بصحيح، أنت إذا كنت قويًّا في الحق فالحق منصور، ولا يلزم أن يكون نصره في حياتك، وعلى يدك، قد يتأخر النصر، لكن تكون أنت فاتحة خير لدين الله، ولذلك نصر الحق ليس بلازم أن يكون في حياة الإنسان، وليس بلازم أن يكون في عصره، الآن نحن نفرح بانتصار المسلمين في بدر ولّا لا؟ مع أننا ما ذقنا طعم هذا النصر مباشرة، لكن لأن الحق انتصر. نفرح بأن الله أنجى موسى وأهلك فرعون، مع أننا لم نطعم هذا النصر، ولكنه نصر الحق، فالمؤمن يفرح بانتصار الحق، ويرى أنه انتصار له في أي زمان وفي أي مكان إذا كان صادقًا مع الله سبحانه وتعالى، فلذلك يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾؛ لأن العاقبة للمتقين، وعاقبة المسيئين أسوأ عاقبة.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل ٧١].
* يستفاد من هذه الآية: بيان سفه هؤلاء، حيث استعجلوا عذاب الله، وقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾.
* يستفاد من ذلك أيضًا: بيان عتوهم وطغيانهم؛ لأن هذا الاستفهام إن كان على سبيل الاستبعاد فهو سفه، وإن كان على سبيل السخرية من هؤلاء وأنهم يقولون: إنما تعدوننا كذب، بدليل أنه ما وقع ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فهو دليل أيضًا على عتوهم وطغيانهم؛ حيث تحدوا الرسل عليهم الصلاة والسلام بهذه الكيفية، والظاهر أنه من باب التحدي. أيش يدل عليه؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وهذه مثل هذه العبارة يكون للتحدي.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل ٧٢].
* يستفاد من هذه الآية: ما قيل: إن البلاء موكل بالمنطق، وإن الإنسان إذا استعجل الشر وقع فيه؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ﴾، و(عسى) كما قال ابن عباس: إذا جاءت في كلام الله فهي للوجوب؛ لأن معناها التوقع وأن هذا أمر قد حان وقته؛ إذ إن التردي بالنسبة إلى الله ممكن ولّا لا؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ليش؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: لأن التردي طلب ما فيه عسر، ولا شيء عسير على الله عز وجل.
* الفائدة الثانية من هذه الآية: سعة حلم الله؛ لقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ ﴿بَعْضُ﴾ دون الجميع، وهذا من حلم الله عز وجل على عباده؛ فإن هؤلاء المكذبين لرسله، المنابذين لهم، المتحدين لهم، يقال لهم: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، وليس هذا بأول دليل على حلم الله، بل له أمثلة كثيرة في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠]، يحرقون أولياءه بالنار، ويعرض عليهم التوبة، أليس هذا من الحلم؟ بلى، من أعظم الحلم؛ لأنه لو رد الأمر إلى مراعاة العدل لكان هؤلاء الذين أحرقوا أولياءه يحرقهم الله بالنار، ما عرض عليهم التوبة، ولكن حلم الله سبحانه وتعالى واسع، ورحمته سبقت غضبه، فهنا قال: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي﴾ لا كل ﴿الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ [النمل ٧٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: نقول: هذا فضل، بعض الفضل أبلغ بالكمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو عدل، هذا فضل؛ لأن العدل أن يعاجلهم بالعقوبة، لأنهم فعلوا الذنب، وفاعل الذنب يعاقب عليه، بل هذا فضل، والفضل أعلى من العدل، والله تبارك وتعالى معاملته لعباده دائرة بين الفضل والعدل، وينتفي عنه الأمر الثالث وهو الجور؛ فإن المعاملة قد تكون جورًا وعدلًا وفضلًا، الجور: ممتنع في حق الله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، والعدل والفضل: حكمه بين عباده دائر بينهما. ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠].
قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية:
* أولًا: بيان فضل الله على عباده.
* ثانيًا: أنهم -أي العباد- وإن تفضل الله عليهم فأكثرهم لا يشكر.
* ثالثًا: ذم غير الشاكرين؛ لأن (...).
* ورابعًا: يؤخذ منه بالتضمن الثناء على الشاكرين. وقد سبق لنا مرارًا معنى الشكر وأنه ليس مجرد قول اللسان: أشكر الله.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٤، ٧٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة:
* أولًا: بيان سعة علم الله؛ لقوله: ﴿لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾، وهذا دليل على سعة علم الله سبحانه وتعالى، وأنه لا يخفى عليه شيء.
* ثانيًا: تحذير هؤلاء وغيرهم أيضًا من أن يُكِنوا في صدورهم ما لا يرضاه الله؛ لأن إخبار الله بأنه يعلم ذلك معناه التحذير؛ أن نحذر من أن نُكِنّ في صدورنا ما لا يرضاه الله عز وجل.
* الفائدة الثالثة: أن علم الله تعالى بما بطن كعلمه بما ظهر؛ لقوله: ﴿مَا تُكِنُّ﴾ ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، فلا فرق بين هذا وهذا عند الله، وإن كان المخلوق يختلف عنده حكم الغائب والظاهر، الغائب: ما يعلمه المخلوق، والظاهر يعلمه، وحتى لو علم الغائب بطريق من الطرق فإنه لا يستوي مع علم الظاهر، أما الله سبحانه وتعالى فإنهما عنده سواء.
* الفائدة الرابعة: كتابة الله تعالى في اللوح المحفوظ كل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل ٧٥]، ويلزم من الكتابة العلم ولّا ما يلزم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يلزم من الكتابة العلم؛ لأنه لا يكتب المجهول، فإذن نقول: زيادة على أن الله علم ذلك، قد كتبه في اللوح المحفوظ.
* والفائدة الخامسة: ما يستفاد من الآية من مرتبتين من مراتب القضاء والقدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* الفائدة السادسة: الرد على القدرية، القدرية: الذين ينكرون القدر، القدرية انقسموا إلى قسمين: غلاة ومقتصدون.
فالغلاة أنكروا حتى العلم والتقدير وقالوا: إن الله لا يعلم ما يعمله العباد إلا بعد وقوعه منهم، وأما شيء باطن أو مستقبل ما يعلمه، وبالضرورة لم يكتبه أيضًا.
والثانية المقتصدون منهم: قالوا: لا، إن الله علم ما الخلق عاملون وكتبه، لكنه ليس بمشيئته وخلقه، بل المرء مستقل به.
النمل 27:76
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
* طلبة: الذكور.
* الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
* طالب: الأقل.
* الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
* طالب: القَصص (...).
* الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
* الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: (...).
(...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.
* * *
قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب).
﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
* طالب: من المقيد.
* طالب آخر: المقيد.
* الشيخ: (...).
* الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم.
إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.
* * *
(﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
* طلبة: أنه لا يعقب.
* الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب).
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا قد شايفها (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
* طالب: عزة القهر وعزة..
* الشيخ: القدر.
* طالب: القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: أين؟
* الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
* طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
* الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
* طالب: (...) في دليل عليه.
* الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ
إي نعم، واضح؟
* * *
قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
* الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
* طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
* طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
* الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
* الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
* الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
* الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
* الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
* طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
* الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
* طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
* الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
* طالب: قول العوام: وكل الله.
* الشيخ: وكل الله.
* طلبة: (...) وكل الله.
* الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
* طالب: (...) توكل على الله..
* الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
* طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين).
فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
* طالب: المتعدي.
* الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ).
* طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
* الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
* طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟
* طلبة: لا، القلب.
* الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
* طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
* الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟
* طالب: أنت.
* طالب آخر: ضمير مستتر.
* الشيخ: وجوبًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
* طالب: لا يسمع.
* الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
* طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
* الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم.
* طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
* طالب: بالإضافة.
* الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
* طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة.
* الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى.
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
* طالب: والدلالة (...).
* الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
* طالب: (...) نافية.
* الشيخ: وتأتي نافية
* الطالب: بعد (إلا).
* الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
* طالب: تكون زائدة.
* الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ
إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢].
قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
* أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه.
* الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد.
كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك.
وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟
* طلبة: شر.
* الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك.
* طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه.
* طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟
* الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به.
* الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥].
والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر.
* الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به.
* الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟
فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فائدة الإيمان؟
* الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟
* الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
* ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل.
* الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل.
* الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة.
ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح.
* الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
* الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم.
وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟
إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟
* الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟
* طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم.
* الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟
العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله.
* الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟
ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك.
* والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل.
* الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين.
* الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟
وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]].
فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ.
* الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل.
وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ .....................
ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟
* طالب: بقوة.
* الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١].
* في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به.
* الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون.
ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]].
فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح.
ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]].
وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم.
ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون.
يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن.
يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله.
* طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟
* الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع.
* طالب: ما هو بأخص بالدعوة.
* الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.
* طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر.
* الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به.
* طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟
* الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم.
* الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟
* الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟
* طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام..
* الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا.
بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟
ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز.
فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه.
* طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة..
* الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال.
* الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا.
* الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال.
وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك.
ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه.
* الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية.
ما هي الهداية المثبتة؟
* طلبة: هداية الدلالة.
* الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم.
والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾.
والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة.
* الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
* والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع.
* الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟
* طلبة: ما يستلزمه.
* الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام.
كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك.
والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم.
القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين.
الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟
* طالب: بندرة.
* الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر.
* طالب: لا يدخل الجنة (...).
* الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه.
* الطالب: ما الفرق (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله.
* الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟
* الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام.
* الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟
* طلبة: كونية.
* الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية.
ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله.
والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).
النمل 27:77
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
* طلبة: الذكور.
* الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
* طالب: الأقل.
* الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
* طالب: القَصص (...).
* الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
* الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: (...).
(...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.
* * *
قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب).
﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
* طالب: من المقيد.
* طالب آخر: المقيد.
* الشيخ: (...).
* الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم.
إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.
* * *
(﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
* طلبة: أنه لا يعقب.
* الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب).
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا قد شايفها (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
* طالب: عزة القهر وعزة..
* الشيخ: القدر.
* طالب: القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: أين؟
* الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
* طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
* الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
* طالب: (...) في دليل عليه.
* الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ
إي نعم، واضح؟
* * *
قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
* الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
* طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
* طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
* الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
* الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
* الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
* الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
* الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
* طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
* الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
* طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
* الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
* طالب: قول العوام: وكل الله.
* الشيخ: وكل الله.
* طلبة: (...) وكل الله.
* الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
* طالب: (...) توكل على الله..
* الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
* طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين).
فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
* طالب: المتعدي.
* الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ).
* طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
* الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
* طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟
* طلبة: لا، القلب.
* الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
* طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
* الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟
* طالب: أنت.
* طالب آخر: ضمير مستتر.
* الشيخ: وجوبًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
* طالب: لا يسمع.
* الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
* طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
* الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم.
* طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
* طالب: بالإضافة.
* الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
* طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة.
* الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى.
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
* طالب: والدلالة (...).
* الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
* طالب: (...) نافية.
* الشيخ: وتأتي نافية
* الطالب: بعد (إلا).
* الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
* طالب: تكون زائدة.
* الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ
إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢].
قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
* أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه.
* الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد.
كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك.
وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟
* طلبة: شر.
* الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك.
* طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه.
* طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟
* الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به.
* الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥].
والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر.
* الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به.
* الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟
فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فائدة الإيمان؟
* الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟
* الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
* ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل.
* الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل.
* الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة.
ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح.
* الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
* الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم.
وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟
إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟
* الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟
* طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم.
* الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟
العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله.
* الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟
ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك.
* والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل.
* الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين.
* الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟
وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]].
فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ.
* الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل.
وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ .....................
ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟
* طالب: بقوة.
* الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١].
* في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به.
* الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون.
ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]].
فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح.
ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]].
وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم.
ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون.
يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن.
يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله.
* طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟
* الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع.
* طالب: ما هو بأخص بالدعوة.
* الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.
* طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر.
* الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به.
* طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟
* الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم.
* الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟
* الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟
* طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام..
* الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا.
بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟
ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز.
فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه.
* طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة..
* الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال.
* الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا.
* الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال.
وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك.
ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه.
* الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية.
ما هي الهداية المثبتة؟
* طلبة: هداية الدلالة.
* الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم.
والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾.
والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة.
* الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
* والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع.
* الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟
* طلبة: ما يستلزمه.
* الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام.
كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك.
والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم.
القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين.
الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟
* طالب: بندرة.
* الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر.
* طالب: لا يدخل الجنة (...).
* الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه.
* الطالب: ما الفرق (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله.
* الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟
* الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام.
* الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟
* طلبة: كونية.
* الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية.
ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله.
والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).
النمل 27:78
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
* طلبة: الذكور.
* الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
* طالب: الأقل.
* الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
* طالب: القَصص (...).
* الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
* الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: (...).
(...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.
* * *
قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب).
﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
* طالب: من المقيد.
* طالب آخر: المقيد.
* الشيخ: (...).
* الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم.
إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.
* * *
(﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
* طلبة: أنه لا يعقب.
* الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب).
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا قد شايفها (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
* طالب: عزة القهر وعزة..
* الشيخ: القدر.
* طالب: القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: أين؟
* الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
* طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
* الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
* طالب: (...) في دليل عليه.
* الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ
إي نعم، واضح؟
* * *
قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
* الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
* طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
* طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
* الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
* الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
* الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
* الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
* الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
* طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
* الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
* طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
* الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
* طالب: قول العوام: وكل الله.
* الشيخ: وكل الله.
* طلبة: (...) وكل الله.
* الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
* طالب: (...) توكل على الله..
* الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
* طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين).
فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
* طالب: المتعدي.
* الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ).
* طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
* الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
* طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟
* طلبة: لا، القلب.
* الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
* طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
* الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟
* طالب: أنت.
* طالب آخر: ضمير مستتر.
* الشيخ: وجوبًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
* طالب: لا يسمع.
* الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
* طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
* الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم.
* طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
* طالب: بالإضافة.
* الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
* طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة.
* الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى.
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
* طالب: والدلالة (...).
* الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
* طالب: (...) نافية.
* الشيخ: وتأتي نافية
* الطالب: بعد (إلا).
* الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
* طالب: تكون زائدة.
* الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ
إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢].
قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
* أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه.
* الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد.
كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك.
وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟
* طلبة: شر.
* الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك.
* طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه.
* طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟
* الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به.
* الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥].
والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر.
* الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به.
* الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟
فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فائدة الإيمان؟
* الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟
* الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
* ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل.
* الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل.
* الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة.
ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح.
* الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
* الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم.
وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟
إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟
* الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟
* طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم.
* الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟
العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله.
* الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟
ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك.
* والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل.
* الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين.
* الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟
وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]].
فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ.
* الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل.
وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ .....................
ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟
* طالب: بقوة.
* الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١].
* في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به.
* الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون.
ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]].
فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح.
ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]].
وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم.
ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون.
يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن.
يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله.
* طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟
* الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع.
* طالب: ما هو بأخص بالدعوة.
* الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.
* طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر.
* الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به.
* طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟
* الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم.
* الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟
* الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟
* طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام..
* الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا.
بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟
ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز.
فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه.
* طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة..
* الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال.
* الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا.
* الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال.
وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك.
ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه.
* الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية.
ما هي الهداية المثبتة؟
* طلبة: هداية الدلالة.
* الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم.
والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾.
والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة.
* الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
* والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع.
* الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟
* طلبة: ما يستلزمه.
* الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام.
كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك.
والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم.
القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين.
الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟
* طالب: بندرة.
* الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر.
* طالب: لا يدخل الجنة (...).
* الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه.
* الطالب: ما الفرق (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله.
* الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟
* الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام.
* الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟
* طلبة: كونية.
* الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية.
ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله.
والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).
النمل 27:79
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
* طلبة: الذكور.
* الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
* طالب: الأقل.
* الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
* طالب: القَصص (...).
* الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
* الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: (...).
(...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.
* * *
قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب).
﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
* طالب: من المقيد.
* طالب آخر: المقيد.
* الشيخ: (...).
* الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم.
إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.
* * *
(﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
* طلبة: أنه لا يعقب.
* الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب).
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا قد شايفها (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
* طالب: عزة القهر وعزة..
* الشيخ: القدر.
* طالب: القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: أين؟
* الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
* طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
* الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
* طالب: (...) في دليل عليه.
* الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ
إي نعم، واضح؟
* * *
قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
* الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
* طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
* طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
* الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
* الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
* الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
* الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
* الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
* طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
* الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
* طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
* الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
* طالب: قول العوام: وكل الله.
* الشيخ: وكل الله.
* طلبة: (...) وكل الله.
* الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
* طالب: (...) توكل على الله..
* الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
* طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين).
فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
* طالب: المتعدي.
* الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ).
* طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
* الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
* طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟
* طلبة: لا، القلب.
* الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
* طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
* الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟
* طالب: أنت.
* طالب آخر: ضمير مستتر.
* الشيخ: وجوبًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
* طالب: لا يسمع.
* الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
* طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
* الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم.
* طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
* طالب: بالإضافة.
* الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
* طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة.
* الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى.
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
* طالب: والدلالة (...).
* الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
* طالب: (...) نافية.
* الشيخ: وتأتي نافية
* الطالب: بعد (إلا).
* الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
* طالب: تكون زائدة.
* الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ
إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢].
قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
* أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه.
* الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد.
كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك.
وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟
* طلبة: شر.
* الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك.
* طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه.
* طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟
* الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به.
* الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥].
والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر.
* الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به.
* الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟
فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فائدة الإيمان؟
* الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟
* الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
* ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل.
* الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل.
* الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة.
ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح.
* الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
* الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم.
وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟
إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟
* الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟
* طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم.
* الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟
العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله.
* الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟
ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك.
* والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل.
* الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين.
* الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟
وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]].
فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ.
* الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل.
وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ .....................
ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟
* طالب: بقوة.
* الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١].
* في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به.
* الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون.
ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]].
فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح.
ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]].
وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم.
ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون.
يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن.
يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله.
* طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟
* الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع.
* طالب: ما هو بأخص بالدعوة.
* الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.
* طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر.
* الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به.
* طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟
* الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم.
* الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟
* الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟
* طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام..
* الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا.
بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟
ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز.
فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه.
* طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة..
* الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال.
* الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا.
* الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال.
وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك.
ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه.
* الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية.
ما هي الهداية المثبتة؟
* طلبة: هداية الدلالة.
* الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم.
والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾.
والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة.
* الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
* والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع.
* الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟
* طلبة: ما يستلزمه.
* الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام.
كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك.
والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم.
القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين.
الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟
* طالب: بندرة.
* الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر.
* طالب: لا يدخل الجنة (...).
* الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه.
* الطالب: ما الفرق (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله.
* الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟
* الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام.
* الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟
* طلبة: كونية.
* الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية.
ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله.
والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).
النمل 27:80
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
* طلبة: الذكور.
* الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
* طالب: الأقل.
* الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
* طالب: القَصص (...).
* الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
* الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: (...).
(...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.
* * *
قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب).
﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
* طالب: من المقيد.
* طالب آخر: المقيد.
* الشيخ: (...).
* الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم.
إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.
* * *
(﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
* طلبة: أنه لا يعقب.
* الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب).
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا قد شايفها (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
* طالب: عزة القهر وعزة..
* الشيخ: القدر.
* طالب: القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: أين؟
* الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
* طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
* الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
* طالب: (...) في دليل عليه.
* الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ
إي نعم، واضح؟
* * *
قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
* الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
* طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
* طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
* الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
* الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
* الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
* الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
* الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
* طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
* الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
* طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
* الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
* طالب: قول العوام: وكل الله.
* الشيخ: وكل الله.
* طلبة: (...) وكل الله.
* الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
* طالب: (...) توكل على الله..
* الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
* طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين).
فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
* طالب: المتعدي.
* الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ).
* طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
* الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
* طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟
* طلبة: لا، القلب.
* الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
* طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
* الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟
* طالب: أنت.
* طالب آخر: ضمير مستتر.
* الشيخ: وجوبًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
* طالب: لا يسمع.
* الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
* طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
* الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم.
* طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...).
* الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
* طالب: بالإضافة.
* الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
* طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة.
* الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى.
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
* طالب: والدلالة (...).
* الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
* طالب: (...) نافية.
* الشيخ: وتأتي نافية
* الطالب: بعد (إلا).
* الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
* طالب: تكون زائدة.
* الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ
إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢].
قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
* أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه.
* الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد.
كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك.
وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟
* طلبة: شر.
* الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك.
* طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه.
* طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟
* الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به.
* الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥].
والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر.
* الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به.
* الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟
فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فائدة الإيمان؟
* الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟
* الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
* ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل.
* الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل.
* الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة.
ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح.
* الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
* الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم.
وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟
إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟
* الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟
* طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم.
* الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟
العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله.
* الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟
ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك.
* والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل.
* الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين.
* الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟
وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]].
فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ.
* الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل.
وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ .....................
ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟
* طالب: بقوة.
* الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١].
* في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به.
* الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون.
ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]].
فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح.
ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]].
وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم.
ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون.
يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن.
يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله.
* طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟
* الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع.
* طالب: ما هو بأخص بالدعوة.
* الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.
* طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر.
* الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به.
* طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟
* الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم.
* الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟
* الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟
* طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام..
* الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا.
بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟
ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز.
فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه.
* طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة..
* الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال.
* الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا.
* الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال.
وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك.
ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه.
* الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية.
ما هي الهداية المثبتة؟
* طلبة: هداية الدلالة.
* الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم.
والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾.
والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة.
* الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
* والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع.
* الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟
* طلبة: ما يستلزمه.
* الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام.
كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك.
والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم.
القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين.
الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟
* طالب: بندرة.
* الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر.
* طالب: لا يدخل الجنة (...).
* الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه.
* الطالب: ما الفرق (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله.
* الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟
* الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام.
* الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟
* طلبة: كونية.
* الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية.
ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله.
والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).