Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — الأحزاب 33:26 – الأحزاب 33:37

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. الأحزاب 33:26
  2. الأحزاب 33:27
  3. الأحزاب 33:28
  4. الأحزاب 33:29
  5. الأحزاب 33:30
  6. الأحزاب 33:31
  7. الأحزاب 33:32
  8. الأحزاب 33:33
  9. الأحزاب 33:34
  10. الأحزاب 33:35
  11. الأحزاب 33:36
  12. الأحزاب 33:37

الأحزاب 33:26

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره). ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم. يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه. يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟ الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته. فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا. فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله: وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ) الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها. ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا. يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين). قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا. ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله. قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به. واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ. مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية. فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه. قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه. قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب. وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء. (﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة. والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا. وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا. وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب. والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين. قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم. وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟ حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟ خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل. وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين). ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ. (﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي. وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦]. وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع. أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله. وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا. وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر: أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل. قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]). ﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا. وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ. ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]]. ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة. فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري). هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس. جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]]. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بل الأمران. * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط. * الشيخ: لا. * الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...). * الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]. ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم . قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين. * ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ * طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها. ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية. * من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢]. * ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟ اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل. فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل. وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان. والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا. والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل. المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم: النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة. وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث. وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا. والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه. مَن يبغي يسأل؟ * طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟ * الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل. * طالب: (...). * الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر. ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. * ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم. * ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس. * طالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. * الطالب: (...). * الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.

الأحزاب 33:27

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره). ﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ. ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم. يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾. ﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟ ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه. يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟ الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته. فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا. فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم. قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول بأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟ * الطالب: (...). * الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. .. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله: وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ) الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها. ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو. ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا. يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين). قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا. ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله. قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به. واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ. مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية. فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه. قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل. قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه. قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها. وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب. وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء. (﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة. والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦] فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا. وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا. وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]. وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب. والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين. قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم. وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟ حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟ خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾. وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل. وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥]. يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين). ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ. (﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي. وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦]. وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع. أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله. وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا. وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر: أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل. قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]). ﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا. وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب. وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ. ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]]. ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه. يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨]. وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة. فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري). هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس. جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]]. ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، بل الأمران. * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط. * الشيخ: لا. * الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...). * الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧]. ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك. ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم . قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟ * طالب: (...). * الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين. * ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾. استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟ * طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...). * الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها. ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية. * من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢]. * ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟ * طالب: نعم. * الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟ اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل. فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل. وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان. والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا. والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل. المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم: النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة. وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث. وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا. والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه. مَن يبغي يسأل؟ * طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟ * الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل. * طالب: (...). * الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص. ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه. * ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. * ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر. ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾. * ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]]. والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق. واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم. حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. * ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾. * ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل. * ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟ * طالب: (...) * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم. النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول. في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟ * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل.. * طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟ * الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا. * فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة. * ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز. ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت. * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾. * ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟ فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض. * الطالب: (...). * الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم. * ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟ * طالب: (...). * الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس. * طالب: (...). * الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون. والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل. * طالب: (...). * الشيخ: أي آية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة. * الطالب: (...). * الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير. * الطالب: (...). * الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.

الأحزاب 33:28

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب ٢٨]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لم يخاطب الله نبيه محمدًا ﷺ إلا بوصف النبوة والرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة ٤١]، بينما كان يخاطب غيره من الأنبياء كثيرًا بأسمائهم، ﴿يَا مُوسَى﴾ [الأعراف ١٤٤]، ﴿يَا نُوحُ﴾ [هود ٤٦] ، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [هود ٧٦]، وما أشبه ذلك، وأما النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن فلم يخاطبه الله تعالى باسمه، يعني: لم يقل: يا محمد، وإن كان جاء ذلك في الأحاديث لكن في القرآن لا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، و(النبي) مُسَهَّل من النَّبِيء –بالهمز- وقيل: إنه غير مُسَهَّل، وأصل هذا الخلاف هل النبي من النبأ، أو من النَّبْوَة؟ إذا قلنا: من النَّبْوَة لم يكن فيه تسهيل؛ لأن الياء أصلية، وإذا قلنا: من النبأ، ففيه تسهيل، وأصله النَّبِيء، فسُهِّلَت الهمزة إلى ياء. والصحيح أن مشتق من المعنيين جميعًا، فإن النبيء مُشْتَقّ من النبأ؛ لأنه مُنْبَأ مُنْبِئ، ومشتق أيضًا من النَّبْوَة؛ لعُلُوّ مرتبة النبيين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الأزواج جمع زوج، وهي الأنثى ولَّا الذَّكَر؟ زوج في اللغة العربية يطلَق على الأنثى والذَّكَر، وفيه لغة لكنها رديئة قليلة، تقول للمرأة: زوجة، ولكن هذه اللغة الرديئة القليلة هي التي استعملها الفَرَضِيُّون، فيقولون: زوج، للذَّكَر، وزوجة، للأنثى، من أجل البيان والإيضاح، وهذا أمر لا بد منه في باب الفرائض. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، وهن تسع؛ خمس منهن قُرَشِيَّات، وأربع غير قرشيات، وطَلَبْنَ منه من زينة الدنيا ما ليس عنده، طَلَبْنَ منه نفقة وكسوة، وغير ذلك مما تريده النساء من الرجال من الأموال، والنبي عليه الصلاة والسلام كما نعلم جميعًا كان قليل ذات اليد؛ لأنه كان ينفق ما عنده، ولا يُبْقِي لنفسه شيئًا، فطَلَبْنَ منه النفقة وضَيَّقْنَ عليه، وآلَى منهن شهرًا كاملًا، اعتزلهن، ثم نزل في آخر الشهر، فأنزل الله عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخره. ﴿إِنْ﴾ شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتُنَّ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: مُتَعَهَا، ﴿وَزِينَتَهَا﴾ ما فيها من الأموال والقصور والمراكب، وما أشبه ذلك، ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ فعل أمر، ولَّا اسم فعل أمر؟ فعل أمر؛ لأنه تلحقه العلامات، فإذا كانت تلحقه العلامات فهو فعل أمر، ولهذا يقال: تَعَالَيْن، ويقال: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران ٦٤]، بخلاف (هلم) فإنها لا تلحقها العلامات فهي اسم فعل. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يعني: أَقْبِلْن إِلَيَّ، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ هذه جواب الأمر، جواب الطلب في قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾، يعني: أعطيكنّ متاعًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أُطْلِقْكُنَّ؛ لأن التسريح ضد التقييد، وهذا من الآداب العالية التي أمر الله بها نبيه محمدًا ﷺ، وإلا كان مقتضى الحال أن يقول: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُطَلِّقُكُنّ، ولا خير فيمن لا تريد إلا الدنيا. ولكن من كمال الرعاية ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أعطيكن مالًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أُطَلِّقْكُنَّ ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ يعني: ليس فيه عداوة، وليس فيه بغضاء، وليس فيه حَجْر لكنَّ بعد ذلك، ولهذا لو أن هذا وقع لكان يَحِلّ لهن أن يتزوَّجْن بغيره؛ لأن هذا من السراح الجميل؛ إذ لا فائدة من كونها تتسرح من الرسول ﷺ ثم تبقى محجورة، ولكن الأمر لم يقع. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ كل النساء؟ .. يقول: (﴿﴿وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ ﴾ أي: الجنة، ﴿﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ﴾ بإرادة الآخرة، ﴿﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴾ أي: الجنة). وإنما بدأ بالدنيا ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لأنهن كُنَّ يطالبن بالنفقة، وهي مما يتعلق بالدنيا. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾، وهذا هو الحال الثانية لهن، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ولم يقل: لكن، بل قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ فأَظْهَرَ في موضع الإضمار؛ ليتبين أن هذه الإرادة إحسان، وأنهن إذا أَرَدْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن ذلك من الإحسان، وأن الله أَعَدَّ للمحسنات منهن أجرًا عظيمًا، و(مِنْ) هنا ليست للتبعيض ولكنها للبيان، فتشمل ما لو أَرَدْنَ كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله يُعِدّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا. فبدأ أول ما بدأ بأَحَبِّ نسائه إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، وقال لها: «لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجِلِي فَتَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف أنها شابة صغيرة أنها تتعجل وتقول: أريد الدنيا، فطلب منها ألَّا تتعجل حتى تستأمر أَبَوَيْهَا، يعني تستأذنهما. ومعلوم أن أبويها لا يريدان لها أن تختار الدنيا وزينتها على الله ورسوله والدار الآخرة، ولكنها رضي الله عنها كان لها على صِغَرِ سِنِّها نظرة بعيدة، فقالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أستأمر أبوي؟ يعني: هذا أشاور فيه أَبَوَيّ؟ لا، إنما أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن لا تُخْبِر نساءك بما قلتُ. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَلَا مُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُنِي فَسَأُخْبِرُهَا»[[أخرج مسلم (١٤٧٨ / ٢٩) بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا - أو تسعًا وعشرين - ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألَّا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا».]]، لكن كل نسائه ما سَأَلْنَه، كل امرأة تقول: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، فصِرْنَ على الحال الكاملة رضي الله عنهن على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من شَظَف العيش وقلة ذات اليد، ومع هذا وَفَّقَهُنّ الله ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شك من عناية الله برسوله أن اختار له مثل هؤلاء النساء، فكان جزاؤهن أن الله قال له: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فهؤلاء النسوة اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خُيِّرْنَ مع ما في ثواب الآخرة هذا الجزاء الدنيوي أن الرسول مُنِعَ من أن يتزوج بعد ذلك بأحد من النساء، أو يبدل واحدة بامرأة جديدة، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢] والله أعلم. (﴿﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ بفتح الياء وكسرها، ﴿﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ﴾، أي: بُيِّنَت، أو هي بينة، ﴿﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴾، وفي قراءة ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ بالتشديد، وفي أخرى ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ بالنون معه –أي: مع التشديد، ونصب العذاب) ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ﴾ ﴾. ففيها إذن ثلاث قراءات: ﴿يُضَاعَفْ﴾ و﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ و﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾، فعلى القراءتين الأوليين يكون ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع، ﴿يُضَاعَفْ﴾ أو ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾، ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع نائب فاعل، وعلى القراءة الثالثة ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ يكون ﴿﴿الْعَذَابَ﴾ ﴾ بالنصب على أنه مفعول به. تقول: ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴾ (ضِعْفَيْ عذاب غيرهن، أي: مثليه، ﴿﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴾). ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ النداء من الله عز وجل مُوَجَّهًا إلى زوجات الرسول ﷺ، وذلك لأهمية ما سَيُوَجَّه إليهن، ولتنبيههن على ما سيُلْقَى إليهن. ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿يَأْتِ﴾، و﴿يُضَاعَفْ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ ما المراد بالفاحشة، هل المراد بالفاحشة الزنا؟ أو المراد بالفاحشة الكلام البذيء والمتطاوَل فيه على رسول الله ﷺ، والخارج عن المروءة، أو المراد هذا وهذا؟ قال بعض أهل العلم: إن المراد الأخير، ولا يراد به الزنا، مع أن الفاحشة تأتي في القرآن مرادًا بها الزنا، وتأتي مرادًا بها بذاءة اللسان والتطاول، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء ١٥]، ما المراد بالفاحشة هنا؟ الزنا. وقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق ١]، والمراد بالفاحشة هنا بذاءة اللسان وسلاطته، فإذا كانت بذيئة اللسان سليطته، تأتي بكلمات خارجة عن المروءة، فلزوجها أن يُخْرِجها من البيت أثناء العدة. هذه الآية إن قلنا بأنها تشمل الفاحشة التي هي الزنا، والفاحشة التي هي بذاءة اللسان، فإن ذلك لا يعني أنه يقع منهن؛ لأن الشرط لا يلزم وقوعه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وهل يمكن ذلك؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، هل يمكن ذلك ؟ لا يمكن، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، لا يمكن هذا أيضًا، فالإتيان بالشيء مُعَلَّقًا بالشرط لا يلزم منه جواز وقوع الشرط، وعلى هذا فلتكن الآية: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ فلتكن شاملة للزنا، لكن هذا شيء محال، أما إذا قلنا: إن المراد بالفاحشة هو سلاطة اللسان والخروج بالقول عن المألوف والمروءة، فهذا قد يقع من النساء، حتى من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا عيب عليهن في ذلك؛ لأنه من طبيعة النساء الغَيْرَة وعدم حفظ اللسان، وعدم التأني بالأمور، وأَيًّا كان فإن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وذلك لشرفها وعُلُوّ منزلتها، فكان الذنب منها أعظم من الذنب من غيرها، ولهذا إذا زَنَت الحرة تُجْلَد أو تُرْجَم، وإذا زنت الأمة فليس عليها إلا نصف ما على المحصنات من العذاب؛ لشرف الأولى، وانحطاط مرتبة الثانية، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن من المقام الرفيع، والحصن المنيع ما يقتضي أن يضاعَف العذاب عليهن إذا أَتَيْنَ بفاحشة مُبَيِّنَة، فلهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فإذا كان جزاء السيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئة التي ذكر الله هنا -الفاحشة الْمُبَيِّنة- بالنسبة لزوجات الرسول سيئتان، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أي: يُكَرَّر عليهم مرتين، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب عليهن، ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، فالمشار إليه هو تضعيف العذاب، كان ذلك يسيرًا على الله ليس صعبًا عليه. لماذا قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾؟ لئلَّا يظن ظانٌّ أن هذا أمر صعب على الله؛ لكون الأمر يتعلق بزوجات نبيه محمد ﷺ، فبَيَّنَ الله عز وجل أن هذا أمر يسير عليه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب، أكرم الخلق عنده أتقاهم له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، هذا عكس الأول، لَمَّا قلنا: إذا أَتَيْنَ بفاحشة مبينة ضُوعِفَ العذاب عليهن، جازاهن الله تعالى بالعدل من جهة أخرى، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. (﴿﴿يَقْنُتْ﴾ ﴾: يُطِعْ)، ولكن القنوت لله تعالى غير القنوت للرسول عليه الصلاة والسلام، القنوت لله قنوت عبادة وتَذَلُّل وتعظيم، والقنوت للرسول عليه الصلاة والسلام قنوت طاعة الزوج، وليس هو كقنوتهن لله عز وجل. ﴿مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾ بالطاعة والعبادة، ولرسول الله ﷺ بأداء حقوقه التي تجب للزوج على زوجته. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما كان خالصًا صوابًا، والخالص الصواب يعني أنه جمع بين الشرطين الأساسيين في كل عبادة، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، كل عبادة لا بد فيها من هذين الشرطين، فمن اتبع للرسول ولم يُخْلِص لله فصلاته باطلة؛ لأنها رياء، ومَن أخلص لله ولم يتبع الرسول ﷺ فصلاته باطلة أيضًا، فعبادته باطلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. إذن ما هما الشرطان الأساسيان في صحة العبادة؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، فالمتابعة مع الإخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، فإذا وُجِدَ متابعة بدون إخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا يقبل العمل، إخلاص بلا متابعة لا يُقْبَل، لا بد من الأمرين، وهكذا كلما ذكر الله عز وجل عملًا صالحًا فالمراد بالصالح ما تضمن هذين الشرطين الأساسيين. قال الله عز وجل: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، ﴿نُؤْتِهَا﴾ لم يقل: نُؤْتِيهَا، بالياء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿مَنْ يَقْنُتْ﴾، وجواب الشرط يكون مجزومًا، والفعل هنا مجزوم بحذف حرف العلة، وأصله: نُؤْتِيهَا، فلما جُزِمَ حُذِفَ حرف العلة ﴿نُؤْتِهَا﴾، فمعنى ﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نُعْطِهَا، ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول (ها)، والثاني ﴿أَجْرَهَا﴾. (﴿﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ﴾ أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في ﴿﴿تَعْمَلْ﴾ ﴾). * طالب: (...). * الشيخ: تحتانية في ﴿تَعْمَلْ﴾: ﴿﴿وَيَعْمَلْ﴾ ﴾، وفي ﴿نُؤْتِهَا﴾ يعني: و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾، والقراءة هذه سبعية حسب اصطلاح المؤلف، و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾ أي: الله، و﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نحن، فالضمير يعود على مَن؟ على الله، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، كما أنها إذا أتت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، فإذا قنتت لله ورسوله وعملت صالحًا آتاها الله تعالى أجرها مرتين، وإيتاء الأجر مرتين ليس بغريب، فقد أثبت الله تعالى الأجر مرتين في عدة مسائل، مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل من أهل الكتاب إذا آمَن بكتابه، ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يُؤْتِيه أجره مرتين. وقال كثير من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]: إن هذا هو أجر هذه الأمة يضاعَف على غيرها مرتين، والمهم أن فضل الله تعالى واسع، قد يُثِيبُ العامل أجره مرتين لسبب من الأسباب. * طالب: (...). * الشيخ: هذا في الحديث. * الطالب: (...). * الشيخ: هي التي قرأناها: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص٥٤ ٥٥] . يقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنَا لها، ﴿رِزْقًا﴾: عطاءً، ﴿كَرِيمًا﴾: حسنًا وكثيرًا؛ لأن الكرم في كل موضع بحسبه، فالكريمة من الشاة معناها الحسنة الجميلة الكثيرة اللبن، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/٢٩)، من جديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وهنا المراد بالرزق الكريم العطاءُ الكثير الحسَن الجميل، وهذا إنما يكون كما يقول المؤلف: (في الجنة زيادةً). ثم قال الله تعالى (...). * يستفاد منها: وجوب تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائدها: حماية الله سبحانه وتعالى لرسوله ودفاعه عنه، حيث أمره أن يُخَيِّر أزواجه هذا التخيير لَمَّا ضَيَّقْنَ عليه وطَلَبْنَ منه النفقة. * ومن فوائدها: بيان فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأنهن اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار الآخرة. * ومن فوائدها: كمال خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله أن يقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فإنما كان مقتضى الحال أن يُوَبَّخْنَ على ذلك، وأن يُؤَنَّبْن عليه، لكنه قيل: ﴿تَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾. * ومن فوائدها: حِلّ زوجات النبي ﷺ لغيره لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها؛ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها -﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ -: أن إرادة الله ورسوله والدار الآخرة من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النية لها أثر عظيم في زيادة الثواب؛ لأنه رَتَّبَ هذا الثواب على هذه الإرادة والنية الطيبة. ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذنب من المقرَّبِين أشد من الذنب من غير المقرَّبِين، من أين يؤخذ؟ من كون الله يقول: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * ومن فوائدها: حماية فِرَاش النبي ﷺ التامّة؛ لكون المرأة إذا أتت بفاحشة مُبَيِّنة من زوجاته فإن الله يضاعف لها العذاب، كل ذلك من أجل حماية فِرَاش النبي ﷺ، وسواء قلنا: إن المراد بالفاحشة الزنا، أو المراد بها بذاءة اللسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له أن يفعل ما يشاء في مضاعفة الثواب والعقاب، وأن هذا الأمر عليه هَيِّن؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مزيةٌ عظيمة لزوجات النبي ﷺ، حيث كانت المرأة إذا عملت عملًا صالحًا وأطاعت لله ورسوله آتاها الله أجرها مرتين. * ويستفاد منها: عدل الله سبحانه وتعالى، كمال عَدله، لما ضُوعِف لها العذاب ضُوعِف لها الثواب والأجر، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾، وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أعدّ لهؤلاء المؤمنات من أزواج النبي ﷺ أعدّ لهنّ أجرًا كريمًا، أي: كثيرًا جميلًا حسنًا، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. أما المناقشة في الآيات الكريمة فنبدأ بها أيضًا نتابع معكم هذه الدروس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾، أين مقول القول في قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾؟ (...)

الأحزاب 33:29

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب ٢٨]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لم يخاطب الله نبيه محمدًا ﷺ إلا بوصف النبوة والرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة ٤١]، بينما كان يخاطب غيره من الأنبياء كثيرًا بأسمائهم، ﴿يَا مُوسَى﴾ [الأعراف ١٤٤]، ﴿يَا نُوحُ﴾ [هود ٤٦] ، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [هود ٧٦]، وما أشبه ذلك، وأما النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن فلم يخاطبه الله تعالى باسمه، يعني: لم يقل: يا محمد، وإن كان جاء ذلك في الأحاديث لكن في القرآن لا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، و(النبي) مُسَهَّل من النَّبِيء –بالهمز- وقيل: إنه غير مُسَهَّل، وأصل هذا الخلاف هل النبي من النبأ، أو من النَّبْوَة؟ إذا قلنا: من النَّبْوَة لم يكن فيه تسهيل؛ لأن الياء أصلية، وإذا قلنا: من النبأ، ففيه تسهيل، وأصله النَّبِيء، فسُهِّلَت الهمزة إلى ياء. والصحيح أن مشتق من المعنيين جميعًا، فإن النبيء مُشْتَقّ من النبأ؛ لأنه مُنْبَأ مُنْبِئ، ومشتق أيضًا من النَّبْوَة؛ لعُلُوّ مرتبة النبيين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الأزواج جمع زوج، وهي الأنثى ولَّا الذَّكَر؟ زوج في اللغة العربية يطلَق على الأنثى والذَّكَر، وفيه لغة لكنها رديئة قليلة، تقول للمرأة: زوجة، ولكن هذه اللغة الرديئة القليلة هي التي استعملها الفَرَضِيُّون، فيقولون: زوج، للذَّكَر، وزوجة، للأنثى، من أجل البيان والإيضاح، وهذا أمر لا بد منه في باب الفرائض. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، وهن تسع؛ خمس منهن قُرَشِيَّات، وأربع غير قرشيات، وطَلَبْنَ منه من زينة الدنيا ما ليس عنده، طَلَبْنَ منه نفقة وكسوة، وغير ذلك مما تريده النساء من الرجال من الأموال، والنبي عليه الصلاة والسلام كما نعلم جميعًا كان قليل ذات اليد؛ لأنه كان ينفق ما عنده، ولا يُبْقِي لنفسه شيئًا، فطَلَبْنَ منه النفقة وضَيَّقْنَ عليه، وآلَى منهن شهرًا كاملًا، اعتزلهن، ثم نزل في آخر الشهر، فأنزل الله عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخره. ﴿إِنْ﴾ شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتُنَّ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: مُتَعَهَا، ﴿وَزِينَتَهَا﴾ ما فيها من الأموال والقصور والمراكب، وما أشبه ذلك، ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ فعل أمر، ولَّا اسم فعل أمر؟ فعل أمر؛ لأنه تلحقه العلامات، فإذا كانت تلحقه العلامات فهو فعل أمر، ولهذا يقال: تَعَالَيْن، ويقال: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران ٦٤]، بخلاف (هلم) فإنها لا تلحقها العلامات فهي اسم فعل. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يعني: أَقْبِلْن إِلَيَّ، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ هذه جواب الأمر، جواب الطلب في قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾، يعني: أعطيكنّ متاعًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أُطْلِقْكُنَّ؛ لأن التسريح ضد التقييد، وهذا من الآداب العالية التي أمر الله بها نبيه محمدًا ﷺ، وإلا كان مقتضى الحال أن يقول: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُطَلِّقُكُنّ، ولا خير فيمن لا تريد إلا الدنيا. ولكن من كمال الرعاية ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أعطيكن مالًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أُطَلِّقْكُنَّ ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ يعني: ليس فيه عداوة، وليس فيه بغضاء، وليس فيه حَجْر لكنَّ بعد ذلك، ولهذا لو أن هذا وقع لكان يَحِلّ لهن أن يتزوَّجْن بغيره؛ لأن هذا من السراح الجميل؛ إذ لا فائدة من كونها تتسرح من الرسول ﷺ ثم تبقى محجورة، ولكن الأمر لم يقع. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ كل النساء؟ .. يقول: (﴿﴿وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ ﴾ أي: الجنة، ﴿﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ﴾ بإرادة الآخرة، ﴿﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴾ أي: الجنة). وإنما بدأ بالدنيا ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لأنهن كُنَّ يطالبن بالنفقة، وهي مما يتعلق بالدنيا. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾، وهذا هو الحال الثانية لهن، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ولم يقل: لكن، بل قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ فأَظْهَرَ في موضع الإضمار؛ ليتبين أن هذه الإرادة إحسان، وأنهن إذا أَرَدْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن ذلك من الإحسان، وأن الله أَعَدَّ للمحسنات منهن أجرًا عظيمًا، و(مِنْ) هنا ليست للتبعيض ولكنها للبيان، فتشمل ما لو أَرَدْنَ كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله يُعِدّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا. فبدأ أول ما بدأ بأَحَبِّ نسائه إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، وقال لها: «لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجِلِي فَتَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف أنها شابة صغيرة أنها تتعجل وتقول: أريد الدنيا، فطلب منها ألَّا تتعجل حتى تستأمر أَبَوَيْهَا، يعني تستأذنهما. ومعلوم أن أبويها لا يريدان لها أن تختار الدنيا وزينتها على الله ورسوله والدار الآخرة، ولكنها رضي الله عنها كان لها على صِغَرِ سِنِّها نظرة بعيدة، فقالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أستأمر أبوي؟ يعني: هذا أشاور فيه أَبَوَيّ؟ لا، إنما أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن لا تُخْبِر نساءك بما قلتُ. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَلَا مُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُنِي فَسَأُخْبِرُهَا»[[أخرج مسلم (١٤٧٨ / ٢٩) بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا - أو تسعًا وعشرين - ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألَّا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا».]]، لكن كل نسائه ما سَأَلْنَه، كل امرأة تقول: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، فصِرْنَ على الحال الكاملة رضي الله عنهن على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من شَظَف العيش وقلة ذات اليد، ومع هذا وَفَّقَهُنّ الله ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شك من عناية الله برسوله أن اختار له مثل هؤلاء النساء، فكان جزاؤهن أن الله قال له: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فهؤلاء النسوة اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خُيِّرْنَ مع ما في ثواب الآخرة هذا الجزاء الدنيوي أن الرسول مُنِعَ من أن يتزوج بعد ذلك بأحد من النساء، أو يبدل واحدة بامرأة جديدة، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢] والله أعلم. (﴿﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ بفتح الياء وكسرها، ﴿﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ﴾، أي: بُيِّنَت، أو هي بينة، ﴿﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴾، وفي قراءة ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ بالتشديد، وفي أخرى ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ بالنون معه –أي: مع التشديد، ونصب العذاب) ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ﴾ ﴾. ففيها إذن ثلاث قراءات: ﴿يُضَاعَفْ﴾ و﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ و﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾، فعلى القراءتين الأوليين يكون ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع، ﴿يُضَاعَفْ﴾ أو ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾، ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع نائب فاعل، وعلى القراءة الثالثة ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ يكون ﴿﴿الْعَذَابَ﴾ ﴾ بالنصب على أنه مفعول به. تقول: ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴾ (ضِعْفَيْ عذاب غيرهن، أي: مثليه، ﴿﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴾). ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ النداء من الله عز وجل مُوَجَّهًا إلى زوجات الرسول ﷺ، وذلك لأهمية ما سَيُوَجَّه إليهن، ولتنبيههن على ما سيُلْقَى إليهن. ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿يَأْتِ﴾، و﴿يُضَاعَفْ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ ما المراد بالفاحشة، هل المراد بالفاحشة الزنا؟ أو المراد بالفاحشة الكلام البذيء والمتطاوَل فيه على رسول الله ﷺ، والخارج عن المروءة، أو المراد هذا وهذا؟ قال بعض أهل العلم: إن المراد الأخير، ولا يراد به الزنا، مع أن الفاحشة تأتي في القرآن مرادًا بها الزنا، وتأتي مرادًا بها بذاءة اللسان والتطاول، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء ١٥]، ما المراد بالفاحشة هنا؟ الزنا. وقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق ١]، والمراد بالفاحشة هنا بذاءة اللسان وسلاطته، فإذا كانت بذيئة اللسان سليطته، تأتي بكلمات خارجة عن المروءة، فلزوجها أن يُخْرِجها من البيت أثناء العدة. هذه الآية إن قلنا بأنها تشمل الفاحشة التي هي الزنا، والفاحشة التي هي بذاءة اللسان، فإن ذلك لا يعني أنه يقع منهن؛ لأن الشرط لا يلزم وقوعه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وهل يمكن ذلك؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، هل يمكن ذلك ؟ لا يمكن، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، لا يمكن هذا أيضًا، فالإتيان بالشيء مُعَلَّقًا بالشرط لا يلزم منه جواز وقوع الشرط، وعلى هذا فلتكن الآية: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ فلتكن شاملة للزنا، لكن هذا شيء محال، أما إذا قلنا: إن المراد بالفاحشة هو سلاطة اللسان والخروج بالقول عن المألوف والمروءة، فهذا قد يقع من النساء، حتى من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا عيب عليهن في ذلك؛ لأنه من طبيعة النساء الغَيْرَة وعدم حفظ اللسان، وعدم التأني بالأمور، وأَيًّا كان فإن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وذلك لشرفها وعُلُوّ منزلتها، فكان الذنب منها أعظم من الذنب من غيرها، ولهذا إذا زَنَت الحرة تُجْلَد أو تُرْجَم، وإذا زنت الأمة فليس عليها إلا نصف ما على المحصنات من العذاب؛ لشرف الأولى، وانحطاط مرتبة الثانية، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن من المقام الرفيع، والحصن المنيع ما يقتضي أن يضاعَف العذاب عليهن إذا أَتَيْنَ بفاحشة مُبَيِّنَة، فلهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فإذا كان جزاء السيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئة التي ذكر الله هنا -الفاحشة الْمُبَيِّنة- بالنسبة لزوجات الرسول سيئتان، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أي: يُكَرَّر عليهم مرتين، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب عليهن، ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، فالمشار إليه هو تضعيف العذاب، كان ذلك يسيرًا على الله ليس صعبًا عليه. لماذا قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾؟ لئلَّا يظن ظانٌّ أن هذا أمر صعب على الله؛ لكون الأمر يتعلق بزوجات نبيه محمد ﷺ، فبَيَّنَ الله عز وجل أن هذا أمر يسير عليه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب، أكرم الخلق عنده أتقاهم له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، هذا عكس الأول، لَمَّا قلنا: إذا أَتَيْنَ بفاحشة مبينة ضُوعِفَ العذاب عليهن، جازاهن الله تعالى بالعدل من جهة أخرى، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. (﴿﴿يَقْنُتْ﴾ ﴾: يُطِعْ)، ولكن القنوت لله تعالى غير القنوت للرسول عليه الصلاة والسلام، القنوت لله قنوت عبادة وتَذَلُّل وتعظيم، والقنوت للرسول عليه الصلاة والسلام قنوت طاعة الزوج، وليس هو كقنوتهن لله عز وجل. ﴿مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾ بالطاعة والعبادة، ولرسول الله ﷺ بأداء حقوقه التي تجب للزوج على زوجته. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما كان خالصًا صوابًا، والخالص الصواب يعني أنه جمع بين الشرطين الأساسيين في كل عبادة، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، كل عبادة لا بد فيها من هذين الشرطين، فمن اتبع للرسول ولم يُخْلِص لله فصلاته باطلة؛ لأنها رياء، ومَن أخلص لله ولم يتبع الرسول ﷺ فصلاته باطلة أيضًا، فعبادته باطلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. إذن ما هما الشرطان الأساسيان في صحة العبادة؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، فالمتابعة مع الإخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، فإذا وُجِدَ متابعة بدون إخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا يقبل العمل، إخلاص بلا متابعة لا يُقْبَل، لا بد من الأمرين، وهكذا كلما ذكر الله عز وجل عملًا صالحًا فالمراد بالصالح ما تضمن هذين الشرطين الأساسيين. قال الله عز وجل: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، ﴿نُؤْتِهَا﴾ لم يقل: نُؤْتِيهَا، بالياء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿مَنْ يَقْنُتْ﴾، وجواب الشرط يكون مجزومًا، والفعل هنا مجزوم بحذف حرف العلة، وأصله: نُؤْتِيهَا، فلما جُزِمَ حُذِفَ حرف العلة ﴿نُؤْتِهَا﴾، فمعنى ﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نُعْطِهَا، ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول (ها)، والثاني ﴿أَجْرَهَا﴾. (﴿﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ﴾ أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في ﴿﴿تَعْمَلْ﴾ ﴾). * طالب: (...). * الشيخ: تحتانية في ﴿تَعْمَلْ﴾: ﴿﴿وَيَعْمَلْ﴾ ﴾، وفي ﴿نُؤْتِهَا﴾ يعني: و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾، والقراءة هذه سبعية حسب اصطلاح المؤلف، و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾ أي: الله، و﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نحن، فالضمير يعود على مَن؟ على الله، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، كما أنها إذا أتت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، فإذا قنتت لله ورسوله وعملت صالحًا آتاها الله تعالى أجرها مرتين، وإيتاء الأجر مرتين ليس بغريب، فقد أثبت الله تعالى الأجر مرتين في عدة مسائل، مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل من أهل الكتاب إذا آمَن بكتابه، ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يُؤْتِيه أجره مرتين. وقال كثير من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]: إن هذا هو أجر هذه الأمة يضاعَف على غيرها مرتين، والمهم أن فضل الله تعالى واسع، قد يُثِيبُ العامل أجره مرتين لسبب من الأسباب. * طالب: (...). * الشيخ: هذا في الحديث. * الطالب: (...). * الشيخ: هي التي قرأناها: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص٥٤ ٥٥] . يقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنَا لها، ﴿رِزْقًا﴾: عطاءً، ﴿كَرِيمًا﴾: حسنًا وكثيرًا؛ لأن الكرم في كل موضع بحسبه، فالكريمة من الشاة معناها الحسنة الجميلة الكثيرة اللبن، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/٢٩)، من جديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وهنا المراد بالرزق الكريم العطاءُ الكثير الحسَن الجميل، وهذا إنما يكون كما يقول المؤلف: (في الجنة زيادةً). ثم قال الله تعالى (...). * يستفاد منها: وجوب تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائدها: حماية الله سبحانه وتعالى لرسوله ودفاعه عنه، حيث أمره أن يُخَيِّر أزواجه هذا التخيير لَمَّا ضَيَّقْنَ عليه وطَلَبْنَ منه النفقة. * ومن فوائدها: بيان فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأنهن اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار الآخرة. * ومن فوائدها: كمال خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله أن يقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فإنما كان مقتضى الحال أن يُوَبَّخْنَ على ذلك، وأن يُؤَنَّبْن عليه، لكنه قيل: ﴿تَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾. * ومن فوائدها: حِلّ زوجات النبي ﷺ لغيره لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها؛ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها -﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ -: أن إرادة الله ورسوله والدار الآخرة من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النية لها أثر عظيم في زيادة الثواب؛ لأنه رَتَّبَ هذا الثواب على هذه الإرادة والنية الطيبة. ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذنب من المقرَّبِين أشد من الذنب من غير المقرَّبِين، من أين يؤخذ؟ من كون الله يقول: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * ومن فوائدها: حماية فِرَاش النبي ﷺ التامّة؛ لكون المرأة إذا أتت بفاحشة مُبَيِّنة من زوجاته فإن الله يضاعف لها العذاب، كل ذلك من أجل حماية فِرَاش النبي ﷺ، وسواء قلنا: إن المراد بالفاحشة الزنا، أو المراد بها بذاءة اللسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له أن يفعل ما يشاء في مضاعفة الثواب والعقاب، وأن هذا الأمر عليه هَيِّن؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مزيةٌ عظيمة لزوجات النبي ﷺ، حيث كانت المرأة إذا عملت عملًا صالحًا وأطاعت لله ورسوله آتاها الله أجرها مرتين. * ويستفاد منها: عدل الله سبحانه وتعالى، كمال عَدله، لما ضُوعِف لها العذاب ضُوعِف لها الثواب والأجر، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾، وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أعدّ لهؤلاء المؤمنات من أزواج النبي ﷺ أعدّ لهنّ أجرًا كريمًا، أي: كثيرًا جميلًا حسنًا، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. أما المناقشة في الآيات الكريمة فنبدأ بها أيضًا نتابع معكم هذه الدروس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾، أين مقول القول في قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾؟ (...)

الأحزاب 33:30

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب ٢٨]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لم يخاطب الله نبيه محمدًا ﷺ إلا بوصف النبوة والرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة ٤١]، بينما كان يخاطب غيره من الأنبياء كثيرًا بأسمائهم، ﴿يَا مُوسَى﴾ [الأعراف ١٤٤]، ﴿يَا نُوحُ﴾ [هود ٤٦] ، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [هود ٧٦]، وما أشبه ذلك، وأما النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن فلم يخاطبه الله تعالى باسمه، يعني: لم يقل: يا محمد، وإن كان جاء ذلك في الأحاديث لكن في القرآن لا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، و(النبي) مُسَهَّل من النَّبِيء –بالهمز- وقيل: إنه غير مُسَهَّل، وأصل هذا الخلاف هل النبي من النبأ، أو من النَّبْوَة؟ إذا قلنا: من النَّبْوَة لم يكن فيه تسهيل؛ لأن الياء أصلية، وإذا قلنا: من النبأ، ففيه تسهيل، وأصله النَّبِيء، فسُهِّلَت الهمزة إلى ياء. والصحيح أن مشتق من المعنيين جميعًا، فإن النبيء مُشْتَقّ من النبأ؛ لأنه مُنْبَأ مُنْبِئ، ومشتق أيضًا من النَّبْوَة؛ لعُلُوّ مرتبة النبيين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الأزواج جمع زوج، وهي الأنثى ولَّا الذَّكَر؟ زوج في اللغة العربية يطلَق على الأنثى والذَّكَر، وفيه لغة لكنها رديئة قليلة، تقول للمرأة: زوجة، ولكن هذه اللغة الرديئة القليلة هي التي استعملها الفَرَضِيُّون، فيقولون: زوج، للذَّكَر، وزوجة، للأنثى، من أجل البيان والإيضاح، وهذا أمر لا بد منه في باب الفرائض. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، وهن تسع؛ خمس منهن قُرَشِيَّات، وأربع غير قرشيات، وطَلَبْنَ منه من زينة الدنيا ما ليس عنده، طَلَبْنَ منه نفقة وكسوة، وغير ذلك مما تريده النساء من الرجال من الأموال، والنبي عليه الصلاة والسلام كما نعلم جميعًا كان قليل ذات اليد؛ لأنه كان ينفق ما عنده، ولا يُبْقِي لنفسه شيئًا، فطَلَبْنَ منه النفقة وضَيَّقْنَ عليه، وآلَى منهن شهرًا كاملًا، اعتزلهن، ثم نزل في آخر الشهر، فأنزل الله عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخره. ﴿إِنْ﴾ شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتُنَّ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: مُتَعَهَا، ﴿وَزِينَتَهَا﴾ ما فيها من الأموال والقصور والمراكب، وما أشبه ذلك، ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ فعل أمر، ولَّا اسم فعل أمر؟ فعل أمر؛ لأنه تلحقه العلامات، فإذا كانت تلحقه العلامات فهو فعل أمر، ولهذا يقال: تَعَالَيْن، ويقال: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران ٦٤]، بخلاف (هلم) فإنها لا تلحقها العلامات فهي اسم فعل. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يعني: أَقْبِلْن إِلَيَّ، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ هذه جواب الأمر، جواب الطلب في قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾، يعني: أعطيكنّ متاعًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أُطْلِقْكُنَّ؛ لأن التسريح ضد التقييد، وهذا من الآداب العالية التي أمر الله بها نبيه محمدًا ﷺ، وإلا كان مقتضى الحال أن يقول: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُطَلِّقُكُنّ، ولا خير فيمن لا تريد إلا الدنيا. ولكن من كمال الرعاية ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أعطيكن مالًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أُطَلِّقْكُنَّ ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ يعني: ليس فيه عداوة، وليس فيه بغضاء، وليس فيه حَجْر لكنَّ بعد ذلك، ولهذا لو أن هذا وقع لكان يَحِلّ لهن أن يتزوَّجْن بغيره؛ لأن هذا من السراح الجميل؛ إذ لا فائدة من كونها تتسرح من الرسول ﷺ ثم تبقى محجورة، ولكن الأمر لم يقع. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ كل النساء؟ .. يقول: (﴿﴿وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ ﴾ أي: الجنة، ﴿﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ﴾ بإرادة الآخرة، ﴿﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴾ أي: الجنة). وإنما بدأ بالدنيا ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لأنهن كُنَّ يطالبن بالنفقة، وهي مما يتعلق بالدنيا. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾، وهذا هو الحال الثانية لهن، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ولم يقل: لكن، بل قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ فأَظْهَرَ في موضع الإضمار؛ ليتبين أن هذه الإرادة إحسان، وأنهن إذا أَرَدْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن ذلك من الإحسان، وأن الله أَعَدَّ للمحسنات منهن أجرًا عظيمًا، و(مِنْ) هنا ليست للتبعيض ولكنها للبيان، فتشمل ما لو أَرَدْنَ كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله يُعِدّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا. فبدأ أول ما بدأ بأَحَبِّ نسائه إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، وقال لها: «لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجِلِي فَتَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف أنها شابة صغيرة أنها تتعجل وتقول: أريد الدنيا، فطلب منها ألَّا تتعجل حتى تستأمر أَبَوَيْهَا، يعني تستأذنهما. ومعلوم أن أبويها لا يريدان لها أن تختار الدنيا وزينتها على الله ورسوله والدار الآخرة، ولكنها رضي الله عنها كان لها على صِغَرِ سِنِّها نظرة بعيدة، فقالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أستأمر أبوي؟ يعني: هذا أشاور فيه أَبَوَيّ؟ لا، إنما أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن لا تُخْبِر نساءك بما قلتُ. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَلَا مُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُنِي فَسَأُخْبِرُهَا»[[أخرج مسلم (١٤٧٨ / ٢٩) بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا - أو تسعًا وعشرين - ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألَّا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا».]]، لكن كل نسائه ما سَأَلْنَه، كل امرأة تقول: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، فصِرْنَ على الحال الكاملة رضي الله عنهن على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من شَظَف العيش وقلة ذات اليد، ومع هذا وَفَّقَهُنّ الله ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شك من عناية الله برسوله أن اختار له مثل هؤلاء النساء، فكان جزاؤهن أن الله قال له: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فهؤلاء النسوة اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خُيِّرْنَ مع ما في ثواب الآخرة هذا الجزاء الدنيوي أن الرسول مُنِعَ من أن يتزوج بعد ذلك بأحد من النساء، أو يبدل واحدة بامرأة جديدة، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢] والله أعلم. (﴿﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ بفتح الياء وكسرها، ﴿﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ﴾، أي: بُيِّنَت، أو هي بينة، ﴿﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴾، وفي قراءة ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ بالتشديد، وفي أخرى ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ بالنون معه –أي: مع التشديد، ونصب العذاب) ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ﴾ ﴾. ففيها إذن ثلاث قراءات: ﴿يُضَاعَفْ﴾ و﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ و﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾، فعلى القراءتين الأوليين يكون ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع، ﴿يُضَاعَفْ﴾ أو ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾، ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع نائب فاعل، وعلى القراءة الثالثة ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ يكون ﴿﴿الْعَذَابَ﴾ ﴾ بالنصب على أنه مفعول به. تقول: ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴾ (ضِعْفَيْ عذاب غيرهن، أي: مثليه، ﴿﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴾). ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ النداء من الله عز وجل مُوَجَّهًا إلى زوجات الرسول ﷺ، وذلك لأهمية ما سَيُوَجَّه إليهن، ولتنبيههن على ما سيُلْقَى إليهن. ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿يَأْتِ﴾، و﴿يُضَاعَفْ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ ما المراد بالفاحشة، هل المراد بالفاحشة الزنا؟ أو المراد بالفاحشة الكلام البذيء والمتطاوَل فيه على رسول الله ﷺ، والخارج عن المروءة، أو المراد هذا وهذا؟ قال بعض أهل العلم: إن المراد الأخير، ولا يراد به الزنا، مع أن الفاحشة تأتي في القرآن مرادًا بها الزنا، وتأتي مرادًا بها بذاءة اللسان والتطاول، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء ١٥]، ما المراد بالفاحشة هنا؟ الزنا. وقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق ١]، والمراد بالفاحشة هنا بذاءة اللسان وسلاطته، فإذا كانت بذيئة اللسان سليطته، تأتي بكلمات خارجة عن المروءة، فلزوجها أن يُخْرِجها من البيت أثناء العدة. هذه الآية إن قلنا بأنها تشمل الفاحشة التي هي الزنا، والفاحشة التي هي بذاءة اللسان، فإن ذلك لا يعني أنه يقع منهن؛ لأن الشرط لا يلزم وقوعه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وهل يمكن ذلك؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، هل يمكن ذلك ؟ لا يمكن، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، لا يمكن هذا أيضًا، فالإتيان بالشيء مُعَلَّقًا بالشرط لا يلزم منه جواز وقوع الشرط، وعلى هذا فلتكن الآية: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ فلتكن شاملة للزنا، لكن هذا شيء محال، أما إذا قلنا: إن المراد بالفاحشة هو سلاطة اللسان والخروج بالقول عن المألوف والمروءة، فهذا قد يقع من النساء، حتى من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا عيب عليهن في ذلك؛ لأنه من طبيعة النساء الغَيْرَة وعدم حفظ اللسان، وعدم التأني بالأمور، وأَيًّا كان فإن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وذلك لشرفها وعُلُوّ منزلتها، فكان الذنب منها أعظم من الذنب من غيرها، ولهذا إذا زَنَت الحرة تُجْلَد أو تُرْجَم، وإذا زنت الأمة فليس عليها إلا نصف ما على المحصنات من العذاب؛ لشرف الأولى، وانحطاط مرتبة الثانية، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن من المقام الرفيع، والحصن المنيع ما يقتضي أن يضاعَف العذاب عليهن إذا أَتَيْنَ بفاحشة مُبَيِّنَة، فلهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فإذا كان جزاء السيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئة التي ذكر الله هنا -الفاحشة الْمُبَيِّنة- بالنسبة لزوجات الرسول سيئتان، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أي: يُكَرَّر عليهم مرتين، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب عليهن، ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، فالمشار إليه هو تضعيف العذاب، كان ذلك يسيرًا على الله ليس صعبًا عليه. لماذا قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾؟ لئلَّا يظن ظانٌّ أن هذا أمر صعب على الله؛ لكون الأمر يتعلق بزوجات نبيه محمد ﷺ، فبَيَّنَ الله عز وجل أن هذا أمر يسير عليه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب، أكرم الخلق عنده أتقاهم له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، هذا عكس الأول، لَمَّا قلنا: إذا أَتَيْنَ بفاحشة مبينة ضُوعِفَ العذاب عليهن، جازاهن الله تعالى بالعدل من جهة أخرى، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. (﴿﴿يَقْنُتْ﴾ ﴾: يُطِعْ)، ولكن القنوت لله تعالى غير القنوت للرسول عليه الصلاة والسلام، القنوت لله قنوت عبادة وتَذَلُّل وتعظيم، والقنوت للرسول عليه الصلاة والسلام قنوت طاعة الزوج، وليس هو كقنوتهن لله عز وجل. ﴿مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾ بالطاعة والعبادة، ولرسول الله ﷺ بأداء حقوقه التي تجب للزوج على زوجته. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما كان خالصًا صوابًا، والخالص الصواب يعني أنه جمع بين الشرطين الأساسيين في كل عبادة، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، كل عبادة لا بد فيها من هذين الشرطين، فمن اتبع للرسول ولم يُخْلِص لله فصلاته باطلة؛ لأنها رياء، ومَن أخلص لله ولم يتبع الرسول ﷺ فصلاته باطلة أيضًا، فعبادته باطلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. إذن ما هما الشرطان الأساسيان في صحة العبادة؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، فالمتابعة مع الإخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، فإذا وُجِدَ متابعة بدون إخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا يقبل العمل، إخلاص بلا متابعة لا يُقْبَل، لا بد من الأمرين، وهكذا كلما ذكر الله عز وجل عملًا صالحًا فالمراد بالصالح ما تضمن هذين الشرطين الأساسيين. قال الله عز وجل: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، ﴿نُؤْتِهَا﴾ لم يقل: نُؤْتِيهَا، بالياء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿مَنْ يَقْنُتْ﴾، وجواب الشرط يكون مجزومًا، والفعل هنا مجزوم بحذف حرف العلة، وأصله: نُؤْتِيهَا، فلما جُزِمَ حُذِفَ حرف العلة ﴿نُؤْتِهَا﴾، فمعنى ﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نُعْطِهَا، ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول (ها)، والثاني ﴿أَجْرَهَا﴾. (﴿﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ﴾ أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في ﴿﴿تَعْمَلْ﴾ ﴾). * طالب: (...). * الشيخ: تحتانية في ﴿تَعْمَلْ﴾: ﴿﴿وَيَعْمَلْ﴾ ﴾، وفي ﴿نُؤْتِهَا﴾ يعني: و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾، والقراءة هذه سبعية حسب اصطلاح المؤلف، و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾ أي: الله، و﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نحن، فالضمير يعود على مَن؟ على الله، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، كما أنها إذا أتت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، فإذا قنتت لله ورسوله وعملت صالحًا آتاها الله تعالى أجرها مرتين، وإيتاء الأجر مرتين ليس بغريب، فقد أثبت الله تعالى الأجر مرتين في عدة مسائل، مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل من أهل الكتاب إذا آمَن بكتابه، ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يُؤْتِيه أجره مرتين. وقال كثير من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]: إن هذا هو أجر هذه الأمة يضاعَف على غيرها مرتين، والمهم أن فضل الله تعالى واسع، قد يُثِيبُ العامل أجره مرتين لسبب من الأسباب. * طالب: (...). * الشيخ: هذا في الحديث. * الطالب: (...). * الشيخ: هي التي قرأناها: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص٥٤ ٥٥] . يقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنَا لها، ﴿رِزْقًا﴾: عطاءً، ﴿كَرِيمًا﴾: حسنًا وكثيرًا؛ لأن الكرم في كل موضع بحسبه، فالكريمة من الشاة معناها الحسنة الجميلة الكثيرة اللبن، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/٢٩)، من جديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وهنا المراد بالرزق الكريم العطاءُ الكثير الحسَن الجميل، وهذا إنما يكون كما يقول المؤلف: (في الجنة زيادةً). ثم قال الله تعالى (...). * يستفاد منها: وجوب تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائدها: حماية الله سبحانه وتعالى لرسوله ودفاعه عنه، حيث أمره أن يُخَيِّر أزواجه هذا التخيير لَمَّا ضَيَّقْنَ عليه وطَلَبْنَ منه النفقة. * ومن فوائدها: بيان فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأنهن اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار الآخرة. * ومن فوائدها: كمال خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله أن يقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فإنما كان مقتضى الحال أن يُوَبَّخْنَ على ذلك، وأن يُؤَنَّبْن عليه، لكنه قيل: ﴿تَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾. * ومن فوائدها: حِلّ زوجات النبي ﷺ لغيره لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها؛ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها -﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ -: أن إرادة الله ورسوله والدار الآخرة من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النية لها أثر عظيم في زيادة الثواب؛ لأنه رَتَّبَ هذا الثواب على هذه الإرادة والنية الطيبة. ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذنب من المقرَّبِين أشد من الذنب من غير المقرَّبِين، من أين يؤخذ؟ من كون الله يقول: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * ومن فوائدها: حماية فِرَاش النبي ﷺ التامّة؛ لكون المرأة إذا أتت بفاحشة مُبَيِّنة من زوجاته فإن الله يضاعف لها العذاب، كل ذلك من أجل حماية فِرَاش النبي ﷺ، وسواء قلنا: إن المراد بالفاحشة الزنا، أو المراد بها بذاءة اللسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له أن يفعل ما يشاء في مضاعفة الثواب والعقاب، وأن هذا الأمر عليه هَيِّن؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مزيةٌ عظيمة لزوجات النبي ﷺ، حيث كانت المرأة إذا عملت عملًا صالحًا وأطاعت لله ورسوله آتاها الله أجرها مرتين. * ويستفاد منها: عدل الله سبحانه وتعالى، كمال عَدله، لما ضُوعِف لها العذاب ضُوعِف لها الثواب والأجر، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾، وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أعدّ لهؤلاء المؤمنات من أزواج النبي ﷺ أعدّ لهنّ أجرًا كريمًا، أي: كثيرًا جميلًا حسنًا، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. أما المناقشة في الآيات الكريمة فنبدأ بها أيضًا نتابع معكم هذه الدروس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾، أين مقول القول في قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾؟ (...)

الأحزاب 33:31

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب ٢٨]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ لم يخاطب الله نبيه محمدًا ﷺ إلا بوصف النبوة والرسالة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة ٤١]، بينما كان يخاطب غيره من الأنبياء كثيرًا بأسمائهم، ﴿يَا مُوسَى﴾ [الأعراف ١٤٤]، ﴿يَا نُوحُ﴾ [هود ٤٦] ، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [هود ٧٦]، وما أشبه ذلك، وأما النبي عليه الصلاة والسلام في القرآن فلم يخاطبه الله تعالى باسمه، يعني: لم يقل: يا محمد، وإن كان جاء ذلك في الأحاديث لكن في القرآن لا. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، و(النبي) مُسَهَّل من النَّبِيء –بالهمز- وقيل: إنه غير مُسَهَّل، وأصل هذا الخلاف هل النبي من النبأ، أو من النَّبْوَة؟ إذا قلنا: من النَّبْوَة لم يكن فيه تسهيل؛ لأن الياء أصلية، وإذا قلنا: من النبأ، ففيه تسهيل، وأصله النَّبِيء، فسُهِّلَت الهمزة إلى ياء. والصحيح أن مشتق من المعنيين جميعًا، فإن النبيء مُشْتَقّ من النبأ؛ لأنه مُنْبَأ مُنْبِئ، ومشتق أيضًا من النَّبْوَة؛ لعُلُوّ مرتبة النبيين. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ الأزواج جمع زوج، وهي الأنثى ولَّا الذَّكَر؟ زوج في اللغة العربية يطلَق على الأنثى والذَّكَر، وفيه لغة لكنها رديئة قليلة، تقول للمرأة: زوجة، ولكن هذه اللغة الرديئة القليلة هي التي استعملها الفَرَضِيُّون، فيقولون: زوج، للذَّكَر، وزوجة، للأنثى، من أجل البيان والإيضاح، وهذا أمر لا بد منه في باب الفرائض. ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾، وهن تسع؛ خمس منهن قُرَشِيَّات، وأربع غير قرشيات، وطَلَبْنَ منه من زينة الدنيا ما ليس عنده، طَلَبْنَ منه نفقة وكسوة، وغير ذلك مما تريده النساء من الرجال من الأموال، والنبي عليه الصلاة والسلام كما نعلم جميعًا كان قليل ذات اليد؛ لأنه كان ينفق ما عنده، ولا يُبْقِي لنفسه شيئًا، فطَلَبْنَ منه النفقة وضَيَّقْنَ عليه، وآلَى منهن شهرًا كاملًا، اعتزلهن، ثم نزل في آخر الشهر، فأنزل الله عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخره. ﴿إِنْ﴾ شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتُنَّ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾، ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾، ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني: مُتَعَهَا، ﴿وَزِينَتَهَا﴾ ما فيها من الأموال والقصور والمراكب، وما أشبه ذلك، ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ فعل أمر، ولَّا اسم فعل أمر؟ فعل أمر؛ لأنه تلحقه العلامات، فإذا كانت تلحقه العلامات فهو فعل أمر، ولهذا يقال: تَعَالَيْن، ويقال: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران ٦٤]، بخلاف (هلم) فإنها لا تلحقها العلامات فهي اسم فعل. ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ يعني: أَقْبِلْن إِلَيَّ، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ هذه جواب الأمر، جواب الطلب في قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾، يعني: أعطيكنّ متاعًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أُطْلِقْكُنَّ؛ لأن التسريح ضد التقييد، وهذا من الآداب العالية التي أمر الله بها نبيه محمدًا ﷺ، وإلا كان مقتضى الحال أن يقول: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أُطَلِّقُكُنّ، ولا خير فيمن لا تريد إلا الدنيا. ولكن من كمال الرعاية ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أعطيكن مالًا تتمتعن به، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾: أُطَلِّقْكُنَّ ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ يعني: ليس فيه عداوة، وليس فيه بغضاء، وليس فيه حَجْر لكنَّ بعد ذلك، ولهذا لو أن هذا وقع لكان يَحِلّ لهن أن يتزوَّجْن بغيره؛ لأن هذا من السراح الجميل؛ إذ لا فائدة من كونها تتسرح من الرسول ﷺ ثم تبقى محجورة، ولكن الأمر لم يقع. ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ كل النساء؟ .. يقول: (﴿﴿وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ ﴾ أي: الجنة، ﴿﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ﴾ بإرادة الآخرة، ﴿﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴾ أي: الجنة). وإنما بدأ بالدنيا ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ لأنهن كُنَّ يطالبن بالنفقة، وهي مما يتعلق بالدنيا. ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾، وهذا هو الحال الثانية لهن، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ﴾ ولم يقل: لكن، بل قال: ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ فأَظْهَرَ في موضع الإضمار؛ ليتبين أن هذه الإرادة إحسان، وأنهن إذا أَرَدْنَ الله ورسوله والدار الآخرة فإن ذلك من الإحسان، وأن الله أَعَدَّ للمحسنات منهن أجرًا عظيمًا، و(مِنْ) هنا ليست للتبعيض ولكنها للبيان، فتشمل ما لو أَرَدْنَ كلهن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله يُعِدّ لهن جميعًا أجرًا عظيمًا. فبدأ أول ما بدأ بأَحَبِّ نسائه إليه، وهي عائشة رضي الله عنها، وقال لها: «لَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَعْجِلِي فَتَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف أنها شابة صغيرة أنها تتعجل وتقول: أريد الدنيا، فطلب منها ألَّا تتعجل حتى تستأمر أَبَوَيْهَا، يعني تستأذنهما. ومعلوم أن أبويها لا يريدان لها أن تختار الدنيا وزينتها على الله ورسوله والدار الآخرة، ولكنها رضي الله عنها كان لها على صِغَرِ سِنِّها نظرة بعيدة، فقالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أستأمر أبوي؟ يعني: هذا أشاور فيه أَبَوَيّ؟ لا، إنما أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولكن لا تُخْبِر نساءك بما قلتُ. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا بُعِثْتُ مُيَسِّرًا لَا مُتَعَنِّتًا وَلَا مُعَنِّتًا، وَأَيُّ امْرَأَةٍ تَسْأَلُنِي فَسَأُخْبِرُهَا»[[أخرج مسلم (١٤٧٨ / ٢٩) بسنده عن جابر بن عبد الله، قال: دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ، فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل، ثم أقبل عمر، فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالسًا حوله نساؤه، واجمًا ساكتًا، قال: فقال: لأقولن شيئًا أضحك النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة، فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول الله ﷺ، وقال: «هن حولي كما ترى، يسألنني النفقة»، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرًا - أو تسعًا وعشرين - ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، حتى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩]، قال: فبدأ بعائشة، فقال: «يا عائشة، إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك»، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألَّا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلتُ، قال: «لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا».]]، لكن كل نسائه ما سَأَلْنَه، كل امرأة تقول: إنها تريد الله ورسوله والدار الآخرة، فصِرْنَ على الحال الكاملة رضي الله عنهن على ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من شَظَف العيش وقلة ذات اليد، ومع هذا وَفَّقَهُنّ الله ومَنَّ عليهن، وهذا بلا شك من عناية الله برسوله أن اختار له مثل هؤلاء النساء، فكان جزاؤهن أن الله قال له: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب ٥٢]، فهؤلاء النسوة اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خُيِّرْنَ مع ما في ثواب الآخرة هذا الجزاء الدنيوي أن الرسول مُنِعَ من أن يتزوج بعد ذلك بأحد من النساء، أو يبدل واحدة بامرأة جديدة، ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢] والله أعلم. (﴿﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ بفتح الياء وكسرها، ﴿﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ﴾ ﴿﴿مُبَيَّنَةٍ﴾ ﴾، أي: بُيِّنَت، أو هي بينة، ﴿﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴾، وفي قراءة ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ بالتشديد، وفي أخرى ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ بالنون معه –أي: مع التشديد، ونصب العذاب) ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ﴾ ﴾. ففيها إذن ثلاث قراءات: ﴿يُضَاعَفْ﴾ و﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾ و﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾، فعلى القراءتين الأوليين يكون ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع، ﴿يُضَاعَفْ﴾ أو ﴿﴿يُضَعَّفْ﴾ ﴾، ﴿الْعَذَابُ﴾ بالرفع نائب فاعل، وعلى القراءة الثالثة ﴿﴿نُضَعِّفْ﴾ ﴾ يكون ﴿﴿الْعَذَابَ﴾ ﴾ بالنصب على أنه مفعول به. تقول: ﴿﴿نُضَعِّفْ لَهَا الْعَذَابَ ضِعْفَيْنِ﴾ ﴾ (ضِعْفَيْ عذاب غيرهن، أي: مثليه، ﴿﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴾). ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ النداء من الله عز وجل مُوَجَّهًا إلى زوجات الرسول ﷺ، وذلك لأهمية ما سَيُوَجَّه إليهن، ولتنبيههن على ما سيُلْقَى إليهن. ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾، ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿يَأْتِ﴾، و﴿يُضَاعَفْ﴾ جواب الشرط. وقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ ما المراد بالفاحشة، هل المراد بالفاحشة الزنا؟ أو المراد بالفاحشة الكلام البذيء والمتطاوَل فيه على رسول الله ﷺ، والخارج عن المروءة، أو المراد هذا وهذا؟ قال بعض أهل العلم: إن المراد الأخير، ولا يراد به الزنا، مع أن الفاحشة تأتي في القرآن مرادًا بها الزنا، وتأتي مرادًا بها بذاءة اللسان والتطاول، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء ١٥]، ما المراد بالفاحشة هنا؟ الزنا. وقال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق ١]، والمراد بالفاحشة هنا بذاءة اللسان وسلاطته، فإذا كانت بذيئة اللسان سليطته، تأتي بكلمات خارجة عن المروءة، فلزوجها أن يُخْرِجها من البيت أثناء العدة. هذه الآية إن قلنا بأنها تشمل الفاحشة التي هي الزنا، والفاحشة التي هي بذاءة اللسان، فإن ذلك لا يعني أنه يقع منهن؛ لأن الشرط لا يلزم وقوعه، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وهل يمكن ذلك؟ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، هل يمكن ذلك ؟ لا يمكن، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥]، لا يمكن هذا أيضًا، فالإتيان بالشيء مُعَلَّقًا بالشرط لا يلزم منه جواز وقوع الشرط، وعلى هذا فلتكن الآية: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ﴾ فلتكن شاملة للزنا، لكن هذا شيء محال، أما إذا قلنا: إن المراد بالفاحشة هو سلاطة اللسان والخروج بالقول عن المألوف والمروءة، فهذا قد يقع من النساء، حتى من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ولا عيب عليهن في ذلك؛ لأنه من طبيعة النساء الغَيْرَة وعدم حفظ اللسان، وعدم التأني بالأمور، وأَيًّا كان فإن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وذلك لشرفها وعُلُوّ منزلتها، فكان الذنب منها أعظم من الذنب من غيرها، ولهذا إذا زَنَت الحرة تُجْلَد أو تُرْجَم، وإذا زنت الأمة فليس عليها إلا نصف ما على المحصنات من العذاب؛ لشرف الأولى، وانحطاط مرتبة الثانية، فزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لهن من المقام الرفيع، والحصن المنيع ما يقتضي أن يضاعَف العذاب عليهن إذا أَتَيْنَ بفاحشة مُبَيِّنَة، فلهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. فإذا كان جزاء السيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئة التي ذكر الله هنا -الفاحشة الْمُبَيِّنة- بالنسبة لزوجات الرسول سيئتان، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، أي: يُكَرَّر عليهم مرتين، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: تضعيف العذاب عليهن، ﴿كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾، فالمشار إليه هو تضعيف العذاب، كان ذلك يسيرًا على الله ليس صعبًا عليه. لماذا قال: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا﴾؟ لئلَّا يظن ظانٌّ أن هذا أمر صعب على الله؛ لكون الأمر يتعلق بزوجات نبيه محمد ﷺ، فبَيَّنَ الله عز وجل أن هذا أمر يسير عليه؛ لأنه سبحانه وتعالى ليس بينه وبين خلقه نسب، أكرم الخلق عنده أتقاهم له، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣]. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، هذا عكس الأول، لَمَّا قلنا: إذا أَتَيْنَ بفاحشة مبينة ضُوعِفَ العذاب عليهن، جازاهن الله تعالى بالعدل من جهة أخرى، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. (﴿﴿يَقْنُتْ﴾ ﴾: يُطِعْ)، ولكن القنوت لله تعالى غير القنوت للرسول عليه الصلاة والسلام، القنوت لله قنوت عبادة وتَذَلُّل وتعظيم، والقنوت للرسول عليه الصلاة والسلام قنوت طاعة الزوج، وليس هو كقنوتهن لله عز وجل. ﴿مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ﴿لِلَّهِ﴾ بالطاعة والعبادة، ولرسول الله ﷺ بأداء حقوقه التي تجب للزوج على زوجته. ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾: تعمل عملًا صالحًا، والعمل الصالح ما كان خالصًا صوابًا، والخالص الصواب يعني أنه جمع بين الشرطين الأساسيين في كل عبادة، وهما الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، كل عبادة لا بد فيها من هذين الشرطين، فمن اتبع للرسول ولم يُخْلِص لله فصلاته باطلة؛ لأنها رياء، ومَن أخلص لله ولم يتبع الرسول ﷺ فصلاته باطلة أيضًا، فعبادته باطلة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. إذن ما هما الشرطان الأساسيان في صحة العبادة؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، فالمتابعة مع الإخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، فإذا وُجِدَ متابعة بدون إخلاص؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا يقبل العمل، إخلاص بلا متابعة لا يُقْبَل، لا بد من الأمرين، وهكذا كلما ذكر الله عز وجل عملًا صالحًا فالمراد بالصالح ما تضمن هذين الشرطين الأساسيين. قال الله عز وجل: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، ﴿نُؤْتِهَا﴾ لم يقل: نُؤْتِيهَا، بالياء، لماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: جواب الشرط، وهو قوله: ﴿مَنْ يَقْنُتْ﴾، وجواب الشرط يكون مجزومًا، والفعل هنا مجزوم بحذف حرف العلة، وأصله: نُؤْتِيهَا، فلما جُزِمَ حُذِفَ حرف العلة ﴿نُؤْتِهَا﴾، فمعنى ﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نُعْطِهَا، ولهذا نصبت مفعولين؛ المفعول الأول (ها)، والثاني ﴿أَجْرَهَا﴾. (﴿﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ﴾ أي: مِثْلَيْ ثواب غيرهن من النساء، وفي قراءة بالتحتانية في ﴿﴿تَعْمَلْ﴾ ﴾). * طالب: (...). * الشيخ: تحتانية في ﴿تَعْمَلْ﴾: ﴿﴿وَيَعْمَلْ﴾ ﴾، وفي ﴿نُؤْتِهَا﴾ يعني: و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾، والقراءة هذه سبعية حسب اصطلاح المؤلف، و﴿﴿يُؤْتِهَا﴾ ﴾ أي: الله، و﴿نُؤْتِهَا﴾ أي: نحن، فالضمير يعود على مَن؟ على الله، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، كما أنها إذا أتت بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، فإذا قنتت لله ورسوله وعملت صالحًا آتاها الله تعالى أجرها مرتين، وإيتاء الأجر مرتين ليس بغريب، فقد أثبت الله تعالى الأجر مرتين في عدة مسائل، مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص ٥٤]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الرجل من أهل الكتاب إذا آمَن بكتابه، ثم آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يُؤْتِيه أجره مرتين. وقال كثير من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد ٢٨]: إن هذا هو أجر هذه الأمة يضاعَف على غيرها مرتين، والمهم أن فضل الله تعالى واسع، قد يُثِيبُ العامل أجره مرتين لسبب من الأسباب. * طالب: (...). * الشيخ: هذا في الحديث. * الطالب: (...). * الشيخ: هي التي قرأناها: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص٥٤ ٥٥] . يقول: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أي: هَيَّأْنَا لها، ﴿رِزْقًا﴾: عطاءً، ﴿كَرِيمًا﴾: حسنًا وكثيرًا؛ لأن الكرم في كل موضع بحسبه، فالكريمة من الشاة معناها الحسنة الجميلة الكثيرة اللبن، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩/٢٩)، من جديث ابن عباس رضي الله عنه.]]، وهنا المراد بالرزق الكريم العطاءُ الكثير الحسَن الجميل، وهذا إنما يكون كما يقول المؤلف: (في الجنة زيادةً). ثم قال الله تعالى (...). * يستفاد منها: وجوب تخيير النبي ﷺ زوجاته؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾. * ومن فوائدها: حماية الله سبحانه وتعالى لرسوله ودفاعه عنه، حيث أمره أن يُخَيِّر أزواجه هذا التخيير لَمَّا ضَيَّقْنَ عليه وطَلَبْنَ منه النفقة. * ومن فوائدها: بيان فضائل أمهات المؤمنين رضي الله عنهن؛ لأنهن اخْتَرْنَ الله ورسوله والدار الآخرة. * ومن فوائدها: كمال خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله أن يقول: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾، فإنما كان مقتضى الحال أن يُوَبَّخْنَ على ذلك، وأن يُؤَنَّبْن عليه، لكنه قيل: ﴿تَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾. * ومن فوائدها: حِلّ زوجات النبي ﷺ لغيره لو اخترن الحياة الدنيا وزينتها؛ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها -﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ -: أن إرادة الله ورسوله والدار الآخرة من الإحسان؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النية لها أثر عظيم في زيادة الثواب؛ لأنه رَتَّبَ هذا الثواب على هذه الإرادة والنية الطيبة. ثم قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الذنب من المقرَّبِين أشد من الذنب من غير المقرَّبِين، من أين يؤخذ؟ من كون الله يقول: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. * ومن فوائدها: حماية فِرَاش النبي ﷺ التامّة؛ لكون المرأة إذا أتت بفاحشة مُبَيِّنة من زوجاته فإن الله يضاعف لها العذاب، كل ذلك من أجل حماية فِرَاش النبي ﷺ، وسواء قلنا: إن المراد بالفاحشة الزنا، أو المراد بها بذاءة اللسان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل له أن يفعل ما يشاء في مضاعفة الثواب والعقاب، وأن هذا الأمر عليه هَيِّن؛ لقوله: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: مزيةٌ عظيمة لزوجات النبي ﷺ، حيث كانت المرأة إذا عملت عملًا صالحًا وأطاعت لله ورسوله آتاها الله أجرها مرتين. * ويستفاد منها: عدل الله سبحانه وتعالى، كمال عَدله، لما ضُوعِف لها العذاب ضُوعِف لها الثواب والأجر، ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾، وقوله: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله أعدّ لهؤلاء المؤمنات من أزواج النبي ﷺ أعدّ لهنّ أجرًا كريمًا، أي: كثيرًا جميلًا حسنًا، ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾. أما المناقشة في الآيات الكريمة فنبدأ بها أيضًا نتابع معكم هذه الدروس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ﴾، أين مقول القول في قوله: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾؟ (...)

الأحزاب 33:32

قال الله عز وجل: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ الخطاب هنا وَجَّهَهُ الله عز وجل بعد أن وَجَّهَه لرسوله وَجَّهَه إلى نسائه، قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾، وهذا بعد التخيير يدل على أن الزوجية استقرت لزوجات النبي ﷺ، ولهذا خاطبهن بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، هذه ﴿لَسْتُنَّ﴾ أصلها: ليس، لكنه لما سُكِّنَت السين حُذِفَت الياء؛ لأنها حرف لين، حرف اللين عند التقاء الساكنين يُحْذَف، كما قال ابن مالك رحمه الله في الكافية: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَــحَــذْفَهُاسْتَحَـــــقْ ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ﴾ يعني أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لَسْنَ كأحد يقول المؤلف: (كجماعة من النساء). وقوله: (كجماعة من النساء) فيه نظر؛ لأن (أحد) تُطْلَق على الفرد، يعني: ليس هناك أحد من النساء مثلكن. ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: لا تُشْبِهْنَ أحدًا واحدةً فأكثر من النساء، وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: سواكن. (﴿﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ﴾ الله فإنكن أعظم)، يعني: لستن كأحد من النساء إن اتقيتن، هذا المراد بالشرط؛ الحث والإغراء على التقوى، يعني: إن كنتن مُتَّقِيَات لله حقيقةً فلا تَقِسْنَ أنفسكن بغيركن، فلستن كأحد من النساء، لماذا؟ لما لَهُنَّ من المزية في الاتصال برسول الله ﷺ، فكان عليهن من حماية فِرَاشه أعظم مما على غيرهن من حماية فُرُش أزواجهن، لماذا؟ لعِظَم حق النبي ﷺ وعُلُوّ مرتبته. فقوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ المراد بالشرط هنا الحث والإغراء على تقوى الله عز وجل حتى لا يَقِسْن أنفسهن بغيرهن، فالفرق عظيم بين فراش النبي ﷺ وفراش غيره، ولهذا مَن قذف زوجة من زوجات الرسول ﷺ بالزنا كان كافرًا، ومَن قذف زوجة غيره لم يكن كافرًا؛ لأن قذف زوجة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام معناه الطعن في رسول الله ﷺ، وأنه -والعياذ بالله- خبيث، فإن الله يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور ٢٦]. فعلى هذا تكون حماية فراش النبي ﷺ أعظم وجوبًا من حماية فراش غيره، ولهذا قال: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾. (﴿﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ﴾ للرجال)، ﴿لَا تَخْضَعْنَ﴾ الخضوع بمعنى التطامن والذل والخنوع، فالمعنى: لا تَتَطَامَنَّ ولا تذللن ولا تخنعن لأحد من الرجال بالقول، يعني: لا يَكُن قولكن في مخاطبة الرجال رقيقًا وضيعًا هَيِّنًا، لماذا؟ لأن المرأة فتنة، فإذا خضعت بالقول دَبَّ الشيطان بينها وبين الرجل الذي تخاطبه. مهما كان الإنسان من شرف ومن نزاهة فإن المرأة إذا خاطبته بصوت خاضع فإنها قد تَغُرُّه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن».]]، الرجل الحازم الفَطِن الكَيِّس لا أحد يُذْهِبُ لُبَّهُ، أي: عقله مثلما تُذْهِبُه المرأة، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾، بل يجب على المرأة أن تكون عند مخاطبة الرجال من أبعد ما يكون عن الخضوع بالقول ولِين القول وظرافته، بحيث تؤدي إلى هذا الأمر العظيم وهو قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، ﴿يَطْمَعَ﴾ في ماذا؟ يطمع فيكُنّ؛ إما بفعل فاحشة، أو بالتمتع والتلذذ بخطابهن، فإن الإنسان الذي في قلبه مرض إذا خضعت له المرأة بالقول فإنه يستمر معها في مخاطبتها حتى يغريه الشيطان، وربما يحصل بعد ذلك موعد ولقاء وفاحشة، كما يوجد كثيرًا من السفهاء الآن، تجده -والعياذ بالله- ولا سيما بعد وجود هذه الهواتف تجده يفتح –مثلًا- أي نمرة تكون، فإذا خاطبته امرأة بدأ معها بالكلام اللين الخاضع حتى يغريه الشيطان، يغريه بها ويغريها به، ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، قال المؤلف: (نفاق). والصواب أن المراد بالمرض هنا مرض الشهوة والتمتع لا مرض النفاق؛ لأن بعض المنافقين قد لا يكون في نفوسهم هذا الشيء، كما أن بعض المؤمنين قد يكون في قلوبهم هذا الشيء، فالمراد بالمرض هنا مرض التمتع والتلذذ بصوت المرأة، ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، ﴿قُلْنَ﴾ فعلٌ ماضٍ مبني على السكون؛ لاتصاله بضمير الرفع المتحرك، كذا؟ لاتصاله بنون النسوة ما يخالف، نون النسوة ضمير رفع متحرك، أيش تقول؟ * طالب: (...). * الشيخ: فعل أمر؟ إي، فعل أمر ما هي فعل ماض، مع إنك لو قلت: النساء قُلْنَ كذا وكذا، صار فعلًا ماضيًا، لكن إذا وَجَّهْت الأمر إليهن فقلت: قُلْنَ قولًا معروفًا، لَمَّا نهاهن سبحانه وتعالى عن الخضوع بالقول أَمَرَهُنَّ بأن يَقُلْن قولًا معروفًا؛ لئلا يظن ظانٌّ أن المرأة لا تخاطب الرجل مطلقًا، وليس كذلك، بل المرأة مخاطبتها للرجال جائزة، لكن بالقول المعروف. (﴿﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ ﴾ من غير خضوع). وما المراد بالمعروف؟ هل المراد بالمعروف المتعارف عليه بين الناس من مخاطبة الرجال والنساء، أو المراد بالمعروف ما ليس بمنكر؟ المراد الأخير؛ لأن الأول لو قلنا: إنه ما يتعارف الناس عليه من الخطاب بين الرجل والمرأة، لكان هذا خاضعًا لاختلاف الأعراف، فيوجد -مثلًا- مِن الناس مَن عُرْفُهم أن المرأة تخاطب الرجل وتضحك إليه وتمازحه، كما يوجد الآن في كثير -مع الأسف- من بلاد المسلمين، المرأة مع الرجل الأجنبي الذي لا تعرفه تجدها تقف معه وتمازحه وتضحك كأنما تخاطب زوجها -والعياذ بالله- وهذا لا شك أنه حرام، وأنه دعوة إلى الفجور. إذن المراد بالمعروف ما ليس بمنكر، يعني ما عرفه الشرع وأقره من الكلام الذي يكون بعيدًا عن الخضوع في القول، وعن التمتع والتلذُّذ به. وقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾، ﴿قَوْلًا﴾ هذه مصدر، و﴿مَعْرُوفًا﴾ صفته، فهي مبيِّنَة لنوع هذا القول، وهو أنه القول المعروف لا القول المنكر. * طالب: (...). * الشيخ: لا، إذا قلنا: ما أقرَّه الشرع، يكفي؛ لأن الشرع يُقِرّ كل ما يتعارف الناس مما لا يخالفه، فالمعروف مثل قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران ١١٠] . * طالب: (...). * الشيخ: إذا قلنا: القول المعروف ما أَقَرَّه الشرع وعرفه، يكفي، هذا أَبْيَن. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، إذا اتصل بها فليقل: السلام عليكم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لا، هذه ما هي طيبة. * الطالب: (...). * الشيخ: ولا ما يقول: السلام على مَن اتبع الهدى. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، يقول: السلام عليكم، ولا فيها شيء، لكن لا يقول: ألو؛ لأن (ألو) هذه تحية النصارى، مع أنها الآن مع الأسف شائعة، حتى يكلمك ناس من أهل العلم وأهل المعرفة يقول لك: ألو. * طالب: (...). * الشيخ: لا، هو الذي يتكلم. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو لازم، إلا إذا كان (...). ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ما فائدة الشرط هنا؟ (...) .. تبارك وتعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: الميزة والخصيصة لنساء النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فإن قلت: ما الحكمة في أنهن لَسْنَ كأحد من النساء؟ فالجواب: لأنهن تحت رسول الله ﷺ الذي هو أطيب الطيبين من الخلق، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [النور ٢٦] . * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يَشْرُف بشرف مَن اتصل به، من أين تؤخذ؟ مِن شَرَف أمَّهات المؤمنين باتصالِهِنّ بالرسول ﷺ، ولهذا حَثَّ النبي ﷺ على الجليس الصالح وقال: «إِنَّ مَثَلَ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ يَبِيعَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٣٤)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى رضي الله عنه، ولفظه: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».]]، وحَذَّرَ من جليس السوء؛ لأن الإنسان بلا شك يشرُف بشرف مَن يتصل به، وينزل بنزول مَن يتصل به. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب التقوى حتى على زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾. * ومن فوائدها: تحريم خضوع المرأة في مخاطبة الرجال؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾، فإن قلت: أفلا يكون هذا خاصًّا بزوجات الرسول ﷺ لِمَا لهن من المكانة والشرف حتى يبعدن عن مواضع الفتن، إن قلت هذا فما الجواب؟ الجواب أنه إذا كان نساء الرسول عليه الصلاة والسلام وهن أطهر النساء وأبعدهن عن الفتنة مَنْهِيَّات عن الخضوع بالقول مُعَلَّلًا ذلك النهي بخوف طمع مَن في قلبه مرض، فإن الحكم يدور مع عِلَّتِه وجودًا وعدمًا، فإذا كان هذا في النساء الطاهرات الْمُبَرَّآت فغيرهن من باب أولى، وإذا كانت العلة خوف طمع مَن في قلبه مرض فهذه العلة لا تختص بزوجات الرسول ﷺ، وعلى هذا فيَحْرُم خضوع المرأة بالقول لأي أحد من الناس، اللهم إلا لمحارمها مع أَمْن الفتنة أيضًا، يعني حتى المحارم، «الشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]]. ربما مع خضوعها بالقول ربما تحصل الفتنة، ولا سيما المحارم بالرضاع والمصاهرة؛ لأن نفور الطبيعة عن المحارم بالرضاع والمصاهرة أقلّ من نفورها عن المحارم بالنسب والقرابة، وهذا أمر مشاهَد، ولهذا يجب التحرز في المحارم بالرضاع والمصاهرة أكثر من التحرز عن المحارم بالنسب. * طالب: (...). * الشيخ: إي نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: على كل حال كلما كان هناك قرابة صار الإنسان ينفر من التعلق بها تعلقًا شهوانيًّا، ينفر أكثر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بأس بمخاطبة المرأة الرجال لكن بالمعروف، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائدها: أن صوت المرأة ليس بعورة، خلافًا لمن قال: إنه عورة، من أهل العلم، والصواب أن صوت المرأة ليس بعورة، ولهذا كان النساء يأتين إلى رسول الله ﷺ يسألنه وحوله أصحابه ولا ينهاهن عن ذلك، ولو كان صوت المرأة عورة لنهاهن النبي ﷺ عن الكلام مع حضور الرجال. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يكون مُتَّبِعًا لما جاء به الشرع في أقواله وأفعاله؛ لقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن فتنة النساء مَرَض في القلب يحتاج الإنسان فيه إلى معالجة وإلى مداواة؛ لقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، وهذا المرض مرض فتَّاك، نسأل الله السلامة منه، مرض في القلب كمرض السرطان في البدن، إذا لم يتدارك الله العبد بعفوه وتوفيقه وتسديده فإنه يهلك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤١ / ٩٨) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما.]]، فالواجب الحذر من هذا الأمر، وألَّا يملي الإنسان لنفسه ويمهلها في هذا الباب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن كان صحيح القلب فإنه أبعد الناس عن مواضع الفتن؛ لقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَن جعل الله قلبه صحيحًا فإن المرأة لا تغريه بما تفعله من أسباب الفتنة؛ لأنه قال: ﴿لَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، ولم يقل: لا تخضعن بالقول فيطمع الناس فيكن، بل قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، لكن مع ذلك لو كان الإنسان صحيح القلب سليمًا، ثم أحس في نفسه شيئًا من الفتنة، فالواجب عليه البعد عن ذلك، لا يقل: إني سليم، إني والحمد لله لا يهمني هذا الأمر، لا، لا يقول هكذا، فإن الإنسان قد يرى نفسه متحصنًا بحصن التقوى، ولكن الشيطان يخدعه عند مواضع الفتن. ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَن سمع بالدجال أن ينأى عنه، يعني يبعد، فإن الإنسان يأتيه وهو يرى أنه مؤمن فلا يزال يقذف له بالشبهات حتى يتبعه[[أخرج أبو داود (٤٣١٩) بسنده عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمع بالدجال فليَنْأَ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات»، أو «لما يبعث به من الشبهات».]].

الأحزاب 33:33

ثم قال الله عز وجل: ﴿﴿وَقِرْنَ﴾ ﴾ بالكسر، ولهذا قال: (بكسر القاف وفتحها)، وهو من القرار؛ وهو البقاء مع السكون والاستقرار، وهو أبلغ من قوله: وابقين في بيوتكن؛ لأن القرار بقاء وزيادة مع سكون، ولهذا قال: (﴿﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ﴾ من القرار، وأصله: اقرِرْن، بكسر الراء وفتحها -اقرِرن واقرَرْن- من قَرَرْت، بفتح الراء وكسرها -قرَرت وقرِرت- نُقِلَت حركة الراء إلى القاف، وحُذِفَت مع همزة الوصل). أصل ﴿قَرْنَ﴾ اقرَرن أو اقرِرن، فما الذي حدث؟ نُقِلَت فتحة الراء إلى القاف الساكنة، فماذا؟ لَمَّا نُقِلَت حركتها إلى القاف الساكنة صارت هي ساكنة، وصارت القاف مفتوحة أو مكسورة، ثم حُذِفَت همزة الوصل، فصارت ﴿وَقَرْنَ﴾. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ﴿بُيُوتِكُنَّ﴾ هنا الإضافة يحتمل أنها للتمليك، وأن بيوت زوجات رسول الله ﷺ ملك لهن. ويحتمل أنها للاختصاص، وأن البيوت ملك لرسول الله ﷺ، وأيهما أقرب؟ الأقرب أنه للتمليك، بدليل أن النبي ﷺ لما تُوُفِّيَ بقيت هذه البيوت لِمَن؟ لزوجاته، ولو كانت البيوت لرسول الله ﷺ لم تُورَث من بعده؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً، عَلِّمُوني إذا أخطأت في اللفظ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٢٧)، ومسلم (١٧٥٨ / ١٥) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، «صَدَقَةٌ»، نعم؛ لأنه يفسد المعنى، الرافضة يقولون: إن لفظ الحديث: (إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً)، ليش؟ لأجل أن يقولوا: إن الذي تركوه غيرَ صدقة يُورَث، وأن أبا بكر وعمر وبقية الصحابة ظلموا ورثة النبي ﷺ حيث لم يورثوهم، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: كذبتم أيها الرافضة، بل إن لفظ الحديث: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ»، انتهت في الجملة الأولى، ثم قال مُبَيِّنًا ماذا يكون مآل المال بعده، قال: «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، أي: الذي تركناه صدقة. والمعنى الذي ذهبت إليه الرافضة باطل؛ لأن ما تُرِكَ صدقةً لا يورث حتى في غير الأنبياء، أليس كذلك؟ يعني: ما تركه الإنسان صدقة بعد موته لا يرثه ورثته، حتى لو كان غير نبي، فهم مُحَرِّفُون للحديث لفظًا ومعنى. * طالب: (...). * الشيخ: يقولون: إننا لا نورَث الذي تركناه صدقةً، يعني: لا يورث الذي تركناه صدقة، يعني معناه -مثلًا- إذا وَقَّفْنَا شيئًا -مثلًا- وجعلناه في سبيل الله فإننا لا نُورَث هذا الشيء، إنما نورَث الأملاك الأخرى، وهل هذا هو خاصّ بالرسل؟ لا، ليس خاصًّا بهم، إذن نقول: قوله: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الأقرب أن الإضافة للتمليك. (﴿﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ ﴾ بترك إحدى التاءين من أصله)، ﴿تَبَرَّجْنَ﴾ هل هي فعل مضارع ولَّا فعل ماضٍ؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيش الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الدليل (لا) الناهية، نعم (لا) الناهية لا تدخل إلا على المضارع، وإلا فإن كلمة تبرج والنساء تبرجن هذا فعل ماضٍ، لكن في الآية ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ هذا فعل مضارع، يقول المؤلف: (بترك إحدى التاءين)، وأصلها (تتبرجن) هذا أصلها، وَلَا تَتبَرَّجْنَ، حَذْف إحدى التاءين في المضارع كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤]، أي: تتلظى. إذن ﴿لَا تَبَرَّجْنَ﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم بـ(لا) الناهية. ﴿لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (أي: ما قبل الإسلام). ﴿لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، التبرج في الأصل مأخوذ من التعالي والترفُّع، ومنه: البُرْج؛ الحصن المنيع الرفيع، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٧٨]، وكما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١]، أي: جعل فيها كُتَلًا عظيمة من النجوم كالبروج المشيدة. يقول: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ أي: تتعالين وتترفعن باللباس وغيره، وقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، هذا مصدر مُبَيِّن للنوع بالإضافة إلى الجاهلية، قال: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ومعلوم أن المصدر يكون لبيان العدد، وبيان النوع، والتوكيد، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم بالنحو. ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أضافه إلى الجاهلية لأنه مبني على الجهل والسفه؛ لأن المرأة إذا تبرَّجَت فإن ذلك يعتبر جهلًا منها وسفهًا، ولهذا أُضِيفَ إلى ﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ثم أضيف إلى ﴿الْأُولَى﴾، وهل المراد الأولى زمنًا، أو الأولى مرتبة، أو كلاهما؟ يعني: هل معنى ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يعني: معناها الأعظم جهلًا من نوعها، كما يقال: هذا هو الأول في الجهل، هذا هو الأول في السفه، هذا هو الأول في الإسلام، هذا هو الأول في الإصلاح، وما أشبه ذلك، أو المراد بـ﴿الْأُولَى﴾ الأولى من حيث الزمن، أو كلاهما؟ كلاهما في الواقع؛ فهي جاهلية من الطراز الأول من الجهل، وهي جاهلية أولى لأنها سبقت الإسلام، ولا يعني بذلك أنها الجاهلية المباشرة للإسلام؛ لأن الجاهلية المباشرة للإسلام امتداد لجاهلية سبقت منذ زمن بعيد، فالجاهلية الأولى استمرت إلى أن محاها الإسلام بالعلم والتقوى والحمد لله، ولهذا قال: ﴿تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. والمراد بالإضافة هنا -كما قلت قبل قليل- بيان النوع، وما أقبح نوعًا يكون جهلًا، وعلى هذا فالمراد به التقبيح، تقبيح هذا التبرج، وأنه تبرُّج مبني على الجهل والسفه، والبُعْد عن الإيمان والعلم والرشد. (﴿﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ﴾ أي: ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال). في الجاهلية تتبرج المرأة، وتخرج بأحسن ما يكون عندها من اللباس والحلي، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، فبالتبرج يكون بنوع اللباس، ويكون بالطِّيب، ويكون بتحسين البدن بالحناء والتحمير، وتسويد العين بالكحل، وما يسمى عندنا في الوقت الحاضر بالمكياج، وما يسمى بِمنكر المناكير، وعلى هذا فَقِس، كل هذا من التبرج الذي يعتبر من تَبَرج الجاهلية الأولى. ولهذا يقول: (من إظهار النساء محاسنهن للرجال، والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية ﴿﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ﴾ [النور: ٣١])، رحم الله المؤلف فإن هذا ليس بصواب منه، ما في الإسلام إظهار للزينة أبدًا إلا في نوعين: النوع الأول: الإظهار العام لكل أحد. والنوع الثاني: الإظهار الخاص للبعولة والمحارم. الإظهار العام ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المراد بـ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما جرت العادة بأنه لا بد من ظهوره، كالجلباب والعباءة، وما أشبه ذلك، كما فَسَّرَه بذلك ابن مسعود رضي الله عنه، فعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ استثناءً منقطعًا ليس متصلًا؛ لأن ما ظهر ليس من الزينة في الواقع، فما ظهر وما جرت العادة بظهوره ولا بد منه هذا أمر ليس من الزينة، حتى لو سُمِّيَ زينة ولباسًا فإنه لا بد من ظهوره، أما الزينة الأخرى التي خصها الله بقوم معينين فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، وهذه هي الزينة الباطنة كالثياب التي تكون داخل الجلباب والعباءة، وما أشبه ذلك، لا يبدينه إلا لبعولتهن أو آبائهن، إلى آخره، والحاصل أن التبرج ما أَذِنَ الله فيه أبدًا، التبرج النهي عنه عامّ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، التزين للزوج هذا أمر مطلوب، يعني المرأة أن تتجمل لزوجها لما في ذلك من تأكيد الحكمة التي من أجلها شُرِعَ الزواج، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١]، ولا شك أن المرأة إذا تجمَّلت لزوجها بأنواع الجمال فإن ذلك مما يوجب سكونه إليها ومودته لها، فيكون هذا من باب تأكيد الحكمة التي من أجلها شُرِعَ الزواج، ولهذا تُؤمَر المرأة بأن تتجمل لزوجها كما أن الزوج أيضًا، كما قال بعض السلف: «إن من حقها عليّ أن أتجمل لها كما أن من حقي عليها أن تتجمل لي»[[أخرج ابن أبي شيبة (١٩٢٦٣) بسنده عن ابن عباس قال: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].]]. أما أن يأتي الزوج لزوجته كلابس الخيشة وما أشبه ذلك، ويريد منها أن تلائمه، ويقول: ليش ما تتجملي لي وهو يلبس أردأ اللباس، هذا من غير العدل، الإنسان يجب عليه أن يراعي العدل في كل معاملاته. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الخشونة في مواضع إذا رَكِبَ الخيل فليكن خشنًا وليلبس الْخَيْش (...)، لكن مع المرأة لا، لكل مقام مقال. * طالب: (...). * الشيخ: ما راح إلا ثلث (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي، معنى الحديث. ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾: إيتينَ بها مستقيمة، وذلك بفِعْل شروطها وأركانها وواجباتها، ويش بعد؟ ومستحباتها، لكن الإتيان بالثلاثة الأولى على سبيل الوجوب، وبالرابع على سبيل الكمال والاستحباب. وقوله: ﴿أَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ يشمل الفريضة والنافلة، ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ أي: أَعْطِينَها، والزكاة في اللغة النَّمَاء والزيادة، وفي الشرع: مال مُقَدَّر مخصوص في مال مخصوص، يعني: جزء من أموال مخصوصة يُدْفَع لمستحقيه. وقوله: ﴿آتِينَ الزَّكَاةَ﴾، ﴿آتِينَ﴾ تنصب مفعولين؛ لأنها من باب (كسا، وأعطى)، فالمفعول الأول ﴿الزَّكَاةَ﴾، والمفعول الثاني محذوف، أي: مستحِقَّهَا، آتين الزكاة مستحقها؛ لأن إيتاء الزكاة لغير أهلها لا ينفع، كما لو صلى الإنسان في غير الوقت. وقوله: ﴿آتِينَ الزَّكَاةَ﴾ بعد الأمر بإقامة الصلاة فيه دليل على تأكد الزكاة، وهل يلزم منه أن أمهات المؤمنين عندهن مال يزكينه؟ ما يلزم؟ إذا قلنا: لا يلزم، صار توجيه الخطاب إليهن بإيتاء الزكاة من باب اللفظ؛ لأنهن سيقلن: ما عندنا مال، أو يقال: أُمِرْنَا بايتاء الزكاة إما التزامًا وإما إعطاء بالفعل؛ التزامًا إذا لم يكن عندهن شيء، وإعطاء بالفعل إذا كان عندهن شيء، ولا شك أن عندهن ما تجب الزكاة فيه، أو عند بعضهن من الحلي، كما في حديث «أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فقالت: يا رسول الله، أكَنْزٌ هو؟ قال: «إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»[[أخرج أبو داود (١٥٦٤) عن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز».]]، فهن عندهن ما يزكين به، قد لا يكون دراهم ودنانير، ولكن من الحلي. ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ﴿أَطِعْنَ اللهَ﴾ الطاعة قال العلماء: هي موافَقَة الأمر، هذه الطاعة، يعني عدم المعصية، توافق أَمْرَ الْمُطاع إن كان مطلوبًا بالفعل، وإن كان منهيًّا عنه بماذا؟ بالترك. وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عَطَف طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام على طاعة الله بالواو؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن المسائل الشرعية تجوز أن يُقْرَن فيها بين الله وبين الرسول ﷺ؛ لأن ما جاء به النبي ﷺ من المسائل الشرعية هو مما أمر الله به. وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هل المراد هنا طاعة التعبد، أو المراد بها عدم المخالفة؟ أما بالنسبة لطاعة الله فهي طاعة التعبد والتذلُّل، ورجاء الثواب، والخوف من العقاب، وأما طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فإنها طاعة بمعنى موافقة الأمر، سواء كان فيما يأمر به من الشرع، أو فيما يأمر به من حوائجه الخاصة، فإن الرسول ﷺ يوجه الأمر إلى أهله إما على سبيل العبادة مما أمره الله به، وإما على سبيل الأمور الخاصة المتعلِّقة به عليه الصلاة والسلام. (﴿﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ ﴾ الإثم يا ﴿﴿أَهْلَ الْبَيْتِ)، أي نساء النبي ﷺ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ﴾ منه ﴿﴿تَطْهِيرًا﴾ ﴾). ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾، ﴿إِنَّمَا﴾ هذه أداة حصر، والحصر يقول العلماء: معناه إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، والْحَصْر هنا إضافي أو حقيقي؟ إضافي، حقيقي، أو إضافي حقيقي، أو لا إضافي ولا حقيقي؟ القسمة أربعة: إما إضافي، وإما حقيقي، وإما هما، وإما غيرهما. * طالب: (...). * الشيخ: إضافي، لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الله يريد هذا وغيره، الإضافي هو الذي لا يكون محصورًا بحسب الواقع في هذا الشيء، والحقيقي هو الذي يكون محصورًا في هذا الشيء بحسب الواقع، فإذا قلت: لا طالب يلتفت إلا خالدٌ، أيش يصير؟ حقيقي ولَّا إضافي؟ نشوف؛ إن كان ما فيه غيره فهو حقيقي، وإن كان أحد يلتفت غيره فهو إضافي. * طالب: (...). * الشيخ: فائدة الإضافي كأن هذا الرجل لكثرة -مثلًا- التفاته لا يلتفت أحد سواه، كما لو قلت: لا شجاعَ إلا خالدٌ، أي خالد بن الوليد، لا شجاع إلا خالد، أيش تقولون؟ حقيقي ولَّا إضافي؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو حقيقي؛ لأن فيه شجعانًا كثيرين غير خالد بن الوليد، لا خاتم للأنبياء سوى محمد ﷺ، هذا حقيقي؛ لأن ما فيه خاتم للأنبياء إلا محمد رسول الله، واضح؟ هنا ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ هل الله عز وجل لا يريد بآل البيت إلا ذلك؟ الجواب: لا، يريد الله أن يُذْهِب عنهم الرجس ويطهرهم، وأن يُنْعِم عليهم، وأن يغدق عليهم الفضل، إلى آخره. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الإرادة هنا شرعية ولَّا كونية؟ الإرادة كونية، وهذه هي الفائدة من اختصاص أهل البيت بذلك، أما إرادة عدم الرجس فهي لكل أحد من الناحية الشرعية، والإرادة -كما سبق لنا- نوعان: إرادة شرعية، وكونية، وهل هما متلازمان؟ لا، قد توجد إحداهما بدون الأخرى، وقد تجتمعان، فما هو الفرق بينهما حتى نعرف اجتماعهما وافتراقهما؟ أولًا: الإرادة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحب، هذا واحد، والإرادة الشرعية تتعلق فيما يحبه الله فقط، فإذا قلت: ﴿يُرِيدُ﴾ أي: شرعًا، فمعناها يحب. ثانيًا: الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد. إذن الفرق من وجهين، ننظر الآن قد تجتمع الإرادتان في شيء، وقد تنتفيان جميعًا، وقد توجد إحداهما دون الأخرى. فإذا سألنا الأخ: ما تقول في إيمان أبي بكر، أهو مراد لله شرعًا أم كونًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: كونًا وشرعًا؟ كونًا لأنه وقع، وشرعًا لأن الله يحبه، إذن اجتمعت الإرادتان، ما تقول في إيمان أبي لهب؟ * طالب: (...). * الشيخ: غير مراد، لا كونًا ولا شرعًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: غير مراد كونًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ومراد شرعًا؟ أيش تقولون؟ صحيح، إي نعم مراد شرعًا، الله يريد منه أن يسلم. ما تقول في كفر أبي بكر؟ * طالب: (...). * الشيخ: غير مراد كونًا ولا شرعًا، صح، غير مراد كونًا؛ لأنه لم يقع، ولا شرعًا؛ لأن الله لا يحبه. وما يقول الأخ في كفر أبي لهب؟ * طالب: (...). * الشيخ: مراد كونًا لا شرعًا؛ لأن الله لا يحبه، صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما أراده الله، ولهذا آمن. * الطالب: (...). * الشيخ: معلوم، الكفر مراد لله كونًا، أيّ إنسان يكفر فقد أراد الله كفره كونًا. نريد أمثلة من القرآن، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، الأخ، من أي الإرادتين هذه الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الكونية الشرعية؟ هل الإنسان ما أصابهم العسر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تراجعت عن الكونية؟ كونية شرعية، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، تقول: الإرادة هذه كونية؟ * طالب: (...). * الشيخ: كونية شرعية، كذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: شرعية، أيش الدليل؟ لأن الله تعالى قد يُعَسِّر على الإنسان، كذا؟ ولو كانت إرادة كونية لكان في الواقع تكذيب للآية، إذن ﴿يُرِيدُ﴾ هنا بمعنى يحب، يحب الله بكم اليسر ولا يحب العسر، وأما كونًا فإن الله تعالى يريد بنا العسر، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥]. قال الله تبارك وتعالى عن هود: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود ٣٤]. * طالب: (...). * الشيخ: صح؟ ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هذه إرادة كونية، أو لا؟ لأن الله لا يريد من خلقه الإغواء. الدليل أنه ما يريد الإغواء قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ما هو هود؟ نوح؟ إذن قول نوح عليه الصلاة والسلام لقومه، بارك الله فيك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، اللام هنا فيها إشكال، يريد لكذا، فإن المعروف أن (أراد) تتعدى بنفسها، وهنا تَعَدَّت بماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تعرف؟ لكنك عندك اليوم فيه تخبيط، اللام هنا جاءت في مفعول ﴿يُرِيدُ﴾، والمعروف أن (يريد) تتعدى بنفسها ولَّا باللام؟ تقول: أردت كذا، ولَّا أردت لكذا؟ أردت كذا، إذن فاللام هنا زائدة، من حيث الإعراب زائدة، والتقدير: إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس، فاللام يقول النحويون: إنها زائدة. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، يقول المؤلف: (الإثم)، والصواب أن الرجس هو النجاسة؛ لأن الرجس في الأصل النجس، سواء كانت نجاسة معنوية، أو نجاسة حسية، فمن الرجس بمعنى النجاسة الحسية قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، قال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ هذا حسي ولَّا معنوي؟ هذا حسي. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة ٩٠]، هذا رجس معنوي، هنا ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أيّ النوعين؛ الحسي ولَّا المعنوي؟ المعنوي طبعًا؛ لأن الرجس الحسي ما أراد الله أن يُذْهِبَه عنهم، بل هو موجود فيهم، هم يبولون ويتغوَّطون، وبولهم نجس وغائطهم نجس، أليس كذلك؟ إذن فالمراد بالرجس الذي أراد الله أن يُذْهِبَه عن أهل البيت هو الرجس المعنوي، وهو السافل من الأخلاق والأعمال، هذا الرجس، قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، الرجس هنا أيش معنوي ولَّا حسي؟ معنوي، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾، فكل خُلُق أو عمل سافل فإنه من الرجس. وقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أفادنا المؤلف بقوله: (يا أهل البيت) أن ﴿أَهْلَ﴾ منصوب على النداء، وحُذِفَ منه حرف (يا) النداء. وقوله: (يا أهل البيت)، مَن المراد بأهل البيت؟ لا شك أن المراد به نساء الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الآيات كلها في سياق مَن؟ في سياق النساء، نساء الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٢ - ٣٤]. فلا شك أن المراد بذلك مَن؟ المراد بهم نساء الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل ينافي ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه «وضع الكساء على عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»[[أخرج الترمذي (٣٢٠٥) بسنده عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجلَّلهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلَّله بكساء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا». قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: «أنت على مكانك وأنت على خير».]]، هل ينافيه؟ نقول: لا ينافيه؛ لأن هؤلاء أهل البيت من حيث القرابة، وهؤلاء أهل البيت من حيث الزوجية، فكلهم أهل البيت بلا شك، لا آل علي، بل إن آل البيت أعمّ من هؤلاء الأربعة؛ لأن آل البيت تشمل كل مَن تَحْرُم عليهم الصدقة من بني هاشم، فدخل فيهم آل علي، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكل مَن كان من ذرية هاشم، الرسول ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فكل مَن كان من آل هاشم فإنه من آل البيت لا تحل لهم الصدقة. وعلى هذا فنقول: إن تفسيرنا لأهل البيت هنا بأنهن زوجات الرسول ﷺ الذي يعينه أيش؟ السياق، خلافًا للرافضة الذين أخرجوا الكلام عن سياقه، وجعلوا كلام الله عز وجل عِضِين مُتَفَرِّقًا، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ يريد بهم آل البيت الأربعة فقط، وأما زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لا يريد الله أن يُذْهِب عنهم الرجس، ولهذا يرمون عائشة بالفاحشة -والعياذ بالله- ولا يبالون بذلك. أقول: إن قوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هنا، وفي أصحاب الكساء الأربعة، وفي آل البيت الذين لا تحل لهم الصدقة، كل هذا لا ينافي بعضها بعضًا، ولذلك كان القول الراجح أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لا تحل لهن الصدقة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٨٥) من حديث المطلب بن ربيعة رضي الله عنه، ولفظه: «إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد» الحديث.]]، وزوجاته بلا شك من آله كما في هذا الحديث. وعلى هذا فإننا نقول: إنه لا تعارض بين الأدلة، ونظير ذلك أن الرسول ﷺ سُئِلَ: ما هو المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم؟ فقال: «مَسْجِدِي هَذَا»[[أخرج الترمذي (٢٠٩٩) عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «هو مسجدي هذا».]]، مع أن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء أيضًا، كل منهما أُسِّسَ على التقوى من أول يوم، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أَسَّسَ مسجده من أول يوم قدم، وكان الصحابة رضي الله عنهم كل منهم يقول: النزول عندي، النزول عندي، النزول عندي، فيقول: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٧٨) من حديث صديق بن موسى مرسلًا.]]، يعني ناقته، فلما وصلت إلى مكان مسجده بَرَكَتْ فزجرها النبي عليه الصلاة والسلام فقامت، ثم التفتت يمينًا وشمالًا، ثم رجعت إلى مكانها الأول فبَرَكَتْ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَنْزِلُ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه ابن حبان في الثقات (١٣٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما.]]، ثم نزل وكان أقرب البيوت إليه بيت أبي أيوب فذهب إليه. ومن حين من أول يوم نزل وهو شارِعٌ في تخطيط المسجد، ولهذا ينبغي للمسؤولين في البلديات وفي الأوقاف أن يجعلوا أَكْبَر هَمِّهم في المخططات الجديدة وضع المساجد، يُعْتَنَى بها قبل كل شيء. على كل حال إني أقول: إن وصف الشيء بصفة، ووصف غيره بصفة لا يقتضي أن يكون ذلك تناقضًا، بل كل منهما له نصيب من هذا الوصف. * طالب: (...). * الشيخ: ما أعرف. وقوله –خَلِّنَا نكمل الآية-: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، ﴿الْبَيْتِ﴾ هنا (أل) للعهد، أيّ العهود؟ الذهني، يعني أهل البيت المعهود المعروف، وهو هذا البيت الطاهر بيت رسول الله ﷺ. قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ منه، أي: من الرجس، ﴿تَطْهِيرًا﴾، و﴿تَطْهِيرًا﴾ هنا مصدر (طَهَّر)؛ مصدر للفعل السابق، والمراد به التوكيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، والتطهير من الرجس أبلغ من ذهاب الرجس؛ لأنه بعد ذهاب الرجس قد يبقى له أثر. فإذا قال: يُذْهِبه ويطهركم، صار ذلك أيش؟ أبلغ؛ لأنه يذهب ذلك الرجس ويُطَهَّر مكانه بحيث لا يبقى له أثر، ولا ريب أن بيت الرسول عليه الصلاة والسلام أبعد البيوت عن الرجس وأطهر البيوت من الرجس، فهذا لا يشك فيه مؤمن أبدًا، وكل مَن قدح في بيت الرسول عليه الصلاة والسلام وزوجاته فإنه يعتبر قادحًا بِمَن؟ بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور ٢٦]، ونحن نعلم علم اليقين أن الله عز وجل ما كان ليختار لنبيه إلا أفضل نساء العالمين بلا شك، وقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل ثبت في كتاب الله براءة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أصحاب الإفك من المنافقين وغيرهم ممن انخدعوا من المسلمين، عفا الله عنهم، وقد قال الله عز وجل في نفس الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور ١٥، ١٦]، يعني: هَلَّا إذ سمعتموه، ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾، ﴿مَا يَكُونُ﴾ يعني يمتنع غاية الامتناع، ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥ ١٦]، شوف قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أين التنزيه؟ يعني: نُنَزِّهُكَ يا ربنا أن يقع ذلك في إحدى أمهات المؤمنين زوجات خاتم النبيين، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني: تنزيهًا لك أن يقع مثل هذا في زوجات نبيك عليه الصلاة والسلام. هذا التأكيد العظيم نرى الآن ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم بريؤون منه والإسلام منهم براء، يقولون: إن عائشة -والعياذ بالله- بَغَتْ، ومع ذلك قد بَرَّأَها الله من ذلك في القرآن الكريم، فمن قذف واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام عائشة أو غيرها فهو كافر بلا شك، ويجب أن يُقْتَل ولو تاب، إن تاب توبة نصوحًا فهي بينه وبين الله، لكن نحن علينا أن نَغَارَ لرسول الله ﷺ، وأن نقتل هذا الذي قذف أحدًا أو واحدة من أمهات المؤمنين. (...). ﴿بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤] سبق قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وبَيَّنَّا أن ﴿آتِينَ الزَّكَاةَ﴾ أن الفعل ينصب؟ الأخ. * طالب: (...). * الشيخ: أين الأول والثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا الأول ولَّا الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: مضمر ولَّا محذوف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، طيب ما هي الزكاة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لغة النماء، واصطلاحًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...)، فهمتموها الآن؟ حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في زمن مخصوص، فهمتم الزكاة الآن، أو نقول: التعبد لله تعالى بإخراج جزء معلوم من المال على حسب ما جاءت به الشريعة، هذا أوضح. فيه أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، اللام في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾. (...). ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾، ﴿اذْكُرْنَ﴾ الأمر هنا للإرشاد وبيان الْمِنَّة والفضل من الله سبحانه وتعالى عليهم. وقوله: ﴿اذْكُرْنَ﴾ يحتمل أن يكون المراد به تَذَكَّرْنَ وتَدَبَّرْنَ هذا الأمر، واعرفن ما فيه من فضل الله عليكن. ويحتمل أن المعنى: اذْكُرْنَه بتلاوته .. سوى لحافها، فإن زوجات الرسول ﷺ ما كان ينزل الوحي على الرسول فيه وهو في لحافهن إلا عائشة[[ أخرجه البخاري (٣٧٧٥) من حديث عائشة.]]. وقوله: ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب ٣٤]، ﴿يُتْلَى﴾ بمعنى: يُقْرَأ، والتلاوة نوعان: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية، فإذا قلت: تَلَا كتاب الله حتى أكمله، فالمعنى اللفظية، وإذا قلت: سجدة التلاوة، فهي التلاوة أيش؟ اللفظية، أما التلاوة المعنوية فهي اتباع القرآن، تلاه يتلوه إذا اتَّبعه، فالتلاوة المعنوية بمعنى اتباع القرآن في عقائده، في أخلاقه، في أعماله، هذه التلاوة، أيهما المقصود الأعظم؟ المقصود الأعظم هو التلاوة المعنوية، التلاوة اللفظية لا شك أنها مقصودة، وأن مَن قرأ حرفًا من كتاب فله به عشر حسنات، لكن المهم هي التلاوة المعنوية، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]. ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب ٣٤]، ﴿آيَاتِ اللهِ﴾ لا شك أنه القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، فالآيات ﴿آيَاتِ اللهِ﴾ هو القرآن، والآيات هنا المراد بها الآيات الشرعية، فإن آيات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وهي ما خلقه الله تعالى ويخلقه في هذا الكون، فإن كله آيات علامات على خالقه عز وجل؛ لِمَا فيه من بديع الصنعة، والنظام الحكيم البالغ الذي لا يتناقض ولا يتنافر، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، وإذا ذهب كل إله بما خلق لم يكن الكون منتظمًا؛ لأن كل إله يَخْلُق على ما يريد، ثم لا بد من عُلُوّ أحدهما على الآخر؛ لأنهما إن تمانعا وعجز كل واحد منهما عن الآخر لم يصح أن يكونَا إلهين، وإن غلب أحدهما الآخر فالمغلوب لا يصح، وحينئذ تكون الدلالة العقلية على أنه لا بد من إله واحد فقط وهو الله سبحانه وتعالى. المهم أن الآيات الكونية كل ما يخلقه الله في الكون، أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الوحي، وسُمِّيَت آيات لأنها علامات على مُشَرِّعها ومُنْزِلها؛ لِمَا فيها من انتظام المصالح وانتفاء المفاسد، فإن الشرع كله تحصيل للمصالح وتقليل للمفاسد، ولذلك ما من شيء يتضمن مصلحة راجحة أو خالصة إلا أمر به الشرع، وما من شيء يتضمن مفسدة خالصة أو راجحة إلا نهى عنه الشرع، لكن من المصالح ما ندركه بعقولنا، ومن المفاسد ما ندركه بعقولنا، ومنه ما لا ندركه، ولكننا نعلم علم اليقين أن مقتضى حكمة الله عز وجل ومن أسمائه الحكيم أنه لا يمكن أن يأمر إلا بما فيه مصلحة؛ إما خالصة، وإما راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة إما خالصة وإما راجحة، ولهذا سُمِّيَت الكتب النازلة من السماء آياتٍ؛ لأنها علامات على مَن شرعها سبحانه وتعالى، وعلى مَن أنزلها، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، ما يجدون اختلافًا مرة أو مرتين أو ثلاثًا، اختلافًا كثيرًا وتناقضًا كثيرًا. هنا مسألة خارجة عن الموضوع بدأ الناس يفعلونها، يُقْسِمُون بآيات الله، يقول: قسمًا بآيات الله ما كان كذا وكذا، أو قسمًا بآيات الله لأفعلن كذا وكذا، فما رأيكم بهذا القَسَم؟ فيه تفصيل؛ إن قصد الآيات الكونية فهو حرام؛ لأنه حَلِفٌ بغير الله، حَلِفٌ بالمخلوقات، وإن أراد بالآيات الآيات الشرعية فهو حَلِف بكلمات الله، والْحَلِفُ بكلمات الله جائز؛ لأن كلمات الله من صفاته، فما هي الغالب على العامة حينما يُقْسِمُون هذا القَسَم؟ الغالب فيما أظن الآيات الشرعية، أنهم ما يريدون قسمًا بآيات الله قسمًا بالشمس، وبالقمر، وبالنجوم، وبالليل، وبالنهار، ما يقسمون بمثل هذا، قسمًا بآيات الله يقصدون بذلك القرآن، وحينئذ يكون هذا القسم جائزًا باعتبار الدلالة العرفية على المراد به، أما لو نظرنا إلى لفظه فلا بد من التفصيل. * الطالب: الآيات الشرعية تدخل فيها السنة؟ * الشيخ: نعم، لكن هنا قال: ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ فبَيَّنَ لما قال الحكمة قال المؤلف رحمه الله: (﴿الْحِكْمَةِ﴾ السنة). * الطالب: لو قال: قسمًا بآيات الله (...)؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هم ما يريدون إلا القرآن، ما يسمون السُّنَّة آيات. * الطالب: كلمة ﴿يُتْلَى﴾ إذا قلنا: بمعنى يَقْرَأ؟ * الشيخ: يُقْرَأ. * الطالب: إي، يُقْرَأ، كيف تكون القراءة المعنوية؟ * الشيخ: لا، هنا ما تكون التلاوة المعنوية، التلاوة اللفظية، لكن إحنا قسمنا التلاوة من حيث هي عمومًا. * الطالب: التلاوة أليست هي القراءة؟ * الشيخ: التلاوة إذا قيل: ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر ٢٩]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة ١٢١] فهو يشمل هذا وهذا اللفظية والمعنوية، لكن هنا الظاهر منها اللفظية فقط. قال: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المصحف؟ * طالب: سورة براءة. * الشيخ: سورة براءة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لماذا يَخُصُّون هذه السورة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن لماذا يَخُصُّون السورة هذه؟ * الطالب: لأنها مُرْهِبَة. * الشيخ: مُرْهِبَة، رهيبة، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] المرسلات. على كل حال القَسَم بالمصحف من البِدَع؛ لأنه ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي ورد في تغليظ الأيمان ما ذَكَرَه الله في سورة المائدة: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة ١٠٦]. قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ قبلها، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صلاة العصر، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الدعاوي أن التغليظ يكون بالزمان، ويكون بالمكان، ويكون بالهيئة، ويكون بالصيغة. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ قال المؤلف: (هي السنة)، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، وقال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤]، والأصل في العطف المغايرة، وإلا فلقائل أن يقول: إن القرآن الكريم قد تَضَمَّن الحكمة، فيكون تعليم القرآن تعليمَ الأحكام وتعليمَ حِكَمِ الأحكام؛ لأن معرفة أحكام الشريعة أمر عظيم جدًّا، فالإنسان إذا عرف حكمة الأحكام الشرعية يستنير قلبه أكثر، ويقتنع بالأحكام الشرعية أكثر، ويعرف من صفات الله عز وجل وحِكَمِه ما هو أكثر، ويستطيع أيضًا أن يُقْنِع مَن؟ أن يُقْنِع الخصم؛ لأن الخصوم لو تقول له –مثلًا-: هذا حرام؛ لأن القرآن حَرَّمَه فهو قد لا يكون ممن يؤمن بالقرآن أو يطمئن إليه، لكن إذا كان لديك معرفة بحِكَمِ الشريعة أمكنك أن تُقْنِع هذا الشخص، ولهذا معرفة الحكمة -حكمة الشرع- مهم جدًّا، بل إن غالب القياس إنما جاء من معرفة الحكمة؛ لأنه إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حُكْمٍ لعلةٍ جامعة، وعلى هذا فربما يقول قائل: إن المراد بالحكمة ما يُعْلَم من أسرار أحكام الشريعة وحِكَمِها، ولكن أهل العلم من السلف والخلف، أئمة الخلف فسَّرُوا الحكمة بأنها السنة. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، معرفة المتشابه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله، ما أعرف هذا. * الطالب: قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦٩]. * الشيخ: أقول: ما أعرف هذا، ما هو كلما جاءت الحكمة فهي السنة، إنما إذا قال: الكتاب والحكمة، ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة ١٢٩]، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، ما هو معناها أن كلما جاءت الحكمة فهي السنة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، ﴿لَطِيفًا﴾ قال المؤلف: (بأوليائه ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه) اللطيف فسَّره أهل الباطل بأنه الذي لا يُدْرَك لصغره -أعوذ بالله- لطيف، أنت ما تقول: هذا لطيف، يعني: صغير ما ينشاف، ففسَّرُوه بذلك وكذبوا، وفسَّرَه أهل السنة فقالوا: إن اللطيف جاء في كتاب الله مُعَدًّى باللام ومُعَدًّى بالباء، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى ١٩]، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف ١٠٠]، فعُدِّي بالباء وعُدِّي باللام، وعلى هذا فيكون اللطيف له معنيان؛ أحدهما اللطف للعبد، وهو أن الله عز وجل يُقَدِّر له مواقع الإحسان، بمعنى أنه يلطف له فييسر له الأمر ويسهِّلُه عليه، وأما اللطيف به –بالباء- فهو بمعنى إدراك الأمور الخفية؛ لأن اللطيف معناه الذي يُدْرِك ما لَطُف، فمعنى ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي: مدرك لما خفي من أمورهم، فيكون بمعنى الخبير، بل أدق من معنى الخبير، ولهذا جمع الله بينهما فقال: ﴿خَبِيرًا﴾، والخبير قال العلماء: هو العالم ببواطن الأمور، يقول ابن القيم في النونية، وهي من أحسن ما نُظِمَ في التوحيد وأجمعه، يقول: وَهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ∗∗∗ وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَـــافِهِ نَوْعَــــــانِ؎إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الْأُمُورِ بِحِكْمَةٍ ∗∗∗ وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الْإِحْسَانِ فهذا معنى اللطيف، فصار اللطيف له معنيان؛ اللطيف للعبد، واللطيف به، فاللطيف به بمعنى: الخبير ببواطن أموره وما لَطُف من أمره، وله: الذي يُقَدِّر له من أسرار حكمته أو من أسرار إحسانه وفضله ما لا يدركه بعقله. نأخذ الآن فوائد الآيات.. ويش آخر ما قرأنا الفوائد؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]،* في هذه الآية الكريمة: وجوب قرار المرأة في بيتها، انتبهوا إلى هذه الفائدة، أو نقول: مشروعية؟ مشروعية، لأن القول بوجوب القرار يخالفه ما جاء في السنة من الإذن للنساء بالخروج لكن بدون تَبَرُّج، وعلى هذا فنقول: مشروعية؛ لأن كلمة مشروعية تتسع للواجب والمستحب. * ومن فوائد الآية: أن بيوت أزواج النبي ﷺ ملك لهن؛ لقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. فإن قال قائل: الإضافة هنا للاختصاص وليست للتمليك، كما تقول: السرج للدابة، والْمِقْوَد للبعير، وهل هي تملكه؟ لو قال قائل ذلك بأن الإضافة للاختصاص، وأن بيوت أزواج النبي ﷺ للنبي ﷺ، ماذا نقول؟ نقول: إن الواقع يخالف ذلك؛ لأن هذه البيوت لو كانت للرسول عليه الصلاة والسلام ما بَقِيَت مع أمهات المؤمنين بعد موته؛ إذ إن النبي ﷺ لا يُورَث. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفائدة المأخوذة من الإضافة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فإن فيها الإغراء على لزوم البيت؛ لأنه بيتها وسترها، يعني كلمة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أبلغ من كلمة: وقرن في البيوت، كأنه يقول: هذا البيت ما بُنِيَ إلا لك سترًا لك وصونًا، فالزمي هذا البيت الذي من أجلك بُنِيَ. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تبرُّج الجاهلية؛ لقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. * ومن فوائدها: جواز التبرج إذا كان مبنيًّا على العلم والسنة؛ لأن المنهيّ عنه من التبرج هو تبرُّج الجاهلية، ولهذا يجوز للمرأة أن تتبرج في بعض المواضع، وليس حرامًا عليها كل تبرج. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذَمُّ الجهل؛ لقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فإن نسبة هذا إلى الجهل لا شك أنه يراد به التنفير. * ومن فوائد الآية الكريمة: مَدْح ما كان مبنيًّا على العلم، من أين يؤخذ؟ لأن ذَمّ الضِّدّ يدل على مدح ضده، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فإذا كان التبرج المبني على الجهل مذمومًا فإن ما بُنِيَ على العلم ليس مذمومًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي عند الإغراء أو التحذير أن يُذْكَر كل وصف يستلزم الإغراء أو التحذير؛ لقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، الأولى -كما قلنا فيما سبق- زمنًا أو الأولى نوعًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إقامة الصلاة على النساء، كما هو واجب على الرجال؛ لقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾، ووجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الموانع عن المحرَّمات؛ لأنه قال: ﴿لَا تَبَرَّجْنَ﴾، ثم قال: ﴿وَأَقِمْنَ﴾، فدل هذا على أن من أسباب عدم التبرج إقامة الصلاة، ولا ريب في هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، ويقول عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة ٤٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، من أين تؤخذ؟ من الأمر بهذا، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وطاعة الله ورسوله يدخل فيها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فالنص على بعض أفراد العامّ يدل على العناية به، سواء تقدم الخاصّ أو تأخَّر، فمثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧]، هذا تقدَّم الخاصُّ على العامِّ، أو لا؟ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وهذا من فعل الخير، ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، هذا من باب تقدُّم العامّ على الخاصّ، وسواء تقدَّم العامّ على الخاصّ أو تأخَّر فإنه يدل على العناية بالخاصّ، ولهذا نُصَّ عليه من بين أفراد العامّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. * ومن فوائدها: أن طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله؛ للعطف بالواو الدالَّة على الاشتراك، وقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. * ومن فوائدها: أن الله أراد بحكمته البالغة أن يُذْهِب الرجس عن آل البيت؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخضوع بالقول، وأن تبرُّج الجاهلية من الرجس، وأن القرار في البيوت، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله من أسباب زوال الرجس؛ لأن ما تقدم أوامر ونَوَاهٍ بَيَّن الله تعالى أنه إنما أمر بها ونهى عنها من أجل أن يُذْهِبَ عن هذا البيت الرجس، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن زوجات الإنسان من آل بيته، صح؟ فإذا قال: هذا وقفٌ على آل بيتي، شمل النساء، وإذا قال في الأضحية: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، شمل النساء؛ لأن الله تعالى جعل زوجات الرسول ﷺ من آل بيته. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفخيم هذا البيت وتعظيمه؛ لقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ لأن (أل) للعهد الذهني، كأن هذا البيت معهود معلوم بأذهان الناس لا يغيب عنها؛ لما لهذا البيت من المكانة الرفيعة والخصلة الحميدة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل أراد أن يُذْهِب الرجس وأثر الرجس أيضًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهذا فوق ذَهَاب الرجس؛ لأننا لو ضربنا هذا بالمثال الحسي وقلنا: إن هذا الثوب تلطَّخ بنجاسة، فحكَكْنَا هذه النجاسة حتى زالت عينُها، هذا ماذا يسمى؟ هذا إذهاب الرجس، فإذا صببنا الماء حتى نَظُفَ المكان تمامًا وزال الأثر صار ذلك تطهيرًا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فذكر المباعَدة أولًا قبل التَّلَبُّس بالخطيّة، ثم ذَكَر التنقية من الخطيّة بعد التلبس بها، ثم ذكر أبلغ من ذلك وهو الغسل، غسل هذه الخطية وآثارها بالماء والثلج والبَرَد، والحاصل أننا نقول: إن قوله: ﴿يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ هذا فوق إذهاب الرجس. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. ومن فوائدها أيضًا: أن البيت المطهَّر من الرجس، سواء بيت الرسول ﷺ ولَّا غيره من البيوتات، أن البيت المطهَّر يعتبر من أفضل البيوتات، ويعتبر تطهيره من أكبر النِّعَم عليهم، منين يؤخذ؟ من أن الله امْتَنَّ بذلك على آل بيت الرسول ﷺ، وهذا شيء معلوم في الناس، الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، من الناس معدن خبيث، ومن الناس معدن طيب، ولهذا لو أن أحدًا تلبَّس برجس من الأرجاس، من حَمُولة طيبة قبيلة طيبة، ويش يقول الناس؟ يستغربونه ويستنكرونه، ويرون هذا أشد، لكن لو تلبَّس أحد برجس من الأرجاس وهو من قبيلة معروفة بذلك أيش يقولون؟ ما يُسْتَغْرَب، يقولون: إن الغصن من الشجرة، ولا هو بغريب أن يفعل هذا الفعل؛ لأن آباءه وإخوانه وأعمامه وما أشبه ذلك فعلوا مثله، ولا شك أن الله إذا مَنَّ على آل بيت من البيوت بالتطهير والكرم والنظافة والنزاهة فإن ذلك من نعمة الله عليهم. واعلم أن الله تعالى قد يجعل على يد الشخص الواحد طهارة كل قبيلته كما هو مشاهَد، يخرج رجل واحد صالِح مُصْلِح يُنْذِر عشيرته الأقربين، ويحرص على دعوتهم للحق، فيُصْلِح الله تعالى على يديه كل قبيلته، إذا جاء ذلك بإخلاص وبامتثال لأمره سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]، لكن ما أدري عن أنفسنا نحن، أيش تقولون؟ إي والله الله يصلحنا، عندنا تفريط وإهمال، الإنسان ما يتفقد أهله اللي في بيته، ولا يتفقد أهله قرابته اللي في غير بيته، صحيح هذا هو الواقع؛ يعني الناس الآن ما كأنهم يعني غاية ما يتواصلون به إن تواصلوا في الأمور الدنيوية، لكن هدايا الدين ما أقلها، ما أقل ذلك، وإن كان والحمد لله يوجد، أنا ما أقول: إني أُقَنِّطُكم من رحمة الله، يوجد والحمد لله مَن إذا رأى في بيت أقاربه ما يُكْرَه ينصحهم ويرشدهم، ويُبَيِّن لهم ذلك، وربما بعض الناس يهجرهم ما يذهب إليهم، كل هذا من أجل الحرص على تقويمهم. * طالب: الأول كان يحتاجون بعضهم، الآن (...). * الشيخ: صحيح إن الآن ما هم مثل أول، وإن الفقر لباس طيب في الحقيقة، مثلما قال حميدان الشويعر: الفقر خديديم أجواد ∗∗∗ ودك يا طا كل زنقه فالحاصل أن الفقر قد يكون فيه خير، «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَغْنَاهُ اللهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى»[[أخرج الحكيم الترمذي (٨٩٦) والبغوي في شرح السنة (١٢٤٩) بسنديهما عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ، عن جبريل، عن الله تبارك وتعالى، قال: «إن من عبادي المؤمنين لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا السقم، ولو صححته لأفسده ذلك» الحديث. ]]، لكن مع ذلك لا تيأسوا والله كم من قلب لان للحق وهو من أفسق عباد الله، هذا شيء الذي يجعلنا بالحقيقة نستحسر هو اليأس، ويعقوب عليه السلام قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف ٨٧]، مع أنه في تلك الساعة ويش يظن؟ يظن أنهم ما هم بواجدينه، لكن مع هذا لقوة رجائه بالله عز وجل، وإن الأمور لا تقيسها بما تشاهد، هناك شيء وراء المادة، هناك شيء وراء المشاهدة وما تسمع، وهو إرادة الله عز وجل وقدرته، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق٢، ٣]، من بابٍ ما كان يظن أن يأتيه الرزق منه، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اليقين. * طالب: يعقوب كان يعلم بيوسف أنه حي؟ * الشيخ: لا، يمكن يظن ويرجو؛ لأن الله قد وَعَدَهُ بذلك. * الطالب: (...) ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف ٨٦]؟ * الشيخ: إي نعم، هو يظن ويرجو، لكن هذه الوقائع قد تعطي القلب يأسًا. ثم قال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤]، في هذه الآية من الفوائد تذكير أُمَّهَات المؤمنين بهذه النعمة العظيمة، وهي -لا أحد يسألني وأنا أستنبط الفوائد- تذكير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة العظيمة؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. * ومن فوائدها: أن مَن أعطاه الله علمًا كان طلب الاستقامة منه أَوْكَد وأوثق، إذا أعطى الله الإنسان علمًا فإنه يُطْلَب منه من الاستقامة أكثر مما يُطْلَب ممن؟ لم يُؤْتَ علمًا، لأنه قال: ﴿اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ فليس عليكن قاصر في العلم، بل إن العلم يُتْلَى في بيوتكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البيت الذي يُتْلَى فيه كتاب الله خير من البيت الذي لا يُتْلَى فيه كتاب الله؛ لقوله: ﴿اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»[[أخرجه مسلم (٧٨٠ / ٢١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، يعني: لا تجعلوها مثل القبور لا تصلون فيها، وفي الحديث الصحيح عنه: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١/٢١٣) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «... فإنَّ أفضلَ صلاةِ المرءِ في بيته إلا الصلاة المكتوبة». ]]، وكان مِن هَدْي الصحابة رضي الله عنهم أنه تُسْمَع لبيوتهم من تلاوة كتاب الله يُسْمَع لها دَوِيّ كدَوِيّ النحل من قراءة كتاب الله تعالى في البيوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن من آيات الله؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد سبق في التفسير بيان كونه من آيات الله عز وجل؛ لِمَا يتضمن عليه من المصالح والْحِكَم والأسرار. * ومنها -من فوائد الآية الكريمة-: أنه إذا قُرِنَت الحكمة بالكتاب فالمراد بها السنة؛ لأن السنة أيضًا تتضمن الحكمة، والله عز وجل لم يَصِف السنة بالحكمة؛ لأن القرآن ليس فيه حكمة، ولكن لَمَّا كان القرآن من عند الله وكلام الله فإن احتمال ألَّا يتضمن الحكمة بعيد ولَّا لا؟ بعيد جدًّا، لكن لما كانت السنة من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كلام البشر قد يَرِد عليه احتمال ألَّا يكون مشتملًا على الحكمة، فبَيَّن الله عز وجل أن السنة حكمة، وإن كانت من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أو من فعله فإنها حكمة؛ لأنها موافقة للصواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: اللطيف والخبير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كان لطيفًا خبيرًا، أما الآن فلا. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ ليش؟ كان هذه مسلوبة الدلالة على الزمان، وإنما يراد بها اتصاف المبتدأ أو الاسم بالخبر فقط، بقطع النظر عن الزمان، إذن ما الفائدة منها، لماذا لم يقل: إن الله لطيف خبير؟ الفائدة منها تحقُّق الاتصاف بهذا الوصف، هذه الفائدة، (كان) يعني قد تحقق ذلك في حقه، وهو أنه سبحانه وتعالى لطيف خبير. * ومن فوائدها: ما تضمَّنه هذان الاسمان من صفات الله عز وجل؛ من اللطف والخبرة. * طالب: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ممكن يرد على مَن أنكر أن نساء النبي من آل البيت؟ * الشيخ: إي، كيف؟ فيها بلا شك، أنا سمعت شريطًا للأخ إحسان ظهير إلهي. * الطالب: إلهي ظهير. * الشيخ: إحسان إلهي ظهير يرد على رجل من الشيعة ويتكلم عن هذه الآية بشدة وبقوة، يقول: إن الذي يصرف الآية هذه إلى آل بيته الأربعة ما يعرف اللغة العربية، ولا يعرف أساليب الكلام، كيف إنه يُخْرِج هذه الآية من بين الآيات كلها المحيطة بها والتي توجَّه إلى أمهات المؤمنين ويُخْرِج هذه الآية؟ أيش سؤالك أنت؟ * الطالب: ما فيه فائدة أن (...)؟ * الشيخ: بشرط إن طلبة العلم يعلِّموهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، إذا كان الزوج أخرس ما يقول شيئًا، وهي لا تعرف تقرأ، وعنده كتب وهي ما تقرأ، والزوج ما يعلِّمها. * الطالب: (...). * الشيخ: قد لا يكون. * الطالب: من قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. * الشيخ: إذا معناها ما (...)، ربما يكون عند المرأة مثل ما قال الأخ عندها أشرطة تستمع إليها، فيقال: كل امرأة يوجَد في بيتها أو يُتْلَى في بيتها حرف من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، أو كلام أهل العلم المبني على الكتاب والسنة فعليها من الواجب أكثر ممن لم تعرف. * طالب: طالب العلم. * الشيخ: لا، تُلْزِم زوجات طلبة العلم الْخُرْس. * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؟ * الشيخ: ﴿مَا يُتْلَى﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذه يؤخذ منها؛ لأننا ذكرناها، قلنا: إن الذِّكر هنا أن المرأة تذكر فضل ونعمة الله عليها في هذا، وتتذكر أيضًا هذا الذي يُتْلَى بتَعَلُّمه وبتعليمه أيضًا؛ تعلُّمه يعني لأنه يأمر بالتعليم، وإلا نفس اللفظ ما يدل عليه؛ لأنه ما قال: ذَكِّرْن ما يُتْلَى، قال: ﴿اذْكُرْنَ﴾. * الطالب: شيخ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، فيها رَدّ أيضًا على المسلمين الذين ينكرون السنة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يقولون: نأخذ بالقرآن ونتلوه. * الشيخ: نعم، كيف؟ فيه رد على هؤلاء، ورد على آخرين يقابلونهم، يأخذون بالسنة ولا يأخذون بالقرآن؛ لأن فيه ناس الآن، فيه ناس مع الأسف يعتنون بالسنة اعتناء عظيمًا، حتى إنهم يغوصون على أشياء قد لا تكون صحيحة ويأتون بها، لكن في القرآن خاطِبْهم في القرآن ما يعرفون شيئًا في القرآن، لا في تفسيره، ولا في إعرابه، ولا في شيء أبدًا منه، بينما هم في السنة يُذْهِبُون ليلهم ونهارهم، وهذا خطأ؛ لأن أول ما يجب أن نتعلم القرآن، ثم بعد ذلك السنة؛ لأن القرآن هو الأصل، الآن انتهى وقت الحديث، لكن نبغي نأخذ (...). ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٨] لا بد نحن ذكرنا الفوائد، لكن في ظني أننا ما ذكرنا أن التخيير لا يكون طلاقًا، ولا ذكرنا أن في ذلك حماية لفراش الرسول عليه الصلاة والسلام من أن يكون فيه مَن يريد الحياة الدنيا وزينتها، ولا ذكرنا أن في ذلك أيضًا دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام حتى لا يطالبنه بعد ذلك بشيء من الحقوق، أظن ذكرنا أن فيه مناقب لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، فالمهم أن فيه فوائد كثيرة تحبون نأخذها ولَّا.. أنا أخشى أن.. بعضها مكتوبة الآن. * طالب: (...) الأخرس. * الشيخ: لا أن التخيير ليس بطلاق، ولا أخذنا أن فيه دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، أخذناه؟ خير إن شاء الله، أجل نمشي.

الأحزاب 33:34

ثم قال الله عز وجل: ﴿﴿وَقِرْنَ﴾ ﴾ بالكسر، ولهذا قال: (بكسر القاف وفتحها)، وهو من القرار؛ وهو البقاء مع السكون والاستقرار، وهو أبلغ من قوله: وابقين في بيوتكن؛ لأن القرار بقاء وزيادة مع سكون، ولهذا قال: (﴿﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ﴾ من القرار، وأصله: اقرِرْن، بكسر الراء وفتحها -اقرِرن واقرَرْن- من قَرَرْت، بفتح الراء وكسرها -قرَرت وقرِرت- نُقِلَت حركة الراء إلى القاف، وحُذِفَت مع همزة الوصل). أصل ﴿قَرْنَ﴾ اقرَرن أو اقرِرن، فما الذي حدث؟ نُقِلَت فتحة الراء إلى القاف الساكنة، فماذا؟ لَمَّا نُقِلَت حركتها إلى القاف الساكنة صارت هي ساكنة، وصارت القاف مفتوحة أو مكسورة، ثم حُذِفَت همزة الوصل، فصارت ﴿وَقَرْنَ﴾. ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ﴿بُيُوتِكُنَّ﴾ هنا الإضافة يحتمل أنها للتمليك، وأن بيوت زوجات رسول الله ﷺ ملك لهن. ويحتمل أنها للاختصاص، وأن البيوت ملك لرسول الله ﷺ، وأيهما أقرب؟ الأقرب أنه للتمليك، بدليل أن النبي ﷺ لما تُوُفِّيَ بقيت هذه البيوت لِمَن؟ لزوجاته، ولو كانت البيوت لرسول الله ﷺ لم تُورَث من بعده؛ لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً، عَلِّمُوني إذا أخطأت في اللفظ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٢٧)، ومسلم (١٧٥٨ / ١٥) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، «صَدَقَةٌ»، نعم؛ لأنه يفسد المعنى، الرافضة يقولون: إن لفظ الحديث: (إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةً)، ليش؟ لأجل أن يقولوا: إن الذي تركوه غيرَ صدقة يُورَث، وأن أبا بكر وعمر وبقية الصحابة ظلموا ورثة النبي ﷺ حيث لم يورثوهم، لكن أهل السنة والجماعة يقولون: كذبتم أيها الرافضة، بل إن لفظ الحديث: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ»، انتهت في الجملة الأولى، ثم قال مُبَيِّنًا ماذا يكون مآل المال بعده، قال: «مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ»، أي: الذي تركناه صدقة. والمعنى الذي ذهبت إليه الرافضة باطل؛ لأن ما تُرِكَ صدقةً لا يورث حتى في غير الأنبياء، أليس كذلك؟ يعني: ما تركه الإنسان صدقة بعد موته لا يرثه ورثته، حتى لو كان غير نبي، فهم مُحَرِّفُون للحديث لفظًا ومعنى. * طالب: (...). * الشيخ: يقولون: إننا لا نورَث الذي تركناه صدقةً، يعني: لا يورث الذي تركناه صدقة، يعني معناه -مثلًا- إذا وَقَّفْنَا شيئًا -مثلًا- وجعلناه في سبيل الله فإننا لا نُورَث هذا الشيء، إنما نورَث الأملاك الأخرى، وهل هذا هو خاصّ بالرسل؟ لا، ليس خاصًّا بهم، إذن نقول: قوله: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الأقرب أن الإضافة للتمليك. (﴿﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ ﴾ بترك إحدى التاءين من أصله)، ﴿تَبَرَّجْنَ﴾ هل هي فعل مضارع ولَّا فعل ماضٍ؟ * طالب: (...). * الشيخ: أيش الدليل؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الدليل (لا) الناهية، نعم (لا) الناهية لا تدخل إلا على المضارع، وإلا فإن كلمة تبرج والنساء تبرجن هذا فعل ماضٍ، لكن في الآية ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ هذا فعل مضارع، يقول المؤلف: (بترك إحدى التاءين)، وأصلها (تتبرجن) هذا أصلها، وَلَا تَتبَرَّجْنَ، حَذْف إحدى التاءين في المضارع كثير في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤]، أي: تتلظى. إذن ﴿لَا تَبَرَّجْنَ﴾ فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة في محل جزم بـ(لا) الناهية. ﴿لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (أي: ما قبل الإسلام). ﴿لَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، التبرج في الأصل مأخوذ من التعالي والترفُّع، ومنه: البُرْج؛ الحصن المنيع الرفيع، كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء ٧٨]، وكما في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١]، أي: جعل فيها كُتَلًا عظيمة من النجوم كالبروج المشيدة. يقول: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ أي: تتعالين وتترفعن باللباس وغيره، وقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، هذا مصدر مُبَيِّن للنوع بالإضافة إلى الجاهلية، قال: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ومعلوم أن المصدر يكون لبيان العدد، وبيان النوع، والتوكيد، وغير ذلك مما ذكره أهل العلم بالنحو. ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أضافه إلى الجاهلية لأنه مبني على الجهل والسفه؛ لأن المرأة إذا تبرَّجَت فإن ذلك يعتبر جهلًا منها وسفهًا، ولهذا أُضِيفَ إلى ﴿الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ثم أضيف إلى ﴿الْأُولَى﴾، وهل المراد الأولى زمنًا، أو الأولى مرتبة، أو كلاهما؟ يعني: هل معنى ﴿الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يعني: معناها الأعظم جهلًا من نوعها، كما يقال: هذا هو الأول في الجهل، هذا هو الأول في السفه، هذا هو الأول في الإسلام، هذا هو الأول في الإصلاح، وما أشبه ذلك، أو المراد بـ﴿الْأُولَى﴾ الأولى من حيث الزمن، أو كلاهما؟ كلاهما في الواقع؛ فهي جاهلية من الطراز الأول من الجهل، وهي جاهلية أولى لأنها سبقت الإسلام، ولا يعني بذلك أنها الجاهلية المباشرة للإسلام؛ لأن الجاهلية المباشرة للإسلام امتداد لجاهلية سبقت منذ زمن بعيد، فالجاهلية الأولى استمرت إلى أن محاها الإسلام بالعلم والتقوى والحمد لله، ولهذا قال: ﴿تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. والمراد بالإضافة هنا -كما قلت قبل قليل- بيان النوع، وما أقبح نوعًا يكون جهلًا، وعلى هذا فالمراد به التقبيح، تقبيح هذا التبرج، وأنه تبرُّج مبني على الجهل والسفه، والبُعْد عن الإيمان والعلم والرشد. (﴿﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ﴾ أي: ما قبل الإسلام من إظهار النساء محاسنهن للرجال). في الجاهلية تتبرج المرأة، وتخرج بأحسن ما يكون عندها من اللباس والحلي، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، فبالتبرج يكون بنوع اللباس، ويكون بالطِّيب، ويكون بتحسين البدن بالحناء والتحمير، وتسويد العين بالكحل، وما يسمى عندنا في الوقت الحاضر بالمكياج، وما يسمى بِمنكر المناكير، وعلى هذا فَقِس، كل هذا من التبرج الذي يعتبر من تَبَرج الجاهلية الأولى. ولهذا يقول: (من إظهار النساء محاسنهن للرجال، والإظهار بعد الإسلام مذكور في آية ﴿﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ﴾ [النور: ٣١])، رحم الله المؤلف فإن هذا ليس بصواب منه، ما في الإسلام إظهار للزينة أبدًا إلا في نوعين: النوع الأول: الإظهار العام لكل أحد. والنوع الثاني: الإظهار الخاص للبعولة والمحارم. الإظهار العام ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ المراد بـ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ما جرت العادة بأنه لا بد من ظهوره، كالجلباب والعباءة، وما أشبه ذلك، كما فَسَّرَه بذلك ابن مسعود رضي الله عنه، فعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ استثناءً منقطعًا ليس متصلًا؛ لأن ما ظهر ليس من الزينة في الواقع، فما ظهر وما جرت العادة بظهوره ولا بد منه هذا أمر ليس من الزينة، حتى لو سُمِّيَ زينة ولباسًا فإنه لا بد من ظهوره، أما الزينة الأخرى التي خصها الله بقوم معينين فقال: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، وهذه هي الزينة الباطنة كالثياب التي تكون داخل الجلباب والعباءة، وما أشبه ذلك، لا يبدينه إلا لبعولتهن أو آبائهن، إلى آخره، والحاصل أن التبرج ما أَذِنَ الله فيه أبدًا، التبرج النهي عنه عامّ. * طالب: (...). * الشيخ: نعم، التزين للزوج هذا أمر مطلوب، يعني المرأة أن تتجمل لزوجها لما في ذلك من تأكيد الحكمة التي من أجلها شُرِعَ الزواج، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم ٢١]، ولا شك أن المرأة إذا تجمَّلت لزوجها بأنواع الجمال فإن ذلك مما يوجب سكونه إليها ومودته لها، فيكون هذا من باب تأكيد الحكمة التي من أجلها شُرِعَ الزواج، ولهذا تُؤمَر المرأة بأن تتجمل لزوجها كما أن الزوج أيضًا، كما قال بعض السلف: «إن من حقها عليّ أن أتجمل لها كما أن من حقي عليها أن تتجمل لي»[[أخرج ابن أبي شيبة (١٩٢٦٣) بسنده عن ابن عباس قال: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].]]. أما أن يأتي الزوج لزوجته كلابس الخيشة وما أشبه ذلك، ويريد منها أن تلائمه، ويقول: ليش ما تتجملي لي وهو يلبس أردأ اللباس، هذا من غير العدل، الإنسان يجب عليه أن يراعي العدل في كل معاملاته. * طالب: (...). * الشيخ: إي، الخشونة في مواضع إذا رَكِبَ الخيل فليكن خشنًا وليلبس الْخَيْش (...)، لكن مع المرأة لا، لكل مقام مقال. * طالب: (...). * الشيخ: ما راح إلا ثلث (...). * الطالب: (...). * الشيخ: إي، معنى الحديث. ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾: إيتينَ بها مستقيمة، وذلك بفِعْل شروطها وأركانها وواجباتها، ويش بعد؟ ومستحباتها، لكن الإتيان بالثلاثة الأولى على سبيل الوجوب، وبالرابع على سبيل الكمال والاستحباب. وقوله: ﴿أَقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ يشمل الفريضة والنافلة، ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾ أي: أَعْطِينَها، والزكاة في اللغة النَّمَاء والزيادة، وفي الشرع: مال مُقَدَّر مخصوص في مال مخصوص، يعني: جزء من أموال مخصوصة يُدْفَع لمستحقيه. وقوله: ﴿آتِينَ الزَّكَاةَ﴾، ﴿آتِينَ﴾ تنصب مفعولين؛ لأنها من باب (كسا، وأعطى)، فالمفعول الأول ﴿الزَّكَاةَ﴾، والمفعول الثاني محذوف، أي: مستحِقَّهَا، آتين الزكاة مستحقها؛ لأن إيتاء الزكاة لغير أهلها لا ينفع، كما لو صلى الإنسان في غير الوقت. وقوله: ﴿آتِينَ الزَّكَاةَ﴾ بعد الأمر بإقامة الصلاة فيه دليل على تأكد الزكاة، وهل يلزم منه أن أمهات المؤمنين عندهن مال يزكينه؟ ما يلزم؟ إذا قلنا: لا يلزم، صار توجيه الخطاب إليهن بإيتاء الزكاة من باب اللفظ؛ لأنهن سيقلن: ما عندنا مال، أو يقال: أُمِرْنَا بايتاء الزكاة إما التزامًا وإما إعطاء بالفعل؛ التزامًا إذا لم يكن عندهن شيء، وإعطاء بالفعل إذا كان عندهن شيء، ولا شك أن عندهن ما تجب الزكاة فيه، أو عند بعضهن من الحلي، كما في حديث «أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب، فقالت: يا رسول الله، أكَنْزٌ هو؟ قال: «إِذَا أَدَّيْتِ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»[[أخرج أبو داود (١٥٦٤) عن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ فقال: «ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز».]]، فهن عندهن ما يزكين به، قد لا يكون دراهم ودنانير، ولكن من الحلي. ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ﴿أَطِعْنَ اللهَ﴾ الطاعة قال العلماء: هي موافَقَة الأمر، هذه الطاعة، يعني عدم المعصية، توافق أَمْرَ الْمُطاع إن كان مطلوبًا بالفعل، وإن كان منهيًّا عنه بماذا؟ بالترك. وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عَطَف طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام على طاعة الله بالواو؛ لأن طاعة الرسول من طاعة الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وقد سبق لنا مرارًا وتكرارًا أن المسائل الشرعية تجوز أن يُقْرَن فيها بين الله وبين الرسول ﷺ؛ لأن ما جاء به النبي ﷺ من المسائل الشرعية هو مما أمر الله به. وقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ هل المراد هنا طاعة التعبد، أو المراد بها عدم المخالفة؟ أما بالنسبة لطاعة الله فهي طاعة التعبد والتذلُّل، ورجاء الثواب، والخوف من العقاب، وأما طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام فإنها طاعة بمعنى موافقة الأمر، سواء كان فيما يأمر به من الشرع، أو فيما يأمر به من حوائجه الخاصة، فإن الرسول ﷺ يوجه الأمر إلى أهله إما على سبيل العبادة مما أمره الله به، وإما على سبيل الأمور الخاصة المتعلِّقة به عليه الصلاة والسلام. (﴿﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ ﴾ الإثم يا ﴿﴿أَهْلَ الْبَيْتِ)، أي نساء النبي ﷺ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ﴾ منه ﴿﴿تَطْهِيرًا﴾ ﴾). ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾، ﴿إِنَّمَا﴾ هذه أداة حصر، والحصر يقول العلماء: معناه إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، والْحَصْر هنا إضافي أو حقيقي؟ إضافي، حقيقي، أو إضافي حقيقي، أو لا إضافي ولا حقيقي؟ القسمة أربعة: إما إضافي، وإما حقيقي، وإما هما، وإما غيرهما. * طالب: (...). * الشيخ: إضافي، لماذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لأن الله يريد هذا وغيره، الإضافي هو الذي لا يكون محصورًا بحسب الواقع في هذا الشيء، والحقيقي هو الذي يكون محصورًا في هذا الشيء بحسب الواقع، فإذا قلت: لا طالب يلتفت إلا خالدٌ، أيش يصير؟ حقيقي ولَّا إضافي؟ نشوف؛ إن كان ما فيه غيره فهو حقيقي، وإن كان أحد يلتفت غيره فهو إضافي. * طالب: (...). * الشيخ: فائدة الإضافي كأن هذا الرجل لكثرة -مثلًا- التفاته لا يلتفت أحد سواه، كما لو قلت: لا شجاعَ إلا خالدٌ، أي خالد بن الوليد، لا شجاع إلا خالد، أيش تقولون؟ حقيقي ولَّا إضافي؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما هو حقيقي؛ لأن فيه شجعانًا كثيرين غير خالد بن الوليد، لا خاتم للأنبياء سوى محمد ﷺ، هذا حقيقي؛ لأن ما فيه خاتم للأنبياء إلا محمد رسول الله، واضح؟ هنا ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ هل الله عز وجل لا يريد بآل البيت إلا ذلك؟ الجواب: لا، يريد الله أن يُذْهِب عنهم الرجس ويطهرهم، وأن يُنْعِم عليهم، وأن يغدق عليهم الفضل، إلى آخره. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الإرادة هنا شرعية ولَّا كونية؟ الإرادة كونية، وهذه هي الفائدة من اختصاص أهل البيت بذلك، أما إرادة عدم الرجس فهي لكل أحد من الناحية الشرعية، والإرادة -كما سبق لنا- نوعان: إرادة شرعية، وكونية، وهل هما متلازمان؟ لا، قد توجد إحداهما بدون الأخرى، وقد تجتمعان، فما هو الفرق بينهما حتى نعرف اجتماعهما وافتراقهما؟ أولًا: الإرادة الكونية تتعلق فيما يحبه الله وفيما لا يحب، هذا واحد، والإرادة الشرعية تتعلق فيما يحبه الله فقط، فإذا قلت: ﴿يُرِيدُ﴾ أي: شرعًا، فمعناها يحب. ثانيًا: الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد. إذن الفرق من وجهين، ننظر الآن قد تجتمع الإرادتان في شيء، وقد تنتفيان جميعًا، وقد توجد إحداهما دون الأخرى. فإذا سألنا الأخ: ما تقول في إيمان أبي بكر، أهو مراد لله شرعًا أم كونًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: كونًا وشرعًا؟ كونًا لأنه وقع، وشرعًا لأن الله يحبه، إذن اجتمعت الإرادتان، ما تقول في إيمان أبي لهب؟ * طالب: (...). * الشيخ: غير مراد، لا كونًا ولا شرعًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: غير مراد كونًا. * الطالب: (...). * الشيخ: ومراد شرعًا؟ أيش تقولون؟ صحيح، إي نعم مراد شرعًا، الله يريد منه أن يسلم. ما تقول في كفر أبي بكر؟ * طالب: (...). * الشيخ: غير مراد كونًا ولا شرعًا، صح، غير مراد كونًا؛ لأنه لم يقع، ولا شرعًا؛ لأن الله لا يحبه. وما يقول الأخ في كفر أبي لهب؟ * طالب: (...). * الشيخ: مراد كونًا لا شرعًا؛ لأن الله لا يحبه، صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما أراده الله، ولهذا آمن. * الطالب: (...). * الشيخ: معلوم، الكفر مراد لله كونًا، أيّ إنسان يكفر فقد أراد الله كفره كونًا. نريد أمثلة من القرآن، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، الأخ، من أي الإرادتين هذه الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الكونية الشرعية؟ هل الإنسان ما أصابهم العسر؟ * الطالب: (...). * الشيخ: تراجعت عن الكونية؟ كونية شرعية، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥]، تقول: الإرادة هذه كونية؟ * طالب: (...). * الشيخ: كونية شرعية، كذا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: شرعية، أيش الدليل؟ لأن الله تعالى قد يُعَسِّر على الإنسان، كذا؟ ولو كانت إرادة كونية لكان في الواقع تكذيب للآية، إذن ﴿يُرِيدُ﴾ هنا بمعنى يحب، يحب الله بكم اليسر ولا يحب العسر، وأما كونًا فإن الله تعالى يريد بنا العسر، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح ٥]. قال الله تبارك وتعالى عن هود: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود ٣٤]. * طالب: (...). * الشيخ: صح؟ ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هذه إرادة كونية، أو لا؟ لأن الله لا يريد من خلقه الإغواء. الدليل أنه ما يريد الإغواء قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، ما هو هود؟ نوح؟ إذن قول نوح عليه الصلاة والسلام لقومه، بارك الله فيك. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، اللام هنا فيها إشكال، يريد لكذا، فإن المعروف أن (أراد) تتعدى بنفسها، وهنا تَعَدَّت بماذا؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا تعرف؟ لكنك عندك اليوم فيه تخبيط، اللام هنا جاءت في مفعول ﴿يُرِيدُ﴾، والمعروف أن (يريد) تتعدى بنفسها ولَّا باللام؟ تقول: أردت كذا، ولَّا أردت لكذا؟ أردت كذا، إذن فاللام هنا زائدة، من حيث الإعراب زائدة، والتقدير: إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجس، فاللام يقول النحويون: إنها زائدة. وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾، يقول المؤلف: (الإثم)، والصواب أن الرجس هو النجاسة؛ لأن الرجس في الأصل النجس، سواء كانت نجاسة معنوية، أو نجاسة حسية، فمن الرجس بمعنى النجاسة الحسية قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام ١٤٥]، قال: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ هذا حسي ولَّا معنوي؟ هذا حسي. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة ٩٠]، هذا رجس معنوي، هنا ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أيّ النوعين؛ الحسي ولَّا المعنوي؟ المعنوي طبعًا؛ لأن الرجس الحسي ما أراد الله أن يُذْهِبَه عنهم، بل هو موجود فيهم، هم يبولون ويتغوَّطون، وبولهم نجس وغائطهم نجس، أليس كذلك؟ إذن فالمراد بالرجس الذي أراد الله أن يُذْهِبَه عن أهل البيت هو الرجس المعنوي، وهو السافل من الأخلاق والأعمال، هذا الرجس، قال الله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣٠]، الرجس هنا أيش معنوي ولَّا حسي؟ معنوي، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾، فكل خُلُق أو عمل سافل فإنه من الرجس. وقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أفادنا المؤلف بقوله: (يا أهل البيت) أن ﴿أَهْلَ﴾ منصوب على النداء، وحُذِفَ منه حرف (يا) النداء. وقوله: (يا أهل البيت)، مَن المراد بأهل البيت؟ لا شك أن المراد به نساء الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الآيات كلها في سياق مَن؟ في سياق النساء، نساء الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٢ - ٣٤]. فلا شك أن المراد بذلك مَن؟ المراد بهم نساء الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل ينافي ذلك ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام من أنه «وضع الكساء على عَلِيّ وفاطمة والحسن والحسين وقال: «هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْبَيْتِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»[[أخرج الترمذي (٣٢٠٥) بسنده عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي ﷺ قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] في بيت أم سلمة، فدعا فاطمة وحسنًا وحسينًا فجلَّلهم بكساء، وعلي خلف ظهره فجلَّله بكساء ثم قال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا». قالت أم سلمة: وأنا معهم يا نبي الله، قال: «أنت على مكانك وأنت على خير».]]، هل ينافيه؟ نقول: لا ينافيه؛ لأن هؤلاء أهل البيت من حيث القرابة، وهؤلاء أهل البيت من حيث الزوجية، فكلهم أهل البيت بلا شك، لا آل علي، بل إن آل البيت أعمّ من هؤلاء الأربعة؛ لأن آل البيت تشمل كل مَن تَحْرُم عليهم الصدقة من بني هاشم، فدخل فيهم آل علي، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، وكل مَن كان من ذرية هاشم، الرسول ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، فكل مَن كان من آل هاشم فإنه من آل البيت لا تحل لهم الصدقة. وعلى هذا فنقول: إن تفسيرنا لأهل البيت هنا بأنهن زوجات الرسول ﷺ الذي يعينه أيش؟ السياق، خلافًا للرافضة الذين أخرجوا الكلام عن سياقه، وجعلوا كلام الله عز وجل عِضِين مُتَفَرِّقًا، فقالوا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ يريد بهم آل البيت الأربعة فقط، وأما زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه لا يريد الله أن يُذْهِب عنهم الرجس، ولهذا يرمون عائشة بالفاحشة -والعياذ بالله- ولا يبالون بذلك. أقول: إن قوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ هنا، وفي أصحاب الكساء الأربعة، وفي آل البيت الذين لا تحل لهم الصدقة، كل هذا لا ينافي بعضها بعضًا، ولذلك كان القول الراجح أن زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام لا تحل لهن الصدقة؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ»[[أخرجه أبو داود (٢٩٨٥) من حديث المطلب بن ربيعة رضي الله عنه، ولفظه: «إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد» الحديث.]]، وزوجاته بلا شك من آله كما في هذا الحديث. وعلى هذا فإننا نقول: إنه لا تعارض بين الأدلة، ونظير ذلك أن الرسول ﷺ سُئِلَ: ما هو المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم؟ فقال: «مَسْجِدِي هَذَا»[[أخرج الترمذي (٢٠٩٩) عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «هو مسجدي هذا».]]، مع أن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم هو مسجد قباء أيضًا، كل منهما أُسِّسَ على التقوى من أول يوم، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أَسَّسَ مسجده من أول يوم قدم، وكان الصحابة رضي الله عنهم كل منهم يقول: النزول عندي، النزول عندي، النزول عندي، فيقول: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»[[أخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢٩٧٨) من حديث صديق بن موسى مرسلًا.]]، يعني ناقته، فلما وصلت إلى مكان مسجده بَرَكَتْ فزجرها النبي عليه الصلاة والسلام فقامت، ثم التفتت يمينًا وشمالًا، ثم رجعت إلى مكانها الأول فبَرَكَتْ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمَنْزِلُ هَاهُنَا إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه ابن حبان في الثقات (١٣٤) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما.]]، ثم نزل وكان أقرب البيوت إليه بيت أبي أيوب فذهب إليه. ومن حين من أول يوم نزل وهو شارِعٌ في تخطيط المسجد، ولهذا ينبغي للمسؤولين في البلديات وفي الأوقاف أن يجعلوا أَكْبَر هَمِّهم في المخططات الجديدة وضع المساجد، يُعْتَنَى بها قبل كل شيء. على كل حال إني أقول: إن وصف الشيء بصفة، ووصف غيره بصفة لا يقتضي أن يكون ذلك تناقضًا، بل كل منهما له نصيب من هذا الوصف. * طالب: (...). * الشيخ: ما أعرف. وقوله –خَلِّنَا نكمل الآية-: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، ﴿الْبَيْتِ﴾ هنا (أل) للعهد، أيّ العهود؟ الذهني، يعني أهل البيت المعهود المعروف، وهو هذا البيت الطاهر بيت رسول الله ﷺ. قال: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ منه، أي: من الرجس، ﴿تَطْهِيرًا﴾، و﴿تَطْهِيرًا﴾ هنا مصدر (طَهَّر)؛ مصدر للفعل السابق، والمراد به التوكيد، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، والتطهير من الرجس أبلغ من ذهاب الرجس؛ لأنه بعد ذهاب الرجس قد يبقى له أثر. فإذا قال: يُذْهِبه ويطهركم، صار ذلك أيش؟ أبلغ؛ لأنه يذهب ذلك الرجس ويُطَهَّر مكانه بحيث لا يبقى له أثر، ولا ريب أن بيت الرسول عليه الصلاة والسلام أبعد البيوت عن الرجس وأطهر البيوت من الرجس، فهذا لا يشك فيه مؤمن أبدًا، وكل مَن قدح في بيت الرسول عليه الصلاة والسلام وزوجاته فإنه يعتبر قادحًا بِمَن؟ بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله يقول في القرآن الكريم: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور ٢٦]، ونحن نعلم علم اليقين أن الله عز وجل ما كان ليختار لنبيه إلا أفضل نساء العالمين بلا شك، وقد ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل ثبت في كتاب الله براءة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أصحاب الإفك من المنافقين وغيرهم ممن انخدعوا من المسلمين، عفا الله عنهم، وقد قال الله عز وجل في نفس الإفك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور ١٥، ١٦]، يعني: هَلَّا إذ سمعتموه، ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾، ﴿مَا يَكُونُ﴾ يعني يمتنع غاية الامتناع، ﴿أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك، ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٥ ١٦]، شوف قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أين التنزيه؟ يعني: نُنَزِّهُكَ يا ربنا أن يقع ذلك في إحدى أمهات المؤمنين زوجات خاتم النبيين، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ يعني: تنزيهًا لك أن يقع مثل هذا في زوجات نبيك عليه الصلاة والسلام. هذا التأكيد العظيم نرى الآن ممن ينتسبون إلى الإسلام وهم بريؤون منه والإسلام منهم براء، يقولون: إن عائشة -والعياذ بالله- بَغَتْ، ومع ذلك قد بَرَّأَها الله من ذلك في القرآن الكريم، فمن قذف واحدة من زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام عائشة أو غيرها فهو كافر بلا شك، ويجب أن يُقْتَل ولو تاب، إن تاب توبة نصوحًا فهي بينه وبين الله، لكن نحن علينا أن نَغَارَ لرسول الله ﷺ، وأن نقتل هذا الذي قذف أحدًا أو واحدة من أمهات المؤمنين. (...). ﴿بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤] سبق قوله تعالى: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وبَيَّنَّا أن ﴿آتِينَ الزَّكَاةَ﴾ أن الفعل ينصب؟ الأخ. * طالب: (...). * الشيخ: أين الأول والثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا الأول ولَّا الثاني؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: (...). * الشيخ: مضمر ولَّا محذوف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، طيب ما هي الزكاة؟ * طالب: (...). * الشيخ: لغة النماء، واصطلاحًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا (...)، فهمتموها الآن؟ حق مخصوص في مال مخصوص لطائفة مخصوصة في زمن مخصوص، فهمتم الزكاة الآن، أو نقول: التعبد لله تعالى بإخراج جزء معلوم من المال على حسب ما جاءت به الشريعة، هذا أوضح. فيه أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾، اللام في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ﴾. (...). ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن، ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾، ﴿اذْكُرْنَ﴾ الأمر هنا للإرشاد وبيان الْمِنَّة والفضل من الله سبحانه وتعالى عليهم. وقوله: ﴿اذْكُرْنَ﴾ يحتمل أن يكون المراد به تَذَكَّرْنَ وتَدَبَّرْنَ هذا الأمر، واعرفن ما فيه من فضل الله عليكن. ويحتمل أن المعنى: اذْكُرْنَه بتلاوته .. سوى لحافها، فإن زوجات الرسول ﷺ ما كان ينزل الوحي على الرسول فيه وهو في لحافهن إلا عائشة[[ أخرجه البخاري (٣٧٧٥) من حديث عائشة.]]. وقوله: ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب ٣٤]، ﴿يُتْلَى﴾ بمعنى: يُقْرَأ، والتلاوة نوعان: تلاوة لفظية، وتلاوة معنوية، فإذا قلت: تَلَا كتاب الله حتى أكمله، فالمعنى اللفظية، وإذا قلت: سجدة التلاوة، فهي التلاوة أيش؟ اللفظية، أما التلاوة المعنوية فهي اتباع القرآن، تلاه يتلوه إذا اتَّبعه، فالتلاوة المعنوية بمعنى اتباع القرآن في عقائده، في أخلاقه، في أعماله، هذه التلاوة، أيهما المقصود الأعظم؟ المقصود الأعظم هو التلاوة المعنوية، التلاوة اللفظية لا شك أنها مقصودة، وأن مَن قرأ حرفًا من كتاب فله به عشر حسنات، لكن المهم هي التلاوة المعنوية، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]. ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب ٣٤]، ﴿آيَاتِ اللهِ﴾ لا شك أنه القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، فالآيات ﴿آيَاتِ اللهِ﴾ هو القرآن، والآيات هنا المراد بها الآيات الشرعية، فإن آيات الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وهي ما خلقه الله تعالى ويخلقه في هذا الكون، فإن كله آيات علامات على خالقه عز وجل؛ لِمَا فيه من بديع الصنعة، والنظام الحكيم البالغ الذي لا يتناقض ولا يتنافر، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، وإذا ذهب كل إله بما خلق لم يكن الكون منتظمًا؛ لأن كل إله يَخْلُق على ما يريد، ثم لا بد من عُلُوّ أحدهما على الآخر؛ لأنهما إن تمانعا وعجز كل واحد منهما عن الآخر لم يصح أن يكونَا إلهين، وإن غلب أحدهما الآخر فالمغلوب لا يصح، وحينئذ تكون الدلالة العقلية على أنه لا بد من إله واحد فقط وهو الله سبحانه وتعالى. المهم أن الآيات الكونية كل ما يخلقه الله في الكون، أما الآيات الشرعية فهي ما جاءت به الرسل من الوحي، وسُمِّيَت آيات لأنها علامات على مُشَرِّعها ومُنْزِلها؛ لِمَا فيها من انتظام المصالح وانتفاء المفاسد، فإن الشرع كله تحصيل للمصالح وتقليل للمفاسد، ولذلك ما من شيء يتضمن مصلحة راجحة أو خالصة إلا أمر به الشرع، وما من شيء يتضمن مفسدة خالصة أو راجحة إلا نهى عنه الشرع، لكن من المصالح ما ندركه بعقولنا، ومن المفاسد ما ندركه بعقولنا، ومنه ما لا ندركه، ولكننا نعلم علم اليقين أن مقتضى حكمة الله عز وجل ومن أسمائه الحكيم أنه لا يمكن أن يأمر إلا بما فيه مصلحة؛ إما خالصة، وإما راجحة، ولا ينهى إلا عما فيه مفسدة إما خالصة وإما راجحة، ولهذا سُمِّيَت الكتب النازلة من السماء آياتٍ؛ لأنها علامات على مَن شرعها سبحانه وتعالى، وعلى مَن أنزلها، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، ما يجدون اختلافًا مرة أو مرتين أو ثلاثًا، اختلافًا كثيرًا وتناقضًا كثيرًا. هنا مسألة خارجة عن الموضوع بدأ الناس يفعلونها، يُقْسِمُون بآيات الله، يقول: قسمًا بآيات الله ما كان كذا وكذا، أو قسمًا بآيات الله لأفعلن كذا وكذا، فما رأيكم بهذا القَسَم؟ فيه تفصيل؛ إن قصد الآيات الكونية فهو حرام؛ لأنه حَلِفٌ بغير الله، حَلِفٌ بالمخلوقات، وإن أراد بالآيات الآيات الشرعية فهو حَلِف بكلمات الله، والْحَلِفُ بكلمات الله جائز؛ لأن كلمات الله من صفاته، فما هي الغالب على العامة حينما يُقْسِمُون هذا القَسَم؟ الغالب فيما أظن الآيات الشرعية، أنهم ما يريدون قسمًا بآيات الله قسمًا بالشمس، وبالقمر، وبالنجوم، وبالليل، وبالنهار، ما يقسمون بمثل هذا، قسمًا بآيات الله يقصدون بذلك القرآن، وحينئذ يكون هذا القسم جائزًا باعتبار الدلالة العرفية على المراد به، أما لو نظرنا إلى لفظه فلا بد من التفصيل. * الطالب: الآيات الشرعية تدخل فيها السنة؟ * الشيخ: نعم، لكن هنا قال: ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ فبَيَّنَ لما قال الحكمة قال المؤلف رحمه الله: (﴿الْحِكْمَةِ﴾ السنة). * الطالب: لو قال: قسمًا بآيات الله (...)؟ * الشيخ: لا، أبدًا، هم ما يريدون إلا القرآن، ما يسمون السُّنَّة آيات. * الطالب: كلمة ﴿يُتْلَى﴾ إذا قلنا: بمعنى يَقْرَأ؟ * الشيخ: يُقْرَأ. * الطالب: إي، يُقْرَأ، كيف تكون القراءة المعنوية؟ * الشيخ: لا، هنا ما تكون التلاوة المعنوية، التلاوة اللفظية، لكن إحنا قسمنا التلاوة من حيث هي عمومًا. * الطالب: التلاوة أليست هي القراءة؟ * الشيخ: التلاوة إذا قيل: ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ [فاطر ٢٩]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ [البقرة ١٢١] فهو يشمل هذا وهذا اللفظية والمعنوية، لكن هنا الظاهر منها اللفظية فقط. قال: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: المصحف؟ * طالب: سورة براءة. * الشيخ: سورة براءة؟ * الطالب: نعم. * الشيخ: لماذا يَخُصُّون هذه السورة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لكن لماذا يَخُصُّون السورة هذه؟ * الطالب: لأنها مُرْهِبَة. * الشيخ: مُرْهِبَة، رهيبة، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥] المرسلات. على كل حال القَسَم بالمصحف من البِدَع؛ لأنه ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والذي ورد في تغليظ الأيمان ما ذَكَرَه الله في سورة المائدة: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [المائدة ١٠٦]. قوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا﴾ قبلها، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ صلاة العصر، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الدعاوي أن التغليظ يكون بالزمان، ويكون بالمكان، ويكون بالهيئة، ويكون بالصيغة. ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ قال المؤلف: (هي السنة)، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، وقال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران ١٦٤]، والأصل في العطف المغايرة، وإلا فلقائل أن يقول: إن القرآن الكريم قد تَضَمَّن الحكمة، فيكون تعليم القرآن تعليمَ الأحكام وتعليمَ حِكَمِ الأحكام؛ لأن معرفة أحكام الشريعة أمر عظيم جدًّا، فالإنسان إذا عرف حكمة الأحكام الشرعية يستنير قلبه أكثر، ويقتنع بالأحكام الشرعية أكثر، ويعرف من صفات الله عز وجل وحِكَمِه ما هو أكثر، ويستطيع أيضًا أن يُقْنِع مَن؟ أن يُقْنِع الخصم؛ لأن الخصوم لو تقول له –مثلًا-: هذا حرام؛ لأن القرآن حَرَّمَه فهو قد لا يكون ممن يؤمن بالقرآن أو يطمئن إليه، لكن إذا كان لديك معرفة بحِكَمِ الشريعة أمكنك أن تُقْنِع هذا الشخص، ولهذا معرفة الحكمة -حكمة الشرع- مهم جدًّا، بل إن غالب القياس إنما جاء من معرفة الحكمة؛ لأنه إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حُكْمٍ لعلةٍ جامعة، وعلى هذا فربما يقول قائل: إن المراد بالحكمة ما يُعْلَم من أسرار أحكام الشريعة وحِكَمِها، ولكن أهل العلم من السلف والخلف، أئمة الخلف فسَّرُوا الحكمة بأنها السنة. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤]. * طالب: (...)؟ * الشيخ: إي نعم، معرفة المتشابه؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما أدري والله، ما أعرف هذا. * الطالب: قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦٩]. * الشيخ: أقول: ما أعرف هذا، ما هو كلما جاءت الحكمة فهي السنة، إنما إذا قال: الكتاب والحكمة، ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة ١٢٩]، ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، ما هو معناها أن كلما جاءت الحكمة فهي السنة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، ﴿لَطِيفًا﴾ قال المؤلف: (بأوليائه ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه) اللطيف فسَّره أهل الباطل بأنه الذي لا يُدْرَك لصغره -أعوذ بالله- لطيف، أنت ما تقول: هذا لطيف، يعني: صغير ما ينشاف، ففسَّرُوه بذلك وكذبوا، وفسَّرَه أهل السنة فقالوا: إن اللطيف جاء في كتاب الله مُعَدًّى باللام ومُعَدًّى بالباء، ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى ١٩]، ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف ١٠٠]، فعُدِّي بالباء وعُدِّي باللام، وعلى هذا فيكون اللطيف له معنيان؛ أحدهما اللطف للعبد، وهو أن الله عز وجل يُقَدِّر له مواقع الإحسان، بمعنى أنه يلطف له فييسر له الأمر ويسهِّلُه عليه، وأما اللطيف به –بالباء- فهو بمعنى إدراك الأمور الخفية؛ لأن اللطيف معناه الذي يُدْرِك ما لَطُف، فمعنى ﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ أي: مدرك لما خفي من أمورهم، فيكون بمعنى الخبير، بل أدق من معنى الخبير، ولهذا جمع الله بينهما فقال: ﴿خَبِيرًا﴾، والخبير قال العلماء: هو العالم ببواطن الأمور، يقول ابن القيم في النونية، وهي من أحسن ما نُظِمَ في التوحيد وأجمعه، يقول: وَهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ∗∗∗ وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَـــافِهِ نَوْعَــــــانِ؎إِدْرَاكُ أَسْرَارِ الْأُمُورِ بِحِكْمَةٍ ∗∗∗ وَاللُّطْفُ عِنْدَ مَوَاقِعِ الْإِحْسَانِ فهذا معنى اللطيف، فصار اللطيف له معنيان؛ اللطيف للعبد، واللطيف به، فاللطيف به بمعنى: الخبير ببواطن أموره وما لَطُف من أمره، وله: الذي يُقَدِّر له من أسرار حكمته أو من أسرار إحسانه وفضله ما لا يدركه بعقله. نأخذ الآن فوائد الآيات.. ويش آخر ما قرأنا الفوائد؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب ٣٣]،* في هذه الآية الكريمة: وجوب قرار المرأة في بيتها، انتبهوا إلى هذه الفائدة، أو نقول: مشروعية؟ مشروعية، لأن القول بوجوب القرار يخالفه ما جاء في السنة من الإذن للنساء بالخروج لكن بدون تَبَرُّج، وعلى هذا فنقول: مشروعية؛ لأن كلمة مشروعية تتسع للواجب والمستحب. * ومن فوائد الآية: أن بيوت أزواج النبي ﷺ ملك لهن؛ لقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. فإن قال قائل: الإضافة هنا للاختصاص وليست للتمليك، كما تقول: السرج للدابة، والْمِقْوَد للبعير، وهل هي تملكه؟ لو قال قائل ذلك بأن الإضافة للاختصاص، وأن بيوت أزواج النبي ﷺ للنبي ﷺ، ماذا نقول؟ نقول: إن الواقع يخالف ذلك؛ لأن هذه البيوت لو كانت للرسول عليه الصلاة والسلام ما بَقِيَت مع أمهات المؤمنين بعد موته؛ إذ إن النبي ﷺ لا يُورَث. * ومن فوائد الآية الكريمة: الفائدة المأخوذة من الإضافة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، فإن فيها الإغراء على لزوم البيت؛ لأنه بيتها وسترها، يعني كلمة ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أبلغ من كلمة: وقرن في البيوت، كأنه يقول: هذا البيت ما بُنِيَ إلا لك سترًا لك وصونًا، فالزمي هذا البيت الذي من أجلك بُنِيَ. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم تبرُّج الجاهلية؛ لقوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. * ومن فوائدها: جواز التبرج إذا كان مبنيًّا على العلم والسنة؛ لأن المنهيّ عنه من التبرج هو تبرُّج الجاهلية، ولهذا يجوز للمرأة أن تتبرج في بعض المواضع، وليس حرامًا عليها كل تبرج. * ومن فوائد الآية الكريمة: ذَمُّ الجهل؛ لقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، فإن نسبة هذا إلى الجهل لا شك أنه يراد به التنفير. * ومن فوائد الآية الكريمة: مَدْح ما كان مبنيًّا على العلم، من أين يؤخذ؟ لأن ذَمّ الضِّدّ يدل على مدح ضده، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فإذا كان التبرج المبني على الجهل مذمومًا فإن ما بُنِيَ على العلم ليس مذمومًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي عند الإغراء أو التحذير أن يُذْكَر كل وصف يستلزم الإغراء أو التحذير؛ لقوله: ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، الأولى -كما قلنا فيما سبق- زمنًا أو الأولى نوعًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب إقامة الصلاة على النساء، كما هو واجب على الرجال؛ لقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ﴾، ووجوب إيتاء الزكاة؛ لقوله: ﴿وَآتِينَ الزَّكَاةَ﴾. * ومن فوائدها: الإشارة إلى أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من الموانع عن المحرَّمات؛ لأنه قال: ﴿لَا تَبَرَّجْنَ﴾، ثم قال: ﴿وَأَقِمْنَ﴾، فدل هذا على أن من أسباب عدم التبرج إقامة الصلاة، ولا ريب في هذا؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، ويقول عز وجل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة ٤٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، من أين تؤخذ؟ من الأمر بهذا، ثم بعد ذلك قال: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، وطاعة الله ورسوله يدخل فيها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فالنص على بعض أفراد العامّ يدل على العناية به، سواء تقدم الخاصّ أو تأخَّر، فمثلًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج ٧٧]، هذا تقدَّم الخاصُّ على العامِّ، أو لا؟ ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وهذا من فعل الخير، ثم قال: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، هذا من باب تقدُّم العامّ على الخاصّ، وسواء تقدَّم العامّ على الخاصّ أو تأخَّر فإنه يدل على العناية بالخاصّ، ولهذا نُصَّ عليه من بين أفراد العامّ. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب طاعة الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. * ومن فوائدها: أن طاعة الرسول ﷺ من طاعة الله؛ للعطف بالواو الدالَّة على الاشتراك، وقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]. * ومن فوائدها: أن الله أراد بحكمته البالغة أن يُذْهِب الرجس عن آل البيت؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخضوع بالقول، وأن تبرُّج الجاهلية من الرجس، وأن القرار في البيوت، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله من أسباب زوال الرجس؛ لأن ما تقدم أوامر ونَوَاهٍ بَيَّن الله تعالى أنه إنما أمر بها ونهى عنها من أجل أن يُذْهِبَ عن هذا البيت الرجس، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن زوجات الإنسان من آل بيته، صح؟ فإذا قال: هذا وقفٌ على آل بيتي، شمل النساء، وإذا قال في الأضحية: اللهم هذا عني وعن أهل بيتي، شمل النساء؛ لأن الله تعالى جعل زوجات الرسول ﷺ من آل بيته. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفخيم هذا البيت وتعظيمه؛ لقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾؛ لأن (أل) للعهد الذهني، كأن هذا البيت معهود معلوم بأذهان الناس لا يغيب عنها؛ لما لهذا البيت من المكانة الرفيعة والخصلة الحميدة. * ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل أراد أن يُذْهِب الرجس وأثر الرجس أيضًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهذا فوق ذَهَاب الرجس؛ لأننا لو ضربنا هذا بالمثال الحسي وقلنا: إن هذا الثوب تلطَّخ بنجاسة، فحكَكْنَا هذه النجاسة حتى زالت عينُها، هذا ماذا يسمى؟ هذا إذهاب الرجس، فإذا صببنا الماء حتى نَظُفَ المكان تمامًا وزال الأثر صار ذلك تطهيرًا، ولهذا جاء في الحديث الصحيح في دعاء الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٤) ومسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، فذكر المباعَدة أولًا قبل التَّلَبُّس بالخطيّة، ثم ذَكَر التنقية من الخطيّة بعد التلبس بها، ثم ذكر أبلغ من ذلك وهو الغسل، غسل هذه الخطية وآثارها بالماء والثلج والبَرَد، والحاصل أننا نقول: إن قوله: ﴿يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ هذا فوق إذهاب الرجس. ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الإرادة لله؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. ومن فوائدها أيضًا: أن البيت المطهَّر من الرجس، سواء بيت الرسول ﷺ ولَّا غيره من البيوتات، أن البيت المطهَّر يعتبر من أفضل البيوتات، ويعتبر تطهيره من أكبر النِّعَم عليهم، منين يؤخذ؟ من أن الله امْتَنَّ بذلك على آل بيت الرسول ﷺ، وهذا شيء معلوم في الناس، الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، من الناس معدن خبيث، ومن الناس معدن طيب، ولهذا لو أن أحدًا تلبَّس برجس من الأرجاس، من حَمُولة طيبة قبيلة طيبة، ويش يقول الناس؟ يستغربونه ويستنكرونه، ويرون هذا أشد، لكن لو تلبَّس أحد برجس من الأرجاس وهو من قبيلة معروفة بذلك أيش يقولون؟ ما يُسْتَغْرَب، يقولون: إن الغصن من الشجرة، ولا هو بغريب أن يفعل هذا الفعل؛ لأن آباءه وإخوانه وأعمامه وما أشبه ذلك فعلوا مثله، ولا شك أن الله إذا مَنَّ على آل بيت من البيوت بالتطهير والكرم والنظافة والنزاهة فإن ذلك من نعمة الله عليهم. واعلم أن الله تعالى قد يجعل على يد الشخص الواحد طهارة كل قبيلته كما هو مشاهَد، يخرج رجل واحد صالِح مُصْلِح يُنْذِر عشيرته الأقربين، ويحرص على دعوتهم للحق، فيُصْلِح الله تعالى على يديه كل قبيلته، إذا جاء ذلك بإخلاص وبامتثال لأمره سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤]، لكن ما أدري عن أنفسنا نحن، أيش تقولون؟ إي والله الله يصلحنا، عندنا تفريط وإهمال، الإنسان ما يتفقد أهله اللي في بيته، ولا يتفقد أهله قرابته اللي في غير بيته، صحيح هذا هو الواقع؛ يعني الناس الآن ما كأنهم يعني غاية ما يتواصلون به إن تواصلوا في الأمور الدنيوية، لكن هدايا الدين ما أقلها، ما أقل ذلك، وإن كان والحمد لله يوجد، أنا ما أقول: إني أُقَنِّطُكم من رحمة الله، يوجد والحمد لله مَن إذا رأى في بيت أقاربه ما يُكْرَه ينصحهم ويرشدهم، ويُبَيِّن لهم ذلك، وربما بعض الناس يهجرهم ما يذهب إليهم، كل هذا من أجل الحرص على تقويمهم. * طالب: الأول كان يحتاجون بعضهم، الآن (...). * الشيخ: صحيح إن الآن ما هم مثل أول، وإن الفقر لباس طيب في الحقيقة، مثلما قال حميدان الشويعر: الفقر خديديم أجواد ∗∗∗ ودك يا طا كل زنقه فالحاصل أن الفقر قد يكون فيه خير، «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَغْنَاهُ اللهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى»[[أخرج الحكيم الترمذي (٨٩٦) والبغوي في شرح السنة (١٢٤٩) بسنديهما عن أنس رضي الله عنه عن النبي ﷺ، عن جبريل، عن الله تبارك وتعالى، قال: «إن من عبادي المؤمنين لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلا السقم، ولو صححته لأفسده ذلك» الحديث. ]]، لكن مع ذلك لا تيأسوا والله كم من قلب لان للحق وهو من أفسق عباد الله، هذا شيء الذي يجعلنا بالحقيقة نستحسر هو اليأس، ويعقوب عليه السلام قال لبنيه: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف ٨٧]، مع أنه في تلك الساعة ويش يظن؟ يظن أنهم ما هم بواجدينه، لكن مع هذا لقوة رجائه بالله عز وجل، وإن الأمور لا تقيسها بما تشاهد، هناك شيء وراء المادة، هناك شيء وراء المشاهدة وما تسمع، وهو إرادة الله عز وجل وقدرته، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق٢، ٣]، من بابٍ ما كان يظن أن يأتيه الرزق منه، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم اليقين. * طالب: يعقوب كان يعلم بيوسف أنه حي؟ * الشيخ: لا، يمكن يظن ويرجو؛ لأن الله قد وَعَدَهُ بذلك. * الطالب: (...) ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [يوسف ٨٦]؟ * الشيخ: إي نعم، هو يظن ويرجو، لكن هذه الوقائع قد تعطي القلب يأسًا. ثم قال عز وجل: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٤]، في هذه الآية من الفوائد تذكير أُمَّهَات المؤمنين بهذه النعمة العظيمة، وهي -لا أحد يسألني وأنا أستنبط الفوائد- تذكير زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام بهذه النعمة العظيمة؛ لقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾. * ومن فوائدها: أن مَن أعطاه الله علمًا كان طلب الاستقامة منه أَوْكَد وأوثق، إذا أعطى الله الإنسان علمًا فإنه يُطْلَب منه من الاستقامة أكثر مما يُطْلَب ممن؟ لم يُؤْتَ علمًا، لأنه قال: ﴿اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى﴾ فليس عليكن قاصر في العلم، بل إن العلم يُتْلَى في بيوتكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن البيت الذي يُتْلَى فيه كتاب الله خير من البيت الذي لا يُتْلَى فيه كتاب الله؛ لقوله: ﴿اذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ولهذا قال النبي ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا»[[أخرجه مسلم (٧٨٠ / ٢١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، يعني: لا تجعلوها مثل القبور لا تصلون فيها، وفي الحديث الصحيح عنه: «أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٩٠) ومسلم (٧٨١/٢١٣) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «... فإنَّ أفضلَ صلاةِ المرءِ في بيته إلا الصلاة المكتوبة». ]]، وكان مِن هَدْي الصحابة رضي الله عنهم أنه تُسْمَع لبيوتهم من تلاوة كتاب الله يُسْمَع لها دَوِيّ كدَوِيّ النحل من قراءة كتاب الله تعالى في البيوت. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن من آيات الله؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، وقد سبق في التفسير بيان كونه من آيات الله عز وجل؛ لِمَا يتضمن عليه من المصالح والْحِكَم والأسرار. * ومنها -من فوائد الآية الكريمة-: أنه إذا قُرِنَت الحكمة بالكتاب فالمراد بها السنة؛ لأن السنة أيضًا تتضمن الحكمة، والله عز وجل لم يَصِف السنة بالحكمة؛ لأن القرآن ليس فيه حكمة، ولكن لَمَّا كان القرآن من عند الله وكلام الله فإن احتمال ألَّا يتضمن الحكمة بعيد ولَّا لا؟ بعيد جدًّا، لكن لما كانت السنة من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام فإن كلام البشر قد يَرِد عليه احتمال ألَّا يكون مشتملًا على الحكمة، فبَيَّن الله عز وجل أن السنة حكمة، وإن كانت من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام أو من فعله فإنها حكمة؛ لأنها موافقة للصواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: اللطيف والخبير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله كان لطيفًا خبيرًا، أما الآن فلا. * طالب: لا. * الشيخ: لا؟ ليش؟ كان هذه مسلوبة الدلالة على الزمان، وإنما يراد بها اتصاف المبتدأ أو الاسم بالخبر فقط، بقطع النظر عن الزمان، إذن ما الفائدة منها، لماذا لم يقل: إن الله لطيف خبير؟ الفائدة منها تحقُّق الاتصاف بهذا الوصف، هذه الفائدة، (كان) يعني قد تحقق ذلك في حقه، وهو أنه سبحانه وتعالى لطيف خبير. * ومن فوائدها: ما تضمَّنه هذان الاسمان من صفات الله عز وجل؛ من اللطف والخبرة. * طالب: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ممكن يرد على مَن أنكر أن نساء النبي من آل البيت؟ * الشيخ: إي، كيف؟ فيها بلا شك، أنا سمعت شريطًا للأخ إحسان ظهير إلهي. * الطالب: إلهي ظهير. * الشيخ: إحسان إلهي ظهير يرد على رجل من الشيعة ويتكلم عن هذه الآية بشدة وبقوة، يقول: إن الذي يصرف الآية هذه إلى آل بيته الأربعة ما يعرف اللغة العربية، ولا يعرف أساليب الكلام، كيف إنه يُخْرِج هذه الآية من بين الآيات كلها المحيطة بها والتي توجَّه إلى أمهات المؤمنين ويُخْرِج هذه الآية؟ أيش سؤالك أنت؟ * الطالب: ما فيه فائدة أن (...)؟ * الشيخ: بشرط إن طلبة العلم يعلِّموهم. * الطالب: (...). * الشيخ: ما يخالف، إذا كان الزوج أخرس ما يقول شيئًا، وهي لا تعرف تقرأ، وعنده كتب وهي ما تقرأ، والزوج ما يعلِّمها. * الطالب: (...). * الشيخ: قد لا يكون. * الطالب: من قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. * الشيخ: إذا معناها ما (...)، ربما يكون عند المرأة مثل ما قال الأخ عندها أشرطة تستمع إليها، فيقال: كل امرأة يوجَد في بيتها أو يُتْلَى في بيتها حرف من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ، أو كلام أهل العلم المبني على الكتاب والسنة فعليها من الواجب أكثر ممن لم تعرف. * طالب: طالب العلم. * الشيخ: لا، تُلْزِم زوجات طلبة العلم الْخُرْس. * الطالب: (...) ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾؟ * الشيخ: ﴿مَا يُتْلَى﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: إي، هذه يؤخذ منها؛ لأننا ذكرناها، قلنا: إن الذِّكر هنا أن المرأة تذكر فضل ونعمة الله عليها في هذا، وتتذكر أيضًا هذا الذي يُتْلَى بتَعَلُّمه وبتعليمه أيضًا؛ تعلُّمه يعني لأنه يأمر بالتعليم، وإلا نفس اللفظ ما يدل عليه؛ لأنه ما قال: ذَكِّرْن ما يُتْلَى، قال: ﴿اذْكُرْنَ﴾. * الطالب: شيخ، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، فيها رَدّ أيضًا على المسلمين الذين ينكرون السنة. * الشيخ: إي نعم. * الطالب: يقولون: نأخذ بالقرآن ونتلوه. * الشيخ: نعم، كيف؟ فيه رد على هؤلاء، ورد على آخرين يقابلونهم، يأخذون بالسنة ولا يأخذون بالقرآن؛ لأن فيه ناس الآن، فيه ناس مع الأسف يعتنون بالسنة اعتناء عظيمًا، حتى إنهم يغوصون على أشياء قد لا تكون صحيحة ويأتون بها، لكن في القرآن خاطِبْهم في القرآن ما يعرفون شيئًا في القرآن، لا في تفسيره، ولا في إعرابه، ولا في شيء أبدًا منه، بينما هم في السنة يُذْهِبُون ليلهم ونهارهم، وهذا خطأ؛ لأن أول ما يجب أن نتعلم القرآن، ثم بعد ذلك السنة؛ لأن القرآن هو الأصل، الآن انتهى وقت الحديث، لكن نبغي نأخذ (...). ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٨] لا بد نحن ذكرنا الفوائد، لكن في ظني أننا ما ذكرنا أن التخيير لا يكون طلاقًا، ولا ذكرنا أن في ذلك حماية لفراش الرسول عليه الصلاة والسلام من أن يكون فيه مَن يريد الحياة الدنيا وزينتها، ولا ذكرنا أن في ذلك أيضًا دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام حتى لا يطالبنه بعد ذلك بشيء من الحقوق، أظن ذكرنا أن فيه مناقب لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، فالمهم أن فيه فوائد كثيرة تحبون نأخذها ولَّا.. أنا أخشى أن.. بعضها مكتوبة الآن. * طالب: (...) الأخرس. * الشيخ: لا أن التخيير ليس بطلاق، ولا أخذنا أن فيه دفاعًا عن الرسول عليه الصلاة والسلام، أخذناه؟ خير إن شاء الله، أجل نمشي.

الأحزاب 33:35

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ إلى آخره. أولًا: إن القرآن الكريم في غالب ما يتحدث عن الأحكام الجزائية والأحكام العملية أكثر ما يتحدث مخاطبًا الرجال؛ لأن الرجال أشرف من النساء، ولأن الرجال قَوَّامُون على النساء، فإذا صلح الرجال صلحت النساء، ولأنه إذا اجتمع جنسان فإنه يُغَلَّب أيش؟ أشرفهما وأعلاهما، فلهذا أكثر الخطابات الواردة في القرآن توجَّه إلى الرجال؛ لهذه الأسباب الثلاثة ولغيرها، لكن في بعض الآيات تُذْكَر الأحكام للرجال والنساء؛ إما على سبيل التفصيل، وإما على سبيل على الإجمال. مثال الأول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخره، ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ١٩٥]، فإن في هذا إجمالًا، ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾. في هذه الآيات ذكر المفسرون أن من أسباب نزولها أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن الله تعالى إذا تكلم إنما يتكلم عن.. ولا يذكر النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخره، فقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، هذه (إنّ) التوكيدية التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر. (...) ذكور وإناث. ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أيش؟ ذكور ولَّا إناث؟ ذكور، ما قال: أعد الله لهم ولهن، قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فدلَّ ذلك على تغليب جانب الذكورية، كما أن في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ تقديم الذكور يدل على شرف الذكور، وهذا أمر لا يَمْتَرِي فيه عاقل، لكن لما جاء الغرب الخبيث القبيح المقلوب فطرةً ودينًا، وصار يقدِّم النساء من أجل إثارة الفتنة بهن، وتشريفهنّ على الرجال، لَمَّا جاء هذا الغرب الخبيث تبعه الذين يتبعون كل ناعق، وصاروا يقدِّمُون النساء على الرجال، حتى كانوا لا يطلقون على النساء إلا كلمة السيدات، يعني أنهن سيدات للرجال، فقلبوا الحقائق والأوضاع؛ لأن الله تعالى قد قلب فِطَرَهم، فعبدوا المادة دون خالقها، وكذلك تصرَّفوا في تصرفاتهم هذه، ويجب على المسلمين الحذر والتنبه من مغالطات أولئك الكفرة، لا في هذا، ولا في غيره، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ودينُهم والحمد لله قد بَيَّنَ الله فيه كل شيء. ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الإسلام في أعمال الجوارح الظاهرة؛ لأنه يشمل أو يُرَاد به أن يستسلم الإنسان لله ظاهرًا بجوارحه؛ بلسانه، بيديه، برجليه، بعينه، بأُذُنه، هذا الاستسلام الظاهر يسمى.. أيش تقولون؟ يسمى إسلامًا، وقد يقع من غير المؤمن، قد يقع من المنافق، وقد يقع من ضعيف الإيمان، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]، هذا الإسلام مرتبته دون الإيمان، ليش؟ لأنه يقع من المؤمن الحق، ومن المنافق، ومن ضعيف الإيمان؛ لأنه الاستسلام لله تعالى بالجوارح الظاهرة. ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، هذا الاستسلام لله تعالى باطنًا، وذلك بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ولسنا بحاجة إلى تفسير أحد للإيمان بعد أن فسَّره مَن؟ النبي ﷺ، حين سأله جبريل: ما الإيمان؟ قال:« «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضا، واللفظ له.]]، وتفاصيل هذه الجملة قد تكلمنا عليها مرارًا وليس هذا موضع بسطه. إذن الإيمان هو أيش؟ الاستسلام لله باطنًا، بحيث يؤمن الإنسان بما يجب الإيمان به، وهو.. أكملوا، الإيمان بالله وملائكته، إلى آخره. الإيمان أعلى من الإسلام لأن الإيمان يستلزم الإسلام، ولا عكس، فكل مؤمن لا بد أن يكون مسلمًا؛ لأنه إذا صلح القلب، أيش؟ صلحت الأعضاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْعَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.]]، ولكن بعض الناس يعمل المعاصي ويحتج بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «التَّقْوَى هَاهُنَا»[[أخرجه أحمد (٧٧٢٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، إذا قلت: يا أخي اتقِ الله، صَلِّ مع الجماعة، اتقِ الله دع حلق اللحية، اتقِ الله اترك الغيبة، وما أشبه ذلك، يقول لك: التقوى هاهنا، كيف ترد؟ * طالب: نعم، صحيح أن التقوى في القلب، لكن إذا صلح القلب تصلح الجوارح، الإيمان باطنًا (...). * الشيخ: نعم، نقول: لو اتقى ما هاهنا لاتَّقى ما هاهنا، يعني لو اتقى الباطن لاتقى الظاهر؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ»، فجعل الأمر جملة شرطية، والمعروف في اللغة والعرف والشرع أن الجملة الشرطية يتحقق فيها المشروط متى؟ إذا تحقق الشرط. * طالب: بعضهم يحتج علينا حين المناقشة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، فكيف نرد عليه؟ * الشيخ: نقول: صحيح، نحن معك أن هذه الذنب الذي تعمله دون الشرك قابل لأن يغفره الله، ولكن الله لم يقل: ويغفر ما دون ذلك لكل أحد، بل قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فهل تشهد أنك أنت ممن شاء الله أن يغفر له؟ أيش نقول؟ إذن فأنت على خطر، والأصل أن الوعيد على المعاصي ثابت، هذا هو الأصل؛ لأن رَفْعَه تحت المشيئة، ووقوعه بمقتضى الوعد، فالأصل ثبوته، واضح؟ فلا حجة له في هذا. ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ يقول المؤلف، ما شرحها، ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، الله يهديه يقول: (المطيعات)، كان عليه أنه يقول -الله يهديه ويغفر له، ولَّا عاد انتهى وقت الهداية- لكن يقول: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ كان عليه أن يقول: المطيعين، ولَّا لا؟ ويصير: ﴿وَالْقَانِتَاتِ﴾ معروف أنها المطيعات، واضح؟ نعم. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ القنوت هو ليس مطلق الطاعة كما يُفْهَم من كلام المؤلف، ولكنه الطاعة بدوام وذُلٍّ وسكون، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، ولما نزلت هذه الآية أُمِرُوا بماذا؟ بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام، فدلَّ هذا على أن القنوت ليس مجرد فعل الطاعة، بل هي طاعة مع ذُلٍّ وخضوع ودوام. وقوله: ﴿الْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، القنوت أعلى مما سبقه؛ لأن القانت معه الإيمان والإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]. ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في الإيمان، الصدق هو الإخبار بما يطابق، هذا الأصل في معنى الصدق؛ الإخبار بما يطابق الواقع، مثل أن أقول لك: إن هذه المروحة تشتغل، هذا صدق؛ لأنه إخبار بما يطابق الواقع، ولو قلت: إن هذه المروحة لا تشتغل، لم يكن صدقًا؛ لأنه إخبار بما يخالف الواقع، ولكن الصدق هل هو في القول فقط، أو يكون الصدق في القول والعمل والعقيدة؟ الجواب: الأخير، يكون الصدق في العقيدة بأن يكون الإنسان صادق الإخلاص لله عز وجل في كل أعماله، صادق العقيدة بحيث تكون مطابقة لما جاء به الشرع، ويكون الصدق كذلك في الأقوال بألا يقول إلا صدقًا، ولو كان الأمر عليه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥]، وانظر إلى نتيجة الصدق في قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن أيش؟ * طالب: عن المعركة. * الشيخ: أي معركة؟ * الطالب: اليرموك. * الشيخ: اليرموك؟! وين أنت .. اليرموك يا شيخ؟ نعم، الذين خُلِّفُوا؟ * طالب: عن غزوة تبوك. * الشيخ: عن غزوة تبوك؟ لا، خطأ، ما قال: تخلفوا، فنقول: عن الغزوة، لكن خُلِّفُوا يعني أُرْجِئَ أمرهم؛ لأنهم جاؤوا أخبروا بالصدق، المنافقون كانوا يأتون ويقولوا: يا رسول الله لنا عذر ولنا عذر، فيستغفر لهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله، لكن هؤلاء صدقوا فخُلِّفُوا، خُلِّفُوا عن أيش؟ عن الحكم عليهم بما حُكِمَ على المنافقين، وليس المراد أنهم خُلِّفُوا عن الغزوة، لو كان كذلك لقال: الذين تخلَّفُوا، هؤلاء الثلاثة وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، هؤلاء صدَقُوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأشد مَن تكلم وأَبْيَن مَن تكلم وأفصح مَن تكلم من هؤلاء الثلاثة كعب بن مالك؛ لأنه أشبُّهم رضي الله عنه، فتكلم كلامًا عجيبًا، ويحسن بكم أن تراجعوا قصته؛ لأنها في الحقيقة تزيد في الإيمان. هؤلاء صدقوا، ماذا كانت نتيجة صدقهم؟ أن الله أنزل فيهم كتابًا يُتْلَى إلى يوم القيامة في مدحهم والثناء عليهم، حتى قال الله للناس كلهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، أما الآخرون قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة ٩٥]، شوف الفرق بين الأمرين؛ هؤلاء كَذَبُوا فأُرْجِسُوا -والعياذ بالله- وهؤلاء صَدَقُوا فرُفِعُوا، فعليك بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكْتَب عند الله صِدِّيقًا[[أخرج البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) بسنديهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنةِ، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكونَ صِدِّيقًا. وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار، وإنَّ الرجلَ ليكذب حتى يكتبَ عند الله كذَّابًا».]]. فالمهم أن الصادقين والصادقات نقول: في الإيمان، وفي القول، وفي العمل، كيف الصدق في العمل، أيش لون؟ الصدق في العمل أن يكون مطابقًا للباطن، فلا تعمل رياءً، ولا سمعة، ولا مصانعة، ولا مجاملة، ولا لأجل شيء من الدنيا. مثال ذلك: رجل أخرج من جيبه ألف درهم فتصدق بها؛ لأن الناس يشاهدون، فقال: أريد أن يقول الناس: ما أكرم فلانًا! هل صدق في فعله؟ ويش ظاهر فعله؟ أنه لله، صادق، ولكن حقيقة أمره العكس، بل كان كاذبًا. ومن الصدق في الأعمال متابعة الرسول ﷺ، فإنها دليل على صدق محبة الإنسان لله ورسوله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران ٣١]، فصار الصدق في العقيدة، في القول، في العمل. وما هو الأصل في الصدق؟ ما معنى الصدق في الأصل؟ قال لك إنسان: إنه قد طلع الفجر، فنظرت وإذا الفجر طالع، وقال لك آخر: إن الفجر لم يطلع، فنظرت فإذا هو طالع، إذن ما هو الصدق والكذب؟ أيش معنى الصدق؟ الإخبار بما يطابق الواقع، هذا هو الصدق. ذكرنا أن الصدق يكون في العقيدة، وفي القول، وفي العمل؛ الصدق في العقيدة الإخلاص لله عز وجل، وأن يكون ما يعتقده مطابقًا لما جاء به الشرع، الصدق في القول الإخبار بما يطابق الواقع، ولو كان على نفسك، يقول واحد: إن الكذب منجاة، إذا فعلت جريمة وسألك أحد فقل: ما فعلت، تنجو، قال له الثاني: لكن الصدق أنجى، أيهما أصح؟ الأخير، أنت إذا كذبت وقُدِّرَ أنك نجوت فإن العاقبة وخيمة، لكن إذا صَدَقْتَ وقُدِّرَ أنك عُوقِبْتَ فإن العاقبة حميدة، الصدق في العمل أن يكون مطابقًا لما في الباطن، في القلب، بحيث يتطابق الظاهر والباطن. * طالب: الصدق والكذب نجوة، الصدق أنجى وأنجوين. * الشيخ: إذا كان في الكذب. * الطالب: نجوة يعني نجاة فالصدق أنجى وأنجوين يعني.. * الشيخ: إي نعم، أنجى مرتين، صحيح، نقف على هذا؛ لأنه انتهى الوقت. (...) * * * ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ إلى آخره. كيف يخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين (...). مَن يعتقد ما يوافق الشرع فيما يتعلق بآيات الله وأسمائه وصفاته هذا من الصدق، الصدق في القول أظن (...). ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، لَمَّا كان الصدق قد يترتب عليه من مجاهدة النفس ما يترتب؛ لأن إخبار الإنسان بالصدق ولا سيما مع نفسه أمر صعب، أعقبه بذِكْر أيش؟ الصبر، يعني كأنما يقول: اصدق واصبر على صدقك، فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، والصبر في اللغة الْحَبْس، ومنه قولهم: قُتِلَ صبرًا، يعني حَبْسًا، وفي الشرع: حَبْس النفس عن الكراهة لحكم الله عز وجل والتضجر منه. أقول: إن الصبر أيش؟ حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لحكم الله، حُطُّوا بالكم لهذا، فقولنا: لحكم الله، يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، وهذا التعريف يشمل أنواع الصبر الثلاثة التي تكلَّم عليها أهل العلم، حيث قالوا: إن الصبر ثلاثة أقسام، أو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فنحن إذا قلنا: حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لحكم الله، يشمل الأنواع الثلاثة ولَّا لا؟ لأنه يقول: حكم الله الكوني والشرعي، فالكوني يتعلَّق بالصبر على أقدار الله، والشرعي يتعلق بالصبر على طاعة الله، وعن معصيته. الصبر على طاعة الله هو أعلى أنواع الصبر؛ لأنه صَبْرُ النفس على عمل وحركة وتعب، والصبر عن معصية الله دونه في المرتبة؛ لأن فيه حَبْسًا للنفس عما تشتهيه من أجل أنه معصية لله عز وجل، لكن هل فيه عمل كالصبر على طاعة الله؟ ما فيه عمل، ما فيه إلا الكف؛ كفّ النفس عن هذا المحرَّم، فبهذا تميَّز الصبر على طاعة الله على الصبر عن معصيته؛ لأن في كل منهما جهادًا للنفس، لكن الصبر على الطاعة فيه تكليف النفس بالعمل، وهذا ليس فيه تكليف نفس بعمل، ولكن فيه أيش؟ الكف عن معصية الله، فلهذا كان دون الأول في المرتبة، ولكننا نحن نقول: دون الأول في المرتبة، باعتبار نفس النوع، لا باعتبار الصابرين؛ لأن بعض الصابرين يعاني من المشقة من الصبر على معصية الله أكثر مما يعاني من الصبر على طاعة الله، أليس كذلك؟ فلو فرضنا أن رجلًا تُسَاوِرُه نفسه وتدعوه إلى فعل الفاحشة بضغط شديد، ولكنه عندما يصلي يجد نفسه مرتاحًا بدون عناءً ولا مشقة، لا شك أن معاناته الأولى أشد، ولكننا نحن نتكلم عن أنواع الصبر من حيث هي نوع، بقطع النظر عن الصابر وما يتعلق بحاله. أما القسم الثالث فهو صبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا أدنى أنواع الصبر؛ لأنه صبر على ما لا فِعْل الإنسان به، صبر على أمرٍ ليس من فعله ولا من مقدوره، أليس كذلك؟ لكن الصبر على الطاعة وعن المعصية من مقدوره، أما أقدار الله فإنها ليست بمقدوره، فهو صبر على أمر ليس بمقدورك، لهذا كان أدنى منه. ولذلك قال بعض السلف في المصاب: إما أن يصبر صبر الكرام، أو يسلو سُلُوَّ البهائم، وهذا صحيح، مَن منا لم يُصَب ببدنه أو أهله أو ماله، ثم تكون المصيبة عظيمة جدًّا، وبعد مُضِيّ مدة من الزمن ينساها، ما كأنها شيء، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦ / ١٤) من حديث أنس رضي الله عنه.]]، هذه حقيقة الصبر، أما بعد ذلك تبرد النفس، وتتلهى بأمر بما يحدث لها من شؤونها في حياتها حتى تتسلى، ولا كأن شيئًا جرى. إذن الصبر كم أنواعه؟ * طالب: ثلاثة. * الشيخ: ثلاثة، صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة. ما تقولون في صبر أيوب عليه الصلاة والسلام، من أي أنواع الصبر؟ * طالب: (...). * الشيخ: ما هي؟ * الطالب: صبر على طاعة الله. * الشيخ: بماذا؟ * الطالب: والحقيقة أنه صبر على أقدار الله. * الشيخ: نحن ما نبغي إلا الحقيقة، صبره على ما مَسَّه من الضر، من باب الصبر؟ على أقدار الله، ما تقول في صبر يوسف عن فعل الفاحشة في امرأة العزيز؟ * طالب: عن معصية الله. * الشيخ: صبر عن معصية الله، ما تقول في صبر يوسف على ما ناله من أَلَم السجن وأذيته؟ * طالب: (...). * الشيخ: (...) انتهى منه، لكن كونه سُجِن تألم وتأذى وصبر. * الطالب: أقدار الله. * الشيخ: على أقدار الله المؤلمة، هل ليوسف صبر على طاعة الله؟ * طالب: دخوله السجن اختياري، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف ٣٣]، فيدل هذا على أنه اختار الطاعة (...). * الشيخ: أيضًا دعوته لأهل السجن إلى عبادة الله وإلى توحيده هذا من الصبر على طاعة الله، فاجتمع في حقه أنواع الصبر الثلاثة، وهكذا تكون أنواع الصبر الثلاثة لكثير من عباد الله، الرسول ﷺ صبر على طاعة الله، وعن معصيته، ويش بعد؟ وعلى أقداره، وهذا شيء كثير. إذن الصبر هل هو واجب أو مستحب؟ الصبر واجب؛ إحنا قلنا: كَفُّ النفس عن؟ * طالب: المعصية. * الشيخ: لا، المعنى العام للصبر حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لأحكام الله، ما قلنا: لشريعة الله، لأحكام الله، لأجل يشمل الصبر على أقدار الله المؤلمة، فالصبر إذن واجب، وفيه أجر كثير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠]، ولهذا قال الله تعالى في الصوم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»[[أخرج الترمذي (٧٦٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ربَّكُم يقولُ: كلُّ حسنةٍ بعشْرِ أمثالها إلى سبع مئةِ ضعفٍ، والصومُ لي وأنا أجزي به، والصوم جُنّة من النار» الحديث. ]]؛ لأن الصوم حقيقةً اجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة؛ فهو صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة، فنسأل الأخ يحلِّل لنا هذه الأنواع الثلاثة في الصوم؟ * طالب: صبر على طاعة الله؛ لأن الله أمر به. * الشيخ: لأنه؟ ما تقول: لأن الله أمره به، لأنه هو. * الطالب: (...). * الشيخ: اصبر ما خلصنا منك إلى الآن، صبر على طاعة الله، لماذا؟ * الطالب: لأن الله أمر به. * الشيخ: لأنه صبر على الصوم، وحبس نفسه على الرضا به فصام، وصبرٌ عن معصية الله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، الصائم مأمور بأن يجتنب أشياء كثيرة، فاجتنبها، إذن صَبَرَ عن معصية الله، صبرٌ على أقدار الله؟ * الطالب: (...). * الشيخ: أنت صُمْتَ هذه السنة في رمضان؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الحمد لله، جعت وعطشت، وتألمت من هذا الجوع والعطش، إذن صبر على أقدار الله المؤلمة، ففيه أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾. * طالب: (...)؟ * الشيخ: لا، ما هو متعلق بالإرادة الكونية، متعلق بالإرادة الشرعية، هو مراد لله تعالى شرعًا، وأما كونًا فإنما يكون مرادًا له فيمن صام فقط، انتهى الوقت الآن؟ * طالب: نعم. * طالب آخر: المؤلف يقول: (على الطاعات). * الشيخ: لا، فيه نقص: (صابرين على الطاعات) أقول: في هذا نقص، الصواب: الصابرين على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أقدار الله المؤلمة. * طالب: (...) الصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب. * الشيخ: إي، صحيح، إحنا قلنا: عن الكراهة لحكم الله، عام، أعم مما قال رحمه الله. (...) أو لا يُنَال أجرها ومرتبتها إلا بوجود أسبابها، فأما أن يقول الإنسان: أنا صابر، ثم لا يصبر، فإنه لا ينال تلك المرتبة، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يناله من أقدار الله المؤلمة أكثر من غيره، كما ثبت عنه أنه قال: «إِنَّهُ يُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٦٠) ومسلم (٢٥٧١ / ٤٥). وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٣٦٨) بهذا اللفظ، كلهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ]]، يعني أنه يصاب بالحمى كما يصاب الرجلان، وفي سياق الموت شُدِّدَ عليه عليه الصلاة والسلام من أجل أن تتم له هذه المرتبة، مرتبة الصابرين حتى ينال أعلاها. قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، يقول المؤلف: (المتواضعين) -هذا مبتدأ درس اليوم- الخاشع المتواضع المتطامِن، وضده الْمُتَعَالِي المستَكْبِر، فالخشوع إذن تطامُن وخضوع وتواضع، وهو من أعلى مراتب الإيمان، ومن أكمل أحوال القلب، والخشوع له مواضع، منها: الخشوع في الصلاة، فَسَّرَه الفقهاء بأنه سُكُون في القلب يتبين على الجوارح، وبعضهم قال: معنًى في النفس يظهر منه خشوع الأطراف، فهو في القلب، ويظهر أثره على الجوارح، ولهذا يُرْوَى عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته وهو يصلي فقال: «لو سكن قلبُ هذا لسكنتْ جوارحه »[[أخرجه عبد الرزاق (٣٣٠٨) عن ابن المسيب موقوفًا عليه، ولفظه: أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: إني لأرى هذا لو خشعَ قلبُه خشعت جوارحه. ]]، وقد رُوِيَ مرفوعًا ولا يصح، وإنما هو عن عمر على ما فيه من ضعف عنه. فالخشوع في الصلاة هو سكون القلب الذي يظهر أثره على الجوارح، أو معنًى يقوم بالنفس يظهر منه سكون الأطراف، وهناك أيضًا خشوع في بقية الطاعات بأن يؤديها الإنسان وهو متواضِع متطامِن لله عز وجل، ومنه ما حصل لرسول الله ﷺ حين فَتَحَ مكة وانتصر على أهلها، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يدخل دخول العالي المستَكْبِر، وإنما دخل مطأطِئًا رأسه ﷺ خاضعًا لله تبارك وتعالى. ومنه أيضًا الخشوع في الحج والعمرة، حيث يؤديها الإنسان بتطامُن وذُلّ وهو يعتقد أنه يعبد الله، فأنت إذا دخلتَ في العمرة أو الحج فاعتقد أنك في عبادة من حين أن تقول: لبيك اللهم لبيك، إلى أن تنتهي، ولكننا مع الأسف الشديد لا نشعر بهذا، فتجد الإنسان يَتَلَبَّس بمحظورات الإحرام وبغيرها من الْمُحَرَّمَات إلا أن يشاء الله، أو إلا مَن شاء الله. إذن الخشوع يشمل جميع الطاعات بأن يؤديها الإنسان بتواضع وذُلّ وتطامُن، ليس في قلبه استكبار ولا عُلُوّ، ولا فرق في هذا بين أن يكون الخشوع في أثناء العبادة، أو بعد فعل العبادة أيضًا؛ لأن من الناس مَن يخشع في العبادة، لكن إذا انتهى منها رأى نفسه في درجة عالية، وأنه مرتفع، وأنه قد نال درجة ما نالها غيره، وهذا من الإعجاب بالنفس وبالعمل، فالإنسان ينبغي له إذا أدى العبادة أن يكون كما قال الله عز وجل: ﴿قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠]، إن رأوا إلى تقصيرهم خافوا، وإن رأوا إلى فضل الله طمعوا. ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ﴾ يعني: الباذلين للصدقة، والصدقة هي بَذْل المال تقربًا إلى الله عز وجل، ويشمل الزكاة فإنها أعلى الصدقات، ويشمل البذل التطوعي؛ كصدقة التطوع، وكالإنفاق على الضيف، وعلى الأهل، وعلى النفس، كل هذا من الصدقة، فما يجعله الإنسان في فَمِ امرأته من الصدقة، وما يأكله من الصدقة، كل شيء من المال تَبْذُلُه لله عز وجل فهو من الصدقة. وقد يقال: إن المتصدقين أعمّ من الباذلين لمالهم فيما يرضي الله عز وجل، فيشمل فعل كل خير؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «كُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، تُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، تُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) عن أبي ذرٍّ ولفظه: أنَّ ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثُور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: «أوَليسَ قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إنَّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر! قال: «أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان له أجرٌ». ]]. فإذا أخذنا بهذا العموم صار المتصدقون والمتصدقات يشمل مَن قام بأي طاعة من طاعات الله عز وجل، ولكنه من المعروف أن المتصدقين والمتصدقات يتبادر إلى الذهن أنهم الباذلون لمالهم فيما يُرْضِي الله عز وجل. وقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ لا حاجة بنا إلى التطويل في تفسير الصدقات، وما ينبغي للإنسان أن يتصدق به، وهل يجوز أن يتصدق بكل ماله ويدع عائلته فقراء، أو لا يجوز، فإن هذا له موضع آخر. المهم أن الله تعالى أثنى على مَن؟ على المتصدقين والمتصدقات. قال: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ في الصدقة بذل، وفي الصيام إمساك، ﴿وَالصَّائِمِينَ﴾ هم الذين قاموا بالتعبد لله تعالى بالصيام، والصيام هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو أنواع؛ منه ما هو ركن من أركان الإسلام، ومنه ما هو واجب وليس بركن، ومنه ما هو سنة معينة مقيَّدة، ومنه ما هو سنة مطلقة، أربعة أنواع، فالواجب الذي هو فرض من فروض الإسلام؟ * طالب: رمضان. * الشيخ: وغيره؟ ما فيه غيره، والواجب الذي ليس من أركان الإسلام؟ * طالب: (...). * الشيخ: غيره، النذر أوجبته على نفسك. * الطالب: القضاء. * الشيخ: لا، القضاء من أركان الإسلام. * الطالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: (...). * الشيخ: صح كصيام الكفارات. * طالب: (...). * الشيخ: لا أبدًا، عندما يحنث الإنسان في يمينه ما أَوْجَبَ على نفسه أن يصوم، لكن فعل السبب. ومنه ما هو سنة مقيَّدة بوقت معين؟ * طالب: (...) الإثنين والخميس. * الشيخ: نعم، ومنه عاشوراء، وتسع ذي الحجة، ويوم عرفة، لا هذه الظاهر أنها ما تدخل في المعين، أو تدخل في المعين الست من شوال، تدخل في المعين؟ لكنها في كل الشهر، ومنه ما هو مطلَق، مثل أن يصوم الإنسان لله تعالى يومًا من الأيام، إلا أنه يُكْرَه أن يصوم الإنسان يوم جمعة منفردًا، بل إما أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده. الصائمون والصائمات مُمْسِكُون عن ملاذِّهم وشهواتهم؛ عن الأكل، والشرب، والجماع، وما يتبع ذلك، لكن هذه هي الأساسيات في الملاذّ، ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»[[أخرجه مسلم (١١٥١ /١٦٤)، وأحمد واللفظ له (٩١١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، الصيام ألا يدخل في الصبر؟ بلى، ولكنه عبادة مستقلة بنفسها، متضمِّن للصبر. ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ من الحرام. * طالب: (...). * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: فيها أنواع الصبر الثلاثة. ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ﴿الْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ عن أي شيء؟ قال المؤلف: (عن الحرام)، وهي كلمة جامعة تشمل حفظ الفرج عن الزنا، وحفظ الفرج عن النظر، وحفظ الفرج عن العمل المحرَّم الذي هو دون الزنا، وقد بَيَّنَ الله عز وجل مَن يُحْفَظ عنه الفرج، أو مَن لا يُحْفَظ، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٥ - ٧]. فأعلى شيء يُحْفَظُ عنه الفرج الزنا، وهو فعل الفاحشة في قُبُل أو دُبُر، إلا أنه إذا تعلَّق بذَكَر سُمِّيَ لواطًا، واللواط أعظم من الزنا -والعياذ بالله- لأن اللواط عقوبته الإعدام بكل حال، بل الأصح عقوبته القتل بكل حال، سواء كان الفاعل مُحْصَنًا أو غير مُحْصَن، لكن بشرط أن يكون مكلَّفًا، أي: بالغًا عاقلًا، فإذا تَلَوَّط ذَكَرٌ بآخر وهما عاقلان بالغان وجب قتلهما وإن لم يكونَا مُحْصَنَيْنِ، ولكن كيف يُقْتَلَان؟ اختلف في ذلك الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم، فقيل: يُرْجَمَان بالحجارة كالزاني المحصَن، وقيل: يُلْقَيَانِ من أعلى مكان في البلد ويُتْبَعَان بالحجارة، وقيل: يُحْرَقَان بالنار، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، حين كتب إلى خالد بن الوليد لما قال له: إن عنده رجلًا يُنْكَح كما تُنْكَح المرأة، فكتب إليه أبو بكر أن يحرقه، مبالغةً في عقوبته. إذن أوجب ما يكون أن يُحْفَظ عنه الفرج هو الزنا، كذلك النظر يجب أن يحفظ الإنسان فرجه عن النظر، حتى الجنس مع جنسه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْظُرِ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ»[[أخرجه مسلم (٣٣٨ / ٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة». الحديث. ]]، فيجب حفظ العورة عن النظر، إلا على الزوجة وما ملكت يمينه، كذلك حِفْظُ الفرج عن الأفعال المحرَّمة غير الزنا واللواط والنظر، كالاستمناء مثلًا، وهو ما يُعْرَف عند الناس بالعادة السرية، ويكون في الرجال، ويكون في الإناث أيضًا، حتى الإناث يَسْتَعْمِلْنَ ذلك، هذه أيضًا مُحَرَّمَة لا تحل، وذلك لأنه ليس فيها حفظ للفرج، فإن الإنسان الذي يبتغي نيل شهوته بغير امرأته وما ملكت يمينه يدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، فهو حرام بالقرآن وبالسنة أيضًا؛ السنة ذكرنا أن من أدلتها قول الرسول عليه الصلاة والسلام، أَجِبْ الحديث.. «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ لَهُ وُجَاءٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] ما وجه الدلالة من الحديث؟ * طالب: أن النبي ﷺ أرشد إلى الصوم (...) لو كان فيه خير لأرشد الإنسان إليه. * الشيخ: لو كان جائزًا لأرشد إليه. * الطالب: النبي ﷺ قال: «مَا وَجَدْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ إلَّا أَمَرْتُكُمْ بِهِ»[[أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٧ / ٧٦) بسنده عن المطلب المخزومي أن رسول الله ﷺ قال: «ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه».]] (...). * الشيخ: وجه الدلالة أن الرسول أرشد إلى الصوم وهو أشق من هذه الفعلة ولو كانت هذه الفعلة جائزة لأرشد إليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنها أسهل وأيسر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا خُيِّرَ النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٨) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فلما لم يختر هذا الأيسر عُلِمَ أنه إثم محرم. * طالب: استخدام -يا شيخ- اللواط، الله سبحانه وتعالى أطلق عليه فاحشة. * الشيخ: الفاحشة؟! مو فاحشة. * الطالب: الفاحشة، نعم، فنُطْلِق عليها لواطًا، أليس فيها إساءة للنبي؟ * الشيخ: لا، أبدًا هذا شيء متعارف. * الطالب: ويش (...)؟ * الشيخ: لا، هي أصلًا النسبة يجوز أن تُنْسَب إلى المضاف أو المضاف إليه، هذا مقتضى اللغة العربية، قوم لوط، يعني: لوطي أي: منتسب إلى هؤلاء القوم. * طالب: إذا استمنى وهو في رمضان المحصن هل عليه الكفارة؟ * الشيخ: لا، ما عليه الكفارة، الكفارة ما تكون إلا بالجماع فقط. * طالب: فيه أثر عن عن النبي ﷺ سئل عن نكاح المرأة في الخلف قال: «تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى»[[أخرجه أحمد (٦٧٠٦) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.]]؟ * الشيخ: أحاديث وطء المرأة في الدبر كلها فيها مقال، لكن يَشُدُّ بعضها بعضًا وتدل على التحريم، وقد مر علينا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة ٢٢٢] مر علينا أن من فوائدها تحريم وطء الدبر، هي مرت علينا. * الطالب: قصدي على الاسم هذا؛ يعني: اللوطية؛ على الفعل هذا. * الشيخ: إي نعم، اللوطية الصغرى. * طالب: يدخل فيه إذا كان صومًا واجبًا يعني محرم عليه..؟ * الشيخ: محرم أيش؟ * الطالب: الوطء. * الشيخ: معلوم؛ لأن الصوم الواجب لا يجوز قطعه إلا لضرورة بخلاف الصوم اللي غير واجب. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: كيف..؟ لا، مو هذا علشان حفظ الفرج، علشان العبادة، هذا حرام عليه حتى على امرأته. * الطالب: (...) على امرأته؟ * الشيخ: إي، ما يدخل في هذا، لأن هذا ما يتعلق بحفظ الفرج، ولكن يتعلق بصوم العبادة؛ يعني: تحريم الوطء على مَنْ تَلَبَّس بِنُسُكٍ أو تَلَبَّس بصوم أو تلبس بصلاة مفروضة ما هو من أجل حفظ الفرج، لكن من أجل احترام هذه العبادة. قال: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥]. * الطالب: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤]؟ * الشيخ: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ المحرمات اللي ذكر الله عز وجل. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: الاستمناء ما هو من النساء؛ لأن الله ذكر المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٣، ٢٤] منين؟ من النساء، التحدث الآن ما هو عن الفعل، التحدث الآن عن المحلل مَنْ من الأشخاص، فبين الله عز وجل أن هؤلاء محرمات؛ ولهذا قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ فهذا معناه أن الله أحلَّ للناس ما سوى هؤلاء الأصناف، وليس هذا ما هو بالتحدث عن الفعل، التحدث الآن عن موضع الفعل؛ يعني عن المحلل من النساء. * * * ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥] ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ختم الآية الكريمة بهذا الوصف العظيم، وهو ذكر الله عز وجل وهو شامل لكل عبادة؛ كل عبادة فهي ذكر لله عز وجل حتى دراستكم للعلم هي من ذكر الله عز وجل؛ ولهذا تُسَمَّى حِلَق العلم تُسَمَّى حِلَقَ الذكر أو مجالس الذكر، فكل ما يُقَرِّب إلى الله، كل عبادة فهي من ذكر الله. وذكر الله عز وجل يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح؛ ففي القلب التفكر، وفي اللسان النطق، وفي الجوارح الفعل والعمل، أيها أفضل؛ ذكر الله باللسان، أو ذكر الله بالقلب، أو ذكر الله بالجوارح؟ * الطالب: كلها. * الشيخ: ما فيه شك، الجمع أفضل، هذا معلوم. * الطالب: بالقلب. * الشيخ: لا، القلب وحده لا يكفي، واللسان وحده لا يكفي، والجوارح وحدها لا تكفي؛ يعني: لو أن الإنسان قال: أبغي أتفكر في آيات الله عز وجل، وفي أسمائه وصفاته، ولكنه ما هو بذاكر (...)، هل يكون مسلمًا؟ * طالب: (...). * الشيخ: أقول: هل يكون مسلمًا؟ لا، لا بد أن يقول؛ «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرج الحميدي في مسنده (٣٧٣) عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه أو يقينًا من قلبه دخل الجنة، ولم تمسَّه النار».]].. وكذلك أيضًا بالنسبة للجوارح، لكن لا شك أن اختلال الذكر بالقلب له أثر عظيم جِدًّا؛ لأن المدار على القلب، ولا شك أيضًا أن تأثير ذكر الله بالقلب أبلغ في تقوية الإيمان وفي التقرب إلى الله عز وجل من الذكر بماذا؟ بالجوارح؛ لأن المدار كله على ما في القلب لا بالنسبة للأعمال وقوام الأعمال ولا بالنسبة للجزاء كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق ٩، ١٠]. ذكر الله عز وجل يكون مطلقًا في كل وقت، ويكون مقيدًا بأحوال، ويكون مقيدًا بأماكن، ويكون مقيدًا بأزمان. فهو إذن أربعة أنواع وهي؟ * طالب: مقيدا بأقوال؟ * الشيخ: بأقوال، هو ذكر الله، ويكون الذكر مطلقًا، مقيد بأزمان، مقيد بماذا؟ بأماكن، مقيد بأحوال. إذن أنت مُلْزَم بإغلاق (...). أما المطلق؛ فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٩٠، ١٩١] هذا في كل وقت في كل حال، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢] كما في هذه الآية ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. المقيد بزمن أيش مثله؟ مثل أدبار الصلوات، هذا مقيد بزمن، وكذلك الدعاء في أول النهار أو الذكر في أول النهار وفي آخره ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]. المقيد بأمكنة؛ كدخول المسجد، ودخول المنزل والخروج منه، ورمي الجمرات، وركوب السيارات.. لا، ركوب السيارات بمكان؟ طيب. أما المقيد بحال من الأحوال فهو أيضًا كثير؛ عند الهم والحزن وعند الأكل والشرب، وما أشبه ذلك. * طالب: صلاة (...)؟ * الشيخ: صلاة أيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الاستسقاء يعني، إي نعم. * الطالب: ركوب (...) الآن.. * الشيخ: والله الركوب الإخوان يقولون: مقيد بمكان. على كل حال: إن الذكر إما مطلق وإما مقيد، والله عز وجل شرع لعباده ذلك من أجل أن يكونوا دائمًا على ذكر الله عز وجل، حتى عند لبس الثوب، عند الأكل والشرب والفراغ منهما. ﴿الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿أَعَدَّ﴾ فعل ماض، ولفظ الجلالة فاعل والجملة من الفعل والفاعل خبر (إن)، واسم (إن) ما هو؟ ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ وما عطف عليه. وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء، والميم علامة جمع الذكور، وفيه دلالة واضحة على تفضيل الرجال على النساء. لم يقل الله عز وجل: أعد الله لهم ولهن، ولم يقل: أعد الله لهن، وإنما قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾. وقوله: ﴿أَعَدَّ﴾ بمعنى: هيأ لهم. وقوله: ﴿مَغْفِرَةً﴾ المغفرة مأخوذة من الغَفْر وهو الستر مع الوقاية؛ لأن أصلها من الْمِغْفَر الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام. والمغفر الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام يحصل به؟ * طالب: (...). * الشيخ: ويش بعد؟ المغفر يوضع على الرأس يحصل به الستر والوقاية. كذا؟ إذن المغفرة نقول: هي ستر الذنوب والتجاوز عنها، ليست ستر الذنوب فقط، بل هي ستر مع التجاوز؛ ستر عن الخلق وتجاوز عن العقوبة؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يَخْلُو بِعَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرج البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) واللفظ له بسندهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ «إن الله يُدْنِي المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قَرَّره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» ]]. وقوله: ﴿وَأَجرًا عَظِيمًا﴾ بإعداد المغفرة يسلمون من الآثام وأوزارها وعواقبها ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا ذا عظمة في نفسه، هذا الأجر العظيم هو دخول الجنة، وهو أجر لا يمكن أن يحيط به البشر؛ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، ويقول تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، هذا الأجر العظيم الذي لا يقدر قدره إلا الله عز وجل يكون لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات، وإذا كان الله تعالى قد بَيَّن هذه الصفات أو بين القائمين بهذه الصفات وبين ما أعد لهن من الأجر والثواب، فهل المراد بذلك مجرد إعلام الناس بهذا أو أن المراد شيء وراء ذلك؟ المراد شيء وراء ذلك؛ وهو أن يقوم الناس بهذه الصفات العظيمة حتى ينالوا ذلك الأجر العظيم والمغفرة. وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ كلمة ﴿مَغْفِرَةً﴾ نكرة، فهل نقول: إنها نُكِّرَت للتعظيم بدليل العطف عليها ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أو ماذا؟ هو الظاهر أنها نُكِّرَت للتعظيم أي: مغفرة عظيمة كما أن لهم أجرًا عظيمًا. يقول: (مغفرة للمعاصي وأجرًا عظيمًا على الطاعات) جيد هذا؛ لأن المؤلف رحمه الله جعل المغفرة في مقابل المعاصي والأجر في مقابل الطاعات، ولكن هل لترك المعاصي أجر؟ يعني من ترك المعصية هل له أجر؟ إن قلتم: لا. أخطأتم، وإن قلتم: نعم. أخطأتم، نقول: تارك المعاصي له ثلاث حالات: إما أن يتركها عجزًا عنها مع فعل الأسباب الموصلة إليها، وإما أن يتركها؛ لأنها لم تطرأ له على بال، ما عملها لأنها ما طرأت على باله، وإما أن يتركها مع كونها على باله لكن تركها لله عز وجل. أما الحال الأولى الذي ترك المعصية عجزًا عنها مع فعل الأسباب الموصلة إليها فهذا له حكم الفاعل؛ مثال ذلك: رجل أتى بالسلم ليصعد إلى البيت فيسرق لكن وهو جاي بيصعد سمع صوتًا ونظر وإلى حوله أناس فترك. ويش نقول؟ هذا له حكم الفاعل، لكن عند الله، أما في الدنيا ما نقطع يده، لكن عند الله له حكم الفاعل، ويش الدليل؟ قوله ﷺ: «إِذَا التَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قالوا يا رسول: هذا القاتل فما بال المقتول. كيف مقتول ويصير في النار؟! قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.]] حريصًا، وفاعل للسبب، ملتقٍ مع الآخر بالسيف، فحكم الرسول عليه الصلاة والسلام بالنار؛ لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه. وأما من تركها لأنها لم تطرأ له على بال؛ مثل إنسان مثلًا لا سرق ولا زنى ولا شرب الخمر؛ لأن نفسه ما دعته إلى ذلك يومًا من الأيام فما الحكم؟ هذا ليس له شيء وليس عليه شيء؛ لأنه ما فعل إثمًا ولا تَقَرَّب إلى الله تعالى بنية فلا يكون له شيء ولا عليه شيء. والقسم الثالث: رجل هم بالمعصية وربما فعل أسبابها، ولكنه تركها لله عز وجل، عندما تذكر عظمة الله خشي الله عز وجل وخافه فهذا أيش حكمه؟ له أجر على الترك كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى حَسَنَةً كَامِلَةً» قال: «لِأَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ جَرَّائِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وزيادة «إنما تركها من جراي» فأخرجها مسلم (١٢٩ / ٢٠٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] أي: من أجلي، فإذا تركتها لله فإنك تؤجر على ذلك. لو أن الإنسان هَمَّ بالمعصية وفعل الأسباب لكن تركها لا لله ولا لعباد الله، هل يأثم أو ما يأثم؟ يعني: واحد هَمَّ بالسرقة وأتى بالسلم ولما أراد أن يصعد رجع إلى نفسه وقال: ليش تسرق، ما دام مغنيك الله وعندك مال وليس بحاجة إلى السرقة؟ ويش تبغي في السرقة؟ فتركها. * طالب: ليس عليه شيء (...). * الشيخ: هو ليس عليه السرقة ولا له أجر، لكن هل يأثم على فعل السبب؟ يأثم على فعل السبب هو الظاهر، وإن كان الغاية لم يصل إليها، لكن يقول: هذا السبب الذي فعلت ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]. * طالب: (...) رجع. * الشيخ: ما رجع، هو الآن الأسباب الأولى ما تركها لله، إنما تركها؛ لأنه نظر إلى أنه ليس بحاجة إلى السرقة فتركها. إحنا نقول: أما السرقة فلا تأثم وإن كنت قد نويتها بالأول؛ لأنك ما فعلتها، وأما فعل الأسباب فإن هذه الأسباب محرمة. * طالب: رجع وترك المعصية (...)؟ * الشيخ: إي نعم، هذا يكون تركها للناس لا لله، ما تقولون: هل يأثم ولَّا ما يأثم؟ * الطالب: (...). * الشيخ: هذا رجل ترك المعصية لشرفه يعني ترك الزنا مع تيسره؛ لأنه يقول: إنه رجل شريف، ما يحب أن يتلوث بهذه الأخلاق السافلة، أيش تقولون؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إي ما يخالف، لكن السؤال: هل يؤجر أو لا يؤجر؟ * طلبة: ما يؤجر. * الشيخ: أما على ترك الزنا فالظاهر أنه لا يؤجر؛ لأنه ما تركه لله، وأما على حماية شرفه فإنه يؤجر؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يدافع عن شرفه حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: «هَذِهِ صَفِيَّةُ» على كل حال ما هو لدفع التهمة عن نفسه؛ لأنه هذا الشيء بعيد، لكن لئلا تقع التهمة في أولئك فيهلكوا؛ ولهذا قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٨)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية رضي الله عنها.]]. فالظاهر لي أن الإنسان الذي يترك الشيء محافظة على شرفه وعلى سمعته فإنه يؤجر على ذلك لأنه صان نفسه، وفي الحديث «رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا كَفَّ الْغِيبَةَ عَنْ نَفْسِهِ»[[ذكره العجلوني في كشف الخفا (١ / ٤٢٦) بلا عزو.]] ولا أدري عن صحته، لكن الإنسان مأمور بحماية شرفه بلا شك والزود عن نفسه وإزالة التهمة عنها، فإذا كانت هذه نيته فإنه يؤجر لكن لا يؤجر أجرَ مَنْ تَرَك الزنا لله؛ لأنه بينهما فرقًا عظيمًا. * الطالب: بالنسبة (...)؟ * الشيخ: الحياء من الإيمان، إي، لكن ما يثاب كثواب من ترك الزنا لله. (...) * فوائد الآية الكريمة: التفصيل في ذكر الرجال و النساء؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥] إلى آخره، التفصيل في ذكر الرجال والنساء، أو لا؟ وهذا وإن كان موجودًا في القرآن، لكنه قليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام غير الإيمان، من أين يؤخذ؟ ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ والعطف يقتضي المغايرة، وقد اختلف الناس هل الإسلام هو الإيمان أو غيره؟ والصواب في ذلك التفصيل؛ فإذا أُطْلِق الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا أُطلق الإيمان دخل فيه الإسلام، يعني أطلق: بمعنى ذكر مفردًا، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران ١٩] يدخل فيه الإيمان لا شك، وقوله: (والله يحب المؤمنين) يدخل فيه الإسلام لا شك في هذا، وأما إذا ذُكِرَا جميعًا فإنهما يختلفان؛ ولهذا سأل جبريل النبي ﷺ عن الإسلام فذكر له أشياء، وسأله عن الإيمان فذكر له أشياء تخالف الأولى، إذا ذكرا جميعًا صار الإيمان في القلب والإسلام علانية في الجوارح. ثالثا: أيهما أكمل؟ الإيمان أكمل لقول الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] هذا من القرآن. ومن السنة أن رجلًا أثنى عند النبي ﷺ على رجل فقال: إنه مؤمن. فقال النبي ﷺ «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦) واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.]]. فدلَّ ذلك على أن الإسلام أضعف من الإيمان؛ لأن الرجل كان يثني عليه يمدحه فقال: إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ».» أظنه كررها؛ وعلى هذا فنقول: إن الإيمان أعلى من الإسلام وهو مغاير له إذا ذُكِرَا جميعًا. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: أيها؟ * الطالب: (...). * الشيخ: اللي معناه؟ لا، من قوله: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾. * ومن فوائد الآية: فضيلة الإسلام والإيمان وكل ما ذكر بعد ذلك. فإن قال قائل: إن الفضل جاء بمن اتصفوا بهذه الصفات كلها. قلنا: لكن لما جاء هذا الفضل لها مركبة أو لها مجموعة دلَّ على أن كل واحد منها له فضل، وإلَّا لما كان لذكرها جميعًا فائدة. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القنوت؛ لقوله: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾. * ومن فوائدها: أيضًا: فضيلة الصدق؛ لقوله: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾، وإذا كان الصدق فضيلة كان ضده وهو الكذب رذيلة، وهو كذلك؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥) واللفظ له، من حديث ابن مسعود رضي الله عنهما.]]. فإن قلت: أفلا يجوز الكذب الأبيض؟ نقول: ليس في الكذب أبيض، كل الكذب أسود، وعند العوام الكذب الأبيض هو الذي لا يستلزم أكل المال، اكذب كما شئت لكن لا تأكل أموال الناس بالكذب، ولكن هذه خلاف تحذير النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: «إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ». هل رُخِّصَ في شيء من الكذب؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: ما هو؟ * الطالب: الإصلاح بين الناس. * الشيخ: الإصلاح بين الناس، والحرب، وحديث الرجل مع امرأته والمرأة مع زوجها. لكن بعض أهل العلم يقول: لم يُرخص في شيء من الكذب إطلاقًا وقال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية؛ فالتورية -كما تعرفون- كَذِبٌ من وجه صدق من وجه آخر فهي باعتبار نية القائل صدق وباعتبار ما فهمه المخاطب كذب، فيقولون: إن عمومات الحديث تدل على الكذب، ويجمع بينها وبين الحديث الذي في الاستثناء بأن هذا من باب التورية، وقالوا: إن الإصلاح بين الناس إذا بُني على الكذب فقد تكون النتيجة فيما بعد عكسية، إذا علم المتصالحان فيما بعد أن الأمر ليس على ما ذُكِرَ يمكن يزيد الشر وينتقض الصلح، وقالوا: أيضًا إن الكذب في الحرب ربما يُنْتِج نتيجة سيئة حيث يتبين للعدو أن الأمر ليس على ما قيل، مثل أن يقال له: إن عندنا جمعًا كثيرًا، وما أشبه ذلك بدون تورية، فهذا خطأ قالوا: وأيضًا حديث المرأة، حديث الرجل لزوجته وحديث المرأة لزوجها هذا أيضًا لو أجزنا الكذب صار مشاكل عظيمة، يجي الرجل يقول: أنا عندي مليون ريال، وعندي مئة سيارة وعندي ثلاثين فيلا، وما أشبه ذلك. (...) وما عنده إلا ثيابه ويش تكون النتيجة؟ طيبة ولَّا حسنة؟ تقول: أنت كذاب ولا تصلح زوجًا لي، وكذلك بالعكس المرأة تحدث زوجها أيش تطلعي السوق؟ تقول: ما عمري طلعت السوق، ولا أعرف السوق، ولا أعرف الرجال، فإذا الأمر بالعكس، فيه خطورة. ولهذا قال بعض أهل العلم: إن المراد بذلك التورية، والتورية لا تجوز إلا في حالين وهما: الحاجة أو المصلحة. على كل حال ظاهر الحديث الاستثناء أن هذا من الكذب الصريح وأنه لا بأس به، ولكن حتى على القول بأن الاستثناء يعود على الكذب الصريح دون التورية يجب أن يقال: هذا من المباح، والمباح إذا تضمن ضررًا كان حرامًا؛ لأن القاعدة عندنا كل المباحات يمكن أن تجري فيها الأحكام الخمسة، كل ما كان مباحًا فإن يمكن أن تجري الأحكام الخمسة؛ ولهذا ذهب بعض الأصوليين إلى أن ما في الشريعة شيء اسمه مباح؛ لأنه مستوي الطرفين، بل لا بد من تَرَجُّح، لكن جمهور العلماء على أن المباح ثابت في الشريعة. الحاصل ويش عليه؟ على أنه إذا كان الحديث صريحًا في جواز الكذب في هذه الأمور الثلاثة، فماذا نقول فيه؟ يجب أن يُقَيَّد بما إذا لم يتضمن ضررًا فإن تضمن ضررًا منع منه. * ويستفاد من الآية الكريمة: فضيلة الصبر؛ لقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ وقد سبق لنا بيان أقسام الصبر. * ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: فضيلة الخشوع في العبادات؛ لقوله: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ ولا سيما في الصلاة التي نص الله تعالى على الخشوع فيها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون ١، ٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصدقة؛ لقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ وهو شامل للواجب والمستحب. وهنا نسأل هل الواجب أفضل أم المستحب أفضل؟ الواجب أفضل بالنص والنظر؛ أي: بدلالة الأثر والنظر كيف ذلك؟ أما الأثر فقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «مَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] وهذا صريح، وأما النظر فنقول: لولا أن الواجب أحب إلى الله ما فرضه الله على العباد، لجعله تطوعًا، لك الخيار فيه، فإيجاب الله له دليل على محبته له. * طالب: شيخ، (...). * الشيخ: * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الصوم؛ لقوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ فرضِه ونَفْلِه، وأفضل النفل في الصوم، ما هو؟ صوم يوم وفطر يوم وهو صيام داود عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة حفظ الفرج؛ لقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ويُستثنى من ذلك حفظ الفرج عن الزوجة وما ملكت اليمين فإن الإنسان لا يُلام عليه. * ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي اتخاذ الوسائل التي يكون بها حفظ الفرج؛ لأن الثناء على شيء ثناء عليه وعلى وسائله، فكل ما يَحصُل به حفظ الفرج فإنه مطلوب ومشروع؛ ولهذا حَرُم النظر إلى الأجنبية، وحَرُم التلذذ بمخاطبتها والاستماع إلى صوتها، وحَرُم أيضًا مصافحة المرأة الأجنبية، وحَرُمت الخلوة بها، وحرم سفرها بلا محرم، وما أشبه ذلك مما يكون سببًا في حفظ الفروج. إذا كان الله تعالى أثنى على الحافظين فروجهم فإن الوسائل التي تؤدي إلى حفظ الفرج من الأمور المطلوبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة كثرة ذكر الله؛ لقول الله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وجدير بالمرء أن يكون دائمًا ذاكرًا لربه عز وجل؛ لأنه ما من نعمة هو فيها إلا وهي من الله، فإذا كان الله قد أدام عليك النعم، وأفرغ عليك النعم فلماذا لا تديم ذكره؟ حقيقة الأمر أن الإنسان لو فكر لوجد أنه لو يستوعب ليله ونهاره في ذكر الله ما كفى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «سُبْحَانَكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»[[أخرجه مسلم (٤٨٦ / ٢٢٢) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] فالإنسان ما يمكن أن يُحْصِي الثناء على الله أبدًا مهما كان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أعد لهؤلاء المتصفين بهذه الصفات أعد لهم المغفرة للذنوب والأجر العظيم على الطاعات؛ ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. كم الأوصاف اللي ذُكِرَت؟ عشرة؛ المسلمين والمؤمنين والقانتين والصادقين والصابرين والخاشعين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين الله كثيرا، عشرة مع المعطوف عليها تكون عشرين، هذه العشرون كفى عنها ضمير واحد وهو قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾، لو جاء يعدد هؤلاء كان يقول: أعد الله للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، ولكن هذا من فوائد الضمائر الاختصار؛ أنها تختصر الكلام الكثير بضمير واحد. * ومن فوائد الآية الكريمة: تفضيل الرجال على النساء؛ لأنه قَدَّم في الذِّكْر الرجال ولَّا لا؟ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. * ومن فوائدها: أيضًا: التغليب في جانب المذكر؛ لقوله: ﴿لَهُمْ﴾ ولم يقل: لهم ولهن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي عند ذكر الرجال والنساء أن يُقَدَّم الرجال كما في هذه الآية وغيرها من الآيات، وأما من تَغَرَّبوا فصاروا يقدمون النساء على الرجال فأولئك ولَّاهم الله ما تولوا من مشابهة الكفار وقلب الفطرة وانتكاس الحال أن يقدموا النساء على الرجال عندما يقول مثلًا: سيداته وساداته، سيداته يقدم النساء على الرجال، بل العجب من ذلك أنهم يسمون النساء سيدات، يقول: السيدة الفلانة، والرجل ما عمره قال: السيد فلان، من أين أخذ ذلك؟ إي نعم، من الغرب والكفار؛ لأن الرجل في الحقيقة هو السيد على المرأة؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]، أما المرأة ما هي سيدة على الرجل أبدًا، لكن هؤلاء -كما قلت- قَلَبَ الله فطرتهم بسبب أنهم تابعوا أعداء الله عز وجل وكثير من المسلمين مع الأسف الآن ما يحسون بهذه المسائل ولا يرونه شيئًا، ماشين مع العالم، حتى الألفاظ التي قد تكون محرمة يمشون فيها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن عطاء الله تعالى أو أن جزاء الله أعظم من عمل المرء؛ لأن هذا الأعمال التي ذكرها الله عز وجل جعل الثواب عليها أمرين؛ مغفرة الذنوب والأجر العظيم، وهذا الأجر العظيم المبهم هنا قد بُيِّنَ في نصوص من الكتاب والسنة ما هي؟ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهذا مما يدل على فضل الله سبحانه وتعالى. ومن العجب أن فضل الله عليك في الثواب كفضله عليك بالعمل؛ فإن فضل الله على الإنسان بالعمل فضل لا يعدله شيء؛ ولهذا جعل الله ذلك من إتمام النعمة فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]، وجعل ذلك من منته؛ حيث قال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [آل عمران ١٦٤] وقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٧]، شوف الآن، انظر إلى أن الله هو الذي مَنَّ عليك بالعمل، ثم مَنَّ عليك بالثواب، ثم قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] مع أنه هو الذي أحسن إليك، أليس كذلك؟ وإحسان الله عليك بالعمل مسبوق بإحسانه عليك بشيء آخر؛ الهداية، العلم؛ لأنه لا عمل إلا بعلم فيكون عمل الإنسان مسبوق بالعلم، بنعمة الله عليه بالعلم، ثم بنعمة الله عليه بالتوفيق وملحوق بنعمة الله عليه بالقبول والجزاء، فتأمل مثل هذه الأمور حتى يتضح لك فضل الله عليك. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة موجودة الآن؟ منين نأخذها؟ من قوله: ﴿أَعَدَّ﴾؛ لأن الإعداد بمعنى التهيئة، و(أعد) فعل ماض فيكون لازم ذلك أن تكون الجنة موجودة، وهذا أمر معلوم عند أهل السنة والجماعة ومدعوم بنصوص الكتاب والسنة أن الجنة والنار موجودتان الآن. * * * * طالب: شيخ، قلنا: هذه الصفات العشرة. * الشيخ: كيف؟ يعني كل المتصفين بهذا ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾. * الطالب: يعني كل فرد منهم ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾؟ * الشيخ: كل فرد منهم، لا، ما فيه شك أن فيه تفاضلًا، وكل يعطى بحسبه؛ يعني إذا أعد الله للجميع مثلًا الذين يتصفون بهذه الصفات العشرة كلها أكمل ممن يتصف ببعضها. * طالب: قلنا: الإسلام والإيمان إذا اجتمعا هنا يستلزم (...) على قولنا أن المسلمين إذا عملوا بالأشياء الظاهرة أعده الله لهم.. * الشيخ: إذا لم يكن عندهم إيمان ما صاروا مسلمين حقًا. * الطالب: (...) مسمى الاسلام؟ * الشيخ: ظاهرًا فقط، لكن في ثواب الآخرة ما يدخلون في هذا؛ لأن الآخرة الجزاء فيها على ما في القلوب كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق ٩] فنقول: هؤلاء وإن كانوا في الدنيا مسلمين ويعاملون معاملة المسلمين لكن في ثواب الآخرة إذا لم يكن إسلامهم مبنيًّا على الإيمان فلا ينفعهم. * الطالب: ويش الفائدة من ذكر الإسلام؟ * الشيخ: لأن المؤمن قد يكون عنده شيء من التفريط في العمل الظاهر. * الطالب: يكون مسلمًا. * الشيخ: يكون عنده إيمان لكن عنده تفريط في الأعمال الظاهرة. فإذ قيل: مسلِم مؤمن فإذا قيل مسلم مؤمن صار معناه أنه كامل من هذا ومن هذا. * طالب: (...). * الشيخ: نشهد بظاهر الحال، وقد نقول: أن الأولى ألا نشهد أيضًا؛ لأن الرسول ﷺ لما شهد الرجل لهذا أنه مؤمن قال: «أَوْ مُسْلِمٌ»، فقد نقول أن نشهد لهذا بظاهر حاله أنه مؤمن، والمسألة هذه فيها صعوبة جدًّا؛ لأنك إذا شهدت له بالإيمان لزم أن تشهد له بالجنة، ولكن نقول: هذا الرجل اللي يعمل عمل المؤمن نقول: هو في ظاهر حاله مؤمن، والله أعلم بما عنده. * الطالب: (...) «فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ»؟ * الشيخ: الحديث ضعيف؛ «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ»[[أخرجه الترمذي (٢٦١٧) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]] هذا ضعيف، ثم لو صح فالمراد بظاهر الحال. * الطالب: هل يلزم يا شيخنا في الإيمان أن يكون في الجنة؛ مطلق الإيمان؟ * الشيخ: إي نعم، مطلق الإيمان يستوجب أن يكون في الجنة ولو مآلًا، يعني قد يُعذب بذنوبه ثم يدخل الجنة، كل من في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من إيمان فإنه من أهل الجنة. * الطالب: ما يدرى عن (...)؟ * الشيخ: ما ندري عنه، الله أعلم. * الطالب: لا يشهد له بالجنة؟ ما يُدْرى عنه؟ * الشيخ: إي نعم، لكن في الحال التي هو عليها الآن يستلزم، مثلًا إذا قلنا: هذا الرجل مات على الإيمان استلزم أن نشهد له بالجنة ولكننا (...)؛ لأن ما لنا إلا الظاهر؛ ولهذا نأتي بالميت ونصلي عليه. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: ما يخالف ولا ما لنا شيء من هذا.

الأحزاب 33:36

﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿مَا﴾ هذه نافية، و﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، وخبرها ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجار والمجرور، و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هذا هو اسمها مؤخر. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه. يقول: (﴿﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾ بالتاء والياء ﴿﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ أي: الاختيار ﴿﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴾ خلاف أمر الله ورسوله). وقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ وكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ المراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا ﴿إِذَا قَضَى﴾ أي: قضاء شرعيًّا. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول ﷺ الشرعي من قضاء الله. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿أمرًا﴾ هنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا. ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾. وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين: الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه. والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول: وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ وقوله: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير. وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ مفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ. وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله. وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله. قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي ﷺ خطبها لنفسه ثم رضي للآية). هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه، البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك «أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته» -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: «يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.» فقام منها وهي أحب الناس إليه[[أخرجه البخاري (٢٢١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. هذا من الإيمان بلا شك. إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم. المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: «إن النبي ﷺ خطب زينب بنت جحش»[[أخرج الحاكم (٦٩٣٣) بسنده عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، وكانت أيم قريش، قال: «فإني قد رضيته لَكِ» الحديث.]]. وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله ﷺ، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم. * الطالب: (...) خطبها النبي ﷺ وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟ * الشيخ: عَنَى. * الطالب: وعنى؟ * الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام؟! * طالب: شرطية. * الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، غير الجواب. * الطالب: فعل الشرط. * الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ لكنه مجزوم بحذف حرف العلة ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور. أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين. قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ سواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول. ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك. ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ هذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في ﴿قَدْ﴾ وهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟ * طالب: اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌوَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ * الشيخ: نعم. اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌوَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ......................... ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: ﴿قَدْ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر. هنا قال: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح. إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين. وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟ المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾. قال: (فزَوَّجها النبي ﷺ لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي ﷺ: أريد فراقها. فقال: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ﴾ كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]). هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي ﷺ؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول ﷺ كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟! الرسول ﷺ هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال. ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها. وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة. فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير. * الطالب: ويش يعني؟ * الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا. ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب ٣٧] ﴿إِذْ﴾ يقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية»[[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. كما سترون. ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (للذي أنعم عليه الله بالإسلام ﴿﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴾ بالإعتاق). بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام. وهنا قال: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ فأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول ﷺ وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟ فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول ﷺ بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين. (﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، هذا هو المعروف في السير. وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول ﷺ ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وبقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]. (تقول: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴾ في أمر طلاقها). ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هنا عدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ والمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي ﷺ فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها. وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الواو حرف عطف ﴿وَتُخْفِي﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقُولُ﴾ يعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾ هذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ ﴿تُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى ﴿مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره وهو مقابل لقوله: ﴿تُخْفِي﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية. قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي ﷺ بأن يتزوجها الرسول ﷺ هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول. قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب. قال: (﴿﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ﴾ أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات. قال الله تعالى: (﴿﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ﴾ في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ إلى آخره. قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ منين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم. وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ يعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. (﴿﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ﴾ حاجة ﴿﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ﴾ فدخل عليها النبي ﷺ بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا). * الطالب: عندنا بغير إذن. * الشيخ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه. وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات»[[أخرجه الترمذي (٣٢١٣) من حديث أنس رضي اله عنه.]]، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت. وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني ﴿هَا﴾ وهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول: وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ ∗∗∗ وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾. الحكمة من ذلك قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ اللام هنا للتعليل، و﴿كَيْ﴾ حرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق ومشقة، وقوله: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ من أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]. وتأمل قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾. وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن قوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ احتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعل يعود على من؟ على الأدعياء. وقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن. قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع. وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع علم النبي ﷺ بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم. ثم قال تعالى: (﴿﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ﴾ ﴾ أحل الله له) إلى آخره. ﴿مَا كَانَ﴾ (ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: ﴿حَرَجٍ﴾، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده. وقوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذا خبرها مقدَّم. ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ومعنى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره. وقوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا. قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء. قال: (﴿﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴾ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح ﴿﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴾ فِعْلُه ﴿﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴾ مقضيًّا). يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ قال المؤلف في إعرابها: (﴿﴿الَّذِينَ﴾ ﴾ نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يبلغون. وقوله: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم) وكذلك في غيره. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؟ * طالب: (...) جار ومجرور. * طالب آخر: (...). * الشيخ: كما قال، طيب و﴿بِاللَّهِ﴾. * الطالب: حرف زائد. * الشيخ: حرف جر زائد. كمل. * الطالب: (الله) فاعل. ﴿حَسِيبًا﴾؟ * الشيخ: اصبر، الفاعل أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟ * الطالب: (الله) فاعل مجرور بالكسرة بدل الرفع. * الشيخ: فاعل، إذن ما هو فاعل. * الطالب: (...) مقدرة. * الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره. * الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز. * الشيخ: تمييز كذا؟ طيب. إذن ﴿كَفَى﴾ تتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول الشاعر: كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ∗∗∗ .......................... فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها. * * * يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]. * من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ * وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول ﷺ من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. * ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ فإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي ﷺ ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[[أخرج ابن ماجه (١٢) بسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله».]]. وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء ٨٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرج البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت قال: «جعلتَ لله نِدًّا ما شاء الله وحده».]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول ﷺ لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان. ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر). * ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية. هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ. * ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾. * ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين. * الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد. * طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]. * الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟ * الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية. * الشيخ: الشرعية. صح. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله. ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره. * يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه. * ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها. * طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟ * الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟ * الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية. * الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها. * الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟ * الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة. * طالب: الحلال يتعلق (...). * الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج. * الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف.. * الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا. * الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟ * الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له. * ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية. (...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه. إذن ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب ٣٨] ويش أخذنا منها؟ * الطالب: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...). * الشيخ: تكليف؟ * الطالب: تكليف. أن النبي ﷺ عبد من عباد الله (...). * الشيخ: نعم، طيب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨]. * من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾. * وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. بناء على إعراب المؤلف أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ * يكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها. * ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته. * ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ هذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم. * * * * طالب: (...) ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ الفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار. * الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف. * الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا. * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الإنسان في الأشياء.. * الشيخ: المباحة. * الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة. * الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟ الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة. وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب. قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار. وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ. وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟ الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله. ﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده. ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء. ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها. ﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم. والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين. وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده. فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟ فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء. وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟ فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم. (﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]. وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله. قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟ * طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩]. * الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦]. * طالب: ﴿وَجِيهًا﴾. * الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء. يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان: أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء. وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.

الأحزاب 33:37

﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ﴿مَا﴾ هذه نافية، و﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص، وخبرها ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ الجار والمجرور، و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ هذا هو اسمها مؤخر. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني: هذا أمر لا يمكن أن يكون فهو نفي للإمكان، ولكنه للإمكان الشرعي دون القدري؛ إذ إن المؤمن أوالمؤمنة قد يكون لهم الخيرة من أمرهم فيما قضاه الله ورسوله، ولكن شرعًا لا يكون هذه. يقول: (﴿﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾ بالتاء والياء ﴿﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ أي: الاختيار ﴿﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ﴾ خلاف أمر الله ورسوله). وقوله: ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ وكما سبق فيه ذكر الذكور والإناث ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ المراد بالقضاء هنا القضاء الشرعي؛ إذ إن القضاء الكوني لا يمكن لأحد أن يختار خلافه لا مؤمن ولا كافر، أليس كذلك؟ لأن القضاء الكوني لا بد أن يقع، فالمراد هنا ﴿إِذَا قَضَى﴾ أي: قضاء شرعيًّا. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ عطف رسوله بالواو؛ لأن قضاء الرسول ﷺ الشرعي من قضاء الله. وقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿أمرًا﴾ هنا واحد الأمور أو واحد الأوامر؟ واحد الأمور؛ يعني: إذا قضى شأنًا سواء كان ذلك الشأن أمرًا أو نهيًا. ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ ﴿﴿أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ﴾ و﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أما على قراءة التاء فالأمر فيها ظاهر؛ لأن اسمها أيش؟ مؤنث فأُنِّثَ الفعل من أجله ﴿﴿أَنْ تَكُونَ﴾ ﴾. وأما عن قراءة الياء فإن الفعل يكون مذكرًا مع أن الاسم مؤنث ولكن هنا لا يجب التأنيث؛ لوجهين: الوجه الأول: الفصل بين الفعل وفاعله وهنا بين الفعل واسمه. والثاني: أن التأنيث في الخيرة تأنيث مجازي، وابن مالك يقول: وَإِنَّمـــا تَلْزَمُ فِعْــــــلَ مُــــضْمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِـــــرِ وقوله: ﴿الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار، أفادنا المؤلف أن الخيرة هنا اسم مصدر بمعنى الاختيار أو بمعنى التخيُّر كالطيرة بمعنى التطيُّر فهي إذن اسم مصدر بمعنى الاختيار، وإن شئت فقل: بمعنى التخير. وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ قد يقول قائل: إن المتبادر أن يقول: (مِن أمره)؛ لأن ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ مفرد، والمتبادر أن يقول: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون له الخيرة من أمره) ولكنه جمع؛ لأن (مؤمن) و(مؤمنة) جاء منكرًا في سياق النفي فيكون للعموم، فعاد الضمير إليه باعتبار المعنى لا باعتبار اللفظ. وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ يعني معناه أي: من شأنهم، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ أي: من أمر الله إياهم، فعلى الأول يكون الإضافة من باب إضافة الشيء إلى فاعله، وعلى الثاني من باب إضافته إلى مفعوله. وقول المؤلف: (خلافَ) هذه بالنصب مفعول للخيرة بمعنى الاختيار يعني: ما كان لهم أن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، فتبين الآن معنى الآية؛ معنى الآية أن الله يقول: لا يمكن لمؤمن ولا مؤمنة، لا يمكن شرعًا ولَّا قدرًا؟ شرعًا، إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يخالفوا أمر الله ورسوله وأن يختاروا خلاف أمر الله ورسوله، لماذا لا يمكن؟ لأن ما في قلوبهم من الإيمان يمنعهم من المخالفة، ألا ترى إلى قول النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ»؟ لأنه لو كان في قلبه إيمان حين الزنا ما زنى، «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٨١٠)، ومسلم (٥٧ / ١٠٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فالإيمان إذا وقر في القلب لا يمكن أن يكون صاحبه مخالفًا لأمر الله ورسوله. قال المؤلف: (نزلت في عبد الله بن جحش وأخته زينب خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة، فكره ذلك حين علم بظنهما قبلُ أن النبي ﷺ خطبها لنفسه ثم رضي للآية). هكذا ذكر المؤلف أنها نزلت في هذه القصة، وهذ القصة ضعيفة؛ لأنها معضلة ومنقطعة فهي ضعيفة، ونحن لا يهمنا في الحقيقة سبب النزول، سبب النزول صحيح أن فيه فائدة وهو أنه يكشف أحيانًا المعنى ويُبَيِّنُه ويوضحه، لكن المهم الحكم وهو أنه لا يمكن لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يختار خلافَ أمر الله ورسوله، ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾؛ لأنهم لا بد أن يوافقوا أمر الله ورسوله لما في قلوبهم من الإيمان؛ ولهذا كلما هَمَّ المؤمن بمعصية ذكَّره إيمانه بالله فكفَّ عنه، ألا ترى إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يظلهم الله في ظله قال: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ»؟ وهذه الدعوة كانت في مَحل خالٍ لا يطلع عليهما أحد سوى الله فقال: «إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه، البخاري (٦٦٠) ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] فمنعه إيمانُه من أي شيء؟ من أن يفعل الفاحشة مع سهولة أسبابها، وكذلك «أحد الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار حين مَكَّنته ابنة عمه من نفسها فلما جلس منها منها مجلس الرجل مع امرأته» -وأعتقد في هذه الحال أن الرغبة ستكون شديدة وقوية وأنه لا يفصمها إلا إيمان قوي لما جلس منها مجلس الرجل مع امرأته- قالت له: «يا هذا اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه.» فقام منها وهي أحب الناس إليه[[أخرجه البخاري (٢٢١٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. هذا من الإيمان بلا شك. إذن نحن لا يهمنا أن تكون نزلت في زينب بنت جحش وأخيها عبد الله أو في غيرهم. المهم أن حال المؤمن تمنعه من مخالفة أمر الله ورسوله وأما ما ذكره المؤلف فهو يقول: «إن النبي ﷺ خطب زينب بنت جحش»[[أخرج الحاكم (٦٩٣٣) بسنده عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وكانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله ﷺ وكانت امرأة جميلة، فخطبها رسول الله ﷺ على زيد بن حارثة، فقالت: لا أرضاه، وكانت أيم قريش، قال: «فإني قد رضيته لَكِ» الحديث.]]. وقد خُطِبَت -كما ذكره غيره- خطبت من قبل رجال شرفاء وذوي جاه، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام فظنوا أنه خطبها لنفسه، ثم بعد ذلك بَيَّن لهم أنه خطبها لزيد بن حارثة، زيد بن حارثة مَنْ هو؟ هو مولى رسول الله ﷺ، وكان حسب ما ذكره أهل السير كان عبدًا لخديجة رضي الله عنها فوهبته للنبي ﷺ فأعتقه، لما علم أنه خطبها لزيد امتنع فلما نزلت الآية رضي بذلك، وهذا ليس بغريب على الصحابة لو صح الحديث ليس بغريب أن يُقَدِّموا أمر الله ورسوله على ما تهواه أنفسهم. * الطالب: (...) خطبها النبي ﷺ وعني (...) زيد منها، ويش معنى (وعني)؟ * الشيخ: عَنَى. * الطالب: وعنى؟ * الشيخ: لا، ما عندنا بـ(عدى) و(عنى). (خطبها النبي ﷺ لزيد بن حارثة فكره ذلك) أظن ما هي مهمة. اشطب عليها. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب ٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام؟! * طالب: شرطية. * الشيخ: ما الذي أدراكم أنها شرطية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، غير الجواب. * الطالب: فعل الشرط. * الشيخ: فعل الشرط؛ لأنه مجزوم ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ لكنه مجزوم بحذف حرف العلة ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾، المعصية مخالفة الأمر أو إن شئت فقل: المعصية خلاف الطاعة سواء كانت وقوعًا في منهيٍّ عنه أو تركًا لمأمور به، لكن إذا قيل طاعة ومعصية صارت الطاعة فعل المأمور والمعصية فعل المحظور. أما إذا قيل: معصية وحدها أو طاعة وحدها فإنها تشمل الأمرين. قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ﴾ سواء عصاهما جميعًا يعني: أمر من الله وأمر من رسوله وقعت فيه المعصية، أو عصى الله وحده أو عصى الرسول وحده فإنه قد ضلَّ ضلالًا مبينًا، معصيتهما جميعًا مثالها قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]، وقال النبي ﷺ: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٨٨) ومسلم (١٣٣٧ / ٤١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. لو خالف الإنسان في ذلك يكون قد عصى الله ورسوله؛ لأن الأمر هنا من الله ومن رسوله، وأحيانًا يَرِد الأمر في القرآن دون السنة فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا لله وأحيانًا يرد في السنة دون القرآن فإذا عصاه الإنسان صار عاصيًا للرسول. ولكن لتعلم أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام معصية لله؛ لأن الرسول يتكلم عمن أرسله، فإذا عصيته فقد عصيت من أرسله؛ لو أن رجلًا أتاك وقال: إن فلانًا أرسلني إليك وقال: ليفعل كذا وكذا. وخالفت الرسول تكون مخالفًا في الواقع لمن؟ للمرسِل؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] فعلى هذا يكون من يعص الله ورسوله سواء على سبيل الانفراد أو على سبيل الاشتراك. ﴿مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ هذا جواب الشرط، وقُرِنَ بالفاء؛ لأنها اقترنت في ﴿قَدْ﴾ وهناك ضوابط لجواب الشرط الذي يجب اقترانه بالفاء ذُكِرَت في بيت قد أُنْشِدَ لكم من قبل فما هذا البيت؟ * طالب: اسـْــــــمِيَّةٌ طَـــلَــبِيَّةٌوَبِجَـــــــــــامِـــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ * الشيخ: نعم. اســْــــــــمِيَّةٌ طَـــلَـــــبِيَّةٌوَبِجَــــــــــــامِـــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(لَنْ) وَبِـ(قَدْ)وَبالتَّنْفِيسِ كم؟ سبعة، إذا كان جواب الشرط أحد هذه الأمور السبعة فإنه يقترن بالفاء وجوبًا ولا يَشُذُّ عن هذه القاعدة إلا أمر نادر كقول الشاعر: مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ......................... ولم يقل: فالله يشكرها. لكن هذا نادر أو ضرورة، هنا اللي معنا من الأشياء السبعة: ﴿قَدْ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ قال المؤلف: (بَيِّنًا) ونحن تكلمنا من قبل أن (أبان) الرباعية تكون متعدية وتكون لازمة، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان)، إذا كانت متعدية فهي بمعنى أظهر. هنا قال: ﴿ضَلَالًا مُبِينًا﴾ هل تصلح بمعنى أظهر؛ يعني بمعنى ضلالًا مظهرًا؟ ما تصلح. إذن فهي من (أبان) اللازم الذي يكون منه الاسم على بَيِّن لا على مبين. وقوله: لا على مبين بمعنى مظهر، طيب ما هو المبين بمعنى مظهر؟ المبين بمعنى مظهر مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩] هذا من اللازم ولَّا من المتعدي؟ من المتعدي يقينًا، نعم؛ لأن القرآن مظهر للحقائق؛ ولهذا قال بعده: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس ٧٠]. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾. قال: (فزَوَّجها النبي ﷺ لزيد، ثم وقع بصره عليها بعد حين فبلغ في نفسه حبها وفي نفس زيد كراهتها، ثم قال للنبي ﷺ: أريد فراقها. فقال: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ﴾ كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]). هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله ذُكِرَ عن بعض المفسرين من السلف والخلف، لكنه كما قال ابن كثير: أقوال ينبغي أن يضرب الإنسان عنها صفحًا؛ لأنها أقوال باطلة لا تليق بمقام النبي ﷺ؛ لأن القصة إذا قرأها الإنسان يتصور أن الرسول ﷺ كان عاشقًا من العشاق، وما أشبه هذه القصة الباطلة بقصة داود عليه الصلاة والسلام التي ذكروا أن داود طلب من أحد جنوده أن يتزوج امرأته ولكنه أبى، فاحتال عليه بحيلة، شوف كيف؟ أيش الحيلة؟ قال: نطلعه مع الجيش عشان يُقْتَل فأتزوج امرأته. هل هذا يمكن أن يقع من نبي من أنبياء الله؟! أبدًا، هذه لو قال قائل: إنها وقعت من أحد السوقة من الناس لقيل: ما أظلم هذا الرجل وما أجهله! فكيف بنبي من أنبياء الله؟! الرسول ﷺ هل يمكن أن يتصور أحد أنه عشق هذه المرأة، لاحظوا لأن بعض الناس حتى بعض المفسرين والعياذ بالله صار يتلفظ بهذا اللفظ يقول: الرسول عشق المرأة زينب، ولكن هذا قول باطل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على تفسير الآية بيان معنى الآية وأن معناها ناصع واضح ولم يكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٧] وأنه أخفى حبها؛ لأن الله قال في نفس الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فبَيَّن الله أنه سيبدي ما أخفاه في نفسه، لو كان الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه الحب لكان الله يبديه، لكن ما الذي أبدى الله؟ الذي أبدى الله تزويجه؛ أنه زوجه إياها، فكان الرسول عليه الصلاة والسلام أخفى في نفسه ما أعلمه الله أنه سيتزوجها دون أن يكون هناك حب وعلاقة، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام علم بما أعلمه الله أنه سيتزوجها، فلما جاء هذا الرجل يستشيره قال له: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تطلق المرأة. فعاتب الله رسوله لماذا قال له: اتق الله وأمسكها، وقد علم أن الله تعالى سيزوجه إياها؟ فالمسألة واضحة ما فيها أي إشكال. ولكن المشكل أن بعض المفسرين يأخذون عن بعض من غير تمحيص ومن غير أن يكون هناك تَرَوٍّ في المسألة، حتى إن بعض الناس اعتذر وقال: إن محبة الإنسان للمرأة ولو كانت عند زوج آخر أمر لا يُنْكَر، إنما الذي ينكر أن يحاول التوصل لهذه المرأة بطريق غير شرعي، وأما أن يقع في نفسه محبة امرأة عند زوج فهذا لا بأس به، وهو أمر قد تدعو إليه الجبلة والطبيعة، وهذا وإن كانت المسألة تحتاج إلى نظر في هذا القول؛ وهو أن محبة الإنسان لزوجة غيره إما أن تكون محبة للجنس أو محبة للشخص، فإن كان محبة للجنس فهذا أمر جائز ولَّا لا؟ جائز أنا ما أبغي بالجنس الشهوة يعني، يعني جنس هذا الطراز من النساء، هذا المراد بقولي: الجنس، إن كان محبة للجنس؛ يعني معناه أنه يرغب مثل هذه المرأة فهذا لا بأس به، والإنسان دائمًا إذا سمع مثلًا من امرأة رجل أنها امرأة صالحة قانتة حافظة للغيب بما حفظ الله يحبها ويحب أن يكون له مثلها. وأما إذا كان حبًّا شخصيًّا فعندي أن في جواز ذلك نظرًا وأن الإنسان يجب عليه أن إذا تعلقت نفسه بامرأة تعلقًا شخصيًا أو محبة شخصية يجب عليه أن يحاول التخلص من هذا لأنها مشكلة، المحبة في الحقيقة جذابة، المحبة كأنها رِشاء من حديد يجذب الإنسان، فإذا تعلَّق قلبه بامرأة فإن الغالب أن يحاول الوصول إليها إن لم تكن مُزَوَّجة يمكن يخطبها وإن كانت مزوجة مشكلة. فالذي أرى في هذه المسألة أنه إذا أحبها محبة جنس بمعنى أحب جنس هذه المرأة فهذا لا شك أنه ما فيه مانع ولا يحصل فيه مفسدة، وأما إذا أحبها محبة شخصية فإن الأمر خطير. * الطالب: ويش يعني؟ * الشيخ: يعني يحب هذه المرأة نفسها؛ إي هذه المرأة مثلًا شافها معها زوجها أنها قائمة باللازم وأحبها هي شخصيًّا. ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب ٣٧] ﴿إِذْ﴾ يقول المؤلف: (إنه منصوب بـ (اذكر). أين (اذكر)؟ محذوف، (منصوب بـ (اذكر) محذوفًا، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. اذكر هذا القول حتى تكون مُسْتَعِدًّا لما يُلْقَى إليك من الموعظة؛ لأن الله تعالى وعظه في هذه الآية موعظة عظيمة حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «لو كان محمدًا ﷺ كاتمًا ما أُنْزِل إليه لكتم هذه الآية»[[أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. كما سترون. ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ (للذي أنعم عليه الله بالإسلام ﴿﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴾ بالإعتاق). بَيَّن الله عز وجل أن هذا الرجل الذي أبهم اسمه هنا ثم أوضحه فيما بعد أن عليه نعمتين: النعمة الأولى لله، والثانية للرسول عليه الصلاة والسلام. وهنا قال: ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ﴾ فأتى بالواو الدالة على الاشتراك، مع أن هذا ليس من باب الشرع أو ليس من باب التشريع حتى نقول: إنه يجوز اشتراك أو إشراك الله مع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل هنا من باب النعمة والعطاء والفضل، فكيف جمع بين إنعام الرسول ﷺ وإنعام الله بالواو الدالة على التشريك؟ فالجواب أن نقول: جمع بينهما بالواو الدالة على التشريك؛ لأن النعمتين مختلفتان؛ فالنعمة الأولى بماذا؟ بالإسلام، والثانية: النعمة من الرسول ﷺ بالعتق، فلما اختلفت النعمتان صارت الواو لا تدل على الاشتراك لامتناع الاشتراك بين شيئين مختلفين. (﴿تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة كان من سَبْيِ الجاهلية اشتراه النبي ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه) المشهور أن زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مملوكًا لخديجة فوهبته للنبي ﷺ، هذا هو المعروف في السير. وأيًّا كان فإن زيد بن حارثة كان مملوكًا للرسول ﷺ ثم أعتقه وتبناه أيضًا، رفع معنويته بكونه أضافه إليه ابنًا له وكان يُدْعَى زيد بن محمد حتى أبطل الله ذلك في قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، وبقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]. (تقول: ﴿﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴾ في أمر طلاقها). ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ هنا عدَّى ﴿أَمْسِكْ﴾ بـ (على)؛ لأنها بمعنى اضمم عليك زوجك؛ يعني: اجعلها منضمة عليك لا تفارقها. ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ والمراد بها زينب بنت جحش رضي الله عنها، وكان زيد قد تزوَّجها بمشورة النبي ﷺ فجاء يستشيره في طلاقها، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ يعني: لا تطلقها. وأمره بأن يتقي الله ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ إغراء له على إمساكها، وإن كان الرجل لم يفعل خطيئة لأن الطلاق مما يباح للرجال، لكن من باب الإغراء على إمساكها. وقال بعض المفسرين: إنه -أي: زيد بن حارثة- إنه ذكر زينب بعيب، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ يعني: لا تصفها بالعيب، وليس المعنى: اتق الله لا تطلقها؛ لأن الأصل في الطلاق أنه مباح ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الواو حرف عطف ﴿وَتُخْفِي﴾ معطوفة على قوله: ﴿تَقُولُ﴾ يعني: واذكر أيضًا إذ تُخْفِي في نفسك ما الله مبديه، وأبهم الله تعالى ما أخفاه، لكنه بَيَّن أنه سيبديه، وننظر ماذا أبدى الله عز وجل ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا﴾ هذه اسم موصول في محل نصب مفعول لـ ﴿تُخْفِي﴾، و﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿مُبْدِيهِ﴾ خبره، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، يعني: تخفي في نفسك الذي الله مبديه، وهنا لم يقل: وتخفي في نفسك ما يبديه الله، بل قال: ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الجملة هنا اسمية، وإنما أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت كأن هذا أمر لا بد منه، لا بد أن يبديه الله عز وجل، وهذا هو الذي وقع، ومعنى ﴿مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره وهو مقابل لقوله: ﴿تُخْفِي﴾ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ إلا أن المقابلة اختلفت من حيث الصيغة؛ فالصيغة في الإخفاء جاءت بالمضارع، وأما الصيغة بالإبداء فجاءت بالجملة الاسمية. قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تَزَوَّجْتَها) هذا ما زعم المؤلف تبعًا لكثير من المفسرين؛ أن الذي أخفاه النبي عليه الصلاة والسلام هو محبته لهذه المرأة فأبدى الله ذلك، ولكنك إذا تأملت الآيات وجدت أن الذي أخفاه هو نية الزواج بها بأمر الله عز وجل، فإن الله تعالى أمره أن يتزوجها بعد زيد بن حارثة، وكأن هذا -والله أعلم- من أجل جبر قلبها حيث تزوجت زيد بن حارثة وهو مولى وهي من صميم العرب فأراد الله عز وجل أن يكافئها على خضوعها لمشورة النبي ﷺ بأن يتزوجها الرسول ﷺ هذه من جهة، ومن جهة أخرى أمره الله أن يتزوجها لأجل أن يزول ما كان مشهورًا عندهم في الجاهلية منين؟ من أنَّ ابن التبني لا يجوز لمن تبناه أن يتزوج بامرأته فيكون هذا من باب البيان بالفعل الذي هو أقوى من البيان بالقول. قال: (﴿﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ﴾ مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجها)، وإذا نظرنا إلى الذي أبداه الله وجدنا أنه زواجه، لا أنه يحبها ما قال الله في القرآن: إنك تحبها أبدًا ولا تعرض للحب. قال: (﴿﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ﴾ أي: تخاف من قولهم ومن كلامهم بأن يقولوا تزوَّج زوجة ابنه)، وهذا عند العرب عيب عندهم فهم يرونه من المنكرات. قال الله تعالى: (﴿﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ﴾ في كل شيء، وتزوَّجْها ولا عليك من قول الناس، ثم طلقها زيد وانقضت عدتها) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ إلى آخره. قال الله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ منين؟ من الناس ولكنه هنا أطلق، قال الله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ولم يذكر المفضل عليه من أجل العموم لأنه دائمًا يكون الحذف مفيدًا للعموم؛ يعني أحق أن تخشاه من كل أحد؛ من الناس، ومن الجن، ومن غيرهم. وقوله: ﴿أَنْ تَخْشَاهُ﴾ يعني: أن تخافه، ولكن الخشية خوف مع علم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، والخشية أيضًا خوف مع قوة المخشيِّ وعظمته، فالخوف دون الخشية؛ لأن الخوف يقع بدون علم، ولأن الخوف يقع من ضعف الخائف لا من قوة المخوف؛ ولهذا كانت الخشية أرفع مرتبة وأقوى ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾. (﴿﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ﴾ حاجة ﴿﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ﴾ فدخل عليها النبي ﷺ بدون إذن وأشبع المسلمين خبزًا ولحمًا). * الطالب: عندنا بغير إذن. * الشيخ: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ أي: حاجة، وهذا دليل على أن زيدًا رضي الله عنه طلَّقها عن رغبة، وأنها انقضت حاجته منها، ولم يطلقها عن ضغط أو إكراه. وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ شرعًا أو قدرًا؟ شرعًا وقدرًا، لكن المهم شرعًا؛ لأنه لو كان المراد قدرًا فقط لم يكن بَيْنَها وبين أمهات المؤمنين فرق؛ لأن أمهات المؤمنين أيضًا مما زوجهن الله قدرًا، وكانت هي أي زينب تفتخر على نساء النبي ﷺ فتقول: «زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ، وزوَّجَنِي الله من فوق سبع سماوات»[[أخرجه الترمذي (٣٢١٣) من حديث أنس رضي اله عنه.]]، وهذا دليل على أنه تزويج شرعي، ولكنه قدري أيضًا في نفس الوقت. وقوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ في هذا ضميران مفعولان؛ الضمير الأول الكاف، والثاني ﴿هَا﴾ وهو متمشٍ على القاعدة، ابن مالك يقول: وَقَدِّمِ الْأَخَـــــــصَّ فِي اتِّصَـــــــــالِ ∗∗∗ وَقَدِّمَنَّ مَا شِئْتَ فِي انْفِصَالِ وضمير المخاطب أخصُّ من ضمير الغائب؛ ولهذا قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾. الحكمة من ذلك قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ﴾ اللام هنا للتعليل، و﴿كَيْ﴾ حرف مصدر؛ لأنها بعد اللام مصدرية محضة أي: لأن، و(لا) نافية، وقوله: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضيق ومشقة، وقوله: ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ من أدعياؤهم؟ أبناؤهم الذين تَبَنَّوْهُم، هؤلاء هم الأدعياء، وهؤلاء الأدعياء ليسوا بأبناء كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]. وتأمل قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ولم يقل: (أبنائهم الذين تبنوهم)؛ لأن هذه البنوة منتفية شرعًا وباطلة شرعًا ولهذا قال: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾. وبهذا نعرف أن قول مَنْ قال في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن قوله: ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ احتراز من ابن التَّبَنِّي يتبيَّن لنا أن هذا القول لا وجه؛ لا لأن ابن التبني لم يسمِّه الله ابنًا أبدًا، بل نفى عنه البنوة فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، وقال هنا: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾، وإذا كان ابن التبني لا يُسَمَّى ابنًا شرعًا فإنه لا حاجة إلى أن نأتي بصفة تخرجه لماذا؟ لأنه ليس بداخل أصلًا حتى يُخْرَج بهذه الصفة ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾، ولكنها احتراز من ابن الرضاعة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ الفاعل يعود على من؟ على الأدعياء. وقوله: ﴿إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فيه إشارة إلى أنه لو كان ذلك بضغط من الأب المُدَّعِي لكان ذلك فيه حرج، بل لا بد أن يكونوا قد قضوا منهن وطرًا وأنهوا رغبتهنَّ فيهن. قال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (مقضي مفعولًا) أمر الله الكوني أو الشرعي؟ الكوني؛ لأن الشرعيَّ قد يُفْعَل وقد لا يفعل، ولكن الأمر الذي لا بد أن يُفْعَل هو أمر الله الكوني، فإذا أمر الله تعالى بشيء كونًا فلا بد أن يقع. وخلاصة هذه الآية أو تفسير هذه الآية أن نقول: إن الله عز وجل ذَكَّر نبيَّه ﷺ بهذا الأمر العظيم، وهو قوله لزيد بن حارثة حين جاء يستشيره في طلاق زوجته قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ مع علم النبي ﷺ بأن الله سوف يُزَوِّجُه إياها، وكان على النبي عليه الصلاة والسلام أن يسكت على الأقل ويقول: انظر ما يبدو لك في هذا الأمر. لكنه أشار عليه أن يُمْسِك، لماذا؟ لأنه يخشى أن يقول الناس: تزوج امرأة ابنه الذي تبناه، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يخاف من هذا الأمر، ولكن الله تعالى وَجَّهَهُ هذا التوجيه السليم. ثم قال تعالى: (﴿﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ﴾ ﴾ أحل الله له) إلى آخره. ﴿مَا كَانَ﴾ (ما) نافية و(كان) فعل ماض ناقص، واسمها قوله: ﴿حَرَجٍ﴾، لكن فيها (مِن) الزائدة؛ لماذا؟ لإثبات النفي وتوكيده. وقوله: ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ هذا خبرها مقدَّم. ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ ومعنى ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ أي: فيما أحلَّ الله له أيًّا كان، فكل ما أحلَّ الله فإن لا حرج عليه عند الله، وإذا كان لا حرج عليه عند الله فإن لا يجوز لأحد أن يتكلم في هذا الذي أحلَّ الله له ويقول: لمَ فعلَ؟ لِمَ صنع؟ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الفوائد أن هذا عام للرسول ولغيره. وقوله: ﴿فِيمَا فَرَضَ﴾ الفرض تارة يتعدَّى باللام، وتارة يتعدى بـ (على) فيتعدي باللام مثل هذه الآية: ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، ويتعدى بـ (على) مثل فرض الله علينا كذا وكذا، فإن تعدى بـ (على) فهو بمعنى أوجب، وإن تعدى باللام فهو بمعنى أحل؛ لماذا؟ لأن الفرض في الأصل بمعنى التقدير، والمقدَّر قد يكون واجبًا وقد يكون مُحَلَّلًا. قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله فنُصِبَ بنزع الخافض؛ يعني أن الله تعالى نفى عنه الحرج فيما أحل له؛ لأن هذا هو سنة الله تعالى فيمن سبق، و﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: طريقته، والمعنى كطريقة الله تعالى فيمن سبق من الأنبياء. قال: (﴿﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴾ من الأنبياء أن لا حرج عليهم في ذلك توسعة لهم في النكاح ﴿﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴾ فِعْلُه ﴿﴿قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ﴾ مقضيًّا). يقول الله عز وجل: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كغيره من الأنبياء السابقين؛ فما أحل الله له فإنه لا حرج عليه فيه؛ يعني: لا تضييق لا من قِبَل الله ولا من قِبَل عباد الله، وهكذا الأنبياء السابقون ليس عليهم حرج فيما فرَض الله لهم يفعلون ما يشاؤون ما دام الأمر مُحَلَّلًا لهم. ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ قال المؤلف في إعرابها: (﴿﴿الَّذِينَ﴾ ﴾ نعت للذين قبله)، وين (الذين) قبله؟ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في الذين يبلغون. وقوله: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ جمع رسالة، والمراد بها المرسَل به، فهم يبلغون ما (...) به، والتبليغ معناه الإيصال ومنه ما جاء في الحديث: «لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤ / ١٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب ٣٩] لأن الخشية عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله عز وجل، هذا في الأصل مع أن الخشية قد تكون غير عبادة؛ قد تكون خوفًا طبيعيًا لا يتعبد به الإنسان للخائف، فيُفرَّق بين خشية الإنسان للناس وبين خشية الإنسان لله قال: (فلا يخشون مقالة الناس فيما أحل الله لهم) وكذلك في غيره. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبتهم. إعراب ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؟ * طالب: (...) جار ومجرور. * طالب آخر: (...). * الشيخ: كما قال، طيب و﴿بِاللَّهِ﴾. * الطالب: حرف زائد. * الشيخ: حرف جر زائد. كمل. * الطالب: (الله) فاعل. ﴿حَسِيبًا﴾؟ * الشيخ: اصبر، الفاعل أيش؟ منصوب ولَّا مجرور؟ * الطالب: (الله) فاعل مجرور بالكسرة بدل الرفع. * الشيخ: فاعل، إذن ما هو فاعل. * الطالب: (...) مقدرة. * الشيخ: لا، من يعرف؟ مر علينا هذا الإعراب كثيرًا. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره. * الشيخ: لفظ الجلالة اسم مجرور بالباء. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم. * الطالب: ﴿حَسِيبًا﴾ تمييز. * الشيخ: تمييز كذا؟ طيب. إذن ﴿كَفَى﴾ تتعدى بالباء على أنه حرف جر زائد وهو كثير، وقد تتعدى بنفسها إلى الفاعل كقول الشاعر: كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ∗∗∗ .......................... فلم يأتِ بالباء، لكن الأكثر أن يأتي بها. * * * يقول تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب ٣٦]. * من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الإيمان ألا يخالف المؤمن أمر الله ورسوله؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ إلى آخره. * ومن فوائدها: أنه كلما قُوِيَ الإيمان قويت الموافقة، ما وجهه؟ لأن الحكم المرتب على وصف يَقْوَى بقوته ويضعف بضعفه؛ * وعليه فتأتي الفائدة الثالثة: أنه كلما نقص الإيمان وضعف كثرت المخالفة؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما قضاه الرسول ﷺ من الأمور فهو كما قضاه الله؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخير كلَّ الخير فيما قضاه الله ورسوله؛ لقوله: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ يعني: ما يختارون غيره؛ لأنهم يرون أن الخير فيما قضاه الله ورسوله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعصية ضلال؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. * ومن فوائدها: أنه كلما كانت المعصية أكبر أو أكثر كان الضلال أبين وأوضح، وجهه ما أشرنا إليه من قبل؛ أن الحكم المرتب على وصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ فإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي ﷺ ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[[أخرج ابن ماجه (١٢) بسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله».]]. وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء ٨٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرج البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت قال: «جعلتَ لله نِدًّا ما شاء الله وحده».]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول ﷺ لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان. ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر). * ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية. هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ. * ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾. * ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟ * الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين. * الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد. * طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]. * الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟ * الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية. * الشيخ: الشرعية. صح. * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله. ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره. * يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه. * ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها. * طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟ * الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟ * الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية. * الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها. * الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟ * الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة. * طالب: الحلال يتعلق (...). * الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج. * الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف.. * الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا. * الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟ * الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له. * ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية. (...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها. * الطالب: (...). * الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه. إذن ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب ٣٨] ويش أخذنا منها؟ * الطالب: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...). * الشيخ: تكليف؟ * الطالب: تكليف. أن النبي ﷺ عبد من عباد الله (...). * الشيخ: نعم، طيب. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨]. * من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾. * وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. بناء على إعراب المؤلف أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ * يكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها. * ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته. * ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ هذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء. * ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم. * * * * طالب: (...) ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ الفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار. * الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟ * الطالب: (...). * الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف. * الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا. * الشيخ: ويش لون؟ * الطالب: الإنسان في الأشياء.. * الشيخ: المباحة. * الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة. * الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور. قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟ الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها. ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة. وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب. قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار. وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ. وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟ الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد. ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله. ﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده. ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء. ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها. ﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم. والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين. وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده. فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟ فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء. وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟ فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك. ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم. (﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]. وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله. قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟ * طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩]. * الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦]. * طالب: ﴿وَجِيهًا﴾. * الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء. يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان: أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء. وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.