Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — سبأ 34:39 – فاطر 35:7

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. سبأ 34:39
  2. سبأ 34:40
  3. سبأ 34:41
  4. سبأ 34:42
  5. سبأ 34:43
  6. سبأ 34:44
  7. سبأ 34:45
  8. سبأ 34:46
  9. فاطر 35:1
  10. فاطر 35:2
  11. فاطر 35:3
  12. فاطر 35:4
  13. فاطر 35:5
  14. فاطر 35:6
  15. فاطر 35:7

سبأ 34:39

(...) لما ذكر جزاء المؤمنين ذكر جزاء غيرهم؛ لأن القرآن مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا ذُكِر الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر؛ وذلك لئلا تسأم النفس إذا بقيت في موضوع واحد، ولأجل أن يكون الإنسان عند تلاوة القرآن دائرًا بين الخوف والرجاء، ومعلوم لنا جميعًا أن الموضوع إذا كان واحدًا فإن النفس تَمَلُّه وتسأم منه، فإذا نُوِّع صار في ذلك تنشيط لها. قال: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (القرآن بالإبطال) ﴿يَسْعَوْنَ﴾ السعيُ يُطْلَق على مجرد الحركة، ويُطلَق على الركض بشدة؛ ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩] المراد بذلك مُطلَق الحركة، وليس المراد أن تركض، وإذا قلت: يسعى في الطواف بين الصفا والمروة يسعى بين العلمين فالمراد بذلك الركض، هنا ﴿يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يكون المراد بذلك مُطلَق الحركة ويحتمل أن يُراد به الحركة بشدة وإقدام، وهذا الأخير أبلغ أي: أن هؤلاء يَسْعَون جاهدين في آيات الله. وقول المؤلف: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ أي: (القرآن)؛ وجهه أن الذين كفروا لا ينكرون آيات الله الكونية، وإنما ينكرون آيات الله الشرعية على أنهم أحيانًا يطلبون آياتٍ كونيَّةً تعجيزًا للرسول ﷺ، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣] كم آية طلبوها من الآيات الكونية هنا؟ ومع ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يعني: تنزيهًا له أن يبعث رسول بدون آيات يؤمن على مثلها البشرُ، وما أنا إلا بشر رسول، المهم أن الآيات هنا خصَّها المؤلف بالآيات الشرعية وقال: إن المراد بها القرآن. ويحتمل أن يراد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية جميعًا؛ لأن هؤلاء كما يعاجزون في القرآن يعاجزون أيضًا في الآيات الكونية. وكان القرآن آية من آيات الله لاشتماله على ما يَعْجَز عليه البشر، بل إن الله عز وجل تحدَّى البشر وغيره ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]. قال: (﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ لنا، مقدرين عجزنا وأنهم يفوتوننا). ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ المعاجز هو الطالب لإعجاز غيرِه فهي (عَاجَزَه) مثل (قَاتَلَه)، فالمعنى أنهم يعاجزون الله أي: يطلبون على زعمهم ما به العجز؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أي: مُقَدِّرين عجزنا وأنهم يفوتوننا). هؤلاء الذين فعلوا ذلك يعاجزون الله ويطلبون ما به عجز على زعمهم، ويقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢] هذا تعجيز لله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم لا يجيبهم إلى ما أرادوا، بل هو يجعل هذه الأمور حسب ما تقتضيه الحكمة. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، قلت لكم قبل قليل: إن هذه الجملة هي خبر أيش؟ ﴿الَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾ خبر المبتدأ، الآن جملة خبرية، وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في نفس العذاب لا إليه، بل يحضرون حتى يوقعوا في نفس العذاب، والعذاب بمعنى العقوبة والنكال، وهذا خبر يُراد به التهديد لا مجرد أن نعلم بأن هؤلاء سيحضرون في العذاب ويُعَذَّبون، بل المراد التهديد والتحذير من صنيعهم. ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يراد به يتأتى خطابه أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه، يخاطب هؤلاء الذين يَسْعَون في آياتنا معاجزين ويقولون: عجز الله فيما يدعون. (﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه) هذا معنى ﴿يَبْسُطُ﴾ من البسط وهو التوسعة؛ ولهذا يقال: بسط الكلام واختصر الكلام، بسطه بمعنى وسعه وطوله، والرزق بمعنى العطاء. (﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقُه بعد البسط أو ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ابتلاءً) انتبه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا بأن كل فعل عَلَّقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فمشيئته سبحانه وتعالى تابعة لحكمته، فإذا اقتضت حكمته أن يوسع الرزق لأحد وسَّعه، وإذا اقتضت حكمته أن يضيقه ضيقه. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد العبودية العامة؛ لأن المشاهد أن الكافرين والمؤمنين على السواء؛ منهم من يبسط الله لهم الرزق، ومنهم من يضيقه، فالمراد بالعباد -إذن- العبودية العامة. وقد مر علينا أن العبودية تنقسم: إلى عامة، وخاصة؛ فالعامة التي تشمل جميع الخلق والمراد بها العبودية الكونية التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وأما الخاصة فهي عبودية الطاعة الشرعية وهي التي قال فيها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] إلى أخره. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا) كيف معنى امتحان؟ يعني: اختبار يختبره؛ هل يشكر أم يكفر؟ ولهذا قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] حين رأى عرش بلقيس حاضرًا بين يديه في هذه المدة الوجيزة قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] يعني ابتلاء واختبارًا، وكم من إنسان كان في حال الفقر أصلح مما كان بعد الغنى، وكم من إنسان بالعكس كان فقيرًا مُسْرفًا على نفسه ولما أغناه الله هداه الله، فالله عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة. قال: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿لَهُ﴾ هل يعود على المبسوط له أو يعود على من يشاء عمومًا؟ المؤلف رحمه الله ذكر فيها المعنيين قال: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّق له بعد البسط؛ يعني أنه عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء ثم يُضَيِّقه عليه ليبلوه؛ يعطي النعم ثم يُزيلها امتحانًا واختبارًا؛ يمنُّ الله على الإنسان بالأولاد فيموتون، بالمال فيفنى، هذا تضييق بعد أيش؟ بعد البسط، أو أن المعنى: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: لمن يشاء، لا لهذا الذي كان مبسوطًا له الرزق؛ يعني أنه سبحانه وتعالى يبسط الرزق عند قوم ويقدره لآخرين، وهل المعنيان يتنافيان؟ لا، وإذا كانا لا يتنافيان فقد مر علينا أن القاعدة في التفسير أن المعنيين إذا كانا لا يتنافيان فإن الآية تُحْمَل عليهما جميعًا. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩] (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الخير ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يخلفه للإنسان يُقال كلُّ إنسان يرزُق عائلته أي: من رزق الله). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط (أنفق)، وجوابه ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، واقترن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، ويقترن جواب الشرط بالفاء في سبعة مواضع؛ ينشد لنا الأخ البيت الذي نظم فيها.. * طالب: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا).......... * الشيخ: لا. * طالب: اسمية طلبية وبجامد وبـ(ما) وبـ(لن) وبـ(قد) وبالتنفيس. * الشيخ: وبما، لا (...) الترتيب. * الطالب: .................. ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: نعم. اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ هذه الآية من أي الأقسام السبعة؟ اسمية. وقوله تعالى: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ أي: الله ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي يأتي بخلفه) واعلم أن هناك فرقًا بين يَخلُف ويُخلِف؛ فيَخْلُف يُراد به الشيءُ الذي خَلَفَ غيرَه؛ قال الله تعالى عن موسى حين وَجَّه الخلفَ لهارونَ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢] أي: صِرْ خَلَفًا عني في قومي، وأما (أَخْلَفَ) الرباعي فالمراد أعطى الخلف؛ فالمخلف معطي الخلف، والخالف الذي خَلَف غيره، انتبه للفرق بين الثلاثي والرباعي، الثلاثي ويش معناه؟ خَلَفَ غيره، والرباعي أعطى الخلف. ومنه الحديث حديث أبي سلمة قال: «وَأخْلِفْ لِي فِي عَقَبِي»[[لم نقف على هذا المتن، ولعل المقصود ما أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) بسنده عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقَّ بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبِضَ تبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تَدْعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه».]]، وحديث أم سلمة نفس الشيء قالت: «وَأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ»، فاجتمع في الحديث الكلام جميعًا، حديث أم سلمة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأخْلِفْ لِي»[[أخرج مسلم (٩١٨ / ٤) بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ، يقول: «ما من عبد تصيبُه مصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته». ]] ما هي بـ(واخلُف) «وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» » طيب، هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يعطي ما يكون خَلَفًا عنه. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ الإنفاق معناه بذل المال، والمؤلف رحمه الله قيَّدَه بقوله: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ في الخير)، وهذا القيد الذي قيَّده به المؤلف دلَّت عليه آيات متعددة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢]. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن من أنفق في غير الخير فالخلف غير مضمون له، لكن من أنفق في الخير فالخلف مضمون له، يشمل هذا النفقات الواجبة كإنفاق الإنسان على زوجته وأمه وأبيه وابنه وبنته وما أشبه ذلك، ويشمل أيضًا الإنفاق في الزكاة لأنها هي أُمُّ الإنفاقات لأن الإنفاق في الزكاة أحد أركان الإسلام، ويشمل الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، ويشمل الإنفاق في وجوه الخير كالإحسان إلى الناس وغير ذلك. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ هذا الإخلاف هل هو في الكمية أو في الكيفية؟ بمعنى هل إن الله عز وجل يعطيك بدلًا عنه في الكمية إذا أنفقت عشرة أعطاك عشرة، أو في الكيفية بمعنى أن الباقي يُنْزِل الله فيه البركة حتى يكون مقابلًا لما أنفقت مضمومًا إليه؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ أن الله يخلفه يعطيك خلفًا عنه في الكمية، فإذا أنفقت عشرة فتح الله لك باب الرزق وأعطاك عشرة، أو أنه يكون خلفًا عن الكيفية، فإن أنفقت عشرًا من مئة وبقي تسعون، فإن هذه التسعين تقوم مقام مئة أو أكثر بالبركة التي يُحِلُّها الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني أن الصدقة لا تنقص المالَ ولكنها تزيده كما قال تعالى هنا: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿خَيْرُ﴾ أصلها أخير؛ لأنها اسم تفضيل، لكنها حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة استعمالها. و﴿الرَّازِقِينَ﴾ المعطين، كيف نقول ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ مع أن الذي يبسط الرزق ويعطي الرزق هو الله؟ نقول: لأن غير الله يرزق لكنه رزق محدود، يقال: رزق عائلته قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء ٨] فإذن الرزق يكون من الله ويكون من غيره، لكنه من الله شامل عامٌّ، ومن غيره ناقص خاصٌّ، فالإنسان يكون كما قال المؤلف رحمه الله يقول: إنه (يقال: كُلّ إنْسَان يَرْزُق عَائِلَته) يعني: يعطيها، لكن عطاء الإنسان عائلتَه أو رزق غير عائلته منين؟ من رزق الله، لولا أن الله أعطاك ما أعطيت غيرك، فيعود المعنى إلى أن الرزق لِمَن؟ لله سبحانه وتعالى، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قال: (واذكر يوم نحشرهم جيعًا ثم نقول للملائكة). (واذكر) قدَّرها المؤلف لأن (إذ) ظرف، والظرف كالجار والمجرور لا بد له من متعلَّق، وهذا المتعلق يكون مذكورًا ويكون مُقَدَّرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام ٩٣] العامل مذكور ولَّا محذوف؟ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ مذكور؛ ﴿تَرَى﴾، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال ٥٠] العامل هنا مذكور، وقد يُحْذَف وهو كثير في القرآن، هنا عامل ﴿يَوْمَ﴾ محذوف؛ واذكر ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ اذكر ذلك اليوم تحذيرًا منه وتخويفًا؛ لأن هذا اليوم يوم عظيم وقوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم، و﴿جَمِيعًا﴾ حال من الهاء في قوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، ومتى يكون ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]، يكون هذا يوم القيامة يحشُر الله تعالى الأوَّلين والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]. (﴿نحشرهم جميعًا﴾ أي: المشركين ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ) قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مُقَدَّم لـ(يعبدون) أو هي مبتدأ والمفعول ﴿إِيَّاكُمْ﴾؛ لأن ﴿يَعْبُدُونَ﴾ الآن مفرغة؛ يعني أنها لم تأخذ مفعولها، وإذا لم تأخذ مفعولها صار ما سبق هو المفعول. طيب، وهل يجوز تقديم مفعول خبر (كان) عليها؟ الجواب: نعم يجوز وقد مر علينا هذا في باب (كان وأخواتها) أنه يجوز تقديم خبرها ويجوز تقديم معمول خبرها؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود ٨] قَدَّم عامل الخبر على الأداة، هنا قدم عامل الخبر على الأداة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ مفعول لـ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ يعني: أهؤلاء كانوا يعبدونكم؟ ولكنه فَصَل الضمير لِتَقَدُّمِه. قال: (﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً وإسقاطها) عندنا همزتان: همزة ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وهمزة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات: القراءة الأولى: (تحقيق الهمزتين)، وصفة النطق بها: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾. القراءة الثانية: يقول: (وإبدال الأولى ياءً): ﴿أَهَؤُلَايِ إِيَّاكُمْ﴾ تجعل الهمزة ياء. الثالثة: (إسقاط الهمزة الأولى) ﴿أَهَؤُلَا إِيَّاكُمْ﴾ بدون همزة. * الطالب: إسقاط الأولى (هؤلاء) بدون..(أهؤلاء). * الشيخ: ما هو يعني الهمزة الأولى، يعني الهمزة الأولى من الهمزتين المتجاورتين، وهي همزة (أولاء) الثانية وهمزة (إياكم)، فهذه ثلاث قراءات، وبأَيِّها قرأت (...). يقول: ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ متى؟ في الدنيا، يقول الله تعالى ذلك توبيخًا وتقريعًا لهؤلاء العابدين الذين كانوا يعبدون الملائكة، والملائكة تقدم لنا كثيرًا أنها جمع مَلَك، وأصل ملك مَلْأَك، وأصل المَلْأَك مَأْلَك، كذا؟ ففيها أصول، لكنها للاستعمال وصلت إلى هذا الوضع. ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الملائكة، (﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن الشريك) يعني أننا نُنَزِّهك عن أن نكون شركاء لك لا نحن ولا غيرنا، وتنزيه الله سبحانه وتعالى يكون عن شيئين: أحدهما: النقص، والثاني: مشابهة المخلوقين، وإن كان مشابهة المخلوقين من النقص، لكن هذا من باب التفصيل في القول؛ ينزَّه الله عن النقص فمثلًا لا يوصف الله تعالى بالعمى والصمم والعجز والضعف وما أشبه ذلك؛ مشابهة المخلوقين فيما له من صفات الكمال فلا يقال: علمه كعلم المخلوقين أو وجهه كوجه المخلوقين أو يده كيد المخلوقين وما أشبه ذلك، فهو مُنَزَّه عن هذين الأمرين. هنا مُنَزَّه عن أن يكون له شريك؛ لأن لو كان له شريك لكان ناقصًا؛ إذ إن الشريك معين لمن شاركه أو مالك لما يملكه، فالله سبحانه مُنزَّه عن هذا؛ تقول الملائكة: (سبحانك أي تنزيهًا لك عن الشريك)، وأفادنا المؤلف بقوله: (تنزيهًا) أفادنا أن ﴿سُبْحَانَ﴾ منصوبة على أنها اسم مصدر فتكون مفعولًا مطلقًا وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا وملازمة للإضافة، فلا تقع مضافة وإلا منصوبة على مفعولها المطلق. (﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: لا موالاة بيننا وبينهم من جهتنا) يعني أن هذه الجملة الخبرية الثبوتية ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ معناها جملة سلبية أي: لا نتولاهم، بل أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم، وإذا انتفت الموالاة ثبت ضدها وهي المعاداة، يعني: فهؤلاء أعداؤنا وأنت ولينا من دونهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]. (﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ أي: يطيعونهم في عبادتهم إيانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدقون فيما يقولون). ﴿بَلْ﴾ للانتقال لأن (بل) تأتي للإضراب الانتقالي وللإضراب الإبطالي، فإن كان المقصود بها إبطال ما سبق وإثبات ما لَحِق فالإضراب إبطاليٌّ، وإذا كان المقصود بها الانتقال من معنى إلى آخر فوقه أو دونه يُسَمى إضرابًا انتقاليًّا. هنا المؤلف يقول: إن هذا الإضراب انتقالي؛ يعني: أنهم لم يبطلوا ما سبق، فهم باقون على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، ولا موالاة بيننا وبينهم، ولا نواليهم ولا يوالوننا، بل نزيد على ذلك ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والمراد بـ(الجن) هنا الشياطين؛ لأن الجن هم الشياطين في الواقع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]، فهم يعبدون الجن بماذا؟ إن كان المراد (...). إذا كانوا يعبدون الملائكة فما هو ظاهر السياق؟ فكيف عبادتهم للجن هنا؟ عبادتهم للجن عبادة طاعة، أي أنهم يطيعونهم في الإشراك، فالجن تأمرهم أن يجعلوا الملائكة شركاء مع الله في العبادة فيطيعونهم، ومَن أطاع غير الله في معصية الله فقد اتخذه إلهًا؛ قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقد رُوِيَ أنهم كانوا إذا أَحَلُّوا ما حرَّم الله أحلُّوه، وإذا حرموا ما أحلَّ الله حرموه فجعلوهم إلهًا مع الله سبحانه وتعالى في التحليل والتحريم والطاعة؛ فيكون معنى قوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: يطيعونهم في عبادة مَنْ؟ في عبادة الملائكة، ومن أطاع غيره في معصية الله فقد اتخذه إلهًا ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. (﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدِّقُون فيما يقولون لهم) قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقل: كلهم، مع أن الجميع يعبدون الملائكة طاعةً للجن، فلماذا عَبَّروا بقولهم: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقولوا: كلهم؟ جواب ذلك أن يقال: إن هؤلاء المشركين ينقسمون إلى قسمين: قسم عامة أتباع لا يعرفون شيئًا وجدوا آباءهم على دين فمَشَوْا عليه. والقسم الآخر مجتهدون يعرفون الأمر، ولكنهم يؤمنون بهؤلاء الجن ويصدِّقونهم ويكفرون بالرسل وهؤلاء هم الأكثر، ومع ذلك فإن الأتباع وهم القسم الأول إذا تبيَّن لهم الحق وأصرُّوا على اتباع هؤلاء وقالوا كما قالت الأمم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] فإنهم مستحقون للعذاب؛ لأنه كفروا عن بَصيرة. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]، ﴿فَالْيَوْمَ﴾ (أل) هنا للعهد، ما نوعه؟ * طالب: الذهني. * الشيخ: لا، ما هو الذهني ولا الحضوري، الحضور يعني اليوم، هذا للعهد الذكري، والمذكور هو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: فاليوم الذي نحشرهم فيه لا يَمِلك بعضُكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ لماذا نصبت أو بماذا نصبت؟ * طالب: بدل. * الشيخ: لا. * طالب: نحذر اليوم. * الشيخ: لا. * طالب: على الظرفية. * الشيخ: على الظرفية، والعامل فيها قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني: فلا يملك اليوم بعضكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا. (﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: بعض المعبودين لبعض العابدين ﴿نَفْعًا﴾ شَفاعة ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ تعذيبًا) ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ مَنِ الذي انتفى ملكُه؟ العابدون أو المعبودون؟ * طلبة: المعبدون. * الشيخ: الذي لا يملك: المعبود؛ لأن العابد يرجو من وراء المعبود النفعَ أو الضررَ، فنقول: لا يملك العابد للمعبود ضرًّا ولا نفعًا، كما أنه لا يملك المعبود للعابد ضرًّا ولا نفعًا، وهذا والله أعلم هو الحكمة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وجعله مبهمًا ليشمل العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، فكلُّ أحدٍ يوم القيامة لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا. المؤلف يقول: (شفاعة) مع أن كلمة (نفع) أعم من الشفاعة، لكن كأنه رحمه الله قيَّدها بالشفاعة؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] فادَّعَوْا أن عبادتهم إياهم من أجل أن تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى وتُقَرِّبُهم إليه. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يعني نفعًا في عبادتكم إياهم في الشفاعة، والأصح وفي غيرها، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بعدم عبادتكم إياهم؛ أي أنهم إذا لم تعبدوهم فإنهم لن يضروكم، وكما أنهم لا يملكون في ذلك اليوم نفعًا ولا ضرًّا فكذلك لا يملكون في الدنيا نفعًا ولا ضرًّا. فإن قلت: إنه قد يَعْبُد الإنسان غيرَ الله فيدعوه لكشف ضُرٍّ فيَنْكَشِف ذلك الضر، فما الجواب عن هذه الآية وغيرها؟ نقول: إن هذا الذي حصل لم يحصُل بالدعاء أو بالعبادة ولكن حصل عنده، فليس ذلك سببًا، فإذا قلت: قولك: إنه حصل عنده لا به دَعْوَى تحتاج إلى بُرْهان وإلَّا لكان الواجب أن يُحال الأمرُ على الشيء أو على السبب الظاهر؛ وهو دعاء هذه الأصنام، فاهمون الاعتراض هذا ولَّا لا؟ يعني قد تقول: إن هذا الشيء عند الدعاء لا بالدعاء، فيقال لك: هذه دعوى منك، ما دام دعا هذا الصنم أن يشفيَه فشُفِيَ فالأصل إحالة الحكم على السبب الظاهر، وهو هذا الدعاء، فدعوى أنه حصل بغير هذا السبب الظاهر تحتاج إلى دليل. فالجواب أن لدينا دليلًا على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] فهاتان الآيتان وما أشبههما كلها تدل على أن هذه الأصنام لا تنفع لا بجلْب نفع ولا بدفع ضرر، فإن وُجِدَ شيء حصل بعد الدعاء فقد حَصَل عنده لا به. فإن قلت: كيف يكون هذا الشيء؟! وما الحكمة مِنْ أن الله عز وجل يجعل حدوث هذا النفع أو اندفاع هذا الضرر عند دعاء هذه الأصنام؟ نقول: فتنة وامتحانًا، فإن الله تعالى قد يمتحن العبد بالشيء المُحَرَّم يُصِرُّ عليه أو يبتليه بالشيء المحرم يمتنع منه، والله على كل شيء قدير (...). * * * قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ ٣٨]. * في هذه الآيات من الفوائد: * أولًا: أنَّ مِنْ عباد الله مَنْ يسعى لإبطال آيات الله عز وجل بكل ما يستطيع من قوة؛ وجه ذلك أن الله أثبته وأثبت عذابه فقال: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وليس شيئًا مفروضًا مُقَدَّرًا بل هو شيء واقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما يصل إليه عُتو الإنسان وطغيانه؛ حيث يسعى في آيات الله معاجزًا لله عز وجل، فمَنْ أنت حتى تعاجز الله وتطلب تعجيزه وتتحداه؟! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المعاجزين الذين يسعون في آيات الله معاجزين سوف يكونون يوم القيامة في العذاب؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، ربما يقول قائل: إنهم في العذاب محضرون حتى في الدنيا، ويكون المراد بالعذاب هنا العذاب القلبي؛ لأن الكافر مهما نُعِّمَ في الدنيا فإنه في ألم وعذاب في قلبه؛ لأن الكافر لا يشبع من الدنيا، فهو في حُزْنٍ خوفًا من ذهاب الموجود، وفي هَمٍّ طلبًا لوجود المفقود؛ لأنه يريد أن تنمو له الدنيا وتزدهر ويخشى أيضًا مِنْ أن تفوت بخلاف المؤمن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والعقوبة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩]* في هذه الآية من الفوائد: طلب الإعلان في أنه الأمور كلها بيد الله مِنْ بَسْطٍ وتضييق؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ إذ إنه ليس المراد أن تقولها في نفسك، بل تقولها في نفسك ولغيرك أيضًا. * ومن فوائدها: أن الأرزاق بيد الله؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، ويترتب على هذا فائدة وهي أن نطلب الرزق ممن؟ مِنَ الله؛ لأنه هو الذي يبسط الرزق ويقدر، ويتفرع عليها فائدة أخرى: وهي ألا نطلب رزق الله بمعاصيه؛ لأن طلب رزق الله بمعاصيه مُنافٍ للأدب، كيف تَطْلُب الرزق مِن مَنْ بيده الرزق بمعصيته؟! ولهذا حَذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك فقال: «إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»[[أخرج الحاكم (٢١٦٣) بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبْطِؤوا الرزق، واتقوا الله أيها الناس وأَجْمِلوا في الطلب...» الحديث.]] يعني: فاطلبوا الرزق طلبًا جميلًا وهو ما وافق الشرع، وعلى هذا فطَلَبُ الرزق بالغشِّ والكذب والظلم طلب مشروع ولَّا غير مشروع؟ غير مشروع، بل وينافي الأدب مع الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ربوبية الله سبحانه وتعالى وسلطانه لكونه يَبْسُط ويقدر، ولا أحد يمكن أن يَعْتَرِض عليه، وحتى لو اعترض عليه هل ينفع هذا الاعتراض؟ لا ينفع؛ لأن الله مدبر لما يشاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحثُّ على الإنفاق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ووجه ذلك أن الإنسان إذا أَنْفَقَ فإن نفسه الأمارة بالسوء تقول له: إذا أنفقت من مالك نَقَصْتَ منه فلا تُنْفِق، فيقول الله عز وجل: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإنفاق -وإن قلَّ- فهو مَخْلُوف، من أين تؤخذ؟ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنها نكرة في سياق الشرط مؤكدة بـ(من) الزائدة، هذا إذا لم تَكُن ﴿مِنْ﴾ بيانًا لـ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى خير الرازقين بكثرة العطاء وبدوام العطاء، فَمَنْ سِوى الله مِنَ الرازقين لا يعطي الكثير، وإذا أعطى الكثير فإنه يَمَلُّ ولا يستمر في عطائه، أما الله عز وجل فإنه خير الرازقين في عطائه كثرةً واستمرارًا. * ومن فوائدها: إثبات رازقٍ سوى الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإن هذا يدلُّ على وجود مُفَضَّلٍ ومفضل عليه مُشْتَرِكَيْنِ في أصل المُفَضَّل به وهو الرزق، ولكن رزقُ غيرِ الله من رزق الله؛ لأن هذا الذي أعطاني مثلًا من أين له العطاء؟ من الله فيكون إعطائه إياي من رزق الله الذي أعطاه، وأيضًا فإن رزق غير الله رزق محدود ليس شاملًا لكل أحد وليس شاملًا لكل زمن. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أفعال العباد مخلوقة لله ففيها رَدٌّ على مَنْ؟ القدرية، من أين تؤخذ الفائدة هذه؟ لقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ونحن نعلم أن الرزق الذي يأتينا يكون كثيرًا من كسبنا نتجر ونحرث ونعمل ونحصل على الرزق، فيكون في هذا دليل على أن فعل العبد مخلوق لله سبحانه وتعالى، وفيها أيضًا ردٌّ على الجبرية وهم الجهمية أيضًا؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ حيث أضاف الفعل إلى العبد، والجبرية يقولون: إن الإنسان مسلوب القُدْرة والاختيار، وفعله لا يُنْسَب إليه إلا على سبيل المجاز، وإلَّا فإنه لا اختيار له في فعله. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠]. * يستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي تذكير الناس بيوم المعاد؛ وجه الدلالة أن ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم يحشرهم، وهل هذا يشمل تذكير النفس؟ يعني بمعنى أن نفسك إذا غفلت ينبغي أن تُذَكِّرها يوم الحشر ويوم الموت أو لا؟ نعم، يشمل؛ لأن قوله: (اذكر) المُقَدَّر يحتمل أن المعنى: اذكر في نفسك هذا اليوم، أو اذكر لغيرك هذا اليوم، وكلاهما حق فينبغي للإنسان أن يُذَكِّرَ نفسه مآله، كلما ركنت إلى الدنيا وأرادت الانغماس فَلْيُذَكِّرْها يوم النُّقْلَة من هذه الدنيا، ويذكرها قومًا انتقلوا عن هذه الدنيا وكانوا أشد منه قوة وأكثر أموالًا وأولادًا، ثم يُذَكِّرها ما وراء ذلك من الحساب والعقاب وهو اليوم المشهود الذي يُجْمَع له الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الحشر عامٌّ لكُلِّ أحد حتَّى مَنْ أَكَلَتْه السباع وأحرقته النيران، مِنْ أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو كذلك، فالذي أكلتْه السباع وأحرقتْه النيران لا بد أن يُحْشَر يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾، وهذا -أعني إثبات القول والكلام لله سبحانه وتعالى- هو مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة، بلى، لكنهم يختلفون في تفسير هذا الكلام؛ فالكلام عند أهل السنة والجماعة كلامٌ حقيقيٌّ بحروف وأصوات مسموعة وهو غير مخلوق. والكلام عند المعتزلة كلام بحروف وأصوات مسموعة لكنه ليس من صفات الله فهو مخلوق عندهم، يقولون: إن الله تعالى يخلق كلامًا فيَنْسُبُه إليه على سبيل التشريف والتعظيم كنسبة البيت إليه ونسبة المساجد إليه ونسبة الناقة إليه ونسبة الأرواح إليه، وما أشبه ذلك. والأشاعرة يثبتون لله كلامًا لكنهم يقولون: إنه بغير حروف وبغير أصوات مسموعة، بل هو المعنى القائم بنفسه، وهذا الذي يُسْمَع الذي سَمِعَه موسى وسمعه محمد عليه الصلاة والسلام ويسمعه الناس يوم القيامة هذه أصوات يَخْلُقُها الله عز وجل لتعبِّر عما في نفسه، وليست هي كلام الله، بل هي عبارة عنه. أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن كلام الله تبارك وتعالى كلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، لكن هذا الصوت لا يشبه أصوات المخلوقين؛ لأنه من كلام الله، وكلامه صفة من صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقريع أولئك المشركين وتوبيخهم بسؤال مَنْ يدَّعُونَهم آلهة حتى يظهروا البراءة منهم؛ لقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ ٤٠، ٤١] فسؤال المعبودين عن عبادة العابدين يُراد به أيش؟ التقريع والتوبيخ لأولئك العابدين، وأن هؤلاء المعبودين تبرؤوا منهم وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، وهذا من أشدِّ ما يكون من التَّخْجِيل والتوبيخ والتَّنْديم؛ لأنه يُظْهِر كذب هؤلاء العابدين وافتراءهم. * ومن فوائدها: إثبات الملائكة وأن مِن الناس مَنْ عبدهم من دون الله؛ لقوله يقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بيان ما عند الملائكة عليهم الصلاة والسلام من تعظيم الله؛ حيث قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا عن أن يكون لك شريك لا مِنَّا ولا مِنْ غيرنا. * ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى للملائكة؛ حيث قالوا: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الجن؛ لقوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والجن عالَم غيبيٌّ مخلوق من نار، وفيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي كما في سورة الجن. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الكفر بالجن. * طالب: العكس. * الشيخ: العكس؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا إقرار ولَّا إنكار؟ * طلبة: إنكار. * الشيخ: زين، إذن المراد بالإيمان هنا الإيمان بعبادتهم، ما هو بوجودهم؛ لأن الإيمان بوجودهم واجب، لكن الإيمان بأن لهم حقًّا في العبودية.. ومن هنا نعرف ما مر علينا واستشكلتموه في كتاب التوحيد أن المصدِّق بالسحر لا يدخل الجنة، مع أن السحر حقيقة، التصديق به أمر واقعي، لكن المراد التصديق به يعني ممارسته والإيمان به، أي بما ينتج عنه، بحيث يمارسه الإنسان بنفسه، وأما التصديق بأن السحر له آثار فهذا أمر لا يمكن إنكاره.

سبأ 34:40

(...) لما ذكر جزاء المؤمنين ذكر جزاء غيرهم؛ لأن القرآن مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا ذُكِر الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر؛ وذلك لئلا تسأم النفس إذا بقيت في موضوع واحد، ولأجل أن يكون الإنسان عند تلاوة القرآن دائرًا بين الخوف والرجاء، ومعلوم لنا جميعًا أن الموضوع إذا كان واحدًا فإن النفس تَمَلُّه وتسأم منه، فإذا نُوِّع صار في ذلك تنشيط لها. قال: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (القرآن بالإبطال) ﴿يَسْعَوْنَ﴾ السعيُ يُطْلَق على مجرد الحركة، ويُطلَق على الركض بشدة؛ ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩] المراد بذلك مُطلَق الحركة، وليس المراد أن تركض، وإذا قلت: يسعى في الطواف بين الصفا والمروة يسعى بين العلمين فالمراد بذلك الركض، هنا ﴿يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يكون المراد بذلك مُطلَق الحركة ويحتمل أن يُراد به الحركة بشدة وإقدام، وهذا الأخير أبلغ أي: أن هؤلاء يَسْعَون جاهدين في آيات الله. وقول المؤلف: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ أي: (القرآن)؛ وجهه أن الذين كفروا لا ينكرون آيات الله الكونية، وإنما ينكرون آيات الله الشرعية على أنهم أحيانًا يطلبون آياتٍ كونيَّةً تعجيزًا للرسول ﷺ، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣] كم آية طلبوها من الآيات الكونية هنا؟ ومع ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يعني: تنزيهًا له أن يبعث رسول بدون آيات يؤمن على مثلها البشرُ، وما أنا إلا بشر رسول، المهم أن الآيات هنا خصَّها المؤلف بالآيات الشرعية وقال: إن المراد بها القرآن. ويحتمل أن يراد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية جميعًا؛ لأن هؤلاء كما يعاجزون في القرآن يعاجزون أيضًا في الآيات الكونية. وكان القرآن آية من آيات الله لاشتماله على ما يَعْجَز عليه البشر، بل إن الله عز وجل تحدَّى البشر وغيره ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]. قال: (﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ لنا، مقدرين عجزنا وأنهم يفوتوننا). ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ المعاجز هو الطالب لإعجاز غيرِه فهي (عَاجَزَه) مثل (قَاتَلَه)، فالمعنى أنهم يعاجزون الله أي: يطلبون على زعمهم ما به العجز؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أي: مُقَدِّرين عجزنا وأنهم يفوتوننا). هؤلاء الذين فعلوا ذلك يعاجزون الله ويطلبون ما به عجز على زعمهم، ويقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢] هذا تعجيز لله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم لا يجيبهم إلى ما أرادوا، بل هو يجعل هذه الأمور حسب ما تقتضيه الحكمة. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، قلت لكم قبل قليل: إن هذه الجملة هي خبر أيش؟ ﴿الَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾ خبر المبتدأ، الآن جملة خبرية، وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في نفس العذاب لا إليه، بل يحضرون حتى يوقعوا في نفس العذاب، والعذاب بمعنى العقوبة والنكال، وهذا خبر يُراد به التهديد لا مجرد أن نعلم بأن هؤلاء سيحضرون في العذاب ويُعَذَّبون، بل المراد التهديد والتحذير من صنيعهم. ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يراد به يتأتى خطابه أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه، يخاطب هؤلاء الذين يَسْعَون في آياتنا معاجزين ويقولون: عجز الله فيما يدعون. (﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه) هذا معنى ﴿يَبْسُطُ﴾ من البسط وهو التوسعة؛ ولهذا يقال: بسط الكلام واختصر الكلام، بسطه بمعنى وسعه وطوله، والرزق بمعنى العطاء. (﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقُه بعد البسط أو ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ابتلاءً) انتبه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا بأن كل فعل عَلَّقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فمشيئته سبحانه وتعالى تابعة لحكمته، فإذا اقتضت حكمته أن يوسع الرزق لأحد وسَّعه، وإذا اقتضت حكمته أن يضيقه ضيقه. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد العبودية العامة؛ لأن المشاهد أن الكافرين والمؤمنين على السواء؛ منهم من يبسط الله لهم الرزق، ومنهم من يضيقه، فالمراد بالعباد -إذن- العبودية العامة. وقد مر علينا أن العبودية تنقسم: إلى عامة، وخاصة؛ فالعامة التي تشمل جميع الخلق والمراد بها العبودية الكونية التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وأما الخاصة فهي عبودية الطاعة الشرعية وهي التي قال فيها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] إلى أخره. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا) كيف معنى امتحان؟ يعني: اختبار يختبره؛ هل يشكر أم يكفر؟ ولهذا قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] حين رأى عرش بلقيس حاضرًا بين يديه في هذه المدة الوجيزة قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] يعني ابتلاء واختبارًا، وكم من إنسان كان في حال الفقر أصلح مما كان بعد الغنى، وكم من إنسان بالعكس كان فقيرًا مُسْرفًا على نفسه ولما أغناه الله هداه الله، فالله عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة. قال: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿لَهُ﴾ هل يعود على المبسوط له أو يعود على من يشاء عمومًا؟ المؤلف رحمه الله ذكر فيها المعنيين قال: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّق له بعد البسط؛ يعني أنه عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء ثم يُضَيِّقه عليه ليبلوه؛ يعطي النعم ثم يُزيلها امتحانًا واختبارًا؛ يمنُّ الله على الإنسان بالأولاد فيموتون، بالمال فيفنى، هذا تضييق بعد أيش؟ بعد البسط، أو أن المعنى: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: لمن يشاء، لا لهذا الذي كان مبسوطًا له الرزق؛ يعني أنه سبحانه وتعالى يبسط الرزق عند قوم ويقدره لآخرين، وهل المعنيان يتنافيان؟ لا، وإذا كانا لا يتنافيان فقد مر علينا أن القاعدة في التفسير أن المعنيين إذا كانا لا يتنافيان فإن الآية تُحْمَل عليهما جميعًا. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩] (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الخير ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يخلفه للإنسان يُقال كلُّ إنسان يرزُق عائلته أي: من رزق الله). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط (أنفق)، وجوابه ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، واقترن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، ويقترن جواب الشرط بالفاء في سبعة مواضع؛ ينشد لنا الأخ البيت الذي نظم فيها.. * طالب: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا).......... * الشيخ: لا. * طالب: اسمية طلبية وبجامد وبـ(ما) وبـ(لن) وبـ(قد) وبالتنفيس. * الشيخ: وبما، لا (...) الترتيب. * الطالب: .................. ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: نعم. اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ هذه الآية من أي الأقسام السبعة؟ اسمية. وقوله تعالى: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ أي: الله ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي يأتي بخلفه) واعلم أن هناك فرقًا بين يَخلُف ويُخلِف؛ فيَخْلُف يُراد به الشيءُ الذي خَلَفَ غيرَه؛ قال الله تعالى عن موسى حين وَجَّه الخلفَ لهارونَ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢] أي: صِرْ خَلَفًا عني في قومي، وأما (أَخْلَفَ) الرباعي فالمراد أعطى الخلف؛ فالمخلف معطي الخلف، والخالف الذي خَلَف غيره، انتبه للفرق بين الثلاثي والرباعي، الثلاثي ويش معناه؟ خَلَفَ غيره، والرباعي أعطى الخلف. ومنه الحديث حديث أبي سلمة قال: «وَأخْلِفْ لِي فِي عَقَبِي»[[لم نقف على هذا المتن، ولعل المقصود ما أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) بسنده عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقَّ بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبِضَ تبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تَدْعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه».]]، وحديث أم سلمة نفس الشيء قالت: «وَأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ»، فاجتمع في الحديث الكلام جميعًا، حديث أم سلمة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأخْلِفْ لِي»[[أخرج مسلم (٩١٨ / ٤) بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ، يقول: «ما من عبد تصيبُه مصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته». ]] ما هي بـ(واخلُف) «وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» » طيب، هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يعطي ما يكون خَلَفًا عنه. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ الإنفاق معناه بذل المال، والمؤلف رحمه الله قيَّدَه بقوله: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ في الخير)، وهذا القيد الذي قيَّده به المؤلف دلَّت عليه آيات متعددة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢]. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن من أنفق في غير الخير فالخلف غير مضمون له، لكن من أنفق في الخير فالخلف مضمون له، يشمل هذا النفقات الواجبة كإنفاق الإنسان على زوجته وأمه وأبيه وابنه وبنته وما أشبه ذلك، ويشمل أيضًا الإنفاق في الزكاة لأنها هي أُمُّ الإنفاقات لأن الإنفاق في الزكاة أحد أركان الإسلام، ويشمل الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، ويشمل الإنفاق في وجوه الخير كالإحسان إلى الناس وغير ذلك. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ هذا الإخلاف هل هو في الكمية أو في الكيفية؟ بمعنى هل إن الله عز وجل يعطيك بدلًا عنه في الكمية إذا أنفقت عشرة أعطاك عشرة، أو في الكيفية بمعنى أن الباقي يُنْزِل الله فيه البركة حتى يكون مقابلًا لما أنفقت مضمومًا إليه؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ أن الله يخلفه يعطيك خلفًا عنه في الكمية، فإذا أنفقت عشرة فتح الله لك باب الرزق وأعطاك عشرة، أو أنه يكون خلفًا عن الكيفية، فإن أنفقت عشرًا من مئة وبقي تسعون، فإن هذه التسعين تقوم مقام مئة أو أكثر بالبركة التي يُحِلُّها الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني أن الصدقة لا تنقص المالَ ولكنها تزيده كما قال تعالى هنا: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿خَيْرُ﴾ أصلها أخير؛ لأنها اسم تفضيل، لكنها حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة استعمالها. و﴿الرَّازِقِينَ﴾ المعطين، كيف نقول ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ مع أن الذي يبسط الرزق ويعطي الرزق هو الله؟ نقول: لأن غير الله يرزق لكنه رزق محدود، يقال: رزق عائلته قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء ٨] فإذن الرزق يكون من الله ويكون من غيره، لكنه من الله شامل عامٌّ، ومن غيره ناقص خاصٌّ، فالإنسان يكون كما قال المؤلف رحمه الله يقول: إنه (يقال: كُلّ إنْسَان يَرْزُق عَائِلَته) يعني: يعطيها، لكن عطاء الإنسان عائلتَه أو رزق غير عائلته منين؟ من رزق الله، لولا أن الله أعطاك ما أعطيت غيرك، فيعود المعنى إلى أن الرزق لِمَن؟ لله سبحانه وتعالى، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قال: (واذكر يوم نحشرهم جيعًا ثم نقول للملائكة). (واذكر) قدَّرها المؤلف لأن (إذ) ظرف، والظرف كالجار والمجرور لا بد له من متعلَّق، وهذا المتعلق يكون مذكورًا ويكون مُقَدَّرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام ٩٣] العامل مذكور ولَّا محذوف؟ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ مذكور؛ ﴿تَرَى﴾، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال ٥٠] العامل هنا مذكور، وقد يُحْذَف وهو كثير في القرآن، هنا عامل ﴿يَوْمَ﴾ محذوف؛ واذكر ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ اذكر ذلك اليوم تحذيرًا منه وتخويفًا؛ لأن هذا اليوم يوم عظيم وقوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم، و﴿جَمِيعًا﴾ حال من الهاء في قوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، ومتى يكون ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]، يكون هذا يوم القيامة يحشُر الله تعالى الأوَّلين والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]. (﴿نحشرهم جميعًا﴾ أي: المشركين ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ) قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مُقَدَّم لـ(يعبدون) أو هي مبتدأ والمفعول ﴿إِيَّاكُمْ﴾؛ لأن ﴿يَعْبُدُونَ﴾ الآن مفرغة؛ يعني أنها لم تأخذ مفعولها، وإذا لم تأخذ مفعولها صار ما سبق هو المفعول. طيب، وهل يجوز تقديم مفعول خبر (كان) عليها؟ الجواب: نعم يجوز وقد مر علينا هذا في باب (كان وأخواتها) أنه يجوز تقديم خبرها ويجوز تقديم معمول خبرها؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود ٨] قَدَّم عامل الخبر على الأداة، هنا قدم عامل الخبر على الأداة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ مفعول لـ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ يعني: أهؤلاء كانوا يعبدونكم؟ ولكنه فَصَل الضمير لِتَقَدُّمِه. قال: (﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً وإسقاطها) عندنا همزتان: همزة ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وهمزة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات: القراءة الأولى: (تحقيق الهمزتين)، وصفة النطق بها: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾. القراءة الثانية: يقول: (وإبدال الأولى ياءً): ﴿أَهَؤُلَايِ إِيَّاكُمْ﴾ تجعل الهمزة ياء. الثالثة: (إسقاط الهمزة الأولى) ﴿أَهَؤُلَا إِيَّاكُمْ﴾ بدون همزة. * الطالب: إسقاط الأولى (هؤلاء) بدون..(أهؤلاء). * الشيخ: ما هو يعني الهمزة الأولى، يعني الهمزة الأولى من الهمزتين المتجاورتين، وهي همزة (أولاء) الثانية وهمزة (إياكم)، فهذه ثلاث قراءات، وبأَيِّها قرأت (...). يقول: ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ متى؟ في الدنيا، يقول الله تعالى ذلك توبيخًا وتقريعًا لهؤلاء العابدين الذين كانوا يعبدون الملائكة، والملائكة تقدم لنا كثيرًا أنها جمع مَلَك، وأصل ملك مَلْأَك، وأصل المَلْأَك مَأْلَك، كذا؟ ففيها أصول، لكنها للاستعمال وصلت إلى هذا الوضع. ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الملائكة، (﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن الشريك) يعني أننا نُنَزِّهك عن أن نكون شركاء لك لا نحن ولا غيرنا، وتنزيه الله سبحانه وتعالى يكون عن شيئين: أحدهما: النقص، والثاني: مشابهة المخلوقين، وإن كان مشابهة المخلوقين من النقص، لكن هذا من باب التفصيل في القول؛ ينزَّه الله عن النقص فمثلًا لا يوصف الله تعالى بالعمى والصمم والعجز والضعف وما أشبه ذلك؛ مشابهة المخلوقين فيما له من صفات الكمال فلا يقال: علمه كعلم المخلوقين أو وجهه كوجه المخلوقين أو يده كيد المخلوقين وما أشبه ذلك، فهو مُنَزَّه عن هذين الأمرين. هنا مُنَزَّه عن أن يكون له شريك؛ لأن لو كان له شريك لكان ناقصًا؛ إذ إن الشريك معين لمن شاركه أو مالك لما يملكه، فالله سبحانه مُنزَّه عن هذا؛ تقول الملائكة: (سبحانك أي تنزيهًا لك عن الشريك)، وأفادنا المؤلف بقوله: (تنزيهًا) أفادنا أن ﴿سُبْحَانَ﴾ منصوبة على أنها اسم مصدر فتكون مفعولًا مطلقًا وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا وملازمة للإضافة، فلا تقع مضافة وإلا منصوبة على مفعولها المطلق. (﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: لا موالاة بيننا وبينهم من جهتنا) يعني أن هذه الجملة الخبرية الثبوتية ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ معناها جملة سلبية أي: لا نتولاهم، بل أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم، وإذا انتفت الموالاة ثبت ضدها وهي المعاداة، يعني: فهؤلاء أعداؤنا وأنت ولينا من دونهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]. (﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ أي: يطيعونهم في عبادتهم إيانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدقون فيما يقولون). ﴿بَلْ﴾ للانتقال لأن (بل) تأتي للإضراب الانتقالي وللإضراب الإبطالي، فإن كان المقصود بها إبطال ما سبق وإثبات ما لَحِق فالإضراب إبطاليٌّ، وإذا كان المقصود بها الانتقال من معنى إلى آخر فوقه أو دونه يُسَمى إضرابًا انتقاليًّا. هنا المؤلف يقول: إن هذا الإضراب انتقالي؛ يعني: أنهم لم يبطلوا ما سبق، فهم باقون على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، ولا موالاة بيننا وبينهم، ولا نواليهم ولا يوالوننا، بل نزيد على ذلك ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والمراد بـ(الجن) هنا الشياطين؛ لأن الجن هم الشياطين في الواقع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]، فهم يعبدون الجن بماذا؟ إن كان المراد (...). إذا كانوا يعبدون الملائكة فما هو ظاهر السياق؟ فكيف عبادتهم للجن هنا؟ عبادتهم للجن عبادة طاعة، أي أنهم يطيعونهم في الإشراك، فالجن تأمرهم أن يجعلوا الملائكة شركاء مع الله في العبادة فيطيعونهم، ومَن أطاع غير الله في معصية الله فقد اتخذه إلهًا؛ قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقد رُوِيَ أنهم كانوا إذا أَحَلُّوا ما حرَّم الله أحلُّوه، وإذا حرموا ما أحلَّ الله حرموه فجعلوهم إلهًا مع الله سبحانه وتعالى في التحليل والتحريم والطاعة؛ فيكون معنى قوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: يطيعونهم في عبادة مَنْ؟ في عبادة الملائكة، ومن أطاع غيره في معصية الله فقد اتخذه إلهًا ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. (﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدِّقُون فيما يقولون لهم) قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقل: كلهم، مع أن الجميع يعبدون الملائكة طاعةً للجن، فلماذا عَبَّروا بقولهم: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقولوا: كلهم؟ جواب ذلك أن يقال: إن هؤلاء المشركين ينقسمون إلى قسمين: قسم عامة أتباع لا يعرفون شيئًا وجدوا آباءهم على دين فمَشَوْا عليه. والقسم الآخر مجتهدون يعرفون الأمر، ولكنهم يؤمنون بهؤلاء الجن ويصدِّقونهم ويكفرون بالرسل وهؤلاء هم الأكثر، ومع ذلك فإن الأتباع وهم القسم الأول إذا تبيَّن لهم الحق وأصرُّوا على اتباع هؤلاء وقالوا كما قالت الأمم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] فإنهم مستحقون للعذاب؛ لأنه كفروا عن بَصيرة. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]، ﴿فَالْيَوْمَ﴾ (أل) هنا للعهد، ما نوعه؟ * طالب: الذهني. * الشيخ: لا، ما هو الذهني ولا الحضوري، الحضور يعني اليوم، هذا للعهد الذكري، والمذكور هو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: فاليوم الذي نحشرهم فيه لا يَمِلك بعضُكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ لماذا نصبت أو بماذا نصبت؟ * طالب: بدل. * الشيخ: لا. * طالب: نحذر اليوم. * الشيخ: لا. * طالب: على الظرفية. * الشيخ: على الظرفية، والعامل فيها قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني: فلا يملك اليوم بعضكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا. (﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: بعض المعبودين لبعض العابدين ﴿نَفْعًا﴾ شَفاعة ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ تعذيبًا) ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ مَنِ الذي انتفى ملكُه؟ العابدون أو المعبودون؟ * طلبة: المعبدون. * الشيخ: الذي لا يملك: المعبود؛ لأن العابد يرجو من وراء المعبود النفعَ أو الضررَ، فنقول: لا يملك العابد للمعبود ضرًّا ولا نفعًا، كما أنه لا يملك المعبود للعابد ضرًّا ولا نفعًا، وهذا والله أعلم هو الحكمة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وجعله مبهمًا ليشمل العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، فكلُّ أحدٍ يوم القيامة لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا. المؤلف يقول: (شفاعة) مع أن كلمة (نفع) أعم من الشفاعة، لكن كأنه رحمه الله قيَّدها بالشفاعة؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] فادَّعَوْا أن عبادتهم إياهم من أجل أن تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى وتُقَرِّبُهم إليه. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يعني نفعًا في عبادتكم إياهم في الشفاعة، والأصح وفي غيرها، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بعدم عبادتكم إياهم؛ أي أنهم إذا لم تعبدوهم فإنهم لن يضروكم، وكما أنهم لا يملكون في ذلك اليوم نفعًا ولا ضرًّا فكذلك لا يملكون في الدنيا نفعًا ولا ضرًّا. فإن قلت: إنه قد يَعْبُد الإنسان غيرَ الله فيدعوه لكشف ضُرٍّ فيَنْكَشِف ذلك الضر، فما الجواب عن هذه الآية وغيرها؟ نقول: إن هذا الذي حصل لم يحصُل بالدعاء أو بالعبادة ولكن حصل عنده، فليس ذلك سببًا، فإذا قلت: قولك: إنه حصل عنده لا به دَعْوَى تحتاج إلى بُرْهان وإلَّا لكان الواجب أن يُحال الأمرُ على الشيء أو على السبب الظاهر؛ وهو دعاء هذه الأصنام، فاهمون الاعتراض هذا ولَّا لا؟ يعني قد تقول: إن هذا الشيء عند الدعاء لا بالدعاء، فيقال لك: هذه دعوى منك، ما دام دعا هذا الصنم أن يشفيَه فشُفِيَ فالأصل إحالة الحكم على السبب الظاهر، وهو هذا الدعاء، فدعوى أنه حصل بغير هذا السبب الظاهر تحتاج إلى دليل. فالجواب أن لدينا دليلًا على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] فهاتان الآيتان وما أشبههما كلها تدل على أن هذه الأصنام لا تنفع لا بجلْب نفع ولا بدفع ضرر، فإن وُجِدَ شيء حصل بعد الدعاء فقد حَصَل عنده لا به. فإن قلت: كيف يكون هذا الشيء؟! وما الحكمة مِنْ أن الله عز وجل يجعل حدوث هذا النفع أو اندفاع هذا الضرر عند دعاء هذه الأصنام؟ نقول: فتنة وامتحانًا، فإن الله تعالى قد يمتحن العبد بالشيء المُحَرَّم يُصِرُّ عليه أو يبتليه بالشيء المحرم يمتنع منه، والله على كل شيء قدير (...). * * * قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ ٣٨]. * في هذه الآيات من الفوائد: * أولًا: أنَّ مِنْ عباد الله مَنْ يسعى لإبطال آيات الله عز وجل بكل ما يستطيع من قوة؛ وجه ذلك أن الله أثبته وأثبت عذابه فقال: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وليس شيئًا مفروضًا مُقَدَّرًا بل هو شيء واقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما يصل إليه عُتو الإنسان وطغيانه؛ حيث يسعى في آيات الله معاجزًا لله عز وجل، فمَنْ أنت حتى تعاجز الله وتطلب تعجيزه وتتحداه؟! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المعاجزين الذين يسعون في آيات الله معاجزين سوف يكونون يوم القيامة في العذاب؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، ربما يقول قائل: إنهم في العذاب محضرون حتى في الدنيا، ويكون المراد بالعذاب هنا العذاب القلبي؛ لأن الكافر مهما نُعِّمَ في الدنيا فإنه في ألم وعذاب في قلبه؛ لأن الكافر لا يشبع من الدنيا، فهو في حُزْنٍ خوفًا من ذهاب الموجود، وفي هَمٍّ طلبًا لوجود المفقود؛ لأنه يريد أن تنمو له الدنيا وتزدهر ويخشى أيضًا مِنْ أن تفوت بخلاف المؤمن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والعقوبة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩]* في هذه الآية من الفوائد: طلب الإعلان في أنه الأمور كلها بيد الله مِنْ بَسْطٍ وتضييق؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ إذ إنه ليس المراد أن تقولها في نفسك، بل تقولها في نفسك ولغيرك أيضًا. * ومن فوائدها: أن الأرزاق بيد الله؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، ويترتب على هذا فائدة وهي أن نطلب الرزق ممن؟ مِنَ الله؛ لأنه هو الذي يبسط الرزق ويقدر، ويتفرع عليها فائدة أخرى: وهي ألا نطلب رزق الله بمعاصيه؛ لأن طلب رزق الله بمعاصيه مُنافٍ للأدب، كيف تَطْلُب الرزق مِن مَنْ بيده الرزق بمعصيته؟! ولهذا حَذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك فقال: «إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»[[أخرج الحاكم (٢١٦٣) بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبْطِؤوا الرزق، واتقوا الله أيها الناس وأَجْمِلوا في الطلب...» الحديث.]] يعني: فاطلبوا الرزق طلبًا جميلًا وهو ما وافق الشرع، وعلى هذا فطَلَبُ الرزق بالغشِّ والكذب والظلم طلب مشروع ولَّا غير مشروع؟ غير مشروع، بل وينافي الأدب مع الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ربوبية الله سبحانه وتعالى وسلطانه لكونه يَبْسُط ويقدر، ولا أحد يمكن أن يَعْتَرِض عليه، وحتى لو اعترض عليه هل ينفع هذا الاعتراض؟ لا ينفع؛ لأن الله مدبر لما يشاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحثُّ على الإنفاق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ووجه ذلك أن الإنسان إذا أَنْفَقَ فإن نفسه الأمارة بالسوء تقول له: إذا أنفقت من مالك نَقَصْتَ منه فلا تُنْفِق، فيقول الله عز وجل: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإنفاق -وإن قلَّ- فهو مَخْلُوف، من أين تؤخذ؟ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنها نكرة في سياق الشرط مؤكدة بـ(من) الزائدة، هذا إذا لم تَكُن ﴿مِنْ﴾ بيانًا لـ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى خير الرازقين بكثرة العطاء وبدوام العطاء، فَمَنْ سِوى الله مِنَ الرازقين لا يعطي الكثير، وإذا أعطى الكثير فإنه يَمَلُّ ولا يستمر في عطائه، أما الله عز وجل فإنه خير الرازقين في عطائه كثرةً واستمرارًا. * ومن فوائدها: إثبات رازقٍ سوى الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإن هذا يدلُّ على وجود مُفَضَّلٍ ومفضل عليه مُشْتَرِكَيْنِ في أصل المُفَضَّل به وهو الرزق، ولكن رزقُ غيرِ الله من رزق الله؛ لأن هذا الذي أعطاني مثلًا من أين له العطاء؟ من الله فيكون إعطائه إياي من رزق الله الذي أعطاه، وأيضًا فإن رزق غير الله رزق محدود ليس شاملًا لكل أحد وليس شاملًا لكل زمن. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أفعال العباد مخلوقة لله ففيها رَدٌّ على مَنْ؟ القدرية، من أين تؤخذ الفائدة هذه؟ لقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ونحن نعلم أن الرزق الذي يأتينا يكون كثيرًا من كسبنا نتجر ونحرث ونعمل ونحصل على الرزق، فيكون في هذا دليل على أن فعل العبد مخلوق لله سبحانه وتعالى، وفيها أيضًا ردٌّ على الجبرية وهم الجهمية أيضًا؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ حيث أضاف الفعل إلى العبد، والجبرية يقولون: إن الإنسان مسلوب القُدْرة والاختيار، وفعله لا يُنْسَب إليه إلا على سبيل المجاز، وإلَّا فإنه لا اختيار له في فعله. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠]. * يستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي تذكير الناس بيوم المعاد؛ وجه الدلالة أن ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم يحشرهم، وهل هذا يشمل تذكير النفس؟ يعني بمعنى أن نفسك إذا غفلت ينبغي أن تُذَكِّرها يوم الحشر ويوم الموت أو لا؟ نعم، يشمل؛ لأن قوله: (اذكر) المُقَدَّر يحتمل أن المعنى: اذكر في نفسك هذا اليوم، أو اذكر لغيرك هذا اليوم، وكلاهما حق فينبغي للإنسان أن يُذَكِّرَ نفسه مآله، كلما ركنت إلى الدنيا وأرادت الانغماس فَلْيُذَكِّرْها يوم النُّقْلَة من هذه الدنيا، ويذكرها قومًا انتقلوا عن هذه الدنيا وكانوا أشد منه قوة وأكثر أموالًا وأولادًا، ثم يُذَكِّرها ما وراء ذلك من الحساب والعقاب وهو اليوم المشهود الذي يُجْمَع له الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الحشر عامٌّ لكُلِّ أحد حتَّى مَنْ أَكَلَتْه السباع وأحرقته النيران، مِنْ أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو كذلك، فالذي أكلتْه السباع وأحرقتْه النيران لا بد أن يُحْشَر يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾، وهذا -أعني إثبات القول والكلام لله سبحانه وتعالى- هو مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة، بلى، لكنهم يختلفون في تفسير هذا الكلام؛ فالكلام عند أهل السنة والجماعة كلامٌ حقيقيٌّ بحروف وأصوات مسموعة وهو غير مخلوق. والكلام عند المعتزلة كلام بحروف وأصوات مسموعة لكنه ليس من صفات الله فهو مخلوق عندهم، يقولون: إن الله تعالى يخلق كلامًا فيَنْسُبُه إليه على سبيل التشريف والتعظيم كنسبة البيت إليه ونسبة المساجد إليه ونسبة الناقة إليه ونسبة الأرواح إليه، وما أشبه ذلك. والأشاعرة يثبتون لله كلامًا لكنهم يقولون: إنه بغير حروف وبغير أصوات مسموعة، بل هو المعنى القائم بنفسه، وهذا الذي يُسْمَع الذي سَمِعَه موسى وسمعه محمد عليه الصلاة والسلام ويسمعه الناس يوم القيامة هذه أصوات يَخْلُقُها الله عز وجل لتعبِّر عما في نفسه، وليست هي كلام الله، بل هي عبارة عنه. أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن كلام الله تبارك وتعالى كلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، لكن هذا الصوت لا يشبه أصوات المخلوقين؛ لأنه من كلام الله، وكلامه صفة من صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقريع أولئك المشركين وتوبيخهم بسؤال مَنْ يدَّعُونَهم آلهة حتى يظهروا البراءة منهم؛ لقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ ٤٠، ٤١] فسؤال المعبودين عن عبادة العابدين يُراد به أيش؟ التقريع والتوبيخ لأولئك العابدين، وأن هؤلاء المعبودين تبرؤوا منهم وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، وهذا من أشدِّ ما يكون من التَّخْجِيل والتوبيخ والتَّنْديم؛ لأنه يُظْهِر كذب هؤلاء العابدين وافتراءهم. * ومن فوائدها: إثبات الملائكة وأن مِن الناس مَنْ عبدهم من دون الله؛ لقوله يقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بيان ما عند الملائكة عليهم الصلاة والسلام من تعظيم الله؛ حيث قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا عن أن يكون لك شريك لا مِنَّا ولا مِنْ غيرنا. * ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى للملائكة؛ حيث قالوا: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الجن؛ لقوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والجن عالَم غيبيٌّ مخلوق من نار، وفيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي كما في سورة الجن. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الكفر بالجن. * طالب: العكس. * الشيخ: العكس؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا إقرار ولَّا إنكار؟ * طلبة: إنكار. * الشيخ: زين، إذن المراد بالإيمان هنا الإيمان بعبادتهم، ما هو بوجودهم؛ لأن الإيمان بوجودهم واجب، لكن الإيمان بأن لهم حقًّا في العبودية.. ومن هنا نعرف ما مر علينا واستشكلتموه في كتاب التوحيد أن المصدِّق بالسحر لا يدخل الجنة، مع أن السحر حقيقة، التصديق به أمر واقعي، لكن المراد التصديق به يعني ممارسته والإيمان به، أي بما ينتج عنه، بحيث يمارسه الإنسان بنفسه، وأما التصديق بأن السحر له آثار فهذا أمر لا يمكن إنكاره.

سبأ 34:41

(...) لما ذكر جزاء المؤمنين ذكر جزاء غيرهم؛ لأن القرآن مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني، فإذا ذُكِر الثواب ذُكِرَ العقاب، وإذا ذُكِر المؤمن ذُكِر الكافر؛ وذلك لئلا تسأم النفس إذا بقيت في موضوع واحد، ولأجل أن يكون الإنسان عند تلاوة القرآن دائرًا بين الخوف والرجاء، ومعلوم لنا جميعًا أن الموضوع إذا كان واحدًا فإن النفس تَمَلُّه وتسأم منه، فإذا نُوِّع صار في ذلك تنشيط لها. قال: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (القرآن بالإبطال) ﴿يَسْعَوْنَ﴾ السعيُ يُطْلَق على مجرد الحركة، ويُطلَق على الركض بشدة؛ ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩] المراد بذلك مُطلَق الحركة، وليس المراد أن تركض، وإذا قلت: يسعى في الطواف بين الصفا والمروة يسعى بين العلمين فالمراد بذلك الركض، هنا ﴿يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يكون المراد بذلك مُطلَق الحركة ويحتمل أن يُراد به الحركة بشدة وإقدام، وهذا الأخير أبلغ أي: أن هؤلاء يَسْعَون جاهدين في آيات الله. وقول المؤلف: ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ أي: (القرآن)؛ وجهه أن الذين كفروا لا ينكرون آيات الله الكونية، وإنما ينكرون آيات الله الشرعية على أنهم أحيانًا يطلبون آياتٍ كونيَّةً تعجيزًا للرسول ﷺ، كما حكى الله عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣] كم آية طلبوها من الآيات الكونية هنا؟ ومع ذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يعني: تنزيهًا له أن يبعث رسول بدون آيات يؤمن على مثلها البشرُ، وما أنا إلا بشر رسول، المهم أن الآيات هنا خصَّها المؤلف بالآيات الشرعية وقال: إن المراد بها القرآن. ويحتمل أن يراد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية جميعًا؛ لأن هؤلاء كما يعاجزون في القرآن يعاجزون أيضًا في الآيات الكونية. وكان القرآن آية من آيات الله لاشتماله على ما يَعْجَز عليه البشر، بل إن الله عز وجل تحدَّى البشر وغيره ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٠، ٥١]. قال: (﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ لنا، مقدرين عجزنا وأنهم يفوتوننا). ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ المعاجز هو الطالب لإعجاز غيرِه فهي (عَاجَزَه) مثل (قَاتَلَه)، فالمعنى أنهم يعاجزون الله أي: يطلبون على زعمهم ما به العجز؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (أي: مُقَدِّرين عجزنا وأنهم يفوتوننا). هؤلاء الذين فعلوا ذلك يعاجزون الله ويطلبون ما به عجز على زعمهم، ويقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢] هذا تعجيز لله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم لا يجيبهم إلى ما أرادوا، بل هو يجعل هذه الأمور حسب ما تقتضيه الحكمة. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، قلت لكم قبل قليل: إن هذه الجملة هي خبر أيش؟ ﴿الَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾ خبر المبتدأ، الآن جملة خبرية، وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: محضرون في نفس العذاب لا إليه، بل يحضرون حتى يوقعوا في نفس العذاب، والعذاب بمعنى العقوبة والنكال، وهذا خبر يُراد به التهديد لا مجرد أن نعلم بأن هؤلاء سيحضرون في العذاب ويُعَذَّبون، بل المراد التهديد والتحذير من صنيعهم. ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ، ويجوز أن يراد به يتأتى خطابه أو كل من يصح توجيه الخطاب إليه، يخاطب هؤلاء الذين يَسْعَون في آياتنا معاجزين ويقولون: عجز الله فيما يدعون. (﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسعه) هذا معنى ﴿يَبْسُطُ﴾ من البسط وهو التوسعة؛ ولهذا يقال: بسط الكلام واختصر الكلام، بسطه بمعنى وسعه وطوله، والرزق بمعنى العطاء. (﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ من عباده امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقُه بعد البسط أو ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ابتلاءً) انتبه ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، قوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ مر علينا كثيرًا بأن كل فعل عَلَّقه الله بالمشيئة فهو مقرون بالحكمة؛ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فمشيئته سبحانه وتعالى تابعة لحكمته، فإذا اقتضت حكمته أن يوسع الرزق لأحد وسَّعه، وإذا اقتضت حكمته أن يضيقه ضيقه. وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد العبودية العامة؛ لأن المشاهد أن الكافرين والمؤمنين على السواء؛ منهم من يبسط الله لهم الرزق، ومنهم من يضيقه، فالمراد بالعباد -إذن- العبودية العامة. وقد مر علينا أن العبودية تنقسم: إلى عامة، وخاصة؛ فالعامة التي تشمل جميع الخلق والمراد بها العبودية الكونية التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وأما الخاصة فهي عبودية الطاعة الشرعية وهي التي قال فيها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] إلى أخره. ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا) كيف معنى امتحان؟ يعني: اختبار يختبره؛ هل يشكر أم يكفر؟ ولهذا قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] حين رأى عرش بلقيس حاضرًا بين يديه في هذه المدة الوجيزة قال: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] يعني ابتلاء واختبارًا، وكم من إنسان كان في حال الفقر أصلح مما كان بعد الغنى، وكم من إنسان بالعكس كان فقيرًا مُسْرفًا على نفسه ولما أغناه الله هداه الله، فالله عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة. قال: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ﴿لَهُ﴾ هل يعود على المبسوط له أو يعود على من يشاء عمومًا؟ المؤلف رحمه الله ذكر فيها المعنيين قال: ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّق له بعد البسط؛ يعني أنه عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء ثم يُضَيِّقه عليه ليبلوه؛ يعطي النعم ثم يُزيلها امتحانًا واختبارًا؛ يمنُّ الله على الإنسان بالأولاد فيموتون، بالمال فيفنى، هذا تضييق بعد أيش؟ بعد البسط، أو أن المعنى: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ أي: لمن يشاء، لا لهذا الذي كان مبسوطًا له الرزق؛ يعني أنه سبحانه وتعالى يبسط الرزق عند قوم ويقدره لآخرين، وهل المعنيان يتنافيان؟ لا، وإذا كانا لا يتنافيان فقد مر علينا أن القاعدة في التفسير أن المعنيين إذا كانا لا يتنافيان فإن الآية تُحْمَل عليهما جميعًا. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩] (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في الخير ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يخلفه للإنسان يُقال كلُّ إنسان يرزُق عائلته أي: من رزق الله). ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ﴿مَا﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط (أنفق)، وجوابه ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، واقترن بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، ويقترن جواب الشرط بالفاء في سبعة مواضع؛ ينشد لنا الأخ البيت الذي نظم فيها.. * طالب: اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا).......... * الشيخ: لا. * طالب: اسمية طلبية وبجامد وبـ(ما) وبـ(لن) وبـ(قد) وبالتنفيس. * الشيخ: وبما، لا (...) الترتيب. * الطالب: .................. ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ * الشيخ: نعم. اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ هذه الآية من أي الأقسام السبعة؟ اسمية. وقوله تعالى: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ﴾ أي: الله ﴿يُخْلِفُهُ﴾ أي يأتي بخلفه) واعلم أن هناك فرقًا بين يَخلُف ويُخلِف؛ فيَخْلُف يُراد به الشيءُ الذي خَلَفَ غيرَه؛ قال الله تعالى عن موسى حين وَجَّه الخلفَ لهارونَ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف ١٤٢] أي: صِرْ خَلَفًا عني في قومي، وأما (أَخْلَفَ) الرباعي فالمراد أعطى الخلف؛ فالمخلف معطي الخلف، والخالف الذي خَلَف غيره، انتبه للفرق بين الثلاثي والرباعي، الثلاثي ويش معناه؟ خَلَفَ غيره، والرباعي أعطى الخلف. ومنه الحديث حديث أبي سلمة قال: «وَأخْلِفْ لِي فِي عَقَبِي»[[لم نقف على هذا المتن، ولعل المقصود ما أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) بسنده عن أم سلمة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شقَّ بصره، فأغمضه، ثم قال: «إن الرُّوح إذا قُبِضَ تبعه البصر»، فضج ناس من أهله، فقال: «لا تَدْعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يُؤَمِّنُون على ما تقولون»، ثم قال: «اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونَوِّر له فيه».]]، وحديث أم سلمة نفس الشيء قالت: «وَأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهُ»، فاجتمع في الحديث الكلام جميعًا، حديث أم سلمة: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأخْلِفْ لِي»[[أخرج مسلم (٩١٨ / ٤) بسنده عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ، يقول: «ما من عبد تصيبُه مصيبة، فيقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته». ]] ما هي بـ(واخلُف) «وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا» » طيب، هنا من الرباعي ولَّا من الثلاثي؟ من الرباعي ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: يعطي ما يكون خَلَفًا عنه. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ الإنفاق معناه بذل المال، والمؤلف رحمه الله قيَّدَه بقوله: (﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ في الخير)، وهذا القيد الذي قيَّده به المؤلف دلَّت عليه آيات متعددة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧٢]. ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٧٢]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن من أنفق في غير الخير فالخلف غير مضمون له، لكن من أنفق في الخير فالخلف مضمون له، يشمل هذا النفقات الواجبة كإنفاق الإنسان على زوجته وأمه وأبيه وابنه وبنته وما أشبه ذلك، ويشمل أيضًا الإنفاق في الزكاة لأنها هي أُمُّ الإنفاقات لأن الإنفاق في الزكاة أحد أركان الإسلام، ويشمل الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، ويشمل الإنفاق في وجوه الخير كالإحسان إلى الناس وغير ذلك. وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ هذا الإخلاف هل هو في الكمية أو في الكيفية؟ بمعنى هل إن الله عز وجل يعطيك بدلًا عنه في الكمية إذا أنفقت عشرة أعطاك عشرة، أو في الكيفية بمعنى أن الباقي يُنْزِل الله فيه البركة حتى يكون مقابلًا لما أنفقت مضمومًا إليه؟ الظاهر أنه يشمل الأمرين؛ أن الله يخلفه يعطيك خلفًا عنه في الكمية، فإذا أنفقت عشرة فتح الله لك باب الرزق وأعطاك عشرة، أو أنه يكون خلفًا عن الكيفية، فإن أنفقت عشرًا من مئة وبقي تسعون، فإن هذه التسعين تقوم مقام مئة أو أكثر بالبركة التي يُحِلُّها الله عز وجل؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٨ / ٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] يعني أن الصدقة لا تنقص المالَ ولكنها تزيده كما قال تعالى هنا: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ﴿خَيْرُ﴾ أصلها أخير؛ لأنها اسم تفضيل، لكنها حذفت الهمزة تخفيفًا لكثرة استعمالها. و﴿الرَّازِقِينَ﴾ المعطين، كيف نقول ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ مع أن الذي يبسط الرزق ويعطي الرزق هو الله؟ نقول: لأن غير الله يرزق لكنه رزق محدود، يقال: رزق عائلته قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء ٨] فإذن الرزق يكون من الله ويكون من غيره، لكنه من الله شامل عامٌّ، ومن غيره ناقص خاصٌّ، فالإنسان يكون كما قال المؤلف رحمه الله يقول: إنه (يقال: كُلّ إنْسَان يَرْزُق عَائِلَته) يعني: يعطيها، لكن عطاء الإنسان عائلتَه أو رزق غير عائلته منين؟ من رزق الله، لولا أن الله أعطاك ما أعطيت غيرك، فيعود المعنى إلى أن الرزق لِمَن؟ لله سبحانه وتعالى، نعم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. قال: (واذكر يوم نحشرهم جيعًا ثم نقول للملائكة). (واذكر) قدَّرها المؤلف لأن (إذ) ظرف، والظرف كالجار والمجرور لا بد له من متعلَّق، وهذا المتعلق يكون مذكورًا ويكون مُقَدَّرًا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام ٩٣] العامل مذكور ولَّا محذوف؟ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ مذكور؛ ﴿تَرَى﴾، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال ٥٠] العامل هنا مذكور، وقد يُحْذَف وهو كثير في القرآن، هنا عامل ﴿يَوْمَ﴾ محذوف؛ واذكر ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ اذكر ذلك اليوم تحذيرًا منه وتخويفًا؛ لأن هذا اليوم يوم عظيم وقوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: نجمعهم، و﴿جَمِيعًا﴾ حال من الهاء في قوله: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾، ومتى يكون ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]، يكون هذا يوم القيامة يحشُر الله تعالى الأوَّلين والآخرين؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣]. (﴿نحشرهم جميعًا﴾ أي: المشركين ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ) قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ الهمزة للاستفهام، و﴿هَؤُلَاءِ﴾ ويش إعرابها؟ مفعول مُقَدَّم لـ(يعبدون) أو هي مبتدأ والمفعول ﴿إِيَّاكُمْ﴾؛ لأن ﴿يَعْبُدُونَ﴾ الآن مفرغة؛ يعني أنها لم تأخذ مفعولها، وإذا لم تأخذ مفعولها صار ما سبق هو المفعول. طيب، وهل يجوز تقديم مفعول خبر (كان) عليها؟ الجواب: نعم يجوز وقد مر علينا هذا في باب (كان وأخواتها) أنه يجوز تقديم خبرها ويجوز تقديم معمول خبرها؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود ٨] قَدَّم عامل الخبر على الأداة، هنا قدم عامل الخبر على الأداة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ مفعول لـ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ يعني: أهؤلاء كانوا يعبدونكم؟ ولكنه فَصَل الضمير لِتَقَدُّمِه. قال: (﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً وإسقاطها) عندنا همزتان: همزة ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وهمزة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات: القراءة الأولى: (تحقيق الهمزتين)، وصفة النطق بها: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾. القراءة الثانية: يقول: (وإبدال الأولى ياءً): ﴿أَهَؤُلَايِ إِيَّاكُمْ﴾ تجعل الهمزة ياء. الثالثة: (إسقاط الهمزة الأولى) ﴿أَهَؤُلَا إِيَّاكُمْ﴾ بدون همزة. * الطالب: إسقاط الأولى (هؤلاء) بدون..(أهؤلاء). * الشيخ: ما هو يعني الهمزة الأولى، يعني الهمزة الأولى من الهمزتين المتجاورتين، وهي همزة (أولاء) الثانية وهمزة (إياكم)، فهذه ثلاث قراءات، وبأَيِّها قرأت (...). يقول: ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿كَانُوا﴾ متى؟ في الدنيا، يقول الله تعالى ذلك توبيخًا وتقريعًا لهؤلاء العابدين الذين كانوا يعبدون الملائكة، والملائكة تقدم لنا كثيرًا أنها جمع مَلَك، وأصل ملك مَلْأَك، وأصل المَلْأَك مَأْلَك، كذا؟ ففيها أصول، لكنها للاستعمال وصلت إلى هذا الوضع. ﴿قَالُوا﴾ الضمير يعود على الملائكة، (﴿سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك عن الشريك) يعني أننا نُنَزِّهك عن أن نكون شركاء لك لا نحن ولا غيرنا، وتنزيه الله سبحانه وتعالى يكون عن شيئين: أحدهما: النقص، والثاني: مشابهة المخلوقين، وإن كان مشابهة المخلوقين من النقص، لكن هذا من باب التفصيل في القول؛ ينزَّه الله عن النقص فمثلًا لا يوصف الله تعالى بالعمى والصمم والعجز والضعف وما أشبه ذلك؛ مشابهة المخلوقين فيما له من صفات الكمال فلا يقال: علمه كعلم المخلوقين أو وجهه كوجه المخلوقين أو يده كيد المخلوقين وما أشبه ذلك، فهو مُنَزَّه عن هذين الأمرين. هنا مُنَزَّه عن أن يكون له شريك؛ لأن لو كان له شريك لكان ناقصًا؛ إذ إن الشريك معين لمن شاركه أو مالك لما يملكه، فالله سبحانه مُنزَّه عن هذا؛ تقول الملائكة: (سبحانك أي تنزيهًا لك عن الشريك)، وأفادنا المؤلف بقوله: (تنزيهًا) أفادنا أن ﴿سُبْحَانَ﴾ منصوبة على أنها اسم مصدر فتكون مفعولًا مطلقًا وهي ملازمة للنصب على المفعولية المطلقة دائمًا وملازمة للإضافة، فلا تقع مضافة وإلا منصوبة على مفعولها المطلق. (﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: لا موالاة بيننا وبينهم من جهتنا) يعني أن هذه الجملة الخبرية الثبوتية ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ معناها جملة سلبية أي: لا نتولاهم، بل أنت ولينا من دونهم، فلا موالاة بيننا وبينهم، وإذا انتفت الموالاة ثبت ضدها وهي المعاداة، يعني: فهؤلاء أعداؤنا وأنت ولينا من دونهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧]. (﴿بَلْ﴾ للانتقال ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ أي: يطيعونهم في عبادتهم إيانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدقون فيما يقولون). ﴿بَلْ﴾ للانتقال لأن (بل) تأتي للإضراب الانتقالي وللإضراب الإبطالي، فإن كان المقصود بها إبطال ما سبق وإثبات ما لَحِق فالإضراب إبطاليٌّ، وإذا كان المقصود بها الانتقال من معنى إلى آخر فوقه أو دونه يُسَمى إضرابًا انتقاليًّا. هنا المؤلف يقول: إن هذا الإضراب انتقالي؛ يعني: أنهم لم يبطلوا ما سبق، فهم باقون على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، ولا موالاة بيننا وبينهم، ولا نواليهم ولا يوالوننا، بل نزيد على ذلك ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والمراد بـ(الجن) هنا الشياطين؛ لأن الجن هم الشياطين في الواقع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف ٥٠]، فهم يعبدون الجن بماذا؟ إن كان المراد (...). إذا كانوا يعبدون الملائكة فما هو ظاهر السياق؟ فكيف عبادتهم للجن هنا؟ عبادتهم للجن عبادة طاعة، أي أنهم يطيعونهم في الإشراك، فالجن تأمرهم أن يجعلوا الملائكة شركاء مع الله في العبادة فيطيعونهم، ومَن أطاع غير الله في معصية الله فقد اتخذه إلهًا؛ قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة ٣١]، وقد رُوِيَ أنهم كانوا إذا أَحَلُّوا ما حرَّم الله أحلُّوه، وإذا حرموا ما أحلَّ الله حرموه فجعلوهم إلهًا مع الله سبحانه وتعالى في التحليل والتحريم والطاعة؛ فيكون معنى قوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: يطيعونهم في عبادة مَنْ؟ في عبادة الملائكة، ومن أطاع غيره في معصية الله فقد اتخذه إلهًا ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. (﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصَدِّقُون فيما يقولون لهم) قال: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقل: كلهم، مع أن الجميع يعبدون الملائكة طاعةً للجن، فلماذا عَبَّروا بقولهم: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾، ولم يقولوا: كلهم؟ جواب ذلك أن يقال: إن هؤلاء المشركين ينقسمون إلى قسمين: قسم عامة أتباع لا يعرفون شيئًا وجدوا آباءهم على دين فمَشَوْا عليه. والقسم الآخر مجتهدون يعرفون الأمر، ولكنهم يؤمنون بهؤلاء الجن ويصدِّقونهم ويكفرون بالرسل وهؤلاء هم الأكثر، ومع ذلك فإن الأتباع وهم القسم الأول إذا تبيَّن لهم الحق وأصرُّوا على اتباع هؤلاء وقالوا كما قالت الأمم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] فإنهم مستحقون للعذاب؛ لأنه كفروا عن بَصيرة. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]، ﴿فَالْيَوْمَ﴾ (أل) هنا للعهد، ما نوعه؟ * طالب: الذهني. * الشيخ: لا، ما هو الذهني ولا الحضوري، الحضور يعني اليوم، هذا للعهد الذكري، والمذكور هو قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: فاليوم الذي نحشرهم فيه لا يَمِلك بعضُكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا. وقوله: ﴿الْيَوْمَ﴾ لماذا نصبت أو بماذا نصبت؟ * طالب: بدل. * الشيخ: لا. * طالب: نحذر اليوم. * الشيخ: لا. * طالب: على الظرفية. * الشيخ: على الظرفية، والعامل فيها قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني: فلا يملك اليوم بعضكم لبعض نفعًا ولا ضرًّا. (﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: بعض المعبودين لبعض العابدين ﴿نَفْعًا﴾ شَفاعة ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ تعذيبًا) ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ مَنِ الذي انتفى ملكُه؟ العابدون أو المعبودون؟ * طلبة: المعبدون. * الشيخ: الذي لا يملك: المعبود؛ لأن العابد يرجو من وراء المعبود النفعَ أو الضررَ، فنقول: لا يملك العابد للمعبود ضرًّا ولا نفعًا، كما أنه لا يملك المعبود للعابد ضرًّا ولا نفعًا، وهذا والله أعلم هو الحكمة؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وجعله مبهمًا ليشمل العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، فكلُّ أحدٍ يوم القيامة لا يملك لأحد نفعًا ولا ضرًا. المؤلف يقول: (شفاعة) مع أن كلمة (نفع) أعم من الشفاعة، لكن كأنه رحمه الله قيَّدها بالشفاعة؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣] فادَّعَوْا أن عبادتهم إياهم من أجل أن تشفع لهم عند الله سبحانه وتعالى وتُقَرِّبُهم إليه. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يعني نفعًا في عبادتكم إياهم في الشفاعة، والأصح وفي غيرها، ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بعدم عبادتكم إياهم؛ أي أنهم إذا لم تعبدوهم فإنهم لن يضروكم، وكما أنهم لا يملكون في ذلك اليوم نفعًا ولا ضرًّا فكذلك لا يملكون في الدنيا نفعًا ولا ضرًّا. فإن قلت: إنه قد يَعْبُد الإنسان غيرَ الله فيدعوه لكشف ضُرٍّ فيَنْكَشِف ذلك الضر، فما الجواب عن هذه الآية وغيرها؟ نقول: إن هذا الذي حصل لم يحصُل بالدعاء أو بالعبادة ولكن حصل عنده، فليس ذلك سببًا، فإذا قلت: قولك: إنه حصل عنده لا به دَعْوَى تحتاج إلى بُرْهان وإلَّا لكان الواجب أن يُحال الأمرُ على الشيء أو على السبب الظاهر؛ وهو دعاء هذه الأصنام، فاهمون الاعتراض هذا ولَّا لا؟ يعني قد تقول: إن هذا الشيء عند الدعاء لا بالدعاء، فيقال لك: هذه دعوى منك، ما دام دعا هذا الصنم أن يشفيَه فشُفِيَ فالأصل إحالة الحكم على السبب الظاهر، وهو هذا الدعاء، فدعوى أنه حصل بغير هذا السبب الظاهر تحتاج إلى دليل. فالجواب أن لدينا دليلًا على ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] فهاتان الآيتان وما أشبههما كلها تدل على أن هذه الأصنام لا تنفع لا بجلْب نفع ولا بدفع ضرر، فإن وُجِدَ شيء حصل بعد الدعاء فقد حَصَل عنده لا به. فإن قلت: كيف يكون هذا الشيء؟! وما الحكمة مِنْ أن الله عز وجل يجعل حدوث هذا النفع أو اندفاع هذا الضرر عند دعاء هذه الأصنام؟ نقول: فتنة وامتحانًا، فإن الله تعالى قد يمتحن العبد بالشيء المُحَرَّم يُصِرُّ عليه أو يبتليه بالشيء المحرم يمتنع منه، والله على كل شيء قدير (...). * * * قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ ٣٨]. * في هذه الآيات من الفوائد: * أولًا: أنَّ مِنْ عباد الله مَنْ يسعى لإبطال آيات الله عز وجل بكل ما يستطيع من قوة؛ وجه ذلك أن الله أثبته وأثبت عذابه فقال: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وليس شيئًا مفروضًا مُقَدَّرًا بل هو شيء واقع. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان ما يصل إليه عُتو الإنسان وطغيانه؛ حيث يسعى في آيات الله معاجزًا لله عز وجل، فمَنْ أنت حتى تعاجز الله وتطلب تعجيزه وتتحداه؟! * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المعاجزين الذين يسعون في آيات الله معاجزين سوف يكونون يوم القيامة في العذاب؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، ربما يقول قائل: إنهم في العذاب محضرون حتى في الدنيا، ويكون المراد بالعذاب هنا العذاب القلبي؛ لأن الكافر مهما نُعِّمَ في الدنيا فإنه في ألم وعذاب في قلبه؛ لأن الكافر لا يشبع من الدنيا، فهو في حُزْنٍ خوفًا من ذهاب الموجود، وفي هَمٍّ طلبًا لوجود المفقود؛ لأنه يريد أن تنمو له الدنيا وتزدهر ويخشى أيضًا مِنْ أن تفوت بخلاف المؤمن. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء والعقوبة؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [سبأ ٣٩]* في هذه الآية من الفوائد: طلب الإعلان في أنه الأمور كلها بيد الله مِنْ بَسْطٍ وتضييق؛ لقوله: ﴿قُلْ﴾ إذ إنه ليس المراد أن تقولها في نفسك، بل تقولها في نفسك ولغيرك أيضًا. * ومن فوائدها: أن الأرزاق بيد الله؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، ويترتب على هذا فائدة وهي أن نطلب الرزق ممن؟ مِنَ الله؛ لأنه هو الذي يبسط الرزق ويقدر، ويتفرع عليها فائدة أخرى: وهي ألا نطلب رزق الله بمعاصيه؛ لأن طلب رزق الله بمعاصيه مُنافٍ للأدب، كيف تَطْلُب الرزق مِن مَنْ بيده الرزق بمعصيته؟! ولهذا حَذَّر النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك فقال: «إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»[[أخرج الحاكم (٢١٦٣) بسنده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحدكم لن يموت حتى يستكمل رزقه، فلا تستبْطِؤوا الرزق، واتقوا الله أيها الناس وأَجْمِلوا في الطلب...» الحديث.]] يعني: فاطلبوا الرزق طلبًا جميلًا وهو ما وافق الشرع، وعلى هذا فطَلَبُ الرزق بالغشِّ والكذب والظلم طلب مشروع ولَّا غير مشروع؟ غير مشروع، بل وينافي الأدب مع الله عز وجل. * ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ربوبية الله سبحانه وتعالى وسلطانه لكونه يَبْسُط ويقدر، ولا أحد يمكن أن يَعْتَرِض عليه، وحتى لو اعترض عليه هل ينفع هذا الاعتراض؟ لا ينفع؛ لأن الله مدبر لما يشاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحثُّ على الإنفاق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ووجه ذلك أن الإنسان إذا أَنْفَقَ فإن نفسه الأمارة بالسوء تقول له: إذا أنفقت من مالك نَقَصْتَ منه فلا تُنْفِق، فيقول الله عز وجل: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإنفاق -وإن قلَّ- فهو مَخْلُوف، من أين تؤخذ؟ ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنها نكرة في سياق الشرط مؤكدة بـ(من) الزائدة، هذا إذا لم تَكُن ﴿مِنْ﴾ بيانًا لـ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾. * ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى خير الرازقين بكثرة العطاء وبدوام العطاء، فَمَنْ سِوى الله مِنَ الرازقين لا يعطي الكثير، وإذا أعطى الكثير فإنه يَمَلُّ ولا يستمر في عطائه، أما الله عز وجل فإنه خير الرازقين في عطائه كثرةً واستمرارًا. * ومن فوائدها: إثبات رازقٍ سوى الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإن هذا يدلُّ على وجود مُفَضَّلٍ ومفضل عليه مُشْتَرِكَيْنِ في أصل المُفَضَّل به وهو الرزق، ولكن رزقُ غيرِ الله من رزق الله؛ لأن هذا الذي أعطاني مثلًا من أين له العطاء؟ من الله فيكون إعطائه إياي من رزق الله الذي أعطاه، وأيضًا فإن رزق غير الله رزق محدود ليس شاملًا لكل أحد وليس شاملًا لكل زمن. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أفعال العباد مخلوقة لله ففيها رَدٌّ على مَنْ؟ القدرية، من أين تؤخذ الفائدة هذه؟ لقوله: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ونحن نعلم أن الرزق الذي يأتينا يكون كثيرًا من كسبنا نتجر ونحرث ونعمل ونحصل على الرزق، فيكون في هذا دليل على أن فعل العبد مخلوق لله سبحانه وتعالى، وفيها أيضًا ردٌّ على الجبرية وهم الجهمية أيضًا؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ حيث أضاف الفعل إلى العبد، والجبرية يقولون: إن الإنسان مسلوب القُدْرة والاختيار، وفعله لا يُنْسَب إليه إلا على سبيل المجاز، وإلَّا فإنه لا اختيار له في فعله. ثم قال عز وجل: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠]. * يستفاد من الآية الكريمة: أنه ينبغي تذكير الناس بيوم المعاد؛ وجه الدلالة أن ﴿يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: اذكر يوم يحشرهم، وهل هذا يشمل تذكير النفس؟ يعني بمعنى أن نفسك إذا غفلت ينبغي أن تُذَكِّرها يوم الحشر ويوم الموت أو لا؟ نعم، يشمل؛ لأن قوله: (اذكر) المُقَدَّر يحتمل أن المعنى: اذكر في نفسك هذا اليوم، أو اذكر لغيرك هذا اليوم، وكلاهما حق فينبغي للإنسان أن يُذَكِّرَ نفسه مآله، كلما ركنت إلى الدنيا وأرادت الانغماس فَلْيُذَكِّرْها يوم النُّقْلَة من هذه الدنيا، ويذكرها قومًا انتقلوا عن هذه الدنيا وكانوا أشد منه قوة وأكثر أموالًا وأولادًا، ثم يُذَكِّرها ما وراء ذلك من الحساب والعقاب وهو اليوم المشهود الذي يُجْمَع له الناس. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الحشر عامٌّ لكُلِّ أحد حتَّى مَنْ أَكَلَتْه السباع وأحرقته النيران، مِنْ أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو كذلك، فالذي أكلتْه السباع وأحرقتْه النيران لا بد أن يُحْشَر يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول لله؛ ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾، وهذا -أعني إثبات القول والكلام لله سبحانه وتعالى- هو مذهب أهل السنة والجماعة ومذهب الأشاعرة ومذهب المعتزلة، بلى، لكنهم يختلفون في تفسير هذا الكلام؛ فالكلام عند أهل السنة والجماعة كلامٌ حقيقيٌّ بحروف وأصوات مسموعة وهو غير مخلوق. والكلام عند المعتزلة كلام بحروف وأصوات مسموعة لكنه ليس من صفات الله فهو مخلوق عندهم، يقولون: إن الله تعالى يخلق كلامًا فيَنْسُبُه إليه على سبيل التشريف والتعظيم كنسبة البيت إليه ونسبة المساجد إليه ونسبة الناقة إليه ونسبة الأرواح إليه، وما أشبه ذلك. والأشاعرة يثبتون لله كلامًا لكنهم يقولون: إنه بغير حروف وبغير أصوات مسموعة، بل هو المعنى القائم بنفسه، وهذا الذي يُسْمَع الذي سَمِعَه موسى وسمعه محمد عليه الصلاة والسلام ويسمعه الناس يوم القيامة هذه أصوات يَخْلُقُها الله عز وجل لتعبِّر عما في نفسه، وليست هي كلام الله، بل هي عبارة عنه. أما أهل السنة والجماعة فيقولون: إن كلام الله تبارك وتعالى كلام حقيقي بحرف وصوت مسموع، لكن هذا الصوت لا يشبه أصوات المخلوقين؛ لأنه من كلام الله، وكلامه صفة من صفاته لا تشبه صفات المخلوقين. * ومن فوائد الآية الكريمة: تقريع أولئك المشركين وتوبيخهم بسؤال مَنْ يدَّعُونَهم آلهة حتى يظهروا البراءة منهم؛ لقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ ٤٠، ٤١] فسؤال المعبودين عن عبادة العابدين يُراد به أيش؟ التقريع والتوبيخ لأولئك العابدين، وأن هؤلاء المعبودين تبرؤوا منهم وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، وهذا من أشدِّ ما يكون من التَّخْجِيل والتوبيخ والتَّنْديم؛ لأنه يُظْهِر كذب هؤلاء العابدين وافتراءهم. * ومن فوائدها: إثبات الملائكة وأن مِن الناس مَنْ عبدهم من دون الله؛ لقوله يقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بيان ما عند الملائكة عليهم الصلاة والسلام من تعظيم الله؛ حيث قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا عن أن يكون لك شريك لا مِنَّا ولا مِنْ غيرنا. * ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى للملائكة؛ حيث قالوا: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾. * ومن فوائد الآية: إثبات الجن؛ لقوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، والجن عالَم غيبيٌّ مخلوق من نار، وفيهم المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي كما في سورة الجن. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الكفر بالجن. * طالب: العكس. * الشيخ: العكس؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: طيب، قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ هذا إقرار ولَّا إنكار؟ * طلبة: إنكار. * الشيخ: زين، إذن المراد بالإيمان هنا الإيمان بعبادتهم، ما هو بوجودهم؛ لأن الإيمان بوجودهم واجب، لكن الإيمان بأن لهم حقًّا في العبودية.. ومن هنا نعرف ما مر علينا واستشكلتموه في كتاب التوحيد أن المصدِّق بالسحر لا يدخل الجنة، مع أن السحر حقيقة، التصديق به أمر واقعي، لكن المراد التصديق به يعني ممارسته والإيمان به، أي بما ينتج عنه، بحيث يمارسه الإنسان بنفسه، وأما التصديق بأن السحر له آثار فهذا أمر لا يمكن إنكاره.

سبأ 34:42

قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]. فيه شيء نحب أن ننبه عليه، وهو قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠] (بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً) ذكر بعض المحشين أن المؤلف وهم في هذا، وأن إبدال الياء إنما هو في الثانية لا في الأولى، انتبه لهذا، يعني أن الأولى ما فيها قراءة في إبدالها ياء، وإنما إبدال الياء في الثانية دون الأولى، فيكون هذا وهمًا من المؤلف رحمه الله أو سبقة قلم. * طالب: كيف تنطق إذا كانت الثاية ياء؟ * الشيخ: ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . * الطالب: يعني تدغم في الثانية. * الشيخ: لا ما يدغم لأنها متحركة ما حاجة.. ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . أيضًا يقول المؤلف رحمه الله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ ٤٢]. قوله: ﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني واليوم نقول: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الظلم في اللغة: النقص، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف٣٣] أي: لم تنقص. وأما في الاصطلاح أو في الشرع: فهو نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب، وإما بانتهاك المحرم، نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب؛ مثل قوله ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤/ ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. وإما بالاعتداء على حقه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى٤٢]. فإذن الظلم في الأصل النقص، ودليله؟ * طلبة: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. * الشيخ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. وأما شرعًا فهو نقص ذوي الحق حقه؛ إما بانتهاك محرم في حقه أو بمماطلة في واجب. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فسرها المؤلف: بـ(كفروا)، وهذا تفسير بالمعنى ولَّا بالمراد؟ بالمراد؛ لأن الظلم من حيث المعنى أعم من الكفر. لكن المؤلف يقول: إن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢]. فالظلم قد يراد به الكفر، وكأن المؤلف رحمه الله خص الظلم بالكفر هنا بدليل السياق ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ هذا مما يدل على أن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ لأن الذي يكذب بالنار حكمه كافر؛ لتكذيبه خبر الله ورسوله. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾: ﴿ذُوقُوا﴾ فعل أمر لكنه يراد به الإهانة، يعني يقال لهم إهانة: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون، أي النار ستصيبكم حتى تذوقوها كما تذوقون الطعام. وقوله: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كيف كانوا يكذبون بالنار؟ لأنهم ينكرون البعث، والنار إنما تكون بعد البعث، وهم يكذبون بذلك، ومن باب أولى أن يكذبوا بما يكون في القبر من العذاب، فهم يكذبون تكذيبًا كاملًا، ويقولون: إن الروح إذا خرجت من الجسد لن تعود إليه، وهنا قال: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، وفي سورة الم السجدة تنزيل قال: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة٢٠]، فعليه -أي على الآيتين- يكون الوصف بالتكذيب مرة بالنار ومرة بعذابها، فهم أحيانًا ينكرون النار؛ ما فيه نار ولا فيه آخرة ولا فيه شيء، وأحيانًا يكذبون التعذيب بالنار ويقولون: كيف نعذب بالنار؟ وكيف نبقى أحقابًا ونحن في النار، الإنسان إذا دخل في النار احترق وانتهى، فيكذبون بالعذاب وأحيانًا يكذبون بالنار نفسها. وقوله: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ الجار والمجرور هنا متعلق بـ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ولكنه قدم للحصر أو للفواصل؟ نعم للفواصل لا شك، هذه من جهة، وللحصر، ولكننا إذا قلنا: إنه للحصر يرد علينا إشكال وهو أنهم كذبوا بالنار وبغيرها؛ فيقال: لما كان العذاب بالنار ذُكِّرُوا بتكذيبهم بها خاصة؛ لأنهم عُذبوا بها، فكأنهم قيل لهم: عذبتم بشيء أن كنتم تكذبون به وإلا فلهم تكذيب آخر. (﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾ ). في هذه الجملة الشرطية وهي ﴿إِذَا﴾ فعل الشرط ﴿تُتْلَى﴾، جوابه ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾. وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذه ﴿مَا﴾ النافية وهنا لم تعمل، لماذا؟ لانتقاض النفي، وقد قال ابن مالك في ألفيته: إِعْمَال لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَع بَقَا النَّفْيِ ............ فإذا انتقض النفي فلا عمل، والله أعلم. * * * ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ ٤٢] (...). ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ﴾ [سبأ ٤٢] لكم. فقال: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن له فائدة دائمة مستمرة، وهي التنبيه. وفائدة خاصة في كل سياق بحسبه، فهنا يقصد بها التعميم، يعني للذين ظلموا من هؤلاء وغيرهم. والإشارة إلى سبب الحكم وهو قوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ويش بعد؟ والتعميم والإشارة إلى علة الحكم، وهو الظلم؛ لأن لو قالوا: نقول لهم ما استفدنا أن سبب قول الله لهم وتوبيخه إياهم هو الظلم. قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. نبدأ بالإعراب أولًا: قوله: ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ هذه بينات حال من ﴿آيَاتُنَا﴾؛ لأنه وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة إذا كان نكرة يكون حالًا، وكذلك إذا كان جملة، فالأوصاف بعد المعارف إذا كانت نكرة أو جملة تكون حالًا، والأوصاف بعد المعرفة إذا كانت معرفة تكون نعتًا. الحال والنعت كلاهما وصف، ولكن إن وافق متبوعه في التعريف والتنكير فهو نعت، وإلا كان المتبوع معرفة، والثاني نكرة أو جملة فهو حال. وقوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ هذا جواب الشرط إلى آخره. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات﴾ أي إذا تقرأ عليهم آياتنا، ولم يبين القارئ، فيشمل أن يكون القارئ النبي ﷺ أو غيره، إذا تليت عليهم آيات الله ﴿بَيِّنَات﴾ أي ظاهرات، فما ظهورها هنا؟ هل ظهورها بمعنى أنها واضحة أنها كلام الله لعجزهم عنها، أو بينات فيما تدل عليه من معاني سامية لا يمكن أن يأتي بمثلها البشر، أو الأمران؟ يشمل هذا وهذا، فهي بينة في ذاتها واضحة أنها ليست من كلام البشر، وهي بينة في موضوعها، وما تدل عليه من أنها ليست من أحكام البشر؛ لأنها لا تتناقض، ولا يكذب بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها من عند الله، لو كانت هذه الآيات خفية لكان لهم شيء من العذر في ردها، ولكنها آيات بينات لا عذر لهم في ردها، ومع هذا يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، يقول المؤلف في تفسيرها: (واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ). ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جاء بها وادعى أنها من عند الله ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، وانظر كيف تحمل هذه الجملة من الاحتقار والإنكار ما هو معلوم. فقولهم: ﴿مَا هَذَا﴾ أتوا به بصيغة الحاضر، وإن كان غائبًا للاحتقار. وقولهم: ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذا للإنكار لأنهم أتوا بصيغة النكرة، كأنهم لا يعرفونه، كأنه رجل أجنبي منهم، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ ولم يقولوا: ما ذلك الرجل إلا رجل، بل قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ احتقارًا وإنكارًا. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يعني لا يريد أن يهديكم سبيل الرشاد، ولكن ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ أن يصرفكم ويمنعكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾، وما الذي يعبد آباؤهم؟ الأصنام من الأشجار والأحجار وغيرها، هذا هو غرض هذا الرجل الذي جاء بهذه الآيات التي تُليت عليهم، وليس غرضه لا الصلاح ولا الإصلاح، هكذا ردوا الحق بهذا الدعوى الباطلة. وقوله: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ولم يقولوا: عما كنتم تعبدون لإثارة الحمية في نفوسهم؛ لأن الإنسان يصعب عليه أن يدع ما كان آباؤه عليه، لا سيما مثل هؤلاء الجهلة، لو قالوا: عما كنتم تعبدون لكان يمكن أن يقال: إنهم عبدوا على غير أساس، لكن لما قال: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ كأن هذه العبادة لهذه الأصنام كأنها أمر مستقر كان عليه الآباء، ولا ينبغي لكم أن تتركوا ملة آبائكم، ولهذا يقولون كما حكى الله عنهم في آيات الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] أو ﴿مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] آيتان. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ من الأصنام، والمراد بالآباء هنا ما يشمل آباء الصلب، وهو الأب الأدنى، والآباء الأعلين، وهم الأجداد وإن علوا. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هل أمهاتهم كذلك؟ لكن الإنسان تأخذه الحمية لأبيه أكثر مما تأخذه لأمه؛ لأنه من المعلوم أن الأب رجل، والرجل أعقل من المرأة، فإذا كان آباؤكم يعبدون هذه الأصنام ويصرون على عبادتها، وهم العقلاء، فإنه لا ينبغي لكم أن تتبعوا هذا الرجل الذي كان يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. (و﴿قَالُوا﴾ في القرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿مُفْتَرًى﴾ على الله) أعوذ بالله! فطعنوا في الرسول، وطعنوا في القرآن، الرسول طعنوا فيه بماذا؟ بسوء قصده وأنه لا يقصد الإصلاح، وإنما يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، وطعنوا في الوحي الذي جاء به هذا الرسول وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾، وتعلمون أن هذه الصيغة صيغة حصر، فعلى زعمهم ليس في القرآن شيء صدق، كل القرآن جملة وتفصيلًا إفك مفترى. ﴿إِفْكٌ﴾ أي كذب، هو بنفسه كذب، وعلى من؟ مفترى على الله؛ لأن هناك كذبًا مطلقًا يكذبه الإنسان ولا ينسبه إلى أحد، وهنا كذب يفتريه الإنسان على غيره، فالقرآن يقولون: إنه كذب، وإنه مفتر على الله، ولا ريب أن هذه دعوى باطلة، فالقرآن كما وصفه الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك القرآن من عند الله عز وجل، بدليل أن الله عز وجل تحدى هؤلاء أن يأتوا بمثله فلم يأتوا، فهو دليل إذن أنه من عند الله، وكل أخباره صدق وحق، خلاف ما طعن به هؤلاء. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ فطعنوا في الرسول، وطعنوا في المرسَل به، والطعن فيهما طعن في الله عز وجل، كيف؟ لأن تمكين الله لهذا الرسول وتأييده له وإنزال الآيات عليه وهو كاذب حكمة أو سفه؟ سفه، والله عز وجل يؤيد رسوله بما ينزل عليه ويشهد له بأنه حق، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس علنًا وسرًّا، فلو كان كاذبًا على الله عز وجل، والله يؤيده ويمكِّنه، لكان تمكين الله له في غاية ما يكون من السفه، وهذا طعن في الله عز وجل. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ﴾ (ما) ﴿هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. هذه أيضًا دعوى ثالثة كاذبة، لكنه أتى بالإظهار في موضع الإضمار، لم يقل: وقالوا، بل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليشمل هؤلاء وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات٥٢] فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل هؤلاء وغيرهم، ويفيد أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول كفار؛ لأنه وصفهم بالكفر مسندًا إليهم هذا القول، فيكون ذلك سببًا لكفرهم. قال المؤلف ﴿إِنْ﴾ قال في تفسيرها: (ما)، كيف (إن) (ما) هذا التفسير؟ أي أن (إن) نافية. طيب (إن) تقع نافية، وهل يشترط لكونها نافية أن تأتي بعدها (إلا)؟ الجواب: لا، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافيه، كلما أتت (إلا) بعد (إن) فإن (إن) نافية، ولا نقول: إنها لا تكون نافية إلا إذا وقعت بعدها (إلا)؛ لأنها قد تأتي نافية وليس بعدها (إلا)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس٦٨] أي: ما عندكم سلطان بهذا، ومع ذلك فإن الجملة هذه ليس فيها (إلا). والخلاصة: إذا أتت (إلا) بعد (إن) كانت (إن) نافية، ولا يلزم أن تأتي بعدها (إلا) لأن قد تكون نافية بدون (إلا). ولنا أن نستطرد حتى نذكر معاني (إن) فتأتي نافية كما هنا. وتأتي شرطية؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٢٩]. وتأتي زائدة؛ كقول الشاعر: بَنِي غدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وتأتي مخففة من الثقيلة؛ مثل: .......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هذه مخففة من الثقيلة. إذن فتستعمل في اللغة العربية على أربعة أوجه. طيب ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ ٤٣] (بيِّن) ﴿سِحْرٌ﴾ السحر هو في اللغة كل شيء خفي، وسُمي سحرًا لمطابقته السَّحَر، وهو آخر الليل؛ لأن آخر الليل تقع فيه الأشياء خفية؛ لكون الناس مستترين في بيوتهم، فالسحر في اللغة الشيء الخفي الذي يخفى أمره وسببه، ولهذا أول ما ظهرت الساعات هذه يقال: إنها سحر، وإذا جاءت أشياء غريبة على الناس خارقة للعادة قالوا: هذا سحر. فهم يقولون: إن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام هذا سحر، فعصا موسى على رأيهم سحر، وإحياء عيسى الموتى بإذن الله سحر، وهذا الكلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام سحر، إن من البيان لسحرًا، فقالوا: هذا كلام فصيح سحر عقول الناس. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ هذا من باب التمويه، يعني أنه سحر بيِّن لا تنبغي المجادلة فيه لبيانه وظهوره، وهذا كما تؤكد الشيء فتقول: هذا أمر بين واضح، وإن كان ليس بينًا واضحًا، فإن هذا الذي جاءت به الرسل من الآيات ليس بينًا أنه سحر، بل البين أنه حق وآيات حقيقية، لكن المكذبين -والعياذ بالله- يجادلون في الحق. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: بمعنى (بيِّن) لأن أبان تأتي لازمًا ومتعديًا، فتقول: أبان الفجر بمعنى ظهر الفجر، وتقول: بان الفجر. فهنا كلمة ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بيِّن، هذا هو الأقرب، أما (مبين) بمعنى أبان أي أوضح وأظهر ففي مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس٦٩] لأن القرآن مبين الحق، فتكون (مبين) هناك من أبان المتعدي، و(مبين) هنا من أبان اللازم. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] (فمن أين كذبوك). قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ اختلف المفسرون في معناها؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما قلت، فإذا لم يكن عندهم علم من كتب يدرسونها ولا علم من نذر أتتهم يخالف ما أنت عليه، فكيف يكذبونك؟ وعليه فيكون المراد بهذه الآية المراد أن تكذيبهم إياك صادر عن أيش؟ * طالب: عن علم. * الشيخ: لا. * الطلبة: عن جهل. * الشيخ: عن جهل صادر عن جهل؛ لأنه يقول: ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ما هو يقول: آتيناهم، انتبه. ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ تدل على أن ما قالوه في وصفك حق. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما جئت به حتى يقولوا: إنك أيش؟ كاذب وساحر. فيكون المراد بالآية أن هؤلاء الذين كذبوا لم يستندوا في تكذيبك على أيش؟ على علم، لا من كتب ولا من وحي، لا من كتب يدرسونها ويفهمون ما فيها، ويعلمون أن ما جئت به مناقض لها، ولا من نذير أنذرهم وحذرهم مما جئت به، وقال: إنه سيأتي كاذب مفترٍ فلا تطيعوه. نحن الآن لو جاءنا نبي وقال: إنه نبي من عند الله نكذبه؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ليش؟ لأننا قد أُنذرنا من هؤلاء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام هل هؤلاء المكذبون له هل أنذروا به وحذورا منه؟ لا، هل هناك كتب درسها هؤلاء تبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام على باطل ؟ لا، هذا وجه، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف، ولهذا قال: (فمن أين كذبوك؟). والقول الثاني: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام في قوم أميين لا يقرءون، ولم يُبعَث إليهم نبي كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة ٢]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص٤٦]، أي أن هؤلاء كان الأليق بهم أن يفرحوا برسالتك، وأن يقبلوا ما جئت به، لماذا؟ لأنه ليس عندهم كتب يدرسونها كما عند اليهود والنصارى، ولا يُبعث إليهم نبي قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إليك، ومن كان محتاجًا إلى الشيء كان به أفرح، ولخبره أشد تصديقًا، فيكون المراد بهذه الجملة توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، وأنه كان الأليق بهم أن يفرحوا بذلك وأن يصدقوا؛ لأنه ليس عندهم كتب تدرس، فليس عندهم أثارة من علم، ولم يبعث إليهم نذير من قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إلى أي شيء؟ إلى تصديقك وقبول ما جئت به، فتتضمن هذه الآية توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، أيهما أولى؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أيهما أولى؟ * طلبة: القول الأول. * الشيخ: الأخ يقول: القول الثاني، هل يمكن أن تحمل على معنيين؟ * طالب: يمكن أن تحمل. * الشيخ: ننظر في حال هؤلاء، إذا كانت تصدق على حال هؤلاء على الوجهين حملناها وقلنا: هؤلاء ما درسوا كتبًا تدل على كذب محمد عليه الصلاة والسلام (...). ولا أنذرهم أحد منه، وكذلك هم لم يكونوا عالمين بالكتب السابقة، ولم يرسَل إليهم رسول. إذن حالهم قابلة لهذين الوجهين، يعني أن تنزيلها على الوجهين لا يتنافى مع حال هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ، فالوجهان كلاهما يصدق عليهم، وإذا كان الوجهان كلاهما يصدق عليهم فلا مانع من أن نقول: إن الآية يراد بها هذا وهذا؛ لأن حال الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام قابلة للوجهين جميعًا. قال الله تعالى: (﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا﴾ أي هؤلاء ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ) أي عشره (من القوة وطول العمر وكثرة المال) هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه تهديد للمكذبين، ففيه معنيان: التسلية والتهديد. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل من؟ عاد، وثمود، فرعون، أصحاب الأيكة، كثير، وهؤلاء المكذبون السابقون أشد قوة من هؤلاء وأكثر أموالًا وأولادًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢]، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة ٦٩]، فالآيات في هذا تدل على أن الذين كذبوا الرسل السابقين كانوا أعظم من الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام في قوة الأجسام وكثرة الأموال وكثرة البنين، وهل أغنى ذلك عنهم شيئًا؟ لا، لم يغنِ عنهم شيئًا. ولهذا قال الله تعالى: (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ إليهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك) يعني أن هؤلاء السابقين كذبوا رسل الله، فماذا حصل؟ حصل عليهم إنكار الله سبحانه وتعالى بالتعذيب والإهلاك، لم يقرهم الله سبحانه وتعالى على تكذيبهم، بل أنكر عليهم، إنكارًا بالفعل ولَّا بالقول؟ بالفعل، أهلكهم وأبادهم، وعلى هذا فيكون الاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للتعظيم والتفخيم، أي: فما أعظم إنكاري عليهم؛ لأنه إنكار أدى بهم إلى الهلاك. أما إعراب ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فيتبناه الأخ (...). ولهذا قال المؤلف: (أي أنه واقع موقعهم). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ ٤٦] شوف الإنصاف، إنصاف الله عز وجل في مخاطبة الخلق. ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد موجهًا الخطاب إلى هؤلاء المكذبين. ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الجملة هذه فيها حصر وتقديرها: ما أعِظكم إلا بواحدة، يعني: ما أدعوكم دعاء واعظ ناصح لكم إلا واحدة فقط. فـ﴿أَعِظُكُمْ﴾ هنا متضمنة معنى: أنصحكم، يعني: أنا أدعوكم ناصحًا لكم وواعظًا إلى هذه الخصلة. ﴿بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ قال: هي أن تقوم، فعلى هذا فأن تقوموا في موضع جر عطف بيان على قوله: ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ يعني: أنه بين هذه الواحدة بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إلى آخره. و﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ هنا المراد بها أن تثبتوا على الشيء، وليس المراد القيام ضد القعود، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ١٢٧]، ليس المراد أن تقوموا لليتامى يعني يقف الواحد، وهكذا ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ ليس المراد أن تقفوا قيامًا، بل أن تثبتوا وتنظروا في الأمر. وقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ قال المؤلف: (أي لأجله) فاللام هنا للإخلاص، أي: أن تقوموا مخلصين لله لا مقلدين لآبائكم ولا متعصبين لآرائكم، جردوا نياتكم من كل شيء إلا لله، أن تقوموا لله وحده لا لي، لا مراعاة لي ولا مراعاة لآبائكم ولا لحميتكم ولكن لله. ﴿مَثْنَى﴾ قال المؤلف: (اثنين اثنين) وهل المراد حقيقة التثنية؟ يعني أن يقوموا على اثنين اثنين، أو المراد مجرد الزيادة على الواحد، يعني أنه مثنى لا يراد به حقيقة الاثنين؟ بل المراد أن تقوموا لله مجتمعين، سواء كنتم اثنين أم ثلاثة أم أربعة أم خمسة أم عشرة، هذا هو الظاهر. وقال بعض المفسرين: المرد بالمثنى هنا حقيقة الاثنين، وعللوا ذلك بأن الناس إذا كثروا اضطربت آراؤهم، وكثر الشجار بينهم، وفات المقصود؛ لأنك الآن لو وضعت رأيًا بين عشرة كم يجيئك من رأي؟ عشرة آراء، وبين اثنين يأتيك رأيان، قالوا: فالاثنان أقرب إلى الحصر وأقرب إلى تصور المسألة مما إذا كانوا أكثر من اثنين. ولكن قد يقال: إن هذا حقيقة، لكن أحيانًا يكون الثلاثة والأربعة أسد رأيًا من الاثنين فقط، فتحمل الآية على أن المراد بالمثنى مطلق الجمع، سواء كانوا اثنين أو أكثر. والمثنى قد يراد به مطلق الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤] أي كرة بعد كرة، وليس المراد حقيقة الاثنين. وكقول الإنسان وهو يلبي للحج أو العمرة يقول: لبيك، يعني إجابة لك مرتين، أو المراد إجابة بعد إجابة ولو كثر؟ الأخير إي نعم، والله أعلم. * * * قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى آخره [سبأ: ٤٣]. * في هذه الآية فوائد كثيرة: أولًا: أن الوحي آية من آيات الله عز وجل، ووجه كونه آية من عدة وجوه: أولًا: أنه أعجز البشر وغير البشر، وهذا دليل على أنه من عند الله. ثانيًا: أن أحكامه عادلة مصلِحة للقلوب والأبدان والأفراد والجماعات، في كل زمان وفي كل مكان، وهذا لا يمكن أن يوجد في كلام البشر، قوانين البشر مهما عظمت فإنما تكون صالحة في نطاق محدود، وتجدها كذلك مع كونها صالحة في نطاق محدود، تجد فيها أمورًا ضارَّة قد تعادل المصالح اللي فيها بخلاف آيات الله. ثالثًا: ما يشتمل عليه الوحي أو القرآن بالذات من الأخبار الصادقة التي ليس فيها ما يخالف الواقع بوجه من الوجوه، سواء كانت تلك الأخبار ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، هذا وجه كونه من آيات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الله عز وجل بينات ليس فيها خفاء، وعلى هذا كما يشكل على بعض أهل العلم من أحكام الله سبحانه وتعالى فليس مصدره أن الوحي خفي، ولكن مصدره قصور الناظر في الوحي أو تقصيره؛ قصوره أو تقصيره. قصوره: بحيث لا يكون عنده علم أو لا يكون عنده فهم. أو تقصيره بحيث لا يطلب العلم ولا يطلب الفهم، عرفتم؟ وإلا فإن آيات الله بينات لا يمكن تحدث حادثة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى بيانها، ولكن ليس كل أحد يستطيع أن يتبينها من القرآن، تجد الآية الواحدة يتلوها جماعة ويتفكرون فيها، يستنبط أحدهم منها مسائل عديدة، والآخر لا يستنبط منها إلا مسألة أو مسألتين، وهذا أمر ظاهر، وكثيرًا ما تشكل علينا المسألة ونراجع كتب العلماء من الفقهاء وغيرهم ثم عند التأمل في الكتاب والسنة نجد أنها قريبة موجودة؛ إما داخلة في عموم لفظ أو إشارة أو إيماء أو ما أشبه ذلك. بيان الآيات إما أن يكون بذاتها، وإما أن يكون عن طريق السنة، يعني بيان الآيات في القرآن إما أن يكون بذاتها، هي بينة واضحة، وإما أن يكون عن طريق السنة، تبين المجمَل، وتفسر المشكِل، وتقيِّد المطلَق، وتخصص العام، وتنسخ المحكَم، ولَّا لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تنسخ ذلك؛ لأن الكل من عند الله. إذن عرفنا معنى بينات سواء كان بذاته أو بالسنة ببيان السنة، قال الله تعال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] الرسول عليه الصلاة والسلام بين القرآن بلفظه ومعناه سواء بينه بقوله أو بفعله. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عتو المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، بيان عتوهم، حيث كانوا مع هذه الآيات البينات يدعون هذه الدعوة الباطلة، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد إلا أن يصدهم عما كان يعبد آباؤهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا شبهة لهؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما هي اعتداء بالدعاوي الباطلة؛ لأن غاية ما عندهم أن يقولوا: هذا ما كان عليه آباؤنا، وهذا ليس بحجة، فإن الحق ما وافق الشرع، سواء كان عليه الآباء أم لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: غلظ هؤلاء المكذبين بصوغ الأساليب أو العبارات الدالة على الحط من قدر النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين كانوا على ضلال هم وآباؤهم، حيث كانوا يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم؛ لأنهم يعبدون الأشجار والأحجار، ويدعون أنها تنفع أو تضر؛ إما بذاتها وإما بشفاعتها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنهم ادعوا أن النبي ﷺ كذب على الله لقولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهذه الدعوى هم بأنفسهم يكذبونها؛ لأنهم كانوا يسمون الرسول ﷺ قبل أن يوحى إليه الأمين، ويرون أنه أعظم الناس أمانة وصدقًا، فما الذي قلبه عن ذلك الوصف الذي أنتم تقرون به حتى قلتم: إنه مفترٍ على الله عز وجل! * ومن فوائد الآية الكريمة: ألا نستغرب من يجادل بالباطل ويدعي الأقاويل الكاذبة، يعني فيه أناس الآن إذا رفضوا شيئًا من الأشياء صاروا يقولون ويتقولون على هذا الذي قاله ما لم يقله، فيقولون: إنه كاذب، إنه متناقض، إنه فعل كذا، إنه فعل كذا، وهو بريء من ذلك، فلهؤلاء سلف من أولئك الكفار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الآيات من أفصح الكلام وأبلغه وأبينه؛ لقولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فهم لم يصفوه بالسحر إلا لأنه يأخذ بالقلوب ويجر الناس إليه جرًّا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نسب الكذب إلى رسول الله ﷺ فيما أوحى الله إليه فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن هؤلاء ادعوا أن الوحي سحر بعد أن وصل إليهم وعرفوه؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وعرفوا أنه حق، حتى إن زعماءهم كانوا يتسللون لواذًا في الليل إلى رسول الله ﷺ ليسمعوا القرآن؛ لأنه أخذ بمجامع قلوبهم وصاروا يحبون أن يستمعوا إليه، لكن الحمية والعياذ بالله والعصبية منعتهم أن يهتدوا بهذا القرآن. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] سنشرحها على أن المعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يعطي قريشًا بل والعرب جميعًا لم يعطهم كتبًا ولم يرسل إليهم رسولًا، نأخذ الفوائد على هذا المعنى فنقول: * من فوائد الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى العظمى على العرب بما بعث إليهم، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وجه ذلك أنهم كانوا أمة جاهلة، ليس عندهم كتب تدرس، ولم يأتهم نذير يخبرهم ويعلمهم، فهم أشد الناس حاجة إلى الرسول، وإذا اشتدت الحاجة ثم جاء ما يزيل تلك الحاجة كان هذا أعظم منة. ففي الآية إذن بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب، حيث بعث فيهم هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن العرب كانوا جاهلين من أجهل الناس قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين تؤخذ؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في العرب رسول إلا محمد ﷺ، وهو كذلك، وما ذكر بعض المؤرخين من أنه وجد في الجاهلية رسل منهم خالد بن سنان، فهذا لا أصل له ولا صح الكلام؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بينه وبين عيسى رسول، وعلى هذا فإنه لم يبعث فيهم -أي في العرب- رسول إلا محمد ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن حقيقة الرسالة هي الإنذار، وكذلك البشارة، الإنذار للمخالفين بالعقوبة، والبشارة للموافقين بالثواب والجزاء. * وفيها أيضًا -على المعنى الثاني- يستفاد من الآية: أن هؤلاء الذين كذبوا الرسول ﷺ ليس لديهم مستند يستندون إليه في تكذيبه؛ لأنهم لم يقرءوا كتبًا تدل على كذبهم، ولم يبعث إليهم رسول تقتضي رسالته أن محمدًا ﷺ كاذب، هذا على المعنى الثاني. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] * في هذه الآية الكريمة: التحذير لمكذب الرسول ﷺ، وجهه: أن الله أخبر أنه كذب السابقين مع أنهم أشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا من هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها: أن من كذب الرسل فقد حقت عليه كلمة العذاب؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. * ومن فوائدها: شرف الأنبياء، أو شرف الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الله أضاف رسالتهم إليه فقال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن مرتبة الرسالة أعلى مراتب البشر. فإن مراتب البشر أربعة: النبوة المتضمنة للرسالة، والصديقية، والشهداء، والصالحون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء٦٩] فأعلى المراتب النبوة، ثم الصديقية، ثم الشهادة، ثم الصلاح، خلافًا للزنادقة الذين يقولون: إن الأولياء أفضل من الأنبياء، والأنبياء أفضل من الرسل، ويقول قائلهم: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي يزعمون -قبحهم الله- أن الأولياء أفضل من الرسل والأنبياء، نعم وهو كذلك عندهم بأن أولياءهم الطاغوت، والطاغوت يملي عليهم أنه أفضل من الرسل والأنبياء. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل، حيث جعل العقوبة من جنس العمل، فلما كان عمل هؤلاء عظيمًا، وهو تكذيب رسل الله سبحانه وتعالى؛ كان جزاؤهم عظيمًا يُتعجب منه ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] أي ما أعظمه وما أشده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنكار يكون بالفعل كما يكون بالقول، وجه ذلك: أن إنكار الله عليهم ليس بالقول فقط، بل بالفعل والأخذ بالعقوبة، فهذا إنكار بالفعل. وهذا موجود أيضًا في أعمالنا، نحن عندما يخالفك صبيك في أمر من الأمور أحيانًا توبخه، تقول: ليش تفعل هذا؟ ألم آمرك أن تتركه، وأحيانًا إذا جئت ووجدته قد فعله تضربه هذا الإنكار يكون بماذا؟ يكون بالفعل. فإنكار الله عز وجل يكون بالقول ويكون بالفعل، فعقوبة المجرمين هي إنكار بماذا؟ بالفعل، وفي هذه الآية وغيرها من الآيات التي تضيف الفعل إلى الفاعل ردًّا على من؟ مثل ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما أشبه ذلك ردٌّ على؟ * طلبة: القدرية. * الشيخ: لا ما هي القدرية، ردًّا على الجبرية الذين يقولون: إن الفعل فعل العبد مجبَر عليه، ليس له فيه اختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال قياس الأولى، من أين يؤخذ؟ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، يعني: إذا أخذ الله هؤلاء الأقوياء الأشداء الأكثر أموالًا وأولادًا إذا أخذهم الله تعالى بجرمهم، فهؤلاء الذين دونهم من باب أولى. ولا شك أن القياس دليل صحيح ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ولكن القياس نوعان: صحيح وفاسد. فالفاسد: دل الكتاب والسنة والعقل على عدم اعتباره. والصحيح: دل الكتاب والسنة والعقل على اعتباره. مثال الفاسد: قول إبليس مستعملًا قياس الأولى لما أمره الله أن يسجد لآدم، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢] فكيف يكون الأخير عبدًا لمن دونه؟ ومثال قياس المثلية قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]، هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس ما حرم الله على ما أحله الله عز وجل. المهم أن القياس قد ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ومن أنكره فقد أنكر ما يدل عليه الكتاب والسنة، نعم الذي ينكر منه القياس الفاسد طيب. هل نأخذ من ذلك من هذه الآية أن تكذيب الرسل تكذيب لله؟ نعم هو الظاهر؛ لأنه قال بالأول: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ولم يذكر المكذب. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ فدل ذلك على أن تكذيب الرسل تكذيب لله عز وجل، وهو كذلك عند التأمل؛ لأن الرسول إذا جاءك وقال: إنه رسول الله وأيده الله بالآيات، ثم كذبته، فقد كذبت الله عز وجل؛ لأن الآيات التي يعطيها الله الرسول ما هي إلا براهين تدل على صدقه، فكأن المكذب يقول: إن هذه الآيات كذب لأنه يكذب الرسول الذي أيدته.

سبأ 34:43

قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]. فيه شيء نحب أن ننبه عليه، وهو قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠] (بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً) ذكر بعض المحشين أن المؤلف وهم في هذا، وأن إبدال الياء إنما هو في الثانية لا في الأولى، انتبه لهذا، يعني أن الأولى ما فيها قراءة في إبدالها ياء، وإنما إبدال الياء في الثانية دون الأولى، فيكون هذا وهمًا من المؤلف رحمه الله أو سبقة قلم. * طالب: كيف تنطق إذا كانت الثاية ياء؟ * الشيخ: ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . * الطالب: يعني تدغم في الثانية. * الشيخ: لا ما يدغم لأنها متحركة ما حاجة.. ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . أيضًا يقول المؤلف رحمه الله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ ٤٢]. قوله: ﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني واليوم نقول: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الظلم في اللغة: النقص، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف٣٣] أي: لم تنقص. وأما في الاصطلاح أو في الشرع: فهو نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب، وإما بانتهاك المحرم، نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب؛ مثل قوله ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤/ ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. وإما بالاعتداء على حقه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى٤٢]. فإذن الظلم في الأصل النقص، ودليله؟ * طلبة: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. * الشيخ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. وأما شرعًا فهو نقص ذوي الحق حقه؛ إما بانتهاك محرم في حقه أو بمماطلة في واجب. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فسرها المؤلف: بـ(كفروا)، وهذا تفسير بالمعنى ولَّا بالمراد؟ بالمراد؛ لأن الظلم من حيث المعنى أعم من الكفر. لكن المؤلف يقول: إن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢]. فالظلم قد يراد به الكفر، وكأن المؤلف رحمه الله خص الظلم بالكفر هنا بدليل السياق ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ هذا مما يدل على أن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ لأن الذي يكذب بالنار حكمه كافر؛ لتكذيبه خبر الله ورسوله. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾: ﴿ذُوقُوا﴾ فعل أمر لكنه يراد به الإهانة، يعني يقال لهم إهانة: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون، أي النار ستصيبكم حتى تذوقوها كما تذوقون الطعام. وقوله: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كيف كانوا يكذبون بالنار؟ لأنهم ينكرون البعث، والنار إنما تكون بعد البعث، وهم يكذبون بذلك، ومن باب أولى أن يكذبوا بما يكون في القبر من العذاب، فهم يكذبون تكذيبًا كاملًا، ويقولون: إن الروح إذا خرجت من الجسد لن تعود إليه، وهنا قال: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، وفي سورة الم السجدة تنزيل قال: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة٢٠]، فعليه -أي على الآيتين- يكون الوصف بالتكذيب مرة بالنار ومرة بعذابها، فهم أحيانًا ينكرون النار؛ ما فيه نار ولا فيه آخرة ولا فيه شيء، وأحيانًا يكذبون التعذيب بالنار ويقولون: كيف نعذب بالنار؟ وكيف نبقى أحقابًا ونحن في النار، الإنسان إذا دخل في النار احترق وانتهى، فيكذبون بالعذاب وأحيانًا يكذبون بالنار نفسها. وقوله: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ الجار والمجرور هنا متعلق بـ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ولكنه قدم للحصر أو للفواصل؟ نعم للفواصل لا شك، هذه من جهة، وللحصر، ولكننا إذا قلنا: إنه للحصر يرد علينا إشكال وهو أنهم كذبوا بالنار وبغيرها؛ فيقال: لما كان العذاب بالنار ذُكِّرُوا بتكذيبهم بها خاصة؛ لأنهم عُذبوا بها، فكأنهم قيل لهم: عذبتم بشيء أن كنتم تكذبون به وإلا فلهم تكذيب آخر. (﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾ ). في هذه الجملة الشرطية وهي ﴿إِذَا﴾ فعل الشرط ﴿تُتْلَى﴾، جوابه ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾. وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذه ﴿مَا﴾ النافية وهنا لم تعمل، لماذا؟ لانتقاض النفي، وقد قال ابن مالك في ألفيته: إِعْمَال لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَع بَقَا النَّفْيِ ............ فإذا انتقض النفي فلا عمل، والله أعلم. * * * ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ ٤٢] (...). ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ﴾ [سبأ ٤٢] لكم. فقال: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن له فائدة دائمة مستمرة، وهي التنبيه. وفائدة خاصة في كل سياق بحسبه، فهنا يقصد بها التعميم، يعني للذين ظلموا من هؤلاء وغيرهم. والإشارة إلى سبب الحكم وهو قوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ويش بعد؟ والتعميم والإشارة إلى علة الحكم، وهو الظلم؛ لأن لو قالوا: نقول لهم ما استفدنا أن سبب قول الله لهم وتوبيخه إياهم هو الظلم. قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. نبدأ بالإعراب أولًا: قوله: ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ هذه بينات حال من ﴿آيَاتُنَا﴾؛ لأنه وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة إذا كان نكرة يكون حالًا، وكذلك إذا كان جملة، فالأوصاف بعد المعارف إذا كانت نكرة أو جملة تكون حالًا، والأوصاف بعد المعرفة إذا كانت معرفة تكون نعتًا. الحال والنعت كلاهما وصف، ولكن إن وافق متبوعه في التعريف والتنكير فهو نعت، وإلا كان المتبوع معرفة، والثاني نكرة أو جملة فهو حال. وقوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ هذا جواب الشرط إلى آخره. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات﴾ أي إذا تقرأ عليهم آياتنا، ولم يبين القارئ، فيشمل أن يكون القارئ النبي ﷺ أو غيره، إذا تليت عليهم آيات الله ﴿بَيِّنَات﴾ أي ظاهرات، فما ظهورها هنا؟ هل ظهورها بمعنى أنها واضحة أنها كلام الله لعجزهم عنها، أو بينات فيما تدل عليه من معاني سامية لا يمكن أن يأتي بمثلها البشر، أو الأمران؟ يشمل هذا وهذا، فهي بينة في ذاتها واضحة أنها ليست من كلام البشر، وهي بينة في موضوعها، وما تدل عليه من أنها ليست من أحكام البشر؛ لأنها لا تتناقض، ولا يكذب بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها من عند الله، لو كانت هذه الآيات خفية لكان لهم شيء من العذر في ردها، ولكنها آيات بينات لا عذر لهم في ردها، ومع هذا يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، يقول المؤلف في تفسيرها: (واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ). ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جاء بها وادعى أنها من عند الله ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، وانظر كيف تحمل هذه الجملة من الاحتقار والإنكار ما هو معلوم. فقولهم: ﴿مَا هَذَا﴾ أتوا به بصيغة الحاضر، وإن كان غائبًا للاحتقار. وقولهم: ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذا للإنكار لأنهم أتوا بصيغة النكرة، كأنهم لا يعرفونه، كأنه رجل أجنبي منهم، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ ولم يقولوا: ما ذلك الرجل إلا رجل، بل قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ احتقارًا وإنكارًا. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يعني لا يريد أن يهديكم سبيل الرشاد، ولكن ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ أن يصرفكم ويمنعكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾، وما الذي يعبد آباؤهم؟ الأصنام من الأشجار والأحجار وغيرها، هذا هو غرض هذا الرجل الذي جاء بهذه الآيات التي تُليت عليهم، وليس غرضه لا الصلاح ولا الإصلاح، هكذا ردوا الحق بهذا الدعوى الباطلة. وقوله: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ولم يقولوا: عما كنتم تعبدون لإثارة الحمية في نفوسهم؛ لأن الإنسان يصعب عليه أن يدع ما كان آباؤه عليه، لا سيما مثل هؤلاء الجهلة، لو قالوا: عما كنتم تعبدون لكان يمكن أن يقال: إنهم عبدوا على غير أساس، لكن لما قال: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ كأن هذه العبادة لهذه الأصنام كأنها أمر مستقر كان عليه الآباء، ولا ينبغي لكم أن تتركوا ملة آبائكم، ولهذا يقولون كما حكى الله عنهم في آيات الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] أو ﴿مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] آيتان. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ من الأصنام، والمراد بالآباء هنا ما يشمل آباء الصلب، وهو الأب الأدنى، والآباء الأعلين، وهم الأجداد وإن علوا. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هل أمهاتهم كذلك؟ لكن الإنسان تأخذه الحمية لأبيه أكثر مما تأخذه لأمه؛ لأنه من المعلوم أن الأب رجل، والرجل أعقل من المرأة، فإذا كان آباؤكم يعبدون هذه الأصنام ويصرون على عبادتها، وهم العقلاء، فإنه لا ينبغي لكم أن تتبعوا هذا الرجل الذي كان يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. (و﴿قَالُوا﴾ في القرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿مُفْتَرًى﴾ على الله) أعوذ بالله! فطعنوا في الرسول، وطعنوا في القرآن، الرسول طعنوا فيه بماذا؟ بسوء قصده وأنه لا يقصد الإصلاح، وإنما يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، وطعنوا في الوحي الذي جاء به هذا الرسول وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾، وتعلمون أن هذه الصيغة صيغة حصر، فعلى زعمهم ليس في القرآن شيء صدق، كل القرآن جملة وتفصيلًا إفك مفترى. ﴿إِفْكٌ﴾ أي كذب، هو بنفسه كذب، وعلى من؟ مفترى على الله؛ لأن هناك كذبًا مطلقًا يكذبه الإنسان ولا ينسبه إلى أحد، وهنا كذب يفتريه الإنسان على غيره، فالقرآن يقولون: إنه كذب، وإنه مفتر على الله، ولا ريب أن هذه دعوى باطلة، فالقرآن كما وصفه الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك القرآن من عند الله عز وجل، بدليل أن الله عز وجل تحدى هؤلاء أن يأتوا بمثله فلم يأتوا، فهو دليل إذن أنه من عند الله، وكل أخباره صدق وحق، خلاف ما طعن به هؤلاء. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ فطعنوا في الرسول، وطعنوا في المرسَل به، والطعن فيهما طعن في الله عز وجل، كيف؟ لأن تمكين الله لهذا الرسول وتأييده له وإنزال الآيات عليه وهو كاذب حكمة أو سفه؟ سفه، والله عز وجل يؤيد رسوله بما ينزل عليه ويشهد له بأنه حق، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس علنًا وسرًّا، فلو كان كاذبًا على الله عز وجل، والله يؤيده ويمكِّنه، لكان تمكين الله له في غاية ما يكون من السفه، وهذا طعن في الله عز وجل. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ﴾ (ما) ﴿هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. هذه أيضًا دعوى ثالثة كاذبة، لكنه أتى بالإظهار في موضع الإضمار، لم يقل: وقالوا، بل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليشمل هؤلاء وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات٥٢] فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل هؤلاء وغيرهم، ويفيد أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول كفار؛ لأنه وصفهم بالكفر مسندًا إليهم هذا القول، فيكون ذلك سببًا لكفرهم. قال المؤلف ﴿إِنْ﴾ قال في تفسيرها: (ما)، كيف (إن) (ما) هذا التفسير؟ أي أن (إن) نافية. طيب (إن) تقع نافية، وهل يشترط لكونها نافية أن تأتي بعدها (إلا)؟ الجواب: لا، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافيه، كلما أتت (إلا) بعد (إن) فإن (إن) نافية، ولا نقول: إنها لا تكون نافية إلا إذا وقعت بعدها (إلا)؛ لأنها قد تأتي نافية وليس بعدها (إلا)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس٦٨] أي: ما عندكم سلطان بهذا، ومع ذلك فإن الجملة هذه ليس فيها (إلا). والخلاصة: إذا أتت (إلا) بعد (إن) كانت (إن) نافية، ولا يلزم أن تأتي بعدها (إلا) لأن قد تكون نافية بدون (إلا). ولنا أن نستطرد حتى نذكر معاني (إن) فتأتي نافية كما هنا. وتأتي شرطية؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٢٩]. وتأتي زائدة؛ كقول الشاعر: بَنِي غدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وتأتي مخففة من الثقيلة؛ مثل: .......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هذه مخففة من الثقيلة. إذن فتستعمل في اللغة العربية على أربعة أوجه. طيب ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ ٤٣] (بيِّن) ﴿سِحْرٌ﴾ السحر هو في اللغة كل شيء خفي، وسُمي سحرًا لمطابقته السَّحَر، وهو آخر الليل؛ لأن آخر الليل تقع فيه الأشياء خفية؛ لكون الناس مستترين في بيوتهم، فالسحر في اللغة الشيء الخفي الذي يخفى أمره وسببه، ولهذا أول ما ظهرت الساعات هذه يقال: إنها سحر، وإذا جاءت أشياء غريبة على الناس خارقة للعادة قالوا: هذا سحر. فهم يقولون: إن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام هذا سحر، فعصا موسى على رأيهم سحر، وإحياء عيسى الموتى بإذن الله سحر، وهذا الكلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام سحر، إن من البيان لسحرًا، فقالوا: هذا كلام فصيح سحر عقول الناس. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ هذا من باب التمويه، يعني أنه سحر بيِّن لا تنبغي المجادلة فيه لبيانه وظهوره، وهذا كما تؤكد الشيء فتقول: هذا أمر بين واضح، وإن كان ليس بينًا واضحًا، فإن هذا الذي جاءت به الرسل من الآيات ليس بينًا أنه سحر، بل البين أنه حق وآيات حقيقية، لكن المكذبين -والعياذ بالله- يجادلون في الحق. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: بمعنى (بيِّن) لأن أبان تأتي لازمًا ومتعديًا، فتقول: أبان الفجر بمعنى ظهر الفجر، وتقول: بان الفجر. فهنا كلمة ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بيِّن، هذا هو الأقرب، أما (مبين) بمعنى أبان أي أوضح وأظهر ففي مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس٦٩] لأن القرآن مبين الحق، فتكون (مبين) هناك من أبان المتعدي، و(مبين) هنا من أبان اللازم. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] (فمن أين كذبوك). قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ اختلف المفسرون في معناها؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما قلت، فإذا لم يكن عندهم علم من كتب يدرسونها ولا علم من نذر أتتهم يخالف ما أنت عليه، فكيف يكذبونك؟ وعليه فيكون المراد بهذه الآية المراد أن تكذيبهم إياك صادر عن أيش؟ * طالب: عن علم. * الشيخ: لا. * الطلبة: عن جهل. * الشيخ: عن جهل صادر عن جهل؛ لأنه يقول: ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ما هو يقول: آتيناهم، انتبه. ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ تدل على أن ما قالوه في وصفك حق. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما جئت به حتى يقولوا: إنك أيش؟ كاذب وساحر. فيكون المراد بالآية أن هؤلاء الذين كذبوا لم يستندوا في تكذيبك على أيش؟ على علم، لا من كتب ولا من وحي، لا من كتب يدرسونها ويفهمون ما فيها، ويعلمون أن ما جئت به مناقض لها، ولا من نذير أنذرهم وحذرهم مما جئت به، وقال: إنه سيأتي كاذب مفترٍ فلا تطيعوه. نحن الآن لو جاءنا نبي وقال: إنه نبي من عند الله نكذبه؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ليش؟ لأننا قد أُنذرنا من هؤلاء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام هل هؤلاء المكذبون له هل أنذروا به وحذورا منه؟ لا، هل هناك كتب درسها هؤلاء تبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام على باطل ؟ لا، هذا وجه، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف، ولهذا قال: (فمن أين كذبوك؟). والقول الثاني: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام في قوم أميين لا يقرءون، ولم يُبعَث إليهم نبي كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة ٢]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص٤٦]، أي أن هؤلاء كان الأليق بهم أن يفرحوا برسالتك، وأن يقبلوا ما جئت به، لماذا؟ لأنه ليس عندهم كتب يدرسونها كما عند اليهود والنصارى، ولا يُبعث إليهم نبي قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إليك، ومن كان محتاجًا إلى الشيء كان به أفرح، ولخبره أشد تصديقًا، فيكون المراد بهذه الجملة توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، وأنه كان الأليق بهم أن يفرحوا بذلك وأن يصدقوا؛ لأنه ليس عندهم كتب تدرس، فليس عندهم أثارة من علم، ولم يبعث إليهم نذير من قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إلى أي شيء؟ إلى تصديقك وقبول ما جئت به، فتتضمن هذه الآية توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، أيهما أولى؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أيهما أولى؟ * طلبة: القول الأول. * الشيخ: الأخ يقول: القول الثاني، هل يمكن أن تحمل على معنيين؟ * طالب: يمكن أن تحمل. * الشيخ: ننظر في حال هؤلاء، إذا كانت تصدق على حال هؤلاء على الوجهين حملناها وقلنا: هؤلاء ما درسوا كتبًا تدل على كذب محمد عليه الصلاة والسلام (...). ولا أنذرهم أحد منه، وكذلك هم لم يكونوا عالمين بالكتب السابقة، ولم يرسَل إليهم رسول. إذن حالهم قابلة لهذين الوجهين، يعني أن تنزيلها على الوجهين لا يتنافى مع حال هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ، فالوجهان كلاهما يصدق عليهم، وإذا كان الوجهان كلاهما يصدق عليهم فلا مانع من أن نقول: إن الآية يراد بها هذا وهذا؛ لأن حال الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام قابلة للوجهين جميعًا. قال الله تعالى: (﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا﴾ أي هؤلاء ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ) أي عشره (من القوة وطول العمر وكثرة المال) هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه تهديد للمكذبين، ففيه معنيان: التسلية والتهديد. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل من؟ عاد، وثمود، فرعون، أصحاب الأيكة، كثير، وهؤلاء المكذبون السابقون أشد قوة من هؤلاء وأكثر أموالًا وأولادًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢]، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة ٦٩]، فالآيات في هذا تدل على أن الذين كذبوا الرسل السابقين كانوا أعظم من الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام في قوة الأجسام وكثرة الأموال وكثرة البنين، وهل أغنى ذلك عنهم شيئًا؟ لا، لم يغنِ عنهم شيئًا. ولهذا قال الله تعالى: (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ إليهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك) يعني أن هؤلاء السابقين كذبوا رسل الله، فماذا حصل؟ حصل عليهم إنكار الله سبحانه وتعالى بالتعذيب والإهلاك، لم يقرهم الله سبحانه وتعالى على تكذيبهم، بل أنكر عليهم، إنكارًا بالفعل ولَّا بالقول؟ بالفعل، أهلكهم وأبادهم، وعلى هذا فيكون الاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للتعظيم والتفخيم، أي: فما أعظم إنكاري عليهم؛ لأنه إنكار أدى بهم إلى الهلاك. أما إعراب ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فيتبناه الأخ (...). ولهذا قال المؤلف: (أي أنه واقع موقعهم). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ ٤٦] شوف الإنصاف، إنصاف الله عز وجل في مخاطبة الخلق. ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد موجهًا الخطاب إلى هؤلاء المكذبين. ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الجملة هذه فيها حصر وتقديرها: ما أعِظكم إلا بواحدة، يعني: ما أدعوكم دعاء واعظ ناصح لكم إلا واحدة فقط. فـ﴿أَعِظُكُمْ﴾ هنا متضمنة معنى: أنصحكم، يعني: أنا أدعوكم ناصحًا لكم وواعظًا إلى هذه الخصلة. ﴿بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ قال: هي أن تقوم، فعلى هذا فأن تقوموا في موضع جر عطف بيان على قوله: ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ يعني: أنه بين هذه الواحدة بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إلى آخره. و﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ هنا المراد بها أن تثبتوا على الشيء، وليس المراد القيام ضد القعود، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ١٢٧]، ليس المراد أن تقوموا لليتامى يعني يقف الواحد، وهكذا ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ ليس المراد أن تقفوا قيامًا، بل أن تثبتوا وتنظروا في الأمر. وقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ قال المؤلف: (أي لأجله) فاللام هنا للإخلاص، أي: أن تقوموا مخلصين لله لا مقلدين لآبائكم ولا متعصبين لآرائكم، جردوا نياتكم من كل شيء إلا لله، أن تقوموا لله وحده لا لي، لا مراعاة لي ولا مراعاة لآبائكم ولا لحميتكم ولكن لله. ﴿مَثْنَى﴾ قال المؤلف: (اثنين اثنين) وهل المراد حقيقة التثنية؟ يعني أن يقوموا على اثنين اثنين، أو المراد مجرد الزيادة على الواحد، يعني أنه مثنى لا يراد به حقيقة الاثنين؟ بل المراد أن تقوموا لله مجتمعين، سواء كنتم اثنين أم ثلاثة أم أربعة أم خمسة أم عشرة، هذا هو الظاهر. وقال بعض المفسرين: المرد بالمثنى هنا حقيقة الاثنين، وعللوا ذلك بأن الناس إذا كثروا اضطربت آراؤهم، وكثر الشجار بينهم، وفات المقصود؛ لأنك الآن لو وضعت رأيًا بين عشرة كم يجيئك من رأي؟ عشرة آراء، وبين اثنين يأتيك رأيان، قالوا: فالاثنان أقرب إلى الحصر وأقرب إلى تصور المسألة مما إذا كانوا أكثر من اثنين. ولكن قد يقال: إن هذا حقيقة، لكن أحيانًا يكون الثلاثة والأربعة أسد رأيًا من الاثنين فقط، فتحمل الآية على أن المراد بالمثنى مطلق الجمع، سواء كانوا اثنين أو أكثر. والمثنى قد يراد به مطلق الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤] أي كرة بعد كرة، وليس المراد حقيقة الاثنين. وكقول الإنسان وهو يلبي للحج أو العمرة يقول: لبيك، يعني إجابة لك مرتين، أو المراد إجابة بعد إجابة ولو كثر؟ الأخير إي نعم، والله أعلم. * * * قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى آخره [سبأ: ٤٣]. * في هذه الآية فوائد كثيرة: أولًا: أن الوحي آية من آيات الله عز وجل، ووجه كونه آية من عدة وجوه: أولًا: أنه أعجز البشر وغير البشر، وهذا دليل على أنه من عند الله. ثانيًا: أن أحكامه عادلة مصلِحة للقلوب والأبدان والأفراد والجماعات، في كل زمان وفي كل مكان، وهذا لا يمكن أن يوجد في كلام البشر، قوانين البشر مهما عظمت فإنما تكون صالحة في نطاق محدود، وتجدها كذلك مع كونها صالحة في نطاق محدود، تجد فيها أمورًا ضارَّة قد تعادل المصالح اللي فيها بخلاف آيات الله. ثالثًا: ما يشتمل عليه الوحي أو القرآن بالذات من الأخبار الصادقة التي ليس فيها ما يخالف الواقع بوجه من الوجوه، سواء كانت تلك الأخبار ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، هذا وجه كونه من آيات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الله عز وجل بينات ليس فيها خفاء، وعلى هذا كما يشكل على بعض أهل العلم من أحكام الله سبحانه وتعالى فليس مصدره أن الوحي خفي، ولكن مصدره قصور الناظر في الوحي أو تقصيره؛ قصوره أو تقصيره. قصوره: بحيث لا يكون عنده علم أو لا يكون عنده فهم. أو تقصيره بحيث لا يطلب العلم ولا يطلب الفهم، عرفتم؟ وإلا فإن آيات الله بينات لا يمكن تحدث حادثة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى بيانها، ولكن ليس كل أحد يستطيع أن يتبينها من القرآن، تجد الآية الواحدة يتلوها جماعة ويتفكرون فيها، يستنبط أحدهم منها مسائل عديدة، والآخر لا يستنبط منها إلا مسألة أو مسألتين، وهذا أمر ظاهر، وكثيرًا ما تشكل علينا المسألة ونراجع كتب العلماء من الفقهاء وغيرهم ثم عند التأمل في الكتاب والسنة نجد أنها قريبة موجودة؛ إما داخلة في عموم لفظ أو إشارة أو إيماء أو ما أشبه ذلك. بيان الآيات إما أن يكون بذاتها، وإما أن يكون عن طريق السنة، يعني بيان الآيات في القرآن إما أن يكون بذاتها، هي بينة واضحة، وإما أن يكون عن طريق السنة، تبين المجمَل، وتفسر المشكِل، وتقيِّد المطلَق، وتخصص العام، وتنسخ المحكَم، ولَّا لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تنسخ ذلك؛ لأن الكل من عند الله. إذن عرفنا معنى بينات سواء كان بذاته أو بالسنة ببيان السنة، قال الله تعال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] الرسول عليه الصلاة والسلام بين القرآن بلفظه ومعناه سواء بينه بقوله أو بفعله. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عتو المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، بيان عتوهم، حيث كانوا مع هذه الآيات البينات يدعون هذه الدعوة الباطلة، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد إلا أن يصدهم عما كان يعبد آباؤهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا شبهة لهؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما هي اعتداء بالدعاوي الباطلة؛ لأن غاية ما عندهم أن يقولوا: هذا ما كان عليه آباؤنا، وهذا ليس بحجة، فإن الحق ما وافق الشرع، سواء كان عليه الآباء أم لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: غلظ هؤلاء المكذبين بصوغ الأساليب أو العبارات الدالة على الحط من قدر النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين كانوا على ضلال هم وآباؤهم، حيث كانوا يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم؛ لأنهم يعبدون الأشجار والأحجار، ويدعون أنها تنفع أو تضر؛ إما بذاتها وإما بشفاعتها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنهم ادعوا أن النبي ﷺ كذب على الله لقولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهذه الدعوى هم بأنفسهم يكذبونها؛ لأنهم كانوا يسمون الرسول ﷺ قبل أن يوحى إليه الأمين، ويرون أنه أعظم الناس أمانة وصدقًا، فما الذي قلبه عن ذلك الوصف الذي أنتم تقرون به حتى قلتم: إنه مفترٍ على الله عز وجل! * ومن فوائد الآية الكريمة: ألا نستغرب من يجادل بالباطل ويدعي الأقاويل الكاذبة، يعني فيه أناس الآن إذا رفضوا شيئًا من الأشياء صاروا يقولون ويتقولون على هذا الذي قاله ما لم يقله، فيقولون: إنه كاذب، إنه متناقض، إنه فعل كذا، إنه فعل كذا، وهو بريء من ذلك، فلهؤلاء سلف من أولئك الكفار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الآيات من أفصح الكلام وأبلغه وأبينه؛ لقولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فهم لم يصفوه بالسحر إلا لأنه يأخذ بالقلوب ويجر الناس إليه جرًّا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نسب الكذب إلى رسول الله ﷺ فيما أوحى الله إليه فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن هؤلاء ادعوا أن الوحي سحر بعد أن وصل إليهم وعرفوه؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وعرفوا أنه حق، حتى إن زعماءهم كانوا يتسللون لواذًا في الليل إلى رسول الله ﷺ ليسمعوا القرآن؛ لأنه أخذ بمجامع قلوبهم وصاروا يحبون أن يستمعوا إليه، لكن الحمية والعياذ بالله والعصبية منعتهم أن يهتدوا بهذا القرآن. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] سنشرحها على أن المعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يعطي قريشًا بل والعرب جميعًا لم يعطهم كتبًا ولم يرسل إليهم رسولًا، نأخذ الفوائد على هذا المعنى فنقول: * من فوائد الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى العظمى على العرب بما بعث إليهم، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وجه ذلك أنهم كانوا أمة جاهلة، ليس عندهم كتب تدرس، ولم يأتهم نذير يخبرهم ويعلمهم، فهم أشد الناس حاجة إلى الرسول، وإذا اشتدت الحاجة ثم جاء ما يزيل تلك الحاجة كان هذا أعظم منة. ففي الآية إذن بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب، حيث بعث فيهم هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن العرب كانوا جاهلين من أجهل الناس قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين تؤخذ؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في العرب رسول إلا محمد ﷺ، وهو كذلك، وما ذكر بعض المؤرخين من أنه وجد في الجاهلية رسل منهم خالد بن سنان، فهذا لا أصل له ولا صح الكلام؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بينه وبين عيسى رسول، وعلى هذا فإنه لم يبعث فيهم -أي في العرب- رسول إلا محمد ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن حقيقة الرسالة هي الإنذار، وكذلك البشارة، الإنذار للمخالفين بالعقوبة، والبشارة للموافقين بالثواب والجزاء. * وفيها أيضًا -على المعنى الثاني- يستفاد من الآية: أن هؤلاء الذين كذبوا الرسول ﷺ ليس لديهم مستند يستندون إليه في تكذيبه؛ لأنهم لم يقرءوا كتبًا تدل على كذبهم، ولم يبعث إليهم رسول تقتضي رسالته أن محمدًا ﷺ كاذب، هذا على المعنى الثاني. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] * في هذه الآية الكريمة: التحذير لمكذب الرسول ﷺ، وجهه: أن الله أخبر أنه كذب السابقين مع أنهم أشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا من هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها: أن من كذب الرسل فقد حقت عليه كلمة العذاب؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. * ومن فوائدها: شرف الأنبياء، أو شرف الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الله أضاف رسالتهم إليه فقال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن مرتبة الرسالة أعلى مراتب البشر. فإن مراتب البشر أربعة: النبوة المتضمنة للرسالة، والصديقية، والشهداء، والصالحون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء٦٩] فأعلى المراتب النبوة، ثم الصديقية، ثم الشهادة، ثم الصلاح، خلافًا للزنادقة الذين يقولون: إن الأولياء أفضل من الأنبياء، والأنبياء أفضل من الرسل، ويقول قائلهم: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي يزعمون -قبحهم الله- أن الأولياء أفضل من الرسل والأنبياء، نعم وهو كذلك عندهم بأن أولياءهم الطاغوت، والطاغوت يملي عليهم أنه أفضل من الرسل والأنبياء. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل، حيث جعل العقوبة من جنس العمل، فلما كان عمل هؤلاء عظيمًا، وهو تكذيب رسل الله سبحانه وتعالى؛ كان جزاؤهم عظيمًا يُتعجب منه ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] أي ما أعظمه وما أشده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنكار يكون بالفعل كما يكون بالقول، وجه ذلك: أن إنكار الله عليهم ليس بالقول فقط، بل بالفعل والأخذ بالعقوبة، فهذا إنكار بالفعل. وهذا موجود أيضًا في أعمالنا، نحن عندما يخالفك صبيك في أمر من الأمور أحيانًا توبخه، تقول: ليش تفعل هذا؟ ألم آمرك أن تتركه، وأحيانًا إذا جئت ووجدته قد فعله تضربه هذا الإنكار يكون بماذا؟ يكون بالفعل. فإنكار الله عز وجل يكون بالقول ويكون بالفعل، فعقوبة المجرمين هي إنكار بماذا؟ بالفعل، وفي هذه الآية وغيرها من الآيات التي تضيف الفعل إلى الفاعل ردًّا على من؟ مثل ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما أشبه ذلك ردٌّ على؟ * طلبة: القدرية. * الشيخ: لا ما هي القدرية، ردًّا على الجبرية الذين يقولون: إن الفعل فعل العبد مجبَر عليه، ليس له فيه اختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال قياس الأولى، من أين يؤخذ؟ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، يعني: إذا أخذ الله هؤلاء الأقوياء الأشداء الأكثر أموالًا وأولادًا إذا أخذهم الله تعالى بجرمهم، فهؤلاء الذين دونهم من باب أولى. ولا شك أن القياس دليل صحيح ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ولكن القياس نوعان: صحيح وفاسد. فالفاسد: دل الكتاب والسنة والعقل على عدم اعتباره. والصحيح: دل الكتاب والسنة والعقل على اعتباره. مثال الفاسد: قول إبليس مستعملًا قياس الأولى لما أمره الله أن يسجد لآدم، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢] فكيف يكون الأخير عبدًا لمن دونه؟ ومثال قياس المثلية قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]، هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس ما حرم الله على ما أحله الله عز وجل. المهم أن القياس قد ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ومن أنكره فقد أنكر ما يدل عليه الكتاب والسنة، نعم الذي ينكر منه القياس الفاسد طيب. هل نأخذ من ذلك من هذه الآية أن تكذيب الرسل تكذيب لله؟ نعم هو الظاهر؛ لأنه قال بالأول: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ولم يذكر المكذب. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ فدل ذلك على أن تكذيب الرسل تكذيب لله عز وجل، وهو كذلك عند التأمل؛ لأن الرسول إذا جاءك وقال: إنه رسول الله وأيده الله بالآيات، ثم كذبته، فقد كذبت الله عز وجل؛ لأن الآيات التي يعطيها الله الرسول ما هي إلا براهين تدل على صدقه، فكأن المكذب يقول: إن هذه الآيات كذب لأنه يكذب الرسول الذي أيدته.

سبأ 34:44

قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]. فيه شيء نحب أن ننبه عليه، وهو قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠] (بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً) ذكر بعض المحشين أن المؤلف وهم في هذا، وأن إبدال الياء إنما هو في الثانية لا في الأولى، انتبه لهذا، يعني أن الأولى ما فيها قراءة في إبدالها ياء، وإنما إبدال الياء في الثانية دون الأولى، فيكون هذا وهمًا من المؤلف رحمه الله أو سبقة قلم. * طالب: كيف تنطق إذا كانت الثاية ياء؟ * الشيخ: ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . * الطالب: يعني تدغم في الثانية. * الشيخ: لا ما يدغم لأنها متحركة ما حاجة.. ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . أيضًا يقول المؤلف رحمه الله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ ٤٢]. قوله: ﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني واليوم نقول: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الظلم في اللغة: النقص، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف٣٣] أي: لم تنقص. وأما في الاصطلاح أو في الشرع: فهو نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب، وإما بانتهاك المحرم، نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب؛ مثل قوله ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤/ ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. وإما بالاعتداء على حقه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى٤٢]. فإذن الظلم في الأصل النقص، ودليله؟ * طلبة: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. * الشيخ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. وأما شرعًا فهو نقص ذوي الحق حقه؛ إما بانتهاك محرم في حقه أو بمماطلة في واجب. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فسرها المؤلف: بـ(كفروا)، وهذا تفسير بالمعنى ولَّا بالمراد؟ بالمراد؛ لأن الظلم من حيث المعنى أعم من الكفر. لكن المؤلف يقول: إن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢]. فالظلم قد يراد به الكفر، وكأن المؤلف رحمه الله خص الظلم بالكفر هنا بدليل السياق ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ هذا مما يدل على أن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ لأن الذي يكذب بالنار حكمه كافر؛ لتكذيبه خبر الله ورسوله. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾: ﴿ذُوقُوا﴾ فعل أمر لكنه يراد به الإهانة، يعني يقال لهم إهانة: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون، أي النار ستصيبكم حتى تذوقوها كما تذوقون الطعام. وقوله: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كيف كانوا يكذبون بالنار؟ لأنهم ينكرون البعث، والنار إنما تكون بعد البعث، وهم يكذبون بذلك، ومن باب أولى أن يكذبوا بما يكون في القبر من العذاب، فهم يكذبون تكذيبًا كاملًا، ويقولون: إن الروح إذا خرجت من الجسد لن تعود إليه، وهنا قال: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، وفي سورة الم السجدة تنزيل قال: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة٢٠]، فعليه -أي على الآيتين- يكون الوصف بالتكذيب مرة بالنار ومرة بعذابها، فهم أحيانًا ينكرون النار؛ ما فيه نار ولا فيه آخرة ولا فيه شيء، وأحيانًا يكذبون التعذيب بالنار ويقولون: كيف نعذب بالنار؟ وكيف نبقى أحقابًا ونحن في النار، الإنسان إذا دخل في النار احترق وانتهى، فيكذبون بالعذاب وأحيانًا يكذبون بالنار نفسها. وقوله: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ الجار والمجرور هنا متعلق بـ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ولكنه قدم للحصر أو للفواصل؟ نعم للفواصل لا شك، هذه من جهة، وللحصر، ولكننا إذا قلنا: إنه للحصر يرد علينا إشكال وهو أنهم كذبوا بالنار وبغيرها؛ فيقال: لما كان العذاب بالنار ذُكِّرُوا بتكذيبهم بها خاصة؛ لأنهم عُذبوا بها، فكأنهم قيل لهم: عذبتم بشيء أن كنتم تكذبون به وإلا فلهم تكذيب آخر. (﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾ ). في هذه الجملة الشرطية وهي ﴿إِذَا﴾ فعل الشرط ﴿تُتْلَى﴾، جوابه ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾. وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذه ﴿مَا﴾ النافية وهنا لم تعمل، لماذا؟ لانتقاض النفي، وقد قال ابن مالك في ألفيته: إِعْمَال لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَع بَقَا النَّفْيِ ............ فإذا انتقض النفي فلا عمل، والله أعلم. * * * ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ ٤٢] (...). ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ﴾ [سبأ ٤٢] لكم. فقال: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن له فائدة دائمة مستمرة، وهي التنبيه. وفائدة خاصة في كل سياق بحسبه، فهنا يقصد بها التعميم، يعني للذين ظلموا من هؤلاء وغيرهم. والإشارة إلى سبب الحكم وهو قوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ويش بعد؟ والتعميم والإشارة إلى علة الحكم، وهو الظلم؛ لأن لو قالوا: نقول لهم ما استفدنا أن سبب قول الله لهم وتوبيخه إياهم هو الظلم. قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. نبدأ بالإعراب أولًا: قوله: ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ هذه بينات حال من ﴿آيَاتُنَا﴾؛ لأنه وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة إذا كان نكرة يكون حالًا، وكذلك إذا كان جملة، فالأوصاف بعد المعارف إذا كانت نكرة أو جملة تكون حالًا، والأوصاف بعد المعرفة إذا كانت معرفة تكون نعتًا. الحال والنعت كلاهما وصف، ولكن إن وافق متبوعه في التعريف والتنكير فهو نعت، وإلا كان المتبوع معرفة، والثاني نكرة أو جملة فهو حال. وقوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ هذا جواب الشرط إلى آخره. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات﴾ أي إذا تقرأ عليهم آياتنا، ولم يبين القارئ، فيشمل أن يكون القارئ النبي ﷺ أو غيره، إذا تليت عليهم آيات الله ﴿بَيِّنَات﴾ أي ظاهرات، فما ظهورها هنا؟ هل ظهورها بمعنى أنها واضحة أنها كلام الله لعجزهم عنها، أو بينات فيما تدل عليه من معاني سامية لا يمكن أن يأتي بمثلها البشر، أو الأمران؟ يشمل هذا وهذا، فهي بينة في ذاتها واضحة أنها ليست من كلام البشر، وهي بينة في موضوعها، وما تدل عليه من أنها ليست من أحكام البشر؛ لأنها لا تتناقض، ولا يكذب بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها من عند الله، لو كانت هذه الآيات خفية لكان لهم شيء من العذر في ردها، ولكنها آيات بينات لا عذر لهم في ردها، ومع هذا يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، يقول المؤلف في تفسيرها: (واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ). ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جاء بها وادعى أنها من عند الله ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، وانظر كيف تحمل هذه الجملة من الاحتقار والإنكار ما هو معلوم. فقولهم: ﴿مَا هَذَا﴾ أتوا به بصيغة الحاضر، وإن كان غائبًا للاحتقار. وقولهم: ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذا للإنكار لأنهم أتوا بصيغة النكرة، كأنهم لا يعرفونه، كأنه رجل أجنبي منهم، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ ولم يقولوا: ما ذلك الرجل إلا رجل، بل قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ احتقارًا وإنكارًا. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يعني لا يريد أن يهديكم سبيل الرشاد، ولكن ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ أن يصرفكم ويمنعكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾، وما الذي يعبد آباؤهم؟ الأصنام من الأشجار والأحجار وغيرها، هذا هو غرض هذا الرجل الذي جاء بهذه الآيات التي تُليت عليهم، وليس غرضه لا الصلاح ولا الإصلاح، هكذا ردوا الحق بهذا الدعوى الباطلة. وقوله: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ولم يقولوا: عما كنتم تعبدون لإثارة الحمية في نفوسهم؛ لأن الإنسان يصعب عليه أن يدع ما كان آباؤه عليه، لا سيما مثل هؤلاء الجهلة، لو قالوا: عما كنتم تعبدون لكان يمكن أن يقال: إنهم عبدوا على غير أساس، لكن لما قال: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ كأن هذه العبادة لهذه الأصنام كأنها أمر مستقر كان عليه الآباء، ولا ينبغي لكم أن تتركوا ملة آبائكم، ولهذا يقولون كما حكى الله عنهم في آيات الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] أو ﴿مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] آيتان. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ من الأصنام، والمراد بالآباء هنا ما يشمل آباء الصلب، وهو الأب الأدنى، والآباء الأعلين، وهم الأجداد وإن علوا. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هل أمهاتهم كذلك؟ لكن الإنسان تأخذه الحمية لأبيه أكثر مما تأخذه لأمه؛ لأنه من المعلوم أن الأب رجل، والرجل أعقل من المرأة، فإذا كان آباؤكم يعبدون هذه الأصنام ويصرون على عبادتها، وهم العقلاء، فإنه لا ينبغي لكم أن تتبعوا هذا الرجل الذي كان يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. (و﴿قَالُوا﴾ في القرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿مُفْتَرًى﴾ على الله) أعوذ بالله! فطعنوا في الرسول، وطعنوا في القرآن، الرسول طعنوا فيه بماذا؟ بسوء قصده وأنه لا يقصد الإصلاح، وإنما يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، وطعنوا في الوحي الذي جاء به هذا الرسول وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾، وتعلمون أن هذه الصيغة صيغة حصر، فعلى زعمهم ليس في القرآن شيء صدق، كل القرآن جملة وتفصيلًا إفك مفترى. ﴿إِفْكٌ﴾ أي كذب، هو بنفسه كذب، وعلى من؟ مفترى على الله؛ لأن هناك كذبًا مطلقًا يكذبه الإنسان ولا ينسبه إلى أحد، وهنا كذب يفتريه الإنسان على غيره، فالقرآن يقولون: إنه كذب، وإنه مفتر على الله، ولا ريب أن هذه دعوى باطلة، فالقرآن كما وصفه الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك القرآن من عند الله عز وجل، بدليل أن الله عز وجل تحدى هؤلاء أن يأتوا بمثله فلم يأتوا، فهو دليل إذن أنه من عند الله، وكل أخباره صدق وحق، خلاف ما طعن به هؤلاء. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ فطعنوا في الرسول، وطعنوا في المرسَل به، والطعن فيهما طعن في الله عز وجل، كيف؟ لأن تمكين الله لهذا الرسول وتأييده له وإنزال الآيات عليه وهو كاذب حكمة أو سفه؟ سفه، والله عز وجل يؤيد رسوله بما ينزل عليه ويشهد له بأنه حق، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس علنًا وسرًّا، فلو كان كاذبًا على الله عز وجل، والله يؤيده ويمكِّنه، لكان تمكين الله له في غاية ما يكون من السفه، وهذا طعن في الله عز وجل. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ﴾ (ما) ﴿هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. هذه أيضًا دعوى ثالثة كاذبة، لكنه أتى بالإظهار في موضع الإضمار، لم يقل: وقالوا، بل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليشمل هؤلاء وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات٥٢] فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل هؤلاء وغيرهم، ويفيد أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول كفار؛ لأنه وصفهم بالكفر مسندًا إليهم هذا القول، فيكون ذلك سببًا لكفرهم. قال المؤلف ﴿إِنْ﴾ قال في تفسيرها: (ما)، كيف (إن) (ما) هذا التفسير؟ أي أن (إن) نافية. طيب (إن) تقع نافية، وهل يشترط لكونها نافية أن تأتي بعدها (إلا)؟ الجواب: لا، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافيه، كلما أتت (إلا) بعد (إن) فإن (إن) نافية، ولا نقول: إنها لا تكون نافية إلا إذا وقعت بعدها (إلا)؛ لأنها قد تأتي نافية وليس بعدها (إلا)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس٦٨] أي: ما عندكم سلطان بهذا، ومع ذلك فإن الجملة هذه ليس فيها (إلا). والخلاصة: إذا أتت (إلا) بعد (إن) كانت (إن) نافية، ولا يلزم أن تأتي بعدها (إلا) لأن قد تكون نافية بدون (إلا). ولنا أن نستطرد حتى نذكر معاني (إن) فتأتي نافية كما هنا. وتأتي شرطية؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٢٩]. وتأتي زائدة؛ كقول الشاعر: بَنِي غدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وتأتي مخففة من الثقيلة؛ مثل: .......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هذه مخففة من الثقيلة. إذن فتستعمل في اللغة العربية على أربعة أوجه. طيب ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ ٤٣] (بيِّن) ﴿سِحْرٌ﴾ السحر هو في اللغة كل شيء خفي، وسُمي سحرًا لمطابقته السَّحَر، وهو آخر الليل؛ لأن آخر الليل تقع فيه الأشياء خفية؛ لكون الناس مستترين في بيوتهم، فالسحر في اللغة الشيء الخفي الذي يخفى أمره وسببه، ولهذا أول ما ظهرت الساعات هذه يقال: إنها سحر، وإذا جاءت أشياء غريبة على الناس خارقة للعادة قالوا: هذا سحر. فهم يقولون: إن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام هذا سحر، فعصا موسى على رأيهم سحر، وإحياء عيسى الموتى بإذن الله سحر، وهذا الكلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام سحر، إن من البيان لسحرًا، فقالوا: هذا كلام فصيح سحر عقول الناس. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ هذا من باب التمويه، يعني أنه سحر بيِّن لا تنبغي المجادلة فيه لبيانه وظهوره، وهذا كما تؤكد الشيء فتقول: هذا أمر بين واضح، وإن كان ليس بينًا واضحًا، فإن هذا الذي جاءت به الرسل من الآيات ليس بينًا أنه سحر، بل البين أنه حق وآيات حقيقية، لكن المكذبين -والعياذ بالله- يجادلون في الحق. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: بمعنى (بيِّن) لأن أبان تأتي لازمًا ومتعديًا، فتقول: أبان الفجر بمعنى ظهر الفجر، وتقول: بان الفجر. فهنا كلمة ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بيِّن، هذا هو الأقرب، أما (مبين) بمعنى أبان أي أوضح وأظهر ففي مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس٦٩] لأن القرآن مبين الحق، فتكون (مبين) هناك من أبان المتعدي، و(مبين) هنا من أبان اللازم. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] (فمن أين كذبوك). قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ اختلف المفسرون في معناها؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما قلت، فإذا لم يكن عندهم علم من كتب يدرسونها ولا علم من نذر أتتهم يخالف ما أنت عليه، فكيف يكذبونك؟ وعليه فيكون المراد بهذه الآية المراد أن تكذيبهم إياك صادر عن أيش؟ * طالب: عن علم. * الشيخ: لا. * الطلبة: عن جهل. * الشيخ: عن جهل صادر عن جهل؛ لأنه يقول: ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ما هو يقول: آتيناهم، انتبه. ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ تدل على أن ما قالوه في وصفك حق. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما جئت به حتى يقولوا: إنك أيش؟ كاذب وساحر. فيكون المراد بالآية أن هؤلاء الذين كذبوا لم يستندوا في تكذيبك على أيش؟ على علم، لا من كتب ولا من وحي، لا من كتب يدرسونها ويفهمون ما فيها، ويعلمون أن ما جئت به مناقض لها، ولا من نذير أنذرهم وحذرهم مما جئت به، وقال: إنه سيأتي كاذب مفترٍ فلا تطيعوه. نحن الآن لو جاءنا نبي وقال: إنه نبي من عند الله نكذبه؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ليش؟ لأننا قد أُنذرنا من هؤلاء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام هل هؤلاء المكذبون له هل أنذروا به وحذورا منه؟ لا، هل هناك كتب درسها هؤلاء تبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام على باطل ؟ لا، هذا وجه، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف، ولهذا قال: (فمن أين كذبوك؟). والقول الثاني: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام في قوم أميين لا يقرءون، ولم يُبعَث إليهم نبي كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة ٢]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص٤٦]، أي أن هؤلاء كان الأليق بهم أن يفرحوا برسالتك، وأن يقبلوا ما جئت به، لماذا؟ لأنه ليس عندهم كتب يدرسونها كما عند اليهود والنصارى، ولا يُبعث إليهم نبي قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إليك، ومن كان محتاجًا إلى الشيء كان به أفرح، ولخبره أشد تصديقًا، فيكون المراد بهذه الجملة توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، وأنه كان الأليق بهم أن يفرحوا بذلك وأن يصدقوا؛ لأنه ليس عندهم كتب تدرس، فليس عندهم أثارة من علم، ولم يبعث إليهم نذير من قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إلى أي شيء؟ إلى تصديقك وقبول ما جئت به، فتتضمن هذه الآية توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، أيهما أولى؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أيهما أولى؟ * طلبة: القول الأول. * الشيخ: الأخ يقول: القول الثاني، هل يمكن أن تحمل على معنيين؟ * طالب: يمكن أن تحمل. * الشيخ: ننظر في حال هؤلاء، إذا كانت تصدق على حال هؤلاء على الوجهين حملناها وقلنا: هؤلاء ما درسوا كتبًا تدل على كذب محمد عليه الصلاة والسلام (...). ولا أنذرهم أحد منه، وكذلك هم لم يكونوا عالمين بالكتب السابقة، ولم يرسَل إليهم رسول. إذن حالهم قابلة لهذين الوجهين، يعني أن تنزيلها على الوجهين لا يتنافى مع حال هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ، فالوجهان كلاهما يصدق عليهم، وإذا كان الوجهان كلاهما يصدق عليهم فلا مانع من أن نقول: إن الآية يراد بها هذا وهذا؛ لأن حال الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام قابلة للوجهين جميعًا. قال الله تعالى: (﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا﴾ أي هؤلاء ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ) أي عشره (من القوة وطول العمر وكثرة المال) هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه تهديد للمكذبين، ففيه معنيان: التسلية والتهديد. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل من؟ عاد، وثمود، فرعون، أصحاب الأيكة، كثير، وهؤلاء المكذبون السابقون أشد قوة من هؤلاء وأكثر أموالًا وأولادًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢]، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة ٦٩]، فالآيات في هذا تدل على أن الذين كذبوا الرسل السابقين كانوا أعظم من الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام في قوة الأجسام وكثرة الأموال وكثرة البنين، وهل أغنى ذلك عنهم شيئًا؟ لا، لم يغنِ عنهم شيئًا. ولهذا قال الله تعالى: (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ إليهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك) يعني أن هؤلاء السابقين كذبوا رسل الله، فماذا حصل؟ حصل عليهم إنكار الله سبحانه وتعالى بالتعذيب والإهلاك، لم يقرهم الله سبحانه وتعالى على تكذيبهم، بل أنكر عليهم، إنكارًا بالفعل ولَّا بالقول؟ بالفعل، أهلكهم وأبادهم، وعلى هذا فيكون الاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للتعظيم والتفخيم، أي: فما أعظم إنكاري عليهم؛ لأنه إنكار أدى بهم إلى الهلاك. أما إعراب ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فيتبناه الأخ (...). ولهذا قال المؤلف: (أي أنه واقع موقعهم). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ ٤٦] شوف الإنصاف، إنصاف الله عز وجل في مخاطبة الخلق. ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد موجهًا الخطاب إلى هؤلاء المكذبين. ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الجملة هذه فيها حصر وتقديرها: ما أعِظكم إلا بواحدة، يعني: ما أدعوكم دعاء واعظ ناصح لكم إلا واحدة فقط. فـ﴿أَعِظُكُمْ﴾ هنا متضمنة معنى: أنصحكم، يعني: أنا أدعوكم ناصحًا لكم وواعظًا إلى هذه الخصلة. ﴿بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ قال: هي أن تقوم، فعلى هذا فأن تقوموا في موضع جر عطف بيان على قوله: ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ يعني: أنه بين هذه الواحدة بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إلى آخره. و﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ هنا المراد بها أن تثبتوا على الشيء، وليس المراد القيام ضد القعود، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ١٢٧]، ليس المراد أن تقوموا لليتامى يعني يقف الواحد، وهكذا ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ ليس المراد أن تقفوا قيامًا، بل أن تثبتوا وتنظروا في الأمر. وقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ قال المؤلف: (أي لأجله) فاللام هنا للإخلاص، أي: أن تقوموا مخلصين لله لا مقلدين لآبائكم ولا متعصبين لآرائكم، جردوا نياتكم من كل شيء إلا لله، أن تقوموا لله وحده لا لي، لا مراعاة لي ولا مراعاة لآبائكم ولا لحميتكم ولكن لله. ﴿مَثْنَى﴾ قال المؤلف: (اثنين اثنين) وهل المراد حقيقة التثنية؟ يعني أن يقوموا على اثنين اثنين، أو المراد مجرد الزيادة على الواحد، يعني أنه مثنى لا يراد به حقيقة الاثنين؟ بل المراد أن تقوموا لله مجتمعين، سواء كنتم اثنين أم ثلاثة أم أربعة أم خمسة أم عشرة، هذا هو الظاهر. وقال بعض المفسرين: المرد بالمثنى هنا حقيقة الاثنين، وعللوا ذلك بأن الناس إذا كثروا اضطربت آراؤهم، وكثر الشجار بينهم، وفات المقصود؛ لأنك الآن لو وضعت رأيًا بين عشرة كم يجيئك من رأي؟ عشرة آراء، وبين اثنين يأتيك رأيان، قالوا: فالاثنان أقرب إلى الحصر وأقرب إلى تصور المسألة مما إذا كانوا أكثر من اثنين. ولكن قد يقال: إن هذا حقيقة، لكن أحيانًا يكون الثلاثة والأربعة أسد رأيًا من الاثنين فقط، فتحمل الآية على أن المراد بالمثنى مطلق الجمع، سواء كانوا اثنين أو أكثر. والمثنى قد يراد به مطلق الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤] أي كرة بعد كرة، وليس المراد حقيقة الاثنين. وكقول الإنسان وهو يلبي للحج أو العمرة يقول: لبيك، يعني إجابة لك مرتين، أو المراد إجابة بعد إجابة ولو كثر؟ الأخير إي نعم، والله أعلم. * * * قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى آخره [سبأ: ٤٣]. * في هذه الآية فوائد كثيرة: أولًا: أن الوحي آية من آيات الله عز وجل، ووجه كونه آية من عدة وجوه: أولًا: أنه أعجز البشر وغير البشر، وهذا دليل على أنه من عند الله. ثانيًا: أن أحكامه عادلة مصلِحة للقلوب والأبدان والأفراد والجماعات، في كل زمان وفي كل مكان، وهذا لا يمكن أن يوجد في كلام البشر، قوانين البشر مهما عظمت فإنما تكون صالحة في نطاق محدود، وتجدها كذلك مع كونها صالحة في نطاق محدود، تجد فيها أمورًا ضارَّة قد تعادل المصالح اللي فيها بخلاف آيات الله. ثالثًا: ما يشتمل عليه الوحي أو القرآن بالذات من الأخبار الصادقة التي ليس فيها ما يخالف الواقع بوجه من الوجوه، سواء كانت تلك الأخبار ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، هذا وجه كونه من آيات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الله عز وجل بينات ليس فيها خفاء، وعلى هذا كما يشكل على بعض أهل العلم من أحكام الله سبحانه وتعالى فليس مصدره أن الوحي خفي، ولكن مصدره قصور الناظر في الوحي أو تقصيره؛ قصوره أو تقصيره. قصوره: بحيث لا يكون عنده علم أو لا يكون عنده فهم. أو تقصيره بحيث لا يطلب العلم ولا يطلب الفهم، عرفتم؟ وإلا فإن آيات الله بينات لا يمكن تحدث حادثة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى بيانها، ولكن ليس كل أحد يستطيع أن يتبينها من القرآن، تجد الآية الواحدة يتلوها جماعة ويتفكرون فيها، يستنبط أحدهم منها مسائل عديدة، والآخر لا يستنبط منها إلا مسألة أو مسألتين، وهذا أمر ظاهر، وكثيرًا ما تشكل علينا المسألة ونراجع كتب العلماء من الفقهاء وغيرهم ثم عند التأمل في الكتاب والسنة نجد أنها قريبة موجودة؛ إما داخلة في عموم لفظ أو إشارة أو إيماء أو ما أشبه ذلك. بيان الآيات إما أن يكون بذاتها، وإما أن يكون عن طريق السنة، يعني بيان الآيات في القرآن إما أن يكون بذاتها، هي بينة واضحة، وإما أن يكون عن طريق السنة، تبين المجمَل، وتفسر المشكِل، وتقيِّد المطلَق، وتخصص العام، وتنسخ المحكَم، ولَّا لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تنسخ ذلك؛ لأن الكل من عند الله. إذن عرفنا معنى بينات سواء كان بذاته أو بالسنة ببيان السنة، قال الله تعال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] الرسول عليه الصلاة والسلام بين القرآن بلفظه ومعناه سواء بينه بقوله أو بفعله. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عتو المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، بيان عتوهم، حيث كانوا مع هذه الآيات البينات يدعون هذه الدعوة الباطلة، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد إلا أن يصدهم عما كان يعبد آباؤهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا شبهة لهؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما هي اعتداء بالدعاوي الباطلة؛ لأن غاية ما عندهم أن يقولوا: هذا ما كان عليه آباؤنا، وهذا ليس بحجة، فإن الحق ما وافق الشرع، سواء كان عليه الآباء أم لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: غلظ هؤلاء المكذبين بصوغ الأساليب أو العبارات الدالة على الحط من قدر النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين كانوا على ضلال هم وآباؤهم، حيث كانوا يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم؛ لأنهم يعبدون الأشجار والأحجار، ويدعون أنها تنفع أو تضر؛ إما بذاتها وإما بشفاعتها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنهم ادعوا أن النبي ﷺ كذب على الله لقولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهذه الدعوى هم بأنفسهم يكذبونها؛ لأنهم كانوا يسمون الرسول ﷺ قبل أن يوحى إليه الأمين، ويرون أنه أعظم الناس أمانة وصدقًا، فما الذي قلبه عن ذلك الوصف الذي أنتم تقرون به حتى قلتم: إنه مفترٍ على الله عز وجل! * ومن فوائد الآية الكريمة: ألا نستغرب من يجادل بالباطل ويدعي الأقاويل الكاذبة، يعني فيه أناس الآن إذا رفضوا شيئًا من الأشياء صاروا يقولون ويتقولون على هذا الذي قاله ما لم يقله، فيقولون: إنه كاذب، إنه متناقض، إنه فعل كذا، إنه فعل كذا، وهو بريء من ذلك، فلهؤلاء سلف من أولئك الكفار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الآيات من أفصح الكلام وأبلغه وأبينه؛ لقولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فهم لم يصفوه بالسحر إلا لأنه يأخذ بالقلوب ويجر الناس إليه جرًّا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نسب الكذب إلى رسول الله ﷺ فيما أوحى الله إليه فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن هؤلاء ادعوا أن الوحي سحر بعد أن وصل إليهم وعرفوه؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وعرفوا أنه حق، حتى إن زعماءهم كانوا يتسللون لواذًا في الليل إلى رسول الله ﷺ ليسمعوا القرآن؛ لأنه أخذ بمجامع قلوبهم وصاروا يحبون أن يستمعوا إليه، لكن الحمية والعياذ بالله والعصبية منعتهم أن يهتدوا بهذا القرآن. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] سنشرحها على أن المعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يعطي قريشًا بل والعرب جميعًا لم يعطهم كتبًا ولم يرسل إليهم رسولًا، نأخذ الفوائد على هذا المعنى فنقول: * من فوائد الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى العظمى على العرب بما بعث إليهم، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وجه ذلك أنهم كانوا أمة جاهلة، ليس عندهم كتب تدرس، ولم يأتهم نذير يخبرهم ويعلمهم، فهم أشد الناس حاجة إلى الرسول، وإذا اشتدت الحاجة ثم جاء ما يزيل تلك الحاجة كان هذا أعظم منة. ففي الآية إذن بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب، حيث بعث فيهم هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن العرب كانوا جاهلين من أجهل الناس قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين تؤخذ؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في العرب رسول إلا محمد ﷺ، وهو كذلك، وما ذكر بعض المؤرخين من أنه وجد في الجاهلية رسل منهم خالد بن سنان، فهذا لا أصل له ولا صح الكلام؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بينه وبين عيسى رسول، وعلى هذا فإنه لم يبعث فيهم -أي في العرب- رسول إلا محمد ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن حقيقة الرسالة هي الإنذار، وكذلك البشارة، الإنذار للمخالفين بالعقوبة، والبشارة للموافقين بالثواب والجزاء. * وفيها أيضًا -على المعنى الثاني- يستفاد من الآية: أن هؤلاء الذين كذبوا الرسول ﷺ ليس لديهم مستند يستندون إليه في تكذيبه؛ لأنهم لم يقرءوا كتبًا تدل على كذبهم، ولم يبعث إليهم رسول تقتضي رسالته أن محمدًا ﷺ كاذب، هذا على المعنى الثاني. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] * في هذه الآية الكريمة: التحذير لمكذب الرسول ﷺ، وجهه: أن الله أخبر أنه كذب السابقين مع أنهم أشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا من هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها: أن من كذب الرسل فقد حقت عليه كلمة العذاب؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. * ومن فوائدها: شرف الأنبياء، أو شرف الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الله أضاف رسالتهم إليه فقال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن مرتبة الرسالة أعلى مراتب البشر. فإن مراتب البشر أربعة: النبوة المتضمنة للرسالة، والصديقية، والشهداء، والصالحون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء٦٩] فأعلى المراتب النبوة، ثم الصديقية، ثم الشهادة، ثم الصلاح، خلافًا للزنادقة الذين يقولون: إن الأولياء أفضل من الأنبياء، والأنبياء أفضل من الرسل، ويقول قائلهم: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي يزعمون -قبحهم الله- أن الأولياء أفضل من الرسل والأنبياء، نعم وهو كذلك عندهم بأن أولياءهم الطاغوت، والطاغوت يملي عليهم أنه أفضل من الرسل والأنبياء. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل، حيث جعل العقوبة من جنس العمل، فلما كان عمل هؤلاء عظيمًا، وهو تكذيب رسل الله سبحانه وتعالى؛ كان جزاؤهم عظيمًا يُتعجب منه ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] أي ما أعظمه وما أشده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنكار يكون بالفعل كما يكون بالقول، وجه ذلك: أن إنكار الله عليهم ليس بالقول فقط، بل بالفعل والأخذ بالعقوبة، فهذا إنكار بالفعل. وهذا موجود أيضًا في أعمالنا، نحن عندما يخالفك صبيك في أمر من الأمور أحيانًا توبخه، تقول: ليش تفعل هذا؟ ألم آمرك أن تتركه، وأحيانًا إذا جئت ووجدته قد فعله تضربه هذا الإنكار يكون بماذا؟ يكون بالفعل. فإنكار الله عز وجل يكون بالقول ويكون بالفعل، فعقوبة المجرمين هي إنكار بماذا؟ بالفعل، وفي هذه الآية وغيرها من الآيات التي تضيف الفعل إلى الفاعل ردًّا على من؟ مثل ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما أشبه ذلك ردٌّ على؟ * طلبة: القدرية. * الشيخ: لا ما هي القدرية، ردًّا على الجبرية الذين يقولون: إن الفعل فعل العبد مجبَر عليه، ليس له فيه اختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال قياس الأولى، من أين يؤخذ؟ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، يعني: إذا أخذ الله هؤلاء الأقوياء الأشداء الأكثر أموالًا وأولادًا إذا أخذهم الله تعالى بجرمهم، فهؤلاء الذين دونهم من باب أولى. ولا شك أن القياس دليل صحيح ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ولكن القياس نوعان: صحيح وفاسد. فالفاسد: دل الكتاب والسنة والعقل على عدم اعتباره. والصحيح: دل الكتاب والسنة والعقل على اعتباره. مثال الفاسد: قول إبليس مستعملًا قياس الأولى لما أمره الله أن يسجد لآدم، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢] فكيف يكون الأخير عبدًا لمن دونه؟ ومثال قياس المثلية قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]، هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس ما حرم الله على ما أحله الله عز وجل. المهم أن القياس قد ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ومن أنكره فقد أنكر ما يدل عليه الكتاب والسنة، نعم الذي ينكر منه القياس الفاسد طيب. هل نأخذ من ذلك من هذه الآية أن تكذيب الرسل تكذيب لله؟ نعم هو الظاهر؛ لأنه قال بالأول: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ولم يذكر المكذب. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ فدل ذلك على أن تكذيب الرسل تكذيب لله عز وجل، وهو كذلك عند التأمل؛ لأن الرسول إذا جاءك وقال: إنه رسول الله وأيده الله بالآيات، ثم كذبته، فقد كذبت الله عز وجل؛ لأن الآيات التي يعطيها الله الرسول ما هي إلا براهين تدل على صدقه، فكأن المكذب يقول: إن هذه الآيات كذب لأنه يكذب الرسول الذي أيدته.

سبأ 34:45

قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ ٤٢]. فيه شيء نحب أن ننبه عليه، وهو قوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ ٤٠] (بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياءً) ذكر بعض المحشين أن المؤلف وهم في هذا، وأن إبدال الياء إنما هو في الثانية لا في الأولى، انتبه لهذا، يعني أن الأولى ما فيها قراءة في إبدالها ياء، وإنما إبدال الياء في الثانية دون الأولى، فيكون هذا وهمًا من المؤلف رحمه الله أو سبقة قلم. * طالب: كيف تنطق إذا كانت الثاية ياء؟ * الشيخ: ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . * الطالب: يعني تدغم في الثانية. * الشيخ: لا ما يدغم لأنها متحركة ما حاجة.. ﴿أهؤلاء ايَّاكم﴾ . أيضًا يقول المؤلف رحمه الله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ ٤٢]. قوله: ﴿وَنَقُولُ﴾ معطوف على قوله: ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يعني واليوم نقول: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الظلم في اللغة: النقص، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف٣٣] أي: لم تنقص. وأما في الاصطلاح أو في الشرع: فهو نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب، وإما بانتهاك المحرم، نقص ذوي الحق حقه إما بالمماطلة بالواجب؛ مثل قوله ﷺ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٨٧)، ومسلم (١٥٦٤/ ٣٣) من حديث أبي هريرة.]]. وإما بالاعتداء على حقه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى٤٢]. فإذن الظلم في الأصل النقص، ودليله؟ * طلبة: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. * الشيخ: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾. وأما شرعًا فهو نقص ذوي الحق حقه؛ إما بانتهاك محرم في حقه أو بمماطلة في واجب. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فسرها المؤلف: بـ(كفروا)، وهذا تفسير بالمعنى ولَّا بالمراد؟ بالمراد؛ لأن الظلم من حيث المعنى أعم من الكفر. لكن المؤلف يقول: إن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان١٣]، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام٨٢]. فالظلم قد يراد به الكفر، وكأن المؤلف رحمه الله خص الظلم بالكفر هنا بدليل السياق ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ هذا مما يدل على أن المراد بالظلم هنا ظلم الكفر؛ لأن الذي يكذب بالنار حكمه كافر؛ لتكذيبه خبر الله ورسوله. ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ﴾: ﴿ذُوقُوا﴾ فعل أمر لكنه يراد به الإهانة، يعني يقال لهم إهانة: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون، أي النار ستصيبكم حتى تذوقوها كما تذوقون الطعام. وقوله: ﴿عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ كيف كانوا يكذبون بالنار؟ لأنهم ينكرون البعث، والنار إنما تكون بعد البعث، وهم يكذبون بذلك، ومن باب أولى أن يكذبوا بما يكون في القبر من العذاب، فهم يكذبون تكذيبًا كاملًا، ويقولون: إن الروح إذا خرجت من الجسد لن تعود إليه، وهنا قال: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، وفي سورة الم السجدة تنزيل قال: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة٢٠]، فعليه -أي على الآيتين- يكون الوصف بالتكذيب مرة بالنار ومرة بعذابها، فهم أحيانًا ينكرون النار؛ ما فيه نار ولا فيه آخرة ولا فيه شيء، وأحيانًا يكذبون التعذيب بالنار ويقولون: كيف نعذب بالنار؟ وكيف نبقى أحقابًا ونحن في النار، الإنسان إذا دخل في النار احترق وانتهى، فيكذبون بالعذاب وأحيانًا يكذبون بالنار نفسها. وقوله: ﴿الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ الجار والمجرور هنا متعلق بـ﴿تُكَذِّبُونَ﴾ ولكنه قدم للحصر أو للفواصل؟ نعم للفواصل لا شك، هذه من جهة، وللحصر، ولكننا إذا قلنا: إنه للحصر يرد علينا إشكال وهو أنهم كذبوا بالنار وبغيرها؛ فيقال: لما كان العذاب بالنار ذُكِّرُوا بتكذيبهم بها خاصة؛ لأنهم عُذبوا بها، فكأنهم قيل لهم: عذبتم بشيء أن كنتم تكذبون به وإلا فلهم تكذيب آخر. (﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ القرآن ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ ﴿قَالُوا﴾ ). في هذه الجملة الشرطية وهي ﴿إِذَا﴾ فعل الشرط ﴿تُتْلَى﴾، جوابه ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾. وقوله: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذه ﴿مَا﴾ النافية وهنا لم تعمل، لماذا؟ لانتقاض النفي، وقد قال ابن مالك في ألفيته: إِعْمَال لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَع بَقَا النَّفْيِ ............ فإذا انتقض النفي فلا عمل، والله أعلم. * * * ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ ٤٢] (...). ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ﴾ [سبأ ٤٢] لكم. فقال: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ والإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن له فائدة دائمة مستمرة، وهي التنبيه. وفائدة خاصة في كل سياق بحسبه، فهنا يقصد بها التعميم، يعني للذين ظلموا من هؤلاء وغيرهم. والإشارة إلى سبب الحكم وهو قوله: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ويش بعد؟ والتعميم والإشارة إلى علة الحكم، وهو الظلم؛ لأن لو قالوا: نقول لهم ما استفدنا أن سبب قول الله لهم وتوبيخه إياهم هو الظلم. قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾. نبدأ بالإعراب أولًا: قوله: ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ هذه بينات حال من ﴿آيَاتُنَا﴾؛ لأنه وصف بعد معرفة، والوصف بعد المعرفة إذا كان نكرة يكون حالًا، وكذلك إذا كان جملة، فالأوصاف بعد المعارف إذا كانت نكرة أو جملة تكون حالًا، والأوصاف بعد المعرفة إذا كانت معرفة تكون نعتًا. الحال والنعت كلاهما وصف، ولكن إن وافق متبوعه في التعريف والتنكير فهو نعت، وإلا كان المتبوع معرفة، والثاني نكرة أو جملة فهو حال. وقوله: ﴿قَالُوا مَا هَذَا﴾ هذا جواب الشرط إلى آخره. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات﴾ أي إذا تقرأ عليهم آياتنا، ولم يبين القارئ، فيشمل أن يكون القارئ النبي ﷺ أو غيره، إذا تليت عليهم آيات الله ﴿بَيِّنَات﴾ أي ظاهرات، فما ظهورها هنا؟ هل ظهورها بمعنى أنها واضحة أنها كلام الله لعجزهم عنها، أو بينات فيما تدل عليه من معاني سامية لا يمكن أن يأتي بمثلها البشر، أو الأمران؟ يشمل هذا وهذا، فهي بينة في ذاتها واضحة أنها ليست من كلام البشر، وهي بينة في موضوعها، وما تدل عليه من أنها ليست من أحكام البشر؛ لأنها لا تتناقض، ولا يكذب بعضها بعضًا، وهذا يدل على أنها من عند الله، لو كانت هذه الآيات خفية لكان لهم شيء من العذر في ردها، ولكنها آيات بينات لا عذر لهم في ردها، ومع هذا يقول الله عز وجل: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، يقول المؤلف في تفسيرها: (واضحات بلسان نبينا محمد ﷺ). ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾: ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي جاء بها وادعى أنها من عند الله ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾، وانظر كيف تحمل هذه الجملة من الاحتقار والإنكار ما هو معلوم. فقولهم: ﴿مَا هَذَا﴾ أتوا به بصيغة الحاضر، وإن كان غائبًا للاحتقار. وقولهم: ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾ هذا للإنكار لأنهم أتوا بصيغة النكرة، كأنهم لا يعرفونه، كأنه رجل أجنبي منهم، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ ولم يقولوا: ما ذلك الرجل إلا رجل، بل قالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ﴾ احتقارًا وإنكارًا. ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ يعني لا يريد أن يهديكم سبيل الرشاد، ولكن ﴿يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾ أن يصرفكم ويمنعكم ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾، وما الذي يعبد آباؤهم؟ الأصنام من الأشجار والأحجار وغيرها، هذا هو غرض هذا الرجل الذي جاء بهذه الآيات التي تُليت عليهم، وليس غرضه لا الصلاح ولا الإصلاح، هكذا ردوا الحق بهذا الدعوى الباطلة. وقوله: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ ولم يقولوا: عما كنتم تعبدون لإثارة الحمية في نفوسهم؛ لأن الإنسان يصعب عليه أن يدع ما كان آباؤه عليه، لا سيما مثل هؤلاء الجهلة، لو قالوا: عما كنتم تعبدون لكان يمكن أن يقال: إنهم عبدوا على غير أساس، لكن لما قال: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ كأن هذه العبادة لهذه الأصنام كأنها أمر مستقر كان عليه الآباء، ولا ينبغي لكم أن تتركوا ملة آبائكم، ولهذا يقولون كما حكى الله عنهم في آيات الأخرى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٢] أو ﴿مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف ٢٣] آيتان. ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ من الأصنام، والمراد بالآباء هنا ما يشمل آباء الصلب، وهو الأب الأدنى، والآباء الأعلين، وهم الأجداد وإن علوا. وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ﴾ هل أمهاتهم كذلك؟ لكن الإنسان تأخذه الحمية لأبيه أكثر مما تأخذه لأمه؛ لأنه من المعلوم أن الأب رجل، والرجل أعقل من المرأة، فإذا كان آباؤكم يعبدون هذه الأصنام ويصرون على عبادتها، وهم العقلاء، فإنه لا ينبغي لكم أن تتبعوا هذا الرجل الذي كان يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. (و﴿قَالُوا﴾ في القرآن: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿مُفْتَرًى﴾ على الله) أعوذ بالله! فطعنوا في الرسول، وطعنوا في القرآن، الرسول طعنوا فيه بماذا؟ بسوء قصده وأنه لا يقصد الإصلاح، وإنما يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم، وطعنوا في الوحي الذي جاء به هذا الرسول وقالوا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾، وتعلمون أن هذه الصيغة صيغة حصر، فعلى زعمهم ليس في القرآن شيء صدق، كل القرآن جملة وتفصيلًا إفك مفترى. ﴿إِفْكٌ﴾ أي كذب، هو بنفسه كذب، وعلى من؟ مفترى على الله؛ لأن هناك كذبًا مطلقًا يكذبه الإنسان ولا ينسبه إلى أحد، وهنا كذب يفتريه الإنسان على غيره، فالقرآن يقولون: إنه كذب، وإنه مفتر على الله، ولا ريب أن هذه دعوى باطلة، فالقرآن كما وصفه الله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وكذلك القرآن من عند الله عز وجل، بدليل أن الله عز وجل تحدى هؤلاء أن يأتوا بمثله فلم يأتوا، فهو دليل إذن أنه من عند الله، وكل أخباره صدق وحق، خلاف ما طعن به هؤلاء. ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ فطعنوا في الرسول، وطعنوا في المرسَل به، والطعن فيهما طعن في الله عز وجل، كيف؟ لأن تمكين الله لهذا الرسول وتأييده له وإنزال الآيات عليه وهو كاذب حكمة أو سفه؟ سفه، والله عز وجل يؤيد رسوله بما ينزل عليه ويشهد له بأنه حق، والرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس علنًا وسرًّا، فلو كان كاذبًا على الله عز وجل، والله يؤيده ويمكِّنه، لكان تمكين الله له في غاية ما يكون من السفه، وهذا طعن في الله عز وجل. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ﴾ (ما) ﴿هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. هذه أيضًا دعوى ثالثة كاذبة، لكنه أتى بالإظهار في موضع الإضمار، لم يقل: وقالوا، بل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ليشمل هؤلاء وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات٥٢] فقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يشمل هؤلاء وغيرهم، ويفيد أن هؤلاء الذين قالوا هذا القول كفار؛ لأنه وصفهم بالكفر مسندًا إليهم هذا القول، فيكون ذلك سببًا لكفرهم. قال المؤلف ﴿إِنْ﴾ قال في تفسيرها: (ما)، كيف (إن) (ما) هذا التفسير؟ أي أن (إن) نافية. طيب (إن) تقع نافية، وهل يشترط لكونها نافية أن تأتي بعدها (إلا)؟ الجواب: لا، لكن إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافيه، كلما أتت (إلا) بعد (إن) فإن (إن) نافية، ولا نقول: إنها لا تكون نافية إلا إذا وقعت بعدها (إلا)؛ لأنها قد تأتي نافية وليس بعدها (إلا)؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس٦٨] أي: ما عندكم سلطان بهذا، ومع ذلك فإن الجملة هذه ليس فيها (إلا). والخلاصة: إذا أتت (إلا) بعد (إن) كانت (إن) نافية، ولا يلزم أن تأتي بعدها (إلا) لأن قد تكون نافية بدون (إلا). ولنا أن نستطرد حتى نذكر معاني (إن) فتأتي نافية كما هنا. وتأتي شرطية؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٢٩]. وتأتي زائدة؛ كقول الشاعر: بَنِي غدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ وتأتي مخففة من الثقيلة؛ مثل: .......................... ∗∗∗ وَإِنْ مَالِكٌ كَانَتْ كِرَامَالْمَعَادِنِ هذه مخففة من الثقيلة. إذن فتستعمل في اللغة العربية على أربعة أوجه. طيب ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ ٤٣] (بيِّن) ﴿سِحْرٌ﴾ السحر هو في اللغة كل شيء خفي، وسُمي سحرًا لمطابقته السَّحَر، وهو آخر الليل؛ لأن آخر الليل تقع فيه الأشياء خفية؛ لكون الناس مستترين في بيوتهم، فالسحر في اللغة الشيء الخفي الذي يخفى أمره وسببه، ولهذا أول ما ظهرت الساعات هذه يقال: إنها سحر، وإذا جاءت أشياء غريبة على الناس خارقة للعادة قالوا: هذا سحر. فهم يقولون: إن الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام هذا سحر، فعصا موسى على رأيهم سحر، وإحياء عيسى الموتى بإذن الله سحر، وهذا الكلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام سحر، إن من البيان لسحرًا، فقالوا: هذا كلام فصيح سحر عقول الناس. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ هذا من باب التمويه، يعني أنه سحر بيِّن لا تنبغي المجادلة فيه لبيانه وظهوره، وهذا كما تؤكد الشيء فتقول: هذا أمر بين واضح، وإن كان ليس بينًا واضحًا، فإن هذا الذي جاءت به الرسل من الآيات ليس بينًا أنه سحر، بل البين أنه حق وآيات حقيقية، لكن المكذبين -والعياذ بالله- يجادلون في الحق. وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المؤلف: بمعنى (بيِّن) لأن أبان تأتي لازمًا ومتعديًا، فتقول: أبان الفجر بمعنى ظهر الفجر، وتقول: بان الفجر. فهنا كلمة ﴿مُبِينٌ﴾ بمعنى بيِّن، هذا هو الأقرب، أما (مبين) بمعنى أبان أي أوضح وأظهر ففي مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس٦٩] لأن القرآن مبين الحق، فتكون (مبين) هناك من أبان المتعدي، و(مبين) هنا من أبان اللازم. ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] (فمن أين كذبوك). قوله: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ اختلف المفسرون في معناها؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما قلت، فإذا لم يكن عندهم علم من كتب يدرسونها ولا علم من نذر أتتهم يخالف ما أنت عليه، فكيف يكذبونك؟ وعليه فيكون المراد بهذه الآية المراد أن تكذيبهم إياك صادر عن أيش؟ * طالب: عن علم. * الشيخ: لا. * الطلبة: عن جهل. * الشيخ: عن جهل صادر عن جهل؛ لأنه يقول: ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ما هو يقول: آتيناهم، انتبه. ﴿مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ تدل على أن ما قالوه في وصفك حق. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يناقض ما جئت به حتى يقولوا: إنك أيش؟ كاذب وساحر. فيكون المراد بالآية أن هؤلاء الذين كذبوا لم يستندوا في تكذيبك على أيش؟ على علم، لا من كتب ولا من وحي، لا من كتب يدرسونها ويفهمون ما فيها، ويعلمون أن ما جئت به مناقض لها، ولا من نذير أنذرهم وحذرهم مما جئت به، وقال: إنه سيأتي كاذب مفترٍ فلا تطيعوه. نحن الآن لو جاءنا نبي وقال: إنه نبي من عند الله نكذبه؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: ليش؟ لأننا قد أُنذرنا من هؤلاء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام هل هؤلاء المكذبون له هل أنذروا به وحذورا منه؟ لا، هل هناك كتب درسها هؤلاء تبين أن الرسول عليه الصلاة والسلام على باطل ؟ لا، هذا وجه، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف، ولهذا قال: (فمن أين كذبوك؟). والقول الثاني: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا عليه الصلاة والسلام في قوم أميين لا يقرءون، ولم يُبعَث إليهم نبي كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة ٢]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص٤٦]، أي أن هؤلاء كان الأليق بهم أن يفرحوا برسالتك، وأن يقبلوا ما جئت به، لماذا؟ لأنه ليس عندهم كتب يدرسونها كما عند اليهود والنصارى، ولا يُبعث إليهم نبي قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إليك، ومن كان محتاجًا إلى الشيء كان به أفرح، ولخبره أشد تصديقًا، فيكون المراد بهذه الجملة توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، وأنه كان الأليق بهم أن يفرحوا بذلك وأن يصدقوا؛ لأنه ليس عندهم كتب تدرس، فليس عندهم أثارة من علم، ولم يبعث إليهم نذير من قبلك، فكانوا في أشد الحاجة إلى أي شيء؟ إلى تصديقك وقبول ما جئت به، فتتضمن هذه الآية توبيخ هؤلاء على تكذيبهم النبي ﷺ، أيهما أولى؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ أيهما أولى؟ * طلبة: القول الأول. * الشيخ: الأخ يقول: القول الثاني، هل يمكن أن تحمل على معنيين؟ * طالب: يمكن أن تحمل. * الشيخ: ننظر في حال هؤلاء، إذا كانت تصدق على حال هؤلاء على الوجهين حملناها وقلنا: هؤلاء ما درسوا كتبًا تدل على كذب محمد عليه الصلاة والسلام (...). ولا أنذرهم أحد منه، وكذلك هم لم يكونوا عالمين بالكتب السابقة، ولم يرسَل إليهم رسول. إذن حالهم قابلة لهذين الوجهين، يعني أن تنزيلها على الوجهين لا يتنافى مع حال هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ، فالوجهان كلاهما يصدق عليهم، وإذا كان الوجهان كلاهما يصدق عليهم فلا مانع من أن نقول: إن الآية يراد بها هذا وهذا؛ لأن حال الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام قابلة للوجهين جميعًا. قال الله تعالى: (﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا﴾ أي هؤلاء ﴿مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ) أي عشره (من القوة وطول العمر وكثرة المال) هذا فيه تسلية للرسول عليه الصلاة والسلام، وفيه تهديد للمكذبين، ففيه معنيان: التسلية والتهديد. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل من؟ عاد، وثمود، فرعون، أصحاب الأيكة، كثير، وهؤلاء المكذبون السابقون أشد قوة من هؤلاء وأكثر أموالًا وأولادًا، قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ [غافر ٨٢]، ﴿وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [التوبة ٦٩]، فالآيات في هذا تدل على أن الذين كذبوا الرسل السابقين كانوا أعظم من الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام في قوة الأجسام وكثرة الأموال وكثرة البنين، وهل أغنى ذلك عنهم شيئًا؟ لا، لم يغنِ عنهم شيئًا. ولهذا قال الله تعالى: (﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ إليهم ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك) يعني أن هؤلاء السابقين كذبوا رسل الله، فماذا حصل؟ حصل عليهم إنكار الله سبحانه وتعالى بالتعذيب والإهلاك، لم يقرهم الله سبحانه وتعالى على تكذيبهم، بل أنكر عليهم، إنكارًا بالفعل ولَّا بالقول؟ بالفعل، أهلكهم وأبادهم، وعلى هذا فيكون الاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للتعظيم والتفخيم، أي: فما أعظم إنكاري عليهم؛ لأنه إنكار أدى بهم إلى الهلاك. أما إعراب ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فيتبناه الأخ (...). ولهذا قال المؤلف: (أي أنه واقع موقعهم). ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ ٤٦] شوف الإنصاف، إنصاف الله عز وجل في مخاطبة الخلق. ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد موجهًا الخطاب إلى هؤلاء المكذبين. ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ الجملة هذه فيها حصر وتقديرها: ما أعِظكم إلا بواحدة، يعني: ما أدعوكم دعاء واعظ ناصح لكم إلا واحدة فقط. فـ﴿أَعِظُكُمْ﴾ هنا متضمنة معنى: أنصحكم، يعني: أنا أدعوكم ناصحًا لكم وواعظًا إلى هذه الخصلة. ﴿بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا﴾ قال: هي أن تقوم، فعلى هذا فأن تقوموا في موضع جر عطف بيان على قوله: ﴿بِوَاحِدَةٍ﴾ يعني: أنه بين هذه الواحدة بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ إلى آخره. و﴿أَنْ تَقُومُوا﴾ هنا المراد بها أن تثبتوا على الشيء، وليس المراد القيام ضد القعود، فهو كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ [النساء ١٢٧]، ليس المراد أن تقوموا لليتامى يعني يقف الواحد، وهكذا ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ ليس المراد أن تقفوا قيامًا، بل أن تثبتوا وتنظروا في الأمر. وقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ قال المؤلف: (أي لأجله) فاللام هنا للإخلاص، أي: أن تقوموا مخلصين لله لا مقلدين لآبائكم ولا متعصبين لآرائكم، جردوا نياتكم من كل شيء إلا لله، أن تقوموا لله وحده لا لي، لا مراعاة لي ولا مراعاة لآبائكم ولا لحميتكم ولكن لله. ﴿مَثْنَى﴾ قال المؤلف: (اثنين اثنين) وهل المراد حقيقة التثنية؟ يعني أن يقوموا على اثنين اثنين، أو المراد مجرد الزيادة على الواحد، يعني أنه مثنى لا يراد به حقيقة الاثنين؟ بل المراد أن تقوموا لله مجتمعين، سواء كنتم اثنين أم ثلاثة أم أربعة أم خمسة أم عشرة، هذا هو الظاهر. وقال بعض المفسرين: المرد بالمثنى هنا حقيقة الاثنين، وعللوا ذلك بأن الناس إذا كثروا اضطربت آراؤهم، وكثر الشجار بينهم، وفات المقصود؛ لأنك الآن لو وضعت رأيًا بين عشرة كم يجيئك من رأي؟ عشرة آراء، وبين اثنين يأتيك رأيان، قالوا: فالاثنان أقرب إلى الحصر وأقرب إلى تصور المسألة مما إذا كانوا أكثر من اثنين. ولكن قد يقال: إن هذا حقيقة، لكن أحيانًا يكون الثلاثة والأربعة أسد رأيًا من الاثنين فقط، فتحمل الآية على أن المراد بالمثنى مطلق الجمع، سواء كانوا اثنين أو أكثر. والمثنى قد يراد به مطلق الجمع كما في قوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك ٣، ٤] أي كرة بعد كرة، وليس المراد حقيقة الاثنين. وكقول الإنسان وهو يلبي للحج أو العمرة يقول: لبيك، يعني إجابة لك مرتين، أو المراد إجابة بعد إجابة ولو كثر؟ الأخير إي نعم، والله أعلم. * * * قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ إلى آخره [سبأ: ٤٣]. * في هذه الآية فوائد كثيرة: أولًا: أن الوحي آية من آيات الله عز وجل، ووجه كونه آية من عدة وجوه: أولًا: أنه أعجز البشر وغير البشر، وهذا دليل على أنه من عند الله. ثانيًا: أن أحكامه عادلة مصلِحة للقلوب والأبدان والأفراد والجماعات، في كل زمان وفي كل مكان، وهذا لا يمكن أن يوجد في كلام البشر، قوانين البشر مهما عظمت فإنما تكون صالحة في نطاق محدود، وتجدها كذلك مع كونها صالحة في نطاق محدود، تجد فيها أمورًا ضارَّة قد تعادل المصالح اللي فيها بخلاف آيات الله. ثالثًا: ما يشتمل عليه الوحي أو القرآن بالذات من الأخبار الصادقة التي ليس فيها ما يخالف الواقع بوجه من الوجوه، سواء كانت تلك الأخبار ماضية أو حاضرة أو مستقبلة، هذا وجه كونه من آيات الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن آيات الله عز وجل بينات ليس فيها خفاء، وعلى هذا كما يشكل على بعض أهل العلم من أحكام الله سبحانه وتعالى فليس مصدره أن الوحي خفي، ولكن مصدره قصور الناظر في الوحي أو تقصيره؛ قصوره أو تقصيره. قصوره: بحيث لا يكون عنده علم أو لا يكون عنده فهم. أو تقصيره بحيث لا يطلب العلم ولا يطلب الفهم، عرفتم؟ وإلا فإن آيات الله بينات لا يمكن تحدث حادثة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى بيانها، ولكن ليس كل أحد يستطيع أن يتبينها من القرآن، تجد الآية الواحدة يتلوها جماعة ويتفكرون فيها، يستنبط أحدهم منها مسائل عديدة، والآخر لا يستنبط منها إلا مسألة أو مسألتين، وهذا أمر ظاهر، وكثيرًا ما تشكل علينا المسألة ونراجع كتب العلماء من الفقهاء وغيرهم ثم عند التأمل في الكتاب والسنة نجد أنها قريبة موجودة؛ إما داخلة في عموم لفظ أو إشارة أو إيماء أو ما أشبه ذلك. بيان الآيات إما أن يكون بذاتها، وإما أن يكون عن طريق السنة، يعني بيان الآيات في القرآن إما أن يكون بذاتها، هي بينة واضحة، وإما أن يكون عن طريق السنة، تبين المجمَل، وتفسر المشكِل، وتقيِّد المطلَق، وتخصص العام، وتنسخ المحكَم، ولَّا لا؟ هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنها تنسخ ذلك؛ لأن الكل من عند الله. إذن عرفنا معنى بينات سواء كان بذاته أو بالسنة ببيان السنة، قال الله تعال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل٤٤] الرسول عليه الصلاة والسلام بين القرآن بلفظه ومعناه سواء بينه بقوله أو بفعله. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عتو المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، بيان عتوهم، حيث كانوا مع هذه الآيات البينات يدعون هذه الدعوة الباطلة، وهي أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يريد إلا أن يصدهم عما كان يعبد آباؤهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا شبهة لهؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام، وإنما هي اعتداء بالدعاوي الباطلة؛ لأن غاية ما عندهم أن يقولوا: هذا ما كان عليه آباؤنا، وهذا ليس بحجة، فإن الحق ما وافق الشرع، سواء كان عليه الآباء أم لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: غلظ هؤلاء المكذبين بصوغ الأساليب أو العبارات الدالة على الحط من قدر النبي عليه الصلاة والسلام؛ لقولهم: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين كانوا على ضلال هم وآباؤهم، حيث كانوا يعبدون ما لا ينفعهم ولا يضرهم؛ لأنهم يعبدون الأشجار والأحجار، ويدعون أنها تنفع أو تضر؛ إما بذاتها وإما بشفاعتها. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنهم ادعوا أن النبي ﷺ كذب على الله لقولهم: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ وهذه الدعوى هم بأنفسهم يكذبونها؛ لأنهم كانوا يسمون الرسول ﷺ قبل أن يوحى إليه الأمين، ويرون أنه أعظم الناس أمانة وصدقًا، فما الذي قلبه عن ذلك الوصف الذي أنتم تقرون به حتى قلتم: إنه مفترٍ على الله عز وجل! * ومن فوائد الآية الكريمة: ألا نستغرب من يجادل بالباطل ويدعي الأقاويل الكاذبة، يعني فيه أناس الآن إذا رفضوا شيئًا من الأشياء صاروا يقولون ويتقولون على هذا الذي قاله ما لم يقله، فيقولون: إنه كاذب، إنه متناقض، إنه فعل كذا، إنه فعل كذا، وهو بريء من ذلك، فلهؤلاء سلف من أولئك الكفار. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من الآيات من أفصح الكلام وأبلغه وأبينه؛ لقولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فهم لم يصفوه بالسحر إلا لأنه يأخذ بالقلوب ويجر الناس إليه جرًّا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥١٤٦) من حديث ابن عمر.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من نسب الكذب إلى رسول الله ﷺ فيما أوحى الله إليه فهو كافر؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. * ومن فوائد الآية أيضًا: أن هؤلاء ادعوا أن الوحي سحر بعد أن وصل إليهم وعرفوه؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وعرفوا أنه حق، حتى إن زعماءهم كانوا يتسللون لواذًا في الليل إلى رسول الله ﷺ ليسمعوا القرآن؛ لأنه أخذ بمجامع قلوبهم وصاروا يحبون أن يستمعوا إليه، لكن الحمية والعياذ بالله والعصبية منعتهم أن يهتدوا بهذا القرآن. ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ ٤٤] سنشرحها على أن المعنى أن الله سبحانه وتعالى لم يعطي قريشًا بل والعرب جميعًا لم يعطهم كتبًا ولم يرسل إليهم رسولًا، نأخذ الفوائد على هذا المعنى فنقول: * من فوائد الآية الكريمة: بيان منة الله سبحانه وتعالى العظمى على العرب بما بعث إليهم، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وجه ذلك أنهم كانوا أمة جاهلة، ليس عندهم كتب تدرس، ولم يأتهم نذير يخبرهم ويعلمهم، فهم أشد الناس حاجة إلى الرسول، وإذا اشتدت الحاجة ثم جاء ما يزيل تلك الحاجة كان هذا أعظم منة. ففي الآية إذن بيان عظيم منة الله عز وجل على العرب، حيث بعث فيهم هذا الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن العرب كانوا جاهلين من أجهل الناس قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، من أين تؤخذ؟ ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران ١٦٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في العرب رسول إلا محمد ﷺ، وهو كذلك، وما ذكر بعض المؤرخين من أنه وجد في الجاهلية رسل منهم خالد بن سنان، فهذا لا أصل له ولا صح الكلام؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة ١٩]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه ليس بينه وبين عيسى رسول، وعلى هذا فإنه لم يبعث فيهم -أي في العرب- رسول إلا محمد ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن حقيقة الرسالة هي الإنذار، وكذلك البشارة، الإنذار للمخالفين بالعقوبة، والبشارة للموافقين بالثواب والجزاء. * وفيها أيضًا -على المعنى الثاني- يستفاد من الآية: أن هؤلاء الذين كذبوا الرسول ﷺ ليس لديهم مستند يستندون إليه في تكذيبه؛ لأنهم لم يقرءوا كتبًا تدل على كذبهم، ولم يبعث إليهم رسول تقتضي رسالته أن محمدًا ﷺ كاذب، هذا على المعنى الثاني. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] * في هذه الآية الكريمة: التحذير لمكذب الرسول ﷺ، وجهه: أن الله أخبر أنه كذب السابقين مع أنهم أشد قوة وأكثر أموالًا وأولادًا من هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام. * ومن فوائدها: أن من كذب الرسل فقد حقت عليه كلمة العذاب؛ لقوله: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. * ومن فوائدها: شرف الأنبياء، أو شرف الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الله أضاف رسالتهم إليه فقال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾، ومن المعلوم أن مرتبة الرسالة أعلى مراتب البشر. فإن مراتب البشر أربعة: النبوة المتضمنة للرسالة، والصديقية، والشهداء، والصالحون، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء٦٩] فأعلى المراتب النبوة، ثم الصديقية، ثم الشهادة، ثم الصلاح، خلافًا للزنادقة الذين يقولون: إن الأولياء أفضل من الأنبياء، والأنبياء أفضل من الرسل، ويقول قائلهم: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي يزعمون -قبحهم الله- أن الأولياء أفضل من الرسل والأنبياء، نعم وهو كذلك عندهم بأن أولياءهم الطاغوت، والطاغوت يملي عليهم أنه أفضل من الرسل والأنبياء. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل، حيث جعل العقوبة من جنس العمل، فلما كان عمل هؤلاء عظيمًا، وهو تكذيب رسل الله سبحانه وتعالى؛ كان جزاؤهم عظيمًا يُتعجب منه ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ ٤٥] أي ما أعظمه وما أشده. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنكار يكون بالفعل كما يكون بالقول، وجه ذلك: أن إنكار الله عليهم ليس بالقول فقط، بل بالفعل والأخذ بالعقوبة، فهذا إنكار بالفعل. وهذا موجود أيضًا في أعمالنا، نحن عندما يخالفك صبيك في أمر من الأمور أحيانًا توبخه، تقول: ليش تفعل هذا؟ ألم آمرك أن تتركه، وأحيانًا إذا جئت ووجدته قد فعله تضربه هذا الإنكار يكون بماذا؟ يكون بالفعل. فإنكار الله عز وجل يكون بالقول ويكون بالفعل، فعقوبة المجرمين هي إنكار بماذا؟ بالفعل، وفي هذه الآية وغيرها من الآيات التي تضيف الفعل إلى الفاعل ردًّا على من؟ مثل ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وما أشبه ذلك ردٌّ على؟ * طلبة: القدرية. * الشيخ: لا ما هي القدرية، ردًّا على الجبرية الذين يقولون: إن الفعل فعل العبد مجبَر عليه، ليس له فيه اختيار. * ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال قياس الأولى، من أين يؤخذ؟ ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، يعني: إذا أخذ الله هؤلاء الأقوياء الأشداء الأكثر أموالًا وأولادًا إذا أخذهم الله تعالى بجرمهم، فهؤلاء الذين دونهم من باب أولى. ولا شك أن القياس دليل صحيح ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ولكن القياس نوعان: صحيح وفاسد. فالفاسد: دل الكتاب والسنة والعقل على عدم اعتباره. والصحيح: دل الكتاب والسنة والعقل على اعتباره. مثال الفاسد: قول إبليس مستعملًا قياس الأولى لما أمره الله أن يسجد لآدم، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف ١٢] فكيف يكون الأخير عبدًا لمن دونه؟ ومثال قياس المثلية قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة ٢٧٥]، هذا قياس فاسد؛ لأنه قياس ما حرم الله على ما أحله الله عز وجل. المهم أن القياس قد ثبت اعتباره بالكتاب والسنة والعقل، ومن أنكره فقد أنكر ما يدل عليه الكتاب والسنة، نعم الذي ينكر منه القياس الفاسد طيب. هل نأخذ من ذلك من هذه الآية أن تكذيب الرسل تكذيب لله؟ نعم هو الظاهر؛ لأنه قال بالأول: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ولم يذكر المكذب. ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ فدل ذلك على أن تكذيب الرسل تكذيب لله عز وجل، وهو كذلك عند التأمل؛ لأن الرسول إذا جاءك وقال: إنه رسول الله وأيده الله بالآيات، ثم كذبته، فقد كذبت الله عز وجل؛ لأن الآيات التي يعطيها الله الرسول ما هي إلا براهين تدل على صدقه، فكأن المكذب يقول: إن هذه الآيات كذب لأنه يكذب الرسول الذي أيدته.

سبأ 34:46

ثم قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ ٤٦] نشرح الآن ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، المراد بالقيام ذكرنا أمس المراد به القيام اللي هو ضد القعود؟ لا، المراد به الثبات على هذا الأمر فقوموا ثابتين. ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ تتفكروا في شأن هذا الرسول الذي جاءكم من عند الله وقال: إنه رسول الله. ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هذا القول هل هو من كلام الله سبحانه وتعالى ليبطل قولهم، أو أنهم يتفكرون فيه؟ يعني كما قال الشارح: (فتعلموا ما بصاحبكم من جنة) المؤلف مشى على أن ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ هو مفعول لما يقتضيه التفكر وهو.. وصل إلى الغاية، ما هي الغاية؟ العلم بأنه ما بصاحبهم من جنة، هذا هو ما مشى عليه المؤلف. والقول الثاني: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ ٤٦] أي: في شأنكم وفي حالكم، ثم استأنف فقال: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، وهذا من كلام الله، وليس مفعولًا لما يقتضيه التفكر وهو العلم. وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ صاحبكم المراد به محمد رسول الله ﷺ، لكنه عبر عنه بالصاحب المضاف إليهم زيادةً في التشنيع عليهم والتوبيخ، كأنه يقول: هذا صاحبكم الذي تعرفون، ليس رجلًا منكرًا عليكم، بل هو صاحبكم الذي تعرفون عقله وصدقه وأمانته، فكيف تقولون: إنه ساحر وإنه مجنون وإنه شاعر وإنه كاهن، وما أشبه ذلك، ففيه أيش؟ الإضافة إليهم؟ زيادة التشنيع عليهم، هذه واحدة، فيه أيضًا الإشارة إلى أنه كان ينبغي أن يكونوا أول من يصدق به، وأول من يناصره؛ لأنه صاحبهم، وصاحب الإنسان مستحِق للنصر منه، والمساعدة والمعاونة، فكان في الإضافة هنا فائدتان: الفائدة الأولى: زيادة التشنيع عليهم في أنهم يصفون صاحبهم الذي يعرفونه بهذا الوصف. الثاني: أنه كان الأولى بهم، وهو صاحبهم، أن يكونوا أول الناس تصديقًا به، وأشد الناس معونةً له. وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و(من جنة) مبتدأ مؤخر قُرنت به (مِن) الزائدة من حيث الإعراب المفيدة لمعنًى من حيث المعنى. الفائدة منها هي المبالغة أو التأكيد في النفي؛ لأن (مِن) إذا دخلت على المنفي أفادت العموم، فصارت نصًّا فيه. وقوله: ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ يقول المؤلف: (جنون) فالجنة هنا بمعنى الجنون، ويمكِن أن يكون المراد به الجِن الذي إذا خالط الإنسان جُن. (﴿إِنْ﴾ ما ﴿هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ ) (إن) سبق لنا قبل وقت قريب أنها تُستعمَل في اللغة على أربعة أوجه. (إن) قال: بمعنى (ما) فهي نافية، (هو) أي محمد عليه الصلاة والسلام، الذي هو صاحبهم (﴿إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ﴾ أي: قبل ﴿عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ في الآخرة إن عصيتموه) يعني ما محمد عليه الصلاة والسلام إلا رجل من أعقل الناس، ومن أحنى الناس على قومه؛ لأنه نذير لكم، مماذا ينذرهم؟ من العذاب الشديد القريب لهم؛ لأنه قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، وبين يدي الشيء هو أن يكون قريبًا منه، فالنبي عليه الصلاة والسلام هذه حاله، رجل عاقل، ناصح لقومه، حانٍ عليهم؛ لأن الذي ينذرك من العذاب يُعتبر محسنًا إليك ولَّا لا؟ لو أن رجلًا جاء يصيح: أيها الناس، جاءكم العدو، أيها الناس، جاءتكم النار، سعير، أيها الناس جاءكم الماء، فيضان، بماذا تصف هذا الرجل؟ ناصح ولا غاشٌّ؟ ناصح، ولا تصفه بأنه مجنون، تصفه بأنه عاقل ناصح حانٍ عليك، يحب لك السلامة من الشرور. فالنبي عليه الصلاة والسلام بالنسبة لنا ما هو إلا نذير ينذرنا من العذاب الشديد القريب، ولهذا قال: ﴿بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، والشديد بمعنى القوي، وهل المراد عذاب الآخرة، أو يشمل عذاب الآخرة والدنيا؟ الصحيح أنه يشمل عذاب الآخرة والدنيا، ولذلك عُذب المكذبون للرسول عليه الصلاة والسلام في الدنيا قبل الآخرة، فزعماء قريش وصناديدهم قُتلوا في بدر، وأُلقوا جِيَفًا منتنة في قَليب من قُلُب بدر، ومن بقي منهم كان آخر أمرهم أن دُخلت عليهم البلدُ من أقطارها وأُذلوا حتى كان الواحد لا يأمن إلا بتأمين: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٠٢٢) من حديث العباس.]]، ومن لم يكن في هذا فليس بآمن. وهذا من أكبر الذل أن تُستحل بلدك ولا تأمن فيها إلا بتأمين، هذا لا شك أنه ذل وعار. وآخر الأمر أن النبي ﷺ هو الذي منَّ عليهم وقال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»[[سيرة ابن هشام (٢/ ٤١٢).]]. وهذا بلا شك أنه عذاب في الدنيا، لكن إذا أسلموا كان مثل هذا العذاب كافيًا، ومَن أبى وكفر كان له عذاب شديد أيضًا في الآخرة. والله أعلم. * * * فيه أخذ الفوائد ما أخذناها: قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ ٤٦] إلى آخره. * يستفاد من الآية الكريمة: دعوة الإنسان المعاند للتأمل في الأمر والنظر فيه؛ حتى لا يتعجل بالرد؛ لقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾. * ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن طلب الحق أن يكون مخلصًا لله بعيدًا عن الهوى؛ لقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾. * ومن فوائدها: جواز التعاون في طلب الوصول إلى الحق، من قوله: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾. * ومنها: أن الإنسان قد لا يصل إلى الحق إلا بمساعدة غيره؛ لقوله: ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ فإنه إذا أمكن أن يصل الحق بنفسه فذاك، وإلا استعان بغيره. * ومنها: أن التفكير كما يكون في الآيات الكونية يكون كذلك في الآيات الشرعية؛ لأنه هنا طُلب منه التفكر فيما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي الرسول نفسه أيضًا. * ومن فوائدها: انتفاء الجنون عن رسول الله ﷺ؛ لقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾. * ومنها: بيان عُتُو قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه صاحبهم الذي يعرفونه، وكان الأولى بهم أن يصدقوه. * ومنها: أننا إذا أردنا استكشاف حال الشخص فإننا نسأل مصاحبه الذي يصاحبه ويلازمه؛ لأنه أعلم الناس به. وقد كان بعض السلف إذا أراد أن يسأل عن حال شخص يسأل المسؤول يقول: هل سافرت معه؟ فإن قال: لا، ترك تعديله له، وإن قال: نعم، قبل تعديله إياه، لماذا؟ لأن السفر يُظهِر حقيقة الرجال، حتى قيل: إنه إنما كان سفرًا لا لأن الإنسان يُسفِر ويبتعد عن البلد ويخرج إلى الفضاء، ولكن لأنه يُسفِر عن أخلاق الرجال، ولا شك أن السفر من أكبر ما يدل على خصال الرجل؛ لأنه في البلد الناس كلٌّ له شأن يغنيه عن الآخر، لكن في السفر محك للأخلاق الفاضلة من عدمها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ منذر للناس من عذاب قريب إذا خالفوه؛ لقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. * ومنها: استعمال الأسلوب المناسب للحال، وهذا معروف في علم البلاغة، أن يستعمل الإنسان ما يوافق مقتضى الحال، فهنا ذكر الإنذار دون البشارة؛ لأن المقام مقام تخويف وإنذار؛ لأنه يخاطب المكذِّبين، لكن عند وصف الرسول عليه الصلاة والسلام الوصف المطلق يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب ٤٥]، فبدأ بالبشارة قبل الإنذار، وهذا من حيث حال النبي ﷺ المطلقة، أما في المقامات التي تقتضي ذكر الإنذار دون غيره فيُستعمل فيها الإنذار دون غيره. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء، وعقوبة المخالفين؛ لقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. * ومنها: استعمال الأوصاف التي تَستلزِم الموافقة والمتابعة، من قوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ﴾، فأنت عندما تخاطب إنسانًا لا تأتي له بالألفاظ التي تبعده، بل الذي ينبغي أن تأتي له بالألفاظ التي تدنيه وتقربه لتؤلف قلبه. تفسير الآيات (47-50) ثم قال عز وجل: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ [سبأ ٤٧]. قال تعالى: (﴿قُلْ﴾ لهم ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ ) (قل) الخطاب معلوم أنه للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه هو النذير لهؤلاء، ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ (ما) يحتمل أن تكون شرطية، يعني: أي أجر أسأله منكم فهو لكم، ويحتمل أن تكون اسمًا موصولًا، يعني يقول: الذي سألتكم من الأجر فهو لكم، ويكون اقتران الفاء بالخبر لأن اسم الموصول يشبه الشرط في العموم، فأُعطي حُكمه. (﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ﴾ على الإنذار والتبليغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ ) (من) هذه بيان لـ(ما سألتكم) وليست زائدة لأن (ما) غير نافية. وقوله: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ الأجر هو ما يُعطى في مقابلة عمل، أو استيفاء نفع. في مقابلة عمل كما لو استأجرتُ رجلًا يعمل لي عملًا، أو استيفاء نفع كما لو استأجرتُ منك بيتًا، فالأجر هو ما يُعطى على العمل أو استيفاء المنفعة، يعني هذا العمل الذي قمتُ به إن كنتُ سألتكم عليه أجرًا وقلت: أعطوني مالًا أو أعطوني كذا، فهو لكم. وقوله: ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ هذا على فرض أن يكون ذلك موجودًا، وإلا فإنه غير موجود؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص ٨٦]، فالرسول عليه الصلاة والسلام ما سأل الأجر، بل قال لهم: إن كنت سألتكم أجرًا فهو لكم لا تعطوني إياه. قال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما أجري ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (إن) بمعنى (ما)، ومن علامات (إن) النافية أن يقع بعدها (إلا)، وذلك ليس بشرط، هل هو شرط ولَّا لا؟ ليس بشرط. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ أي ثوابي على تبليغي وعلى إنذاري، ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ وحده، ونعم المثيب سبحانه وتعالى، فإن من كان أجره على الله فإنه سيجد الثواب العظيم؛ لأن عطاء أكرم الأكرمين سيكون أعظم العطاء، ولهذا يجزي الله سبحانه وتعالى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة. ثم الداعي إلى الله يُؤجَر على دعوته سواء قُبلت أم رُفضت، ويؤجَر أيضًا على ما يناله عليها من أذًى، سواء كان أذى قوليًّا أو فعليًّا، وسواء كان يعود الأذى إلى رد ما جاء به أو يعود الأذى إلى اتهام هذا الإنسان بما يشدخ كرامته، وكل هذا قد وقع للرسول عليه الصلاة والسلام؛ أُوذي على دعوته، وأوذي فيما يخدش كرامته ونزاهته، فأصحاب الإفك لما رموا عائشة رضي الله عنها ما رموا عائشة لأنها عائشة، لكن رموها لأنها زوج النبي ﷺ، الرسول عليه الصلاة والسلام أوذي في عرضه، وأوذي في بدنه، وأوذي في مهمته التي جاء من أجلها، فأجره على من؟ على الله سبحانه وتعالى. واعلم أنك كلما أوذيت في الدعوة إلى الله فإن ذلك زيادة أجر لك من جهة، وزيادة قوة لدعوتك من جهة أخرى؛ لأن الإنسان إذا أوذي على شيء لا بد أن يجد من يتعاطف معه كما تقتضيه سنة الله عز وجل، حتى الذين يتكلمون بالباطل إذا أوذوا على باطلهم وجدوا من يتعاطف معهم، فكيف بمن يتكلمون بالحق، ولهذا أنا أدعو نفسي وإياكم إلى أن يكون علمنا منسابًا إلى غيرنا، بمعنى أن ننشر العلم وأن ندعو الناس إليه، صحيح أن حضورنا إلى هذا المجلس وتعلمنا لا شك أنه فائدة عظيمة، وأنه مجلس من مجالس الذكر، لكن ينبغي أن ننشر هذا العلم وندعو الناس إليه بقدر المستطاع، وأما أن نبقى كنسخ من كتب الفائدة لا تعدو صدورنا، فهذا لا شك أنه ضعيف، ولا يليق بطالب العلم، وعلينا أن نعرف ما جرى لأئمة المسلمين وعلماء المسلمين من الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ولستُ بذلك أريد أن تكرسوا جهودكم كلها للدعوة؛ لأن الدعوة بلا علم ضررها أكثر من نفعها، كما يوجد من بعض الإخوة الحريصين على الخير، تجدهم يضيعون أوقاتهم في الزيارات إلى فلان وإلى فلان، وفي الخروج، حتى إن العلم عندهم ليس بشيء، بل تجدهم يكرهون العلم والتعمق فيه، ويريدون أن تكون دعوتهم دعوة سطحية مهلهلة، أي إنسان يأتيهم (...) أنا أريد منكم أن تكونوا علماء ربانيين، دعاةً إلى الخير مهما استطعتم، ويكون أجركم على من؟ على الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإنسان مسؤول عن علمه؛ لأن الله تعالى ما أعطاك العلم إلا بميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]. قال: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه وتعالى (﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مطلع يعلم صدقي) ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ كل شيء فالله شهيد عليه، يعني: مطلع عليه، ومنه حالي معكم، فهو مطلع عليه، مطلع على أني بلغتكم وأنذرتكم، ومطلع على أنكم كذبتموني وخالفتموني، فأجري على الله، وعقوبتكم على الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢١ - ٢٦]، وهل الله عز وجل شهيد على ما في نفس الإنسان؟ نعم شهيد حتى على ما لا يطلع عليه أحد، فالله تعالى شهيد عليه. ثم قال: (﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يلقيه إلى أنبيائه ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ ٤٨] ما غاب عن خلقه). قوله: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ﴾ هذه جملة خبرية مؤكدة بـ(إن)، واسم (إن): (رب)، وخبرها جملة (يقذف)، و(علام الغيوب) خبر ثانٍ، يعني هو أيضًا علام الغيوب. وقوله: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ القذف هو الرمي بقوة، الرمي بقوة يسمى قذفًا، وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالقول الحق، وهو الوحي الذي أنزله الله تعالى على أنبيائه. وظاهر كلام المؤلف أن القذف هنا لازم لا يتعدى الأنبياء، وأن المراد به الوحي المنزل على الرسل، ولكن قول المؤلف فيه نظر، والصواب أن هذه الآية تفسرها الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨]، وأن معنى الآية: قل إن ربي يقذف بالحق على الباطل. وهو إشارة إلى أن حقه سوف يمحو باطلهم ويزهقه ويهلكه، بدليل أيضًا قال فيما بعد: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ ٤٩]. قال: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ قال: ﴿عَلَّامُ﴾ بصيغة المبالغة؛ لأن الغيوب كثيرة، فناسب أن يضاف إليها العلم على سبيل المبالغة، كما أن فيه مبالغة أيضًا من حيث الكيفية، لا من حيث الكمية فقط، من حيث الكيفية، فإن علم الله عز وجل للغيوب ليس علمًا سطحيًّا، بل هو علم عميق، يصل إلى أخفى شيء من الغيوب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥]، والغيوب جمع غيب، وهو ما غاب عن الإنسان، وهذا خاص بالمستقبل ولَّا حتى في الحاضر والماضي؟ أما المستقبل فظاهر، فإنه لا أحد يمكنه أن يعلم الغيب في المستقبل، بل من ادعى علم الغيب في المستقبل فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥] فيكون مدعي الغيب في المستقبل مكذبًا للقرآن، والتكذيب للقرآن كفر. أما الحاضر والماضي فهو في الحقيقة غيب نسبي، يكون غيبًا عني وليس غيبًا عمن شاهده، فلو أن حادثةً وقعت في بلدٍ ما، وأنا لست في هذا البلد، فهي بالنسبة إليَّ غيب، وبالنسبة لمن شاهدها ليست بغيب، فإذن المستقبل غيب مطلَق، والحاضر والماضي غيب نسبي يظهر لمن رآه، ولا يظهر لمن لم يره. قال: (﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ )، قال المؤلف: (الإسلام)، والإسلام لا شك أنه دين الحق، وأنه سيعلو على جميع الأديان؛ كما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣]، ولو أن المؤلف عمم وقال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ أي: كل ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام وما جاء به من الأحكام فهو حق. (﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ﴾ الكفر ﴿وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ ٤٩] أي لم يبق له أثر) هذه الجملة: ما يبدئ الباطل وما يعيد أو ما يبدئ فلان وما يعيد أسلوب من أساليب العرب، كناية عن هلاك هذا الشيء وعدم وجوده؛ لأن الذي لا يبدئ، يعني لا يأتي بالشيء ابتداءً، ولا يعيد ما صنعه أولًا، هذا غير موجود في الواقع، ما له حراك، لا حراك به، فهو كالهالك، والمعنى: ما يبدئ الباطل أي: ما يتبين ابتداءً، وما يعيد: ما يتبين إعادة، فهو إذن هالك، لا أثر له، لا ابتداءً ولا إعادةً، فإذا كان الحق قد جاء، والباطل ما يبدي ولا يعيد، فمعناه أن الدولة ستكون لمن؟ ستكون للحق، لِمَا جاء به النبي عليه الصلاة والسلام وإن كذبوه. الباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وكل ما خالف حكم الله فهو جور وظلم، وإن زعم أهله أنهم عادلون فيه فهم كاذبون، فالقوانين الوضعية المخالفة لشريعة الله نقول: إنها باطل ونقول: إنها ظلم وجور، وأما ما وافق الشرع فإنه وإن سُمي قانونًا أو نظامًا فهو شرع، يعني لو أن أحدًا صنع موادَّ معينة في الحكم لكنها مأخوذة من الكتاب والسنة لا نقول: إن هذه قوانين وضعية أو نُظُم وضعية، بل نقول: هي أحكام شرعية، لكنها رُتبت على مواد كما أن الفقهاء رحمهم الله رتبوا الفقه على أبواب، فالخلاف في كيفية العرض، وإلا فهو حق. أما أن نقنن الشريعة بمعنى أن نُدخِل عليها أحكامًا تخالف أحكامها، فهذا كفر، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة ٤٤] فأما تقنينها بمعنى تبويبها وجعلها مواد معينة، فهذا لا بأس به، بشرط ألا يكون الحكم لازمًا بهذه المواد؛ لأن إلزام القضاة مثلًا أو الحكام بأن يحكموا بهذه المواد معناه أنهم يُلزَمون بأن يحكموا بما يعتقدون أن الحق في خلافهم؛ لأن الناس يختلفون في اجتهادهم؛ فقد ترى اللجنة مثلا أن الحكم في هذا هو كذا وكذا، ويرى القاضي أن الحكم خلاف ذلك، فوضعها على أنها موضحة أو كاشفة أو دالة هذا لا بأس به بلا شك، لكن وضعها على أنها ملزِمة هذا لا يجوز لأن الناس يختلفون في الجهاد. (﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ عن الحق ﴿فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ أي إثم ضلالي عليها ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من القرآن والحكمة ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ [سبأ ٥٠]). ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ﴾ هذا من باب التنزُّل مع الخصم، وإلا فمن المعلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان أهدى الناس، وهذا كقول الرجل المؤمن من آل فرعون، قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر ٢٨] مع أن المؤمن هذا يؤمن بأنه صادق، لكن هذا من باب التنزل مع الخصم لإلزامه بقول الحق. يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾، ومعلوم أن الإنسان لا يريد أن يتمادى في إضلال نفسه، ومثل النبي عليه الصلاة والسلام إذا ضل؛ مثل الرسول إذا ضل لا يكون ضلاله أيضًا (...) بل عليه وعلى من اتبعه، ولهذا كان ضلال العالم أو زلة العالم من أعظم ما يفسد الناس، زلة العالم ليست بهينة؛ لأنه قدوة وأمة، ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ وليس عليكم من ذلك شيء ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ﴾ لم يقل: فإن ذلك من نفسي، بل وكله أو أضافه إلى ما جاء به الوحي النازل من عند الله، ولهذا قال: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾، والباء للسببية، و(ما) إما أن تكون مصدرية وإما أن تكون موصولة، إن كانت موصولة فإن عائدها محذوف، التقدير: فبما يوحيه إلي ربي، وإن كانت مصدرية فلا تحتاج إلى عائد. وقوله: ﴿يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ الوحي في اللغة هو الإعلام بخفاء وسرعة، هذا في اللغة، الإعلام بخفاء وسرعة، سواء كان ذلك الإعلام بالهمس أو بالإشارة في العين أو بالإشارة باليد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ هو ما يتكلم، لأن الله قال له: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران ٤١] إذن أوحى إليهم بمعنى أشار إليهم، فالوحي في اللغة هو الإعلام بخفاء وسرعة، هكذا قالوا. أما في الشرع فهو إعلام الله سبحانه وتعالى أحدًا من خلقه بشرع يُؤمَر بتبليغه أو لا يؤمر، إن أُمر بتبليغه فهو رسول، وإن لم يؤمر فهو نبي. وقوله: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ الإضافة هنا إضافة خاصة، (ربي) لأن الله ربه ورب غيره، لكن الإضافة هنا إضافة خاصة تفيد أي شيء؟ تفيد العناية واللطف؛ لأن من أكبر نعم الله على العبد أن يوحي إليه بالرسالة، حتى ينال المرتبة العليا من بني آدم. كذلك من نعمة الله على العبد أن يُلهمه هذه الرسالة بالتعلم، ولهذا كان العلماء ورثة الأنبياء، فهي من أكبر النعم، ولهذا قال: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فأضاف الربوبية إلى نفسه لأن هذه الربوبية خاصة تقتضي العناية والتأييد والرحمة واللطف. ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ إنه سميع قال المؤلف: (للدعاء)، والصواب أن الآية هنا عامة، سميع لكل شيء، وليس للدعاء فقط، بل سميع لما أقول لكم، وسميع لما تقولون لي، وسميع لدعائي أيضا بمعنى مجيب. وقد مر علينا أن السمع المضاف إلى الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: سمع بمعنى إدراك المسموع، وسمع بمعنى إجابة المسموع. السمع الذي بمعنى إدراك المسموع تارَةً يراد به التهديد، وتارة يراد به التأييد، وتارة يراد به بيان الإحاطة، أي إحاطة الله عز وجل بكل مسموع، فهذه ثلاثة أشياء. تارة يراد به التهديد مثل؟ * طالب: (...). * الشيخ: نع، وتارة يراد به التأييد، مثاله؟ * طالب: قوله تعالى عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. * الشيخ: قوله عن موسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. وتارة يراد به بيان الإحاطة؟ * طالب: (...). * الشيخ: ﴿فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]. أما السمع الذي بمعنى الإجابة فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده. وقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾: (قريب) هذه اسم فاعل أو صفة مشبهة، والضمير المستتر فيها يعود على من؟ يعود على الله عز وجل، وكل فعل أو وصف يكون عائدًا إلى الله فالمراد به ذات الله، انتبه لهذه القاعدة التي ذكرها ابن القيم في مختصر الصواعق، يقول: كل فعل أو وصف تحمَّل ضميرًا يعود إلى الله فالمراد به ذات الله، لكن يجب أن يكون في ذهنك تنزه الله عز وجل عما لا يليق به، فيكون القرب هنا قرب رحمته أو قرب علمه أو قرب سمعه أو بصره أو قرب ذاته، أيها؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، ما (...) قريب هو، أي ذاته، ولهذا صرح ابن القيم بأنه قريب بذاته، لكن يجب أن تعلم أنه مع قربه بذاته فهو مستو على عرشه، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٠)، ومسلم (٢٧٠٤/ ٤٤)، واللفظ للنسائي (٧٦٣٣(، من حديث أبي موسى الأشعري.]]، يقوله وهم راكبون على رواحلهم، ولكن مع هذا يجب أن ننزه الله عز وجل عما لا يليق به، بحيث نتوهم أنه معنا في المكان، هذا لا يمكن، بل هو قريب بذاته مع علوه. وقد ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، قال: هو علي في دنوه، قريب في علوه. ولا تظن أن الجمع بين القرب والعلو فوق السماوات متناقض، لماذا؟ أولًا: لأن الله تعالى جمع بينهما لنفسه، ودل عليهما كتاب الله، وكتاب الله عز وجل لا يمكن أن يدل على متناقض ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]. ثانيًا: أن الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، يعني لو فُرض أن بين القرب والعلو تناقضًا في حق المخلوق فإن ذلك لا يلزم في حق الخالق، لماذا؟ لأن الله ليس كمثله شيء، ولهذا نقول: إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة وهو مع ذلك مستوٍ على عرشه، لا تقل: هذا محال، نقول: هذا محال بالنسبة لمن؟ للمخلوق، أما بالنسبة للخالق فيجب أن نؤمن بما أخبرنا به عن صفاته، وهو استواؤه على عرشه ونزوله إلى السماء الدنيا، ونقول: إن هذا ممكن في حق الخالق. الشيء الثالث، الوجه الثالث مما نجمع فيه بين القرب والعلو، أنه قد يكون الشيء عاليًا وهو قريب حتى من المخلوقات، مثل القمر، القمر عالٍ لكنه قريب كأنه معك، كأنه في المكان الذي أنت فيه، وضوءه واصل إلى الأرض وهو في السماء، وأظنه مر علينا في البلاغة بيتان في هذا المعنى: دانٍ إلى أَيْدِي العُفاةِ وشَاسِعٌ ∗∗∗ عن كلِّ نِدٍّ في النَّدَى وَضَرِيبِ؎كالبدرِ أفرطَ في العُلُوِّ وضَوْءُه ∗∗∗ لِلْعُصْبة السَّــــــــارينَ جِدُّقَريـــبِ المهم أن الله إذا أضاف الشيء إلى نفسه، سواء كان فعلًا أو وصفًا، فإنه لا يجوز لنا العدول عن تحويل هذا الشيء المضاف إلى الله إلى شيء آخر؛ لأننا إذا سلكنا ذلك احتج علينا من؟ احتج علينا أهل التأويل من المعتزلة والأشاعرة وقالوا: كيف تؤولون هذه الآية مثلًا، وتنكرون علينا التأويل في آيات أخرى، أو في نصوص أخرى؟ فإذا قلت لهم: إن هذا يمنعه العقل قالوا: ونحن نرى أن ظواهر الآيات أو الأحاديث يمنعها العقل، لكن إذا أبقيت النصوص على ما هي عليه؛ على ظاهر دلالتها مع تنزيه الله عما لا يليق به سلِمتَ في دينك، وسلمت أمام الله عز وجل حين يسألك يوم القيامة: كيف تصرفت في كلامي، وكيف أخرجته عن ظاهره؟ وسلمت أيضًا من معارضة أهل التأويل. وقد مر علينا في تلخيص الحموية أن الفلاسفة الذين ينكرون المعاد، بل وينكرون كل شيء، احتجوا على المعتزلة وأهل التعطيل وقالوا: كيف تجوزون التأويل في آيات الصفات وأحاديثها ولا تجوزون التأويل في نصوص المعاد؟ إذا أولتم في هذا فأولوا في هذا، وإلا فقد ظهر تناقضكم، وسبق لنا إجابة المعتزلة للفلاسفة، ماذا قالوا لهم؟ قالوا: إننا قد علمنا بالاضطراد أن الرسل جاءت بإثبات المعاد، وعلمنا أن الشبهة المانعة منه فاسدة، فوجب القول بثبوته. هذه الحجة يا جماعة هذه من أهم المسائل لطالب العلم في علم التوحيد، وذكرنا أن هذه الحجة التي دفع بها المعتزلة اعتراض الفلاسفة؛ ذكرنا أن هذه الحجة احتج بها أهل السنة على المعتزلة، وقالوا: قد علمنا بالضرورة أن الرسول جاء بإثبات الصفات لله، وعلمنا فساد الشبهة المانعة منه، فوجب القول بثبوتها، وأن طرد القاعدة في هذا وهذا هو اللي فيه السلامة، أما أن نتناقض ونؤول في شيء ونبقي النصوص على ظاهرها في شيء، فإن هذا وهم وضعف في الطريقة. فالمهم أن القريب هنا لا نقول: قريب في علمه، أو قريب في رحمته، أو قريب في سمعه، أو ما أشبه ذلك، فنخصصها بشيء، لأنك إذا قلت: قريب في رحمته أو سمعه أو بصره أو علمه أو ما أشبه ذلك خصصتها، فإذا قلت: قريب بذاته شمل كل ما تقتضيه هذه الذات من الصفات، فكان أعم. وقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث النزول بأنه سبحانه وتعالى قريب بنفسه، وتلميذه ابن القيم قال: إنه قريب بذاته، ولكن مع ذلك يجب علينا أن نعلم علم اليقين بأنه قريب ولكنه في السماء على عرشه، وهذا لا تناقض فيه، وقد علمتم الجواب على ما يوهم أنه متناقض، وأن الجواب من كم من وجه؟ من ثلاثة أوجه. والله أعلم. * * * (...) لم يطلب من أحد أجرًا على تبليغ الرسالة وإنذار الناس؛ لأنه قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ ٤٧]. * من الفوائد أيضًا: التنزل مع الخصم، أو على فرض أني سألتُ ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تحريم أخذ الأجر على إبلاغ العلم الشرعي، ووجهه أنه مخالف لهدي النبي ﷺ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن تبليغ الشرع واجب على الإنسان. والواجب لا يجوز أن يتخذ الإنسان عليه أجرًا. فإن قلت: هل يجوز الأخذ على تعليم القرآن، أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ فالجواب: أن العلماء اختلفوا في ذلك على قولين؛ لاختلاف ظواهر النصوص؛ فمنهم من قال: إنه جائز لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ»[[أخرجه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس.]]. ولأن هذا الرجل لا يأخذ أجرًا على قراءة القرآن، لو أخذ أجرًا على قراءة القرآن قلنا: هذا حرام، لكنه أخذ أجرًا على التعليم والتعب وتوطين هذا الرجل، ولذلك لو كانت المسألة واجبة عليه، بمعنى لو كان يجب عليه أن يعلم هذا الرجل لكان أخذ الأجر عليه حرامًا. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ جعله عوضًا في النكاح، فقال: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣١٠)، ومسلم (١٤٢٥/ ٧٦) من حديث سهل بن سعد الساعدي.]]، وعوض النكاح أجر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء ٢٤]، فلما جعله النبي عليه الصلاة والسلام عِوضًا في النكاح؛ دل ذلك على جواز أخذ العوض على تعليمه. ولأن النبي ﷺ أجاز أخذ قطيع الغنم للجماعة الذين قرؤوا على سيد القوم الذي لُدِغ، وأخذوا عليه قطيعًا من الغنم، فأجاز النبي ﷺ ذلك[[أخرجه البخاري (٥٧٣٧) من حديث ابن عباس.]]. لا لأنهم قرؤوا القرآن، ولكن لأنهم عالجوا هذا اللديغ، وهذا هو الصحيح، أي أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لكن إن كان تعليم القرآن واجبًا كما في صدر الإسلام، فإن أخذ الأجرة عليه حرام. وهل يجوز على القول بأن أخذ الأجرة عليه حرام، هل يجوز أخذ رصدٍ من بيت المال لمعلِّم القرآن؟ الجواب: نعم؛ لأن هذا ليس بأجرة، ولذلك جاز للمؤذن والإمام أن يأخذ من بيت المال ما يستعين به على أذانه وعلى إمامته. * ومن فوائد الآية الكريمة: إخلاص النبي ﷺ في تبليغه ودعوته؛ لقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ ٤٧]، فإنه واضح بأنه إنما يريد الأجر ممن؟ من الله، وهذا هو الإخلاص. ومن فوائدها أيضًا: شموخ الرسول ﷺ وعلو همته، حيث اختار الأجر الأوفى عن الأجر الأدنى؛ لقوله: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: تهديد الخصم بما تقتضيه أسماء الله وصفاته؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ ٤٧]؛ فإن في ذلك تهديدًا لهم، يعني فسيشهد على تكذيبكم وعلى تبليغه. * ومن فوائدها أيضًا: الاستشهاد بإقرار الله سبحانه وتعالى الإنسان على صدق ما قال، من أين يؤخذ؟ الاستشهاد بإقرار الله تعالى الإنسان على ما قال على أنه صادق؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]. قال العلماء: شهادة الله تعالى لرسوله بأن ما جاء به الحق تشمل الشهادة القولية والشهادة الفعلية، وهي إقراره على ما دعا إليه الناس وعلى استباحة أموالهم ودمائهم وأهلهم إذا لم يستجيبوا له. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ ٤٧]. * من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك بإضافة الربوبية إليه، ربوبية الله إليه ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي﴾، وهذه الربوبية خاصة ولَّا عامة؟ خاصة. * ومن فوائدها: بيان قوة الله سبحانه وتعالى، حيث يرمي بالحق على الباطل على وجه القوة، بل يقول: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ أي: يرمي به بقوة وشدة على الباطل. * ومن فوائدها: عموم علم الله بما شُوهد وما غاب: ما غاب لقوله: ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وما شوهد من باب أولى، يعني إذا كان يعلم الغيب فالمشهود من باب أولى. * ومنها: إثبات أن ما جاء به النبي ﷺ حق؛ لقوله: ﴿يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾. * ومنها أيضًا: تهديد هؤلاء المكذبين بأن باطلهم سوف يُقضى عليه، بأي طريق؟ بطريق الإسلام الحق، فيُقضَى على باطلهم، ويؤيده قوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ ٤٩]. ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ الحق ما (...) الباطل كل ما خالف الحق فهو باطل. ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ ٥٠] في هذا تحدي هؤلاء المكذبين للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه لو كان ضالًّا لظهر أثر ضلاله على نفسه، ولأهلكه الله عز وجل ولم يُمَكِّنْه، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧] فلو كان ضالًّا فيما جاء به لكان ضلاله على نفسه، ولتبين أمره. ولعلكم بلغكم ما أنزل الله تعالى في المكذبين الذين ادعوا الرسالة فأهلكهم الله، مثل مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهما، كلهم يظهر الله تعالى ضلالهم وكذبهم، وقصصت عليكم مرة ما ذُكر من آيات مسيلمة، تذكرونه؟ يقولون: إن مسيلمة هو ادعى أنه رسول، وأن بئرًا من آبار قومه غار ماؤه ولم يبقَ إلا قليل، فجاؤوا إليه يشكون هذا الأمر، فأراد أن يقتدي بالرسول عليه الصلاة والسلام، فأخذ منها ماء وأدخله في فمه، ثم مجه في الماء، فجعل ينتظر فوران الماء حتى يصل إلى ظاهر القليب، لكن الماء الذي فيها غار، هذه آية ولَّا لا؟ آية على كذبه. وجيء إليه بصبي أصلع، أصلع يعني ما عليه شعر إلا شعرًا قليلًا، فجاؤوا إليه ليمسح رأسه فيظهر له شعر كثيف، فلما مسح رأسه تساقط الشعر الموجود، كان هذا آية على كذبه. فالله سبحانه وتعالى بحكمته لا يمكِن أبدًا أن يمكِّن لكاذب مهما كان، حتى الكاذب بعد الرسول عليه الصلاة والسلام لو كذب فيما يدعو الناس إليه، وكان يدعو الناس إلى الحق رياءً وسمعةً فلا بد أن يُظهِر الله تعالى أمره للناس، لا بد. وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ∗∗∗ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِتُعْلَمِ هنا يقول: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ ٥٠] أي: سيتبين أمري وضلالي. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاعتراف لله عز وجل بالجميل؛ لقوله: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ ٥٠]. * ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن ينسب الخطأ إلى نفسه، وينسب الصواب إلى من؟ إلى الله عز وجل؛ لأنه (...). ونحن إذا أصبنا هل نقول: فبما يوحيه إلينا ربنا؟ أو فبما أوحاه ربنا إلى نبيه؛ هذا هو الصواب، فإذا أصبنا فإن الواجب أن نضيف النعمة إلى مسديها سبحانه وتعالى، وهو الله عز وجل، لا نفتخر ونجعلها من ذات أنفسنا، أما الضلال فإنه على أنفسنا؛ لأننا نحن سببه. * وفيها أيضًا: إثبات أن النبي ﷺ رسول؛ لقوله: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾. * ومن فوائدها: أن النظر في الوحي؛ القرآن والسنة سبب في الهداية؛ لأن الباء في قوله: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ سببية، وإذا كان ذلك سببًا للهداية كان من العقل والبصيرة أن ننظر في وحي الله وشرعه وألا نطلب الصواب من غيرهما، لا نطلب الصواب مما قال فلان وقال فلان، ولكن مما قال الله ورسوله، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: العِلمُ قـــــــــــــــــــالَ اللهُقَـــــــــــــــــالَ رَسُولُهُ ∗∗∗ قال الصَّحابَةُ هُمْ أُولُو العِرفانِ؎ما العلمُ نَصْبُك للخِلافِ سَفَاهَةً ∗∗∗ بين الرسولِ وبينَ رأيِ فُــــــــــلانِ وقال في موضع آخر: والعِلمُ مَعرِفةُ الهُدى بِدَلِيلِهِ ∗∗∗ ما ذاك والتَّقليدُ مُسْتَوِيَانِ فالمهم أن الهداية لها سبب، وهي النظر فيما أوحاه الله تعالى إلى نبيه ﷺ. * ومن فوائد الآية: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ وأنها مؤثِّرة بإذن الله، لا مؤثرة بنفسها، ففي ذلك الرد على الأشاعرة، الذين يقولون: إن الأسباب لا تؤثر بنفسها، حتى إنهم يقولون: إن الورق إذا احترق بالنار فإنه لم يحترق بالنار، لكن احترق عند النار، لا بها. وإذا ضربت الزجاجة بالحجر فانكسرت قال: لم تنكسر بالحجر، لكن انكسرت عنده -شوف العقول!- ليش؟ قالوا: لأنك لو أثبت للسبب أثرًا ذاتيًّا لأشركتَ بالله العظيم؛ لأنه لا شيء يؤثر بنفسه إلا الله عز وجل، فأنت لو أثبت أن الحصاة تكسر الزجاجة، هي نفسها تكسر الزجاجة فهذا شرك بالله، يعني معناه أنك جعلت هذه تتأثر، أفهمتم؟ رجل أُتي بلحم، فجعل يحزه بالسكين، يقطعه، نقول: تقطَّعَ بالسكين؟ عند السكين لا به، شوف كيف العقول تصل إلى هذه الحال. الآن الزجاجة حط عندها الحصاة، حطها عندها بل حطها فوقها بهدوء، تنكسر؟ طيب أقبل الحجر على الزجاجة إقبالًا ولم يمسها لكنه حك من حولها..

فاطر 35:1

(ست وأربعون آية). قوله: (مكية) أصح الأقوال في المكي والمدني: أن ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل بمكة، وما نزل قبل الهجرة -أي قبل وصول النبي ﷺ المدينة- فإنه مكي ولو نزل في غير مكة، هذا هو أصح ما قيل في تعريف المكي والمدني. الغالب في الآيات المكية: قوة العبارة وشدتها وقصر الآيات، وموضوعها غالبًا في أصول الدين وتقرير التوحيد. وأما الآيات المدنية فإنها بالعكس تجد عباراتها أسهل وأطول، وغالب موضوعها في فروع الدين؛ لأن الناس غالبهم قد قاموا بالتوحيد. ولها ضوابط معروفة في أصول التفسير وعلامات. وهنا يقول: إنها مكية. واعلم أن السورة إذا كانت مكية واستُثني بعض آياتها مثلًا يقول: مكية إلا آية كذا وكذا. فإن هذا الاستثناء غير مقبول من قائله إلا بدليل؛ لأن الأصل أن السورة جزء واحد؛ بمعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا نزلت آية قال: «ضَعُوهَا فِي مَوْضِعِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا»[[أخرجه أبو داود (٧٨٦)، والترمذي (٣٠٨٦)، وأحمد في المسند (٣٩٩)، والنسائي في الكبرى (٧٩٥٣) من حديث عثمان.]]. فالسور المكية مكية، ولا يُستثنى منها شيء، والسورة المدنية مدنية، ولا يُستثنى منها شيء إلا بدليل، دليل لا يكفي أن يقول العالم: إلا كذا إلا كذا، لا بد فيه من سند؛ لأن هذا خبر، والأخبار لا بد من سند لها حتى تصل إلى غاية السند. وقول المؤلف: (إنها خمس أو ست وأربعون آية) هذا لا يضر، الاختلاف في عدد الآيات أمر ليس بضار؛ ولهذا في سورة الفاتحة كما تعلمون، اختلف العلماء هل البسملة آية من آياتها أو مستقلة مع الاتفاق على أن الفاتحة سبع آيات. قال الله عز وجل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. البسملة آية من كتاب الله مستقلة، لا تكون تبعًا لما قبلها، ولا مُقدِّمة لما بعدها؛ بمعنى: أنها ليست من التى قبلها ولا من التي بعدها لكنه يؤتى بها في ابتداء السور علامة على ابتدائها، إلا في سورة براءة، فإن الله تعالى لم يُنزل فيها بسملة، لماذا؟ يقول بعض العلماء: لأنها بعض من سورة الأنفال. ويقول آخرون: لأنها نزلت بالسيف والشدة على المنافقين والكفار، وهذا لا يناسبه البداءة بالبسملة التي هي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فإن البسلمة بركة ورحمة لا تتناسب مع الشدة والغِلْظة والقتل والقتال. ولكن هذا ليس بصحيح بل أقرب شيء أن الصحابة أشكل عليهم، هل هي من الأنفال أو مستقلة فوضعوا فاصلًا ولم يضعوا البسملة، فلم يجزموا لا بهذا ولا بهذا على أننا نعلم بأن الله تعالى لم يُنزلها؛ لأنها لو نزلت -البسملة بين الأنفال وبراءة- لو نزلت لكان بقاؤها حتميًّا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، وعلى هذا فيكون اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم مطابقًا تمامًا بواقع الحال. أما إعرابها: فقد تقدم مرارًا، وذكرنا أن أحسن الإعرابات فيها أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف مؤخر فعلي مناسب. فإذا أردت أن تتوضأ وقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ فالتقدير: باسم الله أتوضأ. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى آخره [فاطر: ١]. اعلم أن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم، هذا هو الحمد. وقد حمد الله نفسه سبحانه وتعالى في أول الأمور وآخرها، وفي أول الأمور الكونية قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام ١]. وفي أول الأمور الشرعية قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ [الكهف ١]. كما حمد نفسه على منتهى الأمور أيضًا، قال الله تعالى في آخر سورة الزمر: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر ٧٥]، فحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في أول الأمر وفي منتهى الأمر؛ لأن الله سبحانه وتعالى له الأمر أولًا وآخرًا، وكل أمره فإنه محمود عليه؛ لأنه مبني على الحكمة والرحمة. هنا يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر ١] ﴿الْحَمْدُ﴾ مبتدأ، و﴿لِلَّهِ﴾ خبره، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص للمعنيين جميعًا، أما كونها للاستحقاق فلأنه لا أحد أحق بالحمد من الله عز وجل، فإنه محمود على كل حال؛ لأن كل ما يفعله وكل ما يشرعه سبحانه وتعالى فإنه محمود عليه لكماله. وأما كونها للاختصاص: فلأن الحمد (أل) هنا للاستغراق، أي: كل حمد فهو لله ثابت له، ومعلوم أنه لا أحد يختص بهذا الوصف العام الشامل إلا الله عز وجل؛ لأن من يُحمَد سوى الله لا يُحمد إلا على أشياء جزئية، الجزئية غير شاملة، لكن الذي يُحمد على كل شيء هو الله؛ وبهذا عرفنا أن اللام للاستحقاق والاختصاص أيضًا. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر ١] قال المؤلف: (حمد تعالى نفسه بذلك كما بَيَّنَ في أول سبأ) في أول سبأ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ ١]. لكن هناك حمد نفسه لعموم مُلكه الذي له ما في السماوات والأرض، وهنا حمد نفسه لابتداء خلقه، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المؤلف في تفسيره: (...). بل لهم عقول أخص من عقول البشر؛ لأن عقول البشر قد تستولي عليها الشهوة فيضيع الإنسان عقله. ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١] جمع (رسول). يقول: (إلى الأنبياء) والأصح: إلى الأنبياء وغيرهم، يقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام ٦١] رسل الله عز وجل إلى هذا المحتضر ليقبضوا روحه فهم رُسل إلى الأنبياء وإلى غيرهم، فتخصيص الآية بالأنبياء يُعتبر قصورًا في التفسير. ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] ﴿أُولِي﴾ بمعنى أصحاب، يعني أن الملائكة لهم أجنحة وهو جمع (جَنَاح)، هذا الجناح يطيرون به بسرعة فائقة أسرع من الجن؛ بدليل أن العفريت من الجن قال لسليمان لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٨، ٣٩]. وكان له عادة يقوم في وقت معين فقال: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩] يعني في الوقت المعين، وإلا لكان الأمر مبهمًا، ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل ٤٠] يعني مثلًا النظر أبعد شيء أنه قال هكذا قبل أن يرتد إليه طرفه فإنه يأتيه به، وفعلًا أتاه؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا﴾ [النمل ٤٠]. قال العلماء: إن الذي عنده عِلم من الكتاب كان يعرف اسم الله الأعظم، وأنه دعا باسم الله الأعظم فحملته الملائكة، وألقته بين يدي سليمان، وهذا يدل على أن الملائكة أسرع من الجن، ولا شك في هذا أنهم أسرع وأقوى، فهم لهم أجنحة يطيرون بها بسرعة فائقة عظيمة. جبريل عليه الصلاة والسلام كان له ست مئة جناح، كل جناح له قوة عظيمة في الحمل والطيران، ماذا تكون سرعته؟ لا شك أنها سرعة فائقة جدًّا؛ لأننا إذا رأينا الآن الطائرات النفاثة أجنحتها اللي تحملها وهي المراوح التي تُدخل الهواء ليحمل الطائرة ما تبلغ هذا المبلغ ولا عُشْره، ومع ذلك ترتقي بهذه السرعة العظيمة وهذا الارتفاع العظيم، فجبريل عليه الصلاة والسلام له ست مئة جناح قد سد الأفق، وهذا يدلك على أنهم لهم سرعة فائقة عظيمة. هذه الأجنحة: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١] وأكثر ولَّا لا؟ نعم وأكثر ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر ١]. قوله: ﴿مَثْنَى﴾ ظاهرها أن ذلك في العدد لا في الصنف؛ لأن هذا هو الأصل، ويحتمل أن يكون في الصنف؛ لأننا مثلًا نرى الطائر مثلًا له جناحان، لكن كل ريشة من هذه الأجنحة لها عمل خاص في تكييف الطيران، منها مثلًا ما ينصبه حتى يرتفع، ويخفضه حتى ينزل، ويفرشه حتى يستقر، هذا شيء مُشاهَد؛ ولهذا بعض الأحيان تنتف أشياء معينة من الجناح، ثم لا يطير مع أن الباقي في جناحها أكثر مما نتفت بكثير. فيحتمل أن قوله: ﴿مَثْنَى﴾ يعني باعتبار الصنف ﴿وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١]، ويحتمل أنه باعتبار العدد، وأن الملائكة بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ولا يُنافي ذلك أن جبريل عليه الصلاة والسلام له ست مئة جناح؛ لأن الله يقول: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر ١] ويكون مما زاده أن جعل لجبريل ست مئة جناح. ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] فإذا قلت: هل نعرف كيفية هذه الأجنحة؟ فالجواب: لا، تعرفها؟ * طالب: في الحديث (...). * الشيخ: أيش لونها؟ * الطالب: (...) أن كل جناح فيه كذا من الياقوت والزمرد، أنه وصف جناح جبريل والله أعلم بصحة الحديث هنا فيه كذا من الياقوت والزمرد. * الشيخ: إي نعم، هذا إن شاء الله تحقق من الحديث. * طالب: (...) بائع الزهور. * الشيخ: إي نعم، كبائع الزهور، وهذه كلها (...) أبدًا، زهور ذابلة يابسة ما جاتها الحياة أبدًا. كيفية هذه الأجنحة لا نعلمها، وهذا نظيره تمامًا ما جاء في صفات الله عز وجل فإننا نعلم معنى الصفة، ولكننا نجهل كيفية الصفة، لله عز وجل وجه، نعلم ما معنى الوجه لكن هل نعلم كيفيته؟ لا؛ لأن ما غاب عنك لا يخاطبك الله به إلا ببيان معناه فقط، وأما كيفيته فلا يمكنك إدراكها؛ لأنه غائب ولا نظير لها، والشيء لا يُعرف إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره، أو الخبر الصادق عنه. يقول: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾، ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ كيف نعرب ﴿مَثْنَى﴾؟ * طالب: مفعول. * الشيخ: لا. * طالب: ملحق بالمثنى. * الشيخ: ملحق بالمثنى؟ لا. * طالب: صفة لـ﴿أَجْنِحَةٍ﴾. * الشيخ: كمل، في بدل أو صفة، يصح أن تكون صفة، لكن أعرب المهم إعراب.. أما محلها من الإعراب فالأمر جائز في هذا وهذا. ﴿مَثْنَى﴾ [فاطر ١] بدل أو صفة لـ﴿أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١]. * الطالب: بدل مجرور. * الشيخ: وبدل المجرور مجرور، وعلامة جره كسرة مقدرة؟ * طالب: مجرور بالفتحة؛ لأنه ما ينصرف. * الشيخ: فتحة مقدرة على أيش؟ على الألف نيابةً؟ * الطالب: نيابةً عن الكسرة. * الشيخ: والمانع من الصرف؟ * طالب: الوصف والعدل. * الشيخ: الوصفية والعدل، وكذلك نقول في ﴿وثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١]؛ ولهذا قال: ﴿ثُلَاثَ﴾ ولم يقل: ثلاثًا، ﴿وَرُبَاعَ﴾ ولم يقل: رباعًا أو رباعٍ بالكسر، ما قال: ثلاثًا ورباعٍ. ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ في الملائكة وغيرها). ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ سواء كان في الملائكة أو غيرهم. ﴿يَزِيدُ﴾ ﴿مَا يَشَاءُ﴾ مما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى؛ ولذلك تجد المخلوقات لها أيدٍ وأرجل بحسب حاجتها إلى هذه الأيدي والأرجل، فبنو آدم لهم أرجل يمشون بها، ولهم أيدٍ يبطشون بها، ولا يمشون بها؛ لأن هذه الأيدي محل الأخذ والعطاء، فأُكْرِم الإنسان بأن تكون يداه غير مُستعْمَلة في المشي، بخلاف الحيوان؛ الحيوان يداه مستعملة في المشي؛ لأنه يأخذ بفمه، ويُعطي بفمه، وينقل بفمه؛ حتى الهرة إذا أرادت أن تنقل أولادها بفمها، لكن الآدمي مُكرَّم، فجعل الله تعالى يديه غير مستعملتين في المشي. فهو يزيد في الخلق ما يشاء على حسب ما تقتضيه الحكمة وحاجة ذلك المخلوق، وكل ما ذكره الله عز وجل مما هو معلق بمشيئته فقد سبق لنا أنه مقرون بالحكمة. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر ١] هذا تعليل لقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ يعني كأن سائلًا يسأل: وهل ذلك صعب عليه؟ فكان الجواب من هذه الجملة أنه سهل؛ لأن الله على كل شيء قدير. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كل شيء موجود قادر على إعدامه، وكل معدوم قادر على إيجاده. لكن لو قال لك قائل: هل يقدر على أن يجعل المتحرك ساكنًا في آنٍ واحد؟ * طالب: لا يجوز، ما جاء به نص. * الشيخ: هل يقدر على أن يجعل الشيء المتحرك ساكنًا في آنٍ واحد؟ ما هو بأن يجعل المتحرك ساكنًا؛ يعني يسكن المتحرك، أو يحرك الساكن هذا واضح، لكن في آنٍ واحد؟ * طالب: يقدر ولكن (...). * الشيخ: يقدر؟ * طالب: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان ٤٥]. * الشيخ: إي، ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ ما يخالف، إحنا نقول: المتحرك، يقدر أن يجعل المتحرك ساكنًا، لكنه لا ساكن في حال تحركه؛ لأن متحرك ساكن يمتنع. * طالب: يقدر ولكنه ما جرت به العادة. * الشيخ: لا، يقدر عز وجل أنه يطلع الشمس الساعة الثانية عشرة من الليل لكن ما جرت به العادة، لكن كلمة متحرك ضد، أو نقيض ساكن، أنت إذا وصفته بالمتحرك يقين ليس بساكن، وصفته بأنه ساكن يقين ليس بمتحرك؛ فلذلك قال العلماء: إن المستحيل غير وارد، لأنه مستحيل يعني ما يمكن وجوده، ما هو ما يمكن باعتبار قدرة الله لكن الله عز وجل إذا أراد أن يجعل هذا المتحرك متحركًا صار متحركًا لا ساكنًا، أما يكون متحركًا ساكنًا، كيف يكون متحرك ساكن؟ المتحرك غير ساكن. يقال: إن الشيطان كان يفرح بموت العالِم إذا قيل: مات فلان العالم؛ فرح وسوَّى حفلة، واستأنس، لكن إذا قيل: مات عابد يقول: هذا هين، ما يهم، يموت ولَّا ما يموت، عرفتم؟ فقال له جنوده: يا سيدنا، ليش أنك تفرح بموت العالم هذا الفرح العظيم، وموت العابد ما يهمك؟ مع أن العابد منقطع عن الدنيا وزاهد في الدنيا ويُكثِر الذكر والصلاة وغيرها؟ قال: إي، لأن العالم أشد عليَّ من العابد، قال: كيف؟ قال: أنا أُريكم الآن، روحوا للعابد وقولوا له: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ في جوف بيضة ولَّا لا؟ راحوا للعابد قالوا له: هل إن الله يقدر على أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة؟ قال: عاد هذا مستحيل هذا، السماوات والأرض على كبرها ما تصير في بيضة، رأسي لو يصير في بيضة فقسها، رأسه وهو ما هو شيء بالنسبة لك، ما يصح هذا، ما يمكن هذا، ولا يقدر الله على هذا. قال: زين. قولوا له: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ أن يخلق مثل الله؟ فذهبوا له قالوا: ما تقول هل يقدر الله أن يخلق مثل الله؟ قال: نعم، بسيط هذا، إن الله على كل شيء قدير، يقدر الله أن يخلق ربًّا مثله. إذن كفر هذا العابد سلبًا وإيجابًا، نفيه القدرة في الأول كفر، وإثباته القدرة في الثاني كفر. قال: يلَّا شوفوا، يلَّا روحوا للعالم، اسألوه عن السؤالين، جاؤوا للعالم قالوا: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل السماوات والأرض في جوف بيضة؟ قال: نعم، يقول: كن فيكون، إما أن تصغر السماوات والأرض وإما تكبر البيضة، المهم إذا أراد قال فكان. قال: هل يقدر الله أن يخلق مثله؟ قال: هذا مستحيل، هذا أمر مستحيل، والْمِثلية لا يمكن أن تتطابق أبدًا، لو لم يكن من الفارق العظيم إلا أن هذا حادث، وذاك واجِد الوجود، هذا مستحيل، قال: يلَّا شوفوا. فالمهم أن الله عز وجل على كل شيء قدير، لكن الشيء المستحيل الذي لا يتصور لا يتصور، وليس المراد هنا المستحيل عادةً، المستحيل عادةً يخلفه الله عز وجل؛ لأن الله هو خالق العادة وقادر على تغييرها، وهذه النار التي تحرق كانت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا الماء السيال صار جامدًا كالطود العظيم، والعادة ممكن أن الله يغيرها عز وجل وبكل سهولة، لكن الكلام على الأمر الممتنع المستحيل. يقول العلماء: إنه لا تتعلق به القدرة لأنه مستحيل؛ ولهذا قال السفاريني في العقيدة: - ..................... ∗∗∗ ................ وَاقْتَدَرْ؎بِقُــــــدْرَةٍ تَعَلَّقَتْ بِمُمْــــكِنْ ∗∗∗ ...................... وهذا أمر متفق عليه عند العقلاء. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر ١] ما فيه استثناء ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كتب الجلال رحمه الله -وهو السيوطي- على هذه الآية في سورة المائدة قال: (وخص العقل ذاته فليس عليها بقادر) يعني على كل شيء قدير إلا على ذاته فليس عليها بقادر، ما تقولون في هذا الاستثناء؟ باطل؟ نقول: هذا لا شك أنه باطل؛ لأن الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقولك: إن العقل خص ذاته فليس عليها بقادر، نقول: إن العقل لا يمكنه أن يخصص هذا الخبر بدون دليل، ولو ذهبنا نُخصِّص مثل هذه العمومات بالعقول لأبطلنا كثيرًا من دلالات الكتاب والسنة. وماذا تريد بقولك: (خص العقل ذاته فليس عليها بقادر)؟ إن أردت أنه سبحانه وتعالى لم يكن قادرًا على ذاته؛ بمعنى أنه لا يقدر مثلًا أن يمرض نفسه، أو أن يعدم نفسه -سبحانه وتعالى - فهذا أصل لم تتعلق به القدرة؛ لأن هذا من الأمور المستحيلة، وإن أردت أنه لا يقدر على أن يفعل -ولعل هذا مراده- إن أردت أنه ليس قادرًا على أن يفعل؛ لأن الأشاعرة ومن شابههم ينكرون الأفعال الاختيارية؛ فهذا كذب، بل العقل يدل على أنه سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال فعَّالًا لما يريد حقيقة. فيه عبارة تقع كثيرًا بين الناس يقول: إن الله على ما يشاء قدير، ما تقولون في هذه العبارة؟ * طلبة: (...). * الشيخ: (...) بنناقشه ما هي بمسألة هينة، اجزموا وإلا انسحبوا، لماذا؟ * طالب: لو قال: إن الله على ما يشاء قدير لكان (...) على غير ما يشاء غير قدير مثل القدرة (...). * الشيخ: يعني هذا يوهم أن ما لا يشاؤه فليس قادرًا عليه، هذا واحد. * طالب: إن كان الإنسان يعني يقول ما أريد هذا (...) المشيئة لا يلزم من إثباتها (...) ينفي، يعني على ما يشاء قدير لا تنفي أنه قادر على غير.. * الشيخ: أنه عاجز. * الطالب: أنه عاجز على غير ما يشاء، أن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه هذا. * الشيخ: دعنا من أنه أثبت، لكن هذه العبارة هل جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله؟ * الطالب: نعم، جاءت. * الشيخ: وين؟ * طالب: إن الله على ما يشاء. * طالب آخر: إن الله فعال لما يريد. * الشيخ: دعنا من ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. * الطالب: هو المشيئة والإرادة. * الشيخ: الفعل غير القدرة، هل هو ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾؟ هذه في القرآن ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧] لكن القدرة؟ * طالب: الاختلاف ما في هذا. * الشيخ: لا؛ لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل. * طالب: نعم، لكن لا يكون أنه قادر على غير ما يشاء. * الشيخ: لا، على كل حال ما ردك سليمًا؛ لأن قوله: على ما يشاء، أيضًا مقدم، والتقديم يفيد التخصيص، مقدم على عامله والتقديم يفيد التخصيص، أي: على ما يشاء. * طالب: كيف ترد هذه أيضًا؟ * الشيخ: ترد بلسان مَنْ؟ * الطالب: في القرآن. * الشيخ: أعطنا من هذا الكثير الشيء اليسير؟ * الطالب: في هذه.. في سورة. * الشيخ: لك الآن من الآن إلى أسبوعين، اقرأ القرآن من أوله إلى آخره، إذا وجدت أن الله على ما يشاء قدير. * الطالب: لا، ليس إن الله على ما يشاء قدير، لكن يعني في نفس المعنى وليس في هذا اللفظ. * الشيخ: ما يخالف، ولو في نفس المعنى، كأنك تريد إن الله قال: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩]، لكن هنا المشيئة عائدة مو على القدرة، عائدة على الجمع، يعني إذا شاء جمعهم فإنه قدير عليهم ردًّا على من أنكروا البعث وقالوا: كيف إن الله يجمع الناس ويبعثهم بعد أن ماتوا؟ هذا واحد. ثانيًا: أنك إذا قلت: إنه على ما يشاء قدير فقد خالفت التعبير القرآني الذي أطلق الله فيه وعمَّم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر ١]. ثالثًا: أن هذا مأخوذ من مذهب القدرية؛ لأن القَدَرِيَّة يقولون: إن الله لا يقدر على عمل العبد فهو غير داخل في قدرة الله، وإذا لم يقدر عليه فإنه لا يشاؤه. وكذلك يقولون: إنه سبحانه وتعالى إذا كان فعل العبد في غير مشيئته فإنه غير قادر عليه؛ لأن الله قادر على ما يشاء فقط. فلأجل هذا نقول: إن هذه العبارة لا تنبغي، وإن كان صاحبها يريد بها معنًى صحيحًا، وقد يريد بها معنًى صحيحًا كما هو ظاهر عبارة كثير من المسلمين اليوم تقول بهذا الشيء، ونقول: إن الأكمل أن تقول: إن الله على كل شيء قدير. فإن قلت: إنه ورد في قصة الرجل الذي يدخله الله الجنة آخر من يدخل الله الجنة فيقول الله له لما قال: «هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ». قال الله له: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]]. هذا حديث قدسي. فالجواب: أن هذا في قضية معينة؛ يعني لو وقع شيء يستغرب الإنسان وقوعه ويستبعده، فلنا أن نقول: إن الله تعالى إذا شاء شيئًا فهو قادر عليه؛ بمعنى أنه فاعله كقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧] بخلاف القدرة المجردة عن الفعل، فإن هذه لا تقيد بالمشيئة (...). ظاهر الآية الكريمة أن جميع الملائكة رسل، فهل هذا الظاهر مراد؟ تقول: غير مراد بدليل قوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج ٧٥]. ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]. * في هذه الآية الكريمة: بيان كمال الله عز وجل حيث أثنى على نفسه بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [فاطر ١]. * وفيه أيضًا: أن الله عز وجل رحيم بعباده يُعلِّمهم كيف يحمدونه؛ لأن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ خبر لكن معناه الإرشاد والتوجيه، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء ١١١]. ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنها كلما جاءت (الحمد لله) فهو على تقدير (قل) حتى قالوا في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] المعنى: قل الحمد لله. ولكن الصواب خلاف ذلك، وأن هذا خبر من الله، ونحن نتلوه نثني به على الله، ولا حاجة إلى أن يأمرنا الله بذلك. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم (الله) للرب عز وجل، وهذا الاسم خاص به لا يُقال لغيره وهو أصل الأسماء؛ ولذلك تأتي الأسماء بعده -في الغالب- صفةً له، ولا تأتي سابقةً عليه إلا نادرًا كما في قوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] وإلا فإن الغالب أن الأسماء تأتي تابعةً له فهو أصل الأسماء؛ ولهذا لا يسمى به غيره أبدًا لا علمًا ولا صفة بأي حال من الأحوال. وهل هو مشتق أو اسم جامد؟ الصحيح -بلا شك- أنه مشتق؛ لأن جميع أسماء الله تعالى مشتقة بمعنى أنها دالة على المعاني التي أُخِذت منها، منين مشتق (الله)؟ * طلبة: من الإله. * الشيخ: من الأُلوهية، الاشتقاقات تكون بالمصدر، ما هو أصل الإله؟ صح أصله (الإله)، لكن (الإله) من أين مشتقة؟ من الألوهية. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل هو فاطر السماوات والأرض لم يشاركه أحد في ذلك؛ لقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ١]. * ومنها؛ أي من فوائد الآية الكريمة: كمال قدرته وحكمته حيث ابتدأ خلق هذه السماوات العظيمة والأرض على هذا النظام البديع من غير أن يسبق مثال يحتذيه ويقتدي به، ومعلوم أن مبدأ الصنعة يُشْهد له بالخبرة والقدرة؛ يعني من أنشأ شيئًا جديدًا، وصار هذا الشيء الجديد منتظمًا على تمام الانتظام وغاية الإحكام فإنه يُشهد له بماذا؟ بالكمال والخبرة. وفي كونه فطر السماوات والأرض دليل على القدرة وعلى الحكمة؛ لأنه خلقهما على غير مثال سبق. * ومن فوائدها: أن السماوات متعددة، وقد بين الله تعالى في آية أخرى أنها سبع فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦]، وأما الأرض فذُكِرَت مفردة باعتبار الجنس وهي كم عددها؟ * طالب: عدد الأرض؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: واحدة. * الشيخ: واحدة فقط؟ * طالب آخر: سبع طبقات. * الشيخ: كم الأرض؟ * الطالب: سبع أرضين. * الشيخ: سبع أرضين ما دليلك من القرآن والسنة؟ من القرآن؟ * طالب: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] . * الشيخ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] ومن السنة؟ * طالب: الحديث: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧)، واللفظ له من حديث سعيد بن زيد.]]. * الشيخ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» بارك الله فيك. * طالب: في حديث ثالث: «السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضِين السَّبْع». * الشيخ: أقول: فيه أحاديث ما هو حديث.. * طالب: لكن ما هو يعني أصرح من هذا؟ * الشيخ: لا، هذا أصرح. * الطالب: (...) يطوقه. * الشيخ: من سبع أرضين. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ﴾ [فاطر ١]. * ومن فوائدها: أن من الملائكة من اصطفاهم الله تعالى رسلًا إلى الخلق بالوحي، وغير الوحي، بالوحي وغيره؛ لقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١]. * ومنها: أن هؤلاء الرسل لهم أجنحة؛ أجنحة متعددة الأصناف ومتعددة الأعيان، يعني أنها متعددة كمية وكيفية؛ لقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١]. * ومنها؛ أي من فوائد الآية: أن فيها إشارةً إلى سرعة تنقل الملائكة لقوة أجنحتهم؛ لقوله: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾، وإنما قلت: لقوة أجنحتهم؛ لأنه لولا أن لهذه الأجنحة مزية عظيمة استحقت أن يُنَصَّ عليها لكان يُذكر غير الأجنحة كالرؤوس مثلًا، ولكن ذكر الأجنحة لما فيها من القوة لحملها هؤلاء الملائكة؛ ولأنها تكون عند الإرسال أسرع. وقد ذكرنا مثالًا لذلك يدل على أن الملائكة أسرع من غيرها في الطيران في قصة عرش بلقيس. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يزيد على الاثنين والثلاث والأربع بما يشاء؛ لقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر ١]. * ومنها أيضًا: أن الله تعالى فضل المخلوقات بعضها على بعض؛ لقوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ والزيادة مقابلها نقص. إذن: فهناك مفاضلة بين المخلوقات بعضها مع بعض. ولكن هل المراد القوة أو كِبَر الجسم، أو العقل، أو العلم، أو المعدن؟ الجواب: العموم؛ لأنه قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر ١]، فهذا يزيده قوةً في الجسم، وهذا يزيده قوةً في العقل، وهذا يزيده قوةً في (...)، وهذا يزيده قوةً في العلم إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا وجدت من نفسك نقصًا في خلقك فاطلبه ممن؟ * طالب: من الله سبحانه وتعالى. * الشيخ: طلبناه من؟ من الله؛ لأن قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ معناه: لا تسأل الزيادة في خَلْق ولا خُلُق إلا من الله عز وجل؛ لأنه هو المان بما يزيد به سبحانه وتعالى. * ومن فوائدها: إثبات المشيئة؛ لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾. وقد مر علينا أن المشيئة في كل ما وردت مُعلَّقة بماذا؟ بالحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة العامة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر ١]، فهو قادر على أن يزيد في الخلق ما يشاء، وقادر على الإيجاد والإعدام. * ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية الذين يزعمون أن أفعال العبد غير مخلوقة ولا مقدورة لله، من أين يؤخذ؟ ما وجه أخذها؟ * طالب: (...) كل هذا الشيء نكرة كل شيء (...). * الشيخ: كل ما يحتاج نقول: نكرة؛ لأن (كل) من صيغ العموم سواء كانت نكرة أو معرفة. * الطالب: (...). * الشيخ: صح؛ لعموم قوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأفعال العبد من الأشياء.

فاطر 35:2

ثم قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ يقول: ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ ﴿مَا﴾ شرطية تجزم بدليل الفعل بعدها ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ ولكن الفعل بعدها أمامنا مكسور ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ فنقول: إن هذه الكسرة عابرة من أجل توقي التقاء الساكنين وإلا فإنها مجزومة، فأصلها: (ما يفتح) حذف بالكسر؛ لالتقاء الساكنين كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] وأصلها: لم يكن. وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر ٢] الفتح فتح الشيء إزالة الحواجز دونه، يعني مثلًا فتحت البيت؛ يعني أزلت الحاجز المانع من دخوله وهو الباب. والرحمة إذا فُتِحت فإن الإنسان يدخل إليها و(...) فيها. وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيان لـ(ما)، و(ما) شرطية مفيدة للعموم، وعلى هذا فيكون في الآية عموم؛ أي: أي رحمة يفتحها الله عز وجل للناس فلا أحد يستطيع إمساكها. وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ قال المؤلف: (كرزق ومطر). وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأن رحمة الله أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ١٨] فرحمة الله عز وجل لا تحصى في أنواعها فضلًا عن أفرادها. وقوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر ٢] أي: فلا أحد يمسكها بل ستصل إلى من فتحها الله تعالى له، ولا يردها أحد، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول بعد الرفع من الركوع: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]. ويقوله كذلك بعد الصلاة: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس.]]. فلا أحد يستطيع أن يُمسك رحمة الله مهما عمل حتى لو حاول الحسد والتشويه ومنع الرزق ما يستطيع، إذا فتح الله الرحمة للعبد لا أحد يستطيع أن يحول بينه وبينها. ولهذا جاءت ﴿لَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ و﴿لَا﴾ نافية للجنس، وهي أنص شيء على العموم؛ ولهذا عموم ﴿لَا﴾ النافية للجنس لا تخصيص فيه أبدًا. قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ وهنا قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر ٢] الضمير في ﴿لَهَا﴾ يعود على الرحمة. ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر ٢] لعلك تتوقع أن يكون نص الآية الكريمة: وما يمسك فلا مرسل لها؛ لأن الكلام الآن في الرحمة، في الجملة الأولى قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فيقتضي أن تكون الجملة الثانية كالأولى؛ أي: وما يمسك فلا مُرْسِل لها، هكذا تتوقع، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لم يُخَصَّص بالرحمة حتى نقول: إن المتوقع أن يقول: فلا مرسل لها، بل قال: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ وحذف المتعلق؛ ليفيد العموم أي: ما يمسك من رحمة، وما يمسك من شر، فلا مُرسل له، حتى الضرر الذي يمسكه الله عز وجل لا أحد يرسلك إليه أو يوصله إليك حتى الرحمة التي أمسكها الله عنك لا يمكن أن يُرسلها أحد إليك؛ ولهذا أحيانًا يسعى الإنسان إلى ما يرى أنه من رحمة الله من رِزْق وغيره، ثم يحول القدر بينه وبينه، أحيانًا يتعرض الإنسان لأخطار ولكن يسلم منها، قد يحصل بالسيارة انقلاب أو صدم فيموت أناس أطول منك أجسامًا وأقوى منك منعة وتبقى أنت. إذن الله أمسك عنك الضرر ولَّا لا؟ ولولا هذا الإمساك لهلكت فيمن هَلَكَ. إذن نقول: ﴿مَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أي لما أمسكه، فعاد الضمير في (لا مرسل له) على لفظ ﴿مَا﴾. ولفظ ﴿مَا﴾ مذكر ولَّا مؤنث؟ لفظ ﴿مَا﴾ مذكر بخلافه في الأول فعاد على رحمة؛ لأنها مؤنثة. الآن تبين لنا أن السياق على أتم ما يكون من البلاغة، وأننا كنا نتوقع أنه يقال: فلا مرسل لها، ليس على ما نتوقع، ليش؟ لأن قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لا يعني الرحمة بل هو عام؛ ولهذا نقول: إن قول المؤلف: (وما يمسك من ذلك) فيه قصور؛ لأن قوله: (من ذلك) يعود إلى الرحمة، ولكن نقول: وما يمسك من ذلك وغيره ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ قال المؤلف: (أي بعد إمساكه) وهذا لا شك أنه احتمال، وأنه يحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى (إمساك) المستفاد من قوله: ﴿يُمْسِكْ﴾. إذا قيل: هل لهذا نظير أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل قبله؟ لأنه من المعلوم أن مرجع الضمير لا بد أن يكون اسمًا، مذكورًا قبل أو بعد أو مقدر. المهم أن مرجع الضمير اسم. الاسم إما أن يُذكر بلفظه الصريح مُقدمًا أو مؤخرًا أو مقدرًا، وإما أن يؤخذ من مصدر فعل سابق. هنا أرى على كلام المؤلف: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقول: (أي من بعد إمساكه). فنقول: أين كلمة إمساك هل سبقت؟ نعم، سبقت؛ لأن يمسك فعل مأخوذ منين؟ من الإمساك. إذن فقد تضمن الفعل ذلك المرجع وهو الإمساك. ونظيره قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ﴿هُوَ﴾ أي العدل المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾ أقرب للتقوى. نرى الثاني يقول: الأصل في مرجع الضمير أن يكون اسمًا مذكورًا متقدمًا، مطابقًا أيضًا، وقد يتأخر، وقد يُقدَّر، وقد يكون مفهومًا من مصدر فعل سابق كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وكما في هذه الآية على تقدير المؤلف. هل يمكن أن يحتمل عود الضمير على غير الإمساك؟ شوف الآية، على الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر ٢] أي: من بعد الله، وتكون كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]. ويكون الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدًا إلى الله عز وجل وهذا أقرب؛ لأنه أدل على كمال التصرف في حق الله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر ٢] قال: (العزيز الغالب على أمره الحكيم في فعله) أظن أن كل واحد منكم بإمكانه أن يقول: إن هذا التفسير قاصر، تفسير المؤلف الآن قاصر؛ لأن قوله: (العزيز الغالب على أمره) هذا أحد معاني العزيز، فإن (العزيز) له ثلاثة معانٍ: عزة القدْر، والقهر، والامتناع، القهر هو معنى قوله: (الغالب على أمره). ونقول: إنه يشمل الغالب على أمره الذي لا يُغلَب، وهذا هو القاهر، ذو القدْر الرفيع العالي، وهذا معنى قولنا: عِزَّة القدر، عزة الامتناع: يعني أنه يمتنع أن يناله سوء أو نقص أو عيب. فالعزة إذن ثلاثة معانٍ، وليست معنًى واحدًا. أما ﴿الْحَكِيمُ﴾ فقال المؤلف: (في فعله) وهذا أيضًا قصور، فإن الله تعالى حكيم في فعله وقوله، في قدَرِه وشرْعه، في الكل، بل إن الحكيم لها معنًى آخر؛ لأنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فهو ذو حكم وذو إحكام، والحكم كوني وشرعي، والإحكام في الغاية أو في الصورة التي عليها الشيء، فالجميع أربعة أنواع. ولكن يقرن الله تعالى دائمًا بين العزة والحكمة لما في ذلك من كمال عزته (...). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣] نقول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ ولهذا إذا قلت للطالب: يا ولد! فإنه ينتبه، فتصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يفيد التنبيه. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال المؤلف: (أهل مكة). وهذا بلا شك قصور؛ لأن (الناس) عام، والواجب علينا في القرآن والسنة أن نُبقي العام على عُمومه حتى يقوم دليل على إرادة الخصوص، وإلا فإن الواجب إبقاؤه على عمومه؛ لأنه ليس لنا حق في أن نتصرف في مدلولات الألفاظ المخالفة لظاهرها إلا بدليل من المتكلم، أو من يتكلم مبينًا كلامه كالرسول عليه الصلاة والسلام. فالنداء إذن عام لجميع الناس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ﴿اذْكُرُوا﴾ المراد بالذكر هنا ذِكْر النعمة بالقلب، وذِكْرها باللسان، وذِكْرها بالفعل بالجوارح؛ ذكرها بالقلب بأن يتأمل الإنسان من أين هذه النعمة أتت؟ من الذي خلقك؟ من الذي أمده بالرزق وهو في بطن أمه لم يخرج من بعد؟ من الذي أعده لقبول ما يمر به وتصوره وتعقله وتنفيذه؟ الجواب: الله، فأنت إذا تذكرت في قلبك -ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الغفلة- إذا تذكرت في قلبك هذه الأمور عرفت أن ما بك من نِعمة فهو من الله عز وجل؛ فذكر النعمة بالقلب أن الإنسان يتأمل، يقول: من الذي أوجدني؟ مَنْ؟ أجب! الله، من الذي أمدني بالنعم وأنا في بطن أمي لا يستطيع أحد أن يوصل إليَّ لقمة العيش أو جرعة الماء؟ هو الله عز وجل، ثم من الذي أعدني وهيأني لأن أكون قابلًا لما فيه منفعتي في الدنيا والآخرة؟ الله عز وجل، فالنِّعم إيجاد وإمداد. والشق الثالث: إعداد. إيجاد وإمداد وإعداد كل ذلك من الله سبحانه وتعالى هذا ذكرها بالقلب، ذكرها باللسان أن نثني على الله بها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، فيتحدث بالنعم لا على سبيل الافتخار ولكن على سبيل الثناء. ذِكْرها بالجوارح أن يُرى أثر هذه النعمة عليه، فإن كانت النعمة علمًا رُئي أثر هذا العلم عليه بحسن التصرف والوقار والسكينة والأدب ونشر العلم والدعوة إلى الله عز وجل، هذا مثال، إذا كان بمال يُرى أثر نعمته عليه بالإنفاق فيما يحبه الله عز وجل من الزكاة والنفقات الواجبة والصدقات المستحبة والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه هذا ذكر بماذا؟ بالجوارح. فصار الذكر يشمل ثلاثة أمور: الذكر بالقلب إيش بعد؟ واللسان والجوارح. ومن ذكر النعمة بالجوارح أيضًا: أن يقوم بشكرها، أن يقوم بالشكر والله عز وجل أمرنا بذكر نعمته للغاية وهي: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢] ليس المراد أيضًا أن تذكر النعمة فقط بل لا بد من قرن هذا الذِّكْر بالشكر ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣]. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿نِعْمَتَ﴾ هنا مضاف، نكرة مضاف فيشمل جميع النعم وهي (...) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم) هذا التفسير بناءً على أن المخاطب أهل مكة ولكن نقول: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالنعم التي لا تحصى وهي كثيرة جدًّا كما أسلفنا الأمثلة عليها، تكون النعمة بالإيجاد والإمداد والإعداد، كل هذه من الله عز وجل ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣] يعني إذا تقرر أن ذكرتم نعمة الله عليكم فإننا نوجه إليكم هذا السؤال المتضمن للنفي ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ (﴿مِنْ﴾ زائدة. و﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأ ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالرفع والجر نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ لفظًا ومحلًّا. وخبر المبتدأ ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ). أولًا: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ (هل) أداة استفهام حرف، و(من) زائدة زائدة. كيف زائدة زائدة؟ هذا قلناه. زائدة لفظًا زائدة للمعنى؛ لأنها تفيد توكيد النفي والتنصيص على العموم. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ و﴿خَالِقٍ﴾ إذن مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيه قراءتان ﴿غَيْرُ﴾ و﴿﴿غَيْرِ﴾ ﴾، وكلاهما صحيح. أما على قراءة الجر ﴿﴿غَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴾ فهي صفة تابعة للفظ، لفظ ﴿خَالِقٍ﴾؛ و﴿خَالِقٍ﴾ مجرور. وأما على قراءة الرفع فهي صفة تابعة لمحل ﴿خَالِقٍ﴾؛ لأن محله الرفع على الابتداء؛ ولهذا قال المؤلف: (بالرفع والجر نعت لـ(خالق) لفظًا ومحلًّا) في كلام المؤلف: لف ونشر مشوَّش، يبين لنا هذا في كلام المؤلف لف ونشر مُشوَّش. * طالب: (...) هو على كل، اللف والنشر (...) هو أن يقدم. * الشيخ: ما أريد أن تُعرِّفني به، أنا أعرفه. * الطالب: (...). * الشيخ: من يعرف (...)؟ * الطالب: لأنه قال: بالجر. * الشيخ: لا. * الطالب: قال: نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾. * الشيخ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيش يقول بعدها؟ * طالب: (الرفع والجر) (...) * الشيخ: لا. * طالب: لما ذكر الرفع والجر بعدها قدم الجر قال: (...). * الشيخ: وهذا الجر؟ ومحله هذا للرفع، لا، هذا لف ونشر مشوش. * طالب: غير مرتب. * الشيخ: نقول: غير مرتب إذا صار في القرآن أو في الحديث، أما في كلام الناس نقول: مشوش، فليكن مشوشًا. (بالرفع والجر نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ ) لو كان مرتبًا لقال: نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ محلًّا ولفظًا؛ لأنه بالرفع يكون نعت المحل، بالجر يكون نعتًا للفظ. على كل حال إنه ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان، ولكل منهما وجه في اللغة العربية. وقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يقول المؤلف: (خبر المبتدأ) هل الفعل نفسه خبر المبتدأ أو الجملة؟ * الطلبة: الجملة. * الشيخ: الجملة، لكنهم عند الإعراب يتساهلون. فمثلًا لو قلت: فلان في المسجد يقول: في المسجد جار ومجرور خبر المبتدأ. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر ٣] يقول: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ خبر المبتدأ، وإن كان هذه جملة. قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ هو استفهام بمعنى النفي، وقد ذكرنا سابقًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي فإنه مُشرَب معنى التحدي، يعني لو قال: لا خالق غير الله يرزقكم. استقام الكلام لكن قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ صار أبلغ؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي كأنه يقول: أروني خالقًا غير الله يرزقكم من السماء والأرض، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٠]. يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ﴿خَالِقٍ﴾ الخلق في اللغة: التقدير، ومنه قول الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْـــرِي مَــا خَلَـــقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي (تفري ما خلقت) يعني ما قدَّرت، ولكنه يُطلق على الإيجاد المسبوق بتقدير، فهنا ﴿خَالِقٍ﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، بمعنى مُوجِد إيجادًا مسبوقًا بتقدير. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؟ الجواب؟ لا، لا خالق غير الله يرزقنا من السماء والأرض. وقد سبق لنا إيراد على نفي الخلق عما سوى الله، وقلنا: إنه قد جاء في نصوص تدل على أن غير الله يخلق، وأجبنا عن ذلك بماذا؟ بأن خلق غير الله ليس إيجادًا، ولكنه تحويل من صورة إلى صورة، وأيضًا ليس عامًّا. وشيء الثالث: أن خلق غير الله هو من خلق الله في الواقع ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] حتى (...) إذا خلقت هذا الشيء يعني أوجدته بمعنى غيَّرته من حال إلى حال فإن فعلي هذا مخلوق لله عز وجل. فعليه نقول: إن الخالق الحقيقي هو الله. وقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ بمعنى يعطيكم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء كما في قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. فسر المؤلف الرزق من السماء بالمطر، وهذا لا شك أنه داخل فيه، فإن المطر من الرزق النازل من السماء، وهل هناك غيره رزق ينزل من السماء؟ * طالب: الوحي. * الشيخ: نعم، الوحي وهو ليس معنا، وفي شيء آخر. * طالب: الْمَنُّ والسلوى. * الشيخ: المن والسلوى، ويش المن والسلوى؟ * الطالب: (...) أنزل على بني إسرائيل. * الشيخ: على بني إسرائيل، لماذا لا نقول: الطيور مطلقًا مثلًا؟ ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل ٧٩] فهي تنزل من السماء وهي رزق للعباد أيضًا. * طالب: ومن الأرض. * الشيخ: ومن الأرض، هي من الأرض ومن السماء. ممكن أن نقول: إن الطل من الرزق؟ (...) الرطوبة هي من السماء أيضًا وهي رزق؛ لأنها تنفع الأشجار. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ﴿وَ﴾ (من) ﴿الْأَرْضِ﴾ قدَّر (مِن) إشارةً إلى أن الأرض معطوفة على السماء، النبات صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: صح لكنه قاصر؛ لأن الرزق من الأرض أكثر من النبات: النبات، والمعادن، والمياه، وغير ذلك، كثير من الأرض. وقوله: (والاستفهام للتقرير أي لا خالق رازق غيره). قوله: (للتقرير) ثم قال: (أي لا خالق) هذا شبه تناقض؛ لأن قوله: (لا خالق) يقتضي أن يكون معناه النفي، وهو كذلك، فهو للنفي المشرب التحدي، وأنه لا خالق إلا الله، إذا كان لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى فما الواجب: أن نعبد الله وحده أو لا؟ استمع، قال الله عز وجل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، وكيف تعلمون أنه لا رازق يرزقنا من السماء والأرض إلا الله، ثم تذهبون تعبدون غيره؟! هل هذا إلا نقص في التصوُّر، ونقص في العقل أيضًا والتصرف، نقص في التصور والعقل والتصرف، أليس كذلك؟ إذا كان لا رازق إلا الله كيف تعبد اللات والعزى ومناة وهبل والأشجار والأحجار والشمس والقمر والبقر أيضًا؟! فيه ناس يعبدون البقر، يقولون: إن فيه ناسًا في الهند يعبدون البقر، وأنه إذا مرت البقرة على طريق القطار الحديد فإنه يجب أن يقف ولو تكسر كل من فيه، وطبعًا القطار يمشي بسرعة إذا وقف تصادمت الأقواس ومات اللي فيها وتكسر، يقول: لازم؛ لأن هذه إله، والإله ما يمكن إنك تدعسه. * طالب: (...) تدخل الدكان وتأكل. * الشيخ: وتأكل ما شاءت، وتدع ما شاءت، المهم هل هذه عقول؟ ما هي عقول، في الجاهلية يصنعون إلهًا من التمر، فإذا جاعوا أكلوه، أكلوا الإله. فإذا كان الله عز وجل هو الرازق وحده بإقراركم واعترافكم فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إعراب هذه الجملة العظيمة التي بها يدخل الإنسان في الإسلام أو يخرج، يدخل إن أقر بها، ويخرج إن أنكرها. إعرابها: فيها ست أوجه للنحويين، وألَّف بعض العلماء رسالة في ذلك ولكن أحسن ما يقال في إعرابها: أن ﴿لَا﴾ نافية للجنس و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، وخبرها محذوف تقديره حق (لا إله حق). و﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء وحرف و﴿اللهُ﴾ بدل من الخبر المحذوف. وهل النفي هنا مُسلَّط على الوجود أو على الوجود بحق؟ على الوجود بحق؛ لأن هناك آلهة دون الله تُعبَد لكن ليس بالحق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨]، وقال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] فالآلهة موجودة لكنها لا تستحق أن تكون آلهةً؛ لأنها ليس لها ربوبية. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر ٣] (من أين تُصرَفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق) لو قال المؤلف: عن عبادته لكان أحسن؛ لأن (لا إله إلا هو) هذه توحيد ربوبية ولَّا ألوهية؟ * طلبة: ألوهية. * الشيخ: ألوهية، كلمة (توحيد) تشمل يعني الربوبية أيضًا، ولو قال: فأنى تُصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم أنه الخالق وحده لكان أحسن. وقوله: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر ٣] قال: (أي تُصرفون)، فالأفك بمعنى الصرف، ماضيه: أفك، ومضارعه: يأفك أفكًا ما هي إفكًا، أفكًا بالفتح، أما الإفك بالكسر فهو الكذب، والكذب في الواقع يتفق مع الأفك من حيث المعنى؛ لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع فهو صرف للشيء عن حقيقته، قال الله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٩] أي: يُصرف عنه من صُرف. إذن: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أي: تصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم بأنه الخالق وحده. والاستفهام في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع؛ يعني كيف تقرون بأنه الخالق وحده ثم تعبدون معه غيره؟ ثم قال عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ [فاطر ٤] (يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب) ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا شرطية وفعل الشرط؟ ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾ وجوابه؟ ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ واقترن بالفاء؛ لأنه مصدر بـ(قد). ﴿إِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: ينسبوك إلى الكذب فيقولون: إنك كاذب، لست رسولًا لله عز وجل، بل أنت ساحر ومجنون وكاهن وشاعر وما أشبه ذلك، وبعضهم يقول: لا بعث، ولا جزاء، ولا حساب، ولا عقاب. إن كذبوك فهذا أمر ليس ببدع من بني آدم وليس غريبًا من صنيع بني آدم ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر ٤] من كذبهم؟ كذبهم أقوامهم حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. حتى إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم سرًّا وجهرًا وبالتوبيخ وبالوعيد وبالوعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل. وقوله: ﴿رُسُلٌ﴾ التنكير هنا للتكثير والتعظيم؛ يعني رسل كثيرة، ورسل عظيمة أيضًا ﴿كُذِّبَتْ﴾ كُذِّب نوح، وكُذِّب إبراهيم، وكُذِّب موسى، وكُذِّب هارون، وكُذِّب عيسى، وهؤلاء أولوا العزم من الرسل وأفضل الرسل كذبوا، فتكذيبك إذن ليس ببدع. ويراد بهذا أمران: أحدهما: تسلية النبي ﷺ، فإن الإنسان إذا علم أن غيره أُصِيب بمثل مصيبته تسلَّى، يتسلى بذلك، فلو أن أحدًا أُصِيب بحادث، ثم رأينا الحوادث، واحد انكسر إيده، واحد انكسر أصبعه، واحد انكسر فخذه، وواحد انكسر صلبه، فقام الذي انكسر أصبعه يصيح ويتضجر. قلنا له: فلان انكسر صلبه ويش يكون؟ يخف عليه الألم وينساه؛ لأن تسلي النفس بالغير له أثر عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩] فاشتراككم في العذاب لن يُخفِّف عنكم كما هو الشأن في حال الناس في الدنيا، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا، ماذا قالت؟ قالت: وَلَــــوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِـــــينَحَــــــــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَـــلِّي النَّفْــــسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّي شوف كيف تقول: أسلي النفس عنه بالتأسي، أقول: هذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، فأنت وغيركِ سواء. ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ﴿تُرْجَعُ﴾ وقُدِّم؛ لإفادة الحصر؛ لأن إلى الله لا غيره تُرْجَع الأمور. وقد يقال: إنه قُدِّم أيضًا لفائدة لفظية وهي مراعاة الفواصل. قال المؤلف: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (في الآخرة فيجازي المكذبين وينصر المرسلين) وهذا أيضًا من القصور؛ لأن ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في الآخرة وفي الدنيا أيضًا، فإن الله ينصر المرسلين في الدنيا، ويعاقب المكذبين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. إذن: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤] عام، أمور الدنيا والآخرة، وأمور الشرع، وأمور القدر، فكل الأمور تُرجع إلى الله عز وجل؛ هو الأول والآخر، منه المبتدأ، وإليه المنتهى، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، قال ابن عمر رضي الله عنه: من كان له شيء فليأتِ به؛ لأن الله يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ويش يبقى؟ إذا كان الخلق وهو الإيجاد لله، والأمر في التصرف والتصرف لله أيش بقي لنا؟ ما بقي شيء؛ ولهذا لم يبقَ شيء من أحد لأحد أبدًا فالأمور كلها لله. الأمور هنا جمع (أمر)، وما معنى الأمر هنا؟ طلب الفعل على وجه الاستعلاء؟ * طالب: الشؤون. * الشيخ: الأمور بمعنى الشؤون؛ لأن الأمر الذي بمعنى طلب الفعل على وجه الاستعلاء جمعه (أوامر) لا أمور، فالأمور هنا جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ أي شؤون الدنيا والآخرة وشؤون القدرية والشرعية كلها تُرْجَع إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا كانت تُرجع إلى الله وقد كُذِّبت الرسل، فما مصير الرسل والمكذبين؟ مصير الرسل النصر في الدنيا والآخرة، ومصير المكذبين الخذلان والخزي والعار في الدنيا وفي الآخرة والله أعلم (...). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: وجوب ذكر نعمة الله عز وجل في المواضع الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل: القلب، واللسان، والجوارح. * ويستفاد منه: أهمية ذكر النعمة؛ لأنها صُدِّرت بأيش؟ بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٣]، وهذا يدل على الأهمية؛ لأن ما صُدِّر بالنداء معناه تنبيه المخاطب على الاستماع. * ويستفاد من ذلك من هذه الآية: أن الكفار مخاطبون بالشرائع، من أين يؤخذ؟ الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فكما يجب على المسلم أن يذكر نعمة الله يجب على الكافر أيضًا أن يذكر نعمة الله، وبناءً عليه فإنه يُعاقَب على عدم ذكر النعمة في الآخرة، وقد يُعاقَب عليه أيضًا في الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على عباده بالنعم ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣] وليس نعمة فقط ولكنها جنس، فيشمل جميع ما أنعم الله علينا من نعم الدين والدنيا سواء كان في البدن أو العقل أو العِرض أو المال. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا خالق إلا الله، بدليل؟ * طالب: لا خالق إلا الله. * الشيخ: أي نعم، بدليل؟ * الطالب: بدليل أنه خلقنا. * الشيخ: من الآية هنا، نحن الآن نتكلم على فوائد الآية، فنريد أن نأخذ الفائدة من كل لفظ أو كل جملة. * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: في أي كلمة؟ خصص لي محل الفائدة. * الطالب: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ نعم، وجه ذلك أنه لا خالق غير الله؟ * الطالب: هو الذي رزقنا. * الشيخ: لا، وجه ذلك من صيغة اللفظ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. * الطالب: إنهم أقروا. * طالب آخر: هنا الاستفهام بمعنى النفي. * الشيخ: صح، الاستفهام بمعنى النفي كأنه قال: لا خالق إلا الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق يأتي للإنسان من فوق ومن تحت، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ كذا؟ كما قال الله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل له الإيجاد والإعداد والإمداد، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: نعم، هذه فيها إمداد؛ لأن الرزق إمداد للإنسان. * الطالب: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: هذا إيجاد، الثالث؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ أن الله أعد لنا القبول كقبول الحق ولَّا لا؟ فإذا كان الله أعدكم لهذا القبول والاستدلال بالأدلة على مدلولاتها فأنى تؤفكون عنها؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...) لا خالق غير الله (...) عبادته. * الشيخ: (...) يعني كونه الخالق وحده فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ ولهذا نقول: توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، يتضمنها؛ يعني لا يُعبد إلا من عُلِم بأنه الرب الخالق الكامل في صفاته، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية ما سوى الله. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كيف تجمع بين هذا النفي وبين إثبات الآلهة لغير الله في قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود ١٠١]؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن الألوهية الحق ليست إلا لله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة أولئك القوم الذين يعبدون مع الله غيره مع إقرارهم بأنه الخالق الرازق، تؤخذ منين؟ * طالب: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتوبيخ. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى آخره [فاطر: ٤]. * من فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع؛ فالرسل قد كُذِّبت من قبل، وهذا واضح من اللفظ. * ومن فوائدها: عناية الله عز وجل برسوله ﷺ، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: تؤخذ من أن الله سبحانه وتعالى سلَّى؟ * طالب: رسوله (...). * الشيخ: بذكر من كذب من قبل. قلنا: * من فوائد الآية الكريمة: أن سنن الله تعالى في خلقه ظاهرة، كيف؟ * طالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ [فاطر ٤] إذا كُذِّبت أنت فقد كذب الرسل أنهم كذبوا الرسل كما كذب النبي ﷺ، هذه يعني السنة. * الشيخ: لأن التكذيب من فعل الغيب ما هو فعل الله؟ * طالب: لا، ليس من فعل الله يعني هكذا خلق الله سبحانه وتعالى الناس أنهم يكذبون الرسل، وأن الرسل يُؤاذوا ويكذبوا. * طالب آخر: سنن الله في رسله أنهم يعني غاية ما يستقبلونه بالتثبيط. * الشيخ: هذا (...). * طالب: من قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] فهذا لما بين الله سبحانه وتعالى أن الرسل لما جاءت تُكذِّب بالكلمات. * الشيخ: هذا هو اللي قاله (...). * طالب: (...) الرسل التكذيب من غيرهم. * طالب آخر: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. * الشيخ: لا، قلنا: فيها تسلية للرسول وتهديد للكفار، ما يمكن يثبت التهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى في الأمم واحدة؛ لأنه لولا ذلك لقال الكفار: وإذا كذبت القوم وأهلكوا ما لنا ولهم؟ يعني ما يمكن يصدق بأن في هذه الآية تهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى واحدة. أيضًا نقول في استفادة أن سنن الله تعالى في الناس واحدة؛ لأنه أهلَك من كذب الرسل وهدد من كذبوا محمدًا ﷺ. هل يُستفاد من الآية أن محمدًا رسول الله؟ * طالب: أي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] يعني رسول وهم رسل. * الشيخ: أي نعم، ولولا ذلك لم يكن في قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر ٤] فائدة. * من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور الشؤون كلها إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. * الشيخ: ويش وجهه؟ وجه اختصاص هذا بالله؟ * الطالب: كل الأمور كلها إلى الله. * الشيخ: ما وجه اختصاص ذلك بالله؟ * طالب: تقديم الجار والمجرور (إلى الله) خبر. * الشيخ: تقديم المعمول يفيد الحصر. إذن إلى الله لا إلى غيره تُرجع الأمور. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا أصابته الضراء أن يلجأ إلى ربه، وأن يتعلق به. * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كانت الأمور ترجع إلى الله فليكن طلب إزالة الضرر من الله. * وفيه أيضًا: وجوب تحكيم الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز العدول عما دل عليه الكتاب والسنة. * طالب: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: أن الأمور والشؤون الخلق جميعًا ترجع إلى الله. * الشيخ: ومنها الحكم بين الناس، فيجب أن يكون مرجِعه إلى الله. * ومنها: أن من حكَّم غير الكتاب والسنة فقد اعتدى على حق الله. * طالب: قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤] (...). * الشيخ: لأن الله قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومنها أيضًا: أنه لا يجوز للإنسان أن يسند ما رزقه الله من رزق: علم أو مال أو جاه أو ولد أو زوجة إلى نفسه فيقول: إنما أوتيته على علم عندي. * طالب: ترجع الأمور إلى الله؛ لأنه إذا أرجعها إلى نفسه أو إلى غيره ما أرجعها إلى الله. * الشيخ: لم يرجعها إلى الله. * ومنها: إثبات نعمة الله عز وجل على العباد بإرسال الرسل؛ لقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] والرسل إرسالهم من أكبر النعم؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الرسل، الإنسان يعرف مثلًا بفطرته أن الله تعالى موجود، وأن له ربًّا خالقًا مدبرًا لكن لا يعرف كيف يصل إلى هذا الرب إلا من طريق الرسل. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات حكمة الله عز وجل حيث جعل للرسل من يكذبهم؛ لأنه لولا تكذيب من كذب الرسل ما حصل الامتحان، فهذه من الحِكم العظيمة أن يجعل الله للرسل من يكذبهم، لولا تكذيبهم لم يحصل الامتحان؛ إذ لو كان الناس كلهم على الطاعة ما تميز الخبيث من الطيب، ولا تميز المؤمن من الكافر، ولا قامت سوق الجهاد، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤] فهذه من الحكمة في وجود المكذبين للرسل، في هذا حكم كثيرة، منها أيضًا أنه لا يتبين الحق حتى يُعرف الباطل، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الباطل الذي ينازع الحق ما عرفنا الحق لكان الكل سواءً، ولا نعرف هذا ولا بالباطل.

فاطر 35:3

ثم قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ يقول: ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ ﴿مَا﴾ شرطية تجزم بدليل الفعل بعدها ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ ولكن الفعل بعدها أمامنا مكسور ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ فنقول: إن هذه الكسرة عابرة من أجل توقي التقاء الساكنين وإلا فإنها مجزومة، فأصلها: (ما يفتح) حذف بالكسر؛ لالتقاء الساكنين كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] وأصلها: لم يكن. وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر ٢] الفتح فتح الشيء إزالة الحواجز دونه، يعني مثلًا فتحت البيت؛ يعني أزلت الحاجز المانع من دخوله وهو الباب. والرحمة إذا فُتِحت فإن الإنسان يدخل إليها و(...) فيها. وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيان لـ(ما)، و(ما) شرطية مفيدة للعموم، وعلى هذا فيكون في الآية عموم؛ أي: أي رحمة يفتحها الله عز وجل للناس فلا أحد يستطيع إمساكها. وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ قال المؤلف: (كرزق ومطر). وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأن رحمة الله أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ١٨] فرحمة الله عز وجل لا تحصى في أنواعها فضلًا عن أفرادها. وقوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر ٢] أي: فلا أحد يمسكها بل ستصل إلى من فتحها الله تعالى له، ولا يردها أحد، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول بعد الرفع من الركوع: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]. ويقوله كذلك بعد الصلاة: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس.]]. فلا أحد يستطيع أن يُمسك رحمة الله مهما عمل حتى لو حاول الحسد والتشويه ومنع الرزق ما يستطيع، إذا فتح الله الرحمة للعبد لا أحد يستطيع أن يحول بينه وبينها. ولهذا جاءت ﴿لَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ و﴿لَا﴾ نافية للجنس، وهي أنص شيء على العموم؛ ولهذا عموم ﴿لَا﴾ النافية للجنس لا تخصيص فيه أبدًا. قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ وهنا قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر ٢] الضمير في ﴿لَهَا﴾ يعود على الرحمة. ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر ٢] لعلك تتوقع أن يكون نص الآية الكريمة: وما يمسك فلا مرسل لها؛ لأن الكلام الآن في الرحمة، في الجملة الأولى قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فيقتضي أن تكون الجملة الثانية كالأولى؛ أي: وما يمسك فلا مُرْسِل لها، هكذا تتوقع، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لم يُخَصَّص بالرحمة حتى نقول: إن المتوقع أن يقول: فلا مرسل لها، بل قال: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ وحذف المتعلق؛ ليفيد العموم أي: ما يمسك من رحمة، وما يمسك من شر، فلا مُرسل له، حتى الضرر الذي يمسكه الله عز وجل لا أحد يرسلك إليه أو يوصله إليك حتى الرحمة التي أمسكها الله عنك لا يمكن أن يُرسلها أحد إليك؛ ولهذا أحيانًا يسعى الإنسان إلى ما يرى أنه من رحمة الله من رِزْق وغيره، ثم يحول القدر بينه وبينه، أحيانًا يتعرض الإنسان لأخطار ولكن يسلم منها، قد يحصل بالسيارة انقلاب أو صدم فيموت أناس أطول منك أجسامًا وأقوى منك منعة وتبقى أنت. إذن الله أمسك عنك الضرر ولَّا لا؟ ولولا هذا الإمساك لهلكت فيمن هَلَكَ. إذن نقول: ﴿مَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أي لما أمسكه، فعاد الضمير في (لا مرسل له) على لفظ ﴿مَا﴾. ولفظ ﴿مَا﴾ مذكر ولَّا مؤنث؟ لفظ ﴿مَا﴾ مذكر بخلافه في الأول فعاد على رحمة؛ لأنها مؤنثة. الآن تبين لنا أن السياق على أتم ما يكون من البلاغة، وأننا كنا نتوقع أنه يقال: فلا مرسل لها، ليس على ما نتوقع، ليش؟ لأن قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لا يعني الرحمة بل هو عام؛ ولهذا نقول: إن قول المؤلف: (وما يمسك من ذلك) فيه قصور؛ لأن قوله: (من ذلك) يعود إلى الرحمة، ولكن نقول: وما يمسك من ذلك وغيره ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ قال المؤلف: (أي بعد إمساكه) وهذا لا شك أنه احتمال، وأنه يحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى (إمساك) المستفاد من قوله: ﴿يُمْسِكْ﴾. إذا قيل: هل لهذا نظير أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل قبله؟ لأنه من المعلوم أن مرجع الضمير لا بد أن يكون اسمًا، مذكورًا قبل أو بعد أو مقدر. المهم أن مرجع الضمير اسم. الاسم إما أن يُذكر بلفظه الصريح مُقدمًا أو مؤخرًا أو مقدرًا، وإما أن يؤخذ من مصدر فعل سابق. هنا أرى على كلام المؤلف: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقول: (أي من بعد إمساكه). فنقول: أين كلمة إمساك هل سبقت؟ نعم، سبقت؛ لأن يمسك فعل مأخوذ منين؟ من الإمساك. إذن فقد تضمن الفعل ذلك المرجع وهو الإمساك. ونظيره قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ﴿هُوَ﴾ أي العدل المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾ أقرب للتقوى. نرى الثاني يقول: الأصل في مرجع الضمير أن يكون اسمًا مذكورًا متقدمًا، مطابقًا أيضًا، وقد يتأخر، وقد يُقدَّر، وقد يكون مفهومًا من مصدر فعل سابق كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وكما في هذه الآية على تقدير المؤلف. هل يمكن أن يحتمل عود الضمير على غير الإمساك؟ شوف الآية، على الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر ٢] أي: من بعد الله، وتكون كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]. ويكون الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدًا إلى الله عز وجل وهذا أقرب؛ لأنه أدل على كمال التصرف في حق الله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر ٢] قال: (العزيز الغالب على أمره الحكيم في فعله) أظن أن كل واحد منكم بإمكانه أن يقول: إن هذا التفسير قاصر، تفسير المؤلف الآن قاصر؛ لأن قوله: (العزيز الغالب على أمره) هذا أحد معاني العزيز، فإن (العزيز) له ثلاثة معانٍ: عزة القدْر، والقهر، والامتناع، القهر هو معنى قوله: (الغالب على أمره). ونقول: إنه يشمل الغالب على أمره الذي لا يُغلَب، وهذا هو القاهر، ذو القدْر الرفيع العالي، وهذا معنى قولنا: عِزَّة القدر، عزة الامتناع: يعني أنه يمتنع أن يناله سوء أو نقص أو عيب. فالعزة إذن ثلاثة معانٍ، وليست معنًى واحدًا. أما ﴿الْحَكِيمُ﴾ فقال المؤلف: (في فعله) وهذا أيضًا قصور، فإن الله تعالى حكيم في فعله وقوله، في قدَرِه وشرْعه، في الكل، بل إن الحكيم لها معنًى آخر؛ لأنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فهو ذو حكم وذو إحكام، والحكم كوني وشرعي، والإحكام في الغاية أو في الصورة التي عليها الشيء، فالجميع أربعة أنواع. ولكن يقرن الله تعالى دائمًا بين العزة والحكمة لما في ذلك من كمال عزته (...). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣] نقول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ ولهذا إذا قلت للطالب: يا ولد! فإنه ينتبه، فتصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يفيد التنبيه. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال المؤلف: (أهل مكة). وهذا بلا شك قصور؛ لأن (الناس) عام، والواجب علينا في القرآن والسنة أن نُبقي العام على عُمومه حتى يقوم دليل على إرادة الخصوص، وإلا فإن الواجب إبقاؤه على عمومه؛ لأنه ليس لنا حق في أن نتصرف في مدلولات الألفاظ المخالفة لظاهرها إلا بدليل من المتكلم، أو من يتكلم مبينًا كلامه كالرسول عليه الصلاة والسلام. فالنداء إذن عام لجميع الناس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ﴿اذْكُرُوا﴾ المراد بالذكر هنا ذِكْر النعمة بالقلب، وذِكْرها باللسان، وذِكْرها بالفعل بالجوارح؛ ذكرها بالقلب بأن يتأمل الإنسان من أين هذه النعمة أتت؟ من الذي خلقك؟ من الذي أمده بالرزق وهو في بطن أمه لم يخرج من بعد؟ من الذي أعده لقبول ما يمر به وتصوره وتعقله وتنفيذه؟ الجواب: الله، فأنت إذا تذكرت في قلبك -ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الغفلة- إذا تذكرت في قلبك هذه الأمور عرفت أن ما بك من نِعمة فهو من الله عز وجل؛ فذكر النعمة بالقلب أن الإنسان يتأمل، يقول: من الذي أوجدني؟ مَنْ؟ أجب! الله، من الذي أمدني بالنعم وأنا في بطن أمي لا يستطيع أحد أن يوصل إليَّ لقمة العيش أو جرعة الماء؟ هو الله عز وجل، ثم من الذي أعدني وهيأني لأن أكون قابلًا لما فيه منفعتي في الدنيا والآخرة؟ الله عز وجل، فالنِّعم إيجاد وإمداد. والشق الثالث: إعداد. إيجاد وإمداد وإعداد كل ذلك من الله سبحانه وتعالى هذا ذكرها بالقلب، ذكرها باللسان أن نثني على الله بها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، فيتحدث بالنعم لا على سبيل الافتخار ولكن على سبيل الثناء. ذِكْرها بالجوارح أن يُرى أثر هذه النعمة عليه، فإن كانت النعمة علمًا رُئي أثر هذا العلم عليه بحسن التصرف والوقار والسكينة والأدب ونشر العلم والدعوة إلى الله عز وجل، هذا مثال، إذا كان بمال يُرى أثر نعمته عليه بالإنفاق فيما يحبه الله عز وجل من الزكاة والنفقات الواجبة والصدقات المستحبة والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه هذا ذكر بماذا؟ بالجوارح. فصار الذكر يشمل ثلاثة أمور: الذكر بالقلب إيش بعد؟ واللسان والجوارح. ومن ذكر النعمة بالجوارح أيضًا: أن يقوم بشكرها، أن يقوم بالشكر والله عز وجل أمرنا بذكر نعمته للغاية وهي: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢] ليس المراد أيضًا أن تذكر النعمة فقط بل لا بد من قرن هذا الذِّكْر بالشكر ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣]. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿نِعْمَتَ﴾ هنا مضاف، نكرة مضاف فيشمل جميع النعم وهي (...) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم) هذا التفسير بناءً على أن المخاطب أهل مكة ولكن نقول: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالنعم التي لا تحصى وهي كثيرة جدًّا كما أسلفنا الأمثلة عليها، تكون النعمة بالإيجاد والإمداد والإعداد، كل هذه من الله عز وجل ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣] يعني إذا تقرر أن ذكرتم نعمة الله عليكم فإننا نوجه إليكم هذا السؤال المتضمن للنفي ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ (﴿مِنْ﴾ زائدة. و﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأ ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالرفع والجر نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ لفظًا ومحلًّا. وخبر المبتدأ ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ). أولًا: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ (هل) أداة استفهام حرف، و(من) زائدة زائدة. كيف زائدة زائدة؟ هذا قلناه. زائدة لفظًا زائدة للمعنى؛ لأنها تفيد توكيد النفي والتنصيص على العموم. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ و﴿خَالِقٍ﴾ إذن مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيه قراءتان ﴿غَيْرُ﴾ و﴿﴿غَيْرِ﴾ ﴾، وكلاهما صحيح. أما على قراءة الجر ﴿﴿غَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴾ فهي صفة تابعة للفظ، لفظ ﴿خَالِقٍ﴾؛ و﴿خَالِقٍ﴾ مجرور. وأما على قراءة الرفع فهي صفة تابعة لمحل ﴿خَالِقٍ﴾؛ لأن محله الرفع على الابتداء؛ ولهذا قال المؤلف: (بالرفع والجر نعت لـ(خالق) لفظًا ومحلًّا) في كلام المؤلف: لف ونشر مشوَّش، يبين لنا هذا في كلام المؤلف لف ونشر مُشوَّش. * طالب: (...) هو على كل، اللف والنشر (...) هو أن يقدم. * الشيخ: ما أريد أن تُعرِّفني به، أنا أعرفه. * الطالب: (...). * الشيخ: من يعرف (...)؟ * الطالب: لأنه قال: بالجر. * الشيخ: لا. * الطالب: قال: نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾. * الشيخ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيش يقول بعدها؟ * طالب: (الرفع والجر) (...) * الشيخ: لا. * طالب: لما ذكر الرفع والجر بعدها قدم الجر قال: (...). * الشيخ: وهذا الجر؟ ومحله هذا للرفع، لا، هذا لف ونشر مشوش. * طالب: غير مرتب. * الشيخ: نقول: غير مرتب إذا صار في القرآن أو في الحديث، أما في كلام الناس نقول: مشوش، فليكن مشوشًا. (بالرفع والجر نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ ) لو كان مرتبًا لقال: نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ محلًّا ولفظًا؛ لأنه بالرفع يكون نعت المحل، بالجر يكون نعتًا للفظ. على كل حال إنه ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان، ولكل منهما وجه في اللغة العربية. وقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يقول المؤلف: (خبر المبتدأ) هل الفعل نفسه خبر المبتدأ أو الجملة؟ * الطلبة: الجملة. * الشيخ: الجملة، لكنهم عند الإعراب يتساهلون. فمثلًا لو قلت: فلان في المسجد يقول: في المسجد جار ومجرور خبر المبتدأ. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر ٣] يقول: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ خبر المبتدأ، وإن كان هذه جملة. قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ هو استفهام بمعنى النفي، وقد ذكرنا سابقًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي فإنه مُشرَب معنى التحدي، يعني لو قال: لا خالق غير الله يرزقكم. استقام الكلام لكن قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ صار أبلغ؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي كأنه يقول: أروني خالقًا غير الله يرزقكم من السماء والأرض، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٠]. يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ﴿خَالِقٍ﴾ الخلق في اللغة: التقدير، ومنه قول الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْـــرِي مَــا خَلَـــقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي (تفري ما خلقت) يعني ما قدَّرت، ولكنه يُطلق على الإيجاد المسبوق بتقدير، فهنا ﴿خَالِقٍ﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، بمعنى مُوجِد إيجادًا مسبوقًا بتقدير. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؟ الجواب؟ لا، لا خالق غير الله يرزقنا من السماء والأرض. وقد سبق لنا إيراد على نفي الخلق عما سوى الله، وقلنا: إنه قد جاء في نصوص تدل على أن غير الله يخلق، وأجبنا عن ذلك بماذا؟ بأن خلق غير الله ليس إيجادًا، ولكنه تحويل من صورة إلى صورة، وأيضًا ليس عامًّا. وشيء الثالث: أن خلق غير الله هو من خلق الله في الواقع ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] حتى (...) إذا خلقت هذا الشيء يعني أوجدته بمعنى غيَّرته من حال إلى حال فإن فعلي هذا مخلوق لله عز وجل. فعليه نقول: إن الخالق الحقيقي هو الله. وقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ بمعنى يعطيكم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء كما في قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. فسر المؤلف الرزق من السماء بالمطر، وهذا لا شك أنه داخل فيه، فإن المطر من الرزق النازل من السماء، وهل هناك غيره رزق ينزل من السماء؟ * طالب: الوحي. * الشيخ: نعم، الوحي وهو ليس معنا، وفي شيء آخر. * طالب: الْمَنُّ والسلوى. * الشيخ: المن والسلوى، ويش المن والسلوى؟ * الطالب: (...) أنزل على بني إسرائيل. * الشيخ: على بني إسرائيل، لماذا لا نقول: الطيور مطلقًا مثلًا؟ ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل ٧٩] فهي تنزل من السماء وهي رزق للعباد أيضًا. * طالب: ومن الأرض. * الشيخ: ومن الأرض، هي من الأرض ومن السماء. ممكن أن نقول: إن الطل من الرزق؟ (...) الرطوبة هي من السماء أيضًا وهي رزق؛ لأنها تنفع الأشجار. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ﴿وَ﴾ (من) ﴿الْأَرْضِ﴾ قدَّر (مِن) إشارةً إلى أن الأرض معطوفة على السماء، النبات صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: صح لكنه قاصر؛ لأن الرزق من الأرض أكثر من النبات: النبات، والمعادن، والمياه، وغير ذلك، كثير من الأرض. وقوله: (والاستفهام للتقرير أي لا خالق رازق غيره). قوله: (للتقرير) ثم قال: (أي لا خالق) هذا شبه تناقض؛ لأن قوله: (لا خالق) يقتضي أن يكون معناه النفي، وهو كذلك، فهو للنفي المشرب التحدي، وأنه لا خالق إلا الله، إذا كان لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى فما الواجب: أن نعبد الله وحده أو لا؟ استمع، قال الله عز وجل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، وكيف تعلمون أنه لا رازق يرزقنا من السماء والأرض إلا الله، ثم تذهبون تعبدون غيره؟! هل هذا إلا نقص في التصوُّر، ونقص في العقل أيضًا والتصرف، نقص في التصور والعقل والتصرف، أليس كذلك؟ إذا كان لا رازق إلا الله كيف تعبد اللات والعزى ومناة وهبل والأشجار والأحجار والشمس والقمر والبقر أيضًا؟! فيه ناس يعبدون البقر، يقولون: إن فيه ناسًا في الهند يعبدون البقر، وأنه إذا مرت البقرة على طريق القطار الحديد فإنه يجب أن يقف ولو تكسر كل من فيه، وطبعًا القطار يمشي بسرعة إذا وقف تصادمت الأقواس ومات اللي فيها وتكسر، يقول: لازم؛ لأن هذه إله، والإله ما يمكن إنك تدعسه. * طالب: (...) تدخل الدكان وتأكل. * الشيخ: وتأكل ما شاءت، وتدع ما شاءت، المهم هل هذه عقول؟ ما هي عقول، في الجاهلية يصنعون إلهًا من التمر، فإذا جاعوا أكلوه، أكلوا الإله. فإذا كان الله عز وجل هو الرازق وحده بإقراركم واعترافكم فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إعراب هذه الجملة العظيمة التي بها يدخل الإنسان في الإسلام أو يخرج، يدخل إن أقر بها، ويخرج إن أنكرها. إعرابها: فيها ست أوجه للنحويين، وألَّف بعض العلماء رسالة في ذلك ولكن أحسن ما يقال في إعرابها: أن ﴿لَا﴾ نافية للجنس و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، وخبرها محذوف تقديره حق (لا إله حق). و﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء وحرف و﴿اللهُ﴾ بدل من الخبر المحذوف. وهل النفي هنا مُسلَّط على الوجود أو على الوجود بحق؟ على الوجود بحق؛ لأن هناك آلهة دون الله تُعبَد لكن ليس بالحق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨]، وقال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] فالآلهة موجودة لكنها لا تستحق أن تكون آلهةً؛ لأنها ليس لها ربوبية. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر ٣] (من أين تُصرَفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق) لو قال المؤلف: عن عبادته لكان أحسن؛ لأن (لا إله إلا هو) هذه توحيد ربوبية ولَّا ألوهية؟ * طلبة: ألوهية. * الشيخ: ألوهية، كلمة (توحيد) تشمل يعني الربوبية أيضًا، ولو قال: فأنى تُصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم أنه الخالق وحده لكان أحسن. وقوله: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر ٣] قال: (أي تُصرفون)، فالأفك بمعنى الصرف، ماضيه: أفك، ومضارعه: يأفك أفكًا ما هي إفكًا، أفكًا بالفتح، أما الإفك بالكسر فهو الكذب، والكذب في الواقع يتفق مع الأفك من حيث المعنى؛ لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع فهو صرف للشيء عن حقيقته، قال الله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٩] أي: يُصرف عنه من صُرف. إذن: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أي: تصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم بأنه الخالق وحده. والاستفهام في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع؛ يعني كيف تقرون بأنه الخالق وحده ثم تعبدون معه غيره؟ ثم قال عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ [فاطر ٤] (يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب) ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا شرطية وفعل الشرط؟ ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾ وجوابه؟ ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ واقترن بالفاء؛ لأنه مصدر بـ(قد). ﴿إِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: ينسبوك إلى الكذب فيقولون: إنك كاذب، لست رسولًا لله عز وجل، بل أنت ساحر ومجنون وكاهن وشاعر وما أشبه ذلك، وبعضهم يقول: لا بعث، ولا جزاء، ولا حساب، ولا عقاب. إن كذبوك فهذا أمر ليس ببدع من بني آدم وليس غريبًا من صنيع بني آدم ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر ٤] من كذبهم؟ كذبهم أقوامهم حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. حتى إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم سرًّا وجهرًا وبالتوبيخ وبالوعيد وبالوعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل. وقوله: ﴿رُسُلٌ﴾ التنكير هنا للتكثير والتعظيم؛ يعني رسل كثيرة، ورسل عظيمة أيضًا ﴿كُذِّبَتْ﴾ كُذِّب نوح، وكُذِّب إبراهيم، وكُذِّب موسى، وكُذِّب هارون، وكُذِّب عيسى، وهؤلاء أولوا العزم من الرسل وأفضل الرسل كذبوا، فتكذيبك إذن ليس ببدع. ويراد بهذا أمران: أحدهما: تسلية النبي ﷺ، فإن الإنسان إذا علم أن غيره أُصِيب بمثل مصيبته تسلَّى، يتسلى بذلك، فلو أن أحدًا أُصِيب بحادث، ثم رأينا الحوادث، واحد انكسر إيده، واحد انكسر أصبعه، واحد انكسر فخذه، وواحد انكسر صلبه، فقام الذي انكسر أصبعه يصيح ويتضجر. قلنا له: فلان انكسر صلبه ويش يكون؟ يخف عليه الألم وينساه؛ لأن تسلي النفس بالغير له أثر عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩] فاشتراككم في العذاب لن يُخفِّف عنكم كما هو الشأن في حال الناس في الدنيا، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا، ماذا قالت؟ قالت: وَلَــــوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِـــــينَحَــــــــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَـــلِّي النَّفْــــسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّي شوف كيف تقول: أسلي النفس عنه بالتأسي، أقول: هذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، فأنت وغيركِ سواء. ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ﴿تُرْجَعُ﴾ وقُدِّم؛ لإفادة الحصر؛ لأن إلى الله لا غيره تُرْجَع الأمور. وقد يقال: إنه قُدِّم أيضًا لفائدة لفظية وهي مراعاة الفواصل. قال المؤلف: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (في الآخرة فيجازي المكذبين وينصر المرسلين) وهذا أيضًا من القصور؛ لأن ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في الآخرة وفي الدنيا أيضًا، فإن الله ينصر المرسلين في الدنيا، ويعاقب المكذبين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. إذن: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤] عام، أمور الدنيا والآخرة، وأمور الشرع، وأمور القدر، فكل الأمور تُرجع إلى الله عز وجل؛ هو الأول والآخر، منه المبتدأ، وإليه المنتهى، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، قال ابن عمر رضي الله عنه: من كان له شيء فليأتِ به؛ لأن الله يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ويش يبقى؟ إذا كان الخلق وهو الإيجاد لله، والأمر في التصرف والتصرف لله أيش بقي لنا؟ ما بقي شيء؛ ولهذا لم يبقَ شيء من أحد لأحد أبدًا فالأمور كلها لله. الأمور هنا جمع (أمر)، وما معنى الأمر هنا؟ طلب الفعل على وجه الاستعلاء؟ * طالب: الشؤون. * الشيخ: الأمور بمعنى الشؤون؛ لأن الأمر الذي بمعنى طلب الفعل على وجه الاستعلاء جمعه (أوامر) لا أمور، فالأمور هنا جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ أي شؤون الدنيا والآخرة وشؤون القدرية والشرعية كلها تُرْجَع إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا كانت تُرجع إلى الله وقد كُذِّبت الرسل، فما مصير الرسل والمكذبين؟ مصير الرسل النصر في الدنيا والآخرة، ومصير المكذبين الخذلان والخزي والعار في الدنيا وفي الآخرة والله أعلم (...). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: وجوب ذكر نعمة الله عز وجل في المواضع الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل: القلب، واللسان، والجوارح. * ويستفاد منه: أهمية ذكر النعمة؛ لأنها صُدِّرت بأيش؟ بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٣]، وهذا يدل على الأهمية؛ لأن ما صُدِّر بالنداء معناه تنبيه المخاطب على الاستماع. * ويستفاد من ذلك من هذه الآية: أن الكفار مخاطبون بالشرائع، من أين يؤخذ؟ الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فكما يجب على المسلم أن يذكر نعمة الله يجب على الكافر أيضًا أن يذكر نعمة الله، وبناءً عليه فإنه يُعاقَب على عدم ذكر النعمة في الآخرة، وقد يُعاقَب عليه أيضًا في الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على عباده بالنعم ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣] وليس نعمة فقط ولكنها جنس، فيشمل جميع ما أنعم الله علينا من نعم الدين والدنيا سواء كان في البدن أو العقل أو العِرض أو المال. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا خالق إلا الله، بدليل؟ * طالب: لا خالق إلا الله. * الشيخ: أي نعم، بدليل؟ * الطالب: بدليل أنه خلقنا. * الشيخ: من الآية هنا، نحن الآن نتكلم على فوائد الآية، فنريد أن نأخذ الفائدة من كل لفظ أو كل جملة. * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: في أي كلمة؟ خصص لي محل الفائدة. * الطالب: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ نعم، وجه ذلك أنه لا خالق غير الله؟ * الطالب: هو الذي رزقنا. * الشيخ: لا، وجه ذلك من صيغة اللفظ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. * الطالب: إنهم أقروا. * طالب آخر: هنا الاستفهام بمعنى النفي. * الشيخ: صح، الاستفهام بمعنى النفي كأنه قال: لا خالق إلا الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق يأتي للإنسان من فوق ومن تحت، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ كذا؟ كما قال الله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل له الإيجاد والإعداد والإمداد، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: نعم، هذه فيها إمداد؛ لأن الرزق إمداد للإنسان. * الطالب: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: هذا إيجاد، الثالث؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ أن الله أعد لنا القبول كقبول الحق ولَّا لا؟ فإذا كان الله أعدكم لهذا القبول والاستدلال بالأدلة على مدلولاتها فأنى تؤفكون عنها؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...) لا خالق غير الله (...) عبادته. * الشيخ: (...) يعني كونه الخالق وحده فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ ولهذا نقول: توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، يتضمنها؛ يعني لا يُعبد إلا من عُلِم بأنه الرب الخالق الكامل في صفاته، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية ما سوى الله. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كيف تجمع بين هذا النفي وبين إثبات الآلهة لغير الله في قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود ١٠١]؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن الألوهية الحق ليست إلا لله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة أولئك القوم الذين يعبدون مع الله غيره مع إقرارهم بأنه الخالق الرازق، تؤخذ منين؟ * طالب: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتوبيخ. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى آخره [فاطر: ٤]. * من فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع؛ فالرسل قد كُذِّبت من قبل، وهذا واضح من اللفظ. * ومن فوائدها: عناية الله عز وجل برسوله ﷺ، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: تؤخذ من أن الله سبحانه وتعالى سلَّى؟ * طالب: رسوله (...). * الشيخ: بذكر من كذب من قبل. قلنا: * من فوائد الآية الكريمة: أن سنن الله تعالى في خلقه ظاهرة، كيف؟ * طالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ [فاطر ٤] إذا كُذِّبت أنت فقد كذب الرسل أنهم كذبوا الرسل كما كذب النبي ﷺ، هذه يعني السنة. * الشيخ: لأن التكذيب من فعل الغيب ما هو فعل الله؟ * طالب: لا، ليس من فعل الله يعني هكذا خلق الله سبحانه وتعالى الناس أنهم يكذبون الرسل، وأن الرسل يُؤاذوا ويكذبوا. * طالب آخر: سنن الله في رسله أنهم يعني غاية ما يستقبلونه بالتثبيط. * الشيخ: هذا (...). * طالب: من قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] فهذا لما بين الله سبحانه وتعالى أن الرسل لما جاءت تُكذِّب بالكلمات. * الشيخ: هذا هو اللي قاله (...). * طالب: (...) الرسل التكذيب من غيرهم. * طالب آخر: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. * الشيخ: لا، قلنا: فيها تسلية للرسول وتهديد للكفار، ما يمكن يثبت التهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى في الأمم واحدة؛ لأنه لولا ذلك لقال الكفار: وإذا كذبت القوم وأهلكوا ما لنا ولهم؟ يعني ما يمكن يصدق بأن في هذه الآية تهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى واحدة. أيضًا نقول في استفادة أن سنن الله تعالى في الناس واحدة؛ لأنه أهلَك من كذب الرسل وهدد من كذبوا محمدًا ﷺ. هل يُستفاد من الآية أن محمدًا رسول الله؟ * طالب: أي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] يعني رسول وهم رسل. * الشيخ: أي نعم، ولولا ذلك لم يكن في قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر ٤] فائدة. * من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور الشؤون كلها إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. * الشيخ: ويش وجهه؟ وجه اختصاص هذا بالله؟ * الطالب: كل الأمور كلها إلى الله. * الشيخ: ما وجه اختصاص ذلك بالله؟ * طالب: تقديم الجار والمجرور (إلى الله) خبر. * الشيخ: تقديم المعمول يفيد الحصر. إذن إلى الله لا إلى غيره تُرجع الأمور. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا أصابته الضراء أن يلجأ إلى ربه، وأن يتعلق به. * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كانت الأمور ترجع إلى الله فليكن طلب إزالة الضرر من الله. * وفيه أيضًا: وجوب تحكيم الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز العدول عما دل عليه الكتاب والسنة. * طالب: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: أن الأمور والشؤون الخلق جميعًا ترجع إلى الله. * الشيخ: ومنها الحكم بين الناس، فيجب أن يكون مرجِعه إلى الله. * ومنها: أن من حكَّم غير الكتاب والسنة فقد اعتدى على حق الله. * طالب: قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤] (...). * الشيخ: لأن الله قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومنها أيضًا: أنه لا يجوز للإنسان أن يسند ما رزقه الله من رزق: علم أو مال أو جاه أو ولد أو زوجة إلى نفسه فيقول: إنما أوتيته على علم عندي. * طالب: ترجع الأمور إلى الله؛ لأنه إذا أرجعها إلى نفسه أو إلى غيره ما أرجعها إلى الله. * الشيخ: لم يرجعها إلى الله. * ومنها: إثبات نعمة الله عز وجل على العباد بإرسال الرسل؛ لقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] والرسل إرسالهم من أكبر النعم؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الرسل، الإنسان يعرف مثلًا بفطرته أن الله تعالى موجود، وأن له ربًّا خالقًا مدبرًا لكن لا يعرف كيف يصل إلى هذا الرب إلا من طريق الرسل. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات حكمة الله عز وجل حيث جعل للرسل من يكذبهم؛ لأنه لولا تكذيب من كذب الرسل ما حصل الامتحان، فهذه من الحِكم العظيمة أن يجعل الله للرسل من يكذبهم، لولا تكذيبهم لم يحصل الامتحان؛ إذ لو كان الناس كلهم على الطاعة ما تميز الخبيث من الطيب، ولا تميز المؤمن من الكافر، ولا قامت سوق الجهاد، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤] فهذه من الحكمة في وجود المكذبين للرسل، في هذا حكم كثيرة، منها أيضًا أنه لا يتبين الحق حتى يُعرف الباطل، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الباطل الذي ينازع الحق ما عرفنا الحق لكان الكل سواءً، ولا نعرف هذا ولا بالباطل.

فاطر 35:4

ثم قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ يقول: ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ ﴿مَا﴾ شرطية تجزم بدليل الفعل بعدها ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ ولكن الفعل بعدها أمامنا مكسور ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ فنقول: إن هذه الكسرة عابرة من أجل توقي التقاء الساكنين وإلا فإنها مجزومة، فأصلها: (ما يفتح) حذف بالكسر؛ لالتقاء الساكنين كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] وأصلها: لم يكن. وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر ٢] الفتح فتح الشيء إزالة الحواجز دونه، يعني مثلًا فتحت البيت؛ يعني أزلت الحاجز المانع من دخوله وهو الباب. والرحمة إذا فُتِحت فإن الإنسان يدخل إليها و(...) فيها. وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ بيان لـ(ما)، و(ما) شرطية مفيدة للعموم، وعلى هذا فيكون في الآية عموم؛ أي: أي رحمة يفتحها الله عز وجل للناس فلا أحد يستطيع إمساكها. وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَةٍ﴾ قال المؤلف: (كرزق ومطر). وهذا على سبيل التمثيل لا الحصر؛ لأن رحمة الله أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل ١٨] فرحمة الله عز وجل لا تحصى في أنواعها فضلًا عن أفرادها. وقوله: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر ٢] أي: فلا أحد يمسكها بل ستصل إلى من فتحها الله تعالى له، ولا يردها أحد، كما جاء في الحديث الصحيح أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقول بعد الرفع من الركوع: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]. ويقوله كذلك بعد الصلاة: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦) من حديث ابن عباس.]]. فلا أحد يستطيع أن يُمسك رحمة الله مهما عمل حتى لو حاول الحسد والتشويه ومنع الرزق ما يستطيع، إذا فتح الله الرحمة للعبد لا أحد يستطيع أن يحول بينه وبينها. ولهذا جاءت ﴿لَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ و﴿لَا﴾ نافية للجنس، وهي أنص شيء على العموم؛ ولهذا عموم ﴿لَا﴾ النافية للجنس لا تخصيص فيه أبدًا. قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ وهنا قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر ٢] الضمير في ﴿لَهَا﴾ يعود على الرحمة. ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر ٢] لعلك تتوقع أن يكون نص الآية الكريمة: وما يمسك فلا مرسل لها؛ لأن الكلام الآن في الرحمة، في الجملة الأولى قال: ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ فيقتضي أن تكون الجملة الثانية كالأولى؛ أي: وما يمسك فلا مُرْسِل لها، هكذا تتوقع، ولكن ليس الأمر كذلك؛ لأن قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لم يُخَصَّص بالرحمة حتى نقول: إن المتوقع أن يقول: فلا مرسل لها، بل قال: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ وحذف المتعلق؛ ليفيد العموم أي: ما يمسك من رحمة، وما يمسك من شر، فلا مُرسل له، حتى الضرر الذي يمسكه الله عز وجل لا أحد يرسلك إليه أو يوصله إليك حتى الرحمة التي أمسكها الله عنك لا يمكن أن يُرسلها أحد إليك؛ ولهذا أحيانًا يسعى الإنسان إلى ما يرى أنه من رحمة الله من رِزْق وغيره، ثم يحول القدر بينه وبينه، أحيانًا يتعرض الإنسان لأخطار ولكن يسلم منها، قد يحصل بالسيارة انقلاب أو صدم فيموت أناس أطول منك أجسامًا وأقوى منك منعة وتبقى أنت. إذن الله أمسك عنك الضرر ولَّا لا؟ ولولا هذا الإمساك لهلكت فيمن هَلَكَ. إذن نقول: ﴿مَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ أي لما أمسكه، فعاد الضمير في (لا مرسل له) على لفظ ﴿مَا﴾. ولفظ ﴿مَا﴾ مذكر ولَّا مؤنث؟ لفظ ﴿مَا﴾ مذكر بخلافه في الأول فعاد على رحمة؛ لأنها مؤنثة. الآن تبين لنا أن السياق على أتم ما يكون من البلاغة، وأننا كنا نتوقع أنه يقال: فلا مرسل لها، ليس على ما نتوقع، ليش؟ لأن قوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ لا يعني الرحمة بل هو عام؛ ولهذا نقول: إن قول المؤلف: (وما يمسك من ذلك) فيه قصور؛ لأن قوله: (من ذلك) يعود إلى الرحمة، ولكن نقول: وما يمسك من ذلك وغيره ﴿فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ قال المؤلف: (أي بعد إمساكه) وهذا لا شك أنه احتمال، وأنه يحتمل أن يكون الضمير راجعًا إلى (إمساك) المستفاد من قوله: ﴿يُمْسِكْ﴾. إذا قيل: هل لهذا نظير أن يعود الضمير على المصدر المفهوم من الفعل قبله؟ لأنه من المعلوم أن مرجع الضمير لا بد أن يكون اسمًا، مذكورًا قبل أو بعد أو مقدر. المهم أن مرجع الضمير اسم. الاسم إما أن يُذكر بلفظه الصريح مُقدمًا أو مؤخرًا أو مقدرًا، وإما أن يؤخذ من مصدر فعل سابق. هنا أرى على كلام المؤلف: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقول: (أي من بعد إمساكه). فنقول: أين كلمة إمساك هل سبقت؟ نعم، سبقت؛ لأن يمسك فعل مأخوذ منين؟ من الإمساك. إذن فقد تضمن الفعل ذلك المرجع وهو الإمساك. ونظيره قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ﴿هُوَ﴾ أي العدل المفهوم من قوله: ﴿اعْدِلُوا﴾ أقرب للتقوى. نرى الثاني يقول: الأصل في مرجع الضمير أن يكون اسمًا مذكورًا متقدمًا، مطابقًا أيضًا، وقد يتأخر، وقد يُقدَّر، وقد يكون مفهومًا من مصدر فعل سابق كما في قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وكما في هذه الآية على تقدير المؤلف. هل يمكن أن يحتمل عود الضمير على غير الإمساك؟ شوف الآية، على الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر ٢] أي: من بعد الله، وتكون كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]. ويكون الضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدًا إلى الله عز وجل وهذا أقرب؛ لأنه أدل على كمال التصرف في حق الله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر ٢] قال: (العزيز الغالب على أمره الحكيم في فعله) أظن أن كل واحد منكم بإمكانه أن يقول: إن هذا التفسير قاصر، تفسير المؤلف الآن قاصر؛ لأن قوله: (العزيز الغالب على أمره) هذا أحد معاني العزيز، فإن (العزيز) له ثلاثة معانٍ: عزة القدْر، والقهر، والامتناع، القهر هو معنى قوله: (الغالب على أمره). ونقول: إنه يشمل الغالب على أمره الذي لا يُغلَب، وهذا هو القاهر، ذو القدْر الرفيع العالي، وهذا معنى قولنا: عِزَّة القدر، عزة الامتناع: يعني أنه يمتنع أن يناله سوء أو نقص أو عيب. فالعزة إذن ثلاثة معانٍ، وليست معنًى واحدًا. أما ﴿الْحَكِيمُ﴾ فقال المؤلف: (في فعله) وهذا أيضًا قصور، فإن الله تعالى حكيم في فعله وقوله، في قدَرِه وشرْعه، في الكل، بل إن الحكيم لها معنًى آخر؛ لأنها مأخوذة من الحكم والإحكام، فهو ذو حكم وذو إحكام، والحكم كوني وشرعي، والإحكام في الغاية أو في الصورة التي عليها الشيء، فالجميع أربعة أنواع. ولكن يقرن الله تعالى دائمًا بين العزة والحكمة لما في ذلك من كمال عزته (...). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣] نقول: تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به؛ لأن النداء يتضمن التنبيه؛ ولهذا إذا قلت للطالب: يا ولد! فإنه ينتبه، فتصدير الحكم بالنداء يدل على العناية به؛ لأن النداء يفيد التنبيه. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال المؤلف: (أهل مكة). وهذا بلا شك قصور؛ لأن (الناس) عام، والواجب علينا في القرآن والسنة أن نُبقي العام على عُمومه حتى يقوم دليل على إرادة الخصوص، وإلا فإن الواجب إبقاؤه على عمومه؛ لأنه ليس لنا حق في أن نتصرف في مدلولات الألفاظ المخالفة لظاهرها إلا بدليل من المتكلم، أو من يتكلم مبينًا كلامه كالرسول عليه الصلاة والسلام. فالنداء إذن عام لجميع الناس. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ ﴿اذْكُرُوا﴾ المراد بالذكر هنا ذِكْر النعمة بالقلب، وذِكْرها باللسان، وذِكْرها بالفعل بالجوارح؛ ذكرها بالقلب بأن يتأمل الإنسان من أين هذه النعمة أتت؟ من الذي خلقك؟ من الذي أمده بالرزق وهو في بطن أمه لم يخرج من بعد؟ من الذي أعده لقبول ما يمر به وتصوره وتعقله وتنفيذه؟ الجواب: الله، فأنت إذا تذكرت في قلبك -ونسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الغفلة- إذا تذكرت في قلبك هذه الأمور عرفت أن ما بك من نِعمة فهو من الله عز وجل؛ فذكر النعمة بالقلب أن الإنسان يتأمل، يقول: من الذي أوجدني؟ مَنْ؟ أجب! الله، من الذي أمدني بالنعم وأنا في بطن أمي لا يستطيع أحد أن يوصل إليَّ لقمة العيش أو جرعة الماء؟ هو الله عز وجل، ثم من الذي أعدني وهيأني لأن أكون قابلًا لما فيه منفعتي في الدنيا والآخرة؟ الله عز وجل، فالنِّعم إيجاد وإمداد. والشق الثالث: إعداد. إيجاد وإمداد وإعداد كل ذلك من الله سبحانه وتعالى هذا ذكرها بالقلب، ذكرها باللسان أن نثني على الله بها ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]، فيتحدث بالنعم لا على سبيل الافتخار ولكن على سبيل الثناء. ذِكْرها بالجوارح أن يُرى أثر هذه النعمة عليه، فإن كانت النعمة علمًا رُئي أثر هذا العلم عليه بحسن التصرف والوقار والسكينة والأدب ونشر العلم والدعوة إلى الله عز وجل، هذا مثال، إذا كان بمال يُرى أثر نعمته عليه بالإنفاق فيما يحبه الله عز وجل من الزكاة والنفقات الواجبة والصدقات المستحبة والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، إن الله يحب إذا أنعم على عبده نعمة أن يرى أثر نعمته عليه هذا ذكر بماذا؟ بالجوارح. فصار الذكر يشمل ثلاثة أمور: الذكر بالقلب إيش بعد؟ واللسان والجوارح. ومن ذكر النعمة بالجوارح أيضًا: أن يقوم بشكرها، أن يقوم بالشكر والله عز وجل أمرنا بذكر نعمته للغاية وهي: قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢] ليس المراد أيضًا أن تذكر النعمة فقط بل لا بد من قرن هذا الذِّكْر بالشكر ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣]. وقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿نِعْمَتَ﴾ هنا مضاف، نكرة مضاف فيشمل جميع النعم وهي (...) ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم ٣٤]. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم) هذا التفسير بناءً على أن المخاطب أهل مكة ولكن نقول: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بالنعم التي لا تحصى وهي كثيرة جدًّا كما أسلفنا الأمثلة عليها، تكون النعمة بالإيجاد والإمداد والإعداد، كل هذه من الله عز وجل ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣] يعني إذا تقرر أن ذكرتم نعمة الله عليكم فإننا نوجه إليكم هذا السؤال المتضمن للنفي ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ (﴿مِنْ﴾ زائدة. و﴿خَالِقٍ﴾ مبتدأ ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ بالرفع والجر نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ لفظًا ومحلًّا. وخبر المبتدأ ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ ). أولًا: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ (هل) أداة استفهام حرف، و(من) زائدة زائدة. كيف زائدة زائدة؟ هذا قلناه. زائدة لفظًا زائدة للمعنى؛ لأنها تفيد توكيد النفي والتنصيص على العموم. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ و﴿خَالِقٍ﴾ إذن مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائدة. ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيه قراءتان ﴿غَيْرُ﴾ و﴿﴿غَيْرِ﴾ ﴾، وكلاهما صحيح. أما على قراءة الجر ﴿﴿غَيْرِ اللَّهِ﴾ ﴾ فهي صفة تابعة للفظ، لفظ ﴿خَالِقٍ﴾؛ و﴿خَالِقٍ﴾ مجرور. وأما على قراءة الرفع فهي صفة تابعة لمحل ﴿خَالِقٍ﴾؛ لأن محله الرفع على الابتداء؛ ولهذا قال المؤلف: (بالرفع والجر نعت لـ(خالق) لفظًا ومحلًّا) في كلام المؤلف: لف ونشر مشوَّش، يبين لنا هذا في كلام المؤلف لف ونشر مُشوَّش. * طالب: (...) هو على كل، اللف والنشر (...) هو أن يقدم. * الشيخ: ما أريد أن تُعرِّفني به، أنا أعرفه. * الطالب: (...). * الشيخ: من يعرف (...)؟ * الطالب: لأنه قال: بالجر. * الشيخ: لا. * الطالب: قال: نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾. * الشيخ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيش يقول بعدها؟ * طالب: (الرفع والجر) (...) * الشيخ: لا. * طالب: لما ذكر الرفع والجر بعدها قدم الجر قال: (...). * الشيخ: وهذا الجر؟ ومحله هذا للرفع، لا، هذا لف ونشر مشوش. * طالب: غير مرتب. * الشيخ: نقول: غير مرتب إذا صار في القرآن أو في الحديث، أما في كلام الناس نقول: مشوش، فليكن مشوشًا. (بالرفع والجر نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ ) لو كان مرتبًا لقال: نعت لـ﴿خَالِقٍ﴾ محلًّا ولفظًا؛ لأنه بالرفع يكون نعت المحل، بالجر يكون نعتًا للفظ. على كل حال إنه ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان، ولكل منهما وجه في اللغة العربية. وقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ يقول المؤلف: (خبر المبتدأ) هل الفعل نفسه خبر المبتدأ أو الجملة؟ * الطلبة: الجملة. * الشيخ: الجملة، لكنهم عند الإعراب يتساهلون. فمثلًا لو قلت: فلان في المسجد يقول: في المسجد جار ومجرور خبر المبتدأ. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر ٣] يقول: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ خبر المبتدأ، وإن كان هذه جملة. قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ هو استفهام بمعنى النفي، وقد ذكرنا سابقًا أن الاستفهام إذا كان بمعنى النفي فإنه مُشرَب معنى التحدي، يعني لو قال: لا خالق غير الله يرزقكم. استقام الكلام لكن قال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ﴾ صار أبلغ؛ لأنه يتضمن النفي والتحدي كأنه يقول: أروني خالقًا غير الله يرزقكم من السماء والأرض، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٤٠]. يقول: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ﴿خَالِقٍ﴾ الخلق في اللغة: التقدير، ومنه قول الشاعر: وَلَأَنْتَ تَفْـــرِي مَــا خَلَـــقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي (تفري ما خلقت) يعني ما قدَّرت، ولكنه يُطلق على الإيجاد المسبوق بتقدير، فهنا ﴿خَالِقٍ﴾ بمعنى؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا، بمعنى مُوجِد إيجادًا مسبوقًا بتقدير. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؟ الجواب؟ لا، لا خالق غير الله يرزقنا من السماء والأرض. وقد سبق لنا إيراد على نفي الخلق عما سوى الله، وقلنا: إنه قد جاء في نصوص تدل على أن غير الله يخلق، وأجبنا عن ذلك بماذا؟ بأن خلق غير الله ليس إيجادًا، ولكنه تحويل من صورة إلى صورة، وأيضًا ليس عامًّا. وشيء الثالث: أن خلق غير الله هو من خلق الله في الواقع ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] حتى (...) إذا خلقت هذا الشيء يعني أوجدته بمعنى غيَّرته من حال إلى حال فإن فعلي هذا مخلوق لله عز وجل. فعليه نقول: إن الخالق الحقيقي هو الله. وقوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ بمعنى يعطيكم؛ لأن الرزق بمعنى العطاء كما في قوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨]. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾. فسر المؤلف الرزق من السماء بالمطر، وهذا لا شك أنه داخل فيه، فإن المطر من الرزق النازل من السماء، وهل هناك غيره رزق ينزل من السماء؟ * طالب: الوحي. * الشيخ: نعم، الوحي وهو ليس معنا، وفي شيء آخر. * طالب: الْمَنُّ والسلوى. * الشيخ: المن والسلوى، ويش المن والسلوى؟ * الطالب: (...) أنزل على بني إسرائيل. * الشيخ: على بني إسرائيل، لماذا لا نقول: الطيور مطلقًا مثلًا؟ ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل ٧٩] فهي تنزل من السماء وهي رزق للعباد أيضًا. * طالب: ومن الأرض. * الشيخ: ومن الأرض، هي من الأرض ومن السماء. ممكن أن نقول: إن الطل من الرزق؟ (...) الرطوبة هي من السماء أيضًا وهي رزق؛ لأنها تنفع الأشجار. وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ﴿وَ﴾ (من) ﴿الْأَرْضِ﴾ قدَّر (مِن) إشارةً إلى أن الأرض معطوفة على السماء، النبات صح؟ * طالب: (...). * الشيخ: صح لكنه قاصر؛ لأن الرزق من الأرض أكثر من النبات: النبات، والمعادن، والمياه، وغير ذلك، كثير من الأرض. وقوله: (والاستفهام للتقرير أي لا خالق رازق غيره). قوله: (للتقرير) ثم قال: (أي لا خالق) هذا شبه تناقض؛ لأن قوله: (لا خالق) يقتضي أن يكون معناه النفي، وهو كذلك، فهو للنفي المشرب التحدي، وأنه لا خالق إلا الله، إذا كان لا خالق إلا الله سبحانه وتعالى فما الواجب: أن نعبد الله وحده أو لا؟ استمع، قال الله عز وجل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: لا معبود حق إلا هو، وكيف تعلمون أنه لا رازق يرزقنا من السماء والأرض إلا الله، ثم تذهبون تعبدون غيره؟! هل هذا إلا نقص في التصوُّر، ونقص في العقل أيضًا والتصرف، نقص في التصور والعقل والتصرف، أليس كذلك؟ إذا كان لا رازق إلا الله كيف تعبد اللات والعزى ومناة وهبل والأشجار والأحجار والشمس والقمر والبقر أيضًا؟! فيه ناس يعبدون البقر، يقولون: إن فيه ناسًا في الهند يعبدون البقر، وأنه إذا مرت البقرة على طريق القطار الحديد فإنه يجب أن يقف ولو تكسر كل من فيه، وطبعًا القطار يمشي بسرعة إذا وقف تصادمت الأقواس ومات اللي فيها وتكسر، يقول: لازم؛ لأن هذه إله، والإله ما يمكن إنك تدعسه. * طالب: (...) تدخل الدكان وتأكل. * الشيخ: وتأكل ما شاءت، وتدع ما شاءت، المهم هل هذه عقول؟ ما هي عقول، في الجاهلية يصنعون إلهًا من التمر، فإذا جاعوا أكلوه، أكلوا الإله. فإذا كان الله عز وجل هو الرازق وحده بإقراركم واعترافكم فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إعراب هذه الجملة العظيمة التي بها يدخل الإنسان في الإسلام أو يخرج، يدخل إن أقر بها، ويخرج إن أنكرها. إعرابها: فيها ست أوجه للنحويين، وألَّف بعض العلماء رسالة في ذلك ولكن أحسن ما يقال في إعرابها: أن ﴿لَا﴾ نافية للجنس و﴿إِلَهَ﴾ اسمها، وخبرها محذوف تقديره حق (لا إله حق). و﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء وحرف و﴿اللهُ﴾ بدل من الخبر المحذوف. وهل النفي هنا مُسلَّط على الوجود أو على الوجود بحق؟ على الوجود بحق؛ لأن هناك آلهة دون الله تُعبَد لكن ليس بالحق، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨]، وقال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١] فالآلهة موجودة لكنها لا تستحق أن تكون آلهةً؛ لأنها ليس لها ربوبية. ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر ٣] (من أين تُصرَفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق) لو قال المؤلف: عن عبادته لكان أحسن؛ لأن (لا إله إلا هو) هذه توحيد ربوبية ولَّا ألوهية؟ * طلبة: ألوهية. * الشيخ: ألوهية، كلمة (توحيد) تشمل يعني الربوبية أيضًا، ولو قال: فأنى تُصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم أنه الخالق وحده لكان أحسن. وقوله: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر ٣] قال: (أي تُصرفون)، فالأفك بمعنى الصرف، ماضيه: أفك، ومضارعه: يأفك أفكًا ما هي إفكًا، أفكًا بالفتح، أما الإفك بالكسر فهو الكذب، والكذب في الواقع يتفق مع الأفك من حيث المعنى؛ لأن الكذب هو الإخبار بخلاف الواقع فهو صرف للشيء عن حقيقته، قال الله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٩] أي: يُصرف عنه من صُرف. إذن: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أي: تصرفون عن عبادته وحده مع إقراركم بأنه الخالق وحده. والاستفهام في قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع؛ يعني كيف تقرون بأنه الخالق وحده ثم تعبدون معه غيره؟ ثم قال عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ [فاطر ٤] (يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث والحساب والعقاب) ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾. قال: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ ﴿إِنْ﴾ هنا شرطية وفعل الشرط؟ ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾ وجوابه؟ ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ واقترن بالفاء؛ لأنه مصدر بـ(قد). ﴿إِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: ينسبوك إلى الكذب فيقولون: إنك كاذب، لست رسولًا لله عز وجل، بل أنت ساحر ومجنون وكاهن وشاعر وما أشبه ذلك، وبعضهم يقول: لا بعث، ولا جزاء، ولا حساب، ولا عقاب. إن كذبوك فهذا أمر ليس ببدع من بني آدم وليس غريبًا من صنيع بني آدم ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر ٤] من كذبهم؟ كذبهم أقوامهم حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]. حتى إن نوحًا عليه الصلاة والسلام لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم سرًّا وجهرًا وبالتوبيخ وبالوعيد وبالوعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل. وقوله: ﴿رُسُلٌ﴾ التنكير هنا للتكثير والتعظيم؛ يعني رسل كثيرة، ورسل عظيمة أيضًا ﴿كُذِّبَتْ﴾ كُذِّب نوح، وكُذِّب إبراهيم، وكُذِّب موسى، وكُذِّب هارون، وكُذِّب عيسى، وهؤلاء أولوا العزم من الرسل وأفضل الرسل كذبوا، فتكذيبك إذن ليس ببدع. ويراد بهذا أمران: أحدهما: تسلية النبي ﷺ، فإن الإنسان إذا علم أن غيره أُصِيب بمثل مصيبته تسلَّى، يتسلى بذلك، فلو أن أحدًا أُصِيب بحادث، ثم رأينا الحوادث، واحد انكسر إيده، واحد انكسر أصبعه، واحد انكسر فخذه، وواحد انكسر صلبه، فقام الذي انكسر أصبعه يصيح ويتضجر. قلنا له: فلان انكسر صلبه ويش يكون؟ يخف عليه الألم وينساه؛ لأن تسلي النفس بالغير له أثر عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩] فاشتراككم في العذاب لن يُخفِّف عنكم كما هو الشأن في حال الناس في الدنيا، وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا، ماذا قالت؟ قالت: وَلَــــوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِـــــينَحَــــــــوْلِي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَـــلِّي النَّفْــــسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّي شوف كيف تقول: أسلي النفس عنه بالتأسي، أقول: هذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، وهذه مات أخوها، فأنت وغيركِ سواء. ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ﴿تُرْجَعُ﴾ وقُدِّم؛ لإفادة الحصر؛ لأن إلى الله لا غيره تُرْجَع الأمور. وقد يقال: إنه قُدِّم أيضًا لفائدة لفظية وهي مراعاة الفواصل. قال المؤلف: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (في الآخرة فيجازي المكذبين وينصر المرسلين) وهذا أيضًا من القصور؛ لأن ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في الآخرة وفي الدنيا أيضًا، فإن الله ينصر المرسلين في الدنيا، ويعاقب المكذبين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]. إذن: ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤] عام، أمور الدنيا والآخرة، وأمور الشرع، وأمور القدر، فكل الأمور تُرجع إلى الله عز وجل؛ هو الأول والآخر، منه المبتدأ، وإليه المنتهى، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، قال ابن عمر رضي الله عنه: من كان له شيء فليأتِ به؛ لأن الله يقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ويش يبقى؟ إذا كان الخلق وهو الإيجاد لله، والأمر في التصرف والتصرف لله أيش بقي لنا؟ ما بقي شيء؛ ولهذا لم يبقَ شيء من أحد لأحد أبدًا فالأمور كلها لله. الأمور هنا جمع (أمر)، وما معنى الأمر هنا؟ طلب الفعل على وجه الاستعلاء؟ * طالب: الشؤون. * الشيخ: الأمور بمعنى الشؤون؛ لأن الأمر الذي بمعنى طلب الفعل على وجه الاستعلاء جمعه (أوامر) لا أمور، فالأمور هنا جمع (أمر) بمعنى الشأن؛ أي شؤون الدنيا والآخرة وشؤون القدرية والشرعية كلها تُرْجَع إلى الله سبحانه وتعالى. وإذا كانت تُرجع إلى الله وقد كُذِّبت الرسل، فما مصير الرسل والمكذبين؟ مصير الرسل النصر في الدنيا والآخرة، ومصير المكذبين الخذلان والخزي والعار في الدنيا وفي الآخرة والله أعلم (...). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر ٣]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: وجوب ذكر نعمة الله عز وجل في المواضع الثلاثة التي أشرنا إليها من قبل: القلب، واللسان، والجوارح. * ويستفاد منه: أهمية ذكر النعمة؛ لأنها صُدِّرت بأيش؟ بـ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٣]، وهذا يدل على الأهمية؛ لأن ما صُدِّر بالنداء معناه تنبيه المخاطب على الاستماع. * ويستفاد من ذلك من هذه الآية: أن الكفار مخاطبون بالشرائع، من أين يؤخذ؟ الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فكما يجب على المسلم أن يذكر نعمة الله يجب على الكافر أيضًا أن يذكر نعمة الله، وبناءً عليه فإنه يُعاقَب على عدم ذكر النعمة في الآخرة، وقد يُعاقَب عليه أيضًا في الدنيا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان فضل الله سبحانه وتعالى على عباده بالنعم ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣] وليس نعمة فقط ولكنها جنس، فيشمل جميع ما أنعم الله علينا من نعم الدين والدنيا سواء كان في البدن أو العقل أو العِرض أو المال. * ومن فوائدها أيضًا: أنه لا خالق إلا الله، بدليل؟ * طالب: لا خالق إلا الله. * الشيخ: أي نعم، بدليل؟ * الطالب: بدليل أنه خلقنا. * الشيخ: من الآية هنا، نحن الآن نتكلم على فوائد الآية، فنريد أن نأخذ الفائدة من كل لفظ أو كل جملة. * طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: في أي كلمة؟ خصص لي محل الفائدة. * الطالب: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. * الشيخ: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ نعم، وجه ذلك أنه لا خالق غير الله؟ * الطالب: هو الذي رزقنا. * الشيخ: لا، وجه ذلك من صيغة اللفظ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾. * الطالب: إنهم أقروا. * طالب آخر: هنا الاستفهام بمعنى النفي. * الشيخ: صح، الاستفهام بمعنى النفي كأنه قال: لا خالق إلا الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرزق يأتي للإنسان من فوق ومن تحت، من أين يؤخذ؟ * طالب: ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: ﴿مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ كذا؟ كما قال الله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٦]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل له الإيجاد والإعداد والإمداد، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: نعم، هذه فيها إمداد؛ لأن الرزق إمداد للإنسان. * الطالب: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣]. * الشيخ: هذا إيجاد، الثالث؟ * الطالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ أن الله أعد لنا القبول كقبول الحق ولَّا لا؟ فإذا كان الله أعدكم لهذا القبول والاستدلال بالأدلة على مدلولاتها فأنى تؤفكون عنها؟ * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإقرار بتوحيد الربوبية يستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، من أين تؤخذ؟ * طالب: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: (...) لا خالق غير الله (...) عبادته. * الشيخ: (...) يعني كونه الخالق وحده فيجب أن يكون هو المعبود وحده؛ ولهذا نقول: توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات، يتضمنها؛ يعني لا يُعبد إلا من عُلِم بأنه الرب الخالق الكامل في صفاته، وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات. * ومن فوائد الآية الكريمة: بطلان ألوهية ما سوى الله. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كيف تجمع بين هذا النفي وبين إثبات الآلهة لغير الله في قوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود ١٠١]؟ * طالب: (...). * الشيخ: أن الألوهية الحق ليست إلا لله، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]. * ومن فوائد الآية الكريمة: سفاهة أولئك القوم الذين يعبدون مع الله غيره مع إقرارهم بأنه الخالق الرازق، تؤخذ منين؟ * طالب: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾. * الشيخ: من قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى الإنكار والتوبيخ. ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى آخره [فاطر: ٤]. * من فوائد الآية الكريمة: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع؛ فالرسل قد كُذِّبت من قبل، وهذا واضح من اللفظ. * ومن فوائدها: عناية الله عز وجل برسوله ﷺ، من أين تؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: تؤخذ من أن الله سبحانه وتعالى سلَّى؟ * طالب: رسوله (...). * الشيخ: بذكر من كذب من قبل. قلنا: * من فوائد الآية الكريمة: أن سنن الله تعالى في خلقه ظاهرة، كيف؟ * طالب: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾ [فاطر ٤] إذا كُذِّبت أنت فقد كذب الرسل أنهم كذبوا الرسل كما كذب النبي ﷺ، هذه يعني السنة. * الشيخ: لأن التكذيب من فعل الغيب ما هو فعل الله؟ * طالب: لا، ليس من فعل الله يعني هكذا خلق الله سبحانه وتعالى الناس أنهم يكذبون الرسل، وأن الرسل يُؤاذوا ويكذبوا. * طالب آخر: سنن الله في رسله أنهم يعني غاية ما يستقبلونه بالتثبيط. * الشيخ: هذا (...). * طالب: من قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] فهذا لما بين الله سبحانه وتعالى أن الرسل لما جاءت تُكذِّب بالكلمات. * الشيخ: هذا هو اللي قاله (...). * طالب: (...) الرسل التكذيب من غيرهم. * طالب آخر: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. * الشيخ: لا، قلنا: فيها تسلية للرسول وتهديد للكفار، ما يمكن يثبت التهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى في الأمم واحدة؛ لأنه لولا ذلك لقال الكفار: وإذا كذبت القوم وأهلكوا ما لنا ولهم؟ يعني ما يمكن يصدق بأن في هذه الآية تهديد حتى نقول: إن سنن الله تعالى واحدة. أيضًا نقول في استفادة أن سنن الله تعالى في الناس واحدة؛ لأنه أهلَك من كذب الرسل وهدد من كذبوا محمدًا ﷺ. هل يُستفاد من الآية أن محمدًا رسول الله؟ * طالب: أي نعم. * الشيخ: كيف ذلك؟ * طالب: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] يعني رسول وهم رسل. * الشيخ: أي نعم، ولولا ذلك لم يكن في قوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر ٤] فائدة. * من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الأمور الشؤون كلها إلى الله سبحانه وتعالى. * طالب: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤]. * الشيخ: ويش وجهه؟ وجه اختصاص هذا بالله؟ * الطالب: كل الأمور كلها إلى الله. * الشيخ: ما وجه اختصاص ذلك بالله؟ * طالب: تقديم الجار والمجرور (إلى الله) خبر. * الشيخ: تقديم المعمول يفيد الحصر. إذن إلى الله لا إلى غيره تُرجع الأمور. * من فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان إذا أصابته الضراء أن يلجأ إلى ربه، وأن يتعلق به. * طالب: (...). * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: (...). * الشيخ: إذا كانت الأمور ترجع إلى الله فليكن طلب إزالة الضرر من الله. * وفيه أيضًا: وجوب تحكيم الكتاب والسنة، وأنه لا يجوز العدول عما دل عليه الكتاب والسنة. * طالب: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * الشيخ: كيف ذلك؟ * الطالب: أن الأمور والشؤون الخلق جميعًا ترجع إلى الله. * الشيخ: ومنها الحكم بين الناس، فيجب أن يكون مرجِعه إلى الله. * ومنها: أن من حكَّم غير الكتاب والسنة فقد اعتدى على حق الله. * طالب: قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر ٤] (...). * الشيخ: لأن الله قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. * ومنها أيضًا: أنه لا يجوز للإنسان أن يسند ما رزقه الله من رزق: علم أو مال أو جاه أو ولد أو زوجة إلى نفسه فيقول: إنما أوتيته على علم عندي. * طالب: ترجع الأمور إلى الله؛ لأنه إذا أرجعها إلى نفسه أو إلى غيره ما أرجعها إلى الله. * الشيخ: لم يرجعها إلى الله. * ومنها: إثبات نعمة الله عز وجل على العباد بإرسال الرسل؛ لقوله: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤] والرسل إرسالهم من أكبر النعم؛ لأننا لا نستطيع أن نعرف كيف نعبد الله إلا عن طريق الرسل، الإنسان يعرف مثلًا بفطرته أن الله تعالى موجود، وأن له ربًّا خالقًا مدبرًا لكن لا يعرف كيف يصل إلى هذا الرب إلا من طريق الرسل. * ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات حكمة الله عز وجل حيث جعل للرسل من يكذبهم؛ لأنه لولا تكذيب من كذب الرسل ما حصل الامتحان، فهذه من الحِكم العظيمة أن يجعل الله للرسل من يكذبهم، لولا تكذيبهم لم يحصل الامتحان؛ إذ لو كان الناس كلهم على الطاعة ما تميز الخبيث من الطيب، ولا تميز المؤمن من الكافر، ولا قامت سوق الجهاد، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤] فهذه من الحكمة في وجود المكذبين للرسل، في هذا حكم كثيرة، منها أيضًا أنه لا يتبين الحق حتى يُعرف الباطل، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الباطل الذي ينازع الحق ما عرفنا الحق لكان الكل سواءً، ولا نعرف هذا ولا بالباطل.

فاطر 35:5

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر ٥] النداء موجه في عموم الناس، كل الناس، المؤمن والكافر، قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: (بالبعث وغيره). وصدق فكل ما وعد الله به فإنه حق سواء البعث أو العقاب أو الثواب أو النصر أو الخذلان أو غير ذلك مما وعد الله به فإنه حق. ﴿حَقٌّ﴾ هما بمعنى صدق وثابت فهو باعتبار الإخبار به صدق وأنه سيكون، وباعتبار وقوعه؟ * طالب: عدم. * الشيخ: ما هو عدم، ثابت، باعتبار وقوعه ثابت ولا بد، فالحق هنا بمعنى الصادق من حيث الخبر به، الواقع من حيث ثبوته، وأنه أمر كائن لا محالة، ليس وعد الله عز وجل كوعد غيره، قد.. والنهي هنا مؤكد بالنون ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾ [فاطر ٥]، وهذا تأكيد (...) فلا تغركم؛ أي: تخدعنكم، وهذا مُفرع على ما قبله؛ لأن الإنسان الذي تخدعه الدنيا يكون إيمانه بوعد الله تعالى ضعيفًا، إذ أن الدنيا تلهيه وتخدعه حتى ينجرف وراءها، وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا شك أن ما فيه الآن حياة وضده الموت، وهي (دنيا) اسم تفضيل، مذكره؟ * طالب: دني. * الشيخ: لا. * طلبة: أدنى. * الشيخ: أدنى، مثل: عليا وأعلى، سميت دنيا لوجهين: الأول: أنها متقدمة عن الآخرة، فهي أدنى إلى الناس من الآخرة، ولهذا سُميت الحياة الأولى، وسُميت دنيا أيضًا من دُنوذِّ مرتبتها، فهي دانية بمعنى قريبة؛ لأنها هي الأولى، وهي دانية؛ بمعنى دنو المرتبة؛ لأن ما فيها من النعيم إن قُدر فإنه منغص تنغيصًا مستقبلًا أو تنغيصًا حاضرًا؟ تنغيصًا حاضرًا؛ لأن نفس النعيم الذي تنعم به في الدنيا لا بد أن يُشاب بكدر كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرْ وهذا لو تأملته لوجدته كذلك، كل يوم في الأسبوع ناظر نفسك، يومًا تكون مستأنسًا منبسطًا ومسرورًا، ويومًا تغتم، ويومًا يجيك أشياء خارجية تفرحك، ويومًا آخر بالعكس، ثم لو قُدّر أن صفوها خلا من ذلك؛ يعني لم يُشب بأذى، فإن المستقبل ينغص عليك هذا الصفاء، كما قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــهُ بِـــادِّكَارِ الْمَــــــــــوْتِوَالْهَــــــــــــرَمِ فلا بد من أحد أمرين؛ إما موت عاجل وإما هرم مُفند، فالإنسان إذا كبر -إذا قُدر أن الله تعالى مد له في العمر- فإنه يرجع إلى حاله الأولى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل ٧٠]، يرجع إلى حاله الأولى، يسقط تمييزه، ويكون أشدَّ من الصبي، يعني كونه عالة على غيره أشد من كون الصبي عالة على غيره؛ لأن الصبي ما عنده عقل وتمييز، وغاية ما هنالك أنه يصيح، نعم، يدلِّله بشيء يلعب به ويسكت، لكن هذا الهرم عنده الشيء من التمييز تجده يصرخ على أهله مثلًا، يصرخ عليهم، يزعق عليهم، ويصيح، ويقول: كيف تنسون حاجتي (...) شاب، وأكد عليكم وأجيب لكم الطعام والشراب، واليوم تنسون (...) أكثر، نعم. ثم هو أيضًا ثقيل، الصبي يقدر الواحد يحمله على يده ويمشي به يمينًا ويسارًا حتى يسكت، لكن هذا مُشكل، لذلك إذا تذكر الإنسان أنه إما أن يموت أو يصل إلى هذه الحال فمهما كان عيشه فسوف؟ * الطلبة: يتنغص. * الشيخ: يتنغص، ولهذا نقول: هذه الحياة دنيا، مأخوذة منين؟ من دنو الزمن، ودنو؟ * الطلبة: المرتبة. * الشيخ: المرتبة والقدر. الحياة الدنيا ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥] عن الإيمان بذلك؛ أي: بوعد الله، وما أكثر الذين غفلوا عن وعد الله، وما أكثر الذين اعتمدوا على الأسباب الظاهرة فنسوا الأسباب التي وراءها. كثير من الناس يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠] كيف إن الله ينصر المسلمين وهم بهذه القلة، على أعدائهم الكفار وهم بهذه الكثرة وبهذه القوة، كيف هذا يكون؟ فيعتمد على الحياة الدنيا وعلى الأسباب المادية دون ما وراءها، والواجب علينا أن نؤمن بوعد الله، فالله جعل الوعد أن ينصر من ينصره، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥] يقول قائل: كيف إن الله يستخلفني في الأرض وعندنا الروس وعندنا الأمريكان وعندنا الإنجليز وغيرهم من الأمم القوية الكثيرة؟ أيش معنى هذا؟ ويش الجواب على ذلك؟ الجواب: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا تغرك الدنيا حتى في النصر، أسباب النصر ليست هي المادة فقط، بل هناك شيء وراءها وهو قوة العزيز عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠]. (﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حلمه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان) يعني: لا يخدعكم أيضًا من وَصْفُه الخداع، ولهذا جاء بوصف الغرور، و(غَرور) فَعول صفة مشبهة؛ لأن غروره كان وصفًا لازمًا له لزوم الوجوب، و(الغَرور) غير (الغُرور) بالضم، (الغُرور) بالضم مصدر، و(الغَرور) صفة مشبهة دالة على المعنى، و(...) به المعنى، فالغَرور إذن هو الشيطان، أي الشياطين الإنس ولّا الجن؟ * طالب: كلهم. * الشيخ: نعم، كلهم جميعًا، من شياطين الجن من يَغُر، وهو معروف، هو الشيطان الذي يلقي في قلبك ما يحتال، ومن شياطين الإنس أيضًا من يَغُر، وهم جلساء السوء الذين يأتون الإنسان، فيدخلون فيه كما يدخل الماء في المدر أو النار في الفحم، ما يدري يدخلون دخولا بحيث يكون كالنائم أو كالـميت بين يدي الغاسل، فالله عز وجل حذرنا من هؤلاء ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال المؤلف: (في حلمه وإمهاله) صحيح أن الإنسان قد يغتر بالله في حلمه وإمهاله، فيقول لنفسه: لو كنت على خطأ لعاقبني الله، وما دام الله عز وجل يرزقني ويعافيني فهذا دليل على أني على حق، لكن هذا من الأماني الباطلة التي حذر عنها رسول الله ﷺ، فقال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس، بدون زيادة: الأماني.]]، وهذا الحديث وإن كان فيه ما فيه من حيث الصحة لكن معناه صحيح بلا شك، فإن الكيس الحازم هو الذي يعمل لما بعد الموت، قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: لا يخدعنكم بالله في حلمه وإمهاله، وغير ذلك مما يتعلق بأفعاله وأحكامه ﴿لَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الخادع، وهو الشيطان. قوله: (الشيطان)، هذا اسم للشيطان اللي هو إبليس، وهو مشتق من (شاط يشيط) إذا غضب، أو من (شَطَن يَشْطِن) إذا بَعُد، والوصفان ثابتان للشيطان؛ لأنه عنده طيش وسوء تصرف كالغضبان، كالذي يشيط غضبًا، وهو أيضًا شاطن؛ أي: بعيد عن رحمة الله عز وجل، فإن الله تعالى لعنه، قال: ﴿إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص ٧٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر ٦]، ﴿عَدُوٌّ﴾ هذه -كما ترون- مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾ واللام؟ * طلبة: (...). * الشيخ: واللام ولّا لا؟ * الطلبة: (...) جار ومجرور.. * الشيخ: هذه جار ومجرور (...)، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: إن الشيطان عدوكم؛ لثبوت هذه العداوة، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، ولهذا أتى بالجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، فـ﴿عَدُوٌّ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، تقديم الخبر هنا يفيد الحصر؛ يعني كأنه ليس عدوًّا إلا لكم، كأنه قال: ليس عدوًّا إلا لكم، ومعلوم أن من انحصرت عداوته في شخص فإنه يجب عليه أن يحترز منه أكثر وأكثر، وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ على وزن فعول فهي صفة مشبهة، والعدو ضد الولي، فإذا كان الولي هو الناصر المتولي لأمرك المعتني به، فالعدو هو الخائن الذي لا يهمه أمرك، فالشيطان عدو. يقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لما أكد أنه عدو لنا أكد على ذلك، قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ والفاء هنا يسمونها فاء التفريع؛ أي: فبسبب ثبوت كونه عدوًّا اتخذوه عدوًّا؛ يعني: اجعلوه عدوًّا لكم بحيث تنفرون منه نفوركم من الأعداء، فإذا قال قائل: ما الذي يدلنا على عداوته أو كيف نتخذه عدوًّا؟ الجواب: نتخذه عدوًّا بكراهته وبغضه، وبعدم الانصياع لأمره ووسوسته؛ لأنه هو كما قال الله عنه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، هو لا يأمر إلا بالفحشاء والسوء ومعصية الله عز وجل، فإذا أحسست من نفسك أنك تهوى المعصية فاعلم أن هذا من إملاء إبليس، من إملاء الشيطان، فيجب عليك أن تنفر من هذا؛ لأن هذا صادر من عدو لك لا يريد إلا إضرارك وخذلانك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]. قال المؤلف: (﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ بطاعة الله، ولا تطيعوه) يعني: أطيعوا الله ولا تطيعوا الشيطان، وأنتم إذا أطعتم الله فإن هذا أعظم سلاح يغيظ هذا الشيطان اللي هو عدو لكم، فإذا أطعت الله عز وجل فإنك بذلك تغيظ الشيطان وتدحره وتذله، كما أنك تذل أوليائه أيضًا وتغيظهم، قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩] فهؤلاء القوم بصفتهم المذكورة يغيظون الكفار، والكفار أولياء الشيطان، وإذا كانوا يغيظون الكفار فإنهم يغيظون أيضًا الشيطان، فأعظم شيء لإغاظة الشيطان هو أن تقوم بطاعة الله عز وجل، يُروي «أن الشيطان يقول عن بني آدم: أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار»[[أخرجه أبو يعلى برقم (١٣٦) من حديث أبي بكرعن النبي ﷺ، قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون».]]، فالتوحيد وسؤال المغفرة لا شك أنه يغيظ الشيطان. (يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ [فاطر ٦] أتباعه في الكفر ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] النار الشديدة). ﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ (إنما) أداة حصر تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما سواه؛ يعني ما يدعو حزبه إلا لهذا العمل بأن يكونوا من أصحاب السعير، واللام في قوله: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ اللام هذه للعهد؛ يعني يدعو حزبه للشر والفحشاء؛ لأجل أن يكونوا من أصحاب السعير، وقول المؤلف: (﴿حِزْبَهُ﴾ أتباعه في الكفر). قد يُقال: إن فيه قصورًا؛ لأن حزب الشيطان الحزب المطلق لا شك أنهم كفار، لكن من عصى الله عز وجل ولو لم يكن كافرًا في معصية من المعاصي فله من حزبية الشيطان بقدر ما عصى الله، لكن الحزب المطلق هم الكفار قال: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: من أصحاب النار، والسعير هو النار الشديدة، وإنما يدعوهم لذلك؛ لأنه لما غوى -والعياذ بالله- وتكبر عن طاعة الله ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر ٣٩]. لما خُذل -والعياذ بالله- وطُرد وصار غاويًا حرص على أن يكون له أتباع في غيه، وهذا أمر مشاهد، أهل الحق يودون أن يكون لهم أتباع في الحق، وأهل الباطل يودون أن يكون لهم أتباع في الباطل، فالشيطان -والعياذ بالله- لما كان من أصحاب النار أحب أن يكون الناس -أي: بني آدم- أن يكون الناس كلهم من أصحاب النار، هؤلاء الذرية ذرية آدم ولّا لا؟ وشقاء إبليس إنما كان لتركه السجود لآدم، فلا جرم أن يضلل ذريته، وأن يحاول بكل ما يستطيع إغواءهم حتى يكونوا من أصحاب النار. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، والعذاب العقوبة، وأتى بالجملة الاسمية لتحقق أو لثبوت هذا العذاب واستمراره؛ لأن الكافرين مخلدون في نار جهنم، والـ﴿شَدِيدٌ﴾ بمعنى القوي. وأما غيرهم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان محله القلب؛ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، انتبه، والإيمان ليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مقرون بقبول وإذعان، قبول لما آمن به، وإذعان يقتضيه هذا الإيمان، أما مجرد التصديق فليس إيمانًا، ولو شئتم لضربنا مثلًا بأبي طالب، فإن أبا طالب كان مصدقًا للنبي ﷺ ولكنه لم يقبل ولم يذعن فلم ينفعه هذا التصديق. فـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان، وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا بد من العمل الصالح حتى يتم الإيمان ويتحقق ويتبين. العمل الصالح، قال العلماء: هو الذي كان خالصًا صوابًا، خالصًا لله، صوابًا في موافقة شريعة الله، وهذا التعريف يعم هذه الكلمة وغيرها، فما كان خالصًا لله موافقًا لشريعته فهو صالح، وما لم يكن كذلك فهو فاسد، فلو فقد الإخلاص من العمل لم يكن صالحًا، ولو وجد الإخلاص لكن لم يكن على وفق الشريعة لم يكن صالحًا. وعلى هذا فالأعمال البدعية وإن أخلص فيها صاحبها ليست صالحة، والأعمال الشرعية إذا شاركها الرياء وإراءة الخلق لم تكن صالحة. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تتكرر في القرآن كثيرًا، وهي -على ما قاله النحويون- من باب حذف المنعوت ووجود النعت للدلالة عليه؛ لأن الأصل: وعملوا الأعمال الصالحات. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ففي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ذكر عملين لهم، وذكر لهم جزاءين، الذين كفروا ذكر عملًا واحدًا وجزاءً واحدًا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] العمل الكفر، والجزاء العذاب الشديد، أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهذان عملان، والجزاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مغفرة لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على أعمالهم الصالحات، والمغفرة هي صرف الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا إذا كان قويًا يمنع، وليست الـمغفرة مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر والعقوبة ليس بمغفرة، بل لا بد من أمرين: الستر وعدم الـمؤاخذة، وقوله: ﴿وَأَجْرٌ﴾ الأجر الثواب الذي يُجازى به العامل، حتى الأجرة مثلًا إذا استأجرت رجلًا يعمل لك عملًا وأعطيته أجرة فهذا أجر، وسمى الله عز وجل الثواب أجرًا؛ لأنه لا بد أن يناله العامل، فهو كأجرة المستأجر أو كأجرة الأجير، فلا بد أن يناله العامل، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة ٢٤٥]، فسُمى العمل لله قرضًا؛ لأن القرض يجب الإيفاء به، فمثل هذه الآيات تدل على أن الله عز وجل أوجب على نفسه أن يثيب العامل، وقوله: ﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ كبير في حجمه أو كبير في معناه؟ * الطلبة: الجميع. * الشيخ: الجميع؛ لأن الإنسان في الجنة أدناهم منزلة من ينظر إلى ملكه مسيرة ألفي عام، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وهذا لا شك أنه كبير واسع، وكذلك في المعنى؛ لأنه دائم وثابت، قال: (هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه) (موافقي الشيطان) من هم؟ * طلبة: الذين كفروا. * الشيخ: الذين كفروا، ومخالفوه؟ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إذن يجب علينا أن نتخذ الشيطان عدوًّا بالإيمان والعمل الصالح. قال المؤلف: (ونزل في أبي جهل وغيره ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر ٨]) إلى آخره، أبو جهل كان يُسَمى في الجاهلية أبا الحكم؛ يعني أنه ذو حكمة وعقل وروية، لكنه سُمي في الإسلام أبا جهل؛ لأن أعظم جهله أن يبقى على كفره ولا يؤمن بالله، نزلت ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]، ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه مختلف فيه؛ فمنهم من قال: إنه مُقدر بين الهمزة وحرف العطف ويكون بحسب السياق، ومنهم من قال: إن المعطوف عليه ما سبق. فعلى الأول: نقدر المحذوف بما يُناسب المقام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] التقدير: أغفلوا فلم يسيروا في الأرض، وهنا يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ نقدرها بما يناسب، فنقول في التقدير: أتدركون هذا الشيء؟ فمن زين له سوء عمله. أو نقول: أيستوي الـمؤمن والكافر، فمن زين له سوء عمله. ولكن القول الثاني في المسألة -أنه معطوف على ما سبق- أحسن، لماذا؟ لأن الأصل عدم التقدير؛ ولأنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يقدر المحذوف، وعلى هذا القول يقولون: إن الفاء تُقَدَّر سابقةً للهمزة، (...) حرف العطف يُقدر سابقًا للهمزة، يكون فيه تقديم وتأخير، والتقدير على هذا: فأمن زُين له سوء عمله. وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من المزيِّن؟ ذكر الله عز وجل أن المزين الشيطان، وذكر أن المزين هو الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وفي بعض الآيات يكون المزين مبهمًا كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران ١٤] إلى آخره، فالمزيِّن الله، والمزيِّن الشيطان. فإذا قلت: كيف تجمع بين هذا وهذا؟ فالجواب أن المزين المباشر هو الشيطان، أما الله عز وجل فهو مزين بالتقدير؛ يعني هو الذي قدر على الشيطان أن يزين لهم، ومعلوم أن الله تعالى خالق الشيطان، وما نتج من أعماله فهو مضاف إلى الله، كما نقول في الإنسان: إنه مخلوق لله وما نتج من أعماله فهو مخلوق لله عز وجل، فيكون تزيين الله تعالى حسب التقدير؛ يعني: هو الذي قدر أن يزين الشيطان لهم أعمالهم. وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عمل هو مفرد مضاف، ويشمل كل الأعمال، سواء كان الشرك أو العدوان على الغير أو سوء السلوك وفساد الأخلاق أو غير ذلك، المهم أنه شامل لكل الأعمال. وقال المؤلف: (بالتمويه) ويش معنى (بالتمويه)؟ أنه يموه على الناس أن هذا العمل الذي يقوم به عمل حسن، ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ أي: رأى سوء عمله حسنًا، وهذا أشد ما يكون؛ أن يكون الإنسان على خطأ ويرى أنه على صواب؛ لأن مثل هذا لا يكاد يُقلع عن غيه، حيث إنه يعتبره صوابًا. ومن ذلك -مثلًا- أصحاب الحيل المخادعون، فالمنافق مثلًا زُيِّن له سوء عمله؛ لأنه يرى أنه ذكي ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، وهذا من سوء العمل، المتحايلون على الربا بأنواع الحيل هؤلاء أيضًا زُين لهم سوء أعمالهم، ولهذا لا تكاد تجدهم يقلعون على ما هم عليه؛ لأنه قد زُين ذلك في نفوسهم فلا يقلعون عنه، المهم أن هذا له أمثلة كثيرة، بقي علينا أن نقول: (من) مبتدأ فأين خبره؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من مبتدأ خبره كمن هداه الله)، بعده؟ * الطالب: (لا، دل عليه). * الشيخ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يعني: كمن لم يزين له سوء عمله، ورأى سوء عمله سيئًا؛ لأن الذي زُين له سوء عمله سيستمر عليه، والذي رآه سيئًا سوف يتجنبه، وهذا هو معنى قول المؤلف: (كمن هداه الله)، ومثل هذا التعبير يأتي في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، فالخبر محذوف أي كمن ليس كذلك يقول: (لا) أيش معنى (لا)؟ * طالب: يعني ليس. * الشيخ: يعني ليس هذا كهذا؛ لأن بينهما فرقًا، فإن من زُين له سوء عمله سيبقى على ضلاله، ومن لم يُزين له سوء عمله فرآه سيئًا فسيتجنبه ولا يقع فيه. قال المؤلف: (دل عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) دل عليه (...). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨]، وعلى هذا فالفاء هنا ليست واقعةً في خبر المبتدأ، بل خبر المبتدأ محذوف، لكنها عطف على ذلك الخبر؛ أي: فإن الله يضل من يشاء عن الحق فلا يهتدي إليه ويهدي من يشاء إلى الحق فيلتزمه. وهنا يقول: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ يمر علينا كثيرًا تعليق الأشياء بالمشيئة، ولكننا قلنا ونقول: إن هذه المشيئة مقرونة بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يضل أضله، ومن اقتضت حكمته أن يهديه هداه، من الذي تقتضي حكمة الله عز وجل أن يضله؟ هو الذي أراد الضلال، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فإذن إضلال الله تعالى للعبد في محله، وذلك بأن يكون هذا الرجل لا يريد الخير، وإنما يريد الشر. واعلم أن الهداية والضلال إما عدل وإما فضل، الضلال عدل؛ لأنه جوزي بحسب ما أراد، لما أراد الضلال -والعياذ بالله- وزاغ قلبه أُزيغ، وأما الهداية فإنها فضل من الله عز وجل، يتفضل بها على من يشاء من عباده، ولهذا نقول: لو قال قائل: كيف يجعل الله تعالى هذا مهتديًا وهذا ضالًا، أليس هذا ظلمًا؟ فالجواب: لا؛ لأن منع الهداية من هذا الضال إنما هو بمقتضى عدله، أما هداية المهتدي فهو بفضله، فنقول: إن منعك ما هو لك فقد ظلمك، وإن منعك فضله ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولولا أنك لست أهلًا للهداية ما منعك الله الهداية. * طالب: شيخ، ما (...)؟ * الشيخ: * في هذه الآية فوائد عديدة: * أولًا: أهمية التصديق بوعد الله عز وجل، وجه ذلك لما صدره بالنداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٥]. * ثانيًا: أن الكفار مخاطبون بفروع الدين وأصوله؛ لأن الخطاب هنا عام ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. * الشيء الثالث من فوائدها: أن وعد الله لا بد أن يقع؛ لأنه خبر من صادق قادر؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صدق في حال الخبر عنه، واقع في حال إيقاعه، * فمن فوائد الآية هنا أن ما وعد الله به فهو حق لا بد أن يقع. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان ألا يغتر بالدنيا مهما حصل له من زهرتها ونعيمها؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥]. * ومن فوائدها أيضًا: أن من (...) بالدنيا فإنه مخدوع؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ أي: تخدعنكم؛ لأن العاقل لا ينخدع بها. * ومنها الإشارة إلى وجوب العناية بالآخرة؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، وإذا نهينا عن الحياة الدنيا فمعناها أننا نلزم أو نؤمر بالعناية بالآخرة؛ لأنها -في الحقيقة- هي المنتهى. أما هذه الدنيا فإن الإنسان يمرها عابرًا فقط، حتى القبور التي يبقى فيها الإنسان من السنوات ما لا يعلمه إلا الله هي محل عبور، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] سمع أعرابي رجلًا يقرأ هذه الآية فقال: والله ما الزائر بمقيم، أو: إن الزائر لظاعن؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ﴾، والمعروف أن الزائر يبقى مدة ثم ينصرف. * ومن فوائدها أيضًا: دنو الدنيا مرتبة ودناءتها؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾، فهي وإن كانت حياة لكنها دنيا، ويستلزم ذلك الثناء على الآخرة؛ لأن وصف الضرة بعيب يدل على وصف ضرتها بكمالٍ، نعم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تنعم الإنسان في الدنيا على وجه لا تغره؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ ولم يقل: فلا تتنعموا في الدنيا بشيء، بل قال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. * ومنها: عِظَم الخطر من كثرة المال ويسر العيش؛ لأن هذا قد يشغل المرء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١٥)، ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من الشيطان ووساوسه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر ٥]، وسواء كان الشيطان إنسيًّا أو جنيًّا؛ لأن الشيطان الإنسي يغر الإنسان كما يغره شيطان الجن. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر الشديد من هذا الذي يغرنا من شياطين الإنس والجن؛ لأنه وصفه بقوله: ﴿الْغَرُورُ﴾، و(الْغَرُورُ) كما قلنا: إما صفة مشبهة، وإما صيغة مبالغة، ما قلنا: إنها مصدر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * ومنها: إثبات عداوته المؤكدة للإنسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * ومنها: أهمية إيماننا بذلك، وجهه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * الشيخ: إي، لكن ويش وجه أهمية علمنا بأنه عدو؟ * طلبة: الحصر. * الشيخ: إما على التوكيد، وجه ذلك؟ * طالب: أنه أكده (...) باللام. * الشيخ: لا، اللام ما هي مؤكدة، لكن وجه كونهم لما أُكِّد صار للأهمية عِلْمنا بذلك. * طالب: (...) إذا أكد أن الشيطان لنا عدو فإذن نحذر منه أكثر من (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: (...) مر علينا في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الخطاب الذي يُلقى إلى المخاطب بدون توكيد، ما مر علينا هذا؟ في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الذي يُلقى إلى المخاطب بغير توكيد، وأنه لا يؤكد في مقام الخطاب الخبري إلا بسبب، الخطاب الخبري إذا أُلقي إلى إنسان خالي الذهن فإنه لا يؤكد؛ لأنه لا داعي للتوكيد، التوكيد ليس فيه إلا زيادة كلمات لا فائدة منها، لكن إذا كان الأمر ذا أهمية فإنه يؤكد ولو كان الإنسان خالي الذهن، فإذا كان عالمًا بالأمر صار أيضًا توكيده أبعد، ولا نحتاج إلى التوكيد على كل حال. فالآن نقول: فإن الله أكد هذا الكلام والمخاطب خالي الذهن أو عالم به من قبل يدل على أهمية الإيمان بهذا الأمر الذي عليه الشيطان، وهو أنه عدو. وقد قال علماء البلاغة: إن الخبر إذا ألقي إلى عالم به مؤكدًا كان ذلك من أجل أن هذا المخاطب نُزِّل منزلة المنكر لكونه لم يقم بما يقتضيه هذا الخطاب، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥]. كلنا يعلم أنه سيموت، لكن لماذا أكد لنا الموت ونحن نعلم به ونتأكد منه؟ لأن فعلنا فعل المنكر للموت حيث إننا لا نصدق ولا نعمل لما بعد الموت، إذن نأخذ من هذه الآية أهمية إيماننا بأن الشيطان لنا عدو، من أين علمنا ذلك؟ لأنه أكد الخبر مع أنه ينقل إلى إنسان خالي الذهن لا يدري بأن الشيطان عدو، أو إلى إنسان عالم به ولكنه نزل منزلة المنكر؛ لكونه لم يتخذ الشيطان عدوًّا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب البعد عما يأمر به الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦]. * ومن فوائدها أيضًا: ذكر الأوصاف المذمومة إذا كان المقصود بها نصح المخاطب؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لو رأيت شخصًا مغترًّا بآخر يحسبه صديقه، وهذا الشخص الذي اغتر به صاحبه عدو له نعلم أنه يريد أن يوقع به كل سوء فإنه يجب علينا أن ننصحه عنه ونذكر معايب هذا الشخص حتى لا يغتر به فنقول: إنك تصاحب فلانًا وهو عدو لك، نعم حتى إن كانت عداوته لكونه يهديه إلى صراط الجحيم، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده؛ لأن العلم بعداوة الشيطان غير مدرَك لهم، ولكنه تعالى هو الذي أخبرنا به، ثم حثنا -بل أمرنا- بمخالفته؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان له في بني آدم إرادات سيئة (...)، لكن ما فيها دليل على أن من الناس من يدخل النار ولا يخلد فيها فلا يكون من أصحابها نقول: يمكن، فإن الشيطان يريد من الناس أن يبلغوا الذروة في المخالفة وإذا بلغوا ذروة المخالفة وكفروا حينئذ يكونون من أصحاب النار الذين يخلدون فيها، أما المعاصي التي دون ذلك فإن أصحابها لن (...) النار -كما دلت عليه النصوص- فلا يكونون من أصحابها. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] إلى آخره. * طالب: (...) حتى المؤمنين اللي عندهم معاصي.. * الشيخ: لا، هنا يقول: الحزب، هنا الحزب -حزب الشيطان- قد يكون حزبًا له (...)، وهذا قد يكون ما نقول: لا يكون، لكن الشيطان يريد من هذا من كل من يدعوه أن يكون من أصحاب النار. قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في هذه الآية إثبات الثواب والعقاب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]. * ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يجمع بين الشيء وضده، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، قال (...) في معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ أنه تثنى فيه المعاني، وهنا لما ذكر عذاب الكافرين ذكر ثواب المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن أيضًا من وجه آخر حيث بدأ بذكر عذاب الكافرين، بعد أن ذكر ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] فبدأ بما فيه التحذير بعد ما فيه التبشير، من آيات المناسبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عذابه شديد؛ يعني ليس بالعذاب السهل (...) شدة عذاب الكافرين (...) من أين هذا (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: أسألك من أين؟ * الطالب: من ناحية اتباعهم للشيطان. * الشيخ: ما نوع السبب؟ ما وجه شدته؟ * الطالب: وجه شدته؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أنهم في النار، عذاب شديد. * الشيخ: (...) شدته، هل هو بكيفيته أو بكميته؟ * الطالب: بالكمية والكيفية. * الشيخ: بالكمية والكيفية؛ لأنه دائم ولأنه عذاب لا نظير له؛ إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجر لا يثبت إلا (...) في وصفين؛ أحدهما: الإيمان، والثاني: العمل الصالح. * ومن فوائد الآية: تقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما هو الضابط؟ قلنا فيما سبق: إن الضابط أن ما كان خالصًا صوابًا فهو صالح، وما كان فيه شرك أو بدعة فليس بصالح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (...) أجرهم مرتين من زوال المكروه الثابت في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وحصول المطلوب الثابت في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بلاغة القرآن؛ لأنه لما ذكر عملًا واحدًا في الكفار ذكر جزاءً واحدًا، ولما ذكر وصفين في المؤمنين ذكر وصفين في ثوابهم، وهذا ظاهر أيضًا في مثل سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ١]، إذا تأملتها وجدت الله عز وجل لم يذكر في الكافرين وعذابهم إلا قليلًا بالنسبة للأبرار، السبب ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤] قال: للكافرين فقط، ولم يقل شيئًا من أعمالهم، بل كان الجزاء مختصرًا: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾. وذكر الأبرار وأطال في ذكر ما لهم من النعيم؛ لأنه ذكر عدة أعمال من أعمالهم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٥، ٦] شوف، الأبرار عباد الله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٧ - ٩] الإخلاص التام ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٩، ١٠] نعم، في تردد هذه الأوصاف من أوصافهم، فأطال في ذكر جزائهم لما أطال في ذكر أعمالهم أطال في ذكر جزائهم بخلاف الكافرين، وهذا بلا شك من بلاغة القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجور تختلف؛ لقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ باختلاف أي شيء؟ تختلف باختلاف العمل، وتختلف باختلاف العامل، وإذا كانت متعدية فإنها تختلف باختلاف من انتفع بها، فمثل أن تختلف باختلاف العمل: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الواجب أفضل من المستحب، باختلاف العامل: مر علينا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»[[أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد.]] هذا باختلاف أيش؟ * طالب: العامل. * الشيخ: باختلاف العامل، تختلف أيضًا باختلاف المحل إذا كانت متعدية فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على من هو أشد حاجة أفضل من الصدقة عمن دونه وهكذا، فاختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الأجور أيضًا، تختلف أيضًا (...) باختلاف الإخلاص. * طالب: (...). * الشيخ: باختلاف الإخلاص؛ يعني أنه كلما كان الإنسان في عمله أخلص كان عمله أفضل، ولّا لا؟ ويمكن أن نقول أيضًا: تختلف باختلاف الاتباع، وكلما كان اتباعه أكثر لله (...) كانت أكمل، وعلى كل حال فالاختلافات هذه في وجودها يختلف بها الأجور. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]. * طالب: (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فتجد أن هذه الآية ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن هذه المشيئة تابعة لحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يضله أضله، وهو الذي لا يريد الخير؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨] المراد به هداية التوفيق، وربما نقول: هداية التوفيق والدلالة، ولكن الأهم هداية التوفيق، ولعل هذا هو المراد هنا؛ لأن الذين أضلهم الله قد هداهم الله هداية الدلالة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥] وهذا عام، ولكن الهداية قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فما كل مدعوٍّ يهتدي. وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨] هذا نَهْيٌ عما كان ولّا عما لم يكن؟ الظاهر أنه نهي عما كان، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على هؤلاء المكذبين الذين كانوا يكذبونه، والنهي عن الشيء قد يكون نهيًا عما كان وقد يكون نهيًا عما لم يكن، فقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣، ٢١٤] هذا نهي عما؟ * طالب: لم يكن. * الشيخ: عما لم يكن؟ ولّا عما كان؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. * الطلبة: عما لم يكن. * الشيخ: عما لم يكن صح؛ لأن الرسول ما فعل، كذا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]؟ * طالب: عما لم يكن. * الشيخ: ولّا عما كان؟ * طالب: عما كان. * طالب آخر: عما لم يكن. * الشيخ: هل (...) في نفسه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني (...). * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: (...) لا تقتلوا أنفسكم، هل المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا فهذا صحيح، نَهْيٌ عمَّا لم يكن وعما كان، لكن إذا كان نهيًا أن يقتل الإنسان نفسه فهذا طبعًا لم يكن؛ إذ لا يمكن أن يقتل نفسه إلا وهو موجود. * طالب: إذا انتحر ما يقتل نفسه يا شيخ؟ * الشيخ: إي، لكن ما تقول: ولا تقتل نفسك. * الطالب: في حياته؟ * الشيخ: إي، قبل أن يموت، أما بعد أن (...) فلا يمكن، إذن فلا (...) نقول هذه نهي عما لم؟ * طالب: (...). * الشيخ: سبحان الله، (...) ما كان. * طالب: (...). * الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على فوات (...) والأدلة (...) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول عز وجل: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسر لهؤلاء لعدم إيمانهم؛ يقول هنا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني لا تذهب نفسك من أجلهم، نعم، كما يقال: بكيت عليك الدهر. أي: من أجلك، فالمعنى: لا تذهب نفسك من أجلهم حسرات. قوله: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنها حال على أنها مصدر أُريد به اسم الفاعل؛ أي: حاسرةً، والحسرة هي الهم الشديد والغم على ما فات، فكل من فاته شيء يحبه ويطلبه فاهتم لذلك واغتم يُقال: تحسر، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مصدر (...)، وأنه مفعول من أجله، المعنى: فلا تذهب نفسك؛ أي: تهلك من أجل الحسرات عليهم. قال المؤلف: (﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ على المزين لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغتمامك ألا يؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨] فيجازيهم عليه). في هذه الجملة تهديد وتسلية؛ تهديد لهؤلاء المخالفين، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني لا (...) فإن حسابهم على الله وسوف يجازيهم. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو من أولها أظن، من أول الآية. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يعمى قلبه حتى يرى السيئة حسنة، وفي مقابل ذلك يرى الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. * ومن فوائدها: إبهام الفاعل ليشمل كل ما يمكن أن يقع منه هذا الفعل؛ لقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقد مر علينا أن المزين هو الله عز وجل في الأصل، والشياطين في المباشرة. * ومن فوائدها: انقسام الأعمال إلى سيء وصالح؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾. * ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضاف العمل إليه، وهم يقولون: إن الأعمال لا تضاف للإنسان؛ لأنه مجبر عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من هذه حاله لا يستوي مع من ليس كذلك بحيث يرى السيئ سيئًا، والحسن حسنًا، ونأخذها من أن المحذوف يكون مقابلًا للمذكور؛ لأن الهمزة هنا للتسوية؛ يعني: أيستوي هذا وهذا؟ والجواب: لا يستويان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها -وهي تتفرع على هذه الفائدة-: أننا إذا علمنا ذلك فإننا نسأل الهداية من الله، ونستعيذ من الضلال بالله، نستعيذ من الضلال بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنه مر علينا أن كل فعل علقه الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائدها: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن القدرية يقولون: إن أفعال العبد من ضلالة أو هداية لا تتعلق بها مشيئة الله؛ لأن مذهبهم -القدرية- مذهبهم: أن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله تعالى فيه تعلق إطلاقًا، حتى إن غلاتهم يزعمون أن الله لا يعلم عمل العبد حتى يقع، ويقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مُسْتَأْنف؛ أي: إن علم الله عز وجل يحدث بعد أن لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ -وعز من أرسله- كان يحزن حزنًا عظيمًا تكاد تذهب نفسه من شدته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وجه ذلك أن الأصل في النهي أن يكون عما وقع، وقد يكون عما لم يقع، وهو كثير أيضًا، ويدل على أن هذا أمر واقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. * ومن فوائدها: شفقة النبي ﷺ على أمته. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحزن لعدم إيمانهم أو طاعتهم لمصلحته هو، ولكن لمصلحتهم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. * ومنها: أن النبي ﷺ بشر، يتأثر بما يتأثر به البشر من أسباب الفرح وأسباب الحزن، وهذا أمر واقع، «وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ذات يوم مستبشرًا تبرق أسارير وجهه، فسألته عن ذلك فقال: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا مُتَغَطِّيَانِ بِرِدَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٩) من حديث عائشة.]]، ففرح عليه الصلاة والسلام حتى ظهر ذلك على وجهه، فالأعراض البشرية تطرأ على النبي ﷺ كغيره من البشر من الفرح والحزن والغم والاستبشار والنسيان وعدم العلم وغير ذلك؛ لأنه لا يتميز عن البشر إلا بشيء واحد وهو الوحي، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠] شوف ﴿بَشَرٌ﴾ تغني عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التأكيد؛ لئلا يذهب ذاهب إلى أنه بشر قد خُصص بشيء فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثم ذكر الميزة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠]، وفي هذا رد واضح على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تأثيرًا في الخلق كتأثير ربوبية الله عز وجل؛ لأنه لو كان كذلك ما ذهبت نفسه عليهم حسرات لهداهم، وسَلِم من هذه الحسرات التي تكون على نفسه. * ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨]. * ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ في مثل هذه الجملة التي تفيد تسليته وتهوين الأمر عليه، وأنه ما من حساب هؤلاء عليه من شيء، كما أنه ليس من حسابه هو عليهم من شيء.

فاطر 35:6

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر ٥] النداء موجه في عموم الناس، كل الناس، المؤمن والكافر، قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: (بالبعث وغيره). وصدق فكل ما وعد الله به فإنه حق سواء البعث أو العقاب أو الثواب أو النصر أو الخذلان أو غير ذلك مما وعد الله به فإنه حق. ﴿حَقٌّ﴾ هما بمعنى صدق وثابت فهو باعتبار الإخبار به صدق وأنه سيكون، وباعتبار وقوعه؟ * طالب: عدم. * الشيخ: ما هو عدم، ثابت، باعتبار وقوعه ثابت ولا بد، فالحق هنا بمعنى الصادق من حيث الخبر به، الواقع من حيث ثبوته، وأنه أمر كائن لا محالة، ليس وعد الله عز وجل كوعد غيره، قد.. والنهي هنا مؤكد بالنون ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾ [فاطر ٥]، وهذا تأكيد (...) فلا تغركم؛ أي: تخدعنكم، وهذا مُفرع على ما قبله؛ لأن الإنسان الذي تخدعه الدنيا يكون إيمانه بوعد الله تعالى ضعيفًا، إذ أن الدنيا تلهيه وتخدعه حتى ينجرف وراءها، وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا شك أن ما فيه الآن حياة وضده الموت، وهي (دنيا) اسم تفضيل، مذكره؟ * طالب: دني. * الشيخ: لا. * طلبة: أدنى. * الشيخ: أدنى، مثل: عليا وأعلى، سميت دنيا لوجهين: الأول: أنها متقدمة عن الآخرة، فهي أدنى إلى الناس من الآخرة، ولهذا سُميت الحياة الأولى، وسُميت دنيا أيضًا من دُنوذِّ مرتبتها، فهي دانية بمعنى قريبة؛ لأنها هي الأولى، وهي دانية؛ بمعنى دنو المرتبة؛ لأن ما فيها من النعيم إن قُدر فإنه منغص تنغيصًا مستقبلًا أو تنغيصًا حاضرًا؟ تنغيصًا حاضرًا؛ لأن نفس النعيم الذي تنعم به في الدنيا لا بد أن يُشاب بكدر كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرْ وهذا لو تأملته لوجدته كذلك، كل يوم في الأسبوع ناظر نفسك، يومًا تكون مستأنسًا منبسطًا ومسرورًا، ويومًا تغتم، ويومًا يجيك أشياء خارجية تفرحك، ويومًا آخر بالعكس، ثم لو قُدّر أن صفوها خلا من ذلك؛ يعني لم يُشب بأذى، فإن المستقبل ينغص عليك هذا الصفاء، كما قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــهُ بِـــادِّكَارِ الْمَــــــــــوْتِوَالْهَــــــــــــرَمِ فلا بد من أحد أمرين؛ إما موت عاجل وإما هرم مُفند، فالإنسان إذا كبر -إذا قُدر أن الله تعالى مد له في العمر- فإنه يرجع إلى حاله الأولى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل ٧٠]، يرجع إلى حاله الأولى، يسقط تمييزه، ويكون أشدَّ من الصبي، يعني كونه عالة على غيره أشد من كون الصبي عالة على غيره؛ لأن الصبي ما عنده عقل وتمييز، وغاية ما هنالك أنه يصيح، نعم، يدلِّله بشيء يلعب به ويسكت، لكن هذا الهرم عنده الشيء من التمييز تجده يصرخ على أهله مثلًا، يصرخ عليهم، يزعق عليهم، ويصيح، ويقول: كيف تنسون حاجتي (...) شاب، وأكد عليكم وأجيب لكم الطعام والشراب، واليوم تنسون (...) أكثر، نعم. ثم هو أيضًا ثقيل، الصبي يقدر الواحد يحمله على يده ويمشي به يمينًا ويسارًا حتى يسكت، لكن هذا مُشكل، لذلك إذا تذكر الإنسان أنه إما أن يموت أو يصل إلى هذه الحال فمهما كان عيشه فسوف؟ * الطلبة: يتنغص. * الشيخ: يتنغص، ولهذا نقول: هذه الحياة دنيا، مأخوذة منين؟ من دنو الزمن، ودنو؟ * الطلبة: المرتبة. * الشيخ: المرتبة والقدر. الحياة الدنيا ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥] عن الإيمان بذلك؛ أي: بوعد الله، وما أكثر الذين غفلوا عن وعد الله، وما أكثر الذين اعتمدوا على الأسباب الظاهرة فنسوا الأسباب التي وراءها. كثير من الناس يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠] كيف إن الله ينصر المسلمين وهم بهذه القلة، على أعدائهم الكفار وهم بهذه الكثرة وبهذه القوة، كيف هذا يكون؟ فيعتمد على الحياة الدنيا وعلى الأسباب المادية دون ما وراءها، والواجب علينا أن نؤمن بوعد الله، فالله جعل الوعد أن ينصر من ينصره، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥] يقول قائل: كيف إن الله يستخلفني في الأرض وعندنا الروس وعندنا الأمريكان وعندنا الإنجليز وغيرهم من الأمم القوية الكثيرة؟ أيش معنى هذا؟ ويش الجواب على ذلك؟ الجواب: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا تغرك الدنيا حتى في النصر، أسباب النصر ليست هي المادة فقط، بل هناك شيء وراءها وهو قوة العزيز عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠]. (﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حلمه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان) يعني: لا يخدعكم أيضًا من وَصْفُه الخداع، ولهذا جاء بوصف الغرور، و(غَرور) فَعول صفة مشبهة؛ لأن غروره كان وصفًا لازمًا له لزوم الوجوب، و(الغَرور) غير (الغُرور) بالضم، (الغُرور) بالضم مصدر، و(الغَرور) صفة مشبهة دالة على المعنى، و(...) به المعنى، فالغَرور إذن هو الشيطان، أي الشياطين الإنس ولّا الجن؟ * طالب: كلهم. * الشيخ: نعم، كلهم جميعًا، من شياطين الجن من يَغُر، وهو معروف، هو الشيطان الذي يلقي في قلبك ما يحتال، ومن شياطين الإنس أيضًا من يَغُر، وهم جلساء السوء الذين يأتون الإنسان، فيدخلون فيه كما يدخل الماء في المدر أو النار في الفحم، ما يدري يدخلون دخولا بحيث يكون كالنائم أو كالـميت بين يدي الغاسل، فالله عز وجل حذرنا من هؤلاء ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال المؤلف: (في حلمه وإمهاله) صحيح أن الإنسان قد يغتر بالله في حلمه وإمهاله، فيقول لنفسه: لو كنت على خطأ لعاقبني الله، وما دام الله عز وجل يرزقني ويعافيني فهذا دليل على أني على حق، لكن هذا من الأماني الباطلة التي حذر عنها رسول الله ﷺ، فقال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس، بدون زيادة: الأماني.]]، وهذا الحديث وإن كان فيه ما فيه من حيث الصحة لكن معناه صحيح بلا شك، فإن الكيس الحازم هو الذي يعمل لما بعد الموت، قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: لا يخدعنكم بالله في حلمه وإمهاله، وغير ذلك مما يتعلق بأفعاله وأحكامه ﴿لَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الخادع، وهو الشيطان. قوله: (الشيطان)، هذا اسم للشيطان اللي هو إبليس، وهو مشتق من (شاط يشيط) إذا غضب، أو من (شَطَن يَشْطِن) إذا بَعُد، والوصفان ثابتان للشيطان؛ لأنه عنده طيش وسوء تصرف كالغضبان، كالذي يشيط غضبًا، وهو أيضًا شاطن؛ أي: بعيد عن رحمة الله عز وجل، فإن الله تعالى لعنه، قال: ﴿إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص ٧٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر ٦]، ﴿عَدُوٌّ﴾ هذه -كما ترون- مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾ واللام؟ * طلبة: (...). * الشيخ: واللام ولّا لا؟ * الطلبة: (...) جار ومجرور.. * الشيخ: هذه جار ومجرور (...)، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: إن الشيطان عدوكم؛ لثبوت هذه العداوة، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، ولهذا أتى بالجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، فـ﴿عَدُوٌّ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، تقديم الخبر هنا يفيد الحصر؛ يعني كأنه ليس عدوًّا إلا لكم، كأنه قال: ليس عدوًّا إلا لكم، ومعلوم أن من انحصرت عداوته في شخص فإنه يجب عليه أن يحترز منه أكثر وأكثر، وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ على وزن فعول فهي صفة مشبهة، والعدو ضد الولي، فإذا كان الولي هو الناصر المتولي لأمرك المعتني به، فالعدو هو الخائن الذي لا يهمه أمرك، فالشيطان عدو. يقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لما أكد أنه عدو لنا أكد على ذلك، قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ والفاء هنا يسمونها فاء التفريع؛ أي: فبسبب ثبوت كونه عدوًّا اتخذوه عدوًّا؛ يعني: اجعلوه عدوًّا لكم بحيث تنفرون منه نفوركم من الأعداء، فإذا قال قائل: ما الذي يدلنا على عداوته أو كيف نتخذه عدوًّا؟ الجواب: نتخذه عدوًّا بكراهته وبغضه، وبعدم الانصياع لأمره ووسوسته؛ لأنه هو كما قال الله عنه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، هو لا يأمر إلا بالفحشاء والسوء ومعصية الله عز وجل، فإذا أحسست من نفسك أنك تهوى المعصية فاعلم أن هذا من إملاء إبليس، من إملاء الشيطان، فيجب عليك أن تنفر من هذا؛ لأن هذا صادر من عدو لك لا يريد إلا إضرارك وخذلانك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]. قال المؤلف: (﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ بطاعة الله، ولا تطيعوه) يعني: أطيعوا الله ولا تطيعوا الشيطان، وأنتم إذا أطعتم الله فإن هذا أعظم سلاح يغيظ هذا الشيطان اللي هو عدو لكم، فإذا أطعت الله عز وجل فإنك بذلك تغيظ الشيطان وتدحره وتذله، كما أنك تذل أوليائه أيضًا وتغيظهم، قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩] فهؤلاء القوم بصفتهم المذكورة يغيظون الكفار، والكفار أولياء الشيطان، وإذا كانوا يغيظون الكفار فإنهم يغيظون أيضًا الشيطان، فأعظم شيء لإغاظة الشيطان هو أن تقوم بطاعة الله عز وجل، يُروي «أن الشيطان يقول عن بني آدم: أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار»[[أخرجه أبو يعلى برقم (١٣٦) من حديث أبي بكرعن النبي ﷺ، قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون».]]، فالتوحيد وسؤال المغفرة لا شك أنه يغيظ الشيطان. (يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ [فاطر ٦] أتباعه في الكفر ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] النار الشديدة). ﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ (إنما) أداة حصر تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما سواه؛ يعني ما يدعو حزبه إلا لهذا العمل بأن يكونوا من أصحاب السعير، واللام في قوله: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ اللام هذه للعهد؛ يعني يدعو حزبه للشر والفحشاء؛ لأجل أن يكونوا من أصحاب السعير، وقول المؤلف: (﴿حِزْبَهُ﴾ أتباعه في الكفر). قد يُقال: إن فيه قصورًا؛ لأن حزب الشيطان الحزب المطلق لا شك أنهم كفار، لكن من عصى الله عز وجل ولو لم يكن كافرًا في معصية من المعاصي فله من حزبية الشيطان بقدر ما عصى الله، لكن الحزب المطلق هم الكفار قال: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: من أصحاب النار، والسعير هو النار الشديدة، وإنما يدعوهم لذلك؛ لأنه لما غوى -والعياذ بالله- وتكبر عن طاعة الله ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر ٣٩]. لما خُذل -والعياذ بالله- وطُرد وصار غاويًا حرص على أن يكون له أتباع في غيه، وهذا أمر مشاهد، أهل الحق يودون أن يكون لهم أتباع في الحق، وأهل الباطل يودون أن يكون لهم أتباع في الباطل، فالشيطان -والعياذ بالله- لما كان من أصحاب النار أحب أن يكون الناس -أي: بني آدم- أن يكون الناس كلهم من أصحاب النار، هؤلاء الذرية ذرية آدم ولّا لا؟ وشقاء إبليس إنما كان لتركه السجود لآدم، فلا جرم أن يضلل ذريته، وأن يحاول بكل ما يستطيع إغواءهم حتى يكونوا من أصحاب النار. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، والعذاب العقوبة، وأتى بالجملة الاسمية لتحقق أو لثبوت هذا العذاب واستمراره؛ لأن الكافرين مخلدون في نار جهنم، والـ﴿شَدِيدٌ﴾ بمعنى القوي. وأما غيرهم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان محله القلب؛ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، انتبه، والإيمان ليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مقرون بقبول وإذعان، قبول لما آمن به، وإذعان يقتضيه هذا الإيمان، أما مجرد التصديق فليس إيمانًا، ولو شئتم لضربنا مثلًا بأبي طالب، فإن أبا طالب كان مصدقًا للنبي ﷺ ولكنه لم يقبل ولم يذعن فلم ينفعه هذا التصديق. فـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان، وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا بد من العمل الصالح حتى يتم الإيمان ويتحقق ويتبين. العمل الصالح، قال العلماء: هو الذي كان خالصًا صوابًا، خالصًا لله، صوابًا في موافقة شريعة الله، وهذا التعريف يعم هذه الكلمة وغيرها، فما كان خالصًا لله موافقًا لشريعته فهو صالح، وما لم يكن كذلك فهو فاسد، فلو فقد الإخلاص من العمل لم يكن صالحًا، ولو وجد الإخلاص لكن لم يكن على وفق الشريعة لم يكن صالحًا. وعلى هذا فالأعمال البدعية وإن أخلص فيها صاحبها ليست صالحة، والأعمال الشرعية إذا شاركها الرياء وإراءة الخلق لم تكن صالحة. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تتكرر في القرآن كثيرًا، وهي -على ما قاله النحويون- من باب حذف المنعوت ووجود النعت للدلالة عليه؛ لأن الأصل: وعملوا الأعمال الصالحات. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ففي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ذكر عملين لهم، وذكر لهم جزاءين، الذين كفروا ذكر عملًا واحدًا وجزاءً واحدًا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] العمل الكفر، والجزاء العذاب الشديد، أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهذان عملان، والجزاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مغفرة لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على أعمالهم الصالحات، والمغفرة هي صرف الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا إذا كان قويًا يمنع، وليست الـمغفرة مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر والعقوبة ليس بمغفرة، بل لا بد من أمرين: الستر وعدم الـمؤاخذة، وقوله: ﴿وَأَجْرٌ﴾ الأجر الثواب الذي يُجازى به العامل، حتى الأجرة مثلًا إذا استأجرت رجلًا يعمل لك عملًا وأعطيته أجرة فهذا أجر، وسمى الله عز وجل الثواب أجرًا؛ لأنه لا بد أن يناله العامل، فهو كأجرة المستأجر أو كأجرة الأجير، فلا بد أن يناله العامل، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة ٢٤٥]، فسُمى العمل لله قرضًا؛ لأن القرض يجب الإيفاء به، فمثل هذه الآيات تدل على أن الله عز وجل أوجب على نفسه أن يثيب العامل، وقوله: ﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ كبير في حجمه أو كبير في معناه؟ * الطلبة: الجميع. * الشيخ: الجميع؛ لأن الإنسان في الجنة أدناهم منزلة من ينظر إلى ملكه مسيرة ألفي عام، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وهذا لا شك أنه كبير واسع، وكذلك في المعنى؛ لأنه دائم وثابت، قال: (هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه) (موافقي الشيطان) من هم؟ * طلبة: الذين كفروا. * الشيخ: الذين كفروا، ومخالفوه؟ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إذن يجب علينا أن نتخذ الشيطان عدوًّا بالإيمان والعمل الصالح. قال المؤلف: (ونزل في أبي جهل وغيره ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر ٨]) إلى آخره، أبو جهل كان يُسَمى في الجاهلية أبا الحكم؛ يعني أنه ذو حكمة وعقل وروية، لكنه سُمي في الإسلام أبا جهل؛ لأن أعظم جهله أن يبقى على كفره ولا يؤمن بالله، نزلت ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]، ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه مختلف فيه؛ فمنهم من قال: إنه مُقدر بين الهمزة وحرف العطف ويكون بحسب السياق، ومنهم من قال: إن المعطوف عليه ما سبق. فعلى الأول: نقدر المحذوف بما يُناسب المقام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] التقدير: أغفلوا فلم يسيروا في الأرض، وهنا يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ نقدرها بما يناسب، فنقول في التقدير: أتدركون هذا الشيء؟ فمن زين له سوء عمله. أو نقول: أيستوي الـمؤمن والكافر، فمن زين له سوء عمله. ولكن القول الثاني في المسألة -أنه معطوف على ما سبق- أحسن، لماذا؟ لأن الأصل عدم التقدير؛ ولأنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يقدر المحذوف، وعلى هذا القول يقولون: إن الفاء تُقَدَّر سابقةً للهمزة، (...) حرف العطف يُقدر سابقًا للهمزة، يكون فيه تقديم وتأخير، والتقدير على هذا: فأمن زُين له سوء عمله. وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من المزيِّن؟ ذكر الله عز وجل أن المزين الشيطان، وذكر أن المزين هو الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وفي بعض الآيات يكون المزين مبهمًا كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران ١٤] إلى آخره، فالمزيِّن الله، والمزيِّن الشيطان. فإذا قلت: كيف تجمع بين هذا وهذا؟ فالجواب أن المزين المباشر هو الشيطان، أما الله عز وجل فهو مزين بالتقدير؛ يعني هو الذي قدر على الشيطان أن يزين لهم، ومعلوم أن الله تعالى خالق الشيطان، وما نتج من أعماله فهو مضاف إلى الله، كما نقول في الإنسان: إنه مخلوق لله وما نتج من أعماله فهو مخلوق لله عز وجل، فيكون تزيين الله تعالى حسب التقدير؛ يعني: هو الذي قدر أن يزين الشيطان لهم أعمالهم. وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عمل هو مفرد مضاف، ويشمل كل الأعمال، سواء كان الشرك أو العدوان على الغير أو سوء السلوك وفساد الأخلاق أو غير ذلك، المهم أنه شامل لكل الأعمال. وقال المؤلف: (بالتمويه) ويش معنى (بالتمويه)؟ أنه يموه على الناس أن هذا العمل الذي يقوم به عمل حسن، ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ أي: رأى سوء عمله حسنًا، وهذا أشد ما يكون؛ أن يكون الإنسان على خطأ ويرى أنه على صواب؛ لأن مثل هذا لا يكاد يُقلع عن غيه، حيث إنه يعتبره صوابًا. ومن ذلك -مثلًا- أصحاب الحيل المخادعون، فالمنافق مثلًا زُيِّن له سوء عمله؛ لأنه يرى أنه ذكي ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، وهذا من سوء العمل، المتحايلون على الربا بأنواع الحيل هؤلاء أيضًا زُين لهم سوء أعمالهم، ولهذا لا تكاد تجدهم يقلعون على ما هم عليه؛ لأنه قد زُين ذلك في نفوسهم فلا يقلعون عنه، المهم أن هذا له أمثلة كثيرة، بقي علينا أن نقول: (من) مبتدأ فأين خبره؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من مبتدأ خبره كمن هداه الله)، بعده؟ * الطالب: (لا، دل عليه). * الشيخ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يعني: كمن لم يزين له سوء عمله، ورأى سوء عمله سيئًا؛ لأن الذي زُين له سوء عمله سيستمر عليه، والذي رآه سيئًا سوف يتجنبه، وهذا هو معنى قول المؤلف: (كمن هداه الله)، ومثل هذا التعبير يأتي في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، فالخبر محذوف أي كمن ليس كذلك يقول: (لا) أيش معنى (لا)؟ * طالب: يعني ليس. * الشيخ: يعني ليس هذا كهذا؛ لأن بينهما فرقًا، فإن من زُين له سوء عمله سيبقى على ضلاله، ومن لم يُزين له سوء عمله فرآه سيئًا فسيتجنبه ولا يقع فيه. قال المؤلف: (دل عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) دل عليه (...). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨]، وعلى هذا فالفاء هنا ليست واقعةً في خبر المبتدأ، بل خبر المبتدأ محذوف، لكنها عطف على ذلك الخبر؛ أي: فإن الله يضل من يشاء عن الحق فلا يهتدي إليه ويهدي من يشاء إلى الحق فيلتزمه. وهنا يقول: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ يمر علينا كثيرًا تعليق الأشياء بالمشيئة، ولكننا قلنا ونقول: إن هذه المشيئة مقرونة بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يضل أضله، ومن اقتضت حكمته أن يهديه هداه، من الذي تقتضي حكمة الله عز وجل أن يضله؟ هو الذي أراد الضلال، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فإذن إضلال الله تعالى للعبد في محله، وذلك بأن يكون هذا الرجل لا يريد الخير، وإنما يريد الشر. واعلم أن الهداية والضلال إما عدل وإما فضل، الضلال عدل؛ لأنه جوزي بحسب ما أراد، لما أراد الضلال -والعياذ بالله- وزاغ قلبه أُزيغ، وأما الهداية فإنها فضل من الله عز وجل، يتفضل بها على من يشاء من عباده، ولهذا نقول: لو قال قائل: كيف يجعل الله تعالى هذا مهتديًا وهذا ضالًا، أليس هذا ظلمًا؟ فالجواب: لا؛ لأن منع الهداية من هذا الضال إنما هو بمقتضى عدله، أما هداية المهتدي فهو بفضله، فنقول: إن منعك ما هو لك فقد ظلمك، وإن منعك فضله ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولولا أنك لست أهلًا للهداية ما منعك الله الهداية. * طالب: شيخ، ما (...)؟ * الشيخ: * في هذه الآية فوائد عديدة: * أولًا: أهمية التصديق بوعد الله عز وجل، وجه ذلك لما صدره بالنداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٥]. * ثانيًا: أن الكفار مخاطبون بفروع الدين وأصوله؛ لأن الخطاب هنا عام ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. * الشيء الثالث من فوائدها: أن وعد الله لا بد أن يقع؛ لأنه خبر من صادق قادر؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صدق في حال الخبر عنه، واقع في حال إيقاعه، * فمن فوائد الآية هنا أن ما وعد الله به فهو حق لا بد أن يقع. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان ألا يغتر بالدنيا مهما حصل له من زهرتها ونعيمها؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥]. * ومن فوائدها أيضًا: أن من (...) بالدنيا فإنه مخدوع؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ أي: تخدعنكم؛ لأن العاقل لا ينخدع بها. * ومنها الإشارة إلى وجوب العناية بالآخرة؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، وإذا نهينا عن الحياة الدنيا فمعناها أننا نلزم أو نؤمر بالعناية بالآخرة؛ لأنها -في الحقيقة- هي المنتهى. أما هذه الدنيا فإن الإنسان يمرها عابرًا فقط، حتى القبور التي يبقى فيها الإنسان من السنوات ما لا يعلمه إلا الله هي محل عبور، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] سمع أعرابي رجلًا يقرأ هذه الآية فقال: والله ما الزائر بمقيم، أو: إن الزائر لظاعن؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ﴾، والمعروف أن الزائر يبقى مدة ثم ينصرف. * ومن فوائدها أيضًا: دنو الدنيا مرتبة ودناءتها؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾، فهي وإن كانت حياة لكنها دنيا، ويستلزم ذلك الثناء على الآخرة؛ لأن وصف الضرة بعيب يدل على وصف ضرتها بكمالٍ، نعم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تنعم الإنسان في الدنيا على وجه لا تغره؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ ولم يقل: فلا تتنعموا في الدنيا بشيء، بل قال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. * ومنها: عِظَم الخطر من كثرة المال ويسر العيش؛ لأن هذا قد يشغل المرء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١٥)، ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من الشيطان ووساوسه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر ٥]، وسواء كان الشيطان إنسيًّا أو جنيًّا؛ لأن الشيطان الإنسي يغر الإنسان كما يغره شيطان الجن. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر الشديد من هذا الذي يغرنا من شياطين الإنس والجن؛ لأنه وصفه بقوله: ﴿الْغَرُورُ﴾، و(الْغَرُورُ) كما قلنا: إما صفة مشبهة، وإما صيغة مبالغة، ما قلنا: إنها مصدر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * ومنها: إثبات عداوته المؤكدة للإنسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * ومنها: أهمية إيماننا بذلك، وجهه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * الشيخ: إي، لكن ويش وجه أهمية علمنا بأنه عدو؟ * طلبة: الحصر. * الشيخ: إما على التوكيد، وجه ذلك؟ * طالب: أنه أكده (...) باللام. * الشيخ: لا، اللام ما هي مؤكدة، لكن وجه كونهم لما أُكِّد صار للأهمية عِلْمنا بذلك. * طالب: (...) إذا أكد أن الشيطان لنا عدو فإذن نحذر منه أكثر من (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: (...) مر علينا في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الخطاب الذي يُلقى إلى المخاطب بدون توكيد، ما مر علينا هذا؟ في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الذي يُلقى إلى المخاطب بغير توكيد، وأنه لا يؤكد في مقام الخطاب الخبري إلا بسبب، الخطاب الخبري إذا أُلقي إلى إنسان خالي الذهن فإنه لا يؤكد؛ لأنه لا داعي للتوكيد، التوكيد ليس فيه إلا زيادة كلمات لا فائدة منها، لكن إذا كان الأمر ذا أهمية فإنه يؤكد ولو كان الإنسان خالي الذهن، فإذا كان عالمًا بالأمر صار أيضًا توكيده أبعد، ولا نحتاج إلى التوكيد على كل حال. فالآن نقول: فإن الله أكد هذا الكلام والمخاطب خالي الذهن أو عالم به من قبل يدل على أهمية الإيمان بهذا الأمر الذي عليه الشيطان، وهو أنه عدو. وقد قال علماء البلاغة: إن الخبر إذا ألقي إلى عالم به مؤكدًا كان ذلك من أجل أن هذا المخاطب نُزِّل منزلة المنكر لكونه لم يقم بما يقتضيه هذا الخطاب، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥]. كلنا يعلم أنه سيموت، لكن لماذا أكد لنا الموت ونحن نعلم به ونتأكد منه؟ لأن فعلنا فعل المنكر للموت حيث إننا لا نصدق ولا نعمل لما بعد الموت، إذن نأخذ من هذه الآية أهمية إيماننا بأن الشيطان لنا عدو، من أين علمنا ذلك؟ لأنه أكد الخبر مع أنه ينقل إلى إنسان خالي الذهن لا يدري بأن الشيطان عدو، أو إلى إنسان عالم به ولكنه نزل منزلة المنكر؛ لكونه لم يتخذ الشيطان عدوًّا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب البعد عما يأمر به الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦]. * ومن فوائدها أيضًا: ذكر الأوصاف المذمومة إذا كان المقصود بها نصح المخاطب؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لو رأيت شخصًا مغترًّا بآخر يحسبه صديقه، وهذا الشخص الذي اغتر به صاحبه عدو له نعلم أنه يريد أن يوقع به كل سوء فإنه يجب علينا أن ننصحه عنه ونذكر معايب هذا الشخص حتى لا يغتر به فنقول: إنك تصاحب فلانًا وهو عدو لك، نعم حتى إن كانت عداوته لكونه يهديه إلى صراط الجحيم، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده؛ لأن العلم بعداوة الشيطان غير مدرَك لهم، ولكنه تعالى هو الذي أخبرنا به، ثم حثنا -بل أمرنا- بمخالفته؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان له في بني آدم إرادات سيئة (...)، لكن ما فيها دليل على أن من الناس من يدخل النار ولا يخلد فيها فلا يكون من أصحابها نقول: يمكن، فإن الشيطان يريد من الناس أن يبلغوا الذروة في المخالفة وإذا بلغوا ذروة المخالفة وكفروا حينئذ يكونون من أصحاب النار الذين يخلدون فيها، أما المعاصي التي دون ذلك فإن أصحابها لن (...) النار -كما دلت عليه النصوص- فلا يكونون من أصحابها. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] إلى آخره. * طالب: (...) حتى المؤمنين اللي عندهم معاصي.. * الشيخ: لا، هنا يقول: الحزب، هنا الحزب -حزب الشيطان- قد يكون حزبًا له (...)، وهذا قد يكون ما نقول: لا يكون، لكن الشيطان يريد من هذا من كل من يدعوه أن يكون من أصحاب النار. قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في هذه الآية إثبات الثواب والعقاب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]. * ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يجمع بين الشيء وضده، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، قال (...) في معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ أنه تثنى فيه المعاني، وهنا لما ذكر عذاب الكافرين ذكر ثواب المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن أيضًا من وجه آخر حيث بدأ بذكر عذاب الكافرين، بعد أن ذكر ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] فبدأ بما فيه التحذير بعد ما فيه التبشير، من آيات المناسبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عذابه شديد؛ يعني ليس بالعذاب السهل (...) شدة عذاب الكافرين (...) من أين هذا (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: أسألك من أين؟ * الطالب: من ناحية اتباعهم للشيطان. * الشيخ: ما نوع السبب؟ ما وجه شدته؟ * الطالب: وجه شدته؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أنهم في النار، عذاب شديد. * الشيخ: (...) شدته، هل هو بكيفيته أو بكميته؟ * الطالب: بالكمية والكيفية. * الشيخ: بالكمية والكيفية؛ لأنه دائم ولأنه عذاب لا نظير له؛ إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجر لا يثبت إلا (...) في وصفين؛ أحدهما: الإيمان، والثاني: العمل الصالح. * ومن فوائد الآية: تقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما هو الضابط؟ قلنا فيما سبق: إن الضابط أن ما كان خالصًا صوابًا فهو صالح، وما كان فيه شرك أو بدعة فليس بصالح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (...) أجرهم مرتين من زوال المكروه الثابت في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وحصول المطلوب الثابت في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بلاغة القرآن؛ لأنه لما ذكر عملًا واحدًا في الكفار ذكر جزاءً واحدًا، ولما ذكر وصفين في المؤمنين ذكر وصفين في ثوابهم، وهذا ظاهر أيضًا في مثل سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ١]، إذا تأملتها وجدت الله عز وجل لم يذكر في الكافرين وعذابهم إلا قليلًا بالنسبة للأبرار، السبب ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤] قال: للكافرين فقط، ولم يقل شيئًا من أعمالهم، بل كان الجزاء مختصرًا: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾. وذكر الأبرار وأطال في ذكر ما لهم من النعيم؛ لأنه ذكر عدة أعمال من أعمالهم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٥، ٦] شوف، الأبرار عباد الله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٧ - ٩] الإخلاص التام ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٩، ١٠] نعم، في تردد هذه الأوصاف من أوصافهم، فأطال في ذكر جزائهم لما أطال في ذكر أعمالهم أطال في ذكر جزائهم بخلاف الكافرين، وهذا بلا شك من بلاغة القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجور تختلف؛ لقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ باختلاف أي شيء؟ تختلف باختلاف العمل، وتختلف باختلاف العامل، وإذا كانت متعدية فإنها تختلف باختلاف من انتفع بها، فمثل أن تختلف باختلاف العمل: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الواجب أفضل من المستحب، باختلاف العامل: مر علينا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»[[أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد.]] هذا باختلاف أيش؟ * طالب: العامل. * الشيخ: باختلاف العامل، تختلف أيضًا باختلاف المحل إذا كانت متعدية فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على من هو أشد حاجة أفضل من الصدقة عمن دونه وهكذا، فاختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الأجور أيضًا، تختلف أيضًا (...) باختلاف الإخلاص. * طالب: (...). * الشيخ: باختلاف الإخلاص؛ يعني أنه كلما كان الإنسان في عمله أخلص كان عمله أفضل، ولّا لا؟ ويمكن أن نقول أيضًا: تختلف باختلاف الاتباع، وكلما كان اتباعه أكثر لله (...) كانت أكمل، وعلى كل حال فالاختلافات هذه في وجودها يختلف بها الأجور. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]. * طالب: (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فتجد أن هذه الآية ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن هذه المشيئة تابعة لحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يضله أضله، وهو الذي لا يريد الخير؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨] المراد به هداية التوفيق، وربما نقول: هداية التوفيق والدلالة، ولكن الأهم هداية التوفيق، ولعل هذا هو المراد هنا؛ لأن الذين أضلهم الله قد هداهم الله هداية الدلالة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥] وهذا عام، ولكن الهداية قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فما كل مدعوٍّ يهتدي. وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨] هذا نَهْيٌ عما كان ولّا عما لم يكن؟ الظاهر أنه نهي عما كان، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على هؤلاء المكذبين الذين كانوا يكذبونه، والنهي عن الشيء قد يكون نهيًا عما كان وقد يكون نهيًا عما لم يكن، فقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣، ٢١٤] هذا نهي عما؟ * طالب: لم يكن. * الشيخ: عما لم يكن؟ ولّا عما كان؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. * الطلبة: عما لم يكن. * الشيخ: عما لم يكن صح؛ لأن الرسول ما فعل، كذا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]؟ * طالب: عما لم يكن. * الشيخ: ولّا عما كان؟ * طالب: عما كان. * طالب آخر: عما لم يكن. * الشيخ: هل (...) في نفسه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني (...). * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: (...) لا تقتلوا أنفسكم، هل المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا فهذا صحيح، نَهْيٌ عمَّا لم يكن وعما كان، لكن إذا كان نهيًا أن يقتل الإنسان نفسه فهذا طبعًا لم يكن؛ إذ لا يمكن أن يقتل نفسه إلا وهو موجود. * طالب: إذا انتحر ما يقتل نفسه يا شيخ؟ * الشيخ: إي، لكن ما تقول: ولا تقتل نفسك. * الطالب: في حياته؟ * الشيخ: إي، قبل أن يموت، أما بعد أن (...) فلا يمكن، إذن فلا (...) نقول هذه نهي عما لم؟ * طالب: (...). * الشيخ: سبحان الله، (...) ما كان. * طالب: (...). * الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على فوات (...) والأدلة (...) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول عز وجل: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسر لهؤلاء لعدم إيمانهم؛ يقول هنا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني لا تذهب نفسك من أجلهم، نعم، كما يقال: بكيت عليك الدهر. أي: من أجلك، فالمعنى: لا تذهب نفسك من أجلهم حسرات. قوله: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنها حال على أنها مصدر أُريد به اسم الفاعل؛ أي: حاسرةً، والحسرة هي الهم الشديد والغم على ما فات، فكل من فاته شيء يحبه ويطلبه فاهتم لذلك واغتم يُقال: تحسر، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مصدر (...)، وأنه مفعول من أجله، المعنى: فلا تذهب نفسك؛ أي: تهلك من أجل الحسرات عليهم. قال المؤلف: (﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ على المزين لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغتمامك ألا يؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨] فيجازيهم عليه). في هذه الجملة تهديد وتسلية؛ تهديد لهؤلاء المخالفين، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني لا (...) فإن حسابهم على الله وسوف يجازيهم. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو من أولها أظن، من أول الآية. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يعمى قلبه حتى يرى السيئة حسنة، وفي مقابل ذلك يرى الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. * ومن فوائدها: إبهام الفاعل ليشمل كل ما يمكن أن يقع منه هذا الفعل؛ لقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقد مر علينا أن المزين هو الله عز وجل في الأصل، والشياطين في المباشرة. * ومن فوائدها: انقسام الأعمال إلى سيء وصالح؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾. * ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضاف العمل إليه، وهم يقولون: إن الأعمال لا تضاف للإنسان؛ لأنه مجبر عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من هذه حاله لا يستوي مع من ليس كذلك بحيث يرى السيئ سيئًا، والحسن حسنًا، ونأخذها من أن المحذوف يكون مقابلًا للمذكور؛ لأن الهمزة هنا للتسوية؛ يعني: أيستوي هذا وهذا؟ والجواب: لا يستويان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها -وهي تتفرع على هذه الفائدة-: أننا إذا علمنا ذلك فإننا نسأل الهداية من الله، ونستعيذ من الضلال بالله، نستعيذ من الضلال بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنه مر علينا أن كل فعل علقه الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائدها: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن القدرية يقولون: إن أفعال العبد من ضلالة أو هداية لا تتعلق بها مشيئة الله؛ لأن مذهبهم -القدرية- مذهبهم: أن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله تعالى فيه تعلق إطلاقًا، حتى إن غلاتهم يزعمون أن الله لا يعلم عمل العبد حتى يقع، ويقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مُسْتَأْنف؛ أي: إن علم الله عز وجل يحدث بعد أن لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ -وعز من أرسله- كان يحزن حزنًا عظيمًا تكاد تذهب نفسه من شدته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وجه ذلك أن الأصل في النهي أن يكون عما وقع، وقد يكون عما لم يقع، وهو كثير أيضًا، ويدل على أن هذا أمر واقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. * ومن فوائدها: شفقة النبي ﷺ على أمته. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحزن لعدم إيمانهم أو طاعتهم لمصلحته هو، ولكن لمصلحتهم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. * ومنها: أن النبي ﷺ بشر، يتأثر بما يتأثر به البشر من أسباب الفرح وأسباب الحزن، وهذا أمر واقع، «وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ذات يوم مستبشرًا تبرق أسارير وجهه، فسألته عن ذلك فقال: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا مُتَغَطِّيَانِ بِرِدَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٩) من حديث عائشة.]]، ففرح عليه الصلاة والسلام حتى ظهر ذلك على وجهه، فالأعراض البشرية تطرأ على النبي ﷺ كغيره من البشر من الفرح والحزن والغم والاستبشار والنسيان وعدم العلم وغير ذلك؛ لأنه لا يتميز عن البشر إلا بشيء واحد وهو الوحي، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠] شوف ﴿بَشَرٌ﴾ تغني عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التأكيد؛ لئلا يذهب ذاهب إلى أنه بشر قد خُصص بشيء فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثم ذكر الميزة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠]، وفي هذا رد واضح على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تأثيرًا في الخلق كتأثير ربوبية الله عز وجل؛ لأنه لو كان كذلك ما ذهبت نفسه عليهم حسرات لهداهم، وسَلِم من هذه الحسرات التي تكون على نفسه. * ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨]. * ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ في مثل هذه الجملة التي تفيد تسليته وتهوين الأمر عليه، وأنه ما من حساب هؤلاء عليه من شيء، كما أنه ليس من حسابه هو عليهم من شيء.

فاطر 35:7

ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر ٥] النداء موجه في عموم الناس، كل الناس، المؤمن والكافر، قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: (بالبعث وغيره). وصدق فكل ما وعد الله به فإنه حق سواء البعث أو العقاب أو الثواب أو النصر أو الخذلان أو غير ذلك مما وعد الله به فإنه حق. ﴿حَقٌّ﴾ هما بمعنى صدق وثابت فهو باعتبار الإخبار به صدق وأنه سيكون، وباعتبار وقوعه؟ * طالب: عدم. * الشيخ: ما هو عدم، ثابت، باعتبار وقوعه ثابت ولا بد، فالحق هنا بمعنى الصادق من حيث الخبر به، الواقع من حيث ثبوته، وأنه أمر كائن لا محالة، ليس وعد الله عز وجل كوعد غيره، قد.. والنهي هنا مؤكد بالنون ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾ [فاطر ٥]، وهذا تأكيد (...) فلا تغركم؛ أي: تخدعنكم، وهذا مُفرع على ما قبله؛ لأن الإنسان الذي تخدعه الدنيا يكون إيمانه بوعد الله تعالى ضعيفًا، إذ أن الدنيا تلهيه وتخدعه حتى ينجرف وراءها، وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا شك أن ما فيه الآن حياة وضده الموت، وهي (دنيا) اسم تفضيل، مذكره؟ * طالب: دني. * الشيخ: لا. * طلبة: أدنى. * الشيخ: أدنى، مثل: عليا وأعلى، سميت دنيا لوجهين: الأول: أنها متقدمة عن الآخرة، فهي أدنى إلى الناس من الآخرة، ولهذا سُميت الحياة الأولى، وسُميت دنيا أيضًا من دُنوذِّ مرتبتها، فهي دانية بمعنى قريبة؛ لأنها هي الأولى، وهي دانية؛ بمعنى دنو المرتبة؛ لأن ما فيها من النعيم إن قُدر فإنه منغص تنغيصًا مستقبلًا أو تنغيصًا حاضرًا؟ تنغيصًا حاضرًا؛ لأن نفس النعيم الذي تنعم به في الدنيا لا بد أن يُشاب بكدر كما قال الشاعر: فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرْ وهذا لو تأملته لوجدته كذلك، كل يوم في الأسبوع ناظر نفسك، يومًا تكون مستأنسًا منبسطًا ومسرورًا، ويومًا تغتم، ويومًا يجيك أشياء خارجية تفرحك، ويومًا آخر بالعكس، ثم لو قُدّر أن صفوها خلا من ذلك؛ يعني لم يُشب بأذى، فإن المستقبل ينغص عليك هذا الصفاء، كما قال الشاعر: لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــهُ بِـــادِّكَارِ الْمَــــــــــوْتِوَالْهَــــــــــــرَمِ فلا بد من أحد أمرين؛ إما موت عاجل وإما هرم مُفند، فالإنسان إذا كبر -إذا قُدر أن الله تعالى مد له في العمر- فإنه يرجع إلى حاله الأولى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل ٧٠]، يرجع إلى حاله الأولى، يسقط تمييزه، ويكون أشدَّ من الصبي، يعني كونه عالة على غيره أشد من كون الصبي عالة على غيره؛ لأن الصبي ما عنده عقل وتمييز، وغاية ما هنالك أنه يصيح، نعم، يدلِّله بشيء يلعب به ويسكت، لكن هذا الهرم عنده الشيء من التمييز تجده يصرخ على أهله مثلًا، يصرخ عليهم، يزعق عليهم، ويصيح، ويقول: كيف تنسون حاجتي (...) شاب، وأكد عليكم وأجيب لكم الطعام والشراب، واليوم تنسون (...) أكثر، نعم. ثم هو أيضًا ثقيل، الصبي يقدر الواحد يحمله على يده ويمشي به يمينًا ويسارًا حتى يسكت، لكن هذا مُشكل، لذلك إذا تذكر الإنسان أنه إما أن يموت أو يصل إلى هذه الحال فمهما كان عيشه فسوف؟ * الطلبة: يتنغص. * الشيخ: يتنغص، ولهذا نقول: هذه الحياة دنيا، مأخوذة منين؟ من دنو الزمن، ودنو؟ * الطلبة: المرتبة. * الشيخ: المرتبة والقدر. الحياة الدنيا ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥] عن الإيمان بذلك؛ أي: بوعد الله، وما أكثر الذين غفلوا عن وعد الله، وما أكثر الذين اعتمدوا على الأسباب الظاهرة فنسوا الأسباب التي وراءها. كثير من الناس يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠] كيف إن الله ينصر المسلمين وهم بهذه القلة، على أعدائهم الكفار وهم بهذه الكثرة وبهذه القوة، كيف هذا يكون؟ فيعتمد على الحياة الدنيا وعلى الأسباب المادية دون ما وراءها، والواجب علينا أن نؤمن بوعد الله، فالله جعل الوعد أن ينصر من ينصره، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥] يقول قائل: كيف إن الله يستخلفني في الأرض وعندنا الروس وعندنا الأمريكان وعندنا الإنجليز وغيرهم من الأمم القوية الكثيرة؟ أيش معنى هذا؟ ويش الجواب على ذلك؟ الجواب: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا تغرك الدنيا حتى في النصر، أسباب النصر ليست هي المادة فقط، بل هناك شيء وراءها وهو قوة العزيز عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠]. (﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حلمه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان) يعني: لا يخدعكم أيضًا من وَصْفُه الخداع، ولهذا جاء بوصف الغرور، و(غَرور) فَعول صفة مشبهة؛ لأن غروره كان وصفًا لازمًا له لزوم الوجوب، و(الغَرور) غير (الغُرور) بالضم، (الغُرور) بالضم مصدر، و(الغَرور) صفة مشبهة دالة على المعنى، و(...) به المعنى، فالغَرور إذن هو الشيطان، أي الشياطين الإنس ولّا الجن؟ * طالب: كلهم. * الشيخ: نعم، كلهم جميعًا، من شياطين الجن من يَغُر، وهو معروف، هو الشيطان الذي يلقي في قلبك ما يحتال، ومن شياطين الإنس أيضًا من يَغُر، وهم جلساء السوء الذين يأتون الإنسان، فيدخلون فيه كما يدخل الماء في المدر أو النار في الفحم، ما يدري يدخلون دخولا بحيث يكون كالنائم أو كالـميت بين يدي الغاسل، فالله عز وجل حذرنا من هؤلاء ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾. قال المؤلف: (في حلمه وإمهاله) صحيح أن الإنسان قد يغتر بالله في حلمه وإمهاله، فيقول لنفسه: لو كنت على خطأ لعاقبني الله، وما دام الله عز وجل يرزقني ويعافيني فهذا دليل على أني على حق، لكن هذا من الأماني الباطلة التي حذر عنها رسول الله ﷺ، فقال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس، بدون زيادة: الأماني.]]، وهذا الحديث وإن كان فيه ما فيه من حيث الصحة لكن معناه صحيح بلا شك، فإن الكيس الحازم هو الذي يعمل لما بعد الموت، قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: لا يخدعنكم بالله في حلمه وإمهاله، وغير ذلك مما يتعلق بأفعاله وأحكامه ﴿لَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الخادع، وهو الشيطان. قوله: (الشيطان)، هذا اسم للشيطان اللي هو إبليس، وهو مشتق من (شاط يشيط) إذا غضب، أو من (شَطَن يَشْطِن) إذا بَعُد، والوصفان ثابتان للشيطان؛ لأنه عنده طيش وسوء تصرف كالغضبان، كالذي يشيط غضبًا، وهو أيضًا شاطن؛ أي: بعيد عن رحمة الله عز وجل، فإن الله تعالى لعنه، قال: ﴿إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص ٧٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر ٦]، ﴿عَدُوٌّ﴾ هذه -كما ترون- مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾ واللام؟ * طلبة: (...). * الشيخ: واللام ولّا لا؟ * الطلبة: (...) جار ومجرور.. * الشيخ: هذه جار ومجرور (...)، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: إن الشيطان عدوكم؛ لثبوت هذه العداوة، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، ولهذا أتى بالجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، فـ﴿عَدُوٌّ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، تقديم الخبر هنا يفيد الحصر؛ يعني كأنه ليس عدوًّا إلا لكم، كأنه قال: ليس عدوًّا إلا لكم، ومعلوم أن من انحصرت عداوته في شخص فإنه يجب عليه أن يحترز منه أكثر وأكثر، وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ على وزن فعول فهي صفة مشبهة، والعدو ضد الولي، فإذا كان الولي هو الناصر المتولي لأمرك المعتني به، فالعدو هو الخائن الذي لا يهمه أمرك، فالشيطان عدو. يقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لما أكد أنه عدو لنا أكد على ذلك، قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ والفاء هنا يسمونها فاء التفريع؛ أي: فبسبب ثبوت كونه عدوًّا اتخذوه عدوًّا؛ يعني: اجعلوه عدوًّا لكم بحيث تنفرون منه نفوركم من الأعداء، فإذا قال قائل: ما الذي يدلنا على عداوته أو كيف نتخذه عدوًّا؟ الجواب: نتخذه عدوًّا بكراهته وبغضه، وبعدم الانصياع لأمره ووسوسته؛ لأنه هو كما قال الله عنه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، هو لا يأمر إلا بالفحشاء والسوء ومعصية الله عز وجل، فإذا أحسست من نفسك أنك تهوى المعصية فاعلم أن هذا من إملاء إبليس، من إملاء الشيطان، فيجب عليك أن تنفر من هذا؛ لأن هذا صادر من عدو لك لا يريد إلا إضرارك وخذلانك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]. قال المؤلف: (﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ بطاعة الله، ولا تطيعوه) يعني: أطيعوا الله ولا تطيعوا الشيطان، وأنتم إذا أطعتم الله فإن هذا أعظم سلاح يغيظ هذا الشيطان اللي هو عدو لكم، فإذا أطعت الله عز وجل فإنك بذلك تغيظ الشيطان وتدحره وتذله، كما أنك تذل أوليائه أيضًا وتغيظهم، قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩] فهؤلاء القوم بصفتهم المذكورة يغيظون الكفار، والكفار أولياء الشيطان، وإذا كانوا يغيظون الكفار فإنهم يغيظون أيضًا الشيطان، فأعظم شيء لإغاظة الشيطان هو أن تقوم بطاعة الله عز وجل، يُروي «أن الشيطان يقول عن بني آدم: أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار»[[أخرجه أبو يعلى برقم (١٣٦) من حديث أبي بكرعن النبي ﷺ، قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون».]]، فالتوحيد وسؤال المغفرة لا شك أنه يغيظ الشيطان. (يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ [فاطر ٦] أتباعه في الكفر ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] النار الشديدة). ﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ (إنما) أداة حصر تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما سواه؛ يعني ما يدعو حزبه إلا لهذا العمل بأن يكونوا من أصحاب السعير، واللام في قوله: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ اللام هذه للعهد؛ يعني يدعو حزبه للشر والفحشاء؛ لأجل أن يكونوا من أصحاب السعير، وقول المؤلف: (﴿حِزْبَهُ﴾ أتباعه في الكفر). قد يُقال: إن فيه قصورًا؛ لأن حزب الشيطان الحزب المطلق لا شك أنهم كفار، لكن من عصى الله عز وجل ولو لم يكن كافرًا في معصية من المعاصي فله من حزبية الشيطان بقدر ما عصى الله، لكن الحزب المطلق هم الكفار قال: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: من أصحاب النار، والسعير هو النار الشديدة، وإنما يدعوهم لذلك؛ لأنه لما غوى -والعياذ بالله- وتكبر عن طاعة الله ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر ٣٩]. لما خُذل -والعياذ بالله- وطُرد وصار غاويًا حرص على أن يكون له أتباع في غيه، وهذا أمر مشاهد، أهل الحق يودون أن يكون لهم أتباع في الحق، وأهل الباطل يودون أن يكون لهم أتباع في الباطل، فالشيطان -والعياذ بالله- لما كان من أصحاب النار أحب أن يكون الناس -أي: بني آدم- أن يكون الناس كلهم من أصحاب النار، هؤلاء الذرية ذرية آدم ولّا لا؟ وشقاء إبليس إنما كان لتركه السجود لآدم، فلا جرم أن يضلل ذريته، وأن يحاول بكل ما يستطيع إغواءهم حتى يكونوا من أصحاب النار. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، والعذاب العقوبة، وأتى بالجملة الاسمية لتحقق أو لثبوت هذا العذاب واستمراره؛ لأن الكافرين مخلدون في نار جهنم، والـ﴿شَدِيدٌ﴾ بمعنى القوي. وأما غيرهم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان محله القلب؛ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، انتبه، والإيمان ليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مقرون بقبول وإذعان، قبول لما آمن به، وإذعان يقتضيه هذا الإيمان، أما مجرد التصديق فليس إيمانًا، ولو شئتم لضربنا مثلًا بأبي طالب، فإن أبا طالب كان مصدقًا للنبي ﷺ ولكنه لم يقبل ولم يذعن فلم ينفعه هذا التصديق. فـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان، وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا بد من العمل الصالح حتى يتم الإيمان ويتحقق ويتبين. العمل الصالح، قال العلماء: هو الذي كان خالصًا صوابًا، خالصًا لله، صوابًا في موافقة شريعة الله، وهذا التعريف يعم هذه الكلمة وغيرها، فما كان خالصًا لله موافقًا لشريعته فهو صالح، وما لم يكن كذلك فهو فاسد، فلو فقد الإخلاص من العمل لم يكن صالحًا، ولو وجد الإخلاص لكن لم يكن على وفق الشريعة لم يكن صالحًا. وعلى هذا فالأعمال البدعية وإن أخلص فيها صاحبها ليست صالحة، والأعمال الشرعية إذا شاركها الرياء وإراءة الخلق لم تكن صالحة. وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تتكرر في القرآن كثيرًا، وهي -على ما قاله النحويون- من باب حذف المنعوت ووجود النعت للدلالة عليه؛ لأن الأصل: وعملوا الأعمال الصالحات. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ففي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ذكر عملين لهم، وذكر لهم جزاءين، الذين كفروا ذكر عملًا واحدًا وجزاءً واحدًا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] العمل الكفر، والجزاء العذاب الشديد، أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهذان عملان، والجزاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مغفرة لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على أعمالهم الصالحات، والمغفرة هي صرف الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا إذا كان قويًا يمنع، وليست الـمغفرة مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر والعقوبة ليس بمغفرة، بل لا بد من أمرين: الستر وعدم الـمؤاخذة، وقوله: ﴿وَأَجْرٌ﴾ الأجر الثواب الذي يُجازى به العامل، حتى الأجرة مثلًا إذا استأجرت رجلًا يعمل لك عملًا وأعطيته أجرة فهذا أجر، وسمى الله عز وجل الثواب أجرًا؛ لأنه لا بد أن يناله العامل، فهو كأجرة المستأجر أو كأجرة الأجير، فلا بد أن يناله العامل، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة ٢٤٥]، فسُمى العمل لله قرضًا؛ لأن القرض يجب الإيفاء به، فمثل هذه الآيات تدل على أن الله عز وجل أوجب على نفسه أن يثيب العامل، وقوله: ﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ كبير في حجمه أو كبير في معناه؟ * الطلبة: الجميع. * الشيخ: الجميع؛ لأن الإنسان في الجنة أدناهم منزلة من ينظر إلى ملكه مسيرة ألفي عام، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وهذا لا شك أنه كبير واسع، وكذلك في المعنى؛ لأنه دائم وثابت، قال: (هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه) (موافقي الشيطان) من هم؟ * طلبة: الذين كفروا. * الشيخ: الذين كفروا، ومخالفوه؟ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إذن يجب علينا أن نتخذ الشيطان عدوًّا بالإيمان والعمل الصالح. قال المؤلف: (ونزل في أبي جهل وغيره ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر ٨]) إلى آخره، أبو جهل كان يُسَمى في الجاهلية أبا الحكم؛ يعني أنه ذو حكمة وعقل وروية، لكنه سُمي في الإسلام أبا جهل؛ لأن أعظم جهله أن يبقى على كفره ولا يؤمن بالله، نزلت ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]، ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه مختلف فيه؛ فمنهم من قال: إنه مُقدر بين الهمزة وحرف العطف ويكون بحسب السياق، ومنهم من قال: إن المعطوف عليه ما سبق. فعلى الأول: نقدر المحذوف بما يُناسب المقام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] التقدير: أغفلوا فلم يسيروا في الأرض، وهنا يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ نقدرها بما يناسب، فنقول في التقدير: أتدركون هذا الشيء؟ فمن زين له سوء عمله. أو نقول: أيستوي الـمؤمن والكافر، فمن زين له سوء عمله. ولكن القول الثاني في المسألة -أنه معطوف على ما سبق- أحسن، لماذا؟ لأن الأصل عدم التقدير؛ ولأنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يقدر المحذوف، وعلى هذا القول يقولون: إن الفاء تُقَدَّر سابقةً للهمزة، (...) حرف العطف يُقدر سابقًا للهمزة، يكون فيه تقديم وتأخير، والتقدير على هذا: فأمن زُين له سوء عمله. وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من المزيِّن؟ ذكر الله عز وجل أن المزين الشيطان، وذكر أن المزين هو الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وفي بعض الآيات يكون المزين مبهمًا كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران ١٤] إلى آخره، فالمزيِّن الله، والمزيِّن الشيطان. فإذا قلت: كيف تجمع بين هذا وهذا؟ فالجواب أن المزين المباشر هو الشيطان، أما الله عز وجل فهو مزين بالتقدير؛ يعني هو الذي قدر على الشيطان أن يزين لهم، ومعلوم أن الله تعالى خالق الشيطان، وما نتج من أعماله فهو مضاف إلى الله، كما نقول في الإنسان: إنه مخلوق لله وما نتج من أعماله فهو مخلوق لله عز وجل، فيكون تزيين الله تعالى حسب التقدير؛ يعني: هو الذي قدر أن يزين الشيطان لهم أعمالهم. وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عمل هو مفرد مضاف، ويشمل كل الأعمال، سواء كان الشرك أو العدوان على الغير أو سوء السلوك وفساد الأخلاق أو غير ذلك، المهم أنه شامل لكل الأعمال. وقال المؤلف: (بالتمويه) ويش معنى (بالتمويه)؟ أنه يموه على الناس أن هذا العمل الذي يقوم به عمل حسن، ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ أي: رأى سوء عمله حسنًا، وهذا أشد ما يكون؛ أن يكون الإنسان على خطأ ويرى أنه على صواب؛ لأن مثل هذا لا يكاد يُقلع عن غيه، حيث إنه يعتبره صوابًا. ومن ذلك -مثلًا- أصحاب الحيل المخادعون، فالمنافق مثلًا زُيِّن له سوء عمله؛ لأنه يرى أنه ذكي ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، وهذا من سوء العمل، المتحايلون على الربا بأنواع الحيل هؤلاء أيضًا زُين لهم سوء أعمالهم، ولهذا لا تكاد تجدهم يقلعون على ما هم عليه؛ لأنه قد زُين ذلك في نفوسهم فلا يقلعون عنه، المهم أن هذا له أمثلة كثيرة، بقي علينا أن نقول: (من) مبتدأ فأين خبره؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من مبتدأ خبره كمن هداه الله)، بعده؟ * الطالب: (لا، دل عليه). * الشيخ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يعني: كمن لم يزين له سوء عمله، ورأى سوء عمله سيئًا؛ لأن الذي زُين له سوء عمله سيستمر عليه، والذي رآه سيئًا سوف يتجنبه، وهذا هو معنى قول المؤلف: (كمن هداه الله)، ومثل هذا التعبير يأتي في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، فالخبر محذوف أي كمن ليس كذلك يقول: (لا) أيش معنى (لا)؟ * طالب: يعني ليس. * الشيخ: يعني ليس هذا كهذا؛ لأن بينهما فرقًا، فإن من زُين له سوء عمله سيبقى على ضلاله، ومن لم يُزين له سوء عمله فرآه سيئًا فسيتجنبه ولا يقع فيه. قال المؤلف: (دل عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) دل عليه (...). ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨]، وعلى هذا فالفاء هنا ليست واقعةً في خبر المبتدأ، بل خبر المبتدأ محذوف، لكنها عطف على ذلك الخبر؛ أي: فإن الله يضل من يشاء عن الحق فلا يهتدي إليه ويهدي من يشاء إلى الحق فيلتزمه. وهنا يقول: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ يمر علينا كثيرًا تعليق الأشياء بالمشيئة، ولكننا قلنا ونقول: إن هذه المشيئة مقرونة بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يضل أضله، ومن اقتضت حكمته أن يهديه هداه، من الذي تقتضي حكمة الله عز وجل أن يضله؟ هو الذي أراد الضلال، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فإذن إضلال الله تعالى للعبد في محله، وذلك بأن يكون هذا الرجل لا يريد الخير، وإنما يريد الشر. واعلم أن الهداية والضلال إما عدل وإما فضل، الضلال عدل؛ لأنه جوزي بحسب ما أراد، لما أراد الضلال -والعياذ بالله- وزاغ قلبه أُزيغ، وأما الهداية فإنها فضل من الله عز وجل، يتفضل بها على من يشاء من عباده، ولهذا نقول: لو قال قائل: كيف يجعل الله تعالى هذا مهتديًا وهذا ضالًا، أليس هذا ظلمًا؟ فالجواب: لا؛ لأن منع الهداية من هذا الضال إنما هو بمقتضى عدله، أما هداية المهتدي فهو بفضله، فنقول: إن منعك ما هو لك فقد ظلمك، وإن منعك فضله ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولولا أنك لست أهلًا للهداية ما منعك الله الهداية. * طالب: شيخ، ما (...)؟ * الشيخ: * في هذه الآية فوائد عديدة: * أولًا: أهمية التصديق بوعد الله عز وجل، وجه ذلك لما صدره بالنداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٥]. * ثانيًا: أن الكفار مخاطبون بفروع الدين وأصوله؛ لأن الخطاب هنا عام ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. * الشيء الثالث من فوائدها: أن وعد الله لا بد أن يقع؛ لأنه خبر من صادق قادر؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صدق في حال الخبر عنه، واقع في حال إيقاعه، * فمن فوائد الآية هنا أن ما وعد الله به فهو حق لا بد أن يقع. * ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان ألا يغتر بالدنيا مهما حصل له من زهرتها ونعيمها؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥]. * ومن فوائدها أيضًا: أن من (...) بالدنيا فإنه مخدوع؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ أي: تخدعنكم؛ لأن العاقل لا ينخدع بها. * ومنها الإشارة إلى وجوب العناية بالآخرة؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، وإذا نهينا عن الحياة الدنيا فمعناها أننا نلزم أو نؤمر بالعناية بالآخرة؛ لأنها -في الحقيقة- هي المنتهى. أما هذه الدنيا فإن الإنسان يمرها عابرًا فقط، حتى القبور التي يبقى فيها الإنسان من السنوات ما لا يعلمه إلا الله هي محل عبور، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] سمع أعرابي رجلًا يقرأ هذه الآية فقال: والله ما الزائر بمقيم، أو: إن الزائر لظاعن؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ﴾، والمعروف أن الزائر يبقى مدة ثم ينصرف. * ومن فوائدها أيضًا: دنو الدنيا مرتبة ودناءتها؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾، فهي وإن كانت حياة لكنها دنيا، ويستلزم ذلك الثناء على الآخرة؛ لأن وصف الضرة بعيب يدل على وصف ضرتها بكمالٍ، نعم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧]. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تنعم الإنسان في الدنيا على وجه لا تغره؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ ولم يقل: فلا تتنعموا في الدنيا بشيء، بل قال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾. * ومنها: عِظَم الخطر من كثرة المال ويسر العيش؛ لأن هذا قد يشغل المرء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١٥)، ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]]. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من الشيطان ووساوسه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر ٥]، وسواء كان الشيطان إنسيًّا أو جنيًّا؛ لأن الشيطان الإنسي يغر الإنسان كما يغره شيطان الجن. * ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر الشديد من هذا الذي يغرنا من شياطين الإنس والجن؛ لأنه وصفه بقوله: ﴿الْغَرُورُ﴾، و(الْغَرُورُ) كما قلنا: إما صفة مشبهة، وإما صيغة مبالغة، ما قلنا: إنها مصدر. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * ومنها: إثبات عداوته المؤكدة للإنسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * ومنها: أهمية إيماننا بذلك، وجهه؟ * طالب: (...). * الشيخ: لا. * طالب: (...). * الشيخ: لا. * الطالب: ﴿الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. * الشيخ: إي، لكن ويش وجه أهمية علمنا بأنه عدو؟ * طلبة: الحصر. * الشيخ: إما على التوكيد، وجه ذلك؟ * طالب: أنه أكده (...) باللام. * الشيخ: لا، اللام ما هي مؤكدة، لكن وجه كونهم لما أُكِّد صار للأهمية عِلْمنا بذلك. * طالب: (...) إذا أكد أن الشيطان لنا عدو فإذن نحذر منه أكثر من (...). * طالب آخر: (...). * الشيخ: (...) مر علينا في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الخطاب الذي يُلقى إلى المخاطب بدون توكيد، ما مر علينا هذا؟ في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الذي يُلقى إلى المخاطب بغير توكيد، وأنه لا يؤكد في مقام الخطاب الخبري إلا بسبب، الخطاب الخبري إذا أُلقي إلى إنسان خالي الذهن فإنه لا يؤكد؛ لأنه لا داعي للتوكيد، التوكيد ليس فيه إلا زيادة كلمات لا فائدة منها، لكن إذا كان الأمر ذا أهمية فإنه يؤكد ولو كان الإنسان خالي الذهن، فإذا كان عالمًا بالأمر صار أيضًا توكيده أبعد، ولا نحتاج إلى التوكيد على كل حال. فالآن نقول: فإن الله أكد هذا الكلام والمخاطب خالي الذهن أو عالم به من قبل يدل على أهمية الإيمان بهذا الأمر الذي عليه الشيطان، وهو أنه عدو. وقد قال علماء البلاغة: إن الخبر إذا ألقي إلى عالم به مؤكدًا كان ذلك من أجل أن هذا المخاطب نُزِّل منزلة المنكر لكونه لم يقم بما يقتضيه هذا الخطاب، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥]. كلنا يعلم أنه سيموت، لكن لماذا أكد لنا الموت ونحن نعلم به ونتأكد منه؟ لأن فعلنا فعل المنكر للموت حيث إننا لا نصدق ولا نعمل لما بعد الموت، إذن نأخذ من هذه الآية أهمية إيماننا بأن الشيطان لنا عدو، من أين علمنا ذلك؟ لأنه أكد الخبر مع أنه ينقل إلى إنسان خالي الذهن لا يدري بأن الشيطان عدو، أو إلى إنسان عالم به ولكنه نزل منزلة المنكر؛ لكونه لم يتخذ الشيطان عدوًّا له. * ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب البعد عما يأمر به الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦]. * ومن فوائدها أيضًا: ذكر الأوصاف المذمومة إذا كان المقصود بها نصح المخاطب؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لو رأيت شخصًا مغترًّا بآخر يحسبه صديقه، وهذا الشخص الذي اغتر به صاحبه عدو له نعلم أنه يريد أن يوقع به كل سوء فإنه يجب علينا أن ننصحه عنه ونذكر معايب هذا الشخص حتى لا يغتر به فنقول: إنك تصاحب فلانًا وهو عدو لك، نعم حتى إن كانت عداوته لكونه يهديه إلى صراط الجحيم، إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده؛ لأن العلم بعداوة الشيطان غير مدرَك لهم، ولكنه تعالى هو الذي أخبرنا به، ثم حثنا -بل أمرنا- بمخالفته؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان له في بني آدم إرادات سيئة (...)، لكن ما فيها دليل على أن من الناس من يدخل النار ولا يخلد فيها فلا يكون من أصحابها نقول: يمكن، فإن الشيطان يريد من الناس أن يبلغوا الذروة في المخالفة وإذا بلغوا ذروة المخالفة وكفروا حينئذ يكونون من أصحاب النار الذين يخلدون فيها، أما المعاصي التي دون ذلك فإن أصحابها لن (...) النار -كما دلت عليه النصوص- فلا يكونون من أصحابها. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] إلى آخره. * طالب: (...) حتى المؤمنين اللي عندهم معاصي.. * الشيخ: لا، هنا يقول: الحزب، هنا الحزب -حزب الشيطان- قد يكون حزبًا له (...)، وهذا قد يكون ما نقول: لا يكون، لكن الشيطان يريد من هذا من كل من يدعوه أن يكون من أصحاب النار. قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في هذه الآية إثبات الثواب والعقاب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]. * ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يجمع بين الشيء وضده، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، قال (...) في معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ أنه تثنى فيه المعاني، وهنا لما ذكر عذاب الكافرين ذكر ثواب المؤمنين. * ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن أيضًا من وجه آخر حيث بدأ بذكر عذاب الكافرين، بعد أن ذكر ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] فبدأ بما فيه التحذير بعد ما فيه التبشير، من آيات المناسبة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عذابه شديد؛ يعني ليس بالعذاب السهل (...) شدة عذاب الكافرين (...) من أين هذا (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: أسألك من أين؟ * الطالب: من ناحية اتباعهم للشيطان. * الشيخ: ما نوع السبب؟ ما وجه شدته؟ * الطالب: وجه شدته؟ * الشيخ: إي نعم. * الطالب: أنهم في النار، عذاب شديد. * الشيخ: (...) شدته، هل هو بكيفيته أو بكميته؟ * الطالب: بالكمية والكيفية. * الشيخ: بالكمية والكيفية؛ لأنه دائم ولأنه عذاب لا نظير له؛ إي نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجر لا يثبت إلا (...) في وصفين؛ أحدهما: الإيمان، والثاني: العمل الصالح. * ومن فوائد الآية: تقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما هو الضابط؟ قلنا فيما سبق: إن الضابط أن ما كان خالصًا صوابًا فهو صالح، وما كان فيه شرك أو بدعة فليس بصالح. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (...) أجرهم مرتين من زوال المكروه الثابت في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وحصول المطلوب الثابت في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: بلاغة القرآن؛ لأنه لما ذكر عملًا واحدًا في الكفار ذكر جزاءً واحدًا، ولما ذكر وصفين في المؤمنين ذكر وصفين في ثوابهم، وهذا ظاهر أيضًا في مثل سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ١]، إذا تأملتها وجدت الله عز وجل لم يذكر في الكافرين وعذابهم إلا قليلًا بالنسبة للأبرار، السبب ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤] قال: للكافرين فقط، ولم يقل شيئًا من أعمالهم، بل كان الجزاء مختصرًا: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾. وذكر الأبرار وأطال في ذكر ما لهم من النعيم؛ لأنه ذكر عدة أعمال من أعمالهم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٥، ٦] شوف، الأبرار عباد الله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٧ - ٩] الإخلاص التام ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٩، ١٠] نعم، في تردد هذه الأوصاف من أوصافهم، فأطال في ذكر جزائهم لما أطال في ذكر أعمالهم أطال في ذكر جزائهم بخلاف الكافرين، وهذا بلا شك من بلاغة القرآن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجور تختلف؛ لقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ باختلاف أي شيء؟ تختلف باختلاف العمل، وتختلف باختلاف العامل، وإذا كانت متعدية فإنها تختلف باختلاف من انتفع بها، فمثل أن تختلف باختلاف العمل: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. الواجب أفضل من المستحب، باختلاف العامل: مر علينا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»[[أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد.]] هذا باختلاف أيش؟ * طالب: العامل. * الشيخ: باختلاف العامل، تختلف أيضًا باختلاف المحل إذا كانت متعدية فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على من هو أشد حاجة أفضل من الصدقة عمن دونه وهكذا، فاختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الأجور أيضًا، تختلف أيضًا (...) باختلاف الإخلاص. * طالب: (...). * الشيخ: باختلاف الإخلاص؛ يعني أنه كلما كان الإنسان في عمله أخلص كان عمله أفضل، ولّا لا؟ ويمكن أن نقول أيضًا: تختلف باختلاف الاتباع، وكلما كان اتباعه أكثر لله (...) كانت أكمل، وعلى كل حال فالاختلافات هذه في وجودها يختلف بها الأجور. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]. * طالب: (...). * الشيخ: (...) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فتجد أن هذه الآية ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن هذه المشيئة تابعة لحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يضله أضله، وهو الذي لا يريد الخير؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨] المراد به هداية التوفيق، وربما نقول: هداية التوفيق والدلالة، ولكن الأهم هداية التوفيق، ولعل هذا هو المراد هنا؛ لأن الذين أضلهم الله قد هداهم الله هداية الدلالة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥] وهذا عام، ولكن الهداية قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فما كل مدعوٍّ يهتدي. وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨] هذا نَهْيٌ عما كان ولّا عما لم يكن؟ الظاهر أنه نهي عما كان، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على هؤلاء المكذبين الذين كانوا يكذبونه، والنهي عن الشيء قد يكون نهيًا عما كان وقد يكون نهيًا عما لم يكن، فقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣، ٢١٤] هذا نهي عما؟ * طالب: لم يكن. * الشيخ: عما لم يكن؟ ولّا عما كان؟ * طلبة: (...). * الشيخ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. * الطلبة: عما لم يكن. * الشيخ: عما لم يكن صح؛ لأن الرسول ما فعل، كذا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]؟ * طالب: عما لم يكن. * الشيخ: ولّا عما كان؟ * طالب: عما كان. * طالب آخر: عما لم يكن. * الشيخ: هل (...) في نفسه (...)؟ * طالب: (...). * الشيخ: يعني (...). * طالب: بالنسبة (...). * الشيخ: (...) لا تقتلوا أنفسكم، هل المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا فهذا صحيح، نَهْيٌ عمَّا لم يكن وعما كان، لكن إذا كان نهيًا أن يقتل الإنسان نفسه فهذا طبعًا لم يكن؛ إذ لا يمكن أن يقتل نفسه إلا وهو موجود. * طالب: إذا انتحر ما يقتل نفسه يا شيخ؟ * الشيخ: إي، لكن ما تقول: ولا تقتل نفسك. * الطالب: في حياته؟ * الشيخ: إي، قبل أن يموت، أما بعد أن (...) فلا يمكن، إذن فلا (...) نقول هذه نهي عما لم؟ * طالب: (...). * الشيخ: سبحان الله، (...) ما كان. * طالب: (...). * الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على فوات (...) والأدلة (...) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول عز وجل: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسر لهؤلاء لعدم إيمانهم؛ يقول هنا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني لا تذهب نفسك من أجلهم، نعم، كما يقال: بكيت عليك الدهر. أي: من أجلك، فالمعنى: لا تذهب نفسك من أجلهم حسرات. قوله: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنها حال على أنها مصدر أُريد به اسم الفاعل؛ أي: حاسرةً، والحسرة هي الهم الشديد والغم على ما فات، فكل من فاته شيء يحبه ويطلبه فاهتم لذلك واغتم يُقال: تحسر، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مصدر (...)، وأنه مفعول من أجله، المعنى: فلا تذهب نفسك؛ أي: تهلك من أجل الحسرات عليهم. قال المؤلف: (﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ على المزين لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغتمامك ألا يؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨] فيجازيهم عليه). في هذه الجملة تهديد وتسلية؛ تهديد لهؤلاء المخالفين، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني لا (...) فإن حسابهم على الله وسوف يجازيهم. قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو من أولها أظن، من أول الآية. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يعمى قلبه حتى يرى السيئة حسنة، وفي مقابل ذلك يرى الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. * ومن فوائدها: إبهام الفاعل ليشمل كل ما يمكن أن يقع منه هذا الفعل؛ لقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقد مر علينا أن المزين هو الله عز وجل في الأصل، والشياطين في المباشرة. * ومن فوائدها: انقسام الأعمال إلى سيء وصالح؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾. * ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضاف العمل إليه، وهم يقولون: إن الأعمال لا تضاف للإنسان؛ لأنه مجبر عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من هذه حاله لا يستوي مع من ليس كذلك بحيث يرى السيئ سيئًا، والحسن حسنًا، ونأخذها من أن المحذوف يكون مقابلًا للمذكور؛ لأن الهمزة هنا للتسوية؛ يعني: أيستوي هذا وهذا؟ والجواب: لا يستويان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها -وهي تتفرع على هذه الفائدة-: أننا إذا علمنا ذلك فإننا نسأل الهداية من الله، ونستعيذ من الضلال بالله، نستعيذ من الضلال بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنه مر علينا أن كل فعل علقه الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائدها: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن القدرية يقولون: إن أفعال العبد من ضلالة أو هداية لا تتعلق بها مشيئة الله؛ لأن مذهبهم -القدرية- مذهبهم: أن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله تعالى فيه تعلق إطلاقًا، حتى إن غلاتهم يزعمون أن الله لا يعلم عمل العبد حتى يقع، ويقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مُسْتَأْنف؛ أي: إن علم الله عز وجل يحدث بعد أن لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ -وعز من أرسله- كان يحزن حزنًا عظيمًا تكاد تذهب نفسه من شدته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وجه ذلك أن الأصل في النهي أن يكون عما وقع، وقد يكون عما لم يقع، وهو كثير أيضًا، ويدل على أن هذا أمر واقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. * ومن فوائدها: شفقة النبي ﷺ على أمته. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحزن لعدم إيمانهم أو طاعتهم لمصلحته هو، ولكن لمصلحتهم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. * ومنها: أن النبي ﷺ بشر، يتأثر بما يتأثر به البشر من أسباب الفرح وأسباب الحزن، وهذا أمر واقع، «وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ذات يوم مستبشرًا تبرق أسارير وجهه، فسألته عن ذلك فقال: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا مُتَغَطِّيَانِ بِرِدَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٩) من حديث عائشة.]]، ففرح عليه الصلاة والسلام حتى ظهر ذلك على وجهه، فالأعراض البشرية تطرأ على النبي ﷺ كغيره من البشر من الفرح والحزن والغم والاستبشار والنسيان وعدم العلم وغير ذلك؛ لأنه لا يتميز عن البشر إلا بشيء واحد وهو الوحي، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠] شوف ﴿بَشَرٌ﴾ تغني عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التأكيد؛ لئلا يذهب ذاهب إلى أنه بشر قد خُصص بشيء فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثم ذكر الميزة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠]، وفي هذا رد واضح على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تأثيرًا في الخلق كتأثير ربوبية الله عز وجل؛ لأنه لو كان كذلك ما ذهبت نفسه عليهم حسرات لهداهم، وسَلِم من هذه الحسرات التي تكون على نفسه. * ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨]. * ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ في مثل هذه الجملة التي تفيد تسليته وتهوين الأمر عليه، وأنه ما من حساب هؤلاء عليه من شيء، كما أنه ليس من حسابه هو عليهم من شيء.