Tafsir Ibn Uthaymeen — فاطر 35:8 – فاطر 35:21
المحتويات
فاطر 35:8
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر ٥] النداء موجه في عموم الناس، كل الناس، المؤمن والكافر، قال: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾. قال المؤلف: (بالبعث وغيره). وصدق فكل ما وعد الله به فإنه حق سواء البعث أو العقاب أو الثواب أو النصر أو الخذلان أو غير ذلك مما وعد الله به فإنه حق.
﴿حَقٌّ﴾ هما بمعنى صدق وثابت فهو باعتبار الإخبار به صدق وأنه سيكون، وباعتبار وقوعه؟
* طالب: عدم.
* الشيخ: ما هو عدم، ثابت، باعتبار وقوعه ثابت ولا بد، فالحق هنا بمعنى الصادق من حيث الخبر به، الواقع من حيث ثبوته، وأنه أمر كائن لا محالة، ليس وعد الله عز وجل كوعد غيره، قد..
والنهي هنا مؤكد بالنون ﴿تَغُرَّنَّكُمُ﴾ [فاطر ٥]، وهذا تأكيد (...) فلا تغركم؛ أي: تخدعنكم، وهذا مُفرع على ما قبله؛ لأن الإنسان الذي تخدعه الدنيا يكون إيمانه بوعد الله تعالى ضعيفًا، إذ أن الدنيا تلهيه وتخدعه حتى ينجرف وراءها، وقوله: ﴿الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا شك أن ما فيه الآن حياة وضده الموت، وهي (دنيا) اسم تفضيل، مذكره؟
* طالب: دني.
* الشيخ: لا.
* طلبة: أدنى.
* الشيخ: أدنى، مثل: عليا وأعلى، سميت دنيا لوجهين: الأول: أنها متقدمة عن الآخرة، فهي أدنى إلى الناس من الآخرة، ولهذا سُميت الحياة الأولى، وسُميت دنيا أيضًا من دُنوذِّ مرتبتها، فهي دانية بمعنى قريبة؛ لأنها هي الأولى، وهي دانية؛ بمعنى دنو المرتبة؛ لأن ما فيها من النعيم إن قُدر فإنه منغص تنغيصًا مستقبلًا أو تنغيصًا حاضرًا؟ تنغيصًا حاضرًا؛ لأن نفس النعيم الذي تنعم به في الدنيا لا بد أن يُشاب بكدر كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ ويَوْمٌ نُسَرْ
وهذا لو تأملته لوجدته كذلك، كل يوم في الأسبوع ناظر نفسك، يومًا تكون مستأنسًا منبسطًا ومسرورًا، ويومًا تغتم، ويومًا يجيك أشياء خارجية تفرحك، ويومًا آخر بالعكس، ثم لو قُدّر أن صفوها خلا من ذلك؛ يعني لم يُشب بأذى، فإن المستقبل ينغص عليك هذا الصفاء، كما قال الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُــــهُ بِـــادِّكَارِ الْمَــــــــــوْتِوَالْهَــــــــــــرَمِ
فلا بد من أحد أمرين؛ إما موت عاجل وإما هرم مُفند، فالإنسان إذا كبر -إذا قُدر أن الله تعالى مد له في العمر- فإنه يرجع إلى حاله الأولى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل ٧٠]، يرجع إلى حاله الأولى، يسقط تمييزه، ويكون أشدَّ من الصبي، يعني كونه عالة على غيره أشد من كون الصبي عالة على غيره؛ لأن الصبي ما عنده عقل وتمييز، وغاية ما هنالك أنه يصيح، نعم، يدلِّله بشيء يلعب به ويسكت، لكن هذا الهرم عنده الشيء من التمييز تجده يصرخ على أهله مثلًا، يصرخ عليهم، يزعق عليهم، ويصيح، ويقول: كيف تنسون حاجتي (...) شاب، وأكد عليكم وأجيب لكم الطعام والشراب، واليوم تنسون (...) أكثر، نعم.
ثم هو أيضًا ثقيل، الصبي يقدر الواحد يحمله على يده ويمشي به يمينًا ويسارًا حتى يسكت، لكن هذا مُشكل، لذلك إذا تذكر الإنسان أنه إما أن يموت أو يصل إلى هذه الحال فمهما كان عيشه فسوف؟
* الطلبة: يتنغص.
* الشيخ: يتنغص، ولهذا نقول: هذه الحياة دنيا، مأخوذة منين؟ من دنو الزمن، ودنو؟
* الطلبة: المرتبة.
* الشيخ: المرتبة والقدر.
الحياة الدنيا ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥] عن الإيمان بذلك؛ أي: بوعد الله، وما أكثر الذين غفلوا عن وعد الله، وما أكثر الذين اعتمدوا على الأسباب الظاهرة فنسوا الأسباب التي وراءها.
كثير من الناس يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج ٤٠] كيف إن الله ينصر المسلمين وهم بهذه القلة، على أعدائهم الكفار وهم بهذه الكثرة وبهذه القوة، كيف هذا يكون؟ فيعتمد على الحياة الدنيا وعلى الأسباب المادية دون ما وراءها، والواجب علينا أن نؤمن بوعد الله، فالله جعل الوعد أن ينصر من ينصره، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥] يقول قائل: كيف إن الله يستخلفني في الأرض وعندنا الروس وعندنا الأمريكان وعندنا الإنجليز وغيرهم من الأمم القوية الكثيرة؟ أيش معنى هذا؟ ويش الجواب على ذلك؟
الجواب: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ لا تغرك الدنيا حتى في النصر، أسباب النصر ليست هي المادة فقط، بل هناك شيء وراءها وهو قوة العزيز عز وجل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠].
(﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ في حلمه وإمهاله ﴿الْغَرُورُ﴾ الشيطان) يعني: لا يخدعكم أيضًا من وَصْفُه الخداع، ولهذا جاء بوصف الغرور، و(غَرور) فَعول صفة مشبهة؛ لأن غروره كان وصفًا لازمًا له لزوم الوجوب، و(الغَرور) غير (الغُرور) بالضم، (الغُرور) بالضم مصدر، و(الغَرور) صفة مشبهة دالة على المعنى، و(...) به المعنى، فالغَرور إذن هو الشيطان، أي الشياطين الإنس ولّا الجن؟
* طالب: كلهم.
* الشيخ: نعم، كلهم جميعًا، من شياطين الجن من يَغُر، وهو معروف، هو الشيطان الذي يلقي في قلبك ما يحتال، ومن شياطين الإنس أيضًا من يَغُر، وهم جلساء السوء الذين يأتون الإنسان، فيدخلون فيه كما يدخل الماء في المدر أو النار في الفحم، ما يدري يدخلون دخولا بحيث يكون كالنائم أو كالـميت بين يدي الغاسل، فالله عز وجل حذرنا من هؤلاء ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
قال المؤلف: (في حلمه وإمهاله) صحيح أن الإنسان قد يغتر بالله في حلمه وإمهاله، فيقول لنفسه: لو كنت على خطأ لعاقبني الله، وما دام الله عز وجل يرزقني ويعافيني فهذا دليل على أني على حق، لكن هذا من الأماني الباطلة التي حذر عنها رسول الله ﷺ، فقال: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِي»[[أخرجه الترمذي (٢٤٥٩)، وابن ماجه (٤٢٦٠) من حديث شداد بن أوس، بدون زيادة: الأماني.]]، وهذا الحديث وإن كان فيه ما فيه من حيث الصحة لكن معناه صحيح بلا شك، فإن الكيس الحازم هو الذي يعمل لما بعد الموت، قال: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: لا يخدعنكم بالله في حلمه وإمهاله، وغير ذلك مما يتعلق بأفعاله وأحكامه ﴿لَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: الخادع، وهو الشيطان.
قوله: (الشيطان)، هذا اسم للشيطان اللي هو إبليس، وهو مشتق من (شاط يشيط) إذا غضب، أو من (شَطَن يَشْطِن) إذا بَعُد، والوصفان ثابتان للشيطان؛ لأنه عنده طيش وسوء تصرف كالغضبان، كالذي يشيط غضبًا، وهو أيضًا شاطن؛ أي: بعيد عن رحمة الله عز وجل، فإن الله تعالى لعنه، قال: ﴿إِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص ٧٨]، وقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر ٦]، ﴿عَدُوٌّ﴾ هذه -كما ترون- مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾ واللام؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: واللام ولّا لا؟
* الطلبة: (...) جار ومجرور..
* الشيخ: هذه جار ومجرور (...)، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ولم يقل: إن الشيطان عدوكم؛ لثبوت هذه العداوة، ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ﴾، ولهذا أتى بالجملة الاسمية المكونة من مبتدأ وخبر، فـ﴿عَدُوٌّ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿لَكُمْ﴾ خبر مقدم، تقديم الخبر هنا يفيد الحصر؛ يعني كأنه ليس عدوًّا إلا لكم، كأنه قال: ليس عدوًّا إلا لكم، ومعلوم أن من انحصرت عداوته في شخص فإنه يجب عليه أن يحترز منه أكثر وأكثر، وقوله: ﴿عَدُوٌّ﴾ على وزن فعول فهي صفة مشبهة، والعدو ضد الولي، فإذا كان الولي هو الناصر المتولي لأمرك المعتني به، فالعدو هو الخائن الذي لا يهمه أمرك، فالشيطان عدو.
يقول الله عز وجل: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لما أكد أنه عدو لنا أكد على ذلك، قال: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ والفاء هنا يسمونها فاء التفريع؛ أي: فبسبب ثبوت كونه عدوًّا اتخذوه عدوًّا؛ يعني: اجعلوه عدوًّا لكم بحيث تنفرون منه نفوركم من الأعداء، فإذا قال قائل: ما الذي يدلنا على عداوته أو كيف نتخذه عدوًّا؟ الجواب: نتخذه عدوًّا بكراهته وبغضه، وبعدم الانصياع لأمره ووسوسته؛ لأنه هو كما قال الله عنه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة ٢٦٨]، هو لا يأمر إلا بالفحشاء والسوء ومعصية الله عز وجل، فإذا أحسست من نفسك أنك تهوى المعصية فاعلم أن هذا من إملاء إبليس، من إملاء الشيطان، فيجب عليك أن تنفر من هذا؛ لأن هذا صادر من عدو لك لا يريد إلا إضرارك وخذلانك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦].
قال المؤلف: (﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ بطاعة الله، ولا تطيعوه) يعني: أطيعوا الله ولا تطيعوا الشيطان، وأنتم إذا أطعتم الله فإن هذا أعظم سلاح يغيظ هذا الشيطان اللي هو عدو لكم، فإذا أطعت الله عز وجل فإنك بذلك تغيظ الشيطان وتدحره وتذله، كما أنك تذل أوليائه أيضًا وتغيظهم، قال الله عز وجل: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] إلى أن قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح ٢٩] فهؤلاء القوم بصفتهم المذكورة يغيظون الكفار، والكفار أولياء الشيطان، وإذا كانوا يغيظون الكفار فإنهم يغيظون أيضًا الشيطان، فأعظم شيء لإغاظة الشيطان هو أن تقوم بطاعة الله عز وجل، يُروي «أن الشيطان يقول عن بني آدم: أهلكتهم بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله وبالاستغفار»[[أخرجه أبو يعلى برقم (١٣٦) من حديث أبي بكرعن النبي ﷺ، قال: «عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار فأكثروا منهما فإن إبليس قال أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون».]]، فالتوحيد وسؤال المغفرة لا شك أنه يغيظ الشيطان.
(يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ [فاطر ٦] أتباعه في الكفر ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] النار الشديدة).
﴿إِنَّمَا يَدْعُو﴾ (إنما) أداة حصر تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما سواه؛ يعني ما يدعو حزبه إلا لهذا العمل بأن يكونوا من أصحاب السعير، واللام في قوله: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ اللام هذه للعهد؛ يعني يدعو حزبه للشر والفحشاء؛ لأجل أن يكونوا من أصحاب السعير، وقول المؤلف: (﴿حِزْبَهُ﴾ أتباعه في الكفر).
قد يُقال: إن فيه قصورًا؛ لأن حزب الشيطان الحزب المطلق لا شك أنهم كفار، لكن من عصى الله عز وجل ولو لم يكن كافرًا في معصية من المعاصي فله من حزبية الشيطان بقدر ما عصى الله، لكن الحزب المطلق هم الكفار قال: ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: من أصحاب النار، والسعير هو النار الشديدة، وإنما يدعوهم لذلك؛ لأنه لما غوى -والعياذ بالله- وتكبر عن طاعة الله ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]، ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر ٣٩].
لما خُذل -والعياذ بالله- وطُرد وصار غاويًا حرص على أن يكون له أتباع في غيه، وهذا أمر مشاهد، أهل الحق يودون أن يكون لهم أتباع في الحق، وأهل الباطل يودون أن يكون لهم أتباع في الباطل، فالشيطان -والعياذ بالله- لما كان من أصحاب النار أحب أن يكون الناس -أي: بني آدم- أن يكون الناس كلهم من أصحاب النار، هؤلاء الذرية ذرية آدم ولّا لا؟ وشقاء إبليس إنما كان لتركه السجود لآدم، فلا جرم أن يضلل ذريته، وأن يحاول بكل ما يستطيع إغواءهم حتى يكونوا من أصحاب النار.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ خبره جملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، والعذاب العقوبة، وأتى بالجملة الاسمية لتحقق أو لثبوت هذا العذاب واستمراره؛ لأن الكافرين مخلدون في نار جهنم، والـ﴿شَدِيدٌ﴾ بمعنى القوي.
وأما غيرهم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الإيمان محله القلب؛ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، انتبه، والإيمان ليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مقرون بقبول وإذعان، قبول لما آمن به، وإذعان يقتضيه هذا الإيمان، أما مجرد التصديق فليس إيمانًا، ولو شئتم لضربنا مثلًا بأبي طالب، فإن أبا طالب كان مصدقًا للنبي ﷺ ولكنه لم يقبل ولم يذعن فلم ينفعه هذا التصديق.
فـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بما يجب الإيمان به تصديقًا مستلزمًا للقبول والإذعان، وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا بد من العمل الصالح حتى يتم الإيمان ويتحقق ويتبين.
العمل الصالح، قال العلماء: هو الذي كان خالصًا صوابًا، خالصًا لله، صوابًا في موافقة شريعة الله، وهذا التعريف يعم هذه الكلمة وغيرها، فما كان خالصًا لله موافقًا لشريعته فهو صالح، وما لم يكن كذلك فهو فاسد، فلو فقد الإخلاص من العمل لم يكن صالحًا، ولو وجد الإخلاص لكن لم يكن على وفق الشريعة لم يكن صالحًا.
وعلى هذا فالأعمال البدعية وإن أخلص فيها صاحبها ليست صالحة، والأعمال الشرعية إذا شاركها الرياء وإراءة الخلق لم تكن صالحة.
وقوله: ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هذه تتكرر في القرآن كثيرًا، وهي -على ما قاله النحويون- من باب حذف المنعوت ووجود النعت للدلالة عليه؛ لأن الأصل: وعملوا الأعمال الصالحات.
﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ففي ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ذكر عملين لهم، وذكر لهم جزاءين، الذين كفروا ذكر عملًا واحدًا وجزاءً واحدًا ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] العمل الكفر، والجزاء العذاب الشديد، أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهذان عملان، والجزاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ مغفرة لذنوبهم ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على أعمالهم الصالحات، والمغفرة هي صرف الذنب والتجاوز عنه؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام، وهذا لا يكون إلا إذا كان قويًا يمنع، وليست الـمغفرة مجرد الستر؛ لأن مجرد الستر والعقوبة ليس بمغفرة، بل لا بد من أمرين: الستر وعدم الـمؤاخذة، وقوله: ﴿وَأَجْرٌ﴾ الأجر الثواب الذي يُجازى به العامل، حتى الأجرة مثلًا إذا استأجرت رجلًا يعمل لك عملًا وأعطيته أجرة فهذا أجر، وسمى الله عز وجل الثواب أجرًا؛ لأنه لا بد أن يناله العامل، فهو كأجرة المستأجر أو كأجرة الأجير، فلا بد أن يناله العامل، وهذا كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة ٢٤٥]، فسُمى العمل لله قرضًا؛ لأن القرض يجب الإيفاء به، فمثل هذه الآيات تدل على أن الله عز وجل أوجب على نفسه أن يثيب العامل، وقوله: ﴿أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ كبير في حجمه أو كبير في معناه؟
* الطلبة: الجميع.
* الشيخ: الجميع؛ لأن الإنسان في الجنة أدناهم منزلة من ينظر إلى ملكه مسيرة ألفي عام، ينظر أقصاه كما ينظر أدناه، وهذا لا شك أنه كبير واسع، وكذلك في المعنى؛ لأنه دائم وثابت، قال: (هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه) (موافقي الشيطان) من هم؟
* طلبة: الذين كفروا.
* الشيخ: الذين كفروا، ومخالفوه؟ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إذن يجب علينا أن نتخذ الشيطان عدوًّا بالإيمان والعمل الصالح.
قال المؤلف: (ونزل في أبي جهل وغيره ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [فاطر ٨]) إلى آخره، أبو جهل كان يُسَمى في الجاهلية أبا الحكم؛ يعني أنه ذو حكمة وعقل وروية، لكنه سُمي في الإسلام أبا جهل؛ لأن أعظم جهله أن يبقى على كفره ولا يؤمن بالله، نزلت ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨]، ﴿أَفَمَنْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والفاء حرف عطف، والمعطوف عليه مختلف فيه؛ فمنهم من قال: إنه مُقدر بين الهمزة وحرف العطف ويكون بحسب السياق، ومنهم من قال: إن المعطوف عليه ما سبق.
فعلى الأول: نقدر المحذوف بما يُناسب المقام، فمثلًا قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [يوسف ١٠٩] التقدير: أغفلوا فلم يسيروا في الأرض، وهنا يقول: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ نقدرها بما يناسب، فنقول في التقدير: أتدركون هذا الشيء؟ فمن زين له سوء عمله. أو نقول: أيستوي الـمؤمن والكافر، فمن زين له سوء عمله.
ولكن القول الثاني في المسألة -أنه معطوف على ما سبق- أحسن، لماذا؟ لأن الأصل عدم التقدير؛ ولأنه في بعض الأحيان يصعب على الإنسان أن يقدر المحذوف، وعلى هذا القول يقولون: إن الفاء تُقَدَّر سابقةً للهمزة، (...) حرف العطف يُقدر سابقًا للهمزة، يكون فيه تقديم وتأخير، والتقدير على هذا: فأمن زُين له سوء عمله.
وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ من المزيِّن؟ ذكر الله عز وجل أن المزين الشيطان، وذكر أن المزين هو الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وفي بعض الآيات يكون المزين مبهمًا كما في هذه الآية، وكما في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران ١٤] إلى آخره، فالمزيِّن الله، والمزيِّن الشيطان.
فإذا قلت: كيف تجمع بين هذا وهذا؟ فالجواب أن المزين المباشر هو الشيطان، أما الله عز وجل فهو مزين بالتقدير؛ يعني هو الذي قدر على الشيطان أن يزين لهم، ومعلوم أن الله تعالى خالق الشيطان، وما نتج من أعماله فهو مضاف إلى الله، كما نقول في الإنسان: إنه مخلوق لله وما نتج من أعماله فهو مخلوق لله عز وجل، فيكون تزيين الله تعالى حسب التقدير؛ يعني: هو الذي قدر أن يزين الشيطان لهم أعمالهم.
وقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ عمل هو مفرد مضاف، ويشمل كل الأعمال، سواء كان الشرك أو العدوان على الغير أو سوء السلوك وفساد الأخلاق أو غير ذلك، المهم أنه شامل لكل الأعمال.
وقال المؤلف: (بالتمويه) ويش معنى (بالتمويه)؟ أنه يموه على الناس أن هذا العمل الذي يقوم به عمل حسن، ﴿فَرَآهُ حَسَنًا﴾ أي: رأى سوء عمله حسنًا، وهذا أشد ما يكون؛ أن يكون الإنسان على خطأ ويرى أنه على صواب؛ لأن مثل هذا لا يكاد يُقلع عن غيه، حيث إنه يعتبره صوابًا.
ومن ذلك -مثلًا- أصحاب الحيل المخادعون، فالمنافق مثلًا زُيِّن له سوء عمله؛ لأنه يرى أنه ذكي ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤]، وهذا من سوء العمل، المتحايلون على الربا بأنواع الحيل هؤلاء أيضًا زُين لهم سوء أعمالهم، ولهذا لا تكاد تجدهم يقلعون على ما هم عليه؛ لأنه قد زُين ذلك في نفوسهم فلا يقلعون عنه، المهم أن هذا له أمثلة كثيرة، بقي علينا أن نقول: (من) مبتدأ فأين خبره؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (من مبتدأ خبره كمن هداه الله)، بعده؟
* الطالب: (لا، دل عليه).
* الشيخ: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ يعني: كمن لم يزين له سوء عمله، ورأى سوء عمله سيئًا؛ لأن الذي زُين له سوء عمله سيستمر عليه، والذي رآه سيئًا سوف يتجنبه، وهذا هو معنى قول المؤلف: (كمن هداه الله)، ومثل هذا التعبير يأتي في القرآن كثيرًا، كما في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، فالخبر محذوف أي كمن ليس كذلك يقول: (لا) أيش معنى (لا)؟
* طالب: يعني ليس.
* الشيخ: يعني ليس هذا كهذا؛ لأن بينهما فرقًا، فإن من زُين له سوء عمله سيبقى على ضلاله، ومن لم يُزين له سوء عمله فرآه سيئًا فسيتجنبه ولا يقع فيه.
قال المؤلف: (دل عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ ) دل عليه (...).
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨]، وعلى هذا فالفاء هنا ليست واقعةً في خبر المبتدأ، بل خبر المبتدأ محذوف، لكنها عطف على ذلك الخبر؛ أي: فإن الله يضل من يشاء عن الحق فلا يهتدي إليه ويهدي من يشاء إلى الحق فيلتزمه.
وهنا يقول: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ يمر علينا كثيرًا تعليق الأشياء بالمشيئة، ولكننا قلنا ونقول: إن هذه المشيئة مقرونة بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله عز وجل أن يضل أضله، ومن اقتضت حكمته أن يهديه هداه، من الذي تقتضي حكمة الله عز وجل أن يضله؟ هو الذي أراد الضلال، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فإذن إضلال الله تعالى للعبد في محله، وذلك بأن يكون هذا الرجل لا يريد الخير، وإنما يريد الشر.
واعلم أن الهداية والضلال إما عدل وإما فضل، الضلال عدل؛ لأنه جوزي بحسب ما أراد، لما أراد الضلال -والعياذ بالله- وزاغ قلبه أُزيغ، وأما الهداية فإنها فضل من الله عز وجل، يتفضل بها على من يشاء من عباده، ولهذا نقول: لو قال قائل: كيف يجعل الله تعالى هذا مهتديًا وهذا ضالًا، أليس هذا ظلمًا؟ فالجواب: لا؛ لأن منع الهداية من هذا الضال إنما هو بمقتضى عدله، أما هداية المهتدي فهو بفضله، فنقول: إن منعك ما هو لك فقد ظلمك، وإن منعك فضله ففضل الله يؤتيه من يشاء، ولولا أنك لست أهلًا للهداية ما منعك الله الهداية.
* طالب: شيخ، ما (...)؟
* الشيخ: * في هذه الآية فوائد عديدة:
* أولًا: أهمية التصديق بوعد الله عز وجل، وجه ذلك لما صدره بالنداء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر ٥].
* ثانيًا: أن الكفار مخاطبون بفروع الدين وأصوله؛ لأن الخطاب هنا عام ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
* الشيء الثالث من فوائدها: أن وعد الله لا بد أن يقع؛ لأنه خبر من صادق قادر؛ لقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: صدق في حال الخبر عنه، واقع في حال إيقاعه، * فمن فوائد الآية هنا أن ما وعد الله به فهو حق لا بد أن يقع.
* ومن فوائدها: أنه يجب على الإنسان ألا يغتر بالدنيا مهما حصل له من زهرتها ونعيمها؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر ٥].
* ومن فوائدها أيضًا: أن من (...) بالدنيا فإنه مخدوع؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ أي: تخدعنكم؛ لأن العاقل لا ينخدع بها.
* ومنها الإشارة إلى وجوب العناية بالآخرة؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، وإذا نهينا عن الحياة الدنيا فمعناها أننا نلزم أو نؤمر بالعناية بالآخرة؛ لأنها -في الحقيقة- هي المنتهى.
أما هذه الدنيا فإن الإنسان يمرها عابرًا فقط، حتى القبور التي يبقى فيها الإنسان من السنوات ما لا يعلمه إلا الله هي محل عبور، قال الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر ١، ٢] سمع أعرابي رجلًا يقرأ هذه الآية فقال: والله ما الزائر بمقيم، أو: إن الزائر لظاعن؛ لأنه قال: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ﴾، والمعروف أن الزائر يبقى مدة ثم ينصرف.
* ومن فوائدها أيضًا: دنو الدنيا مرتبة ودناءتها؛ لقوله: ﴿الدُّنْيَا﴾، فهي وإن كانت حياة لكنها دنيا، ويستلزم ذلك الثناء على الآخرة؛ لأن وصف الضرة بعيب يدل على وصف ضرتها بكمالٍ، نعم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تنعم الإنسان في الدنيا على وجه لا تغره؛ لقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ﴾ ولم يقل: فلا تتنعموا في الدنيا بشيء، بل قال: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
* ومنها: عِظَم الخطر من كثرة المال ويسر العيش؛ لأن هذا قد يشغل المرء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١٥)، ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الحذر من الشيطان ووساوسه؛ لقوله: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر ٥]، وسواء كان الشيطان إنسيًّا أو جنيًّا؛ لأن الشيطان الإنسي يغر الإنسان كما يغره شيطان الجن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر الشديد من هذا الذي يغرنا من شياطين الإنس والجن؛ لأنه وصفه بقوله: ﴿الْغَرُورُ﴾، و(الْغَرُورُ) كما قلنا: إما صفة مشبهة، وإما صيغة مبالغة، ما قلنا: إنها مصدر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الشيطان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
* ومنها: إثبات عداوته المؤكدة للإنسان؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
* ومنها: أهمية إيماننا بذلك، وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾.
* الشيخ: إي، لكن ويش وجه أهمية علمنا بأنه عدو؟
* طلبة: الحصر.
* الشيخ: إما على التوكيد، وجه ذلك؟
* طالب: أنه أكده (...) باللام.
* الشيخ: لا، اللام ما هي مؤكدة، لكن وجه كونهم لما أُكِّد صار للأهمية عِلْمنا بذلك.
* طالب: (...) إذا أكد أن الشيطان لنا عدو فإذن نحذر منه أكثر من (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: (...) مر علينا في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الخطاب الذي يُلقى إلى المخاطب بدون توكيد، ما مر علينا هذا؟ في البلاغة أن الخطاب الخبري هو الذي يُلقى إلى المخاطب بغير توكيد، وأنه لا يؤكد في مقام الخطاب الخبري إلا بسبب، الخطاب الخبري إذا أُلقي إلى إنسان خالي الذهن فإنه لا يؤكد؛ لأنه لا داعي للتوكيد، التوكيد ليس فيه إلا زيادة كلمات لا فائدة منها، لكن إذا كان الأمر ذا أهمية فإنه يؤكد ولو كان الإنسان خالي الذهن، فإذا كان عالمًا بالأمر صار أيضًا توكيده أبعد، ولا نحتاج إلى التوكيد على كل حال.
فالآن نقول: فإن الله أكد هذا الكلام والمخاطب خالي الذهن أو عالم به من قبل يدل على أهمية الإيمان بهذا الأمر الذي عليه الشيطان، وهو أنه عدو.
وقد قال علماء البلاغة: إن الخبر إذا ألقي إلى عالم به مؤكدًا كان ذلك من أجل أن هذا المخاطب نُزِّل منزلة المنكر لكونه لم يقم بما يقتضيه هذا الخطاب، ومثلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥].
كلنا يعلم أنه سيموت، لكن لماذا أكد لنا الموت ونحن نعلم به ونتأكد منه؟ لأن فعلنا فعل المنكر للموت حيث إننا لا نصدق ولا نعمل لما بعد الموت، إذن نأخذ من هذه الآية أهمية إيماننا بأن الشيطان لنا عدو، من أين علمنا ذلك؟ لأنه أكد الخبر مع أنه ينقل إلى إنسان خالي الذهن لا يدري بأن الشيطان عدو، أو إلى إنسان عالم به ولكنه نزل منزلة المنكر؛ لكونه لم يتخذ الشيطان عدوًّا له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب البعد عما يأمر به الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦].
* ومن فوائدها أيضًا: ذكر الأوصاف المذمومة إذا كان المقصود بها نصح المخاطب؛ لقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾ [فاطر ٦] لو رأيت شخصًا مغترًّا بآخر يحسبه صديقه، وهذا الشخص الذي اغتر به صاحبه عدو له نعلم أنه يريد أن يوقع به كل سوء فإنه يجب علينا أن ننصحه عنه ونذكر معايب هذا الشخص حتى لا يغتر به فنقول: إنك تصاحب فلانًا وهو عدو لك، نعم حتى إن كانت عداوته لكونه يهديه إلى صراط الجحيم، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان رحمة الله تعالى بعباده؛ لأن العلم بعداوة الشيطان غير مدرَك لهم، ولكنه تعالى هو الذي أخبرنا به، ثم حثنا -بل أمرنا- بمخالفته؛ لقوله: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان له في بني آدم إرادات سيئة (...)، لكن ما فيها دليل على أن من الناس من يدخل النار ولا يخلد فيها فلا يكون من أصحابها نقول: يمكن، فإن الشيطان يريد من الناس أن يبلغوا الذروة في المخالفة وإذا بلغوا ذروة المخالفة وكفروا حينئذ يكونون من أصحاب النار الذين يخلدون فيها، أما المعاصي التي دون ذلك فإن أصحابها لن (...) النار -كما دلت عليه النصوص- فلا يكونون من أصحابها.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] إلى آخره.
* طالب: (...) حتى المؤمنين اللي عندهم معاصي..
* الشيخ: لا، هنا يقول: الحزب، هنا الحزب -حزب الشيطان- قد يكون حزبًا له (...)، وهذا قد يكون ما نقول: لا يكون، لكن الشيطان يريد من هذا من كل من يدعوه أن يكون من أصحاب النار.
قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في هذه الآية إثبات الثواب والعقاب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧].
* ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يجمع بين الشيء وضده، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، قال (...) في معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ أنه تثنى فيه المعاني، وهنا لما ذكر عذاب الكافرين ذكر ثواب المؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن أيضًا من وجه آخر حيث بدأ بذكر عذاب الكافرين، بعد أن ذكر ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] فبدأ بما فيه التحذير بعد ما فيه التبشير، من آيات المناسبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عذابه شديد؛ يعني ليس بالعذاب السهل (...) شدة عذاب الكافرين (...) من أين هذا (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أسألك من أين؟
* الطالب: من ناحية اتباعهم للشيطان.
* الشيخ: ما نوع السبب؟ ما وجه شدته؟
* الطالب: وجه شدته؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: أنهم في النار، عذاب شديد.
* الشيخ: (...) شدته، هل هو بكيفيته أو بكميته؟
* الطالب: بالكمية والكيفية.
* الشيخ: بالكمية والكيفية؛ لأنه دائم ولأنه عذاب لا نظير له؛ إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجر لا يثبت إلا (...) في وصفين؛ أحدهما: الإيمان، والثاني: العمل الصالح.
* ومن فوائد الآية: تقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما هو الضابط؟ قلنا فيما سبق: إن الضابط أن ما كان خالصًا صوابًا فهو صالح، وما كان فيه شرك أو بدعة فليس بصالح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (...) أجرهم مرتين من زوال المكروه الثابت في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وحصول المطلوب الثابت في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: بلاغة القرآن؛ لأنه لما ذكر عملًا واحدًا في الكفار ذكر جزاءً واحدًا، ولما ذكر وصفين في المؤمنين ذكر وصفين في ثوابهم، وهذا ظاهر أيضًا في مثل سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ١]، إذا تأملتها وجدت الله عز وجل لم يذكر في الكافرين وعذابهم إلا قليلًا بالنسبة للأبرار، السبب ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤] قال: للكافرين فقط، ولم يقل شيئًا من أعمالهم، بل كان الجزاء مختصرًا: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾.
وذكر الأبرار وأطال في ذكر ما لهم من النعيم؛ لأنه ذكر عدة أعمال من أعمالهم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٥، ٦] شوف، الأبرار عباد الله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٧ - ٩] الإخلاص التام ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٩، ١٠] نعم، في تردد هذه الأوصاف من أوصافهم، فأطال في ذكر جزائهم لما أطال في ذكر أعمالهم أطال في ذكر جزائهم بخلاف الكافرين، وهذا بلا شك من بلاغة القرآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجور تختلف؛ لقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ باختلاف أي شيء؟ تختلف باختلاف العمل، وتختلف باختلاف العامل، وإذا كانت متعدية فإنها تختلف باختلاف من انتفع بها، فمثل أن تختلف باختلاف العمل: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
الواجب أفضل من المستحب، باختلاف العامل: مر علينا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»[[أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد.]] هذا باختلاف أيش؟
* طالب: العامل.
* الشيخ: باختلاف العامل، تختلف أيضًا باختلاف المحل إذا كانت متعدية فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على من هو أشد حاجة أفضل من الصدقة عمن دونه وهكذا، فاختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الأجور أيضًا، تختلف أيضًا (...) باختلاف الإخلاص.
* طالب: (...).
* الشيخ: باختلاف الإخلاص؛ يعني أنه كلما كان الإنسان في عمله أخلص كان عمله أفضل، ولّا لا؟ ويمكن أن نقول أيضًا: تختلف باختلاف الاتباع، وكلما كان اتباعه أكثر لله (...) كانت أكمل، وعلى كل حال فالاختلافات هذه في وجودها يختلف بها الأجور.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨].
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فتجد أن هذه الآية ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن هذه المشيئة تابعة لحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يضله أضله، وهو الذي لا يريد الخير؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨] المراد به هداية التوفيق، وربما نقول: هداية التوفيق والدلالة، ولكن الأهم هداية التوفيق، ولعل هذا هو المراد هنا؛ لأن الذين أضلهم الله قد هداهم الله هداية الدلالة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥] وهذا عام، ولكن الهداية قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فما كل مدعوٍّ يهتدي.
وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨] هذا نَهْيٌ عما كان ولّا عما لم يكن؟ الظاهر أنه نهي عما كان، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على هؤلاء المكذبين الذين كانوا يكذبونه، والنهي عن الشيء قد يكون نهيًا عما كان وقد يكون نهيًا عما لم يكن، فقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣، ٢١٤] هذا نهي عما؟
* طالب: لم يكن.
* الشيخ: عما لم يكن؟ ولّا عما كان؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
* الطلبة: عما لم يكن.
* الشيخ: عما لم يكن صح؛ لأن الرسول ما فعل، كذا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]؟
* طالب: عما لم يكن.
* الشيخ: ولّا عما كان؟
* طالب: عما كان.
* طالب آخر: عما لم يكن.
* الشيخ: هل (...) في نفسه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني (...).
* طالب: بالنسبة (...).
* الشيخ: (...) لا تقتلوا أنفسكم، هل المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا فهذا صحيح، نَهْيٌ عمَّا لم يكن وعما كان، لكن إذا كان نهيًا أن يقتل الإنسان نفسه فهذا طبعًا لم يكن؛ إذ لا يمكن أن يقتل نفسه إلا وهو موجود.
* طالب: إذا انتحر ما يقتل نفسه يا شيخ؟
* الشيخ: إي، لكن ما تقول: ولا تقتل نفسك.
* الطالب: في حياته؟
* الشيخ: إي، قبل أن يموت، أما بعد أن (...) فلا يمكن، إذن فلا (...) نقول هذه نهي عما لم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: سبحان الله، (...) ما كان.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على فوات (...) والأدلة (...) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول عز وجل: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣].
فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسر لهؤلاء لعدم إيمانهم؛ يقول هنا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني لا تذهب نفسك من أجلهم، نعم، كما يقال: بكيت عليك الدهر. أي: من أجلك، فالمعنى: لا تذهب نفسك من أجلهم حسرات.
قوله: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنها حال على أنها مصدر أُريد به اسم الفاعل؛ أي: حاسرةً، والحسرة هي الهم الشديد والغم على ما فات، فكل من فاته شيء يحبه ويطلبه فاهتم لذلك واغتم يُقال: تحسر، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مصدر (...)، وأنه مفعول من أجله، المعنى: فلا تذهب نفسك؛ أي: تهلك من أجل الحسرات عليهم.
قال المؤلف: (﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ على المزين لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغتمامك ألا يؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨] فيجازيهم عليه).
في هذه الجملة تهديد وتسلية؛ تهديد لهؤلاء المخالفين، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني لا (...) فإن حسابهم على الله وسوف يجازيهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو من أولها أظن، من أول الآية.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يعمى قلبه حتى يرى السيئة حسنة، وفي مقابل ذلك يرى الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾.
* ومن فوائدها: إبهام الفاعل ليشمل كل ما يمكن أن يقع منه هذا الفعل؛ لقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقد مر علينا أن المزين هو الله عز وجل في الأصل، والشياطين في المباشرة.
* ومن فوائدها: انقسام الأعمال إلى سيء وصالح؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضاف العمل إليه، وهم يقولون: إن الأعمال لا تضاف للإنسان؛ لأنه مجبر عليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من هذه حاله لا يستوي مع من ليس كذلك بحيث يرى السيئ سيئًا، والحسن حسنًا، ونأخذها من أن المحذوف يكون مقابلًا للمذكور؛ لأن الهمزة هنا للتسوية؛ يعني: أيستوي هذا وهذا؟ والجواب: لا يستويان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها -وهي تتفرع على هذه الفائدة-: أننا إذا علمنا ذلك فإننا نسأل الهداية من الله، ونستعيذ من الضلال بالله، نستعيذ من الضلال بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنه مر علينا أن كل فعل علقه الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن القدرية يقولون: إن أفعال العبد من ضلالة أو هداية لا تتعلق بها مشيئة الله؛ لأن مذهبهم -القدرية- مذهبهم: أن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله تعالى فيه تعلق إطلاقًا، حتى إن غلاتهم يزعمون أن الله لا يعلم عمل العبد حتى يقع، ويقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مُسْتَأْنف؛ أي: إن علم الله عز وجل يحدث بعد أن لم يكن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ -وعز من أرسله- كان يحزن حزنًا عظيمًا تكاد تذهب نفسه من شدته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وجه ذلك أن الأصل في النهي أن يكون عما وقع، وقد يكون عما لم يقع، وهو كثير أيضًا، ويدل على أن هذا أمر واقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣].
* ومن فوائدها: شفقة النبي ﷺ على أمته.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحزن لعدم إيمانهم أو طاعتهم لمصلحته هو، ولكن لمصلحتهم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ بشر، يتأثر بما يتأثر به البشر من أسباب الفرح وأسباب الحزن، وهذا أمر واقع، «وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ذات يوم مستبشرًا تبرق أسارير وجهه، فسألته عن ذلك فقال: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا مُتَغَطِّيَانِ بِرِدَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٩) من حديث عائشة.]]، ففرح عليه الصلاة والسلام حتى ظهر ذلك على وجهه، فالأعراض البشرية تطرأ على النبي ﷺ كغيره من البشر من الفرح والحزن والغم والاستبشار والنسيان وعدم العلم وغير ذلك؛ لأنه لا يتميز عن البشر إلا بشيء واحد وهو الوحي، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠] شوف ﴿بَشَرٌ﴾ تغني عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التأكيد؛ لئلا يذهب ذاهب إلى أنه بشر قد خُصص بشيء فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثم ذكر الميزة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠]، وفي هذا رد واضح على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تأثيرًا في الخلق كتأثير ربوبية الله عز وجل؛ لأنه لو كان كذلك ما ذهبت نفسه عليهم حسرات لهداهم، وسَلِم من هذه الحسرات التي تكون على نفسه.
* ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨].
* ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ في مثل هذه الجملة التي تفيد تسليته وتهوين الأمر عليه، وأنه ما من حساب هؤلاء عليه من شيء، كما أنه ليس من حسابه هو عليهم من شيء.
فاطر 35:9
ثم قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر ٩] وفي قراءة: ﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ الله وحده هو الذي يرسل هذه الرياح دون غيره فلن يستطيع أحد أن يرسل شيئًا من هذه الرياح، حتى الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن يرسلوا الريح ما استطاعوا، لو اجتمعوا على أن يهونوا عصفها ما استطاعوا، ولكن ذلك بيد الله عز وجل، فالله وحده الذي يرسل الرياح.
وتأمل قوله: ﴿أَرْسَلَ﴾، حيث جعلها رسولًا، كأنها تبلغ أو كأنها تفعل ما أُمرت به، كما أن الرسول يبلغ ما أرسل به فهي مرسلة، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي عن سب الريح؛ لأن سب الريح حقيقةً يعود إلى الله عز وجل، فإنه هو الذي أرسلها فهي مدبرة مسخرة.
وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ وفي قراءة: ﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، والقراءة هنا سبعية، والفرق بينهما أن الرياح جمع، والريح مفرد، لكن هذا المفرد في معنى الجمع؛ لأنه محلى بـ(أل)، وهي للاستغراق، فيشمل كل الرياح، سواء أتت من الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، والله تعالى هو الذي أرسلها، واعلم أن الغالب أن الرياح مجموعةً تكون في الخير، والريح مفردة تكون في ضده، هذا الغالب.
ولهذا يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام في دعاء الريح: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»[[أخرجه الشافعي كما في مسنده (٥٣٧)، وأبو يعلى (٢٤٥٦).]]، ولكن مع ذلك تأتي هذه محل هذه، ويكون هناك قرينة، ففي قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] هذه في الشر، ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذه للخير؛ لأنها وُصفت، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف ٥٧] هذه في الخير، وهنا تكون في الخير أيضًا ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم ٤٨] (تثير) عطف المضارع على الماضي، وكان مقتضى النسق أن يعطف على الماضي ماضيًا مثله فيقول: والله الذي أرسل الرياح فأثارت، لكن لماذا عدل عن الماضي للمضارع؟
بينه المؤلف، قال رحمه الله: (المضارع لحكاية الحال الماضية) يعني عبر بالمضارع عن الماضي حكايةً للحال حين إرسالها؛ لأنه أبلغ في التصور كأنها الآن أمامك تثير هذه السحاب، وهذا أبلغ في تصور الإنسان؛ لأنه يستحضر الحال الماضية كأنها الآن، إذ أن المضارع -كما نعرف جميعًا- يصلح للحال وللاستقبال، ولكنه قد يقترن به ما يعينه للحال، ويقترن به ما يعينه للاستقبال، ويقترن به ما يعينه للماضي، إنما الأصل فيه أنه للحاضر والمستقبل، ولا يكون الماضي إلا بقرينة، فعليه نقول: عدل عن التعبير بالماضي هنا؛ لحكاية الحال الماضية، حتى كأنك تشاهدها الآن وهي تثير هذا السحاب.
وقال المؤلف في معنى (تثير): أي تزعج، وهذا معنًى قد يناقش فيه؛ لأن الإزعاج أخص من الإثارة، وإنما الإثارة بمعنى الإنهاض؛ إنهاض الشيء، كما يُقال: أثرت البعير؛ أي أنهضته حتى صار قائمًا بعد أن كان باركًا.
وقوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ كأن هذا السحاب -في الأصل- في الأرض، ثم أثارته هذه الرياح، ومعلوم أن السحاب يكون من بخار البحر، ويكون أحيانًا من الجو المتلبد بالرطوبة حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وهذا أمر يرجع إلى معرفة العلوم الطبيعية.
وقوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ السحاب هو هذا الغيم المعروف (...) ينسحب في الجو كما تشاهدونه، فلذلك سُمي سحابًا؛ لانسحابه في الجو، ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾.
(﴿فَسُقْنَاهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة) إلى التكلم، وفيه أيضًا التفات من المضارع إلى الماضي، انتبه، ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر ٩] عدل عن المضارع إلى الماضي؛ لاختلاف الفاعل في الفعلين؛ لأن (تثير) الفاعل فيها (الرياح)، و(سقناه) الفاعل فيها (الله)، إذن يحسن أن تكون بلفظ الماضي عطفًا على قوله: ﴿أَرْسَلَ﴾؛ لأن المرسل هو الله، فلما اتحد الفاعل في الفعلين ﴿أَرْسَلَ﴾ و(سقنا) كان الأفصح أن يكونا جميعًا بلفظ الماضي، لكن فيه عدول عن الغيبة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ [فاطر ٩] إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ لماذا؟ مر علينا أن الالتفات له فائدة دائمة وهي؟
* طالب: التنبيه.
* الشيخ: التنبيه؟ كيف التنبيه؟ لأن سياق الكلام على نسق واحد يقتضي أن الذهن ينساب معه ولا يتوقف، لكن إذا اختلف السياق كأنه يقف الذهن لينظر ما الذي حدث وحينئذ يكون في تغييره تنبيه للمخاطب، نعم، فهذا واحد.
لكن هنا أيضًا فيه فائدة ثانية، وهي بيان قدرة الله عز وجل ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ أي: نحن، فأضافه إلى نفسه؛ لأنه أدل على القدرة، فإذا اجتمع ﴿اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ ثم هو سبحانه وتعالى ساقه هذا السحاب الذي أثارته الريح فهو أدل على القدرة مما لو جاء على نسق واحد ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر ٩] بالتشديد والتخفيف.
الفائدة الثانية بيان تمام القدرة؛ لأنه إذا كان بالأول للغائب ثم جاء للمتكلم صار هذا أدل على القدرة وأعظم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا من حيث الالتفات، من الأصل.
يقول: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ فيها قراءتان: ﴿مَيِّتٍ﴾ و﴿﴿مَيْتٍ﴾ ﴾، وقد قيل: إن الْمَيْتَ لمن مات بالفعل، والْمَيِّت لمن سيموت، وجعلوا على ذلك شاهدًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر ٣٠] أي: ستموت، وقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام ١٢٢] فـ﴿مَيْتًا﴾ هنا لمن قد مات، هكذا فَرَّق بعضهم، والظاهر أن اللغة العربية تأتي بالوجهين على المعنيين، ومنها هذه الآية ﴿مَيْتًا﴾ سيموت، ولا قد مات بالفعل؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؟
* الطلبة: قد مات.
* الشيخ: قد مات، ومع هذا جاءت بالتشديد.
(﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بالتشديد والتخفيف لا نبات بها) هذا هو موت البلد، والمراد بالبلد هنا ليس المسكون من الأرض، بل ما هو أعم، فيشمل المسكون وغير المسكون، وتخصيص البلد بالمسكون تخصيص عرفي، وإلا فإن كل الأرض بلد؛ لانبلادها وتسطحها، ولهذا يقول: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [فاطر ٩]، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ سقناه ﴿فَأَحْيَيْنَا﴾ هنا الأفعال والضمائر على نسق واحد، وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يقول: (من البلد)، ويش معنى (من البلد)؟ يعني أرض البلد هذه التي كانت ميتة أحياها الله عز وجل بماذا أحياها؟ أحياها بالنبات.
ولهذا قال المؤلف: (﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها، أي: أنبتنا به الزرع والكلأ)، وهذا أمر مُشاهد تأتي الأرض يابسة هامدة، عيدان تتكسر، فينزل الله المطر عليها، ثم تهتز خضراء فيها من كل زوج بهيج، من الذي أحياها؟ الله عز وجل، لا يستطيع الخلق أن يحيوها أبدًا مهما كان، حتى الكلأ الذي ينبت بالمطر لا ينبته الماء الجاري كما هو مشاهد، يعني لو تسقي هذه الأرض مهما سقيتها بالماء الجاري فإن الكلأ الذي ينبت من المطر لا ينبت بهذا الماء، إذن فالله عز وجل هو الذي أحيا هذه الأرض بعد موتها؛ أي: بعد أن كانت يابسة هامدة ليس فيها نبات، أحياها الله سبحانه وتعالى بقدرته.
قال: (﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: البعث والإحياء) ﴿كَذَلِكَ﴾ (الكاف) هنا اسم بمعنى مثل، وهي خبر مقدم، و﴿النُّشُورُ﴾ مبتدأ مؤخر؛ أي: النشور مثل ذلك، ويجوز أن تقول: ﴿كَذَلِكَ﴾ (الكاف) حرف جر، ليست بمعنى مثل؛ يعني ليست على (...)، وتجعلها جارًّا ومجرورًا خبرًا مقدمًا، والنشور مبتدأ مؤخر، والتقدير: النشور كائن كذلك، والنشور هو نشر الأموات على وجه الأرض وإحيائهم بعد أن كانوا أمواتًا.
والتشبيه هنا هل هو تشبيه للسبب والنتيجة أو للنتيجة فقط؟ أي: هل المعنى أن النشور الذي يكون للأموات يكون بواسطة ماء ينزله الله عز وجل فتنبت هذه الأجسام ثم تحيا، أو أن التشبيه للنتيجة فقط؛ أي: إن إحياء الموتى كإحياء الأرض بقطع النظر عن السبب الأول؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن الله تعالى يرسل على الأرض مطرًا من تحت العرش مطرًا غليظًا حتى يصل إلى الأجسام فتنبت في القبور كما تنبت الحبة في الأرض، فإذا تكاملت الأجسام نفخ في الصور فخرجت الأرواح إلى أجسامها»، وعلى هذا فيكون التشبيه هنا عائدًا إلى السبب والنتيجة أيضًا، هذا هو المشهور عند أهل العلم، يقول: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ [فاطر ١٠] ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام أو شرطية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو بعد (...)، يأتي بعد ﴿مَنْ﴾ استفهام، لكن الجواب والشرط فيها ظاهر؛ يعني نقول: أي إنسان يريد العزة فلله العزة جميعًا ﴿مَنْ كَانَ﴾ لكنها عامة؛ لأن أسماء الاستفهام وأسماء الشرط والأسماء الموصولة كلها تفيد العموم؛ يعني: أي أحد يريد العزة أو يطلبها ويحرص عليها، والعزة هي الغلبة والمنعة وقهر الأعداء ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] أي: فليطلبها منه ما دامت العزة له ملكًا وتصرفًا، فإنها لا تُطلب إلا منه، كما لو قلت: من كان يريد المال فالمال عند زيد. المعنى: فليأتِ بالمال من زيد، هنا ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ فليطلب العزة من الله لا من غيره، وهذا يُراد به الرد (...)، يعبدون الأصنام لأجل أن يتخذوا منها العزة، ففي هذه الآية إشارة إلى أنه لا عزة لهذه الأصنام ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم٨١ ].
الجواب: ﴿كلا﴾ لن يكونوا لهم عزًا، بل بالعكس سيذلونهم في موقع هم أحوج ما يكون إلى العزة ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨٢]، فأين العزة في هذه الأصنام أو في هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله؟!
ورد في العزة -في آيات كثيرة من القرآن وردت- في آية أخرى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، ولا منافاة بينها وبين هذه الآية، فإن العزة لله أصلًا، ولرسوله من الله، وللمؤمنين من الله، فحينئذ فالعزة كلها لله كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦]، فكل من عنده عزة فإنها ليست عزةً ذاتيةً له من باب نفسه، ولكنها من الله عز وجل، وبماذا تكون العزة التي يكتسبها الإنسان وهي من الله؟ تكون بما علق الله العزة عليه وهي الإيمان ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فمتى أراد الإنسان العزة فليكن مؤمنًا، وكلما كان أكثر إيمانًا بالله وأقوى إيمانًا بالله كان أكثر عزةً وأقوى عزة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «إننا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمَتى أردْنَا العزة بسِوَاه أذلنا الله»[[أخرجه الحاكم (٢٠٨).]].
وصدق رضي الله عنه، العرب لما كانوا عربًا ليس عندهم إسلام ماذا كانوا؟ كانوا أذلة فقراء، يذهبون إلى اليمن في الشتاء ليأتوا بالسلع منه، ويذهبون إلى الشام في الصيف ليأتوا بالسلع منه، فهم فقراء يأكلون من غيرهم، ولكن لما آمنوا صاروا هم الأغنياء، وصارت كنوز كسرى وقيصر تأتي إلى المدينة لتنفق عليهم من المدينة.
إذن نحن مهما أردنا العزة لن نستعز إلا بالإسلام، لن يكون أعداء الله سببًا لعزنا أبدًا، بل إن تولينا إياهم وموالاتنا لهم سبب للذل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران ١١٨].
وإذا تتبعت الواقع وجدته شاهدًا لقول الله تعالى هذا، وأن أعداء المسلمين لا يمكن أبدًا أن يسعوا في إعزاز المسلمين، بل يسعون بكل جهدهم إلى إذلال المؤمنين وخذلان المؤمنين، لكنهم يمكرون ويخادعون ويسخرون ويستهزئون لينالوا مآربهم ويضربوا الناس بعضهم ببعض، فالحاصل أنه إذا كانت العزة لله فمن أين نطلبها؟ من الله لا من غيره ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]، ﴿جَمِيعًا﴾ هذه حال من العزة التي هي المبتدأ المؤخر، وفي قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ فيها حصر العزة لله عز وجل وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إن قلت: تقديم الجار والمجرور غلط، تقديم المعمول غلط، تقديم اللام غلط، تقديم الخبر صح.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قد يكون الجار والمجرور غير خبر، ما هذا المقصود، ما مقصود، أنا ما أعرف إلا لفظكم إنما أقضي بنحو ما أسمع، لو قلت: تقديم الخبر انتهى الإشكال، سواء كان جارًا ومجرورًا أو غير جار ومجرور، إذن تقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن لدينا قاعدة مرت علينا وهي: تقديم ما حقه التأخير، وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يُراد به الأنواع؛ يعني: عموم الأنواع، وعموم الأزمان، وعموم الأمكنة.
عموم الأنواع: التي هي عزة القدر والقهر والامتناع، الأزمان: الدنيا والآخرة، المكان: في مشارق الأرض ومغاربها ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
قال المؤلف: (أي في الدنيا والآخرة) قال: (فلا تُنال منه) أي: فلا تُنال العزة من الله (إلا بطاعته، فليطعه) فيه عندكم (فليطعه) ولّا (فلنطعه) بالنون؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، فليطعه؛ أي: من كان يريد العزة؛ لأنه قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ [فاطر ١٠]، أفادنا المؤلف أن جواب الشرط محذوف، وهو قوله: (فليطعه)، ولكن الصواب أن التقدير: فليطلبها من الله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] فليطلبها منه، ويشمل الطلب بلسان الحال وبلسان المقال.
أما على رأي المؤلف..
أما على رأي المؤلف فإنَّه يختصُّ الطلب بلسان الحال فقط، فالصوابُ إذن أنَّ جوابَ الشَّرط محذوفٌ تقديره: فليطلبها منه؛ ليشمل ذلك طلب الحال وطلب المقال؛ فطلبُ المقال أن تقول: اللهم أعِزَّني، اللهم اجعلْ لي العزَّة على كذا مثلًا، على عدُوِّي، وطلب الحال أن تقومَ بطاعة الله، بل بطاعةِ الله مع تحقيق الإيمان؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨].
طيب، ذُكرت العزَّة قلت في مواضع كثيرة من القرآن تحفظون مواضع غير ما ذكرنا؟ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨].
* طالب: (...).
* الشيخ: في آخر الآية، ذكرناها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة ٥٤] طيب، والله أعلم.
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر ١٠] ﴿إِلَيْهِ﴾ جارٌّ ومجرور مقدَّم على عامله وهو: ﴿يَصْعَدُ﴾، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى الله عز وجل. لما ذكر أن العزة لله جميعًا بين سبحانه وتعالى ما يكون من أسباب العزة فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قوله: ﴿يَصْعَدُ﴾ أي: يرتفع ويعرج، ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يقول المؤلف: (يعلمه) ففسَّر صعود الكلم الطيب بعلم الله إياه، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل المراد بالآية ما هو ظاهرها أن الكلم الطيب يصعد إلى الله يعني يعرج إلى الله عز وجل، لكن المؤلف -غفر الله لنا وله- أراد أن يبعد عن إثبات العلو الذاتي فقال: (يعلمه)، ولو كان المراد العلم ما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾؛ لأن العلم لا يلزم منه الصعود، بل قد يكون العالم بالشيء أنزل من الشيء، أليس كذلك؟ كما لو كنت في أسفل البئر وأنت تعلم ما فوق، على كل حال، هذه هفوة من المؤلف، نسأل الله أن يعفو عنه.
ونقول: إلى الله يصعد، أي: يرتَفِعُ الكلم الطيب؛ لأن الله عز وجل في العلو، وأدلة العلو قد بُيِّنت في العقائد، وأنها خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كلها مُتَّفِقَة على علو الله سبحانه وتعالى بذاته؛ وقد مر علينا في كتاب الإقناع أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: من زعم أن الله معنا ذاته في المكان فهو كافر.
يقول هنا: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ كلم اسم جمع كلمة، فهو دالٌ على الجمع، وما المراد بالكلم الطيب؟ الكلم الطيب هو كل كَلِمٍ يُقرِّب إلى الله عز وجل، كل كلم يقرب إلى الله فهو كلم طيب، فـ(لا إله إلا الله) من الكلم الطيب، و(سبحان الله)، و(الحمد لله)، و(الله أكبر) كلُّها من الكلم الطيب، والقرآن من الكلم الطيب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكلم الطيب، وقراءة العلم من الكلم الطيب، وكل قول يُقرِّب إلى الله فهو من الكلم الطيب.
والكلم الطيب يقابله نوعان من الكلام: كَلِمٌ رديء خبيث، وكلم لا هذا ولا هذا، لا يوصف بأنه طيب، ولا يوصف بأنه خبيث.
أما الكلم الخبيث فككلمة الكفر والسبِّ والشتم واللعن لمن لا يحل سبه ولا شتمه ولا لعنه.
وأما الكلم الذي لا هذا ولا هذا، فهو أكثر كلام الناس، والصنفان جميعًا لا يُرفَعان إلى الله؛ أما الأول: فلأنه خبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأما الثاني: فلأنه لم يُقصَد به الله عز وجل حتى يُرْفع إلى الله، وهذا الثاني -أعني الذي ليس هذا ولا هذا- قد يكون طيبًا لا لذاته، ولكن لغيره لما يوصل إليه من المقاصد الحسنة؛ فإن الإنسان قد يتحدث إلى شخص كلامًا ليس هو خيرًا في نفسه، لكن يقصد به التأليف لهذا الرجل، وإدخال الأنس عليه والسرور، فيكون هذا الكلامُ الذي هو لغو في نفسه يكون محمودًا لما قُصِدَ به، كما أنَّ هذا الكلام الذي هو لَغْوٌ في نفسِه إذا قُصد به الإساءة إلى مَن لا تحل الإساءة إليه صار كلاماً خبيثًا لغَيْرِه ولَّا لذاته؟ لغيره؛ أي: لما قُصِد به.
وعلى كلٍّ: فالكَلِمُ الطَّيِّبُ لذاته أو لغيرِه يصعَدُ إلى الله عز وجل، فإن قلتَ: كيف يصعد الكلم الطيب، والكلم ليس جِرمًا؟ الكلم ليس جرمًا، بل أصوات تُسمَعُ بحركات معينة في الفم واللسان والشفة؟
فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل المعقول شيئًا محسوسًا كما ثبت في الحديث الصحيح «أنَّ الموتَ يُؤْتَى بِه عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ أَبْيَضَ فيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُقالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ، ولِأهْلِ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
قال: وقوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ إنما جَمَعَه؛ لكثرةِ أنواعِه، وكثرةُ الأنواعِ تدل على كثرة الأفراد من باب أولى، الأنواع كثيرة، والأفراد في كل نوع كذلك كثيرة؛ فلهذا جمع.
(﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر ١٠] يقبله) أفادنا المؤلف بقوله: (يقبله) أن الفاعل في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعود إلى الله، ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعني الله، وأن الهاء في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ تعود إلى العمل الصالح، يعني: والعمل الصالح يقبلُه الله، فكون الضمير يعود على الله ضمير الفاعل، وضمير المفعول يعود إلى العمل هذا لا نناقش المؤلف فيه؛ لأنه محتمل، لكننا نناقشه في تفسيره الرفعَ في القَبول، وكل هذا فرارًا من إثبات العلو الذاتي، غفر الله له.
بل نقول: معنى ﴿يَرْفَعُهُ﴾ أي: يرفع هذه العمل، من الرفع الذي هو ضد النزول، يرفعه إليه سبحانه وتعالى؛ لأنه فوق، وهذا التفسير في مَرْجِع الضمائر الذي ذكره المؤلف هو أحد التفاسير المذكورة في هذه الآية.
التفسير الثاني: والعمل الصالح يرفعُه الكَلِمُ الطيب، فجعل ضمير الفاعل يعود على ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وجعل الهاء تعود على العمل الصالح، فيكون العمل الصالح مرفوعًا بالكلم الطيب، واحتج هؤلاء بأن العمل الصالح لا يُقبَلُ إلا بالإسلام، وهو الكلم الطيب الذي هو (لا إله إلا الله)؛ فإن الإنسان لو عمل من العمل الصالح الشيء الكثير، ولكنه غير مسلم لا يرتفع هذا العمل، فلا يرفع العمل الصالح إلا الكَلِمُ الطيبُ.
والقول الثالث بالعكس يقول: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون الفاعل في (يرفع): العمل الصالح، والمفعول: (الكلم الطيب) عكسُ الذي قبله؛ ما وجه ذلك؟
يقول: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ لأن الكلم الطيب بدون عمل لا ينفع صاحبه، فلا بُدَّ في الكَلِم الطيِّب من عملٍ صالح يرفَعُ ذلك القول الطيب.
والأقربُ -والله أعلم- أن ما ذهب إليه المؤلف هو الصواب؛ أي: أن الله يرفعُ العملَ الصالح، كما أنَّ الكلم الطيِّبَ يصعد إلى الله، فإذا صَعِدَ الكَلِمُ الطَّيِّب إلى الله امتنَّ اللهُ على هذا المتكلِّم بأنْ رَفَعَ العمل الصالح الذي يعمله، إلا أننا لا نوافق المؤلف في تفسير الرفع بالقبول، نوافقه على مَرْجِع الضمائر، لكن لا نوافقه على تفسير الرفع بالقبول، وحينئذ نقول: والعمل الصالح يرفعه مَنْ؟ يرفعه الله عز وجل، العملُ الصالح يرفعه الله، فيكونُ الله عز وجل في هذه الآية ذكر القول والعمل، فذكر أن القول يصعد وأن العمل يُرْفَع؛ لأنه أَيْ رفع العمل كالجزاء على الكلم الطيب، فإذا تكلَّم الإنسان بالكلمة الطيبة وصعدت إلى الله عز وجل قبلها، ثم رفع العمل الصالح؛ ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
ويقول: (﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ المَكَرَاتِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنَّبِيِّ) إلى آخره، الواو للاستئناف ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبر المبتدأ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فيه نوع من الإشكال؛ لأن السيئاتِ لا تُمْكَر، وإنما يُمْكَر بها، يعني: يمكر بسبب السيئات، فلماذا تعدَّى الفعل إليها؟ أفادنا المؤلف أن ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ صفة لمصدر محذوف، التقدير: المَكَراتِ السيئات، فيكون الوصف هنا للفعل لا لما حصل به المكر؛ لأن فعلهم نفسه مكر سيِّئ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣]، تكون هنا ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: المكرات، وسمَّى الله عز وجل السيئاتِ مكرًا؛ لأن الإنسان في الواقع يخدَع نفسَه بها، ويخدع غيره بها، فيُمَنِّي نفسَه التوبةَ، وأنه سيتوب أو يُمَنِّي نفسه سعة حلم الله ومغفرته، وأن الله واسع الحلم والمغفرة والرحمة فلن يؤاخذه بهذه العقوبة، فتمني الإنسان في هذا الباب من وجهين:
الوجه الأول: أنه يُمَنِّي نفسَه التوبة، وما يدريه فلعله لا يتمكن منها، لعلَّ سيئاته تحيط به، ثم لا يتمكن من التوبة، أو لعله يفجَؤُه الموت، ثم لا يتمكَّن من التوبة.
والنوع الثاني من المكر بالنفس في فعل السيئات: أنه يتمنَّى على الله الأماني؛ فيقول: إن الله غفور رحيم، والله واسع الرحمة وسوف يعفو عني، كما يوجد من كثير من الناس عندما تنهاه عن معصية، ويش يقول لك؟ يقول: الله غفور رحيم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ٤٨] بعضهم يحتجُّ بالآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ويقول: أنا لم أشركْ، وما دون الشرك فإن الله تعالى يغفِرُه، وجوابُنا على هذا يسير جدًّا؛ وهو أن نقول له: أثبتْ أنَّك ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأن الله عز وجل ما قال: ويغفر ما دون ذلك وسكت، بل قيَّده ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت أثبت أنك ممن شاء الله أن يغفر له، وحينئذ يكون لك حجة، أما أن تفعلَ المعصيةَ التي هي سببُ العقوبةِ، ثم تتمنى على الله أمرًا لم يعدك الله به، بل قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فهذا لا شك أنه ضلالٌ منك.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ هي ما يسوء الإنسانَ فعلُه، هذه السيئات؛ مثل أيش؟ شرب الخمر، السرقة، الزنا، الربا، وما أشبه ذلك، فإن قلتَ: هذا لا يسوءُ الإنسانَ فعلُه.
فجوابنا على هذا أن نقول: إن أردْتَ أنَّه لا يسوء الإنسانَ فعلُه أبدًا، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه يوم القيامة سوف يندم، وسوف يسوء الإنسان فعلُه في ذلك اليوم، أما في الدنيا فإنَّه يسوء الإنسانَ فعلُه، كيف ذلك؟ لأن للذنوبِ آثارًا على القلوب؛ فإن المعاصي تكون نُكْتَةً سوداء في القلب، فإن تاب الإنسان انصقل قلبُه وعاد إلى بياضِه، وإلَّا توسَّعت هذه النكتة السوداءُ فأصبح القلبُ مُظلِمًا، والعياذ بالله، بل يُخْتَمُ عليه حتى لا يَصِلَ إليه الخيرُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، بل للذنوب آثارٌ عظيمة على القلب توجب أن يكون منقبِضًا، وإذا تلذَّذ بعض الشيء في هذه المعصية فإنه يعقب ذلك حَسْرَةٌ عظيمة في القلب وضيق، واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٢] يتبينْ لك أن المعصية تسوء فاعلَها، وإن كان قد لا يشعُر بها؛ لأنه قد ران على قلبه ما كان يعمل.
إذن ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ سيئات بكل حال، تسوء صاحبها في الدنيا، ولكن قد لا يظهر، وقد لا يتبين له، وفي الآخرة يظهر له ويتبين، ويتمنى أن يعود إلى الدنيا ليعملَ صالحًا.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ المكرات ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنبي في دار الندوة من تَقْيِيدِه، أو قَتْلِه، أو إخراجِه كما ذُكِرَ في الأنفالِ) هذا في الحقيقة إن أراد المؤلف أنَّه المراد بالآية دون غيرِه فقصورٌ، وإن أراد بذلك التمثيلَ فصحيحٌ، فإنه لا شكَّ أن هؤلاء مَكَروا بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، معنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: يُقَيِّدوكَ، ويحبِسوك، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ واضح، ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، ولكن الله عز وجل قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فهم -والحمد لله- ما أثْبَتوه، ولا قتلوه، ولا أخرجوه، كل هذه انتفت، مع حرصهم الشديد على تنفيذها ما حصل منها شيءٌ.
قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الجملة هذه جملة خبرية، وهي في محل رفع خبر أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) الأول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ العذاب بمعنى العقوبة، والشديد أي: القوي؛ قوِيٌّ في إيلامه وإيجاعه، وفي أنواعه المتنوعة من حَرورٍ، وبرد، وعطش، وجوع، وغير ذلك من شِدَّتِه، لهم والعياذ بالله سرابيل من قطران، كلما نضجت جلودهم قال الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء ٩٧]، وانظر إلى ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ﴾ يتبينْ لك أنَّ الزيادة تأتي فورًا، والله عز وجل قادرٌ على أن تبقى بزيادتها، لكنها تخبو ليكون في قلوبهم شيء من الطمع في خِفَّةِ العذاب أو الخروج، ثم يعود، فيكون هذا أشد؛ لأن ضرب الإنسان بعقوبة بعد الطمع في زوالها يكون أشدَّ عليه مما لو كان الأمر مستمرًّا.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذا مُفَصَّل في الكتاب والسنة، فمن تتبَّعه من القرآن يكون جيدًا.
قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿مَكْرُ﴾ مبتدأ، أين خبره؟ جملة ﴿هُوَ يَبُورُ﴾، و﴿هُوَ﴾ لا تصح هنا أن تكون ضمير فصل؛ لأن القاعدة أن ضمير الفصل يكون بين اسمين، لا بين اسم وفعل، لكنها مبتدأ خبرها جملة ﴿يَبُورُ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر ﴿مَكْرُ﴾، وأتى بهذا التركيب من باب تعظيم هذا الشيء وتهويله، وقوله: ﴿مَكْرُ أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: مكر هؤلاء؛ إما استبعادًا لهم؛ لأنهم ليسوا أهلًا لأنْ يُقَرَّبوا، أو لأنهم هم جعلوا أنفسهم في محل العالين الذين يُشار إليهم من بُعدٍ، فبيَّن أن هؤلاء الذي تعالَوْا بمكرِهم وإن كانوا في القمة على حسب زعمهم فإن هذا المكر يبورُ، والبَوار بمعنى الهلاك؛ كما قال الله تعالى ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم ٢٨، ٢٩] فهؤلاء مكرُهم يبور، أي: يتلاشى ويضمحل، ولا يفيدهم شيئًا.
* في هذه الآية مِن الفوائد: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه الرياح اللطيفة التي تحمل أو تثير هذا السحاب الثقيل؛ قال الله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد ١٢].
* ومن فوائدِها أيضًا: إثبات الأسباب، وأن المسبَّبات مربوطة بأسبابها؛ لقوله: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ﴾، فإن الفاء هنا للسببية.
* ومنها: مِن فوائدها: أنه ينبغي في الأمور الهامة أن يُصاغَ الماضي بصيغةِ الحاضر استحضارًا له في الذهن؛ لقوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر ٩]؛ فإن تصويغ الماضي بصيغة الحاضر لا شك أنه يَشُدُّ الإنسان إلى تصوره أكثر من الشيء الماضي.
* ومِن فوائدِها: أن هذا السحاب يجري بأمر الله؛ لقوله: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ﴾.
* ومنها: (...) أن هذا السحاب له شعور، يعني: معناه يعرف ويدري، يمكن أن تُؤخذ من قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...)، من قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ كما تساق البعير، وعلى هذا جاء الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي سمع مناديًا من السحاب يقول: أسقِ حديقةَ فلان[[أخرجه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]، فإن توجيه الأمر إليه يدل على أنه ذو شعور، ولا شك أن جميع الكائنات بالنسبة لأمر الله عز وجل أنها ذات شعور؛ قال الله تعالى في الأرض والسماء: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١].
* ومن فوائدها: بيانُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى لإحياء الأرض بعد موتها؛ لقوله: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
* ومنها: صحة وصف الأرض بالحياة والموت مع أنها ليست من الحيوان؛ لقوله: ﴿بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾.
* ومنها: الرد على أهل الكلام الذين يقولون: إنه لا يُوصَف بالحياة والموت شيءٌ من الجمادات؛ لأنه هنا أثبت الحياة والموت للأرض، وهما جمادات، وقال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢١].
* ومِن فوائدها: بيانُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى في إحياء الأرض بعد موتها؛ فإن هذه الأرضَ التي كانت يابسةً هامدةً تعود فتهتزُّ خضرة وازدهارًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فأضاف الإحياء إلى نفسه.
* ومنها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فإن الباء هنا للسببية.
* ومنها: جواز إضافة الشيء إلى سببه المعلوم؛ لقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، وإضافة الشيء إلى سببه المعلوم أمر واقع في القرآن، وفي السنة، بمعنى: أنه لا يُشْتَرط أنْ تَقْرِن معه الله عز وجل، فإذا أضفت الشيء إلى سببه المعلوم وإن لم تقرن الله به فلا بأس، لكن المُحَرَّم أن يضاف إلى سببٍ غير معلوم لا شرعًا ولا حسًّا، أو أن يضاف إلى سبب معلوم مقرونًا مع الله بحرف يقتضي التسوية؛ فمثلًا إضافة الشفاء إلى التمائم، والحِلَق، والخيوط، وما أشبهها، هذا لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا السبب غير معلومٍ فلا يصح، وإضافة تليين البطن إلى العقار الذي تناولته حتى ليَّن بطنك صحيح، ولَّا لا؟ صحيح؛ لأنه سبب معلوم بالحِسِّ، وإضافة الشفاء إلى قراءة الفاتحة جائز؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: لأنه سبب معلوم بالحِسِّ وبالشرع «وَمَا يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، فالمحذور إذن أن يُضاف الشيءُ إلى غيرِ سبب شرعيٍّ أو حسِّيٍّ، أو أن يضاف إلى سبب شرعي أو حسي مقرونًا مع الله بحرف يقتضي التسوية؛ مثل: لولا الله وكذا. فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا من الشرك حيث قرن الله مع غيره بالواو التي تقتضي أيش؟ التسوية، ولكن قل: لولا الله، ثم كذا.
* ومِن فوائدِ الآية الكريمة: إثبات صحة القياس؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾، وإثباتُ القياس كثيرٌ في القرآن؛ فكلُّ مَثَلٍ ضربه الله فهو دليل على القياس، كل مثل سواء للدنيا، ولا للإنسان، ولا للأوثان، ولا لأي شيء، فإنه دليل على ثبوت القياس وصحته، نعم لأن المقصود بالمثل قياس المضروب بالمضروب فيه، وهذا هو القياس.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنَّ إحياءَ الموتى كإحياء الأرض بعد موتها، أي: أنه ينزل مطر، كما جاء في الآثار ينزل مطر على الأرض كمني الرجال يبقى أربعين يومًا تنبُت منه الأجسام، ثم بعد ذلك ينفخ في الصور، فتعود الأرواح إلى أجسامها.
ثم قال عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ إلى آخره.
* في هذا: الحث على طلب العزة من الله عز وجل؛ لأنه ليس المعنى أنَّ مَنْ أراد العِزَّة فليطلب من الله، يعني (...) فقط، تجد كل أحد يُريد العزَّة، لكن إذا أردت العزة، فممن تطلبها؟ من الله؛ ففيه إثبات أن العزة تُطلَب من الله عز وجل.
* ومن فوائدِها: أنه لا عزة بدون الله، وذلك بالقيام بطاعة الله، والاستعانة به، والاعتماد عليه، فإذا اعتزَّ الإنسان بكَثْرَتِه، فإنه يُهْزَم؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة ٢٥]، ولو اعتز الإنسان بقوته المادية كقوة السلاح مثلًا فإنَّه يُهزَم، وإذا استعان بالله فإنه لا يُهْزَم، اللهم إلا لحكمةٍ تكون مقترنةً بتلك القضية المعينة فقد يكون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العِزَّة لله سبحانه وتعالى؛ لقولِه: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ العزَّةَ لها كلٌّ وبعض، من أين تُؤخَذ؟
* طالب: ﴿جَمِيعًا﴾.
* الشيخ: ﴿جَمِيعًا﴾ يعني: يدل على أن هناك كُلًّا وبعضًا؛ وذلك أن العلماء قسَّموا العزة التي اتَّصَفَ الله بها إلى ثلاثة أقسام: عزة الامتناع، وعزة القَدْر، وعزة القهر.
* ومِن فوائِد الآية الكريمة: إثباتُ عُلُوِّ الله، مِن أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾؛ لأن الصعود هو العلو.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكَلِمَ غيرَ الطيب لا يصعد إلى الله؛ لقوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ويؤيد هذا قولُ النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]].
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى انقسام الكلام؛ لقوله: ﴿الطَّيِّبُ﴾ فإنَّ هذا الوصف إفراد لما سواه، وقد ذكرنا أن الذي يقابل الكَلِمَ الطيب نوعان من الكلام: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ أما الخبيثُ فمردود بكل حال؛ لأنه خبيث لذاته، وأما ما ليس بطيب ولا خبيث، فقلنا: إنَّ هذا القِسْمَ من الكلام قد يكون طيِّبًا لغيره، وخبيثًا لغيره، وسالمًا من الوصفين.
إذا كان طيبًا لغيرِه يصعد إلى الله ولَّا ما يصعد؟ يصعد؛ لعموم قولِه: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا يَرْفَعُ من الأعمال إلَّا ما كان صالحًا؛ لقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، والعملُ الصالح ما اشتمل على وَصفَينِ، وهما؟
* طالب: الإخلاص والمتابعة.
* الشيخ: الإخلاص لمن؟
* الطالب: لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لشَرْعِه.
* الشيخ: والمتابعة لشرعه؛ الإخلاص لله، والمتابعة لشرعه، فإن فُقِدَ الإخلاص فليس بعملٍ صالح؛ لأنه شرك، وإن فُقِدَت المتابعة فليس بعملٍ صالح؛ لأنَّه بدعة.
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٠].
* فيها فوائد:
* أوَّلًا: أن الأعمال السيئة مَكْرٌ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هذا إذا أخذناها على سبيل العموم، أما إذا قلنا: إن السيئات عامٌّ أُريدَ به الخاص كالمكر الذي حصل من قريشٍ للرَّسول عليه الصلاة والسلام فإنه يكون خاصًّا، لكن الأصل في الكلام العامِّ أن يكون مرادًا به العموم، وأن يكون باقيًا على عمومه حتى يَرِدَ دليلٌ على أنه أُريدَ به الخصوص، أو على أنه مخصص.
* مِن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على أولئك الذي يمكرون السيئات؛ لقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ١٠].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن مَكَر هؤلاء هالِكٌ زائل، لا فائدة فيه؛ لقوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر ١٠]، حتى أعمالهم لا تنفعُهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣].
هذه هي الفوائد الظاهرة من هذه الآيات الكريمة، وربما عند التأمل يجد الإنسان أكثر؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى لا يحاط به، ولكن الناس يختلفون في الفهم.
فاطر 35:10
ثم قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ [فاطر ٩] وفي قراءة: ﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ الله وحده هو الذي يرسل هذه الرياح دون غيره فلن يستطيع أحد أن يرسل شيئًا من هذه الرياح، حتى الخلق كلهم لو اجتمعوا على أن يرسلوا الريح ما استطاعوا، لو اجتمعوا على أن يهونوا عصفها ما استطاعوا، ولكن ذلك بيد الله عز وجل، فالله وحده الذي يرسل الرياح.
وتأمل قوله: ﴿أَرْسَلَ﴾، حيث جعلها رسولًا، كأنها تبلغ أو كأنها تفعل ما أُمرت به، كما أن الرسول يبلغ ما أرسل به فهي مرسلة، ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام النهي عن سب الريح؛ لأن سب الريح حقيقةً يعود إلى الله عز وجل، فإنه هو الذي أرسلها فهي مدبرة مسخرة.
وقوله: ﴿الرِّيَاحَ﴾ وفي قراءة: ﴿﴿الرِّيحَ﴾ ﴾، والقراءة هنا سبعية، والفرق بينهما أن الرياح جمع، والريح مفرد، لكن هذا المفرد في معنى الجمع؛ لأنه محلى بـ(أل)، وهي للاستغراق، فيشمل كل الرياح، سواء أتت من الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، والله تعالى هو الذي أرسلها، واعلم أن الغالب أن الرياح مجموعةً تكون في الخير، والريح مفردة تكون في ضده، هذا الغالب.
ولهذا يُروى عن النبي عليه الصلاة والسلام في دعاء الريح: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا»[[أخرجه الشافعي كما في مسنده (٥٣٧)، وأبو يعلى (٢٤٥٦).]]، ولكن مع ذلك تأتي هذه محل هذه، ويكون هناك قرينة، ففي قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] هذه في الشر، ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذه للخير؛ لأنها وُصفت، ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف ٥٧] هذه في الخير، وهنا تكون في الخير أيضًا ﴿يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم ٤٨] (تثير) عطف المضارع على الماضي، وكان مقتضى النسق أن يعطف على الماضي ماضيًا مثله فيقول: والله الذي أرسل الرياح فأثارت، لكن لماذا عدل عن الماضي للمضارع؟
بينه المؤلف، قال رحمه الله: (المضارع لحكاية الحال الماضية) يعني عبر بالمضارع عن الماضي حكايةً للحال حين إرسالها؛ لأنه أبلغ في التصور كأنها الآن أمامك تثير هذه السحاب، وهذا أبلغ في تصور الإنسان؛ لأنه يستحضر الحال الماضية كأنها الآن، إذ أن المضارع -كما نعرف جميعًا- يصلح للحال وللاستقبال، ولكنه قد يقترن به ما يعينه للحال، ويقترن به ما يعينه للاستقبال، ويقترن به ما يعينه للماضي، إنما الأصل فيه أنه للحاضر والمستقبل، ولا يكون الماضي إلا بقرينة، فعليه نقول: عدل عن التعبير بالماضي هنا؛ لحكاية الحال الماضية، حتى كأنك تشاهدها الآن وهي تثير هذا السحاب.
وقال المؤلف في معنى (تثير): أي تزعج، وهذا معنًى قد يناقش فيه؛ لأن الإزعاج أخص من الإثارة، وإنما الإثارة بمعنى الإنهاض؛ إنهاض الشيء، كما يُقال: أثرت البعير؛ أي أنهضته حتى صار قائمًا بعد أن كان باركًا.
وقوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ كأن هذا السحاب -في الأصل- في الأرض، ثم أثارته هذه الرياح، ومعلوم أن السحاب يكون من بخار البحر، ويكون أحيانًا من الجو المتلبد بالرطوبة حسب ما تقتضيه حكمة الله عز وجل، وهذا أمر يرجع إلى معرفة العلوم الطبيعية.
وقوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ السحاب هو هذا الغيم المعروف (...) ينسحب في الجو كما تشاهدونه، فلذلك سُمي سحابًا؛ لانسحابه في الجو، ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾.
(﴿فَسُقْنَاهُ﴾ فيه التفات عن الغيبة) إلى التكلم، وفيه أيضًا التفات من المضارع إلى الماضي، انتبه، ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ﴾ [فاطر ٩] عدل عن المضارع إلى الماضي؛ لاختلاف الفاعل في الفعلين؛ لأن (تثير) الفاعل فيها (الرياح)، و(سقناه) الفاعل فيها (الله)، إذن يحسن أن تكون بلفظ الماضي عطفًا على قوله: ﴿أَرْسَلَ﴾؛ لأن المرسل هو الله، فلما اتحد الفاعل في الفعلين ﴿أَرْسَلَ﴾ و(سقنا) كان الأفصح أن يكونا جميعًا بلفظ الماضي، لكن فيه عدول عن الغيبة في قوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ [فاطر ٩] إلى التكلم في قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ لماذا؟ مر علينا أن الالتفات له فائدة دائمة وهي؟
* طالب: التنبيه.
* الشيخ: التنبيه؟ كيف التنبيه؟ لأن سياق الكلام على نسق واحد يقتضي أن الذهن ينساب معه ولا يتوقف، لكن إذا اختلف السياق كأنه يقف الذهن لينظر ما الذي حدث وحينئذ يكون في تغييره تنبيه للمخاطب، نعم، فهذا واحد.
لكن هنا أيضًا فيه فائدة ثانية، وهي بيان قدرة الله عز وجل ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ أي: نحن، فأضافه إلى نفسه؛ لأنه أدل على القدرة، فإذا اجتمع ﴿اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ﴾ ثم هو سبحانه وتعالى ساقه هذا السحاب الذي أثارته الريح فهو أدل على القدرة مما لو جاء على نسق واحد ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر ٩] بالتشديد والتخفيف.
الفائدة الثانية بيان تمام القدرة؛ لأنه إذا كان بالأول للغائب ثم جاء للمتكلم صار هذا أدل على القدرة وأعظم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا من حيث الالتفات، من الأصل.
يقول: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ فيها قراءتان: ﴿مَيِّتٍ﴾ و﴿﴿مَيْتٍ﴾ ﴾، وقد قيل: إن الْمَيْتَ لمن مات بالفعل، والْمَيِّت لمن سيموت، وجعلوا على ذلك شاهدًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر ٣٠] أي: ستموت، وقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام ١٢٢] فـ﴿مَيْتًا﴾ هنا لمن قد مات، هكذا فَرَّق بعضهم، والظاهر أن اللغة العربية تأتي بالوجهين على المعنيين، ومنها هذه الآية ﴿مَيْتًا﴾ سيموت، ولا قد مات بالفعل؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؟
* الطلبة: قد مات.
* الشيخ: قد مات، ومع هذا جاءت بالتشديد.
(﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بالتشديد والتخفيف لا نبات بها) هذا هو موت البلد، والمراد بالبلد هنا ليس المسكون من الأرض، بل ما هو أعم، فيشمل المسكون وغير المسكون، وتخصيص البلد بالمسكون تخصيص عرفي، وإلا فإن كل الأرض بلد؛ لانبلادها وتسطحها، ولهذا يقول: ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [فاطر ٩]، ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ سقناه ﴿فَأَحْيَيْنَا﴾ هنا الأفعال والضمائر على نسق واحد، وقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، يقول: (من البلد)، ويش معنى (من البلد)؟ يعني أرض البلد هذه التي كانت ميتة أحياها الله عز وجل بماذا أحياها؟ أحياها بالنبات.
ولهذا قال المؤلف: (﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها، أي: أنبتنا به الزرع والكلأ)، وهذا أمر مُشاهد تأتي الأرض يابسة هامدة، عيدان تتكسر، فينزل الله المطر عليها، ثم تهتز خضراء فيها من كل زوج بهيج، من الذي أحياها؟ الله عز وجل، لا يستطيع الخلق أن يحيوها أبدًا مهما كان، حتى الكلأ الذي ينبت بالمطر لا ينبته الماء الجاري كما هو مشاهد، يعني لو تسقي هذه الأرض مهما سقيتها بالماء الجاري فإن الكلأ الذي ينبت من المطر لا ينبت بهذا الماء، إذن فالله عز وجل هو الذي أحيا هذه الأرض بعد موتها؛ أي: بعد أن كانت يابسة هامدة ليس فيها نبات، أحياها الله سبحانه وتعالى بقدرته.
قال: (﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: البعث والإحياء) ﴿كَذَلِكَ﴾ (الكاف) هنا اسم بمعنى مثل، وهي خبر مقدم، و﴿النُّشُورُ﴾ مبتدأ مؤخر؛ أي: النشور مثل ذلك، ويجوز أن تقول: ﴿كَذَلِكَ﴾ (الكاف) حرف جر، ليست بمعنى مثل؛ يعني ليست على (...)، وتجعلها جارًّا ومجرورًا خبرًا مقدمًا، والنشور مبتدأ مؤخر، والتقدير: النشور كائن كذلك، والنشور هو نشر الأموات على وجه الأرض وإحيائهم بعد أن كانوا أمواتًا.
والتشبيه هنا هل هو تشبيه للسبب والنتيجة أو للنتيجة فقط؟ أي: هل المعنى أن النشور الذي يكون للأموات يكون بواسطة ماء ينزله الله عز وجل فتنبت هذه الأجسام ثم تحيا، أو أن التشبيه للنتيجة فقط؛ أي: إن إحياء الموتى كإحياء الأرض بقطع النظر عن السبب الأول؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام «أن الله تعالى يرسل على الأرض مطرًا من تحت العرش مطرًا غليظًا حتى يصل إلى الأجسام فتنبت في القبور كما تنبت الحبة في الأرض، فإذا تكاملت الأجسام نفخ في الصور فخرجت الأرواح إلى أجسامها»، وعلى هذا فيكون التشبيه هنا عائدًا إلى السبب والنتيجة أيضًا، هذا هو المشهور عند أهل العلم، يقول: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ [فاطر ١٠] ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام أو شرطية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هو بعد (...)، يأتي بعد ﴿مَنْ﴾ استفهام، لكن الجواب والشرط فيها ظاهر؛ يعني نقول: أي إنسان يريد العزة فلله العزة جميعًا ﴿مَنْ كَانَ﴾ لكنها عامة؛ لأن أسماء الاستفهام وأسماء الشرط والأسماء الموصولة كلها تفيد العموم؛ يعني: أي أحد يريد العزة أو يطلبها ويحرص عليها، والعزة هي الغلبة والمنعة وقهر الأعداء ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] أي: فليطلبها منه ما دامت العزة له ملكًا وتصرفًا، فإنها لا تُطلب إلا منه، كما لو قلت: من كان يريد المال فالمال عند زيد. المعنى: فليأتِ بالمال من زيد، هنا ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ فليطلب العزة من الله لا من غيره، وهذا يُراد به الرد (...)، يعبدون الأصنام لأجل أن يتخذوا منها العزة، ففي هذه الآية إشارة إلى أنه لا عزة لهذه الأصنام ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم٨١ ].
الجواب: ﴿كلا﴾ لن يكونوا لهم عزًا، بل بالعكس سيذلونهم في موقع هم أحوج ما يكون إلى العزة ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم ٨٢]، فأين العزة في هذه الأصنام أو في هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله؟!
ورد في العزة -في آيات كثيرة من القرآن وردت- في آية أخرى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، ولا منافاة بينها وبين هذه الآية، فإن العزة لله أصلًا، ولرسوله من الله، وللمؤمنين من الله، فحينئذ فالعزة كلها لله كما قال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٢٦]، فكل من عنده عزة فإنها ليست عزةً ذاتيةً له من باب نفسه، ولكنها من الله عز وجل، وبماذا تكون العزة التي يكتسبها الإنسان وهي من الله؟ تكون بما علق الله العزة عليه وهي الإيمان ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فمتى أراد الإنسان العزة فليكن مؤمنًا، وكلما كان أكثر إيمانًا بالله وأقوى إيمانًا بالله كان أكثر عزةً وأقوى عزة، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: «إننا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمَتى أردْنَا العزة بسِوَاه أذلنا الله»[[أخرجه الحاكم (٢٠٨).]].
وصدق رضي الله عنه، العرب لما كانوا عربًا ليس عندهم إسلام ماذا كانوا؟ كانوا أذلة فقراء، يذهبون إلى اليمن في الشتاء ليأتوا بالسلع منه، ويذهبون إلى الشام في الصيف ليأتوا بالسلع منه، فهم فقراء يأكلون من غيرهم، ولكن لما آمنوا صاروا هم الأغنياء، وصارت كنوز كسرى وقيصر تأتي إلى المدينة لتنفق عليهم من المدينة.
إذن نحن مهما أردنا العزة لن نستعز إلا بالإسلام، لن يكون أعداء الله سببًا لعزنا أبدًا، بل إن تولينا إياهم وموالاتنا لهم سبب للذل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران ١١٨].
وإذا تتبعت الواقع وجدته شاهدًا لقول الله تعالى هذا، وأن أعداء المسلمين لا يمكن أبدًا أن يسعوا في إعزاز المسلمين، بل يسعون بكل جهدهم إلى إذلال المؤمنين وخذلان المؤمنين، لكنهم يمكرون ويخادعون ويسخرون ويستهزئون لينالوا مآربهم ويضربوا الناس بعضهم ببعض، فالحاصل أنه إذا كانت العزة لله فمن أين نطلبها؟ من الله لا من غيره ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠]، ﴿جَمِيعًا﴾ هذه حال من العزة التي هي المبتدأ المؤخر، وفي قوله: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ فيها حصر العزة لله عز وجل وجهه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، إن قلت: تقديم الجار والمجرور غلط، تقديم المعمول غلط، تقديم اللام غلط، تقديم الخبر صح.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، قد يكون الجار والمجرور غير خبر، ما هذا المقصود، ما مقصود، أنا ما أعرف إلا لفظكم إنما أقضي بنحو ما أسمع، لو قلت: تقديم الخبر انتهى الإشكال، سواء كان جارًا ومجرورًا أو غير جار ومجرور، إذن تقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن لدينا قاعدة مرت علينا وهي: تقديم ما حقه التأخير، وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ يُراد به الأنواع؛ يعني: عموم الأنواع، وعموم الأزمان، وعموم الأمكنة.
عموم الأنواع: التي هي عزة القدر والقهر والامتناع، الأزمان: الدنيا والآخرة، المكان: في مشارق الأرض ومغاربها ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
قال المؤلف: (أي في الدنيا والآخرة) قال: (فلا تُنال منه) أي: فلا تُنال العزة من الله (إلا بطاعته، فليطعه) فيه عندكم (فليطعه) ولّا (فلنطعه) بالنون؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، فليطعه؛ أي: من كان يريد العزة؛ لأنه قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ [فاطر ١٠]، أفادنا المؤلف أن جواب الشرط محذوف، وهو قوله: (فليطعه)، ولكن الصواب أن التقدير: فليطلبها من الله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر ١٠] فليطلبها منه، ويشمل الطلب بلسان الحال وبلسان المقال.
أما على رأي المؤلف..
أما على رأي المؤلف فإنَّه يختصُّ الطلب بلسان الحال فقط، فالصوابُ إذن أنَّ جوابَ الشَّرط محذوفٌ تقديره: فليطلبها منه؛ ليشمل ذلك طلب الحال وطلب المقال؛ فطلبُ المقال أن تقول: اللهم أعِزَّني، اللهم اجعلْ لي العزَّة على كذا مثلًا، على عدُوِّي، وطلب الحال أن تقومَ بطاعة الله، بل بطاعةِ الله مع تحقيق الإيمان؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨].
طيب، ذُكرت العزَّة قلت في مواضع كثيرة من القرآن تحفظون مواضع غير ما ذكرنا؟ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨].
* طالب: (...).
* الشيخ: في آخر الآية، ذكرناها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: هذه ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة ٥٤] طيب، والله أعلم.
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر ١٠] ﴿إِلَيْهِ﴾ جارٌّ ومجرور مقدَّم على عامله وهو: ﴿يَصْعَدُ﴾، والضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ يعود إلى الله عز وجل. لما ذكر أن العزة لله جميعًا بين سبحانه وتعالى ما يكون من أسباب العزة فقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ قوله: ﴿يَصْعَدُ﴾ أي: يرتفع ويعرج، ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ يقول المؤلف: (يعلمه) ففسَّر صعود الكلم الطيب بعلم الله إياه، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه، بل المراد بالآية ما هو ظاهرها أن الكلم الطيب يصعد إلى الله يعني يعرج إلى الله عز وجل، لكن المؤلف -غفر الله لنا وله- أراد أن يبعد عن إثبات العلو الذاتي فقال: (يعلمه)، ولو كان المراد العلم ما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾؛ لأن العلم لا يلزم منه الصعود، بل قد يكون العالم بالشيء أنزل من الشيء، أليس كذلك؟ كما لو كنت في أسفل البئر وأنت تعلم ما فوق، على كل حال، هذه هفوة من المؤلف، نسأل الله أن يعفو عنه.
ونقول: إلى الله يصعد، أي: يرتَفِعُ الكلم الطيب؛ لأن الله عز وجل في العلو، وأدلة العلو قد بُيِّنت في العقائد، وأنها خمسة أنواع: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، كلها مُتَّفِقَة على علو الله سبحانه وتعالى بذاته؛ وقد مر علينا في كتاب الإقناع أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: من زعم أن الله معنا ذاته في المكان فهو كافر.
يقول هنا: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ كلم اسم جمع كلمة، فهو دالٌ على الجمع، وما المراد بالكلم الطيب؟ الكلم الطيب هو كل كَلِمٍ يُقرِّب إلى الله عز وجل، كل كلم يقرب إلى الله فهو كلم طيب، فـ(لا إله إلا الله) من الكلم الطيب، و(سبحان الله)، و(الحمد لله)، و(الله أكبر) كلُّها من الكلم الطيب، والقرآن من الكلم الطيب، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الكلم الطيب، وقراءة العلم من الكلم الطيب، وكل قول يُقرِّب إلى الله فهو من الكلم الطيب.
والكلم الطيب يقابله نوعان من الكلام: كَلِمٌ رديء خبيث، وكلم لا هذا ولا هذا، لا يوصف بأنه طيب، ولا يوصف بأنه خبيث.
أما الكلم الخبيث فككلمة الكفر والسبِّ والشتم واللعن لمن لا يحل سبه ولا شتمه ولا لعنه.
وأما الكلم الذي لا هذا ولا هذا، فهو أكثر كلام الناس، والصنفان جميعًا لا يُرفَعان إلى الله؛ أما الأول: فلأنه خبيث، والله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وأما الثاني: فلأنه لم يُقصَد به الله عز وجل حتى يُرْفع إلى الله، وهذا الثاني -أعني الذي ليس هذا ولا هذا- قد يكون طيبًا لا لذاته، ولكن لغيره لما يوصل إليه من المقاصد الحسنة؛ فإن الإنسان قد يتحدث إلى شخص كلامًا ليس هو خيرًا في نفسه، لكن يقصد به التأليف لهذا الرجل، وإدخال الأنس عليه والسرور، فيكون هذا الكلامُ الذي هو لغو في نفسه يكون محمودًا لما قُصِدَ به، كما أنَّ هذا الكلام الذي هو لَغْوٌ في نفسِه إذا قُصد به الإساءة إلى مَن لا تحل الإساءة إليه صار كلاماً خبيثًا لغَيْرِه ولَّا لذاته؟ لغيره؛ أي: لما قُصِد به.
وعلى كلٍّ: فالكَلِمُ الطَّيِّبُ لذاته أو لغيرِه يصعَدُ إلى الله عز وجل، فإن قلتَ: كيف يصعد الكلم الطيب، والكلم ليس جِرمًا؟ الكلم ليس جرمًا، بل أصوات تُسمَعُ بحركات معينة في الفم واللسان والشفة؟
فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل المعقول شيئًا محسوسًا كما ثبت في الحديث الصحيح «أنَّ الموتَ يُؤْتَى بِه عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ أَبْيَضَ فيُذْبَحُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ويُقالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ: خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ، ولِأهْلِ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
قال: وقوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ إنما جَمَعَه؛ لكثرةِ أنواعِه، وكثرةُ الأنواعِ تدل على كثرة الأفراد من باب أولى، الأنواع كثيرة، والأفراد في كل نوع كذلك كثيرة؛ فلهذا جمع.
(﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر ١٠] يقبله) أفادنا المؤلف بقوله: (يقبله) أن الفاعل في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعود إلى الله، ﴿يَرْفَعُهُ﴾ يعني الله، وأن الهاء في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ تعود إلى العمل الصالح، يعني: والعمل الصالح يقبلُه الله، فكون الضمير يعود على الله ضمير الفاعل، وضمير المفعول يعود إلى العمل هذا لا نناقش المؤلف فيه؛ لأنه محتمل، لكننا نناقشه في تفسيره الرفعَ في القَبول، وكل هذا فرارًا من إثبات العلو الذاتي، غفر الله له.
بل نقول: معنى ﴿يَرْفَعُهُ﴾ أي: يرفع هذه العمل، من الرفع الذي هو ضد النزول، يرفعه إليه سبحانه وتعالى؛ لأنه فوق، وهذا التفسير في مَرْجِع الضمائر الذي ذكره المؤلف هو أحد التفاسير المذكورة في هذه الآية.
التفسير الثاني: والعمل الصالح يرفعُه الكَلِمُ الطيب، فجعل ضمير الفاعل يعود على ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وجعل الهاء تعود على العمل الصالح، فيكون العمل الصالح مرفوعًا بالكلم الطيب، واحتج هؤلاء بأن العمل الصالح لا يُقبَلُ إلا بالإسلام، وهو الكلم الطيب الذي هو (لا إله إلا الله)؛ فإن الإنسان لو عمل من العمل الصالح الشيء الكثير، ولكنه غير مسلم لا يرتفع هذا العمل، فلا يرفع العمل الصالح إلا الكَلِمُ الطيبُ.
والقول الثالث بالعكس يقول: والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فيكون الفاعل في (يرفع): العمل الصالح، والمفعول: (الكلم الطيب) عكسُ الذي قبله؛ ما وجه ذلك؟
يقول: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب؛ لأن الكلم الطيب بدون عمل لا ينفع صاحبه، فلا بُدَّ في الكَلِم الطيِّب من عملٍ صالح يرفَعُ ذلك القول الطيب.
والأقربُ -والله أعلم- أن ما ذهب إليه المؤلف هو الصواب؛ أي: أن الله يرفعُ العملَ الصالح، كما أنَّ الكلم الطيِّبَ يصعد إلى الله، فإذا صَعِدَ الكَلِمُ الطَّيِّب إلى الله امتنَّ اللهُ على هذا المتكلِّم بأنْ رَفَعَ العمل الصالح الذي يعمله، إلا أننا لا نوافق المؤلف في تفسير الرفع بالقبول، نوافقه على مَرْجِع الضمائر، لكن لا نوافقه على تفسير الرفع بالقبول، وحينئذ نقول: والعمل الصالح يرفعه مَنْ؟ يرفعه الله عز وجل، العملُ الصالح يرفعه الله، فيكونُ الله عز وجل في هذه الآية ذكر القول والعمل، فذكر أن القول يصعد وأن العمل يُرْفَع؛ لأنه أَيْ رفع العمل كالجزاء على الكلم الطيب، فإذا تكلَّم الإنسان بالكلمة الطيبة وصعدت إلى الله عز وجل قبلها، ثم رفع العمل الصالح؛ ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.
ويقول: (﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ المَكَرَاتِ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنَّبِيِّ) إلى آخره، الواو للاستئناف ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ خبر المبتدأ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فيه نوع من الإشكال؛ لأن السيئاتِ لا تُمْكَر، وإنما يُمْكَر بها، يعني: يمكر بسبب السيئات، فلماذا تعدَّى الفعل إليها؟ أفادنا المؤلف أن ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ صفة لمصدر محذوف، التقدير: المَكَراتِ السيئات، فيكون الوصف هنا للفعل لا لما حصل به المكر؛ لأن فعلهم نفسه مكر سيِّئ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣]، تكون هنا ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ صفة لمصدر محذوف تقديره: المكرات، وسمَّى الله عز وجل السيئاتِ مكرًا؛ لأن الإنسان في الواقع يخدَع نفسَه بها، ويخدع غيره بها، فيُمَنِّي نفسَه التوبةَ، وأنه سيتوب أو يُمَنِّي نفسه سعة حلم الله ومغفرته، وأن الله واسع الحلم والمغفرة والرحمة فلن يؤاخذه بهذه العقوبة، فتمني الإنسان في هذا الباب من وجهين:
الوجه الأول: أنه يُمَنِّي نفسَه التوبة، وما يدريه فلعله لا يتمكن منها، لعلَّ سيئاته تحيط به، ثم لا يتمكن من التوبة، أو لعله يفجَؤُه الموت، ثم لا يتمكَّن من التوبة.
والنوع الثاني من المكر بالنفس في فعل السيئات: أنه يتمنَّى على الله الأماني؛ فيقول: إن الله غفور رحيم، والله واسع الرحمة وسوف يعفو عني، كما يوجد من كثير من الناس عندما تنهاه عن معصية، ويش يقول لك؟ يقول: الله غفور رحيم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ٤٨] بعضهم يحتجُّ بالآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ويقول: أنا لم أشركْ، وما دون الشرك فإن الله تعالى يغفِرُه، وجوابُنا على هذا يسير جدًّا؛ وهو أن نقول له: أثبتْ أنَّك ممن شاء الله أن يغفر له؛ لأن الله عز وجل ما قال: ويغفر ما دون ذلك وسكت، بل قيَّده ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأنت أثبت أنك ممن شاء الله أن يغفر له، وحينئذ يكون لك حجة، أما أن تفعلَ المعصيةَ التي هي سببُ العقوبةِ، ثم تتمنى على الله أمرًا لم يعدك الله به، بل قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فهذا لا شك أنه ضلالٌ منك.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ هي ما يسوء الإنسانَ فعلُه، هذه السيئات؛ مثل أيش؟ شرب الخمر، السرقة، الزنا، الربا، وما أشبه ذلك، فإن قلتَ: هذا لا يسوءُ الإنسانَ فعلُه.
فجوابنا على هذا أن نقول: إن أردْتَ أنَّه لا يسوء الإنسانَ فعلُه أبدًا، فهذا ليس بصحيح؛ لأنه يوم القيامة سوف يندم، وسوف يسوء الإنسان فعلُه في ذلك اليوم، أما في الدنيا فإنَّه يسوء الإنسانَ فعلُه، كيف ذلك؟ لأن للذنوبِ آثارًا على القلوب؛ فإن المعاصي تكون نُكْتَةً سوداء في القلب، فإن تاب الإنسان انصقل قلبُه وعاد إلى بياضِه، وإلَّا توسَّعت هذه النكتة السوداءُ فأصبح القلبُ مُظلِمًا، والعياذ بالله، بل يُخْتَمُ عليه حتى لا يَصِلَ إليه الخيرُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، بل للذنوب آثارٌ عظيمة على القلب توجب أن يكون منقبِضًا، وإذا تلذَّذ بعض الشيء في هذه المعصية فإنه يعقب ذلك حَسْرَةٌ عظيمة في القلب وضيق، واقرأ إن شئت قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٢٢] يتبينْ لك أن المعصية تسوء فاعلَها، وإن كان قد لا يشعُر بها؛ لأنه قد ران على قلبه ما كان يعمل.
إذن ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ سيئات بكل حال، تسوء صاحبها في الدنيا، ولكن قد لا يظهر، وقد لا يتبين له، وفي الآخرة يظهر له ويتبين، ويتمنى أن يعود إلى الدنيا ليعملَ صالحًا.
قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ المكرات ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ بالنبي في دار الندوة من تَقْيِيدِه، أو قَتْلِه، أو إخراجِه كما ذُكِرَ في الأنفالِ) هذا في الحقيقة إن أراد المؤلف أنَّه المراد بالآية دون غيرِه فقصورٌ، وإن أراد بذلك التمثيلَ فصحيحٌ، فإنه لا شكَّ أن هؤلاء مَكَروا بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠]، معنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ أي: يُقَيِّدوكَ، ويحبِسوك، ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ واضح، ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، ولكن الله عز وجل قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ فهم -والحمد لله- ما أثْبَتوه، ولا قتلوه، ولا أخرجوه، كل هذه انتفت، مع حرصهم الشديد على تنفيذها ما حصل منها شيءٌ.
قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الجملة هذه جملة خبرية، وهي في محل رفع خبر أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) الأول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: خبر ﴿الَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ العذاب بمعنى العقوبة، والشديد أي: القوي؛ قوِيٌّ في إيلامه وإيجاعه، وفي أنواعه المتنوعة من حَرورٍ، وبرد، وعطش، وجوع، وغير ذلك من شِدَّتِه، لهم والعياذ بالله سرابيل من قطران، كلما نضجت جلودهم قال الله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء ٥٦]، ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء ٩٧]، وانظر إلى ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ﴾ يتبينْ لك أنَّ الزيادة تأتي فورًا، والله عز وجل قادرٌ على أن تبقى بزيادتها، لكنها تخبو ليكون في قلوبهم شيء من الطمع في خِفَّةِ العذاب أو الخروج، ثم يعود، فيكون هذا أشد؛ لأن ضرب الإنسان بعقوبة بعد الطمع في زوالها يكون أشدَّ عليه مما لو كان الأمر مستمرًّا.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذا مُفَصَّل في الكتاب والسنة، فمن تتبَّعه من القرآن يكون جيدًا.
قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿مَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ﴿مَكْرُ﴾ مبتدأ، أين خبره؟ جملة ﴿هُوَ يَبُورُ﴾، و﴿هُوَ﴾ لا تصح هنا أن تكون ضمير فصل؛ لأن القاعدة أن ضمير الفصل يكون بين اسمين، لا بين اسم وفعل، لكنها مبتدأ خبرها جملة ﴿يَبُورُ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر ﴿مَكْرُ﴾، وأتى بهذا التركيب من باب تعظيم هذا الشيء وتهويله، وقوله: ﴿مَكْرُ أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: مكر هؤلاء؛ إما استبعادًا لهم؛ لأنهم ليسوا أهلًا لأنْ يُقَرَّبوا، أو لأنهم هم جعلوا أنفسهم في محل العالين الذين يُشار إليهم من بُعدٍ، فبيَّن أن هؤلاء الذي تعالَوْا بمكرِهم وإن كانوا في القمة على حسب زعمهم فإن هذا المكر يبورُ، والبَوار بمعنى الهلاك؛ كما قال الله تعالى ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ [إبراهيم ٢٨، ٢٩] فهؤلاء مكرُهم يبور، أي: يتلاشى ويضمحل، ولا يفيدهم شيئًا.
* في هذه الآية مِن الفوائد: بيان قدرة الله عز وجل بإرسال هذه الرياح اللطيفة التي تحمل أو تثير هذا السحاب الثقيل؛ قال الله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد ١٢].
* ومن فوائدِها أيضًا: إثبات الأسباب، وأن المسبَّبات مربوطة بأسبابها؛ لقوله: ﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ﴾، فإن الفاء هنا للسببية.
* ومنها: مِن فوائدها: أنه ينبغي في الأمور الهامة أن يُصاغَ الماضي بصيغةِ الحاضر استحضارًا له في الذهن؛ لقوله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر ٩]؛ فإن تصويغ الماضي بصيغة الحاضر لا شك أنه يَشُدُّ الإنسان إلى تصوره أكثر من الشيء الماضي.
* ومِن فوائدِها: أن هذا السحاب يجري بأمر الله؛ لقوله: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ﴾.
* ومنها: (...) أن هذا السحاب له شعور، يعني: معناه يعرف ويدري، يمكن أن تُؤخذ من قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...)، من قوله: ﴿فَسُقْنَاهُ﴾ كما تساق البعير، وعلى هذا جاء الحديث الصحيح في قصة الرجل الذي سمع مناديًا من السحاب يقول: أسقِ حديقةَ فلان[[أخرجه مسلم (٢٩٨٤ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]، فإن توجيه الأمر إليه يدل على أنه ذو شعور، ولا شك أن جميع الكائنات بالنسبة لأمر الله عز وجل أنها ذات شعور؛ قال الله تعالى في الأرض والسماء: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١].
* ومن فوائدها: بيانُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى لإحياء الأرض بعد موتها؛ لقوله: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
* ومنها: صحة وصف الأرض بالحياة والموت مع أنها ليست من الحيوان؛ لقوله: ﴿بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾.
* ومنها: الرد على أهل الكلام الذين يقولون: إنه لا يُوصَف بالحياة والموت شيءٌ من الجمادات؛ لأنه هنا أثبت الحياة والموت للأرض، وهما جمادات، وقال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢١].
* ومِن فوائدها: بيانُ قدرةِ الله سبحانه وتعالى في إحياء الأرض بعد موتها؛ فإن هذه الأرضَ التي كانت يابسةً هامدةً تعود فتهتزُّ خضرة وازدهارًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فأضاف الإحياء إلى نفسه.
* ومنها أيضًا: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ فإن الباء هنا للسببية.
* ومنها: جواز إضافة الشيء إلى سببه المعلوم؛ لقوله: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، وإضافة الشيء إلى سببه المعلوم أمر واقع في القرآن، وفي السنة، بمعنى: أنه لا يُشْتَرط أنْ تَقْرِن معه الله عز وجل، فإذا أضفت الشيء إلى سببه المعلوم وإن لم تقرن الله به فلا بأس، لكن المُحَرَّم أن يضاف إلى سببٍ غير معلوم لا شرعًا ولا حسًّا، أو أن يضاف إلى سبب معلوم مقرونًا مع الله بحرف يقتضي التسوية؛ فمثلًا إضافة الشفاء إلى التمائم، والحِلَق، والخيوط، وما أشبهها، هذا لا يجوزُ؛ لأنَّ هذا السبب غير معلومٍ فلا يصح، وإضافة تليين البطن إلى العقار الذي تناولته حتى ليَّن بطنك صحيح، ولَّا لا؟ صحيح؛ لأنه سبب معلوم بالحِسِّ، وإضافة الشفاء إلى قراءة الفاتحة جائز؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: لأنه سبب معلوم بالحِسِّ وبالشرع «وَمَا يُدْرِيكَ أنَّهَا رُقْيَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٦)، ومسلم (٢٢٠١ / ٦٥) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، فالمحذور إذن أن يُضاف الشيءُ إلى غيرِ سبب شرعيٍّ أو حسِّيٍّ، أو أن يضاف إلى سبب شرعي أو حسي مقرونًا مع الله بحرف يقتضي التسوية؛ مثل: لولا الله وكذا. فإن هذا لا يجوز؛ لأن هذا من الشرك حيث قرن الله مع غيره بالواو التي تقتضي أيش؟ التسوية، ولكن قل: لولا الله، ثم كذا.
* ومِن فوائدِ الآية الكريمة: إثبات صحة القياس؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾، وإثباتُ القياس كثيرٌ في القرآن؛ فكلُّ مَثَلٍ ضربه الله فهو دليل على القياس، كل مثل سواء للدنيا، ولا للإنسان، ولا للأوثان، ولا لأي شيء، فإنه دليل على ثبوت القياس وصحته، نعم لأن المقصود بالمثل قياس المضروب بالمضروب فيه، وهذا هو القياس.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أنَّ إحياءَ الموتى كإحياء الأرض بعد موتها، أي: أنه ينزل مطر، كما جاء في الآثار ينزل مطر على الأرض كمني الرجال يبقى أربعين يومًا تنبُت منه الأجسام، ثم بعد ذلك ينفخ في الصور، فتعود الأرواح إلى أجسامها.
ثم قال عز وجل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ إلى آخره.
* في هذا: الحث على طلب العزة من الله عز وجل؛ لأنه ليس المعنى أنَّ مَنْ أراد العِزَّة فليطلب من الله، يعني (...) فقط، تجد كل أحد يُريد العزَّة، لكن إذا أردت العزة، فممن تطلبها؟ من الله؛ ففيه إثبات أن العزة تُطلَب من الله عز وجل.
* ومن فوائدِها: أنه لا عزة بدون الله، وذلك بالقيام بطاعة الله، والاستعانة به، والاعتماد عليه، فإذا اعتزَّ الإنسان بكَثْرَتِه، فإنه يُهْزَم؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة ٢٥]، ولو اعتز الإنسان بقوته المادية كقوة السلاح مثلًا فإنَّه يُهزَم، وإذا استعان بالله فإنه لا يُهْزَم، اللهم إلا لحكمةٍ تكون مقترنةً بتلك القضية المعينة فقد يكون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ العِزَّة لله سبحانه وتعالى؛ لقولِه: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ العزَّةَ لها كلٌّ وبعض، من أين تُؤخَذ؟
* طالب: ﴿جَمِيعًا﴾.
* الشيخ: ﴿جَمِيعًا﴾ يعني: يدل على أن هناك كُلًّا وبعضًا؛ وذلك أن العلماء قسَّموا العزة التي اتَّصَفَ الله بها إلى ثلاثة أقسام: عزة الامتناع، وعزة القَدْر، وعزة القهر.
* ومِن فوائِد الآية الكريمة: إثباتُ عُلُوِّ الله، مِن أين يؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ﴾؛ لأن الصعود هو العلو.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكَلِمَ غيرَ الطيب لا يصعد إلى الله؛ لقوله: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، ويؤيد هذا قولُ النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]].
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى انقسام الكلام؛ لقوله: ﴿الطَّيِّبُ﴾ فإنَّ هذا الوصف إفراد لما سواه، وقد ذكرنا أن الذي يقابل الكَلِمَ الطيب نوعان من الكلام: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ أما الخبيثُ فمردود بكل حال؛ لأنه خبيث لذاته، وأما ما ليس بطيب ولا خبيث، فقلنا: إنَّ هذا القِسْمَ من الكلام قد يكون طيِّبًا لغيره، وخبيثًا لغيره، وسالمًا من الوصفين.
إذا كان طيبًا لغيرِه يصعد إلى الله ولَّا ما يصعد؟ يصعد؛ لعموم قولِه: ﴿الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا يَرْفَعُ من الأعمال إلَّا ما كان صالحًا؛ لقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، والعملُ الصالح ما اشتمل على وَصفَينِ، وهما؟
* طالب: الإخلاص والمتابعة.
* الشيخ: الإخلاص لمن؟
* الطالب: لله سبحانه وتعالى، والمتابعة لشَرْعِه.
* الشيخ: والمتابعة لشرعه؛ الإخلاص لله، والمتابعة لشرعه، فإن فُقِدَ الإخلاص فليس بعملٍ صالح؛ لأنه شرك، وإن فُقِدَت المتابعة فليس بعملٍ صالح؛ لأنَّه بدعة.
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٠].
* فيها فوائد:
* أوَّلًا: أن الأعمال السيئة مَكْرٌ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ هذا إذا أخذناها على سبيل العموم، أما إذا قلنا: إن السيئات عامٌّ أُريدَ به الخاص كالمكر الذي حصل من قريشٍ للرَّسول عليه الصلاة والسلام فإنه يكون خاصًّا، لكن الأصل في الكلام العامِّ أن يكون مرادًا به العموم، وأن يكون باقيًا على عمومه حتى يَرِدَ دليلٌ على أنه أُريدَ به الخصوص، أو على أنه مخصص.
* مِن فوائد الآية الكريمة: الوعيد الشديد على أولئك الذي يمكرون السيئات؛ لقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ١٠].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن مَكَر هؤلاء هالِكٌ زائل، لا فائدة فيه؛ لقوله: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر ١٠]، حتى أعمالهم لا تنفعُهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣].
هذه هي الفوائد الظاهرة من هذه الآيات الكريمة، وربما عند التأمل يجد الإنسان أكثر؛ لأن كلام الله سبحانه وتعالى لا يحاط به، ولكن الناس يختلفون في الفهم.
فاطر 35:11
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر ١١] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما سبَق من الآيات الدالة على قدرته من إرسال الرياح، وإثارة السحاب، وسَوْقه إلى الأرض الميِّت، وإحياء الأرض بعد موتها، وأن الأعمال تُرْفَع إلى الله عز وجل، وكذلك الأقوال؛ الأعمال من أقوال وأفعال ترفع إلى الله، قال هنا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ هذا باعتبار الأصل الذي هو آدم؛ ولهذا قال: (بخلق أبيكم آدمَ منه) فإن الله تعالى خلقه من تراب، وهذه الآية كما تَرَوْن فيها أن الله خلقه من تراب، وفي آية أخرى أنه خلقه من طين، وفي آية ثالثة أنه خلقه من صَلْصالٍ كالفخَّار، وفي آية رابعة من حمأٍ مسنون، فما هو الجواب عن هذا التغير؟
الجواب أن هذا تغيُّر أوصاف، وليس تغير ذوات، وحينئذ فلا تناقض؛ إذ يجوز أن تتعدد أوصاف على موصوف واحد؛ قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] مع أنَّه واحد، الحاصل أنه هنا أنْ يقال في هذا التغير تغير أوصاف، لا تَغَيُّرَ ذواتٍ وأعيان، فالعين واحدة، لكن أولها التراب فإذا أضيف إليها الماء صارت طينًا، فإذا أبطأ وأخذ مدة صار حمأ مسنونًا متغيِّرًا؛ يعني الطين إذا حطَّ فيه الماء تجده يَسْوَدُّ، ويكون له رائحةٌ، والرابع من صلصالٍ كالفخَّار هذا بعد أن كان حمأ مسنونًا يَبِسَ وصار صلصالًا كالفخَّار، ثم نفخ الله فيه الروح، فيكون هذا التغيُّر أيش؟ تغيرَ أوصاف، والأصل فيه التراب.
قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [فاطر ١١] ﴿ثُمَّ﴾ أتى بـ(ثم) الدالة على التراخي والترتيب؛ لأن (ثم) تدل على التراخي والترتيب، والفاء تدل على الترتيب بدون تراخٍ. هنا قال: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ لأنه لما خلق آدم -سبحانه وتعالى- وخلق ذريته تناسَل هؤلاء الذرية بواسطة هذا الماء الذي هو النطفة، والنطفة هو الماء القليل.
قال: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: مَنِّيٍّ يدفق، عندكم (بخلق)؟ (بخلق ذريته منها) أي: من هذه النطفة، والغريب أن هذه النطفة القليلة يذكر علماء الطب أنها تشتمل على ملايين من الحيوانات المنوية، وهذه (...) يزعمون أنها ملايين -وهم أعلم منا بذلك- يعني: لا يصلُح منها إلا واحد في الغالب، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، هذا (...) ما سمعت، أنه يلج في المرأة أربعة آلاف يبقى فيهم واحد، والله على كل شيء قدير، قد يزيد، ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر ١].
يقول: (﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكورًا وإناثًا)، قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ فسر المؤلف هنا الأزواج بالذكورية والإناث نعم بقرينة قوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١] انتبهوا، فالأزواج هنا باعتبار الجنسين الذكر والأنثى، ويؤيد تخصيصَ الأزواج هنا بالذكورة والأنوثة قولُه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾.
أما إذا نظرنا إلى لفظ أزواج فإن الأزواج معناها الأصناف، والأصناف أعم من الذكورة والأنوثة؛ فإنه يشمل الشقيَّ والسعيد، والأسود والأبيض، والطويل والقصير، وغير ذلك، لكن الذي جعل المؤلف يحمِلُ الكلامَ على الذكورة والأنوثة فقط؛ لقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، فالله عز وجل بقدرته وحكمته جعل هذه الذرية التي خرجت من هذا الرجل الواحد جعلهم ذكورًا وإناثًا لبقاء النسل؛ لأنه لا يمكن بقاءُ النَّسْل إلا بهذا، وإن كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يُبْقِيَ النسل بدون ذلك، فإنه يُقال: إن البشرية منها ما خُلِقَ بلا أم ولا أب، ومنها ما خلق من أب بلا أم، ومنها ما خلق من أم بلا أب، ومنها ما خلق بين أبوين؛ فالذي خلق بلا أم ولا أب؟
* طلبة: آدم.
* الشيخ: ومن أب بلا أم؟
* طلبة: حواء.
* الشيخ: حواء، ومن أم بلا أب؟
* طلبة: عيسى.
* الشيخ: وسائر الناس؟
* طلبة: بين أبوين.
* الشيخ: بين أبوين من ذكر وأنثى.
يقول عز وجل: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ ( ما ) هذه (...) والثاني؟
* طالب: متعدٍّ.
* الشيخ: (...) ولَّا المتعدي؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) اللازم أو المتعدي؟
* الطالب: الأول من اللازم.
* الشيخ: من اللازم.
* الطالب: والثاني من المتعدي.
* الشيخ: والثاني من المتعدي، صح؟
* طالب: صح.
* الشيخ: (...) حرف جر زائد، ﴿أُنْثَى﴾ فاعل ﴿تَحْمِلُ﴾ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، كذا؟ ﴿أُنْثَى﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر؟
* طالب: اشتغال المحل.
* الشيخ: ما فيه اشتغال، (...).
* طالب: التعذر.
* الشيخ: طيب التعذر، لكنه واقع من حيث اللفظ، مجرور لفظًا.
﴿أُنْثَى وَلَا تَضَعُ﴾ أي الأنثى، (﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ حال أي: معلومة له)، شوف ﴿مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أي أنثى تحمل؟ من بني آدم، ولَّا منهم ومن غيرهم؟ منهم ومن غيرهم، ما (...) ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩]، فالله عز وجل يعلم ما تحمل كل أنثى، في ابتداء الحمل، وتطور الحمل، ومآل الحمل، وكل ما يتعلَّق به، ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، فأول ما ينشأ الحمل في الرحم معلوم عند الله، وإذا وضعت فهو معلومٌ عند الله عز وجل.
وقول المؤلف: (حال) ويش معنى حال؟ يعني: أن الجار والمجرور في موضع نصب على الحال (...) ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ قال: إلا (معلومة له)، ويمكن أن نقول: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، بل نقول: إن الباء هنا للمصاحبة والمقارنة، أي: لا يحصل الحمل ولا الوضع إلا (...) بعلم الله عز وجل، و(...) إلى ذلك أيضًا أنه بعلمه وإرادته، (...) في الفوائد أنَّ فيها دليلًا على أنَّ مَن أثبت العلم لزم أن يثبت الإرادة؛ ولهذا قال أهل السنة بالنسبة للقَدَرِيَّة قالوا: ناظروهم بالعلم؛ قال الشافعي وغيره: ناظروهم بالعلم؛ فإن أنكروه كفروا، وإن أقروا خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم (...)، وإن قالوا: يعلم، خصموا؛ لأنه إذا علم ذلك فإما أن يقع الشيء على خلاف معلومه أو على وفاقه؛ فإن كان على وفاقه فبإرادته، وإن كان على خلافه (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: هو (...) المكر.
* الطالب: (...) ولا اسم ولا..؟
* الشيخ: أي هو اسم، مثل هو قائم (...) هو قائم، (...)، والجملة خبرُه، لكن (...) التوكيد، يعني لما قال: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر ١٠] كأنه قال: مكر أولئك مكر أولئك يبور (...).
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر ١١] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ (ما) هذه نافية أيضًا بدليل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، ودليل آخر: رفع الفعل (...).
(﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي ما يُزاد في عُمرِ طويلِ العمر) ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: ذلك المعمر، أو معمر آخر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
قوله: ﴿يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ معنى التعمير: الزيادة في العمر؛ المعنى: لا يُزادُ في عمر أحد، ولا يُنقَص في عمره إلا في كتاب.
(...) وقوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة داخلة على نائب الفاعل، فنقول في ﴿مُعَمَّرٍ﴾: نائب فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، (...) حركة حرف الجر الزائد.
وقوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هنا يقول: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ قال المؤلف: (أي: ذلك المُعمَّر، أو مُعَمَّر آخر) أما كون الضمير في قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يعود على معمر آخر، فهذا لا إشكالَ فيه؛ لأنَّه يكون معمرًا، فيكون الثاني ناقصًا، لكن الإشكال إذا قلنا: إن الضمير يعود على نفس المعمر، فكيف يكون مُعمَّرًا وهو في نفس الوقت منقوص من عُمُرِه؟ ﴿مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هذا محل إشكال فيما يظهر ولَّا لا؟ (...).
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ (...) ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إذا قلنا: الضمير يعود على ذلك المعمر صار يعود على أيش؟ على (...) فيكون (...) معمرًا منقوصًا من عُمُرِه.
إذا قلنا: إنه عائد على معمر آخر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: مِن عُمرِ مُعَمَّر آخر، لا (...) الأول صار النقص يعود على شخص آخر، فعندنا زيد مُعَمَّر وعمرو منقوص من عمره، وهذا لا إشكال فيه، لكن في الإشكال الأول اختلف المفسرون في توجيهه؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر ١١] إن النقص هنا في مقابل الزيادة؛ لأن الإنسان كلما تقدم يومًا في الدنيا نقص عمره باعتبار آخر عمره؛ مثلًا الذي له عشر سنوات إذا صار له أحد عشر إذا قُدِّرَ أنه سيموت في عشرين سنة نقص ولَّا لا؟ كلما زاد من وجه نقص من وجه آخر؛ فالمعنى: أنه يُكتَب نقصُه كما تكتب زيادته فيقال مثلًا: يحسب مثلًا فلان بلغ من العمر عشر سنين، ونقص من عمره -يعني: من آخر عمره- عشر سنين، بلغ أحد عشر فنقص من عمره إحدى عشرة، فبقي تسع وهكذا، وإلى هذا ذهب بعض التابعين.
ولكن آخرين من أهل العلم من المفسرين قالوا: أن هذا فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه ويُنْسَأَ لَه في أَثَرِه فَليَصِلْ رَحِمَه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢٠) من حديث أنس بن مالك.]] (...) أن الإنسان ينقُص عمره ويزاد بحسب صلة الرحم، ثم يُنْقَص من عمره إذا لم يصل رحمه، ولا يُزادُ في عمره إذا وصَلَه، والمعنى على هذا التفصيل أن زيادة العلم أو نقصه مكتوب عند الله عز وجل، مكتوب فمن قُدِّر له أن عمره يطول بصلة الرحم فسوف يُقَّدر له أن يصل رحمه، ومن قُدِّر له أن ينقص عمره في قطيعة الرحم فسوف يكون قاطعًا لرحمه؛ لأن المسببات مربوطة بأسبابها، معلومة عند الله أفهمتم؟ وهذا يزيل عنا الإشكال الذي أورده بعض العلماء في هذا الحديث، وحاولوا أن يفسروا زيادة العمر بالبركة في عمر الإنسان؛ لأن الله إذا أنزل بركة في العمر وإن كان قصيرًا صار أحسن أو صار خيرًا من عمرٍ طويلٍ بلا بَرَكَة، ولكن تقدم لنا أن هذا لا يخرجهم من الإشكال؛ لأن البركة أيضًا مكتوبة أو غير مكتوبة؟
* طالب: مكتوبة.
* الشيخ: مكتوبة، وكذلك نزعها مكتوب، فلا يخرِجُنا ذلك من الإشكال، لا يخرِجُنا من الإشكال إلا أن نقول: إنَّ عمر الإنسان المطول بسبب صلة الرحم قد كُتِبَ، وقد كُتِبَ أن يصل رحمه، إذن ما الفائدة من قول الرسول: «مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه ويُنْسَأَ لَه في أَثَرِه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
الجواب أن الفائدة من ذلك هو الحثُّ على صلة الرحم؛ كما أننا نقول: مَنْ أحبَّ أن يدخل الجنة فليعمل عملًا صالحًا، لا يقول قائل: إذا كانت الجنة المكتوبة، فكيف (...) يعمل؟ وكيف إذا عمل كُتِبَت له الجنة؟ نقول: هي مكتوبة من قبل (...)، لكن قد كتبت له الجنة، وكتب أن يَعمَل لها عملها، وعلى هذا كلنا بحسب تقديرات الله عزَّ وجل فإنه لا ينقص هذا في العمر، الإشكال وارد على الجميع، ولكنَّ الجواب عنه يسير وهو يقال: إن هذا مكتوب نتيجة لهذا السبب، وهو معلوم عند الله، أما عندنا فليس بمعلوم.
طيب، إذن يكون أحسن الاحتمالات (...) الآية أن المراد ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من مُعَمَّر، وما الإنسان قد يزاد في عمره لسبب من الأسباب، وقد يُنقَص من عمره لسبب آخر.
قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ﴿كِتَابٍ﴾ فِعال بمعنى مفعول؛ كفراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، فكتاب بمعنى مكتوب، فما هو هذا الكتاب؟ قال المؤلف رحمه الله: (هو اللوح المحفوظ) اللوح المحفوظ (...)؛ محفوظ من عدة أوجه: محفوظ أن يناله أحد، لأنه خاصٌّ بتقدير الله عز وجل، محفوظ من أن يُغَيَّر أو يبدل؛ ولهذا ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ فإنه سيكون كما قال الله تعالى للقلم: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إلى يَوْمِ القِيَامَة»[[أخرجه الترمذي (٢١٥٥)، وأبو داود (٤٧٠٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]، وكذلك أيضًا محفوظ عن الخلل؛ بحيث لا (...) يكتب فيه، ولا يتخلف ما كتب فيه؛ يعني لا يقع فيه السهو فهو (...) من كل وجه.
(﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هين) ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه: كل ما سبق؛ الزيادة في العمر، والنقص، والكتاب، كله يسير على الله، أي: هين عليه، وإن كان عند المخلوقين صعبًا وعسيرًا، لكنه عند الله سهل ويسير؛ لأن الله عز وجل إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ [فاطر ١٢] ﴿مَا يَسْتَوِي﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿يَسْتَوِي﴾ بمعنى يتساوى ويتماثل، ﴿الْبَحْرَانِ﴾ وهذا مُجْمَل، والبحر هو الماء الكثير، فكلُّ ماء كثير يسمى بحرًا، البحران هنا مجمل فسَّره عز وجل بقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ العذب معناه: الحُلو المستساغ شربُه، والفرات يقول المؤلف في تفسيره: (شديدُ العُذوبة ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ أي: شربه) ﴿سَائِغٌ﴾ معناه: سهل ومُيَسَّر؛ لأنه حلو عذب، وليس فيه ما يُكَدِّره بوساخة، أو حرارة زائدة، أو برودة زائدة، المهم أنه عذب فرات سائغ شرابه.
الثاني: (﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديدُ الملوحة) ﴿مِلْحٌ﴾ شديد الملوحة، هل يستويان؟
* طلبة: لا يستويان.
* الشيخ: لا، وهل هذا يُراد به الحقيقة، أو هو مَثَلٌ ضَرَبه الله تعالى للمؤمن والكافر؟ قيل: إنه يُرادُ به الحقيقة بدليل قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وقيل: إنه يراد به مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالمؤمن بمنزلةِ العَذْب الفرات، والكافرُ بمنزلة المِلحُ الأجاج، ولكن لدينا قاعدة في الكلام أنَّه إذا دار الأمر بين أن يكون حقيقة أو غير حقيقة وجب أن يُحْمَل على الحقيقة، فهو إذن حقيقة، ويُؤيِّدُه أيضًا قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، فإن مثل هذا الترشيح يدل على أنه حقيقة، وليس بمجاز، على أننا نقول: إنه لا مجازَ في القرآن، ولا في غيره، كما مر علينا كثيرًا، ولكن مع هذا لا بأس أن (...) مِن نفيِ اتصالٍ بين هذين البحرين، ونفي اتصال بين كل شيئين متغايرين؛ يعني: لا مانع مِن أن ينتقل الذهن من انتفاء التساوي بين هذين المحسوسين إلى انتفاء التساوي بين الأمور المعقولة (...).
قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ تتعلق بقوله: ﴿تَأْكُلُونَ﴾.
(﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السمك) الطري معناه الذي لم يتغير بنتن، وهذه من خصائص السمك أنه لو مات فإنه طري كما قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صيده ما أكل حيًّا، وطعامه ما أكل ميتًا»[[أخرجه الدار قطني في سننه (٤٧٢٨)، وابن منصور في تفسيره (٨٣٣) من حديث ابن عباس.]].
* ثانيًا: مِن فوائِد هذين الوصفين: (﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ من الملح، وقيل: منهما ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللؤلؤ والمرجان) كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، وقد اختلف الناس: هل هذا لا يخرج إلا من المالح، أو يخرج من المالح والعذب؟ فأكثرُ المفسرين على أنه لا يخرج إلا من المالح، وحملوا قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢] على أنَّ المراد من مجموعهما، لا من جمعهما، فهنا إذا قلنا: عندنا بحران عذب ومالح يخرج منهما لؤلؤ ومرجان، منهما أي: من المجموع، لا من الجميع بحيث يعني كل واحد، ولكن الصحيح أنه يخرج من الجميع؛ لأن هذا ظاهر القرآن، والله سبحانه وتعالى أعلم بما خلق، كونه يخرج منهما وقد ثبت الآن أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من هذا ومن هذا، ولهذا قال المؤلف: (وقيل: منهما).
﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وذكر اللبس؛ لأنه غاية ما ينتفع به في هذه الحلية، وإلا من المعلوم أن من يستخرج هذه الحلية يتخذها تجارة، وتجارة اللؤلؤ والمرجان فيما سبق وإلى الآن لم تزل تجارة قوية، لكن هؤلاء التجار الذين يتجرون به ويش الغرض من ذلك؟ اللبس؛ لأن الذي يشتريها منهم يريد بها اللبس، فإن أراد بها التكسب فسيبيعها على مَن؟
* طلبة: يلبسها.
* الشيخ: يلبسها، فذكر الله في هذين البحرين منفعتين: منفعة ظاهرة، ومنفعة باطنة؛ كسوة للبدن في باطنه، وكسوة للبدن في ظاهره؛ كسوة البدن في الباطن؟ أكل اللحم، فإنما أكل اللحم كسوة للبدن في باطنه؛ ولهذا قال لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه ١١٨]، ولم يقل: ولا تظمأ، بل قال:﴿وَلَا تَعْرَى﴾؛ لأن الجوع عُرْيُ الباطن، والعُري عُري الظاهر.
ثم نقول: ذكر الله لباسين: اللباس الباطن بأكل اللحم، واللباس الظاهر بهذه الحلية.
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾، (﴿﴿وَتَرَى﴾ ﴾ تبصر ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿فِيهِ﴾ في كل منهما ﴿مَوَاخِرَ﴾ ).
قال: ﴿وَتَرَى﴾ أي: (تُبصِر) الخطاب لمن؟ لكل مَنْ يتوجه إليه الخطاب، والرؤية هنا بصرية، رؤية بصرية فإن من يشاهد البواخر في البحار تمخَر الماء أي تشقه.
وقوله: ﴿فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال المؤلف: (في كل منهما) أشار المؤلف رحمه الله أن الإشكال (...)؛ لأنه هنا يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾، ثم قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾، ومقتضى السياق أن يكون التعبيرُ هكذا: وترى الفلك فيهما. ولكن الضمير هنا لا يعود على البحرين، وإنما يعود على ﴿كُلٍّ﴾، و(كل) كلمة لفظها مفرد، فعاد الضمير في هذه الآية على ﴿كُلٍّ﴾ باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ؛ لأنه مفرد، ومن هنا قال المؤلف: (في كل منهما) فزال الإشكال.
وقوله: ﴿مَوَاخِرَ﴾ قال: (تمخَر الماء، أي: تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة) وهذا من نعمة الله عز وجل أنْ سخَّر الفلك لنا تجري على هذا الماء، وتمخَر عُباب الماء حاملة أنواع الأرزاق، وحاملة البَشَر الكثير؛ ولذلك ترون الفلك الآن تعتبر بلدًا كاملًا إذا دخلتها وإذا هي كالبلد، هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، فذكر هنا ثلاث نِعَمٍ: الأولى: أكل اللحم، والثاني: الحلية، والثالث: البواخر التي تعبُر أو تشق الماء من ناحية إلى أخرى؛ لتنقل الأرزاق والآدميين.
وتأملْ قوله هنا: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ و﴿تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾؛ لأن السمك أكله هين ما يحتاج إلى كلفة، فذكر الأكل مباشرة، اللؤلؤ والمرجان يحتاج إلى كلفة وإلى تعب؛ لأنه يحتاج إلى غَوْصٍ وآلات وطول نفس أو حمل أشياء تعين على التنفس؛ ولهذا قال أيش؟ ﴿تَسْتَخْرِجُونَ﴾ أي: تطلبون حلية، الفلك قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾؛ لأن مشاهدتها بالعين وهي تَعُبُّ تشق الماء من أعظم يعني (...) من أعظم آيات الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (﴿لِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ تعالى بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على ذلك) يعني: سخَّر الفلك وجعلها مواخر في هذا البحر؛ لأمرين: أولًا ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الرزق حين تحمله هذه البواخر، (...) مثلًا الأرزاق من أمريكا ومن اليابان، (...) الأخرى البعيدة إلا بواسطة هذه البواخر التي تحمل الأشياء الكثيرة، هذا مِنْ فضل الله عز وجل (...) ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
أما قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإن (لعل) هنا لا ندري معناها حتى نستعرضَ المعاني التي تأتي لها (لعل)؛ (لعل) تأتي للترجِّي، وتأتي للتوقع، وتأتي للإشفاق، وتأتي للتعليل، فلأيِّ المعاني كانت في هذه الآية؟
* طلبة: التعليل.
* الشيخ: التعليل، يعني: لأجل أن تشكروا الله عز وجل، إذا رأيتم هذه البواخر تمخَر الماء، وتأتي بالأرزاق من ناحية إلى ناحية، فإن هذا يستوجِبُ أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، والشكر قال العلماء في تفسيره: هو القيام بطاعة المنعم اعترافًا بالقلب، وتحدُّثًا باللسان، وطاعة بالأركان، فمواضعه ثلاثة: القلب واللسان والجوارح؛ ولهذا قال الشاعر؟
* طالب:
أَفَادَتْـــكُـــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
* الشيخ:
أَفَادَتْـــكُـــــمُ النَّعْــــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
فهذا الشكرُ يكون في هذه المواضع الثلاثة، والحمد يكونُ باللسانِ، فمتعلَّق الشُّكْرِ أعمُّ وسببه أخص، ومتعلَّق الحمد أخصُّ وسببه أعم؛ لأن الحمد يكون في مقابلة النعمة، ويكون في مقابلة كمال المحمود، فهو أعم من حيث المتعلق، بخلاف الشكر فإنه أخص يعني هو (...)، الشكر أعم في المتعلق وأخص في السبب، والحمد بالعكس.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر ١١] إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى في ابتداء خلق بني آدم؛ بأن خلقهم من تراب، ثم من نطفة، إلى آخره.
* ومِن فوائدِها أيضًا: أن الله بحكمته ورحمته جعل بني آدم أزواجًا ذكرًا وأنثى؛ وذلك لبقاء النسل وحصول المتعة.
* ومِن فوائدِها: إحاطةُ علمِ الله بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١].
* ومِن فوائدِها: إثباتُ القدرة لله عز وجل، من قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ لأن الخلق لا يكون إلا بعد علم وقدرة.
* ومن فوائِدِها أيضًا: أن الأعمارَ الطويل منها والقصير كله مكتوب عند الله عز وجل في كتاب.
* ومن فوائدِها: إثبات مرتبتين من مراتب القدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* ومن فوائدِها أيضًا: سهولة هذا الشيء على الله سبحانه وتعالى وهو الخلق والكتابة؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فيها المرتبة الثالثة من مراتب القدر، وهي الخلق، إذن فيه ثلاث مراتب: العلم، والكتابة، والخلق، ويش بعدها؟ المشيئة، (...) المشيئة، يمكن نأخذها من الآية؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: يخلق ما يشاء.
* الشيخ: (...) ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ﴾ [فاطر ١١] وهذا لا يكون إلا بالمشيئة؛ لأن الله لم (...) هذه، فتكون (...) الآية إثبات مراتب القدر الأربعة العلم ثم الكتابة ثم المشيئة ثم الخلق وقد جمعت هذه المراتب الأربع في بيت (...).
* طالب:
عِلْمٌ كِتابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ∗∗∗ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
* الشيخ:
عِلْمٌ كِتابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ∗∗∗ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
هذه مراتب القدر الأربعة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٢].
* في هذه الآية من الفوائد:
* أوَّلًا: أن الأشياء المختلطة لا يمكن أن تكون متساوية؛ لقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ إلى آخره، يتفرع من هذه الفائدة أنه لا يمكن التسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق ولا في غيرها، نعم، لماذا؟ لأن تكوين خلقة المرأة مختلف عن تكوين خلقة الرجل، ولهذا جعل الله (...) أعمالًا تليق بها، وللرجل أعمالًا تليق به؛ فقد سألت عائشة النبي عليه الصلاة والسلام: هل على النساء جهاد قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فيه: الحَجّ والعُمْرَة»[[أخرجه البخاري (١٥٢٠)، وابن ماجه (٢٩٠١) واللفظ له من حديث عائشة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يُفْلِح قومٌ ولَّوْا أَمْرَهُم امْرَأَة»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]، ومنع النبيُّ ﷺ من تزويج المرأة نفسها[[أخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩) من حديث عائشة.]]، إلى آخر ما تعرفون من الفروق بين الرجل وبين المرأة، وفي الميراث جعل للمرأة نصف الرجل إذا كان من جنسها كالإخوة والأعمام والأخوال.
* طلبة: لا (...).
* الشيخ: كالإخوة، طيب والأعمام؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الإخوة (...) والأعمام؟
* طالب: لا يرثون.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: لأن العمة لا ترث، العمة لا ترث؛ يعني: لو هلك هالك عن عمه وعمته ما ورثت العمة، (...)، إي نعم، طيب نكمل الفوائد، (...).
* طالب: كيف يكونون من بحر واحد، ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ [فاطر ١٢] (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) ظاهر القرآن، ظاهر القرآن من هذا ومن هذا، أما مسألة السمك فهما جميعًا ما فيه إشكال ولا أحد يقول: من واحد، لكن اللي فيه إشكال هو مسألة اللؤلؤ والمرجان؛ هل يخرج من واحد أو لا؟ وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد، كذلك أيضًا أنه ليس المراد اللؤلؤ والمرجان فقط، قد يتحلى الناس مما يخرج من البحر من غير هذين النوعين.
(...) إخوة يوسف أعقل من أن يوجِّهوا خطابًا لأبيهم يريدون أن يذهب إلى الجدران يسأل، لكن ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت ٣١] المراد بالقرية: المساكن ولَّا لا؟ مساكن القوم؛ بدليل قوله: ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، فأنت ترى الآن أنَّ هذه الكلمة صارت في موضع لها معنى لا تحتمل المعنى الآخر في الموضع الآخر، فالسياقُ له دور كبير في معرفة المراد بالكلام.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل من هذا الماء هذين الصنفين المتباعدين هما بحران من الماء أحدهما ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر ١٢]، والثاني: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢] فهما شيء واحد، ومع ذلك يختلفان هذا الاختلاف.
* ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الماء العذب يكون سائغَ الشرب، وعكسه الماء المالح، ويتفرع على ذلك أنه لا ينبغي للإنسان أن يشرب ما لا يستسيغه؛ لأن ذلك يؤثِّر عليه ويضره، كما أنه لا مانع من أن يتناول ما تشتهيه نفسه وإن كان في بعض الحالات ضررًا عليه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن لطلب النفس الشيء أثرًا كبيرًا في انتفاء مضرته، وضرب لذلك مثلًا فيما أظن الميتة خبيثة مُضِرَّة، فإذا اضطر الإنسان إليها واشتدت حاجته (...) صارت النفس تقبلها وتستسيغها، ثم تهضمها فلا تضرُّها؛ لأنها لو كانت تضر –أي: الميتة- تضر المضطر ضررَ غيرِ المضطر لكان حِلُّها له يتضمن قتل نفسه؛ ولذلك لو اضطر إلى أكلٍ وليس عنده إلا سُم لم يَحِلَّ له أن يأكل السُّم، واضح؟ وضرب مثلًا لذلك أيضًا بقصة صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ «كان أرمد» -يعني: توجعه عينُه من رمد كان بها- «فجيء إلى النبيِّ ﷺ بتمرٍ فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، وذهب صهيب ليأكل فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكَ أَرْمَدُ» -والمعروف أن الذي في عينه رمد لا يأكل التمر- «فقال: يا رسول الله! أمضغه من الجانب الآخر.» كيف؟ مثلًا إذا كانت عينه اليمنى فيها رمد يمضغه من الجانب الأيسر، «فضَحِك النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «كل»[[أخرجه الحاكم في مستدركه (٨٤٦٨) من حديث عبد الله بن صهب.]] قال: لأن نفسه الآن كانت تطلبه طلبًا قويًّا، وهذا الطلب يزيل الضرر، فالمهم أن الشيء الذي لا يستساغ لا ينبغي للإنسان أن يتناوله، ويُكْرِه نفسه عليه، ولهذا قيل: كلْ ما يشتهي بطنك، ولا تأكل ما يشتهي فمك، ما أدري هل يصلح هذا ولَّا لا؟ نعم، يصح؛ لأن بعض الناس يتلذذ بنوع من الطعام، لكن باطنه لا يقبله، تجده إذا أكل يبدأ يقرقر بطنه، وربما يسهل نقول: هذا لا تأكل، لو اشتهيته بفمك؛ لأن هذا ضرر عليك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده بما يستخرجونه من هذه البحار من اللحوم؛ لقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ بدون مَشَقَّة وبدون تعب ما (...)، ومع ذلك فإن لحوم السمك من أحسن اللحوم، وكذلك نعمة الله عز وجل فيما نستخرجه من هذه البحار، من أيش؟ من الحُلي التي نلبسها.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان الفرق بين كمال اللحوم من هذه البحار وكمال الحلي؛ لأنه في اللحوم قال: ﴿تَأْكُلُونَ﴾، ولم يذكر العلاج الذي نتوصل به إلى هذا الأكل؛ لأنه سهل هين لا يُذكَر، لكن في الحلية قال: تستخرجون؛ لأنها تحتاج إلى مشقة وعناء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بحملِ هذا الفلك الثقيل المملوء بالبضائع على متن الماء، ومع ذلك يستطيع أن يدفع الماء ويمخَرَه؛ لقوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢]، وإلا فإن الماء ثقيل ليس بهين؛ ولهذا عندما يسبح الإنسان في الماء يحتاج إلى قوة حتى يدفع الماء، لكن هذه السفن تمخَر الماء، ولا يظهر أثر هذه النعمة إذا تذكَّر الإنسان السفن القديمة التي تجري بالرياح.
* ومِن فَوَائِدِ الآية الكريمة: بيان نعمة الله تعالى علينا بنيل ما نطلبه من فضله بواسطة هذه البواخر؛ لقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومِن فوائدِها: أنه ينبغي للإنسان أن يفعلَ الأسباب التي يتوصَّلُ بها إلى المقصود؛ لقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ١٢]، أما أن يقول الإنسان: أبغي أبقى في البيت، ورزقي يأتيني، ويقول: إنه متوكل على الله، هل نوافقه على قوله؟ لا، نقول: إذا كنت متوكلًا على الله، لا تكن متواكلًا، فرق بين التواكل والتوكُّل، افعل السبب؟ هذا النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك كان يفعل الأسباب الجالبة للخير الدافعة للشَّرِّ، أليس كذلك؟ طيب، إذن ابتغ من فضل الله، وافعل السبب، فإن السماء لا تُمْطِر ذهبًا ولا فِضَّة، وإنما يأتي الرزق بطلب الإنسان، والأمر أظهر من أن يحتاج إلى أمثلة وإلَّا لكنا نُمَثِّل بمثال من أقرب ما يكون؛ لو قال قائل: إذا كان الله قد قدَّر لي ولدًا فسيأتيني، ولم يتزوج، نقول: هذا الكلام كلام رجل مجنون؟ نعم، مجنون، كيف يمكن أن يأتيك الولد وأنت لم تتزوج؟! نعم، ما علمنا أن الأولاد تنبت من (...) أبدًا، وإنما تأتي بفعل أسبابها بالزواج مثلًا، طيب، هذا يقتضي أيضًا الرزق يحتاج إلى طلب (...).
* ومن فوائدِها: وجوب شكر نعمة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإن الله جعل هذه النعم وسخَّرها لك (...) لنقوم بشكره سبحانه وتعالى، وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر موضعه اللسان والقلب والجوارح.
فاطر 35:12
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر ١١] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما سبَق من الآيات الدالة على قدرته من إرسال الرياح، وإثارة السحاب، وسَوْقه إلى الأرض الميِّت، وإحياء الأرض بعد موتها، وأن الأعمال تُرْفَع إلى الله عز وجل، وكذلك الأقوال؛ الأعمال من أقوال وأفعال ترفع إلى الله، قال هنا: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ هذا باعتبار الأصل الذي هو آدم؛ ولهذا قال: (بخلق أبيكم آدمَ منه) فإن الله تعالى خلقه من تراب، وهذه الآية كما تَرَوْن فيها أن الله خلقه من تراب، وفي آية أخرى أنه خلقه من طين، وفي آية ثالثة أنه خلقه من صَلْصالٍ كالفخَّار، وفي آية رابعة من حمأٍ مسنون، فما هو الجواب عن هذا التغير؟
الجواب أن هذا تغيُّر أوصاف، وليس تغير ذوات، وحينئذ فلا تناقض؛ إذ يجوز أن تتعدد أوصاف على موصوف واحد؛ قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤] مع أنَّه واحد، الحاصل أنه هنا أنْ يقال في هذا التغير تغير أوصاف، لا تَغَيُّرَ ذواتٍ وأعيان، فالعين واحدة، لكن أولها التراب فإذا أضيف إليها الماء صارت طينًا، فإذا أبطأ وأخذ مدة صار حمأ مسنونًا متغيِّرًا؛ يعني الطين إذا حطَّ فيه الماء تجده يَسْوَدُّ، ويكون له رائحةٌ، والرابع من صلصالٍ كالفخَّار هذا بعد أن كان حمأ مسنونًا يَبِسَ وصار صلصالًا كالفخَّار، ثم نفخ الله فيه الروح، فيكون هذا التغيُّر أيش؟ تغيرَ أوصاف، والأصل فيه التراب.
قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [فاطر ١١] ﴿ثُمَّ﴾ أتى بـ(ثم) الدالة على التراخي والترتيب؛ لأن (ثم) تدل على التراخي والترتيب، والفاء تدل على الترتيب بدون تراخٍ. هنا قال: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾؛ لأنه لما خلق آدم -سبحانه وتعالى- وخلق ذريته تناسَل هؤلاء الذرية بواسطة هذا الماء الذي هو النطفة، والنطفة هو الماء القليل.
قال: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: مَنِّيٍّ يدفق، عندكم (بخلق)؟ (بخلق ذريته منها) أي: من هذه النطفة، والغريب أن هذه النطفة القليلة يذكر علماء الطب أنها تشتمل على ملايين من الحيوانات المنوية، وهذه (...) يزعمون أنها ملايين -وهم أعلم منا بذلك- يعني: لا يصلُح منها إلا واحد في الغالب، أو اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، هذا (...) ما سمعت، أنه يلج في المرأة أربعة آلاف يبقى فيهم واحد، والله على كل شيء قدير، قد يزيد، ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر ١].
يقول: (﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ذكورًا وإناثًا)، قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ فسر المؤلف هنا الأزواج بالذكورية والإناث نعم بقرينة قوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١] انتبهوا، فالأزواج هنا باعتبار الجنسين الذكر والأنثى، ويؤيد تخصيصَ الأزواج هنا بالذكورة والأنوثة قولُه: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾.
أما إذا نظرنا إلى لفظ أزواج فإن الأزواج معناها الأصناف، والأصناف أعم من الذكورة والأنوثة؛ فإنه يشمل الشقيَّ والسعيد، والأسود والأبيض، والطويل والقصير، وغير ذلك، لكن الذي جعل المؤلف يحمِلُ الكلامَ على الذكورة والأنوثة فقط؛ لقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، فالله عز وجل بقدرته وحكمته جعل هذه الذرية التي خرجت من هذا الرجل الواحد جعلهم ذكورًا وإناثًا لبقاء النسل؛ لأنه لا يمكن بقاءُ النَّسْل إلا بهذا، وإن كان الله سبحانه وتعالى قادرًا على أن يُبْقِيَ النسل بدون ذلك، فإنه يُقال: إن البشرية منها ما خُلِقَ بلا أم ولا أب، ومنها ما خلق من أب بلا أم، ومنها ما خلق من أم بلا أب، ومنها ما خلق بين أبوين؛ فالذي خلق بلا أم ولا أب؟
* طلبة: آدم.
* الشيخ: ومن أب بلا أم؟
* طلبة: حواء.
* الشيخ: حواء، ومن أم بلا أب؟
* طلبة: عيسى.
* الشيخ: وسائر الناس؟
* طلبة: بين أبوين.
* الشيخ: بين أبوين من ذكر وأنثى.
يقول عز وجل: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ ( ما ) هذه (...) والثاني؟
* طالب: متعدٍّ.
* الشيخ: (...) ولَّا المتعدي؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) اللازم أو المتعدي؟
* الطالب: الأول من اللازم.
* الشيخ: من اللازم.
* الطالب: والثاني من المتعدي.
* الشيخ: والثاني من المتعدي، صح؟
* طالب: صح.
* الشيخ: (...) حرف جر زائد، ﴿أُنْثَى﴾ فاعل ﴿تَحْمِلُ﴾ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر، كذا؟ ﴿أُنْثَى﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر؟
* طالب: اشتغال المحل.
* الشيخ: ما فيه اشتغال، (...).
* طالب: التعذر.
* الشيخ: طيب التعذر، لكنه واقع من حيث اللفظ، مجرور لفظًا.
﴿أُنْثَى وَلَا تَضَعُ﴾ أي الأنثى، (﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ حال أي: معلومة له)، شوف ﴿مَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى﴾ أي أنثى تحمل؟ من بني آدم، ولَّا منهم ومن غيرهم؟ منهم ومن غيرهم، ما (...) ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩]، فالله عز وجل يعلم ما تحمل كل أنثى، في ابتداء الحمل، وتطور الحمل، ومآل الحمل، وكل ما يتعلَّق به، ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾، فأول ما ينشأ الحمل في الرحم معلوم عند الله، وإذا وضعت فهو معلومٌ عند الله عز وجل.
وقول المؤلف: (حال) ويش معنى حال؟ يعني: أن الجار والمجرور في موضع نصب على الحال (...) ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ قال: إلا (معلومة له)، ويمكن أن نقول: إنه لا حاجة إلى هذا التأويل، بل نقول: إن الباء هنا للمصاحبة والمقارنة، أي: لا يحصل الحمل ولا الوضع إلا (...) بعلم الله عز وجل، و(...) إلى ذلك أيضًا أنه بعلمه وإرادته، (...) في الفوائد أنَّ فيها دليلًا على أنَّ مَن أثبت العلم لزم أن يثبت الإرادة؛ ولهذا قال أهل السنة بالنسبة للقَدَرِيَّة قالوا: ناظروهم بالعلم؛ قال الشافعي وغيره: ناظروهم بالعلم؛ فإن أنكروه كفروا، وإن أقروا خصموا، إن قالوا: إن الله ما يعلم (...)، وإن قالوا: يعلم، خصموا؛ لأنه إذا علم ذلك فإما أن يقع الشيء على خلاف معلومه أو على وفاقه؛ فإن كان على وفاقه فبإرادته، وإن كان على خلافه (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: هو (...) المكر.
* الطالب: (...) ولا اسم ولا..؟
* الشيخ: أي هو اسم، مثل هو قائم (...) هو قائم، (...)، والجملة خبرُه، لكن (...) التوكيد، يعني لما قال: ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر ١٠] كأنه قال: مكر أولئك مكر أولئك يبور (...).
﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر ١١] ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ (ما) هذه نافية أيضًا بدليل قوله: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾، ودليل آخر: رفع الفعل (...).
(﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي ما يُزاد في عُمرِ طويلِ العمر) ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: ذلك المعمر، أو معمر آخر ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.
قوله: ﴿يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ معنى التعمير: الزيادة في العمر؛ المعنى: لا يُزادُ في عمر أحد، ولا يُنقَص في عمره إلا في كتاب.
(...) وقوله: ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة داخلة على نائب الفاعل، فنقول في ﴿مُعَمَّرٍ﴾: نائب فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره، (...) حركة حرف الجر الزائد.
وقوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هنا يقول: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ قال المؤلف: (أي: ذلك المُعمَّر، أو مُعَمَّر آخر) أما كون الضمير في قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ يعود على معمر آخر، فهذا لا إشكالَ فيه؛ لأنَّه يكون معمرًا، فيكون الثاني ناقصًا، لكن الإشكال إذا قلنا: إن الضمير يعود على نفس المعمر، فكيف يكون مُعمَّرًا وهو في نفس الوقت منقوص من عُمُرِه؟ ﴿مَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هذا محل إشكال فيما يظهر ولَّا لا؟ (...).
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ (...) ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ إذا قلنا: الضمير يعود على ذلك المعمر صار يعود على أيش؟ على (...) فيكون (...) معمرًا منقوصًا من عُمُرِه.
إذا قلنا: إنه عائد على معمر آخر ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: مِن عُمرِ مُعَمَّر آخر، لا (...) الأول صار النقص يعود على شخص آخر، فعندنا زيد مُعَمَّر وعمرو منقوص من عمره، وهذا لا إشكال فيه، لكن في الإشكال الأول اختلف المفسرون في توجيهه؛ فقال بعضهم: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر ١١] إن النقص هنا في مقابل الزيادة؛ لأن الإنسان كلما تقدم يومًا في الدنيا نقص عمره باعتبار آخر عمره؛ مثلًا الذي له عشر سنوات إذا صار له أحد عشر إذا قُدِّرَ أنه سيموت في عشرين سنة نقص ولَّا لا؟ كلما زاد من وجه نقص من وجه آخر؛ فالمعنى: أنه يُكتَب نقصُه كما تكتب زيادته فيقال مثلًا: يحسب مثلًا فلان بلغ من العمر عشر سنين، ونقص من عمره -يعني: من آخر عمره- عشر سنين، بلغ أحد عشر فنقص من عمره إحدى عشرة، فبقي تسع وهكذا، وإلى هذا ذهب بعض التابعين.
ولكن آخرين من أهل العلم من المفسرين قالوا: أن هذا فيما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه ويُنْسَأَ لَه في أَثَرِه فَليَصِلْ رَحِمَه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢٠) من حديث أنس بن مالك.]] (...) أن الإنسان ينقُص عمره ويزاد بحسب صلة الرحم، ثم يُنْقَص من عمره إذا لم يصل رحمه، ولا يُزادُ في عمره إذا وصَلَه، والمعنى على هذا التفصيل أن زيادة العلم أو نقصه مكتوب عند الله عز وجل، مكتوب فمن قُدِّر له أن عمره يطول بصلة الرحم فسوف يُقَّدر له أن يصل رحمه، ومن قُدِّر له أن ينقص عمره في قطيعة الرحم فسوف يكون قاطعًا لرحمه؛ لأن المسببات مربوطة بأسبابها، معلومة عند الله أفهمتم؟ وهذا يزيل عنا الإشكال الذي أورده بعض العلماء في هذا الحديث، وحاولوا أن يفسروا زيادة العمر بالبركة في عمر الإنسان؛ لأن الله إذا أنزل بركة في العمر وإن كان قصيرًا صار أحسن أو صار خيرًا من عمرٍ طويلٍ بلا بَرَكَة، ولكن تقدم لنا أن هذا لا يخرجهم من الإشكال؛ لأن البركة أيضًا مكتوبة أو غير مكتوبة؟
* طالب: مكتوبة.
* الشيخ: مكتوبة، وكذلك نزعها مكتوب، فلا يخرِجُنا ذلك من الإشكال، لا يخرِجُنا من الإشكال إلا أن نقول: إنَّ عمر الإنسان المطول بسبب صلة الرحم قد كُتِبَ، وقد كُتِبَ أن يصل رحمه، إذن ما الفائدة من قول الرسول: «مَن أَحَبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقِه ويُنْسَأَ لَه في أَثَرِه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
الجواب أن الفائدة من ذلك هو الحثُّ على صلة الرحم؛ كما أننا نقول: مَنْ أحبَّ أن يدخل الجنة فليعمل عملًا صالحًا، لا يقول قائل: إذا كانت الجنة المكتوبة، فكيف (...) يعمل؟ وكيف إذا عمل كُتِبَت له الجنة؟ نقول: هي مكتوبة من قبل (...)، لكن قد كتبت له الجنة، وكتب أن يَعمَل لها عملها، وعلى هذا كلنا بحسب تقديرات الله عزَّ وجل فإنه لا ينقص هذا في العمر، الإشكال وارد على الجميع، ولكنَّ الجواب عنه يسير وهو يقال: إن هذا مكتوب نتيجة لهذا السبب، وهو معلوم عند الله، أما عندنا فليس بمعلوم.
طيب، إذن يكون أحسن الاحتمالات (...) الآية أن المراد ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من مُعَمَّر، وما الإنسان قد يزاد في عمره لسبب من الأسباب، وقد يُنقَص من عمره لسبب آخر.
قال: ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ﴿كِتَابٍ﴾ فِعال بمعنى مفعول؛ كفراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، فكتاب بمعنى مكتوب، فما هو هذا الكتاب؟ قال المؤلف رحمه الله: (هو اللوح المحفوظ) اللوح المحفوظ (...)؛ محفوظ من عدة أوجه: محفوظ أن يناله أحد، لأنه خاصٌّ بتقدير الله عز وجل، محفوظ من أن يُغَيَّر أو يبدل؛ ولهذا ما كُتِبَ في اللوح المحفوظ فإنه سيكون كما قال الله تعالى للقلم: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِن إلى يَوْمِ القِيَامَة»[[أخرجه الترمذي (٢١٥٥)، وأبو داود (٤٧٠٠) من حديث عبادة بن الصامت.]]، وكذلك أيضًا محفوظ عن الخلل؛ بحيث لا (...) يكتب فيه، ولا يتخلف ما كتب فيه؛ يعني لا يقع فيه السهو فهو (...) من كل وجه.
(﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ هين) ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المشار إليه: كل ما سبق؛ الزيادة في العمر، والنقص، والكتاب، كله يسير على الله، أي: هين عليه، وإن كان عند المخلوقين صعبًا وعسيرًا، لكنه عند الله سهل ويسير؛ لأن الله عز وجل إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ [فاطر ١٢] ﴿مَا يَسْتَوِي﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿يَسْتَوِي﴾ بمعنى يتساوى ويتماثل، ﴿الْبَحْرَانِ﴾ وهذا مُجْمَل، والبحر هو الماء الكثير، فكلُّ ماء كثير يسمى بحرًا، البحران هنا مجمل فسَّره عز وجل بقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ العذب معناه: الحُلو المستساغ شربُه، والفرات يقول المؤلف في تفسيره: (شديدُ العُذوبة ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ أي: شربه) ﴿سَائِغٌ﴾ معناه: سهل ومُيَسَّر؛ لأنه حلو عذب، وليس فيه ما يُكَدِّره بوساخة، أو حرارة زائدة، أو برودة زائدة، المهم أنه عذب فرات سائغ شرابه.
الثاني: (﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديدُ الملوحة) ﴿مِلْحٌ﴾ شديد الملوحة، هل يستويان؟
* طلبة: لا يستويان.
* الشيخ: لا، وهل هذا يُراد به الحقيقة، أو هو مَثَلٌ ضَرَبه الله تعالى للمؤمن والكافر؟ قيل: إنه يُرادُ به الحقيقة بدليل قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وقيل: إنه يراد به مثل ضربه الله تعالى للمؤمن والكافر، فالمؤمن بمنزلةِ العَذْب الفرات، والكافرُ بمنزلة المِلحُ الأجاج، ولكن لدينا قاعدة في الكلام أنَّه إذا دار الأمر بين أن يكون حقيقة أو غير حقيقة وجب أن يُحْمَل على الحقيقة، فهو إذن حقيقة، ويُؤيِّدُه أيضًا قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، فإن مثل هذا الترشيح يدل على أنه حقيقة، وليس بمجاز، على أننا نقول: إنه لا مجازَ في القرآن، ولا في غيره، كما مر علينا كثيرًا، ولكن مع هذا لا بأس أن (...) مِن نفيِ اتصالٍ بين هذين البحرين، ونفي اتصال بين كل شيئين متغايرين؛ يعني: لا مانع مِن أن ينتقل الذهن من انتفاء التساوي بين هذين المحسوسين إلى انتفاء التساوي بين الأمور المعقولة (...).
قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ تتعلق بقوله: ﴿تَأْكُلُونَ﴾.
(﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السمك) الطري معناه الذي لم يتغير بنتن، وهذه من خصائص السمك أنه لو مات فإنه طري كما قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «صيده ما أكل حيًّا، وطعامه ما أكل ميتًا»[[أخرجه الدار قطني في سننه (٤٧٢٨)، وابن منصور في تفسيره (٨٣٣) من حديث ابن عباس.]].
* ثانيًا: مِن فوائِد هذين الوصفين: (﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ من الملح، وقيل: منهما ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللؤلؤ والمرجان) كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، وقد اختلف الناس: هل هذا لا يخرج إلا من المالح، أو يخرج من المالح والعذب؟ فأكثرُ المفسرين على أنه لا يخرج إلا من المالح، وحملوا قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢] على أنَّ المراد من مجموعهما، لا من جمعهما، فهنا إذا قلنا: عندنا بحران عذب ومالح يخرج منهما لؤلؤ ومرجان، منهما أي: من المجموع، لا من الجميع بحيث يعني كل واحد، ولكن الصحيح أنه يخرج من الجميع؛ لأن هذا ظاهر القرآن، والله سبحانه وتعالى أعلم بما خلق، كونه يخرج منهما وقد ثبت الآن أنه يخرج اللؤلؤ والمرجان من هذا ومن هذا، ولهذا قال المؤلف: (وقيل: منهما).
﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وذكر اللبس؛ لأنه غاية ما ينتفع به في هذه الحلية، وإلا من المعلوم أن من يستخرج هذه الحلية يتخذها تجارة، وتجارة اللؤلؤ والمرجان فيما سبق وإلى الآن لم تزل تجارة قوية، لكن هؤلاء التجار الذين يتجرون به ويش الغرض من ذلك؟ اللبس؛ لأن الذي يشتريها منهم يريد بها اللبس، فإن أراد بها التكسب فسيبيعها على مَن؟
* طلبة: يلبسها.
* الشيخ: يلبسها، فذكر الله في هذين البحرين منفعتين: منفعة ظاهرة، ومنفعة باطنة؛ كسوة للبدن في باطنه، وكسوة للبدن في ظاهره؛ كسوة البدن في الباطن؟ أكل اللحم، فإنما أكل اللحم كسوة للبدن في باطنه؛ ولهذا قال لآدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه ١١٨]، ولم يقل: ولا تظمأ، بل قال:﴿وَلَا تَعْرَى﴾؛ لأن الجوع عُرْيُ الباطن، والعُري عُري الظاهر.
ثم نقول: ذكر الله لباسين: اللباس الباطن بأكل اللحم، واللباس الظاهر بهذه الحلية.
﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾، (﴿﴿وَتَرَى﴾ ﴾ تبصر ﴿الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿فِيهِ﴾ في كل منهما ﴿مَوَاخِرَ﴾ ).
قال: ﴿وَتَرَى﴾ أي: (تُبصِر) الخطاب لمن؟ لكل مَنْ يتوجه إليه الخطاب، والرؤية هنا بصرية، رؤية بصرية فإن من يشاهد البواخر في البحار تمخَر الماء أي تشقه.
وقوله: ﴿فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ قال المؤلف: (في كل منهما) أشار المؤلف رحمه الله أن الإشكال (...)؛ لأنه هنا يقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾، ثم قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ﴾، ومقتضى السياق أن يكون التعبيرُ هكذا: وترى الفلك فيهما. ولكن الضمير هنا لا يعود على البحرين، وإنما يعود على ﴿كُلٍّ﴾، و(كل) كلمة لفظها مفرد، فعاد الضمير في هذه الآية على ﴿كُلٍّ﴾ باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ؛ لأنه مفرد، ومن هنا قال المؤلف: (في كل منهما) فزال الإشكال.
وقوله: ﴿مَوَاخِرَ﴾ قال: (تمخَر الماء، أي: تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة) وهذا من نعمة الله عز وجل أنْ سخَّر الفلك لنا تجري على هذا الماء، وتمخَر عُباب الماء حاملة أنواع الأرزاق، وحاملة البَشَر الكثير؛ ولذلك ترون الفلك الآن تعتبر بلدًا كاملًا إذا دخلتها وإذا هي كالبلد، هذا من نعمة الله سبحانه وتعالى، فذكر هنا ثلاث نِعَمٍ: الأولى: أكل اللحم، والثاني: الحلية، والثالث: البواخر التي تعبُر أو تشق الماء من ناحية إلى أخرى؛ لتنقل الأرزاق والآدميين.
وتأملْ قوله هنا: ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ و﴿تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾؛ لأن السمك أكله هين ما يحتاج إلى كلفة، فذكر الأكل مباشرة، اللؤلؤ والمرجان يحتاج إلى كلفة وإلى تعب؛ لأنه يحتاج إلى غَوْصٍ وآلات وطول نفس أو حمل أشياء تعين على التنفس؛ ولهذا قال أيش؟ ﴿تَسْتَخْرِجُونَ﴾ أي: تطلبون حلية، الفلك قال: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾؛ لأن مشاهدتها بالعين وهي تَعُبُّ تشق الماء من أعظم يعني (...) من أعظم آيات الله عز وجل.
قال تعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ (﴿لِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ تعالى بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الله على ذلك) يعني: سخَّر الفلك وجعلها مواخر في هذا البحر؛ لأمرين: أولًا ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: تطلبوا الرزق حين تحمله هذه البواخر، (...) مثلًا الأرزاق من أمريكا ومن اليابان، (...) الأخرى البعيدة إلا بواسطة هذه البواخر التي تحمل الأشياء الكثيرة، هذا مِنْ فضل الله عز وجل (...) ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
أما قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإن (لعل) هنا لا ندري معناها حتى نستعرضَ المعاني التي تأتي لها (لعل)؛ (لعل) تأتي للترجِّي، وتأتي للتوقع، وتأتي للإشفاق، وتأتي للتعليل، فلأيِّ المعاني كانت في هذه الآية؟
* طلبة: التعليل.
* الشيخ: التعليل، يعني: لأجل أن تشكروا الله عز وجل، إذا رأيتم هذه البواخر تمخَر الماء، وتأتي بالأرزاق من ناحية إلى ناحية، فإن هذا يستوجِبُ أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، والشكر قال العلماء في تفسيره: هو القيام بطاعة المنعم اعترافًا بالقلب، وتحدُّثًا باللسان، وطاعة بالأركان، فمواضعه ثلاثة: القلب واللسان والجوارح؛ ولهذا قال الشاعر؟
* طالب:
أَفَادَتْـــكُـــــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
* الشيخ:
أَفَادَتْـــكُـــــمُ النَّعْــــــمَاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
فهذا الشكرُ يكون في هذه المواضع الثلاثة، والحمد يكونُ باللسانِ، فمتعلَّق الشُّكْرِ أعمُّ وسببه أخص، ومتعلَّق الحمد أخصُّ وسببه أعم؛ لأن الحمد يكون في مقابلة النعمة، ويكون في مقابلة كمال المحمود، فهو أعم من حيث المتعلق، بخلاف الشكر فإنه أخص يعني هو (...)، الشكر أعم في المتعلق وأخص في السبب، والحمد بالعكس.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر ١١] إلى آخره.
* في هذه الآية الكريمة: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى في ابتداء خلق بني آدم؛ بأن خلقهم من تراب، ثم من نطفة، إلى آخره.
* ومِن فوائدِها أيضًا: أن الله بحكمته ورحمته جعل بني آدم أزواجًا ذكرًا وأنثى؛ وذلك لبقاء النسل وحصول المتعة.
* ومِن فوائدِها: إحاطةُ علمِ الله بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر ١١].
* ومِن فوائدِها: إثباتُ القدرة لله عز وجل، من قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾؛ لأن الخلق لا يكون إلا بعد علم وقدرة.
* ومن فوائِدِها أيضًا: أن الأعمارَ الطويل منها والقصير كله مكتوب عند الله عز وجل في كتاب.
* ومن فوائدِها: إثبات مرتبتين من مراتب القدر؛ وهما: العلم والكتابة.
* ومن فوائدِها أيضًا: سهولة هذا الشيء على الله سبحانه وتعالى وهو الخلق والكتابة؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فيها المرتبة الثالثة من مراتب القدر، وهي الخلق، إذن فيه ثلاث مراتب: العلم، والكتابة، والخلق، ويش بعدها؟ المشيئة، (...) المشيئة، يمكن نأخذها من الآية؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: يخلق ما يشاء.
* الشيخ: (...) ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ﴾ [فاطر ١١] وهذا لا يكون إلا بالمشيئة؛ لأن الله لم (...) هذه، فتكون (...) الآية إثبات مراتب القدر الأربعة العلم ثم الكتابة ثم المشيئة ثم الخلق وقد جمعت هذه المراتب الأربع في بيت (...).
* طالب:
عِلْمٌ كِتابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ∗∗∗ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
* الشيخ:
عِلْمٌ كِتابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ∗∗∗ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ
هذه مراتب القدر الأربعة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٢].
* في هذه الآية من الفوائد:
* أوَّلًا: أن الأشياء المختلطة لا يمكن أن تكون متساوية؛ لقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ إلى آخره، يتفرع من هذه الفائدة أنه لا يمكن التسوية بين الرجل والمرأة في الحقوق ولا في غيرها، نعم، لماذا؟ لأن تكوين خلقة المرأة مختلف عن تكوين خلقة الرجل، ولهذا جعل الله (...) أعمالًا تليق بها، وللرجل أعمالًا تليق به؛ فقد سألت عائشة النبي عليه الصلاة والسلام: هل على النساء جهاد قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لا قِتَالَ فيه: الحَجّ والعُمْرَة»[[أخرجه البخاري (١٥٢٠)، وابن ماجه (٢٩٠١) واللفظ له من حديث عائشة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يُفْلِح قومٌ ولَّوْا أَمْرَهُم امْرَأَة»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث.]]، ومنع النبيُّ ﷺ من تزويج المرأة نفسها[[أخرجه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩) من حديث عائشة.]]، إلى آخر ما تعرفون من الفروق بين الرجل وبين المرأة، وفي الميراث جعل للمرأة نصف الرجل إذا كان من جنسها كالإخوة والأعمام والأخوال.
* طلبة: لا (...).
* الشيخ: كالإخوة، طيب والأعمام؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الإخوة (...) والأعمام؟
* طالب: لا يرثون.
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: لأن العمة لا ترث، العمة لا ترث؛ يعني: لو هلك هالك عن عمه وعمته ما ورثت العمة، (...)، إي نعم، طيب نكمل الفوائد، (...).
* طالب: كيف يكونون من بحر واحد، ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ [فاطر ١٢] (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) ظاهر القرآن، ظاهر القرآن من هذا ومن هذا، أما مسألة السمك فهما جميعًا ما فيه إشكال ولا أحد يقول: من واحد، لكن اللي فيه إشكال هو مسألة اللؤلؤ والمرجان؛ هل يخرج من واحد أو لا؟ وسيأتينا إن شاء الله في الفوائد، كذلك أيضًا أنه ليس المراد اللؤلؤ والمرجان فقط، قد يتحلى الناس مما يخرج من البحر من غير هذين النوعين.
(...) إخوة يوسف أعقل من أن يوجِّهوا خطابًا لأبيهم يريدون أن يذهب إلى الجدران يسأل، لكن ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت ٣١] المراد بالقرية: المساكن ولَّا لا؟ مساكن القوم؛ بدليل قوله: ﴿أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، فأنت ترى الآن أنَّ هذه الكلمة صارت في موضع لها معنى لا تحتمل المعنى الآخر في الموضع الآخر، فالسياقُ له دور كبير في معرفة المراد بالكلام.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث جعل من هذا الماء هذين الصنفين المتباعدين هما بحران من الماء أحدهما ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر ١٢]، والثاني: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر ١٢] فهما شيء واحد، ومع ذلك يختلفان هذا الاختلاف.
* ومِن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الماء العذب يكون سائغَ الشرب، وعكسه الماء المالح، ويتفرع على ذلك أنه لا ينبغي للإنسان أن يشرب ما لا يستسيغه؛ لأن ذلك يؤثِّر عليه ويضره، كما أنه لا مانع من أن يتناول ما تشتهيه نفسه وإن كان في بعض الحالات ضررًا عليه، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن لطلب النفس الشيء أثرًا كبيرًا في انتفاء مضرته، وضرب لذلك مثلًا فيما أظن الميتة خبيثة مُضِرَّة، فإذا اضطر الإنسان إليها واشتدت حاجته (...) صارت النفس تقبلها وتستسيغها، ثم تهضمها فلا تضرُّها؛ لأنها لو كانت تضر –أي: الميتة- تضر المضطر ضررَ غيرِ المضطر لكان حِلُّها له يتضمن قتل نفسه؛ ولذلك لو اضطر إلى أكلٍ وليس عنده إلا سُم لم يَحِلَّ له أن يأكل السُّم، واضح؟ وضرب مثلًا لذلك أيضًا بقصة صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ «كان أرمد» -يعني: توجعه عينُه من رمد كان بها- «فجيء إلى النبيِّ ﷺ بتمرٍ فأكل منه النبي عليه الصلاة والسلام، وذهب صهيب ليأكل فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكَ أَرْمَدُ» -والمعروف أن الذي في عينه رمد لا يأكل التمر- «فقال: يا رسول الله! أمضغه من الجانب الآخر.» كيف؟ مثلًا إذا كانت عينه اليمنى فيها رمد يمضغه من الجانب الأيسر، «فضَحِك النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «كل»[[أخرجه الحاكم في مستدركه (٨٤٦٨) من حديث عبد الله بن صهب.]] قال: لأن نفسه الآن كانت تطلبه طلبًا قويًّا، وهذا الطلب يزيل الضرر، فالمهم أن الشيء الذي لا يستساغ لا ينبغي للإنسان أن يتناوله، ويُكْرِه نفسه عليه، ولهذا قيل: كلْ ما يشتهي بطنك، ولا تأكل ما يشتهي فمك، ما أدري هل يصلح هذا ولَّا لا؟ نعم، يصح؛ لأن بعض الناس يتلذذ بنوع من الطعام، لكن باطنه لا يقبله، تجده إذا أكل يبدأ يقرقر بطنه، وربما يسهل نقول: هذا لا تأكل، لو اشتهيته بفمك؛ لأن هذا ضرر عليك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده بما يستخرجونه من هذه البحار من اللحوم؛ لقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ بدون مَشَقَّة وبدون تعب ما (...)، ومع ذلك فإن لحوم السمك من أحسن اللحوم، وكذلك نعمة الله عز وجل فيما نستخرجه من هذه البحار، من أيش؟ من الحُلي التي نلبسها.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان الفرق بين كمال اللحوم من هذه البحار وكمال الحلي؛ لأنه في اللحوم قال: ﴿تَأْكُلُونَ﴾، ولم يذكر العلاج الذي نتوصل به إلى هذا الأكل؛ لأنه سهل هين لا يُذكَر، لكن في الحلية قال: تستخرجون؛ لأنها تحتاج إلى مشقة وعناء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بحملِ هذا الفلك الثقيل المملوء بالبضائع على متن الماء، ومع ذلك يستطيع أن يدفع الماء ويمخَرَه؛ لقوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢]، وإلا فإن الماء ثقيل ليس بهين؛ ولهذا عندما يسبح الإنسان في الماء يحتاج إلى قوة حتى يدفع الماء، لكن هذه السفن تمخَر الماء، ولا يظهر أثر هذه النعمة إذا تذكَّر الإنسان السفن القديمة التي تجري بالرياح.
* ومِن فَوَائِدِ الآية الكريمة: بيان نعمة الله تعالى علينا بنيل ما نطلبه من فضله بواسطة هذه البواخر؛ لقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومِن فوائدِها: أنه ينبغي للإنسان أن يفعلَ الأسباب التي يتوصَّلُ بها إلى المقصود؛ لقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ١٢]، أما أن يقول الإنسان: أبغي أبقى في البيت، ورزقي يأتيني، ويقول: إنه متوكل على الله، هل نوافقه على قوله؟ لا، نقول: إذا كنت متوكلًا على الله، لا تكن متواكلًا، فرق بين التواكل والتوكُّل، افعل السبب؟ هذا النبي عليه الصلاة والسلام سيد المتوكلين، ومع ذلك كان يفعل الأسباب الجالبة للخير الدافعة للشَّرِّ، أليس كذلك؟ طيب، إذن ابتغ من فضل الله، وافعل السبب، فإن السماء لا تُمْطِر ذهبًا ولا فِضَّة، وإنما يأتي الرزق بطلب الإنسان، والأمر أظهر من أن يحتاج إلى أمثلة وإلَّا لكنا نُمَثِّل بمثال من أقرب ما يكون؛ لو قال قائل: إذا كان الله قد قدَّر لي ولدًا فسيأتيني، ولم يتزوج، نقول: هذا الكلام كلام رجل مجنون؟ نعم، مجنون، كيف يمكن أن يأتيك الولد وأنت لم تتزوج؟! نعم، ما علمنا أن الأولاد تنبت من (...) أبدًا، وإنما تأتي بفعل أسبابها بالزواج مثلًا، طيب، هذا يقتضي أيضًا الرزق يحتاج إلى طلب (...).
* ومن فوائدِها: وجوب شكر نعمة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فإن الله جعل هذه النعم وسخَّرها لك (...) لنقوم بشكره سبحانه وتعالى، وقد مر علينا كثيرًا بأن الشكر موضعه اللسان والقلب والجوارح.
فاطر 35:13
ثم قال الله سبحانه تعالى مبينًا كمالَ قدرته ونعمته أيضًا؛ قال: (﴿يُولِجُ﴾ يدخل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيد ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يدخله ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فيزيد)، انتبه لكلام المؤلف، هل يوافق الظاهر ولَّا لا؟ (﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيد)، ويش اللي يزيد؟
* طلبة: النهار.
* طلبة آخرون: الليل.
* الشيخ: طيب، نشوف..
طلع النهار، زاد الليل، وإن كان يعود على أقرب مذكور؛ وهو النهار فيزيد، فهذا فيه نظر لكن توجيهه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [فاطر ١٣] أن شيئًا من الليل يكون جزءًا من النهار، هذا توجيه، أن شيئًا من الليل يكون جزءًا من النهار، فإذا كان شيء من الليل جزءًا من النهار معناه: زاد النهار، يعني كأنه يقول مثلًا: دخل الليل في النهار فصار نهارًا، وحينئذٍ ويش اللي يزيد؟ النهار، والعكس بالعكس، لكن الظاهر من الآية الكريمة أنه يُدخِل الليل في النهار فيكون جزءٌ من النهار ليلًا.
الآن لو قلت: أدخلت هذا في الساقية في هذه الأرض، تعرفون الساقية ولَّا لا؟ (...) في الأرض. الجزء الذي دخل من الساقية جعل الأرض ساقية.
إذن أدخلتُ الليل في النهار؛ جعلت جزءًا من النهار ليلًا، وحينئذٍ يكون الليل هو الذي يطول.
إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار بالليل لا شك أنه دال على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن يولجوا جزءًا يسيرًا من الليل في النهار أو بالعكس ما استطاعوا أبدًا.
ثم هذا الإيلاج أيضًا إيلاج بالنظام، أيش معنى بالنظام؟ أي أنه يأتي شيئًا فشيئًا حتى تتكيف طباع البشر بهذا الإيلاج، ما ظنكم لو أنه جاء الليل بنهايته دفعة واحدة؟ يعني مثلًا اليوم صار الليل ثماني ساعات وخمسًا وثلاثين دقيقة، في الليلة القادمة صار اثنتي عشرة ساعة وخمس دقائق، ماذا تكون حال الناس؟ تضطرب، لكنه سبحانه وتعالى يولجه شيئًا فشيئًا، هذا من جهة الاضطراب.
من جهة أخرى لو وَلَجَ هكذا دفعة، أنتم تعرفون أن سبب طول النهار قُرْب الشمس من مسامتة الرؤوس، وإذا قربت الشمس من مسامتة الرؤوس فلا بد أن تكون شديدة الحرارة، معنى ذلك أن يكون اليوم هذا في عز الشتاء، واليوم اللي يليه في عز الصيف، وهذا ضرر عظيم، لكنه سبحانه وتعالى يولجه شيئًا فشيئًا، وهذا من تمام القدرة والحِكمة والرحمة.
أيضًا إيلاج الليل في النهار، وبالعكس له تأثير عظيم على الجو؛ لأنه ينقلب الجو من بارد شديد على طول الزمن إلى حار شديد على طول الزمن أيضًا، ألم تعلموا أن هذه الحرارة الشديدة تقتل من الجراثيم الضارة ما لا يعلم به إلا الله عز وجل.
ولهذا لنضرب مثلًا بسيطًا كلنا نشاهده: البعوض إذا اشتد الحر مات فلم يبقَ له أثر؛ ولهذا أكثر ما يكثر في الزمن اللي بين الحر والشتاء؛ الشتاء كذلك شدة البرودة تقتل الجراثيم، تعيش على الحرارة ولا يعلم بها إلا الله عز وجل.
ومن ثم قال العلماء: إن أكثر أهل الأرض أمراضًا هم الذين على خط الاستواء وما قاربه، لماذا؟ لأنه ليس عندهم شتاء يقتل، أو صيف حار يقتل أيضًا، وهذا أمر مُشاهَد.
إذن إيلاج الليل في النهار فيه عِدَّة حِكَم؛ ولهذا بينه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر ١٣].
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣] أي: ذلَّلَهما لعباده.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الشمس معروفة، والقمر معروف، سخرهما؛ أي: ذللهما، ذللهما لمن؟ لمصالح العباد، فإن في الشمس والقمر من المصالح العظيمة للعباد ما يعرفه أهل العلم بهذا الشأن؛ مصالح عظيمة.
هذه الشمس والقمر ما بين الله لنا ثقلهما ولا حجمهما؛ لأن ذلك ليس بالعلم النافع (...) لنا؛ فالجهل به لا يضر، والعلم به من فضول العلم، إن لم يشغلك عما هو أهم منه فاشتغل به، إنما بين المصالح التي تترتب على تسخير الشمس والقمر، قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣]، فبالشمس يكون النهار والليل ولَّا لا؟ ويكون أيضًا نضج الثمار، وتكون الأنوار العظيمة، ما رأيكم مثلًا ماذا يتوفر للعالم من الطاقة بعد خروج الشمس؟ كثير لا يُحصى؛ لأنها توفر الكهرباء، وتوفر أيضًا تليين الأشياء، تحتاج إلى تليين وإلى حرارة، ثم إنه في الأزمنة الأخيرة صاروا يستنتجون من حرارة الشمس طاقة كبيرة عظيمة.
أما القمر فسُخِّر لنا أيضًا بما يحصل من نوره في الليل، وبما يحصل منه من العِلْم بالحساب وعدد السنين وما إلى ذلك.
وإن شئتم مزيدًا من هذا فراجعوا كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم رحمه الله، ذكر من مصالح الشمس والقمر أشياء عديدة كبيرة، وذكر غيره أيضًا ذلك لكن يجد الإنسان فرقًا بين بحث ابن القيم مثلًا وبحث العلماء علماء الطبيعة؛ لأن علماء الطبيعة ينظرون إلى هذه الأشياء من زاوية مظلمة حالكة مادية محضة، لا يتربى فيها الإنسان تربية دينية، ولا يعرف بها قُدرة الله ونعمته، لكن إذا تكلم مثل ابن القيم رحمه الله في ذلك يعطي من هذا دائمًا برحمة الله وقدرته وحكمته فيجد الإنسان مع علمه بهذا الكم من العلوم، يجد مع ذلك خشية لله عز وجل وتعظيمًا له ومحبة له.
قال: (﴿كُلٌّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ في فلكه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣] يوم القيامة) كل منين؟ من الشمس والقمر. ﴿يَجْرِي﴾ يعني يسير في فلكه، لأجل مسمى.
الفَلَك شبهه ابن عباس رضي الله عنه بفلكة الْمِغزل، فَلَكة الْمِغْزل عبارة عن قرص في أعلاه، وفي أسفله عود ينطوي عليه الحبل الذي يُغزل، يمكن شاهده بعضكم، نعم، هذه تدور؛ لأن المرأة اللي تغزل تبرمه هكذا حتى يدور ويُحكِم الحبل، الفلَك هذا للشمس فلك تدور به وللقمر فلك يدور به.
وفي إسناد الجريان إلى كل منهما دليل على أنهما يسيران بذاتهما ويدوران على الأرض، وهذا شيء مشاهَد أن الشمس تدور على الأرض، وكذلك القمر.
وما ادعاه علماء الهيئة من أن الأرض هي التي تدور والشمس لا تدور حول الأرض فإننا نكذبهم حتى يقوم لنا دليل حسي، يكون لنا حجة أمام الله عز وجل في الخروج عن ظاهر كلامه، وإلا فالواجب علينا نحو هذه الأمور ألا نخرج عن ظاهر كلام الله؛ لأن الله تعالى هو الخالق، والخالق أعلم بما خلق من غيره، مُسَلَّم هذا ولَّا لا؟
* طلبة: مُسَلَّم.
* الشيخ: مُسَلَّم؛ ولأن كلام الله عز وجل أوضح الكلام وأبينه، فلا يمكن أن يكون فيه شيء من التعقيد، لا اللفظي ولا المعنوي، بل هو واضح في معناه ظاهر؛ ولأن كلام الله عز وجل أصدق الكلام، فلا يمكن أن يخبرنا الله عز وجل بأمر لم يكن، أو بأمر يكون الواقع على خلافه؛ ولأن الله عز وجل أحب أحد يكون البيان إليه، يعني أنه يحب البيان لعباده أكثر من أي أحد، واقرأ قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦] وما أشبهها من الآيات الدالة على أن الله عز وجل يريد أن يُبَيِّن لعباده ما يهتدون به، فإذا كان سبحانه وتعالى هو أحب من تكلم بالبيان، أو هو أحب من أن يكون البيان إليه أحب وهو الله عز وجل، فإن الله تعالى لا يمكن أن يقول في كلامه ما ليس فيه بيان لنا.
إذن فنحن نكذبهم ونقول: كذبتم أن يكون تعاقب الليل والنهار من أجل دوران الأرض، بل تعاقب الليل والنهار من أجل دوران الشمس على الأرض، ولا غرابةَ في ذلك.
هم يقولون: كيف أن الكبير يدور على الصغير؟
قلنا: ما فيه مانع، نحن معكم بأن الشمس أكبر من الأرض، لكن ما المانع من أن يكون الجزء الكبير أو الجرم الكبير هو الذي يدور على الصغير.
ونحن إذا نظرنا إلى القرآن وجدنا أن الله سبحانه وتعالى يُضيف هذه الحركة إلى الشمس نفسِها، وكذلك إذا نظرنا إلى السُّنَّة؛ ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، وفي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ﴾ [ص ٣٢]؛ أي: الشمس ﴿بِالْحِجَابِ﴾، وفي القرآن يقول: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان ٢٩]، هذه ستة مواضع.
* طالب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾.
* الشيخ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨] مثل: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣]، كلها تدل على أن هذه الأفعال تقع من الشمس، لو كان هذا يأتي بدوران الأرض لقال: وترى الشمس إذا طَلَعوا عليها؛ لأن دارت الأرض فنحن الذين نطلع على الشمس ما هي بالشمس اللي تطلع علينا.
وأما قولهم: إن هذا خطاب للناس بما يشاهدونه بأعينهم والأمر على خلافه؛ يعني: إذا طلعت حسب رؤية العين.
وفي الواقع أننا نحن الذين نطلع عليها، فبماذا نجيبهم؟
نقول: هذا خلاف أمر الله، ولا يمكن أن نحيد عن هذا الظاهر إلا بدليل محسوس، يمكننا أن نحتجَّ به أمام الله عز وجل؛ لأن الله سيُحاسبنا يقول: لماذا عدلتم عن كلامي إلى كلام غيري؟ والخطاب من الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧] ﴿تَزَاوَرُ﴾ أي: تميل، ولو كان ذلك بدوران الأرض لكان الأرض هي التي تميل، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ لو كان هذا بدوران الأرض لكان الأرض هي التي تغرب عن الشمس.
أما في السنة فقد قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]]. أتدري أين تذهب؟ أسند الذهاب إليها، عندما غربت، ولو كانت الأرض هي التي دارت حتى اختفت الشمس لكان يقول: أتدري أين تذهب الأرض مثلًا؟
والحاصل: أنه يجب علينا وجوبًا أن نأخذ بظاهر القرآن، وأن الشمس هي التي تدور على الأرض، وأنه بدورانها يحصل اختلاف الليل والنهار، هذا الواجب، ولا يجوز أن نحيد عن هذا أبدًا إلا إذا قام الدليل الحسي على خلاف ذلك فإنه حينئذٍ يتعين التأويل، وصرف الكلام عن ظاهره؛ لأننا نعلم علم اليقين أن القرآن لا يخالف الواقع، أما شيء يقولونه بأوهامهم ويقدرونه فإننا لا نوافقهم على ذلك، ولا يسع المؤمن أن يحيد عن ظاهر كلام الله لمجرد قولهم أبدًا.
أما مسألة الأرض هل تدور أو ما تدور فنحن نقول: لا نُصدِّق ولا نُكذِّب، فيمكن أن يكون لها دورة، ومع ذلك للشمس دورة.
هم يقولون: إذا أقررتم بدوران الأرض لزمكم أن تقولوا: إن الشمس ثابتة، فنقول: ليس ذلك بلازم، يمكن يكون للشمس دورة، وللأرض دورة أخرى، ولا مانع من ذلك، ولكن مع هذا نقول: إن الكلام في دوران الأرض من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان أن يضيع وقته به إلا رجلًا يحتاج إلى معرفة ذلك كما يُذْكَر أنهم يحتاجون إليه في الصواريخ الموجَّهة وما أشبه ذلك مما هو معروف عند أهله، فحينئذٍ إذا احتاج إليه فلا حرج أن يبحث فيه، أما إذا لم يَحْتَجْ إليه فنقول: هذا ضياع وقت، وما الفائدة من أن تعلم أنها تدور أو لا تدور؟ احمد الله أن الله جعلها قرارًا سواء كانت تدور أو لا تدور.
قال: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣] يحتمل أن تكون اللام للعاقبة؛ أي: كل يجري حتى ينتهي لهذا الأجل، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلى) كما جاءت به في موضع آخر ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان ٢٩].
وعلى كل حال فهي تدل على أن لهذا الجريان غاية، وهو كذلك، هذه الغاية فسرها المؤلف بقوله: (يوم القيامة).
وقوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣] أي: مُعَيَّن، عند مَنْ؟ عند الله سبحانه وتعالى، وهو معلوم عنده وليس معلومًا عندنا.
إذن فهذه الشمس والقمر ليستا أبديتين لكنهما دائبان كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم ٣٣] أي: مستمرين لكن لهما أجل ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] الإشارة تعود إلى ما ذُكِر من التسخير والجريان، انتبه! أقول: ﴿ذَلِكُمُ﴾ تعود إلى ما ذكر من التسخير والجريان، أو تعود إلى الفاعل في قوله: ﴿سَخَّرَ﴾؟
* طالب: الفاعل.
* الشيخ: إذن ذلكم الْمُسَخِّر الله، فالمشار إليه الآن مفرد مذكر، والمخاطَب جماعة ذكور.
وهنا نسأل: ماذا يراعى في اسم الإشارة وكاف الخطاب؟ هل يراعَى المخاطَب أو الْمُشَار إليه؟
نقول: أما اسم الإشارة فيُراعى فيها الْمُشار إليه، وأما الكاف فيُراعى فيها المخاطب، عرفت؟ فإذا أشرتَ إلى رجلين مخاطبًا جماعة إناث، أشرت إلى ذكرين مخاطبًا جماعة إناث، ماذا تقول؟
* طالب: هذان.
* الشيخ: لا.
* الطالب: ذانكن.
* الشيخ: نقول: ذَانِكن، (ذَانِ) هذا تخاطب ذكرين، (كُنَّ) تخاطب جماعة إناث، ذانكن، في القرآن: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢] لكن هنا في الآية المشار إليه مفرد مذكر، المشار إليه مفرد مذكر.
خاطب جماعة ذكور مشيرًا إلى جماعة إناث.
* طالب: أولئكم.
* طالب آخر: تلكم.
* الشيخ: تلكم صح؟ تلكم أو أولئكم؟ يصلح هذا وهذا.
هل الأفصح في المخاطَب أن يكون الضمير على حسب المخاطَب؛ يعني جماعة ذكور إذا كان المخاطب جماعة ذكور، جماعة إناث إذا كان المخاطب جماعة إناث، ومثنى إذا كان المخاطب مثنى، مفردًا مفتوحًا إذا كان المخاطب مذكرًا، مفردًا مكسورًا إذا كان المخاطب مؤنثًا؟ أو الأفصح أن يكون بلفظ الإفراد دائمًا؟
نقول: فيه ثلاث لغات:
أولًا: أن يكون باعتبار المخاطب مطلقًا، هذا واحد.
ثانيًا: أن يكون بالفتح دائمًا؛ يعني للمفرد؛ بالفتح للمفرد.
ثالثًا: أن يكون بالفتح لمفرد في المذكر، وبالكسر في المؤنث مطلقًا. كم هذه؟ ثلاث لغات متصورينها زين ولَّا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: اللغة الأولى وهي المشهورة الفصحى: أن تكون الكاف بحسب المخاطَب مطلقًا، تخاطب مفردًا مذكرًا، تقول: (ذلكَ)، مفردة مؤنثة: (ذلكِ)، مثنى (ذَلِكُما)، جماعة ذكور: (ذَلِكم)، جماعة الإناث: (ذَلِكُنَّ)، هذا الأفصح.
ثانيًا: أن تجعله مفردًا مفتوحًا في المذكر مطلقًا، فتقول: (ذلكَ)، سواء كنت تخاطب مفردًا أو مثنى أو جمعًا لكن بشرط أن يكون مذكرًا.
وتقول في المؤنث: (ذلكِ) سواء كنت تخاطب واحدة أو جماعة أو مثنى.
الثالث: أن تجعله مفتوحًا بصيغة المذكر دائمًا أيهم خاطبت فتقول: (ذلكَ) سواء كنت تخاطب رجلًا أو امرأة جماعة أو مثنى أو مفرد.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣]، المشار إليه في الآية ﴿ذَلِكُمُ﴾ المشار إليه ما نوعه؟
* طلبة: مثنى.
* الشيخ: لا، المشار إليه مفرد مذكر، والمخاطب جماعة؛ لأن الله يخاطب الناس جميعًا.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣] الربُّ يُطلق على معانٍ كثيرة في اللغة العربية:
منها: الخالِق، المالك، المدبر، فالربوبية معناها أن الله سبحانه وتعالى خالق مالك مدبر؛ ولهذا قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر للدلالة على الحصر؛ يعني: له وحده الملك دون غيره، الملك المطلق الشامل لله وحده، ملك الذوات والأعيان، وملك التصرف في هذه الأعيان، فهو المالك لكل مخلوق، وهو المتصرف في كل مخلوق.
فإذا قلت: كيف يصح الحصر مع أن الله عز وجل أثبت الملك لغيره فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور ٣٣] فأثبت الملك لغيره وأن تقول: إن هذه الجملة فيها حصر؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن ملكنا ليس ملكًا مطلقًا بل هو ملك مُقيَّد بحسب الشريعة، فأنا مثلًا مالِك لهذه الحقيبة لكن لا أملك أن أتلفها، هل أملك أن أتلفها؟ أبدًا؛ لأن حرام عليَّ أن أتلفها، مالِك لهذه البعير مثلًا، لكن هل أملك أن أُعَذِّبها؟ هل أملك أن أجرحها؟ والله ودي أجرح البعير هذا، ما أملك هذا إلا بإذن من الشرع؛ ولهذا لما أذن الشرع بالوسم؛ وسم البعير مع أنه مؤذٍ لها مؤلم؛ جاز، ولما أذن بإشعار الإبل والبقر في الهدي؛ جاز.
تعرفون الإشعار؟ الإشعار أن يُشق السنام بالسكين في الْهَدْي حتى يسيل الدم على الشعر والجلد، ويش الفائدة من هذا؟
الفائدة ليُعرف أن هذه هدْي؛ ولذلك نحن نشعرها الإبل والبقر، ونُقَلِّد الإبل والبقر والغنم.
الغنم ما فيها إشعار، فيها تقليد فقط.
وكأن الأخ يقول: ما هو التقليد؟ التقليد أننا نضع عليها قلادة في العنق، نُعَلِّق فيها النعال القديمة المتقطعة، وآذان القِرَب؛ القِرَب معروفة، القربة واحدها قربة، آذان القرب يعني قطع القرب يتعلق بها، نعلقه على هذه البعير أو البقرة أو الشاة لماذا؟ ليُعرف أنها هدْي؛ لأن النعال المتقطعة وقطع القرب تدل على الرثاثة والفقر، إشارة إلى أن هذه للفقراء لكن قصدنا أن ملكنا -نعود إلى الأصل- للشيء مقيد ولا مطلق؟
* طلبة: مقيد.
* الشيخ: مقيد إي نعم.
ثانيًا: أنه ملك قاصر؛ يعني ليس شاملًا؛ فأنا مثلًا أملك هذه الحقيبة لكن أنت لا تملكها، وأنت تملك هذا الكتاب وأنا لا أملكه.
إذن فهو مُلك قاصِر لا يتعدى، أما ملك الله عز وجل فإنه ملك مُطلق، يتصرف في ملكه كما يشاء، وهو مُلك عام شامل، أليس كذلك؟ الله عز وجل يُنزل الأمراض، ويُنزل الجروح في مخلوقاته ولَّا لا؟ أليس الله تعالى يبتلي الإنسان يظهر فيه جروح تؤلمه وتزعجه وآلام في أعصابه، وفي عظامه لو أن أحدًا من المخلوقين أراد أن يفعل ذلك لكان ممنوعًا، ولا يجوز لكن الله عز وجل له أن يفعل ما شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣].
إذن قال: الله هو الرب، وهو الذي له الملك، وهذا الملك أيضًا شامل للأعيان والذوات وشامل للتصرف فيها، ومنه التصرف في الحكم؛ فالأحكام الشرعية لا تتلقى إلا من الله عز وجل، ويجب أن نؤمن ونطبق جميع أحكام الله سواء كان ذلك في العبادات أو في المعاملات أو الأحوال يجب أن نطبق الجميع.
فإن قال أحد من الناس: العبادة حق الله، فهي بيني وبينه، ولا أتجاوز ما شرع، والمعاملة حق الإنسان، له أن يتجاوز الشرع فيها، فأنا لي أن أعدل عن شريعة الله إلى حكم الطواغيت، يجوز ولَّا لا؟
* طلبة: لا يجوز.
* الشيخ: انتبه يا أخ! البيع والشراء (...) العبادة حق الله خاص ما أعرف أتصرف فيه، البيع والشراء لي أنا لمصلحتي، فأي من البيع والشراء يتفق مع المصلحة والكسب فلي أن أفعله؛ ربا، غش، مكر، كل شيء، ويش عليكم مني؟ هذا تصرف لنا.
* طلبة: المسجد لله بخلاف الشرع.
* الشيخ: المسجد لله، والوطن للشعب أو للجميع، ما عليكم منا، نقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] ليس لأحد مُلك؛ الملك لله عز وجل، يتصرف في هذا الملك كما يشاء حِلًّا وحُرمة وإيجابًا، ولا أحد يدخل في ذلك، والذي يقول هذا، ويعمل بالشرع في العبادات، ويُنكر الشرع في المعاملات نقول: إنه كافر، مرتد عن الإسلام، لا يجوز إقراراه على هذا الشيء؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١].
فالإيمان ببعض الرسل دون بعض كالإيمان ببعض الشريعة دون بعض؛ لأن الأول تجزئة في الرسل، وهذا تجزئة في المرسَل به، ولا فرق، فالذي يُؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه هو في الحقيقة كافر في الجميع؛ لأننا نقول: لو سلمت أنه من الله، وأنه شرعه ما كفرت به، فإذا كفرت به فهو كُفْر بالجميع، وشرع الله تعالى لا يتبعض.
ومن هنا نأخذ خطورة الأمر في كثير من بلدان المسلمين الذين يُحكِّمون فيما بينهم غير شريعة الله، ويرون أن هذه القوانين الوضعية الطاغوتية أفضل من شرْع الله، وأقْوم لمصالح عباد الله مما شرعه الله -نسأل الله العافية- وهذا بلا شك نقص في عقولهم وذهاب لأديانهم.
كيف يكون هذا الوضع الطاغوتي المحدَث المبني على العقل القاصِر أفضل وأنفع للعباد من شرع الله عز وجل الذي شرعه لعباده وهو أعلم بمصالحهم وأحكم لما يرشدهم؟ أي إنسان عنده عقل فضلًا عن أن يكون عنده إيمان لا يمكن أبدًا أن يدور في فكره أن هذه الأحكام الوضعية المخالفة لشرع الله خير لعباد الله من شرع الله إلا مخبلًا ومجنونًا والعياذ بالله، وما ذلك بغريب على بني آدم، فالذين كانوا يعبدون الأحجار في الجاهلية مثل هؤلاء في السفه، هؤلاء أيضًا عبدوا آراء غيرهم وقدموها على شريعة الله، والقول بأن الدين لله والوطن للخلق، صح؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: هذا خطأ ظاهر، يقال: الدين لله والبلاد لله ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] ما هي لك، الأرض لله، والشعب لله، والدين لله، وكل شيء فهو لله، وإذا كان لله فالواجب علينا أن نسير على هدي الله، والله الموفق (...).
(الواو) إما استئنافية ولَّا عاطفة من باب عطف الجمل بعضها على بعض.
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿مَا يَمْلِكُونَ﴾ [فاطر ١٣] خبره.
وقوله: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [فاطر ١٣] قال المؤلف: (تعبدون)؛ لأن الدعاء عبادة، والعابد لله عز وجل قد تتضمن عبادته الدعاء كالصلاة مثلًا فيها دعاء، وهي عبادة، وقد تكون دعاء بلسان الحال؛ لأن العابد ماذا يريد؟ الفوز بالجنة والنجاة من النار، فهو وإن لم يقل: أسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار فهو لا يريد إلا ذلك.
إذن فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولهذا نقول: إن الدعاء عبادة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ بعد قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فدل هذا على أن الدعاء عبادة.
هنا يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [فاطر ١٣]، قال المؤلف: (يعبدون) يعبدون؛ إما بالعبادة فعل كالركوع للصنم، والسجود للصنم، والذبح له والنذر له وما أشبه ذلك، أو يدعونه دعاء مسألة لا دعاء عبادة فيأتون إلى الصنم وإلى القبر ويسألونه حاجاتهم ويستغيثون بهم.
فشمل قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ دعاء المسألة ودعاء العبادة.
وقلت: إن دعاء العبادة دعاء مسألة لكن بلسان الحال، كيف يدعون هؤلاء؟ أقول: يدعونهم، يدعون هذه الأصنام على وجهين: إما بدعاء مسألة، وإما بدعاء عبادة، ودعاء العبادة دعاء بلسان الحال.
قال: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ (أي غيره وهم الأصنام)، الأصنام تارة يُعبِّر الله عنها بصيغة المؤنث، وتارة يعبر عنها بصيغة المذكر، هنا عبر عنها بصيغة المذكر العاقل ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ هذا للمذكر العاقل، وإنما وصف هذه مع أنها جماد ميتة للتنزل مع هؤلاء العابدين لها، وذِكرها على أكمل حال يعتقدونها فيها؛ يعني هي مع كمالها على زعمكم كونها من ذوات العقل لا تملك شيئًا.
قال: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر ١٣] ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة؛ ولهذا نقول: ﴿قِطْمِيرٍ﴾ مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ أي: ما يملكون قطميرًا.
القطمير يقول: (لفافة النواة)، وسبق لنا أن في النواة ثلاثة أشياء يُضرب بها المثل في الحقارة: قِطْمير، ونَقِير، وفَتِيل، قال: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
ويدل على هذا -أنهم لا يملكون شيئًا- قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ﴿إِنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ وهو مجزوم بحذف النون، وجواب الشرط ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهو مجزوم أيضًا بحذف النون؛ يعني هذه الأصنام إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، لو تدعون هذه الأصنام إلى يوم القيامة ما سمعوا؛ لأنها جماد.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ قال المؤلف: (فرضًا) ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (ما أجابوكم)، يعني لو سمعت هذه الأصنام دعاءكم ما استجابت لكم؛ أي: ما أجابتكم، سواء قلتم: يا لات، يا عزى، يا منات، يا يعوق، يا يغوث، يا نسرًا، لو سمعت هذا الدعاء هل تجيبكم تقول: نعم، ماذا تريدون؟! لا، ولا تعطيكم المطلوب أيضًا، حتى لو سكتت ما (...)؛ ولهذا قال: ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] يشمل الاستجابة بالقول بأن تقول هذه الأصنام: ماذا تريدون؟ والاستجابة بالفعل وهي إيصال المطلوب إلى هؤلاء الطالبين، لا تستجيب لا هذا ولا هذا.
وقول المؤلف: ﴿اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (أي: أجابوكم)، مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجابهم، ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة ١٨٦] أي: فليجيبوني، وأمثال هذا كثير.
فالاستجابة هنا بمعنى الإجابة؛ أي: أن هذه الأصنام لا تجيب.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فاطر ١٤] شوف زد على ذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] (بإشراككم إياهم مع الله؛ أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم).
إذن انتفى عنها إجابة الدعاء، ومع ذلك ليتهم سلموا من شرها، يوم القيامة في هذا الموقف العظيم المشهور ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ويتبرؤون منكم، وهذا غاية ما يكون من الخذلان؛ لأن يوم القيامة الناس فيه أحوج ما يكونون إلى النصر والعزة، وهؤلاء الأصنام يوم القيامة تذلهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت ٢٥] يقوله من؟ إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
في هذه الآية دليل واضح أن هذه الأصنام لا تملك نفعًا لعابديها، هذي واحدة.
ثانيًا: وتزيد عابديها ذلًّا وخذلانًا في الموضع الذي يكونون فيه أحوج ما يكونون إلى العز والنصر ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في إيلاج الليل بالنهار والعكس؛ وذلك لأن أحدًا من الخلق لا يستطيع أن يفعل ذلك مهما عظمت قوته.
* ويستفاد من الآية: بيان رحمته بعباده؛ لأن في هذا الإيلاج من المصالح والمنافع ما لا يحصل مع عدمه، وقد ضربنا لكم مثلًا فيما سبق في مَنْ؟
* طلبة: اللي على خط الاستواء.
* الشيخ: إي نعم، الذين على خط الاستواء الذين لا (...) عندهم النهار والليل، ماذا يكون عندهم من الأمراض والفتور في الأجسام وعدم النشاط؟
* ومن فوائدها أيضًا: نِعمة الله عز وجل بتسخيره الشمس والقمر لمصالح العباد ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣].
* ومنها أيضًا: بيان هذه الآية العظيمة بل هاتين الآيتين العظيمتين من آياته؛ وهما الشمس والقمر، والليل أيضًا والنهار، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، وظهور الآيات فيهما واضح لما فيهما من تمام الحكمة والقُدرة والرحمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشمس والقمر يجريان أي يسيران، ففيها رد على أرباب الهيئة الجديدة الذين يدعون أن الشمس والقمر لا يجريان على الأرض، ولا يدوران عليها.
ونحن قلنا: إنه يجب علينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم نجد دليلًا يقينيًّا يدل على أن هذا الظاهر غير مراد، وحينئذٍ لنا مساغ في مخالفة هذا الظاهر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مضبوط ومُحكَم ومُقَدَّر لأجل محدود، لا يزيد عليه ولا يتأخر؛ لقوله: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣].
هذا الأجل الذي تسير عليه الشمس والقمر، يقول المؤلف: (إنه يوم القيامة)، ويمكن أنه نجعله أعم فنقول: يسيران إلى أجل مسمى حتى في الفلك، فمثلًا الشمس تنزل على مدار الجدي في أيام الشتاء، ثم تتنقل منه شيئًا فشيئًا إلى أن تصل إلى مدار السرطان، لا يمكن أن تتجاوز هذا ولا هذا؛ لأنها تسير إلى أجل معين كل يوم محدد، مكان الطلوع وزمان الطلوع، وهذا لا شك أنه سير إلى أجل مسمى.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن فاعل هذه الأشياء هو الله؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣]، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك ففيه إبطال لقول أهل الطبيعة الذين يقولون: إن اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر كان بمقتضى الطبيعة؛ طبيعة الأفلاك.
فيرد عليهم بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: الفاعل لهذا ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: عموم ملك الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] و(أل) هنا للعموم، وضابط (أل) التي للعموم أن يحل محلها (كل)، فإذا صح أن يحل محلها (كل) فهي للعموم، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] اجعل بدل (أل)؟
* طالب: إن كل إنسان لفي خسر.
* الشيخ: إن كل إنسان لفي خسر، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] اجعل بدلها (كل)، خُلِق كل إنسان ضعيفًا، فإذا كانت (أل) يحل محلها (كل) فهي للعموم.
وهنا ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] هل يصح أن يحل محلها (كل)؟ نعم، نقول: له كل ملك.
* ومن فوائدها أيضًا: اختصاص الله تعالى بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣]، حيث قدَّم الخبر وحقه التأخير.
وقد ذكرنا في أثناء التفسير الجمع بين هذه الآية وبين إثبات الملك لغير الله، وبينا أنه لا تعارض بينهما؛ لأن الملك الذي لله له شأن والملك الذي للآدميين له شأن آخر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يُدْعَى من دون الله لا يجلب خيرًا لداعيه بأي وجه من الوجوه؛ لأن الله نفى عنه كل طريق يمكن أن يصل به الخير أو يندفع به الضرر، قال: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، هذا في انتفاء الخير، وعدم إزالة الضرر والشر، زد على ذلك أنه يوم القيامة يكفرون بشرك هؤلاء، وهذا ضرر أعظم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: النداء الواضح على سفه هؤلاء المشركين، وجهه أنهم يدعون من لا يصلح دعاؤه، يدعون ما لو سمع دعاءهم على الفرض والتقدير لن يستجيب له، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ يعني لا أحد أضل.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وما ملة إبراهيم؟ استمع إليها ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] هذه ملة إبراهيم: التوحيد وعدم الشِّرْك، هؤلاء سفهاء، يدعون ما لا يستجيب، ولا ينفع بل يضر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تعلَّق بغير الله خاب أمله، كيف ذلك؟ لأن هذه الأصنام لا تنفعهم في الدنيا، ولا تنفعهم يوم القيامة.
إذن: خاب أملهم ولَّا لا؟ خاب أملهم.
هم يقولون: إننا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ولكن ما قربوهم، ما زادتهم إلا بُعدًا فأملهم قد خاب والعياذ بالله، وخسروا الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ما نوع هذا الكفر؟ التبرؤ.
* فيستفاد منه: أن هذه الأصنام المعبودة تتبرأ من عابديها يوم القيامة، نعم، بل إن الله عز وجل يجمع الأصنام وعابديها ويلقيهم في جهنم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، ولكنها ليست آلهة، ما تنفع.
فإن قلت: قد يُبتلى داعي هذه الأصنام فتستجيب له ظاهرًا؛ بمعنى أن يدعو الصنم أن يشفيه من المرض الفلاني فيُشفى، أو أن يجلب له الخير الفلاني فيجلبه، فما هو الجواب؟
* طالب: أن هذه قد حصلت عند دعاء الأصنام.
* الشيخ: يعني الدعاء ما أفاد لكن الله عز وجل جعل هذا الشيء يقع عند دعائه امتحانًا لهؤلاء العابدين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤].
* ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣].
* ومنها أيضًا: إثبات عِلْم الله وإحاطته بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤].
هل نأخذ منها الرد على الجبرية؟ نعم، مِنْ قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ [فاطر ١٤].
وهل نأخذ منها أن هذه الأصنام من العقلاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لكن ذكرت على سبيل التنزل وعلى ذكرها بأكمل أوصافها عندهم وهو العقل.
فاطر 35:14
ثم قال الله سبحانه تعالى مبينًا كمالَ قدرته ونعمته أيضًا؛ قال: (﴿يُولِجُ﴾ يدخل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيد ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يدخله ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فيزيد)، انتبه لكلام المؤلف، هل يوافق الظاهر ولَّا لا؟ (﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ فيزيد)، ويش اللي يزيد؟
* طلبة: النهار.
* طلبة آخرون: الليل.
* الشيخ: طيب، نشوف..
طلع النهار، زاد الليل، وإن كان يعود على أقرب مذكور؛ وهو النهار فيزيد، فهذا فيه نظر لكن توجيهه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [فاطر ١٣] أن شيئًا من الليل يكون جزءًا من النهار، هذا توجيه، أن شيئًا من الليل يكون جزءًا من النهار، فإذا كان شيء من الليل جزءًا من النهار معناه: زاد النهار، يعني كأنه يقول مثلًا: دخل الليل في النهار فصار نهارًا، وحينئذٍ ويش اللي يزيد؟ النهار، والعكس بالعكس، لكن الظاهر من الآية الكريمة أنه يُدخِل الليل في النهار فيكون جزءٌ من النهار ليلًا.
الآن لو قلت: أدخلت هذا في الساقية في هذه الأرض، تعرفون الساقية ولَّا لا؟ (...) في الأرض. الجزء الذي دخل من الساقية جعل الأرض ساقية.
إذن أدخلتُ الليل في النهار؛ جعلت جزءًا من النهار ليلًا، وحينئذٍ يكون الليل هو الذي يطول.
إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار بالليل لا شك أنه دال على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على أن يولجوا جزءًا يسيرًا من الليل في النهار أو بالعكس ما استطاعوا أبدًا.
ثم هذا الإيلاج أيضًا إيلاج بالنظام، أيش معنى بالنظام؟ أي أنه يأتي شيئًا فشيئًا حتى تتكيف طباع البشر بهذا الإيلاج، ما ظنكم لو أنه جاء الليل بنهايته دفعة واحدة؟ يعني مثلًا اليوم صار الليل ثماني ساعات وخمسًا وثلاثين دقيقة، في الليلة القادمة صار اثنتي عشرة ساعة وخمس دقائق، ماذا تكون حال الناس؟ تضطرب، لكنه سبحانه وتعالى يولجه شيئًا فشيئًا، هذا من جهة الاضطراب.
من جهة أخرى لو وَلَجَ هكذا دفعة، أنتم تعرفون أن سبب طول النهار قُرْب الشمس من مسامتة الرؤوس، وإذا قربت الشمس من مسامتة الرؤوس فلا بد أن تكون شديدة الحرارة، معنى ذلك أن يكون اليوم هذا في عز الشتاء، واليوم اللي يليه في عز الصيف، وهذا ضرر عظيم، لكنه سبحانه وتعالى يولجه شيئًا فشيئًا، وهذا من تمام القدرة والحِكمة والرحمة.
أيضًا إيلاج الليل في النهار، وبالعكس له تأثير عظيم على الجو؛ لأنه ينقلب الجو من بارد شديد على طول الزمن إلى حار شديد على طول الزمن أيضًا، ألم تعلموا أن هذه الحرارة الشديدة تقتل من الجراثيم الضارة ما لا يعلم به إلا الله عز وجل.
ولهذا لنضرب مثلًا بسيطًا كلنا نشاهده: البعوض إذا اشتد الحر مات فلم يبقَ له أثر؛ ولهذا أكثر ما يكثر في الزمن اللي بين الحر والشتاء؛ الشتاء كذلك شدة البرودة تقتل الجراثيم، تعيش على الحرارة ولا يعلم بها إلا الله عز وجل.
ومن ثم قال العلماء: إن أكثر أهل الأرض أمراضًا هم الذين على خط الاستواء وما قاربه، لماذا؟ لأنه ليس عندهم شتاء يقتل، أو صيف حار يقتل أيضًا، وهذا أمر مُشاهَد.
إذن إيلاج الليل في النهار فيه عِدَّة حِكَم؛ ولهذا بينه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر ١٣].
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣] أي: ذلَّلَهما لعباده.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الشمس معروفة، والقمر معروف، سخرهما؛ أي: ذللهما، ذللهما لمن؟ لمصالح العباد، فإن في الشمس والقمر من المصالح العظيمة للعباد ما يعرفه أهل العلم بهذا الشأن؛ مصالح عظيمة.
هذه الشمس والقمر ما بين الله لنا ثقلهما ولا حجمهما؛ لأن ذلك ليس بالعلم النافع (...) لنا؛ فالجهل به لا يضر، والعلم به من فضول العلم، إن لم يشغلك عما هو أهم منه فاشتغل به، إنما بين المصالح التي تترتب على تسخير الشمس والقمر، قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣]، فبالشمس يكون النهار والليل ولَّا لا؟ ويكون أيضًا نضج الثمار، وتكون الأنوار العظيمة، ما رأيكم مثلًا ماذا يتوفر للعالم من الطاقة بعد خروج الشمس؟ كثير لا يُحصى؛ لأنها توفر الكهرباء، وتوفر أيضًا تليين الأشياء، تحتاج إلى تليين وإلى حرارة، ثم إنه في الأزمنة الأخيرة صاروا يستنتجون من حرارة الشمس طاقة كبيرة عظيمة.
أما القمر فسُخِّر لنا أيضًا بما يحصل من نوره في الليل، وبما يحصل منه من العِلْم بالحساب وعدد السنين وما إلى ذلك.
وإن شئتم مزيدًا من هذا فراجعوا كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم رحمه الله، ذكر من مصالح الشمس والقمر أشياء عديدة كبيرة، وذكر غيره أيضًا ذلك لكن يجد الإنسان فرقًا بين بحث ابن القيم مثلًا وبحث العلماء علماء الطبيعة؛ لأن علماء الطبيعة ينظرون إلى هذه الأشياء من زاوية مظلمة حالكة مادية محضة، لا يتربى فيها الإنسان تربية دينية، ولا يعرف بها قُدرة الله ونعمته، لكن إذا تكلم مثل ابن القيم رحمه الله في ذلك يعطي من هذا دائمًا برحمة الله وقدرته وحكمته فيجد الإنسان مع علمه بهذا الكم من العلوم، يجد مع ذلك خشية لله عز وجل وتعظيمًا له ومحبة له.
قال: (﴿كُلٌّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ في فلكه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣] يوم القيامة) كل منين؟ من الشمس والقمر. ﴿يَجْرِي﴾ يعني يسير في فلكه، لأجل مسمى.
الفَلَك شبهه ابن عباس رضي الله عنه بفلكة الْمِغزل، فَلَكة الْمِغْزل عبارة عن قرص في أعلاه، وفي أسفله عود ينطوي عليه الحبل الذي يُغزل، يمكن شاهده بعضكم، نعم، هذه تدور؛ لأن المرأة اللي تغزل تبرمه هكذا حتى يدور ويُحكِم الحبل، الفلَك هذا للشمس فلك تدور به وللقمر فلك يدور به.
وفي إسناد الجريان إلى كل منهما دليل على أنهما يسيران بذاتهما ويدوران على الأرض، وهذا شيء مشاهَد أن الشمس تدور على الأرض، وكذلك القمر.
وما ادعاه علماء الهيئة من أن الأرض هي التي تدور والشمس لا تدور حول الأرض فإننا نكذبهم حتى يقوم لنا دليل حسي، يكون لنا حجة أمام الله عز وجل في الخروج عن ظاهر كلامه، وإلا فالواجب علينا نحو هذه الأمور ألا نخرج عن ظاهر كلام الله؛ لأن الله تعالى هو الخالق، والخالق أعلم بما خلق من غيره، مُسَلَّم هذا ولَّا لا؟
* طلبة: مُسَلَّم.
* الشيخ: مُسَلَّم؛ ولأن كلام الله عز وجل أوضح الكلام وأبينه، فلا يمكن أن يكون فيه شيء من التعقيد، لا اللفظي ولا المعنوي، بل هو واضح في معناه ظاهر؛ ولأن كلام الله عز وجل أصدق الكلام، فلا يمكن أن يخبرنا الله عز وجل بأمر لم يكن، أو بأمر يكون الواقع على خلافه؛ ولأن الله عز وجل أحب أحد يكون البيان إليه، يعني أنه يحب البيان لعباده أكثر من أي أحد، واقرأ قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦] وما أشبهها من الآيات الدالة على أن الله عز وجل يريد أن يُبَيِّن لعباده ما يهتدون به، فإذا كان سبحانه وتعالى هو أحب من تكلم بالبيان، أو هو أحب من أن يكون البيان إليه أحب وهو الله عز وجل، فإن الله تعالى لا يمكن أن يقول في كلامه ما ليس فيه بيان لنا.
إذن فنحن نكذبهم ونقول: كذبتم أن يكون تعاقب الليل والنهار من أجل دوران الأرض، بل تعاقب الليل والنهار من أجل دوران الشمس على الأرض، ولا غرابةَ في ذلك.
هم يقولون: كيف أن الكبير يدور على الصغير؟
قلنا: ما فيه مانع، نحن معكم بأن الشمس أكبر من الأرض، لكن ما المانع من أن يكون الجزء الكبير أو الجرم الكبير هو الذي يدور على الصغير.
ونحن إذا نظرنا إلى القرآن وجدنا أن الله سبحانه وتعالى يُضيف هذه الحركة إلى الشمس نفسِها، وكذلك إذا نظرنا إلى السُّنَّة؛ ففي القرآن يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، وفي القرآن يقول الله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ﴾ [ص ٣٢]؛ أي: الشمس ﴿بِالْحِجَابِ﴾، وفي القرآن يقول: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان ٢٩]، هذه ستة مواضع.
* طالب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾.
* الشيخ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس ٣٨] مثل: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣]، كلها تدل على أن هذه الأفعال تقع من الشمس، لو كان هذا يأتي بدوران الأرض لقال: وترى الشمس إذا طَلَعوا عليها؛ لأن دارت الأرض فنحن الذين نطلع على الشمس ما هي بالشمس اللي تطلع علينا.
وأما قولهم: إن هذا خطاب للناس بما يشاهدونه بأعينهم والأمر على خلافه؛ يعني: إذا طلعت حسب رؤية العين.
وفي الواقع أننا نحن الذين نطلع عليها، فبماذا نجيبهم؟
نقول: هذا خلاف أمر الله، ولا يمكن أن نحيد عن هذا الظاهر إلا بدليل محسوس، يمكننا أن نحتجَّ به أمام الله عز وجل؛ لأن الله سيُحاسبنا يقول: لماذا عدلتم عن كلامي إلى كلام غيري؟ والخطاب من الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧] ﴿تَزَاوَرُ﴾ أي: تميل، ولو كان ذلك بدوران الأرض لكان الأرض هي التي تميل، ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ﴾ لو كان هذا بدوران الأرض لكان الأرض هي التي تغرب عن الشمس.
أما في السنة فقد قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٩)، ومسلم (١٥٩ / ٢٥٠) من حديث أبي ذر.]]. أتدري أين تذهب؟ أسند الذهاب إليها، عندما غربت، ولو كانت الأرض هي التي دارت حتى اختفت الشمس لكان يقول: أتدري أين تذهب الأرض مثلًا؟
والحاصل: أنه يجب علينا وجوبًا أن نأخذ بظاهر القرآن، وأن الشمس هي التي تدور على الأرض، وأنه بدورانها يحصل اختلاف الليل والنهار، هذا الواجب، ولا يجوز أن نحيد عن هذا أبدًا إلا إذا قام الدليل الحسي على خلاف ذلك فإنه حينئذٍ يتعين التأويل، وصرف الكلام عن ظاهره؛ لأننا نعلم علم اليقين أن القرآن لا يخالف الواقع، أما شيء يقولونه بأوهامهم ويقدرونه فإننا لا نوافقهم على ذلك، ولا يسع المؤمن أن يحيد عن ظاهر كلام الله لمجرد قولهم أبدًا.
أما مسألة الأرض هل تدور أو ما تدور فنحن نقول: لا نُصدِّق ولا نُكذِّب، فيمكن أن يكون لها دورة، ومع ذلك للشمس دورة.
هم يقولون: إذا أقررتم بدوران الأرض لزمكم أن تقولوا: إن الشمس ثابتة، فنقول: ليس ذلك بلازم، يمكن يكون للشمس دورة، وللأرض دورة أخرى، ولا مانع من ذلك، ولكن مع هذا نقول: إن الكلام في دوران الأرض من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان أن يضيع وقته به إلا رجلًا يحتاج إلى معرفة ذلك كما يُذْكَر أنهم يحتاجون إليه في الصواريخ الموجَّهة وما أشبه ذلك مما هو معروف عند أهله، فحينئذٍ إذا احتاج إليه فلا حرج أن يبحث فيه، أما إذا لم يَحْتَجْ إليه فنقول: هذا ضياع وقت، وما الفائدة من أن تعلم أنها تدور أو لا تدور؟ احمد الله أن الله جعلها قرارًا سواء كانت تدور أو لا تدور.
قال: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣] يحتمل أن تكون اللام للعاقبة؛ أي: كل يجري حتى ينتهي لهذا الأجل، ويحتمل أن تكون اللام بمعنى (إلى) كما جاءت به في موضع آخر ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان ٢٩].
وعلى كل حال فهي تدل على أن لهذا الجريان غاية، وهو كذلك، هذه الغاية فسرها المؤلف بقوله: (يوم القيامة).
وقوله: ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣] أي: مُعَيَّن، عند مَنْ؟ عند الله سبحانه وتعالى، وهو معلوم عنده وليس معلومًا عندنا.
إذن فهذه الشمس والقمر ليستا أبديتين لكنهما دائبان كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم ٣٣] أي: مستمرين لكن لهما أجل ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] الإشارة تعود إلى ما ذُكِر من التسخير والجريان، انتبه! أقول: ﴿ذَلِكُمُ﴾ تعود إلى ما ذكر من التسخير والجريان، أو تعود إلى الفاعل في قوله: ﴿سَخَّرَ﴾؟
* طالب: الفاعل.
* الشيخ: إذن ذلكم الْمُسَخِّر الله، فالمشار إليه الآن مفرد مذكر، والمخاطَب جماعة ذكور.
وهنا نسأل: ماذا يراعى في اسم الإشارة وكاف الخطاب؟ هل يراعَى المخاطَب أو الْمُشَار إليه؟
نقول: أما اسم الإشارة فيُراعى فيها الْمُشار إليه، وأما الكاف فيُراعى فيها المخاطب، عرفت؟ فإذا أشرتَ إلى رجلين مخاطبًا جماعة إناث، أشرت إلى ذكرين مخاطبًا جماعة إناث، ماذا تقول؟
* طالب: هذان.
* الشيخ: لا.
* الطالب: ذانكن.
* الشيخ: نقول: ذَانِكن، (ذَانِ) هذا تخاطب ذكرين، (كُنَّ) تخاطب جماعة إناث، ذانكن، في القرآن: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢] لكن هنا في الآية المشار إليه مفرد مذكر، المشار إليه مفرد مذكر.
خاطب جماعة ذكور مشيرًا إلى جماعة إناث.
* طالب: أولئكم.
* طالب آخر: تلكم.
* الشيخ: تلكم صح؟ تلكم أو أولئكم؟ يصلح هذا وهذا.
هل الأفصح في المخاطَب أن يكون الضمير على حسب المخاطَب؛ يعني جماعة ذكور إذا كان المخاطب جماعة ذكور، جماعة إناث إذا كان المخاطب جماعة إناث، ومثنى إذا كان المخاطب مثنى، مفردًا مفتوحًا إذا كان المخاطب مذكرًا، مفردًا مكسورًا إذا كان المخاطب مؤنثًا؟ أو الأفصح أن يكون بلفظ الإفراد دائمًا؟
نقول: فيه ثلاث لغات:
أولًا: أن يكون باعتبار المخاطب مطلقًا، هذا واحد.
ثانيًا: أن يكون بالفتح دائمًا؛ يعني للمفرد؛ بالفتح للمفرد.
ثالثًا: أن يكون بالفتح لمفرد في المذكر، وبالكسر في المؤنث مطلقًا. كم هذه؟ ثلاث لغات متصورينها زين ولَّا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: اللغة الأولى وهي المشهورة الفصحى: أن تكون الكاف بحسب المخاطَب مطلقًا، تخاطب مفردًا مذكرًا، تقول: (ذلكَ)، مفردة مؤنثة: (ذلكِ)، مثنى (ذَلِكُما)، جماعة ذكور: (ذَلِكم)، جماعة الإناث: (ذَلِكُنَّ)، هذا الأفصح.
ثانيًا: أن تجعله مفردًا مفتوحًا في المذكر مطلقًا، فتقول: (ذلكَ)، سواء كنت تخاطب مفردًا أو مثنى أو جمعًا لكن بشرط أن يكون مذكرًا.
وتقول في المؤنث: (ذلكِ) سواء كنت تخاطب واحدة أو جماعة أو مثنى.
الثالث: أن تجعله مفتوحًا بصيغة المذكر دائمًا أيهم خاطبت فتقول: (ذلكَ) سواء كنت تخاطب رجلًا أو امرأة جماعة أو مثنى أو مفرد.
هنا يقول الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣]، المشار إليه في الآية ﴿ذَلِكُمُ﴾ المشار إليه ما نوعه؟
* طلبة: مثنى.
* الشيخ: لا، المشار إليه مفرد مذكر، والمخاطب جماعة؛ لأن الله يخاطب الناس جميعًا.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣] الربُّ يُطلق على معانٍ كثيرة في اللغة العربية:
منها: الخالِق، المالك، المدبر، فالربوبية معناها أن الله سبحانه وتعالى خالق مالك مدبر؛ ولهذا قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ جملة خبرية قُدِّم فيها الخبر للدلالة على الحصر؛ يعني: له وحده الملك دون غيره، الملك المطلق الشامل لله وحده، ملك الذوات والأعيان، وملك التصرف في هذه الأعيان، فهو المالك لكل مخلوق، وهو المتصرف في كل مخلوق.
فإذا قلت: كيف يصح الحصر مع أن الله عز وجل أثبت الملك لغيره فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور ٣٣] فأثبت الملك لغيره وأن تقول: إن هذه الجملة فيها حصر؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن ملكنا ليس ملكًا مطلقًا بل هو ملك مُقيَّد بحسب الشريعة، فأنا مثلًا مالِك لهذه الحقيبة لكن لا أملك أن أتلفها، هل أملك أن أتلفها؟ أبدًا؛ لأن حرام عليَّ أن أتلفها، مالِك لهذه البعير مثلًا، لكن هل أملك أن أُعَذِّبها؟ هل أملك أن أجرحها؟ والله ودي أجرح البعير هذا، ما أملك هذا إلا بإذن من الشرع؛ ولهذا لما أذن الشرع بالوسم؛ وسم البعير مع أنه مؤذٍ لها مؤلم؛ جاز، ولما أذن بإشعار الإبل والبقر في الهدي؛ جاز.
تعرفون الإشعار؟ الإشعار أن يُشق السنام بالسكين في الْهَدْي حتى يسيل الدم على الشعر والجلد، ويش الفائدة من هذا؟
الفائدة ليُعرف أن هذه هدْي؛ ولذلك نحن نشعرها الإبل والبقر، ونُقَلِّد الإبل والبقر والغنم.
الغنم ما فيها إشعار، فيها تقليد فقط.
وكأن الأخ يقول: ما هو التقليد؟ التقليد أننا نضع عليها قلادة في العنق، نُعَلِّق فيها النعال القديمة المتقطعة، وآذان القِرَب؛ القِرَب معروفة، القربة واحدها قربة، آذان القرب يعني قطع القرب يتعلق بها، نعلقه على هذه البعير أو البقرة أو الشاة لماذا؟ ليُعرف أنها هدْي؛ لأن النعال المتقطعة وقطع القرب تدل على الرثاثة والفقر، إشارة إلى أن هذه للفقراء لكن قصدنا أن ملكنا -نعود إلى الأصل- للشيء مقيد ولا مطلق؟
* طلبة: مقيد.
* الشيخ: مقيد إي نعم.
ثانيًا: أنه ملك قاصر؛ يعني ليس شاملًا؛ فأنا مثلًا أملك هذه الحقيبة لكن أنت لا تملكها، وأنت تملك هذا الكتاب وأنا لا أملكه.
إذن فهو مُلك قاصِر لا يتعدى، أما ملك الله عز وجل فإنه ملك مُطلق، يتصرف في ملكه كما يشاء، وهو مُلك عام شامل، أليس كذلك؟ الله عز وجل يُنزل الأمراض، ويُنزل الجروح في مخلوقاته ولَّا لا؟ أليس الله تعالى يبتلي الإنسان يظهر فيه جروح تؤلمه وتزعجه وآلام في أعصابه، وفي عظامه لو أن أحدًا من المخلوقين أراد أن يفعل ذلك لكان ممنوعًا، ولا يجوز لكن الله عز وجل له أن يفعل ما شاء ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣].
إذن قال: الله هو الرب، وهو الذي له الملك، وهذا الملك أيضًا شامل للأعيان والذوات وشامل للتصرف فيها، ومنه التصرف في الحكم؛ فالأحكام الشرعية لا تتلقى إلا من الله عز وجل، ويجب أن نؤمن ونطبق جميع أحكام الله سواء كان ذلك في العبادات أو في المعاملات أو الأحوال يجب أن نطبق الجميع.
فإن قال أحد من الناس: العبادة حق الله، فهي بيني وبينه، ولا أتجاوز ما شرع، والمعاملة حق الإنسان، له أن يتجاوز الشرع فيها، فأنا لي أن أعدل عن شريعة الله إلى حكم الطواغيت، يجوز ولَّا لا؟
* طلبة: لا يجوز.
* الشيخ: انتبه يا أخ! البيع والشراء (...) العبادة حق الله خاص ما أعرف أتصرف فيه، البيع والشراء لي أنا لمصلحتي، فأي من البيع والشراء يتفق مع المصلحة والكسب فلي أن أفعله؛ ربا، غش، مكر، كل شيء، ويش عليكم مني؟ هذا تصرف لنا.
* طلبة: المسجد لله بخلاف الشرع.
* الشيخ: المسجد لله، والوطن للشعب أو للجميع، ما عليكم منا، نقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] ليس لأحد مُلك؛ الملك لله عز وجل، يتصرف في هذا الملك كما يشاء حِلًّا وحُرمة وإيجابًا، ولا أحد يدخل في ذلك، والذي يقول هذا، ويعمل بالشرع في العبادات، ويُنكر الشرع في المعاملات نقول: إنه كافر، مرتد عن الإسلام، لا يجوز إقراراه على هذا الشيء؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء ١٥٠، ١٥١].
فالإيمان ببعض الرسل دون بعض كالإيمان ببعض الشريعة دون بعض؛ لأن الأول تجزئة في الرسل، وهذا تجزئة في المرسَل به، ولا فرق، فالذي يُؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعضه هو في الحقيقة كافر في الجميع؛ لأننا نقول: لو سلمت أنه من الله، وأنه شرعه ما كفرت به، فإذا كفرت به فهو كُفْر بالجميع، وشرع الله تعالى لا يتبعض.
ومن هنا نأخذ خطورة الأمر في كثير من بلدان المسلمين الذين يُحكِّمون فيما بينهم غير شريعة الله، ويرون أن هذه القوانين الوضعية الطاغوتية أفضل من شرْع الله، وأقْوم لمصالح عباد الله مما شرعه الله -نسأل الله العافية- وهذا بلا شك نقص في عقولهم وذهاب لأديانهم.
كيف يكون هذا الوضع الطاغوتي المحدَث المبني على العقل القاصِر أفضل وأنفع للعباد من شرع الله عز وجل الذي شرعه لعباده وهو أعلم بمصالحهم وأحكم لما يرشدهم؟ أي إنسان عنده عقل فضلًا عن أن يكون عنده إيمان لا يمكن أبدًا أن يدور في فكره أن هذه الأحكام الوضعية المخالفة لشرع الله خير لعباد الله من شرع الله إلا مخبلًا ومجنونًا والعياذ بالله، وما ذلك بغريب على بني آدم، فالذين كانوا يعبدون الأحجار في الجاهلية مثل هؤلاء في السفه، هؤلاء أيضًا عبدوا آراء غيرهم وقدموها على شريعة الله، والقول بأن الدين لله والوطن للخلق، صح؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: هذا خطأ ظاهر، يقال: الدين لله والبلاد لله ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف ١٢٨] ما هي لك، الأرض لله، والشعب لله، والدين لله، وكل شيء فهو لله، وإذا كان لله فالواجب علينا أن نسير على هدي الله، والله الموفق (...).
(الواو) إما استئنافية ولَّا عاطفة من باب عطف الجمل بعضها على بعض.
﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿مَا يَمْلِكُونَ﴾ [فاطر ١٣] خبره.
وقوله: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [فاطر ١٣] قال المؤلف: (تعبدون)؛ لأن الدعاء عبادة، والعابد لله عز وجل قد تتضمن عبادته الدعاء كالصلاة مثلًا فيها دعاء، وهي عبادة، وقد تكون دعاء بلسان الحال؛ لأن العابد ماذا يريد؟ الفوز بالجنة والنجاة من النار، فهو وإن لم يقل: أسألك الفوز بالجنة والنجاة من النار فهو لا يريد إلا ذلك.
إذن فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولهذا نقول: إن الدعاء عبادة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ بعد قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فدل هذا على أن الدعاء عبادة.
هنا يقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [فاطر ١٣]، قال المؤلف: (يعبدون) يعبدون؛ إما بالعبادة فعل كالركوع للصنم، والسجود للصنم، والذبح له والنذر له وما أشبه ذلك، أو يدعونه دعاء مسألة لا دعاء عبادة فيأتون إلى الصنم وإلى القبر ويسألونه حاجاتهم ويستغيثون بهم.
فشمل قوله: ﴿تَدْعُونَ﴾ دعاء المسألة ودعاء العبادة.
وقلت: إن دعاء العبادة دعاء مسألة لكن بلسان الحال، كيف يدعون هؤلاء؟ أقول: يدعونهم، يدعون هذه الأصنام على وجهين: إما بدعاء مسألة، وإما بدعاء عبادة، ودعاء العبادة دعاء بلسان الحال.
قال: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ (أي غيره وهم الأصنام)، الأصنام تارة يُعبِّر الله عنها بصيغة المؤنث، وتارة يعبر عنها بصيغة المذكر، هنا عبر عنها بصيغة المذكر العاقل ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ هذا للمذكر العاقل، وإنما وصف هذه مع أنها جماد ميتة للتنزل مع هؤلاء العابدين لها، وذِكرها على أكمل حال يعتقدونها فيها؛ يعني هي مع كمالها على زعمكم كونها من ذوات العقل لا تملك شيئًا.
قال: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر ١٣] ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة؛ ولهذا نقول: ﴿قِطْمِيرٍ﴾ مفعول به منصوب بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد؛ أي: ما يملكون قطميرًا.
القطمير يقول: (لفافة النواة)، وسبق لنا أن في النواة ثلاثة أشياء يُضرب بها المثل في الحقارة: قِطْمير، ونَقِير، وفَتِيل، قال: ﴿مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.
ويدل على هذا -أنهم لا يملكون شيئًا- قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ﴿إِنْ﴾ هذه شرطية، وفعل الشرط ﴿تَدْعُوهُمْ﴾ وهو مجزوم بحذف النون، وجواب الشرط ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ وهو مجزوم أيضًا بحذف النون؛ يعني هذه الأصنام إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، لو تدعون هذه الأصنام إلى يوم القيامة ما سمعوا؛ لأنها جماد.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ قال المؤلف: (فرضًا) ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (ما أجابوكم)، يعني لو سمعت هذه الأصنام دعاءكم ما استجابت لكم؛ أي: ما أجابتكم، سواء قلتم: يا لات، يا عزى، يا منات، يا يعوق، يا يغوث، يا نسرًا، لو سمعت هذا الدعاء هل تجيبكم تقول: نعم، ماذا تريدون؟! لا، ولا تعطيكم المطلوب أيضًا، حتى لو سكتت ما (...)؛ ولهذا قال: ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤] يشمل الاستجابة بالقول بأن تقول هذه الأصنام: ماذا تريدون؟ والاستجابة بالفعل وهي إيصال المطلوب إلى هؤلاء الطالبين، لا تستجيب لا هذا ولا هذا.
وقول المؤلف: ﴿اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ (أي: أجابوكم)، مثل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥] أي: أجابهم، ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة ١٨٦] أي: فليجيبوني، وأمثال هذا كثير.
فالاستجابة هنا بمعنى الإجابة؛ أي: أن هذه الأصنام لا تجيب.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فاطر ١٤] شوف زد على ذلك ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] (بإشراككم إياهم مع الله؛ أي يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياهم).
إذن انتفى عنها إجابة الدعاء، ومع ذلك ليتهم سلموا من شرها، يوم القيامة في هذا الموقف العظيم المشهور ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ويتبرؤون منكم، وهذا غاية ما يكون من الخذلان؛ لأن يوم القيامة الناس فيه أحوج ما يكونون إلى النصر والعزة، وهؤلاء الأصنام يوم القيامة تذلهم، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت ٢٥] يقوله من؟ إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت ٢٥].
في هذه الآية دليل واضح أن هذه الأصنام لا تملك نفعًا لعابديها، هذي واحدة.
ثانيًا: وتزيد عابديها ذلًّا وخذلانًا في الموضع الذي يكونون فيه أحوج ما يكونون إلى العز والنصر ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل في إيلاج الليل بالنهار والعكس؛ وذلك لأن أحدًا من الخلق لا يستطيع أن يفعل ذلك مهما عظمت قوته.
* ويستفاد من الآية: بيان رحمته بعباده؛ لأن في هذا الإيلاج من المصالح والمنافع ما لا يحصل مع عدمه، وقد ضربنا لكم مثلًا فيما سبق في مَنْ؟
* طلبة: اللي على خط الاستواء.
* الشيخ: إي نعم، الذين على خط الاستواء الذين لا (...) عندهم النهار والليل، ماذا يكون عندهم من الأمراض والفتور في الأجسام وعدم النشاط؟
* ومن فوائدها أيضًا: نِعمة الله عز وجل بتسخيره الشمس والقمر لمصالح العباد ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر ١٣].
* ومنها أيضًا: بيان هذه الآية العظيمة بل هاتين الآيتين العظيمتين من آياته؛ وهما الشمس والقمر، والليل أيضًا والنهار، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، وظهور الآيات فيهما واضح لما فيهما من تمام الحكمة والقُدرة والرحمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشمس والقمر يجريان أي يسيران، ففيها رد على أرباب الهيئة الجديدة الذين يدعون أن الشمس والقمر لا يجريان على الأرض، ولا يدوران عليها.
ونحن قلنا: إنه يجب علينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم نجد دليلًا يقينيًّا يدل على أن هذا الظاهر غير مراد، وحينئذٍ لنا مساغ في مخالفة هذا الظاهر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مضبوط ومُحكَم ومُقَدَّر لأجل محدود، لا يزيد عليه ولا يتأخر؛ لقوله: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ١٣].
هذا الأجل الذي تسير عليه الشمس والقمر، يقول المؤلف: (إنه يوم القيامة)، ويمكن أنه نجعله أعم فنقول: يسيران إلى أجل مسمى حتى في الفلك، فمثلًا الشمس تنزل على مدار الجدي في أيام الشتاء، ثم تتنقل منه شيئًا فشيئًا إلى أن تصل إلى مدار السرطان، لا يمكن أن تتجاوز هذا ولا هذا؛ لأنها تسير إلى أجل معين كل يوم محدد، مكان الطلوع وزمان الطلوع، وهذا لا شك أنه سير إلى أجل مسمى.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن فاعل هذه الأشياء هو الله؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣]، ولا يستطيع أحد أن يفعل ذلك ففيه إبطال لقول أهل الطبيعة الذين يقولون: إن اختلاف الليل والنهار والشمس والقمر كان بمقتضى الطبيعة؛ طبيعة الأفلاك.
فيرد عليهم بقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أي: الفاعل لهذا ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: عموم ملك الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] و(أل) هنا للعموم، وضابط (أل) التي للعموم أن يحل محلها (كل)، فإذا صح أن يحل محلها (كل) فهي للعموم، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر ٢] اجعل بدل (أل)؟
* طالب: إن كل إنسان لفي خسر.
* الشيخ: إن كل إنسان لفي خسر، ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] اجعل بدلها (كل)، خُلِق كل إنسان ضعيفًا، فإذا كانت (أل) يحل محلها (كل) فهي للعموم.
وهنا ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣] هل يصح أن يحل محلها (كل)؟ نعم، نقول: له كل ملك.
* ومن فوائدها أيضًا: اختصاص الله تعالى بالملك؛ لقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر ١٣]، حيث قدَّم الخبر وحقه التأخير.
وقد ذكرنا في أثناء التفسير الجمع بين هذه الآية وبين إثبات الملك لغير الله، وبينا أنه لا تعارض بينهما؛ لأن الملك الذي لله له شأن والملك الذي للآدميين له شأن آخر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يُدْعَى من دون الله لا يجلب خيرًا لداعيه بأي وجه من الوجوه؛ لأن الله نفى عنه كل طريق يمكن أن يصل به الخير أو يندفع به الضرر، قال: ﴿لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، هذا في انتفاء الخير، وعدم إزالة الضرر والشر، زد على ذلك أنه يوم القيامة يكفرون بشرك هؤلاء، وهذا ضرر أعظم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: النداء الواضح على سفه هؤلاء المشركين، وجهه أنهم يدعون من لا يصلح دعاؤه، يدعون ما لو سمع دعاءهم على الفرض والتقدير لن يستجيب له، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ يعني لا أحد أضل.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وما ملة إبراهيم؟ استمع إليها ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل ١٢٣] هذه ملة إبراهيم: التوحيد وعدم الشِّرْك، هؤلاء سفهاء، يدعون ما لا يستجيب، ولا ينفع بل يضر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تعلَّق بغير الله خاب أمله، كيف ذلك؟ لأن هذه الأصنام لا تنفعهم في الدنيا، ولا تنفعهم يوم القيامة.
إذن: خاب أملهم ولَّا لا؟ خاب أملهم.
هم يقولون: إننا نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ولكن ما قربوهم، ما زادتهم إلا بُعدًا فأملهم قد خاب والعياذ بالله، وخسروا الدنيا والآخرة.
قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤] ما نوع هذا الكفر؟ التبرؤ.
* فيستفاد منه: أن هذه الأصنام المعبودة تتبرأ من عابديها يوم القيامة، نعم، بل إن الله عز وجل يجمع الأصنام وعابديها ويلقيهم في جهنم ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩]، ولكنها ليست آلهة، ما تنفع.
فإن قلت: قد يُبتلى داعي هذه الأصنام فتستجيب له ظاهرًا؛ بمعنى أن يدعو الصنم أن يشفيه من المرض الفلاني فيُشفى، أو أن يجلب له الخير الفلاني فيجلبه، فما هو الجواب؟
* طالب: أن هذه قد حصلت عند دعاء الأصنام.
* الشيخ: يعني الدعاء ما أفاد لكن الله عز وجل جعل هذا الشيء يقع عند دعائه امتحانًا لهؤلاء العابدين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤].
* ومنها: إثبات ربوبية الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر ١٣].
* ومنها أيضًا: إثبات عِلْم الله وإحاطته بكل شيء؛ لقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤].
هل نأخذ منها الرد على الجبرية؟ نعم، مِنْ قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ [فاطر ١٤].
وهل نأخذ منها أن هذه الأصنام من العقلاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لكن ذكرت على سبيل التنزل وعلى ذكرها بأكمل أوصافها عندهم وهو العقل.
فاطر 35:15
ثم قال الله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في كل حال ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في صنعه بهم).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] هذا النداء عام للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، الناس عمومًا. وصدر الله هذا الحكم بهذا الخطاب الذي هو النداء؛ لأجل التنبيه وبيان الاهتمام به.
وفي الحقيقة أنه قد يُقال: كل أحد يعلم أنه فقير إلى الله، لكن هل نحن عملنا بمقتضى هذا العلم؟ لا، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] فقرر الله تعالى هذه الحال الثابتة التي لا ينفك عنها إنسان -وهي الفقر إلى الله- من أجل أن يعمل بمقتضى هذه الحال، فيرجع إلى الله عز وجل، ولا يسأل إلا الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [فاطر ١٥] الجملة هذه جملة اسمية مفيدة الحصر؛ لأن طرفيها معرفتان ﴿أَنْتُمُ﴾ هذا ضمير معرفة، ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ مُحلَّى بـ(أل) فهو معرفة.
﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ وغير الناس؟ أغنياء عن الله ولَّا لا؟ لا، لكن لما كان الإنسان هو الذي قد يرى نفسه مستغنيًا عن الله حصر الفقر فيه كأنه يقول: إن لم يكن أحد فقيرًا إلى الله فأنتم فقراء ولا بد، وإذا كان الإنسان العاقل المدبر لنفسه فقيرًا إلى الله فما بالك بالبهيمة، أليست أشد فقرًا؟! بلى هي أشد فقرًا إلى الله عز وجل من الإنسان، لكنه خاطب الإنسان بذلك؛ لأنه هو الذي يرى أنه قد استغنى عن الله وأنه غني عن الله.
بل بعض بني آدم عكس القضية، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والعياذ بالله، فعكس القضية والواقع الذي تشهد به الفطرة.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] ﴿إِلَى﴾ هذه للغاية؛ أي: أن فقركم مُنتهٍ إلى الله عز وجل، لا يسد عوزكم إلا الله.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥] أي: ضد الفقر، والغني أي: المستغني عن غيره، كما قال الله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن ٦]، فالله عز وجل ذو الغنى الواسع، ومع ذلك فإن غناه مقرون بحمده؛ ولهذا قال: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، فهو غني يُحمد على غناه؛ لأنه يجود به على غيره، لكن بنو آدم قد يكون الإنسان منهم غنيًّا ولكن ليس حميدًا، فإذا كان غنيًّا وتسلَّط بغناه على غيره وفخر به على الناس ولم يقم بما يجب عليه صار غنيًّا حميدًا ولَّا لا؟ غير حميد، لكن الله عز وجل غني حميد.
وكلمة (حميد) يصح أن تكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن تكون بمعنى اسم المفعول.
اسم الفاعل؛ لأنه سبحانه وتعالى حامِد، يحمد من عباده كل من يستحق الحمد منهم؛ ولهذا يثني على رسله وأنبيائه وعباده الصالحين، والثناء عليهم هو الحمد.
وهو أيضا محمود على أمرين: على ما له من كمال الصفات، وعلى ما له من كمال الإنعام، فهو محمود لكمال صفاته، ومحمود لكمال إنعامه.
وهنا نقول: الحميد محمود لكمال غناه، وكمال جوده بهذا الغنى ولَّا لا؟ لأنه ليس كل غني يكون محمودًا بالذي ما عنده من الغنى لكن الله عز وجل غني حميد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، أيش؟
* طالب: ضمير فصل.
* الشيخ: ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد؟ أيش لون هذا؟ اشرح لي هذه
* طالب: الله هو الغني؛ يعني ليس غير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ليس غيره، الله لا غير، كما نقول: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غير، هذا واحد. هذه فائدة، الفائدة الثانية؟
* طالب: يفصل بين الخبر والصفة.
* الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة؛ يعني التمييز بينهما، الثالث؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، إذا قلت: زيد هو القائم؛ فهو أوكد من قولك: زيد قائم.
فالفائدة إذن فوائده ثلاث، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
ثم قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦] جملة شرطية فعل الشرط ﴿يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ جواب الشرط.
﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يعني بالإذهاب.
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] ﴿يَأْتِ﴾ غريب أن تكون مكسورة، وهي فعل مضارع؟
* طالب: مجزومة بحذف حرف العلة.
* الشيخ: مجزومة بحذف، وأصلها (يأتي)، لكن حُذِفت الياء؛ لأنها معطوفة على مجزوم ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (بدلكم) بخلق؛ أي: بمخلوق؛ بدليل قوله: ﴿وَيَأْتِ﴾ أي: بمخلوق جديد، فهذا مصدر أُريد به اسم المفعول؛ أي: بمخلوق كقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، واللفظ له، من حديث عائشة.]]. وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] خلقه؛ أي: مخلوقه.
وقد يراد بالخلق المصدر كما في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن هنا المراد به اسم المفعول.
قال تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] أي: بمخلوق جديد غيركم، كيف يذهبنا ويأتي بخلق جديد؟
إذا أهلكنا من أين يأتي الخلق الجديد؟ يخلق قبل الإذهاب ولَّا ويش؟
* طالب: بعده.
* الشيخ: طيب الآن قدرنا أن الخليقة الآن ذهبت، من أين يجي اللي بعده؟ الله قادر على أن يأتي بخلق جديد مستقل، هذا واضح، ثم هو أيضًا يمكن أن يُذهِب الموجودين بعد أن يأتي خلفُهم منهم، ولا يكون نشء الصغار يعتبر خلقًا جديدًا بالنسبة للكبار الذين هلكوا، وهذا كما قيل في بني إسرائيل لما امتنعوا عن دخول الأرض المقدسة وقالوا: إن فيها قومًا جبارين؛ ابتلاهم الله عز وجل وقال: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٢٦]، فضاعوا ما بين مصر والشام مسيرة شهر، جلسوا فيه أربعين سنة ما اهتدوا إلى الطريق تائهين.
قال بعض العلماء ولا سيما المعاصرين منهم: لأجل أن يفنى ذلك الجيل المتغطرس الذليل، ويأتي جيل ناشئ في الصحراء قوي يريد أن يدخل البلاد المقدسة؛ لأنه ناشئ في الصحراء يريد المدن، فعنده قوة وإرادة تؤهله إلى دخول تلك الأرض؛ لأن الجيل الأول المتغطرس المعانِد فني في هذه المدة، هكذا قال بعض العلماء، ولا سيما المعاصرين منهم، قالوا: إن الحكمة في أن الله تعالى ضربهم بهذا التيه لأجل أن يفنوا الكبار، ويستجد الصغار، فالله أعلم.
إنما الله عز وجل قادر على أن يمحو الناس ويذهبهم ويأتي بخلق جديد؛ إما خلق مستقل، أو من ذرية هؤلاء، أو يُفني من في هذا الأرض مثلًا ويأتي آخرون يحتلون الأرض ولَّا لا؟
لها ثلاثة وجوه الآن: إما خلق جديد ومستقل، وإما ذرية القوم الذين ذهبوا، وإما قوم آخرون يأتون من بلاد أخرى ويحلون محل هؤلاء الذين ذهبوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قوله: ﴿مَا ذَلِكَ﴾ [فاطر ١٧] هذه ﴿مَا﴾ حجازية لتمام شروط عملها؛ لأن اسمها (ذا)، وخبرها (عزيز) لكن دخل على خبرها الباء الزائدة في الإعراب.
﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: إذهابكم والإتيان بخلق جديد.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ(عزيز) مُقدَّم عليه.
وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾. قال المؤلف: (شديد)، والصواب: عزيز بمعنى ممتنع؛ لأن (عَزَّ) تأتي بمعنى (امتنع) كما مر علينا، وتأتي بمعنى (غلب)، وتأتي بمعنى (القدر)، وغلب معناها هنا تأتي بمعنى العزة والقدَر.
هنا ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، والمؤلف رحمه الله قال: (بشديد)؛ لأن الشديد في حد ذاته ممتنع؛ لقوته وصلابته، إذا لم يكن عزيزًا على الله فهو سهل وعليه فنقول: إن هذه الصفة من الصفات السلبية التي نصف الله تعالى بها مع إثبات كمال ضدها فنقول: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧]؛ لكمال سهولته عليه فهو أمر هَيِّن عليه سبحانه وتعالى أن يذهب هؤلاء ويأتي بغيرهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما يؤول إليه أمر هؤلاء الكفار، وهدَّد من خرج عن طاعته بأنه قادر على أن يُذهبهم ويأتي بخلق جديد ذكر براءة غير الوازِرِين من الوازِرِين؛ يعني أن شرك هؤلاء المشركين لا يؤثر على أولئك المؤمنين الموَحِّدين.
قال: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾، قال المؤلف: (نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ آثمة).
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] ﴿وَازِرَةٌ﴾ أفادنا المؤلف بتقدير نفس، أن ﴿وَازِرَةٌ﴾ صفة لموصوف محذوف، تقديره: نفس.
وقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: آثمة، وهل المراد آثمة بالفعل، أو أنها من ذوات الوِزْر والإثم، وهو الْمُكَلَّف البالغ العاقل؟ يعني أن من يكون أهلًا لأن يأثم إذا فعل لا يتحمل إثم غيره، وتكون الفائدة من ذكر الوازِرة أن الصغير مثلًا لا يتحمل إثمًا لا له ولا لغيره بخلاف الكبير الذي يتحمل الإثم، فهل يتحمل إثم غيره؟
يقول عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، قال المؤلف: (آثمة أي لا تحمل).
كلمة ﴿تَزِرُ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (أي: لا تحمل)، وهذا تفسير بالمراد، لا بالمعنى المطابق للفظ؛ لأن المعنى المطابق للفظ في ﴿تَزِرُ﴾ أي: تأثم؛ إذ إن الوزر هو الإثم ولكن مَرَّ علينا كثيرًا أن تفسير القرآن قد يُراد به التفسير المطابق للفظ، وقد يراد به التفسير بالمعنى المراد لا المطابق للفظ؛ أي: لا تحمل وِزْر نفس أخرى.
أفادنا أيضًا بقوله: (وزر نفس) صفة لموصوف محذوف تقديره: نفس؛ أي أن زيدًا لا يحمل إثم عمرو، وهندًا لا تحمل وزر فاطمة مثلًا، واضح؟ كل يحمل وزره، قال الله تعالى -مُبينًا ذلك في جملة تعتبر قاعدة-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨]، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١]، أما من لم يكسب شيئًا فليس عليه من إثم الآخرين شيئًا، ولا يعارض هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. لأن سنَّه إياه يعتبر وزرًا؛ لأنه هو الذي شق الطريق له، ومهد السبل؛ فلهذا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فالآية هنا لا تنافي الحديث.
قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بالوِزْر ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ منه أحدًا ليحمل بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ).
إن تدع أي: تطلب. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بماذا؟ بالأوزار ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ليُحمل عنها بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾، وجملة ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ جواب الشرط، الشرط قوله: ﴿إِنْ تَدْعُ﴾ وهو مجزوم بحذف الواو، والضمة قبله دليل عليه. و﴿لَا يُحْمَلْ﴾ هذا هو جواب الشرط و﴿شَيْءٌ﴾ نائب فاعل؛ يعني أنه كما أن الغير لا يحمل على الغير وزره فإنه حتى وإن دُعِي واستُنجد؛ ليحمل أو يُخفِّف عن الوازِر شيئًا لم يمكن ذلك، في الدنيا ربما يؤخذ الإنسان بجريرة غيره، في الدنيا أيضًا إذا استغاث بك إنسان قد حمل شيئًا ثقيلًا هل تنجده ولَّا لا؟ تنجده، لكن في الآخرة لو دعت نفس مثقلة إلى حملها أن يحمل أحد منه شيئًا؛ فإنها لا تُجاب إلى ذلك ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم القليل والكثير.
وقوله: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ هي أيضًا نكرة في سياق النفي فتعم أي مثقلة، مهما كانت هذه المثقلة فإنها إذا دعت أحدًا من الناس أن يحمل عنها من أثقالها لا يحمل منه شيء.
ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ قال: (المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ قرابة كالأب والابن).
قوله: (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو) ألا يمكن أن نقول: ولو كان الداعي؟ يمكن لكن متلازمان؛ لأن المدْعُوَّ إذا كان قريبًا من الداعي كان الداعي قريبًا له لكن أيهما أنسب من حيث السياق ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨]؟
* طلبة: المدعو.
* الشيخ: لكن ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾، المذكور هنا الداعي، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
نقول: المدعو أقرب؛ لأنه لو كان المراد الداعي لكان -والله أعلم- الأنسب أن نقول: ولو كانت ذا قربى؛ لأنه قال: ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، ومعلوم أن ضمير المؤنث ولو مجازًا يكون؟
* طالب: مؤنثًا.
* الشيخ: يكون مؤنثًا، ولَّا لا؟ قال ابن مالك:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْـــلَ مُضْــمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
إذن ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] صح ولو كانت الداعية، لكن لما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ مذكر عُلِم أن الفاعل غير الداعي.
وقوله: ﴿قُرْبَى﴾ أي: قرابة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال ٤١] أي: القرابة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، فالقُربى هنا بمعنى القرابة، لو أن الأب استنجد بابنه يوم القيامة أن يحمل عنه من أوزاره أجاب؟ لا، ما يجيب، بل ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٦] ليش؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧].
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعدم الحمل في الشقين حكم من الله).
قوله: (عدم الْحَمْل في الشقين) أين الشقان؟ قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] أي: لا تحمل.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وإذا كان من الله فإنه لا يمكن أحد أن يحمل عن أحد شيئًا ولو رضي، فلو أن أحدًا قال لشخص: آثامك عليَّ. يمكن يكون هكذا؟ ما يصح؛ لأن الذي لا يحمل هو الله؛ فالحكم من الله عز وجل، لو أن أحدًا استنجد بأحد أن يحمل عنه، ووافق على نجدته له ذلك ولَّا لا؟ لا؛ لأن هذا حكم من الله عز وجل، هذا الفعل في قوله: (وعدم الحمل في الشقين حُكْم من الله) أي فليس لأحد أن يتجاوزه يعني الحكم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت ١٢]؛ يعني يقولون ذلك، ولكن هم ليسوا بصادقين في هذا التحمل ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لا بالتزامهم ولكن؛ لأنهم هم الأسوة والقدوة، فكانوا يحملون أثقالهم وأثقال من أضلوهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، هذه الجملة فيها حَصْر، طريقه: ﴿إِنَّمَا﴾، والحصر ما هو؟
* طالب: حصر الشيء في الشيء.
* الشيخ: ما معنى حصر الشيء في الشيء؟
* الطالب: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر.
* الشيخ: إي: ما معنى الحصر؟
* الطالب: هو يعني أن يحصر.
* الشيخ: الشيء في الشيء. ما معنى حصر الشيء في الشيء؟ وكررتها أنا.
* طالب: إثبات الحكم في الشيء.
* الشيخ: إثبات الحكم في المذكور -وإن شئت فقل: في المحصور فيه- ونفيه عما سواه.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] كأن يقال: ما تنذر إلا الذين يخشون ربهم.
و﴿تُنْذِرُ﴾ من الإنذار وهو الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار الإعلام المقرون بالتخويف، وإن شئت فقل: الإعلام المراد به التخويف؛ لأنه يقال: (...) من هيئة الكلام والسياق مثلًا أنه للتخويف.
فمنذر الجيش يقول: واصباحاه! بس فيعرف الناس أن هذا إنذار للجيش.
إذن الإنذار معناه الإعلام المراد به التخويف، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الخشية هي الخوف النابِع عن تعظيم المخوف والعلم به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقولنا: إنه الخوف النابع عن تعظيم المخوف ليشمل من كان خائفًا، ولو كان هو قويًّا؛ يعني معناه القوي قد يخاف منه آخرون، فتكون هذه خشية، فإن خاف الضعيف من قوي فهو خوف؛ ولهذا نقول: إن الخشية أعظم من الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر ١٨] أي: يخافونه خوفًا نابعًا من تعظيمهم له مع علمهم بأنه مستحق للتعظيم.
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] الغيب ضد الشاهد والمعلوم، أي: (يخافونه وما رأوه)، فأفادنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من المفعول به؛ أي يخشون ربهم حال كونه غائبًا عنهم لم يروه، انتبهوا! هذا أحد الوجهين في الآية.
الوجه الثاني: يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن غيره، فيكون الجار والمجرور حالًا من الفاعل؛ لأن من الناس من يُظهِر خشية الله أمام الناس لكنه إذا غاب عن الناس لم يخشَ الله.
هل يُمدَح هذا على خشيته؟ لا؛ لأنه مُراءٍ لكن الذي يخشى ربه بالغيب هذا هو الذي يُمدَح.
فإن قلت: هل يمكن أن تُحمل الآية على المعنيين، ويكون هؤلاء الذين مدحهم الله يخشون الله؛ مع أنهم لم يروه، يخشون الله في حال الغيبة عن الناس؟
فالجواب: نعم، وهذا من بلاغة القرآن أن يُعَبِّر بتعبير صالح لمعنيين لا يتنافيان، فهؤلاء القوم يخشون الله تعالى وهم لم يروه، ولكنهم يخشونه كأنهم يرونه؛ لأنهم يخشونه في الغيب والشهادة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] لا ينافي أنه منذر لجميع الناس ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عموم إنذاره، لماذا؟ لأن المراد بالإنذار هنا الإنذار النافِع؛ أي إنما يؤثر إنذارك للذين يخشون ربهم بالغيب، أما من لا يخشى الله بالغيب فإنه وإن أُنذِر لا ينتفع بالإنذار؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله مشيرًا إلى ذلك: (لأنهم المنتفعون بالإنذار)؛ (لأنهم) أي: الذين يخشون ربهم بالغيب المنتفعون بالإنذار؛ فلهذا خص الإنذار بهم.
إذن الحصر هنا -حصر الإنذار في الذين يخشون ربهم بالغيب- المراد به حصر الانتفاع به، أو حصر نفعه، إنما يكون لمن؟ أما من لا يخشى الله فإن هذا لا ينفعه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ما معنى هذا، ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ المشار إليه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، أي: ممتنع، صح أي أنه سهل كامل السهولة.
قوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] من أي الصفات؟
﴿يَخْشَوْنَ﴾ أي: على صلة الموصول.
وهنا قال: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فعطف الماضي على المضارع؛ لأن الخشية مستمرة في الأعمال كلها إقامة الصلاة وغيرها.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف: (أداموها). والحقيقة أن إقامة الصلاة أعم مما قال، ففي تفسيره قصور؛ لأن إقامة الصلاة تشمل إتمامها وإكمالها والمحافظة عليها والمداومة عليها.
واستمع إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون ١، ٢] هذا من إقامته، أيش يقول فيها؟
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون ٩] هذا أيضًا من إقامتها، يحافظ عليها، ويحرص عليها، على واجباتها ومكملاتها وأوقاتها.
وقال في سورة (السائل): ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج ٢٣]، وفي آخرها قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج ٣٤]. فإقامة الصلاة تشمل كل ما فيه إكمالها وإتمامها وإدامتها، فهو أعم مما قال المؤلف.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] يشمل الفرض والنفل؛ لأن (أل) تفيد العموم؛ أي: أقاموا كل صلاة، والصلاة معروفة هي في اللغة: الدعاء.
وفي الشرع: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
قال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] الجملة هذه شرطية، وفِعْل الشرط فيها ﴿تَزَكَّى﴾ وجوابه: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
وقال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ قال المؤلف: (تطهَّر من الشِّرْك وغيره).
﴿تَزَكَّى﴾ أي: تطهر من الشِّرْك وغيره؛ لأن الزكاة تفيد معنى الطهر، والمراد بالتزكي هنا هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى ١٤]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩]؛ أي: مَنْ زكَّى نفسه؛ أي: طهَّرها من الشِّرْك.
وقول المؤلف: (وغيره) كإرادة السوء مثلًا والمعاصي وإرادة المساوئ إلى الخلق، وغير هذا مما يجب على الإنسان أن يطهر نفسه منه، فهي إذن عامة.
هل يدخل في ذلك أداء الزكاة؟ نعم، يدخل في ذلك؛ لأن أداء الزكاة تطهر من البخل ومن (...) فهي داخلة في قوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ [فاطر ١٨].
وقوله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، والمراد بهذا الحث على التزكِّي؛ لأنك إذا تزكَّيْت فإنما تنفع نفسك؛ لأن (...) يتزكى فضرره على نفسه، فأنت إذا تزكيت فالذي ينتفع بتزكيك أنت نفسك، فالله عز وجل لا ينتفع بطاعتك، أما غير الله فقد ينتفع بطاعتك، لا لأن حسناتك له، ولكن قد ينتفع بطاعتك بالقدوة بك، وبما يحصل من عِلْم أو غير ذلك مما هو داخل في التزكية.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] أي: فعليه أن يحرص على التزكِّي.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨] ﴿الْمَصِيرُ﴾ بمعنى (المرجِع)، كما قال المؤلف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. و﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة تفيد الحصر؛ لأنه قُدِّم فيها الخبر وحقه التأخير؛ يعني: إلى الله وحده المصير؛ أي المرجع.
هل هو في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، إلى الله المصير في الدنيا والآخرة، فمرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الأحكام الشرعية مرجعها إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠].
الأحكام الكونية مرجعها إلى الله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣].
الأحكام الجزائية اللي تكون يوم القيامة مرجعها إلى الله، فمصير كل شيء إلى من أبدع وأحدث كل شيء فالذي أبدع الأمور وأحدثها هو الله. إذن مرجعها إلى الله، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى.
قال المؤلف -تفريعًا على قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]-: (فيجزي بالعمل في الآخرة)، وهذا إشارة من المؤلف إلى أنه قصر المصير هنا للمرجع يوم القيامة.
والصواب: العموم، وعلى هذا فهو سبحانه وتعالى يجازِي ويحكم قدرًا ويحكم شرعًا بين عباده.
والفوائد الآن من؟
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
* في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله عز وجل مهما بلغوا في الغنى والقوة فإنهم مفتقرون إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. وهذا لفظ عام لا يخرج منه شيء.
* ومنها: بيان شدة حاجة الناس إلى الله؛ لقوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ بـ(أل) ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ لو قال: فقراء لكان أهون لكن الفقراء معناه في جميع أحوالنا كلها مفتقرون إلى ربنا سبحانه وتعالى.
* ومنها، من فوائد الآية: بيان غِنى الله عن كل أحد؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
* ومنها: أن لله الغنى المطلَق من جميع الوجوه يستفاد هذا من قوله: ﴿الْغَنِيُّ﴾ (أل) الدالة على العموم والاستيعاب.
فإن قلت: كيف تقول: إن الغنى لله وحده هو الغني؛ يعني ضمير الفصل يدل على الحصر، ولعلنا نأخذ هذه الفائدة أولًا.
* ومن فوائدها: أن الغني الكامل المطلق خاص بمن؟ بالله سبحانه وتعالى؛ بدليل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ثبوت الغِنى لغير الله في الكتاب وفي السنة، قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[[ متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]. فثبت بالكتاب والسنة أن البَشر فيهم الغني، كيف يثبت؟
الجواب: أن غِنى البشر غنى محدود نسبي قاصِر قابِل للزوال كما أنه كان حادثًا، أما غِنَى الله فهو غنى مُطلق كامل أزلي أبدي، (...) ما ثبت في الملك والخلق والتدبير وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: (...) الفقراء والغني فيها نوع كمال لله سبحانه وتعالى، يتبين به نقص البشر تجاه كمال الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، ثم قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾، [الرحمن: ٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، فإن وصف المخلوق بالنقص، ثم إثبات الكمال لله هذا فيه دليل على كمال الله عز وجل، وأن كماله واضح جدًّا؛ لأنك إذا ذكرت عيب الآخر تبين لك كمال مقابله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن غِنَى الله سبحانه وتعالى مقرون بالحمد؛ لقوله: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] بخلاف غِنَى البشر فإنه قد لا يكون محمودًا، كيف لا يكون محمودًا؟ إما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش بعد؟ (...) إما بالبخل، وإما بكونه يأتي بدون استحقاق كالسُّرَّاق واللصوص قد يكونون أغنياء لكن اكتسبوه على غير وجهه المباح، أما غِنَى الله فهو غنى كامل يُحْمَد عليه.
إذن يُحمد من جهة الغِنى ومن جهة الكرم بما هو غني فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغني والحميد، كذا؟ الغني يدل على صفة، ما هي؟
* طلبة: الغنى.
* الشيخ: والحميد يدل على صفة؟
* طلبة: الحمد.
* الشيخ: وهي الحمد، ومجموعهما يدل على صفة ثالثة وهو كمال الغِنَى، نحن ذكرنا في القواعد (...) أنه قد يكون قد ينشأ من الجمع بين الاسمين أو وصفين، صفة ثالثة تحصل باقترانهما، ومثَّلنا هناك بالعزيز والحكيم (...)؛ لأنه يحصل باجتماعهما وصف أكمل.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل حيث بيَّن أنه قادر على أن يذهبنا، ثم يأتي بخلق جديد.
* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ [فاطر ١٦].
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفته تعالى؛ لأنه المقصود بهذا التهديد وتحذيرنا من مخالفته.
* ومنها، من فوائدها أيضًا: أن الخلق حادث ليس أزليًّا؛ لقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦]، هذه هي الدلالة. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] فيه أيضا دلالة كذا؟
أما الأولى: فوجه الدلالة أن ما كان قابلًا للعدم فهو قابل بالحدوث أو للحدوث.
وأما الثانية فهي قوله: ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] هل نستفيد منها ثبوت حدوث أفعال الله باعتبار المفعولات؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن كل مخلوق كائن بالخلق، فإذا كان المخلوق جديدًا؛ لزم أن يكون الخلق أيضًا جديدًا،
فمثلًا خلْق الله للجنين في بطن أمه حادث ولَّا لا؟
* طلبة: حادث.
* الشيخ: حادث، ضرورة أن المخلوق حادث، أما جنس فعل الله فهو أزلي؛ يعني الله تعالى لم يزل فعَّالًا، فهناك فرق بين وصف الله تعالى بالفعل على الإطلاق وبين وصف الله بالفعل مقرونًا بالمفعول، فالفعل المقرون بالمفعول لا شك أنه حادث، والفعل المطلق أن الله لم يزل فعالًا لما يريد هذا أزلي.
هل نستفيد من ذلك جواز تهديد الإنسان بالأشياء المحسوسة ليستقيم على أمر الله؟ نعم؛ لأن هذا تهديد من الله عز وجل لنستقيم على أمره.
إذن نقول: إن العقوبات الحسية وإن حملت على الاستقامة فإنها محمودة؛ لأنها من فِعْل الله؛ ولهذا أوجب الله علينا أن نحد الزاني ونقطع السارق ولَّا لا؟ علشان أن يرتدع.
لا يقول قائل: إنك إذا فعلتَ ذلك فإنك قد حملتَ الناس على أن يتركوا الأمر لا لله؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هذا؟ كيف تقع في (...)؟ معناه أن الإنسان ما يرتكب الزنا أو السرقة إلا خوفًا من العقوبة؛ معنى ذلك أنك تحمل الناس على أن يدعوا المحارم لا خوفًا من الله ولكن خوفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إصلاح، ووسيلة الإصلاح ما عليه من نية الذي يحاول إصلاحه.
هل يستفاد منها جواز إعطاء الجائزة تشجيعًا لمن عمل صالحًا ولَّا لا؟ يعني بمعنى القياس العكسي؟
* طلبة: لا (...).
* الشيخ: لا توافقوهم ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لا تداهنوا، هل يؤخذ من هذه الآية جواز إعطاء المكافآت لمن يعمل عملًا صالحًا من باب قياس العكسي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأخ! إيه، شو رأيك لو كان فيه معارضة؟
* طالب: فيه بس بعيدة (...).
* الشيخ: فيه، بس بعيدة، (فيه) خبر مقدم، و(بس) مبتدأ مؤخر!!
* الطالب: (...) أن الله سبحانه وتعالى إنما عاقبهم لفعل المعصية، إذا فعلوا المعصية عاقبهم (...) إذا فعلوا الطاعة أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم على ذلك.
* الشيخ: يثيبهم على ذلك ألم يمر عليك: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ويُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...) مرجعهم مرجع..
* الشيخ: (...) أي لكن فيه تشجيع.
على كل حال أنا أردت أنه هل يمكن أن تؤخذ من هذه الآية (...) المكافأة على العمل ثابتة في السُّنَّة وفي غير السنة أيضًا، الرسول قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥١)، ومسلم (١٧٥٤ / ٤٥) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. في الجهاد في سبيل الله، وسَلَبُهُ ما عليه من الثياب ونحوها، وهذه مكافأة.
والعلماء قالوا: يجوز أن يجعل لمن دلَّهم على حصن أو ما أشبه ذلك من الأمور التي فيها مصلحة للمجاهدين يجوز أن يجعل له جُعْلًا، وأنتم مر عليكم أن للإمام أن يخبر السرية ولَّا لا؟ في الرجعة وفي البداءة، كل هذه من باب المكافأة على فعل الخير هذا ثابت.
لكن أنا قصدي هل نأخذه من الآية؟
نقول: يمكن أن نأخذ من الآية على سبيل قياس العكس.
فإن قلت: أثْبِتْ لنا قياس العكس؛ لأننا في شك من إثبات القياس أولًا؟
نقول: عندنا إثبات قياس العكس، قال عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». يعني أن الرجل إذا أتى أهله فذلك صدقة، الصحابة قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِرْزٌ؟». قالوا: نعم. قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. عرفتم؟
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧].
* وفيها: صِحة تقسيم أهل السنة لصفات الله إلى ثبوتية وسلبية، وقد ذكرت لكم أنَّ بعض الناس شك في كلمة سلبية وقال: ينبغي أن نقول: (...).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل آثام غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨].
وينبني على هذه الفائدة ثبوت كمال عدل الله عز وجل، حيث لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يقبل التحميل إلا من كان أهلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ لأن غير الوازرة لا تحمل إثم نفسها فضلًا عن إثم غيرها، لكن الوازرة تحمل إثم نفسها لا تحمل إثم غيرها.
* من فوائدها أيضًا: منع الاتكالية على الغير؛ لأن الإنسان قد يعمل ويقول: سيهيئ الله لي أحدًا يدعو لي، أو يستغفر لي، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا لا تعتمد عليه.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟
* طالب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا﴾ [العنكبوت ١٣]؛ لأنهم هم قدوة في ذلك، في إضلال غيرهم، فباقتداء غيرهم بهم يحملون أثقالهم.
* الشيخ: لأن أثقال غيرهم الحقيقة ناشئة عن أثقالهم، فصار كأنهم الذين عملوها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
* من فوائد الآية الكريمة: نشوف قياس العكس إذا كانت النفس لا تحمل إثم غيرها فهل تُلزم بالواجب على غيرها أو تقوم (...) غيرها؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، يعني معناه كما أن الإنسان لا يحمل إثم غيره بالمعصية، لا يحمل إثم غيره بترك الواجب، فإذا ترك أبوك أو ابنك أو خالك أو عمك واجبًا فليس عليك إثمه، الإثم على نفس هذا الرجل (...).
لأنه يقول: (إن) التي للتوكيد، لكنها دخلت عليها (ما) الكافة. قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ (...)
اقرأ علينا، أن الغير لا يحمل وِزْر الغير وإن دعاه إلى ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] بخلافه في الدنيا فإنه في الدنيا إذا دعاك أحدٌ أن تعينه على ما حَمَل، أو أن تحمله عنه أجبته، لكن في الآخرة لا، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وحتى ولو كان أقرب الناس إليك؛ فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن رسول الله ﷺ نذير؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر ١٨].
* وأنه -وهي فائدة جديدة-: لا ينتفع بإنذاره إلا من يخشى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية التي هي محل الثناء ما كانت خشية في الغيب؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨]؛ لأن الخشية في الظاهر قد يكون الحامل عليها مراعاة عباد الله، لكن إذا كانت بالغيب فإن هذا دليل واضح على أن صاحبها مخلص في خشيته لله عز وجل.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة الصلاة، وأنها -أي الصلاة- سبب للانتفاع بإنذار النبي ﷺ كالخشية؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرجل -وإن شئت فقل-: أن الإنسان إذا تزكى فإن نفع تزكيه لنفسه، ولا ينال الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨].
* ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أوامر الله عز وجل ليس من أجل مصلحة ينالها في امتثالنا، ولكن من أجل رحمتنا ومصلحتنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* ومنها: الحث على تزكية النفس؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، وكل إنسان عاقل إذا علِم أن مصلحة العمل تعود إليه فإنه سوف يهتم به ويقوم به، فإذا علمتَ أن تزكيك لنفسك حرصت عليه غاية الحرص.
والتزكِّي كما أشرنا إليه يشمل تزكية القلب بتطهيره من جميع الشرك والشك والضغائن والأحقاد والبغضاء وما أشبه ذلك، وتزكية الأقوال من كل قول منكر؛ يعني يكون الإنسان لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة.]].
وتزكية الأفعال أيضًا من فعل الفواحش والأخلاق السيئة، وما إلى ذلك مما يجب على الإنسان أن يتطهر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كمال هذا الدين الإسلامي، حيث حَثَّ على تزكية النفس ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا بالأقوال والأفعال، وباطنًا بالقلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله في أحكامهم الكونية والشرعية والجزائية.
أما الأحكام الكونية: فظاهر أن المرجع إلى الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله الكوني ولَّا لا؟
وأما الشرعية: فكذلك؛ فإن العباد مربوبون مُتَعَبَّدون لله عز وجل، فكان مقتضى ذلك أن يتمشوا على أحكامه الشرعية.
وأما الجزائية: فالأمر ظاهر، فإنه لا يجازِي العاملين على عملهم إلا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مَنْع الرجوع إلى غير الله فيما هو مختص بالله؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]، فلا يجوز أن نرجع إلى النظم الوضعية التي من وضع البشر، وعندنا كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
فاطر 35:16
ثم قال الله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في كل حال ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في صنعه بهم).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] هذا النداء عام للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، الناس عمومًا. وصدر الله هذا الحكم بهذا الخطاب الذي هو النداء؛ لأجل التنبيه وبيان الاهتمام به.
وفي الحقيقة أنه قد يُقال: كل أحد يعلم أنه فقير إلى الله، لكن هل نحن عملنا بمقتضى هذا العلم؟ لا، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] فقرر الله تعالى هذه الحال الثابتة التي لا ينفك عنها إنسان -وهي الفقر إلى الله- من أجل أن يعمل بمقتضى هذه الحال، فيرجع إلى الله عز وجل، ولا يسأل إلا الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [فاطر ١٥] الجملة هذه جملة اسمية مفيدة الحصر؛ لأن طرفيها معرفتان ﴿أَنْتُمُ﴾ هذا ضمير معرفة، ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ مُحلَّى بـ(أل) فهو معرفة.
﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ وغير الناس؟ أغنياء عن الله ولَّا لا؟ لا، لكن لما كان الإنسان هو الذي قد يرى نفسه مستغنيًا عن الله حصر الفقر فيه كأنه يقول: إن لم يكن أحد فقيرًا إلى الله فأنتم فقراء ولا بد، وإذا كان الإنسان العاقل المدبر لنفسه فقيرًا إلى الله فما بالك بالبهيمة، أليست أشد فقرًا؟! بلى هي أشد فقرًا إلى الله عز وجل من الإنسان، لكنه خاطب الإنسان بذلك؛ لأنه هو الذي يرى أنه قد استغنى عن الله وأنه غني عن الله.
بل بعض بني آدم عكس القضية، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والعياذ بالله، فعكس القضية والواقع الذي تشهد به الفطرة.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] ﴿إِلَى﴾ هذه للغاية؛ أي: أن فقركم مُنتهٍ إلى الله عز وجل، لا يسد عوزكم إلا الله.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥] أي: ضد الفقر، والغني أي: المستغني عن غيره، كما قال الله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن ٦]، فالله عز وجل ذو الغنى الواسع، ومع ذلك فإن غناه مقرون بحمده؛ ولهذا قال: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، فهو غني يُحمد على غناه؛ لأنه يجود به على غيره، لكن بنو آدم قد يكون الإنسان منهم غنيًّا ولكن ليس حميدًا، فإذا كان غنيًّا وتسلَّط بغناه على غيره وفخر به على الناس ولم يقم بما يجب عليه صار غنيًّا حميدًا ولَّا لا؟ غير حميد، لكن الله عز وجل غني حميد.
وكلمة (حميد) يصح أن تكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن تكون بمعنى اسم المفعول.
اسم الفاعل؛ لأنه سبحانه وتعالى حامِد، يحمد من عباده كل من يستحق الحمد منهم؛ ولهذا يثني على رسله وأنبيائه وعباده الصالحين، والثناء عليهم هو الحمد.
وهو أيضا محمود على أمرين: على ما له من كمال الصفات، وعلى ما له من كمال الإنعام، فهو محمود لكمال صفاته، ومحمود لكمال إنعامه.
وهنا نقول: الحميد محمود لكمال غناه، وكمال جوده بهذا الغنى ولَّا لا؟ لأنه ليس كل غني يكون محمودًا بالذي ما عنده من الغنى لكن الله عز وجل غني حميد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، أيش؟
* طالب: ضمير فصل.
* الشيخ: ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد؟ أيش لون هذا؟ اشرح لي هذه
* طالب: الله هو الغني؛ يعني ليس غير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ليس غيره، الله لا غير، كما نقول: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غير، هذا واحد. هذه فائدة، الفائدة الثانية؟
* طالب: يفصل بين الخبر والصفة.
* الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة؛ يعني التمييز بينهما، الثالث؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، إذا قلت: زيد هو القائم؛ فهو أوكد من قولك: زيد قائم.
فالفائدة إذن فوائده ثلاث، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
ثم قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦] جملة شرطية فعل الشرط ﴿يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ جواب الشرط.
﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يعني بالإذهاب.
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] ﴿يَأْتِ﴾ غريب أن تكون مكسورة، وهي فعل مضارع؟
* طالب: مجزومة بحذف حرف العلة.
* الشيخ: مجزومة بحذف، وأصلها (يأتي)، لكن حُذِفت الياء؛ لأنها معطوفة على مجزوم ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (بدلكم) بخلق؛ أي: بمخلوق؛ بدليل قوله: ﴿وَيَأْتِ﴾ أي: بمخلوق جديد، فهذا مصدر أُريد به اسم المفعول؛ أي: بمخلوق كقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، واللفظ له، من حديث عائشة.]]. وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] خلقه؛ أي: مخلوقه.
وقد يراد بالخلق المصدر كما في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن هنا المراد به اسم المفعول.
قال تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] أي: بمخلوق جديد غيركم، كيف يذهبنا ويأتي بخلق جديد؟
إذا أهلكنا من أين يأتي الخلق الجديد؟ يخلق قبل الإذهاب ولَّا ويش؟
* طالب: بعده.
* الشيخ: طيب الآن قدرنا أن الخليقة الآن ذهبت، من أين يجي اللي بعده؟ الله قادر على أن يأتي بخلق جديد مستقل، هذا واضح، ثم هو أيضًا يمكن أن يُذهِب الموجودين بعد أن يأتي خلفُهم منهم، ولا يكون نشء الصغار يعتبر خلقًا جديدًا بالنسبة للكبار الذين هلكوا، وهذا كما قيل في بني إسرائيل لما امتنعوا عن دخول الأرض المقدسة وقالوا: إن فيها قومًا جبارين؛ ابتلاهم الله عز وجل وقال: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٢٦]، فضاعوا ما بين مصر والشام مسيرة شهر، جلسوا فيه أربعين سنة ما اهتدوا إلى الطريق تائهين.
قال بعض العلماء ولا سيما المعاصرين منهم: لأجل أن يفنى ذلك الجيل المتغطرس الذليل، ويأتي جيل ناشئ في الصحراء قوي يريد أن يدخل البلاد المقدسة؛ لأنه ناشئ في الصحراء يريد المدن، فعنده قوة وإرادة تؤهله إلى دخول تلك الأرض؛ لأن الجيل الأول المتغطرس المعانِد فني في هذه المدة، هكذا قال بعض العلماء، ولا سيما المعاصرين منهم، قالوا: إن الحكمة في أن الله تعالى ضربهم بهذا التيه لأجل أن يفنوا الكبار، ويستجد الصغار، فالله أعلم.
إنما الله عز وجل قادر على أن يمحو الناس ويذهبهم ويأتي بخلق جديد؛ إما خلق مستقل، أو من ذرية هؤلاء، أو يُفني من في هذا الأرض مثلًا ويأتي آخرون يحتلون الأرض ولَّا لا؟
لها ثلاثة وجوه الآن: إما خلق جديد ومستقل، وإما ذرية القوم الذين ذهبوا، وإما قوم آخرون يأتون من بلاد أخرى ويحلون محل هؤلاء الذين ذهبوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قوله: ﴿مَا ذَلِكَ﴾ [فاطر ١٧] هذه ﴿مَا﴾ حجازية لتمام شروط عملها؛ لأن اسمها (ذا)، وخبرها (عزيز) لكن دخل على خبرها الباء الزائدة في الإعراب.
﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: إذهابكم والإتيان بخلق جديد.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ(عزيز) مُقدَّم عليه.
وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾. قال المؤلف: (شديد)، والصواب: عزيز بمعنى ممتنع؛ لأن (عَزَّ) تأتي بمعنى (امتنع) كما مر علينا، وتأتي بمعنى (غلب)، وتأتي بمعنى (القدر)، وغلب معناها هنا تأتي بمعنى العزة والقدَر.
هنا ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، والمؤلف رحمه الله قال: (بشديد)؛ لأن الشديد في حد ذاته ممتنع؛ لقوته وصلابته، إذا لم يكن عزيزًا على الله فهو سهل وعليه فنقول: إن هذه الصفة من الصفات السلبية التي نصف الله تعالى بها مع إثبات كمال ضدها فنقول: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧]؛ لكمال سهولته عليه فهو أمر هَيِّن عليه سبحانه وتعالى أن يذهب هؤلاء ويأتي بغيرهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما يؤول إليه أمر هؤلاء الكفار، وهدَّد من خرج عن طاعته بأنه قادر على أن يُذهبهم ويأتي بخلق جديد ذكر براءة غير الوازِرِين من الوازِرِين؛ يعني أن شرك هؤلاء المشركين لا يؤثر على أولئك المؤمنين الموَحِّدين.
قال: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾، قال المؤلف: (نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ آثمة).
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] ﴿وَازِرَةٌ﴾ أفادنا المؤلف بتقدير نفس، أن ﴿وَازِرَةٌ﴾ صفة لموصوف محذوف، تقديره: نفس.
وقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: آثمة، وهل المراد آثمة بالفعل، أو أنها من ذوات الوِزْر والإثم، وهو الْمُكَلَّف البالغ العاقل؟ يعني أن من يكون أهلًا لأن يأثم إذا فعل لا يتحمل إثم غيره، وتكون الفائدة من ذكر الوازِرة أن الصغير مثلًا لا يتحمل إثمًا لا له ولا لغيره بخلاف الكبير الذي يتحمل الإثم، فهل يتحمل إثم غيره؟
يقول عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، قال المؤلف: (آثمة أي لا تحمل).
كلمة ﴿تَزِرُ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (أي: لا تحمل)، وهذا تفسير بالمراد، لا بالمعنى المطابق للفظ؛ لأن المعنى المطابق للفظ في ﴿تَزِرُ﴾ أي: تأثم؛ إذ إن الوزر هو الإثم ولكن مَرَّ علينا كثيرًا أن تفسير القرآن قد يُراد به التفسير المطابق للفظ، وقد يراد به التفسير بالمعنى المراد لا المطابق للفظ؛ أي: لا تحمل وِزْر نفس أخرى.
أفادنا أيضًا بقوله: (وزر نفس) صفة لموصوف محذوف تقديره: نفس؛ أي أن زيدًا لا يحمل إثم عمرو، وهندًا لا تحمل وزر فاطمة مثلًا، واضح؟ كل يحمل وزره، قال الله تعالى -مُبينًا ذلك في جملة تعتبر قاعدة-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨]، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١]، أما من لم يكسب شيئًا فليس عليه من إثم الآخرين شيئًا، ولا يعارض هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. لأن سنَّه إياه يعتبر وزرًا؛ لأنه هو الذي شق الطريق له، ومهد السبل؛ فلهذا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فالآية هنا لا تنافي الحديث.
قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بالوِزْر ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ منه أحدًا ليحمل بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ).
إن تدع أي: تطلب. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بماذا؟ بالأوزار ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ليُحمل عنها بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾، وجملة ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ جواب الشرط، الشرط قوله: ﴿إِنْ تَدْعُ﴾ وهو مجزوم بحذف الواو، والضمة قبله دليل عليه. و﴿لَا يُحْمَلْ﴾ هذا هو جواب الشرط و﴿شَيْءٌ﴾ نائب فاعل؛ يعني أنه كما أن الغير لا يحمل على الغير وزره فإنه حتى وإن دُعِي واستُنجد؛ ليحمل أو يُخفِّف عن الوازِر شيئًا لم يمكن ذلك، في الدنيا ربما يؤخذ الإنسان بجريرة غيره، في الدنيا أيضًا إذا استغاث بك إنسان قد حمل شيئًا ثقيلًا هل تنجده ولَّا لا؟ تنجده، لكن في الآخرة لو دعت نفس مثقلة إلى حملها أن يحمل أحد منه شيئًا؛ فإنها لا تُجاب إلى ذلك ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم القليل والكثير.
وقوله: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ هي أيضًا نكرة في سياق النفي فتعم أي مثقلة، مهما كانت هذه المثقلة فإنها إذا دعت أحدًا من الناس أن يحمل عنها من أثقالها لا يحمل منه شيء.
ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ قال: (المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ قرابة كالأب والابن).
قوله: (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو) ألا يمكن أن نقول: ولو كان الداعي؟ يمكن لكن متلازمان؛ لأن المدْعُوَّ إذا كان قريبًا من الداعي كان الداعي قريبًا له لكن أيهما أنسب من حيث السياق ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨]؟
* طلبة: المدعو.
* الشيخ: لكن ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾، المذكور هنا الداعي، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
نقول: المدعو أقرب؛ لأنه لو كان المراد الداعي لكان -والله أعلم- الأنسب أن نقول: ولو كانت ذا قربى؛ لأنه قال: ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، ومعلوم أن ضمير المؤنث ولو مجازًا يكون؟
* طالب: مؤنثًا.
* الشيخ: يكون مؤنثًا، ولَّا لا؟ قال ابن مالك:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْـــلَ مُضْــمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
إذن ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] صح ولو كانت الداعية، لكن لما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ مذكر عُلِم أن الفاعل غير الداعي.
وقوله: ﴿قُرْبَى﴾ أي: قرابة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال ٤١] أي: القرابة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، فالقُربى هنا بمعنى القرابة، لو أن الأب استنجد بابنه يوم القيامة أن يحمل عنه من أوزاره أجاب؟ لا، ما يجيب، بل ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٦] ليش؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧].
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعدم الحمل في الشقين حكم من الله).
قوله: (عدم الْحَمْل في الشقين) أين الشقان؟ قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] أي: لا تحمل.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وإذا كان من الله فإنه لا يمكن أحد أن يحمل عن أحد شيئًا ولو رضي، فلو أن أحدًا قال لشخص: آثامك عليَّ. يمكن يكون هكذا؟ ما يصح؛ لأن الذي لا يحمل هو الله؛ فالحكم من الله عز وجل، لو أن أحدًا استنجد بأحد أن يحمل عنه، ووافق على نجدته له ذلك ولَّا لا؟ لا؛ لأن هذا حكم من الله عز وجل، هذا الفعل في قوله: (وعدم الحمل في الشقين حُكْم من الله) أي فليس لأحد أن يتجاوزه يعني الحكم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت ١٢]؛ يعني يقولون ذلك، ولكن هم ليسوا بصادقين في هذا التحمل ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لا بالتزامهم ولكن؛ لأنهم هم الأسوة والقدوة، فكانوا يحملون أثقالهم وأثقال من أضلوهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، هذه الجملة فيها حَصْر، طريقه: ﴿إِنَّمَا﴾، والحصر ما هو؟
* طالب: حصر الشيء في الشيء.
* الشيخ: ما معنى حصر الشيء في الشيء؟
* الطالب: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر.
* الشيخ: إي: ما معنى الحصر؟
* الطالب: هو يعني أن يحصر.
* الشيخ: الشيء في الشيء. ما معنى حصر الشيء في الشيء؟ وكررتها أنا.
* طالب: إثبات الحكم في الشيء.
* الشيخ: إثبات الحكم في المذكور -وإن شئت فقل: في المحصور فيه- ونفيه عما سواه.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] كأن يقال: ما تنذر إلا الذين يخشون ربهم.
و﴿تُنْذِرُ﴾ من الإنذار وهو الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار الإعلام المقرون بالتخويف، وإن شئت فقل: الإعلام المراد به التخويف؛ لأنه يقال: (...) من هيئة الكلام والسياق مثلًا أنه للتخويف.
فمنذر الجيش يقول: واصباحاه! بس فيعرف الناس أن هذا إنذار للجيش.
إذن الإنذار معناه الإعلام المراد به التخويف، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الخشية هي الخوف النابِع عن تعظيم المخوف والعلم به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقولنا: إنه الخوف النابع عن تعظيم المخوف ليشمل من كان خائفًا، ولو كان هو قويًّا؛ يعني معناه القوي قد يخاف منه آخرون، فتكون هذه خشية، فإن خاف الضعيف من قوي فهو خوف؛ ولهذا نقول: إن الخشية أعظم من الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر ١٨] أي: يخافونه خوفًا نابعًا من تعظيمهم له مع علمهم بأنه مستحق للتعظيم.
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] الغيب ضد الشاهد والمعلوم، أي: (يخافونه وما رأوه)، فأفادنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من المفعول به؛ أي يخشون ربهم حال كونه غائبًا عنهم لم يروه، انتبهوا! هذا أحد الوجهين في الآية.
الوجه الثاني: يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن غيره، فيكون الجار والمجرور حالًا من الفاعل؛ لأن من الناس من يُظهِر خشية الله أمام الناس لكنه إذا غاب عن الناس لم يخشَ الله.
هل يُمدَح هذا على خشيته؟ لا؛ لأنه مُراءٍ لكن الذي يخشى ربه بالغيب هذا هو الذي يُمدَح.
فإن قلت: هل يمكن أن تُحمل الآية على المعنيين، ويكون هؤلاء الذين مدحهم الله يخشون الله؛ مع أنهم لم يروه، يخشون الله في حال الغيبة عن الناس؟
فالجواب: نعم، وهذا من بلاغة القرآن أن يُعَبِّر بتعبير صالح لمعنيين لا يتنافيان، فهؤلاء القوم يخشون الله تعالى وهم لم يروه، ولكنهم يخشونه كأنهم يرونه؛ لأنهم يخشونه في الغيب والشهادة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] لا ينافي أنه منذر لجميع الناس ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عموم إنذاره، لماذا؟ لأن المراد بالإنذار هنا الإنذار النافِع؛ أي إنما يؤثر إنذارك للذين يخشون ربهم بالغيب، أما من لا يخشى الله بالغيب فإنه وإن أُنذِر لا ينتفع بالإنذار؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله مشيرًا إلى ذلك: (لأنهم المنتفعون بالإنذار)؛ (لأنهم) أي: الذين يخشون ربهم بالغيب المنتفعون بالإنذار؛ فلهذا خص الإنذار بهم.
إذن الحصر هنا -حصر الإنذار في الذين يخشون ربهم بالغيب- المراد به حصر الانتفاع به، أو حصر نفعه، إنما يكون لمن؟ أما من لا يخشى الله فإن هذا لا ينفعه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ما معنى هذا، ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ المشار إليه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، أي: ممتنع، صح أي أنه سهل كامل السهولة.
قوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] من أي الصفات؟
﴿يَخْشَوْنَ﴾ أي: على صلة الموصول.
وهنا قال: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فعطف الماضي على المضارع؛ لأن الخشية مستمرة في الأعمال كلها إقامة الصلاة وغيرها.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف: (أداموها). والحقيقة أن إقامة الصلاة أعم مما قال، ففي تفسيره قصور؛ لأن إقامة الصلاة تشمل إتمامها وإكمالها والمحافظة عليها والمداومة عليها.
واستمع إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون ١، ٢] هذا من إقامته، أيش يقول فيها؟
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون ٩] هذا أيضًا من إقامتها، يحافظ عليها، ويحرص عليها، على واجباتها ومكملاتها وأوقاتها.
وقال في سورة (السائل): ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج ٢٣]، وفي آخرها قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج ٣٤]. فإقامة الصلاة تشمل كل ما فيه إكمالها وإتمامها وإدامتها، فهو أعم مما قال المؤلف.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] يشمل الفرض والنفل؛ لأن (أل) تفيد العموم؛ أي: أقاموا كل صلاة، والصلاة معروفة هي في اللغة: الدعاء.
وفي الشرع: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
قال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] الجملة هذه شرطية، وفِعْل الشرط فيها ﴿تَزَكَّى﴾ وجوابه: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
وقال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ قال المؤلف: (تطهَّر من الشِّرْك وغيره).
﴿تَزَكَّى﴾ أي: تطهر من الشِّرْك وغيره؛ لأن الزكاة تفيد معنى الطهر، والمراد بالتزكي هنا هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى ١٤]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩]؛ أي: مَنْ زكَّى نفسه؛ أي: طهَّرها من الشِّرْك.
وقول المؤلف: (وغيره) كإرادة السوء مثلًا والمعاصي وإرادة المساوئ إلى الخلق، وغير هذا مما يجب على الإنسان أن يطهر نفسه منه، فهي إذن عامة.
هل يدخل في ذلك أداء الزكاة؟ نعم، يدخل في ذلك؛ لأن أداء الزكاة تطهر من البخل ومن (...) فهي داخلة في قوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ [فاطر ١٨].
وقوله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، والمراد بهذا الحث على التزكِّي؛ لأنك إذا تزكَّيْت فإنما تنفع نفسك؛ لأن (...) يتزكى فضرره على نفسه، فأنت إذا تزكيت فالذي ينتفع بتزكيك أنت نفسك، فالله عز وجل لا ينتفع بطاعتك، أما غير الله فقد ينتفع بطاعتك، لا لأن حسناتك له، ولكن قد ينتفع بطاعتك بالقدوة بك، وبما يحصل من عِلْم أو غير ذلك مما هو داخل في التزكية.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] أي: فعليه أن يحرص على التزكِّي.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨] ﴿الْمَصِيرُ﴾ بمعنى (المرجِع)، كما قال المؤلف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. و﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة تفيد الحصر؛ لأنه قُدِّم فيها الخبر وحقه التأخير؛ يعني: إلى الله وحده المصير؛ أي المرجع.
هل هو في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، إلى الله المصير في الدنيا والآخرة، فمرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الأحكام الشرعية مرجعها إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠].
الأحكام الكونية مرجعها إلى الله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣].
الأحكام الجزائية اللي تكون يوم القيامة مرجعها إلى الله، فمصير كل شيء إلى من أبدع وأحدث كل شيء فالذي أبدع الأمور وأحدثها هو الله. إذن مرجعها إلى الله، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى.
قال المؤلف -تفريعًا على قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]-: (فيجزي بالعمل في الآخرة)، وهذا إشارة من المؤلف إلى أنه قصر المصير هنا للمرجع يوم القيامة.
والصواب: العموم، وعلى هذا فهو سبحانه وتعالى يجازِي ويحكم قدرًا ويحكم شرعًا بين عباده.
والفوائد الآن من؟
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
* في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله عز وجل مهما بلغوا في الغنى والقوة فإنهم مفتقرون إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. وهذا لفظ عام لا يخرج منه شيء.
* ومنها: بيان شدة حاجة الناس إلى الله؛ لقوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ بـ(أل) ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ لو قال: فقراء لكان أهون لكن الفقراء معناه في جميع أحوالنا كلها مفتقرون إلى ربنا سبحانه وتعالى.
* ومنها، من فوائد الآية: بيان غِنى الله عن كل أحد؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
* ومنها: أن لله الغنى المطلَق من جميع الوجوه يستفاد هذا من قوله: ﴿الْغَنِيُّ﴾ (أل) الدالة على العموم والاستيعاب.
فإن قلت: كيف تقول: إن الغنى لله وحده هو الغني؛ يعني ضمير الفصل يدل على الحصر، ولعلنا نأخذ هذه الفائدة أولًا.
* ومن فوائدها: أن الغني الكامل المطلق خاص بمن؟ بالله سبحانه وتعالى؛ بدليل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ثبوت الغِنى لغير الله في الكتاب وفي السنة، قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[[ متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]. فثبت بالكتاب والسنة أن البَشر فيهم الغني، كيف يثبت؟
الجواب: أن غِنى البشر غنى محدود نسبي قاصِر قابِل للزوال كما أنه كان حادثًا، أما غِنَى الله فهو غنى مُطلق كامل أزلي أبدي، (...) ما ثبت في الملك والخلق والتدبير وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: (...) الفقراء والغني فيها نوع كمال لله سبحانه وتعالى، يتبين به نقص البشر تجاه كمال الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، ثم قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾، [الرحمن: ٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، فإن وصف المخلوق بالنقص، ثم إثبات الكمال لله هذا فيه دليل على كمال الله عز وجل، وأن كماله واضح جدًّا؛ لأنك إذا ذكرت عيب الآخر تبين لك كمال مقابله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن غِنَى الله سبحانه وتعالى مقرون بالحمد؛ لقوله: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] بخلاف غِنَى البشر فإنه قد لا يكون محمودًا، كيف لا يكون محمودًا؟ إما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش بعد؟ (...) إما بالبخل، وإما بكونه يأتي بدون استحقاق كالسُّرَّاق واللصوص قد يكونون أغنياء لكن اكتسبوه على غير وجهه المباح، أما غِنَى الله فهو غنى كامل يُحْمَد عليه.
إذن يُحمد من جهة الغِنى ومن جهة الكرم بما هو غني فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغني والحميد، كذا؟ الغني يدل على صفة، ما هي؟
* طلبة: الغنى.
* الشيخ: والحميد يدل على صفة؟
* طلبة: الحمد.
* الشيخ: وهي الحمد، ومجموعهما يدل على صفة ثالثة وهو كمال الغِنَى، نحن ذكرنا في القواعد (...) أنه قد يكون قد ينشأ من الجمع بين الاسمين أو وصفين، صفة ثالثة تحصل باقترانهما، ومثَّلنا هناك بالعزيز والحكيم (...)؛ لأنه يحصل باجتماعهما وصف أكمل.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل حيث بيَّن أنه قادر على أن يذهبنا، ثم يأتي بخلق جديد.
* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ [فاطر ١٦].
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفته تعالى؛ لأنه المقصود بهذا التهديد وتحذيرنا من مخالفته.
* ومنها، من فوائدها أيضًا: أن الخلق حادث ليس أزليًّا؛ لقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦]، هذه هي الدلالة. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] فيه أيضا دلالة كذا؟
أما الأولى: فوجه الدلالة أن ما كان قابلًا للعدم فهو قابل بالحدوث أو للحدوث.
وأما الثانية فهي قوله: ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] هل نستفيد منها ثبوت حدوث أفعال الله باعتبار المفعولات؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن كل مخلوق كائن بالخلق، فإذا كان المخلوق جديدًا؛ لزم أن يكون الخلق أيضًا جديدًا،
فمثلًا خلْق الله للجنين في بطن أمه حادث ولَّا لا؟
* طلبة: حادث.
* الشيخ: حادث، ضرورة أن المخلوق حادث، أما جنس فعل الله فهو أزلي؛ يعني الله تعالى لم يزل فعَّالًا، فهناك فرق بين وصف الله تعالى بالفعل على الإطلاق وبين وصف الله بالفعل مقرونًا بالمفعول، فالفعل المقرون بالمفعول لا شك أنه حادث، والفعل المطلق أن الله لم يزل فعالًا لما يريد هذا أزلي.
هل نستفيد من ذلك جواز تهديد الإنسان بالأشياء المحسوسة ليستقيم على أمر الله؟ نعم؛ لأن هذا تهديد من الله عز وجل لنستقيم على أمره.
إذن نقول: إن العقوبات الحسية وإن حملت على الاستقامة فإنها محمودة؛ لأنها من فِعْل الله؛ ولهذا أوجب الله علينا أن نحد الزاني ونقطع السارق ولَّا لا؟ علشان أن يرتدع.
لا يقول قائل: إنك إذا فعلتَ ذلك فإنك قد حملتَ الناس على أن يتركوا الأمر لا لله؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هذا؟ كيف تقع في (...)؟ معناه أن الإنسان ما يرتكب الزنا أو السرقة إلا خوفًا من العقوبة؛ معنى ذلك أنك تحمل الناس على أن يدعوا المحارم لا خوفًا من الله ولكن خوفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إصلاح، ووسيلة الإصلاح ما عليه من نية الذي يحاول إصلاحه.
هل يستفاد منها جواز إعطاء الجائزة تشجيعًا لمن عمل صالحًا ولَّا لا؟ يعني بمعنى القياس العكسي؟
* طلبة: لا (...).
* الشيخ: لا توافقوهم ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لا تداهنوا، هل يؤخذ من هذه الآية جواز إعطاء المكافآت لمن يعمل عملًا صالحًا من باب قياس العكسي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأخ! إيه، شو رأيك لو كان فيه معارضة؟
* طالب: فيه بس بعيدة (...).
* الشيخ: فيه، بس بعيدة، (فيه) خبر مقدم، و(بس) مبتدأ مؤخر!!
* الطالب: (...) أن الله سبحانه وتعالى إنما عاقبهم لفعل المعصية، إذا فعلوا المعصية عاقبهم (...) إذا فعلوا الطاعة أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم على ذلك.
* الشيخ: يثيبهم على ذلك ألم يمر عليك: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ويُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...) مرجعهم مرجع..
* الشيخ: (...) أي لكن فيه تشجيع.
على كل حال أنا أردت أنه هل يمكن أن تؤخذ من هذه الآية (...) المكافأة على العمل ثابتة في السُّنَّة وفي غير السنة أيضًا، الرسول قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥١)، ومسلم (١٧٥٤ / ٤٥) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. في الجهاد في سبيل الله، وسَلَبُهُ ما عليه من الثياب ونحوها، وهذه مكافأة.
والعلماء قالوا: يجوز أن يجعل لمن دلَّهم على حصن أو ما أشبه ذلك من الأمور التي فيها مصلحة للمجاهدين يجوز أن يجعل له جُعْلًا، وأنتم مر عليكم أن للإمام أن يخبر السرية ولَّا لا؟ في الرجعة وفي البداءة، كل هذه من باب المكافأة على فعل الخير هذا ثابت.
لكن أنا قصدي هل نأخذه من الآية؟
نقول: يمكن أن نأخذ من الآية على سبيل قياس العكس.
فإن قلت: أثْبِتْ لنا قياس العكس؛ لأننا في شك من إثبات القياس أولًا؟
نقول: عندنا إثبات قياس العكس، قال عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». يعني أن الرجل إذا أتى أهله فذلك صدقة، الصحابة قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِرْزٌ؟». قالوا: نعم. قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. عرفتم؟
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧].
* وفيها: صِحة تقسيم أهل السنة لصفات الله إلى ثبوتية وسلبية، وقد ذكرت لكم أنَّ بعض الناس شك في كلمة سلبية وقال: ينبغي أن نقول: (...).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل آثام غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨].
وينبني على هذه الفائدة ثبوت كمال عدل الله عز وجل، حيث لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يقبل التحميل إلا من كان أهلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ لأن غير الوازرة لا تحمل إثم نفسها فضلًا عن إثم غيرها، لكن الوازرة تحمل إثم نفسها لا تحمل إثم غيرها.
* من فوائدها أيضًا: منع الاتكالية على الغير؛ لأن الإنسان قد يعمل ويقول: سيهيئ الله لي أحدًا يدعو لي، أو يستغفر لي، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا لا تعتمد عليه.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟
* طالب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا﴾ [العنكبوت ١٣]؛ لأنهم هم قدوة في ذلك، في إضلال غيرهم، فباقتداء غيرهم بهم يحملون أثقالهم.
* الشيخ: لأن أثقال غيرهم الحقيقة ناشئة عن أثقالهم، فصار كأنهم الذين عملوها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
* من فوائد الآية الكريمة: نشوف قياس العكس إذا كانت النفس لا تحمل إثم غيرها فهل تُلزم بالواجب على غيرها أو تقوم (...) غيرها؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، يعني معناه كما أن الإنسان لا يحمل إثم غيره بالمعصية، لا يحمل إثم غيره بترك الواجب، فإذا ترك أبوك أو ابنك أو خالك أو عمك واجبًا فليس عليك إثمه، الإثم على نفس هذا الرجل (...).
لأنه يقول: (إن) التي للتوكيد، لكنها دخلت عليها (ما) الكافة. قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ (...)
اقرأ علينا، أن الغير لا يحمل وِزْر الغير وإن دعاه إلى ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] بخلافه في الدنيا فإنه في الدنيا إذا دعاك أحدٌ أن تعينه على ما حَمَل، أو أن تحمله عنه أجبته، لكن في الآخرة لا، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وحتى ولو كان أقرب الناس إليك؛ فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن رسول الله ﷺ نذير؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر ١٨].
* وأنه -وهي فائدة جديدة-: لا ينتفع بإنذاره إلا من يخشى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية التي هي محل الثناء ما كانت خشية في الغيب؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨]؛ لأن الخشية في الظاهر قد يكون الحامل عليها مراعاة عباد الله، لكن إذا كانت بالغيب فإن هذا دليل واضح على أن صاحبها مخلص في خشيته لله عز وجل.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة الصلاة، وأنها -أي الصلاة- سبب للانتفاع بإنذار النبي ﷺ كالخشية؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرجل -وإن شئت فقل-: أن الإنسان إذا تزكى فإن نفع تزكيه لنفسه، ولا ينال الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨].
* ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أوامر الله عز وجل ليس من أجل مصلحة ينالها في امتثالنا، ولكن من أجل رحمتنا ومصلحتنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* ومنها: الحث على تزكية النفس؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، وكل إنسان عاقل إذا علِم أن مصلحة العمل تعود إليه فإنه سوف يهتم به ويقوم به، فإذا علمتَ أن تزكيك لنفسك حرصت عليه غاية الحرص.
والتزكِّي كما أشرنا إليه يشمل تزكية القلب بتطهيره من جميع الشرك والشك والضغائن والأحقاد والبغضاء وما أشبه ذلك، وتزكية الأقوال من كل قول منكر؛ يعني يكون الإنسان لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة.]].
وتزكية الأفعال أيضًا من فعل الفواحش والأخلاق السيئة، وما إلى ذلك مما يجب على الإنسان أن يتطهر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كمال هذا الدين الإسلامي، حيث حَثَّ على تزكية النفس ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا بالأقوال والأفعال، وباطنًا بالقلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله في أحكامهم الكونية والشرعية والجزائية.
أما الأحكام الكونية: فظاهر أن المرجع إلى الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله الكوني ولَّا لا؟
وأما الشرعية: فكذلك؛ فإن العباد مربوبون مُتَعَبَّدون لله عز وجل، فكان مقتضى ذلك أن يتمشوا على أحكامه الشرعية.
وأما الجزائية: فالأمر ظاهر، فإنه لا يجازِي العاملين على عملهم إلا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مَنْع الرجوع إلى غير الله فيما هو مختص بالله؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]، فلا يجوز أن نرجع إلى النظم الوضعية التي من وضع البشر، وعندنا كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
فاطر 35:17
ثم قال الله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في كل حال ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في صنعه بهم).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] هذا النداء عام للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، الناس عمومًا. وصدر الله هذا الحكم بهذا الخطاب الذي هو النداء؛ لأجل التنبيه وبيان الاهتمام به.
وفي الحقيقة أنه قد يُقال: كل أحد يعلم أنه فقير إلى الله، لكن هل نحن عملنا بمقتضى هذا العلم؟ لا، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] فقرر الله تعالى هذه الحال الثابتة التي لا ينفك عنها إنسان -وهي الفقر إلى الله- من أجل أن يعمل بمقتضى هذه الحال، فيرجع إلى الله عز وجل، ولا يسأل إلا الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [فاطر ١٥] الجملة هذه جملة اسمية مفيدة الحصر؛ لأن طرفيها معرفتان ﴿أَنْتُمُ﴾ هذا ضمير معرفة، ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ مُحلَّى بـ(أل) فهو معرفة.
﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ وغير الناس؟ أغنياء عن الله ولَّا لا؟ لا، لكن لما كان الإنسان هو الذي قد يرى نفسه مستغنيًا عن الله حصر الفقر فيه كأنه يقول: إن لم يكن أحد فقيرًا إلى الله فأنتم فقراء ولا بد، وإذا كان الإنسان العاقل المدبر لنفسه فقيرًا إلى الله فما بالك بالبهيمة، أليست أشد فقرًا؟! بلى هي أشد فقرًا إلى الله عز وجل من الإنسان، لكنه خاطب الإنسان بذلك؛ لأنه هو الذي يرى أنه قد استغنى عن الله وأنه غني عن الله.
بل بعض بني آدم عكس القضية، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والعياذ بالله، فعكس القضية والواقع الذي تشهد به الفطرة.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] ﴿إِلَى﴾ هذه للغاية؛ أي: أن فقركم مُنتهٍ إلى الله عز وجل، لا يسد عوزكم إلا الله.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥] أي: ضد الفقر، والغني أي: المستغني عن غيره، كما قال الله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن ٦]، فالله عز وجل ذو الغنى الواسع، ومع ذلك فإن غناه مقرون بحمده؛ ولهذا قال: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، فهو غني يُحمد على غناه؛ لأنه يجود به على غيره، لكن بنو آدم قد يكون الإنسان منهم غنيًّا ولكن ليس حميدًا، فإذا كان غنيًّا وتسلَّط بغناه على غيره وفخر به على الناس ولم يقم بما يجب عليه صار غنيًّا حميدًا ولَّا لا؟ غير حميد، لكن الله عز وجل غني حميد.
وكلمة (حميد) يصح أن تكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن تكون بمعنى اسم المفعول.
اسم الفاعل؛ لأنه سبحانه وتعالى حامِد، يحمد من عباده كل من يستحق الحمد منهم؛ ولهذا يثني على رسله وأنبيائه وعباده الصالحين، والثناء عليهم هو الحمد.
وهو أيضا محمود على أمرين: على ما له من كمال الصفات، وعلى ما له من كمال الإنعام، فهو محمود لكمال صفاته، ومحمود لكمال إنعامه.
وهنا نقول: الحميد محمود لكمال غناه، وكمال جوده بهذا الغنى ولَّا لا؟ لأنه ليس كل غني يكون محمودًا بالذي ما عنده من الغنى لكن الله عز وجل غني حميد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، أيش؟
* طالب: ضمير فصل.
* الشيخ: ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد؟ أيش لون هذا؟ اشرح لي هذه
* طالب: الله هو الغني؛ يعني ليس غير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ليس غيره، الله لا غير، كما نقول: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غير، هذا واحد. هذه فائدة، الفائدة الثانية؟
* طالب: يفصل بين الخبر والصفة.
* الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة؛ يعني التمييز بينهما، الثالث؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، إذا قلت: زيد هو القائم؛ فهو أوكد من قولك: زيد قائم.
فالفائدة إذن فوائده ثلاث، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
ثم قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦] جملة شرطية فعل الشرط ﴿يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ جواب الشرط.
﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يعني بالإذهاب.
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] ﴿يَأْتِ﴾ غريب أن تكون مكسورة، وهي فعل مضارع؟
* طالب: مجزومة بحذف حرف العلة.
* الشيخ: مجزومة بحذف، وأصلها (يأتي)، لكن حُذِفت الياء؛ لأنها معطوفة على مجزوم ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (بدلكم) بخلق؛ أي: بمخلوق؛ بدليل قوله: ﴿وَيَأْتِ﴾ أي: بمخلوق جديد، فهذا مصدر أُريد به اسم المفعول؛ أي: بمخلوق كقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، واللفظ له، من حديث عائشة.]]. وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] خلقه؛ أي: مخلوقه.
وقد يراد بالخلق المصدر كما في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن هنا المراد به اسم المفعول.
قال تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] أي: بمخلوق جديد غيركم، كيف يذهبنا ويأتي بخلق جديد؟
إذا أهلكنا من أين يأتي الخلق الجديد؟ يخلق قبل الإذهاب ولَّا ويش؟
* طالب: بعده.
* الشيخ: طيب الآن قدرنا أن الخليقة الآن ذهبت، من أين يجي اللي بعده؟ الله قادر على أن يأتي بخلق جديد مستقل، هذا واضح، ثم هو أيضًا يمكن أن يُذهِب الموجودين بعد أن يأتي خلفُهم منهم، ولا يكون نشء الصغار يعتبر خلقًا جديدًا بالنسبة للكبار الذين هلكوا، وهذا كما قيل في بني إسرائيل لما امتنعوا عن دخول الأرض المقدسة وقالوا: إن فيها قومًا جبارين؛ ابتلاهم الله عز وجل وقال: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٢٦]، فضاعوا ما بين مصر والشام مسيرة شهر، جلسوا فيه أربعين سنة ما اهتدوا إلى الطريق تائهين.
قال بعض العلماء ولا سيما المعاصرين منهم: لأجل أن يفنى ذلك الجيل المتغطرس الذليل، ويأتي جيل ناشئ في الصحراء قوي يريد أن يدخل البلاد المقدسة؛ لأنه ناشئ في الصحراء يريد المدن، فعنده قوة وإرادة تؤهله إلى دخول تلك الأرض؛ لأن الجيل الأول المتغطرس المعانِد فني في هذه المدة، هكذا قال بعض العلماء، ولا سيما المعاصرين منهم، قالوا: إن الحكمة في أن الله تعالى ضربهم بهذا التيه لأجل أن يفنوا الكبار، ويستجد الصغار، فالله أعلم.
إنما الله عز وجل قادر على أن يمحو الناس ويذهبهم ويأتي بخلق جديد؛ إما خلق مستقل، أو من ذرية هؤلاء، أو يُفني من في هذا الأرض مثلًا ويأتي آخرون يحتلون الأرض ولَّا لا؟
لها ثلاثة وجوه الآن: إما خلق جديد ومستقل، وإما ذرية القوم الذين ذهبوا، وإما قوم آخرون يأتون من بلاد أخرى ويحلون محل هؤلاء الذين ذهبوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قوله: ﴿مَا ذَلِكَ﴾ [فاطر ١٧] هذه ﴿مَا﴾ حجازية لتمام شروط عملها؛ لأن اسمها (ذا)، وخبرها (عزيز) لكن دخل على خبرها الباء الزائدة في الإعراب.
﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: إذهابكم والإتيان بخلق جديد.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ(عزيز) مُقدَّم عليه.
وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾. قال المؤلف: (شديد)، والصواب: عزيز بمعنى ممتنع؛ لأن (عَزَّ) تأتي بمعنى (امتنع) كما مر علينا، وتأتي بمعنى (غلب)، وتأتي بمعنى (القدر)، وغلب معناها هنا تأتي بمعنى العزة والقدَر.
هنا ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، والمؤلف رحمه الله قال: (بشديد)؛ لأن الشديد في حد ذاته ممتنع؛ لقوته وصلابته، إذا لم يكن عزيزًا على الله فهو سهل وعليه فنقول: إن هذه الصفة من الصفات السلبية التي نصف الله تعالى بها مع إثبات كمال ضدها فنقول: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧]؛ لكمال سهولته عليه فهو أمر هَيِّن عليه سبحانه وتعالى أن يذهب هؤلاء ويأتي بغيرهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما يؤول إليه أمر هؤلاء الكفار، وهدَّد من خرج عن طاعته بأنه قادر على أن يُذهبهم ويأتي بخلق جديد ذكر براءة غير الوازِرِين من الوازِرِين؛ يعني أن شرك هؤلاء المشركين لا يؤثر على أولئك المؤمنين الموَحِّدين.
قال: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾، قال المؤلف: (نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ آثمة).
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] ﴿وَازِرَةٌ﴾ أفادنا المؤلف بتقدير نفس، أن ﴿وَازِرَةٌ﴾ صفة لموصوف محذوف، تقديره: نفس.
وقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: آثمة، وهل المراد آثمة بالفعل، أو أنها من ذوات الوِزْر والإثم، وهو الْمُكَلَّف البالغ العاقل؟ يعني أن من يكون أهلًا لأن يأثم إذا فعل لا يتحمل إثم غيره، وتكون الفائدة من ذكر الوازِرة أن الصغير مثلًا لا يتحمل إثمًا لا له ولا لغيره بخلاف الكبير الذي يتحمل الإثم، فهل يتحمل إثم غيره؟
يقول عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، قال المؤلف: (آثمة أي لا تحمل).
كلمة ﴿تَزِرُ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (أي: لا تحمل)، وهذا تفسير بالمراد، لا بالمعنى المطابق للفظ؛ لأن المعنى المطابق للفظ في ﴿تَزِرُ﴾ أي: تأثم؛ إذ إن الوزر هو الإثم ولكن مَرَّ علينا كثيرًا أن تفسير القرآن قد يُراد به التفسير المطابق للفظ، وقد يراد به التفسير بالمعنى المراد لا المطابق للفظ؛ أي: لا تحمل وِزْر نفس أخرى.
أفادنا أيضًا بقوله: (وزر نفس) صفة لموصوف محذوف تقديره: نفس؛ أي أن زيدًا لا يحمل إثم عمرو، وهندًا لا تحمل وزر فاطمة مثلًا، واضح؟ كل يحمل وزره، قال الله تعالى -مُبينًا ذلك في جملة تعتبر قاعدة-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨]، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١]، أما من لم يكسب شيئًا فليس عليه من إثم الآخرين شيئًا، ولا يعارض هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. لأن سنَّه إياه يعتبر وزرًا؛ لأنه هو الذي شق الطريق له، ومهد السبل؛ فلهذا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فالآية هنا لا تنافي الحديث.
قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بالوِزْر ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ منه أحدًا ليحمل بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ).
إن تدع أي: تطلب. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بماذا؟ بالأوزار ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ليُحمل عنها بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾، وجملة ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ جواب الشرط، الشرط قوله: ﴿إِنْ تَدْعُ﴾ وهو مجزوم بحذف الواو، والضمة قبله دليل عليه. و﴿لَا يُحْمَلْ﴾ هذا هو جواب الشرط و﴿شَيْءٌ﴾ نائب فاعل؛ يعني أنه كما أن الغير لا يحمل على الغير وزره فإنه حتى وإن دُعِي واستُنجد؛ ليحمل أو يُخفِّف عن الوازِر شيئًا لم يمكن ذلك، في الدنيا ربما يؤخذ الإنسان بجريرة غيره، في الدنيا أيضًا إذا استغاث بك إنسان قد حمل شيئًا ثقيلًا هل تنجده ولَّا لا؟ تنجده، لكن في الآخرة لو دعت نفس مثقلة إلى حملها أن يحمل أحد منه شيئًا؛ فإنها لا تُجاب إلى ذلك ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم القليل والكثير.
وقوله: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ هي أيضًا نكرة في سياق النفي فتعم أي مثقلة، مهما كانت هذه المثقلة فإنها إذا دعت أحدًا من الناس أن يحمل عنها من أثقالها لا يحمل منه شيء.
ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ قال: (المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ قرابة كالأب والابن).
قوله: (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو) ألا يمكن أن نقول: ولو كان الداعي؟ يمكن لكن متلازمان؛ لأن المدْعُوَّ إذا كان قريبًا من الداعي كان الداعي قريبًا له لكن أيهما أنسب من حيث السياق ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨]؟
* طلبة: المدعو.
* الشيخ: لكن ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾، المذكور هنا الداعي، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
نقول: المدعو أقرب؛ لأنه لو كان المراد الداعي لكان -والله أعلم- الأنسب أن نقول: ولو كانت ذا قربى؛ لأنه قال: ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، ومعلوم أن ضمير المؤنث ولو مجازًا يكون؟
* طالب: مؤنثًا.
* الشيخ: يكون مؤنثًا، ولَّا لا؟ قال ابن مالك:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْـــلَ مُضْــمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
إذن ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] صح ولو كانت الداعية، لكن لما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ مذكر عُلِم أن الفاعل غير الداعي.
وقوله: ﴿قُرْبَى﴾ أي: قرابة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال ٤١] أي: القرابة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، فالقُربى هنا بمعنى القرابة، لو أن الأب استنجد بابنه يوم القيامة أن يحمل عنه من أوزاره أجاب؟ لا، ما يجيب، بل ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٦] ليش؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧].
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعدم الحمل في الشقين حكم من الله).
قوله: (عدم الْحَمْل في الشقين) أين الشقان؟ قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] أي: لا تحمل.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وإذا كان من الله فإنه لا يمكن أحد أن يحمل عن أحد شيئًا ولو رضي، فلو أن أحدًا قال لشخص: آثامك عليَّ. يمكن يكون هكذا؟ ما يصح؛ لأن الذي لا يحمل هو الله؛ فالحكم من الله عز وجل، لو أن أحدًا استنجد بأحد أن يحمل عنه، ووافق على نجدته له ذلك ولَّا لا؟ لا؛ لأن هذا حكم من الله عز وجل، هذا الفعل في قوله: (وعدم الحمل في الشقين حُكْم من الله) أي فليس لأحد أن يتجاوزه يعني الحكم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت ١٢]؛ يعني يقولون ذلك، ولكن هم ليسوا بصادقين في هذا التحمل ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لا بالتزامهم ولكن؛ لأنهم هم الأسوة والقدوة، فكانوا يحملون أثقالهم وأثقال من أضلوهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، هذه الجملة فيها حَصْر، طريقه: ﴿إِنَّمَا﴾، والحصر ما هو؟
* طالب: حصر الشيء في الشيء.
* الشيخ: ما معنى حصر الشيء في الشيء؟
* الطالب: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر.
* الشيخ: إي: ما معنى الحصر؟
* الطالب: هو يعني أن يحصر.
* الشيخ: الشيء في الشيء. ما معنى حصر الشيء في الشيء؟ وكررتها أنا.
* طالب: إثبات الحكم في الشيء.
* الشيخ: إثبات الحكم في المذكور -وإن شئت فقل: في المحصور فيه- ونفيه عما سواه.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] كأن يقال: ما تنذر إلا الذين يخشون ربهم.
و﴿تُنْذِرُ﴾ من الإنذار وهو الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار الإعلام المقرون بالتخويف، وإن شئت فقل: الإعلام المراد به التخويف؛ لأنه يقال: (...) من هيئة الكلام والسياق مثلًا أنه للتخويف.
فمنذر الجيش يقول: واصباحاه! بس فيعرف الناس أن هذا إنذار للجيش.
إذن الإنذار معناه الإعلام المراد به التخويف، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الخشية هي الخوف النابِع عن تعظيم المخوف والعلم به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقولنا: إنه الخوف النابع عن تعظيم المخوف ليشمل من كان خائفًا، ولو كان هو قويًّا؛ يعني معناه القوي قد يخاف منه آخرون، فتكون هذه خشية، فإن خاف الضعيف من قوي فهو خوف؛ ولهذا نقول: إن الخشية أعظم من الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر ١٨] أي: يخافونه خوفًا نابعًا من تعظيمهم له مع علمهم بأنه مستحق للتعظيم.
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] الغيب ضد الشاهد والمعلوم، أي: (يخافونه وما رأوه)، فأفادنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من المفعول به؛ أي يخشون ربهم حال كونه غائبًا عنهم لم يروه، انتبهوا! هذا أحد الوجهين في الآية.
الوجه الثاني: يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن غيره، فيكون الجار والمجرور حالًا من الفاعل؛ لأن من الناس من يُظهِر خشية الله أمام الناس لكنه إذا غاب عن الناس لم يخشَ الله.
هل يُمدَح هذا على خشيته؟ لا؛ لأنه مُراءٍ لكن الذي يخشى ربه بالغيب هذا هو الذي يُمدَح.
فإن قلت: هل يمكن أن تُحمل الآية على المعنيين، ويكون هؤلاء الذين مدحهم الله يخشون الله؛ مع أنهم لم يروه، يخشون الله في حال الغيبة عن الناس؟
فالجواب: نعم، وهذا من بلاغة القرآن أن يُعَبِّر بتعبير صالح لمعنيين لا يتنافيان، فهؤلاء القوم يخشون الله تعالى وهم لم يروه، ولكنهم يخشونه كأنهم يرونه؛ لأنهم يخشونه في الغيب والشهادة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] لا ينافي أنه منذر لجميع الناس ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عموم إنذاره، لماذا؟ لأن المراد بالإنذار هنا الإنذار النافِع؛ أي إنما يؤثر إنذارك للذين يخشون ربهم بالغيب، أما من لا يخشى الله بالغيب فإنه وإن أُنذِر لا ينتفع بالإنذار؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله مشيرًا إلى ذلك: (لأنهم المنتفعون بالإنذار)؛ (لأنهم) أي: الذين يخشون ربهم بالغيب المنتفعون بالإنذار؛ فلهذا خص الإنذار بهم.
إذن الحصر هنا -حصر الإنذار في الذين يخشون ربهم بالغيب- المراد به حصر الانتفاع به، أو حصر نفعه، إنما يكون لمن؟ أما من لا يخشى الله فإن هذا لا ينفعه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ما معنى هذا، ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ المشار إليه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، أي: ممتنع، صح أي أنه سهل كامل السهولة.
قوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] من أي الصفات؟
﴿يَخْشَوْنَ﴾ أي: على صلة الموصول.
وهنا قال: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فعطف الماضي على المضارع؛ لأن الخشية مستمرة في الأعمال كلها إقامة الصلاة وغيرها.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف: (أداموها). والحقيقة أن إقامة الصلاة أعم مما قال، ففي تفسيره قصور؛ لأن إقامة الصلاة تشمل إتمامها وإكمالها والمحافظة عليها والمداومة عليها.
واستمع إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون ١، ٢] هذا من إقامته، أيش يقول فيها؟
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون ٩] هذا أيضًا من إقامتها، يحافظ عليها، ويحرص عليها، على واجباتها ومكملاتها وأوقاتها.
وقال في سورة (السائل): ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج ٢٣]، وفي آخرها قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج ٣٤]. فإقامة الصلاة تشمل كل ما فيه إكمالها وإتمامها وإدامتها، فهو أعم مما قال المؤلف.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] يشمل الفرض والنفل؛ لأن (أل) تفيد العموم؛ أي: أقاموا كل صلاة، والصلاة معروفة هي في اللغة: الدعاء.
وفي الشرع: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
قال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] الجملة هذه شرطية، وفِعْل الشرط فيها ﴿تَزَكَّى﴾ وجوابه: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
وقال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ قال المؤلف: (تطهَّر من الشِّرْك وغيره).
﴿تَزَكَّى﴾ أي: تطهر من الشِّرْك وغيره؛ لأن الزكاة تفيد معنى الطهر، والمراد بالتزكي هنا هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى ١٤]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩]؛ أي: مَنْ زكَّى نفسه؛ أي: طهَّرها من الشِّرْك.
وقول المؤلف: (وغيره) كإرادة السوء مثلًا والمعاصي وإرادة المساوئ إلى الخلق، وغير هذا مما يجب على الإنسان أن يطهر نفسه منه، فهي إذن عامة.
هل يدخل في ذلك أداء الزكاة؟ نعم، يدخل في ذلك؛ لأن أداء الزكاة تطهر من البخل ومن (...) فهي داخلة في قوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ [فاطر ١٨].
وقوله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، والمراد بهذا الحث على التزكِّي؛ لأنك إذا تزكَّيْت فإنما تنفع نفسك؛ لأن (...) يتزكى فضرره على نفسه، فأنت إذا تزكيت فالذي ينتفع بتزكيك أنت نفسك، فالله عز وجل لا ينتفع بطاعتك، أما غير الله فقد ينتفع بطاعتك، لا لأن حسناتك له، ولكن قد ينتفع بطاعتك بالقدوة بك، وبما يحصل من عِلْم أو غير ذلك مما هو داخل في التزكية.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] أي: فعليه أن يحرص على التزكِّي.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨] ﴿الْمَصِيرُ﴾ بمعنى (المرجِع)، كما قال المؤلف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. و﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة تفيد الحصر؛ لأنه قُدِّم فيها الخبر وحقه التأخير؛ يعني: إلى الله وحده المصير؛ أي المرجع.
هل هو في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، إلى الله المصير في الدنيا والآخرة، فمرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الأحكام الشرعية مرجعها إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠].
الأحكام الكونية مرجعها إلى الله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣].
الأحكام الجزائية اللي تكون يوم القيامة مرجعها إلى الله، فمصير كل شيء إلى من أبدع وأحدث كل شيء فالذي أبدع الأمور وأحدثها هو الله. إذن مرجعها إلى الله، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى.
قال المؤلف -تفريعًا على قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]-: (فيجزي بالعمل في الآخرة)، وهذا إشارة من المؤلف إلى أنه قصر المصير هنا للمرجع يوم القيامة.
والصواب: العموم، وعلى هذا فهو سبحانه وتعالى يجازِي ويحكم قدرًا ويحكم شرعًا بين عباده.
والفوائد الآن من؟
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
* في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله عز وجل مهما بلغوا في الغنى والقوة فإنهم مفتقرون إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. وهذا لفظ عام لا يخرج منه شيء.
* ومنها: بيان شدة حاجة الناس إلى الله؛ لقوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ بـ(أل) ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ لو قال: فقراء لكان أهون لكن الفقراء معناه في جميع أحوالنا كلها مفتقرون إلى ربنا سبحانه وتعالى.
* ومنها، من فوائد الآية: بيان غِنى الله عن كل أحد؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
* ومنها: أن لله الغنى المطلَق من جميع الوجوه يستفاد هذا من قوله: ﴿الْغَنِيُّ﴾ (أل) الدالة على العموم والاستيعاب.
فإن قلت: كيف تقول: إن الغنى لله وحده هو الغني؛ يعني ضمير الفصل يدل على الحصر، ولعلنا نأخذ هذه الفائدة أولًا.
* ومن فوائدها: أن الغني الكامل المطلق خاص بمن؟ بالله سبحانه وتعالى؛ بدليل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ثبوت الغِنى لغير الله في الكتاب وفي السنة، قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[[ متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]. فثبت بالكتاب والسنة أن البَشر فيهم الغني، كيف يثبت؟
الجواب: أن غِنى البشر غنى محدود نسبي قاصِر قابِل للزوال كما أنه كان حادثًا، أما غِنَى الله فهو غنى مُطلق كامل أزلي أبدي، (...) ما ثبت في الملك والخلق والتدبير وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: (...) الفقراء والغني فيها نوع كمال لله سبحانه وتعالى، يتبين به نقص البشر تجاه كمال الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، ثم قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾، [الرحمن: ٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، فإن وصف المخلوق بالنقص، ثم إثبات الكمال لله هذا فيه دليل على كمال الله عز وجل، وأن كماله واضح جدًّا؛ لأنك إذا ذكرت عيب الآخر تبين لك كمال مقابله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن غِنَى الله سبحانه وتعالى مقرون بالحمد؛ لقوله: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] بخلاف غِنَى البشر فإنه قد لا يكون محمودًا، كيف لا يكون محمودًا؟ إما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش بعد؟ (...) إما بالبخل، وإما بكونه يأتي بدون استحقاق كالسُّرَّاق واللصوص قد يكونون أغنياء لكن اكتسبوه على غير وجهه المباح، أما غِنَى الله فهو غنى كامل يُحْمَد عليه.
إذن يُحمد من جهة الغِنى ومن جهة الكرم بما هو غني فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغني والحميد، كذا؟ الغني يدل على صفة، ما هي؟
* طلبة: الغنى.
* الشيخ: والحميد يدل على صفة؟
* طلبة: الحمد.
* الشيخ: وهي الحمد، ومجموعهما يدل على صفة ثالثة وهو كمال الغِنَى، نحن ذكرنا في القواعد (...) أنه قد يكون قد ينشأ من الجمع بين الاسمين أو وصفين، صفة ثالثة تحصل باقترانهما، ومثَّلنا هناك بالعزيز والحكيم (...)؛ لأنه يحصل باجتماعهما وصف أكمل.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل حيث بيَّن أنه قادر على أن يذهبنا، ثم يأتي بخلق جديد.
* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ [فاطر ١٦].
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفته تعالى؛ لأنه المقصود بهذا التهديد وتحذيرنا من مخالفته.
* ومنها، من فوائدها أيضًا: أن الخلق حادث ليس أزليًّا؛ لقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦]، هذه هي الدلالة. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] فيه أيضا دلالة كذا؟
أما الأولى: فوجه الدلالة أن ما كان قابلًا للعدم فهو قابل بالحدوث أو للحدوث.
وأما الثانية فهي قوله: ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] هل نستفيد منها ثبوت حدوث أفعال الله باعتبار المفعولات؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن كل مخلوق كائن بالخلق، فإذا كان المخلوق جديدًا؛ لزم أن يكون الخلق أيضًا جديدًا،
فمثلًا خلْق الله للجنين في بطن أمه حادث ولَّا لا؟
* طلبة: حادث.
* الشيخ: حادث، ضرورة أن المخلوق حادث، أما جنس فعل الله فهو أزلي؛ يعني الله تعالى لم يزل فعَّالًا، فهناك فرق بين وصف الله تعالى بالفعل على الإطلاق وبين وصف الله بالفعل مقرونًا بالمفعول، فالفعل المقرون بالمفعول لا شك أنه حادث، والفعل المطلق أن الله لم يزل فعالًا لما يريد هذا أزلي.
هل نستفيد من ذلك جواز تهديد الإنسان بالأشياء المحسوسة ليستقيم على أمر الله؟ نعم؛ لأن هذا تهديد من الله عز وجل لنستقيم على أمره.
إذن نقول: إن العقوبات الحسية وإن حملت على الاستقامة فإنها محمودة؛ لأنها من فِعْل الله؛ ولهذا أوجب الله علينا أن نحد الزاني ونقطع السارق ولَّا لا؟ علشان أن يرتدع.
لا يقول قائل: إنك إذا فعلتَ ذلك فإنك قد حملتَ الناس على أن يتركوا الأمر لا لله؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هذا؟ كيف تقع في (...)؟ معناه أن الإنسان ما يرتكب الزنا أو السرقة إلا خوفًا من العقوبة؛ معنى ذلك أنك تحمل الناس على أن يدعوا المحارم لا خوفًا من الله ولكن خوفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إصلاح، ووسيلة الإصلاح ما عليه من نية الذي يحاول إصلاحه.
هل يستفاد منها جواز إعطاء الجائزة تشجيعًا لمن عمل صالحًا ولَّا لا؟ يعني بمعنى القياس العكسي؟
* طلبة: لا (...).
* الشيخ: لا توافقوهم ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لا تداهنوا، هل يؤخذ من هذه الآية جواز إعطاء المكافآت لمن يعمل عملًا صالحًا من باب قياس العكسي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأخ! إيه، شو رأيك لو كان فيه معارضة؟
* طالب: فيه بس بعيدة (...).
* الشيخ: فيه، بس بعيدة، (فيه) خبر مقدم، و(بس) مبتدأ مؤخر!!
* الطالب: (...) أن الله سبحانه وتعالى إنما عاقبهم لفعل المعصية، إذا فعلوا المعصية عاقبهم (...) إذا فعلوا الطاعة أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم على ذلك.
* الشيخ: يثيبهم على ذلك ألم يمر عليك: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ويُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...) مرجعهم مرجع..
* الشيخ: (...) أي لكن فيه تشجيع.
على كل حال أنا أردت أنه هل يمكن أن تؤخذ من هذه الآية (...) المكافأة على العمل ثابتة في السُّنَّة وفي غير السنة أيضًا، الرسول قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥١)، ومسلم (١٧٥٤ / ٤٥) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. في الجهاد في سبيل الله، وسَلَبُهُ ما عليه من الثياب ونحوها، وهذه مكافأة.
والعلماء قالوا: يجوز أن يجعل لمن دلَّهم على حصن أو ما أشبه ذلك من الأمور التي فيها مصلحة للمجاهدين يجوز أن يجعل له جُعْلًا، وأنتم مر عليكم أن للإمام أن يخبر السرية ولَّا لا؟ في الرجعة وفي البداءة، كل هذه من باب المكافأة على فعل الخير هذا ثابت.
لكن أنا قصدي هل نأخذه من الآية؟
نقول: يمكن أن نأخذ من الآية على سبيل قياس العكس.
فإن قلت: أثْبِتْ لنا قياس العكس؛ لأننا في شك من إثبات القياس أولًا؟
نقول: عندنا إثبات قياس العكس، قال عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». يعني أن الرجل إذا أتى أهله فذلك صدقة، الصحابة قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِرْزٌ؟». قالوا: نعم. قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. عرفتم؟
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧].
* وفيها: صِحة تقسيم أهل السنة لصفات الله إلى ثبوتية وسلبية، وقد ذكرت لكم أنَّ بعض الناس شك في كلمة سلبية وقال: ينبغي أن نقول: (...).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل آثام غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨].
وينبني على هذه الفائدة ثبوت كمال عدل الله عز وجل، حيث لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يقبل التحميل إلا من كان أهلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ لأن غير الوازرة لا تحمل إثم نفسها فضلًا عن إثم غيرها، لكن الوازرة تحمل إثم نفسها لا تحمل إثم غيرها.
* من فوائدها أيضًا: منع الاتكالية على الغير؛ لأن الإنسان قد يعمل ويقول: سيهيئ الله لي أحدًا يدعو لي، أو يستغفر لي، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا لا تعتمد عليه.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟
* طالب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا﴾ [العنكبوت ١٣]؛ لأنهم هم قدوة في ذلك، في إضلال غيرهم، فباقتداء غيرهم بهم يحملون أثقالهم.
* الشيخ: لأن أثقال غيرهم الحقيقة ناشئة عن أثقالهم، فصار كأنهم الذين عملوها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
* من فوائد الآية الكريمة: نشوف قياس العكس إذا كانت النفس لا تحمل إثم غيرها فهل تُلزم بالواجب على غيرها أو تقوم (...) غيرها؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، يعني معناه كما أن الإنسان لا يحمل إثم غيره بالمعصية، لا يحمل إثم غيره بترك الواجب، فإذا ترك أبوك أو ابنك أو خالك أو عمك واجبًا فليس عليك إثمه، الإثم على نفس هذا الرجل (...).
لأنه يقول: (إن) التي للتوكيد، لكنها دخلت عليها (ما) الكافة. قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ (...)
اقرأ علينا، أن الغير لا يحمل وِزْر الغير وإن دعاه إلى ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] بخلافه في الدنيا فإنه في الدنيا إذا دعاك أحدٌ أن تعينه على ما حَمَل، أو أن تحمله عنه أجبته، لكن في الآخرة لا، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وحتى ولو كان أقرب الناس إليك؛ فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن رسول الله ﷺ نذير؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر ١٨].
* وأنه -وهي فائدة جديدة-: لا ينتفع بإنذاره إلا من يخشى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية التي هي محل الثناء ما كانت خشية في الغيب؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨]؛ لأن الخشية في الظاهر قد يكون الحامل عليها مراعاة عباد الله، لكن إذا كانت بالغيب فإن هذا دليل واضح على أن صاحبها مخلص في خشيته لله عز وجل.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة الصلاة، وأنها -أي الصلاة- سبب للانتفاع بإنذار النبي ﷺ كالخشية؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرجل -وإن شئت فقل-: أن الإنسان إذا تزكى فإن نفع تزكيه لنفسه، ولا ينال الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨].
* ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أوامر الله عز وجل ليس من أجل مصلحة ينالها في امتثالنا، ولكن من أجل رحمتنا ومصلحتنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* ومنها: الحث على تزكية النفس؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، وكل إنسان عاقل إذا علِم أن مصلحة العمل تعود إليه فإنه سوف يهتم به ويقوم به، فإذا علمتَ أن تزكيك لنفسك حرصت عليه غاية الحرص.
والتزكِّي كما أشرنا إليه يشمل تزكية القلب بتطهيره من جميع الشرك والشك والضغائن والأحقاد والبغضاء وما أشبه ذلك، وتزكية الأقوال من كل قول منكر؛ يعني يكون الإنسان لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة.]].
وتزكية الأفعال أيضًا من فعل الفواحش والأخلاق السيئة، وما إلى ذلك مما يجب على الإنسان أن يتطهر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كمال هذا الدين الإسلامي، حيث حَثَّ على تزكية النفس ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا بالأقوال والأفعال، وباطنًا بالقلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله في أحكامهم الكونية والشرعية والجزائية.
أما الأحكام الكونية: فظاهر أن المرجع إلى الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله الكوني ولَّا لا؟
وأما الشرعية: فكذلك؛ فإن العباد مربوبون مُتَعَبَّدون لله عز وجل، فكان مقتضى ذلك أن يتمشوا على أحكامه الشرعية.
وأما الجزائية: فالأمر ظاهر، فإنه لا يجازِي العاملين على عملهم إلا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مَنْع الرجوع إلى غير الله فيما هو مختص بالله؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]، فلا يجوز أن نرجع إلى النظم الوضعية التي من وضع البشر، وعندنا كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
فاطر 35:18
ثم قال الله تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ في كل حال ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في صنعه بهم).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] هذا النداء عام للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير، والذكر والأنثى، الناس عمومًا. وصدر الله هذا الحكم بهذا الخطاب الذي هو النداء؛ لأجل التنبيه وبيان الاهتمام به.
وفي الحقيقة أنه قد يُقال: كل أحد يعلم أنه فقير إلى الله، لكن هل نحن عملنا بمقتضى هذا العلم؟ لا، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧] فقرر الله تعالى هذه الحال الثابتة التي لا ينفك عنها إنسان -وهي الفقر إلى الله- من أجل أن يعمل بمقتضى هذه الحال، فيرجع إلى الله عز وجل، ولا يسأل إلا الله.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [فاطر ١٥] الجملة هذه جملة اسمية مفيدة الحصر؛ لأن طرفيها معرفتان ﴿أَنْتُمُ﴾ هذا ضمير معرفة، ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ مُحلَّى بـ(أل) فهو معرفة.
﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ وغير الناس؟ أغنياء عن الله ولَّا لا؟ لا، لكن لما كان الإنسان هو الذي قد يرى نفسه مستغنيًا عن الله حصر الفقر فيه كأنه يقول: إن لم يكن أحد فقيرًا إلى الله فأنتم فقراء ولا بد، وإذا كان الإنسان العاقل المدبر لنفسه فقيرًا إلى الله فما بالك بالبهيمة، أليست أشد فقرًا؟! بلى هي أشد فقرًا إلى الله عز وجل من الإنسان، لكنه خاطب الإنسان بذلك؛ لأنه هو الذي يرى أنه قد استغنى عن الله وأنه غني عن الله.
بل بعض بني آدم عكس القضية، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، والعياذ بالله، فعكس القضية والواقع الذي تشهد به الفطرة.
قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥] ﴿إِلَى﴾ هذه للغاية؛ أي: أن فقركم مُنتهٍ إلى الله عز وجل، لا يسد عوزكم إلا الله.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥] أي: ضد الفقر، والغني أي: المستغني عن غيره، كما قال الله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ [التغابن ٦]، فالله عز وجل ذو الغنى الواسع، ومع ذلك فإن غناه مقرون بحمده؛ ولهذا قال: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥]، فهو غني يُحمد على غناه؛ لأنه يجود به على غيره، لكن بنو آدم قد يكون الإنسان منهم غنيًّا ولكن ليس حميدًا، فإذا كان غنيًّا وتسلَّط بغناه على غيره وفخر به على الناس ولم يقم بما يجب عليه صار غنيًّا حميدًا ولَّا لا؟ غير حميد، لكن الله عز وجل غني حميد.
وكلمة (حميد) يصح أن تكون بمعنى اسم الفاعل، ويصح أن تكون بمعنى اسم المفعول.
اسم الفاعل؛ لأنه سبحانه وتعالى حامِد، يحمد من عباده كل من يستحق الحمد منهم؛ ولهذا يثني على رسله وأنبيائه وعباده الصالحين، والثناء عليهم هو الحمد.
وهو أيضا محمود على أمرين: على ما له من كمال الصفات، وعلى ما له من كمال الإنعام، فهو محمود لكمال صفاته، ومحمود لكمال إنعامه.
وهنا نقول: الحميد محمود لكمال غناه، وكمال جوده بهذا الغنى ولَّا لا؟ لأنه ليس كل غني يكون محمودًا بالذي ما عنده من الغنى لكن الله عز وجل غني حميد.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، أيش؟
* طالب: ضمير فصل.
* الشيخ: ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد؟ أيش لون هذا؟ اشرح لي هذه
* طالب: الله هو الغني؛ يعني ليس غير الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: ليس غيره، الله لا غير، كما نقول: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غير، هذا واحد. هذه فائدة، الفائدة الثانية؟
* طالب: يفصل بين الخبر والصفة.
* الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة؛ يعني التمييز بينهما، الثالث؟
* طالب: التوكيد.
* الشيخ: التوكيد، إذا قلت: زيد هو القائم؛ فهو أوكد من قولك: زيد قائم.
فالفائدة إذن فوائده ثلاث، ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
ثم قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦] جملة شرطية فعل الشرط ﴿يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ جواب الشرط.
﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ يعني بالإذهاب.
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] ﴿يَأْتِ﴾ غريب أن تكون مكسورة، وهي فعل مضارع؟
* طالب: مجزومة بحذف حرف العلة.
* الشيخ: مجزومة بحذف، وأصلها (يأتي)، لكن حُذِفت الياء؛ لأنها معطوفة على مجزوم ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾.
وقوله: ﴿يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (بدلكم) بخلق؛ أي: بمخلوق؛ بدليل قوله: ﴿وَيَأْتِ﴾ أي: بمخلوق جديد، فهذا مصدر أُريد به اسم المفعول؛ أي: بمخلوق كقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨)، واللفظ له، من حديث عائشة.]]. وكقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان ١١] خلقه؛ أي: مخلوقه.
وقد يراد بالخلق المصدر كما في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن هنا المراد به اسم المفعول.
قال تعالى: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] أي: بمخلوق جديد غيركم، كيف يذهبنا ويأتي بخلق جديد؟
إذا أهلكنا من أين يأتي الخلق الجديد؟ يخلق قبل الإذهاب ولَّا ويش؟
* طالب: بعده.
* الشيخ: طيب الآن قدرنا أن الخليقة الآن ذهبت، من أين يجي اللي بعده؟ الله قادر على أن يأتي بخلق جديد مستقل، هذا واضح، ثم هو أيضًا يمكن أن يُذهِب الموجودين بعد أن يأتي خلفُهم منهم، ولا يكون نشء الصغار يعتبر خلقًا جديدًا بالنسبة للكبار الذين هلكوا، وهذا كما قيل في بني إسرائيل لما امتنعوا عن دخول الأرض المقدسة وقالوا: إن فيها قومًا جبارين؛ ابتلاهم الله عز وجل وقال: ﴿إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة ٢٦]، فضاعوا ما بين مصر والشام مسيرة شهر، جلسوا فيه أربعين سنة ما اهتدوا إلى الطريق تائهين.
قال بعض العلماء ولا سيما المعاصرين منهم: لأجل أن يفنى ذلك الجيل المتغطرس الذليل، ويأتي جيل ناشئ في الصحراء قوي يريد أن يدخل البلاد المقدسة؛ لأنه ناشئ في الصحراء يريد المدن، فعنده قوة وإرادة تؤهله إلى دخول تلك الأرض؛ لأن الجيل الأول المتغطرس المعانِد فني في هذه المدة، هكذا قال بعض العلماء، ولا سيما المعاصرين منهم، قالوا: إن الحكمة في أن الله تعالى ضربهم بهذا التيه لأجل أن يفنوا الكبار، ويستجد الصغار، فالله أعلم.
إنما الله عز وجل قادر على أن يمحو الناس ويذهبهم ويأتي بخلق جديد؛ إما خلق مستقل، أو من ذرية هؤلاء، أو يُفني من في هذا الأرض مثلًا ويأتي آخرون يحتلون الأرض ولَّا لا؟
لها ثلاثة وجوه الآن: إما خلق جديد ومستقل، وإما ذرية القوم الذين ذهبوا، وإما قوم آخرون يأتون من بلاد أخرى ويحلون محل هؤلاء الذين ذهبوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قوله: ﴿مَا ذَلِكَ﴾ [فاطر ١٧] هذه ﴿مَا﴾ حجازية لتمام شروط عملها؛ لأن اسمها (ذا)، وخبرها (عزيز) لكن دخل على خبرها الباء الزائدة في الإعراب.
﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ أي: إذهابكم والإتيان بخلق جديد.
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ جار ومجرور متعلق بـ(عزيز) مُقدَّم عليه.
وقوله: ﴿بِعَزِيزٍ﴾. قال المؤلف: (شديد)، والصواب: عزيز بمعنى ممتنع؛ لأن (عَزَّ) تأتي بمعنى (امتنع) كما مر علينا، وتأتي بمعنى (غلب)، وتأتي بمعنى (القدر)، وغلب معناها هنا تأتي بمعنى العزة والقدَر.
هنا ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، والمؤلف رحمه الله قال: (بشديد)؛ لأن الشديد في حد ذاته ممتنع؛ لقوته وصلابته، إذا لم يكن عزيزًا على الله فهو سهل وعليه فنقول: إن هذه الصفة من الصفات السلبية التي نصف الله تعالى بها مع إثبات كمال ضدها فنقول: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧]؛ لكمال سهولته عليه فهو أمر هَيِّن عليه سبحانه وتعالى أن يذهب هؤلاء ويأتي بغيرهم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد ٣٨].
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] لما بيَّن سبحانه وتعالى ما يؤول إليه أمر هؤلاء الكفار، وهدَّد من خرج عن طاعته بأنه قادر على أن يُذهبهم ويأتي بخلق جديد ذكر براءة غير الوازِرِين من الوازِرِين؛ يعني أن شرك هؤلاء المشركين لا يؤثر على أولئك المؤمنين الموَحِّدين.
قال: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾، قال المؤلف: (نفس ﴿وَازِرَةٌ﴾ آثمة).
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] ﴿وَازِرَةٌ﴾ أفادنا المؤلف بتقدير نفس، أن ﴿وَازِرَةٌ﴾ صفة لموصوف محذوف، تقديره: نفس.
وقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾ أي: آثمة، وهل المراد آثمة بالفعل، أو أنها من ذوات الوِزْر والإثم، وهو الْمُكَلَّف البالغ العاقل؟ يعني أن من يكون أهلًا لأن يأثم إذا فعل لا يتحمل إثم غيره، وتكون الفائدة من ذكر الوازِرة أن الصغير مثلًا لا يتحمل إثمًا لا له ولا لغيره بخلاف الكبير الذي يتحمل الإثم، فهل يتحمل إثم غيره؟
يقول عز وجل: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، قال المؤلف: (آثمة أي لا تحمل).
كلمة ﴿تَزِرُ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (أي: لا تحمل)، وهذا تفسير بالمراد، لا بالمعنى المطابق للفظ؛ لأن المعنى المطابق للفظ في ﴿تَزِرُ﴾ أي: تأثم؛ إذ إن الوزر هو الإثم ولكن مَرَّ علينا كثيرًا أن تفسير القرآن قد يُراد به التفسير المطابق للفظ، وقد يراد به التفسير بالمعنى المراد لا المطابق للفظ؛ أي: لا تحمل وِزْر نفس أخرى.
أفادنا أيضًا بقوله: (وزر نفس) صفة لموصوف محذوف تقديره: نفس؛ أي أن زيدًا لا يحمل إثم عمرو، وهندًا لا تحمل وزر فاطمة مثلًا، واضح؟ كل يحمل وزره، قال الله تعالى -مُبينًا ذلك في جملة تعتبر قاعدة-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨]، ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور ٢١]، أما من لم يكسب شيئًا فليس عليه من إثم الآخرين شيئًا، ولا يعارض هذا قول النبي ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. لأن سنَّه إياه يعتبر وزرًا؛ لأنه هو الذي شق الطريق له، ومهد السبل؛ فلهذا كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فالآية هنا لا تنافي الحديث.
قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بالوِزْر ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ منه أحدًا ليحمل بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ ).
إن تدع أي: تطلب. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ بماذا؟ بالأوزار ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ ليُحمل عنها بعضه ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾، وجملة ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ جواب الشرط، الشرط قوله: ﴿إِنْ تَدْعُ﴾ وهو مجزوم بحذف الواو، والضمة قبله دليل عليه. و﴿لَا يُحْمَلْ﴾ هذا هو جواب الشرط و﴿شَيْءٌ﴾ نائب فاعل؛ يعني أنه كما أن الغير لا يحمل على الغير وزره فإنه حتى وإن دُعِي واستُنجد؛ ليحمل أو يُخفِّف عن الوازِر شيئًا لم يمكن ذلك، في الدنيا ربما يؤخذ الإنسان بجريرة غيره، في الدنيا أيضًا إذا استغاث بك إنسان قد حمل شيئًا ثقيلًا هل تنجده ولَّا لا؟ تنجده، لكن في الآخرة لو دعت نفس مثقلة إلى حملها أن يحمل أحد منه شيئًا؛ فإنها لا تُجاب إلى ذلك ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿شَيْءٌ﴾ نكرة في سياق النفي فتعم القليل والكثير.
وقوله: ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ هي أيضًا نكرة في سياق النفي فتعم أي مثقلة، مهما كانت هذه المثقلة فإنها إذا دعت أحدًا من الناس أن يحمل عنها من أثقالها لا يحمل منه شيء.
ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ قال: (المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ قرابة كالأب والابن).
قوله: (﴿وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو) ألا يمكن أن نقول: ولو كان الداعي؟ يمكن لكن متلازمان؛ لأن المدْعُوَّ إذا كان قريبًا من الداعي كان الداعي قريبًا له لكن أيهما أنسب من حيث السياق ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨]؟
* طلبة: المدعو.
* الشيخ: لكن ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾، المذكور هنا الداعي، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
نقول: المدعو أقرب؛ لأنه لو كان المراد الداعي لكان -والله أعلم- الأنسب أن نقول: ولو كانت ذا قربى؛ لأنه قال: ﴿إِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر ١٨]، ومعلوم أن ضمير المؤنث ولو مجازًا يكون؟
* طالب: مؤنثًا.
* الشيخ: يكون مؤنثًا، ولَّا لا؟ قال ابن مالك:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْـــلَ مُضْــمَرِ ∗∗∗ مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
إذن ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] صح ولو كانت الداعية، لكن لما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ مذكر عُلِم أن الفاعل غير الداعي.
وقوله: ﴿قُرْبَى﴾ أي: قرابة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال ٤١] أي: القرابة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى ٢٣]، فالقُربى هنا بمعنى القرابة، لو أن الأب استنجد بابنه يوم القيامة أن يحمل عنه من أوزاره أجاب؟ لا، ما يجيب، بل ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس ٣٤ - ٣٦] ليش؟ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس ٣٧].
﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعدم الحمل في الشقين حكم من الله).
قوله: (عدم الْحَمْل في الشقين) أين الشقان؟ قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨] أي: لا تحمل.
﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وإذا كان من الله فإنه لا يمكن أحد أن يحمل عن أحد شيئًا ولو رضي، فلو أن أحدًا قال لشخص: آثامك عليَّ. يمكن يكون هكذا؟ ما يصح؛ لأن الذي لا يحمل هو الله؛ فالحكم من الله عز وجل، لو أن أحدًا استنجد بأحد أن يحمل عنه، ووافق على نجدته له ذلك ولَّا لا؟ لا؛ لأن هذا حكم من الله عز وجل، هذا الفعل في قوله: (وعدم الحمل في الشقين حُكْم من الله) أي فليس لأحد أن يتجاوزه يعني الحكم؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت ١٢]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [العنكبوت ١٢]؛ يعني يقولون ذلك، ولكن هم ليسوا بصادقين في هذا التحمل ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] لا بالتزامهم ولكن؛ لأنهم هم الأسوة والقدوة، فكانوا يحملون أثقالهم وأثقال من أضلوهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾، هذه الجملة فيها حَصْر، طريقه: ﴿إِنَّمَا﴾، والحصر ما هو؟
* طالب: حصر الشيء في الشيء.
* الشيخ: ما معنى حصر الشيء في الشيء؟
* الطالب: ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر.
* الشيخ: إي: ما معنى الحصر؟
* الطالب: هو يعني أن يحصر.
* الشيخ: الشيء في الشيء. ما معنى حصر الشيء في الشيء؟ وكررتها أنا.
* طالب: إثبات الحكم في الشيء.
* الشيخ: إثبات الحكم في المذكور -وإن شئت فقل: في المحصور فيه- ونفيه عما سواه.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] كأن يقال: ما تنذر إلا الذين يخشون ربهم.
و﴿تُنْذِرُ﴾ من الإنذار وهو الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار الإعلام المقرون بالتخويف، وإن شئت فقل: الإعلام المراد به التخويف؛ لأنه يقال: (...) من هيئة الكلام والسياق مثلًا أنه للتخويف.
فمنذر الجيش يقول: واصباحاه! بس فيعرف الناس أن هذا إنذار للجيش.
إذن الإنذار معناه الإعلام المراد به التخويف، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول الله له: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨].
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الخشية هي الخوف النابِع عن تعظيم المخوف والعلم به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقولنا: إنه الخوف النابع عن تعظيم المخوف ليشمل من كان خائفًا، ولو كان هو قويًّا؛ يعني معناه القوي قد يخاف منه آخرون، فتكون هذه خشية، فإن خاف الضعيف من قوي فهو خوف؛ ولهذا نقول: إن الخشية أعظم من الخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].
وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر ١٨] أي: يخافونه خوفًا نابعًا من تعظيمهم له مع علمهم بأنه مستحق للتعظيم.
وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] الغيب ضد الشاهد والمعلوم، أي: (يخافونه وما رأوه)، فأفادنا أن قوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ حال من المفعول به؛ أي يخشون ربهم حال كونه غائبًا عنهم لم يروه، انتبهوا! هذا أحد الوجهين في الآية.
الوجه الثاني: يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن غيره، فيكون الجار والمجرور حالًا من الفاعل؛ لأن من الناس من يُظهِر خشية الله أمام الناس لكنه إذا غاب عن الناس لم يخشَ الله.
هل يُمدَح هذا على خشيته؟ لا؛ لأنه مُراءٍ لكن الذي يخشى ربه بالغيب هذا هو الذي يُمدَح.
فإن قلت: هل يمكن أن تُحمل الآية على المعنيين، ويكون هؤلاء الذين مدحهم الله يخشون الله؛ مع أنهم لم يروه، يخشون الله في حال الغيبة عن الناس؟
فالجواب: نعم، وهذا من بلاغة القرآن أن يُعَبِّر بتعبير صالح لمعنيين لا يتنافيان، فهؤلاء القوم يخشون الله تعالى وهم لم يروه، ولكنهم يخشونه كأنهم يرونه؛ لأنهم يخشونه في الغيب والشهادة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨] لا ينافي أنه منذر لجميع الناس ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على عموم إنذاره، لماذا؟ لأن المراد بالإنذار هنا الإنذار النافِع؛ أي إنما يؤثر إنذارك للذين يخشون ربهم بالغيب، أما من لا يخشى الله بالغيب فإنه وإن أُنذِر لا ينتفع بالإنذار؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله مشيرًا إلى ذلك: (لأنهم المنتفعون بالإنذار)؛ (لأنهم) أي: الذين يخشون ربهم بالغيب المنتفعون بالإنذار؛ فلهذا خص الإنذار بهم.
إذن الحصر هنا -حصر الإنذار في الذين يخشون ربهم بالغيب- المراد به حصر الانتفاع به، أو حصر نفعه، إنما يكون لمن؟ أما من لا يخشى الله فإن هذا لا ينفعه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] ما معنى هذا، ﴿وَمَا ذَلِكَ﴾ المشار إليه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، أي: ممتنع، صح أي أنه سهل كامل السهولة.
قوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧] من أي الصفات؟
﴿يَخْشَوْنَ﴾ أي: على صلة الموصول.
وهنا قال: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ فعطف الماضي على المضارع؛ لأن الخشية مستمرة في الأعمال كلها إقامة الصلاة وغيرها.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] قال المؤلف: (أداموها). والحقيقة أن إقامة الصلاة أعم مما قال، ففي تفسيره قصور؛ لأن إقامة الصلاة تشمل إتمامها وإكمالها والمحافظة عليها والمداومة عليها.
واستمع إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون ١، ٢] هذا من إقامته، أيش يقول فيها؟
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون ٩] هذا أيضًا من إقامتها، يحافظ عليها، ويحرص عليها، على واجباتها ومكملاتها وأوقاتها.
وقال في سورة (السائل): ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج ٢٣]، وفي آخرها قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج ٣٤]. فإقامة الصلاة تشمل كل ما فيه إكمالها وإتمامها وإدامتها، فهو أعم مما قال المؤلف.
وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨] يشمل الفرض والنفل؛ لأن (أل) تفيد العموم؛ أي: أقاموا كل صلاة، والصلاة معروفة هي في اللغة: الدعاء.
وفي الشرع: التعبُّد لله سبحانه وتعالى بأقوال وأفعال معلومة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
قال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] الجملة هذه شرطية، وفِعْل الشرط فيها ﴿تَزَكَّى﴾ وجوابه: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾.
وقال: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ قال المؤلف: (تطهَّر من الشِّرْك وغيره).
﴿تَزَكَّى﴾ أي: تطهر من الشِّرْك وغيره؛ لأن الزكاة تفيد معنى الطهر، والمراد بالتزكي هنا هو ما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى ١٤]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس ٩]؛ أي: مَنْ زكَّى نفسه؛ أي: طهَّرها من الشِّرْك.
وقول المؤلف: (وغيره) كإرادة السوء مثلًا والمعاصي وإرادة المساوئ إلى الخلق، وغير هذا مما يجب على الإنسان أن يطهر نفسه منه، فهي إذن عامة.
هل يدخل في ذلك أداء الزكاة؟ نعم، يدخل في ذلك؛ لأن أداء الزكاة تطهر من البخل ومن (...) فهي داخلة في قوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ [فاطر ١٨].
وقوله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، والمراد بهذا الحث على التزكِّي؛ لأنك إذا تزكَّيْت فإنما تنفع نفسك؛ لأن (...) يتزكى فضرره على نفسه، فأنت إذا تزكيت فالذي ينتفع بتزكيك أنت نفسك، فالله عز وجل لا ينتفع بطاعتك، أما غير الله فقد ينتفع بطاعتك، لا لأن حسناتك له، ولكن قد ينتفع بطاعتك بالقدوة بك، وبما يحصل من عِلْم أو غير ذلك مما هو داخل في التزكية.
وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨] أي: فعليه أن يحرص على التزكِّي.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨] ﴿الْمَصِيرُ﴾ بمعنى (المرجِع)، كما قال المؤلف، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم. و﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخر، وهذه الجملة تفيد الحصر؛ لأنه قُدِّم فيها الخبر وحقه التأخير؛ يعني: إلى الله وحده المصير؛ أي المرجع.
هل هو في الدنيا أو في الدنيا والآخرة؟ في الدنيا والآخرة، إلى الله المصير في الدنيا والآخرة، فمرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
الأحكام الشرعية مرجعها إلى مَنْ؟ إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠].
الأحكام الكونية مرجعها إلى الله ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة ٢٥٣].
الأحكام الجزائية اللي تكون يوم القيامة مرجعها إلى الله، فمصير كل شيء إلى من أبدع وأحدث كل شيء فالذي أبدع الأمور وأحدثها هو الله. إذن مرجعها إلى الله، فمنه المبتدأ وإليه المنتهى.
قال المؤلف -تفريعًا على قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]-: (فيجزي بالعمل في الآخرة)، وهذا إشارة من المؤلف إلى أنه قصر المصير هنا للمرجع يوم القيامة.
والصواب: العموم، وعلى هذا فهو سبحانه وتعالى يجازِي ويحكم قدرًا ويحكم شرعًا بين عباده.
والفوائد الآن من؟
قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
* في هذه الآية فوائد كثيرة، منها: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله عز وجل مهما بلغوا في الغنى والقوة فإنهم مفتقرون إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾. وهذا لفظ عام لا يخرج منه شيء.
* ومنها: بيان شدة حاجة الناس إلى الله؛ لقوله: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ بـ(أل) ﴿الْفُقَرَاءُ﴾ لو قال: فقراء لكان أهون لكن الفقراء معناه في جميع أحوالنا كلها مفتقرون إلى ربنا سبحانه وتعالى.
* ومنها، من فوائد الآية: بيان غِنى الله عن كل أحد؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
* ومنها: أن لله الغنى المطلَق من جميع الوجوه يستفاد هذا من قوله: ﴿الْغَنِيُّ﴾ (أل) الدالة على العموم والاستيعاب.
فإن قلت: كيف تقول: إن الغنى لله وحده هو الغني؛ يعني ضمير الفصل يدل على الحصر، ولعلنا نأخذ هذه الفائدة أولًا.
* ومن فوائدها: أن الغني الكامل المطلق خاص بمن؟ بالله سبحانه وتعالى؛ بدليل قوله: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [فاطر ١٥].
فإن قلت: كيف تجمع بين هذا وبين ثبوت الغِنى لغير الله في الكتاب وفي السنة، قال الله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة ٢٧٣]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[[ متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]]. فثبت بالكتاب والسنة أن البَشر فيهم الغني، كيف يثبت؟
الجواب: أن غِنى البشر غنى محدود نسبي قاصِر قابِل للزوال كما أنه كان حادثًا، أما غِنَى الله فهو غنى مُطلق كامل أزلي أبدي، (...) ما ثبت في الملك والخلق والتدبير وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: (...) الفقراء والغني فيها نوع كمال لله سبحانه وتعالى، يتبين به نقص البشر تجاه كمال الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، ثم قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾، [الرحمن: ٢٧] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، فإن وصف المخلوق بالنقص، ثم إثبات الكمال لله هذا فيه دليل على كمال الله عز وجل، وأن كماله واضح جدًّا؛ لأنك إذا ذكرت عيب الآخر تبين لك كمال مقابله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن غِنَى الله سبحانه وتعالى مقرون بالحمد؛ لقوله: ﴿الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] بخلاف غِنَى البشر فإنه قد لا يكون محمودًا، كيف لا يكون محمودًا؟ إما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش بعد؟ (...) إما بالبخل، وإما بكونه يأتي بدون استحقاق كالسُّرَّاق واللصوص قد يكونون أغنياء لكن اكتسبوه على غير وجهه المباح، أما غِنَى الله فهو غنى كامل يُحْمَد عليه.
إذن يُحمد من جهة الغِنى ومن جهة الكرم بما هو غني فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغني والحميد، كذا؟ الغني يدل على صفة، ما هي؟
* طلبة: الغنى.
* الشيخ: والحميد يدل على صفة؟
* طلبة: الحمد.
* الشيخ: وهي الحمد، ومجموعهما يدل على صفة ثالثة وهو كمال الغِنَى، نحن ذكرنا في القواعد (...) أنه قد يكون قد ينشأ من الجمع بين الاسمين أو وصفين، صفة ثالثة تحصل باقترانهما، ومثَّلنا هناك بالعزيز والحكيم (...)؛ لأنه يحصل باجتماعهما وصف أكمل.
ثم قال عز وجل: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل حيث بيَّن أنه قادر على أن يذهبنا، ثم يأتي بخلق جديد.
* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ [فاطر ١٦].
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفته تعالى؛ لأنه المقصود بهذا التهديد وتحذيرنا من مخالفته.
* ومنها، من فوائدها أيضًا: أن الخلق حادث ليس أزليًّا؛ لقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [فاطر ١٦]، هذه هي الدلالة. ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] فيه أيضا دلالة كذا؟
أما الأولى: فوجه الدلالة أن ما كان قابلًا للعدم فهو قابل بالحدوث أو للحدوث.
وأما الثانية فهي قوله: ﴿بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر ١٦] هل نستفيد منها ثبوت حدوث أفعال الله باعتبار المفعولات؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم؛ لأن كل مخلوق كائن بالخلق، فإذا كان المخلوق جديدًا؛ لزم أن يكون الخلق أيضًا جديدًا،
فمثلًا خلْق الله للجنين في بطن أمه حادث ولَّا لا؟
* طلبة: حادث.
* الشيخ: حادث، ضرورة أن المخلوق حادث، أما جنس فعل الله فهو أزلي؛ يعني الله تعالى لم يزل فعَّالًا، فهناك فرق بين وصف الله تعالى بالفعل على الإطلاق وبين وصف الله بالفعل مقرونًا بالمفعول، فالفعل المقرون بالمفعول لا شك أنه حادث، والفعل المطلق أن الله لم يزل فعالًا لما يريد هذا أزلي.
هل نستفيد من ذلك جواز تهديد الإنسان بالأشياء المحسوسة ليستقيم على أمر الله؟ نعم؛ لأن هذا تهديد من الله عز وجل لنستقيم على أمره.
إذن نقول: إن العقوبات الحسية وإن حملت على الاستقامة فإنها محمودة؛ لأنها من فِعْل الله؛ ولهذا أوجب الله علينا أن نحد الزاني ونقطع السارق ولَّا لا؟ علشان أن يرتدع.
لا يقول قائل: إنك إذا فعلتَ ذلك فإنك قد حملتَ الناس على أن يتركوا الأمر لا لله؛ لأن بعض الناس يقول: كيف هذا؟ كيف تقع في (...)؟ معناه أن الإنسان ما يرتكب الزنا أو السرقة إلا خوفًا من العقوبة؛ معنى ذلك أنك تحمل الناس على أن يدعوا المحارم لا خوفًا من الله ولكن خوفًا من العقوبة.
فنقول: إن هذا فيه إصلاح، ووسيلة الإصلاح ما عليه من نية الذي يحاول إصلاحه.
هل يستفاد منها جواز إعطاء الجائزة تشجيعًا لمن عمل صالحًا ولَّا لا؟ يعني بمعنى القياس العكسي؟
* طلبة: لا (...).
* الشيخ: لا توافقوهم ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] لا تداهنوا، هل يؤخذ من هذه الآية جواز إعطاء المكافآت لمن يعمل عملًا صالحًا من باب قياس العكسي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الأخ! إيه، شو رأيك لو كان فيه معارضة؟
* طالب: فيه بس بعيدة (...).
* الشيخ: فيه، بس بعيدة، (فيه) خبر مقدم، و(بس) مبتدأ مؤخر!!
* الطالب: (...) أن الله سبحانه وتعالى إنما عاقبهم لفعل المعصية، إذا فعلوا المعصية عاقبهم (...) إذا فعلوا الطاعة أن الله سبحانه وتعالى يجازيهم على ذلك.
* الشيخ: يثيبهم على ذلك ألم يمر عليك: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ويُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٧)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* الطالب: (...).
* طالب آخر: (...) مرجعهم مرجع..
* الشيخ: (...) أي لكن فيه تشجيع.
على كل حال أنا أردت أنه هل يمكن أن تؤخذ من هذه الآية (...) المكافأة على العمل ثابتة في السُّنَّة وفي غير السنة أيضًا، الرسول قال: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ»[[ متفق عليه؛ البخاري (٣٠٥١)، ومسلم (١٧٥٤ / ٤٥) من حديث سلمة بن الأكوع.]]. في الجهاد في سبيل الله، وسَلَبُهُ ما عليه من الثياب ونحوها، وهذه مكافأة.
والعلماء قالوا: يجوز أن يجعل لمن دلَّهم على حصن أو ما أشبه ذلك من الأمور التي فيها مصلحة للمجاهدين يجوز أن يجعل له جُعْلًا، وأنتم مر عليكم أن للإمام أن يخبر السرية ولَّا لا؟ في الرجعة وفي البداءة، كل هذه من باب المكافأة على فعل الخير هذا ثابت.
لكن أنا قصدي هل نأخذه من الآية؟
نقول: يمكن أن نأخذ من الآية على سبيل قياس العكس.
فإن قلت: أثْبِتْ لنا قياس العكس؛ لأننا في شك من إثبات القياس أولًا؟
نقول: عندنا إثبات قياس العكس، قال عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». يعني أن الرجل إذا أتى أهله فذلك صدقة، الصحابة قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِرْزٌ؟». قالوا: نعم. قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. عرفتم؟
* وفي الآية أيضًا: دليل على كمال القدرة؛ لقوله: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر ١٧].
* وفيها: صِحة تقسيم أهل السنة لصفات الله إلى ثبوتية وسلبية، وقد ذكرت لكم أنَّ بعض الناس شك في كلمة سلبية وقال: ينبغي أن نقول: (...).
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل آثام غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨].
وينبني على هذه الفائدة ثبوت كمال عدل الله عز وجل، حيث لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يقبل التحميل إلا من كان أهلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ لأن غير الوازرة لا تحمل إثم نفسها فضلًا عن إثم غيرها، لكن الوازرة تحمل إثم نفسها لا تحمل إثم غيرها.
* من فوائدها أيضًا: منع الاتكالية على الغير؛ لأن الإنسان قد يعمل ويقول: سيهيئ الله لي أحدًا يدعو لي، أو يستغفر لي، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا لا تعتمد عليه.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟
* طالب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا﴾ [العنكبوت ١٣]؛ لأنهم هم قدوة في ذلك، في إضلال غيرهم، فباقتداء غيرهم بهم يحملون أثقالهم.
* الشيخ: لأن أثقال غيرهم الحقيقة ناشئة عن أثقالهم، فصار كأنهم الذين عملوها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
* من فوائد الآية الكريمة: نشوف قياس العكس إذا كانت النفس لا تحمل إثم غيرها فهل تُلزم بالواجب على غيرها أو تقوم (...) غيرها؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، يعني معناه كما أن الإنسان لا يحمل إثم غيره بالمعصية، لا يحمل إثم غيره بترك الواجب، فإذا ترك أبوك أو ابنك أو خالك أو عمك واجبًا فليس عليك إثمه، الإثم على نفس هذا الرجل (...).
لأنه يقول: (إن) التي للتوكيد، لكنها دخلت عليها (ما) الكافة. قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ (...)
اقرأ علينا، أن الغير لا يحمل وِزْر الغير وإن دعاه إلى ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] بخلافه في الدنيا فإنه في الدنيا إذا دعاك أحدٌ أن تعينه على ما حَمَل، أو أن تحمله عنه أجبته، لكن في الآخرة لا، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وحتى ولو كان أقرب الناس إليك؛ فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن رسول الله ﷺ نذير؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر ١٨].
* وأنه -وهي فائدة جديدة-: لا ينتفع بإنذاره إلا من يخشى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية التي هي محل الثناء ما كانت خشية في الغيب؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨]؛ لأن الخشية في الظاهر قد يكون الحامل عليها مراعاة عباد الله، لكن إذا كانت بالغيب فإن هذا دليل واضح على أن صاحبها مخلص في خشيته لله عز وجل.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة الصلاة، وأنها -أي الصلاة- سبب للانتفاع بإنذار النبي ﷺ كالخشية؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرجل -وإن شئت فقل-: أن الإنسان إذا تزكى فإن نفع تزكيه لنفسه، ولا ينال الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨].
* ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أوامر الله عز وجل ليس من أجل مصلحة ينالها في امتثالنا، ولكن من أجل رحمتنا ومصلحتنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* ومنها: الحث على تزكية النفس؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، وكل إنسان عاقل إذا علِم أن مصلحة العمل تعود إليه فإنه سوف يهتم به ويقوم به، فإذا علمتَ أن تزكيك لنفسك حرصت عليه غاية الحرص.
والتزكِّي كما أشرنا إليه يشمل تزكية القلب بتطهيره من جميع الشرك والشك والضغائن والأحقاد والبغضاء وما أشبه ذلك، وتزكية الأقوال من كل قول منكر؛ يعني يكون الإنسان لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة.]].
وتزكية الأفعال أيضًا من فعل الفواحش والأخلاق السيئة، وما إلى ذلك مما يجب على الإنسان أن يتطهر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كمال هذا الدين الإسلامي، حيث حَثَّ على تزكية النفس ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا بالأقوال والأفعال، وباطنًا بالقلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله في أحكامهم الكونية والشرعية والجزائية.
أما الأحكام الكونية: فظاهر أن المرجع إلى الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله الكوني ولَّا لا؟
وأما الشرعية: فكذلك؛ فإن العباد مربوبون مُتَعَبَّدون لله عز وجل، فكان مقتضى ذلك أن يتمشوا على أحكامه الشرعية.
وأما الجزائية: فالأمر ظاهر، فإنه لا يجازِي العاملين على عملهم إلا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مَنْع الرجوع إلى غير الله فيما هو مختص بالله؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]، فلا يجوز أن نرجع إلى النظم الوضعية التي من وضع البشر، وعندنا كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
فاطر 35:19
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وهذا ظاهر.
الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر.
والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا.
أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي.
وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن.
ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر.
قال: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
قال: (﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس.
الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة.
وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له.
* وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله.
لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟
ثالثًا: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله.
* ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
* من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين:
الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة.
والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟
* طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]].
* الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة.
فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟
فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به.
ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...).
وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم.
والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط.
يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية.
* ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل.
* ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟
* طالب: ينذر ويبشر.
* الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
* فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...).
وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ.
والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم.
والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة.
والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك.
أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه).
والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى.
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.
فاطر 35:20
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وهذا ظاهر.
الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر.
والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا.
أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي.
وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن.
ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر.
قال: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
قال: (﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس.
الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة.
وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له.
* وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله.
لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟
ثالثًا: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله.
* ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
* من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين:
الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة.
والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟
* طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]].
* الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة.
فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟
فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به.
ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...).
وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم.
والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط.
يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية.
* ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل.
* ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟
* طالب: ينذر ويبشر.
* الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
* فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...).
وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ.
والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم.
والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة.
والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك.
أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه).
والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى.
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.
فاطر 35:21
ثم قال الله عز وجل -في الدرس الجديد-: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]؛ يعني لا يستويان في إدراك المبصرات، ليس المعنى نفي التساوي مطلقًا؛ لأن الأعمى قد يفضل البصير في أمور أخرى، لكن لا يستويان في إدراك المرئيات أو المبصرات اللي تطابق الآية ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وهذا ظاهر.
الأعمى إذا قام يمشي وأمامه حُفْرة، أو حَجَر وَقَع في الحفرة وعثر بالحجر.
والبصير بالعكس، فلا يستوي هذا وهذا.
أيهما أكمل؟ البصير، وهذا مَثَل حِسِّي يجب أن ننتقل منه إلى الْمَثَل المعنوي.
وأما قول المؤلف: (المؤمن والكافر) ففيه نظر؛ يعني كأنه يريد أن يقول: إن الأعمى هو الكافر والبصير هو المؤمن.
ولكننا نقول: لا، الآية يُراد بها نفي المساواة في الأمور الحسية الظاهرة التي لا ينكرها أحد؛ إذ إن الكافر والزنديق والمعانِد والمستكبِر لا يمكن أن يدعي تساوي الأعمى والبصير، لكن قد يدَّعي تساوي المؤمن والكافر.
قال: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
قال: (﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾ الكُفر ﴿وَلَا النُّورُ﴾ الإيمان). وهذا أيضًا فيه نظر، والظاهر أن الله سبحانه وتعالى أراد الظلمات الحسية والنور الحسي؛ لأن نفي الاستواء بين هذين أمر لا يمكن إنكاره؛ لأنه مُدْرَك بالحس.
الظلمات لا تستوي والنور، ولكن لا شك أن المراد بذلك ظلمات الكفر ونور الإيمان؛ يعني أنها إشارة إلى هذا، ولذلك جمع الظلمات وأفرد النور؛ لأن سُبل الكفر كثيرة.
وأما الإيمان فسبيله واحد، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
وإنما كان الكفر ظلمات؛ لأن فيه الجهل بالله عز وجل وبما يجب له.
* وفيه أيضًا: أن الإنسان يسير على غير هُدًى، ويسير في اتجاهات متعددة منحرفة، قلبه متشعب في كل وادٍ؛ ولهذا تجد الكافرين أشد الناس قلقًا وأبعدهم عن الثبات على خط مستقيم، بخلاف المؤمن؛ المؤمن مؤمن على خط مستقيم وعارف أنه يريد الوصول إلى مَنْ؟ إلى الله، فتجده يُحَوِّل جميع الأفعال إلى طريق واحد وهو الوصول إلى الله حتى أنه إذا لبس ثوبه يشعر بأنه ينال بذلك مرضاة الله، إذا أكل، أو شرب، أو نام، أو سافر، أو سكت، أو تكلم، أو أحجم، كل ذلك يرى أنه في سبيل الله، في الطريق إلى الله.
لكن الكافر مُتشعِّب؛ ولهذا كان منهجه ظلمات؛ لأنه متشعب، ما هناك هدف واحد يسعى إليه؛ أهدافه كثيرة؛ مغرور في الدنيا، مغرور في رؤسائه، مغرور في الناس، لا يهتم إلا برضاهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا يهمه أن يرضى الله عز وجل؛ فلهذا كان مستحقًّا أن تُجعل طريق الكافر على سبيل الجمع لتشتتها وتفرقها، كذا؟
ثالثًا: قال: ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله.
* ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧].
يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
* من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله.
وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾.
* وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].
ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين:
الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة.
والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟
* طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]].
* الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء.
فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة.
فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟
فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده.
فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟
فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به.
ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...).
وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم.
والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠].
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط.
يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية.
* ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل.
* ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟
* طالب: ينذر ويبشر.
* الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم.
وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠].
* فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...).
وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ.
والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم.
والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة.
والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك.
أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل.
أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾.
قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه).
والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].
وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة.
وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤].
وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى.
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.