Tafsir Ibn Uthaymeen — غافر 40:19 – غافر 40:39
المحتويات
غافر 40:19
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩].
يعلم: الفاعل هو الله عز وجل.
خائنة الأعين: هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأعين الخائن، وخيانة العين: مسارقتها النظر إلى الشيء المحرم، يعني أن الإنسان قد ينظر إلى شيء محرم وجليسه إلى جنبه لا يشعر بذلك؛ لأنه يسارقه النظر، كأنما يتحين الفرص في غفلة صاحبه حتى ينظر إلى ما حرم الله عز وجل. هذه واحدة.
ثانيًا: قد ينظر الإنسان النظر بدون مسارقة بل بمجاهرة ولا يحس جليسه أنه ينظر نظرًا محرمًا، لذلك حذر الله عز وجل من هذه الحال فقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ قال المفسر: (بمسارقتها النظر إلى محرم ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩] القلوب)، فسر المؤلف الصدور بالقلوب لأنها في الصدور؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فبين الله عز وجل هنا دقة علمه ولطف علمه بأنه يعلم حتى هذه الحال التي لا يعلمها الناس الذين يشاهدون ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩].
﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٢٠] ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ الجملة معطوفة على قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾.
﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم به شرعًا وقدرًا؛ لأن القضاء، أعني قضاء الله عز وجل، على قسمين:
قضاء كوني: كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤].
وقضاء شرعي؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، قضى يعني قضاء شرعيًّا، ومعناها: وصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، فهنا يقول الله يقضي بالحق.
هل المراد القضاء الكوني أو القضاء الشرعي؟ المراد الأمران جميعًا، أي أنه يقضي قضاء كونيًّا بالحق، فليس في قضائه الكوني عبث ولا لعب ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
وكذلك يقضي قضاء شرعيًّا بالحق، فقضاؤه سبحانه وتعالى الشرعي كله حق؛ لأنه خير، فيأمر به أو شر فينهى عنه، وهذا هو الحق.
إذن الله يقضي بالحق بالنوعين القضاء الكوني والقضاء الشرعي.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر ٢٠] الواو هنا عاطفة، ويجوز أن تكون استئنافية.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ قال: (يعبدون، أي: كفار مكة، بالياء والتاء) هنا تفسير لكلمة ﴿يَدْعُونَ﴾، وتفسير للضمير الواو، وقراءة.
أما القراءة فقد ذكر المؤلف أن فيها قراءتين: القراءة الأولى ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء، والقراءة الثانية ﴿تدْعُونَ﴾ بالتاء على سبيل المخاطبة، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
وأما ﴿يَدْعُونَ﴾ ففسرها بكلمة يعبدون.
والصواب أن المراد بها يعبدون ويسألون؛ لأنهم هم يعبدون الأصنام ويسألونها جلب المنافع ودفع المضار، ويعبدونها أيضًا بالركوع والسجود والنذور وغير ذلك.
وأما الواو ففسرها المؤلف بكفار مكة، فجعل الضمير عائدًا إلى كفار مكة، وهنا نسأل: هلَّا يوجد أحد يعبد الأصنام ويدعو الأصنام إلا كفار مكة؟ يوجد منهم ومن غيرهم، وإذا كان كذلك فإن تفسير العام بالخاص نقص في التفسير، فالتفسير المطابق للواو أن تكون عامة لكل من يدعو من دون الله من كفار مكة أو كفار المدينة أو كفار الطائف أو كفار العراق أو كفار الشام أو كفار هذه الأمة أو كفار من قبلها، عامة كل من يدعو من دون الله فإنه يدعو من لا يقضي بشيء.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر ٢٠] أي: من دون الله، والدون هنا بما سوى، أي: من سوى الله عز وجل، وهم الأصنام، هنا قال المؤلف: (وهم الأصنام)، وكان مقتضى اللغة العربية أن يقول: وهي الأصنام؛ لأن الجمع لغير ما يعقل لا يعود عليه ضمير ما يعقل، هم للعقلاء ولا لغير العقلاء؟ للعقلاء، ولكن المؤلف عدل عن الأصل وهي الأصنام؛ لمراعاة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ كما تعرفون هذه للعاقل؛ وذلك أن الله تعالى جعل هذه المعبودات نزلها منزلة العقلاء، ومع كونها منزلة منزلة العقلاء لا تقضي بشيء.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، ولم يقابل هذه الجملة بالجملة التي قبلها، بل جعلها أعم، في الجملة الأولى قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ وهنا قال: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ ولم يقل: لا يقضون بالحق، إشارة إلى أنها لا تقضي لا بحق ولا بباطل، فليست أهلًا لأن تعبد من دون الله عز وجل.
﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أبدًا لا شرع ولا قدر ولا حق ولا باطل، فكيف يكونون شركاء لله؟ هذا محط النفي، يعني إذا كانت هذه الأصنام لا تقضي بشيء فكيف تجعل شريكة لله، وهذا يعني توبيخ هؤلاء الذين يعبدون هذه الأصنام من دون الله.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعالهم.
وهو في قوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ يجوز أن تكون ضمير فصل، ويجوز أن تكون مبتدأ، والجملة خبر (إن)، لكن هي ضمير فصل أحسن منها مبتدأ.
يقول الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩].
* في هذه الآية فوائد: منها: عموم علم الله عز وجل بكل شيء، حتى في الأشياء الخفية يعلمها عز وجل.
* ومنها، أي: من الفوائد: لطف علم الله ودقة علم الله، وأنه يصل إلى أشياء لا تصل إليها علوم الآخرين، وهي خيانة الأعين وما تخفيه الصدور، فإن هذا لا يعلمه إلا الله، حتى الذي إلى جنبك لا يعلم.
* ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله، وجهه: أنه يعلم، فإياك إياك أن تخالف الله عز وجل لا في سرك ولا في جهرك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن القلوب في الصدور؛ لقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩]، والإخفاء والإسرار يكون بالقلب، فلهذا قال: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره.
* من فوائدها: إثبات أن قضاء الله تعالى كله حق؛ لقوله: ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ سواء كان القضاء كونيًّا أم شرعيًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله عز وجل بهذه الصفة الكاملة، وهي قضاء الحق، وأنه لا يفعل شيئًا سدى أو عبثًا، بل كل ما يقضيه فإنه حق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنديد بعباد الأصنام، حيث عبدوا مع الله من ليس بشيء بالنسبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها إطلاقًا؛ لقوله: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، وشيء نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء.
فإن قال قائل: إن من القوم الذين يدعون مع الله إلهًا آخر من إذا دعوا هذه الأصنام أجابتهم، فإذا دعوها لكشف الضر انكشف الضر عنهم، ومن الناس من إذا خالف هذه الأصنام أصيب ببلاء، فما هو الجواب؟
الجواب أن يقال: هذا الذي يحصل يحصل من الله عز وجل، لا من هذه الأصنام ابتلاء وامتحانًا، ويقال فيه: إنه حصل عند ذلك، لا به، يعني حصل هذا القضاء من الله عز وجل عند دعاء هذه الأصنام، لا بدعاء هذه الأصنام.
فإن قال قائل: لماذا تعدلون عن السبب الظاهر إلى سبب آخر لا يعلم؟
قلنا: عدلنا إلى ذلك؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، وبقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥ ، ٦]، وإلا فإن العامي قد يأتي إلى صاحب القبر ويقول: يا سيدي، يا ولي الله، يا مولاي، أنقذني من هذه البلية، أنقذني من هذه الضائقة، فيذهب إلى بيته ويجد الأمر قد انفرج، هو على كل حال سوف يضيف هذا الانفراج إلى السبب الظاهر الذي قام به، وهو دعاء هذا القبر حتى انفرجت عنه الغمة.
فنقول: هذه فتنة، ونعلم علم اليقين أنه -أي صاحب القبر- ليس هو الذي كشف الضر، وإنما الذي كشفه الله عز وجل، لكن حصل الكشف عند دعاء صاحب القبر، لا بدعائه.
انتبهوا لهذا؛ لأنه دائمًا يوردون علينا أصحاب القبور هذه الشبهة، يقول: أنا دعوت السيد الفلاني فاستجاب لي وانكشفت الغمة، وواحد كنا قد أتينا من مكة إلى المدينة في زمان مضى طويل، فلما أقبلنا على المدينة قاموا يدعون، ويدعون الرسول، خافوا الله يا جماعة -وكان ذاك الوقت الإنسان صغيرًا لم يترعرع بعد- اتقوا الله، ادعوا الله، قالوا: لا، هذا سيدنا، واحد من الناس انفتح بطنه وتدلت أقتابه وضاقت به الأرض ذرعًا، فقالوا: اذهب إلى نبي الله، فذهب فلما أقبل على المدينة دعا الله فدخلت الأمعاء وانسدت البطن.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا دعا النبي، لما أقبل على المدينة دعا النبي قال: يا رسول الله، أنقذني، البطن منفرج، والأمعاء متدلية، فدخلت الأمعاء في البطن وانسد البطن.
هذه أولًا القصة من يقول: إنها صدق، ثم على فرض على أنها صارت صدقًا هل هذا حصل بدعاء الرسول؟ أبدًا ما حصل، الرسول لا يملك هذا أبدًا، في حياته ربما يريهم الله آية من آيات الرسول فيحصل مثل هذا،« كما حصل في عين أبي قتادة أصيبت فندرت حتى صارت على خده، فأدخلها النبي عليه الصلاة والسلام في مكانها والتأمت في الحال»[[أخرجه أبو يعلى في المسند (١٥٤٩) وفي المفاريد (٦١)، والطبراني في الكبير (١٩ / ٨) (١٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (١٠٤٣ ، ١١٨٤) من حديث قتادة بن النعمان.]]، وهذه آية من آيات الله، ولكنها حدثت في حياته، أما بعد موته فلا.
المهم أن الله تعالى قد يجعل الشفاء عقب دعاء صاحب القبر ابتلاءً وامتحانًا، فيصدق الإنسان بالحس ويكذب الشرع، يصدق بالحس، وهو بناء هذا الأمر على الشيء الظاهر ويكذب بالشرع.
فإن قال قائل: هل لهذا نظائر؟ قلنا: نعم، قد يبتلي الله الإنسان بتيسير أسباب المعصية ابتلاء ليعلم الله من يخافه بالغيب، كما ابتلى بني إسرائيل بالحيتان، حرم الله عليهم صيد الحوت في يوم السبت وابتلاهم، فكانت الحيتان يوم السبت تأتي شرعًا على الماء بكثرة، وفي غير يوم السبت لا تأتي، فطال عليهم الأمد وقالوا: لا بد أن نصطاد هذا السمك، ولكن يوم السبت محرم علينا، ويش العمل؟ قال: فيه حيلة -واليهود أصحاب حيل- ضعوا شبكة يوم الجمعة وتأتي الحيتان يوم السبت تدخل وخذوا الحيتان يوم الأحد، وقولوا لله: إننا لم نصطد يوم السبت، فماذا عوملوا به؟ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قلبهم الله عز وجل إلى شيء يشبه الإنسان وليس بإنسان، كما صنعوا شيئًا يشبه الحل وليس بحل، جزاءًا وفاقًا.
هذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام، فابتلاهم الله، بدأت الصيود تأتي بكثرة، الصيد الطائر يناله الرمح، والصيد الزاحف تناله اليد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] فصارت الصيود الطائر يناله الإنسان برمحه، مع أنه لا ينال الطائر إلا بالسهم، والزاحف باليد، فالصحابة رضي الله عنهم تجنبوا هذا، لا أمسكوا باليد ولا صادوا بالرمح.
فأنت احذر أيها المسلم أن تنخدع إذا تيسرت لك أسباب المعصية، فإن الله تعالى قد يبتليك، ربما يبتلي الله الإنسان بوظيفة يستطيع أن يسرق فيها من بيت المال؛ إما سرقة حقيقية، يعني يأخذ دراهم، وإما سرقة غير مباشرة بأن يتأخر عن الدوام، أو يتعجل في الخروج؛ لأن من فعل ذلك فهو سارق، إذا قدرنا أنه يتأخر عن الدوام بمقدار السدس، أو يتعجل بمقدار السدس، كم سرق من راتبه؟ سرق سدسًا؛ لأنه إذا تأخر السدس لا يستحق من الراتب إلا خمسة أسداس فقط، والباقي يأخذه بغير حق، هو مطمئن؛ لأنه ليس فوقه أحد، هو المدير مثلًا، أو مطمئن لأن مديره يتأخر، ومعلوم أن المدير إذا كان يتأخر ويتأخر من تحته أنه لا يقول لهم شيئًا؛ لأنه لو قال لهم شيئًا فضح نفسه.
إذن احذر أن تغتر إذا يسر الله لك أسباب المعصية؛ فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا تغتر بهذا الشيء.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: النداء الصارخ على سفاهة هؤلاء القوم الذين يعبدون من دون الله، من أين يؤخذ؟ لكونهم عدلوا عن عبادة من يقضي بالحق إلى عبادة من لا يقضي بشيء، وهذا في غاية السفه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله هما: السميع والبصير.
وإثبات ما دلا عليه من صفة، وإثبات ما دلا عليه من أثر أو من حكم.
وذلك أن أسماء الله عز وجل لا يتم الإيمان بها إلا بالإيمان بأمور ثلاثة -إذا كانت متعدية-: الأول: إثبات الاسم، والثاني: إثبات ما دل عليه من الصفة، والثالث: إثبات ما دل عليه من أثر أو من حكم، هذا إذا كان متعديًا.
أما إذا كان لازمًا فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: إثبات الاسم، وإثبات ما دل عليه من صفة.
السميع لازم أو متعدٍّ؟
* طلبة: لازم.
* طلبة آخرون: متعدٍّ.
* الشيخ: كيف لازم، متعد؟ إذن بدي القسم الثالثة، لا لازم ولا متعد.
هل هو لازم أو متعد؟
* الطلبة: متعد.
* الشيخ: متعد، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١] متعد، إذن لا بد أن تؤمن بالسميع اسمًا من أسماء الله.
وهل هناك أحد أنكر الأسماء؟ نعم، فيه من المعطلة المنتسبين للملة الإسلامية من ينكر أسماء الله.
وأن تؤمن بما دل عليه من صفة، وهي السمع، فليس الله تعالى سميعًا بلا سمع، بل هو سميع بسمع.
وهل أحد أثبت الاسم دون الصفة؟ نعم المعتزلة، قاعدتهم إثبات الأسماء وإنكار الصفات التي دلت عليها هذه الأسماء.
فيقولون: إن الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر؛ سبحان الله! كيف بصير بلا بصر؟! قال: نعم بصير بلا بصر؛ لأنك إذا أثبت البصر فالبصر صفة زائدة على الذات، أو لا؟ الصفة غير الموصوف، فإن قلت: إنها قديمة أثبت تعدد القدماء، وصرت أكفر من النصارى، النصارى كم أثبتوا؟ ثلاثة آلهة، أنت الآن تبغي تثبت خمسين إلهًا أو أكثر بقدر الأسماء اللي يثبت لها الصفة، وهذا كفر، فإذا كفرنا النصراني بثلاثة وقلنا: كافر، نقول: أنت كافر كافر كافر، اضرب ثلاثة في.. حتى تصل إلى الأسماء، أنت أكفر من النصارى إذا أثبت صفة قديمة.
وإن أثبتها حادثة لزم من ذلك قيام الحوادث بالله، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، فتكون أنت أثبت أن الله مخلوق، وأنه حادث.
ما بالكم إذا صيغ هذا الكلام بكلام أفصح من كلامي وأبلغ، أفلا ينخدع به الجهال؟ ينخدعون به لا شك.
لكننا نقول: إن الله تعالى سميع بسمع، ولا يعقل أن يكون مشتقًّا بدون ما اشتق منه، أبدًا؛ إذ لا يصح أن تقول للأصم: إنه سميع، ولا للأعمى: إنه بصير، لا يمكن أن يوجد اسم مشتق في جميع لغات العالم إلا والأصل المشتق منه سابق عليه.
وأما قولكم: إن الصفة غير الموصوف، فإننا نقول: إن الله تعالى لم يزل ولا يزال بصفاته، ولا يوجد ذات بلا صفة إطلاقًا، من ادعى أنه يوجد ذات بلا صفة فقد ادعى المحال، ما من موجود إلا وله صفة، لو لم يكن من صفاته إلا صفة الوجود والقيام بالذات وما أشبه ذلك، فما من موصوف إلا وله صفة، لكن الموصوف بصفاته ليست شيئًَا بائنًا منه، ولهذا لا نقول: إن صفات الله هي الله، ولا نقول: إنها غير الله، بل نقول: إن الله بصفاته؛ لأنك إذا قلت: إن الصفات هي الله صار معناه أنه لا صفة له، وإذا قلت: إنها غيره أبنت الصفة عن الموصوف، وهذا مستحيل.
إذن الإيمان بالاسم لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة، وتضمنه للصفة قد تكون تضمنًا، وقد تكون التزامًا، فهل نؤمن بالصفة التي دل عليها تضمنًا فقط، أو تضمنًا والتزامًا؟ أوما تدرون ما المعنى؟ تضمنًا والتزامًا.
فمثلًا: الخالق اسم دل على صفة الخلق دلالته على صفة الخلق بطريق التضمن، ودلالته على العلم التزام؛ لأنه لا خلق إلا بعلم، ودلالته على القدرة التزام أيضًا؛ لأنه لا خلق إلا بقدرة.
إذن تؤمن بما دل عليه الاسم من صفة، سواء كانت تضمنًا أو التزامًا.
الشرط الثالث إذا كان الاسم متعديًا أو الأمر الثالث إذا كان الاسم متعديًا الأثر أو الحكم، فمثلًا السميع ذو السمع الذي يسمع، لا بد أن تؤمن بسمع يتعدى للغير، فيسمع كل قول، البصير كذلك متعد نؤمن بالبصير اسمًا، وبالبصر صفة، وبأنه يبصر حكمًا أو أثرًا.
أما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يؤمن بأمرين: الأول: الاسم، والثاني: الصفة.
الحي لازم أو متعد؟
* طالب: لازم.
* الشيخ: كيف؟ الحي. ما هو الله يحييه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يحيي ليست من الحي، من المحيي، الحي وصف لازم أو الحياة وصف لازم لا يتعدى لغير الله.
فالحي إذن اسم من الأسماء اللازمة، فتؤمن بالحي اسمًا من أسماء الله، وتؤمن بالصفة التي دل عليها الحي وهي الحياة.
.. لأنه لا خلق إلا بقدرة، طيب إذن تؤمن بما دل عليه الاسم من صفة سواء كانت تَضَمُّنًا أو التزامًا.
الأمر الثالث إذا كان الاسم متعديًا الأثر أو الحكم، فمثلًا السميع ذو السمع الذي يسمع لا بد أن تؤمن بسمع يتعدى للغير، فيسمع كل قول، البصير كذلك متعديًا نؤمن بالبصير اسمًا وبالبصر صفة وبأنه يبصر حكمًا أو أثرًا.
أما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يؤمن بأمرين: الأول الاسم، والثاني الصفة. الحي لازم أو متعدٍ؟
* طلبة: لازم.
* الشيخ: كيف؟ مو الله يُحيي؟
* طلبة: يُحيي.
* الشيخ: (يُحيي) ليست من الحي، من المحيي، الحي وصف لازم أو الحياة وصف لازم لا يتعدى لغير الله، فالحي إذن اسم من الأسماء اللازمة فتؤمن بالحي اسمًا من أسماء الله وتؤمن بالصفة التي دلَّ عليها الحي وهي الحياة.
إذن إذا آمنَّا بهذا خالفنا كل أهل التعطيل؛ خالفنا من لا يسمي الله باسم ولا يصفه بصفة وهؤلاء غلاة الجهمية، وخالفنا من يؤمن بأن لله أسماء ولكن لا صفات له مثل المعتزلة، وخالفنا من يقول: له أسماء وصفات، لكن ليس لها حكم، ما يتعدى؛ لأن لو تعدى إلى الغير لزم قيام الحوادث به، إذ إن المسموع حادث أو أذلي؟ حادث، فإذا تعلَّق السمع بحادث صار السمع حادثًا حدوث المسموع، فلزم قيام الحوادث به. إذن قل: هو سميع له سمع، لكن لا يسمع به لئلا تقوم به الحوادث، فإذا أتينا على هذه الشروط الثلاثة: ١- الإيمان بالاسم. ٢- بما تضمنه من صفة. ٣- بالأثر أو الحكم. صح إيماننا بالأسماء.
أما السميع والبصير فقد سبق لنا معناهما، وذكرنا أن السميع يدل على السمع، وأن سمع الله تعالى نوعان: سمع بمعنى الإجابة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وهل السمع يأتي بمعنى الاستجابة في اللغة العربية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤].
* الشيخ: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. بس هل هذا فيه دليل؟
* الطالب: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
نعم، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] أي: لا يستجيبون، ومنه قول المصلي وأنتم كل يوم تصلون على الأقل سبعة عشر ركعة، وتقولون: سَمِعَ الله لمن حمده، ويش معناها؟ استجاب، ليس المعنى مجرد سماع لمن حمده؛ لأن هذا لا يفيد شيئًا، لكن معناه استجاب، هذا سمع بمعنى الاستجابة.
الثاني: سَمْعٌ بمعنى إدراك المسموع، وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول ما يراد به التهديد، والثاني ما يراد به التأييد، والثالث ما يراد به بيان شمول سمع الله؛ يعني: سمع الإحاطة.
مثال الأول الذي يُراد به التهديد: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد؛ ولهذا قال: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
ومثال سمع التأييد قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
ومثال ما يراد به سمع الإحاطة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، فصار يُقَسَّم السمع أولًا إلى قسمين: سمع إجابة وسمع إدراك، والإدراك ثلاثة أقسام، وإن شئت فقل: ثلاثة أنواع لئلا تتداخل الأقسام؛ سمع يقتضي التهديد، وسمع يقتضي التأييد، وسمع لبيان الإحاطة. وكل هذا ثابت لله عز وجل.
فإن قال قائل: ما الذي يُعَيِّن أن هذا السمع للتأييد أو للتهديد أو للإحاطة؟
قلنا: سياق الكلام وقرائن الأحوال؛ ولهذا يمكن أن يقال في قول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] يمكن أن يقال: إن هذا السمع للتأييد والتهديد، تأييد من؟
* طلبة: موسى.
* الشيخ: وتهديد فرعون، لكن يمنع من القول بأنه لتهديد فرعون أن فرعون لم يكن يسمع هذا الكلام من الله، فكيف يُهَدَّد مَنْ لا يسمع التهديد؟ ولهذا قال العلماء: إن السمع في هذه الآية للتأييد، ولم أرهم قالوا: إنه للتهديد ولا لتهديد فرعون، ووجه ذلك أن فرعون الآن ليس يسمع ما يقول الله عز وجل، فكيف يُهَدَّد مَنْ لا يسمع التهديد؟!
أما البصير فهو بمعنى ذو البصر الثاقب الذي لا يغيب عن نظره شيء عز وجل، أي حركة وأي فعل فإن الله تعالى يبصره، طيب، إذا كان يبصر كل شيء فكيف موقفنا في مثل قوله: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] قال: «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» فنفى النظر إليهم؟
نقول: النظر المثبت غير النظر المنفي، المنفي هو نظر الرحمة، والمثبت نظر الإحاطة، فالله تعالى ينظر كل شيء نظر إحاطة، حتى المغضوب عليهم منظورون أمام الله عز وجل لكن نظر إحاطة، وأما المنفي فهو نظر الرحمة «لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ»، وبهذا تلتئم الأدلة ويتبين أنه لا تعارض بينها، هناك بصير بمعنى العلم لكن المتبادر منه الرؤية كما سبق.
* طالب: ما يحصل لعُبَّاد القبور من الابتلاء والامتحان، لو قلنا لهم: إن الله عز وجل يقول كذا وكذا لا يقتنعون، الإنسان المؤمن بالقرآن والمقر هذا يقتنع بالآيات لكن هؤلاء لا يقتنعون بالقرآن.
* الشيخ: هو -بارك الله فيك- غالب أصحاب القبور مسلمون؛ يعني يرون أنهم على إسلام ويؤمنون بالقرآن.
* الطالب: هناك حجة أقوى يا شيخ (...) السمعية حجة نظرية لمحاجته، ما فيه هناك حجة أخرى؟
* الشيخ: ممكن على سبيل التحدي بأن يتحدى الإنسان هؤلاء بشيء يُغْضِب آلهتهم يفعله ولا يأت الشيء، هذا يمكن يكون من باب التحدي.
* طالب: بالنسبة للسميع صفة ذات ولا صفة فعل؟
* الشيخ: السميع صفة ذات، لكن الذي يحدث المسموع، أما السمع فلم يزل الله ولا يزال سميعًا، لا يتعلق بمشيئته، وإذا أردت أن تعرف الفرق فإن كان يمكن أن يتخلى الله عن هذه الصفة فهي صفة فعل، وإذا كان لا يمكن فهي صفة ذات، ومعلوم أنه لا يمكن أن يتخلى الله عز وجل عن صفة السمع فيكون أصم، فإن الله منزه عن ذلك، لكن الذي يحدث هو المسموع.
* طالب: نظر الرحمة هل هو نفسه رحمة الله عز وجل. يعني ما المقصود بـ..؟
* الشيخ: المقصود أن الله ينظر إليه نظرًا يرحمه به، ما هي نفس الرحمة؛ ولهذا تُفَرِّق الآن بين النظر إلى ولدك الذي أرضاك والنظر إلى ولدك الذي أغضبك، ولدك اللي أرضاك تنظر إليه نظرًا باردًا وهو يشعر بأن عينك قد قَرَّت به، قَرَّت من القَرِّ وليس من القرار، من القر وهو البرودة؛ ولهذا (أقرَّ الله عينك) أي: بَرَّدها، ما معنى (قَرَّها) سَكَّنَها حتى لا تتحرك، طيب، الولد الذي غضبت عليه إذا نظرت إليه كيف تكون عينُك؟ حارَّة حمراء يظهر منها الشرر، يكاد يُعْمِي الولد، أليس كذلك؟
* طالب: أحسن الله إليك، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر ٢٠] حمل المؤلف على (...) ومر علينا أيضا أن المشركين دائمًا المؤلف يحملها على أهل مكة ربما أن أن السورة نزلت في مكة فربما المؤلف حملها على هذا، ما تقول في هذا؟
* الشيخ: إي ما يصح هذا، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هو له وجهة نظر، وأقوى من هذه الوجهة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [غافر ٢١] بعد الآية هذه، لكن نحن نقول: العبرة بعموم اللفظ، والسبب لا يُخَصِّص العام، وإذا ذُكِرَ حكم يتعلق ببعض أفراد العام لا يقتضي تخصيصه أيضًا كما هي القاعدة.
* طالب: التعبير مثلًا إذا قلنا: هذا العمل أقرب إلى نظر رحمة الله؟
* الشيخ: ما يصح إلى نظر رحمة الله، الرحمة ما هي تُنْظَر. أقرب إلى رحمة الله.
* طالب: تفسير المدعوُّون بالأصنام يُخْرِج الأحبار والرهبان وغيرهم، أليس في هذا قصور؟
* الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ نعم، هو لا شك أن عبادة الأحبار والرهبان بالمعنى الذي فسَّره الرسول ﷺ ليست كعبادة الأصنام؛ لأن عبادة الأصنام عبادة تَقَرُّب وخضوع، وعبادة الأحبار والرهبان عبادة اتباع، ولا شك أنها عبادة كما جاء في الحديث: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، فإذا كانت عبادة الأحبار والرهبان كعبادة المسيح ابن مريم لزم من هذا أنهم يعبدونهم عبادة التقرب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لعدي بن حاتم: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ» قال: نَعم، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢١٨) والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٥٠) بسنديهما من حديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك». فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟» قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم».]]. فهذه عبادة اتباع، وغالب عبادة المشركين عبادة تقرب وتعظيم.
* طالب: ألا يشمل قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ سمع الإحاطة (...).
* الشيخ: السمع هنا سمع إحاطة، لكنه يراد به النصر والتأييد؛ لأن مجرد الإحاطة حتى فرعون يسمعه الله عز وجل.
* الطالب: ما هي أحسن الكتب (...) في الأسماء والصفات؟
* الشيخ: واللهِ الكتب متعددة ومختلفة في المنهج، فمثلًا مجرد الإثبات؛ إثبات العقيدة من أحسن ما يكون العقيدة الواسطية؛ لأن كلها مبنية على آيات وأحاديث. من جهة المناقشة والمحاجة من أحسن ما رأيت الصواعق المرسلة لابن القيم ومختصره هذا من أحسن ما يكون لطالب العلم في المناقشة، الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة ومختصره أيضًا هذا مفيد؛ لأنه يذكر رحمه الله أمهات المسائل التي فيها الخلاف ثم يناقش هؤلاء أو يجادل بالأصح، ما هي مناقشة، يجادل هؤلاء حتى يتبين الحق.
* الطالب: (...).
* الشيخ: واللهِ نُسِّيت من هو له.
* الطالب: الموصلي.
* الشيخ: الموصلي ويش اسمه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بس الموصلي فقط؟ على كل حال المختصر معروف، مختصر الصواعق المرسلة بهذا الاسم.
* طالب: هل يجوز تصنيف الشرك مثلا آية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ يعني هذا شرك الطاعة وشرك الاتباع؟
* الشيخ: إي، هو شرك الاتباع وشرك الطاعة، لكن ذلك شرك عبادة؛ ولهذا من أحسن حدود الطاغوت ما قاله ابن القيم: ما تجاوز به العبد حَدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. المعبود الأصنام، والمتبوع العلماء، والمطاع الأمراء، هذا أحسن ما يقال في حد الطاغوت، لكن باعتبار الطاغي، أما باعتبار المعبود أو المتبوع أو المطاع فهؤلاء ليسوا بطواغيت باعتبار ذواتهم؛ لأن العالم قد لا يرضى بهذا الشيء، والأمير كذلك والمعبود كذلك، لكن باعتبار الفاعل هي طواغيت؛ لأنه طغا فيها، هي محل طغيانه، وليست هي طاغية، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام معبود، هل نقول: إنه طاغوت؟ لا، لكنه محل طغيان الذين عبدوه. انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض الناس استشكل كلام ابن القيم، وقال: كيف يقول هذا الكلام؟ إذن عيسى طاغوت لأنه معبود، فيقال: مراده رحمه الله أن محل الطغيان يكون في المعبود والمتبوع والمطاع.
* الطالب: ما الفرق بين الفعل المتعدي والفعل اللازم؟
* الشيخ: اللازم ما لا ينصب المفعول به، والمتعدي ما ينصب المفعول به؛ (سمع) تنصب المفعول به أو لا؟ حي؟ عَظُم؟ هل يمكن أن تتسلط عظُم على شيء؟ عظُم هو بنفسه، أما عظَّم صحيح متعدية، لكن عظُم لازمة لا شك، جل؟ لازمة، فالعظيم من أسماء الله اللازمة، والعلي من أسماء الله اللازمة، والأجل أو الجليل من أسماء الله اللازمة.
* طالب: (...) ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ كيف (...) سيدنا عيسى وغيره من الصالحين؟
* الشيخ: تحفظ القران؟
* طالب: لم أحفظه.
* الشيخ: طيب: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨ - ١٠١] [الأنبياء: ] وعيسى ممن سبقت له الحسنى، عرفت؟ ولهذا ضرب الكفار عيسى مثلًا وقالوا لما نزلت الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: إذن عيسى في النار جدلًا فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، مثل قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ قال الله تعالى ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف ٥٨] وأبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.
غافر 40:20
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩].
يعلم: الفاعل هو الله عز وجل.
خائنة الأعين: هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، أي: الأعين الخائن، وخيانة العين: مسارقتها النظر إلى الشيء المحرم، يعني أن الإنسان قد ينظر إلى شيء محرم وجليسه إلى جنبه لا يشعر بذلك؛ لأنه يسارقه النظر، كأنما يتحين الفرص في غفلة صاحبه حتى ينظر إلى ما حرم الله عز وجل. هذه واحدة.
ثانيًا: قد ينظر الإنسان النظر بدون مسارقة بل بمجاهرة ولا يحس جليسه أنه ينظر نظرًا محرمًا، لذلك حذر الله عز وجل من هذه الحال فقال: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ قال المفسر: (بمسارقتها النظر إلى محرم ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩] القلوب)، فسر المؤلف الصدور بالقلوب لأنها في الصدور؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦] فبين الله عز وجل هنا دقة علمه ولطف علمه بأنه يعلم حتى هذه الحال التي لا يعلمها الناس الذين يشاهدون ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩].
﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر ٢٠] ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ الجملة معطوفة على قوله: ﴿يَعْلَمُ﴾.
﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم به شرعًا وقدرًا؛ لأن القضاء، أعني قضاء الله عز وجل، على قسمين:
قضاء كوني: كقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤].
وقضاء شرعي؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، قضى يعني قضاء شرعيًّا، ومعناها: وصى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، فهنا يقول الله يقضي بالحق.
هل المراد القضاء الكوني أو القضاء الشرعي؟ المراد الأمران جميعًا، أي أنه يقضي قضاء كونيًّا بالحق، فليس في قضائه الكوني عبث ولا لعب ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
وكذلك يقضي قضاء شرعيًّا بالحق، فقضاؤه سبحانه وتعالى الشرعي كله حق؛ لأنه خير، فيأمر به أو شر فينهى عنه، وهذا هو الحق.
إذن الله يقضي بالحق بالنوعين القضاء الكوني والقضاء الشرعي.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر ٢٠] الواو هنا عاطفة، ويجوز أن تكون استئنافية.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ قال: (يعبدون، أي: كفار مكة، بالياء والتاء) هنا تفسير لكلمة ﴿يَدْعُونَ﴾، وتفسير للضمير الواو، وقراءة.
أما القراءة فقد ذكر المؤلف أن فيها قراءتين: القراءة الأولى ﴿يَدْعُونَ﴾ بالياء، والقراءة الثانية ﴿تدْعُونَ﴾ بالتاء على سبيل المخاطبة، وكلاهما قراءتان سبعيتان.
وأما ﴿يَدْعُونَ﴾ ففسرها بكلمة يعبدون.
والصواب أن المراد بها يعبدون ويسألون؛ لأنهم هم يعبدون الأصنام ويسألونها جلب المنافع ودفع المضار، ويعبدونها أيضًا بالركوع والسجود والنذور وغير ذلك.
وأما الواو ففسرها المؤلف بكفار مكة، فجعل الضمير عائدًا إلى كفار مكة، وهنا نسأل: هلَّا يوجد أحد يعبد الأصنام ويدعو الأصنام إلا كفار مكة؟ يوجد منهم ومن غيرهم، وإذا كان كذلك فإن تفسير العام بالخاص نقص في التفسير، فالتفسير المطابق للواو أن تكون عامة لكل من يدعو من دون الله من كفار مكة أو كفار المدينة أو كفار الطائف أو كفار العراق أو كفار الشام أو كفار هذه الأمة أو كفار من قبلها، عامة كل من يدعو من دون الله فإنه يدعو من لا يقضي بشيء.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر ٢٠] أي: من دون الله، والدون هنا بما سوى، أي: من سوى الله عز وجل، وهم الأصنام، هنا قال المؤلف: (وهم الأصنام)، وكان مقتضى اللغة العربية أن يقول: وهي الأصنام؛ لأن الجمع لغير ما يعقل لا يعود عليه ضمير ما يعقل، هم للعقلاء ولا لغير العقلاء؟ للعقلاء، ولكن المؤلف عدل عن الأصل وهي الأصنام؛ لمراعاة قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ كما تعرفون هذه للعاقل؛ وذلك أن الله تعالى جعل هذه المعبودات نزلها منزلة العقلاء، ومع كونها منزلة منزلة العقلاء لا تقضي بشيء.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، ولم يقابل هذه الجملة بالجملة التي قبلها، بل جعلها أعم، في الجملة الأولى قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ وهنا قال: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ ولم يقل: لا يقضون بالحق، إشارة إلى أنها لا تقضي لا بحق ولا بباطل، فليست أهلًا لأن تعبد من دون الله عز وجل.
﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ أبدًا لا شرع ولا قدر ولا حق ولا باطل، فكيف يكونون شركاء لله؟ هذا محط النفي، يعني إذا كانت هذه الأصنام لا تقضي بشيء فكيف تجعل شريكة لله، وهذا يعني توبيخ هؤلاء الذين يعبدون هذه الأصنام من دون الله.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعالهم.
وهو في قوله: ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ يجوز أن تكون ضمير فصل، ويجوز أن تكون مبتدأ، والجملة خبر (إن)، لكن هي ضمير فصل أحسن منها مبتدأ.
يقول الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩].
* في هذه الآية فوائد: منها: عموم علم الله عز وجل بكل شيء، حتى في الأشياء الخفية يعلمها عز وجل.
* ومنها، أي: من الفوائد: لطف علم الله ودقة علم الله، وأنه يصل إلى أشياء لا تصل إليها علوم الآخرين، وهي خيانة الأعين وما تخفيه الصدور، فإن هذا لا يعلمه إلا الله، حتى الذي إلى جنبك لا يعلم.
* ومنها: التحذير من مخالفة أمر الله، وجهه: أنه يعلم، فإياك إياك أن تخالف الله عز وجل لا في سرك ولا في جهرك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن القلوب في الصدور؛ لقوله: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر ١٩]، والإخفاء والإسرار يكون بالقلب، فلهذا قال: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ إلى آخره.
* من فوائدها: إثبات أن قضاء الله تعالى كله حق؛ لقوله: ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ سواء كان القضاء كونيًّا أم شرعيًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الله عز وجل بهذه الصفة الكاملة، وهي قضاء الحق، وأنه لا يفعل شيئًا سدى أو عبثًا، بل كل ما يقضيه فإنه حق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنديد بعباد الأصنام، حيث عبدوا مع الله من ليس بشيء بالنسبة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام لا تنفع عابديها إطلاقًا؛ لقوله: ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، وشيء نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء.
فإن قال قائل: إن من القوم الذين يدعون مع الله إلهًا آخر من إذا دعوا هذه الأصنام أجابتهم، فإذا دعوها لكشف الضر انكشف الضر عنهم، ومن الناس من إذا خالف هذه الأصنام أصيب ببلاء، فما هو الجواب؟
الجواب أن يقال: هذا الذي يحصل يحصل من الله عز وجل، لا من هذه الأصنام ابتلاء وامتحانًا، ويقال فيه: إنه حصل عند ذلك، لا به، يعني حصل هذا القضاء من الله عز وجل عند دعاء هذه الأصنام، لا بدعاء هذه الأصنام.
فإن قال قائل: لماذا تعدلون عن السبب الظاهر إلى سبب آخر لا يعلم؟
قلنا: عدلنا إلى ذلك؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، وبقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥ ، ٦]، وإلا فإن العامي قد يأتي إلى صاحب القبر ويقول: يا سيدي، يا ولي الله، يا مولاي، أنقذني من هذه البلية، أنقذني من هذه الضائقة، فيذهب إلى بيته ويجد الأمر قد انفرج، هو على كل حال سوف يضيف هذا الانفراج إلى السبب الظاهر الذي قام به، وهو دعاء هذا القبر حتى انفرجت عنه الغمة.
فنقول: هذه فتنة، ونعلم علم اليقين أنه -أي صاحب القبر- ليس هو الذي كشف الضر، وإنما الذي كشفه الله عز وجل، لكن حصل الكشف عند دعاء صاحب القبر، لا بدعائه.
انتبهوا لهذا؛ لأنه دائمًا يوردون علينا أصحاب القبور هذه الشبهة، يقول: أنا دعوت السيد الفلاني فاستجاب لي وانكشفت الغمة، وواحد كنا قد أتينا من مكة إلى المدينة في زمان مضى طويل، فلما أقبلنا على المدينة قاموا يدعون، ويدعون الرسول، خافوا الله يا جماعة -وكان ذاك الوقت الإنسان صغيرًا لم يترعرع بعد- اتقوا الله، ادعوا الله، قالوا: لا، هذا سيدنا، واحد من الناس انفتح بطنه وتدلت أقتابه وضاقت به الأرض ذرعًا، فقالوا: اذهب إلى نبي الله، فذهب فلما أقبل على المدينة دعا الله فدخلت الأمعاء وانسدت البطن.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا دعا النبي، لما أقبل على المدينة دعا النبي قال: يا رسول الله، أنقذني، البطن منفرج، والأمعاء متدلية، فدخلت الأمعاء في البطن وانسد البطن.
هذه أولًا القصة من يقول: إنها صدق، ثم على فرض على أنها صارت صدقًا هل هذا حصل بدعاء الرسول؟ أبدًا ما حصل، الرسول لا يملك هذا أبدًا، في حياته ربما يريهم الله آية من آيات الرسول فيحصل مثل هذا،« كما حصل في عين أبي قتادة أصيبت فندرت حتى صارت على خده، فأدخلها النبي عليه الصلاة والسلام في مكانها والتأمت في الحال»[[أخرجه أبو يعلى في المسند (١٥٤٩) وفي المفاريد (٦١)، والطبراني في الكبير (١٩ / ٨) (١٢)، والبيهقي في دلائل النبوة (١٠٤٣ ، ١١٨٤) من حديث قتادة بن النعمان.]]، وهذه آية من آيات الله، ولكنها حدثت في حياته، أما بعد موته فلا.
المهم أن الله تعالى قد يجعل الشفاء عقب دعاء صاحب القبر ابتلاءً وامتحانًا، فيصدق الإنسان بالحس ويكذب الشرع، يصدق بالحس، وهو بناء هذا الأمر على الشيء الظاهر ويكذب بالشرع.
فإن قال قائل: هل لهذا نظائر؟ قلنا: نعم، قد يبتلي الله الإنسان بتيسير أسباب المعصية ابتلاء ليعلم الله من يخافه بالغيب، كما ابتلى بني إسرائيل بالحيتان، حرم الله عليهم صيد الحوت في يوم السبت وابتلاهم، فكانت الحيتان يوم السبت تأتي شرعًا على الماء بكثرة، وفي غير يوم السبت لا تأتي، فطال عليهم الأمد وقالوا: لا بد أن نصطاد هذا السمك، ولكن يوم السبت محرم علينا، ويش العمل؟ قال: فيه حيلة -واليهود أصحاب حيل- ضعوا شبكة يوم الجمعة وتأتي الحيتان يوم السبت تدخل وخذوا الحيتان يوم الأحد، وقولوا لله: إننا لم نصطد يوم السبت، فماذا عوملوا به؟ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥] قلبهم الله عز وجل إلى شيء يشبه الإنسان وليس بإنسان، كما صنعوا شيئًا يشبه الحل وليس بحل، جزاءًا وفاقًا.
هذه الأمة حرم الله عليهم الصيد في حال الإحرام، فابتلاهم الله، بدأت الصيود تأتي بكثرة، الصيد الطائر يناله الرمح، والصيد الزاحف تناله اليد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] فصارت الصيود الطائر يناله الإنسان برمحه، مع أنه لا ينال الطائر إلا بالسهم، والزاحف باليد، فالصحابة رضي الله عنهم تجنبوا هذا، لا أمسكوا باليد ولا صادوا بالرمح.
فأنت احذر أيها المسلم أن تنخدع إذا تيسرت لك أسباب المعصية، فإن الله تعالى قد يبتليك، ربما يبتلي الله الإنسان بوظيفة يستطيع أن يسرق فيها من بيت المال؛ إما سرقة حقيقية، يعني يأخذ دراهم، وإما سرقة غير مباشرة بأن يتأخر عن الدوام، أو يتعجل في الخروج؛ لأن من فعل ذلك فهو سارق، إذا قدرنا أنه يتأخر عن الدوام بمقدار السدس، أو يتعجل بمقدار السدس، كم سرق من راتبه؟ سرق سدسًا؛ لأنه إذا تأخر السدس لا يستحق من الراتب إلا خمسة أسداس فقط، والباقي يأخذه بغير حق، هو مطمئن؛ لأنه ليس فوقه أحد، هو المدير مثلًا، أو مطمئن لأن مديره يتأخر، ومعلوم أن المدير إذا كان يتأخر ويتأخر من تحته أنه لا يقول لهم شيئًا؛ لأنه لو قال لهم شيئًا فضح نفسه.
إذن احذر أن تغتر إذا يسر الله لك أسباب المعصية؛ فإن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا تغتر بهذا الشيء.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: النداء الصارخ على سفاهة هؤلاء القوم الذين يعبدون من دون الله، من أين يؤخذ؟ لكونهم عدلوا عن عبادة من يقضي بالحق إلى عبادة من لا يقضي بشيء، وهذا في غاية السفه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله هما: السميع والبصير.
وإثبات ما دلا عليه من صفة، وإثبات ما دلا عليه من أثر أو من حكم.
وذلك أن أسماء الله عز وجل لا يتم الإيمان بها إلا بالإيمان بأمور ثلاثة -إذا كانت متعدية-: الأول: إثبات الاسم، والثاني: إثبات ما دل عليه من الصفة، والثالث: إثبات ما دل عليه من أثر أو من حكم، هذا إذا كان متعديًا.
أما إذا كان لازمًا فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: إثبات الاسم، وإثبات ما دل عليه من صفة.
السميع لازم أو متعدٍّ؟
* طلبة: لازم.
* طلبة آخرون: متعدٍّ.
* الشيخ: كيف لازم، متعد؟ إذن بدي القسم الثالثة، لا لازم ولا متعد.
هل هو لازم أو متعد؟
* الطلبة: متعد.
* الشيخ: متعد، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ﴾ ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١] متعد، إذن لا بد أن تؤمن بالسميع اسمًا من أسماء الله.
وهل هناك أحد أنكر الأسماء؟ نعم، فيه من المعطلة المنتسبين للملة الإسلامية من ينكر أسماء الله.
وأن تؤمن بما دل عليه من صفة، وهي السمع، فليس الله تعالى سميعًا بلا سمع، بل هو سميع بسمع.
وهل أحد أثبت الاسم دون الصفة؟ نعم المعتزلة، قاعدتهم إثبات الأسماء وإنكار الصفات التي دلت عليها هذه الأسماء.
فيقولون: إن الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر؛ سبحان الله! كيف بصير بلا بصر؟! قال: نعم بصير بلا بصر؛ لأنك إذا أثبت البصر فالبصر صفة زائدة على الذات، أو لا؟ الصفة غير الموصوف، فإن قلت: إنها قديمة أثبت تعدد القدماء، وصرت أكفر من النصارى، النصارى كم أثبتوا؟ ثلاثة آلهة، أنت الآن تبغي تثبت خمسين إلهًا أو أكثر بقدر الأسماء اللي يثبت لها الصفة، وهذا كفر، فإذا كفرنا النصراني بثلاثة وقلنا: كافر، نقول: أنت كافر كافر كافر، اضرب ثلاثة في.. حتى تصل إلى الأسماء، أنت أكفر من النصارى إذا أثبت صفة قديمة.
وإن أثبتها حادثة لزم من ذلك قيام الحوادث بالله، والحوادث لا تقوم إلا بحادث، فتكون أنت أثبت أن الله مخلوق، وأنه حادث.
ما بالكم إذا صيغ هذا الكلام بكلام أفصح من كلامي وأبلغ، أفلا ينخدع به الجهال؟ ينخدعون به لا شك.
لكننا نقول: إن الله تعالى سميع بسمع، ولا يعقل أن يكون مشتقًّا بدون ما اشتق منه، أبدًا؛ إذ لا يصح أن تقول للأصم: إنه سميع، ولا للأعمى: إنه بصير، لا يمكن أن يوجد اسم مشتق في جميع لغات العالم إلا والأصل المشتق منه سابق عليه.
وأما قولكم: إن الصفة غير الموصوف، فإننا نقول: إن الله تعالى لم يزل ولا يزال بصفاته، ولا يوجد ذات بلا صفة إطلاقًا، من ادعى أنه يوجد ذات بلا صفة فقد ادعى المحال، ما من موجود إلا وله صفة، لو لم يكن من صفاته إلا صفة الوجود والقيام بالذات وما أشبه ذلك، فما من موصوف إلا وله صفة، لكن الموصوف بصفاته ليست شيئًَا بائنًا منه، ولهذا لا نقول: إن صفات الله هي الله، ولا نقول: إنها غير الله، بل نقول: إن الله بصفاته؛ لأنك إذا قلت: إن الصفات هي الله صار معناه أنه لا صفة له، وإذا قلت: إنها غيره أبنت الصفة عن الموصوف، وهذا مستحيل.
إذن الإيمان بالاسم لا بد أن تؤمن بما تضمنه من صفة، وتضمنه للصفة قد تكون تضمنًا، وقد تكون التزامًا، فهل نؤمن بالصفة التي دل عليها تضمنًا فقط، أو تضمنًا والتزامًا؟ أوما تدرون ما المعنى؟ تضمنًا والتزامًا.
فمثلًا: الخالق اسم دل على صفة الخلق دلالته على صفة الخلق بطريق التضمن، ودلالته على العلم التزام؛ لأنه لا خلق إلا بعلم، ودلالته على القدرة التزام أيضًا؛ لأنه لا خلق إلا بقدرة.
إذن تؤمن بما دل عليه الاسم من صفة، سواء كانت تضمنًا أو التزامًا.
الشرط الثالث إذا كان الاسم متعديًا أو الأمر الثالث إذا كان الاسم متعديًا الأثر أو الحكم، فمثلًا السميع ذو السمع الذي يسمع، لا بد أن تؤمن بسمع يتعدى للغير، فيسمع كل قول، البصير كذلك متعد نؤمن بالبصير اسمًا، وبالبصر صفة، وبأنه يبصر حكمًا أو أثرًا.
أما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يؤمن بأمرين: الأول: الاسم، والثاني: الصفة.
الحي لازم أو متعد؟
* طالب: لازم.
* الشيخ: كيف؟ الحي. ما هو الله يحييه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يحيي ليست من الحي، من المحيي، الحي وصف لازم أو الحياة وصف لازم لا يتعدى لغير الله.
فالحي إذن اسم من الأسماء اللازمة، فتؤمن بالحي اسمًا من أسماء الله، وتؤمن بالصفة التي دل عليها الحي وهي الحياة.
.. لأنه لا خلق إلا بقدرة، طيب إذن تؤمن بما دل عليه الاسم من صفة سواء كانت تَضَمُّنًا أو التزامًا.
الأمر الثالث إذا كان الاسم متعديًا الأثر أو الحكم، فمثلًا السميع ذو السمع الذي يسمع لا بد أن تؤمن بسمع يتعدى للغير، فيسمع كل قول، البصير كذلك متعديًا نؤمن بالبصير اسمًا وبالبصر صفة وبأنه يبصر حكمًا أو أثرًا.
أما إذا كان الاسم لازمًا فإنه يؤمن بأمرين: الأول الاسم، والثاني الصفة. الحي لازم أو متعدٍ؟
* طلبة: لازم.
* الشيخ: كيف؟ مو الله يُحيي؟
* طلبة: يُحيي.
* الشيخ: (يُحيي) ليست من الحي، من المحيي، الحي وصف لازم أو الحياة وصف لازم لا يتعدى لغير الله، فالحي إذن اسم من الأسماء اللازمة فتؤمن بالحي اسمًا من أسماء الله وتؤمن بالصفة التي دلَّ عليها الحي وهي الحياة.
إذن إذا آمنَّا بهذا خالفنا كل أهل التعطيل؛ خالفنا من لا يسمي الله باسم ولا يصفه بصفة وهؤلاء غلاة الجهمية، وخالفنا من يؤمن بأن لله أسماء ولكن لا صفات له مثل المعتزلة، وخالفنا من يقول: له أسماء وصفات، لكن ليس لها حكم، ما يتعدى؛ لأن لو تعدى إلى الغير لزم قيام الحوادث به، إذ إن المسموع حادث أو أذلي؟ حادث، فإذا تعلَّق السمع بحادث صار السمع حادثًا حدوث المسموع، فلزم قيام الحوادث به. إذن قل: هو سميع له سمع، لكن لا يسمع به لئلا تقوم به الحوادث، فإذا أتينا على هذه الشروط الثلاثة: ١- الإيمان بالاسم. ٢- بما تضمنه من صفة. ٣- بالأثر أو الحكم. صح إيماننا بالأسماء.
أما السميع والبصير فقد سبق لنا معناهما، وذكرنا أن السميع يدل على السمع، وأن سمع الله تعالى نوعان: سمع بمعنى الإجابة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، وهل السمع يأتي بمعنى الاستجابة في اللغة العربية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: الدليل؟
* طالب: قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر ١٤].
* الشيخ: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾. بس هل هذا فيه دليل؟
* الطالب: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾.
نعم، ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] أي: لا يستجيبون، ومنه قول المصلي وأنتم كل يوم تصلون على الأقل سبعة عشر ركعة، وتقولون: سَمِعَ الله لمن حمده، ويش معناها؟ استجاب، ليس المعنى مجرد سماع لمن حمده؛ لأن هذا لا يفيد شيئًا، لكن معناه استجاب، هذا سمع بمعنى الاستجابة.
الثاني: سَمْعٌ بمعنى إدراك المسموع، وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول ما يراد به التهديد، والثاني ما يراد به التأييد، والثالث ما يراد به بيان شمول سمع الله؛ يعني: سمع الإحاطة.
مثال الأول الذي يُراد به التهديد: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف ٨٠] هذا للتهديد؛ ولهذا قال: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠].
ومثال سمع التأييد قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].
ومثال ما يراد به سمع الإحاطة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، فصار يُقَسَّم السمع أولًا إلى قسمين: سمع إجابة وسمع إدراك، والإدراك ثلاثة أقسام، وإن شئت فقل: ثلاثة أنواع لئلا تتداخل الأقسام؛ سمع يقتضي التهديد، وسمع يقتضي التأييد، وسمع لبيان الإحاطة. وكل هذا ثابت لله عز وجل.
فإن قال قائل: ما الذي يُعَيِّن أن هذا السمع للتأييد أو للتهديد أو للإحاطة؟
قلنا: سياق الكلام وقرائن الأحوال؛ ولهذا يمكن أن يقال في قول الله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦] يمكن أن يقال: إن هذا السمع للتأييد والتهديد، تأييد من؟
* طلبة: موسى.
* الشيخ: وتهديد فرعون، لكن يمنع من القول بأنه لتهديد فرعون أن فرعون لم يكن يسمع هذا الكلام من الله، فكيف يُهَدَّد مَنْ لا يسمع التهديد؟ ولهذا قال العلماء: إن السمع في هذه الآية للتأييد، ولم أرهم قالوا: إنه للتهديد ولا لتهديد فرعون، ووجه ذلك أن فرعون الآن ليس يسمع ما يقول الله عز وجل، فكيف يُهَدَّد مَنْ لا يسمع التهديد؟!
أما البصير فهو بمعنى ذو البصر الثاقب الذي لا يغيب عن نظره شيء عز وجل، أي حركة وأي فعل فإن الله تعالى يبصره، طيب، إذا كان يبصر كل شيء فكيف موقفنا في مثل قوله: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨ / ١٧٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] قال: «وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» فنفى النظر إليهم؟
نقول: النظر المثبت غير النظر المنفي، المنفي هو نظر الرحمة، والمثبت نظر الإحاطة، فالله تعالى ينظر كل شيء نظر إحاطة، حتى المغضوب عليهم منظورون أمام الله عز وجل لكن نظر إحاطة، وأما المنفي فهو نظر الرحمة «لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ»، وبهذا تلتئم الأدلة ويتبين أنه لا تعارض بينها، هناك بصير بمعنى العلم لكن المتبادر منه الرؤية كما سبق.
* طالب: ما يحصل لعُبَّاد القبور من الابتلاء والامتحان، لو قلنا لهم: إن الله عز وجل يقول كذا وكذا لا يقتنعون، الإنسان المؤمن بالقرآن والمقر هذا يقتنع بالآيات لكن هؤلاء لا يقتنعون بالقرآن.
* الشيخ: هو -بارك الله فيك- غالب أصحاب القبور مسلمون؛ يعني يرون أنهم على إسلام ويؤمنون بالقرآن.
* الطالب: هناك حجة أقوى يا شيخ (...) السمعية حجة نظرية لمحاجته، ما فيه هناك حجة أخرى؟
* الشيخ: ممكن على سبيل التحدي بأن يتحدى الإنسان هؤلاء بشيء يُغْضِب آلهتهم يفعله ولا يأت الشيء، هذا يمكن يكون من باب التحدي.
* طالب: بالنسبة للسميع صفة ذات ولا صفة فعل؟
* الشيخ: السميع صفة ذات، لكن الذي يحدث المسموع، أما السمع فلم يزل الله ولا يزال سميعًا، لا يتعلق بمشيئته، وإذا أردت أن تعرف الفرق فإن كان يمكن أن يتخلى الله عن هذه الصفة فهي صفة فعل، وإذا كان لا يمكن فهي صفة ذات، ومعلوم أنه لا يمكن أن يتخلى الله عز وجل عن صفة السمع فيكون أصم، فإن الله منزه عن ذلك، لكن الذي يحدث هو المسموع.
* طالب: نظر الرحمة هل هو نفسه رحمة الله عز وجل. يعني ما المقصود بـ..؟
* الشيخ: المقصود أن الله ينظر إليه نظرًا يرحمه به، ما هي نفس الرحمة؛ ولهذا تُفَرِّق الآن بين النظر إلى ولدك الذي أرضاك والنظر إلى ولدك الذي أغضبك، ولدك اللي أرضاك تنظر إليه نظرًا باردًا وهو يشعر بأن عينك قد قَرَّت به، قَرَّت من القَرِّ وليس من القرار، من القر وهو البرودة؛ ولهذا (أقرَّ الله عينك) أي: بَرَّدها، ما معنى (قَرَّها) سَكَّنَها حتى لا تتحرك، طيب، الولد الذي غضبت عليه إذا نظرت إليه كيف تكون عينُك؟ حارَّة حمراء يظهر منها الشرر، يكاد يُعْمِي الولد، أليس كذلك؟
* طالب: أحسن الله إليك، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر ٢٠] حمل المؤلف على (...) ومر علينا أيضا أن المشركين دائمًا المؤلف يحملها على أهل مكة ربما أن أن السورة نزلت في مكة فربما المؤلف حملها على هذا، ما تقول في هذا؟
* الشيخ: إي ما يصح هذا، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هو له وجهة نظر، وأقوى من هذه الوجهة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ [غافر ٢١] بعد الآية هذه، لكن نحن نقول: العبرة بعموم اللفظ، والسبب لا يُخَصِّص العام، وإذا ذُكِرَ حكم يتعلق ببعض أفراد العام لا يقتضي تخصيصه أيضًا كما هي القاعدة.
* طالب: التعبير مثلًا إذا قلنا: هذا العمل أقرب إلى نظر رحمة الله؟
* الشيخ: ما يصح إلى نظر رحمة الله، الرحمة ما هي تُنْظَر. أقرب إلى رحمة الله.
* طالب: تفسير المدعوُّون بالأصنام يُخْرِج الأحبار والرهبان وغيرهم، أليس في هذا قصور؟
* الشيخ: ما تقولون في هذا السؤال؟ نعم، هو لا شك أن عبادة الأحبار والرهبان بالمعنى الذي فسَّره الرسول ﷺ ليست كعبادة الأصنام؛ لأن عبادة الأصنام عبادة تَقَرُّب وخضوع، وعبادة الأحبار والرهبان عبادة اتباع، ولا شك أنها عبادة كما جاء في الحديث: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة ٣١]، فإذا كانت عبادة الأحبار والرهبان كعبادة المسيح ابن مريم لزم من هذا أنهم يعبدونهم عبادة التقرب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لعدي بن حاتم: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ» قال: نَعم، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢١٨) والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٥٠) بسنديهما من حديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك». فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟» قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم».]]. فهذه عبادة اتباع، وغالب عبادة المشركين عبادة تقرب وتعظيم.
* طالب: ألا يشمل قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ سمع الإحاطة (...).
* الشيخ: السمع هنا سمع إحاطة، لكنه يراد به النصر والتأييد؛ لأن مجرد الإحاطة حتى فرعون يسمعه الله عز وجل.
* الطالب: ما هي أحسن الكتب (...) في الأسماء والصفات؟
* الشيخ: واللهِ الكتب متعددة ومختلفة في المنهج، فمثلًا مجرد الإثبات؛ إثبات العقيدة من أحسن ما يكون العقيدة الواسطية؛ لأن كلها مبنية على آيات وأحاديث. من جهة المناقشة والمحاجة من أحسن ما رأيت الصواعق المرسلة لابن القيم ومختصره هذا من أحسن ما يكون لطالب العلم في المناقشة، الصواعق المرسلة على غزو الجهمية والمعطلة ومختصره أيضًا هذا مفيد؛ لأنه يذكر رحمه الله أمهات المسائل التي فيها الخلاف ثم يناقش هؤلاء أو يجادل بالأصح، ما هي مناقشة، يجادل هؤلاء حتى يتبين الحق.
* الطالب: (...).
* الشيخ: واللهِ نُسِّيت من هو له.
* الطالب: الموصلي.
* الشيخ: الموصلي ويش اسمه؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بس الموصلي فقط؟ على كل حال المختصر معروف، مختصر الصواعق المرسلة بهذا الاسم.
* طالب: هل يجوز تصنيف الشرك مثلا آية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ يعني هذا شرك الطاعة وشرك الاتباع؟
* الشيخ: إي، هو شرك الاتباع وشرك الطاعة، لكن ذلك شرك عبادة؛ ولهذا من أحسن حدود الطاغوت ما قاله ابن القيم: ما تجاوز به العبد حَدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع. المعبود الأصنام، والمتبوع العلماء، والمطاع الأمراء، هذا أحسن ما يقال في حد الطاغوت، لكن باعتبار الطاغي، أما باعتبار المعبود أو المتبوع أو المطاع فهؤلاء ليسوا بطواغيت باعتبار ذواتهم؛ لأن العالم قد لا يرضى بهذا الشيء، والأمير كذلك والمعبود كذلك، لكن باعتبار الفاعل هي طواغيت؛ لأنه طغا فيها، هي محل طغيانه، وليست هي طاغية، فعيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام معبود، هل نقول: إنه طاغوت؟ لا، لكنه محل طغيان الذين عبدوه. انتبهوا لهذه النقطة؛ لأن بعض الناس استشكل كلام ابن القيم، وقال: كيف يقول هذا الكلام؟ إذن عيسى طاغوت لأنه معبود، فيقال: مراده رحمه الله أن محل الطغيان يكون في المعبود والمتبوع والمطاع.
* الطالب: ما الفرق بين الفعل المتعدي والفعل اللازم؟
* الشيخ: اللازم ما لا ينصب المفعول به، والمتعدي ما ينصب المفعول به؛ (سمع) تنصب المفعول به أو لا؟ حي؟ عَظُم؟ هل يمكن أن تتسلط عظُم على شيء؟ عظُم هو بنفسه، أما عظَّم صحيح متعدية، لكن عظُم لازمة لا شك، جل؟ لازمة، فالعظيم من أسماء الله اللازمة، والعلي من أسماء الله اللازمة، والأجل أو الجليل من أسماء الله اللازمة.
* طالب: (...) ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ كيف (...) سيدنا عيسى وغيره من الصالحين؟
* الشيخ: تحفظ القران؟
* طالب: لم أحفظه.
* الشيخ: طيب: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨ - ١٠١] [الأنبياء: ] وعيسى ممن سبقت له الحسنى، عرفت؟ ولهذا ضرب الكفار عيسى مثلًا وقالوا لما نزلت الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قالوا: إذن عيسى في النار جدلًا فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، مثل قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ قال الله تعالى ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف ٥٨] وأبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.
غافر 40:21
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٢١ - ٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا النظم موجود في القرآن كثيرًا أن تأتي أداة الاستفهام وبعدها حرف العطف ثم الجملة، وقد اختلف المُعْرِبُون في كيفية إعراب هذا النظم وهذا التركيب، فقال بعضهم: إن التقدير: وألم يسيروا في الأرض، فتكون الواو عاطفة على ما سبق، وتكون الهمزة داخلة على جملتها مُصدَّرة الجملة بها، وهذا القول لا يحتاج إلى تقدير، لكنه يَرِد عليه أن الهمزة متقدمة على حرف العطف، فأجابوا عن ذلك بأن الهمزة مقدمة وقالوا: إن تقديمها في مثل هذا سائغ.
والقول الثاني للمعربين أن الهمزة داخلة على شيء مُقَدَّر وأن حرف العطف عاطف على ذلك المُقَدَّر، وحينئذ نحتاج إلى تعيين ذلك المقدر ولا يُعَيِّنُه إلا السياق، فيقدر ذلك المحذوف بحسب ما يقتضيه السياق، فمثلًا يقال: أولم يسيروا أفرطوا ولم يسيروا في الأرض، أو أغفلوا ولم يسيروا في الأرض، أو ما يؤدي إلى هذا المعنى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المراد سير القلوب بالنظر والتأمل والتفكر أو المراد سير الأقدام حتى يقف الإنسان على ما حصل للأمم السابقة بعيني رأسه؟ كلاهما، فمن لم يتيسر له أن يسير بقدمه فليسر بقلبه، ولكن ما طريق سيره بقبله؟ طريق سيره بقلبه أن يقرأ تاريخ الأمم السابقة، وحينئذ بأي شيء يثبُت هذا التاريخ؟ يثبت هذا التاريخ بطريقين فقط: الطريق الأول القرآن، والطريق الثاني: السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله سبحانه وتعالى قال فيمن سبق: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ وإذا كان لا يعلمهم إلا الله فإن مصدر التلقي لأخبارهم من عند الله أو من رسوله ﷺ.
أما ما حدَّثَت به بنو إسرائيل عمن سبق فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد شرعنا به أو ما شهد القرآن والسنة به فهذا مقبول؛ لا لأنه خبر بني إسرائيل ولكن لأن القرآن والسنة شهدت بصدقه.
الثاني: ما شهد القرآن والسنة بكذبه فهذا مرفوض ولا يجوز التحدث به إلا إذا أراد الإنسان بيان كذبه وبطلانه.
القسم الثالث: ما لم يشهد الوحي بصدقه ولا كذبه، أي: ما ليس في القرآن ولا في السنة تصديقه ولا تكذيبه فهذا قال فيه النبي ﷺ:« «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]] فيكون من الكلام الذي يُباحُ نقله لكن لا فائدة منه فلا يشتغل به عن ما هو أهم منه، وبهذا نعرف كيف نسير بقلوبنا في أخبار مَنْ سبق، فصار مصدرُ التلقي في أخبار مَنْ سَبَق المصدر الأساسي الأكيد هو الكتاب والسنة، وأما ما وقع من أخبار بني إسرائيل فعرفتم أنه على ثلاثة أقسام.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال بعض المعربين: إن (في) هنا بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في جوف الأرض بناء على أن (في) للظرفية والظرف محيط بالمظروف، كما إذا قلت: الماء في الإناء فإن الإناء محيط به والماء في جوفه.
ولكن ربما يقول قائل: إن هذا غير متعين؛ لأن المراد في الأرض أي في مناكب الأرض، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك ١٥] وتكون الظرفية هنا ظرفية الأجواء أي: في أجواء الأرض، والأجواء ظرف لمن يسير فيها.
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٢١] ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء هنا قيل: إنها عاطفة، وعلى هذا فيكون السير منتفيًا والنظر أيضًا منتفٍ، والتقدير على هذا القول أو لم يسيروا في الأرض فألم ينظروا فيه كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلكم.
وقيل: إن الفاء للسببية أي: فبسبب سيرهم ينظروا كيف كان. والمعنيان متلازمان؛ لأنهم إذا لم يسيروا لم ينظروا وإن ساروا نظروا.
وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ﴾ هل النظر هنا نظر قلب وبصيرة أو نظر عين وبصر؟
ينبني على ما سبق في السير إن كان سيرَ قلبٍ فالنظر نظر قلب وبصيرة، وإن كان سيرَ قدم فالنظر نظر عين وبَصَرٍ، وقد قلنا: إن السير صالح لهذا وهذا فيكون النظر أيضًا صالحًا لهذا وهذا.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام وهو في محل نصب على أنه خبر كان مقدم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مآلهم. ماذا كان مآلهم؟ سيأتي ذكر المآل لكن الله ذكر حالهم قبل أن يذكر مآلهم؛ قال: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿أَشَدَّ﴾ من الشدة وهي الصلابة والعظم.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ يقول فيها قراءتان: (وفي قراءة ﴿مِنْكُمْ﴾ ) فيكون في هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، ومعلوم أن الخطاب أشد وقعًا في النفس من الحديث بصيغة الغيبة، أليس كذلك؟ يعني: إذا كنت تخاطب الشخص مخاطبة فهو أشد وقعًا في نفسه مما إذا كنت تتحدث بصيغة الغيبة، ولهذا جاء قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ بصيغة الغيبة، والعابس والمتولي الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقل: عبست وتوليت، لأن الخطاب أشد وقعًا من الغيبة.
وقوله: (وفي قراءة ﴿مِنْكُمْ﴾ ) اعلم أن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: في قراءة، فهي سبعية. وإذا قال: وقُرِئَ، فهي شاذة ليست سبعية.
(وفي قراءة ﴿مِنْكُمْ﴾ ﴿قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ مِنْ مَصَانِع وَقُصُور) فهم أقوياء الأبدان، ولهم من الآثار في الأرض أكثر مما عند هؤلاء الذين كَذَّبُوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والشاهد في هذا ظاهر في ديار ثمود، فإن كلَّ مَنْ شاهدها تبيَّن له كيف كانت قوة القوم، وكذلك آثار عاد في الأحقاف التي اطُّلِعَ عليها وقال الله فيها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨] قوة عظيمة حتى إن عادًا قالوا: من أشد منا قوة، فماذا كانت حالهم؟ قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أهلكهم ﴿بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
هؤلاء القوم الأشداء الذين لهم من الآثار ما يبهر العقول أخذهم الله بذنوبهم، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وذنوبهم مكونة من شيئين: التكذيب والتولِّي، فهم مكذبون للخبر، متولون عن الأمر، فكذبوا الأخبار وخالفوا الأوامر، وقعوا فيما نُهُوا عنه، وتركوا ما أمروا به، وكَذَّبوا ما يلزمهم تصديقه.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ والباء هنا للسببية، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ﴿وَاقٍ﴾، و﴿وَاقٍ﴾ اسم (كان) دخلت عليه (مِن) الزائدة للتوكيد، وأصل (واق) واقي فحُذِفَت الياء للتخفيف؛ أي: ما كان لهم من أحد يقيهم من عذاب الله حتى إن ابن نوح عليه السلام لم يقه مِنْ عذاب الله قُرْبُه من نوح، ولا دخوله في العموم لأن الله سبحانه وتعالى ذَكَر أنه منجيه وأهله -أعني نوحًا- فلما أرسل الله عليهم الغرق دعاه ابنه أن يركب معه في السفينة، ولكنه أبى وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود ٤٣] فغرق، وقال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥] وقد وعده الله أن يُنْجِيَه وأهله، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود ٤٦] فلم يَقِه هذا الابن قربُه من أبيه أحد أولي العزم من الرسل، ولكنه هلك فيمن هلك كما قال الله تعالى هنا: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
* في هذه الآية فوائد كثيرة منها: الحث على السير في الأرض؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ بناء على أن الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ.
* ومن فوائدها: أنَّ السيرَ في الأرض في أرض المكذبين وبيان ما أحلَّ الله بهم من النكال إذا كان على سبيل العبرة فلا بأس به، على سبيل العبرة بما جرى لهم من الهلاك، لا العبرة بما كان لهم القوة، وبناء على ذلك نعرف أن الذين يذهبون الآن إلى ديار ثمود للاطَّلاع على قوتهم والاعتبار بصنعتهم على خطأ عظيم؛ لأنهم لم يسيروا في الأرض السيرَ الذي أمر الله به، بل ساروا في الأرض السير الذي نهى عنه رسول الله ﷺ فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَعَذَّبِينَ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بِاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]]، فمن الذي يذهب الآن إلى ديار ثمود يقف يشاهد آثارهم وهو يبكي؟! لا أحد إلا مَنْ هداه الله عز وجل وتبين له الحق وإلا فإنهم يذهبون يتفرجون. والعجب أن بعض الجهال منا يرون أن هذا من الآثار المحترمة، فيقال: سبحان الله! الآثار المحترمة -أيها الجهال- هي الكتاب والسنة، آثار الوحي. أما آثار المكذبين للرسل فليست محترمة، ثم هل هي آثار آبائكم وأجدادكم؟ آثار قوم فَنُوا وأعقبهم أناس ثم أناس ثم قرون كثيرة، لكن هذا من الجهل والتقليد الأعمى الذي يجعل القوم يتعلقون بالآثار المادية دون الآثار المعنوية.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن عاقبة الذين كانوا من قبلهم عاقبة سيئة؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾.
ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة في الأبدان وقوة في الصناعة وقوة في الآثار، ومع هذا لم تمنعهم قوتهم هذه من أخذ الله لهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قوة الله سبحانه وتعالى فوق كل قوة؛ فإنه قال: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، ومع ذلك أخذهم الله عز وجل؛ ذلك لأن الله تعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لا يحتاج أن يأتي بأحد يساعده، ولا يحتاج إلى صنع قنابل أو مدافع، لا، كن فيكون، انظروا إلى عاد افتخروا بقوتهم فأهلكهم الله تعالى بألطف الأشياء، سخَّر عليهم الريح ولم يُسَخِّرْها لهم بل سخرها عليهم، وهي الريح من ألطف الأشياء فدمرتهم ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥] حتى كانوا كأعجاز نخل خاوية، يقولون: إن الريح تحمل الواحد منهم حتى يكون في عنان السماء ثم ترده إلى الأرض فينقلب منحنيًا كأنه عَجُز نخل خاوية، وأعجاز النخيل إذا رأيتموها تجدون أن النخلة قد تقوست، هؤلاء الذين كانوا أشداء أقوياء يقفون على أقدامهم أصبحوا ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، والآية الثانية ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠].
فرعون قال لقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١] بماذا أهلكه الله؟ أهلكه الله بأن أخرجه من مصر التي كان يفتخر بها باختياره، خرج مختارًا، بل خرج وكأنه غانم، كأنه رابح في المعركة، ثم أهلكه الله بجنس ما يفتخر به بالماء ليتبين أن القوة قوة الله سبحانه وتعالى، وأن الله أشد من هؤلاء قوة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ وقد بَيَّن الله ذلك صريحًا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١] لا يقي دون ما أراد الله، لا قصور ولا مدافع ولا طائرات ولا أي شيء ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة وهي التي بعدها: إثبات الأسباب وأنه لا يَجْنِي جان إلَّا على نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ إلى آخره، وقد تقدم لنا شرح هذه المسألة أعني مسألة الأسباب وتأثيرَها واختلاف الناس فيها، وبينَّا أن أعدل الأقوال وأصح الأقوال أن الأسباب لها تأثير مباشر، لكن ليس تأثيرًا ذاتيًّا بنفسها ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل وأنه لا يؤاخذ أحدًا بدون ذنب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ما من أمة خلت إلا وقد جاءتها رسله؛ لقوله: ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ كل أمة جاءها نذير وجاءها رسول أنذرها وبيَّن لها، وقد أقرَّت هذه الأمم بذلك؛ قال الله تبارك وتعالى في سورة الملك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨، ٩] ثم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وهذا من تمام رحمة الله عز وجل وحكمته أن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل، ولأجل مصلحة الخلق، نحن لولا رسول الله عليه الصلاة والسلام أرسله الله إلينا هل نعرف كيف نتوضأ؟ هل نعرف كيف نصلي؟ ما نعرف، لكن من رحمة الله عز وجل أن أرسل إلينا رسولًا عَلَّمَنا كيف نتوضأ كيف نصلي، ثم يترتب على هذا الوضوء والصلاة مغفرة الذنوب، إذا توضأ الإنسان فإن خطاياه تخرج مع آخر قطرة من قطر الماء، وإذا صلَّى فالصلوات الخمس مكفرات لما بينهن، وإذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء وخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة، أحصِ خطواتك من بيتك إلى المسجد في اليوم والليلة خمس مرات، كثير، كل هذا من فضل الله عز وجل، ولولا أن الله هدانا هداية إرشاد، ونسأل الله تعالى أن يتممها بهداية التوفيق، لولا ذلك لهلكنا ولم نعرف كيف نعبد الله، فهذا من رحمة الله عز وجل أنه أرسل الرسل إلى الأمم ليبيِّنوا لهم، وإذا قلتم: إننا لم نصل إلى هذه الآية فأنتم مُصَدَّقُون ونجعلها غدًا إن شاء الله.
* طالب: هل الإنسان مأجور على خطواته إذا جاء إلى المسجد وإذا عاد منه؟
* الشيخ: إي نعم، أما إذا جاء إلى المسجد فقد سمعت ما..، وأما إذا رجع ففي قصة صاحب الحمار الذي كان بعيدًا من المسجد «فقيل له: ألا تشتري حمارًا تركبه فقال: يا رسول الله إني أحتسب ممشاي إلى المسجد ورجوعي منه فقال: «لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»[[أخرج أبو داود (٥٥٧) وابن ماجه واللفظ له (٧٨٣) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت بالمدينة، وكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ، قال: فتوجعت له، فقلت: يا فلان لو أنك اشتريت حمارًا يقيك الرمض، ويرفعك من الوقع، ويقيك هوام الأرض فقال: والله، ما أحب أن بيتي بطنب بيت محمد ﷺ، قال: فحملت به حملًا، حتى أتيت بيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فدعاه، فسأله، فذكر له مثل ذلك، وذكر أنه يرجو في أثره، فقال رسول الله ﷺ: «إن لك ما احتسبت».]] فإذا احتسب الإنسان هذا فله ما احتسبه.
لكن يا إخواني أنا أقول لكم: إنه يفوتنا كثيرًا الاحتساب، ولا لا؟ كثيرا يفوتنا، نصلي نريد أن نؤدي الصلاة التي علينا فقط، لكن لا نشعر بأننا نحتسب أجرها وأننا سنجد أجر هذه الصلاة أو أجر هذا الوضوء أو أجر هذه الخطا، هذه تفوتنا كثيرًا، والاحتساب له أثره لا من جهة الثواب ولا من جهة أنه يحث المرء على العمل؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا عمل جوزي يزداد عملًا، لكن إذا عمل على أنه فرض عليه يؤديه فقط صار كالذي يقضي الدين عن نفسه فيعطيه الدائن؛ ولذلك أنا أحث نفسي وإياكم على هذه المسألة مسألة الاحتساب، ويش معنى الاحتساب؟ أنه يريد بعمله الأجر والثواب؛ قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩] اسمع الاحتساب: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] احتسب الأجر من الله عز وجل، ونسأل الله أن يُذَكِّرنا ذلك ويعيننا عليه.
* طالب: العبرة من الإنسان إذا دخل في مكان القوم الذين أهلكوا، هل كل قوم أُهْلِكوا أم الكفار الذين لم يأتهم عذاب؟
* الشيخ: لا، المراد الذين أهلكوا.
* طالب: قلت: إن الذي يذهب إلى مدائن صالح فهو على خطر عظيم، ولكن لو قال قائل: أنا لا أتأثر بالقرآن لكن أتأثر بمشاهدة هذه الأقوام السابقة لآخذ العبرة والعظة؟
* الشيخ: هذا ذهب ليأخذ العبرة، والإنسان اللي يذهب ليأخذ العبرة لا شك أنه سيتأثر، لكن كثير من الناس الآن يذهبون ليعتبروا بما عندهم من القوة لا بأخذ الله لهم.
* طالب: الإنسان يقدم على شخص يدعوه فيرى أن هذا الإنسان كثير المعاصي عنده معاص كثيرة فيتذكر قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء ٩٤].. الإنسان يتذكر الأمر اللي مضت قبل التزامه فما يجرؤ (...) يعني ما يقدم على الولاء والبراء (...).
* الشيخ: ما فهمت أعطني القضية بدون مقدمات ونتائج. قل: هل يجوز أن أذهب إلى كذا؟ يعني: تقول هل يجوز أن أذهب إلى رجل عاص..؟
* الطالب: يعني يضيق صدري أن أذهب إليه وأرى المعاصي وهو طبعًا ما يتقبل مني من أول مرة فيضيق صدري فيدخل الشيطان على هذا الأمر بوسوسته.
* الشيخ: والسؤال الآن: هل تذهب إليه أو لا تذهب؟
* الطالب: هذا السؤال.
* الشيخ: طيب اذهب، ما دمت تريد الذهاب للدعوة فاذهب إليه، إذا ضاق صدرك اصبر حتى اللي يدعوا الناس في السوق والمسجد يضيق صدره إذا رآهم على ما هم عليه، اصبر ما دمت تريد أن تدعوه، أما إن ذهبت تريد أن تكرمه فلا يجوز.
* طالب: حديث النبي ﷺ: الإنسان إذا وضع في (...) شقي أو سعيد ما كتب على، فلماذا (...)؟
* الشيخ: صحيح، هذه حجة، واحتج بها الصحابة على الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال لهم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قالوا: يا رسول الله ففيم العمل؟ ليش نعمل (...)؟ فقال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧ / ٦) بسنديهما من حديث علي رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة» قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية. ]] نقول: أنت مكتوب أنك في الجنة أو في النار بسبب عملك، فاعمل بعمل أهل الجنة لتكون من أهلها.
* طالب: قرى قوم لوط مثل قرى ثمود وعاد في عدم الجواز مثل هذه؟
* الشيخ: العلماء يقولون: لا فرق، كل شيء تذهب ليتبين لك آثارهم وقوتهم وتُعْجَب بهذه القوة فهو لا يجوز.
* الطالب: والآية يا شيخ؟
* الشيخ: الآية حكاية: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] هذه حكاية عن شيء واقع، كما قال الرسول: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]] هل معنى ذلك أن الرسول يفسح لنا المجال؟ خبر عن أمر واقع أو سيقع، وكما أخبر أن المرأة تذهب من صنعاء إلى حضر موت لا تخشى إلا الله.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر ٢٢ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه أخذ الله تعالى إياهم بذنوبهم، فهذه الذنوب أنه ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال المؤلف: (بالمعجزات الظاهرات).
﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ﴾ جمع رسول، والرسول لكل أمة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل ٣٦]، والرسل جاؤوهم بالبينات قال المؤلف: (بالمعجزات) والصواب أن يقال: بالآيات؛ لأن الله تعالى يعبر عنها هكذا ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس ١٥]، والمراد بالآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهي نوعان: حسية ومعنوية، وخِلْقِيَّة وخُلُقِيَّة، كلها آيات بينات ظاهرة واضحة، قال النبي ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]].
والحكمة من هذه الآيات هو أن البشر لا يمكن أن يقبلوا دعوة من شخص عاش بينهم يعرفونه فيأتي ويقول: إنه نبي أو إنه رسول، طيب بأي دليل؟ لا بد من آيات تدل على صدقه.
وكما قلت لكم: إن الآيات نوعان: آيات معنوية وهي ما يتضمنه الوحي الذي جاء به هؤلاء الرسل، وآيات حسية وهي ما يظهر من خوارق العادات؛ ولهذا قيل في تعريف الآية: إنها أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الرسول تأييدًا له، هذه هي الآية.
فهذه الآيات قال العلماء: إنها تكون -أعني الآيات الحسية- تكون مناسبة للوقت الذي بُعِثَ فيه الرسول، واستشهدوا لذلك بأن موسى عليه الصلاة والسلام أُعْطِي آيات سحرية -أي تشبه السحر- لكنها أقوى منه تغلبه، فيضع العصا وهي من خشب على الأرض فتنقلب حية تسعى، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء تلوح من غير عيب أي من غير برص؛ وهذا لأنه في وقته كان للسحر طور عال مرتفع، فجاء بآيات تغلب ذلك السحر، ويظهر هذا حينما اجتمع مع السحرة في اليوم الذي وعدهم فيه، فألقوا حبالهم وعصيهم حتى خُيِّلَ إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [طه ٦٨] وأمره أن يضع العصا فوضعه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون.
ثم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في زمن تَرَقَّى فيه الطب ترقيًّا عظيمًا بالغًا، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، بل يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يقف على صاحب القبر فيخاطبه ويقول: اخرج فيخرج؛ وهذا أعظم من الطب الذي أتوا به.
أما محمد عليه الصلاة والسلام فقد بُعِثَ في وقت بلغت فيها البلاغة أَوْجَها، وصار الناس يتفاخرون أيهم أبلغ، فيأتي الشعراء ويأتي الخطباء إلى أسواق الجاهلية عكاظ وغيره يتبارون في أشعارهم وخطبهم، فجاء هذا القرآن قاضيًا عليها كلها وأعجزهم، وعجزوا عن أن يأتوا بآية منه مع أنهم هم أمراء البلاغة.
والمهم أنه لا بد لكل نبي من آية يؤمن على مثلها البشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم، حكيم لا يرسل شخصًا يقول للناس: أنا رسول بدون بينة، ورحيم حيث أَيَّد هؤلاء الرسل بالآيات من وجه، ورحم الخلق فجعل مع الرسل آيات من أجل أن تكون حجة الرسل مقبولة إليهم.
﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾ الفاء عاطفة، وتدل عل مبادرة هؤلاء بالكفر وأنهم لم يتأملوا ولم ينظروا، وجه ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: بالرسل وبالبينات التي جاؤوا بها.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلكهم، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أهلكهم الله سبحانه وتعالى بعامة إلا من آمن.
ثم بَيَّن أن هذا الأخذ شديد؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قوي أزلًا وأبدًا، فلم يسبق قوته ضعف ولا يلحقها ضعف، أما البشر فإنهم ضعفاء أولًا ونهاية، ومنتهى قوتهم أيضًا ليس بشيء، حتى وإن بلغ الإنسان أشده وبلغ غاية قوته فإنه ليس بشيء، أما الرب عز وجل فإنه قوي أزلًا وأبدًا.
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. المعنى: عقابه شديد، الشديد يعني الصَّلف القوي الذي تحصل آثاره على من عوقب.
* في هذه الآية فوائد:
* منها: بيان سبب إهلاك الأمم وأن ذلك بذنوبهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه من أمة إلَّا خلا فيها نذير وجاءها رسول.
* ومن فوائدها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا بالآيات البينة الظاهرة.
* ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل أولًا ثم بتأييدهم بالآيات البينات التي لا تدع مجالًا للشك أو للإنكار.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الذين أُرْسَل إليهم لم يشكروا النعمة، بل بادروا بالكفر والتكذيب.
* ومن فوائدها: أنه لو تأمل العاقل ما جاءت به الرسل ما أدى ذلك إلى كفره، لكن غالب المكذبين للرسل يبادرون بالتكذيب؛ قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها، وهذا يدل على تمام حكمة الله، وأنه عز وجل لم يفعل شيئًا عبثًا ولا لمجرد المشيئة، خلافًا لمن قال من الجبرية وغيرهم: إن الله تعالى يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة وليس لحكمة، وأنكروا حكمة الله، وقالوا: إن الحكمة تقتضي النقص، وهذا من غرائب الأفهام، الحكمة تقتضي النقص؟ قالوا: نعم، لأن الحكمة غرض فإذا فعل لكذا فإنه محتاج لهذا الغرض؛ فيقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامكم، الحكمة هي غاية الحكم؛ أي أن الحكمة أكبر ما يدل على البعد عن السفه واللعب.
وأما قولكم: إن الحكمة غرض فإذا قلتم: إن الله فعل كذا لكذا لزم من ذلك أن يكون الله محتاج إليه فيقال: الحكمة التي يَشْرَع الله الشرائع من أجلها لا تعود إلى نفسه إلا من حيث الكمال فقط، أما المصلحة فالذي ينتفع بها مَنْ؟ الخلق، أما الله عز وجل فإن حكمته لا تعود إليه بشيء سوى بيان كمال صفاته عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ اللازمة، قادر من الأفعال المعتدية، لكن القوي من اللازمة، وعلى هذا فلا بد من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصفة وهي القوة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى شديد العقاب، ولكن لمن عصاه.
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفة الله؛ لأنه قوي وشديد العقاب، فيا ويح مَنْ خالف أمر ربه؛ سيتعرض لشدة العقاب من ذي قوة لا يلحقها ضعف ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
غافر 40:22
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٢١ - ٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا النظم موجود في القرآن كثيرًا أن تأتي أداة الاستفهام وبعدها حرف العطف ثم الجملة، وقد اختلف المُعْرِبُون في كيفية إعراب هذا النظم وهذا التركيب، فقال بعضهم: إن التقدير: وألم يسيروا في الأرض، فتكون الواو عاطفة على ما سبق، وتكون الهمزة داخلة على جملتها مُصدَّرة الجملة بها، وهذا القول لا يحتاج إلى تقدير، لكنه يَرِد عليه أن الهمزة متقدمة على حرف العطف، فأجابوا عن ذلك بأن الهمزة مقدمة وقالوا: إن تقديمها في مثل هذا سائغ.
والقول الثاني للمعربين أن الهمزة داخلة على شيء مُقَدَّر وأن حرف العطف عاطف على ذلك المُقَدَّر، وحينئذ نحتاج إلى تعيين ذلك المقدر ولا يُعَيِّنُه إلا السياق، فيقدر ذلك المحذوف بحسب ما يقتضيه السياق، فمثلًا يقال: أولم يسيروا أفرطوا ولم يسيروا في الأرض، أو أغفلوا ولم يسيروا في الأرض، أو ما يؤدي إلى هذا المعنى.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المراد سير القلوب بالنظر والتأمل والتفكر أو المراد سير الأقدام حتى يقف الإنسان على ما حصل للأمم السابقة بعيني رأسه؟ كلاهما، فمن لم يتيسر له أن يسير بقدمه فليسر بقلبه، ولكن ما طريق سيره بقبله؟ طريق سيره بقلبه أن يقرأ تاريخ الأمم السابقة، وحينئذ بأي شيء يثبُت هذا التاريخ؟ يثبت هذا التاريخ بطريقين فقط: الطريق الأول القرآن، والطريق الثاني: السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله سبحانه وتعالى قال فيمن سبق: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ وإذا كان لا يعلمهم إلا الله فإن مصدر التلقي لأخبارهم من عند الله أو من رسوله ﷺ.
أما ما حدَّثَت به بنو إسرائيل عمن سبق فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما شهد شرعنا به أو ما شهد القرآن والسنة به فهذا مقبول؛ لا لأنه خبر بني إسرائيل ولكن لأن القرآن والسنة شهدت بصدقه.
الثاني: ما شهد القرآن والسنة بكذبه فهذا مرفوض ولا يجوز التحدث به إلا إذا أراد الإنسان بيان كذبه وبطلانه.
القسم الثالث: ما لم يشهد الوحي بصدقه ولا كذبه، أي: ما ليس في القرآن ولا في السنة تصديقه ولا تكذيبه فهذا قال فيه النبي ﷺ:« «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»[[أخرجه البخاري (٣٤٦١) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]] فيكون من الكلام الذي يُباحُ نقله لكن لا فائدة منه فلا يشتغل به عن ما هو أهم منه، وبهذا نعرف كيف نسير بقلوبنا في أخبار مَنْ سبق، فصار مصدرُ التلقي في أخبار مَنْ سَبَق المصدر الأساسي الأكيد هو الكتاب والسنة، وأما ما وقع من أخبار بني إسرائيل فعرفتم أنه على ثلاثة أقسام.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال بعض المعربين: إن (في) هنا بمعنى (على)؛ لأنه لا يمكن السير في جوف الأرض بناء على أن (في) للظرفية والظرف محيط بالمظروف، كما إذا قلت: الماء في الإناء فإن الإناء محيط به والماء في جوفه.
ولكن ربما يقول قائل: إن هذا غير متعين؛ لأن المراد في الأرض أي في مناكب الأرض، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك ١٥] وتكون الظرفية هنا ظرفية الأجواء أي: في أجواء الأرض، والأجواء ظرف لمن يسير فيها.
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر ٢١] ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ الفاء هنا قيل: إنها عاطفة، وعلى هذا فيكون السير منتفيًا والنظر أيضًا منتفٍ، والتقدير على هذا القول أو لم يسيروا في الأرض فألم ينظروا فيه كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلكم.
وقيل: إن الفاء للسببية أي: فبسبب سيرهم ينظروا كيف كان. والمعنيان متلازمان؛ لأنهم إذا لم يسيروا لم ينظروا وإن ساروا نظروا.
وقوله: ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ﴾ هل النظر هنا نظر قلب وبصيرة أو نظر عين وبصر؟
ينبني على ما سبق في السير إن كان سيرَ قلبٍ فالنظر نظر قلب وبصيرة، وإن كان سيرَ قدم فالنظر نظر عين وبَصَرٍ، وقد قلنا: إن السير صالح لهذا وهذا فيكون النظر أيضًا صالحًا لهذا وهذا.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام وهو في محل نصب على أنه خبر كان مقدم، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: مآلهم. ماذا كان مآلهم؟ سيأتي ذكر المآل لكن الله ذكر حالهم قبل أن يذكر مآلهم؛ قال: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿أَشَدَّ﴾ من الشدة وهي الصلابة والعظم.
﴿وَمِنْهُمْ﴾ يقول فيها قراءتان: (وفي قراءة ﴿مِنْكُمْ﴾ ) فيكون في هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب، ومعلوم أن الخطاب أشد وقعًا في النفس من الحديث بصيغة الغيبة، أليس كذلك؟ يعني: إذا كنت تخاطب الشخص مخاطبة فهو أشد وقعًا في نفسه مما إذا كنت تتحدث بصيغة الغيبة، ولهذا جاء قول الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ بصيغة الغيبة، والعابس والمتولي الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يقل: عبست وتوليت، لأن الخطاب أشد وقعًا من الغيبة.
وقوله: (وفي قراءة ﴿مِنْكُمْ﴾ ) اعلم أن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: في قراءة، فهي سبعية. وإذا قال: وقُرِئَ، فهي شاذة ليست سبعية.
(وفي قراءة ﴿مِنْكُمْ﴾ ﴿قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ مِنْ مَصَانِع وَقُصُور) فهم أقوياء الأبدان، ولهم من الآثار في الأرض أكثر مما عند هؤلاء الذين كَذَّبُوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والشاهد في هذا ظاهر في ديار ثمود، فإن كلَّ مَنْ شاهدها تبيَّن له كيف كانت قوة القوم، وكذلك آثار عاد في الأحقاف التي اطُّلِعَ عليها وقال الله فيها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ [الفجر ٧، ٨] قوة عظيمة حتى إن عادًا قالوا: من أشد منا قوة، فماذا كانت حالهم؟ قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أهلكهم ﴿بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
هؤلاء القوم الأشداء الذين لهم من الآثار ما يبهر العقول أخذهم الله بذنوبهم، أهلكهم بسبب ذنوبهم، وذنوبهم مكونة من شيئين: التكذيب والتولِّي، فهم مكذبون للخبر، متولون عن الأمر، فكذبوا الأخبار وخالفوا الأوامر، وقعوا فيما نُهُوا عنه، وتركوا ما أمروا به، وكَذَّبوا ما يلزمهم تصديقه.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ والباء هنا للسببية، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ﴿وَاقٍ﴾، و﴿وَاقٍ﴾ اسم (كان) دخلت عليه (مِن) الزائدة للتوكيد، وأصل (واق) واقي فحُذِفَت الياء للتخفيف؛ أي: ما كان لهم من أحد يقيهم من عذاب الله حتى إن ابن نوح عليه السلام لم يقه مِنْ عذاب الله قُرْبُه من نوح، ولا دخوله في العموم لأن الله سبحانه وتعالى ذَكَر أنه منجيه وأهله -أعني نوحًا- فلما أرسل الله عليهم الغرق دعاه ابنه أن يركب معه في السفينة، ولكنه أبى وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود ٤٣] فغرق، وقال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود ٤٥] وقد وعده الله أن يُنْجِيَه وأهله، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود ٤٦] فلم يَقِه هذا الابن قربُه من أبيه أحد أولي العزم من الرسل، ولكنه هلك فيمن هلك كما قال الله تعالى هنا: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
* في هذه الآية فوائد كثيرة منها: الحث على السير في الأرض؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ بناء على أن الاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ.
* ومن فوائدها: أنَّ السيرَ في الأرض في أرض المكذبين وبيان ما أحلَّ الله بهم من النكال إذا كان على سبيل العبرة فلا بأس به، على سبيل العبرة بما جرى لهم من الهلاك، لا العبرة بما كان لهم القوة، وبناء على ذلك نعرف أن الذين يذهبون الآن إلى ديار ثمود للاطَّلاع على قوتهم والاعتبار بصنعتهم على خطأ عظيم؛ لأنهم لم يسيروا في الأرض السيرَ الذي أمر الله به، بل ساروا في الأرض السير الذي نهى عنه رسول الله ﷺ فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمَعَذَّبِينَ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بِاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣) ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]]، فمن الذي يذهب الآن إلى ديار ثمود يقف يشاهد آثارهم وهو يبكي؟! لا أحد إلا مَنْ هداه الله عز وجل وتبين له الحق وإلا فإنهم يذهبون يتفرجون. والعجب أن بعض الجهال منا يرون أن هذا من الآثار المحترمة، فيقال: سبحان الله! الآثار المحترمة -أيها الجهال- هي الكتاب والسنة، آثار الوحي. أما آثار المكذبين للرسل فليست محترمة، ثم هل هي آثار آبائكم وأجدادكم؟ آثار قوم فَنُوا وأعقبهم أناس ثم أناس ثم قرون كثيرة، لكن هذا من الجهل والتقليد الأعمى الذي يجعل القوم يتعلقون بالآثار المادية دون الآثار المعنوية.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن عاقبة الذين كانوا من قبلهم عاقبة سيئة؛ لقوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾.
ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين كانوا من قبلهم كانوا أشد منهم قوة في الأبدان وقوة في الصناعة وقوة في الآثار، ومع هذا لم تمنعهم قوتهم هذه من أخذ الله لهم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قوة الله سبحانه وتعالى فوق كل قوة؛ فإنه قال: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، ومع ذلك أخذهم الله عز وجل؛ ذلك لأن الله تعالى إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون، لا يحتاج أن يأتي بأحد يساعده، ولا يحتاج إلى صنع قنابل أو مدافع، لا، كن فيكون، انظروا إلى عاد افتخروا بقوتهم فأهلكهم الله تعالى بألطف الأشياء، سخَّر عليهم الريح ولم يُسَخِّرْها لهم بل سخرها عليهم، وهي الريح من ألطف الأشياء فدمرتهم ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف ٢٥] حتى كانوا كأعجاز نخل خاوية، يقولون: إن الريح تحمل الواحد منهم حتى يكون في عنان السماء ثم ترده إلى الأرض فينقلب منحنيًا كأنه عَجُز نخل خاوية، وأعجاز النخيل إذا رأيتموها تجدون أن النخلة قد تقوست، هؤلاء الذين كانوا أشداء أقوياء يقفون على أقدامهم أصبحوا ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧]، والآية الثانية ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر ٢٠].
فرعون قال لقوله: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١] بماذا أهلكه الله؟ أهلكه الله بأن أخرجه من مصر التي كان يفتخر بها باختياره، خرج مختارًا، بل خرج وكأنه غانم، كأنه رابح في المعركة، ثم أهلكه الله بجنس ما يفتخر به بالماء ليتبين أن القوة قوة الله سبحانه وتعالى، وأن الله أشد من هؤلاء قوة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى إذا أراد بقوم سوءًا فلا مرد له؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ وقد بَيَّن الله ذلك صريحًا في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد ١١] لا يقي دون ما أراد الله، لا قصور ولا مدافع ولا طائرات ولا أي شيء ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة وهي التي بعدها: إثبات الأسباب وأنه لا يَجْنِي جان إلَّا على نفسه، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾ إلى آخره، وقد تقدم لنا شرح هذه المسألة أعني مسألة الأسباب وتأثيرَها واختلاف الناس فيها، وبينَّا أن أعدل الأقوال وأصح الأقوال أن الأسباب لها تأثير مباشر، لكن ليس تأثيرًا ذاتيًّا بنفسها ولكن بما أودع الله تعالى فيها من القوى المؤثرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل وأنه لا يؤاخذ أحدًا بدون ذنب؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ما من أمة خلت إلا وقد جاءتها رسله؛ لقوله: ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ كل أمة جاءها نذير وجاءها رسول أنذرها وبيَّن لها، وقد أقرَّت هذه الأمم بذلك؛ قال الله تبارك وتعالى في سورة الملك: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا﴾ أي: في النار ﴿فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك ٨، ٩] ثم قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وهذا من تمام رحمة الله عز وجل وحكمته أن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل، ولأجل مصلحة الخلق، نحن لولا رسول الله عليه الصلاة والسلام أرسله الله إلينا هل نعرف كيف نتوضأ؟ هل نعرف كيف نصلي؟ ما نعرف، لكن من رحمة الله عز وجل أن أرسل إلينا رسولًا عَلَّمَنا كيف نتوضأ كيف نصلي، ثم يترتب على هذا الوضوء والصلاة مغفرة الذنوب، إذا توضأ الإنسان فإن خطاياه تخرج مع آخر قطرة من قطر الماء، وإذا صلَّى فالصلوات الخمس مكفرات لما بينهن، وإذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء وخرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخطُ خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة وحطَّ عنه بها خطيئة، أحصِ خطواتك من بيتك إلى المسجد في اليوم والليلة خمس مرات، كثير، كل هذا من فضل الله عز وجل، ولولا أن الله هدانا هداية إرشاد، ونسأل الله تعالى أن يتممها بهداية التوفيق، لولا ذلك لهلكنا ولم نعرف كيف نعبد الله، فهذا من رحمة الله عز وجل أنه أرسل الرسل إلى الأمم ليبيِّنوا لهم، وإذا قلتم: إننا لم نصل إلى هذه الآية فأنتم مُصَدَّقُون ونجعلها غدًا إن شاء الله.
* طالب: هل الإنسان مأجور على خطواته إذا جاء إلى المسجد وإذا عاد منه؟
* الشيخ: إي نعم، أما إذا جاء إلى المسجد فقد سمعت ما..، وأما إذا رجع ففي قصة صاحب الحمار الذي كان بعيدًا من المسجد «فقيل له: ألا تشتري حمارًا تركبه فقال: يا رسول الله إني أحتسب ممشاي إلى المسجد ورجوعي منه فقال: «لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»[[أخرج أبو داود (٥٥٧) وابن ماجه واللفظ له (٧٨٣) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجل من الأنصار، بيته أقصى بيت بالمدينة، وكان لا تخطئه الصلاة مع رسول الله ﷺ، قال: فتوجعت له، فقلت: يا فلان لو أنك اشتريت حمارًا يقيك الرمض، ويرفعك من الوقع، ويقيك هوام الأرض فقال: والله، ما أحب أن بيتي بطنب بيت محمد ﷺ، قال: فحملت به حملًا، حتى أتيت بيت النبي ﷺ، فذكرت ذلك له، فدعاه، فسأله، فذكر له مثل ذلك، وذكر أنه يرجو في أثره، فقال رسول الله ﷺ: «إن لك ما احتسبت».]] فإذا احتسب الإنسان هذا فله ما احتسبه.
لكن يا إخواني أنا أقول لكم: إنه يفوتنا كثيرًا الاحتساب، ولا لا؟ كثيرا يفوتنا، نصلي نريد أن نؤدي الصلاة التي علينا فقط، لكن لا نشعر بأننا نحتسب أجرها وأننا سنجد أجر هذه الصلاة أو أجر هذا الوضوء أو أجر هذه الخطا، هذه تفوتنا كثيرًا، والاحتساب له أثره لا من جهة الثواب ولا من جهة أنه يحث المرء على العمل؛ لأن الإنسان إذا علم أنه إذا عمل جوزي يزداد عملًا، لكن إذا عمل على أنه فرض عليه يؤديه فقط صار كالذي يقضي الدين عن نفسه فيعطيه الدائن؛ ولذلك أنا أحث نفسي وإياكم على هذه المسألة مسألة الاحتساب، ويش معنى الاحتساب؟ أنه يريد بعمله الأجر والثواب؛ قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح ٢٩] اسمع الاحتساب: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح ٢٩] احتسب الأجر من الله عز وجل، ونسأل الله أن يُذَكِّرنا ذلك ويعيننا عليه.
* طالب: العبرة من الإنسان إذا دخل في مكان القوم الذين أهلكوا، هل كل قوم أُهْلِكوا أم الكفار الذين لم يأتهم عذاب؟
* الشيخ: لا، المراد الذين أهلكوا.
* طالب: قلت: إن الذي يذهب إلى مدائن صالح فهو على خطر عظيم، ولكن لو قال قائل: أنا لا أتأثر بالقرآن لكن أتأثر بمشاهدة هذه الأقوام السابقة لآخذ العبرة والعظة؟
* الشيخ: هذا ذهب ليأخذ العبرة، والإنسان اللي يذهب ليأخذ العبرة لا شك أنه سيتأثر، لكن كثير من الناس الآن يذهبون ليعتبروا بما عندهم من القوة لا بأخذ الله لهم.
* طالب: الإنسان يقدم على شخص يدعوه فيرى أن هذا الإنسان كثير المعاصي عنده معاص كثيرة فيتذكر قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء ٩٤].. الإنسان يتذكر الأمر اللي مضت قبل التزامه فما يجرؤ (...) يعني ما يقدم على الولاء والبراء (...).
* الشيخ: ما فهمت أعطني القضية بدون مقدمات ونتائج. قل: هل يجوز أن أذهب إلى كذا؟ يعني: تقول هل يجوز أن أذهب إلى رجل عاص..؟
* الطالب: يعني يضيق صدري أن أذهب إليه وأرى المعاصي وهو طبعًا ما يتقبل مني من أول مرة فيضيق صدري فيدخل الشيطان على هذا الأمر بوسوسته.
* الشيخ: والسؤال الآن: هل تذهب إليه أو لا تذهب؟
* الطالب: هذا السؤال.
* الشيخ: طيب اذهب، ما دمت تريد الذهاب للدعوة فاذهب إليه، إذا ضاق صدرك اصبر حتى اللي يدعوا الناس في السوق والمسجد يضيق صدره إذا رآهم على ما هم عليه، اصبر ما دمت تريد أن تدعوه، أما إن ذهبت تريد أن تكرمه فلا يجوز.
* طالب: حديث النبي ﷺ: الإنسان إذا وضع في (...) شقي أو سعيد ما كتب على، فلماذا (...)؟
* الشيخ: صحيح، هذه حجة، واحتج بها الصحابة على الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال لهم: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ لَهُ مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ». قالوا: يا رسول الله ففيم العمل؟ ليش نعمل (...)؟ فقال: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٤٩٤٩) ومسلم (٢٦٤٧ / ٦) بسنديهما من حديث علي رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرض، فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار، ومقعده من الجنة» قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا، وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية. ]] نقول: أنت مكتوب أنك في الجنة أو في النار بسبب عملك، فاعمل بعمل أهل الجنة لتكون من أهلها.
* طالب: قرى قوم لوط مثل قرى ثمود وعاد في عدم الجواز مثل هذه؟
* الشيخ: العلماء يقولون: لا فرق، كل شيء تذهب ليتبين لك آثارهم وقوتهم وتُعْجَب بهذه القوة فهو لا يجوز.
* الطالب: والآية يا شيخ؟
* الشيخ: الآية حكاية: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨] هذه حكاية عن شيء واقع، كما قال الرسول: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٢٠)، ومسلم (٢٦٦٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]] هل معنى ذلك أن الرسول يفسح لنا المجال؟ خبر عن أمر واقع أو سيقع، وكما أخبر أن المرأة تذهب من صنعاء إلى حضر موت لا تخشى إلا الله.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر ٢٢ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه أخذ الله تعالى إياهم بذنوبهم، فهذه الذنوب أنه ﴿كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قال المؤلف: (بالمعجزات الظاهرات).
﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ﴾ جمع رسول، والرسول لكل أمة كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل ٣٦]، والرسل جاؤوهم بالبينات قال المؤلف: (بالمعجزات) والصواب أن يقال: بالآيات؛ لأن الله تعالى يعبر عنها هكذا ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [يونس ١٥]، والمراد بالآيات ما يؤمن على مثله البشر، وهي نوعان: حسية ومعنوية، وخِلْقِيَّة وخُلُقِيَّة، كلها آيات بينات ظاهرة واضحة، قال النبي ﷺ: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]].
والحكمة من هذه الآيات هو أن البشر لا يمكن أن يقبلوا دعوة من شخص عاش بينهم يعرفونه فيأتي ويقول: إنه نبي أو إنه رسول، طيب بأي دليل؟ لا بد من آيات تدل على صدقه.
وكما قلت لكم: إن الآيات نوعان: آيات معنوية وهي ما يتضمنه الوحي الذي جاء به هؤلاء الرسل، وآيات حسية وهي ما يظهر من خوارق العادات؛ ولهذا قيل في تعريف الآية: إنها أمر خارق للعادة يظهره الله سبحانه وتعالى على يد الرسول تأييدًا له، هذه هي الآية.
فهذه الآيات قال العلماء: إنها تكون -أعني الآيات الحسية- تكون مناسبة للوقت الذي بُعِثَ فيه الرسول، واستشهدوا لذلك بأن موسى عليه الصلاة والسلام أُعْطِي آيات سحرية -أي تشبه السحر- لكنها أقوى منه تغلبه، فيضع العصا وهي من خشب على الأرض فتنقلب حية تسعى، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء تلوح من غير عيب أي من غير برص؛ وهذا لأنه في وقته كان للسحر طور عال مرتفع، فجاء بآيات تغلب ذلك السحر، ويظهر هذا حينما اجتمع مع السحرة في اليوم الذي وعدهم فيه، فألقوا حبالهم وعصيهم حتى خُيِّلَ إليه من سحرهم أنها تسعى، فأوجس في نفسه خيفة موسى، فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [طه ٦٨] وأمره أن يضع العصا فوضعه فإذا هي حية تلقف ما يأفكون.
ثم عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام بُعِثَ في زمن تَرَقَّى فيه الطب ترقيًّا عظيمًا بالغًا، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، بل يخرج الموتى من قبورهم بإذن الله، يقف على صاحب القبر فيخاطبه ويقول: اخرج فيخرج؛ وهذا أعظم من الطب الذي أتوا به.
أما محمد عليه الصلاة والسلام فقد بُعِثَ في وقت بلغت فيها البلاغة أَوْجَها، وصار الناس يتفاخرون أيهم أبلغ، فيأتي الشعراء ويأتي الخطباء إلى أسواق الجاهلية عكاظ وغيره يتبارون في أشعارهم وخطبهم، فجاء هذا القرآن قاضيًا عليها كلها وأعجزهم، وعجزوا عن أن يأتوا بآية منه مع أنهم هم أمراء البلاغة.
والمهم أنه لا بد لكل نبي من آية يؤمن على مثلها البشر؛ لأن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم، حكيم لا يرسل شخصًا يقول للناس: أنا رسول بدون بينة، ورحيم حيث أَيَّد هؤلاء الرسل بالآيات من وجه، ورحم الخلق فجعل مع الرسل آيات من أجل أن تكون حجة الرسل مقبولة إليهم.
﴿تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾ الفاء عاطفة، وتدل عل مبادرة هؤلاء بالكفر وأنهم لم يتأملوا ولم ينظروا، وجه ذلك أن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: بالرسل وبالبينات التي جاؤوا بها.
﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلكهم، ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أهلكهم الله سبحانه وتعالى بعامة إلا من آمن.
ثم بَيَّن أن هذا الأخذ شديد؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قوي أزلًا وأبدًا، فلم يسبق قوته ضعف ولا يلحقها ضعف، أما البشر فإنهم ضعفاء أولًا ونهاية، ومنتهى قوتهم أيضًا ليس بشيء، حتى وإن بلغ الإنسان أشده وبلغ غاية قوته فإنه ليس بشيء، أما الرب عز وجل فإنه قوي أزلًا وأبدًا.
﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها. المعنى: عقابه شديد، الشديد يعني الصَّلف القوي الذي تحصل آثاره على من عوقب.
* في هذه الآية فوائد:
* منها: بيان سبب إهلاك الأمم وأن ذلك بذنوبهم؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه من أمة إلَّا خلا فيها نذير وجاءها رسول.
* ومن فوائدها: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا بالآيات البينة الظاهرة.
* ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخلق بإرسال الرسل أولًا ثم بتأييدهم بالآيات البينات التي لا تدع مجالًا للشك أو للإنكار.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء الذين أُرْسَل إليهم لم يشكروا النعمة، بل بادروا بالكفر والتكذيب.
* ومن فوائدها: أنه لو تأمل العاقل ما جاءت به الرسل ما أدى ذلك إلى كفره، لكن غالب المكذبين للرسل يبادرون بالتكذيب؛ قال الله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، وأن الله تعالى ربط المسببات بأسبابها، وهذا يدل على تمام حكمة الله، وأنه عز وجل لم يفعل شيئًا عبثًا ولا لمجرد المشيئة، خلافًا لمن قال من الجبرية وغيرهم: إن الله تعالى يفعل ما يشاء لمجرد المشيئة وليس لحكمة، وأنكروا حكمة الله، وقالوا: إن الحكمة تقتضي النقص، وهذا من غرائب الأفهام، الحكمة تقتضي النقص؟ قالوا: نعم، لأن الحكمة غرض فإذا فعل لكذا فإنه محتاج لهذا الغرض؛ فيقال لهم: تبًّا لكم ولأفهامكم، الحكمة هي غاية الحكم؛ أي أن الحكمة أكبر ما يدل على البعد عن السفه واللعب.
وأما قولكم: إن الحكمة غرض فإذا قلتم: إن الله فعل كذا لكذا لزم من ذلك أن يكون الله محتاج إليه فيقال: الحكمة التي يَشْرَع الله الشرائع من أجلها لا تعود إلى نفسه إلا من حيث الكمال فقط، أما المصلحة فالذي ينتفع بها مَنْ؟ الخلق، أما الله عز وجل فإن حكمته لا تعود إليه بشيء سوى بيان كمال صفاته عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القويِّ اسمًا من أسماء الله، وهو من الأسماء اللازمة أو المتعدية؟ اللازمة، قادر من الأفعال المعتدية، لكن القوي من اللازمة، وعلى هذا فلا بد من إثباته وإثبات ما دلَّ عليه من الصفة وهي القوة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى شديد العقاب، ولكن لمن عصاه.
* ومن فوائدها: التحذير من مخالفة الله؛ لأنه قوي وشديد العقاب، فيا ويح مَنْ خالف أمر ربه؛ سيتعرض لشدة العقاب من ذي قوة لا يلحقها ضعف ﴿إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
غافر 40:23
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ [غافر ٢٣، ٢٤] الجملة هذه مؤكدة بعدة مؤكدات، ما هي؟
* طالب: لقد.
* الشيخ: بـ(لقد)؟ ما يستقيم. بمؤكدات ثلاث؟
* طالب: بثلاثة مؤكدات.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: الواو.
* الشيخ: الواو. هل الواو من المؤكدات؟
* الطالب: القسم.
* الشيخ: عدلت عن الواو من المؤكدات؟
* الطالب: الواو واو القسم.
* الشيخ: وين واو القسم؟ الواو هذه حرف عطف!
* الطالب: واو القسم (...).
* الشيخ: واللام.
* الطالب: وقد.
* الشيخ: وقد.
الصيغة تأتي كثيرًا في القرآن ﴿لَقَدْ﴾ فيقال: إن هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات (...) واللام وقعت في جوابه، وقد.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ موسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل وأعظمهم وأشدهم، وهو من أشد الأنبياء وأقواهم، ويدلك على ذلك ما فعله قبل النبوة وما فعله بعد النبوة؛ فقبل النبوة مر برجل من قومه يخاصم رجلًا من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه، وهذا يدل على قوته وشدته، وبعد النبوة لما رجع ورأى أنهم أشركوا بالله غضب غضبًا شديدًا فألقى الألواح التي كتب الله بها التوراة، ألقاها، قال بعضهم: فتكسرت، ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه هارون وهو نبي من الأنبياء مشارك له في النبوة: ﴿أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف ١٥٠]، فقال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٤]، ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف ١٥٤] هذا يدل على قوته وشدته عليه الصلاة والسلام، وهذا من الحكمة؛ لأنه أرسل إلى أعتى أهل الأرض وهو فرعون، ولهذا قابله بالقوة قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢] وهذه قوة تدل على قوته عليه الصلاة والسلام.
أرسله الله تعالى أيضًا إلى قوم عتاة وهم بنو إسرائيل؛ ولهذا لا يوجد شعب من الشعوب -فيما نعلم- مثل بني إسرائيل في العتو والنفور والاستكبار إلى حد أنه لما كُتِبَ عليهم القتال قالوا لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، وليتهم اقتصروا على ذلك، ﴿فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، سنقعد على الفرش ولا نتحرك، وأنت وربك اذهبا فقاتلا ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤]؛ فلهذا كان من الحكمة أن يكون هذه الرسول على هذا النحو من الشدة لمناسبة مَنْ أُرْسِلَ إليهم من فرعون وبني إسرائيل.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر ٢٣] ﴿آيَاتِنَا﴾ جمع تدل على أن معه آيات متعددة وهو كذلك ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء ١٠١] إلى آخره، فهو أوتي آيات أعظمها وأشدها وأبينها حسًّا آيةُ العصا، فإنها من آيات الله الحسيِّة العجيبة الغريبة، عصا يهُشُّ بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى، ويتوكأ عليها، إذا ألقاها صارت حيَّةً عظيمة تلقف كلما أمامها، وإذا حملها عادت عصا، وإذا ضرب بها الحجر تفجَّر ماءً، هذه العصا آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ يعني: تأمل الآن، فكِّرٍ مدى كثرة العصي والحبال التي ألقاها السحرة؛ كثرتها وتنوعها، ثم ألقى هذا العصا فصار يلقف كل ما يأفكون، وأنا أتعجب أين البطن الذي يسع هذه الأشياء؟ لكن آيات الله تعالى تبهر العقول، وإلَّا فتقول: كيف حية بمقدار العصا تلقف كلما أفكوا من الحبال والعصي، فأين تذهب؟ نقول: لا تسأل أين تذهب، أنت صدِّقْ وآمنْ بهذا، وكيف تذهب إلى الله عز وجل، ولا مانع أن تكون هذه الأشياء إذا مضغتها صارت الشيء الكبير شيئًا صغيرًا.
أرسل الله موسى بآياتنا وسلطان مبين؛ السلطان: كل ما يكون للإنسان به سلطة؛ أي حُجَّة وقوة، ويختلف باختلاف السياق، فالسلطانُ بالنسبةِ للأبِّ مع أولادِهِ في التأديبِ سلطانُ ضرب، والسلطان فيمن دُعُوا إلى الله عز وجل سلطانُ بيانٍ، والسلطانُ أيضًا فيمن جُودِل سلطانُ حجةٍ، وهو يختلف باختلاف المواضع، المهم أنه ما كان فيه سلطة على الغير فهو سلطانٌ.
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يحتمل أن تكون مِنَ اللازمِ ويحتملُ أنْ تكونَ من المتعدي، وذلك أن (أبان) الرباعي يكون لازمًا ويكون متعديًّا، فتقول: أبنت له الحق، وتقول: أبان الصبحُ، أي: بان وظهر، فهي رباعية صالحة للتعدي واللزوم.
فإن قال قائل: كيف يكون فعلًا واحدًا صالحًا للتعدي واللزوم؟ قلنا: نعم يصلح، اللغة العربية واسعة، (رجع) فعل ماض ثلاثي يكون لازمًا ويكون متعديًّا؛ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون ٨] هذا لازم ولَّا متعدٍ؟ لازم. ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذا متعدٍّ، فلا مانع من أن يكون الفعلُ الواحد لازمًا في سياق متعديًّا في سياق آخر، ومن ذلك (أبان)، فهل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ معناها بَيِّن أو مبين مظهر للحق؟
ننظر أيهما أبلغ؛ البين في نفسه أو المبين لغيره؟ الثاني؛ لأن المبين لغيره لا بد أن يكون بَيِّنًا في نفسه، وعلى هذا فكلمة (مبين) من المتعدي تكون أشمل وأوسع معنى، وما كان أشمل وأوسع معنى فإنه يُؤْخَذُ به، ولا نقول: يُتْرَك الثاني، إذا أخذنا بالأشمل والأوسع لا نقول: إنه ترك الثاني، لماذا؟ لأن الثاني داخل في الأول.
* في هذه الآية الكريمة فوائد منها: (...) رسالة موسى عليه الصلاة والسلام بالمؤكدات الثلاثة التي ذكرناها آنفًا؛ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [غافر ٢٣].
* ومنها، من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُكَرِّر ذكرَ قصة موسى ويبسطُها تارة، ويختصرها تارة وينوِّعُها، فهي جمعت بين الكثرة والتنويع من حيث الأسلوب، والتنويع من حيث البسط والاختصار، فلماذا؟ لأن النبي ﷺ عاش في قوم مشركين أَوَّل الرسالة، وفي قوم يهود بعد الهجرة؛ ولهذا جاءت السور المكِّيَّة يُذْكَر فيها قصة موسى ببسط واختصار تارة؛ لأجل أن يتهيَّأ النبي ﷺ لمجادلة اليهود الذين ستكون الهجرة إلى بلدٍ هُم ساكنون فيه؛ ولهذا لا تجد قصة نبيٍّ (...) قصة موسى عليه الصلاة والسلام لا في تنوعها ولا في تكرارها ولا في أسلوبها.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة موسى صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بما أكرمه الله به من الرسالة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن موسى عليه السلام أُوتِيَ آياتٍ، وبيَّن الله تعالى في آياتٍ أخرى أنها تسع آيات.
* ومن فوائدها أن موسى أوتي سلطانًا أي سلطة وقوة في إقامة الحجة وفي غير ذلك؛ لقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وإذا أردت أن تعرف شيئًا مِنْ سُلْطانه الذي آتاه الله فانظر إلى محاورته في سورة الشعراء مع فرعون حيث أَلْجَمه وأَلقمه حجرًا، وفي النهاية توَّعده بالقوة يقول فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذه كلمة إرهاب ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أشدُّ إرهابًا مما لو قال: لأسجننك. كأنه يقول: عندي أناس سجناء كثيرون، وأنا قادر على سجنهم وسأجعلك من بينهم، فيكون هذا أشدَّ في الإرهاب مما لو قال: لأسجننك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه في الآية التي قبلها أنه ما مِنْ رسول أُرْسِلَ إلا وأوتي آيات بينات تدل على صدقه، وهذا من حكمة الله ومن رحمة الله.
* طالب: نبي الله هارون أُرْسِل مع موسى هل رسول ولَّا نبي؟
* الشيخ: لا، رسول، ألم يقولا لفرعون: إنا رسولا رب العالمين؟
* الطالب: «مَا مِنْ نَبِيٍّ قَدْ أَرْسَلُه اللَّهُ إِلَّا وَمَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ» » ما معنى المثلية؟
* الشيخ: يعني: مثل الآيات اللي جاء بها الرسل.
* الطالب: عددًا يعني؟
* الشيخ: عددًا أو كيفية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، «مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعْطِي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]] بحسب الذين أرسل إليهم؛ يعني معناه: إن الآيات التي يأتي بها الرسل يؤمن البشر على مثلها؛ يعني أنها آيات مُقْنِعَة.
* طالب: قد يستخدم بعض علماء الجرح والتعديل إذا تكلموا في رجل يقولون: هذا الرجل كعصا موسى تلقف ما يأفكون، فبعض الإخوان يمزح بها يقول لآخر: أنت كعصا موسى تلقف ما يأفكون، فهل يصح المزاح بمثل هذه؟
* الشيخ: أنا أرى أنَّه حتى المحدثين الذين يقولون هذا -نسأل الله لهم العفو- لا ينبغي أن يقولوا هكذا؛ لأنه يُخْشَى أن تستعمل استهزاء، وإن كان المحدثون لا يريدون هذا إطلاقًا، فالأولى أن يقال: هذا الرجل مثلًا آية، وهذا الرجل واسع الاطلاع، هذا الرجل واسع العلم وما أشبه ذلك.
* طالب: حقًّا يا شيخ، كذلك يقولون: فلان يملك عصا موسى السحرية.
* الشيخ: هذا أيضًا لا يجوز، هذا أشد؛ لأن قوله: عصا موسى السحرية؛ يعني أن ما جاء به سحر، وهذا خطير.
* طالب: ما هو الدليل أن الله يحاسب الناس في نصف يوم؟
* الشيخ: أولًا: أحاديث وردت في هذا، والثاني: قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والمقيل لا يكون إلا في نصف النهار.
* طالب: (...) استفدنا من هذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٢٢] ربط المسببات بالأسباب (...)؟
* الشيخ: الباء للسببيَّة.
* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ما هو الفرق بين الأفعال اللازمة التي تتعدى بحرف الجر والتي لا تتعدى؟
* الشيخ: يقولون: ما تعدى بنفسه فهو متعدٍّ، وما لم يتعدَّ إلَّا بحرف جر فهو لازم؛ يعني: الذي ينصب المفعول به هو المتعدي، وبعضهم أيضًا قال: فيه علامة ثانية -هو له علامات منها هذه- ومنها: أنه يصح منه صَوْغُ اسمُ المفعولِ المتعدي، وهذاك لا يصح منه صوغ اسم المفعول إلا بمتعلِّق.
* طالب: ما المقصود بالسلطان الذي أُرْسِل به موسى؟
* الشيخ: أما قلنا: قوة الحجة السلطان في كل موضع بحسبه؟
* طالب: بارك الله فيك، قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه ٦٩] يستفاد من هذه الآية عندما نقرأ: أن موسى عليه السلام ألقى العصا فهي أكلت كل الحيات وذكرتم أن الحية كلما ألقى السحرة (...) ممكن نقول: إن الأشياء تحللت؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج ٧٣] يقول العلماء: إذا أخذ شيئًا من طعام فإنه لن يستطيع أحد أن يأخذه منه؛ يعني الذباب عندما يأخذ شيئًا يتحلل.
* الشيخ: لا، هو على كل حال إذا دخل في فمها لا بد أن يتحلل بسرعة، لكن على مرأى الناس يرونها تلقف تأكل.
* الطالب: هي تأكل لكن يتحلل ما يستطيع..
* الشيخ: يمكن، ما ندري، نحن ذكرنا هذا، قلنا: يمكن هذا.
* الطالب: قول الذين قالوا: (...) مثل قول القحطاني:
اللَّهُ صَيَّرَنِي عَصَا مُوسَى لَكُمْ ∗∗∗ حَتَّى تَلَقَّفَ إِفْكَكُمْ ثُعْبَانِي
* الشيخ: هذا من باب المشابهة، من باب التشبيه، فرق بين هذه وبين ما ذكره الأخ، هذا يقول: كأنني عصا موسى يلقف حُجَجَكُم الضعيفة والباطلة.
* الطالب: قول من يقول: إن المعجزات السابقة كانت معجزات حسية خارقة للعادة ثم حين تطور العقل البشري وبلغ أَوجَه في عهد النبي ﷺ أتى القرآن، ما رأيكم؟
* الشيخ: ربما نقول هكذا، صحيح، لكن الرسول ﷺ محمد أتى بمعجزات حسيَّة وأتى بمعجزات معنوية، له معجزات حسية عظيمة؛ انشقاق القمر معجزة، نبع الماء من بين أصابعه معجزة، فوران الماء من البئر التي نضب ماؤها لما مَجَّ فيها شيء من فمه، كذلك معجزات حسية، ما هو بعيد أن أكمل الناس عقولًا هم هذه الأمة كما أخبر الرسول أن الله أَكْمَلَ به الأخلاق.
* الطالب: قول: هو كعصا موسى يلقف ما يأفكون؛ معروف أن المحدثين أحيانًا يطلقون عبارات ويريدون المعنى منها؛ كأنهم يقولون: يأخذ عن الكذابين والوضاعين. فاعترضت يا شيخ؛ قلتم: لا ينبغي، فما وجه عدم القول به؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنا نقول: إن عصا موسى عليه السلام صار آية لقف كل ما يأفكون، وهذا الرجل مهما كان لا يمكن أن (...).
* الطالب: شيخ، ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ أخذنا أن فاء السببية تنصب وهنا لم تنصب.
* الشيخ: وين اللي ما نصبت؟
* الطالب: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾.
* الشيخ: ما نصبت؟!
* الطالب: لا.
* الشيخ: كيف ما نصبت؟! بماذا تُنْصَب الأفعال الخمسة؟
* الطالب: حذف النون.
* الشيخ: حذف النون، وهل ﴿فَيَنْظُرُوا﴾..؟
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٢٣ - ٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ما هي الآيات التي أُرْسِلَ بها موسى؟ كم آية؟
* الطالب: تسع آيات.
* الشيخ: تسع آيات. نعم.
الباء في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما معناها؟
* الطالب: للمصاحبة.
* الشيخ: للمصاحبة أو بيان لما أرسل به فتكون للتعدية.
ما هي الحكمة من الآيات التي يعطيها اللهُ الرسل؟
* الطالب: لكي يُبَيِّن صدق هؤلاء الرسل فيؤمن على مثلها البشر.
* الشيخ: تأييدًا للرسل، ورحمة بالمرسل إليهم.
قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ما معنى قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؟ هل معناه أنه أرسله ليكون ملكًا على فرعون أم ماذا؟
* الطالب: السلطان حجة، و﴿مُبِينٍ﴾ ظاهر أو مُظْهِر.
* الشيخ: أو كلاهما، وكل شيء للإنسان فيه سلطة يُسَمَّى سلطانًا سواء كان حجة أو علمًا أو سلاحًا أو غير ذلك.
التسع الآيات التي أُرْسِل بها موسى عُدَّها علينا؟
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم:
أولًا: العصا.
ثانيًا: اليد؛ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل ١٢].
ثالثًا: الجراد.
* الشيخ: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، كم هذه؟
* الطالب: هذه سبع.
* طالب آخر: انفلاق البحر.
* الشيخ: ثمان.
* الطالب: نقص الثمرات.
* الشيخ: السنين ونقص من الثمرات. طيب وبعضهم قال: ضَرْب الحَجْر بالعصا فيتفجر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه احتمال في الواقع، أما لبني إسرائيل فيدخل فَلْق البحر وكذلك انفجار الماء من الحجر، لكن هذه الثنتين ليس لآل فرعون. آل فرعون: السنين ونقص من الثمرات بالإضافة إلى السبع السابقة.
قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وفرعون هو حاكم مصر الذي ملكها وسُلِّطَ على بني إسرائيل، فكان يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نسائهم، قيل: إنه كان يفعل ذلك من أجل أنه قال له بعض الكهنة: إنه سيكون في بني إسرائيل رجلٌ يكون زوال ملكُكِ على يده، هذا قول.
وقول آخر: إنه فعل ذلك إذلالًا لهم وإهانة؛ لأنه إذا قُتِّلَ الرجال وبقيت النساء هلكت الأمة، وهذا القول أقوى؛ وذلك لأن القول الأول معتمده النقل عن بني إسرائيل، ومعلوم أن النقل عن بني إسرائيل لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، والمعنى المعقول لكونه يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم هو إذلال هذا الشعب، وهو قلة بالنسبة للأقباط.
قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وفرعون هو حاكم مصر الذي ملكها وسُلِّطَ على بني إسرائيل، فكان يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، قيل: إنه كان يفعل ذلك من أجل أنه قال له بعض الكهنة: إنه سيكون في بني إسرائيل رجلٌ يكون زوال ملكُكِ على يده، هذا قول.
وقول آخر: إنه فعل ذلك إذلالًا لهم وإهانة؛ لأنه إذا قُتِّلَ الرجال وبقيت النساء هلكت الأمة، وهذا القول أقوى؛ وذلك لأن القول الأول معتمده النقل عن بني إسرائيل، ومعلوم أن النقل عن بني إسرائيل لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، والمعنى المعقول لكونه يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم: هو إذلال هذا الشعب وهو قلة بالنسبة للأقباط.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ ﴿هَامَانَ﴾ وزير فرعون، ﴿وَقَارُونَ﴾ تاجر آل فرعون؛ لأن قارون كان غنيًّا غِنًى عظيمًا، حتى قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص ٧٦] أي: من الذهب والفضة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص ٧٦] تنوء يعني تثقل بهم، أي: تثقل العُصْبة أي: الطائفة من الناس الأقوياء، هذه مفاتيحه، إذن فالخزائن كثيرة وعظيمة.
﴿وَقَارُونَ فَقَالُوا﴾ الضمير يعود على الثلاثة فرعون وهامان وقارون ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿سَاحِرٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله: (هو ساحر كذاب)، والساحر اسم فاعل من السحر وهو الذي يسحر الناس فيريهم الحقائق على غير ما هي عليه، وليس هو الذي يُغَيِّر الحقائق؛ لأنه لا يغير الحقائق إلا الخالق عز وجل، لكن يُرِي الناسَ الحقائقَ على غير ما هي عليه، مثل ما فعل السحرة سحرة آل فرعون حين أَلْقَوْا الحبالَ والعِصي فرآها الناس وكأنها حياتٍ تسعى، ثعابين وهي ليست كذلك، هؤلاء قالوا: إن موسى ساحر، كيف يلقي العصا فتكون حية؟! كيف يدخل يده فتخرج بيضاء من غير سوء؟! ليس هذا إلا سحر.
﴿كَذَّابٌ﴾ أي: كاذب فيما ادعى من الرسالة، فهو في آياته ساحر، وفي دَعْواه كاذب، ثم قال: ﴿كَذَّابٌ﴾ صيغة مبالغة أو نسبة، والفرق بين صيغة المبالغة والنسبة أن النسبة وصف ملازم، وصيغة المبالغة فعل حادث مُتَكَرِّر، أعرفتم؟ فكلمة (النجار) هذه نسبة، وقد تكون صيغة مبالغة لكثرة نجارته، وأما إذا قيل: فلان أَكَّال للطعام فهذا قد لا يكون نسبة، ولكن لكثرة أكله وُصِفَ بأنه أكال.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أرسله الله بالآيات، وقالوا ساحر كذاب: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ ) من عند الله عز وجل وهو الوحي، حينما قال موسى عليه الصلاة والسلام لهم: إن الله هو ربكم وإن الله واحد وما أشبه ذلك مما جرت فيه المحاورة بينه وبين فرعون، وهذا مذكور في سورة الشعراء وفي سورة الإسراء وغيرها.
لما جاءهم بالحق الذي عجزوا أن يقابلوه بالحجة الداحضة تَوَعَّد فرعونُ موسى فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وهذا وعيدٌ، شيء آخر: (﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا﴾ [غافر ٢٥] استبقوا ﴿نِسَاءَهُمْ﴾ )، وعلى هذا فيكون القتل لأبناء بني إسرائيل واستحياء النساء يكون وقع مرتين، المرة الأولى قبل أن يبعث موسى، والمرة الثانية بعد أن بُعِثَ.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ نساءهم لئلا يبقى لهم شوكة ولتزولَ هيبتهم؛ لأنه إذا لم يبق إلا النساء، فالنساء ضعيفات لا يدفعن عن أنفسهن ولا يدافعن عن حقوقهن، فيبقى موسى وقومُه على أسوأ حال.
﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ إلى آخره.
ونرجع لنأخذ الفوائد لئلا نبعد:
قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
* في هذه الآية الكريمة: تأكيد رسالة موسى عليه الصلاة والسلام، ويتفرع على هذه الفائدة إقامةُ الحجة على بني إسرائيل الذين كفروا واعْتَدَوْا مع أن الله قد أرسل إليهم هذا الرسول الكريم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يُرْسِل رسولًا إلا بآية بينة تَدَلُّ على صدقه، وقد أَكَدَّ ذلك الحديث الثابت عن النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات سلطانٌ وحُجة على مَنْ أُرْسلوا إليهم -أعني الرسل- بدليل قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، وعلى هذا فيكون عطف سلطان على آيات من باب عطف الشيء على نفسه لبيان فائدته وثمرته؛ فالآيات هي السلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات لا بد أن تكون مبينة مُظْهِرة للحق؛ لقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
ثم قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الزعماء يقومون مقامَ الأتباع؛ لأن الرسالة ليست إلى هؤلاء الثلاثة فقط، بل إلى آل فرعون كلهم، لكن الأسياد يقومون مقام الأتباع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العُتاة المعاندين للرسل تَتَنوَّع أسبابُ عِنَادهم ومعارضتهم للرسل؛ قد تكون السلطة، وقد تكون الوزارة، وقد يكون المال، وقد تكون القوة البدنية. ففي هذه الآية ثلاثة أسباب: الملك، والثاني الوزارة، والثالث المال. وفي عادٍ القوة البدنية قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرةُ المكذبين للرسل؛ حيث قالوا لهذا الرسول الكريم: إنه ساحر وإنه كذاب.
* ومن فوائدها: أن ما قالوه في رَدِّ الدعوة مجرد دعوى؛ لأنه لم يُقيموا على دعواهم أيَّ دليل، مجرد قالوا: ساحر كذاب، وهذا يلجأ إليه الضعفاءُ العاجزون إذا عجزوا عن مُدافعة الحجة بالحجة ذهبوا إلى السبِّ والشتم وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الآيات التي تأتي بها الأنبياء يعجز عن مثلها عامة الناس؛ لقوله: ﴿سَاحِرٌ﴾، والساحر مَنْ يأتي بأمور تُعْجِز الناس. لكن الفرق بين الساحر وبين النبي أن النبي مُؤَيَّد من عند الله عز وجل لا بفعله هو؛ بمعنى أن الساحر هو الذي يعالج الشيء حتى يأتي بالمعجزة، أما النبي فإن الآيات تأتيه بدون أَيِّ عملٍ منه بل بإرادة الله عز وجل، فإذا قال إنسان: إذن ما الفرق بين الكرامة وآية النبي؟
قلنا: الفرق بينهما أن الكرامة تأتي لمتبع النبي، وأما الآية فتأتي للنبي نفسه؛ أي أن مَنْ آتاه الله الكرامة من الأولياء، ليس يقول: إنه رسول ولا إنه نبي، ولكن الله يؤتيه الكرامة تأييدًا له أو تأييدًا للإسلام، وفي ذلك أيضًا آية للنبي الذي يتبعه.
غافر 40:24
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ [غافر ٢٣، ٢٤] الجملة هذه مؤكدة بعدة مؤكدات، ما هي؟
* طالب: لقد.
* الشيخ: بـ(لقد)؟ ما يستقيم. بمؤكدات ثلاث؟
* طالب: بثلاثة مؤكدات.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: الواو.
* الشيخ: الواو. هل الواو من المؤكدات؟
* الطالب: القسم.
* الشيخ: عدلت عن الواو من المؤكدات؟
* الطالب: الواو واو القسم.
* الشيخ: وين واو القسم؟ الواو هذه حرف عطف!
* الطالب: واو القسم (...).
* الشيخ: واللام.
* الطالب: وقد.
* الشيخ: وقد.
الصيغة تأتي كثيرًا في القرآن ﴿لَقَدْ﴾ فيقال: إن هذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات (...) واللام وقعت في جوابه، وقد.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ موسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل وأعظمهم وأشدهم، وهو من أشد الأنبياء وأقواهم، ويدلك على ذلك ما فعله قبل النبوة وما فعله بعد النبوة؛ فقبل النبوة مر برجل من قومه يخاصم رجلًا من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه، وهذا يدل على قوته وشدته، وبعد النبوة لما رجع ورأى أنهم أشركوا بالله غضب غضبًا شديدًا فألقى الألواح التي كتب الله بها التوراة، ألقاها، قال بعضهم: فتكسرت، ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه هارون وهو نبي من الأنبياء مشارك له في النبوة: ﴿أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف ١٥٠]، فقال: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه ٩٤]، ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف ١٥٤] هذا يدل على قوته وشدته عليه الصلاة والسلام، وهذا من الحكمة؛ لأنه أرسل إلى أعتى أهل الأرض وهو فرعون، ولهذا قابله بالقوة قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢] وهذه قوة تدل على قوته عليه الصلاة والسلام.
أرسله الله تعالى أيضًا إلى قوم عتاة وهم بنو إسرائيل؛ ولهذا لا يوجد شعب من الشعوب -فيما نعلم- مثل بني إسرائيل في العتو والنفور والاستكبار إلى حد أنه لما كُتِبَ عليهم القتال قالوا لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، وليتهم اقتصروا على ذلك، ﴿فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، سنقعد على الفرش ولا نتحرك، وأنت وربك اذهبا فقاتلا ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤]؛ فلهذا كان من الحكمة أن يكون هذه الرسول على هذا النحو من الشدة لمناسبة مَنْ أُرْسِلَ إليهم من فرعون وبني إسرائيل.
وقوله: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر ٢٣] ﴿آيَاتِنَا﴾ جمع تدل على أن معه آيات متعددة وهو كذلك ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ﴾ [الإسراء ١٠١] إلى آخره، فهو أوتي آيات أعظمها وأشدها وأبينها حسًّا آيةُ العصا، فإنها من آيات الله الحسيِّة العجيبة الغريبة، عصا يهُشُّ بها على غنمه وله فيها مآرب أخرى، ويتوكأ عليها، إذا ألقاها صارت حيَّةً عظيمة تلقف كلما أمامها، وإذا حملها عادت عصا، وإذا ضرب بها الحجر تفجَّر ماءً، هذه العصا آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ يعني: تأمل الآن، فكِّرٍ مدى كثرة العصي والحبال التي ألقاها السحرة؛ كثرتها وتنوعها، ثم ألقى هذا العصا فصار يلقف كل ما يأفكون، وأنا أتعجب أين البطن الذي يسع هذه الأشياء؟ لكن آيات الله تعالى تبهر العقول، وإلَّا فتقول: كيف حية بمقدار العصا تلقف كلما أفكوا من الحبال والعصي، فأين تذهب؟ نقول: لا تسأل أين تذهب، أنت صدِّقْ وآمنْ بهذا، وكيف تذهب إلى الله عز وجل، ولا مانع أن تكون هذه الأشياء إذا مضغتها صارت الشيء الكبير شيئًا صغيرًا.
أرسل الله موسى بآياتنا وسلطان مبين؛ السلطان: كل ما يكون للإنسان به سلطة؛ أي حُجَّة وقوة، ويختلف باختلاف السياق، فالسلطانُ بالنسبةِ للأبِّ مع أولادِهِ في التأديبِ سلطانُ ضرب، والسلطان فيمن دُعُوا إلى الله عز وجل سلطانُ بيانٍ، والسلطانُ أيضًا فيمن جُودِل سلطانُ حجةٍ، وهو يختلف باختلاف المواضع، المهم أنه ما كان فيه سلطة على الغير فهو سلطانٌ.
وقوله: ﴿مُبِينٍ﴾ يحتمل أن تكون مِنَ اللازمِ ويحتملُ أنْ تكونَ من المتعدي، وذلك أن (أبان) الرباعي يكون لازمًا ويكون متعديًّا، فتقول: أبنت له الحق، وتقول: أبان الصبحُ، أي: بان وظهر، فهي رباعية صالحة للتعدي واللزوم.
فإن قال قائل: كيف يكون فعلًا واحدًا صالحًا للتعدي واللزوم؟ قلنا: نعم يصلح، اللغة العربية واسعة، (رجع) فعل ماض ثلاثي يكون لازمًا ويكون متعديًّا؛ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [المنافقون ٨] هذا لازم ولَّا متعدٍ؟ لازم. ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٨٣] هذا متعدٍّ، فلا مانع من أن يكون الفعلُ الواحد لازمًا في سياق متعديًّا في سياق آخر، ومن ذلك (أبان)، فهل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ معناها بَيِّن أو مبين مظهر للحق؟
ننظر أيهما أبلغ؛ البين في نفسه أو المبين لغيره؟ الثاني؛ لأن المبين لغيره لا بد أن يكون بَيِّنًا في نفسه، وعلى هذا فكلمة (مبين) من المتعدي تكون أشمل وأوسع معنى، وما كان أشمل وأوسع معنى فإنه يُؤْخَذُ به، ولا نقول: يُتْرَك الثاني، إذا أخذنا بالأشمل والأوسع لا نقول: إنه ترك الثاني، لماذا؟ لأن الثاني داخل في الأول.
* في هذه الآية الكريمة فوائد منها: (...) رسالة موسى عليه الصلاة والسلام بالمؤكدات الثلاثة التي ذكرناها آنفًا؛ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [غافر ٢٣].
* ومنها، من فوائد الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُكَرِّر ذكرَ قصة موسى ويبسطُها تارة، ويختصرها تارة وينوِّعُها، فهي جمعت بين الكثرة والتنويع من حيث الأسلوب، والتنويع من حيث البسط والاختصار، فلماذا؟ لأن النبي ﷺ عاش في قوم مشركين أَوَّل الرسالة، وفي قوم يهود بعد الهجرة؛ ولهذا جاءت السور المكِّيَّة يُذْكَر فيها قصة موسى ببسط واختصار تارة؛ لأجل أن يتهيَّأ النبي ﷺ لمجادلة اليهود الذين ستكون الهجرة إلى بلدٍ هُم ساكنون فيه؛ ولهذا لا تجد قصة نبيٍّ (...) قصة موسى عليه الصلاة والسلام لا في تنوعها ولا في تكرارها ولا في أسلوبها.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة موسى صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك بما أكرمه الله به من الرسالة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن موسى عليه السلام أُوتِيَ آياتٍ، وبيَّن الله تعالى في آياتٍ أخرى أنها تسع آيات.
* ومن فوائدها أن موسى أوتي سلطانًا أي سلطة وقوة في إقامة الحجة وفي غير ذلك؛ لقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
وإذا أردت أن تعرف شيئًا مِنْ سُلْطانه الذي آتاه الله فانظر إلى محاورته في سورة الشعراء مع فرعون حيث أَلْجَمه وأَلقمه حجرًا، وفي النهاية توَّعده بالقوة يقول فرعون: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، هذه كلمة إرهاب ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ أشدُّ إرهابًا مما لو قال: لأسجننك. كأنه يقول: عندي أناس سجناء كثيرون، وأنا قادر على سجنهم وسأجعلك من بينهم، فيكون هذا أشدَّ في الإرهاب مما لو قال: لأسجننك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ما أشرنا إليه في الآية التي قبلها أنه ما مِنْ رسول أُرْسِلَ إلا وأوتي آيات بينات تدل على صدقه، وهذا من حكمة الله ومن رحمة الله.
* طالب: نبي الله هارون أُرْسِل مع موسى هل رسول ولَّا نبي؟
* الشيخ: لا، رسول، ألم يقولا لفرعون: إنا رسولا رب العالمين؟
* الطالب: «مَا مِنْ نَبِيٍّ قَدْ أَرْسَلُه اللَّهُ إِلَّا وَمَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ» » ما معنى المثلية؟
* الشيخ: يعني: مثل الآيات اللي جاء بها الرسل.
* الطالب: عددًا يعني؟
* الشيخ: عددًا أو كيفية.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، «مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعْطِي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]] بحسب الذين أرسل إليهم؛ يعني معناه: إن الآيات التي يأتي بها الرسل يؤمن البشر على مثلها؛ يعني أنها آيات مُقْنِعَة.
* طالب: قد يستخدم بعض علماء الجرح والتعديل إذا تكلموا في رجل يقولون: هذا الرجل كعصا موسى تلقف ما يأفكون، فبعض الإخوان يمزح بها يقول لآخر: أنت كعصا موسى تلقف ما يأفكون، فهل يصح المزاح بمثل هذه؟
* الشيخ: أنا أرى أنَّه حتى المحدثين الذين يقولون هذا -نسأل الله لهم العفو- لا ينبغي أن يقولوا هكذا؛ لأنه يُخْشَى أن تستعمل استهزاء، وإن كان المحدثون لا يريدون هذا إطلاقًا، فالأولى أن يقال: هذا الرجل مثلًا آية، وهذا الرجل واسع الاطلاع، هذا الرجل واسع العلم وما أشبه ذلك.
* طالب: حقًّا يا شيخ، كذلك يقولون: فلان يملك عصا موسى السحرية.
* الشيخ: هذا أيضًا لا يجوز، هذا أشد؛ لأن قوله: عصا موسى السحرية؛ يعني أن ما جاء به سحر، وهذا خطير.
* طالب: ما هو الدليل أن الله يحاسب الناس في نصف يوم؟
* الشيخ: أولًا: أحاديث وردت في هذا، والثاني: قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والمقيل لا يكون إلا في نصف النهار.
* طالب: (...) استفدنا من هذه الآية: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٢٢] ربط المسببات بالأسباب (...)؟
* الشيخ: الباء للسببيَّة.
* طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ما هو الفرق بين الأفعال اللازمة التي تتعدى بحرف الجر والتي لا تتعدى؟
* الشيخ: يقولون: ما تعدى بنفسه فهو متعدٍّ، وما لم يتعدَّ إلَّا بحرف جر فهو لازم؛ يعني: الذي ينصب المفعول به هو المتعدي، وبعضهم أيضًا قال: فيه علامة ثانية -هو له علامات منها هذه- ومنها: أنه يصح منه صَوْغُ اسمُ المفعولِ المتعدي، وهذاك لا يصح منه صوغ اسم المفعول إلا بمتعلِّق.
* طالب: ما المقصود بالسلطان الذي أُرْسِل به موسى؟
* الشيخ: أما قلنا: قوة الحجة السلطان في كل موضع بحسبه؟
* طالب: بارك الله فيك، قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه ٦٩] يستفاد من هذه الآية عندما نقرأ: أن موسى عليه السلام ألقى العصا فهي أكلت كل الحيات وذكرتم أن الحية كلما ألقى السحرة (...) ممكن نقول: إن الأشياء تحللت؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ [الحج ٧٣] يقول العلماء: إذا أخذ شيئًا من طعام فإنه لن يستطيع أحد أن يأخذه منه؛ يعني الذباب عندما يأخذ شيئًا يتحلل.
* الشيخ: لا، هو على كل حال إذا دخل في فمها لا بد أن يتحلل بسرعة، لكن على مرأى الناس يرونها تلقف تأكل.
* الطالب: هي تأكل لكن يتحلل ما يستطيع..
* الشيخ: يمكن، ما ندري، نحن ذكرنا هذا، قلنا: يمكن هذا.
* الطالب: قول الذين قالوا: (...) مثل قول القحطاني:
اللَّهُ صَيَّرَنِي عَصَا مُوسَى لَكُمْ ∗∗∗ حَتَّى تَلَقَّفَ إِفْكَكُمْ ثُعْبَانِي
* الشيخ: هذا من باب المشابهة، من باب التشبيه، فرق بين هذه وبين ما ذكره الأخ، هذا يقول: كأنني عصا موسى يلقف حُجَجَكُم الضعيفة والباطلة.
* الطالب: قول من يقول: إن المعجزات السابقة كانت معجزات حسية خارقة للعادة ثم حين تطور العقل البشري وبلغ أَوجَه في عهد النبي ﷺ أتى القرآن، ما رأيكم؟
* الشيخ: ربما نقول هكذا، صحيح، لكن الرسول ﷺ محمد أتى بمعجزات حسيَّة وأتى بمعجزات معنوية، له معجزات حسية عظيمة؛ انشقاق القمر معجزة، نبع الماء من بين أصابعه معجزة، فوران الماء من البئر التي نضب ماؤها لما مَجَّ فيها شيء من فمه، كذلك معجزات حسية، ما هو بعيد أن أكمل الناس عقولًا هم هذه الأمة كما أخبر الرسول أن الله أَكْمَلَ به الأخلاق.
* الطالب: قول: هو كعصا موسى يلقف ما يأفكون؛ معروف أن المحدثين أحيانًا يطلقون عبارات ويريدون المعنى منها؛ كأنهم يقولون: يأخذ عن الكذابين والوضاعين. فاعترضت يا شيخ؛ قلتم: لا ينبغي، فما وجه عدم القول به؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنا نقول: إن عصا موسى عليه السلام صار آية لقف كل ما يأفكون، وهذا الرجل مهما كان لا يمكن أن (...).
* الطالب: شيخ، ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ أخذنا أن فاء السببية تنصب وهنا لم تنصب.
* الشيخ: وين اللي ما نصبت؟
* الطالب: ﴿فَيَنْظُرُوا﴾.
* الشيخ: ما نصبت؟!
* الطالب: لا.
* الشيخ: كيف ما نصبت؟! بماذا تُنْصَب الأفعال الخمسة؟
* الطالب: حذف النون.
* الشيخ: حذف النون، وهل ﴿فَيَنْظُرُوا﴾..؟
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٢٣ - ٢٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. ما هي الآيات التي أُرْسِلَ بها موسى؟ كم آية؟
* الطالب: تسع آيات.
* الشيخ: تسع آيات. نعم.
الباء في قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ ما معناها؟
* الطالب: للمصاحبة.
* الشيخ: للمصاحبة أو بيان لما أرسل به فتكون للتعدية.
ما هي الحكمة من الآيات التي يعطيها اللهُ الرسل؟
* الطالب: لكي يُبَيِّن صدق هؤلاء الرسل فيؤمن على مثلها البشر.
* الشيخ: تأييدًا للرسل، ورحمة بالمرسل إليهم.
قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ما معنى قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؟ هل معناه أنه أرسله ليكون ملكًا على فرعون أم ماذا؟
* الطالب: السلطان حجة، و﴿مُبِينٍ﴾ ظاهر أو مُظْهِر.
* الشيخ: أو كلاهما، وكل شيء للإنسان فيه سلطة يُسَمَّى سلطانًا سواء كان حجة أو علمًا أو سلاحًا أو غير ذلك.
التسع الآيات التي أُرْسِل بها موسى عُدَّها علينا؟
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم:
أولًا: العصا.
ثانيًا: اليد؛ ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ [النمل ١٢].
ثالثًا: الجراد.
* الشيخ: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، كم هذه؟
* الطالب: هذه سبع.
* طالب آخر: انفلاق البحر.
* الشيخ: ثمان.
* الطالب: نقص الثمرات.
* الشيخ: السنين ونقص من الثمرات. طيب وبعضهم قال: ضَرْب الحَجْر بالعصا فيتفجر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيه احتمال في الواقع، أما لبني إسرائيل فيدخل فَلْق البحر وكذلك انفجار الماء من الحجر، لكن هذه الثنتين ليس لآل فرعون. آل فرعون: السنين ونقص من الثمرات بالإضافة إلى السبع السابقة.
قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وفرعون هو حاكم مصر الذي ملكها وسُلِّطَ على بني إسرائيل، فكان يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نسائهم، قيل: إنه كان يفعل ذلك من أجل أنه قال له بعض الكهنة: إنه سيكون في بني إسرائيل رجلٌ يكون زوال ملكُكِ على يده، هذا قول.
وقول آخر: إنه فعل ذلك إذلالًا لهم وإهانة؛ لأنه إذا قُتِّلَ الرجال وبقيت النساء هلكت الأمة، وهذا القول أقوى؛ وذلك لأن القول الأول معتمده النقل عن بني إسرائيل، ومعلوم أن النقل عن بني إسرائيل لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، والمعنى المعقول لكونه يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم هو إذلال هذا الشعب، وهو قلة بالنسبة للأقباط.
قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ﴿أَرْسَلْنَا﴾، وفرعون هو حاكم مصر الذي ملكها وسُلِّطَ على بني إسرائيل، فكان يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، قيل: إنه كان يفعل ذلك من أجل أنه قال له بعض الكهنة: إنه سيكون في بني إسرائيل رجلٌ يكون زوال ملكُكِ على يده، هذا قول.
وقول آخر: إنه فعل ذلك إذلالًا لهم وإهانة؛ لأنه إذا قُتِّلَ الرجال وبقيت النساء هلكت الأمة، وهذا القول أقوى؛ وذلك لأن القول الأول معتمده النقل عن بني إسرائيل، ومعلوم أن النقل عن بني إسرائيل لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب، والمعنى المعقول لكونه يُذَبِّح أبناءهم ويستحيي نساءهم: هو إذلال هذا الشعب وهو قلة بالنسبة للأقباط.
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ ﴿هَامَانَ﴾ وزير فرعون، ﴿وَقَارُونَ﴾ تاجر آل فرعون؛ لأن قارون كان غنيًّا غِنًى عظيمًا، حتى قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص ٧٦] أي: من الذهب والفضة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص ٧٦] تنوء يعني تثقل بهم، أي: تثقل العُصْبة أي: الطائفة من الناس الأقوياء، هذه مفاتيحه، إذن فالخزائن كثيرة وعظيمة.
﴿وَقَارُونَ فَقَالُوا﴾ الضمير يعود على الثلاثة فرعون وهامان وقارون ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿سَاحِرٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف قدره المفسر بقوله: (هو ساحر كذاب)، والساحر اسم فاعل من السحر وهو الذي يسحر الناس فيريهم الحقائق على غير ما هي عليه، وليس هو الذي يُغَيِّر الحقائق؛ لأنه لا يغير الحقائق إلا الخالق عز وجل، لكن يُرِي الناسَ الحقائقَ على غير ما هي عليه، مثل ما فعل السحرة سحرة آل فرعون حين أَلْقَوْا الحبالَ والعِصي فرآها الناس وكأنها حياتٍ تسعى، ثعابين وهي ليست كذلك، هؤلاء قالوا: إن موسى ساحر، كيف يلقي العصا فتكون حية؟! كيف يدخل يده فتخرج بيضاء من غير سوء؟! ليس هذا إلا سحر.
﴿كَذَّابٌ﴾ أي: كاذب فيما ادعى من الرسالة، فهو في آياته ساحر، وفي دَعْواه كاذب، ثم قال: ﴿كَذَّابٌ﴾ صيغة مبالغة أو نسبة، والفرق بين صيغة المبالغة والنسبة أن النسبة وصف ملازم، وصيغة المبالغة فعل حادث مُتَكَرِّر، أعرفتم؟ فكلمة (النجار) هذه نسبة، وقد تكون صيغة مبالغة لكثرة نجارته، وأما إذا قيل: فلان أَكَّال للطعام فهذا قد لا يكون نسبة، ولكن لكثرة أكله وُصِفَ بأنه أكال.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أرسله الله بالآيات، وقالوا ساحر كذاب: (﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ ) من عند الله عز وجل وهو الوحي، حينما قال موسى عليه الصلاة والسلام لهم: إن الله هو ربكم وإن الله واحد وما أشبه ذلك مما جرت فيه المحاورة بينه وبين فرعون، وهذا مذكور في سورة الشعراء وفي سورة الإسراء وغيرها.
لما جاءهم بالحق الذي عجزوا أن يقابلوه بالحجة الداحضة تَوَعَّد فرعونُ موسى فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، وهذا وعيدٌ، شيء آخر: (﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا﴾ [غافر ٢٥] استبقوا ﴿نِسَاءَهُمْ﴾ )، وعلى هذا فيكون القتل لأبناء بني إسرائيل واستحياء النساء يكون وقع مرتين، المرة الأولى قبل أن يبعث موسى، والمرة الثانية بعد أن بُعِثَ.
﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ نساءهم لئلا يبقى لهم شوكة ولتزولَ هيبتهم؛ لأنه إذا لم يبق إلا النساء، فالنساء ضعيفات لا يدفعن عن أنفسهن ولا يدافعن عن حقوقهن، فيبقى موسى وقومُه على أسوأ حال.
﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ إلى آخره.
ونرجع لنأخذ الفوائد لئلا نبعد:
قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
* في هذه الآية الكريمة: تأكيد رسالة موسى عليه الصلاة والسلام، ويتفرع على هذه الفائدة إقامةُ الحجة على بني إسرائيل الذين كفروا واعْتَدَوْا مع أن الله قد أرسل إليهم هذا الرسول الكريم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا يُرْسِل رسولًا إلا بآية بينة تَدَلُّ على صدقه، وقد أَكَدَّ ذلك الحديث الثابت عن النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ نَبِيًّا إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة». ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات سلطانٌ وحُجة على مَنْ أُرْسلوا إليهم -أعني الرسل- بدليل قوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، وعلى هذا فيكون عطف سلطان على آيات من باب عطف الشيء على نفسه لبيان فائدته وثمرته؛ فالآيات هي السلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات لا بد أن تكون مبينة مُظْهِرة للحق؛ لقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.
ثم قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الزعماء يقومون مقامَ الأتباع؛ لأن الرسالة ليست إلى هؤلاء الثلاثة فقط، بل إلى آل فرعون كلهم، لكن الأسياد يقومون مقام الأتباع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العُتاة المعاندين للرسل تَتَنوَّع أسبابُ عِنَادهم ومعارضتهم للرسل؛ قد تكون السلطة، وقد تكون الوزارة، وقد يكون المال، وقد تكون القوة البدنية. ففي هذه الآية ثلاثة أسباب: الملك، والثاني الوزارة، والثالث المال. وفي عادٍ القوة البدنية قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: مكابرةُ المكذبين للرسل؛ حيث قالوا لهذا الرسول الكريم: إنه ساحر وإنه كذاب.
* ومن فوائدها: أن ما قالوه في رَدِّ الدعوة مجرد دعوى؛ لأنه لم يُقيموا على دعواهم أيَّ دليل، مجرد قالوا: ساحر كذاب، وهذا يلجأ إليه الضعفاءُ العاجزون إذا عجزوا عن مُدافعة الحجة بالحجة ذهبوا إلى السبِّ والشتم وما أشبه ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الآيات التي تأتي بها الأنبياء يعجز عن مثلها عامة الناس؛ لقوله: ﴿سَاحِرٌ﴾، والساحر مَنْ يأتي بأمور تُعْجِز الناس. لكن الفرق بين الساحر وبين النبي أن النبي مُؤَيَّد من عند الله عز وجل لا بفعله هو؛ بمعنى أن الساحر هو الذي يعالج الشيء حتى يأتي بالمعجزة، أما النبي فإن الآيات تأتيه بدون أَيِّ عملٍ منه بل بإرادة الله عز وجل، فإذا قال إنسان: إذن ما الفرق بين الكرامة وآية النبي؟
قلنا: الفرق بينهما أن الكرامة تأتي لمتبع النبي، وأما الآية فتأتي للنبي نفسه؛ أي أن مَنْ آتاه الله الكرامة من الأولياء، ليس يقول: إنه رسول ولا إنه نبي، ولكن الله يؤتيه الكرامة تأييدًا له أو تأييدًا للإسلام، وفي ذلك أيضًا آية للنبي الذي يتبعه.
غافر 40:25
ثم قال الله تعالى: (﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ هلاك) (ما) نافية، و﴿كَيْدُ﴾ مبتدأ أو نجعلها اسمها؟ ﴿كَيْدُ﴾ مبتدأ، ولا يصح أن يكون اسمها؛ لأن من شرط عمل (ما) عمل (ليس) ألا ينتقض النفي، قال ابن مالك:
.............................. ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
فإذا انتقض النفيُ فإنها لا تكون عاملة عمل (ما)، وفي القرآن الكريم كثير من هذا: ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون ٢٤]، ولم يقل: ما هذا إلا بشرًا؛ لأنه انتقض النفي.
إذن (ما) نافية، و﴿كَيْدُ﴾ مبتدأ؛ ﴿كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾، ما هو الكيد؟ الكيد والمكر والخداع وما أشبهها كلها كلمات متقاربة معناها التَّوَصُّل إلى الإيقاع بالخَصْمِ من حيث لا يَشْعر، يعني: يتوصل إلى الإيقاع بخصمه بأسبابٍ خَفِية لا يشعر بها الخصم؛ لأن الكائد والماكر والخادع لا يأتي بالشيء عَلنًا هكذا بل بأسباب خفية، فهي التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر؛ أي: بأسباب خفية.
فالكفار لهم كيد عظيم يكيدون على الإسلام وليسوا يكيدون للإسلام؛ لأن هناك فرقًا بين الكيد على الشيء والكيد للشيء؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف ٧٦] ولم يقل: (على)، لكن الكيد بالعدو هذا يُسَمَّى كيدًا عليه. الكافرين لهم كيد على الرسل يكيدون كيدًا عظيمًا، ويفعلون كل سبب يدحضون به حجة الرسل، ولكن مهما عملوا فالله عز وجل يقول: ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ كيدهم في ضلال أي في هلاك وضياع، كما أن الضال لا يهتدي السبيل، كذلك كيد هؤلاء الكفار لا يوصلهم إلى المقصود.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه الصلاة والسلام أتى بالحق إلى فرعون وهامان وقارون، وهذا يدل على أنه صَدَع به أمامهم.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين عجزوا عن رد الحق الذي جاء به فلم يقابلوا الحجة بمثلها.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الثلاثة لجؤوا إلى القتل والتهديد؛ قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن الذي يحمي الديار ويدافع عنها هم الرجال، وأن المرأة ليست بذاك الذي يدافع عن البلد أو يدفع العدو؛ دليل ذلك أن هؤلاء قالوا: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: التعصب التام للكافرين؛ يعني أنهم متعصبون فهم يقولون: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾؛ يعني: وغير المؤمنين من بني إسرائيل لا تقتلوهم، اقتلوا أبناء الذين آمنوا.
* ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسلط أعدائه على المؤمنين امتحانًا وابتلاء، والواقع كذلك، وقد يكون الإنسان كلما اشتد إيمانه اشتد إيذاء أعداء الله له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار يَكيدون للمؤمنين؛ لقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكم على هؤلاء الثلاثة بأنهم كفار؛ ولهذا لم يقل: (وما كيدهم)، بل أَظْهَر في موضع الإضمار إشارةً إلى أن هؤلاء كفار، وقد سبق لنا أن الإظهار في مقام الإضمار يستفاد منه فائدتان:
الفائدة الأولى: الحكم على هؤلاء الذين حلَّ الظاهرُ محلَّ ضميرهم بهذا الوصف.
والثاني: العموم والشمول.
الثالث: إفادة التعليل. ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: البشرى التامة للمؤمنين بأن الكفار مهما كادوا فإن كيدَهم ضائع وهالك لن ينفعهم ولن يستفيدوا منه شيئًا، وإن استفادوا فإنما يستفيدون فائدة مؤقتة والعاقبة للمتقين.
غافر 40:26
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر ٢٦] أعوذ بالله! كانوا اقترحوا أن يُقَتِّلوا أبناء بني إسرائيل ويستحيوا نساءهم، لكن فرعون قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ اتركوني أقتل موسى، وإنما قال هذا؛ لأن موسى هو زعيم بني إسرائيل، ومعلوم أن قتل الزعيم يُوجِبُ وَهَن الأتباع وضعفهم.
وفي قوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ اتركوني دليل على تمويه فرعون وأنه رجل مُمَوِّه كائد خبيث، كأنه يقول: إن الناس يمسكونني عن قَتْل موسى، ولولا أن الناس يمسكوني لقتلتُه، فيقول: اتركوني عليه، اتركوني أقلته، مع أنه لا أحد يستطيع أن يرده عن مراده؛ لأنه يقول لهم: أنا ربكم الأعلى، لكن يُمَوِّه ذروني أقتل موسى، و ﴿أَقْتُلْ﴾: مجزوم على أنه جواب الأمر ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ وجواب الأمر يكون مجزومًا؛ وهل هو مجزوم به أو بشرط مُقدَّر؟ على قولين:
القول الأول: أنه مجزوم به.
والثاني: أنه مجزوم بشرط مقدر، التقدير: إن تذروني أقتل موسى.
والقاعدة عندنا في التفسير وفي الحديث أنه إذا دار الكلام بين التقدير وعَدَمِه فالأصل عَدَمُ التقدير، وعلى هذا فنقول: أقتل فعل مضارع مجزوم على أنه جواب الأمر وعلام جزمه السكون.
﴿أَقْتُلْ مُوسَى﴾ قال: (لأنهم كانوا يكفونه عن قتله) بنى المؤلف رحمه الله قوله هذا على ظاهر اللفظ أنهم كانوا يكفونه ويقول: ذروني أقتله، ولكن الذي نرى أنه كَذَّاب لم يكفه أحد عن قتله، ولا يستطيع أحد أن يكفه عن قتله أبدًا، لكن هو أراد أن يُمَوِّه؛ لأنه لا يستطيع أن يقتل موسى، فتظاهر أنه يُكَفُّ عن قتله ويقول: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
قال: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ تحدٍّ والعياذ بالله، الواو حرف عطف، واللام لام الأمر، و﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ و(يدع) فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وعلامة جزمه حذف الواو والضمة قبلها دليل عليها، وأصل (يدعُ) يدعو.
وقوله: (أقتله وليدع) هذا تحدٍّ سافر لموسى ومَن أرسله سبحانه وتعالى؛ يعني إن كان صادقًا فليدع هذا الرب الذي أرسله ليمنعه مني.
وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ ذكرنا لكم أن اللام لام الأمر، وهل لام الأمر ساكنة أو مكسورة؟ نقول: هي ساكنة، لكنها بعد الواو والفاء و(ثُمَّ) تكون ساكنة، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج ١٥]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩]، وهنا قال: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾.
وقوله: ﴿رَبَّهُ﴾ ولم يقل: ربنا؛ لأنه لا يعترف ظاهرًا بربوبية الله، وإنما أضاف الربوبية إلى موسى من أجل التَّنْكِيت؛ يعني: كأنه يقول: هذا ربك الذي زعمت إن كنت صادقًا فليمنعك مني.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ، أنا عندي: ) ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ ، انتظروا سيذكر المؤلف القراءات؛ ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ هذا الخوف حقيقي أو لا؟ نعم حقيقي، هو يخاف أن موسى بما معه هؤلاء يبدل دين هؤلاء؛ لأن دينهم التعبد لفرعون. وموسى يقول: اعبدوا الله. فإذا جاء بالآيات واتبعه الناس بَدَّل الدينَ فصار الناس بَدَلَ أن يتجهوا إلى فرعون ويعبدوه يتجهون إلى الله عز وجل؛ ولهذا قال: (﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ من عبادتكم إياي فتتبعونه)، إذن دينهم هو عبادتهم فرعون، فإذا دعاهم موسى إلى عبادة الله انصرفوا إلى الله فتَبَدَّل الدين واتبعوا موسى.
﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ الفساد على زعمه هو صرف الناس عن عبادتِهِ إلى عبادةِ الله هذا وجه، ووجه آخر تفريق الناس، بدل أن كان متفقين عليه ما بين خائف وما بين راغب يختلفون، فيكون بعضهم تابعًا لموسى وبعضهم لفرعون، وتَفَرُّق الأمة لا شك أنه فساد، فصار إظهار الفساد الذي يَدَّعِيه من وجهين، الأول: تغيير الدين. والثاني: تفريق الأمة.
(﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ من قتل وغيره) القتل هذا غالبًا من لازم الاختلاف، لازم الاختلاف بين الأمة أن يصل بينهم النزاع إلى المقاتلة، أو غيره، ومنه تغير عبادة الناس من عبادة فرعون إلى عبادة الله.
قال: (وفي قراءة: ﴿أَوْ﴾ ) إذا الشارح شرح على الواو ولَّا على ﴿أَوْ﴾؟ على الواو، لأنه قال: (وفي قراءة: ﴿أَوْ﴾ ).
طيب القراءة هذه سبعية أو شاذة؟ سبعية بناء على الاصطلاح الذي ذكرنا لكم أنه إذا قال: وفي قراءة أو قال: بالضم والفتح مثلًا فهي سبعية، وإذا قال: قُرِئَ فهي شاذة.
(وفي أخرى بفتح الياء والهاء وضم الدال) و﴿وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادُ﴾ (ضم الدال) على أن الفساد فاعل يظهر، طيب، هذه القراءات هل تختلف معنى؟ نعم، تختلف معنى من حيث الظاهر، لكن مؤداها واحد؛ لأنه إذا أظهر موسى الفساد في الأرض ظهر الفساد، فيكون اختلاف القراءات فيه فائدة.
أولًا: الفائدة من (أو) و(الواو)، إذا كانت (أو) صار خاف أحد أمرين؛ أن يبدِّل الدين أو أن يُظْهِر الفساد، والواو ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ وَأَنْ يَظْهَرَ﴾ يكون خاف من اجتماع الأمرين: تبديل الدين، وظهور الفساد، ولا بد من أحد الأمرين، إما أن يبدل الدين وإما أن يظهر الفساد، وإن لم يبدل الدين لكن يكون هناك قتل ونزاع، ولا بد أيضًا من طرف آخر أن يَجْمَع بين الأمرين: تبديل الدين وظهور الفساد.
بالنسبة لـ﴿يَظْهَرَ﴾ و﴿يُظْهِرَ﴾ نقول: إذا قصد إظهار الفساد فقد يظهر وقد لا يظهر، فإذا كان ﴿وَأَنْ يَظْهَرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادُ﴾ صار حصولُ ما أراده من إظهار الفساد.
طيب، فالقراءات مؤداها واحد ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَالَ مُوسَى﴾ إلى آخره.
* نأخذ الفوائد:
* من فوائد هذه الآية الكريمة ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي﴾ إلى آخره: تمويه فرعون وأنه رجل ماكر مخادع يُظْهِر خلافَ الواقع؛ لقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شِدَّة حَنَقِ فرعون على موسى إلى حد أنه أراد قتلَه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شِدَّة تحدي فرعون حيث قال: دعوني أقتله وليدع ربه؛ يعني: يتحداه؛ إذا دعا ربه هل يفيده أو لا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: خوف الكفار من سلاح المؤمنين بالدعاء؛ لقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، وإن كان المقصودُ التحدي، لكن لا شك أنه قد فهم أن الدعاء سلاح لموسى عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعصب الكفار لدينهم؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن قوم فرعون يَدِينون له بالعبادة، يعني: يتخذون تذللهم له عبادة؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار يَرَوْنَ أنَّ الإيمان فسادٌ في الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾، وإذا كانوا يرون ذلك فلا بد أن يحولوا بين الناس وبينه حتى لا تفسد الأرض على زعمهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار يَدَّعون ما هو كذب لإبقائهم على ما هم عليه، وهو دعواه أن الناس إذا دانوا لله ظهر في الأرض الفساد من أجل أن يبقى الناس على تَدَيُّنِهم لفرعون، والله أعلم.
* طالب: ما رأيكم فيمن قال: إن موسى وغيره من الرسل ممن كذبوا وقيل فيه : إنه ساحر وكاذب إنه أشد من يوسف عليه السلام الذي قيل فيه : إنه زان (...) أشد من القذف؟
* الشيخ: يقول: إن بعض العلماء قال: إن ما أصاب الرسل من التكذيب والتعذيب أشد مما أصاب يوسف من اتهامه بما اتُّهِمَ به؟
فيقال: لكل شيء حكم؛ فيوسف عليه الصلاة والسلام اتُّهِمَ بما اتُّهِمَ به وعُذِّب عليه وسُجِنَ مع براءته وظهور براءته في النهاية، وهؤلاء المكذبين فُعِلَ به أكثر مما فُعِلَ بيوسف من التعذيب، بل بعضهم قُتِلَ، فلكل شيء وجه، ولا يمكن المقارنة بين هذا وهذا.
* الطالب: شيخ، بارك الله فيك، قد علمنا أن فرعون وهامان وقارون قد أهلكهم الله عز وجل، هل هلكوا كلهم مرة واحدة أم كل واحد..؟
* الشيخ: أما قارون فالله عَزَّ وجل بَيَّن أنه خسف به وبداره الأرض فليس ممن هلك بالغرق، وأما هامان فالظاهر أنه هلك مع فرعون.
* الطالب: هل قارون سببه امرأة قد (...) أتى بغانية وقالت: إن موس زنى بها هل هي رواية صحيحة؟
* الشيخ: أبدًا، افتخاره بماله هو الذي خسف به الأرض.
* طالب: شيخ، فيه قول: إن فرعون أصله عربي، واسمه مصعب بن الريان؟
* الشيخ: يقولون: إن اسمه مصعب بن الريان. نقول: من قال هذا؟! فرعون قطبي خبيث وهو بريء من العرب، والعرب بريئون منه، لكن اليهود يمكن يقولون هكذا؛ لأن اليهود من بني إسرائيل وفرعون عدوهم، والعرب الآن أعداؤهم، قالوا: حطوا على فرعون معهم يمشي.
* طالب: قوله: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص ٧٦] قيل: إن قازون كان عَمَّ موسى، فإذن هو من بني إسرائيل؟
* الشيخ: الله أعلم.
* طالب: لام الأمر تكون ساكنة إذا سُبِقَت بالواو والفاء وثم، يعني: إذا لم تُسْبَق بهذه الثلاث تكون مكسورة طيب يا شيخ قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣] (...) فليست مكسورة؟
* الشيخ: أولا هي ليست لام الأمر، وهي مكسورة أيضًا، حتى لو كانت لام الأمر صارت مكسورة، ولكن اللام في قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا﴾ ليست للأمر، بل معناها للتعليل ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣]، عرفت؟
* الطالب: الضابط؟
* الشيخ: الضابط السياق؛ ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق ٧] هذه لام أمر. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الفتح ٨، ٩] اللام هذه يحتمل أن تكون للتعليل ويحتمل أن تكون للأمر، ولكنها للتعليل أظهر.
* طالب: أحسن الله إليك، اللام في قوله تعالى: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام ١١٣]؟
* الشيخ: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ ليست لام الأمر، لام التعليل؛ ولهذا لام التعليل لا تُسَكَّن ولو بعد الحروف الثلاثة بل هي مكسورة دائمًا: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] ما تقول: ولْيتمتعوا.
* الطالب: (...) ما جزمت في سؤالي، ما فهمت سؤالي، أنا أحدث الناس بهذا الحديث، يعني هذه الرواية أحدث بها الناس.
* الشيخ: أنا قلت لك: إن قارون أهلكه الله عز وجل بما أهلكه به؛ لأنه افتخر بماله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، ومسألة المرأة التي قال: إنه زنى بها موسى ما هي صحيحة.
* الطالب: يعني الرواية هذه وأن الله عز وجل كلمه وقال: وعزتي وجلالي..
* الشيخ: أقول: غير صحيح. تعرف غير صحيح ولَّا لا؟
* الطالب: يعني ما أحدث بها؟
* الشيخ: لا.
* * *
* الطالب: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧) وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في قصة موسى مع فرعون: إنه -أي فرعون- قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، فهل هذا على ظاهره أو هو تمويه؟
* طالب: تمويه.
* الشيخ: تمويه، كيف ذلك؟
* الطالب: أنه قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ وهو قادر على ذلك.
* الشيخ: يعني: (...) يمنعه، ولكن مَوَّه للناس أنه ممنوع من قتله حتى يقولوا: لماذا لم يقتله؟
طيب، قوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾، ماذا تفيد هذه الجملة؟
* طالب: (...) وأن موسى (...) وكان سلاحهم الدعاء.
* الشيخ: إي، ولكن ماذا يفيد قول هذا من فرعون؟
* الطالب: يفيد التحدي.
* الشيخ: يفيد التحدي؛ يعني: إن كان (...) ربًّا يجيبه فادعه.
قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ بماذا؟
* الطالب: نقلهم من دين فرعون إلى دين آخر كلهم أو أن يتفرقوا شيعًا (...).
* الشيخ: لا، أن يبدل دينكم فقط ما يريد أن (...).
* الطالب: يبدل دينهم إلى دين آخر، أو نقلهم إلى (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: أن ينقلهم من عبادة فرعون إلى عبادة الله.
* الشيخ: إلى عبادة الله. تمام. قوله: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ فيها قراءة: ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ .
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿يَظْهَرَ﴾ و﴿يُظْهِرَ﴾. طيب، كيف تكون (الْفَسَاد) على القراءتين؟
* طالب: الفساد (...) تكون فاعلًا.
* الشيخ: فتكون مرفوعة، وعلى ﴿يُظْهِرَ﴾ ﴿أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ تكون بالفتح ولَّا بالضم؟
* طالب: بالفتح.
* الشيخ: على أنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ﴿أَوْ﴾ فيها قراءة ثانية؟
* طالب: بالواو.
* الشيخ: بالواو ﴿وَأَنْ يُظْهِرَ﴾ ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾.
طيب، ما هو الفساد الذي قاله فرعون؟
* طالب: الفساد له معنيان: المعنى الأول يصرف الناس عن عبادة فرعون إلى عبادة الله تعالى، والمعنى الثاني..
* الشيخ: وهو يرى أن ذلك فساد لقوله: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾. والثاني؟
* طالب: أن (...) الناس؛ فيتشيع بعضهم لفرعون وبعضهم لموسى عليه السلام.
* الشيخ: ويؤدي ذلك إلى الفوضى والاقتتال.
غافر 40:27
قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه وقد سمع ذلك ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ) إلى آخره. قوله: (﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه ﴿إِنِّي عُذْتُ﴾ توجيه القول إلى قوم موسى ليس بصواب، بل قال موسى لفرعون: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ هذا إن كان فرعون قد قاله له مواجهةً؛ يعني قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ مواجهة، فإن موسى قال: إني عذت بربي وربكم منكم، ولكن قال: من كل متكبر؛ أما إذا كان فرعون يتحدث مع قومه وسمع موسى ذلك فعلى ما قال المؤلف رحمه الله تعالى؛ أن موسى لما سمع هذا قال إني عذت بربي وربكم؛ ولكن الظاهر -والله أعلم- أن المعنى الأول أصح؛ أنه قاله لفرعون حين قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ﴿عُذْتُ﴾: بمعنى اعتصمت بالله؛ لأن العياذ بالشيء الاعتصام به، قال العلماء: ويقال: العياذ واللياذ، قال العلماء: الفرق بين العياذ واللياذ أن اللياذ فيما يُرْجى والعياذ فيما يُخشى، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيـــــــــــــــــمَاأُؤَمِّـــــــــــــلُهُ ∗∗∗ وَمَنْ أَعُــــــــــــــــــوذُ بِهِ مِمَّــــاأُحَــــاذِرُهُ؎لَا يَجْبُرُ النَّاسَ عَظْمٌ أَنْتَ كَاسِرُهُ ∗∗∗ وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
إذن معنى ﴿عُذْتُ﴾ اعتصمت، ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ هذه الربوبية العام والخاصة، ﴿بِرَبِّي﴾ هذه ربوبية خاصة، ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ ربوبية الله لفرعون وقومه من الربوبية العامة.
﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ وهذا الوصف ينطبق تمامًا على فرعون، فهو متكبر طاغ عات عال، والمتكبر هو المترفع كبرياء عن الحق وعلى الخلق؛ لأن الكبر إما عن الحق وإما على الخلق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْكِبْرُ بَطْرُ الْحَقِّ وَغَمْطِ النَّاسَ» »[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ]] «بَطْرُ الْحَقِّ» : يعني احتقاره وازدراؤه وهذا التكبر عن الحق، «وَغَمْطِ النَّاسَ» : يعني احتقارهم وهذا التكبر على الخلق، وإذا اجتمع في قلب المرء تكبر على الخلق وتكبر عن الحق فهو الهالك، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يعني يوم القيامة، وعدل عن قوله يوم القيامة إلى يوم الحساب؛ لأن الحساب أشد خوفًا من يوم القيامة، إذا قيل للإنسان: إنك سوف تحاسب على ما عملت من خير وشر؛ فإنه سوف يخاف ويَوْجل ويستقيم، وإنما ذُكِرَ الحسابُ دون القيامة؛ لأنه أشد تخويفًا، فإن الإنسان إذا علم أنه سيُحاسَب على عمله فسوف يرتدع عن المعاصي ويقوم بالأوامر.
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر ٢٨] إلى آخره.
لما سمع هذا الرجل المؤمن بتهديد فرعون لموسى بالقتل قال ذلك، وتأمل سياق الآية: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ لم يُعَيِّنه باسمه، بل قال رجل مؤمن كتمانًا له؛ لأنه ليس المقصود معرفة الاسم، إنما المقصود معرفة القضية، أما تعيين الأسماء فهي مِنْ فضول العلم، بمعنى أنه إن حصل فهذا طيب، وإن لم يحصل فليس ذا أهمية.
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مؤمن بمن؟ مؤمن بالله، وربما نقول: مؤمن بموسى أيضًا، ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يحتمل أن المراد من قرابته؛ لأن آل الإنسان قرابته، ويحتمل أن المراد من أتباعه؛ لأن الآل تُطْلَق على الأتباع، وأيَّا كان فالرجل ليس من بني إسرائيل، بل هو من قوم فرعون، سواء كان من قرابته أو من قومه الذين ينتمون إليه.
وقول المؤلف: (قيل: هو ابن عمه) هذا قول أشار المؤلف إلى ضعفه بكلمة (قيل)؛ ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ أي: يخفيه ويُسِرُّه خوفًا على نفسه.
وفي قوله: ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ هذه ثلاث صفات: مؤمن، من آل فرعون، يكتم إيمانه.
وقد قال علماء النحو: إن النكرة إذا وُصِفَت أول مرة فإن ما بعدها يجوز أن يكون حالًا ويجوز أن يكون صفة، وعلى هذا فيجوز أن يكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ حال، ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حال، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ثانية، و﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حال، ويجوز أن تكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ثانية، و﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ صفة ثالثة. ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ أي: يخفيه عن فرعون وقومه.
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ الاستفهام هنا للإنكار؛ يعني: كيف تقتلون رجلًا لم يأت بشيء إلا أنه يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨].
وقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير اللام؛ ولهذا قدَّرها المفسر بقوله: (أي لأن ﴿يَقُولَ﴾ ) وعلى هذا تكون أن منزوعة اللام التي للتعليل؛ أي: بقوله ربي الله، يعني ربي الله لا فرعون، وهم يرون أن ربهم فرعون.
(﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ) ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: الباء للمصاحبة، و﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: صفة لموصوف محذوف، وتقديرها خلافًا للمؤلف: الآيات؛ أي جاءكم بالآيات البينات أي الظاهرات التي تدل دلالة قاطعة على أنه نبي.
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ هذا يُسَمَّى عند علماء المنطق السَّبْر والتقسيم؛ لأن موسى الآن إما أن يكون صادقًا، وإما أن يكون كاذبا. وليس هناك رُتْبَة بين الصدق والكذب؛ لأنه هو يقول: إنه رسول الله؛ فإما أن يكون صادقًا في هذا وإما أن يكون كاذبًا. وعلى كل فإنه لا يضركم أن تصدقوه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ يعني: عليه ضرر كذبه، وسوف يُوقِع الله به الخزي والعار لو كَذَب على الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢]، والآيات في هذه المعنى كثيرة، وأن الله تعالى يَهْتِكُ سره ويبين كذبه، فيكون كذبه عليه.
﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ﴿إِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ في أنه رسول وكذَّبْتُموه أنتم أصابكم بعض الذي يعدكم من العذاب عاجلًا، وكذلك يصبكم في الآخرة آجلًا، فصار الآن الخطر على من؟ الخطر عليه إن كان كاذبًا، وأنتم سوف تسلمون، والخطر عليكم إن كان صادقًا وهو سوف ينجو، وهذا لا شك أنه من تمام نصحه؛ أن الرجل تنزل مع آل فرعون إلى هذا التنزل لم يقل: إنه صادق مع أنه كان يؤمن به، لكن هذا من باب التَّنَزُّل، وهنا قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يقل: أتقتلون موسى إبعادًا للتهمة عن نفسه لئلا يظن أحدٌ أنه كان يعرف موسى وأنه يدافع عنه عن معرفة، ولكنه أتى بـ ﴿رَجُلًا﴾ النكرة إبهامًا للأمر وشدة في إخفائه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ أي: متجاوز للحد، ﴿كَذَّابٌ﴾: أي ذو كذب، وهل هذه الجملة التعليلية هل هي تعود على موسى أو تعود على فرعون؟ نقول: هي صالحة للأمرين؛ كلُّ مَنْ كان مسرفًا كذابًا فإن الله لا يهديه، هذا الوصف ينطبق على فرعون، أليس كذلك؟ فإنه مُسْرِفٌ متجاوز للحد كَذَّاب مُدَّعٍ ما ليس له؛ يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وكَذَب في ذلك، فهو مسرف كذاب، كذلك أيضًا في مقام المجادلة والتنزل تنطبق على موسى لو كان كاذبًا، فإنه يكون مسرفًا متجاوز للحدِّ وادعائه الرسالة وهو كاذب، وكذلك كَذَّاب؛ لأنه ادَّعى ما ليس صادقًا فيه، وعلى كل حال فالجملة هنا صالحة لأن تكون منطبقة على فرعون، وهي منطبقة على الحقيقة أو على موسى من باب التنزل مع الخصم.
* في هذه الآية والتي قبلها فوائد منها: قوة موسى عليه الصلاة والسلام وصراحته؛ حيث أعلن أمام مُهَدِّدِيه بالقتل بأنه عاذ بالله ربه وربهم؛ لقوله: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾.
* ومنها: قوة تَوَكُّلِه عليه الصلاة والسلام؛ حيث اعتمد على الله أمام هذا الطاغية الذي يَسْهُل عليه أن يُنَفِّذ ما توعد به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وَصْفُ فرعون بهذين الوصفين الذَّمِيمَيْنِ: التكبر، وأنه لا يؤمن بيوم الحساب.
* ومن فوائدها: العدول إلى العموم دون الخصوص؛ لأنه لم يقل: إني عذت بربي وربكم من فرعون، ولكن قال: من كل متكبر؛ ليَعُمَّ فرعون وغير فرعون.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا جاءت بصيغة العموم وبالوصف انطبقت على فرعون وبيَّنَت أنه متصف بالاستكبار، وكذلك الكفر بيوم الحساب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم الحساب وهو يوم القيامة. والحساب ليس مناقشة الإنسان على عمله؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٣٦) ومسلم (٢٨٧٦ / ٧٩) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] لأن الله لو ناقشك لكانت نعمةٌ من نِعَمِه تغطي جميع الحسنات التي قمتَ بها، بل إن حسناتك التي قمت بها نعمة من الله عز وجل تحتاج إلى شكر، ثم إذا وُفِّقْتَ إلى شُكْرِها تحتاج إلى شكر آخر للتوفيق إلى الشكر، ثم هَلُمَّ جَرًّا، ولهذا قال الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
وهذا صحيح، فالحساب هو أن الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّرُه بذنوبه، فيقول: عَمِلْتَ كذا، عملت كذا. فإذا أَقَرَّ قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]]، أما الكفار فإنهم لا يحاسبون محاسبة مَنْ توزن حسناته وسيئاته؛ لأن ليس لهم حسنات، ولكن تُحْصَى أعمالُهم، ويوقفون عليها، ويُخْزَون بها؛ يعني: يُذَلُّون بها ويقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨] هذا هو حساب الكفار، وذاك حساب المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر ٢٨] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي العناية بمضمون القصة دون عَيْنِ مَنْ وَقَعَت عليه؛ لقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ وإلا فنحن نعلم أن الله يعلم من هذا الرجل، ويعلم اسمَه ونسبَه وكلَّ شيء يتعلق به، لكن الله تعالى ذكره إبهامًا إشارة إلى أن المهم مضمون القصة دون عين مَنْ وقعت عليه إلا إذا كان في تعيينه مصلحة فالمصلحة ذكره وتعيينه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون من صلب المُعادِين مَنْ هو من الأولياء؛ لقوله هنا: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وسواء قلنا: من قرابته أو من أتباعه على دينه فإنه يدل على أن الله على كل شيء قدير، وأنه قد يقَيِّض أو يُهَيِّئ الإيمانَ لمن كان بين قوم منغمسين في الكفر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إخفاء الإيمان إذا خاف الإنسان على نفسه؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش مؤمنًا إلا بالكتمان، فهل تجب عليه الهجرة؟
الجواب: نعم، في دين الإسلام أن مَنْ كان لا يستطيع أن يعيش إلى مُخْفِيًا دينه فإنه تجب عليه الهجرة، ولكن بشرط أن يكون قادرًا عليها، فإن كان عاجزًا فإن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٩٨، ٩٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شِدَّةُ إنكار هذا المؤمن على فرعون الذي هَدَّد بالقتل؛ لقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائدها: الإنكار على مَنْ عَمِلَ عملًا بدون سبب يقتضيه، من أين تؤخذ؟ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهذا ليس سببًا للقتل، بل على الأقل يُتْرَك وشأنُه، أما أن يُقْتَل لهذا السبب، فإن هذا منكر ولا يجوز إقراره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدول عن التعيين خوفًا من التهمة، أو إن شئت فقل: استعمال المعاريض؛ لقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يقل: أتقتلون موسى؛ لأنه لو عَيَّنَهُ باسمه لاتهمه الناس بأن له صلة به، وفَسَد ما يريده، لكنه أبهمه وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه السلام أتى بالآيات البَيِّنَة التي يُؤْمِن على مثلها البشرُ؛ لقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قوةُ إيمان هذا الرجل حيث جَابَه هؤلاء بإنكار ربوبية فرعون ضمنًا، من أين؟ من قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فجابههم بأن لهم ربًّا سوى فرعون، وهذا يدلُّ على قوة هذا الرجل. أما قوله: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فليس فيها دليل؛ لأن ربوبية الله عز وجل لموسى ما فيها شيء من الإنكار لكن ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ واضح بأنه يُعَرِّض بأن فرعون ليس برب، وأن الرب هو الله، وهذا يدل على كمال شجاعة هذا الرجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال السبر والتقسيم؛ يعني: الترديد بين حالين أو أحوال لا يزيد الأمر عليهما أو عليهم؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾.
* ومن فوائدها؛ أي: فوائد الآية: مراعاة الخصم فيما يُؤَلِّفُه ويقربه؛ لأنه بدأ بما كانوا يعتقدون وهو كذب موسى، فبدأ بالكذب قبل أن يبدأ بالصدق من أجل تأليفهم وبيان أن الرجل ليس عنده تعصب لموسى؛ ولهذا لم يبدأ بالصدق الذي هو أحد الاحتمالين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التورية؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾، لأننا نعلم أن هذا الرجل يعتقد أنه صادق، لكنه أتى بهذا الكلام تورية بأنه ليس بمؤمن به، وذلك من أجل قَبول كلامه؛ لأنهم لو شعروا بأنه مؤمن لقتلوه، مؤمن بموسى وهو من آلهم، ولكنه أتى بالكلام الدال على التورية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شؤم الكذب يعود على الكاذب وهو كذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، وقد فضح الله عز وجل الكاذبين المفترين عليه في الدنيا وسيفضحهم في الآخرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوةُ إيمانِ هذا الرجلِ بكونه يعتقدُ ويؤمنُ بأن بعضَ الذي وعدهم موسى عليه الصلاة والسلام سوف يصيبهم إذا كان صادقًا وقد كذَّبوه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المسرف الكذَّاب أي: المتجاوز للحد بفعله وبقوله؛ بقوله لأنه كذاب، وبفعله لأنه مسرف، فإنه بعيد من الهداية؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
وحينئذ نسأل هل المراد هداية التوفيق أو هداية البيان والإرشاد؟ هداية التوفيق؛ لأن الله تعالى قد بَيَّن للمسرف الكذاب ولغيره، لكن وَفَّق من شاء من عباده وخَذَل من شاء، والله أعلم.
* طالب: قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: لأنه قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يعني: في الدنيا، ولهذا قَدَّرها المفسر بقوله: (العذاب العاجل).
* طالب: بالنسبة للمؤمن هو من آل فرعون ولا من بني إسرائيل؟
* الشيخ: لا من آل فرعون، صريح. لكن هل هو قريبه أو متبعه على دينه؟
* الطالب: (...) المعاريض؟
* الشيخ: المعاريض معناها أن تُوَرِّي بشيء خلاف الواقع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: كأنه يقول: متى تجوز المعاريض؟
تجوز المعاريض إذا كان فيه مصلحة أو دفع مضرة، واستعمال المعاريض على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الظلم.
والثاني: دفع الظلم.
والثالث: ما ليس فيه هذا ولا هذا.
الظلم هو أن يستعمل الإنسان المعاريض لدفع حَقٍّ عليه، ودفع الظلم أن يستعمل المعاريض لدفع ظلمٍ عن نفسه، وما ليس كذلك ولا كذلك مثل أن يستعملها في الأمور المباحة.
مثال الأول: تخاصم زيد وعمرو عند القاضي، وكان عند عمرو لزيد مئة درهم فقال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: لك اليمين على صاحبك. فقال المدعي عليه: والله ما عندي له شيء. ظاهر اللفظ النفي، لكن هو في قلبه نوى الإثبات، ونوى بـ(ما) الذي، وتقدير الكلام على نيته: والله الذي له عندي شيء، وهذا صحيح له عنده شيء، لكن هو ورَّى بأن (ما) نافية، وأنه ليس عنده شيء، القاضي سوف يحكم بأيش؟ بأنها نافية حسب ظاهر الحال، هذه المعروضة نقول: إنها حرام؛ لأنه تَوَصَّل بها إلى إسقاط حق عليه.
وكذلك أيضًا في الدعوى لو حلف لو قال له خصمه: أنا أرضى منك أن تحلف أن لك عندي شيء، فحلف مُوَرِّيًا فإنه حرام عليه.
أما دفع الظلم فمثل أن يحلف على دفع الظلم عن نفسه أو غيره؛ مثال ذلك: دخل عليه لص أو جندي ظالم يريد أن يأخذ ماله فقال: افتح لي هذا الصندوق. قال: والله ما في هذا الصندوق شيء. المخاطب سوف يظن أن الجملة نفي فينصرف، وهو يريد بها الإثبات، فهذه التورية لا شك في جوازها، بل إذا كان المال للغير مثل أن يأتي شخص ويقول: فلان عندك له كذا وكذا. فأقول: والله ما عندي له شيء، أعرف أني لو أخبرت لأخذها (...).
يقول: الدائرة لله ورسوله، هؤلاء القوم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وهم أهل بدر اطَّلَع الله عليهم فكافأهم مكافأة لم تحصل لغيرهم، اطلع عليهم فقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» » هذه الحسنة العظيمة محت جميع ما يعملونه من السيئات، ونفعت هذه الغزوة لمن غزا حتى حاطب رضي الله عنه الذي كتب بأخبار النبي ﷺ إلى قريش قبيل غزوة الفتح، لما عُثِرَ على ما صنع قال عمر رضي الله عنه للرسول ﷺ: دعني أضرب عنقه فقد نافق. عمر رضي الله عنه ما فيه إلا السيف، شجاع قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث علي رضي الله عنه ولفظه: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». ]] فوقعت هذه السيئة العظيمة من جملة ما يُغْفَر لأهل بدر؛ ولهذا كان أهل بدر أفضل من أهل بيعة الرضوان، أفضل لما حصل فيهم من النصرة العظيمة للنبي ﷺ؛ ولهذا يُسَمَّى يوم بدر يوم الفرقان.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو قائل قائل: ما المراد بقتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر؛ لأنه معلوم أن الملائكة عظام الخلقة فواحد منهم يكفي بضربة واحدة (...) المشركين؟
* الشيخ: ومن المعلوم أيضًا أن الله لو قال لهؤلاء الكفار: كونوا أمواتًا لماتوا، المسألة ما هي معناها من باب العجز أو القدرة؛ نزول الملائكة تثبيتًا لقلوب المؤمنين، ومشاركة لهم في هذا من باب التأييد للمؤمنين ونصرة الحق؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤].
* طالب: ما هو الدليل على الشهادة لهم بالجنة؟
* الشيخ: الدليل: إذا شهد الرسول لأحد بالجنة شهدنا له.
* طالب: (...) وقلت: إنهم بأشخاصهم من أهل الجنة (...)؟
* الشيخ: عمومًا إلا من شهد له الرسول مثل حاطب بن أبي بلتعة، فهذا نقول: هو مغفور له، ولكن لا شك أننا إذا كان حاطب مغفورًا له أن أبا بكر وعمر وعثمان أولى من ذلك.
* طالب: ما رأيك فيما ذهب إليه شيخ الإسلام (...)؟
* الشيخ: والله، هذا رأي قوي لا شك، يعني ما ذهب إليه شيخ الإسلام مُؤَيَّد بالحديث: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩ / ٦٠) من حديث أنس رضي الله عنه. ]] وإذا كانت الأمة أو غالب الأمة أجمعوا على ذلك فهو كاف، لولا أنه يُخْشى من مسألة: وهو أنه يأتينا أهل الفرق الضالة ويقولون: نحن مجمعون على الشهادة لفلان بكذا وكذا وهو رأس بدعة، وهم يَدَّعون أنهم أهل الحق، لكن يمكن الانفكاك عن هذا الإيراد أن نقول: هؤلاء لا تُقْبَل شهادتهم؛ لأنهم على باطل وعلى ضلالة، والمراد شهادة أهل الحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، على سبيل العموم كلهم في الجنة، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التابعون ما نقول (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا تقل: أحسبه شهيدًا، قل: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»[[أخرجه مسلم (١٩١٥ / ١٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] كما قال عمر رضي الله عنه، عمر خطب الناس وقال: إنكم تقولون: فلان شهد وفلان شهيد وربما يكون فعل كذا وكذا، ولكن قولوا: «مَنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».
* طالب: كيف نجمع بين قول عمر بن الخطاب وبين (...).
* الشيخ: ما هو التعارض؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يوافق حكم الله؛ لأنه يتكلم عن حكم الله عز وجل.
* طالب: (...) عير قريش أن كل من أخذ منك مالًا بالقوة والغصب (...) أن يفعل مثل ما فعل النبي ﷺ أم حالة خاصة؟
* الشيخ: لا ما هي خاصة، إذا كانوا حربًا لنا.
* طالب: وفي غير الحرب؟
* الشيخ: لا، في غير الحرب لا تخن من خانك، لكن إذا كانوا حربًا جاز لنا أخذ مالهم.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٢٩ - ٣١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقيه كلام الرجل المؤمن الذي من آل فرعون والذي أَدَّى النصيحة لقومه في قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر ٢٨]، وهنا نناقش ما سبق:
قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ كيف تعرب: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؟
* طالب: لها وجهان من الإعراب.
* الشيخ: يجوز فيها وجهان؛ الأول؟
* الطالب: أنها تكون حالًا، أو أنها صفة ثانية.
* الشيخ: صفة ثانية أو ثالثة؟ ثالثة.
كيف جاز أن تكون حالًا والموصوف بها نكرة، والنكرة لا تأتي منها الحال؟
* الطالب: قلنا: إن النكرة إذا وصفت (...) الأول بوصف بينما يأتي هذه الأوصاف (...) يكون حالًا أو صفة.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
لماذا كان يكتم إيمانه؛ يعني: يخفيه؟
* طالب: خوفًا من أن يقتلوه.
* الشيخ: خوفًا من أن يقتلوه؛ لأنه ما دام هددوا موسى بالقتل فهو خاف على نفسه فأخفى إيمانه.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ما المراد بالبينات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بالآيات البينات. طيب آيات على أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لماذا جاءت الآيات مع موسى؟
* طالب: لأجل أن يؤيده (...).
* الشيخ: أحسنت، صح.
لماذا قال: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ولم يقل: كل؟
* طالب: لأن العذاب في الدنيا ليس كل العذاب.
* الشيخ: المراد به عذاب الدنيا وليس كل العذاب.
لماذا جاء هذا الترديد في قوله: إن يك و إن يك، مع أنه يؤمن بأنه صادق؟
* طالب: أولًا من باب التنزل مع الخصم، هو مؤمن بما قال ولكنه من باب التنزل ومن باب إبعاد..
* الشيخ: إفحام الخصم، أن الحال لا تخلو من أحد الأمرين، نعم، طيب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ كيف نفى الهداية مع أنه قد يهدي مثل هؤلاء؟
* طالب: الهداية المنفية هي هداية التوفيق، أما هدية الدلالة والإرشاد فهي لكل أحد.
* الشيخ: طيب، أليس من الناس من هو مسرف كذاب وهداه الله؟
* طالب: نعم، لكن هذا ليس في الغالب، لأن المتكبر ربما الله سبحانه وتعالى يحيمه الهداية لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥]، وقال عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
* طالب آخر: هنا الإسراف والكذب مطلقة فتحمل على الإسراف الأكبر الذي هو الكفر.
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ مع أنه الله قد هدى قومًا مسرفين كذابين؟
* الطالب: نعم، ولكن على إطلاقه، إذا أصرَّ الإنسان عليه؛ يعني: مطلق الإسراف أو مطلق الكذب الذي هو الكفر، فإن بَقِيَ على إسرافه وكذبه فإنه يُحْرَم من الهداية، أما إن تاب ورجع يهديه الله سبحانه وتعالى.
* طالب آخر: (...) على نفي الكمال (...).
* طالب آخر: المقصود هنا في الآية أن هذا الرجل إما أن يكون قد تَنَزَّل لفرعون فيكون قد قصد بذلك موسى فإنه إن كان كاذبًا فإن الله لا يهديه وإما أن يكون قصد الحقيقة ويكون قصد فرعون بهذا وأن فرعون هو المتكبر (...).
* الشيخ: ما يخالف، دعنا من هذه القضية، هذه القضية بقي فرعون على كفره حتى هلك. لكن غيره، قد يكون الإنسان مسرفًا كذابًا ثم يهتدي.
* طالب: أن الله إذا أراد بعبده الهداية ففي وقت الهداية هذه يزول عنه الإسراف والكذب فيهديه الله.
* الشيخ: يعني: لا يهدي من هو مسرف كذاب ما دام على ذلك؟
* طالب: هذا عام أريد به الخصوص المراد فرعون.
* الشيخ: هذا هو الأقرب؛ أن المراد به فرعون، لأنا إحنا قلنا فيما سبق أمس: إن المسألة إما أن يكون هو مسرف كذاب فلا يمكن أن يهتدي، أو أنتم فلا يمكن أن تهتدوا. وجواب آخر أن يقال: أن من قضى الله عليه في الأزل أنه مسرف كذاب فإنه لا يهتدي، هذه النقطة لم نتكلم عنها بالأمس، ولذلك فأنتم معذورون في هذه الأقوال الكثيرة التي سقتموها.
غافر 40:28
قال الله تبارك وتعالى: (﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه وقد سمع ذلك ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ) إلى آخره. قوله: (﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لقومه ﴿إِنِّي عُذْتُ﴾ توجيه القول إلى قوم موسى ليس بصواب، بل قال موسى لفرعون: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ هذا إن كان فرعون قد قاله له مواجهةً؛ يعني قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ مواجهة، فإن موسى قال: إني عذت بربي وربكم منكم، ولكن قال: من كل متكبر؛ أما إذا كان فرعون يتحدث مع قومه وسمع موسى ذلك فعلى ما قال المؤلف رحمه الله تعالى؛ أن موسى لما سمع هذا قال إني عذت بربي وربكم؛ ولكن الظاهر -والله أعلم- أن المعنى الأول أصح؛ أنه قاله لفرعون حين قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾.
قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ ﴿عُذْتُ﴾: بمعنى اعتصمت بالله؛ لأن العياذ بالشيء الاعتصام به، قال العلماء: ويقال: العياذ واللياذ، قال العلماء: الفرق بين العياذ واللياذ أن اللياذ فيما يُرْجى والعياذ فيما يُخشى، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيـــــــــــــــــمَاأُؤَمِّـــــــــــــلُهُ ∗∗∗ وَمَنْ أَعُــــــــــــــــــوذُ بِهِ مِمَّــــاأُحَــــاذِرُهُ؎لَا يَجْبُرُ النَّاسَ عَظْمٌ أَنْتَ كَاسِرُهُ ∗∗∗ وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ
إذن معنى ﴿عُذْتُ﴾ اعتصمت، ﴿بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ هذه الربوبية العام والخاصة، ﴿بِرَبِّي﴾ هذه ربوبية خاصة، ﴿وَرَبِّكُمْ﴾ ربوبية الله لفرعون وقومه من الربوبية العامة.
﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ وهذا الوصف ينطبق تمامًا على فرعون، فهو متكبر طاغ عات عال، والمتكبر هو المترفع كبرياء عن الحق وعلى الخلق؛ لأن الكبر إما عن الحق وإما على الخلق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْكِبْرُ بَطْرُ الْحَقِّ وَغَمْطِ النَّاسَ» »[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ]] «بَطْرُ الْحَقِّ» : يعني احتقاره وازدراؤه وهذا التكبر عن الحق، «وَغَمْطِ النَّاسَ» : يعني احتقارهم وهذا التكبر على الخلق، وإذا اجتمع في قلب المرء تكبر على الخلق وتكبر عن الحق فهو الهالك، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ يعني يوم القيامة، وعدل عن قوله يوم القيامة إلى يوم الحساب؛ لأن الحساب أشد خوفًا من يوم القيامة، إذا قيل للإنسان: إنك سوف تحاسب على ما عملت من خير وشر؛ فإنه سوف يخاف ويَوْجل ويستقيم، وإنما ذُكِرَ الحسابُ دون القيامة؛ لأنه أشد تخويفًا، فإن الإنسان إذا علم أنه سيُحاسَب على عمله فسوف يرتدع عن المعاصي ويقوم بالأوامر.
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر ٢٨] إلى آخره.
لما سمع هذا الرجل المؤمن بتهديد فرعون لموسى بالقتل قال ذلك، وتأمل سياق الآية: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ لم يُعَيِّنه باسمه، بل قال رجل مؤمن كتمانًا له؛ لأنه ليس المقصود معرفة الاسم، إنما المقصود معرفة القضية، أما تعيين الأسماء فهي مِنْ فضول العلم، بمعنى أنه إن حصل فهذا طيب، وإن لم يحصل فليس ذا أهمية.
﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مؤمن بمن؟ مؤمن بالله، وربما نقول: مؤمن بموسى أيضًا، ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يحتمل أن المراد من قرابته؛ لأن آل الإنسان قرابته، ويحتمل أن المراد من أتباعه؛ لأن الآل تُطْلَق على الأتباع، وأيَّا كان فالرجل ليس من بني إسرائيل، بل هو من قوم فرعون، سواء كان من قرابته أو من قومه الذين ينتمون إليه.
وقول المؤلف: (قيل: هو ابن عمه) هذا قول أشار المؤلف إلى ضعفه بكلمة (قيل)؛ ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ أي: يخفيه ويُسِرُّه خوفًا على نفسه.
وفي قوله: ﴿رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ هذه ثلاث صفات: مؤمن، من آل فرعون، يكتم إيمانه.
وقد قال علماء النحو: إن النكرة إذا وُصِفَت أول مرة فإن ما بعدها يجوز أن يكون حالًا ويجوز أن يكون صفة، وعلى هذا فيجوز أن يكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ حال، ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حال، ويجوز أن يكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ثانية، و﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حال، ويجوز أن تكون ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ صفة ثانية، و﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ صفة ثالثة. ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ أي: يخفيه عن فرعون وقومه.
﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ الاستفهام هنا للإنكار؛ يعني: كيف تقتلون رجلًا لم يأت بشيء إلا أنه يقول: ﴿رَبِّيَ اللَّهُ﴾؟! وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨].
وقوله: ﴿أَنْ يَقُولَ﴾ ﴿أَنْ﴾ هذه مصدرية على تقدير اللام؛ ولهذا قدَّرها المفسر بقوله: (أي لأن ﴿يَقُولَ﴾ ) وعلى هذا تكون أن منزوعة اللام التي للتعليل؛ أي: بقوله ربي الله، يعني ربي الله لا فرعون، وهم يرون أن ربهم فرعون.
(﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات الظاهرات ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ) ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: الباء للمصاحبة، و﴿الْبَيِّنَاتِ﴾: صفة لموصوف محذوف، وتقديرها خلافًا للمؤلف: الآيات؛ أي جاءكم بالآيات البينات أي الظاهرات التي تدل دلالة قاطعة على أنه نبي.
﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ هذا يُسَمَّى عند علماء المنطق السَّبْر والتقسيم؛ لأن موسى الآن إما أن يكون صادقًا، وإما أن يكون كاذبا. وليس هناك رُتْبَة بين الصدق والكذب؛ لأنه هو يقول: إنه رسول الله؛ فإما أن يكون صادقًا في هذا وإما أن يكون كاذبًا. وعلى كل فإنه لا يضركم أن تصدقوه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ يعني: عليه ضرر كذبه، وسوف يُوقِع الله به الخزي والعار لو كَذَب على الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ [الزمر ٣٢]، والآيات في هذه المعنى كثيرة، وأن الله تعالى يَهْتِكُ سره ويبين كذبه، فيكون كذبه عليه.
﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ﴿إِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ في أنه رسول وكذَّبْتُموه أنتم أصابكم بعض الذي يعدكم من العذاب عاجلًا، وكذلك يصبكم في الآخرة آجلًا، فصار الآن الخطر على من؟ الخطر عليه إن كان كاذبًا، وأنتم سوف تسلمون، والخطر عليكم إن كان صادقًا وهو سوف ينجو، وهذا لا شك أنه من تمام نصحه؛ أن الرجل تنزل مع آل فرعون إلى هذا التنزل لم يقل: إنه صادق مع أنه كان يؤمن به، لكن هذا من باب التَّنَزُّل، وهنا قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يقل: أتقتلون موسى إبعادًا للتهمة عن نفسه لئلا يظن أحدٌ أنه كان يعرف موسى وأنه يدافع عنه عن معرفة، ولكنه أتى بـ ﴿رَجُلًا﴾ النكرة إبهامًا للأمر وشدة في إخفائه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ أي: متجاوز للحد، ﴿كَذَّابٌ﴾: أي ذو كذب، وهل هذه الجملة التعليلية هل هي تعود على موسى أو تعود على فرعون؟ نقول: هي صالحة للأمرين؛ كلُّ مَنْ كان مسرفًا كذابًا فإن الله لا يهديه، هذا الوصف ينطبق على فرعون، أليس كذلك؟ فإنه مُسْرِفٌ متجاوز للحد كَذَّاب مُدَّعٍ ما ليس له؛ يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وكَذَب في ذلك، فهو مسرف كذاب، كذلك أيضًا في مقام المجادلة والتنزل تنطبق على موسى لو كان كاذبًا، فإنه يكون مسرفًا متجاوز للحدِّ وادعائه الرسالة وهو كاذب، وكذلك كَذَّاب؛ لأنه ادَّعى ما ليس صادقًا فيه، وعلى كل حال فالجملة هنا صالحة لأن تكون منطبقة على فرعون، وهي منطبقة على الحقيقة أو على موسى من باب التنزل مع الخصم.
* في هذه الآية والتي قبلها فوائد منها: قوة موسى عليه الصلاة والسلام وصراحته؛ حيث أعلن أمام مُهَدِّدِيه بالقتل بأنه عاذ بالله ربه وربهم؛ لقوله: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾.
* ومنها: قوة تَوَكُّلِه عليه الصلاة والسلام؛ حيث اعتمد على الله أمام هذا الطاغية الذي يَسْهُل عليه أن يُنَفِّذ ما توعد به.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وَصْفُ فرعون بهذين الوصفين الذَّمِيمَيْنِ: التكبر، وأنه لا يؤمن بيوم الحساب.
* ومن فوائدها: العدول إلى العموم دون الخصوص؛ لأنه لم يقل: إني عذت بربي وربكم من فرعون، ولكن قال: من كل متكبر؛ ليَعُمَّ فرعون وغير فرعون.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه إذا جاءت بصيغة العموم وبالوصف انطبقت على فرعون وبيَّنَت أنه متصف بالاستكبار، وكذلك الكفر بيوم الحساب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم الحساب وهو يوم القيامة. والحساب ليس مناقشة الإنسان على عمله؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٣٦) ومسلم (٢٨٧٦ / ٧٩) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] لأن الله لو ناقشك لكانت نعمةٌ من نِعَمِه تغطي جميع الحسنات التي قمتَ بها، بل إن حسناتك التي قمت بها نعمة من الله عز وجل تحتاج إلى شكر، ثم إذا وُفِّقْتَ إلى شُكْرِها تحتاج إلى شكر آخر للتوفيق إلى الشكر، ثم هَلُمَّ جَرًّا، ولهذا قال الشاعر:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
وهذا صحيح، فالحساب هو أن الله تعالى يخلو بعبده المؤمن ويُقَرِّرُه بذنوبه، فيقول: عَمِلْتَ كذا، عملت كذا. فإذا أَقَرَّ قال: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١) ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]]، أما الكفار فإنهم لا يحاسبون محاسبة مَنْ توزن حسناته وسيئاته؛ لأن ليس لهم حسنات، ولكن تُحْصَى أعمالُهم، ويوقفون عليها، ويُخْزَون بها؛ يعني: يُذَلُّون بها ويقال: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨] هذا هو حساب الكفار، وذاك حساب المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر ٢٨] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي العناية بمضمون القصة دون عَيْنِ مَنْ وَقَعَت عليه؛ لقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ وإلا فنحن نعلم أن الله يعلم من هذا الرجل، ويعلم اسمَه ونسبَه وكلَّ شيء يتعلق به، لكن الله تعالى ذكره إبهامًا إشارة إلى أن المهم مضمون القصة دون عين مَنْ وقعت عليه إلا إذا كان في تعيينه مصلحة فالمصلحة ذكره وتعيينه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه قد يكون من صلب المُعادِين مَنْ هو من الأولياء؛ لقوله هنا: ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وسواء قلنا: من قرابته أو من أتباعه على دينه فإنه يدل على أن الله على كل شيء قدير، وأنه قد يقَيِّض أو يُهَيِّئ الإيمانَ لمن كان بين قوم منغمسين في الكفر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إخفاء الإيمان إذا خاف الإنسان على نفسه؛ لقوله: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾، ولكن إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يعيش مؤمنًا إلا بالكتمان، فهل تجب عليه الهجرة؟
الجواب: نعم، في دين الإسلام أن مَنْ كان لا يستطيع أن يعيش إلى مُخْفِيًا دينه فإنه تجب عليه الهجرة، ولكن بشرط أن يكون قادرًا عليها، فإن كان عاجزًا فإن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء ٩٨، ٩٩].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: شِدَّةُ إنكار هذا المؤمن على فرعون الذي هَدَّد بالقتل؛ لقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾.
* ومن فوائدها: الإنكار على مَنْ عَمِلَ عملًا بدون سبب يقتضيه، من أين تؤخذ؟ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ وهذا ليس سببًا للقتل، بل على الأقل يُتْرَك وشأنُه، أما أن يُقْتَل لهذا السبب، فإن هذا منكر ولا يجوز إقراره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: العدول عن التعيين خوفًا من التهمة، أو إن شئت فقل: استعمال المعاريض؛ لقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ ولم يقل: أتقتلون موسى؛ لأنه لو عَيَّنَهُ باسمه لاتهمه الناس بأن له صلة به، وفَسَد ما يريده، لكنه أبهمه وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ إلى آخره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه السلام أتى بالآيات البَيِّنَة التي يُؤْمِن على مثلها البشرُ؛ لقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قوةُ إيمان هذا الرجل حيث جَابَه هؤلاء بإنكار ربوبية فرعون ضمنًا، من أين؟ من قوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فجابههم بأن لهم ربًّا سوى فرعون، وهذا يدلُّ على قوة هذا الرجل. أما قوله: ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فليس فيها دليل؛ لأن ربوبية الله عز وجل لموسى ما فيها شيء من الإنكار لكن ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ واضح بأنه يُعَرِّض بأن فرعون ليس برب، وأن الرب هو الله، وهذا يدل على كمال شجاعة هذا الرجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال السبر والتقسيم؛ يعني: الترديد بين حالين أو أحوال لا يزيد الأمر عليهما أو عليهم؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾.
* ومن فوائدها؛ أي: فوائد الآية: مراعاة الخصم فيما يُؤَلِّفُه ويقربه؛ لأنه بدأ بما كانوا يعتقدون وهو كذب موسى، فبدأ بالكذب قبل أن يبدأ بالصدق من أجل تأليفهم وبيان أن الرجل ليس عنده تعصب لموسى؛ ولهذا لم يبدأ بالصدق الذي هو أحد الاحتمالين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز التورية؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾، لأننا نعلم أن هذا الرجل يعتقد أنه صادق، لكنه أتى بهذا الكلام تورية بأنه ليس بمؤمن به، وذلك من أجل قَبول كلامه؛ لأنهم لو شعروا بأنه مؤمن لقتلوه، مؤمن بموسى وهو من آلهم، ولكنه أتى بالكلام الدال على التورية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن شؤم الكذب يعود على الكاذب وهو كذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، وقد فضح الله عز وجل الكاذبين المفترين عليه في الدنيا وسيفضحهم في الآخرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوةُ إيمانِ هذا الرجلِ بكونه يعتقدُ ويؤمنُ بأن بعضَ الذي وعدهم موسى عليه الصلاة والسلام سوف يصيبهم إذا كان صادقًا وقد كذَّبوه؛ لقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المسرف الكذَّاب أي: المتجاوز للحد بفعله وبقوله؛ بقوله لأنه كذاب، وبفعله لأنه مسرف، فإنه بعيد من الهداية؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
وحينئذ نسأل هل المراد هداية التوفيق أو هداية البيان والإرشاد؟ هداية التوفيق؛ لأن الله تعالى قد بَيَّن للمسرف الكذاب ولغيره، لكن وَفَّق من شاء من عباده وخَذَل من شاء، والله أعلم.
* طالب: قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: لأنه قال: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ يعني: في الدنيا، ولهذا قَدَّرها المفسر بقوله: (العذاب العاجل).
* طالب: بالنسبة للمؤمن هو من آل فرعون ولا من بني إسرائيل؟
* الشيخ: لا من آل فرعون، صريح. لكن هل هو قريبه أو متبعه على دينه؟
* الطالب: (...) المعاريض؟
* الشيخ: المعاريض معناها أن تُوَرِّي بشيء خلاف الواقع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: كأنه يقول: متى تجوز المعاريض؟
تجوز المعاريض إذا كان فيه مصلحة أو دفع مضرة، واستعمال المعاريض على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الظلم.
والثاني: دفع الظلم.
والثالث: ما ليس فيه هذا ولا هذا.
الظلم هو أن يستعمل الإنسان المعاريض لدفع حَقٍّ عليه، ودفع الظلم أن يستعمل المعاريض لدفع ظلمٍ عن نفسه، وما ليس كذلك ولا كذلك مثل أن يستعملها في الأمور المباحة.
مثال الأول: تخاصم زيد وعمرو عند القاضي، وكان عند عمرو لزيد مئة درهم فقال القاضي للمدعي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: لك اليمين على صاحبك. فقال المدعي عليه: والله ما عندي له شيء. ظاهر اللفظ النفي، لكن هو في قلبه نوى الإثبات، ونوى بـ(ما) الذي، وتقدير الكلام على نيته: والله الذي له عندي شيء، وهذا صحيح له عنده شيء، لكن هو ورَّى بأن (ما) نافية، وأنه ليس عنده شيء، القاضي سوف يحكم بأيش؟ بأنها نافية حسب ظاهر الحال، هذه المعروضة نقول: إنها حرام؛ لأنه تَوَصَّل بها إلى إسقاط حق عليه.
وكذلك أيضًا في الدعوى لو حلف لو قال له خصمه: أنا أرضى منك أن تحلف أن لك عندي شيء، فحلف مُوَرِّيًا فإنه حرام عليه.
أما دفع الظلم فمثل أن يحلف على دفع الظلم عن نفسه أو غيره؛ مثال ذلك: دخل عليه لص أو جندي ظالم يريد أن يأخذ ماله فقال: افتح لي هذا الصندوق. قال: والله ما في هذا الصندوق شيء. المخاطب سوف يظن أن الجملة نفي فينصرف، وهو يريد بها الإثبات، فهذه التورية لا شك في جوازها، بل إذا كان المال للغير مثل أن يأتي شخص ويقول: فلان عندك له كذا وكذا. فأقول: والله ما عندي له شيء، أعرف أني لو أخبرت لأخذها (...).
يقول: الدائرة لله ورسوله، هؤلاء القوم ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، وهم أهل بدر اطَّلَع الله عليهم فكافأهم مكافأة لم تحصل لغيرهم، اطلع عليهم فقال: «اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» » هذه الحسنة العظيمة محت جميع ما يعملونه من السيئات، ونفعت هذه الغزوة لمن غزا حتى حاطب رضي الله عنه الذي كتب بأخبار النبي ﷺ إلى قريش قبيل غزوة الفتح، لما عُثِرَ على ما صنع قال عمر رضي الله عنه للرسول ﷺ: دعني أضرب عنقه فقد نافق. عمر رضي الله عنه ما فيه إلا السيف، شجاع قال: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤ / ١٦١) من حديث علي رضي الله عنه ولفظه: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». ]] فوقعت هذه السيئة العظيمة من جملة ما يُغْفَر لأهل بدر؛ ولهذا كان أهل بدر أفضل من أهل بيعة الرضوان، أفضل لما حصل فيهم من النصرة العظيمة للنبي ﷺ؛ ولهذا يُسَمَّى يوم بدر يوم الفرقان.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو قائل قائل: ما المراد بقتال الملائكة مع المؤمنين يوم بدر؛ لأنه معلوم أن الملائكة عظام الخلقة فواحد منهم يكفي بضربة واحدة (...) المشركين؟
* الشيخ: ومن المعلوم أيضًا أن الله لو قال لهؤلاء الكفار: كونوا أمواتًا لماتوا، المسألة ما هي معناها من باب العجز أو القدرة؛ نزول الملائكة تثبيتًا لقلوب المؤمنين، ومشاركة لهم في هذا من باب التأييد للمؤمنين ونصرة الحق؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤].
* طالب: ما هو الدليل على الشهادة لهم بالجنة؟
* الشيخ: الدليل: إذا شهد الرسول لأحد بالجنة شهدنا له.
* طالب: (...) وقلت: إنهم بأشخاصهم من أهل الجنة (...)؟
* الشيخ: عمومًا إلا من شهد له الرسول مثل حاطب بن أبي بلتعة، فهذا نقول: هو مغفور له، ولكن لا شك أننا إذا كان حاطب مغفورًا له أن أبا بكر وعمر وعثمان أولى من ذلك.
* طالب: ما رأيك فيما ذهب إليه شيخ الإسلام (...)؟
* الشيخ: والله، هذا رأي قوي لا شك، يعني ما ذهب إليه شيخ الإسلام مُؤَيَّد بالحديث: «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٧) ومسلم (٩٤٩ / ٦٠) من حديث أنس رضي الله عنه. ]] وإذا كانت الأمة أو غالب الأمة أجمعوا على ذلك فهو كاف، لولا أنه يُخْشى من مسألة: وهو أنه يأتينا أهل الفرق الضالة ويقولون: نحن مجمعون على الشهادة لفلان بكذا وكذا وهو رأس بدعة، وهم يَدَّعون أنهم أهل الحق، لكن يمكن الانفكاك عن هذا الإيراد أن نقول: هؤلاء لا تُقْبَل شهادتهم؛ لأنهم على باطل وعلى ضلالة، والمراد شهادة أهل الحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، على سبيل العموم كلهم في الجنة، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التابعون ما نقول (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: لا تقل: أحسبه شهيدًا، قل: «مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»[[أخرجه مسلم (١٩١٥ / ١٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]] كما قال عمر رضي الله عنه، عمر خطب الناس وقال: إنكم تقولون: فلان شهد وفلان شهيد وربما يكون فعل كذا وكذا، ولكن قولوا: «مَنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ».
* طالب: كيف نجمع بين قول عمر بن الخطاب وبين (...).
* الشيخ: ما هو التعارض؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يوافق حكم الله؛ لأنه يتكلم عن حكم الله عز وجل.
* طالب: (...) عير قريش أن كل من أخذ منك مالًا بالقوة والغصب (...) أن يفعل مثل ما فعل النبي ﷺ أم حالة خاصة؟
* الشيخ: لا ما هي خاصة، إذا كانوا حربًا لنا.
* طالب: وفي غير الحرب؟
* الشيخ: لا، في غير الحرب لا تخن من خانك، لكن إذا كانوا حربًا جاز لنا أخذ مالهم.
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٢٩ - ٣١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقيه كلام الرجل المؤمن الذي من آل فرعون والذي أَدَّى النصيحة لقومه في قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر ٢٨]، وهنا نناقش ما سبق:
قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ كيف تعرب: ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؟
* طالب: لها وجهان من الإعراب.
* الشيخ: يجوز فيها وجهان؛ الأول؟
* الطالب: أنها تكون حالًا، أو أنها صفة ثانية.
* الشيخ: صفة ثانية أو ثالثة؟ ثالثة.
كيف جاز أن تكون حالًا والموصوف بها نكرة، والنكرة لا تأتي منها الحال؟
* الطالب: قلنا: إن النكرة إذا وصفت (...) الأول بوصف بينما يأتي هذه الأوصاف (...) يكون حالًا أو صفة.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
لماذا كان يكتم إيمانه؛ يعني: يخفيه؟
* طالب: خوفًا من أن يقتلوه.
* الشيخ: خوفًا من أن يقتلوه؛ لأنه ما دام هددوا موسى بالقتل فهو خاف على نفسه فأخفى إيمانه.
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ما المراد بالبينات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بالآيات البينات. طيب آيات على أيش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لماذا جاءت الآيات مع موسى؟
* طالب: لأجل أن يؤيده (...).
* الشيخ: أحسنت، صح.
لماذا قال: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ ولم يقل: كل؟
* طالب: لأن العذاب في الدنيا ليس كل العذاب.
* الشيخ: المراد به عذاب الدنيا وليس كل العذاب.
لماذا جاء هذا الترديد في قوله: إن يك و إن يك، مع أنه يؤمن بأنه صادق؟
* طالب: أولًا من باب التنزل مع الخصم، هو مؤمن بما قال ولكنه من باب التنزل ومن باب إبعاد..
* الشيخ: إفحام الخصم، أن الحال لا تخلو من أحد الأمرين، نعم، طيب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ كيف نفى الهداية مع أنه قد يهدي مثل هؤلاء؟
* طالب: الهداية المنفية هي هداية التوفيق، أما هدية الدلالة والإرشاد فهي لكل أحد.
* الشيخ: طيب، أليس من الناس من هو مسرف كذاب وهداه الله؟
* طالب: نعم، لكن هذا ليس في الغالب، لأن المتكبر ربما الله سبحانه وتعالى يحيمه الهداية لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥]، وقال عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
* طالب آخر: هنا الإسراف والكذب مطلقة فتحمل على الإسراف الأكبر الذي هو الكفر.
* الشيخ: إي، ما يخالف، لكن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ مع أنه الله قد هدى قومًا مسرفين كذابين؟
* الطالب: نعم، ولكن على إطلاقه، إذا أصرَّ الإنسان عليه؛ يعني: مطلق الإسراف أو مطلق الكذب الذي هو الكفر، فإن بَقِيَ على إسرافه وكذبه فإنه يُحْرَم من الهداية، أما إن تاب ورجع يهديه الله سبحانه وتعالى.
* طالب آخر: (...) على نفي الكمال (...).
* طالب آخر: المقصود هنا في الآية أن هذا الرجل إما أن يكون قد تَنَزَّل لفرعون فيكون قد قصد بذلك موسى فإنه إن كان كاذبًا فإن الله لا يهديه وإما أن يكون قصد الحقيقة ويكون قصد فرعون بهذا وأن فرعون هو المتكبر (...).
* الشيخ: ما يخالف، دعنا من هذه القضية، هذه القضية بقي فرعون على كفره حتى هلك. لكن غيره، قد يكون الإنسان مسرفًا كذابًا ثم يهتدي.
* طالب: أن الله إذا أراد بعبده الهداية ففي وقت الهداية هذه يزول عنه الإسراف والكذب فيهديه الله.
* الشيخ: يعني: لا يهدي من هو مسرف كذاب ما دام على ذلك؟
* طالب: هذا عام أريد به الخصوص المراد فرعون.
* الشيخ: هذا هو الأقرب؛ أن المراد به فرعون، لأنا إحنا قلنا فيما سبق أمس: إن المسألة إما أن يكون هو مسرف كذاب فلا يمكن أن يهتدي، أو أنتم فلا يمكن أن تهتدوا. وجواب آخر أن يقال: أن من قضى الله عليه في الأزل أنه مسرف كذاب فإنه لا يهتدي، هذه النقطة لم نتكلم عنها بالأمس، ولذلك فأنتم معذورون في هذه الأقوال الكثيرة التي سقتموها.
غافر 40:29
نقرأ الدرس الجديد: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٢٩]، تأمل حسن خطاب هذا الرجل، كان بالأول يُنْكِر عليهم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولما أراد أن يتودد إليهم وأن يبين لهم نعمة الله عليهم تَلَطَّف في الخطاب فقال: ﴿يَا قَوْمِ﴾ وكأنه واحد منهم، وهذا -يعني اللطف في الخطاب في جانب الدعوة- من الأمور التي أمر الله بها شرعًا، والتي يهدي بها الله من شاء من عباده قَدَرًا، فقد قال الله لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه ٤٣، ٤٤].
ثم إن أيضًا القَدَر يُؤَيِّد هذا فكم من إنسان لان بسبب القول اللين، وكم من إنسان اعتدى بسبب العدوان في القول؛ ولهذا تجد هذا الرجل مِنْ حكمته أنهم لما هَدَّدوا موسى بالقتل أنكر عليهم علنًا ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، ولما أراد أن يُبَيِّن لهم النعم ويدعوهم إلى الحق قال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين عالين على أهلها، وقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني: أنتم اليوم مالكون، وتأمل أيضًا حسن هذا الخطاب والتحرز ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ يعني: والمستقبل لا يُعْلَم، قد يزول ملككم، لكن اليوم أنتم في نعمة، غالبين في الأرض ظاهرين على أهلها، فيجب أن تشكروا هذه النعمة.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال المفسر: (أرض مصر) وعلى هذا فـ(أل) في الأرض للعهد الذهني أي: الأرض المعهودة أرضكم.
(﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ عذابه ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ ) ﴿مَنْ يَنْصُرُنَا﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه للاستفهام بمعنى النفي أي: لا أحد ينصرنا، والنصر هنا بمعنى المنع، أي: فمن الذي يمنعنا من بأس الله، والبأس هو العذاب.
وقوله: ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ يعني: إن نزل بنا، فهل أحد ينصرنا؟ حتى لو كنا اليوم ظاهرين في الأرض وكنا نحن ملوكًا فإنه إذا نزل بنا بأس الله لا أحد يمنعنا، وقول المفسر: (إن قتلتم أوليائه) قد يقال: إن هذا الذي عَيَّنَهُ المفسر يدل عليه السياق؛ لأنه أنكر عليهم أن يقتلوا موسى، وقد يقال: إن المراد: إِنْ بقيتم على الكفر والعدوان ومنه قتل موسى، وهذا أصح وأعم؛ يعني: ما الذي ينصرنا من بأس الله إن جاءنا لكوننا مستحقين لهذا العذاب بالكفر وقتل أوليائه.
قال فرعون مجيبًا لهذا الرجل: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أكذب قول في الأرض هو هذا ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ يعني: ما أُظْهِر لكم شيئًا حتى تروه إلا ما أرى أنه الحق، وهذه دعوى كاذبة؛ لأنه يَعْلَم أن الحق في اتباع موسى كما قال له موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل ١٤] لكن جحدوا ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل ١٤]، فهو يقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أرى أنه صواب وأنه حق، وهذه الدعوى كاذبة.
وإن كان أراد ما أريكم إلا ما أرى أنه من مصلحتي فهذا صادق لكنه غاش، وعلى كل حال فالجملة مؤاخَذ عليها؛ لأنها إما كذب، وإما غش؛ إما كذب إن كان يقول: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ من الصواب، وإما غش إن كان يرى أن الحق خلاف ما أراهم لكنه لمصلحته أراهم ما رأى.
قال: معناه (ما أشير عليكم إلا ما أشير به على نفسي وهو قتل موسى)، هذا أيضًا تخصيص في غير محله؛ لأن فرعون لا يهمه أن يقولوا: اقتل موسى أو لا تقتله؛ لأنه مصمم على ما يريد، لكن أهم شيء أَلَّا يكفروا به، ألا يُبَدَّل دينه؛ وعلى هذا فالمقصود بقوله: ﴿إِلَّا مَا أَرَى﴾ في بقائكم على دينكم، هذا معنى الآية؛ لأن أصل الإنكار على موسى والتهديد بقتله أصله أنه خاف أن يُبَدَّل الدين.
قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يعني: ما أدلكم إلا على سبيل الرشاد، الرشاد ضد الغي؛ ولهذا يقال: رُشْدٌ وغَيٌّ ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦] يعني الصواب والسداد، وسبيل بمعنى طريق، وهو صادق في هذا أو كاذب؟ أكذب الكاذبين؛ لأنه ليس يهديهم سبيل الرشاد، بل يهديهم سبيل الغي والعناد والاستكبار والكفر، فصار كاذبًا في الجملتين: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ إذا قلنا: إن المعنى إلا ما أرى أنه صواب ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ هو أيضًا كاذب؛ لأنه بلا شك يهديهم سبيل الغي والفساد.
* في هذه الآية: حُسْنُ خطاب هذا الرجل المؤمن حين تلطف في الدعوة إلى الله عز وجل في قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعي أن يُذَكِّر المَدْعُوِّين بنعمة الله عليهم حتى يخضعوا ويشكروا هذه النعمة؛ لقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: حسنُ احترازِ هذا الرجل المؤمن؛ لقوله: ﴿لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، يعني: وأما في المستقبل فقد يزول ملككم، لكن اشكروا النعمة الحاضرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الاعتبار في الحال بما هي عليه الآن، أما المستقبل فقد تتغير الأحوال، لكن نحن مُخاطَبون ومأمورون أن ننظر إلى الحال الحاضرة الآن.
يتفرع على هذه المسألة مسألة اجتماعية؛ وهي أن بعض الناس يخطب ابنته رجل غير مستقيم يعني ليس كافرًا لكنه فاسق بشرب دخان أو حلق لحية أو ربا أو ما أشبه ذلك، فيأخذه الطمع ويَقْبَل الخطبة، ثم يقول: لعلَّ الله يهديه، أو لعل هذه البنت الملتزمة تسعى في هدايته، فيقال: نحن لا ننظر للمستقبل، المستقبل له الله، بل ربما أن هذا الرجل يُغِوي المرأة؛ لأنه هو أقوى منها جانبًا، فأنت الآن مأمور بالنظر إلى الحال الحاضرة، أما المستقبل فلست مأمور بالنظر إليه، ولا يجوز أن تنظر إليه؛ لأنه مستقبل غيب، فأنت الآن اعرف الحال التي أنت عليها وتَصَرَّف على ما هي عليه الآن، هذه نأخذها من قول هذا الرجل المؤمن: ﴿الْيَوْمَ﴾.
واعلموا أنني إذا قلت: حسن خطاب هذا الرجل أو احترازاته أو ما أشبه ذلك ليس معناه أني أخبركم عن قصة مضت وتاريخ مضى. لا، أريد أن تأخذوا من ذلك عبرة تسيرون عليها؛ لأن ما دام نُثْنِي على هذا الرجل بخطابه ومعالجته للأمور فإنه يعني أننا نحث على اتباع طريقه.
فأنت الآن اعرف الحالة التي أنت عليها، وتصرف على ما هي عليه الآن، هذه نأخذها من قول الرجل المؤمن: اليوم، واعلموا أنني إذا قلت: حسن خطابة هذا الرجل أو احترازاته أو ما أشبه ذلك، ليس معناه أني أخبركم عن قصة مضت وتاريخ مضى، لا، أريد أن تأخذوا من ذلك عبرة تسيرون عليها؛ لأن ما دام نثني على هذا الرجل بخطابه ومعالجته للأمور فإنه يعني أننا نحث على اتباع طريقه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آل فرعون قد غلبوا في مصر وظهروا عليها، ولم يكن لهم منازع؛ لقوله: ﴿ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٢٩]، ومن ثم تكبر فرعون ولم يخضع لموسى؛ لأن موسى من بني إسرائيل، وهم قلة أذلة في مصر، والغلبة للأقباط.
* ومن فوائدها: أن الظهور والغلبة قد يكون سببًا للأشر والبطر إلا من وفقه الله، بعض الناس إذا أعطاه الله تعالى سبب رفعة لا يزيده ذلك إلا تواضعًا للحق وللخلق، وبعض الناس إذا أعطاه الله تعالى رفعة صار هذا سببًا في تعلِّيه على الخلق واستكباره عن الحق، وهذه محنة يجب على المرء أن يعالج نفسه فيها، لا إذا أعطاه الله مالًا يزم ويعلو ويستكبر، فإن الذي أعطاه هذا المال قادر على أن يتلفه عليه، لا يقول إذا أعطاه الله علمًا: أنا عالم، وأنا من أنا، ثم يتعَلَّى عن الحق وعلى الخلق، بل يجب على الإنسان كلما آتاه الله علمًا أن يزداد تواضعًا.
هذا ما أقوله وأرجو أن أتصف به وإياكم، فعلى الإنسان أن يعرف هذه المسألة، وأن الله قد يبتلي الإنسان بالشيء الذي قد يكون داعيًا لعلوه واستكباره عن الحق وعلى الخلق، فليحذر هذا الأمر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قوة إيمان هذا الرجل، وأنه لا دافع ولا مانع لما أراد الله لقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر ٢٩]، وهذا يدل على كمال يقينه -رحمه الله ورضي عنه- حيث آمن بأنه إذا جاء بأس الله فإنه لا مرد له.
* ومن فوائدها أيضًا: التلطف بالخطاب حتى يُشْعِر الإنسانَ المخاطبَ وكأنه هو أول من يُراد بهذا الأمر، أو بهذا الخطاب لقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾، ولم يقل: فمن ينصركم من بأس الله إن جاءكم، كل هذا من باب التنزل مع هؤلاء وإشعارهم بأنه واحد منهم، وقد يقال: إن في هذا إشارة إلى أن العذاب إذا نزل يعم الصالح والفاسد، ويكون قوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ يُراد به حقيقته؛ أي أنه هو سيصيبه ما أصابهم، ويكون هذا شاهده؛ قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] وهذا ليس ببعيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا نزل بأس الله فإنه لا مرد له، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥].
وهل يُستثنى من هذا أحد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الصالح صالح.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، كل من أتاهم بأس الله فإنهم لن ينجوا ولو آمنوا، فلا يُستثنى من هذا أحد؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أسألك: هل سافرت؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: المهم لا تكون مسافة القصر بس.
* طالب: قوم يونس.
* الشيخ: نعم، قوم يونس ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس ٩٨] يعني إذا نزل بها العذاب، ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [يونس ٩٨]، ولماذا خُصَّ قوم يونس؟ لحكمة؛ لأن الله عز وجل لا يمكن أن يخص أحدًا بشيء إلا لحكمة، الناس عنده سواء ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات ١٣].
الحكمة أن يونس عليه الصلاة والسلام خرج من قومه مغاضبًا قبل أن يُؤذن له، وكأنه لم يستكمل الدعوة فلم تقم عليهم الحجة الكاملة، ولهذا نجوا حين آمنوا بعد رؤية العذاب، فصار إنجاؤهم له حكمة، وهو خروج نبيهم مغاضبًا قبل أن يُؤذن له، فكأنه لم يستكمل إقامة الحجة عليهم، فصار في هذا نوع عذر لهم فأنجاهم الله عز وجل.
يُشْكِل على هذا آية دائمًا إذا قرأتها أقول كيف يكون هذا؟ قال نوح لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح ٤] كيف قال: إنهم إذا آمنوا يغفر لهم من ذنوبهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى، ثم قال: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾؟ فكان بالأول يقول: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ﴾، والثاني يقول: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾؟
* طالب: على التقدير: فإن كفرتم إن أجل الله لا يؤخر، إن كذبتم..
* الشيخ: نعم.
* طالب: قول النبي ﷺ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي..»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧/٢١) من حديث أنس رضي الله عنهما، ولفظه: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه».]].
* الشيخ: نعم، ليس هذا.
* طالب: (...) إذا جاء لا يُؤَخَّر العذاب..
* الشيخ: نعم، صحيح؛ يعني أحذركم من العذاب فإنه إذا جاء لا يؤخر، لكن إذا آمنتم أخركم إلى أجل مُسمى، وعلى هذا فلا تناقض في الآية، نعم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ إلخ، في هذه الجملة والتي بعدها دليل على تمويه فرعون وغشه وكذبه وضلاله؛ لأنه خدع قومه بقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩]، وكذب في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ قطعًا، وكذب في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ على أحد الاحتمالين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الباطل قد يكون لديهم زخرف من القول غرورًا؛ لأن مثل هذا الزعيم الذي وصلت به الزعامة إلى أن جعلوه ربًّا إذا قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ سوف يخدع قومه بلا شك، وعلى هذا فيجب علينا الحذر من خداع بعض الناس، إذا قالوا: نحن نريد كذا ونريد كذا من الإصلاح، فيجب أن ننظر لأفعالهم، هل تشهد أفعالهم لأقوالهم؟ إن كان الأمر كذلك فهم صَدَقَةٌ بَرَرَة، وإن كانوا بالعكس فهم كذبة غَشَشَة، يخدعون بزخرف القول غرورًا.
ولهذا كان الإنسان الذي لديه فراسة لا يغتر بظاهر الأقوال، وإنما يقيس ما يقوله، أو يعتبر ما يقوله بما يفعله، فإذا رأى أن أفعاله تخالف أقواله علم أنه كاذب غشاش، وإذا رأى أن أفعاله تصدق أقواله صار صادقًا، وصار مخلصًا لموافقة باطنه لظاهره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل أحد يعرف أن الرشد مطلوب، وأن الغي مكروه، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ فرعون وقومه.
* الشيخ: الجملة الثانية أو الأولى؟
* طالب: الثانية.
* الشيخ: الثانية، إذن هم يعرفون أن الرشاد أمر مطلوب، كل إنسان حتى الكافر يرى أن الرشد أمر مطلوب، فما هو الرشد الحقيقي، هل هو إتباع الهوى أو إتباع الهدى؟ الثاني، إتباع الهدى، لكن التمويه مُشْكل.
غافر 40:30
ثم قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ [غافر ٣٠]، في الأول قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾، فنقول: لماذا كرر هذا الوصف لهذا الرجل؟ لطول الحديث والفصل، قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أما اختلاف الجملتين فإن الثانية تؤكد الأولى بأن هذا الرجل قد اصطبغ في الإيمان وحقق الإيمان.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ (يا قوم): يعني بذلك فرعون وقومه، وهذا من باب التلطف في المقال، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الطوائف السابقة، وكأن هذا الرجل الملهم عنده علم بأحوال الأمم السابقة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على فائدة هذه الجملة.
﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي يوم حزب بعد حزب، ثم أبدل منه قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر ٣١] دأب: بمعنى عادة، وذكر قوم نوح؛ لأنه هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر ٣١]، وكل هؤلاء متقدمون، بعيدو العهد قبل موسى وقبل فرعون، فهم من أوائل الرسل.
﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ﴾ (عاد) معطوفة على أيش؟
* طلبة: قوم.
* الشيخ: على (قوم)، ولا يصح أن تكون معطوفة على (نوح)؛ لأنها لو كانت معطوفة على (نوح) لكان المعنى: مثل قوم عاد، ولا يستقيم الكلام، بل مثل عاد، وهم قوم هود، وثمود قوم صالح.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر ٣١] من الأمم، وسيأتي أنه أشار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام بن يعقوب بن إبراهيم.
يقول: (مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا) إذن (مثل دأب) ما هو مثل عادتهم، إلا إذا أريد إضافتها إلى المفعول به؛ أي مثل العادة التي أوقعها الله بهم، لكن كأن المؤلف جعلها مضافة إلى الفاعل، وأنها على تقدير مثل جزاء عادتهم؛ لأن الجزاء من الله، والعادة من هؤلاء الأقوام من الأحزاب، العادة عادة الأحزاب، والعقوبة عقوبة الله، فإما أن نقول إن الكلام على تقدير مثل عقوبة عادة قوم نوح إلى آخره، أو نقول مثل دأب قوم نوح؛ أي مثل العادة التي فعلها الله بهم، والمعنى واحد، المراد أنه يخاف عليهم مثل هذه الأيام التي هي عقوبة لهؤلاء الذين كذبوا رسلهم.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١] ما: نافية تعمل عمل ليس لتمام الشروط، ولفظ الجلالة اسمها، ويريد جملة هي خبرها، ولو كانت اسمًا لكان التقدير: وما الله مريدًا ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ الظلم يتناول شيئين: إما الزيادة في الآثام وإما النقص في الحسنات، وكله ممتنع بالنسبة لله عز وجل، لا يمكن أن يقع منه ولا يمكن أن يريده، لماذا؟ لكمال عدله.
* في هذه الآية من الفوائد: شدة خوف هذا الرجل من عقاب الله، وهذا يدل على كمال إيمانه؛ لأنه لا يخاف أحد من شيء إلا وهو مؤمن به.
* ومن فوائدها أن عند هذا الرجل علمًا من نبأ الأولين لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر ٣٠، ٣١] إلى آخره.
* ومن فوائدها أنه ينبغي للإنسان أن يكون عنده علم بأحوال الأمم السابقة من أجل أن يكون معتبرا بمن مضى فيمن بقي، وعلى هذا فعلم التاريخ علم مهم، ولكن يجب أن نعلم أن التاريخ أصابه شيء من الوضع؛ أي من التحريف والتغيير والكذب والزيادة والنقص، فعلى الإنسان أن يحتاط في ذلك، عليه أن يحتاط في هذا حتى لا ينقل أو لا يروي إلا الصحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوم نوح وعاد وثمود كانوا أول الأحزاب لقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر ٣١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء إرادة الظلم عن الله عز وجل لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ [غافر ٣١] وإذا انتفت الإرادة انتفى الفعل قطعًا؛ لأن الله تعالى يفعل ما يريد، فإذا لم يرد الظلم انتفى الظلم.
على أنه في آيات أخرى نفى الظلم نفسه، فقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٩]، فيكون الله تعالى قد نفى الظلم عن نفسه، ونفى إرادة الظلم، وذلك لكمال عدله.
وهذه الصفة من الصفات التي يسمونها الصفات السلبية أو الصفات المنفية، ولدينا قاعدة في باب الأسماء والصفات أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا كل نفي في صفات الله فإنه يتضمن شيئين، أحدهما: نفي ما نُفِي عن الله، والثاني: إثبات كمال ضده، فيُقال: لا يظلم لكمال عدله، وإن شئت فقل: لكمال عدله لا يظلم؛ لأن العدل إذا لم يكن عدله كاملًا قد يظلم في بعض الأشياء، أما الرب عز وجل فإن عدله كامل لا يمكن أن يدخله ظلم بأي وجه من الوجوه.
وهذا الظلم المنفي عن الله لكمال العدل، هل هو مستحيل لذاته أو جائز لكنه مستحيل على الله تعالى لكماله؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، خلافًا للجهمية الذين قالوا: إن الظلم مستحيل على الله لذات الظلم؛ لأنه إذا كان مستحيلًا لذاته لم يكن مدحًا، ما يُمدح من استحال عليه على ذلك؛ لأنه مستحيل، وهم يقولون: إنه مستحيل لذاته؛ لأن الخلق كلهم ملكه، ويفعل في ملكه ما يشاء، ومن تصرف في ملكه فإنه لا يُقال: إنه ظالم، ولو قَدَّم شيئا على شيء أو نقص شيئًا عن حقه، ولكننا نقول: إن الله تعالى صرح بأنه حرم الظلم على نفسه، وهذا يدل على أن الظلم في حقه ممكن عقلًا، لكنه حرمه على نفسه لكمال عدله.
والخلاصة أن من قواعد الأسماء والصفات أنه لا يوجد النفي المحض في صفات الله، بل لا يوجد نفي في صفات الله إلا لكمال ضده: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] لماذا؟ لكمال قوته، لا لأن اللغوب لا يلحقه، لكن لكمال قوته لا يلحقه اللغوب، وليس المعنى أنه ليس مما يمكن أن يلحقه لغوب، لا، لكنه مستحيل لكمال قوته.
قال أهل العلم: وإنما قلنا بذلك؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ، صحيح أو لا؟ النفي المحض لو نفيتَ شيئًا معناه أنه غير موجود، والعدم المحض ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا؛ لأنه عدم، والعدم ما يُمدح عليه.
وإما أن يكون النفي متضمنًا لإثبات، هذا الإثبات قد يكون عجزًا، فمثلًا إذا قلنا: فلان لا يظلم؛ لأنه غير قادر على الظلم، فليس هذا يعني أننا مدحناه، بل هذا ذم له كقول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا ∗∗∗ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
أول ما تسمع هذا الكلام تقول: ما شاء الله، هؤلاء أوفياء ذوو عدل، لكنه في الواقع ذم، يقول: إن هؤلاء ما يقدر الواحد منهم أن يغدر، ولا يقدر أن يظلم، والثاني يقول:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَــاءَةِ أَهْلِ الـــسُّوءِإِحْــسَــانَا
يعني أنه إذا أساء إليهم الإنسان أحسنوا إليه، وإذا أساء إليهم غفروا له وتجاوزوا عنه، لكن لكمال إحسانهم وكمال عفوهم أو لعجزهم؟ لعجزهم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
ليت لي بهم: أي بدلهم، وهذا يدل على أنه ذمهم ذمًّا عظيمًا.
وقد يكون النفي لعدم صلاحية هذا الوصف لما نُفي عنهم، قد يكون نفي الشيء عن الشيء؛ لأنه غير قابل وغير صالح لأنْ يوصف به، كما إذا قلت: الجدار لا يظلم، هل هذا مدح للجدار؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه غير صالح ولا..
* الشيخ: لأنه غير قابل ولا صالح للظلم أو عدم الظلم، فتبين بذلك أن الله تعالى لا ينفي عن نفسه شيئا إلا لكمال ضد هذا المنفي، لا لأنه غير قابل له أو غير صالح في حقه أو ما أشبه ذلك من الناحية العقلية.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١] إذن نستفيد من هذا نفي إرادة الظلم عن الله لكمال عدله.
(...)
* طالب: كيف استنبطنا يا شيخ من الآية أنها إشارة إلى يوسف؟
* الشيخ: مذكورة في هذا، هو سيقول: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٣٤].
* طالب: هل يستدل بقول موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢]، هل استدل بذلك على الإغلاظ في الدعوة؟
* الشيخ: هو الإغلاظ في محله طيب؛ لأنه هو قال له كلمة أشد من هذه، قال: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] فهل يغلظ له بالقول ويسكت؟! وموسى عليه الصلاة والسلام معروف بالقوة.
* الطالب: يا شيخ، من باب التلطف الداعية يقول: وإني أكثركم تقصيرًا، فيظن ضعاف النفوس الجهال فيقولون: ما دام هذا الداعية أو هذا الشيخ كثير التقصير نحن إذن من باب أولى، ثم يصيبهم ما يصيبهم.
* الشيخ: على كل حال هذه الكلمة ينبغي للإنسان أن ينظر في مصلحتها، وإلا فقد قالها عمر بن عبد العزيز رحمه الله في آخر خطبة خطبها، قال: إني لأقول لكم هذا وما أعلم أحدًا عنده من التقصير -أو قال: من الذنوب- أكثر مما عندي. هي في الحقيقة قد تكون مشجعة وقد تكون مخذلة، قد يقول قائل: إذا كان هذا الرجل الداعية العابد مقصرًا كيف بنا نحن، إذن فلنشمِّر عن ساعد الجد، وقد تكون كما قلت، فيه سلاح ذو حدين، فلينظر الإنسان للمصلحة، والإنسان أحيانًا يقول مثل هذا؛ لأنه يخشى على نفسه من العجب.
* طالب: قلتم يا شيخ من قبل: لا ينبغي أن يزوج ابنته من فاسق ويقول: لعل الله أن يهديه، لو حصل العكس وأراد الرجل أن يتزوج بامرأة غير مستقيمة، وقال: لعل الله أن يهديها بي وإلا طلقتها.
* الشيخ: نفس الشيء، لا، ما هو إلا طلقتها، قد يكون الإنسان عنده عزم في هذا أول الأمر، لكن إذا تزوجها ورغب فيها عصفته، جذب النساء للرجال ما هو هين.
* الطالب: لو ظن فيها قبول الدعوة؟
* الشيخ: كلمة الظن هذه غير واردة في الواقع، ولذلك أنت غير مكلف إلا بما بين يديك، حتى لو أخلفت الأمور فيما بعد فأنت مجتهد ولا لوم عليك ولا إثم عليك، لكن عليك إثم أنك تقدم على شيء تعرف أنه الآن غير صالح لكن رجاء أن يصلح، هذا خطأ.
والمرأة ربما تغلب الرجل، إذا أحبها حبًّا شديدًا ربما تقول له: اسجد لي، يقول: ما هو الله أكبر أنتِ أكبر، ألم تعلم أنه ذكر أحد العلماء -نسيت من هو- قال: إن مؤذنًا دعت عليه أمه بدعوة، وكان رجلًا صالحًا، فلما صعد إلى المنارة يؤذن وإذا بامرأة نصرانية في سطح بيتها جميلة، فأخذت بلُبِّه، فأرسل إليها يخطبها، فقالت: لا يمكن إلا إذا كنت نصرانيًّا، حاول، قالت: أبدًا، فتنصَّر، والعياذ بالله، صار نصرانيًّا، ارتد عن الإسلام الآن، فأعاد الخطبة قالت: الآن أنت لست مسلمًا ولا نصرانيًّا فلا أَحِلُّ لك، يعني هذا الرجل -نسأل الله العافية- ارتد عن دينه من أجل هذه المرأة، وصارت هذه المرأة كيدها أعظم من كيده، قالت له: لست مسلمًا ولا نصرانيًّا، والنصرانية لا تحل إلا للمسلم أو النصراني ارجع وراءك؛ نسأل الله العافية.
* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، ذكرتم قاعدة وقلتم النفي المحض لا يوجد في صفات الله، وكل نفي في صفات الله تضمن شيئين..
* الشيخ: الشيء الأول: نفي الصفة، والثاني: إثبات كمال ضدها.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هي المشكلة؟
* الطالب: اتخاذهم فرعون (...).
* الشيخ: أبدًا (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، يقولون بأن لهم ربًّا، لكن ربهم فرعون.
* الطالب: يعني يؤمنون بالربوبية.
* الشيخ: لفرعون.
* الطالب: لا لله.
* الشيخ: لا لله.
* الطالب: يعتبرون موحدين بالربوبية؟
* الشيخ: إي معلوم، موحدين بربوبية فرعون، عندهم توحيد فرعون ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: (...)، أيش تقولون يا جماعة؟
* طلبة: لا، ما عندهم توحيد.
* الشيخ: ما عندهم توحيد، التوحيد هو توحيد رب العالمين، أما توحيد فرعون أو غيره فلا.
* الطالب: (...) الأنبياء والصالحين في القرآن، هل هي بنصها؟
* الشيخ: يعني باللفظ نفسه لا، ما هي بلفظها، بالمعنى، ولهذا تجد العبارات مختلفة، مما يدل على أن الله تعالى ينقلها بالمعنى، وإن أضافها إليهم قولًا لكن بالمعنى، ثم هم أيضًا لغتهم غير عربية.
* الطالب: بعض الآيات التي يحكي فيها الله عز وجل عن إنسان أو أحد مثل قوله عز وجل: ﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف ٣٩] هل يقول الإنسان: قال الله تعالى حاكيًا عن رجل، أو يقول: قال الله تعالى: ﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؟
* الشيخ: لا، يقول: حاكيًا؛ لأنه قد يوهم أن الضمير يعود على الله.
* طالب: إذا كان الزوج كافرًا والزوجة مسلمة (...) فرعون وزوجته؟
* الشيخ: هذا الإشكال صحيح، يقول: هل يجوز للكافر أن يتزوج مؤمنة؟
فنقول: لا، فأورد علينا إشكالًا وهو أن امرأة فرعون كانت مؤمنة لا شك، وهو أكفر الكافرين.
الجواب: أن هذا شرع من قبلنا، أما شرعنا فلا، وتعرف القاعدة في الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه. هذا وجه، ومن وجه آخر قد يُقال: إن فرعون أكرهها على ذلك، وأنها لا تحبه، ولهذا تقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم ١١] لكن هو ظالم ولا يبالي.
* طالب: يا شيخ ذكرت أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة مسلمة غير ملتزمة؟
* الشيخ: أنا قلت هذا؟! أعوذ بالله.
* الطالب: لا يجوز، لا يُستحب.
* الشيخ: بس فرق بين لا يجوز ولا يستحب، أنتم طلبتي وتعرفون كلامي وتعرفون أسلوبي، إذا نقلتم عني أنه لا يجوز للفاسق أن يتزوج مسلمة هذه داهية، معناه: ما نزوج أحدا أبدًا؛ لأن أكثر الناس فُسَّاق، عَدِّل العبارة.
* الطالب: لا يستحب له أن يتزوج المرأة غير الملتزمة؛ لأنها قد ترجعه إلى طريقتها.
* الشيخ: هذا صحيح، ولهذا قال النبي ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ»، ثم قال في النهاية: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣)، والنسائي واللفظ له (٥٣١٨)، كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش الإشكال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: «إن الله إذا عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩) من حديث أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.]].
* * *
* طالب: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٤، ٣٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ وقبل البدء في التفسير نقدم مقدمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها.
فنقول: إن من نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يحبب إليه العلم، وذلك لأن العلم الشرعي مفتاح كل خير؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠) من حديث معاوية رضي الله عنه.]] وهذه بشرى لكل من فقهه الله في دينه وعلمه أن الله أراد به خيرًا.
والفقه في الدين هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، ثم تطبيق هذه الأحكام التي علمها؛ لأن من لم يطبق فليس بفقيه، بل هو قارئ، ولهذا «حذر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أن يكثر القراء ويقل الفقهاء»[[أخرجه مالك (١٠٣٧ / ١٠٠) بسنده عن عبد الله بن مسعود، أنه قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تُحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، يُحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم.]]؛ فالفقيه في دين الله هو الذي يعلم شريعة الله ثم يطبقها على نفسه وعلى غيره بقدر استطاعته.
وطالب العلم عليه مسؤولية كبيرة؛ لأنه واسطة بين الخلق وبين الرسول ﷺ، إذ أنه ينقل شريعة الرسول ﷺ إلى أمته، ولهذا يجب أن يكون أسوة حسنة في عباداته وأخلاقه ومعاملاته؛ لأنه إذا كان أسوة حسنة في ذلك فقد أثمر العلم في حقه ثمراته الجليلة؛ ولأنه إذا كان أسوة للنبي ﷺ في ذلك أحبه الناس، وألفوه واقتدوا به، وصار إمامًا، وإن لم يكن إمامًا كبيرًا ولكنه إمام بحسب حاله، وكلما ازداد الإنسان علمًا وتمسكًا بما علم ازداد احترام الناس له واقتداؤهم به، وجعلهم إياه أسوة.
ثم إن طالب العلم يجب عليه الإخلاص لله عز وجل في طلبه؛ لأن الإخلاص هو أهم شيء، وهو الذي يكون به تحقيق ما أراده العبد، والإخلاص لله في طلب العلم أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى شيء منه فقال: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: وبم تصحيح النية؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
وهذا لا شك أنه من تصحيح النية، لكنه ليس كله تصحيح النية، بل هناك أشياء تجب ملاحظتها أيضًا، وذلك بأن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أمر بالعلم ورغب فيه فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة ١١]، وهذا شيء مشاهد، بينوا لي تاجرًا من أكبر التجار في عهد الأئمة الأربعة حصل له من رفع الذكر ما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة، لن تجدوا إلى ذلك سبيلًا، فأهل العلم مرفوعون عند الله، ومرفوعون عند العباد، مرفوعون في حياتهم، مرفوعون بعد مماتهم، حتى وإن نال أحدًا منه ما يناله من التعذيب أو المضايقة أو ما أشبه ذلك فإنه يزداد بذلك رفعة عند الله، ورفعة عند العباد.
فأنت إذا نويت بطلبك للعلم امتثال أمر الله صارت كل حركة تتحركها في هذا المجال عبادة، إن راجعت الدرس فعبادة، وإن حفظت فعبادة، وإن مشيت فعبادة، «وقد ثبت عن النبي ﷺ أن «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذه مسألة تغيب عنا كثيرًا، كثيرًا ما نراجع الكتب لتحقيق مسألة ما، ولكن يغيب عنا أننا الآن في عبادة نرجو بها ثواب الله، لكن إذا استحضر طالب العلم أنه يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى بطلبه العلم، صار طلبه للعلم عبادة.
الثاني: أن ينوي بطلب العلم حفظ الشريعة؛ لأن الشريعة تُحفظ برجالها، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَم يِجِدِ النَّاسُ عُلَمَاءَ يَسْتَفْتُونَهُمْ اسْتَفْتَوْا أُنَاسًا جُهَّالًا فَأَفْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون».]] إذن حفظ الشريعة يكون بالعلماء، برجالها، فانْوِ بطلبك العلم حفظ الشريعة، ونعم الرجل أنت إذا كنت خزانة لشريعة الله عز وجل.
الثالث: أن ينوي بهذا -أي: بطلبه العلم- حماية الشريعة والذود عنها؛ لأن الشريعة لها أعداء معلنون بعداوتهم، وأعداء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، فلها أعداء، فأنت انْوِ بطلبك العلم حماية الشريعة والدفاع عنها، وإذا كان هذا مقصود طالب العلم فإنه سوف يختار الجهة التي يكون غزو أعداء المسلمين من ناحيتها، وعلى هذا يجب أن يكون على علم بما يجري في الساحة من الأفكار الرديئة أو العقائد الفاسدة، ونضرب مثلًا بوقت من الأوقات، مر على الناس وهم لا يعرفون مذاهب أهل التعطيل، ولا يعرفون الأفكار المنحرفة الهدامة؛ لأنهم لم يخرجوا من بلادهم، ولم يَفِد عليهم أحد من غيرهم، فهم ملتفون على علمائهم ولا يعرفون إلا الحق، هؤلاء لا يهمهم أن يشتغلوا بأمور أخرى من وسائل العلم أو الدفاع عن الشريعة؛ لأنهم آمنون، لكن إذا جاء العدو فلا بد أن نستعد له، وأن يكون استعدادنا بسلاح مناسب لسلاحهم، فمن المعلوم مثلًا أن من هاجمك بالمدافع والصواريخ لا يصح ولا يستقيم أن تدافعه بما يسمى بالسلاح الأبيض بالخناجر والسيوف وما أشبهها؛ لأن الواجب أن تستعد لكل عدو بما يناسب سلاحه.
فالآن صار في الساحة أفكار رديئة خبيثة إن لم تكن ملحدة فهي إلى الإلحاد أقرب من الاعتدال، ولا حاجة إلى التخصيص؛ لأنه معلوم عند كثير منكم.
نحتاج أن نعرف هذه الأفكار وكيف نبطلها، وإني أقول لكم: إن جميع الأفكار المنحرفة إبطالها سهل جدًّا، حتى وإن هولوا الأمر وإن ضخموه فهم كالإسفنج، اعصره بيدك يخرج كل ما فيه، ولا تتهيبوا؛ لأنهم ليس عندهم علم مسموع، ولا عقل مصنوع، فلا بد أن الإنسان إذا كان قد نوى بطلب العلم حماية الشريعة والدفاع عنها لا بد أن يعرف ما يكون في الساحة، حتى يستطيع أن يدافع، ولكل مقام مقال، ولكل مكان ما يناسبه.
وإني أقول لكم: إن حماية الشريعة والدفاع عنها لا يكون إلا برجالها، لو أنك كنت في مكتبة ومعك جماعة، ودخل رجل ملحد يقرر الإلحاد، وأنتم لا علم عندكم، لكن المكتبة مملوءة من الكتب التي ترد على الملحدين وتبين زيف ما هم عليه، هل يمكن أن يقفز كتاب منها من أجل أن يرد على هذا الملحد؟ لا يمكن، فالكتب وإن كثرت لا تفيد، لا بد من علماء، وإذا كان في هذا المكان الذي ذكرت، إذا كان فيه عالم فسوف يتكلم بما يرد قول هذا الملحد، حتى ينكص على عقبيه.
هذه أمور ثلاثة كلها تترتب على إخلاص النية.
الأمر الرابع: ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره. ومتى كان ينوي ذلك فلا بد أن يجد في الطلب؛ لأن من أراد الغنى لا بد أن يكتسب، ولا بد أن يتجر، ولا بد أن يخوض جميع ميادين التجارة، فإذا كان يريد رفع الجهل عن نفسه فليس من الممكن ولا من المعقول أن يجلس من غير تعلم، لا بد أن يجدّ في الطلب، وإذا كان يريد رفع الجهل عن غيره فلا بد أن يحرص غاية الحرص على نشر علمه بالوسائل المناسبة، الوسائل القوية في كل مجال.
يمكن أن ينشر العلم عن طريق الحديث في المجالس العادية، جلس مجلسًا في وليمة، في أي مكان، يمكن أن ينشر علمه، ولكن كيف ذلك؟ بالطريقة اللبقة المحببة للنفوس، والتي لا توجب الملل والاستثقال، يمكن أن يورد مسألة من المسائل في هذا الجمع الذي عنده، يورد مسألة يقول: ما تقولون في رجل فعل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا، أو يأتي بمسألة إلغاز حتى يفتح الأذهان، وحينئذ يدخل في تعليم الناس، لست أقول افرض نفسك في المجلس الذي أنت فيه؛ لأن هذا صعب على النفوس، لكن اجلبهم إلى العلم بالطرق المحببة المناسبة حتى يشتغل المجلس بالعلم، مناقشة أو إلقاء أو ما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا ينشر علمه عن طريق الأشرطة، والأشرطة -ولله الحمد- نفع الله بها نفعًا كثيرًا، خصوصًا وأن الناس كثيرًا منهم -وخاصة من الشباب- يتلقون هذه الأشرطة بشغف ولهف، لا تكاد تخرج إلا والناس يتلقونها وينتفعون بها، فهذه الأشرطة ولله الحمد فيها مصلحة كبيرة ونشر للعلم، وليس في مكانك أو بلدك أو منطقتك، بل إنه يتعدى إلى خارج بلادك، كما سمعنا أن أشرطة الدعاة والعلماء تذهب إلى أماكن بعيدة، هذه من وسائل نشر العلم.
ثالثًا: يمكن أن تنشر العلم عن طريق الكتابة، كتابة الرسائل، تأليف كتب، نشرة ورقية، وما أشبه ذلك، بقدر المستطاع، حتى تنشر علمك وتنفع وتنتفع.
وهناك نشر للعلم بطريق خفي يخفى على طالب العلم أو على كثير من طلبة العلم ألا وهو نشر العلم عن طريق العمل به، كثيرًا ما يرقب الناس هذا العالِم ويرون ماذا يصنع فيقتدون به، قال بعض الناس: إنه كان يصلي، فقال بعض الذين شاهدوه: إنك تفعل كذا وكذا في صلاتك، فانظر كيف كان الناس يراقبون أفعال طالب العلم من أجل أن يقتدوا به، وهذا من طريق نشر العلم، بل قد يكون هذا من أبلغ الطرق التي يتأثر بها الناس؛ لأن تأثر الناس بالفعل قد يكون أشد وأقوى من تأثرهم بالقول، ولهذا نكرر ما أسلفناه من أن طالب العلم لا يكون فقيهًا إلا إذا عمل بعلمه، وإلا فهو قارئ وليس بفقيه.
وبهذه المناسبة أود أن أحثكم على مكارم الأخلاق من السماحة، وبذل السلام، وبذل المعروف، والتسامح فيما بينكم، وملاقاة الناس بالبشر وطلاقة الوجه، فقد كان من صفات النبي ﷺ أنه كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه، دائم البشر لا تجده منغلقًا ولا مكفهرًّا، كثير التبسم في محله، فلنا فيه صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة، قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤].
ومما ينبغي لطالب العلم: أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون بأسباب، أو يكون له وجوه:
الوجه الأول: أن يدع المذاكرة ومراجعة ما قرأ.
والوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه وأحبائه، ويتحدث معهم بحديث لغو ليس فيه فائدة.
الوجه الثالث: وهو أضرها على طالب العلم، ألا يكون له هم إلا تتبع أقوال الناس وما قيل وما يقال، وما حصل وما يحصل في أمر ليس معنيًّا به، وهذا لا شك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيِه»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والاشتغال بهذا القيل والقال وكثرة السؤال مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض إذا دب في الإنسان نسأل الله العافية صار أكبر همه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء من أجل تشاغله في هذه الأمور التي تشغله عن طلب العلم، بحجة أنه يقول له فكره هذا من باب الانتصار لصاحب الحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان.
أما إذا جاءك الخبر بدون أن تتلقفه وبدون أن تطلبه فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، لا تكن أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم ويفسد عليه أمره، ويفتح في الأمة باب الحزبية والولاء والبراء فتتفرق الأمة، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح، وأن يجمع القلوب على طاعته، ويرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وزقًا طيبًا واسعًا يغنينا به عن خلقه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: حقيقة أن الناس في كل أمورهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام -كل أمور الناس: طرفان ووسط، طرف مفَرِّط، وطرف مفْرِط، ووسط، من الناس من يشتغل بما يسمونه فقه الواقع ولا يكون له هم إلا تتبع الناس وقيل وقال وكثرة السؤال، وهذا لا شك أنه مضيعة وتشاغل بالمهم -إن كان مهمًّا- عن الأهم، وهذا غلط، ومن الناس من يتشاغل بالفقه الشرعي ويحرص عليه، لكنه لا يلتفت إلى أحوال الناس إطلاقًا، بل ربما ينكر من الفقه الشرعي ما يظن أن الدليل لا يدل عليه، وهذا أيضًا طرف خطأ، ومن الناس من يحاول الجمع بين هذا وهذا.
ونحن إذا سبرنا سيرة النبي ﷺ وجدنا أنه عليه الصلاة والسلام يفهم الواقع ويفهم الناس، ويفهم الخَيِّر من الشرير، لكنه ﷺ يهتم بالأمر الثاني، الذي هو الفقه في الدين، ولهذا قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠)، من حديث معاوية رضي الله عنه.]]، لم يقل يفقهه في الواقع، فقه الواقع وسيلة للتطبيق فقط، فلا بد لطالب العلم من هذا ومن هذا، لا تجنح إلى طرف الفقه في الواقع، ولا تغلو في الفقه في الدين فتعرض عن كل شيء، فالإنسان يجب أن يكون وسطًا.
* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، (...) حماية الشريعة، ولمن إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر الآن وسائل الإعلام تدعو إلى الكفر والإلحاد والشرك وما إلى ذلك، وأهل الحق يمنعون من ذلك، فكيف تكون حماية الشريعة بالله، أحسن الله إليكم؟
* الشيخ: هو -بارك الله فيك- أنت انوِ بذلك حماية الشريعة، أما كونك تطبق ذلك في المجتمع هذا ليس إليك، هذا إلى الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وتعلمون ما جرى للإمام أحمد وغيره من الأئمة من المحن في محاولة تطبيق الشريعة في الناس، ومع ذلك هم صبروا واحتسبوا حتى ظهر الحق ولله الحمد، فتطبيق الشريعة ليس معناه أن طالب العلم إذا نوى تطبيق الشريعة وحمايتها أنه يستطيع ذلك، قد لا يستطيع، لكن هو ينوي هذا، ويجعل طلبه للعلم مركزًا على هذه النية، والله سبحانه وتعالى ييسر له الأمر، ثم إذا أوذي في الله فهو رفعة لدرجاته، ورفعة لذكره، لو تأملت من أكثر الناس إيذاء من العلماء لوجدت أنهم العلماء الكبار، هم الذين يلحقهم الأذى من حبس وضرب وإهانة، وربما قتل، فيكون هذا من رفعة الله لهم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما العلوم التي يحسن لطالب العلم البدء فيها، (...)؟
* الشيخ: والله نرى أن أهم المهمات العلم بهذا الكتاب العزيز؛ كتاب الله، قبل كل شيء؛ لأن الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم العناية بما صح من السنة، ثم العناية بما كتبه أهل العلم وأخذوه من هذين المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة.
ولا يعني إذا قلنا: احرص على معرفة كلام الله وكلام رسوله أن تعرض عن كل شيء، لا بد أن ننتفع بأفكار العلماء الذين كرسوا جهودهم لخدمة العلم، وإلا ضِعْنَا، ولهذا كتب العلماء -رحمهم الله- في أصول الفقه، وفي أصول الحديث، وفي قواعد الفقه، وفي قواعد التحديث، وغير ذلك من أجل الضبط، حتى ينضبط الناس ويكونوا ماشين على قواعد معلومة.
* الطالب: بارك الله فيكم، من الملاحظ أن حفظ المتون فيه صعوبة، بعض الناس يقول: أنا أكرر المسائل مرات فأفهمها وأكتفي بذلك عن حفظ المتون، فحفظ المتون في الفقه مثلًا يقول: هذه إنما كلام أناس نحن نأتي بمثله، ما رأيكم؟
* الشيخ: أنا رأيي أن حفظ المتون هو الأساس، وما انتفعت بشيء انتفاعي بما حفظت من الكتب؛ لأن حفظ المسائل يطير، إلا مسائل تتكرر على الإنسان يوميًّا فهو لا ينساها من قِبَل العمل، فحفظ المتون هو العلم في الواقع، وكونه صعبًا على بعض الناس هذا صحيح، فبعض الناس يصعب عليه جدًّا أن يحفظ، تجده يكرر المتن تكرارًا كثيرًا ولكن ما يحفظه، لكن احرص على هذا، وكلما تقدمت السن بالإنسان قوي فهمه وضعف حفظه، يعني فهمه يقوى، ويتفتح عليه من الفهوم ما لم يكن يعرفه من قبل، لكن يقل حفظه، ولهذا ننصح الشاب بالحفظ، وأول ما يجب أن يحفظ كتاب الله الذي هو أساس كل شيء.
* طالب: هل ينصح طالب العلم بأن يسير في فن من الفنون مثل فن الفقه، أو أنه يتنقل في الفنون، من فن العقيدة إلى فن الفقه؟
* الشيخ: تعرف أن العلوم ليست سواء بعضها أهم من بعض، فأنت كرس جهودك على الأهم، ولا تخلي نفسك من العلوم الأخرى المساندة للأهم؛ يعني مثلًا رجل قال: أنا أهوى النحو، أبغي أكرس جهودي على النحو ولا أتعرض لغير هذا. نقول: غلط، كرس جهودك على ما تهواه نفسك لئلا يضيع عليك الوقت؛ لأن الإنسان إذا حاول أن يرغم نفسه في دراسة شيء لا يختاره سيضيع عليه الوقت، لكن لا تنسى العلوم الأخرى.
كذلك أيضًا لا تكثر على نفسك من العلوم؛ لأن كثرة العلوم تضعف الإنسان في همته وفي فهمه، والذين درسوا في المدارس النظامية يعرفون هذا، تجد مثلًا في المعاهد أو الثانويات تجد فيها مثلًا خمسة عشرة مادة تُضَيِّع على الإنسان، لو أردت أن تبحث معه في شيء عميق من المواد التي درسها ما وجدت عنده شيئا.
فإذا ركز الإنسان على العلوم واختصرها بقدر ما يستطيع صار هذا أجود له وأكثر استفادة، ويذكر أن بعض الناس يقول: إن من أتقن علمًا من العلوم إتقانًا جيدًا استغنى به عن سائر العلوم؛ وهذا لا شك أنه غلط، لو أنك أدركت النحو جيدًا، هل يغنيك عن معرفة الفقه؟
وما يذكر عن أبي يوسف والكسائي أنهما تناظرا في حضرة الرشيد، وقال الكسائي: إن الإنسان إذا أتقن العلم -أي علم أتقنه- يستغني به عن غيره، وأن أبا يوسف أورد عليه الرجل يسهو في سجود السهو، فقال الكسائي: ليس عليه سجود، قال: ومن أين يوجد هذا في علمك؟ -لأن الكسائي إمام في النحو- قال: من قواعد علمي أن المُصَغَّر لا يُصَغَّر؛ هذا يصح دليلًا في حكم شرعي؟ أبدًا، وأنا أظن أن هذه القصة مصنوعة، ما هي صحيحة.
لكن على كل حال الإنسان ينبغي له أن يركز، وأنا في نظري أن أهم ما أركز عليه هو القرآن الكريم، القرآن كنوز عظيمة، كلما أخذت آية وصرت تتأملها انفتح لك من العلوم فيها ما لا يعلمه إلا الله، ثم القرآن سند، يعني ليس القرآن ككتاب أي عالم من العلماء، هو سند يحتج به الإنسان أمام الله عز وجل؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فلهذا أنا أرى أن نركز على علم التفسير، ثم على معرفة ما صح عن النبي ﷺ.
وأنتم تعرفون أن ما نسب إلى الرسول ﷺ يحتاج إلى جهد قبل أن يكون دليلًا، الجهد هو أن نعرف صحته إلى الرسول؛ لأنه ما أكثر الأحاديث التي رواها ضعاف الناس رواية، إما لقلة أمانتهم أو لسوء حفظهم أو ما أشبه ذلك، بل ما أكثر الأحاديث الموضوعة المكذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأهواء كثرت فصار من لا يخاف الله يضع ما شاء من الأحاديث وينسبها للرسول ﷺ، تحتاج السنة إلى عناية كبيرة في ثبوت صحتها عن الرسول ﷺ.
أما القرآن فلا يحتاج إلى هذا؛ لأنه ثابت بالنقل المتواتر الذي ينقله الأصاغر عن الأكابر، فالعناية بالكتاب والسنة هو أهل شيء، لكن لا يعني ذلك الإعراض عما كتبه العلماء، لا بد من الاستعانة بآراء العلماء وكيفية استنباطهم للأحكام من القرآن والسنة، ونقتصر على هذا.
* * *
* طالب: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر ٣١ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نبدأ هذا الصباح في درس التفسير، وينبغي أن نلم بشيء من قواعد التفسير، فنقول:
أولًا: التفسير مأخوذ من الفَسْر، فَسَرَت الثمرة عن قشرها؛ أي: اتضحت وبانت، وهو عبارة عن توضيح كلام الله عز وجل، والتفسير يُراد به التفسير اللفظي؛ يعني أن تفسر اللفظة بقطع النظر عن سياقها، ويُراد به التفسير المعنوي بأن تفسر اللفظة بحسب سياقها.
فمثلًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]، إذا فسرنا القوة التفسير اللفظي صار معناها ضد الضعف، لكن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، وعلى هذا فنقول معنى القوة ضد الضعف، هذا باعتبار اللفظ، والمراد بها الرمي، هذا باعتبار المعنى المراد.
ومثله أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، الزيادة معناها الفضل، زيادة الشيء على الشيء، هذا من حيث اللفظ، لكن المراد النظر إلى وجه الله عز وجل كما فسره النبي ﷺ، إذن التفسير اللفظي غير المراد، المراد يعينه السياق أو يبينه النبي ﷺ أو ما أشبه ذلك، وأما اللفظ فأنت تفسر الكلمة باعتبار معناها منفردة، دون النظر إلى سياقها.
والقرآن الكريم يفسر بالمعنى الأول ولّا بالمعنى الثاني؟ بالمعنى الثاني؛ أي: بما أراد الله به.
ثانيًا: هل المراد يخالف الظاهر أو هو الظاهر إلا بدليل؟ المراد هو الظاهر، يعني أن الله يريد بكلامه ظاهره، ولا بد، ولا يمكن أن نعدل عن الظاهر إلا بدليل، فمن عدل عن الظاهر إلى غيره بدون دليل كان ممن يحرفون الكلم عن مواضعه.
مثال هذه القاعدة قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، ظاهر قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: علا عليه علوًّا يليق بجلاله وعظمته، وهو علوٌّ خاص بالعرش، وليس هو العلو العام على جميع المخلوقات، فإذا جاء الإنسان وقال: استوى على العرش؛ يعني استولى عليه، فإننا لا نقبل منه، لماذا؟ لأن هذا خلاف الظاهر بلا دليل، فإذا كان خلاف الظاهر بلا دليل فإنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وإن تَسَمَّى أهله بأنهم مؤوِّلة فإنما يسمون أنفسهم بذلك من أجل قبول قولهم، وتسهيل خطئهم على الناس؛ لأنه فرق بين أن تقول: هذا مؤول أو هذا محرف، وإلا فالحقيقة أنهم محرفون.
ولهذا تجدون شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عبر في العقيدة الواسطية بقوله: من غير تحريف. ولم يقل: من غير تأويل؛ لأن التحريف مذموم بكل حال، والتأويل منه صحيح ومنه فاسد.
فإن دل دليل على أن المراد خلاف الظاهر فسرناه بالمراد، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨]، معنى قرأت؛ يعني: أردت أن تقرأ، وليس المعنى إذا فرغت، لو أننا فسرنا اللفظ بظاهره لقلنا: إذا قرأت؛ يعني: إذا انتهيت من القراءة فاستعذ بالله، ولكن هذا غير مراد، ما الذي يبيِّن أن هذا غير مراد؟ فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه كان يستعيذ قبل أن يبدأ القراءة، هاتان قاعدتان.
القاعدة الثالثة: إلى من يُرجع في تفسير القرآن؟ هل يرجع إلى اللغة والحقيقة اللغوية أو يُرجع إلى الحقيقة الشرعية أو ماذا؟
نقول أولًا: يُرجع في التفسير إلى تفسير من تكلم به، وهو الله عز وجل، فيرجع في التفسير أولًا إلى كلام الله، فإذا كانت الكلمة مجملة في موضع من القرآن مفصلة في موضع، فإنه يُرجع إلى ما فُصِّل بالقرآن نفسه، إذا كانت مبهمة في موضع لكنها مبينة في موضع آخر نرجع إلى الموضع الآخر، فيُفَسَّر القرآن أولًا بالقرآن؛ لأن المتكلم به أعلم به من غيره، ففي قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣] ما هي القارعة؟ بينها الله بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، فسرها بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار ١٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥] أي: ناصية هي؟ كل ناصية يسفع الله بها؟ لا ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] وعلى هذا فَقِسْ، فنرجع أولًا إلى تفسير من تكلم به وهو الله، أي إلى تفسير القرآن بالقرآن.
ثم بعد هذا نرجع إلى تفسير القرآن بالسنة؛ لأن أعلم الناس بكلام الله رسول الله ﷺ، فنرجع إلى تفسيره، ولا نقبل تفسير غيره، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فقد فسرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنها النظر إلى وجه الله، لو جاءنا جاءٍ وقال: (وزيادة) أي: زيادة في الحسن، قلنا له: لا نقبل قولك، وإن كانت الكلمة من حيث معناها اللفظي تحتمل ما قلت، لكنّا لا نقبل، لماذا؟ لأن النبي ﷺ فسرها بأنها النظر إلى وجه الله، وهو أعلم الناس بمراد ربه، فلا نقبل قولك.
ثالثًا: نرجع إلى تفسير الصحابة؛ يعني إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأن الصحابة أعلم الناس بمراد الله ورسوله، حيث إنهم في عصر التنزيل، وشاهدوا الأحوال والقرائن الدالة على المراد، ولا شك أن المشاهد للشيء ليس كالغائب عنه، الآن ربما أتكلم أنا بكلام منفعل فيه، وأقول: أتفعلون كذا؟ ولمَ كذا؟ تجدونني منفعلًا، والذي يسمع كلامي وهو لم يشاهدني يظنه كلامًا عاديًّا، ولا يعرف؛ لأنه ما عنده قرينة، فلهذا نقول: الصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله ورسوله؛ لأنهم قد شاهدوا الأحوال وعرفوا القرائن فيرجع إلى تفسيرهم.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١٢]، فهنا فسر أبو بكر الكلالة بأنه من ليس له ولد ولا والد، بأنه الميت يموت ليس له ولد ولا والد؛ يعني لا أصول ولا فروع، هنا نأخذ بتفسير أبي بكر، لماذا؟ لأنه من الصحابة، والصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله عز وجل، ومعنى قولنا هذا أنه لو جاء أحد من المتأخرين، وفسر القرآن بخلاف ما فسرت به الصحابة فإننا لا نرجع إلى قوله أبدًا.
بعد ذلك الرابع: إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة نرجع إلى أقوال التابعين، ولا سيما من عُرِف منهم بالتلقي عن الصحابة، مثل مجاهد بن جبر رحمه الله، فإنه قال: «عرضت المصحف على ابن عباس مرتين أو أكثر أقفه عند كل آية وأسأله عن معناها»[[أخرجه الدارمي (١١٦٠) بسنده عن مجاهد، قال: لقد عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما، ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيم أنزلت، وفيم كانت؟".]]، فمثل هذا يؤخذ بقوله؛ لأنه أخذ عن الصحابة، وإن كان بعض التابعين قد لا ينال هذه المرتبة لعدم أخذه عن الصحابة، لكن على كل حال التابعون أقرب إلى المعنى الصحيح ممن بعدهم، إلا أنهم كما عرفتم يقلون مرتبة عن الصحابة.
الخامس: نرجع إلى المعنى الحقيقي للكلمة، وهو المعنى اللغوي؛ يعني نرجع إلى معنى الكلمة في اللغة العربية، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] يعني: تفهمون المعنى، وهذا إحالة من الله عز وجل إلى اللغة العربية، وأن عقل القرآن يكون بمقتضى اللغة العربية، ولنا حجة، فإذا قال قائل: ما دليلك على أن معنى هذه الكلمة هو كذا؟ قلنا: هذا معناه في اللغة، والقرآن نزل باللغة العربية، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان ٥٨] إلى غير ذلك من الآيات الواضحة.
فإن اختلفت الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية رجعنا إلى الحقيقة الشرعية، يعني الحقيقة الشرعية واللغوية لا شك أنها تتفق في أشياء كثيرة، فالسماء سماء لغة وشرعًا، والأرض أرض لغة وشرعًا، والإبل إبل لغة وشرعًا، وما أشبه ذلك، فإن تعارضت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية نقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن هناك كلمات نقلها الشرع من المعنى الأصلي اللغوي إلى المعنى الشرعي، مثال ذلك الإيمان، الإيمان في اللغة هو الإقرار والاعتراف أو التصديق على خلاف بين العلماء في التفسير، لكنه في الشرع غير ذلك، الإيمان في الشرع أوسع من هذا، يشمل المعنى اللغوي ويشمل ما سواه، مثل الأعمال، الأقوال، الأفعال، التروك، كل هذه من الإيمان شرعًا، ومثل الصلاة وجدنا في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، على أي شيء نحمل الصلاة؟ على المعنى اللغوي الذي هو الدعاء أو على المعنى الشرعي؟ على المعنى الشرعي؛ لأن الشرع نقل بعض الألفاظ العربية إلى معنى جديد ليس مستعملًا في اللغة العربية فنأخذ بما أقره الشرع.
أخذنا الآن خمسة: نرجع في التفسير إلى القرآن، السنة، الصحابة، التابعين، المعنى اللغوي، وإذا تعارض اللغة والشرع قدمنا المعنى الشرعي، وهذا هو المبحث أظن المبحث الثالث.
المبحث الرابع: هل يجوز لنا أن نفسر القرآن دون الرجوع إلى كلام العلماء المكتوب أو المسموع؟
هذا ينظر، إذا كانت الكلمة لها معنى لغوي، ولم نعلم أن لها معنى شرعيًّا يعارضه فلنا أن نفسر القرآن بمقتضى اللغة، إذا لم نعلم أن لها معنى شرعيًّا نُقلت إليه؛ لأن القرآن كما قلنا واستدللنا نزل باللغة العربية، فإذا فسرته بمقتضى اللغة العربية فلا بأس، لكن بشرط أن يكون لي علم باللغة العربية، ما هو أي عامي ييجي يفسر القرآن.
أما إذا فسرت القرآن بما يوافق رأيي مع مخالفته للقواعد السابقة، فهذا جاءت الأحاديث بالوعيد فيه، «وأن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».]]، ولهذا أمثلة كثيرة عقدية وفقهية، كثير من العلماء فسروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم، وهذا في العقائد مشهور معروف، مثل: يفسر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] أي جاء أمر ربك، يفسر قول الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] بأنه الكلام المخلوق، يفسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني: استولى عليه، يفسر قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] أي: بقدرتي، وما أشبه ذلك، هذا قائل في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.
في هذا أمثلة كثيرة؛ عقدية وفقهية؛ كثير من العلماء فسَّروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم. وهذا في العقائد مشهور معروف:
يفسر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] أي: جاء أمر ربك.
يفسر قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] بأنه الكلام المخلوق.
يفسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني: استولى عليه.
يفسر قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] أي: بقدرتي وما أشبه ذلك، هذا قال في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق أيش؟ ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.
فالتفسير بالرأي إذن مُحَرَّم ومن كبائر الذنوب، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]؛ لأن هذا المُفَسِّر يقول: إن الله أراد بهذا هذا، فيكون صادقًا أو كاذبًا؟ يكون كاذبًا، فيكون ممن افترى على الله كذبًا؛ حيث قال: إن الله أراد كذا؛ ثم هو ممن اعتدى في حق الله حيث قال: لم يُرِدْ كذا؛ شوف الخطر، إذا قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال أراد الله: وجاء أمر ربك، فيكون كذب على الله، قال: ولم يرد أنه جاء بنفسه. يكون اعتدى على كلام الله وتجاوز حده، من قال لك: إن الله لم يرد هذا، وهذا ظاهر كلامه؟ فيكون هذا معتديًا محرفًا والعياذ بالله.
وكذلك أيضًا في المسائل الفقهية مثلًا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة ٦] قال الرافضة: يعني أن الله أمرنا أن نمسح الأرجل بدل الغسل، فيقال: هؤلاء قالوا برأيهم؛ لأنهم أهملوا قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ولم يعملوا بها، ثم خالفوا المراد بقراءة الجر، وهي أنها تُمْسَح الرجل على الوجه الذي بينته السنة، وما الذي بينته السنة؟ أن الرجل تُمْسَح إذا كان عليها خُفَّان أو جوربان أو ما أشبه ذلك؛ فتبين الآن أن التفسير بالرأي من كبائر الذنوب؛ لأنه يتضمن مفسدتين عظيمتين:
إحداهما: تحريف الكلم عن مواضعه.
والثاني: الكذب على الله والتعدي في حقه؛ حيث قالوا: إنه لم يردْ كذا وأراد كذا.
المبحث الخامس: أهمية التفسير، التفسير من أَجَلِّ العلوم وأعلاها قَدْرًا؛ لأن الإنسان يحاول أن يفهم به معنى كلام الله عز وجل، والعلوم تَشْرُف بحسب موضوعها، ولا أشرف من موضع تفسير كلام الله عز وجل، فيكون التفسير من أَجَلِّ العلوم إن لم نَقُلْ: هو أجل العلوم وأعظمها قدرًا؛ لأنه عناية بكلام الله عز وجل، ولأنه إتباع لطريق السلف الذين لا يجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأن الإنسان إذا فَهِمَ كلام الله ذاق له طعمًا، وصار يقرؤُه وهو يجد حلاوة معناه والأنس به أكثر من إنسان أُمِّيٍّ لا يعلم الكتاب إلا أماني.
ففي علم التفسير يطمئن القلب وفي علم التفسير يعرف الإنسان قَدْر هذا القرآن العظيم الذي وصفه الله بعدة أوصاف عظيمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]، وأكثرنا -عفا الله عنا- لا يعتني بالتفسير، ولا يهتم به، ربما يستشرف كتاب عالم من العلماء يخطئ ويصيب، ويتأمل هذا الكتاب منطوقًا ومفهومًا وإشارة وإيماء وغير ذلك من أنواع الدلالة، لكن كلام الله لا يعتني به، ولولا أنه يَتَبَرَّك به في أَجْرِه لما عَرَّج عليه أصلًا إلا أن يشاء الله، وهذا غلط.
حتى في طلبة العلم الآن مَنْ لا يهتم بالتفسير، تجده يهتم بكتب الفقه، يهتم بكتب الحديث، يهتم بكتب الرجال، ويُعْرِض عن هذا اللي هو الأصل، أصل الأصول الذي يجب علينا أن نعرفه، والذي سنُحَاسَب عليه، «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. ]] استوقف شخصًا من أكبر طلبة العلم، عندي آية من القرآن قل له: ما معناها؟ ما يقول؟ إما أن يكون جريئًا فيقول: أراد الله بهذا كذا وكذا، وهو لم يرده، أو أنه يكون وَرِعًا ويقول: لا أردي، لكن لو أن طلبة العلم أخذوا القرآن من أَوَّلِهِ يقرؤونه ويتدبرونه ويتأملونه لوجدوا خيرًا كثيرًا، وانفتح لهم من أبواب المعرفة ما لا يخطر على البال.
والله عز وجل في القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ما هو صعب، القرآن إذا أقبلت عليه حقيقة بقلب ونية جازمة فهو سهل، أسهل من جميع الكتب؛ لأنه يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].
هذه نُبَذٌ تَكَلَّمْتُ بها أسأل الله تعالى أن ينفع بها في مقدمة التفسير؛ لأن بعض إخواننا قد لا يكونون حضروا مثل هذه القواعد التي سوف تفيدهم إن شاء الله تعالى، أما الآن فإلى الدرس الذي نحن بصدده.
* طالب: يقول بعضهم: إن هناك شيئان ليس لهما سند التفسير والتاريخ؛ ما صحة هذا القول؟
* الشيخ: نعم، هذا يذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال هي ثلاثة: المغازي والسير والتفسير، ومراده بذلك أنه ليس لها سند أن الناس يتناقلونها بدون إسناد، فمثلًا يقول: قال مجاهد كذا، قال ابن عباس كذا، بدون إسناد هذا المعنى، كذلك التواريخ تجد مثلًا يتكلم الناس في هذا في غزوة أحد، لكن لا تجد الرجل يقول: حدثني فلان عن فلان عن فلان حتى يصل إلى الغزوة، وكذلك يقال في السير، هذا مراد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقصده بذلك أنك إذا سَمِعْت مثل هذا الذي اشتهر ونُقِلَ أن تتأكد منه.
* طالب: لو أن شيخا الآن أو مدرسًا عرض على طلابه تفسير آية، وقال: ما تقولون في هذه الآية؟ وهو عالم بها، يجلس التلاميذ فيقول هذا بقول وهذا بقول، هل يدخلون في ضمن (...)؟
* الشيخ: لا، هذا لا يدخل في ضمن؛ لأن هذا الذي قال: معنى الآيات: كذا. لا يريد أن هذا المعنى مستقر، لكن يعرضه على شيخٍ أعلم منه، فكأنه حينما يقول: أراد الله كذا، كأنه يقول بلسان الحال: هل أراد الله بهذا كذا؟ فهذا لا يُعْتبر تفسيرًا للقرآن بالرأي ولا محرمًا.
* طالب: بعض الناس يتركون التفسير ويتبعون السنة وآثار الرجال وما أشبه ذلك، ويعللون يقولون: إن أهل البدع يستدلون بعمومات القرآن، فنقرأ السنة لكي نبين هذه العمومات (...) السنة، فما رأيكم في هذا؟
* الشيخ: رأيي صحيح أننا لا نزهد في السنة ولا في معرفة الرجال ولا في معرفة المصطلح، لكننا نرى أن هناك أولويات، وهناك أهميات قَبْلَ المهمات، وأما ما ادعاه من أن القرآن لم يُبَيِّن الرد على أهل البدع، والسنة بَيَّنَت فهذا غير صحيح، القرآن ليس فيه دليل واحد لأي بدعة من البدع أبًدا، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل قال: أي دليل يستدل به شخص على بدعة فأنا أجعل هذا الدليل دليلًا عليه. وصدق.
أضرب مثلًا لكم: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] استدلَّ بهذه الآية من يرى أن الله لا يُرَى، عرفتم؟ والحقيقة أنها تدل على أن الله يرى، استدل بها وهي دليل عليه؛ لأن نَفْيَ الأَخَصَّ يستلزم وجود الأعم؛ ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ إذن تراه، ولو كانت لا تراه لقال: لا تراه الأبصار، أما أن يعبر بـ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عن لا تراه فهذا لا شك أنه تعمية وإلغاز، ولا يمكن أن يكون هذا في كلام الله الذي جعله الله تبيانًا لكل شيء، عرفت؟
استدلوا بقول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ قالوا: هذا يدلُّ على أن الله لا يرى؛ نقول: هذا دليل عليكم، موسى سأل الرؤية في الآخرة ولا في الدنيا؟ في الدنيا، كيف تنقلونها أنتم إلى الآخرة؟! ولهذا قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: الآن ليس بك قدرة على أن تتحمل رؤيتي، ورؤية الله تعالى مستحيلة في الدنيا لا لأمر يتعلق بالرؤية، لكن لأمر يتعلق بالرائي، الرائي لا يتحمل؛ ولهذا ضرب الله مثلًا لموسى فقال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف ١٤٣] جَلَّ وعلا، ماذا صار؟ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، هذا الجبل العظيم الذي لا تدكه القنابل صار دَكًّا بمجرد أن الله تجلى له؛ ولهذا خَرَّ موسى صعقًا، عجز أن يتحمل الموقف فضلًا عن رؤية ربه عز وجل.
فالمهم أن الآية الآن فيها دليل عليهم؛ لأن موسى إنما سأل الرؤية متى؟ في الدنيا لا في الآخرة.
ثم إن موسى سأل الرؤية وأنتم تقولون: رؤية الله مستحيلة، إذن أنتم أعلم بالله من موسى؛ يعني: إما أن تكونوا أعلم بالله من موسى؛ لأن موسى ما سأل شيئًا مستحيلًا، يرى أن الله يُرى، لكن البشر لا يتحملون ذلك، فإما أن يكون جاهلًا بقدر الله وأنتم عالمون به، وإما أن يكون معتديًا على الله حيث سأل ما لا يحل له سؤاله.
فأقول لكم يا إخواني: من قال: إن البدع لا تُدْفَع إلا بالسنة أو لا يتم دفعها إلا بالسنة فقد أخطأ، وهذا يدل على قصور فهمه للقرآن أو على تقصيره في تَفَهُّمِ القرآن، وإلا فالقرآن نفسه لا يمكن أن يوجد بدعة إلى رَدَّ عليها، أبدًا، ولو لم يكن من ذلك إلا قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذه الآية قاضية على كل بدعة، كل بدعة تُبْطَل بهذه الآية سواء كانت عقدية أو قولية أو فعلية.
* طالب: قلتم: إن تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بالصحابة، لكن لو أراد الإنسان أن يتتبع كل آية فينظر من أقوال الصحابة والسنة وكذا لضاع عليه الوقت، لكن (...) كتاب تفسير من كتب الأئمة المعروفين (...) حتى يحفظه.
* الشيخ: هذا يكون تقليدًا؛ يعني: كوني أمسك تفسير ابن كثير أو غيره من العلماء هذا تقليد، لكن أنا أريد تفسير المجتهد، أما مَنْ لم يجد إلا ميتة فيأكل الميتة للضرورة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ينبغي أن نعلم أن التقليد بمنزلة أكل الميتة، إن اضطررت إليه فقلد وإلا فاجتهد، أدل إلى البئر بمثل ما أدلى به الناس، أدلِ بدلوك، والحقيقة أن التقليد لا يجوز إلا عند الضرورة وعند العجز، وإلا مَنْ أمكنه أن يأخذ الأحكام أو العقائد من كتاب الله وسنة رسوله فليفعل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] هذه تحتاج إلى جواب، ولولا قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] لقلنا: يجب على كل إنسان أن يجتهد، وأن يأخذ الحُكْمَ من القرآن والسنة، لكن الحمد لله وسع الله علينا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وإلا لقلنا: يجب أن كل واحد يأخذ من الكتاب والسنة؛ لأننا سنُسْأَل عن القرآن والسنة.
* الطالب: ما أفضل كتب التفسير التي تمشي على القواعد التي ذكرتم حتى يتبين للطالب ويتمرن عليها؟
* الشيخ: هو أحسن شيء فيما أرى من التفاسير التي تعتني بالأثر تفسير ابن كثير، تفسير ابن كثير من أحسن ما يكون من الكتب التي تعتمد على التفسير بالأثر، لكن تعلمون أن القرآن -سبحان الله- القرآن واسع، لو اجتمع الناس كلهم على أن يدركوا معناه ما استطاعوا، تجد مثلًا هذا يبحث في القرآن من الناحية اللغوية، وهذا من الناحية العقدية، وهذا من الناحية الفقهية، وهذا من ناحية البلاغة، علوم شتى كثيرة في القرآن الكريم؛ ابن كثير مثلًا في الآثار لا شك أنه جيد، لكن في كثير من أمور اللغة يكون قاصرًا، أيضًا في استنباط الأحكام قليل جدًّا أن يتكلم عن الأحكام، نجد مثلًا القرطبي يعتني بالأحكام ويُفَرِّع على الآية وما أشبه ذلك، المهم: كل عالم له منهج في تفسير كلام الله عز وجل.
* طالب: (...) القرآن الكريم لا تُفَسَّر إلا باللغة، فهل نجزم بأن التفسير اللغوي هو الصحيح؟
* الشيخ: يعني إذا وجدنا كلمة لم تفسر بالقرآن ولا بالسنة ولا بأقوال الصحابة، على كل حال نرجع للغة؛ لأن القرآن كما قال الله عز وجل: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ [الزخرف ٣] أي: صيرناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]، شوف الآيات الثانية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لماذا؟ لأنهم لا يفهمون معناه.
* الطالب: (...) فكيف نجمع بين هذا وحديث النبي ﷺ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْعَالِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»؟
* الشيخ: إي، إذا اجتهد، والذي يُفَسِّر القرآن برأيه ما اجتهد، وأنا ضربت لكم عدة أمثلة من التفسير بالرأي، ليس معنى التفسير بالرأي أن تُفَسِّر القرآن حسب ما تقتضيه اللغة العربية، التفسير بالرأي أن تحمل معنى القرآن على رأيك، وهذا إنما يكون فيمن؟ في المتعصبين لمذاهبهم الذين يحاولون أن يَلْوُوا أعناق النصوص إلى ما كانوا عليه.
* طالب: الفقهاء يقولون: إن الذي تزوج امرأة في عدتها وبنى بها تحرُم عليه تحريمًا مؤبدًا؟
* الشيخ: من الفقهاء؟
* الطالب: العلماء يقولون: في كتب الفقه.
* الشيخ: كتب من؟
* الطالب: الكتب المعرفية.
* الشيخ: هذه -بارك الله فيك- على مذهب الحنابلة لا تحرم، لكن قد رُوِيَ عن عمر أثر بأنه حَرَّمها على مَنْ تزوجها عقوبة له، عقوبة له ما هو تحريم نسب ولا مصاهرة لكن عقوبة له، ولعلها مرت عليك قاعدة ابن رجب: (من تعجل شيئًا قبل أوانه -على وجه محرم- عوقب بحرمانه) هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم.
* الطالب: هل هو يدخل تحت هذه القاعدة؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر ٣٠ - ٣٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أبهم الله سبحانه وتعالى الذي آمن حيث إنه من أول القصة ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر ٢٨] فما زال الحديث عنه بلفظ الإبهام؛ لأنه لا حاجة إلى تعيينه باسمه، فإن تعيين الاسم قد يكون فيه شيء من الضرر، والمقصود هو المعنى وما تتضمنه هذه القصة.
﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: معروف أن (يا) النداء إذا دخلت على نكرة مقصودة فإنها تُبْنَى على الضم كما إذا دخلت على معرفة، وهنا لم تكن مبنية على الضم بل آخرها الكسر، فيقال: إن أصلها: يا قومي، ولكن حُذِفَت الياء للتخفيف، وفي قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ تَلَطُّف لدعوتهم، وإلا فهم معادون له؛ لأنهم كفار وهو مؤمن، لكن من باب التلطف في الدعوة إلى الله عز وجل قال لهم: يا قوم.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أكَّد الجملة وإن كانت مستقرة في نفسه، لكن المخاطب بها فعلُه فعلُ المنكِر لها.
(﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: يوم حزب بعد حزب) وإنما قال الشارح: (حزب بعد حزب)؛ لأن هذه الأحزاب ليست مجتمعة في آن واحد أو مكان واحد، بل نجد قصة نوح وحدها، وهود وحدها، وصالح وحدها وهكذا؛ ولذلك فَسَّر المؤلف قوله: ﴿يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ بقوله: (يوم حزب بعد حزب).
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ﴿مِثْلَ﴾ هذه بدل من ﴿مِثْلَ﴾ التي قبلها، ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ﴾، والبدل أحد التوابع الأربعة المعروفة، أو من قول ابن مالك:
يَتْبَعُ فِي الْإِعْرَابِ الْاسْمَاءَ الْأُوَلْ ∗∗∗ نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ
وعلامةُ البدل أنه يصح أن يحل محل المُبْدَل منه؛ يعني: يصح أن يُحْذَف المبدل منه ويحل محله البدل.
فإن قال قائل: ما الفائدة من أن نأتي بالمبدل منه ثم بالبدل؟ لماذا لم نأت بالبدل من أول الأمر؟
نقول: لا بد أن يكون هناك فائدة؛ إما تفصيل بعد إجمال، أو تبيين بعد إبهام، أو ما أشبه ذلك، ولا بد أن يكون للبدل فائدة.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ إلى آخره، مثل دأبهم، هو لا يريد مثل دأبهم، يريد مثل جزاء دأبهم؛ لأن هناك دأب وهناك جزاء؛ فالجزاء من الله، والدأب من الأمم أو من الأحزاب، مثل دأب مثل جزاء دأبهم، فما دأبهم؟ بَيَّن الله تعالى دأبهم بقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران ١١] هذا هو دأبهم.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ هؤلاء كلهم دَأْبُهم أيش؟ التكذيب بالرسل والكفر بهم.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد مَنْ؟ من بعد قوم نوح وهي أول الأمم، وعاد وثمود.
قال المفسر: (﴿مِثْلَ﴾ بدل مِن ﴿مِثْلَ﴾ قبله؛ أي: مثل جزاء عادة مَنْ كفر) فأفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ في الكلام تقديرًا، أي أن في الكلام شيئًا محذوفًا، ما هو؟ جزاء، مثل جزاء دأبهم؛ لأن هذا هو الذي يخاف منه، أن ينال هؤلاء القوم عقوبة كما نال هؤلاء.
فإذا قال قائل: كيف يُطْلَق العمل على الجزاء؟ قلنا: لأنه سببه، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا؛ أن الله تعالى يُطْلِق العمل على الجزاء مثل: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٥٥] المعنى: ذوقوا جزاء، لكن يُعَبَّر به أي: بالعمل عن الجزاء؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وحتى يحذر الإنسان من عمله كما يحذر من عقوبة عمله.
يقول: (مثل جزاء عادة مَنْ كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا).
قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (ما) نافية وهي تميمية أو حجازية؟ تميمية، القرآن تميمي ولا حجازي؟
* طالب: القرآن عربي لكن أحيانا تأتي بعض الآيات على لغة تميم وأحيانا تأتي على لغة..
* الشيخ: أنت من تميم؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: ما تقولون في هذا؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية؛ لأن هذا القرآن باللغة الحجازية، انظروا إلى قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ولم يقل: ما هذا بشر، فنحمل كل ما كان على شاكلتها عليها، وإلا صحيح أن ما الله يريد ظلمًا للعباد ما تَتَبَيَّن أنها حجازية أو تميمية؛ لأن الخبر جملة ليس مفردًا يظهر فيه النصب، لكن يُحْمَل ما لا يظهر فيه الإعراب على ما ظهر فيه الإعراب وهو قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، ثم اعلم أن القرآن إنما كُتِبَ بلغة قريش كما قال عثمان رضي الله عنه للذين كبتوا المصاحف قال: «إن اختلفتم في شيء فاجعلوه على حرف قريش»[[أخرج البخاري (٣٥٠٦) عن أنس أن عثمان دعا زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتُم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك.]]. يعني: على لغتهم.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾.
* في هذه الآية من الفوائد: بيان نُصْحِ هذا الرجل المؤمن؛ حيث حَذَّر قومه من عذاب الله.
* وفيه: دليل على التلطف في الدعوة إلى الله، وأن الإنسان لا يستعمل في الدعوة إلى الله عاطفته؛ لأنه إن استعمل عاطفته أخذته الغَيْرَة ففعل ما لا يحمد عقباه، وإنما يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج، ولا ضير على الإنسان إذا أصابه ذُلٌّ في أول الأمر إذا كانت النتيجة طيبة، ولا أظنه يخفى عليكم ما حصل للنبي ﷺ وأصحابه في غزوة الحديبية من الشروط التي ظاهرها الإهانة ولكنها كانت نتيجتُها طيبة حتى إن الله تعالى سماها فتحًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، فالحاصل أنه ينبغي للإنسان عند الدعوة إلى الله ألا يُحَكِّم العاطفة فتزل قدمه، ولكن يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان أن ذِكْرَ الأمم السابقة ينتشر في الأمم اللاحقة، إما بواسطة الكتب المُنَزَّلة، وإما بواسطة التاريخ المنقول، ويدل لذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ [غافر ٣٠]؛ لأنه لا يمكن أن يُخَوِّفَهُم بأمر لا يعرفونه، ولو كان الأمر كذلك لقالوا: ما هذه الأيام أو ما هذا الجزاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير اللاحق أن يصيبه ما أصاب السابق؛ لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى سنتُه في خلقه واحدة، هو لا يُعَذِّب هؤلاء لأنه يكرههم شخصيًّا، يعذب هؤلاء لأنه يَكْرَه عملهم فإذا وُجِدَ عملهم في آخرين فالكراهة حاصلة، واذكر قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، وحذَّر شعيب قومه أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، فالحاصل أن الأمم لا بد أن يتعظ اللاحق بالسابق بناء على أن سنة الله واحدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء إرادة الله الظلمَ لعباده ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، ومعلوم أنها إذا انتفت الإرادة انتفى الفعل، فنَفْيُ إرادة الظلم نفي للظلم من باب أولى، كما أنه جاءت آيات صريحة في نفي الظلم عن الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اتصاف الله سبحانه وتعالى بالنفي، أي: أن الله يتصف بالصفات المنفية التي يُعَبِّر عنها بعض العلماء الصفات السلبية؛ لأن النفي سلب.
ولكن إذا قال قائل: هل في النفي ثناء ومدح مع أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فصفات الله تعالى كلها صفات كمال، والنفي عدم، فهل يكون مدحًا وثناء؟
الجواب: نقول: أما بالنسبة لغير الله عز وجل فإنه لا يدل على الكمال ولا على المدح، أما بالنسبة لله فيتعين أن يكون دالًّا على الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ فكل نفي نفاه الله عن نفسه فإنه متضمن للكمال، دليلنا هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وإلا فالنفي المجرد لا يدل على الكمال إطلاقًا، بل أحيانًا يدل على النقص، فقول الشاعر مثلًا:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
وَصَفَهُم بأنهم لا يغدرون بالعهد، وأنهم لا يظلمون، وهذا في ظاهره مدح، لكنه في الواقع ذَم، يذمهم بأنهم ناس جبناء وضعفاء، لا يغدرون لأنهم لا يستطيعون لجبنهم، ولا يظلمون لا يستطيعون لضعفهم، وكذلك قول الشاعر الآخر:
لِكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا
يعني: ما هم بالشر إطلاقًا ولو هان.
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِإِحْسَانَا
ثم قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
هنا يذمهم مع أنهم إذا ظُلِموا غفروا لمن ظلمهم، وإذا أُسِيء إليهم أحسنوا لمن أساء إليهم، وهذه صفة قد تبدو مطلوبة محمودة، لكن إذا كان السبب في ذلك أنهم ضعفاء صارت مذمومة.
والخلاصة الآن أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله تعالى نفيٌ محض أبدًا؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ والنفي المحض ليس من المثل الأعلى في شيء، ولكن إذا نفى الله شيئًا عن نفسه فالمراد إثباتُ كمال ضده؛ يعني أنه لثبوت كمال ضده انتفى عنه هذا الشيء.
فما ضد الظلم؟ العدل، إذن نثبت من نفي الظلم عن الله نثبت إثبات كمال عدله، وأنه جل وعلا لعدله لا يظلم، لا لعجزه، لا، هو قادر على أن يظلم، لكنه لا يظلم لكمال عدله؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» » لم يقل: يا عبادي إني لا أستطيع أن أظلم، قال: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]] وهذا يدلُّ على أنه قادر على أن يظلم، لكنه لا يظلم لكمال عدله، ولو كان غير قادر على أن يظلم لم يكن انتفاء الظلم عنه مدحًا؛ لأنه عاجز، لكنه قادر ولكنه لا يظلم.
أقول هذا؛ لأن الجهمية وغيرهم قالوا: إن الله لا يستطيع أن يظلم أبدًا، وإلى هذا أشار ابن القيم في النونية حين قال:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمْ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ .............................
يعني: أنه مستحيل لذاته، لا لكمال الله لكن لذاته، لا يمكن أن يظلم. ليش؟ قال: لأن الظلم أن يتصرف الإنسان في مُلْكِ غيره، والله عز وجل يتصرف في ملكه، فإذا ظَلَمَ لم يكن ظالمًا؛ لأن هذا ملكه، فيقال: تَبًّا لعقولكم الفاسدة؛ إذا وعد المؤمن بشيء على عمل معين وعمل هذا العمل ولم يُعْطِه إياه ماذا يكون؟ يكون ظلمًا ولا شك في هذا، وأنتم تقولون: يجوز أن يُثيبَ العاصي الذي يَعْصِي اللهَ كلَّ عمره، ويعاقب المطيع الذي يعمل بطاعة الله كل عمره؛ وأن الأمرين على حَدٍّ سواء؛ لأنه لا يظلم حيث إنه يتصرف في ملكه، فنقول: هذا لا شك أنه سفه في العقل وضلال في الدين، والله عز وجل وَعَد العاملَ عملًا صالحًا بالثواب، والمخالفَ بالعقاب؛ كيف يجوز أن يخلف الله وعده؟!
المهم على كل حال هذا قول باطل ولا شك في بطلانه، ومجرد تصوره يعرف الإنسان أنه باطل.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ نقول: نفي إرادة الظلم يستلزم كمالَ عدله، وهو أيضًا يستلزم نفي الظلم؛ لأن مَنْ لا يريد الظلم لا يمكن أن يفعل الظلم.
غافر 40:31
ثم قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ [غافر ٣٠]، في الأول قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾، فنقول: لماذا كرر هذا الوصف لهذا الرجل؟ لطول الحديث والفصل، قال: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أما اختلاف الجملتين فإن الثانية تؤكد الأولى بأن هذا الرجل قد اصطبغ في الإيمان وحقق الإيمان.
﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ (يا قوم): يعني بذلك فرعون وقومه، وهذا من باب التلطف في المقال، ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الطوائف السابقة، وكأن هذا الرجل الملهم عنده علم بأحوال الأمم السابقة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على فائدة هذه الجملة.
﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي يوم حزب بعد حزب، ثم أبدل منه قوله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر ٣١] دأب: بمعنى عادة، وذكر قوم نوح؛ لأنه هو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض ﴿وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر ٣١]، وكل هؤلاء متقدمون، بعيدو العهد قبل موسى وقبل فرعون، فهم من أوائل الرسل.
﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ﴾ (عاد) معطوفة على أيش؟
* طلبة: قوم.
* الشيخ: على (قوم)، ولا يصح أن تكون معطوفة على (نوح)؛ لأنها لو كانت معطوفة على (نوح) لكان المعنى: مثل قوم عاد، ولا يستقيم الكلام، بل مثل عاد، وهم قوم هود، وثمود قوم صالح.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر ٣١] من الأمم، وسيأتي أنه أشار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام بن يعقوب بن إبراهيم.
يقول: (مثل بدل من مثل قبله، أي مثل جزاء عادة من كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا) إذن (مثل دأب) ما هو مثل عادتهم، إلا إذا أريد إضافتها إلى المفعول به؛ أي مثل العادة التي أوقعها الله بهم، لكن كأن المؤلف جعلها مضافة إلى الفاعل، وأنها على تقدير مثل جزاء عادتهم؛ لأن الجزاء من الله، والعادة من هؤلاء الأقوام من الأحزاب، العادة عادة الأحزاب، والعقوبة عقوبة الله، فإما أن نقول إن الكلام على تقدير مثل عقوبة عادة قوم نوح إلى آخره، أو نقول مثل دأب قوم نوح؛ أي مثل العادة التي فعلها الله بهم، والمعنى واحد، المراد أنه يخاف عليهم مثل هذه الأيام التي هي عقوبة لهؤلاء الذين كذبوا رسلهم.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١] ما: نافية تعمل عمل ليس لتمام الشروط، ولفظ الجلالة اسمها، ويريد جملة هي خبرها، ولو كانت اسمًا لكان التقدير: وما الله مريدًا ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ الظلم يتناول شيئين: إما الزيادة في الآثام وإما النقص في الحسنات، وكله ممتنع بالنسبة لله عز وجل، لا يمكن أن يقع منه ولا يمكن أن يريده، لماذا؟ لكمال عدله.
* في هذه الآية من الفوائد: شدة خوف هذا الرجل من عقاب الله، وهذا يدل على كمال إيمانه؛ لأنه لا يخاف أحد من شيء إلا وهو مؤمن به.
* ومن فوائدها أن عند هذا الرجل علمًا من نبأ الأولين لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر ٣٠، ٣١] إلى آخره.
* ومن فوائدها أنه ينبغي للإنسان أن يكون عنده علم بأحوال الأمم السابقة من أجل أن يكون معتبرا بمن مضى فيمن بقي، وعلى هذا فعلم التاريخ علم مهم، ولكن يجب أن نعلم أن التاريخ أصابه شيء من الوضع؛ أي من التحريف والتغيير والكذب والزيادة والنقص، فعلى الإنسان أن يحتاط في ذلك، عليه أن يحتاط في هذا حتى لا ينقل أو لا يروي إلا الصحيح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوم نوح وعاد وثمود كانوا أول الأحزاب لقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر ٣١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء إرادة الظلم عن الله عز وجل لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾ [غافر ٣١] وإذا انتفت الإرادة انتفى الفعل قطعًا؛ لأن الله تعالى يفعل ما يريد، فإذا لم يرد الظلم انتفى الظلم.
على أنه في آيات أخرى نفى الظلم نفسه، فقال: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦]، وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق ٢٩]، فيكون الله تعالى قد نفى الظلم عن نفسه، ونفى إرادة الظلم، وذلك لكمال عدله.
وهذه الصفة من الصفات التي يسمونها الصفات السلبية أو الصفات المنفية، ولدينا قاعدة في باب الأسماء والصفات أن النفي المحض لا يوجد في صفات الله أبدًا كل نفي في صفات الله فإنه يتضمن شيئين، أحدهما: نفي ما نُفِي عن الله، والثاني: إثبات كمال ضده، فيُقال: لا يظلم لكمال عدله، وإن شئت فقل: لكمال عدله لا يظلم؛ لأن العدل إذا لم يكن عدله كاملًا قد يظلم في بعض الأشياء، أما الرب عز وجل فإن عدله كامل لا يمكن أن يدخله ظلم بأي وجه من الوجوه.
وهذا الظلم المنفي عن الله لكمال العدل، هل هو مستحيل لذاته أو جائز لكنه مستحيل على الله تعالى لكماله؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني، خلافًا للجهمية الذين قالوا: إن الظلم مستحيل على الله لذات الظلم؛ لأنه إذا كان مستحيلًا لذاته لم يكن مدحًا، ما يُمدح من استحال عليه على ذلك؛ لأنه مستحيل، وهم يقولون: إنه مستحيل لذاته؛ لأن الخلق كلهم ملكه، ويفعل في ملكه ما يشاء، ومن تصرف في ملكه فإنه لا يُقال: إنه ظالم، ولو قَدَّم شيئا على شيء أو نقص شيئًا عن حقه، ولكننا نقول: إن الله تعالى صرح بأنه حرم الظلم على نفسه، وهذا يدل على أن الظلم في حقه ممكن عقلًا، لكنه حرمه على نفسه لكمال عدله.
والخلاصة أن من قواعد الأسماء والصفات أنه لا يوجد النفي المحض في صفات الله، بل لا يوجد نفي في صفات الله إلا لكمال ضده: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨] لماذا؟ لكمال قوته، لا لأن اللغوب لا يلحقه، لكن لكمال قوته لا يلحقه اللغوب، وليس المعنى أنه ليس مما يمكن أن يلحقه لغوب، لا، لكنه مستحيل لكمال قوته.
قال أهل العلم: وإنما قلنا بذلك؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٌ، صحيح أو لا؟ النفي المحض لو نفيتَ شيئًا معناه أنه غير موجود، والعدم المحض ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا؛ لأنه عدم، والعدم ما يُمدح عليه.
وإما أن يكون النفي متضمنًا لإثبات، هذا الإثبات قد يكون عجزًا، فمثلًا إذا قلنا: فلان لا يظلم؛ لأنه غير قادر على الظلم، فليس هذا يعني أننا مدحناه، بل هذا ذم له كقول الشاعر:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ وَلَا ∗∗∗ يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ
أول ما تسمع هذا الكلام تقول: ما شاء الله، هؤلاء أوفياء ذوو عدل، لكنه في الواقع ذم، يقول: إن هؤلاء ما يقدر الواحد منهم أن يغدر، ولا يقدر أن يظلم، والثاني يقول:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِـــنْ إِسَــاءَةِ أَهْلِ الـــسُّوءِإِحْــسَــانَا
يعني أنه إذا أساء إليهم الإنسان أحسنوا إليه، وإذا أساء إليهم غفروا له وتجاوزوا عنه، لكن لكمال إحسانهم وكمال عفوهم أو لعجزهم؟ لعجزهم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
ليت لي بهم: أي بدلهم، وهذا يدل على أنه ذمهم ذمًّا عظيمًا.
وقد يكون النفي لعدم صلاحية هذا الوصف لما نُفي عنهم، قد يكون نفي الشيء عن الشيء؛ لأنه غير قابل وغير صالح لأنْ يوصف به، كما إذا قلت: الجدار لا يظلم، هل هذا مدح للجدار؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ليش؟
* الطالب: لأنه غير صالح ولا..
* الشيخ: لأنه غير قابل ولا صالح للظلم أو عدم الظلم، فتبين بذلك أن الله تعالى لا ينفي عن نفسه شيئا إلا لكمال ضد هذا المنفي، لا لأنه غير قابل له أو غير صالح في حقه أو ما أشبه ذلك من الناحية العقلية.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر ٣١] إذن نستفيد من هذا نفي إرادة الظلم عن الله لكمال عدله.
(...)
* طالب: كيف استنبطنا يا شيخ من الآية أنها إشارة إلى يوسف؟
* الشيخ: مذكورة في هذا، هو سيقول: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٣٤].
* طالب: هل يستدل بقول موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء ١٠٢]، هل استدل بذلك على الإغلاظ في الدعوة؟
* الشيخ: هو الإغلاظ في محله طيب؛ لأنه هو قال له كلمة أشد من هذه، قال: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] فهل يغلظ له بالقول ويسكت؟! وموسى عليه الصلاة والسلام معروف بالقوة.
* الطالب: يا شيخ، من باب التلطف الداعية يقول: وإني أكثركم تقصيرًا، فيظن ضعاف النفوس الجهال فيقولون: ما دام هذا الداعية أو هذا الشيخ كثير التقصير نحن إذن من باب أولى، ثم يصيبهم ما يصيبهم.
* الشيخ: على كل حال هذه الكلمة ينبغي للإنسان أن ينظر في مصلحتها، وإلا فقد قالها عمر بن عبد العزيز رحمه الله في آخر خطبة خطبها، قال: إني لأقول لكم هذا وما أعلم أحدًا عنده من التقصير -أو قال: من الذنوب- أكثر مما عندي. هي في الحقيقة قد تكون مشجعة وقد تكون مخذلة، قد يقول قائل: إذا كان هذا الرجل الداعية العابد مقصرًا كيف بنا نحن، إذن فلنشمِّر عن ساعد الجد، وقد تكون كما قلت، فيه سلاح ذو حدين، فلينظر الإنسان للمصلحة، والإنسان أحيانًا يقول مثل هذا؛ لأنه يخشى على نفسه من العجب.
* طالب: قلتم يا شيخ من قبل: لا ينبغي أن يزوج ابنته من فاسق ويقول: لعل الله أن يهديه، لو حصل العكس وأراد الرجل أن يتزوج بامرأة غير مستقيمة، وقال: لعل الله أن يهديها بي وإلا طلقتها.
* الشيخ: نفس الشيء، لا، ما هو إلا طلقتها، قد يكون الإنسان عنده عزم في هذا أول الأمر، لكن إذا تزوجها ورغب فيها عصفته، جذب النساء للرجال ما هو هين.
* الطالب: لو ظن فيها قبول الدعوة؟
* الشيخ: كلمة الظن هذه غير واردة في الواقع، ولذلك أنت غير مكلف إلا بما بين يديك، حتى لو أخلفت الأمور فيما بعد فأنت مجتهد ولا لوم عليك ولا إثم عليك، لكن عليك إثم أنك تقدم على شيء تعرف أنه الآن غير صالح لكن رجاء أن يصلح، هذا خطأ.
والمرأة ربما تغلب الرجل، إذا أحبها حبًّا شديدًا ربما تقول له: اسجد لي، يقول: ما هو الله أكبر أنتِ أكبر، ألم تعلم أنه ذكر أحد العلماء -نسيت من هو- قال: إن مؤذنًا دعت عليه أمه بدعوة، وكان رجلًا صالحًا، فلما صعد إلى المنارة يؤذن وإذا بامرأة نصرانية في سطح بيتها جميلة، فأخذت بلُبِّه، فأرسل إليها يخطبها، فقالت: لا يمكن إلا إذا كنت نصرانيًّا، حاول، قالت: أبدًا، فتنصَّر، والعياذ بالله، صار نصرانيًّا، ارتد عن الإسلام الآن، فأعاد الخطبة قالت: الآن أنت لست مسلمًا ولا نصرانيًّا فلا أَحِلُّ لك، يعني هذا الرجل -نسأل الله العافية- ارتد عن دينه من أجل هذه المرأة، وصارت هذه المرأة كيدها أعظم من كيده، قالت له: لست مسلمًا ولا نصرانيًّا، والنصرانية لا تحل إلا للمسلم أو النصراني ارجع وراءك؛ نسأل الله العافية.
* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، ذكرتم قاعدة وقلتم النفي المحض لا يوجد في صفات الله، وكل نفي في صفات الله تضمن شيئين..
* الشيخ: الشيء الأول: نفي الصفة، والثاني: إثبات كمال ضدها.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هي المشكلة؟
* الطالب: اتخاذهم فرعون (...).
* الشيخ: أبدًا (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، يقولون بأن لهم ربًّا، لكن ربهم فرعون.
* الطالب: يعني يؤمنون بالربوبية.
* الشيخ: لفرعون.
* الطالب: لا لله.
* الشيخ: لا لله.
* الطالب: يعتبرون موحدين بالربوبية؟
* الشيخ: إي معلوم، موحدين بربوبية فرعون، عندهم توحيد فرعون ولّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: (...)، أيش تقولون يا جماعة؟
* طلبة: لا، ما عندهم توحيد.
* الشيخ: ما عندهم توحيد، التوحيد هو توحيد رب العالمين، أما توحيد فرعون أو غيره فلا.
* الطالب: (...) الأنبياء والصالحين في القرآن، هل هي بنصها؟
* الشيخ: يعني باللفظ نفسه لا، ما هي بلفظها، بالمعنى، ولهذا تجد العبارات مختلفة، مما يدل على أن الله تعالى ينقلها بالمعنى، وإن أضافها إليهم قولًا لكن بالمعنى، ثم هم أيضًا لغتهم غير عربية.
* الطالب: بعض الآيات التي يحكي فيها الله عز وجل عن إنسان أو أحد مثل قوله عز وجل: ﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف ٣٩] هل يقول الإنسان: قال الله تعالى حاكيًا عن رجل، أو يقول: قال الله تعالى: ﴿أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾؟
* الشيخ: لا، يقول: حاكيًا؛ لأنه قد يوهم أن الضمير يعود على الله.
* طالب: إذا كان الزوج كافرًا والزوجة مسلمة (...) فرعون وزوجته؟
* الشيخ: هذا الإشكال صحيح، يقول: هل يجوز للكافر أن يتزوج مؤمنة؟
فنقول: لا، فأورد علينا إشكالًا وهو أن امرأة فرعون كانت مؤمنة لا شك، وهو أكفر الكافرين.
الجواب: أن هذا شرع من قبلنا، أما شرعنا فلا، وتعرف القاعدة في الأصول: أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه. هذا وجه، ومن وجه آخر قد يُقال: إن فرعون أكرهها على ذلك، وأنها لا تحبه، ولهذا تقول: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم ١١] لكن هو ظالم ولا يبالي.
* طالب: يا شيخ ذكرت أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج امرأة مسلمة غير ملتزمة؟
* الشيخ: أنا قلت هذا؟! أعوذ بالله.
* الطالب: لا يجوز، لا يُستحب.
* الشيخ: بس فرق بين لا يجوز ولا يستحب، أنتم طلبتي وتعرفون كلامي وتعرفون أسلوبي، إذا نقلتم عني أنه لا يجوز للفاسق أن يتزوج مسلمة هذه داهية، معناه: ما نزوج أحدا أبدًا؛ لأن أكثر الناس فُسَّاق، عَدِّل العبارة.
* الطالب: لا يستحب له أن يتزوج المرأة غير الملتزمة؛ لأنها قد ترجعه إلى طريقتها.
* الشيخ: هذا صحيح، ولهذا قال النبي ﷺ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ»، ثم قال في النهاية: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣)، والنسائي واللفظ له (٥٣١٨)، كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ويش الإشكال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: «إن الله إذا عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩) من حديث أبي بن كعب وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.]].
* * *
* طالب: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٤، ٣٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ وقبل البدء في التفسير نقدم مقدمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها.
فنقول: إن من نعمة الله سبحانه وتعالى على العبد أن يحبب إليه العلم، وذلك لأن العلم الشرعي مفتاح كل خير؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠) من حديث معاوية رضي الله عنه.]] وهذه بشرى لكل من فقهه الله في دينه وعلمه أن الله أراد به خيرًا.
والفقه في الدين هو معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها، ثم تطبيق هذه الأحكام التي علمها؛ لأن من لم يطبق فليس بفقيه، بل هو قارئ، ولهذا «حذر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من أن يكثر القراء ويقل الفقهاء»[[أخرجه مالك (١٠٣٧ / ١٠٠) بسنده عن عبد الله بن مسعود، أنه قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه، قليل قراؤه، تُحفظ فيه حدود القرآن، وتضيع حروفه، قليل من يسأل، كثير من يعطي، يطيلون فيه الصلاة، ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه، كثير قراؤه، يُحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده، كثير من يسأل، قليل من يعطي، يطيلون فيه الخطبة، ويقصرون الصلاة، يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم.]]؛ فالفقيه في دين الله هو الذي يعلم شريعة الله ثم يطبقها على نفسه وعلى غيره بقدر استطاعته.
وطالب العلم عليه مسؤولية كبيرة؛ لأنه واسطة بين الخلق وبين الرسول ﷺ، إذ أنه ينقل شريعة الرسول ﷺ إلى أمته، ولهذا يجب أن يكون أسوة حسنة في عباداته وأخلاقه ومعاملاته؛ لأنه إذا كان أسوة حسنة في ذلك فقد أثمر العلم في حقه ثمراته الجليلة؛ ولأنه إذا كان أسوة للنبي ﷺ في ذلك أحبه الناس، وألفوه واقتدوا به، وصار إمامًا، وإن لم يكن إمامًا كبيرًا ولكنه إمام بحسب حاله، وكلما ازداد الإنسان علمًا وتمسكًا بما علم ازداد احترام الناس له واقتداؤهم به، وجعلهم إياه أسوة.
ثم إن طالب العلم يجب عليه الإخلاص لله عز وجل في طلبه؛ لأن الإخلاص هو أهم شيء، وهو الذي يكون به تحقيق ما أراده العبد، والإخلاص لله في طلب العلم أشار الإمام أحمد رحمه الله إلى شيء منه فقال: العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قالوا: وبم تصحيح النية؟ قال: ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه وعن غيره.
وهذا لا شك أنه من تصحيح النية، لكنه ليس كله تصحيح النية، بل هناك أشياء تجب ملاحظتها أيضًا، وذلك بأن ينوي بطلب العلم امتثال أمر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله أمر بالعلم ورغب فيه فقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد ١٩]، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة ١١]، وهذا شيء مشاهد، بينوا لي تاجرًا من أكبر التجار في عهد الأئمة الأربعة حصل له من رفع الذكر ما حصل لهؤلاء الأئمة الأربعة، لن تجدوا إلى ذلك سبيلًا، فأهل العلم مرفوعون عند الله، ومرفوعون عند العباد، مرفوعون في حياتهم، مرفوعون بعد مماتهم، حتى وإن نال أحدًا منه ما يناله من التعذيب أو المضايقة أو ما أشبه ذلك فإنه يزداد بذلك رفعة عند الله، ورفعة عند العباد.
فأنت إذا نويت بطلبك للعلم امتثال أمر الله صارت كل حركة تتحركها في هذا المجال عبادة، إن راجعت الدرس فعبادة، وإن حفظت فعبادة، وإن مشيت فعبادة، «وقد ثبت عن النبي ﷺ أن «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩ / ٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذه مسألة تغيب عنا كثيرًا، كثيرًا ما نراجع الكتب لتحقيق مسألة ما، ولكن يغيب عنا أننا الآن في عبادة نرجو بها ثواب الله، لكن إذا استحضر طالب العلم أنه يمتثل أمر الله سبحانه وتعالى بطلبه العلم، صار طلبه للعلم عبادة.
الثاني: أن ينوي بطلب العلم حفظ الشريعة؛ لأن الشريعة تُحفظ برجالها، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَم يِجِدِ النَّاسُ عُلَمَاءَ يَسْتَفْتُونَهُمْ اسْتَفْتَوْا أُنَاسًا جُهَّالًا فَأَفْتُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٧٣٠٧)، ومسلم (٢٦٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال، يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون».]] إذن حفظ الشريعة يكون بالعلماء، برجالها، فانْوِ بطلبك العلم حفظ الشريعة، ونعم الرجل أنت إذا كنت خزانة لشريعة الله عز وجل.
الثالث: أن ينوي بهذا -أي: بطلبه العلم- حماية الشريعة والذود عنها؛ لأن الشريعة لها أعداء معلنون بعداوتهم، وأعداء يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول، فلها أعداء، فأنت انْوِ بطلبك العلم حماية الشريعة والدفاع عنها، وإذا كان هذا مقصود طالب العلم فإنه سوف يختار الجهة التي يكون غزو أعداء المسلمين من ناحيتها، وعلى هذا يجب أن يكون على علم بما يجري في الساحة من الأفكار الرديئة أو العقائد الفاسدة، ونضرب مثلًا بوقت من الأوقات، مر على الناس وهم لا يعرفون مذاهب أهل التعطيل، ولا يعرفون الأفكار المنحرفة الهدامة؛ لأنهم لم يخرجوا من بلادهم، ولم يَفِد عليهم أحد من غيرهم، فهم ملتفون على علمائهم ولا يعرفون إلا الحق، هؤلاء لا يهمهم أن يشتغلوا بأمور أخرى من وسائل العلم أو الدفاع عن الشريعة؛ لأنهم آمنون، لكن إذا جاء العدو فلا بد أن نستعد له، وأن يكون استعدادنا بسلاح مناسب لسلاحهم، فمن المعلوم مثلًا أن من هاجمك بالمدافع والصواريخ لا يصح ولا يستقيم أن تدافعه بما يسمى بالسلاح الأبيض بالخناجر والسيوف وما أشبهها؛ لأن الواجب أن تستعد لكل عدو بما يناسب سلاحه.
فالآن صار في الساحة أفكار رديئة خبيثة إن لم تكن ملحدة فهي إلى الإلحاد أقرب من الاعتدال، ولا حاجة إلى التخصيص؛ لأنه معلوم عند كثير منكم.
نحتاج أن نعرف هذه الأفكار وكيف نبطلها، وإني أقول لكم: إن جميع الأفكار المنحرفة إبطالها سهل جدًّا، حتى وإن هولوا الأمر وإن ضخموه فهم كالإسفنج، اعصره بيدك يخرج كل ما فيه، ولا تتهيبوا؛ لأنهم ليس عندهم علم مسموع، ولا عقل مصنوع، فلا بد أن الإنسان إذا كان قد نوى بطلب العلم حماية الشريعة والدفاع عنها لا بد أن يعرف ما يكون في الساحة، حتى يستطيع أن يدافع، ولكل مقام مقال، ولكل مكان ما يناسبه.
وإني أقول لكم: إن حماية الشريعة والدفاع عنها لا يكون إلا برجالها، لو أنك كنت في مكتبة ومعك جماعة، ودخل رجل ملحد يقرر الإلحاد، وأنتم لا علم عندكم، لكن المكتبة مملوءة من الكتب التي ترد على الملحدين وتبين زيف ما هم عليه، هل يمكن أن يقفز كتاب منها من أجل أن يرد على هذا الملحد؟ لا يمكن، فالكتب وإن كثرت لا تفيد، لا بد من علماء، وإذا كان في هذا المكان الذي ذكرت، إذا كان فيه عالم فسوف يتكلم بما يرد قول هذا الملحد، حتى ينكص على عقبيه.
هذه أمور ثلاثة كلها تترتب على إخلاص النية.
الأمر الرابع: ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره. ومتى كان ينوي ذلك فلا بد أن يجد في الطلب؛ لأن من أراد الغنى لا بد أن يكتسب، ولا بد أن يتجر، ولا بد أن يخوض جميع ميادين التجارة، فإذا كان يريد رفع الجهل عن نفسه فليس من الممكن ولا من المعقول أن يجلس من غير تعلم، لا بد أن يجدّ في الطلب، وإذا كان يريد رفع الجهل عن غيره فلا بد أن يحرص غاية الحرص على نشر علمه بالوسائل المناسبة، الوسائل القوية في كل مجال.
يمكن أن ينشر العلم عن طريق الحديث في المجالس العادية، جلس مجلسًا في وليمة، في أي مكان، يمكن أن ينشر علمه، ولكن كيف ذلك؟ بالطريقة اللبقة المحببة للنفوس، والتي لا توجب الملل والاستثقال، يمكن أن يورد مسألة من المسائل في هذا الجمع الذي عنده، يورد مسألة يقول: ما تقولون في رجل فعل كذا وكذا، أو قال كذا وكذا، أو يأتي بمسألة إلغاز حتى يفتح الأذهان، وحينئذ يدخل في تعليم الناس، لست أقول افرض نفسك في المجلس الذي أنت فيه؛ لأن هذا صعب على النفوس، لكن اجلبهم إلى العلم بالطرق المحببة المناسبة حتى يشتغل المجلس بالعلم، مناقشة أو إلقاء أو ما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا ينشر علمه عن طريق الأشرطة، والأشرطة -ولله الحمد- نفع الله بها نفعًا كثيرًا، خصوصًا وأن الناس كثيرًا منهم -وخاصة من الشباب- يتلقون هذه الأشرطة بشغف ولهف، لا تكاد تخرج إلا والناس يتلقونها وينتفعون بها، فهذه الأشرطة ولله الحمد فيها مصلحة كبيرة ونشر للعلم، وليس في مكانك أو بلدك أو منطقتك، بل إنه يتعدى إلى خارج بلادك، كما سمعنا أن أشرطة الدعاة والعلماء تذهب إلى أماكن بعيدة، هذه من وسائل نشر العلم.
ثالثًا: يمكن أن تنشر العلم عن طريق الكتابة، كتابة الرسائل، تأليف كتب، نشرة ورقية، وما أشبه ذلك، بقدر المستطاع، حتى تنشر علمك وتنفع وتنتفع.
وهناك نشر للعلم بطريق خفي يخفى على طالب العلم أو على كثير من طلبة العلم ألا وهو نشر العلم عن طريق العمل به، كثيرًا ما يرقب الناس هذا العالِم ويرون ماذا يصنع فيقتدون به، قال بعض الناس: إنه كان يصلي، فقال بعض الذين شاهدوه: إنك تفعل كذا وكذا في صلاتك، فانظر كيف كان الناس يراقبون أفعال طالب العلم من أجل أن يقتدوا به، وهذا من طريق نشر العلم، بل قد يكون هذا من أبلغ الطرق التي يتأثر بها الناس؛ لأن تأثر الناس بالفعل قد يكون أشد وأقوى من تأثرهم بالقول، ولهذا نكرر ما أسلفناه من أن طالب العلم لا يكون فقيهًا إلا إذا عمل بعلمه، وإلا فهو قارئ وليس بفقيه.
وبهذه المناسبة أود أن أحثكم على مكارم الأخلاق من السماحة، وبذل السلام، وبذل المعروف، والتسامح فيما بينكم، وملاقاة الناس بالبشر وطلاقة الوجه، فقد كان من صفات النبي ﷺ أنه كان دائم البشر كثير التبسم صلوات الله وسلامه عليه، دائم البشر لا تجده منغلقًا ولا مكفهرًّا، كثير التبسم في محله، فلنا فيه صلوات الله وسلامه عليه أسوة حسنة، قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤].
ومما ينبغي لطالب العلم: أن يحفظ وقته عن الضياع، وضياع الوقت يكون بأسباب، أو يكون له وجوه:
الوجه الأول: أن يدع المذاكرة ومراجعة ما قرأ.
والوجه الثاني: أن يجلس إلى أصدقائه وأحبائه، ويتحدث معهم بحديث لغو ليس فيه فائدة.
الوجه الثالث: وهو أضرها على طالب العلم، ألا يكون له هم إلا تتبع أقوال الناس وما قيل وما يقال، وما حصل وما يحصل في أمر ليس معنيًّا به، وهذا لا شك أنه من ضعف الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قال: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيِه»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والاشتغال بهذا القيل والقال وكثرة السؤال مضيعة للوقت، وهو في الحقيقة مرض إذا دب في الإنسان نسأل الله العافية صار أكبر همه، وربما يعادي من لا يستحق العداء، أو يوالي من لا يستحق الولاء من أجل تشاغله في هذه الأمور التي تشغله عن طلب العلم، بحجة أنه يقول له فكره هذا من باب الانتصار لصاحب الحق، وليس كذلك، بل هذا من إشغال النفس بما لا يعني الإنسان.
أما إذا جاءك الخبر بدون أن تتلقفه وبدون أن تطلبه فكل إنسان يتلقى الأخبار، لكن لا ينشغل بها، لا تكن أكبر همه؛ لأن هذا يشغل طالب العلم ويفسد عليه أمره، ويفتح في الأمة باب الحزبية والولاء والبراء فتتفرق الأمة، فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والصلاح، وأن يجمع القلوب على طاعته، ويرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا وزقًا طيبًا واسعًا يغنينا به عن خلقه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: حقيقة أن الناس في كل أمورهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام -كل أمور الناس: طرفان ووسط، طرف مفَرِّط، وطرف مفْرِط، ووسط، من الناس من يشتغل بما يسمونه فقه الواقع ولا يكون له هم إلا تتبع الناس وقيل وقال وكثرة السؤال، وهذا لا شك أنه مضيعة وتشاغل بالمهم -إن كان مهمًّا- عن الأهم، وهذا غلط، ومن الناس من يتشاغل بالفقه الشرعي ويحرص عليه، لكنه لا يلتفت إلى أحوال الناس إطلاقًا، بل ربما ينكر من الفقه الشرعي ما يظن أن الدليل لا يدل عليه، وهذا أيضًا طرف خطأ، ومن الناس من يحاول الجمع بين هذا وهذا.
ونحن إذا سبرنا سيرة النبي ﷺ وجدنا أنه عليه الصلاة والسلام يفهم الواقع ويفهم الناس، ويفهم الخَيِّر من الشرير، لكنه ﷺ يهتم بالأمر الثاني، الذي هو الفقه في الدين، ولهذا قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧ / ١٠٠)، من حديث معاوية رضي الله عنه.]]، لم يقل يفقهه في الواقع، فقه الواقع وسيلة للتطبيق فقط، فلا بد لطالب العلم من هذا ومن هذا، لا تجنح إلى طرف الفقه في الواقع، ولا تغلو في الفقه في الدين فتعرض عن كل شيء، فالإنسان يجب أن يكون وسطًا.
* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، (...) حماية الشريعة، ولمن إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر الآن وسائل الإعلام تدعو إلى الكفر والإلحاد والشرك وما إلى ذلك، وأهل الحق يمنعون من ذلك، فكيف تكون حماية الشريعة بالله، أحسن الله إليكم؟
* الشيخ: هو -بارك الله فيك- أنت انوِ بذلك حماية الشريعة، أما كونك تطبق ذلك في المجتمع هذا ليس إليك، هذا إلى الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦]، وتعلمون ما جرى للإمام أحمد وغيره من الأئمة من المحن في محاولة تطبيق الشريعة في الناس، ومع ذلك هم صبروا واحتسبوا حتى ظهر الحق ولله الحمد، فتطبيق الشريعة ليس معناه أن طالب العلم إذا نوى تطبيق الشريعة وحمايتها أنه يستطيع ذلك، قد لا يستطيع، لكن هو ينوي هذا، ويجعل طلبه للعلم مركزًا على هذه النية، والله سبحانه وتعالى ييسر له الأمر، ثم إذا أوذي في الله فهو رفعة لدرجاته، ورفعة لذكره، لو تأملت من أكثر الناس إيذاء من العلماء لوجدت أنهم العلماء الكبار، هم الذين يلحقهم الأذى من حبس وضرب وإهانة، وربما قتل، فيكون هذا من رفعة الله لهم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما العلوم التي يحسن لطالب العلم البدء فيها، (...)؟
* الشيخ: والله نرى أن أهم المهمات العلم بهذا الكتاب العزيز؛ كتاب الله، قبل كل شيء؛ لأن الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ثم العناية بما صح من السنة، ثم العناية بما كتبه أهل العلم وأخذوه من هذين المصدرين الأساسيين: الكتاب والسنة.
ولا يعني إذا قلنا: احرص على معرفة كلام الله وكلام رسوله أن تعرض عن كل شيء، لا بد أن ننتفع بأفكار العلماء الذين كرسوا جهودهم لخدمة العلم، وإلا ضِعْنَا، ولهذا كتب العلماء -رحمهم الله- في أصول الفقه، وفي أصول الحديث، وفي قواعد الفقه، وفي قواعد التحديث، وغير ذلك من أجل الضبط، حتى ينضبط الناس ويكونوا ماشين على قواعد معلومة.
* الطالب: بارك الله فيكم، من الملاحظ أن حفظ المتون فيه صعوبة، بعض الناس يقول: أنا أكرر المسائل مرات فأفهمها وأكتفي بذلك عن حفظ المتون، فحفظ المتون في الفقه مثلًا يقول: هذه إنما كلام أناس نحن نأتي بمثله، ما رأيكم؟
* الشيخ: أنا رأيي أن حفظ المتون هو الأساس، وما انتفعت بشيء انتفاعي بما حفظت من الكتب؛ لأن حفظ المسائل يطير، إلا مسائل تتكرر على الإنسان يوميًّا فهو لا ينساها من قِبَل العمل، فحفظ المتون هو العلم في الواقع، وكونه صعبًا على بعض الناس هذا صحيح، فبعض الناس يصعب عليه جدًّا أن يحفظ، تجده يكرر المتن تكرارًا كثيرًا ولكن ما يحفظه، لكن احرص على هذا، وكلما تقدمت السن بالإنسان قوي فهمه وضعف حفظه، يعني فهمه يقوى، ويتفتح عليه من الفهوم ما لم يكن يعرفه من قبل، لكن يقل حفظه، ولهذا ننصح الشاب بالحفظ، وأول ما يجب أن يحفظ كتاب الله الذي هو أساس كل شيء.
* طالب: هل ينصح طالب العلم بأن يسير في فن من الفنون مثل فن الفقه، أو أنه يتنقل في الفنون، من فن العقيدة إلى فن الفقه؟
* الشيخ: تعرف أن العلوم ليست سواء بعضها أهم من بعض، فأنت كرس جهودك على الأهم، ولا تخلي نفسك من العلوم الأخرى المساندة للأهم؛ يعني مثلًا رجل قال: أنا أهوى النحو، أبغي أكرس جهودي على النحو ولا أتعرض لغير هذا. نقول: غلط، كرس جهودك على ما تهواه نفسك لئلا يضيع عليك الوقت؛ لأن الإنسان إذا حاول أن يرغم نفسه في دراسة شيء لا يختاره سيضيع عليه الوقت، لكن لا تنسى العلوم الأخرى.
كذلك أيضًا لا تكثر على نفسك من العلوم؛ لأن كثرة العلوم تضعف الإنسان في همته وفي فهمه، والذين درسوا في المدارس النظامية يعرفون هذا، تجد مثلًا في المعاهد أو الثانويات تجد فيها مثلًا خمسة عشرة مادة تُضَيِّع على الإنسان، لو أردت أن تبحث معه في شيء عميق من المواد التي درسها ما وجدت عنده شيئا.
فإذا ركز الإنسان على العلوم واختصرها بقدر ما يستطيع صار هذا أجود له وأكثر استفادة، ويذكر أن بعض الناس يقول: إن من أتقن علمًا من العلوم إتقانًا جيدًا استغنى به عن سائر العلوم؛ وهذا لا شك أنه غلط، لو أنك أدركت النحو جيدًا، هل يغنيك عن معرفة الفقه؟
وما يذكر عن أبي يوسف والكسائي أنهما تناظرا في حضرة الرشيد، وقال الكسائي: إن الإنسان إذا أتقن العلم -أي علم أتقنه- يستغني به عن غيره، وأن أبا يوسف أورد عليه الرجل يسهو في سجود السهو، فقال الكسائي: ليس عليه سجود، قال: ومن أين يوجد هذا في علمك؟ -لأن الكسائي إمام في النحو- قال: من قواعد علمي أن المُصَغَّر لا يُصَغَّر؛ هذا يصح دليلًا في حكم شرعي؟ أبدًا، وأنا أظن أن هذه القصة مصنوعة، ما هي صحيحة.
لكن على كل حال الإنسان ينبغي له أن يركز، وأنا في نظري أن أهم ما أركز عليه هو القرآن الكريم، القرآن كنوز عظيمة، كلما أخذت آية وصرت تتأملها انفتح لك من العلوم فيها ما لا يعلمه إلا الله، ثم القرآن سند، يعني ليس القرآن ككتاب أي عالم من العلماء، هو سند يحتج به الإنسان أمام الله عز وجل؛ لأنه كلام الله سبحانه وتعالى، فلهذا أنا أرى أن نركز على علم التفسير، ثم على معرفة ما صح عن النبي ﷺ.
وأنتم تعرفون أن ما نسب إلى الرسول ﷺ يحتاج إلى جهد قبل أن يكون دليلًا، الجهد هو أن نعرف صحته إلى الرسول؛ لأنه ما أكثر الأحاديث التي رواها ضعاف الناس رواية، إما لقلة أمانتهم أو لسوء حفظهم أو ما أشبه ذلك، بل ما أكثر الأحاديث الموضوعة المكذوبة على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأهواء كثرت فصار من لا يخاف الله يضع ما شاء من الأحاديث وينسبها للرسول ﷺ، تحتاج السنة إلى عناية كبيرة في ثبوت صحتها عن الرسول ﷺ.
أما القرآن فلا يحتاج إلى هذا؛ لأنه ثابت بالنقل المتواتر الذي ينقله الأصاغر عن الأكابر، فالعناية بالكتاب والسنة هو أهل شيء، لكن لا يعني ذلك الإعراض عما كتبه العلماء، لا بد من الاستعانة بآراء العلماء وكيفية استنباطهم للأحكام من القرآن والسنة، ونقتصر على هذا.
* * *
* طالب: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر ٣١ - ٣٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نبدأ هذا الصباح في درس التفسير، وينبغي أن نلم بشيء من قواعد التفسير، فنقول:
أولًا: التفسير مأخوذ من الفَسْر، فَسَرَت الثمرة عن قشرها؛ أي: اتضحت وبانت، وهو عبارة عن توضيح كلام الله عز وجل، والتفسير يُراد به التفسير اللفظي؛ يعني أن تفسر اللفظة بقطع النظر عن سياقها، ويُراد به التفسير المعنوي بأن تفسر اللفظة بحسب سياقها.
فمثلًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال ٦٠]، إذا فسرنا القوة التفسير اللفظي صار معناها ضد الضعف، لكن الرسول ﷺ قال: «إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»[[أخرجه مسلم (١٩١٧ / ١٦٧) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]، وعلى هذا فنقول معنى القوة ضد الضعف، هذا باعتبار اللفظ، والمراد بها الرمي، هذا باعتبار المعنى المراد.
ومثله أيضًا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، الزيادة معناها الفضل، زيادة الشيء على الشيء، هذا من حيث اللفظ، لكن المراد النظر إلى وجه الله عز وجل كما فسره النبي ﷺ، إذن التفسير اللفظي غير المراد، المراد يعينه السياق أو يبينه النبي ﷺ أو ما أشبه ذلك، وأما اللفظ فأنت تفسر الكلمة باعتبار معناها منفردة، دون النظر إلى سياقها.
والقرآن الكريم يفسر بالمعنى الأول ولّا بالمعنى الثاني؟ بالمعنى الثاني؛ أي: بما أراد الله به.
ثانيًا: هل المراد يخالف الظاهر أو هو الظاهر إلا بدليل؟ المراد هو الظاهر، يعني أن الله يريد بكلامه ظاهره، ولا بد، ولا يمكن أن نعدل عن الظاهر إلا بدليل، فمن عدل عن الظاهر إلى غيره بدون دليل كان ممن يحرفون الكلم عن مواضعه.
مثال هذه القاعدة قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، ظاهر قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ أي: علا عليه علوًّا يليق بجلاله وعظمته، وهو علوٌّ خاص بالعرش، وليس هو العلو العام على جميع المخلوقات، فإذا جاء الإنسان وقال: استوى على العرش؛ يعني استولى عليه، فإننا لا نقبل منه، لماذا؟ لأن هذا خلاف الظاهر بلا دليل، فإذا كان خلاف الظاهر بلا دليل فإنه من باب تحريف الكلم عن مواضعه، وإن تَسَمَّى أهله بأنهم مؤوِّلة فإنما يسمون أنفسهم بذلك من أجل قبول قولهم، وتسهيل خطئهم على الناس؛ لأنه فرق بين أن تقول: هذا مؤول أو هذا محرف، وإلا فالحقيقة أنهم محرفون.
ولهذا تجدون شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عبر في العقيدة الواسطية بقوله: من غير تحريف. ولم يقل: من غير تأويل؛ لأن التحريف مذموم بكل حال، والتأويل منه صحيح ومنه فاسد.
فإن دل دليل على أن المراد خلاف الظاهر فسرناه بالمراد، مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨]، معنى قرأت؛ يعني: أردت أن تقرأ، وليس المعنى إذا فرغت، لو أننا فسرنا اللفظ بظاهره لقلنا: إذا قرأت؛ يعني: إذا انتهيت من القراءة فاستعذ بالله، ولكن هذا غير مراد، ما الذي يبيِّن أن هذا غير مراد؟ فعل النبي عليه الصلاة والسلام فإنه كان يستعيذ قبل أن يبدأ القراءة، هاتان قاعدتان.
القاعدة الثالثة: إلى من يُرجع في تفسير القرآن؟ هل يرجع إلى اللغة والحقيقة اللغوية أو يُرجع إلى الحقيقة الشرعية أو ماذا؟
نقول أولًا: يُرجع في التفسير إلى تفسير من تكلم به، وهو الله عز وجل، فيرجع في التفسير أولًا إلى كلام الله، فإذا كانت الكلمة مجملة في موضع من القرآن مفصلة في موضع، فإنه يُرجع إلى ما فُصِّل بالقرآن نفسه، إذا كانت مبهمة في موضع لكنها مبينة في موضع آخر نرجع إلى الموضع الآخر، فيُفَسَّر القرآن أولًا بالقرآن؛ لأن المتكلم به أعلم به من غيره، ففي قوله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣] ما هي القارعة؟ بينها الله بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، فسرها بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار ١٩]، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥] أي: ناصية هي؟ كل ناصية يسفع الله بها؟ لا ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] وعلى هذا فَقِسْ، فنرجع أولًا إلى تفسير من تكلم به وهو الله، أي إلى تفسير القرآن بالقرآن.
ثم بعد هذا نرجع إلى تفسير القرآن بالسنة؛ لأن أعلم الناس بكلام الله رسول الله ﷺ، فنرجع إلى تفسيره، ولا نقبل تفسير غيره، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فقد فسرها صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنها النظر إلى وجه الله، لو جاءنا جاءٍ وقال: (وزيادة) أي: زيادة في الحسن، قلنا له: لا نقبل قولك، وإن كانت الكلمة من حيث معناها اللفظي تحتمل ما قلت، لكنّا لا نقبل، لماذا؟ لأن النبي ﷺ فسرها بأنها النظر إلى وجه الله، وهو أعلم الناس بمراد ربه، فلا نقبل قولك.
ثالثًا: نرجع إلى تفسير الصحابة؛ يعني إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة رجعنا إلى تفسير الصحابة؛ لأن الصحابة أعلم الناس بمراد الله ورسوله، حيث إنهم في عصر التنزيل، وشاهدوا الأحوال والقرائن الدالة على المراد، ولا شك أن المشاهد للشيء ليس كالغائب عنه، الآن ربما أتكلم أنا بكلام منفعل فيه، وأقول: أتفعلون كذا؟ ولمَ كذا؟ تجدونني منفعلًا، والذي يسمع كلامي وهو لم يشاهدني يظنه كلامًا عاديًّا، ولا يعرف؛ لأنه ما عنده قرينة، فلهذا نقول: الصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله ورسوله؛ لأنهم قد شاهدوا الأحوال وعرفوا القرائن فيرجع إلى تفسيرهم.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء ١٢]، فهنا فسر أبو بكر الكلالة بأنه من ليس له ولد ولا والد، بأنه الميت يموت ليس له ولد ولا والد؛ يعني لا أصول ولا فروع، هنا نأخذ بتفسير أبي بكر، لماذا؟ لأنه من الصحابة، والصحابة أعلم الناس بتفسير كلام الله عز وجل، ومعنى قولنا هذا أنه لو جاء أحد من المتأخرين، وفسر القرآن بخلاف ما فسرت به الصحابة فإننا لا نرجع إلى قوله أبدًا.
بعد ذلك الرابع: إذا لم نجد في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الصحابة نرجع إلى أقوال التابعين، ولا سيما من عُرِف منهم بالتلقي عن الصحابة، مثل مجاهد بن جبر رحمه الله، فإنه قال: «عرضت المصحف على ابن عباس مرتين أو أكثر أقفه عند كل آية وأسأله عن معناها»[[أخرجه الدارمي (١١٦٠) بسنده عن مجاهد، قال: لقد عرضت القرآن على ابن عباس رضي الله عنهما، ثلاث عرضات أقف عند كل آية أسأله فيم أنزلت، وفيم كانت؟".]]، فمثل هذا يؤخذ بقوله؛ لأنه أخذ عن الصحابة، وإن كان بعض التابعين قد لا ينال هذه المرتبة لعدم أخذه عن الصحابة، لكن على كل حال التابعون أقرب إلى المعنى الصحيح ممن بعدهم، إلا أنهم كما عرفتم يقلون مرتبة عن الصحابة.
الخامس: نرجع إلى المعنى الحقيقي للكلمة، وهو المعنى اللغوي؛ يعني نرجع إلى معنى الكلمة في اللغة العربية، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] يعني: تفهمون المعنى، وهذا إحالة من الله عز وجل إلى اللغة العربية، وأن عقل القرآن يكون بمقتضى اللغة العربية، ولنا حجة، فإذا قال قائل: ما دليلك على أن معنى هذه الكلمة هو كذا؟ قلنا: هذا معناه في اللغة، والقرآن نزل باللغة العربية، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان ٥٨] إلى غير ذلك من الآيات الواضحة.
فإن اختلفت الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية رجعنا إلى الحقيقة الشرعية، يعني الحقيقة الشرعية واللغوية لا شك أنها تتفق في أشياء كثيرة، فالسماء سماء لغة وشرعًا، والأرض أرض لغة وشرعًا، والإبل إبل لغة وشرعًا، وما أشبه ذلك، فإن تعارضت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية نقدم الحقيقة الشرعية؛ لأن هناك كلمات نقلها الشرع من المعنى الأصلي اللغوي إلى المعنى الشرعي، مثال ذلك الإيمان، الإيمان في اللغة هو الإقرار والاعتراف أو التصديق على خلاف بين العلماء في التفسير، لكنه في الشرع غير ذلك، الإيمان في الشرع أوسع من هذا، يشمل المعنى اللغوي ويشمل ما سواه، مثل الأعمال، الأقوال، الأفعال، التروك، كل هذه من الإيمان شرعًا، ومثل الصلاة وجدنا في القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة ٤٣]، على أي شيء نحمل الصلاة؟ على المعنى اللغوي الذي هو الدعاء أو على المعنى الشرعي؟ على المعنى الشرعي؛ لأن الشرع نقل بعض الألفاظ العربية إلى معنى جديد ليس مستعملًا في اللغة العربية فنأخذ بما أقره الشرع.
أخذنا الآن خمسة: نرجع في التفسير إلى القرآن، السنة، الصحابة، التابعين، المعنى اللغوي، وإذا تعارض اللغة والشرع قدمنا المعنى الشرعي، وهذا هو المبحث أظن المبحث الثالث.
المبحث الرابع: هل يجوز لنا أن نفسر القرآن دون الرجوع إلى كلام العلماء المكتوب أو المسموع؟
هذا ينظر، إذا كانت الكلمة لها معنى لغوي، ولم نعلم أن لها معنى شرعيًّا يعارضه فلنا أن نفسر القرآن بمقتضى اللغة، إذا لم نعلم أن لها معنى شرعيًّا نُقلت إليه؛ لأن القرآن كما قلنا واستدللنا نزل باللغة العربية، فإذا فسرته بمقتضى اللغة العربية فلا بأس، لكن بشرط أن يكون لي علم باللغة العربية، ما هو أي عامي ييجي يفسر القرآن.
أما إذا فسرت القرآن بما يوافق رأيي مع مخالفته للقواعد السابقة، فهذا جاءت الأحاديث بالوعيد فيه، «وأن من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»[[أخرجه الترمذي (٢٩٥١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».]]، ولهذا أمثلة كثيرة عقدية وفقهية، كثير من العلماء فسروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم، وهذا في العقائد مشهور معروف، مثل: يفسر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] أي جاء أمر ربك، يفسر قول الله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] بأنه الكلام المخلوق، يفسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني: استولى عليه، يفسر قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] أي: بقدرتي، وما أشبه ذلك، هذا قائل في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.
في هذا أمثلة كثيرة؛ عقدية وفقهية؛ كثير من العلماء فسَّروا القرآن بآرائهم؛ أي: بما يناسب مذاهبهم. وهذا في العقائد مشهور معروف:
يفسر قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢] أي: جاء أمر ربك.
يفسر قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة ٦] بأنه الكلام المخلوق.
يفسر قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يعني: استولى عليه.
يفسر قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] أي: بقدرتي وما أشبه ذلك، هذا قال في القرآن برأيه لا شك؛ لأنه لا فسره بمقتضى اللغة، ولا بمقتضى الشرع، وإنما بمقتضى رأيه الذي يطابق أيش؟ ما هو عليه من المذهب أو من الطريقة.
فالتفسير بالرأي إذن مُحَرَّم ومن كبائر الذنوب، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١]؛ لأن هذا المُفَسِّر يقول: إن الله أراد بهذا هذا، فيكون صادقًا أو كاذبًا؟ يكون كاذبًا، فيكون ممن افترى على الله كذبًا؛ حيث قال: إن الله أراد كذا؛ ثم هو ممن اعتدى في حق الله حيث قال: لم يُرِدْ كذا؛ شوف الخطر، إذا قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ قال أراد الله: وجاء أمر ربك، فيكون كذب على الله، قال: ولم يرد أنه جاء بنفسه. يكون اعتدى على كلام الله وتجاوز حده، من قال لك: إن الله لم يرد هذا، وهذا ظاهر كلامه؟ فيكون هذا معتديًا محرفًا والعياذ بالله.
وكذلك أيضًا في المسائل الفقهية مثلًا: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة ٦] قال الرافضة: يعني أن الله أمرنا أن نمسح الأرجل بدل الغسل، فيقال: هؤلاء قالوا برأيهم؛ لأنهم أهملوا قراءة النصب ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ولم يعملوا بها، ثم خالفوا المراد بقراءة الجر، وهي أنها تُمْسَح الرجل على الوجه الذي بينته السنة، وما الذي بينته السنة؟ أن الرجل تُمْسَح إذا كان عليها خُفَّان أو جوربان أو ما أشبه ذلك؛ فتبين الآن أن التفسير بالرأي من كبائر الذنوب؛ لأنه يتضمن مفسدتين عظيمتين:
إحداهما: تحريف الكلم عن مواضعه.
والثاني: الكذب على الله والتعدي في حقه؛ حيث قالوا: إنه لم يردْ كذا وأراد كذا.
المبحث الخامس: أهمية التفسير، التفسير من أَجَلِّ العلوم وأعلاها قَدْرًا؛ لأن الإنسان يحاول أن يفهم به معنى كلام الله عز وجل، والعلوم تَشْرُف بحسب موضوعها، ولا أشرف من موضع تفسير كلام الله عز وجل، فيكون التفسير من أَجَلِّ العلوم إن لم نَقُلْ: هو أجل العلوم وأعظمها قدرًا؛ لأنه عناية بكلام الله عز وجل، ولأنه إتباع لطريق السلف الذين لا يجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، ولأن الإنسان إذا فَهِمَ كلام الله ذاق له طعمًا، وصار يقرؤُه وهو يجد حلاوة معناه والأنس به أكثر من إنسان أُمِّيٍّ لا يعلم الكتاب إلا أماني.
ففي علم التفسير يطمئن القلب وفي علم التفسير يعرف الإنسان قَدْر هذا القرآن العظيم الذي وصفه الله بعدة أوصاف عظيمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]، وأكثرنا -عفا الله عنا- لا يعتني بالتفسير، ولا يهتم به، ربما يستشرف كتاب عالم من العلماء يخطئ ويصيب، ويتأمل هذا الكتاب منطوقًا ومفهومًا وإشارة وإيماء وغير ذلك من أنواع الدلالة، لكن كلام الله لا يعتني به، ولولا أنه يَتَبَرَّك به في أَجْرِه لما عَرَّج عليه أصلًا إلا أن يشاء الله، وهذا غلط.
حتى في طلبة العلم الآن مَنْ لا يهتم بالتفسير، تجده يهتم بكتب الفقه، يهتم بكتب الحديث، يهتم بكتب الرجال، ويُعْرِض عن هذا اللي هو الأصل، أصل الأصول الذي يجب علينا أن نعرفه، والذي سنُحَاسَب عليه، «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه. ]] استوقف شخصًا من أكبر طلبة العلم، عندي آية من القرآن قل له: ما معناها؟ ما يقول؟ إما أن يكون جريئًا فيقول: أراد الله بهذا كذا وكذا، وهو لم يرده، أو أنه يكون وَرِعًا ويقول: لا أردي، لكن لو أن طلبة العلم أخذوا القرآن من أَوَّلِهِ يقرؤونه ويتدبرونه ويتأملونه لوجدوا خيرًا كثيرًا، وانفتح لهم من أبواب المعرفة ما لا يخطر على البال.
والله عز وجل في القرآن الكريم يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧] ما هو صعب، القرآن إذا أقبلت عليه حقيقة بقلب ونية جازمة فهو سهل، أسهل من جميع الكتب؛ لأنه يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧].
هذه نُبَذٌ تَكَلَّمْتُ بها أسأل الله تعالى أن ينفع بها في مقدمة التفسير؛ لأن بعض إخواننا قد لا يكونون حضروا مثل هذه القواعد التي سوف تفيدهم إن شاء الله تعالى، أما الآن فإلى الدرس الذي نحن بصدده.
* طالب: يقول بعضهم: إن هناك شيئان ليس لهما سند التفسير والتاريخ؛ ما صحة هذا القول؟
* الشيخ: نعم، هذا يذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال هي ثلاثة: المغازي والسير والتفسير، ومراده بذلك أنه ليس لها سند أن الناس يتناقلونها بدون إسناد، فمثلًا يقول: قال مجاهد كذا، قال ابن عباس كذا، بدون إسناد هذا المعنى، كذلك التواريخ تجد مثلًا يتكلم الناس في هذا في غزوة أحد، لكن لا تجد الرجل يقول: حدثني فلان عن فلان عن فلان حتى يصل إلى الغزوة، وكذلك يقال في السير، هذا مراد الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقصده بذلك أنك إذا سَمِعْت مثل هذا الذي اشتهر ونُقِلَ أن تتأكد منه.
* طالب: لو أن شيخا الآن أو مدرسًا عرض على طلابه تفسير آية، وقال: ما تقولون في هذه الآية؟ وهو عالم بها، يجلس التلاميذ فيقول هذا بقول وهذا بقول، هل يدخلون في ضمن (...)؟
* الشيخ: لا، هذا لا يدخل في ضمن؛ لأن هذا الذي قال: معنى الآيات: كذا. لا يريد أن هذا المعنى مستقر، لكن يعرضه على شيخٍ أعلم منه، فكأنه حينما يقول: أراد الله كذا، كأنه يقول بلسان الحال: هل أراد الله بهذا كذا؟ فهذا لا يُعْتبر تفسيرًا للقرآن بالرأي ولا محرمًا.
* طالب: بعض الناس يتركون التفسير ويتبعون السنة وآثار الرجال وما أشبه ذلك، ويعللون يقولون: إن أهل البدع يستدلون بعمومات القرآن، فنقرأ السنة لكي نبين هذه العمومات (...) السنة، فما رأيكم في هذا؟
* الشيخ: رأيي صحيح أننا لا نزهد في السنة ولا في معرفة الرجال ولا في معرفة المصطلح، لكننا نرى أن هناك أولويات، وهناك أهميات قَبْلَ المهمات، وأما ما ادعاه من أن القرآن لم يُبَيِّن الرد على أهل البدع، والسنة بَيَّنَت فهذا غير صحيح، القرآن ليس فيه دليل واحد لأي بدعة من البدع أبًدا، بل إن شيخ الإسلام رحمه الله قال في كتابه درء تعارض العقل والنقل قال: أي دليل يستدل به شخص على بدعة فأنا أجعل هذا الدليل دليلًا عليه. وصدق.
أضرب مثلًا لكم: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] استدلَّ بهذه الآية من يرى أن الله لا يُرَى، عرفتم؟ والحقيقة أنها تدل على أن الله يرى، استدل بها وهي دليل عليه؛ لأن نَفْيَ الأَخَصَّ يستلزم وجود الأعم؛ ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ إذن تراه، ولو كانت لا تراه لقال: لا تراه الأبصار، أما أن يعبر بـ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ عن لا تراه فهذا لا شك أنه تعمية وإلغاز، ولا يمكن أن يكون هذا في كلام الله الذي جعله الله تبيانًا لكل شيء، عرفت؟
استدلوا بقول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ قالوا: هذا يدلُّ على أن الله لا يرى؛ نقول: هذا دليل عليكم، موسى سأل الرؤية في الآخرة ولا في الدنيا؟ في الدنيا، كيف تنقلونها أنتم إلى الآخرة؟! ولهذا قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: الآن ليس بك قدرة على أن تتحمل رؤيتي، ورؤية الله تعالى مستحيلة في الدنيا لا لأمر يتعلق بالرؤية، لكن لأمر يتعلق بالرائي، الرائي لا يتحمل؛ ولهذا ضرب الله مثلًا لموسى فقال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف ١٤٣] جَلَّ وعلا، ماذا صار؟ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، هذا الجبل العظيم الذي لا تدكه القنابل صار دَكًّا بمجرد أن الله تجلى له؛ ولهذا خَرَّ موسى صعقًا، عجز أن يتحمل الموقف فضلًا عن رؤية ربه عز وجل.
فالمهم أن الآية الآن فيها دليل عليهم؛ لأن موسى إنما سأل الرؤية متى؟ في الدنيا لا في الآخرة.
ثم إن موسى سأل الرؤية وأنتم تقولون: رؤية الله مستحيلة، إذن أنتم أعلم بالله من موسى؛ يعني: إما أن تكونوا أعلم بالله من موسى؛ لأن موسى ما سأل شيئًا مستحيلًا، يرى أن الله يُرى، لكن البشر لا يتحملون ذلك، فإما أن يكون جاهلًا بقدر الله وأنتم عالمون به، وإما أن يكون معتديًا على الله حيث سأل ما لا يحل له سؤاله.
فأقول لكم يا إخواني: من قال: إن البدع لا تُدْفَع إلا بالسنة أو لا يتم دفعها إلا بالسنة فقد أخطأ، وهذا يدل على قصور فهمه للقرآن أو على تقصيره في تَفَهُّمِ القرآن، وإلا فالقرآن نفسه لا يمكن أن يوجد بدعة إلى رَدَّ عليها، أبدًا، ولو لم يكن من ذلك إلا قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] هذه الآية قاضية على كل بدعة، كل بدعة تُبْطَل بهذه الآية سواء كانت عقدية أو قولية أو فعلية.
* طالب: قلتم: إن تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بالصحابة، لكن لو أراد الإنسان أن يتتبع كل آية فينظر من أقوال الصحابة والسنة وكذا لضاع عليه الوقت، لكن (...) كتاب تفسير من كتب الأئمة المعروفين (...) حتى يحفظه.
* الشيخ: هذا يكون تقليدًا؛ يعني: كوني أمسك تفسير ابن كثير أو غيره من العلماء هذا تقليد، لكن أنا أريد تفسير المجتهد، أما مَنْ لم يجد إلا ميتة فيأكل الميتة للضرورة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ينبغي أن نعلم أن التقليد بمنزلة أكل الميتة، إن اضطررت إليه فقلد وإلا فاجتهد، أدل إلى البئر بمثل ما أدلى به الناس، أدلِ بدلوك، والحقيقة أن التقليد لا يجوز إلا عند الضرورة وعند العجز، وإلا مَنْ أمكنه أن يأخذ الأحكام أو العقائد من كتاب الله وسنة رسوله فليفعل؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] هذه تحتاج إلى جواب، ولولا قول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦] لقلنا: يجب على كل إنسان أن يجتهد، وأن يأخذ الحُكْمَ من القرآن والسنة، لكن الحمد لله وسع الله علينا ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وإلا لقلنا: يجب أن كل واحد يأخذ من الكتاب والسنة؛ لأننا سنُسْأَل عن القرآن والسنة.
* الطالب: ما أفضل كتب التفسير التي تمشي على القواعد التي ذكرتم حتى يتبين للطالب ويتمرن عليها؟
* الشيخ: هو أحسن شيء فيما أرى من التفاسير التي تعتني بالأثر تفسير ابن كثير، تفسير ابن كثير من أحسن ما يكون من الكتب التي تعتمد على التفسير بالأثر، لكن تعلمون أن القرآن -سبحان الله- القرآن واسع، لو اجتمع الناس كلهم على أن يدركوا معناه ما استطاعوا، تجد مثلًا هذا يبحث في القرآن من الناحية اللغوية، وهذا من الناحية العقدية، وهذا من الناحية الفقهية، وهذا من ناحية البلاغة، علوم شتى كثيرة في القرآن الكريم؛ ابن كثير مثلًا في الآثار لا شك أنه جيد، لكن في كثير من أمور اللغة يكون قاصرًا، أيضًا في استنباط الأحكام قليل جدًّا أن يتكلم عن الأحكام، نجد مثلًا القرطبي يعتني بالأحكام ويُفَرِّع على الآية وما أشبه ذلك، المهم: كل عالم له منهج في تفسير كلام الله عز وجل.
* طالب: (...) القرآن الكريم لا تُفَسَّر إلا باللغة، فهل نجزم بأن التفسير اللغوي هو الصحيح؟
* الشيخ: يعني إذا وجدنا كلمة لم تفسر بالقرآن ولا بالسنة ولا بأقوال الصحابة، على كل حال نرجع للغة؛ لأن القرآن كما قال الله عز وجل: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٥] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ [الزخرف ٣] أي: صيرناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: باللغة العربية ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]، شوف الآيات الثانية: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨، ١٩٩] لماذا؟ لأنهم لا يفهمون معناه.
* الطالب: (...) فكيف نجمع بين هذا وحديث النبي ﷺ: «إِذَا اجْتَهَدَ الْعَالِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»؟
* الشيخ: إي، إذا اجتهد، والذي يُفَسِّر القرآن برأيه ما اجتهد، وأنا ضربت لكم عدة أمثلة من التفسير بالرأي، ليس معنى التفسير بالرأي أن تُفَسِّر القرآن حسب ما تقتضيه اللغة العربية، التفسير بالرأي أن تحمل معنى القرآن على رأيك، وهذا إنما يكون فيمن؟ في المتعصبين لمذاهبهم الذين يحاولون أن يَلْوُوا أعناق النصوص إلى ما كانوا عليه.
* طالب: الفقهاء يقولون: إن الذي تزوج امرأة في عدتها وبنى بها تحرُم عليه تحريمًا مؤبدًا؟
* الشيخ: من الفقهاء؟
* الطالب: العلماء يقولون: في كتب الفقه.
* الشيخ: كتب من؟
* الطالب: الكتب المعرفية.
* الشيخ: هذه -بارك الله فيك- على مذهب الحنابلة لا تحرم، لكن قد رُوِيَ عن عمر أثر بأنه حَرَّمها على مَنْ تزوجها عقوبة له، عقوبة له ما هو تحريم نسب ولا مصاهرة لكن عقوبة له، ولعلها مرت عليك قاعدة ابن رجب: (من تعجل شيئًا قبل أوانه -على وجه محرم- عوقب بحرمانه) هذه قاعدة مفيدة لطالب العلم.
* الطالب: هل هو يدخل تحت هذه القاعدة؟
* الشيخ: إي نعم.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر ٣٠ - ٣٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ أبهم الله سبحانه وتعالى الذي آمن حيث إنه من أول القصة ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر ٢٨] فما زال الحديث عنه بلفظ الإبهام؛ لأنه لا حاجة إلى تعيينه باسمه، فإن تعيين الاسم قد يكون فيه شيء من الضرر، والمقصود هو المعنى وما تتضمنه هذه القصة.
﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: معروف أن (يا) النداء إذا دخلت على نكرة مقصودة فإنها تُبْنَى على الضم كما إذا دخلت على معرفة، وهنا لم تكن مبنية على الضم بل آخرها الكسر، فيقال: إن أصلها: يا قومي، ولكن حُذِفَت الياء للتخفيف، وفي قوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ تَلَطُّف لدعوتهم، وإلا فهم معادون له؛ لأنهم كفار وهو مؤمن، لكن من باب التلطف في الدعوة إلى الله عز وجل قال لهم: يا قوم.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أكَّد الجملة وإن كانت مستقرة في نفسه، لكن المخاطب بها فعلُه فعلُ المنكِر لها.
(﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: يوم حزب بعد حزب) وإنما قال الشارح: (حزب بعد حزب)؛ لأن هذه الأحزاب ليست مجتمعة في آن واحد أو مكان واحد، بل نجد قصة نوح وحدها، وهود وحدها، وصالح وحدها وهكذا؛ ولذلك فَسَّر المؤلف قوله: ﴿يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ بقوله: (يوم حزب بعد حزب).
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ﴿مِثْلَ﴾ هذه بدل من ﴿مِثْلَ﴾ التي قبلها، ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ﴾، والبدل أحد التوابع الأربعة المعروفة، أو من قول ابن مالك:
يَتْبَعُ فِي الْإِعْرَابِ الْاسْمَاءَ الْأُوَلْ ∗∗∗ نَعْتٌ وَتَوْكِيدٌ وَعَطْفٌ وَبَدَلْ
وعلامةُ البدل أنه يصح أن يحل محل المُبْدَل منه؛ يعني: يصح أن يُحْذَف المبدل منه ويحل محله البدل.
فإن قال قائل: ما الفائدة من أن نأتي بالمبدل منه ثم بالبدل؟ لماذا لم نأت بالبدل من أول الأمر؟
نقول: لا بد أن يكون هناك فائدة؛ إما تفصيل بعد إجمال، أو تبيين بعد إبهام، أو ما أشبه ذلك، ولا بد أن يكون للبدل فائدة.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ إلى آخره، مثل دأبهم، هو لا يريد مثل دأبهم، يريد مثل جزاء دأبهم؛ لأن هناك دأب وهناك جزاء؛ فالجزاء من الله، والدأب من الأمم أو من الأحزاب، مثل دأب مثل جزاء دأبهم، فما دأبهم؟ بَيَّن الله تعالى دأبهم بقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [آل عمران ١١] هذا هو دأبهم.
﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ هؤلاء كلهم دَأْبُهم أيش؟ التكذيب بالرسل والكفر بهم.
﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد مَنْ؟ من بعد قوم نوح وهي أول الأمم، وعاد وثمود.
قال المفسر: (﴿مِثْلَ﴾ بدل مِن ﴿مِثْلَ﴾ قبله؛ أي: مثل جزاء عادة مَنْ كفر) فأفادنا المؤلف رحمه الله أنَّ في الكلام تقديرًا، أي أن في الكلام شيئًا محذوفًا، ما هو؟ جزاء، مثل جزاء دأبهم؛ لأن هذا هو الذي يخاف منه، أن ينال هؤلاء القوم عقوبة كما نال هؤلاء.
فإذا قال قائل: كيف يُطْلَق العمل على الجزاء؟ قلنا: لأنه سببه، وهذا يوجد في القرآن كثيرًا؛ أن الله تعالى يُطْلِق العمل على الجزاء مثل: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت ٥٥] المعنى: ذوقوا جزاء، لكن يُعَبَّر به أي: بالعمل عن الجزاء؛ لأن الجزاء من جنس العمل، وحتى يحذر الإنسان من عمله كما يحذر من عقوبة عمله.
يقول: (مثل جزاء عادة مَنْ كفر قبلكم من تعذيبهم في الدنيا).
قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (ما) نافية وهي تميمية أو حجازية؟ تميمية، القرآن تميمي ولا حجازي؟
* طالب: القرآن عربي لكن أحيانا تأتي بعض الآيات على لغة تميم وأحيانا تأتي على لغة..
* الشيخ: أنت من تميم؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: ما تقولون في هذا؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية؛ لأن هذا القرآن باللغة الحجازية، انظروا إلى قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ولم يقل: ما هذا بشر، فنحمل كل ما كان على شاكلتها عليها، وإلا صحيح أن ما الله يريد ظلمًا للعباد ما تَتَبَيَّن أنها حجازية أو تميمية؛ لأن الخبر جملة ليس مفردًا يظهر فيه النصب، لكن يُحْمَل ما لا يظهر فيه الإعراب على ما ظهر فيه الإعراب وهو قوله: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾، ثم اعلم أن القرآن إنما كُتِبَ بلغة قريش كما قال عثمان رضي الله عنه للذين كبتوا المصاحف قال: «إن اختلفتم في شيء فاجعلوه على حرف قريش»[[أخرج البخاري (٣٥٠٦) عن أنس أن عثمان دعا زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيِّين الثلاثة: إذا اختلفتُم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم ففعلوا ذلك.]]. يعني: على لغتهم.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾.
* في هذه الآية من الفوائد: بيان نُصْحِ هذا الرجل المؤمن؛ حيث حَذَّر قومه من عذاب الله.
* وفيه: دليل على التلطف في الدعوة إلى الله، وأن الإنسان لا يستعمل في الدعوة إلى الله عاطفته؛ لأنه إن استعمل عاطفته أخذته الغَيْرَة ففعل ما لا يحمد عقباه، وإنما يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج، ولا ضير على الإنسان إذا أصابه ذُلٌّ في أول الأمر إذا كانت النتيجة طيبة، ولا أظنه يخفى عليكم ما حصل للنبي ﷺ وأصحابه في غزوة الحديبية من الشروط التي ظاهرها الإهانة ولكنها كانت نتيجتُها طيبة حتى إن الله تعالى سماها فتحًا ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد ١٠]، فالحاصل أنه ينبغي للإنسان عند الدعوة إلى الله ألا يُحَكِّم العاطفة فتزل قدمه، ولكن يُحَكِّم العقل وينظر إلى العواقب والنتائج.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان أن ذِكْرَ الأمم السابقة ينتشر في الأمم اللاحقة، إما بواسطة الكتب المُنَزَّلة، وإما بواسطة التاريخ المنقول، ويدل لذلك قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ [غافر ٣٠]؛ لأنه لا يمكن أن يُخَوِّفَهُم بأمر لا يعرفونه، ولو كان الأمر كذلك لقالوا: ما هذه الأيام أو ما هذا الجزاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحذير اللاحق أن يصيبه ما أصاب السابق؛ لقوله: ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ ووجه ذلك أن الله سبحانه وتعالى سنتُه في خلقه واحدة، هو لا يُعَذِّب هؤلاء لأنه يكرههم شخصيًّا، يعذب هؤلاء لأنه يَكْرَه عملهم فإذا وُجِدَ عملهم في آخرين فالكراهة حاصلة، واذكر قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، وحذَّر شعيب قومه أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم، فالحاصل أن الأمم لا بد أن يتعظ اللاحق بالسابق بناء على أن سنة الله واحدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انتفاء إرادة الله الظلمَ لعباده ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾، ومعلوم أنها إذا انتفت الإرادة انتفى الفعل، فنَفْيُ إرادة الظلم نفي للظلم من باب أولى، كما أنه جاءت آيات صريحة في نفي الظلم عن الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اتصاف الله سبحانه وتعالى بالنفي، أي: أن الله يتصف بالصفات المنفية التي يُعَبِّر عنها بعض العلماء الصفات السلبية؛ لأن النفي سلب.
ولكن إذا قال قائل: هل في النفي ثناء ومدح مع أن الله عز وجل يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] فصفات الله تعالى كلها صفات كمال، والنفي عدم، فهل يكون مدحًا وثناء؟
الجواب: نقول: أما بالنسبة لغير الله عز وجل فإنه لا يدل على الكمال ولا على المدح، أما بالنسبة لله فيتعين أن يكون دالًّا على الكمال؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ فكل نفي نفاه الله عن نفسه فإنه متضمن للكمال، دليلنا هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وإلا فالنفي المجرد لا يدل على الكمال إطلاقًا، بل أحيانًا يدل على النقص، فقول الشاعر مثلًا:
قُبَيِّلَةٌ لَا يَغْدِرُونَ بِذِمَّةٍ ∗∗∗ وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَخَرْدَلِ
وَصَفَهُم بأنهم لا يغدرون بالعهد، وأنهم لا يظلمون، وهذا في ظاهره مدح، لكنه في الواقع ذَم، يذمهم بأنهم ناس جبناء وضعفاء، لا يغدرون لأنهم لا يستطيعون لجبنهم، ولا يظلمون لا يستطيعون لضعفهم، وكذلك قول الشاعر الآخر:
لِكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي عَدَدٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْهَانَا
يعني: ما هم بالشر إطلاقًا ولو هان.
يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِإِحْسَانَا
ثم قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
هنا يذمهم مع أنهم إذا ظُلِموا غفروا لمن ظلمهم، وإذا أُسِيء إليهم أحسنوا لمن أساء إليهم، وهذه صفة قد تبدو مطلوبة محمودة، لكن إذا كان السبب في ذلك أنهم ضعفاء صارت مذمومة.
والخلاصة الآن أنه لا يمكن أن يوجد في صفات الله تعالى نفيٌ محض أبدًا؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ والنفي المحض ليس من المثل الأعلى في شيء، ولكن إذا نفى الله شيئًا عن نفسه فالمراد إثباتُ كمال ضده؛ يعني أنه لثبوت كمال ضده انتفى عنه هذا الشيء.
فما ضد الظلم؟ العدل، إذن نثبت من نفي الظلم عن الله نثبت إثبات كمال عدله، وأنه جل وعلا لعدله لا يظلم، لا لعجزه، لا، هو قادر على أن يظلم، لكنه لا يظلم لكمال عدله؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» » لم يقل: يا عبادي إني لا أستطيع أن أظلم، قال: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]] وهذا يدلُّ على أنه قادر على أن يظلم، لكنه لا يظلم لكمال عدله، ولو كان غير قادر على أن يظلم لم يكن انتفاء الظلم عنه مدحًا؛ لأنه عاجز، لكنه قادر ولكنه لا يظلم.
أقول هذا؛ لأن الجهمية وغيرهم قالوا: إن الله لا يستطيع أن يظلم أبدًا، وإلى هذا أشار ابن القيم في النونية حين قال:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمْ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ .............................
يعني: أنه مستحيل لذاته، لا لكمال الله لكن لذاته، لا يمكن أن يظلم. ليش؟ قال: لأن الظلم أن يتصرف الإنسان في مُلْكِ غيره، والله عز وجل يتصرف في ملكه، فإذا ظَلَمَ لم يكن ظالمًا؛ لأن هذا ملكه، فيقال: تَبًّا لعقولكم الفاسدة؛ إذا وعد المؤمن بشيء على عمل معين وعمل هذا العمل ولم يُعْطِه إياه ماذا يكون؟ يكون ظلمًا ولا شك في هذا، وأنتم تقولون: يجوز أن يُثيبَ العاصي الذي يَعْصِي اللهَ كلَّ عمره، ويعاقب المطيع الذي يعمل بطاعة الله كل عمره؛ وأن الأمرين على حَدٍّ سواء؛ لأنه لا يظلم حيث إنه يتصرف في ملكه، فنقول: هذا لا شك أنه سفه في العقل وضلال في الدين، والله عز وجل وَعَد العاملَ عملًا صالحًا بالثواب، والمخالفَ بالعقاب؛ كيف يجوز أن يخلف الله وعده؟!
المهم على كل حال هذا قول باطل ولا شك في بطلانه، ومجرد تصوره يعرف الإنسان أنه باطل.
فقوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ نقول: نفي إرادة الظلم يستلزم كمالَ عدله، وهو أيضًا يستلزم نفي الظلم؛ لأن مَنْ لا يريد الظلم لا يمكن أن يفعل الظلم.
غافر 40:32
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر ٣٢] رضي الله عن هذا الرجل، خَوَّفهم أولًا بالعقوبة الدنيوية حين قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾، ثم خَوَّفَهم من العقوبة الأخروية فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ قال: (بحذف الياء وإثباتها) ﴿التَّنَادِي﴾ هذا إثباتها، ﴿التَّنَادِ﴾ هذا حذفها؛ أما إثباتها فعلى الأصل، وأما حذفها فللتخفيف، والياء دائمًا تُحْذَف للتخفيف، قراءة، أي نعم، والياء دائمًا تحذف دائمًا للتخفيف، مثل قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء ٣٧] ويش أصلها؟ (تستعجلوني)، وليست النون هنا نون الرفع؛ لأنها مكسورة، فهي نون الوقاية وحُذِفَت الياء تخفيفًا.
طيب ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ كلمة ﴿يَوْمَ﴾ هنا هل هي ظرف منصوبة على الظرفية والتقدير: إني أخاف عليكم العذاب يوم التناد، أو إن الفعل مُسَلَّطٌ عليها فهي مفعول به؟ الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور ٣٧] فجعل الخوف مُسَلَّطًا على يوم؛ لأن يوم تصلح أن تكون مفعولًا فيه، وأن تكون مفعولا به، وأن تكون مبتدأ، وأن تكون خبر مبتدأ، تتصرف.
يقول: (﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بحذف الياء وإثباتها أي: يوم القيامة) هذا هو المراد به، وأنا أشرت في كلامي على قواعد في التفسير أن هناك تفسيرًا لفظيًّا، والثاني: معنوي؛ اللفظي يُفَسِّر اللفظي، والمعنوي يُفَسِّر المراد، فهنا ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ تفسيرها اللفظي أي: يوم يتنادى الناس بعضهم مع بعض. والمراد بها يوم القيامة، فإذا قلنا: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أي: يوم القيامة فهذا ليس تفسيرًا لفظيًّا، بل هو تفسير معنوي للمراد بالآية.
يقول: (﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أي: يوم القيامة يكثر فيه نداء أصحاب الجنة أصحاب النار وبالعكس، والنداء بالسعادة لأهلها، والشقاوة لأهلها وغير ذلك) التنادي يوم القيامة يكثر، ينادي الله الناس، والناس ينادي بعضهم بعضًا، وأهل النار ينادون أهل الجنة، وأهل الجنة ينادون أهل النار، والتنادي الحاصل يوم القيامة ليس كالتنادي الحاصل في الدنيا؛ لأنه بأصوات مزعجة، وحزينة إذا كان أهل النار ينادون أهل الجنة وما أشبه ذلك، فهذا اليوم ذَكَّر هذا المؤمن قومه به ليحذروا من عذاب يوم القيامة.
ثم بَيَّن ذلك بقوله: (﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ عن موقف الحساب إلى النار ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذابه ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ) وَصَفَ هذا اليوم بأوصاف:
أولُا: أنه يوم التناد، ينادي الناس بعضهم بعضًا، والله تعالى يناديهم أيضًا، ويتنادون بنداءات قد يكون بعضها مجهولًا لنا الآن.
الوصف الثاني: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿يَوْمَ﴾ هذه بدل من قوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ أو عطف بيان، ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ هذه حال، حال مؤكدة لعاملها أو لصاحبها؟ لعاملها؛ لأن التولي هو الإدبار، وعلى هذا فهي حال مُؤَكِّدة لعاملها،؛ يعني: تولون يوم القيامة حال كونكم مدبرين، يولون إلى أي شيء؟ إلى النار، والعياذ بالله ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم ٨٥، ٨٦]، فهم والعياذ بالله يولون مدبرين.
قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ الجملة هذه جملة خبرية مبدوءة بـ (ما) النافية، والمبتدأ فيها قوله: ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾، لكن دخلت عليه (مِنْ) الزائدة للتوكيد، وتقدير الكلام لولا من ما لكم من الله عاصم، وهنا نسأل هل هي تميمية أو حجازية؟ تتفق فيها اللغتان؛ لأنها لا تكون حجازية إلا بالترتيب كما قال ابن مالك:
........................ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
وهنا لا ترتيب؛ لأن الخبر مقدم، وعلى هذا فنقول: (ما) هنا اتفقت فيها اللغتان التميمية والحجازية.
﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: من مانع ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ هذه الجملة قد تُشْكِل كيف خَتَمَ بها الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأن مقتضى الحال أن يقول: وأسأل الله لكم الهداية؟
فيقال: هل قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ هل هي من كلام الرجل أو من كلام الله؟ لا بد أن نبحث قَبْلَ كل شيء، هل هي من كلام الله عز وجل ليبين أن هؤلاء القوم مع قوة الدعوة لم يستفيدوا أو هي من كلام المؤمن؟ إن كانت من كلام الله فلا إشكال، ليس فيه إلا أنها حالت بين الكلام أوله وآخره، وهذا لا يضر؛ لأن الجملة الاعتراضية تأتي كثيرًا، وإن كانت من كلام الرجل فهنا محل الإشكال، ونُرْجِئ الأمر عنكم إلى غد إن شاء الله، يكون الجواب منكم غدًا، والله أعلم.
* طالب: (...) يأتيه في أول الدعوة الضغط عليه أو ما أشبه ذلك (...) ويحاكم العقل، كيف الإنسان يعرف أن النتائج تكون طيبة (...)؟
* الشيخ: هو لا شك أن الدعوة إلى الله برفق أقرب إلى النتائج الطيبة من العنف؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٢٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وكذلك قال: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٣ / ٧٧) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] هذا واضح؛ يعني: لو لم يكن إلا أنا استعملنا ما هو أولى وما يحبه الله عز وجل لكفى، ونحن نشاهد الآن أن النتائج الطيبة في الدعوة برفق.
وهناك وقائع كثيرة؛ يقال: إن أحد مشائخ الدعوة من آل الشيخ جاء إليه رجال الحسبة يشكون عاملًا، ما هو عامل أجنبي، كان بالأول الناس يسنون الإبل ويسنون على البقر ويسنون على الحمير، ويسمون الذي يسوق السانية يسمونه عاملًا، ويكون معه عادة عصا طويلة من عسب النخل جيدة، لأنه يريد أن يسوق إبلًا أو بقرًا أو حُمُرًا؛ فجاءه قوم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عند غروب الشمس وهو يغني، عند غروب الشمس الناس يسبحون ويهللون وهذا يغني بأعلى صوته لأي شيء؟ لأن هذا يوجب أن تُهَمْلِج الدواب، تسرع، الدابة تطرب للغناء كما قال الرسول: «رِفْقًا بِالْقَوَارِيرِ»[[أخرج البخاري (٦١٤٩) ومسلم (٢٣٢٣ / ٧٠) من حديث أنس رضي الله عنها، ولفظه: «ويحَكَ يا أَنْجَشَةُ، رويدك سوقًا بالقوارير».]] فتكلموا عليه، الناس يُسَبِّحون ويحمدون ويهللون في هذا الوقت وأنت رفعت صوت الشيطان. قال: ويش تقولون؟ قالوا: هذا اللي نقول. المسوقة هذه اللي تسمونها المسوقة عصا (...) أخذ بهم ضربًا، قال: أنا أسوق إبلي لأروي زرعي، وأنتم تقولون: ترفع صوت الشيطان، راحوا؛ لأنه هو قوي وكبير الجسم ونشيط، تَوَلَّوْا عنه وجاؤوا للشيخ وقالوا: يا شيخ، هذا الرجل الفلاني فعل كذا وكذا. قال: أنتم ويش قلتم له؟ قالوا: (...) الناس يسبحون ويهللون وأنت تغني، فقام على واحد منا بالمسوقة، قال: طيب، الظاهر أن الخطأ منكم أنتم، لكن خلوا الرفق بالأول، اليوم الثاني ذهب الشيخ العالم هذا عند غروب الشمس وجاء وإذا الرجل على حاله يغني ويسوق الإبل، وضع مشلحه على العصا على نخلة هناك وتوضأ، وقد أذن بعد ما فرغ من الوضوء، فجاء إلى الرجل وذاك يغني، الظاهر ما أدري أجاب المؤذن أو ما أجاب، المهم قال له: يا ابن الحلال، ألا أدلك على شيء أحسن من هذا؟ الآن أَذَّن لو رحت وصليت وبعدين ترجع أنزل الله لك البركة، والصلاة سبب للرزق ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه ١٣٢] المهم كلمه بهدوء، قال: الله يعافيك، الله يجزيك خيرًا، جاءني أمس ناس ثيران، أنا أفعل مثل ما أفعل اليوم، وقاموا يتكلمون علي، وقالوا: هذا صوت الشيطان، والله عجزت أن أملك نفسي وضربت واحدا منهم، لكن جزاك الله عني خيرًا، ذهب الشيخ يصلي، ويوم صلى وانتهى، والرجل قد لحقه لكن فاتته ركعة، تركه ما قال شيء، في اليوم الثاني راح يتوضأ عند غروب الشمس ولم يقل له شيئًا أبدًا، وجده في اليوم الثاني يصلي ولم يفته شيء، سبحان الله! المهم أن الرفق كله خير، وهذا شيء مجرب، لكن أحيانًا الإنسان للغيرة التي عنده يثور يعجز أن يملك نفسه، نقول: هَدِّئ؛ لأنك أنت مثل الطبيب الذي يريد أن يشق الجرح، فلا بد أن تكون بهدوء وعلى الوجه الذي يحصل به المطلوب.
* الطالب: أعوذ بالله من الشطيان الرجيم: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر ٣٢ - ٣٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقبل أن ندخل في تفسير الجديد نسأل عما سبق:
قوله تبارك وتعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ ما معنى مثل دأب؟
* الطالب: مثل جزاء قوم نوح وعاد وثمود.
* الشيخ: يعني مثل جزائهم، وليس مثل دأبهم.
* الطالب: على تقدير مضاف (...).
* الشيخ: إذن هو من التعبير بالعمل عن الجزاء.
هل هذا كثير في القرآن أن يُعَبِّر عن الجزاء بالعمل؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما الحكمة منه؟
* الطالب: لأن المقصود الجزاء (...) الجزاء لكي يكون أبلغ في الزجر حيث يكون العمل مذكر والجزاء مذكور.
* طالب آخر: الجزاء من جنس العمل.
* الشيخ: ليبين أن الجزاء من جنس العمل سواء في الخير أو في الشر.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ هل في الآية ما يدل على انتفاء الظلم عن الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وكيف ذلك والآية لم يقل: وما الله يظلم، قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾؟
* طالب: أن الله ما أراد الظلم (...).
* الشيخ: أنا أسألك الآن هل فيها دليل على نفي الظلم عن الله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف ذلك والآية تقول: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا﴾؟
* طالب: أنه ذكر في الحديث..
* الشيخ: دعنا من الحديث، نريد من الآية نفسها؟
* طالب: لأن نفي الإرادة (...).
* الشيخ: صحيح؛ لأن نفي الإرادة يستلزم نفي الوقوع من باب أولى.
نفي إرادة الظلم نفي للظلم، ما الذي نستفيده من نَفْيِ الظلم وهي صفة سلبية والسلب عدم؟
* طالب: السلب عدم هذا في صفات المخلوقين أما في صفات الله سبحانه وتعالى فالسلب يراد به إثبات كمال ضده.
* الشيخ: يعني: لا يوجد السلب المحض..
* الطالب: في صفات الله.
* الشيخ: إذن ما الذي يتضمنه نفي إرادة الظلم هنا؟
* الطالب: كمال العدل لله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أحسنت -بارك الله فيك- طيب، قوله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: المراد به يوم القيامة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وما معنى التناد؟
* الطالب: مناداة أصحاب النار.
* الشيخ: يعني التنادي بين الناس، ومنه؟
* الطالب: مناداة أصحاب النار يوم القيامة..
* الشيخ: لأصحاب؟
* الطالب: الجنة.
* الشيخ: طيب، ما الفرق بين التحذير الأول والثاني؟ ﴿مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ ثم قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾؟
* طالب: حذرهم بالعذاب الدنيوي وبالعذاب الأخروي.
* الشيخ: أحسنت، الأول عقوبة دنيوية، والثاني عقوبة أخروية.
نأخذ الفوائد إن شاء الله:
من فوائد الآية ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر ٣٢].
* من فوائد الآية: أن هذا المحذر كان مؤمنا باليوم الآخر.
* ومن فوائدها: أن ما يحدث في اليوم الآخر كان معلومًا للناس من قبل أن ينزل القرآن؛ لقوله: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾؛ وذلك لأن هذا أمر لا بد منه، أي: لا بد أن يعلم العباد ما يحدث في اليوم الآخر ليكونوا على بصيرة من أمرهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن يوم القيامة له أحوال؛ فقد قال الله تعالى في سورة طه: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه ١٠٨] وهنا يذكر أنه يوم تنادٍ، والنداء هو الصوت الرفيع، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه ١٠٨] هو أن يوم القيامة له أحوال؛ لأن يوم القيامة مقداره خمسون ألف سنة، فلا بد أن تتغير أحوال الناس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نصح هذا الرجل لقومه؛ حيث يناديه بهذا النداء اللطيف ﴿يَا قَوْمِ﴾.
ثم قال الله تبارك وتعالى: مُكَمِّلًا لما ذكره هذا المُحَذِّر: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر ٣٣] هذه معروف إعرابها أنها بدل مما سبق،* ففيها: إثبات أن آل فرعون يولون مدبرين يوم القيامة إذا لم يؤمنوا، وقد بين الله في آية أخرى أنهم يعرضون على النار غُدُوًّا وعَشِيًّا، وأنهم يوم القيامة يقال لهم: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، فهم والعياذ بالله سيولون مدبرين معذبين في نار جهنم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يَعْصِم من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾، وهذا كقول نوح لابنه لما ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود ٤٣] قال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود ٤٣].
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر ٣٣] (من) هذه شرطية، وفعل الشرط (يضلل)، وحُرِّكَ بالكسر لالتقاء الساكنين، وجواب الشرط جملة: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وقُرِنَ بالفاء؛ لأنه لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط، وكل جواب لا يصلح أن يكون فعلًا للشرط فإنه يجب أن يَقْتَرِنَ بالفاء، كما قال ابن مالك:
وَاقْرِنْ بِفَا حَتْمًا جَوَابًا لَوْ جُعِلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ
وذكروا له ستة ضوابط مجموعة في قوله:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ
فهذه الجمل الستُّ إذا وقعت جوابًا للشرط فإنه يجب أن يقترن بالفاء، وهنا الجملة؟ مُصَدَّرة بـ(ما)، وإن شئت فقل: إنها جملة اسمية، ولا مانع أن يوجد سببان لحكم واحد.
وقوله: ﴿مِنْ هَادٍ﴾ أصلها:من هادي، بالياء وحُذِفَت الياء للتخفيف.
يقول الله عز وجل: إن من يضلل الله أي: من كتب الله إضلاله فإنه لا أحد يهديه؛ لأن الذي يهدي ويضل هو الله، بيده الأمر كله، ولكن ليُعْلَم أنه لا يهدي أحدًا إلا لحكمة ولا يضل أحدًا إلا لحكمة، فمن كان أهلًا للهداية هداه، ومن كان أهلًا للإضلال أضله والعياذ بالله، وإلا فإن الله سبحانه وتعالى لا يحرم فضله مَنْ أراده، إنما يحرم فضله مَنْ لم يُرِدْه، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥] فجعل إزاغة الله لقلوبهم مُتَرَتِّبًا على زيغهم، أما مَنْ أراد الهدى بِجِدٍّ فإن الله سبحانه وتعالى يُيَسِّرُه له ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ٧]؛ إذن قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ مقيد بماذا؟ بمن فعل ما يقتضي إضلاله؛ لأن الله لا يضل أحدًا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يسأل الهداية أَلَّا يسألها إِلَّا مِنَ الله الذي بيده الإضلال والهداية؛ فلا تسألْ الهدايةَ من غيره، اسألها من الله عز وجل، فيستفاد منها تفويض الأمر إلى الله تبارك وتعالى.
غافر 40:34
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر ٣٤] هذا من كلام مَنْ؟ من كلام الرجل المؤمن المُحَذِّر، قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾، الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات:
باللام و(قد) والقسم وكلما جاءتك صيغة كهذه فإنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات: اللام و(قد) والقسم؛ لأن تقدير الكلام: والله لقد جاءكم.
وقوله: ﴿يُوسُفُ﴾ المراد به يوسف بن يعقوب، فإن قال إنسان: كيف يخاطبهم فيقول: جاءكم، ويوسف بن يعقوب قَبْلَهم بأزمان كثيرة؟
فيقال: إن ما حصل للأسلاف فهو للأخلاف، يعني: أن ما جاء أسلافهم فهو كالذي جاءهم، ودليل ذلك أن الله يخاطب بني إسرائيل في عهد النبي ﷺ بما حصل لأسلافهم في عهد موسى، وبينهم قرون كثيرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة ٥٥ - ٥٧] معلوم أن هذا كله لم يحصل لليهود في عهد النبي ﷺ، لكنه حصل لأسلافهم، فما كان من الأمة من أولها فإنه ثابت للأمة في آخرها، إذن لا إشكال في هذه الآية ما دمنا نقول: إنه قد جاء أسلافهم، وأن ما يحصل من أسلافهم فيما سبق يكون منسوبًا إلى الجميع إذا لم يخرجوا عن هذا المنهاج.
(﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: مِنْ قبل موسى، وهو يوسف بن يعقوب) إلى آخره.
قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ لماذا جَرَّها بالضم والمعروف أن (مِنْ) حرف جر إذا دخلت على كلمة جَرَّتْها كسرتها، تقول: من زيدٍ، فهنا قال: مِنْ قَبْلُ؟
* طالب: مبنية.
* الشيخ: مبنية! لا إله إلا الله، ويش سبب بنائها؟
* الطالب: أحيانا تعرب وأحيانا تبنى.
* الشيخ: طيب أحيانًا تبنى وأحيانًا تعرب. متى تبنى ومتى تعرب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني: إذا لم تُضَفْ بُنِيَت، طيب وإذا أضيفت؟
* الطالب: أعربت.
* الشيخ: مطلقًا.
* الطالب: حُذِفَ المضافُ إليه ونُوِيَ معناه.
* الشيخ: أحسنت، حُذِفَ المضاف إليه ونُوِيَ معناه؛ لأنه إما أن يوجد المضاف أو يُحْذَف ويُنْوَى معناه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف ولا ينوى لا لفظه ولا معناه. فالأقسام أربعة، تبنى في واحد منها والباقي معربة؛ تبنى إذا حذف المضاف إليه ونوي معناه.
فإن قال قائل: ما هو الدليل؟ قلنا: الدليل أنها تكون مضمومة؛ لأنها تُبْنَى على الضم، فإذا كَلَّمَنَا مَنْ هو عالم بالعربية وبناها على الضم عرفنا أنه حَذَف المضافَ ونوى معناه.
يقول: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل مجيء موسى عليه الصلاة والسلام (وهو يوسف بن يعقوب في قولٍ عُمِّر إلى زمن موسى أو يوسف بن إبراهيم بن يوسف بن يعقوب في قول) يعني: حكى المؤلف رحمه الله قولين في المراد بيوسف، فقيل: إنه يوسف بن يعقوب وأنه عُمِّر إلى زمن موسى، وهذا قول باطل لا إشكال فيه، ليس بصحيح بل هو باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان يأتي موسى ويتصل به؛ لأنهم كلاهما رسول.
القول الثاني: أنه يوسف وجَدُّه يوسف بن يعقوب، يوسف بن إبراهيم بن يوسف وهذا أيضًا لا دليل عليه، والصواب أن المراد به يوسف بن يعقوب وأنه لم يُعَمَّر إلى زمن موسى، وأنه مات في زمنه، لكنه جاء أسلافهم؛ لأنه -كما تعرفون- يوسف عليه الصلاة والسلام أخذه المارة الذين مروا بالبئر الذي أُلْقِيَ فيها وذهبوا به إلى مصر، والقصة معروفة في سورة كاملة.
وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ البينات من (بان يبين) إذا ظهر، ومعلوم أنها وَصْفٌ لموصوف محذوف؛ وذلك لأنه يجوز أن يُحْذَف النعت وأن يحذف المنعوت إذا دلَّ عليه دليل؛ فما هو المحذوف هنا؟ المحذوف تقديره الآيات، كما يعبر به في القرآن كثيرًا، بالآيات البينات، بآيات بينات وما أشبهها.
وأما قوله: (بالمعجزات) فإن هذا تعبير متأخر لم يُعْرَف في عهد السلف، وهو تعبير ناقص؛ لأن كلمة معجزة تشمل ما يفعله السحرة والمشعوذون من الأمور الخارقة للعادة، فإنها تُعْجِزْ مَنْ ليس منهم، ولكنه إذا قيل: آية بمعنى علامة صارت أَبْيَن وأوضح وأوفق لموافقتها للتعبير القرآني، على أنه لا يمكن أن تكون آية لرسول إلا والناس يعجزون عنها، لماذا؟ لأنهم لو كانوا يستطيعون أن يأتوا بمثلها لم تكن آية للنبي؛ إذ كل واحد يأتي بها.
طيب إذن تقدير الكلام: بالآيات البينات، ولكن حُذِفَ الموصوف لدلالة السياق عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ ١١] يعني: أن اعمل دروعًا سابغات، طيب.
﴿بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ يعني: مِنْ وقت يوسف إلى وقت موسى وآل فرعون، وإن شئتَ فعَبِّرْ بالقبط، في شك مما جاء به يوسف، فلم يؤمنوا به الإيمان الواجب الخالي من الشك.
(﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ﴾ من غير برهان ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ ) يعني: أنهم كانوا في شك مما جاء به يوسف ولم يصدِّقوه، ولما هلك قالت لهم نفوسهم: الآن استرحتم فلن يبعث الله من بعده رسولًا، كُفِيتُم، هلك مَنْ أُرْسِلَ فكذبتموه فاطمئنوا لن يبعث الله من بعده رسولًا، فكانوا قالوا ذلك بناء على أُمْنِيَّةٍ كاذبة؛ لأنهم قالوا: هذا الرسول الذي جاءنا وتَوَعَّدَنْا إن خالفناه، مات، هلك، فلن يأتي من بعده رسول، وحينئذ نكون قد استرحنا من الرسل ومشاكلهم على زعمهم.
(﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: فلن تزالوا كافرين بيوسف وغيره)؛ لأنهم إذا قَرَّروا في أنفسهم أن الله لن يبعث رسولًا فسوف يُكَذِّبُون كلَّ من جاء من الرسل من بعد يوسف بناء على هذه العقيدة الفاسدة التي أَصَّلُوها.
قال الله تعالى: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إضلالكم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ مشرك ﴿مُرْتَابٌ﴾ شاك فيما شهدت به البينات) ﴿كَذَلِكَ﴾ قال المفسر: (أي: مثل إضلالكم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ﴾ ) وعلى هذا فتكون إعرابها: الكاف: اسم بمعنى مثل، وهي مفعول مطلق مضاف إلى اسم الإشارة، وعامله قوله: ﴿يُضِلُّ﴾، عامله متأخر عنه، وهذا التعبير القرآني يَكْثُر في كلام الله عز وجل، وإعرابه كما سمعتم؛ أن تقول: الكاف اسم بمعنى مثل منصوبة على المفعولية المطلقة، مضافة إلى اسم الإشارة.
فإن قيل: وهل الكاف تأتي اسمًا؟ قلنا: نعم، اللغة العربية واسعة، وإلَّا فالأصل أن الكاف حرف، لكن تكون اسمًا، قال ابن مالك:
شَبِّهْ بِـــــــــــكَافٍ وَبِهَاالتَّعْــــــــــــــــــلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ؎وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا وَكَذَا (عَنْ) و(عَلَى) ∗∗∗ ......................
استعمل: يعني الكاف اسمًا أي في اللغة العربية.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلكم ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ لا يضل الله تعالى رجلًا مؤمنًا مقتصدًا مُوقنًا أبدًا، يضل الله والعياذ بالله مَنْ هو مسرف مرتاب.
يقول: (﴿مُسْرِفٌ﴾ مشرك) ولا شك أن الشرك من الإسراف؛ لأن الإسراف معناه تجاوز الحد، ومن جعل لله شريكًا فقد تجاوز الحد بلا شك، لكن معنى الآية أعم من المشرك، فالمسرف مَنْ تَجَاوَزَ حَدَّه هذا المسرف بإفراطٍ أو تفريط، لكن الغالب يكون بالإفراط؛ لأنه مجاوزة الحد زيادة، فالمشرك لا شك أنه مسرف، والمستكبر مسرف، والجاحد مسرف، وهلم جرًّا، إذن ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ ينبغي أن يقال في تفسيرها: مَنْ هو مجاوزٌ لحدِّه كالمشرك.
وقوله: (﴿مُرْتَابٌ﴾ أي شاك) نسأل الله تعالى أن يعيذنا وإياكم من الشك. المرتاب -والعياذ بالله- الذي يطمئن للارتياب لا يهتدي، يبقى على ضلاله والعياذ بالله، أما إذا أوقع الشيطان في قلبك شكًّا ثم حاولتَ أن تَنْزِعَه من قلبك فإن الله يعينك عليه ويهديك، لكن البلاء كل البلاء أن تركن إلى هذا الشكِّ وألا تَنْتَشِلَ منه، والدليل على هذا ما شكاه الصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله ﷺ مما يقع في نفوسهم حتى قالوا: نودُّ أن يكون الواحد منا حممة، أي: فحمًا محترقًا ولا نتكلم به، فأخبرهم النبي ﷺ أن ذلك لا يضرهم، لماذا؟ لأنهم لا يركنون إلى ما وقع في قلوبهم؛ ولهذا يجب أن تكون شجاعًا؛ إذا ألقى الشيطان في قلبك مثل هذه الأمور فكن شجاعًا، لا تركن لا تسترسلْ معها، كنْ شجاعًا، استعمل معه السلاح الذي أعطاك إياه مَنْ هو عالم به، ومن هو عالم بإصابته بالعدو وهو الرسول ﷺ، وذلك بأمرين فقط:
أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وتنتهي، تعرض، استعذ بالله ثم انتهِ، وبذلك يزول عنك هذا البلاء، أما إن استرسلتَ معه فالأمر خطير جدًّا؛ لأنه يتفاعل في نفسك ويقوى حتى يصل إلى درجة الشك والارتياب، وحينئذ تُحْرَم من الهداية، وهذا لا شك أنه من حكمة القرآن مثل هذا التعبير، لئلا يقع في نفسك مثل ما ذكر الله عز وجل، فدواؤه بهذين الأمرين، لو أن أذكى العالم حاول أن يجد دواء لهذا البلاء ما وجده بهذه العبارة المختصرة السهلة، قال: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ ثُمَّ لِيَنْتَهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤ / ٢١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] اعرض عن هذا، اشتغل بشؤونك، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فاشتغالك بشؤونك وإعراضك عنه يوجب لك أن تنساه، وهذا شيء مشاهد ومُجَرَّب.
* في الآية فوائد منها: تمام نصح هذا الرجل حينما ذَكَّر قومه بما سلف.
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون لديه عِلْم بما سبق؛ فإن التاريخ عِبَرٌ سواء في هذه المسألة الكبيرة أو في المسائل الصغيرة، اقرأ التاريخ يتبينْ لك ما قَدَّره الله على العباد، وأن سنةَ الله سبحانه وتعالى في السابقين ستكون في اللاحقين، فمن فوائد الآية: أنه ينبغي أن يكون عند الإنسان خبرة بما سبق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أعظم رسول أُرْسِلَ إلى آل فرعون بعد موسى هو يوسف؛ ولهذا طُوِي ذكر ما بعده، والظاهر -والله أعلم- أن الله تعالى لا يدع هذه الأمة -أعني أمة فرعون- لا يدعهم بلا رسول من بعد موسى الذي له أزمان كثيرة، لكنهم ليسوا كيوسف فَنَوَّه بذكر يوسف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرسل يأتون بالبينات الدالة على صدقهم ونبوتهم؛ لأن هذا من حكمة الله، لو أرسل الله رسولًا للناس ليس معه آية وقال: أنا رسول الله إليكم آمنوا بي وإلا فلكم النار، هل يطيعونه؟ أبدًا، يقولون: هذا مجنون، لا بد من آية تدل على صدقه، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَا مِنْ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤) ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه «ما من الأنبياء من نبيٍّ إلَّا قد أعطِيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».]] لا بد من ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآيات التي جاءت بها الرسل آيات بَيِّنة لا تخفى إلا على العُمْيَان، ودليل ذلك قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وهنا رَكَّز على الوصف دون الموصوف؛ لأن الوصف أهم، وهو كون هذه الآيات بينة لا تخفى على أحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن آل فرعون ما زالوا في شكٍّ حتى مع وجود يوسف فهم في شك؛ لأن الله تعالى لم يُقَدِّر هدايتهم، فبقوا حَيَارى واستمروا على الكفر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كراهة الشعوب المكذِّبة للرسل لما جاءت به الرسل؛ لأنهم كأنهم انتهزوا الفرصة لما هلك يوسف فقالوا: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ وهذا يدل على أنم متضايقون غاية التضايق بوجود يوسف عليه السلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان بوجود الله لا يكفي في التوحيد والخلاص من عذاب الله، من أين يُؤْخَذ؟ من قولهم: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ﴾ فهؤلاء كانوا مقرين بالله ومع ذلك لم ينفعهم إقرارهم بالله.
وكذلك الذين بُعِثَ فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام مُقِرُّون بالله؛ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١] مؤمنين بالربوبية تمامًا، وبأن المدبر هو الله، ومع ذلك استباح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دماءهم وأموالهم ونساءهم وذرياتهم وأرضهم؛ لأن مجرد الإيمان بالله ليس إيمانًا أبدًا، لا بد من الإيمان بالله عز وجل بوجوهه الأربعة المعروفة وهي: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته لا بد من هذا، فمن لم يؤمن كذلك فليس بمؤمن بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إضلال الله عز وجل لا يكون إلا في محل من هو أهل للإضلال؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر ٣٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن مَنْ لزم حَدَّه وأيقن بما يجب الإيقان به فإنه أبعد الناس عن الإضلال، يؤخذ هذا من المفهوم أو من المنطوق؟ من المفهوم، إذا كان الله يضل من هو مسرف مرتاب فإنه يهدي من لزم حده وأيقن في أمره وآمن بذلك، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾، والله أعلم.
* طالب: شيخ، في الدرس الماضي إشكال طلبت منا أن نخبرك عنه وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، قلت: لماذا لم يقل بعد هذا النصح: أسأل الله لكم الهداية أو شيئًا من هذا؟ (...).
* الشيخ: طيب، اقرأ.
* الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: جاء في تفسير التحرير والتنوير: قوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ عطف على جملة: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ لتضمنها معنى: إني أرشدكم إلى الحذر من يوم التنادي، وفي الكلام إيجاز يدل عليه الجملة المعطوفة، والتقدير: هذا إرشاد لكم فإن هداكم الله عملتم به، وإن أعرضتم عنه فذلك لأن الله أضلكم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾؛ وفي الجملة معنى التذييل، ولم يقل لهم: ومن يهد الله فما له من مضل؛ لأنه أحس منهم الإعراض، ولم يتوسم فيهم مخائل الانتفاع بنصحه وموعظته.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديه إلى طريق النجاة أصلًا، وكأن الرجل يئس من عدم قبولهم نصحه فقال ذلك.
* الشيخ: هذا هو الظاهر، أن الرجل آيس، وهذا كقول نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧].
* الطالب: قلنا: (...) الآية أن الإسراف ينقسم إلى قسمين، وهنا فَسَّر الإسراف بالمشرك، وآية أخرى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] (...) يتقسم إلى قسمين؟
* الشيخ: غالب الأشياء تنقسم إلى قسمين أو أكثر؛ الإسراف أكبر وأصغر ومتوسط، فليس المسرف في الإشراك كالمسرف في خبزة يأكلها. (...).
غافر 40:35
قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر ٣٥] المجادلة هي المخاصمة والمناظرة من أجل إفحام الخصم، مأخوذة من جدل الحبل أي: فتله، فإن الحبل إذا فُتِلَ احتكم وصار أقوى، فهذا المجادل تجده يحتكم ويتصلب من أجل أن يغلب مُجادِلَه.
وقوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف المفسر: (معجزاته) والصواب أن يقال: آيات الله؛ يعني العلامات الدالة على ما يستحقه جل وعلا من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والأحكام وغير ذلك، هذا هو المراد، وقد مر علينا أنه لا ينبغي أن نسمي الآيات المعجزات؛ لأن ذلك نقص في التعبير، وليس محددًا للمعنى، وربما يدخل عليه فِعْلُ المشعوذين والسحرة؛ لأنه معجز.
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ هل هم يجادلون لإثبات الآيات أو لنفي الآيات؟ الثاني لا شك؛ ولهذا قال: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ لأنهم لو كانوا يجادلون لإثبات الآيات والإقرار بها لكانوا على سلطان.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال المؤلف: (برهان) أي: بغير دليل؛ وذلك لأن السلطان كل ما يكون به السلطة، ويختلف بحسب السياق، فالإمام الأعظم يسمى السلطان لأنه ذو سلطة، والدليل يُسَمَّى سلطانًا؛ لأن الآخذ به ذو سلطة، وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: بغير دليل.
قال: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ لأنهم لو كانوا يجادلون لإثبات الآيات والإقرار بها لكانوا على سلطان.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ قال المؤلف: (برهان) أي: بغير دليل؛ وذلك لأن السلطان كل ما يكون به السلطة، ويختلف بحسب السياق؛ فالإمام الأعظم يسمى السلطان لأنه ذو سلطة، والدليل يُسَمَّى سلطانًا لأن الآخذ به ذو سلطة، وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ أي: بغير دليل.
وهذا النعت أو الحال يعني جملة: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ حال من فاعل ﴿يُجَادِلُونَ﴾، هذا الوصف وصف لبيان الواقع وليس وصفًا مقيِّدًا، والفرق أننا لو قلنا: إنه وصف مقيد صار الذين يجادون بآيات الله لإبطالها أحيانًا يكون معهم سلطان وأحيانًا لا يكون معهم سلطان، والواقع أنه ليس لهم سلطان، والقيد المبين للواقع ليس له مفهوم، وهذا آت في القرآن كثيرًا، وإنما المقصود به -أي بالقيد المبين للواقع- المقصود به الاستدلال؛ يعني: فكأنه تعليل للموصوف.
وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون ١١٧] فقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ مُبَيِّن للواقع وليس قيدًا؛ لأنه لا يمكن أن يدعوَ أحد مع الله إلهًا آخر له فيه برهان.
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال٢٤] فإن هذا لا يعني أنه قد يدعونا لما لا يحيينا، بل هو لا يدعون إلا لما يحيينا، فيكون هذا كالتعليل لموصوفه الذي صار قيدًا فيه.
إذن ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر ٣٥] هذا نقول: إنه وصف لبيان الحال والواقع، وأنه لا سلطان لهم بذلك، وعلى هذا فيكون كالتعليل لموصوفه، وأعنى بالوصف هنا ما يشمل الحال وغير الحال.
وقوله: ﴿أَتَاهُمْ﴾ الجملة صفة لسلطان، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ هذه الجملة خبر مبتدأ؛ وقوله: ﴿كَبُرَ﴾ أي: عظُم، وضُمَّت الباء حتى صار من باب فعُل؛ لأنه أريد به التعجب، يعني: ما أكبر مقتهم عند الله.
قال: ﴿مَقْتًا﴾ هذه تمييز ل﴿كَبُرَ﴾؛ لأن كبر المراد به الجدال، يعني كبر جدالهم مقتًا، فهي مميزة للفاعل المستتر.
وقول المؤلف: (﴿كَبُرَ﴾ جدالهم ﴿مَقْتًا﴾ ) الصواب أن يقال: كبر مقتهم مقتًا عند الله؛ لأن التمييز مبيِّن للفاعل المستتر، وقوله: ﴿مَقْتًا﴾ المقت هو أشد البغض، وقوله: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ متعلق ب﴿كَبُرَ﴾.
﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر ٣٥] يعني: وكذلك المؤمنون يكبر مقتهم لهؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان الذين يريدون إدحاض الحق وإظهار الباطل، وقوله: ﴿عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إذا أُطْلِقَ الإيمان فالمراد به ما يشمل الإسلام، وإذا أطلق الإسلام فالمراد به ما يشمل الإيمان، ولهذا لو سُئِلْتَ فقيل لك: هل الإسلام والإيمان مترادفان بمعنى واحد؟
فقل: هما عند الإفراد مترادفان، وأما عند الاقتران فإنه يُفَسَّر الإيمان بأعمال القلوب، والإسلام بأعمال الجوارح؛ مثال ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤] ففرَّق بين الإيمان والإسلام، وبَيَّن أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم ولكنه قريب الدخول؛ لأن (لمَّا) تفيد القرب.
إذن في حديث جبريل فرَّق بين الإيمان والإسلام، لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وهكذا إذا اجتمعا.
ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] ففرَّق بين هذا وهذا؛ المُخْرَجُون مؤمنون والبيت مسلم لأن في البيت امرأةً كافرة وهي امرأة لوط، فهي في ظاهر الحال مسلمة مستسلمة؛ لأنها لا تُظْهِر أنها كافرة كما قال تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠]، ولكن حينما أراد الله عز وجل أن يُنْجِيَ مَنْ ينجي من قوم لوط أنجى المؤمنين فقط، وأما المرأة فبقيت مع قومها وهلكت.
يقول: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٥] نعوذ بالله، ﴿كَذَلِكَ﴾ مرت علينا، وقلنا: مثل هذا التركيب يكون إعرابه كالتالي: الكاف اسم بمعنى مثل وهي مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، العامل فيها الفعل الذي بعدها، و﴿يَطْبَعُ﴾ هو الفعل العامل، وعليه فنقول: مثل هذا الطبع يطبع الله.
وأما قول المؤلف رحمه الله تعالى: (مثل إضلالهم) ففيه نظر، وإن كان يلزم من الإضلال الطبع، لكن الأحسن أن يُفَسَّر بما يطابق العامل، فيقال: مثل هذا الطبع يطبع الله.
قال: (﴿يَطْبَعُ﴾ يختم) نعم الطبع بمعنى الختم، كأن الله جعل على قلوبهم غِلافًا ثم ختم عليه كما يُخْتَم على الوثائق، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا﴾ [النساء ١٥٥].
(﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ بالضلال ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ) قوله: يطبع الله بالضلال، يقال فيها كما قيل فيما سبق بأن المراد: يطبع الله بالطبع على القلوب على كل قلب متكبر.
وقوله: (﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ بتنوين قلب ودونه) ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ﴾ ، و﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾، والفرق أنه على قراءة التنوين يكون التكبر وصفًا للقلب، وعلى قراءة الإضافة يكون الطبع على قلب المتكبر، وليس القلب هو المتكبر، والمعنى واحد؛ لأنه إذا تكبَّر القلب تكبرت النفس؛ لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمانِ بن بَشير رضي الله عنهما.]].
قوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾، أو ﴿قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ﴾ ، التكبر: معناه الترفُّع، يعني أن الإنسان يترفع، وهو نوعان: تكبر على الخلق، وتكبر عن الحق، وإلى هذا يشير قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٩١ / ١٤٧) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] بطر الحق: يعني رده وعدم الإذعان له، وغمط الناس: يعني احتقارهم فيرى نفسه أنه فوق الناس؛ هذا هو الكبر والعياذ بالله، ومعلوم أن مَنْ غمط الحق وازدراه فإنه لا يأخذ به؛ إذ كيف يأخذ بشيء يرى أنه نقيصة، وكذلك مَنْ غمط الناس فإنه لا يعدل فيهم، بل يعاملهم بالكبرياء -والعياذ بالله- فيكون الطبع حقيقًا بمثل هذا القلب، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه «لَا يَدْخُلِ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ».»
* في هذه الآية فوائد:
* أولًا: كراهة الله سبحانه وتعالى للذين يجادلون في آيات الله لأجل إبطالها؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا سلطان لكل إنسان جادل لإدحاض الحق وإظهار الباطل، يؤخذ من قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾.
* ومن فوائدها: تقوية قلوب المجادلين بالحق؛ لأنكم تعلمون أن الجدال يكون من طرفين، فالمجادل في آيات الله لإبطالها هذا لا حجة له، يكون الخصم المقابل الآخر يكون له حجة أو لا؟ فإذن إذا عَلِم المجادل الذي يريد إثباتَ الحقِّ وإبطال الباطل أنه لا سلطان لخصمه فإنه سوف يَقْوَى قلبُه ويزداد ثباتًا؛ فيستفاد منه بطريق المفهوم أن المجادل في آيات الله لإثباتها سيكون معه السلطان والقوة.
ولكن هل كل من معه حجة يستطيع أن يحتجَّ بها؟ لا، قد لا يستطيع، هو يعرف أنه على حق لكن لا يستطيع أن يجادل بها؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يعرف ما عند الأقوام من الباطل ليتمكن من ردهم، أما كونه لا يقرأ الباطل ويقول: أنا كل ما ورد علي من باطل فعندي القدرة على دفاعه، فهذا قد يُخْذَل الإنسان في مكان يحب أن ينتصر فيه، فلا بد مِنْ أن يعرف الإنسان الباطل من أجل أن يَرُدَّ عليه، ولهذا نرى العلماء المحققين يقرؤون كتب المناطقة والفلاسفة وغيرها ثم يردون عليها، وهذا إنما يكون في رجل رسخت قدمُه في العلم، أما رجل ابتدأ طالبًا فهذا لا نشير عليه أن يقرأ كتب أهل الضلال؛ وذلك لأنه ليس عنده مَنَعَة فيُخْشَى أن يتأثر بهذه الكتب فيضل، لكن الراسخ في العلم نقول: اقرأ حتى تعرف كيف ترد على هؤلاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مَنْ جادل بحقٍّ فليس بمذموم؛ لقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ إذ لو كان لهم سلطان لكانوا على حق، لكن ليس لهم سلطان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المَقْت لله عز وجل وأنه يتفاضل، فيكون مقته على شخص أو طائفة أكبر من مقته على شخص أو طائفة آخرين، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وهل هذا المقت حقيقة أو يراد به لازمه وهو العقوبة؟ الأول، هذا مذهب أهل السنة والجماعة أنهم يقولون: كل ما وصف الله به نفسه فهو على حقيقته، لكنه يجب أن نعلم أنه لا يماثل صفات المخلوقين؛ لأن الله أثبت ونفى، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وهذه خذها جادة عندك، امشِ عليها في كل ما وصف الله به نفسه، لا تقل: هذا لا يُرَادُ به ظاهره، كل ما وصف الله به نفسه فإنه يراد به ظاهرُه لكن يُنَزَّه عن مماثلة المخلوقين. إذن الله سبحانه وتعالى يمقت ويبغض ويكره ويحب حقًّا على حقيقته، ولكنه لا يماثل صفات المخلوقين.
وذهب أهل التعطيل الذين يحكمون على الله بعقولهم لا بكلامه وبكلام رسوله، ذهبوا إلى أن مثل هذه الأوصاف يجب وجوبًا أن تُؤَوَّل إلى لوازمها، فيقولون مثلًا: المقت المراد به الانتقام والعقوبة، وليس البغض أو الكراهة أو أشد من ذلك، فيقال لهم: إذا فسرتم ذلك بالعقوبة ارتكبتم محذورين:
المحذور الأول: إخراج كلام الله عن ظاهره.
والمحذور الثاني: إثبات معنى لا يراد به. أفهمتم؟
وهكذا كل مُحَرِّف نقول: إنه ارتكب محذورين: المحذور الأول: إخراج الكلام عن ظاهره، وهذه جناية لا شك حيث سلب اللفظ معناه، والثاني: إثبات معنى لا يراد باللفظ، وهذا عدوان أيضًا، فكل مُؤَوِّل فإنه يرتكب هذين المحذورين.
والعجب أنهم يُسَمُّون أنفسهم أهل التأويل، والصواب أنهم أهل التحريف، لكن هم تَسَمَّوْا بهذا الاسم تلطيفًا لما هم عليه من الباطل؛ لأن التأويل يراد به حق ويراد به باطل، إذا أَوَّلْنَا الكلام بما يريد به المتكلم فهذا حق، لكن بخلافه هذا باطل، وهذا هو الذي هم عليه، ولكن عدلوا عن اسم التحريف إلى اسم التأويل.
وانظر إلى دقة عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في العقيدة الواسطية قال: من غير تحريف ولا تعطيل. ولم يقل: من غير تأويل، مع أن أكثر الذين يتكلمون في العقائد أو يكتبون في العقائد يقولون: من غير تأويل. ولكن ما قاله هو الصحيح؛ لأن كل تأويل لا يدل عليه الدليل فهو تحريف.
إذن نحن نثبت لله بأنه يَمْقُت ويكره ويبغض حقًّا على حقيقته، وأما العقوبة فهي من لازم ذلك؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله وغيره قال: أنتم إذا أثبتم أن الله يعاقب فقد أثبتم أن الله يكره بطريق اللزوم؛ إذ لا يُعاقِب إلا من يكرهه، لا يمكن أن يعاقب من يحب، فأنتم لما فررتم من إثبات الكراهة أو المقت وقعتم فيه من وجه آخر، نقول: إذا أَثْبَتُّم العقوبة فلا عقوبة إلا بعد مقت وكراهة، هذا أمر ضروري؛ لأنه لا يمكن لأحد يحب شخصًا أن يقوم ويضربه.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات العندية لله؛ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾. ثم العندية نوعان: عندية وصف، وعندية قرب؛ فقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] هذه أيش؟ عندية قرب. وقوله هنا: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ﴾ عندية وصف، لأن المقت ليس شيئًا منفصلًا بائنًا عن الله حتى يكون عندية قُرْبٍ، بل هذا عندية وصف، كما تقول للشخص: أنت عندي عزيز، تقوله وهو بعيد منك، وليس المعنى أنت عندي عزيز يعني قريب، لا، هذه عندية وصف؛ أي أن عزتك عندي قائمة بي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يكرهه الله فإن المؤمنين يكرهونه؛ لقوله: ﴿وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه علامة الإيمان خذها قياسًا وميزانَ عدلٍ، متى رأيت من نفسك أنك تكره ما يكرهه الله وتحب ما يحبه الله فذلك الإيمان، دلَّ عليه هذه الآية وغيرُها من الآيات والأحاديث، ودلَّ عليه العقل أيضًا، لأن من كمال المحبة والإيمان أن تُحِبَّ ما يحبه مَنْ تحب وتكره ما يكرهه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإيمان حيث يكون المؤمن دائرًا مع الله عز وجل في محبة ما يحب وكراهة ما يكره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الكبر وأنه سبب للطبع على القلب والعياذ بالله، في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من الجبروت وهو التعاظم على الغير والشدة عليه وما أشبه ذلك لقوله: ﴿كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾. إذن في الآية التحذير من الكبر والجبروت.
* ومن فوائد الآية: الرد على من قيل: الكمال أن تتصف بصفات الكامل. يعنون الله، ولا أكمل من الله.
نقول: هذه قاعدة من أفضل القواعد، ولا يمكن للإنسان أن يجاري الله تعالى في أوصافه؛ فالتكبر والجبروت والتعالي والتعاظم بالنسبة لله؟
* طلبة: كمال.
* الشيخ: وبالنسبة لنا؟ نقص وعيب وسبب للبلاء، وبهذا بطلت هذه القاعدة التي لا أساس لها من الصحة.
حتى إن بعضهم وضع حديثًا قال: «تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ»[[قال في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (٦ / ٣٤٦): لا أصل له. قلنا: لكن ورد معناه في بعض الأحاديث المتكلم فيها، منها ما رواه الخطيب في تاريخه (٣ / ٧٠١) عن أنس، قلت: يا رسول الله، ما أفضل الأعمال؟ قال: «الصلاةُ لوقتها» قلت: فخير ما أعطى الإنسان؟ قال: «حسن الخلق، ألا وإن حسن الخلق من أخلاق الله عز وجل»، واتهم الذهبي في ميزانه (١ / ٥٢٤) بعض رواته بالوضع، وردَّ ذلك الحافظ في اللسان (٢ / ٢٥٧)، كما ورد معناه أيضًا عن بعض السلف كذي النون المصري وغيره، وكلام جماعة من العلماء.]] أعوذ بالله، هل نسمي أوصاف الله أخلاقًا؟ أبدًا، لا نسميها؛ لأن كلمة أخلاق قد تدل على خلق كَسْبِيٍّ، والأخلاق نوعان: غريزي وكسبي، لا إشكال في هذا؛ ولهذا لما قال الرسول ﷺ لأشج عبد القيس قال: «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلُمُ، وَالْأَنَاةُ» قال: يا رسول الله أخلقان تَخَلَّقْتُ بهما أم جَبَلَنِي الله عليهما؟ قال: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا»[[أخرج أحمد (٥٤) بسنده عن الوزاع رضي الله عنه: أتيت رسول الله ﷺ، والأشج المنذر بن عامر، أو عامر بن المنذر، ومعهم رجل مصاب، فانْتَهَوْا إلى رسول الله ﷺ، فلما رَأَوُا النبي ﷺ وَثَبُوا من رواحلهم، فأتوا النبي ﷺ فقَبَّلوا يَدَهُ، ثم نزل الشج، فعقل راحلته، وأخرج عيبته ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: «يا أشج، إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة» فقال: يا رسول الله، أنا تخلقتهما، أو جبلني الله عليهما؟ قال: «بل الله جبلك عليهما». قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله. الحديث. وأخرجه مسلم (١٧ / ٢٥) مختصرًا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]] قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب، أو كلمة نحوها.
فالأخلاق كسبي وغريزي، ولا يمكن أن نسمي أوصاف الله تعالى أخلاقًا له، بل نقول: أوصاف وصفات وما أشبه ذلك، على أن من العلماء من أنكر أن تقول: لله صفة مثل ابن حزم، ابن حزم رحمه الله قال: إياك أن تقول: لله صفة، الله ما له صفة، الأسماء لا بأس، صفة لا، لكنه محجوج بقول الرجل الذي كان يقرأ قل هو الله أحد قال: «إِنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ وَأُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٣٧٥) ومسلم (٨١٣ / ٢٦٣) من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظه أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سَرِيَّةٍ، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بـ(قل هو الله أحد)، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ، فقال: «سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟»، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه».]].
فعلى كل حال نحن نقول: إن هذه الآية تدل دلالة واضحة على كذب هذه القاعدة التي قَعَّدَها من قَعَّدَها من الناس، ونحن نقول لكل مؤمن: تخلقْ بأخلاق النبي ﷺ؛ لأن نبينا ﷺ لنا أسوة.
* * *
ثم نرجع إلى كلام المفسر يقول: (بتنوين ﴿قَلْبٍ﴾ ودونه، ومتى تكبر القلب تكبر صاحبه وبالعكس).
وقوله: (وبالعكس) فيه نظر؛ لأنه يقتضي أن يتكبر صاحب القلب قبل القلب؛ لأنك إذا عكست العبارة: متى تكبر القلب تكبر صاحبه، متى تكبر صاحب القلب تكبر القلب، هل هذا صحيح؟ لا، لكن مراده رحمه الله أن تَكبُّر القلب وتكبر النفس متلازمان، إن تكبر القلب تكبرت النفس، وإن تكبرت النفس كان ذلك دليلًا على أن القلب متكبر.
(وكل على القراءتين لعموم الضلال جميع القلب لا لعموم القلب).
* طالب: (لعموم الضلال جميع القلوب لا لعموم القلوب).
* الشيخ: طيب ما يخالف. يمكن القلوب أصح. ما عندكم حاشية الجمل؟ ويش يقول؟ الظاهر أن القلوب أصح.
* الطالب: قوله: (لعموم الضلال جميع القلب) أي: جميع أجزائه فلم يبقَ فيه محل يقبل الاهتداء، وقوله: (لا لعموم القلوب) أي: لا لعموم إخراج القلوب، وهذا الصنيع إخراج لها عن موضوعها من أنها إذا دخلت على نكرة مطلقة أو على معرفة مجموعة تكون لعموم الأفراد، وإذا دخلت على معرفة مفردة تكون لعموم الأجزاء، وهنا قد دخلت على النكرة فكان حقها أن تكون لعموم الأفراد لا لعموم الأجزاء كما سلكه الشارح فليُتَأَمَّل. انتهى شيخنا.
* الشيخ: ذَكَر القلوب هنا؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: (لا لعموم القلوب).
* الطالب: إي نعم، (لا لعموم القلوب).
كلام المؤلف الآن يقول: إن الكُلية هنا تعود على الفرد لا على الأفراد ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ﴾ يعني: على كل القلب لا على بعضه، وليست لعموم القلوب، يعني: ليست لعموم كل قلب على حدة، ولكن ما ذهب إليه ليس بصواب، بل نقول: على كل القلوب، والعموم مستفاد من كلمة يطبع على القلب لا على بعضه، فإذا قلنا: إنها لعموم القلوب شملت عموم القلب ولا عكس، ثم إن ظاهر السياق ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ﴾ أو ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ إذا نظرنا إلى السياق ماذا نفهم؟ هل نفهم أن جميع القلوب المتكبرة يُطْبَع عليها أو نفهم أن القلب الواحد يطبع على جميعه لا على بعضه؟ الأول لا شك، هذا ظاهر السياق، وهذا كما أنه ظاهر السياق فهو أشمل في المعنى؛ لأنه إذا قيل: كذلك يطبع الله على كل القلوب المتكبرة الجبارة، الطبع على القلب يشمل الطبع على جميعه، ما لم يوجد دليل على أن المراد الطبع على بعضه، وحينئذ يكون الصواب عكس ما قال المؤلف.
الصواب أن هذا لعموم القلوب وليس لعموم القلب، لكن ليت شعري هل فهمتم الفرق؟
إذا قلنا: إنها لعموم القلب صار معنى الآية: أن الله يطبع على القلب كله لا على جميع القلوب، فيخرُج بذلك بعض القلب، ما يُطْبَع على بعض، يطبع على القلب كله، لكنه مثلًا على قلب فلان من الناس.
إما إذا قلنا: إنها لعموم القلوب صارت معنى الآية أن الله يطبع على جميع القلوب المتكبرة، في أي واحد من الناس، فإذا قلنا: لعموم القلوب صارت عامة لأفراد القلوب، إذا قلنا: لعموم القلب صارت عامة للقلب الواحد؛ يعني: والقلوب الأخرى مسكوت عنها، هذا وجه الفرق.
ولكن نقول: الصواب أن معنى قوله: ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ﴾ يعني: من جميع الناس، وإذا قال: طُبِعَ على القلب، فالمعنى أنه على جميع القلب ما لم يُنَصَّ على أن المراد بعض القلب.
* طالب: قوله: (على جميع القلب) هذا معناه أن القلب ينقسم (...).
* الشيخ: إي نعم، والطبع ما ينقسم، الطبع ختم على القلب ما فيه نافذة يخرج منها.
* الطالب: فإلى كم ينقسم القلب؟
* الشيخ: القلوب باعتبار الأفراد تنقسم إلى أقسام، لكن القلب الواحد ما ينقسم.
* الطالب: إذن لماذا يقول: (على جميع القلب)؟
* الشيخ: هذا معناه: لا على بعضه؛ ولذلك كلام المؤلف فيه نظر من عدة وجوه، كلما تأملت عرفت أنه خطأ، والمُحَشِّي (الجَمَل) يقول: (فليتأمل) تأملناه ووجدناه غير صحيح.
* طالب: ما الحكمة في بقاء زوجاتهم معهم وهن كافرات؟
* الشيخ: من؟
* طالب: نوح عليه السلام ولوط، هل هم لم يكونوا يعلمون ذلك؟
* الشيخ: ما دام الله يقول: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠]، وقال له: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود ٨١].
* الطالب: ما كانوا يعلمون.
* الشيخ: ما كانوا يعلمون، وهذه لأجل الاعتبار بالنسبة لزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنت تعرف السورة هذه كلها نزلت شبه مُعاتَبة لزوجات الرسول ﷺ: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم ٤].
سمعت واحدًا من المتثَيْقِفين يقول: هذه الآية فيها دليل على عِظَمِ كيدِ المرأة، إن الله (...) هو وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة على امرأتين من زوجات الرسول! وهذا غلط عظيم، ليس المقصود بهذا بيان قوة المرأتين، المقصود بيان عناية الله عز وجل برسوله، وأنكما إن تظاهرتما عليه فله أولياء، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.
* طالب: يا شيخ بالنسبة لقول الشارح: (لعموم القلوب) ألا نقول: إنه لعموم القلب، والقلب هذا كل مَنْ وصف بالتحدي والجبروت داخل (...)؟
* الشيخ: لا، ليس هذا مراده، مراده مثلًا قلب زيد وعمرو وبكر وخالد هذه القلوب، لكن إذا قلنا: (لعموم القلب) صار معناه قلب زيد فقط، الطبع عام له.
* الطالب: كله موصوف بهذا الوصف بالجبروت والتكبر (...).
* الشيخ: إي، بس ما نقول: لعموم القلب، نقول: لعموم القلوب، هذا عام في كل قلب متكبر، ففرق بين أن تقول: الكلية هذه للأجزاء أو للأفراد، إن قلنا: لعموم الأجزاء صار معناه لعموم القلب، وإن قلنا: لعموم الأفراد صار جميع القلوب، كل قلب متصف لو يكون مئات الملايين متصف بهذا فهو مطبوع عليه، ولا شك أن كلام المؤلف رحمه الله ما له وجه إطلاقًا، ولكن سبحان الله.
غافر 40:36
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٦ - ٣٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في قصة موسى مع فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ فرعون هو ملك مصر، قيل: إنه اسم شخص أو إنه عَلَمُ شخصٍ، وقيل: إنه علم جنس، فإذا قلنا: إنه علم شخص صار اسمًا لشخص معين، وإذا قلنا: إنه علم جنس صار اسمًا لكل من ملك مصر كافرًا، وهذا هو الذي عليه الأكثر، لكن فرعون موسى علم شخص وعلم جنس أيضًا.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ هامان وزيره، وقوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يعني: مُرْ مَنْ يبني لي ذلك؛ لأن من المعلوم أن الوزير لن يباشر بناء الصرح ﴿صَرْحًا﴾ قال المفسر: (بناء عاليًا) يعني رفيعًا.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، وهي تأتي للتعليل تارة، وللإشفاق تارة، وللترجي تارة.
فمن مجيئها للتعليل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢] هذه للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في حق الله عز وجل فإنها للتعليل؛ لأن الرب عز وجل لا يَتَرَجَّى؛ إذ إن كل شيء عليه هين.
وتأتي للإشفاق مثل أن تقول: لعل الحبيبَ هالكٌ، يعني أخشى أن يكون هالكًا.
وتأتي للترجي مثل: حضرتُ إلى الدرس فلعلي أفهم، لو قلت: لعلي أفهم، احتُمِلَ أن تكون للتعليل، فإذا قلت: (فلعلي) صارت للترجي.
وتكون أيضًا للتَّوَقُّع كما لو قلت لشخص تخاطبه: لعلك فاهم.
وهذه المعاني التي تأتي للحروف بل وللأسماء أيضًا وللأفعال إذا كانت متعددة فالذي يُعَيِّنُها السياق وقرائنُ الأحوال.
قال: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ الأسباب جمع سبب، وهو كل ما يُوصِل إلى المقصود، فالسبب وسيلة، والمسبَّب غاية، فما هي الأسباب هنا؟ بَيَّنَها بقوله: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ فأسباب السماوات محلُّها مما قبلها عطفُ بيان، تُبَيِّن الإبهام الموجود في الأسباب.
فإن قال قائل: لماذا لم يقع الكلام مبينًا مِنْ أَول الخطاب فيقال: لعلي أبلغ أسباب السماوات؟
قلنا: إن الإبهام أولًا ثم التفصيل والبيان ثانيًا أوقع في النفس؛ لأن الشيء إذا جاء مُبْهَمًا ثم بُيِّن صار البيان وقع عند تَشَوُّف النفس لمعرفة هذا المبهم، يعني: لو جاء الكلام مُبَيَّنًا من أول الأمر لكان سهلًا على النفوس، لكن إذا جاء أولًا مبهمًا تشوفت النفس لمعرفة هذا المبهم، ثم جاء البيان والنفس مستعدة لقَبوله مُتَشَوِّفَة إلى الوصول إليه.
﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال المفسر: (طُرُقها الموصلة إليها ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالرفع عطفًا على ﴿أَبْلُغُ﴾، وبالنصب جوابًا لابن) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين: ﴿فَأَطَّلِعُ﴾ ﴿فَأَطَّلِعَ﴾، أما على قراءة الرفع فإنها معطوفة على ﴿أَبْلُغُ﴾، يعني: لعلي أبلغ السماوات فلعلي أطلع. وأما على قراءة النصب فإنها وقعت جوابًا ل﴿ابْنِ﴾، ﴿ابْنِ﴾: فعل أمر، وفعل الأمر يقع جوابه إذا كان مقرونًا بالفاء بالنصب ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ فتكون الفاء هنا للسببية.
واعلم أن القراءتين الواردتين في القرآن الكريم هما أحد الحروف السبعة التي نزل القرآن عليها، فإن القرآن أُنْزِل على سبعة أحرف، ولما كان في زمن عثمان رضي الله عنه أمر أن يجعل القرآن على حرف واحد هو حرف قريش؛ يعني: لغتها، فهذه القراءات الموجودة ليست هي الأحرف السبعة، بل هي على حرف واحد.
الثاني: اعلم أن القراءتين كلتاهما صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنها نُقِلَت بالتواتر.
ثالثًا: اعلم أنه لا ينبغي للإنسان أن يقرأ بين العامة بقراءة تُخالِف ما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يوجب التشويش والارتباك واتهام القارئ، وربما تَهْبِطُ عظمةُ القرآن في نفوسهم بسبب هذا الاختلاف، أما فيما بينك وبين نفسك فالأفضل أن تقرأ بهذا تارة وبهذا تارة بشرط أن تكون عالمًا غيرَ مُتَخَبِّط، وإنا قلنا: إن هذا هو الأفضل لأن كل من القراءتين قد قرأ به النبي ﷺ، فيكون هذا مثل العبادات الواردة على وُجوهٍ متنوعة كالاستفتاحات والتشهد وما أشبه ذلك، لكن هذا متى؟ بينك وبين نفسك، أو في مقام التعليم إذا كنت تُعَلِّم طلبة.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ يعني: أَصِل إليه وأنظر هل هذا حق أو غير حق؟ ثم استدرك خوفًا من أن يقول أحد من جنوده: إنه حق فقال: (﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أي موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في أن له إلهًا غيري) قال هذا تمويهًا على أصحابه، وخوفًا أن يقع في نفوسهم شيء حين أمر وزيره أن يبني له صرحًا، قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وفرعون في هذه المقالة كاذبٌ، هو لا يظن أن موسى كاذب، بل يعلم أنه صادق لقول الله تبارك وتعالى عن موسى أنه قال له أي لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢] قال هذا الكلام: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ قال هذا مُؤَكِّدًا إيَّاه بالقسم واللام وقد، ويخاطب هذا الرجل القادر على إنكار ما قاله موسى لو كان كَذِبًا قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ فرعون هل له مانع يمنعه أن يقول: لم أعلم؟ لا، هو قادر، لكنه يعلم أنه يعلم أنه ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر.
وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل ١٤] هذه مفعول من أجله لـ﴿جَحَدُوا﴾ ما هي لـ(استيقن)، جحدوا بها ظلمًا، فالمهم أن قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ هذه الجملة كَذِبٌ أو حق؟ هو كاذب، يقول: ﴿لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وهو كاذب، هو يعلم أنه صادق، لكنه قال ذلك تمويهًا لقومه وخوفًا من أن يقع في قلوبهم شيء من الشك.
قال الله تعالى عن فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يقول المفسر: (قال فرعون ذلك تمويهًا).
﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الفعل أو مثل هذا التزيين، أيهما الذي على القاعدة؟ الثاني؛ لأننا قلنا: إن (كذلك) تكون مفعولًا مطلقًا للفعل الذي بعدها، أي: مثل هذا التزيين الذي زُيِّنَ لفرعون، وهذا التمويه والترويج لقومه زُيِّنَ لفرعون سوء عمله، ومَنِ الذي زَينه؟ الشيطان والنفس الأَمَّارة بالسوء، وقد يُقال: والله عز وجل؛ لأن الله يضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، فالله تعالى زينه قدرًا بمعنى أنه حَجَب عنه الهدى، ثم زَيَّن له الشيطانُ والنفسُ الأمارة بالسوء أن يعمل هذا العمل.
﴿سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿السَّبِيلِ﴾ هنا فيها (أل) التي للعهد، أَيُّ العهود الثلاثة؛ الذكري أو الحضوري أو الذهني؟ الذهني، ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ الذي هو سبيل الهدى؛ ولهذا قال المؤلف: (طريق الهدى وفيها قراءتان: ﴿صُدَّ﴾ بفتح الصاد وضمها) ﴿صُدَّ﴾ هذه بضم الصاد على أنها مبنية لما لم يُسَمَّ فاعله، ﴿صَدَّ﴾ بفتح الصاد على أنها مبنية لما سُمِّي فاعله، ولكن هل هي متعدية أو لازمة؟ هل معناه أنه صَدَّ بنفسه أو صد غيره؟ تشمل المعنيين؛ لأنها لفظ مشترك صالح للمعنيين جميعًا، والقاعدة في التفسير أن كُلَّ لفظ يصلح لمعنيين لا يتنافيان فإنه يُحْمَل عليهما جميعًا، إلا إذا كان في أحدهما ما يُرجِّحه فيعمل بما يترجح.
﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ الكيد والمكر والخداع وما أشبهها كلها كلمات متقاربة، ومعناها أن يَتَوَصَّل الإنسان بالأسباب الخفية إلى مقصوده بِخَصْمِه، كل إنسان يقصد مِنْ خَصْمِه أن يكون مغلوبًا، فيتوصل إلى هذا بأسباب خَفِيَّة لا يعلم بها الخصم إلى الوصول إلى هذا.
فرعون كاد كيدًا في أن يقول لهامان: ابن لي صرحًا، من أجل أن يرقى على هذا الصرح فإذا وصل غايته نظر أمام الناس ثم نزل وقال: لم أجد رب موسى، وهذا تمويه ولا غير تمويه؟ تمويه، لا سيما على العامة، لا سيما على عامة كآل فرعون الذين قد بَهَرَهم هذا الظالم الطاغية، فكل شيء يكون عندهم حقيقة، لكن هل هذا الكيد ينفعه؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ أي: إلا في خسار.
﴿مَا﴾ هنا حجازية أو تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: نعم، هي حجازية مهملة، يعني أنها لا تعمل، ما الذي أبطل عملها؟ الإثبات، وابن مالك يقول:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ..................
والنفي هنا لم يبقَ، فعلى هذا نقول: هي مهملة لبطلان النفي وانتفائه ب(إلا).
* في هذه الآية فوائد:
* من فوائد هذه الآية: استعلاء فرعون وترفعه، وذلك بتوجيه الأمر إلى وزيره أن يبني له صرحًا، وتأملْ قوله: ﴿ابْنِ لِي﴾ ولم يقل: ابن؛ لأن هذا أعظم في الترفع والتعاظم، إذ لو قال: ابن، لكان لأي أحد يبني، فيه إبهام، لكن إذا قال: ﴿لِي﴾ دلَّ هذا على أنه استخدم هذا الرجل الذي هو الوزير استخدامًا تامًّا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اتخاذ الوزراء كان عُرْفًا قديمًا سواء كان وزيرًا في الخيرِ أو وزيرًا في الشَّرِّ؛ فمن وزراء الخير قول موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه ٢٩، ٣٠] وقول علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سأله زعماء الشيعة وهم الرافضة عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فترحم عليهما، وقال في الثناء عليها: هما وزيرا جدي. يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرفضوه؛ لأنهم قد زُيِّنَ لهم سوء عملهم بأن كل مَنْ أحب أبا بكر وعمر فقد أبغض عليًّا، وعلى هذا يكون النبي ﷺ مُبْغِضًا لعليٍّ، لأنه سُئِل أي الرجال أحب إليك قال: «أَبُو بَكْرٍ» » فعلى قاعدتهم يكون الرسول مبغضًا لعلي، فانظر كيف كانت عاقبة هذه القاعدة الفاسدة الباطلة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الشيء إلى الآمر به دون فاعله، تؤخذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وهو لا يريد أن هامان يتولى البناء بنفسه بل يأمر؛ لأنه وزير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علو الله تعالى العلوَّ الذاتي في الشرائع السابقة، تؤخذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر ٣٦، ٣٧] فهذا يدل على أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أبلغه بأن الله في السماء.
وهذا أعني علو الله الذاتي أمر لا يُنْكَر؛ لأنه دَلَّت عليه جميع الدلائل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. كلها دلت على عُلُوِّ الله عز وجل العلو الذاتي، وأنه سبحانه وتعالى في السماء، وأنه لا يمكن أن يكون في الأرض، ونحن نُرَكِّز على هذه النقطة لأهميتها؛ لأنها تتعلق بالعقيدة.
أما القرآن فما أكثر الأدلة المتنوعة الدالة دَلالة قاطعة على علو الله الذاتي.
وكذلك السنة دَلَّت على ذلك قولًا وفعلًا وإقرارًا؛ النبي عليه الصلاة والسلام أثبت عُلُوَّ الله الذاتي بقوله وبفعله وبإقراره:
أما بقوله فإنه عليه الصلاة والسلام يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رِبِّيَ الْأَعْلَى».
وأما في فعله فأشار إلى علو الله تعالى في الوقوف بعرفة حين خطب الناس وقال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
وأما إقراره فبإقراره الجارية التي قالت: في السماء لما سألها: «أَيْنَ اللَّهُ؟».
وأما الإجماع: فقد أجمع السلف على ذلك، ما منهم أحد قال: إن الله ليس في السماء، وما منهم أحد قال: إن الله في الأرض، وما منهم أحد قال: إن الله لا يُوصف بعلو ولا سفول ولا محايذة ولا مجانبة؛ يعني ما منهم أحد قال: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل كما قاله المعطلة.
فإذا قال قائل: نُسَلِّم أنه لم يَرِدْ عنهم النفي، فما هو دليل الإثبات؛ أنهم أثبتوا؟ فنقول: دليل ذلك أن كُلَّ نَصٍّ في القرآن والسنة لم يأت عن الصحابة خلافه فإننا نعلم علم اليقين أنهم يقولون به؛ لأن القرآن نَزَل بلغتهم ويعرفونه، فإذا خوطبوا بهذا ولم يَرِدْ عنهم خلافُه دَلَّ ذلك على أنهم قائلون به، وهذه نقطة مهمة تنفعك عند المناظرة مع الخصوم، إذا قال لك: أين قال الصحابة أن الله في العلو مثلًا؟ تقول: قال الصحابة ذلك؛ لأن كل نص جاء بإثبات العلو ولم يَرِدْ عن الصحابة خلافُه فإنهم قائلون به قطعًا؛ لأنه نزل بلغتهم وعرفوه وفَهِمُوه على ما أراد الله عز وجل.
وأما العقل: فلو سألتَ أيَّ إنسان هل العلو صفةُ كمالٍ أو النزول؟ لقال لك: العلو. ولو قلت: العلو صفةٌ أكمل أو المحاذاة؟ لقال لك: العلو؛ إذن فالعلو دَلَّ العقل على ثبوته لله عز وجل.
وأما الفطرة: فلا تسأل، اسأل عجوزًا من العجائز لم تقرأ في كلام المتكلمين المعطلين ماذا تقول لك؟ لو سألتها: أين الله؟ قالت: في السماء، ولا تعرف إلا ذلك، والعجب أن نفس القائلين بالنفي إذا دَعَوا الله عز وجل رفعوا أيديهم قَهْرًا عليهم إلى السماء، وهذا شيء مُسَلَّم.
وادعاؤهم أنهم يقولون: إن السماء قِبْلَةُ الداعي كما أن الكعبة قبلة المصلي، نقول: إذن أنتم تدعون السماء، فوقعتم في الشرك من حيث لا تعلمون، وعلى كل حال الحمد لله أن عُلُوَّ الله عز وجل أمر فطري لا يحتاج إلى تعلُّم ولا تكلف، ومع ذلك جميع الأدلة دلت عليه، ثم يأتي أقوام أعمى الله تعالى بصائرهم فيقولون: إن الله تعالى ليس في العلو، فماذا يقولون؟ استمع:
منهم من يقول: إن الله في كُلِّ مكان، وهؤلاء حلولية الجهمية، إن الله في كل مكان؛ في المساجد، في الأسواق، في البيوت، في الجو، في السماء، والعياذ بالله في المراحيض. في كل مكان، وهذا باطل كما تُبْطِل الشمس ظُلْمَة الليل؛ لأنه يلزم منه واحد من أمرين ولا بد:
إما أن يكون الله متعددًا، وإما أن يكون الله متجزئًا بعضه هنا وبعضه هناك، أو متعددًا واحد هنا وواحد هناك، هذا بقطع النظر عما يلزم عليه من اللوازم الفاسدة التي توجب أن يكون الله في أَقْذَر الأمكنة وأَنْتَنِ الأمكنة.
والقول الثاني لمن ينكرون علو الله الذاتي يقولون: لا نقول: إن الله فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه. وين يروح؟ عدم، يعني: قال بعض العلماء: لو قيل: صِفُوا لنا العدم لم نجد وصفًا أشمل من هذا؛ فحقيقة الأمر أنهم لا يعبدون الله، وأنه ليس لهم إله إطلاقًا.
نعود إلى التفسير فنقول: في الآية دليل على علو الله الذاتي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة المتكلم أن يسلك أقرب الطرق إلى جَذْبِ المخاطب.
* ومنها: الإبهام ثم البيان؛ لقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، وهذا كثير في القرآن وفي كلام البشر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات جمع وعدد؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي -كما هو معروف سبعة- قال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون ٨٦] وهذا متفق عليه، وهل السماوات هذه مُتَرَاصَّة أو بينها فَجَوات؟ الجواب الثاني، ويَدُلُّ على ذلك دَلَالَةً قاطعة حديثُ المعراج؛ فإن النبي ﷺ كان يعرج من سماء إلى سماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رؤساء الضلال وأئمة الضلال يَدْعُون الناس إلى الضلال بكلِّ ما يستطيعون، ويحاولون أن يَحُولوا بينهم وبين الحق؛ لقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وقد بَيَّنَّا في التفسير لماذا قال هذه الكلمة، فلا تغتر برؤساء الضلال وأئمة الضلال وما يقولون من التمويه والدجل، وليس هذا مقصورًا على أئمة السلطة الذين لهم السلطة، بل حتى على أئمة الدعوة الذين يَدْعُون الناس إلى أفكارهم الهدامة وأخلاقهم السافلة، تجد عندهم من التمويه والتضليل ما يوجب أن يكون فَخًّا يقع به مَنْ ليس له بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يبتلي العبد فَيُزَيِّن له سوءَ عمله؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨]. فاحرصْ على الانتباه لهذه المسألة، فإن الإنسان قد يُزَيَّن له سوءُ العمل. والتزيين نوعان:
النوع الأول: أن يرى الإنسان هذه السيئة حسنة، وهذا أعظم النوعين.
النوع الثاني: ألا يراه سيئًا فيميل إليه بهواه، ويقول: هذا سهل وليس فيه شيء. هذا من التزيين في الواقع؛ لأن مَنْ لا يرى السيئ سيئًا فإنه سيقع فيه، إما رغبة فيه؛ لأنه زُيِّنَ له، وإما لهوى في نفسه لأنه لا يراه سيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون يَصُدُّ الناس عن سبيل الله، فهو من أئمة الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١] فاحذر هؤلاء الأئمة؛ لا يخدعونك، فإنهم يكيدون كيدًا، والله تعالى يكيد كيدًا لعبده المؤمن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون أَمَر ببناء هذا الصرح مكايدةً لا حقيقة، وإلا فمن المعلوم أنه سوف يخسر نفقات كثيرة على هذا الصرح العالي، لكنه لغرضه وهواه لا يهتم بذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كيد المضلين -والحمد لله- في خسار، كل مضل فكيده في خسار؛ لأنه إذا كان كيد هذا الطاغية في خسار فمن دونه من باب أولى ولا شك، ولهذا حصر كيده في الخسارة، ما هو إلا في خسار، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦] أي: كيدًا أعظم من كيدهم.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور ٤٢] وهذه من أعظم الآيات التي تفرِّح المؤمن أن كيد الكافر يجعله هو المكيد. وجاءت الآية بالجملة الاسمية ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ وبضمير الفصل إشارةً إلى ثبوت ذلك عليهم وتَأَكُّده، إلى ثبوته بماذا؟ بكونه جاء بالجملة الاسمية؛ لأن الجملة الاسمية -كما يقول أهل العلم- تفيد الثبوت والاستقرار، وجاء بالحصر عن طريق ضمير الفصل ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾.
وهذه الآيات والحمد لله تُفَرِّح المؤمن، لكن لاحظوا أن هذا وعد الله عز وجل وهو لا يخلف الميعاد، لكنه يحتاج إلى سبب، أن يكون من المؤمن عمل مضاد، وأن المؤمن إذا عَمِل العمل المضاد لكيد الكافرين يَثِقُ بوعد الله ويقول: إن هذا الكيد سيكون عليهم وهم في خسارة منه.
أما أن نقول: إن الله يكيد لهم وهم المكيدون، ولكننا ننام على فُرُشِنا وندع السباع تأكل الغنم فهذا غير صحيح، لا بد من عمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧]، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر ٣٧].
* طالب: صحيح (...) بعض المفسرين أن هامان لم يبن لفرعون فقط (...) يصدقه (...).
* الشيخ: هذا لا يظهر، لأن كونه يقول: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر ٣٦] ولا يبني هذا بعيد؛ إذ إنه سيقول والناس يسمعون، إما أن يكونوا حاضرين أو يبلغهم الخبر، وسيبني الصرح.
* طالب: لماذا نقول: إن فرعون استفاد أن الله سبحانه وتعالى من موسى هل يكون هذا بفطرته (...).
* الشيخ: نعم، سواء كان بفطرته أو بدعوة موسى، لكنه إذا قلنا: بدعوة موسى ما بقي علينا شيء، أما بفطرته فقد تكون انحرفت كما جاء في الحديث: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن الشيء المؤكد لدينا الآن هو قول موسى وتقريره بأن الله في السماء.
* طالب: بالنسبة لقراءات ابن مسعود هل هي ثابتة أم هو تفسير من الصحابي على أنها قرآن؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قراءات ابن مسعود مثلاً (...) تفسير ابن كثير: وقرأ ابن مسعود هل هو تفسير من الصحابي للقرآن؟
* الشيخ: لكن هات لي مثالًا.
* الطالب: كقراءته في آيات الكفارة: (ثلاثة أيام متتابعة)، هل هي قراءة سبعية مثلًا يُقْرَأ بها، أو هو تفسير من الصحابي؟
* الشيخ: هي ليست بسبعية، لكن إذا صحت القراءة سندًا فالصحيح جواز القراءة بها لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة، وأما قول بعضهم: إنه لا يجوز القراءة إلا بالسبعيات وأنه لو قَرَأ بقراءة غير سبعية مما صح عن الرسول ﷺ فإن صلاته تبطل فهو ضعيف، ثم إن كلمة: (متتابعة) ليست تفسيرًا بل هي قيد، وابن مسعود رضي الله عنه لا يقرأ قراءة تكون قيدًا في مطلق إلا وقد سمعها من الرسول ﷺ:
* طالب: بالنسبة يا شيخ لقراءة معينة لا بد أن يعرف لأي من القراء ولَّا يكفي أنه يعرف ويوقن تمامًا أنها سبعية؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم؛ لأن المهم النقل، إذا قال لك إنسان: فيها قراءة كذا، لا بد أن تعرف أن الناقل ثقة، فإذا علمت أنه ثقة فلا حاجة أن تعرف من القارئ من القراء السبعة ما هو لازم.
غافر 40:37
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٦ - ٣٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في قصة موسى مع فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ فرعون هو ملك مصر، قيل: إنه اسم شخص أو إنه عَلَمُ شخصٍ، وقيل: إنه علم جنس، فإذا قلنا: إنه علم شخص صار اسمًا لشخص معين، وإذا قلنا: إنه علم جنس صار اسمًا لكل من ملك مصر كافرًا، وهذا هو الذي عليه الأكثر، لكن فرعون موسى علم شخص وعلم جنس أيضًا.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ هامان وزيره، وقوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ يعني: مُرْ مَنْ يبني لي ذلك؛ لأن من المعلوم أن الوزير لن يباشر بناء الصرح ﴿صَرْحًا﴾ قال المفسر: (بناء عاليًا) يعني رفيعًا.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ (لعل) هنا للتعليل، وهي تأتي للتعليل تارة، وللإشفاق تارة، وللترجي تارة.
فمن مجيئها للتعليل هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف ٢] هذه للتعليل، وكلما جاءت (لعل) في حق الله عز وجل فإنها للتعليل؛ لأن الرب عز وجل لا يَتَرَجَّى؛ إذ إن كل شيء عليه هين.
وتأتي للإشفاق مثل أن تقول: لعل الحبيبَ هالكٌ، يعني أخشى أن يكون هالكًا.
وتأتي للترجي مثل: حضرتُ إلى الدرس فلعلي أفهم، لو قلت: لعلي أفهم، احتُمِلَ أن تكون للتعليل، فإذا قلت: (فلعلي) صارت للترجي.
وتكون أيضًا للتَّوَقُّع كما لو قلت لشخص تخاطبه: لعلك فاهم.
وهذه المعاني التي تأتي للحروف بل وللأسماء أيضًا وللأفعال إذا كانت متعددة فالذي يُعَيِّنُها السياق وقرائنُ الأحوال.
قال: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ الأسباب جمع سبب، وهو كل ما يُوصِل إلى المقصود، فالسبب وسيلة، والمسبَّب غاية، فما هي الأسباب هنا؟ بَيَّنَها بقوله: ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ فأسباب السماوات محلُّها مما قبلها عطفُ بيان، تُبَيِّن الإبهام الموجود في الأسباب.
فإن قال قائل: لماذا لم يقع الكلام مبينًا مِنْ أَول الخطاب فيقال: لعلي أبلغ أسباب السماوات؟
قلنا: إن الإبهام أولًا ثم التفصيل والبيان ثانيًا أوقع في النفس؛ لأن الشيء إذا جاء مُبْهَمًا ثم بُيِّن صار البيان وقع عند تَشَوُّف النفس لمعرفة هذا المبهم، يعني: لو جاء الكلام مُبَيَّنًا من أول الأمر لكان سهلًا على النفوس، لكن إذا جاء أولًا مبهمًا تشوفت النفس لمعرفة هذا المبهم، ثم جاء البيان والنفس مستعدة لقَبوله مُتَشَوِّفَة إلى الوصول إليه.
﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ قال المفسر: (طُرُقها الموصلة إليها ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ بالرفع عطفًا على ﴿أَبْلُغُ﴾، وبالنصب جوابًا لابن) يعني أن فيها قراءتين سبعيتين: ﴿فَأَطَّلِعُ﴾ ﴿فَأَطَّلِعَ﴾، أما على قراءة الرفع فإنها معطوفة على ﴿أَبْلُغُ﴾، يعني: لعلي أبلغ السماوات فلعلي أطلع. وأما على قراءة النصب فإنها وقعت جوابًا ل﴿ابْنِ﴾، ﴿ابْنِ﴾: فعل أمر، وفعل الأمر يقع جوابه إذا كان مقرونًا بالفاء بالنصب ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ فتكون الفاء هنا للسببية.
واعلم أن القراءتين الواردتين في القرآن الكريم هما أحد الحروف السبعة التي نزل القرآن عليها، فإن القرآن أُنْزِل على سبعة أحرف، ولما كان في زمن عثمان رضي الله عنه أمر أن يجعل القرآن على حرف واحد هو حرف قريش؛ يعني: لغتها، فهذه القراءات الموجودة ليست هي الأحرف السبعة، بل هي على حرف واحد.
الثاني: اعلم أن القراءتين كلتاهما صحت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنها نُقِلَت بالتواتر.
ثالثًا: اعلم أنه لا ينبغي للإنسان أن يقرأ بين العامة بقراءة تُخالِف ما في أيديهم من المصاحف؛ لأن ذلك يوجب التشويش والارتباك واتهام القارئ، وربما تَهْبِطُ عظمةُ القرآن في نفوسهم بسبب هذا الاختلاف، أما فيما بينك وبين نفسك فالأفضل أن تقرأ بهذا تارة وبهذا تارة بشرط أن تكون عالمًا غيرَ مُتَخَبِّط، وإنا قلنا: إن هذا هو الأفضل لأن كل من القراءتين قد قرأ به النبي ﷺ، فيكون هذا مثل العبادات الواردة على وُجوهٍ متنوعة كالاستفتاحات والتشهد وما أشبه ذلك، لكن هذا متى؟ بينك وبين نفسك، أو في مقام التعليم إذا كنت تُعَلِّم طلبة.
﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ يعني: أَصِل إليه وأنظر هل هذا حق أو غير حق؟ ثم استدرك خوفًا من أن يقول أحد من جنوده: إنه حق فقال: (﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾ أي موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في أن له إلهًا غيري) قال هذا تمويهًا على أصحابه، وخوفًا أن يقع في نفوسهم شيء حين أمر وزيره أن يبني له صرحًا، قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وفرعون في هذه المقالة كاذبٌ، هو لا يظن أن موسى كاذب، بل يعلم أنه صادق لقول الله تبارك وتعالى عن موسى أنه قال له أي لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء ١٠٢] قال هذا الكلام: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ قال هذا مُؤَكِّدًا إيَّاه بالقسم واللام وقد، ويخاطب هذا الرجل القادر على إنكار ما قاله موسى لو كان كَذِبًا قال له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ فرعون هل له مانع يمنعه أن يقول: لم أعلم؟ لا، هو قادر، لكنه يعلم أنه يعلم أنه ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر.
وقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا﴾ [النمل ١٤] هذه مفعول من أجله لـ﴿جَحَدُوا﴾ ما هي لـ(استيقن)، جحدوا بها ظلمًا، فالمهم أن قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ هذه الجملة كَذِبٌ أو حق؟ هو كاذب، يقول: ﴿لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وهو كاذب، هو يعلم أنه صادق، لكنه قال ذلك تمويهًا لقومه وخوفًا من أن يقع في قلوبهم شيء من الشك.
قال الله تعالى عن فرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ يقول المفسر: (قال فرعون ذلك تمويهًا).
﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل هذا الفعل أو مثل هذا التزيين، أيهما الذي على القاعدة؟ الثاني؛ لأننا قلنا: إن (كذلك) تكون مفعولًا مطلقًا للفعل الذي بعدها، أي: مثل هذا التزيين الذي زُيِّنَ لفرعون، وهذا التمويه والترويج لقومه زُيِّنَ لفرعون سوء عمله، ومَنِ الذي زَينه؟ الشيطان والنفس الأَمَّارة بالسوء، وقد يُقال: والله عز وجل؛ لأن الله يضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، فالله تعالى زينه قدرًا بمعنى أنه حَجَب عنه الهدى، ثم زَيَّن له الشيطانُ والنفسُ الأمارة بالسوء أن يعمل هذا العمل.
﴿سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ﴿السَّبِيلِ﴾ هنا فيها (أل) التي للعهد، أَيُّ العهود الثلاثة؛ الذكري أو الحضوري أو الذهني؟ الذهني، ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ الذي هو سبيل الهدى؛ ولهذا قال المؤلف: (طريق الهدى وفيها قراءتان: ﴿صُدَّ﴾ بفتح الصاد وضمها) ﴿صُدَّ﴾ هذه بضم الصاد على أنها مبنية لما لم يُسَمَّ فاعله، ﴿صَدَّ﴾ بفتح الصاد على أنها مبنية لما سُمِّي فاعله، ولكن هل هي متعدية أو لازمة؟ هل معناه أنه صَدَّ بنفسه أو صد غيره؟ تشمل المعنيين؛ لأنها لفظ مشترك صالح للمعنيين جميعًا، والقاعدة في التفسير أن كُلَّ لفظ يصلح لمعنيين لا يتنافيان فإنه يُحْمَل عليهما جميعًا، إلا إذا كان في أحدهما ما يُرجِّحه فيعمل بما يترجح.
﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ الكيد والمكر والخداع وما أشبهها كلها كلمات متقاربة، ومعناها أن يَتَوَصَّل الإنسان بالأسباب الخفية إلى مقصوده بِخَصْمِه، كل إنسان يقصد مِنْ خَصْمِه أن يكون مغلوبًا، فيتوصل إلى هذا بأسباب خَفِيَّة لا يعلم بها الخصم إلى الوصول إلى هذا.
فرعون كاد كيدًا في أن يقول لهامان: ابن لي صرحًا، من أجل أن يرقى على هذا الصرح فإذا وصل غايته نظر أمام الناس ثم نزل وقال: لم أجد رب موسى، وهذا تمويه ولا غير تمويه؟ تمويه، لا سيما على العامة، لا سيما على عامة كآل فرعون الذين قد بَهَرَهم هذا الظالم الطاغية، فكل شيء يكون عندهم حقيقة، لكن هل هذا الكيد ينفعه؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ أي: إلا في خسار.
﴿مَا﴾ هنا حجازية أو تميمية؟
* طالب: حجازية.
* الشيخ: نعم، هي حجازية مهملة، يعني أنها لا تعمل، ما الذي أبطل عملها؟ الإثبات، وابن مالك يقول:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ..................
والنفي هنا لم يبقَ، فعلى هذا نقول: هي مهملة لبطلان النفي وانتفائه ب(إلا).
* في هذه الآية فوائد:
* من فوائد هذه الآية: استعلاء فرعون وترفعه، وذلك بتوجيه الأمر إلى وزيره أن يبني له صرحًا، وتأملْ قوله: ﴿ابْنِ لِي﴾ ولم يقل: ابن؛ لأن هذا أعظم في الترفع والتعاظم، إذ لو قال: ابن، لكان لأي أحد يبني، فيه إبهام، لكن إذا قال: ﴿لِي﴾ دلَّ هذا على أنه استخدم هذا الرجل الذي هو الوزير استخدامًا تامًّا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن اتخاذ الوزراء كان عُرْفًا قديمًا سواء كان وزيرًا في الخيرِ أو وزيرًا في الشَّرِّ؛ فمن وزراء الخير قول موسى عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ [طه ٢٩، ٣٠] وقول علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين سأله زعماء الشيعة وهم الرافضة عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فترحم عليهما، وقال في الثناء عليها: هما وزيرا جدي. يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فرفضوه؛ لأنهم قد زُيِّنَ لهم سوء عملهم بأن كل مَنْ أحب أبا بكر وعمر فقد أبغض عليًّا، وعلى هذا يكون النبي ﷺ مُبْغِضًا لعليٍّ، لأنه سُئِل أي الرجال أحب إليك قال: «أَبُو بَكْرٍ» » فعلى قاعدتهم يكون الرسول مبغضًا لعلي، فانظر كيف كانت عاقبة هذه القاعدة الفاسدة الباطلة.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: جواز نسبة الشيء إلى الآمر به دون فاعله، تؤخذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ وهو لا يريد أن هامان يتولى البناء بنفسه بل يأمر؛ لأنه وزير.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علو الله تعالى العلوَّ الذاتي في الشرائع السابقة، تؤخذ من قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر ٣٦، ٣٧] فهذا يدل على أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أبلغه بأن الله في السماء.
وهذا أعني علو الله الذاتي أمر لا يُنْكَر؛ لأنه دَلَّت عليه جميع الدلائل: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة. كلها دلت على عُلُوِّ الله عز وجل العلو الذاتي، وأنه سبحانه وتعالى في السماء، وأنه لا يمكن أن يكون في الأرض، ونحن نُرَكِّز على هذه النقطة لأهميتها؛ لأنها تتعلق بالعقيدة.
أما القرآن فما أكثر الأدلة المتنوعة الدالة دَلالة قاطعة على علو الله الذاتي.
وكذلك السنة دَلَّت على ذلك قولًا وفعلًا وإقرارًا؛ النبي عليه الصلاة والسلام أثبت عُلُوَّ الله الذاتي بقوله وبفعله وبإقراره:
أما بقوله فإنه عليه الصلاة والسلام يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رِبِّيَ الْأَعْلَى».
وأما في فعله فأشار إلى علو الله تعالى في الوقوف بعرفة حين خطب الناس وقال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
وأما إقراره فبإقراره الجارية التي قالت: في السماء لما سألها: «أَيْنَ اللَّهُ؟».
وأما الإجماع: فقد أجمع السلف على ذلك، ما منهم أحد قال: إن الله ليس في السماء، وما منهم أحد قال: إن الله في الأرض، وما منهم أحد قال: إن الله لا يُوصف بعلو ولا سفول ولا محايذة ولا مجانبة؛ يعني ما منهم أحد قال: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال ولا متصل بالخلق ولا منفصل كما قاله المعطلة.
فإذا قال قائل: نُسَلِّم أنه لم يَرِدْ عنهم النفي، فما هو دليل الإثبات؛ أنهم أثبتوا؟ فنقول: دليل ذلك أن كُلَّ نَصٍّ في القرآن والسنة لم يأت عن الصحابة خلافه فإننا نعلم علم اليقين أنهم يقولون به؛ لأن القرآن نَزَل بلغتهم ويعرفونه، فإذا خوطبوا بهذا ولم يَرِدْ عنهم خلافُه دَلَّ ذلك على أنهم قائلون به، وهذه نقطة مهمة تنفعك عند المناظرة مع الخصوم، إذا قال لك: أين قال الصحابة أن الله في العلو مثلًا؟ تقول: قال الصحابة ذلك؛ لأن كل نص جاء بإثبات العلو ولم يَرِدْ عن الصحابة خلافُه فإنهم قائلون به قطعًا؛ لأنه نزل بلغتهم وعرفوه وفَهِمُوه على ما أراد الله عز وجل.
وأما العقل: فلو سألتَ أيَّ إنسان هل العلو صفةُ كمالٍ أو النزول؟ لقال لك: العلو. ولو قلت: العلو صفةٌ أكمل أو المحاذاة؟ لقال لك: العلو؛ إذن فالعلو دَلَّ العقل على ثبوته لله عز وجل.
وأما الفطرة: فلا تسأل، اسأل عجوزًا من العجائز لم تقرأ في كلام المتكلمين المعطلين ماذا تقول لك؟ لو سألتها: أين الله؟ قالت: في السماء، ولا تعرف إلا ذلك، والعجب أن نفس القائلين بالنفي إذا دَعَوا الله عز وجل رفعوا أيديهم قَهْرًا عليهم إلى السماء، وهذا شيء مُسَلَّم.
وادعاؤهم أنهم يقولون: إن السماء قِبْلَةُ الداعي كما أن الكعبة قبلة المصلي، نقول: إذن أنتم تدعون السماء، فوقعتم في الشرك من حيث لا تعلمون، وعلى كل حال الحمد لله أن عُلُوَّ الله عز وجل أمر فطري لا يحتاج إلى تعلُّم ولا تكلف، ومع ذلك جميع الأدلة دلت عليه، ثم يأتي أقوام أعمى الله تعالى بصائرهم فيقولون: إن الله تعالى ليس في العلو، فماذا يقولون؟ استمع:
منهم من يقول: إن الله في كُلِّ مكان، وهؤلاء حلولية الجهمية، إن الله في كل مكان؛ في المساجد، في الأسواق، في البيوت، في الجو، في السماء، والعياذ بالله في المراحيض. في كل مكان، وهذا باطل كما تُبْطِل الشمس ظُلْمَة الليل؛ لأنه يلزم منه واحد من أمرين ولا بد:
إما أن يكون الله متعددًا، وإما أن يكون الله متجزئًا بعضه هنا وبعضه هناك، أو متعددًا واحد هنا وواحد هناك، هذا بقطع النظر عما يلزم عليه من اللوازم الفاسدة التي توجب أن يكون الله في أَقْذَر الأمكنة وأَنْتَنِ الأمكنة.
والقول الثاني لمن ينكرون علو الله الذاتي يقولون: لا نقول: إن الله فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل بالعالم ولا منفصل عنه. وين يروح؟ عدم، يعني: قال بعض العلماء: لو قيل: صِفُوا لنا العدم لم نجد وصفًا أشمل من هذا؛ فحقيقة الأمر أنهم لا يعبدون الله، وأنه ليس لهم إله إطلاقًا.
نعود إلى التفسير فنقول: في الآية دليل على علو الله الذاتي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من بلاغة المتكلم أن يسلك أقرب الطرق إلى جَذْبِ المخاطب.
* ومنها: الإبهام ثم البيان؛ لقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر ٣٦، ٣٧]، وهذا كثير في القرآن وفي كلام البشر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات جمع وعدد؛ لقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وهي -كما هو معروف سبعة- قال الله تعالى: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون ٨٦] وهذا متفق عليه، وهل السماوات هذه مُتَرَاصَّة أو بينها فَجَوات؟ الجواب الثاني، ويَدُلُّ على ذلك دَلَالَةً قاطعة حديثُ المعراج؛ فإن النبي ﷺ كان يعرج من سماء إلى سماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رؤساء الضلال وأئمة الضلال يَدْعُون الناس إلى الضلال بكلِّ ما يستطيعون، ويحاولون أن يَحُولوا بينهم وبين الحق؛ لقوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ وقد بَيَّنَّا في التفسير لماذا قال هذه الكلمة، فلا تغتر برؤساء الضلال وأئمة الضلال وما يقولون من التمويه والدجل، وليس هذا مقصورًا على أئمة السلطة الذين لهم السلطة، بل حتى على أئمة الدعوة الذين يَدْعُون الناس إلى أفكارهم الهدامة وأخلاقهم السافلة، تجد عندهم من التمويه والتضليل ما يوجب أن يكون فَخًّا يقع به مَنْ ليس له بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يبتلي العبد فَيُزَيِّن له سوءَ عمله؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام ١٠٨]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨]. فاحرصْ على الانتباه لهذه المسألة، فإن الإنسان قد يُزَيَّن له سوءُ العمل. والتزيين نوعان:
النوع الأول: أن يرى الإنسان هذه السيئة حسنة، وهذا أعظم النوعين.
النوع الثاني: ألا يراه سيئًا فيميل إليه بهواه، ويقول: هذا سهل وليس فيه شيء. هذا من التزيين في الواقع؛ لأن مَنْ لا يرى السيئ سيئًا فإنه سيقع فيه، إما رغبة فيه؛ لأنه زُيِّنَ له، وإما لهوى في نفسه لأنه لا يراه سيئًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون يَصُدُّ الناس عن سبيل الله، فهو من أئمة الصَّدِّ عن سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [القصص ٤١] فاحذر هؤلاء الأئمة؛ لا يخدعونك، فإنهم يكيدون كيدًا، والله تعالى يكيد كيدًا لعبده المؤمن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن فرعون أَمَر ببناء هذا الصرح مكايدةً لا حقيقة، وإلا فمن المعلوم أنه سوف يخسر نفقات كثيرة على هذا الصرح العالي، لكنه لغرضه وهواه لا يهتم بذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كيد المضلين -والحمد لله- في خسار، كل مضل فكيده في خسار؛ لأنه إذا كان كيد هذا الطاغية في خسار فمن دونه من باب أولى ولا شك، ولهذا حصر كيده في الخسارة، ما هو إلا في خسار، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق ١٥، ١٦] أي: كيدًا أعظم من كيدهم.
وقال تعالى: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ [الطور ٤٢] وهذه من أعظم الآيات التي تفرِّح المؤمن أن كيد الكافر يجعله هو المكيد. وجاءت الآية بالجملة الاسمية ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ وبضمير الفصل إشارةً إلى ثبوت ذلك عليهم وتَأَكُّده، إلى ثبوته بماذا؟ بكونه جاء بالجملة الاسمية؛ لأن الجملة الاسمية -كما يقول أهل العلم- تفيد الثبوت والاستقرار، وجاء بالحصر عن طريق ضمير الفصل ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾.
وهذه الآيات والحمد لله تُفَرِّح المؤمن، لكن لاحظوا أن هذا وعد الله عز وجل وهو لا يخلف الميعاد، لكنه يحتاج إلى سبب، أن يكون من المؤمن عمل مضاد، وأن المؤمن إذا عَمِل العمل المضاد لكيد الكافرين يَثِقُ بوعد الله ويقول: إن هذا الكيد سيكون عليهم وهم في خسارة منه.
أما أن نقول: إن الله يكيد لهم وهم المكيدون، ولكننا ننام على فُرُشِنا وندع السباع تأكل الغنم فهذا غير صحيح، لا بد من عمل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد ٧]، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر ٣٧].
* طالب: صحيح (...) بعض المفسرين أن هامان لم يبن لفرعون فقط (...) يصدقه (...).
* الشيخ: هذا لا يظهر، لأن كونه يقول: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر ٣٦] ولا يبني هذا بعيد؛ إذ إنه سيقول والناس يسمعون، إما أن يكونوا حاضرين أو يبلغهم الخبر، وسيبني الصرح.
* طالب: لماذا نقول: إن فرعون استفاد أن الله سبحانه وتعالى من موسى هل يكون هذا بفطرته (...).
* الشيخ: نعم، سواء كان بفطرته أو بدعوة موسى، لكنه إذا قلنا: بدعوة موسى ما بقي علينا شيء، أما بفطرته فقد تكون انحرفت كما جاء في الحديث: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٥٨)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، لكن الشيء المؤكد لدينا الآن هو قول موسى وتقريره بأن الله في السماء.
* طالب: بالنسبة لقراءات ابن مسعود هل هي ثابتة أم هو تفسير من الصحابي على أنها قرآن؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: قراءات ابن مسعود مثلاً (...) تفسير ابن كثير: وقرأ ابن مسعود هل هو تفسير من الصحابي للقرآن؟
* الشيخ: لكن هات لي مثالًا.
* الطالب: كقراءته في آيات الكفارة: (ثلاثة أيام متتابعة)، هل هي قراءة سبعية مثلًا يُقْرَأ بها، أو هو تفسير من الصحابي؟
* الشيخ: هي ليست بسبعية، لكن إذا صحت القراءة سندًا فالصحيح جواز القراءة بها لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة، وأما قول بعضهم: إنه لا يجوز القراءة إلا بالسبعيات وأنه لو قَرَأ بقراءة غير سبعية مما صح عن الرسول ﷺ فإن صلاته تبطل فهو ضعيف، ثم إن كلمة: (متتابعة) ليست تفسيرًا بل هي قيد، وابن مسعود رضي الله عنه لا يقرأ قراءة تكون قيدًا في مطلق إلا وقد سمعها من الرسول ﷺ:
* طالب: بالنسبة يا شيخ لقراءة معينة لا بد أن يعرف لأي من القراء ولَّا يكفي أنه يعرف ويوقن تمامًا أنها سبعية؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم؛ لأن المهم النقل، إذا قال لك إنسان: فيها قراءة كذا، لا بد أن تعرف أن الناقل ثقة، فإذا علمت أنه ثقة فلا حاجة أن تعرف من القارئ من القراء السبعة ما هو لازم.
غافر 40:38
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٣٨ - ٤٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨] في أول هذه الآيات يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨] وهنا وما قبلها يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ تحقيقًا لإيمانه وأنه مؤمن حقًّا.
﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: سبق الكلام على إعرابها، وبينَّا أنها منادى منصوبة مُقَدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقوله: (﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ﴾ بإثبات الياء وحذفها ﴿أَهْدِكُمْ﴾ ) يعني أنها قراءتان: اتبعوني واتبعون، أما على وجود الياء فالأمر ظاهر؛ لأنها ياء المتكلم، وأما على حذفها فهي محذوفة للتخفيف.
وقوله: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ فعل أمر، و﴿أَهْدِكُمْ﴾ جواب فعل الأمر؛ ولهذا وقع مجذومًا بحذف الياء والكسرة قبلَها دليل عليها، وأصل أهدكم أهديكم، لكن الفعل المضارع إذا وقع جوابًا للأمر فإنه يكون مجزومًا، قيل: إنه مجذوم به وقيل أنه مجذوم بشرط مُقَدَّر، والتقدير إن تتبعوني أهدكم، وهكذا يقال في كل ما جاء على هذا التركيب.
﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: طريقه، والهداية هنا هداية الدلالة؛ لأنه لا يمكن أن يُراد بها هداية التوفيق؛ إذ إن هداية التوفيق تكون بيد الله عز وجل؛ لقوله تبارك وتعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] أي: لا تهدي هداية التوفيق، فقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يعني: أدلكم على سبيل الرشاد، سبيل الرشاد ضد سبيل الغَيِّ، والرشاد هو حُسْن التصرف، والغي هو ارتكاب الخطأ عن عمد.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ لما رَغَّبَهُم في إتباعه زَهَّدَهُم في الدنيا، لأن أصل ضلال بني آدم هو الطمع في الدنيا، والتنافس إنما يكون عليها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا -أي مَنْ قبلنا- فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه ولفظه «...فأبشروا وأَمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم، كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» الحديث. ]] فهو لما طلب أن يتبعوه بَيَّن لهم حال الدنيا التي ينافسون فيها، والتي صَدُّوا عن سبيل الله بها، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، و﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ مبتدأ، و﴿مَتَاعٌ﴾ خبره، أي: ما هذه الدنيا إلا متاع يتمتع به الإنسان قليلًا ثم يزول؛ ولهذا يقول المؤلف في التفسير: (﴿مَتَاعٌ﴾ تمتع يزول).
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ﴿الْآخِرَةَ﴾ ما بعد الدنيا، ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل، و﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾.
واعلم أن ضمير الفصل ضمير لا محل له من الإعراب، لا يُعْرَب مبتدأ ولا خبرًا ولا أي شيء، لا محل له من الإعراب.
واعلم أيضًا أن له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التوكيد.
والفائدة الثانية: الحصر.
والفائدة الثالثة: تمييز الخبر من الصفة.
ويظهر هذا في المثال فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فـ(هو) ضمير فَصْلٍ استفدنا منه ثلاث فوائد:
أولًا التوكيد: حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا هو الفاضل، بل حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا فاضل.
ثم الحصر؛ لأنك قلت: زيد هو أي: لا غيره، زيد هو الفاضل.
الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فإنك لو قلت: زيد الفاضل، لاحتمل أن يكون الفاضل صفة لزيد وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قلت: هو الفاضل، تعيَّن أن تكون الفاضل خبرًا، فبذلك يَحْصُل التمييز بين الخبر وبين الصفة.
ذكرنا أنه لا مَحَلَّ له من الإعراب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] فهنا جاءت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبرًا لـ(كان)، ولو كان له محل من الإعراب لكانت: (إن كانوا هم الغالبون)، لكنه ليس له محل من الإعراب.
إذن ما هي دار القرار؟ هي الدار الآخرة، وأُكِّدَ ذلك بالإتيان بضمير الفصل.
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: دار المستقر، ولهذا «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ أَمَامَهُمْ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[أخرج البخاري (٦٥٤٨) ومسلم واللفظ له (٢٨٥٠ / ٤٣) بسنديهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار أُتِيَ بالموت حتى يُجْعَل بين الجنة والنار، ثم يُذْبَح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حُزْنًا إلى حزنهم»، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٥٥) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «..ينادي: يا أهل الجنة، فيشرئبون فينظرون، وينادي: يا أهل النار، فيشرئبون فينظرون، فيقال: هل تعرفون الموت؟ فيقولون: نعم، فيجاء بالموت في صورة كبشٍ أملح، فيقال: هذا الموت، فيُقَدَّم فيُذْبَح، قال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويقال: يا أهل النار، خلود لا موت» قال ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩].]] إذن هذا القرار، ما دام ليس فيه انتقال عن هذه الدار فهي دار القرار، طيب إذا كانت هي دار القرار والدنيا متاع، فما الأولى أن يعمل له؟ الآخرة؛ لأنها دار القرار، أما هذه فهي دار عبور دار متاع؛ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»[[أخرجه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]].
ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠] هذا كالبيان لحال الآخرة وكيف يُجَازَى الناس فيها، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿عَمِلَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ هذه جواب الشرط.
وقوله: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (مثل) مفعول ﴿يُجْزَى﴾ الثاني، والمفعول الأول هو نائب الفاعل المستتر.
يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ السيئة هي ما يسوء حالًا أو مآلًا، فما أصاب الإنسان مِنْ مَرَضٍ أو فقر أو عاهة أو ما أشبه ذلك، هذا سوء لكنه في الحال، وما أصاب الإنسان من عقوبة على أعماله فهذا سوء ولكنه في المآل، وقد يكون في الحال قد يُعاجَل الإنسان بالعقوبة، فالسيئة كل ما يسوء حالًا أو مآلًا.
﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ السيئة بواحدة مهما كانت حتى وإن كان الإنسان في مكة أو في المدينة أو في المسجد أو في أي مكان، أو في أي زمان أيضًا، حتى ولو كان في الأشهر الحرم التي نَصَّ الله تعالى عن النهي عن الظلم فيها، فقال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فإن السيئة لا تزاد، ولكن اعلموا أنها قد تكون أشدَّ من حيث الكيفية لا من حيث الكمية؛ كيف الكيفية؟ يعني أننا نرى أن ضربة واحدة قد تكون أشد على الإنسان من عَشْرِ ضربات لشدتها وشدة وقعها؛ ولهذا قال الله تعالى في الحرم المكي: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].
وبهذا التقرير الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة تَبَيَّن أن ما يُذْكَر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خرج من مكة وقال: لا أبقى في بلد سيئاته وحسناته سواء؛ فإن هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يلتبس عليه هذا الأمر، مع أن الله قال في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠].
قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [غافر ٤٠] ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، و﴿صَالِحًا﴾ يجوز أن نعربها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل صالح، ويجوز أن نجعلها مفعولًا مطلقًا؛ لأن وَصْفَ المصدر المحذوف يصح أن يقع الإعراب عليه على أنه مفعول مطلق أو على أنه صفة لموصوف محذوف، والتقدير (عملًا صالحًا).
فما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح ما توافرت فيه شروط القَبول، وذلك بأن يكون خالصًا لله على شريعة منه؛ يعني: يجمع بين أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسله عليهم الصلاة والسلام. هذا العمل الصالح؛ إذن هو ما توافرت فيه شروط القَبول وهما الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة لرسل الله سواء محمد أو غيره، لكن من المعلوم أنه بعد بعثة محمد ﷺ لا يصلح اتباع غيره.
إذا فُقِدَ الإخلاص فليس العمل صالحًا بل هو مردود على صاحبه؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وإذا فُقِدَت المتابعة لم يكن العمل صالحًا وكان مردودًا لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيان لـ ﴿مَنْ﴾، فمن هنا بيانية، كيف نقول بيان لـ ﴿مَنْ﴾؟ لأن ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، واسم الموصول الأصل فيه الإبهام، فإذا وُجِدَ بعده بيانٌ فإنه يكون مبينًا لإبهامه.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هذا الشرط؛ لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعُه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]، فغيرُ المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومَدَّ أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟ لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملُهم لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمنْ ثم اعملْ.
لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]. فغير المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومد أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟
لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملهم؛ لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمِن ثُمَّ اعملْ، أما العمل بدون إيمان، نسأل الله ألا يخلع عنا وعنكم الإيمان، العمل بدون إيمان هباء، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لا بد من الإيمان أولًا، ثم إذا آمن اعمل، وإذا عملت فأخلص واتبع.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر ٤٠] جملة ﴿فَأُولَئِكَ﴾ جواب الشرط، أي شرط هو؟ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [غافر ٤٠].
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وهنا قال: (أولئك) باسم الإشارة الموضوعِ للبعيد إشارةً إلى علو مرتبتهم؛ كأنك تشير إليهم وهم فوق.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ قال: (بضم الياء وفتح الخاء (يُدْخَلُونَ) وبالعكس)، ما العكس؟ ﴿يَدْخُلُونَ﴾ فيجوز ﴿يُدْخَلُونَ﴾ أي يدخلهم الله، ويجوز ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: هم بأنفسهم لكن بإذن الله. ومن المعلوم أن أهل الجنة لا يدخلون الجنة إلا بعد الشفاعة، بعد شفاعة محمد ﷺ في فتح الجنة؛ لأنهم يصلون إليها وبابها مغلق، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يفتح لهم الباب، فيشفع النبي ﷺ وحده في أن يُفتح لهم الباب فيُفتح.
﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠] ﴿يُرْزَقُونَ﴾: الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم، فمعنى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ إذا يعطون.
وقوله: (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير تبعة) يعني لا يحاسبون عليه، ولا ينقدون له ثمنًا، في الدنيا لا تملك رزقًا إلا بثمن، لكن في الآخرة تُعطى الرزق بغير ثمن، وبغير تبعة، لا تحاسب عليه، لماذا؟ لأن الثمن كان مقدمًا، سلمًا، تعرفون السَّلَم؟ نقد الثمن، وتأخير الْمُثْمَن، فهنا الثمن مُقدَّم، الثمن كان في الدنيا حين عملوا بطاعة الله فكان هذا هو العِوَض، فالقوم قد أسلموا في هذا المبيع، وقدموا ثمنه، ولهذا قال: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
* في هذه الآيات الثلاث فوائد:
* أولًا: تلطف هذا الداعي، هذا الرجل المؤمن الذي يدعو إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ فإن هذا لا شك من أساليب التلطف.
* ومن فوائد هذه الآية؛ وهي الآية الأولى: قوة جأش هذا المؤمن، حيث كان رجلًا واحدًا يقول لهؤلاء الجماعة: اتبعوني، وهذا -كما قلنا في التفسير- فعل أمر.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للداعية إذا دعا إلى شيء أن يُبين ما يكون به ترغيب المدعو حتى ينشط ويفعل؛ لقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى كذب فرعون حين قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩]، ففرق بين قول فرعون وبين قول هذا المؤمن؛ قول فرعون كذب، وقول هذا الرجل حق لا شك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السبل تختلف، سبل ضلال، وسبل غي، وسبل رشاد، فالسبيل الموصِل إلى الله هذا سبيل رشاد، والسُّبل المتفرقة هذه سبل ضلال، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام ١٥٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال الدنيا، وأنها متاع يتمتع بها الإنسان، ثم تزول، إما بزوال هذا التمتع، وإما بزوال المتمتِّع؛ ولهذا انظر مصارع الدنيا، هل فيها أحد خُلِّد؟ وهل فيها أحد خُلِّد له ما بين يديه؟ كل ذلك لم يكن، فالدنيا إما زائلة، وإما أن يُزال عنها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انحصار الدنيا في هذه الكلمة القليلة وهي متاع، كل الدنيا متاع لا تتحمل أكثر من ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستعداد والرغبة في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]، فإذا اجتمع هذا إلى ما قبله صار متضمنًا لفائدتين، وهما: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر ٤٠] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن عمل السيئة لا يزداد إثمًا على قدر السيئة؛ لقوله هنا: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر ٤٠].
* ومن فوائد الآية: أنه في مقام التهديد ينبغي أن يُبدأ بما يدل على التهديد قبل أن يُبدأ بما يدل على الترغيب؛ لأنه هنا بدأ بالسيئة، ثم أعقب بالصالح، وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى في مقام ذكر الأحكام الشرعية، قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].
ولما أراد جل وعلا أن يتحدث عن نفسه ويبين كمال صفاته قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، فلكل مقام مقال، فالإنسان ينبغي له أن يرتب المعاني حسب ما تقتضيه الحال، لا يُلقي الحديث على عواهنه، وفضل الله يؤتيه من يشاء، قد يُريد الإنسان هذا الشيء، ويريد أن يُرتِّب كلامه، وأن يبنيه على ما تقتضيه الحال، ولكن يخونه التعبير، إلا أن الإنسان إذا استعان بالله سبحانه وتعالى واعتمد عليه يَسَّرَ الله له الأمر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يُقبل العمل إلا إذا كان صالِحًا ولا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحًا.
وذكرنا أن الصالح ما اجتمع فيه شروط القبول، وهما: الإخلاص والمتابعة. بفقد الإخلاص يكون الإنسان مشركًا، وبفقد المتابعة يكون الإنسان مبتدعًا؛ ولهذا لا يُقبل العمل إلا الخالص الموافق للشرع.
ففي فقد الإخلاص يقع الإنسان في الشرك، وبفقد المتابعة يقع الإنسان في البدعة؛ أيهما أشد؟ الأول، وقد يكون الثاني حسب المخالفة، لكن الشرك من حيث هو أعظم من البدعة، وقيل: إن البدعة أشد وأعظم؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]. والآية بالتدريج من الأدنى إلى الأعلى، وصاحب البدعة يضر نفسه ويضر غيره؛ لأنه يكون إمامًا يدعو إلى مخالفة الرسل، والذي يظهر أن الشرك من حيث هو شرك أعظم، لكن قد يكون المترتب على البدعة أشد من المترتب على الشرك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذكور والإناث مشتركون في الثواب والعقاب؛ بمعنى أن الله لا يُعاقِب الأنثى أكثر من عقوبة الرجل، ولا الرجل أكثر من عقوبة الأنثى، وكذلك لا يجزي الرجل أكثر من جزاء الأنثى، ولا الأنثى أكثر من جزاء الرجل؛ لقوله في هذه الآية: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران ١٩٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمل الصالح لا ينفع إلا مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. والجملة كما تعرفونها أيها المعربون، الجملة في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه مؤمن.
وبناءً على هذا نسأل: هل عمل المنافق ينفعه؟ لا، لفقد الإيمان، هو غير مؤمن.
وهل الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره أو هو إيمان وراء ذلك كله؟ الجواب الثاني، من جملة الإيمان الذي يجب أن تكون الأعمال الصالحة مبنية عليه أن تُؤمن بالثواب على العمل؛ ولهذا إذا عمِل الإنسان العمل الصالح وهو يرجو هذا الثواب لا شك أنه سيزداد رغبةً في العمل، وسيزداد إحسانًا للعمل؛ لأنه يعرف أن السلعة على قدر الثمن، فإذا كنت تعمل وأنت تشعر بأنك ستُجازى على هذا العمل مجازاةً تامة، فسوف تحسن العمل لأجل أن يحسن لك الثواب والجزاء، وهذه مسألة مهمة يغفل عنها الإنسان كثيرًا عن كونه ينوي بذلك الثواب الذي أعده الله لعامل هذا العمل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رزق الجنة ليس فيه حساب؛ يعني أنه لا يُطلب من الإنسان عِوَض، ولا يلحقه تبعة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠].
ثم قال هذا الرجل الذي آمن: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١] هذا استفهام تعجب وإنكار، كأنه يقول: عجبًا لكم، أدعوكم إلى الجنة، وتدعونني إلى النار، وهذا والله محل العجب؛ أن تدعو رجلًا إلى الجنة وهو يدعوك إلى النار، فتأتي إلى رجل تقول: يا فلان، اترك شُرْب الخمر؛ شُرْب الخمر حرام، ولا يجوز، من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة، هي أم الخبائث، مفتاح كل شر، فيقول لك: يا ولد لذة وطرب وأنس وسرور، اشرب فأنت تشوف إذا شربت كأنك ملك الملوك، ثم يرغبه، ثم يقول له أيضًا يُمنِّيه، يقول: اشرب، وإذا شربت وحصلت لك اللذة والطرب فاستغفر الله، الباب مفتوح؛ أيهم الأحق بالإجابة، الأول ولَّا الثاني؟ طبعًا الأول، هذا يقول: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. وهذا استفهام –كما قلت لكم- تعجب وإنكار، وهو محل للتعجب ومحل للإنكار أيضًا.
* الطالب: (...) هل الإرادة بالمعصية يأثم بها الإنسان؟
* الشيخ: الإرادة -بارك الله فيك- نوعان: إرادة يلحقها هم، وإرادة مجرد خاطر، فهذه الثانية لا يأثم بها الإنسان، لا في مكة ولا في غيرها، والثاني: إرادة يلحقها هم، هذه يأثم بها الإنسان.
* الطالب: في الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]؟
* الشيخ: نعم، عذاب أليم؛ لأن الحرم ليس كغيره، فإذا كان الهم بالإلحاد المقرون بالظلم يُذقه الله من عذاب أليم، فما بالك بالفعل؟ يكون أشد.
* الطالب: قول الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] سبب الجر؟
* الشيخ: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ هذه على أنها عطف بيان، من هو العزيز الحميد؟ الله، فبيَّن، قوله: ﴿اللَّهِ﴾ بالكسر بيان لـ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
* الطالب: ينبني عليها شيء لو قلنا صفة؟
* الشيخ: هو العادة أن لفظ الجلالة هي التي توصف؛ لأنها العلم الْمُعيِّن لمسماه تعيينًا لا اشتباه فيه؛ ولهذا قال النحويون: إنه أعرف المعارف، وإنه أعرف حتى من الضمير، وإذا كان أعرف فإنه لا يكون صفة، بدل أو عطف بيان، وعطف البيان يقول ابن مالك:
وَصَــــــالحًا لِبَــــدَلِيَّةٍ يُـــــــرَى ∗∗∗ فِي غَيْرِ نَحْوِ (يَا غُلَامُ يَعْمُرَا)؎وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْرِيِّ ∗∗∗ وَلَـــــيْسَ أَنْ يُبْدَلَبِالْــــــمَرْضِيِّ
كل عطف بيان فهو صالح أن يكون بدلًا إلا في هاتين المسألتين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأنه قد يُراد بالإلحاد هنا إلحاد بظلم إن نوى الكبيرة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هو ضمير الفصل، أما الضمائر المنفصلة الأخرى فالأصل أن لها محلًّا من الإعراب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا -سلَّمَك الله- بعد أن يستقر أهل الجنة في الجنة، بعد أن يخلص كل شيء؛ يعني أهل الجنة ما يخرجون منها، وأهل النار ما يخرجون منها، يعني بعد أن يستقر كل شيء.
غافر 40:39
الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر ٣٨ - ٤٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨] في أول هذه الآيات يقول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨] وهنا وما قبلها يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ﴾ تحقيقًا لإيمانه وأنه مؤمن حقًّا.
﴿قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ﴿يَا قَوْمِ﴾: سبق الكلام على إعرابها، وبينَّا أنها منادى منصوبة مُقَدَّرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة.
وقوله: (﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ﴾ بإثبات الياء وحذفها ﴿أَهْدِكُمْ﴾ ) يعني أنها قراءتان: اتبعوني واتبعون، أما على وجود الياء فالأمر ظاهر؛ لأنها ياء المتكلم، وأما على حذفها فهي محذوفة للتخفيف.
وقوله: ﴿اتَّبِعُونِ﴾ فعل أمر، و﴿أَهْدِكُمْ﴾ جواب فعل الأمر؛ ولهذا وقع مجذومًا بحذف الياء والكسرة قبلَها دليل عليها، وأصل أهدكم أهديكم، لكن الفعل المضارع إذا وقع جوابًا للأمر فإنه يكون مجزومًا، قيل: إنه مجذوم به وقيل أنه مجذوم بشرط مُقَدَّر، والتقدير إن تتبعوني أهدكم، وهكذا يقال في كل ما جاء على هذا التركيب.
﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: طريقه، والهداية هنا هداية الدلالة؛ لأنه لا يمكن أن يُراد بها هداية التوفيق؛ إذ إن هداية التوفيق تكون بيد الله عز وجل؛ لقوله تبارك وتعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] أي: لا تهدي هداية التوفيق، فقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ يعني: أدلكم على سبيل الرشاد، سبيل الرشاد ضد سبيل الغَيِّ، والرشاد هو حُسْن التصرف، والغي هو ارتكاب الخطأ عن عمد.
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ لما رَغَّبَهُم في إتباعه زَهَّدَهُم في الدنيا، لأن أصل ضلال بني آدم هو الطمع في الدنيا، والتنافس إنما يكون عليها؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْشَى أَنْ تُفْتَحَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا -أي مَنْ قبلنا- فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٨) ومسلم (٢٩٦١ / ٦) من حديث عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه ولفظه «...فأبشروا وأَمِّلوا ما يسرُّكم، فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم، كما بُسِطَت على مَنْ كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» الحديث. ]] فهو لما طلب أن يتبعوه بَيَّن لهم حال الدنيا التي ينافسون فيها، والتي صَدُّوا عن سبيل الله بها، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، و﴿هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ مبتدأ، و﴿مَتَاعٌ﴾ خبره، أي: ما هذه الدنيا إلا متاع يتمتع به الإنسان قليلًا ثم يزول؛ ولهذا يقول المؤلف في التفسير: (﴿مَتَاعٌ﴾ تمتع يزول).
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ ﴿الْآخِرَةَ﴾ ما بعد الدنيا، ﴿هِيَ﴾ ضمير فصل، و﴿دَارُ الْقَرَارِ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾.
واعلم أن ضمير الفصل ضمير لا محل له من الإعراب، لا يُعْرَب مبتدأ ولا خبرًا ولا أي شيء، لا محل له من الإعراب.
واعلم أيضًا أن له ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: التوكيد.
والفائدة الثانية: الحصر.
والفائدة الثالثة: تمييز الخبر من الصفة.
ويظهر هذا في المثال فإذا قلت: زيد هو الفاضل، فـ(هو) ضمير فَصْلٍ استفدنا منه ثلاث فوائد:
أولًا التوكيد: حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا هو الفاضل، بل حيث أَكَّدْنَا أن زيدًا فاضل.
ثم الحصر؛ لأنك قلت: زيد هو أي: لا غيره، زيد هو الفاضل.
الفائدة الثالثة: التمييز بين الصفة والخبر، فإنك لو قلت: زيد الفاضل، لاحتمل أن يكون الفاضل صفة لزيد وأن الخبر لم يأت بعد، فإذا قلت: هو الفاضل، تعيَّن أن تكون الفاضل خبرًا، فبذلك يَحْصُل التمييز بين الخبر وبين الصفة.
ذكرنا أنه لا مَحَلَّ له من الإعراب، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] فهنا جاءت ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبرًا لـ(كان)، ولو كان له محل من الإعراب لكانت: (إن كانوا هم الغالبون)، لكنه ليس له محل من الإعراب.
إذن ما هي دار القرار؟ هي الدار الآخرة، وأُكِّدَ ذلك بالإتيان بضمير الفصل.
﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ أي: دار المستقر، ولهذا «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ عَلَى صُورَةِ كَبْشٍ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَطَّلِعُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ أَمَامَهُمْ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتٌ»[[أخرج البخاري (٦٥٤٨) ومسلم واللفظ له (٢٨٥٠ / ٤٣) بسنديهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن أباه حدثه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وصار أهل النار إلى النار أُتِيَ بالموت حتى يُجْعَل بين الجنة والنار، ثم يُذْبَح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة، لا موت، ويا أهل النار، لا موت. فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حُزْنًا إلى حزنهم»، وأخرجه النسائي في الكبرى (١١٢٥٥) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «..ينادي: يا أهل الجنة، فيشرئبون فينظرون، وينادي: يا أهل النار، فيشرئبون فينظرون، فيقال: هل تعرفون الموت؟ فيقولون: نعم، فيجاء بالموت في صورة كبشٍ أملح، فيقال: هذا الموت، فيُقَدَّم فيُذْبَح، قال: يا أهل الجنة، خلود ولا موت، ويقال: يا أهل النار، خلود لا موت» قال ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩].]] إذن هذا القرار، ما دام ليس فيه انتقال عن هذه الدار فهي دار القرار، طيب إذا كانت هي دار القرار والدنيا متاع، فما الأولى أن يعمل له؟ الآخرة؛ لأنها دار القرار، أما هذه فهي دار عبور دار متاع؛ «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»[[أخرجه البخاري (٦٤١٦) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]].
ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠] هذا كالبيان لحال الآخرة وكيف يُجَازَى الناس فيها، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ﴿مَنْ﴾ شرطية، و﴿عَمِلَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ هذه جواب الشرط.
وقوله: ﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (مثل) مفعول ﴿يُجْزَى﴾ الثاني، والمفعول الأول هو نائب الفاعل المستتر.
يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ السيئة هي ما يسوء حالًا أو مآلًا، فما أصاب الإنسان مِنْ مَرَضٍ أو فقر أو عاهة أو ما أشبه ذلك، هذا سوء لكنه في الحال، وما أصاب الإنسان من عقوبة على أعماله فهذا سوء ولكنه في المآل، وقد يكون في الحال قد يُعاجَل الإنسان بالعقوبة، فالسيئة كل ما يسوء حالًا أو مآلًا.
﴿فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ السيئة بواحدة مهما كانت حتى وإن كان الإنسان في مكة أو في المدينة أو في المسجد أو في أي مكان، أو في أي زمان أيضًا، حتى ولو كان في الأشهر الحرم التي نَصَّ الله تعالى عن النهي عن الظلم فيها، فقال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦] فإن السيئة لا تزاد، ولكن اعلموا أنها قد تكون أشدَّ من حيث الكيفية لا من حيث الكمية؛ كيف الكيفية؟ يعني أننا نرى أن ضربة واحدة قد تكون أشد على الإنسان من عَشْرِ ضربات لشدتها وشدة وقعها؛ ولهذا قال الله تعالى في الحرم المكي: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥].
وبهذا التقرير الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة تَبَيَّن أن ما يُذْكَر عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خرج من مكة وقال: لا أبقى في بلد سيئاته وحسناته سواء؛ فإن هذا لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وابن عباس أفقه وأعلم من أن يلتبس عليه هذا الأمر، مع أن الله قال في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠].
قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [غافر ٤٠] ﴿مَنْ﴾ هذه شرطية، و﴿صَالِحًا﴾ يجوز أن نعربها صفة لموصوف محذوف، والتقدير: عمل صالح، ويجوز أن نجعلها مفعولًا مطلقًا؛ لأن وَصْفَ المصدر المحذوف يصح أن يقع الإعراب عليه على أنه مفعول مطلق أو على أنه صفة لموصوف محذوف، والتقدير (عملًا صالحًا).
فما هو العمل الصالح؟ العمل الصالح ما توافرت فيه شروط القَبول، وذلك بأن يكون خالصًا لله على شريعة منه؛ يعني: يجمع بين أمرين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسله عليهم الصلاة والسلام. هذا العمل الصالح؛ إذن هو ما توافرت فيه شروط القَبول وهما الإخلاص لله عز وجل، والثاني المتابعة لرسل الله سواء محمد أو غيره، لكن من المعلوم أنه بعد بعثة محمد ﷺ لا يصلح اتباع غيره.
إذا فُقِدَ الإخلاص فليس العمل صالحًا بل هو مردود على صاحبه؛ لقوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وإذا فُقِدَت المتابعة لم يكن العمل صالحًا وكان مردودًا لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].
وقوله: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ بيان لـ ﴿مَنْ﴾، فمن هنا بيانية، كيف نقول بيان لـ ﴿مَنْ﴾؟ لأن ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، واسم الموصول الأصل فيه الإبهام، فإذا وُجِدَ بعده بيانٌ فإنه يكون مبينًا لإبهامه.
﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ هذا الشرط؛ لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعُه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]، فغيرُ المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومَدَّ أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟ لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملُهم لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمنْ ثم اعملْ.
لا بد أن يكون مؤمنًا، فإن لم يكن مؤمنًا فإن عمله الصالح لا ينفعه، حتى وإن كان العمل مما يتعدى نفعه فإنه لا ينفعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٥٤]. فغير المؤمن لا ينفعه عمله، لو أن رجلًا كافرًا أصلح الطرق، ومد أنابيب الماء يسقي الناس، وبنى المساجد، وطَبَع الكتب، وكسا العريان، وأطعم الجائع، فهل هذا ينفعه؟
لا؛ ولهذا لا ينفع المنافقين عملهم؛ لأنهم ليسوا مؤمنين، وبه نعرف أن الإيمان هو الأصل، آمِن ثُمَّ اعملْ، أما العمل بدون إيمان، نسأل الله ألا يخلع عنا وعنكم الإيمان، العمل بدون إيمان هباء، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لا بد من الإيمان أولًا، ثم إذا آمن اعمل، وإذا عملت فأخلص واتبع.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر ٤٠] جملة ﴿فَأُولَئِكَ﴾ جواب الشرط، أي شرط هو؟ ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [غافر ٤٠].
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ وهنا قال: (أولئك) باسم الإشارة الموضوعِ للبعيد إشارةً إلى علو مرتبتهم؛ كأنك تشير إليهم وهم فوق.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ قال: (بضم الياء وفتح الخاء (يُدْخَلُونَ) وبالعكس)، ما العكس؟ ﴿يَدْخُلُونَ﴾ فيجوز ﴿يُدْخَلُونَ﴾ أي يدخلهم الله، ويجوز ﴿يَدْخُلُونَ﴾ أي: هم بأنفسهم لكن بإذن الله. ومن المعلوم أن أهل الجنة لا يدخلون الجنة إلا بعد الشفاعة، بعد شفاعة محمد ﷺ في فتح الجنة؛ لأنهم يصلون إليها وبابها مغلق، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله عز وجل أن يفتح لهم الباب، فيشفع النبي ﷺ وحده في أن يُفتح لهم الباب فيُفتح.
﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠] ﴿يُرْزَقُونَ﴾: الرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم، فمعنى ﴿يُرْزَقُونَ﴾ إذا يعطون.
وقوله: (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي بغير تبعة) يعني لا يحاسبون عليه، ولا ينقدون له ثمنًا، في الدنيا لا تملك رزقًا إلا بثمن، لكن في الآخرة تُعطى الرزق بغير ثمن، وبغير تبعة، لا تحاسب عليه، لماذا؟ لأن الثمن كان مقدمًا، سلمًا، تعرفون السَّلَم؟ نقد الثمن، وتأخير الْمُثْمَن، فهنا الثمن مُقدَّم، الثمن كان في الدنيا حين عملوا بطاعة الله فكان هذا هو العِوَض، فالقوم قد أسلموا في هذا المبيع، وقدموا ثمنه، ولهذا قال: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
* في هذه الآيات الثلاث فوائد:
* أولًا: تلطف هذا الداعي، هذا الرجل المؤمن الذي يدعو إلى الله؛ لقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ فإن هذا لا شك من أساليب التلطف.
* ومن فوائد هذه الآية؛ وهي الآية الأولى: قوة جأش هذا المؤمن، حيث كان رجلًا واحدًا يقول لهؤلاء الجماعة: اتبعوني، وهذا -كما قلنا في التفسير- فعل أمر.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للداعية إذا دعا إلى شيء أن يُبين ما يكون به ترغيب المدعو حتى ينشط ويفعل؛ لقوله: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٣٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى كذب فرعون حين قال لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر ٢٩]، ففرق بين قول فرعون وبين قول هذا المؤمن؛ قول فرعون كذب، وقول هذا الرجل حق لا شك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السبل تختلف، سبل ضلال، وسبل غي، وسبل رشاد، فالسبيل الموصِل إلى الله هذا سبيل رشاد، والسُّبل المتفرقة هذه سبل ضلال، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام ١٥٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال الدنيا، وأنها متاع يتمتع بها الإنسان، ثم تزول، إما بزوال هذا التمتع، وإما بزوال المتمتِّع؛ ولهذا انظر مصارع الدنيا، هل فيها أحد خُلِّد؟ وهل فيها أحد خُلِّد له ما بين يديه؟ كل ذلك لم يكن، فالدنيا إما زائلة، وإما أن يُزال عنها، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انحصار الدنيا في هذه الكلمة القليلة وهي متاع، كل الدنيا متاع لا تتحمل أكثر من ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الاستعداد والرغبة في الآخرة؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر ٣٩]، فإذا اجتمع هذا إلى ما قبله صار متضمنًا لفائدتين، وهما: الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة.
ثم قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر ٤٠] إلى آخره.
* فيها من الفوائد: أن عمل السيئة لا يزداد إثمًا على قدر السيئة؛ لقوله هنا: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [غافر ٤٠].
* ومن فوائد الآية: أنه في مقام التهديد ينبغي أن يُبدأ بما يدل على التهديد قبل أن يُبدأ بما يدل على الترغيب؛ لأنه هنا بدأ بالسيئة، ثم أعقب بالصالح، وانظر إلى قول الله تبارك وتعالى في مقام ذكر الأحكام الشرعية، قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨].
ولما أراد جل وعلا أن يتحدث عن نفسه ويبين كمال صفاته قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، فلكل مقام مقال، فالإنسان ينبغي له أن يرتب المعاني حسب ما تقتضيه الحال، لا يُلقي الحديث على عواهنه، وفضل الله يؤتيه من يشاء، قد يُريد الإنسان هذا الشيء، ويريد أن يُرتِّب كلامه، وأن يبنيه على ما تقتضيه الحال، ولكن يخونه التعبير، إلا أن الإنسان إذا استعان بالله سبحانه وتعالى واعتمد عليه يَسَّرَ الله له الأمر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يُقبل العمل إلا إذا كان صالِحًا ولا ينفع صاحبه إلا إذا كان صالحًا.
وذكرنا أن الصالح ما اجتمع فيه شروط القبول، وهما: الإخلاص والمتابعة. بفقد الإخلاص يكون الإنسان مشركًا، وبفقد المتابعة يكون الإنسان مبتدعًا؛ ولهذا لا يُقبل العمل إلا الخالص الموافق للشرع.
ففي فقد الإخلاص يقع الإنسان في الشرك، وبفقد المتابعة يقع الإنسان في البدعة؛ أيهما أشد؟ الأول، وقد يكون الثاني حسب المخالفة، لكن الشرك من حيث هو أعظم من البدعة، وقيل: إن البدعة أشد وأعظم؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]. والآية بالتدريج من الأدنى إلى الأعلى، وصاحب البدعة يضر نفسه ويضر غيره؛ لأنه يكون إمامًا يدعو إلى مخالفة الرسل، والذي يظهر أن الشرك من حيث هو شرك أعظم، لكن قد يكون المترتب على البدعة أشد من المترتب على الشرك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذكور والإناث مشتركون في الثواب والعقاب؛ بمعنى أن الله لا يُعاقِب الأنثى أكثر من عقوبة الرجل، ولا الرجل أكثر من عقوبة الأنثى، وكذلك لا يجزي الرجل أكثر من جزاء الأنثى، ولا الأنثى أكثر من جزاء الرجل؛ لقوله في هذه الآية: ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران ١٩٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن العمل الصالح لا ينفع إلا مبنيًّا على الإيمان؛ لقوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. والجملة كما تعرفونها أيها المعربون، الجملة في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه مؤمن.
وبناءً على هذا نسأل: هل عمل المنافق ينفعه؟ لا، لفقد الإيمان، هو غير مؤمن.
وهل الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره أو هو إيمان وراء ذلك كله؟ الجواب الثاني، من جملة الإيمان الذي يجب أن تكون الأعمال الصالحة مبنية عليه أن تُؤمن بالثواب على العمل؛ ولهذا إذا عمِل الإنسان العمل الصالح وهو يرجو هذا الثواب لا شك أنه سيزداد رغبةً في العمل، وسيزداد إحسانًا للعمل؛ لأنه يعرف أن السلعة على قدر الثمن، فإذا كنت تعمل وأنت تشعر بأنك ستُجازى على هذا العمل مجازاةً تامة، فسوف تحسن العمل لأجل أن يحسن لك الثواب والجزاء، وهذه مسألة مهمة يغفل عنها الإنسان كثيرًا عن كونه ينوي بذلك الثواب الذي أعده الله لعامل هذا العمل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن رزق الجنة ليس فيه حساب؛ يعني أنه لا يُطلب من الإنسان عِوَض، ولا يلحقه تبعة؛ لقوله: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر ٤٠].
ثم قال هذا الرجل الذي آمن: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر ٤١] هذا استفهام تعجب وإنكار، كأنه يقول: عجبًا لكم، أدعوكم إلى الجنة، وتدعونني إلى النار، وهذا والله محل العجب؛ أن تدعو رجلًا إلى الجنة وهو يدعوك إلى النار، فتأتي إلى رجل تقول: يا فلان، اترك شُرْب الخمر؛ شُرْب الخمر حرام، ولا يجوز، من شربه في الدنيا لم يشربه في الآخرة، هي أم الخبائث، مفتاح كل شر، فيقول لك: يا ولد لذة وطرب وأنس وسرور، اشرب فأنت تشوف إذا شربت كأنك ملك الملوك، ثم يرغبه، ثم يقول له أيضًا يُمنِّيه، يقول: اشرب، وإذا شربت وحصلت لك اللذة والطرب فاستغفر الله، الباب مفتوح؛ أيهم الأحق بالإجابة، الأول ولَّا الثاني؟ طبعًا الأول، هذا يقول: ﴿مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾. وهذا استفهام –كما قلت لكم- تعجب وإنكار، وهو محل للتعجب ومحل للإنكار أيضًا.
* الطالب: (...) هل الإرادة بالمعصية يأثم بها الإنسان؟
* الشيخ: الإرادة -بارك الله فيك- نوعان: إرادة يلحقها هم، وإرادة مجرد خاطر، فهذه الثانية لا يأثم بها الإنسان، لا في مكة ولا في غيرها، والثاني: إرادة يلحقها هم، هذه يأثم بها الإنسان.
* الطالب: في الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج ٢٥]؟
* الشيخ: نعم، عذاب أليم؛ لأن الحرم ليس كغيره، فإذا كان الهم بالإلحاد المقرون بالظلم يُذقه الله من عذاب أليم، فما بالك بالفعل؟ يكون أشد.
* الطالب: قول الله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١، ٢] سبب الجر؟
* الشيخ: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ هذه على أنها عطف بيان، من هو العزيز الحميد؟ الله، فبيَّن، قوله: ﴿اللَّهِ﴾ بالكسر بيان لـ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
* الطالب: ينبني عليها شيء لو قلنا صفة؟
* الشيخ: هو العادة أن لفظ الجلالة هي التي توصف؛ لأنها العلم الْمُعيِّن لمسماه تعيينًا لا اشتباه فيه؛ ولهذا قال النحويون: إنه أعرف المعارف، وإنه أعرف حتى من الضمير، وإذا كان أعرف فإنه لا يكون صفة، بدل أو عطف بيان، وعطف البيان يقول ابن مالك:
وَصَــــــالحًا لِبَــــدَلِيَّةٍ يُـــــــرَى ∗∗∗ فِي غَيْرِ نَحْوِ (يَا غُلَامُ يَعْمُرَا)؎وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْرِيِّ ∗∗∗ وَلَـــــيْسَ أَنْ يُبْدَلَبِالْــــــمَرْضِيِّ
كل عطف بيان فهو صالح أن يكون بدلًا إلا في هاتين المسألتين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ لأنه قد يُراد بالإلحاد هنا إلحاد بظلم إن نوى الكبيرة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هو ضمير الفصل، أما الضمائر المنفصلة الأخرى فالأصل أن لها محلًّا من الإعراب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا -سلَّمَك الله- بعد أن يستقر أهل الجنة في الجنة، بعد أن يخلص كل شيء؛ يعني أهل الجنة ما يخرجون منها، وأهل النار ما يخرجون منها، يعني بعد أن يستقر كل شيء.