Tafsir Ibn Uthaymeen — فصلت 41:50 – الشورى 42:18
المحتويات
فصلت 41:50
ثم قال عز وجل: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾. قوله: ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ أي: لا يمل، بل لا يزال يسأل. و﴿الْإِنْسَانُ﴾ هنا يحتمل أن يكون المراد به الكافر، ويحتمل أن يُراد به الجنس؛ أي: جنس الإنسان سواء كان مؤمنًا أم كافرًا، ثم تُنزَّل الأحوال على ما يليق بها.
﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ﴿دُعَاءِ﴾ مضاف، و﴿الْخَيْرِ﴾ مضاف إليه. من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، وهو أيضًا -أعني الخير- مفعول لـ﴿دُعَاءِ﴾، والمدعو هو الله عز وجل، فعندنا: داعٍ، ومدعو، ومدعو به؛ أي: مطلوب، فالداعي الإنسان، والمدعو الله، والمدعُوُّ به الخير.
وقال المؤلف: (أي لا يزال يسأل ربه المال والصحة وغيرهما) من البنين، والزوجات، والجاه، والشرف، وغير ذلك مما يدعوه الإنسان رغبةً به.
﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ (الفقر والشدة) وتخصيص الشر بالفقر والشدة ليس على سبيل الحصر بل هو على سبيل المثال؛ لأنه يشمل الفقر والشدة، وفقْد الأولاد، وفقد الجاه والإيذاء من الخلق، وأشياء كثيرة، فتخصيص المؤلف ذلك بالفقر والشدة من باب التمثيل.
﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت ٤٩] الفاء رابطة للجواب، وهو (إن)، و(يئوس) خبر لمبتدأ محذوف، (يئوس) خبر المبتدأ أي: فهو: يئوس قنوط. قال المؤلف: (من رحمة الله تعالى وهذا وما بعده بالكافرين). (يئوس) قنوط.
هل هناك فرق بين اليأس والقنوط؟
الجواب: نعم، اليأس هو زوال الرجاء بحيث ينقطع رجاء الإنسان، والقنوط أشد اليأس. وعلى هذا فيكون قوله: (يئوس) هذا ابتداء القنوط. ﴿قَنُوطٌ﴾ هذا نهايته.
وقوله: ﴿يَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾، أعربنا (يئوس) خبر المبتدأ محذوف، فماذا نعرب ﴿قَنُوطٌ﴾؟ نعربه على أنه خبر ثانٍ، وتعدد الأخبار جائز واقع في اللغة العربية، وواقع في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٤ - ١٦]، كل هذه أخبار متعددة، ولا يصح أن يكون الثاني وصفًا للأول؛ لأنها كلها تعود على موصوف واحد، وعليه فنقول: ﴿قَنُوطٌ﴾ خبر ثانٍ للمبتدأ المحذوف، ولا يصح أن يكون نعتًا لـ(يئوس)؛ لأن (يئوس) نفسها نعت.
قال المؤلف رحمه الله: (وهذا وما بعده في الكافرين) هذا المشار إليه اليأس والقنوط (وما بعده) سيذكره (في الكافرين)، وإنما قال المؤلف ذلك؛ لأن المؤمن لا ييئس ولا يقنط، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦]، فلا يمكن للمؤمن أن ييئس، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكافرين.
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ [فصلت ٥٠] (آتيناه). قوله: ﴿وَلَئِنْ﴾ يقول: (لام قسم) يعني اللام، وإن شرطية ﴿أَذَقْنَاه﴾ (آتيناه) ﴿رَحْمَةً﴾ (غنًى وصحةً) ﴿مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ ﴿مِنَّا﴾ أي: من الله عز وجل. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ (شدة وبلاء) ﴿مَسَّتْهُ﴾ يعني أصابته ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ (أي بعملي).
انظر إلى حال هذا، فنبدأ أولًا بالإعراب؛ لأن فيه شيئًا من الإشكال وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ إلى قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾، ففي الجملة الأولى: ﴿لَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ حرف شرط، والشرط يحتاج إلى جواب، وفي سياق الآية لم نجد جوابًا للشرط فأين هو؟ جواب الشرط في هذه الآية محذوف؛ لأنه اجتمع قَسَم وشَرْط، وإذا اجتمع القسم والشرط حُذِف جواب المتأخر منهما. إذا اجتمع شرط وقسم حُذِف جواب المتأخر منهما، هنا اجتمع شرط وقَسَم، القسم في اللام، والشرط (إن)، أيهما المتأخر؟
* طالب: الشرط.
* الشيخ: الشرط، فيُحذف جواب الشرط؛ ولهذا جاء جواب القسم في قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــا أَخَّـــــرْتَ فَهْـــوَمُلْـــــتَزَمْ
جواب ما أخرت فهو -أي هذا الحذف- ملتزم.
قوله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾ (آتيناه) لكن عَبَّر بالإذاقة عن الإيتاء؛ لأن من ذَاقَ شيئًا فقد انتفع به، والإيتاء قد ينتفع به الإنسان، وقد لا ينتفع، فإذا أعطيتك خُبزة مثلًا قد تنتفع منها، وقد لا تنتفع؛ يعني قد تأكلها وقد لا تأكلها، لكن إذا ذقتها فقد أكلتها، أو انتفعت بها؛ فلهذا عَبَّر عن الإتيان بالإذاقة؛ لأنه أبلغ في المماسة وفي الانتفاع.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ فسَّر المؤلف رحمه الله الرحمة بأنه الغنى والصحة، وهذا مثال، وليس هو الحصر بل تشمل الرحمة كل ما هو مطلوب للإنسان من (غنى وصحة)، وجاه، وأموال، وبنين، وغير ذلك.
وقوله: ﴿مِنَّا﴾ إشارة واضحة إلى أن هذه الرحمة ليست بكسبه، ولكنها فضْل من الله عز وجل، فالغنى أتاه من حيث لا يحتسب، والصحة أتته من حيث لا يحتسب، والبنون وغيره هي من عند الله، وواضح أنها من الله وليست بكسبه.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [فصلت ٥٠] يعني معناه أنها تُيقن الضرر، ثم جاءت الرحمة من عند من؟ من عند الله، وهذا أبلغ في النعمة أن تأتي بعد الضرر؛ لأن النعمة الدائمة لا يُحَسُّ بها لكن النعمة الطارئة بعد الضرر هي التي يُحَسُّ بها؛ ولهذا من لم يذق مرارة المرض فإنه لا يتذوق حلاوة الصحة حتى في الأمور الشرعية، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا ينقض الإسلامَ إلا من لم يعرف الجاهلية[[ذكره ابن القيم في الداء والدواء ص ٢١٤.]] أو كلمةً نحوها، يعني الذي لا يعرف الكفر لا يعرف قدر الإيمان، كذلك أيضًا الرحمة إذا كانت مستديمة مستمرة، لا يحس بها الإنسان لكن إذا جاءت من بعد الضرر أحس بها، وذاق لها طعمًا، وأَضْرِب لكم مثلًا الآن في النفس؛ النفس نعمة كبيرة من أكبر النعم، الإنسان لا يحس بها، ما دامت النعمة مستمرة لكن لو أُصيب بكتم النفس وحجبه، ثم فُرِّج عنه لوجد لهذا النفس نعمةً عظيمة وأثرًا عظيمًا، كذلك المرض، الإنسان الصحيح المستمر في صحته لا يعرف قدرها، لكن لو مرض، ثم شُفي تبين له قدر النعمة، الرحمة التي ذكر الله هنا رحمة من بعد الضراء يكون لها أثر بالغ أعظم مما لو كانت الرحمة مستمرة.
إذا أذاقه الله عز وجل رحمة من عنده من بعد الضراء ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت ٥٠] هذا جواب القسم يعني: يقول: ﴿هَذَا لِي﴾. ما معنى هذا لي؟ قيل: المعنى: هذا بعملي، فتكون اللام بمعنى (مِنْ)؛ أي: هذا مني وليس من الله. وقيل: اللام للاستحقاق؛ يعني أني مستحق له فلا مِنَّة لله عليَّ به؛ لأني له أهل فأنا حقيق به.
المؤلف مشى على القول الأول وهو أن اللام بمعنى (مِنْ)؛ أي: ليقولن هذا مني، وأنا الذي اكتسبته، أنا الذي اتجرت، أنا اكتسبت وما أشبه ذلك.
القول الثاني يقول: هذا من الله، لكن لا مِنَّة له عليَّ به؛ لأني مستحِق له، والآية تحتمل هذا وهذا، والقاعدة في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين لا يُنافي أحدهما الآخر فإنها تُحمَل عليهما جميعًا إذا لم يُوجَد المرجح لأحدهما.
﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت ٥٠] نسأل الله العافية؛ يعني ظن أنه مُخلَّد، لما جاءته هذه الرحمة، قال: إذن لا بعث ولا جزاء ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾. ثم قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠] يعني على فرض أن تقوم الساعة، وأُرَد إلى الله فإن الذي نعَّمني في الدنيا سوف ينعِّمني في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠] أي (الجنة).
نقول في: ﴿لَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ في الإعراب ما قلناه في ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاه﴾؛ لأنه اجتمع قسم وشرط، وتأخر الشرط فحُذِف جوابه، وبقي جواب القسم في قوله: ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ فتجد هذا الرجل من غروره -والعياذ بالله- أنه أكد بالقسم. و﴿إِنَّ﴾ واللام، القسم في قوله: ﴿لَئِنْ﴾. و﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ لِي﴾. واللام في قوله: ﴿لَلْحُسْنَى﴾، فهو أكد أنه على فرض أن يرجع إلى الله فسيجد الحسنى، وهي الجنة كما قال المؤلف رحمه الله، وأخذ المؤلف هذا التفسير من تفسير النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] حيث قال: إن الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله.
إذن هذا الرجل مغرور في غاية الغرور، أولًا: أنه أضاف النعمة التي حصلت له في الدنيا، أضافها إلى نفسه إما مباشرة هو الذي حصَّلها بدون الله، وإما لأنه مستحق لها فلا فضل لله عليه فيها، الغرور الثاني أنه أنكر البعث؛ لقوله: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، الغرور الثالث أنه على فرض أن الساعة قائمة فسيجد عند الله ما هو أحسن ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠] ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ أي نُخبِرن، والفاء عاطفة، واللام موطئة للقسم المحذوف، والتقدير: فوالله لنُنبئن. إذن الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ﴾ المؤكد الأول: القسم، والثاني: اللام، والثالث: نون التوكيد في قوله: (لننبئن)، والضمير في قوله: (لننبئن) يعود على الله عز وجل، وعاد إليه بصيغة الجمع من باب التعظيم، وإلا فالله إله واحد.
﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ أي بالذي عملوه، نخبرهم بذلك يوم القيامة، وكيفية هذا أن الله سبحانه وتعالى يُحصي أعمالهم يوم القيامة، فينادي عليهم على رءوس الأشهاد؛ لأنهم قد أخزاهم الله ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨].
ثم يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يعني بعد أن ننبئهم، ويقرون بذلك نذيقهم من عذاب غليظ؛ أي (شديد)، قال: (واللام في الفعلين لام قسم) أين الفعلان؟ (لننبئن) و(لنذيقن).
* في هذه الآية والتي قبلها: بيان حال الإنسان الكافر، وهو كفره بنعمة الله عز وجل واعتزازه بنفسه؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت ٥٠]. فإن هذا يدل على كفره الشديد وإعجابه بنفسه واعتزازه بها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يرحم الكافر؛ لقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً﴾، وبناءً على هذا لو سألنا سائل: هل الله يرحم الكافر؟ فالجواب: نعم، يرحمه، والدليل هذه الآية، ولكن اعلم أن رحمة الله تبارك وتعالى نوعان: رحمة خاصة، ورحمة عامة، فما به قوام البدن من الرحمة العامة، وما به قوام الدين من الرحمة الخاصة؛ الرحمة نوعان: عامة وخاصة، فما به قوام البدن عامة؛ لأنه يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، هذه رحمة عامة، وما به قوام الدين فهو الرحمة الخاصة، وهذا يختص بالمؤمنين، والفرق بينهما أن الرحمة العامة إنما هي غذاء البدن فقط وتزول بزواله، والرحمة الخاصة غذاء الروح تبقى ببقاء الروح، والروح منذ خلقها الله لا تفنى، الأرواح من الأشياء التي خُلقت للبقاء بخلاف الأجساد، فالأجساد قال الله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن ٢٦]، لكن الروح لا تفنى كالولدان في الجنة، والحور العين في الجنة خُلِقت للبقاء.
إذن نقول: الفرق بين الرحمة العامة والخاصة؛ الرحمة العامة غِذاء للأبدان فقط، وتنقضي بموت البدن، وأما الرحمة الخاصة فهي غذاء الأرواح، وتبقى دائمًا في الدنيا والآخرة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضل الله عز وجل على الكافر؛ لكون الرحمة التي أصابت الكافر من عند الله؛ لقوله: ﴿مِنَّا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إعجاب الكافر بنفسه، حيث يضيف هذه الرحمة التي هي مِن الله إلى نفسه؛ لقوله: ﴿هَذَا لِي﴾، أو يضيفها إلى استحقاقه إياها فكأن الله لا مِنَّة له عليه على القول الثاني أن معنى قوله: ﴿هَذَا لِي﴾ هذا مستحق لي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان عتو الكافر، حيث أنكر ما قامت الأدلة الشرعية والعقلية والحسية على ثبوته في قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت ٥٠].
الأدلة الشرعية على ثبوت قيام الساعة كثيرة لا تُحصى، الأدلة العقلية هو أنه ليس من الحكمة أن يُوجِد الله هذه الخليقة ويأمرها وينهاها ويُسلِّط بعضها على بعض بالسيف، فيقاتل المؤمن الكافر، ثم تكون النهاية لا شيء، هذا سفه، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]؛ أي فائدة لخلق يُوجَد ويُؤمر ويُنهَى ويُسلَّط بعضه على بعض في القتل العمد، ثم النهاية لا شيء؟! لا فائدة من هذا، وحِكمة الله تبارك وتعالى تأبى أن يقع مثل ذلك من الله، هذا دليل عقلي واضح، دليل عقلي يُوجب أن يُبعَث الناس ليجازوا على أعمالهم.
أما الدليل الحسي على ثبوت البعث وإمكانه وجوازه فالله تعالى يكرره في القرآن: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت ٣٩] يعني هامدة ليس فيها نبات ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ [فصلت ٣٩] ﴿الْمَاءَ﴾ المطر ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ فصارت حية بعد أن كانت ميتة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإحياء الأرض من بعد موتها والناس يشاهدون دليل على إمكان إحياء الموتى وبعثهم، وهذا دليل واضح حسي ولَّا عقلي؟ حسي مشاهَد، كذلك أيضًا أشهدنا الله عز وجل في الدنيا إحياء الموتى، فلنستعرض هذا في القرآن:
المشهد الأول من؟ بنو إسرائيل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]. فأخذتهم الصاعقة وماتوا، ثم بُعِثوا. هذا في الدنيا.
المشهد الثاني: القتيل الذي اختلفت القبيلتان فيه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، وأن يضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فحيي القتيل وقال: إن الذي قتله فلان. إحياء بعد الموت.
المشهد الثالث: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة ٢٤٣]، خافوا من الموت، وخرجوا من ديارهم، فقال لهم الله: موتوا؛ فماتوا، ثم أحياهم، أماتهم ليعلموا أنه لا مفر لهم من قضاء الله، ثم أحياهم ليقضي أجلًا مسمى كم هذا من مشهد.
المشهد الرابع: صاحب القرية، مر على قرية وهي خاوية من عروشها فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ [البقرة ٢٥٩].
المشهد الخامس: إبراهيم قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، فأمره الله عز وجل أن يذبح أربعة من الطيور، ويجعل على كل جبل منها جزءًا، وأن يدعوها، ففعل، فأقبلت إليه حية إما أنها تطير أو تمشي بسرعة. هذه خمسة مشاهد مذكورة في البقرة كلها تدل على إمكان الإحياء بعد الموت.
أما قصة عيسى فكذلك أيضًا، كان عيسى عليه الصلاة والسلام يحيي الموتى بإذن الله، يقف على الميت ويقول: يا فلان قُم. ويقوم، بل يقف على القبر، الميت مدفون ويأمره أن يخرج حيًّا فيخرج كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، وفي الدجال أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقطع رجلًا جزلتين، ويمر بينهما، ثم يقف ويأمره أن يُقبِل، يأمر هذا الميت القطعتين أن يُقبل فيلتئم حالًا ويقوم، والناس ينظرون، هذا أيضًا شاهد محسوس، فالمهم أن البعث دل عليه السمع والعقل والحس. هذا الكافر يقول: ﴿مَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف ٣٦].
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن هذا الكافر عنده من العُجب والثقة بنفسه على أنه ليس له شيء يثق به ما أمكنه أن يقول: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت ٥٠].
* ومن فوائد الآية: أن الإقرار بالربوبية لا يُدخل الإنسان في الإسلام؛ لأن هذا المنكر مُقر بالربوبية، من أين نأخذه؟ ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ والمشركون كانوا مُقرِّين بالربوبية ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف ٩] لكن الإقرار بالربوبية لا يُغني عن الإنسان شيئًا، ولقد فخر بعض الناس الجهال أن أحد رواد الفضاء شهد بأن لهذا الكون خالقًا، لما صعِد في الفضاء ورأى الأرض، ورأى ما حوله من الآيات شهد بأن لها خالقًا، فصار بعض الناس الجهال يُطنطن على إثبات أن للكون خالقًا بشهادة هذا الرجل الكافر، وهذا حقيقةً يدل على ضعف إيمانه؛ لأن خبر الله ورسوله عن ذلك أصدق وأوجب للإيمان، نعم، لو كُنَّا نجادل شخصًا مُنكِرًا لا يؤمن بالأديان، فنقول له: صاحبك الذي هو مثلك أقر بأن للكون خالقًا ربما ينفع، فيكون هذا من باب إقامة حُجته عليه لكننا نجعل هذا حجة مطلقة، ففيه نظر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التأكيد على أن هؤلاء الكافرين سوف يُخبرون بما عملوا؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت ٥٠]، متى هذا؟ يكون يوم القيامة.
فإن قال قائل: هل لهذا القيد مفهوم؟ أو هو لبيان الواقع ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟
فالجواب: لبيان الواقع، ليس له مفهوم؛ لأنك لو جعلت له مفهومًا لكان المؤمنون لا يُنبئون بما عملوا مع أنهم ينبئون، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧]. «وثبت عن النبي ﷺ أنَّ الله يخلو بعبده المؤمن فيُقَرِّرُه بذنوبِه: عملت كذا في يوم كذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٥)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]. إذن تقييد الإنباء بالكافر لبيان الواقع يعني هؤلاء الذين كذبوا واقعهم أنهم سيُنبئون بما عملوا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن كل شيء مُقيَّد محفوظ على الإنسان، نأخذه من قوله: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت ٥٠]، فإن ﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق ١٨] أي: قول تلفظ به فلديك رقيب حاضر عتيد؛ يعني حاضر يكتب ما تقول.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الكفار سيكون غليظًا أي شديدًا؛ لأن الغِلظة معناها القسوة، وهي في كل موضع بحسبه فغلظ الطباع ليس كغلظ الطين أو العجين أو ما أشبه ذلك، غِلظ العذاب ليس كغِلظ الطين والعجين، وغِلظ القول وما أشبه ذلك، كل غِلظة بحسبها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العذاب في الآخرة ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠]، فهل هناك عذاب قبل الآخرة؟ الجواب: نعم، يعذب الإنسان في قبره قبل أن يبعث، وهذا ثابت في القرآن والسنة، استمع إليه في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣].
فقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ يدل على أنهم شحيحون في أنفسهم، لا يريدون أن تخرج؛ ولهذا يقال: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ توبيخًا. ثم يقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام ٩٣] متى اليوم؟ يوم موتكم تجزون عذاب الهون، وهذه نص في إثبات عذاب القبر.
وقال الله تبارك وتعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٦].
وأما السنة فطافحة بذلك وكثيرة، ومنها ما أجمع المسلمون عليه، فكل المسلمين يقولون في الصلاة، أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر. وهل يتصور أن أحدًا يتعوذ من شيء إلا وهو يؤمن بوجوده؟ أجيبوا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا يتصور، إذن فعذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة والإجماع، وعليه فيكون العذاب المذكور في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠] هو عذاب الآخرة، وهو أشد من عذاب القبر، أجارنا الله وإياكم من ذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لا، ما يصلح، إضافة العمل إلى النفس جائز حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال في عمه أبي طالب قال: «لَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]. لكن الإنسان يضيفه إلى نفسه بمعنى كما قال هذا الكافر: ﴿هَذَا لِي﴾ هذا بعملي، أو أتاني من الله؛ لأني مستحق له هذا هو الممنوع.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت ٥١ - ٥٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ ﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يعني أعطيناه نعمة، والنعمة تدور على شيئين: على حصول المطلوب، وعلى النجاة من المرهوب، فمن سقط في بحر، ثم هيأ الله له من ينقذه من الغرق فتلك نعمة، وكذلك أيضًا من رزقه الله مالًا وولدًا، هذه نعمة، فالنعمة إما انتفاء نقمة، وإما حصول محبوب للإنسان.
وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ يقول المؤلف: المراد (الجنس)، يعني ليس المؤمن ولا الكافر بل هذا الوصف يكون من المؤمن، ويكون أيضًا من الكافر، قلتم الآن: أنه بقي علينا فوائد: أي آيات؟
قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت ٤٩].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان شحيح، وأنه حريص على الخير، شحيح ببذل ما يطلب منه.
* ومن فوائدها: أن الإنسان يحب الخير دائمًا؛ لقوله: ﴿لَا يَسْأَمُ﴾ ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾، وهذا بطبيعة الإنسان أنه يحب الخير وهو ما يلائم نفسه ومراده.
* ومن فوائدها: أن الإنسان الذي ليس عنده إيمان إذا مسه الشر يئس وقنط من رحمة الله.
* ومن فوائدها: ذم أهل اليأس والقنوط من رحمة الله عز وجل؛ لأن الله تعالى ساق هذا مساق الذم.
* ومن فوائد الآية: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُغَلِّب جانب اليأس والقنوط، كما أنه لا يُغَلِّب جانب الرحمة؛ لأنه إن غَلَّب جانب الرجاء والرحمة فإنه يدخل فيمن لا يأمن مكر الله، وإن غلَّب جانب اليأس والقنوط دخل في أهل اليأس والقنوط.
وهل الذي ينبغي للإنسان أن يُغلِّب الرجاء أو يُغلِّب الخوف؟ اختلف السالكون إلى الله عز وجل في هذا؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يُغَلِّب جانب الخوف ليحذر المعاصي ويتجنبها؛ لأنه إذا غلب جانب الخوف خاف وحذر من المعاصي.
ومنهم من قال: يُغلِّب جانب الرجاء؛ لأن الله تعالى عند حُسن ظن عبده به، وإذا غَلَّب الرجاء ابتعد عن اليأس والقنوط.
ومنهم من قال: إنه ينبغي ألا يُغلِّب هذا على هذا، وأن يجعل خوفه ورجاءه واحدًا، قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه.
وقال بعضهم: ينبغي للإنسان أن يكون بين الخوف والرجاء كالطائر بين جناحيه إن انخفض أحدهما سقط. وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يُغلب جانب الرجاء عند فعل الطاعة، فيرجو القبول والثواب، ويغلب جانب الخوف عند الهم بالمعصية حتى لا يعصي الله عز وجل.
ومن العلماء من يقول: يُغلِّب جانب الرجاء عند المرض حتى إذا مات لقي الله وهو يُحسِن به الظن، وفي حال الصحة يُغلِّب جانب الخوف؛ لأن حال الصحة يدعو الإنسان إلى البطر والأشر بل يُغلِّب جانب الخوف.
كل هذه الأقوال التي تبلغ ستة أو سبعة كلها في الواقع تنظر إلى حال العبد؛ ولهذا نرى في هذه المسألة أن الإنسان ينظر إلى حاله، فإن كان قد عمل عملًا صالحًا وكدح فيما يرضي الله فليُغَلِّب جانب الرجاء، كلما عمل طاعة غلب جانب الرجاء؛ أن الله سبحانه وتعالى تجاوز عنه، أن الله تعالى قبلها وسيُثيبه، وإذا رأى من نفسه العلو والتعاظم فليُغلِّب جانب الخوف حتى يسير إلى الله تعالى سيرًا حسنًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت ٥٠]، * من فوائدها: أن من عباد الله من لا يشكر الله عز وجل، ولا يعترف له بالفضل، فإذا جاءته الرحمة بعد الضراء ادعى أن هذا بعمله، وأنه محقوق به، وأهْل له؛ لقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ إلى آخره [فصلت: ٥٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الرحمة إنما هي من الله عز وجل، لا يستطيع الإنسان أن يجلب لنفسه نفعًا، ولا أن يدفع عنها ضررًا بل ذلك إلى الله، ولكن الله قد جعل لكل شيء سببًا؛ فللرحمة أسباب، وللعذاب أسباب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان حال هذا الإنسان الذي إذا أصابته الرحمة والخير، قال: ﴿هَذَا لِي﴾ ثم ادعى دعوى أخرى أنه لو رجع إلى الله لوجدَ عنده خيرًا من ذلك مع أنه ينكر قيام الساعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإقرار بالربوبية لا يكفي في توحيد الإنسان وإيمانه؛ لأن هذا الرجل قد أقر بالربوبية في قوله: ﴿رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ [فصلت ٥٠].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد من هذه حاله بأن الله سبحانه وتعالى سوف يقرره بذنوبه ويذيقه من العذاب الغليظ؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت ٥٠].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإظهار في موضع الإضمار في موضعه خير من الإضمار؛ يعني إذا دار الأمر بين أن تأتي بضمير المتحدث عنه، أو باسم ظاهر فإن الأصل أن تأتي بالضمير، لكن إذا صار هناك فائدة في الإظهار في محل الإضمار فهو أولى وأحسن، الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولو أضمر لقال: فلننبئنه، لكنه أظهر في موضع الإضمار، الإظهار في موضع الإضمار ذكرنا أن فيه ثلاث فوائد من يحفظها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: بيان الصفة أو الوصف الذي استحق من أجله أن يُعاقَب بهذه العقوبة، الثاني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني معناه التسجيل عليهم بالكفر، التسجيل على من هذه حاله بالكفر.
* الطالب: بيان العموم.
* الشيخ: نعم، بيان العموم؛ يعني أن هذا الوعيد ليس لهذا الرجل وحده بل لكل كافر، هذا بالنسبة للآية التي معنا، ففي الإظهار في موضع الإضمار هذه الفوائد، فيه أيضًا فائدة رابعة وهي: انتباه المخاطب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد بضمائره ومظهراته فإن الإنسان لا ينتبه، لكن إذا جاء شيء يُخرج الكلام عن سياقه فإنه لا بد أن ينتبه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠].
* ومن فوائدها: عموم علم الله عز وجل؛ لأن المنبئ بالعمل لا بد أن يكون عالمًا به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الله سبحانه وتعالى، حيث أضاف الضمائر إليه بصيغة الجمع، والجمع للواحد يُراد به التعظيم.
فصلت 41:51
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت ٥١]، المراد بالإنسان هنا الجنس كما قال المؤلف؛ يعني أن جنس الإنسان بالنظر إلى كونه إنسانًا فقط هذه حاله، إذا أنعمنا على الإنسان أعرَض عن الشكر، وما هو الشكر؟ الشكر حقيقةً هو طاعة الله عز وجل، هذا هو الشكر، ويكون بالقلب، وباللسان، وبالجوارح.
ويدل على أن الشكر هو طاعة الله قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:» ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، «وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ «»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]]. فجعل النبي ﷺ الشكر لله هو العمل الصالح؛ يعني القيام بطاعة الله، فالشكر إذن هو القيام بطاعة الله، ويكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بالجوارح؛ أما بالقلب فهو شعور الإنسان بأن هذه النعمة من الله سبحانه وتعالى، وأنه لولا فضل الله ما حصلت له فيقر بقلبه، ويعترف أن ذلك من عند الله وليس بحوله وقوته، وأما اللسان، الشكر باللسان، فالتحدث بنعمة الله عز وجل اعترافًا بفضله لا افتخارًا على خلقه، بأن يقول: الحمد لله، قد رزقني الله أموالًا وأولادًا وعِلْمًا وجاهًا وما أشبه ذلك، ومن الشكر باللسان جميع الطاعات القولية فإنها من الشُّكر باللسان، فقراءة القرآن، الأخ هل هي من الشكر أو لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: من الشكر؛ لأن كل طاعة باللسان فهي من شكر الله عز وجل، الشكر بالجوارح العمل كالركوع، والسجود، والقيام، والقعود، والصدقة، وما إلى ذلك، وفي هذا يقول الشاعر:
أَفَادَتْـــــكُمُ النَّعْــــمَـــاءُ مِنِّيثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت ٥١]، يقول المؤلف في تفسير: ﴿نَأَى بِجَانِبِهِ﴾ (أي ثنى عطفه متبخترًا)؛ يعني أعرض ببدنه وبقلبه مُفتخرًا مُتعاظِمًا، هذا بالنسبة لحاله، بالنسبة لما يطلب منه من الشكر: يعرض ولا يشكر الله عز وجل، وهذه حال كثير من بني آدم؛ ولهذا عمَّمها الله، قال: ﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؛ لأن أكثر بني آدم على هذا الحال.
وقوله: ﴿نَأَى﴾ أنا عندي ﴿﴿نَاءَ بِجَانِبِهِ﴾ ﴾ (وفي قراءة بتقديم الهمزة) في قراءة سبعية، واعلم أن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: (وفي قراءة) فهي سبعية؛ أي من القراءات السبع، وإذا قال: (وقرئ) فهي من القراءات الشاذة، إذن (ناء) و(نأى) معناهما واحد كـ(أيس) و(يئس) بتقديم الهمزة وتأخيرها، ومعناهما واحد أيِس من كذا، يئس من كذا، معناهما واحد، ناء بكذا، أو نأى بكذا؛ معناهما واحد، والمقصود أنه كما قال المؤلف: (ثنى عطفه وانصرف متبخترًا ومتعاظمًا).
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [فصلت ٥١] أقبل ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ (أي كثير)، إذا مسه الشر لجأ إلى الله وأطال الدعاء وأكثر منه. وانظروا ما حكى الله سبحانه وتعالى عن المشركين إذا كانوا في البحر، وهاج البحر ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس ٢٢] ولكنهم يعدون ويكذبون، إذا أنجاهم عادوا إلى الكفر والعياذ بالله.
﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الإنسان من حيث هو إنسان بطر عند النَّعْماء لكنه مُقبِل عند الضراء؛ لقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن ما يتمتع به الإنسان من النعيم فإنما هو من عند الله؛ لقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
* ومن فوائدها: التحذير من هذه الحال، فإذا رأى الإنسان من نفسه أنه عند النعمة يفرح ويبطر ويتهاون بما أوجب الله عليه فليعلم أنه داخل في هذا الإنسان المذموم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يعرف من نفسه الضعف إذا أصابه الضرر، ويلجأ إلى الله، حتى الكافر يعرف من نفسه الضعف، ويلجأ إلى الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار يؤمنون بالله، وبأنه هو كاشف الضر؛ لقوله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٥١]، الإعراض في قوله: ﴿إِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ هذه جملة شرطية، فأين الجواب؟ الأخ، أنت؟ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أنت رفعت اليد اليُسرى، وهذا ليس من الأدب؛ ولذلك سوف يكون تعزيرك بحرمانك من الإجابة.
* طالب: أعرض ونأى بجانبه.
* الشيخ: ﴿أَعْرَضَ﴾ هذا الجواب. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ معطوف عليه، هذا صحيح، وأين الجواب في قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؟
* الطالب: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
* الشيخ: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾. ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أين عاملها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: مُقدَّر؟ قلها على التقدير؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فهو ذو دعاء عريض. لماذا اقترنت الفاء بجواب الشرط؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأن جواب الشرط جملة اسمية، وإذا كان جواب الشرط جملةً اسمية وجب قرنها بالفاء، ولا تسقط إلا نادرًا، ما هي الجمل التي إذا وقعت جوابًا للشرط فإنها تقترن بالفاء؟
* طالب: (...) اسمية طلبية.
* الشيخ: مجموعة في قول الناظم:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِلَنْ وَقَدْ وَبِالتَّنْفِيسِ
نعم، إذا وقع جواب الشرط جملةً من هذه الجمل السبع وجب اقترانه بالفاء، ولا تُحذف إلا نادرًا مثل قول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ............................
الأصل: من يفعل الحسنات فالله يشكرها. لكنها سقطت، فإما لضرورة الشعر، وإما للقلة؛ لأنها تسقط حتى في النثر لكن ذلك قليل.
المهم افهموا الآن: أنه متى وقعت جملة الجواب إحدى هذه الجمل، فإنه يجب اقترانها بالفاء.
فصلت 41:52
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت ٥٢] كما قال النبي ﷺ، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٥٢] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بمعنى أخبروني. وقوله: ﴿إِنْ كَانَ﴾ يعني (القرآن) من عند الله وكفرتم به وأنكرتم أن يكون من عند الله ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٥٢] أصل الجملة: من أضل منكم، أرأيتم إن كان من عند الله، وتبين لكم أنه من عند الله، ثم كفرتم به ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الأصل: من أضل منكم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدة نذكرها إن شاء الله.
قوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي القرآن، وتبين لكم ذلك واتضح، ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت ٥٢] أتى بـ(ثم) الدالة على الترتيب والتراخي إشارة إلى أن هؤلاء أنكروا وكفروا بعد التروِّي، وبعد المدة التي يؤمن بها من أراد الإيمان ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾.
وقوله: ﴿بِهِ﴾ الضمير يعود على القرآن، ويجوز أن يكون عائدًا إلى الرسول ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن.
﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ قال المؤلف: (أي لا أحد أضل) إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، واعلم أن الاستفهام يأتي بمعنى النفي كثيرًا، وإتيانه في موضع النفي أعظم من النفي؛ لأنه إذا أتى الاستفهام في موضع النفي صار مُشْربًا معنى التحدي كأنه قال: أروني أحدًا أضل. وهذا لا شك أنه مشتمل على النفي وعلى التحدي.
وقال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مبتدأ اسم استفهام مبتدأ و﴿أَضَلُّ﴾ خبره. ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ أي من الذي ﴿هُوَ فِي شِقَاقٍ﴾ (خلاف) ﴿بَعِيدٍ﴾ بل الشقاق أخص من الخلاف؛ لأنه قد يخالفك ولا يشاقك لكن هؤلاء خالفوا وشاقوا.
وقوله: ﴿بَعِيدٍ﴾ أي (بعيد عن الحق أوقع هذا موقع منكم بيانًا لحالهم) (أوقع هذا) يريد ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (موقع منكم) أي: موقع الضمير فهو إظهار في موضع الإضمار؛ لبيان حالهم؛ أي: بيان أنهم هم أضل من كل أحد، وأن حالهم الشِّقاق البعيد، ففيه إظهار في موضع الإضمار، وعبدالله يبين لنا فائدة الإظهار في موضع الإضمار؟ يلَّا.
* طالب: ذكر قبل قليل.
* الشيخ: لا تقول: ذكر قبل قليل معناه أنك أعدت ما قيل.
* الطالب: (...) الإظهار في موضع الإضمار؟
* الشيخ: إي نعم، فائدته؟
* الطالب: فائدته منها: بيان الصفة التي يستحقها المتحدث عنه مثل (...) على هؤلاء (...).
* الشيخ: تمام.
* الطالب: ومن فوائده أيضًا: بيان العموم يعني أن كل من فعل هذا فإن هذا..
* الشيخ: الوصف ينطبق عليه، نعم أحسنت، ثلاثة؟
* الطالب: ومن فوائده أيضًا.
* الشيخ: الآن نحتج عليك بقولك: تقدم قبل قليل.
* الطالب: التنبيه.
* الشيخ: زين، تنبيه المخاطب حيث صار السياق على خلاف ما كان يتوقع، وهذا يؤدي إلى تنبهه.
﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ في هذه الآية فيها فوائد:
* أولًا: تحدي هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ الكافرين بالقرآن، وأنهم بعد أن علموا الحق كفروا به.
* من فوائدها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وجه ذلك: أن القرآن وصْف وصفة لا بد أن يقوم بموصوف، وإذا كان من عند الله لزم أن يكون الموصوف به هو الله عز وجل، انتبه يا أخ، الآن هذه الآية فيها دليل على أن القرآن كلام الله وجه ذلك: أن القرآن وصف؛ لأنه كلام، والوصف لابد أن يقوم بموصوف، وإذا كان من عند الله فمن الموصوف به؟ هو الله عز وجل، وهذا ما نؤمن به، ويؤمن به السلف، أهل السنة والجماعة بأن القرآن كلام الله، تكلم به حقيقة بحروفه وسَمعه منه جبريل، وألقاه على قلب النبي ﷺ.
يرى أهل التعطيل أن القرآن كلام الله لكنه مخلوق، ليس وصفًا من صفاته بل هو مخلوق من مخلوقاته، وهذا رأي الجهمية والمعتزلة، هذا الرأي يبطل الأمر والنهي، ويبطل الشريعة كلها؛ لأنه إذا كان كذلك صار مجرد أصوات أو مجرد حروف لا مدلول لها كما نسمع صوت الرعد مثلًا، لا نستفيد منه شيئًا، إنما هو شيء يُسمع فقط وليس له معنى، أو حروف خُلِقت على هذا النحو كأنها نقْش في جدار أو في باب، نُقوش ليس لها معنى؛ ولهذا يُعتبر هذا القول من أشد الإلحاد؛ لأنه تبطل به الشريعة تامة، فمثلًا (قل) إذا قلنا إنها مخلوقة إن رسمتها في ورقة، صارت صورة كلمة فقط كأنها نقش؛ لأنها ما هي كلام، وإن تكلمت بها فالصوت مخلوق، بل والله عز وجل حين تكلم بها وأوحاها إلى جبريل يُعتبر خلق صوتًا ليس له معنى؛ لأنه مخلوق من المخلوقات.
والله عز وجل فرَّق بين الخلق والأمر، فقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] ولَّا من خلقنا؟ من أمرنا، فالقائلون بأن القرآن كلام الله لكنه مخلوق قد عطلوا الشرائع نهائيًّا؛ إذ إنه ليس هناك أمر ولا نهي.
وهناك قول آخر للأشاعرة يقولون: إن القرآن كلام الله لكنه -أي الكلام- هو المعنى القائم بنفسه، أما ما سمعه جبريل فإنه مخلوق، فالقرآن عندهم كلام الله، لكن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وأما ما يُسمع من الله عز وجل كمناجاته موسى، وكلامه بالوحي إلى جبريل فإنه مخلوق عبارة عن المعنى القائم بالنفس، هذا المعنى أشد وأخبث من قول المعتزلة لماذا؟ لأن المعتزلة يقولون: ما نقرؤه في المصاحف كلام الله حقًّا. والأشاعرة يقولون: عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، والكل متفقون على أن ما نقرؤه في المصاحف مخلوق لكن المعتزلة يقولون: هو كلام الله، والأشعرية يقولون: عبارة عن كلام الله، فصاروا من هذه الناحية أخبث وأشر من المعتزلة والجهمية، أما نحن فنؤمن بأن ما كُتب في المصاحف وحُفظ في الصدور فإنه كلام الله، وهو غير مخلوق.
فإن قال قائل: أرأيت القارئ يقرأ، نسمع صوته بالقراءة، هل هذا الصوت مخلوق أو غير مخلوق؟
فنقول: هو مخلوق؛ لأن صوت الإنسان وَصْف من أوصافه، فهو مخلوق كأصله، لكن الملفوظ به والْمُصَوَّت به غير مخلوق، وهناك فرق بين الصوت والنطق وبين الْمُصَوَّت به والمنطوق به، أليس كذلك؟
أنا لو قرأت كتابًا ألفه عالم من العلماء فأنا أقرؤه، الصوت صوتي لكن المقروء للعالِم الذي كَتَبَ الكتاب؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب العقيدة الواسطية: الكلام إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا لا إلى ما قاله مُبَلِّغًا مُؤديًا. فصار لو أراد الإنسان يستفصل هل لفظ الإنسان بالقرآن مخلوق أو لا؟ ماذا نقول؟
نقول: لفظه الذي هو تلفُّظه مخلوق؛ لأنه حركات لسانه وشفتيه وصوته، وأما الملفوظ به فإنه كلام الله غير مخلوق؛ ويدل لهذا أن الله تعالى قال في القرآن الكريم: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩، ٢٠] من الرسول هنا؟ جبريل. وقال ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ [الحاقة ٤٠، ٤١] من الرسول هنا؟ محمد عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يكون كلام واحد لمتكلمين اثنين لكن أضافه إليهما؛ لأنهما رسولان مُبَلِّغان عن الله؛ ولهذا قال: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ في الآيتين، فتنبه لهذا وتفطن له.
ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله: أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ فهو جهمي ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع. هكذا رُوِي عنه.
وفي رواية من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد القرآن؛ فهو جهمي، ومن قال: غير مخلوق؛ فهو مبتدع. فالرواية الثانية عنه فسرت الرواية الأولى؛ أي: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق يريد القرآن الذي هو الملفوظ به. فإن قال قائل: هل يمكن أن يُراد باللفظ الملفوظ؟
قلنا: نعم؛ لأن لفظ مصدر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[أخرجه مسلم (١٧١٨ / ١٨) من حديث عائشة.]]. و«رَدٌّ» بمعنى مردود، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] أي أولات محمول، فالحمل مصدر ويراد به اسم المفعول.
على كل حال نحن نقول في كلام الله عز وجل: إنه كلام مسموع بحرف وصوت، وأنه غير مخلوق، وأنه صفة من صفاته..
أي: مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد القرآن الذي هو الملفوظ به.
فإن قال قائل: هل يمكن أن يُرَاد باللفظ الملفوظ؟ قلنا: نعم؛ لأنَّ (لفظ) مصدَر، والمصدر يأتي أحيانًا بمعنى اسم المفعول، كما في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]]، (رَدّ) بمعنى مردود، وكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦]، أي: أولات محْمُول، فالحَمْل مصدر، ويُراد به اسم المفعول.
على كل حال نحن نقول في كلام الله عز وجل: إنه كلام مسموع بحرْف وصوت، وأنَّه غير مخلوق، وأنَّه صفةٌ من صفاته، ولكن هل هو من الصفات الذاتية، أو من الصفات الفعلية؟
نقول: أمَّا باعتبار أصلِه، وأنه تعالى لم يزَلْ ولا يزالُ متكلِّمًا فهو من الصفات الذاتية، وأمَّا باعتبار آحاده فهو من الصفات الفعلية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس ٨٢]، متى صارَت (كن)؟ صارت بعد الإرادة، وهذا دليل على أنَّ كلام الله من حيث آحاده وأفراده من الصفات الفعلية.
* طالب: قول الأشاعرة هل يكفرهم بهذا القول؟
* الشيخ: يجب أن تعلموا قاعدة مهمة؛ أنَّ المجتهد من هذه الأمة ولو أخطأَ فإنَّه مغفور له، هم يريدون بهذا أنَّ الله مُنَزَّه عن أن تقوم به الحوادث؛ لأنهم يعتقدون بعقولهم السخيفة أنَّ الحوادث لا تقوم إلا بحادِث، وهم يعلمون أن الكلام حادث؛ كل حرف حدَث بعد الحرف الذي قبله، لكن لعقولهم السخيفة ظنُّوا أنَّ مَن يقوم به الحادث فهو حادث، وهذا خطأ، التكفير لا نكفِّرُهم بهذا، نعم لو أن الإنسان تبيَّن له الحق وقال: إنه لا يريد الحق وإنما يتَّبِع هواه فقد يُكَفَّر، نعم.
* طالب: قول الله تعالى: (...) هل هذا إشارة بأن السياق للكفار، أو أن مَن فعل هذا الأوصاف كفر وارتد.
* الشيخ: بعض العلماء يقول: هذا في الكافر، الإنسان أي: الكافر، والقرينة ما ذَكَرْت، وبعضهم يقول: هو في الكافر والمؤمن، ولكن الله خَصَّ الكافر؛ لقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت ٥٠].
* * *
* طالب: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت ٥٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾، أخذنا فوائدها.
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت ٥١]، ما المراد بالإنسان في قوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾؟ (...) وعلى الأول يكون المؤمن خارجًا من قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ ولّا أيش؟
* طالب: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ خرج المؤمن بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾.
* الشيخ: يعني معناها حتى المؤمن إذا مسَّه الشر دعا ربَّه.
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [فصلت ٥٢]، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني.
وقوله: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (يعني القرآن) ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت ٥٢]، ذكرنا أنَّ هذا إظهار في موضع الإضمار، وأصله: لا أحد أضل منكم، ولكنه أظهر في موضع الإضمار، وذكرنا أنَّ للإظهار في موضع الإضمار فوائد، منها: تنبيه المخاطب، ثانيًا: بيان الصفة التي استحَقَّ بها صاحب الضمير هذا الوصف.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني العموم؟ طيب العموم، فيه رابعة، لكن ما هو في كل مكان، وهي مراعاة فواصل الآيات، نعم.
ثم قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت ٥٣] إلى آخره، ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ السين للتنفيس.
* طالب: (...) أهل التعطيل يرون أن القرآن كلام الله، لكنه مخلوق ملفوظ.
* الشيخ: لا، هذه ما هي من الفوائد، إذن نبدأ من جديد.
أولًا: أن القرآن كلام الله، وجه الدلالة قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ثم زيادة على ذلك وجه الدلالة كونه من عند الله، وأنَّ الكلام صفة وليس عينًا قائمةً بنفسها حتى نقول: إنَّه مخلوق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]، لكنَّ الكلام صفة قائمة بموصوف، فهو دليل على أنَّه من عند الله.
* إذن يستفاد: أنَّ القرآن كلام الله، من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، ووجه ذلك أنَّ الكلام صفة لا يمكن أن يقوم بنفسه، فلَزِمَ أن يكون كلام الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الكفر بعد التبيُّن أشدُّ قُبْحًا من الكفر مع الجهل، بدليل قوله: ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾، فإنَّ (ثم) تدل على الترتيب والتراخي، وأنَّ كفرَهم كان بعد أن تبَيَّن الأمر.
* ومن فوائدها: أنَّه لا أحد أضَلُّ ممن شاقَّ الله ورسوله؛ حيث إنَّه في شقاق بعيد؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بلاغة القرآن التامة، حيث يختار في كل تركيب ما يناسب الحال؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وقوع الاستفهام موقع النفي، وإنَّ إيقاع الاستفهام موقع النفي أسلوبٌ عربيٌّ صحيح، وما فائدته؟ أنه إذا كان بصيغة الاستفهام كان مُشرَبًا بالتحدِّي، فقوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ﴾ أبلغ من قوله (لا أضل).
فصلت 41:53
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾، السين للتنفيس، وهي تفيد القُرْب والتحقيق، (سوف) للتسويف، وهي تُفيد التحقِيق مع البُعْد، ولذلك يجب أن نُفَرِّق بين (سوف) والسين، إذا كان الشيء سيكون قريبًا فقل: سيكون، وإذا كان بعيدًا فقل: سوف يكون، ولهذا تجدون قول الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]؛ لأنَّه لم يأتِ بعْد، وهو بعِيد بالنسبة لكونِه في الدنيا.
﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يعني: عن قُرْبٍ إراءَةً متحققة، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ أي: نُظْهِرُها لهم حتى يروها بأعينهم، أو حتى يروها ببصائرهم.
﴿آيَاتِنَا﴾ الآيات جمع آية، وهي في اللغة العلامة، والمراد بآيات الله علاماته الدالة على كمال علمه وحكمته وقُدْرته، وغير ذلك من مقتضيات ربوبيته.
واعلم أنَّ آيات الله تعالى نوعان: آياتٌ شرعية؛ وهي ما جاءت به الرسل، ومنها هذا القرآن الكريم، وآيات كونية؛ وهي الدالة على كمال الله تبارك وتعالى في العلم والخلق، وكلِّ ما يتعلق بربوبيته، وهي ما يعجز البشر عن مثله، فالبشر كلهم عاجزون عن أن يخلقوا أرضًا، أو سماءً، أو نجومًا، أو شمسًا، أو قمرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، هذه آيات كونية؛ لأنه يعجز عن مثلها البشر، الآيات الشرعية مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥].
(﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: أقطار السماوات والأرض من النَّيِّرَات والنبات والأشجار).
قوله: ﴿فِي الْآفَاقِ﴾، الآفاق جمع أُفُق، وهو الناحية، والآفاق هنا جمع، فتدل على أنَّ هذه الآيات ستكون في كلِّ ناحية من السماء والأرض، ففي السماء نجوم، في السماء شمس، في السماء قمر، فيها مشارق، فيها مغارب، كل هذه من آيات الله، من يستطيع أن يخلق مثل الشمس؟ لا أحد، مَن يستطيع أن يُجرِيَها بهذا الانتظام البديع منذ خلقها الله عز وجل إلى أن يأذن الله بخراب العالم؟ لا أحد يستطيع، مَن يستطيع أن يُزَحْزِحَها من مشارقها الشرقية الشمالية إلى مشارقها الشرقية الجنوبية؟ لا أحد، وهلم جرًّا، هذا في آفاق السماء.
من آفاق السماء ما يحصل من الأمطار الغزيرة أو الخفيفة، والرعد، والبرق، وغير ذلك، المهم أنَّ آفاق السماء كلّ ما عَلَا، كلّ ما علا فإنَّه داخل في آفاق السماء.
كذلك أيضًا آفاق الأرض؛ آفاق الأرض فيها من آيات الله عز وجل ما يدل على كمال علمه وقدرته وحكمته ورحمته؛ جبال، وأنهار، وبحار، فيافي، أودية، هضاب، إلى غير ذلك، نباتات مختلفة، تجد النبات كأنه رُقعة ثوب مُوَشَّى، هذا أخضر، وهذا بنفسجي، وهذا أبيض، وزهورها مختلفة، وثمارها مختلفة، تُسقَى بماء واحد ويُفَضِّلُ الله بعضها على بعض في الأُكُل.
كذلك أيضًا يدخل في قوله: ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ ما يحصل في الآفاق من حرْب وسِلْم، وأمن وخوف، وشدة ورخاء، كل هذا من آيات الله في الآفاق، كذلك ما يحصل من غلبة وانهزام، وغير هذا، فالله تعالى وعَد بأن يُرِي العباد آياته في الآفاق، أفهمتم الآن؟
صار كلّ ما في الآفاق العلوية والسفلية مما لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله فهو من آيات الله.
﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني: ونُريهم آياتنا في أنفسهم، وذلك من نواحٍ متعددة؛ أوَّلًا: من جهة الخِلْقَة؛ كيف خلق الله سبحانه وتعالى الآدمي على هذه الصفة البديعة الغريبة التي لا يوجد من الحيوانات ما هو مثله في حُسْن القامة وحُسْن التدبير والعقْل، وغير ذلك.
كذلك أيضًا في أنفسهم من طُول وقِصَر، وبياض وسواد، وحُسْن خُلُق، وسُوءِ خلق، كذلك في أنفسهم من تقلُّبَات الأحوال، وكون الإنسان أحيانًا يريد كذا، وأحيانًا يريد كذا، وأحيانًا يريد الشيء ويصمم عليه وإذا به مصروف عنه، يُصرَف عنه، هذه من آيات الله، ولهذا قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بصرْف الهمم وتقليب القلوب، تجد الإنسان -مثلًا- متَّجِهًا إلى أن ينصرف إلى الشمال، فإذا به ينصرف إلى الجنوب بدون أي سبَب، لكن بتقدير الله عز وجل.
كذلك أيضًا من آيات الله في الإنسان تركيب هذا البدن العجيب البديع، واسأَلْ أهل التشريح عن هذا تجد العجب العجاب، إن أتَيْت إلى الرأس وما فيه من المخ وما فيه من الأدوات، وإذا أتيت إلى الأمعاء، وإلى المعدة، وإلى الكبد، وإلى الغُدَد، وإلى غيرها، تجد العجب العجاب، يعني أنَّه دولة في الواقع، كلّ شيء منه له عمله الخاص، مَن يستطيع أن يُرَكِّب هذا؟ الله عز وجل.
كذلك أيضًا من الآيات في الأنفس ما حصل لقريش في بدر، حيث إنَّ قريشًا في بدر خرجَتْ إلى بدر كما وصَف الله عز وجل: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، يقول القائل منهم: والله لن نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم فيها ثلاثًا، ننحر الجزور، ونسقي الخمور، وتعزِف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]].
هكذا قالوا، ولكن الأمر صار بالعكس والحمد لله، صار العرب يتحدثون عن هزيمتهم إلى أن يشاء الله من أمَد الدنيا، هذا من الآيات.
كذلك من آيات الله تعالى في الإنسان أنَّ الناس يختلفون اختلافًا عظيمًا في الفهم والحفظ والعمل، تجد هذا يختار هذا العمل، الآخر يقول: كيف يصبر هذا الرجل على هذا العمل؟ أليس كذلك؟ وآخر بالعكس، هذا من آيات الله تبارك وتعالى.
فكذلك أيضًا الناس يختلفون في الفهم، من الناس مَن إذا قرأْتَ عليه العبارة فهمها بأول مرة، ومن الناس مَن لا يفهمها بأول مرة، من الناس مَن إذا تلوت عليه العبارة حفظها بأول مرة، ومن الناس مَن ليس كذلك، كل هذا من آيات الله، وإلَّا فالدم واحد، والعصب واحد، والعظام واحدة، والجلد واحد، وكل شيء واحد، لكن يختلف الناس هذا الاختلاف العظيم، كل هذا داخل في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
نشوف المفسر: (﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصَّنعة وبديع الحكمة).
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى: يتضح، ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المكذِّبين، ﴿أَنَّهُ﴾ يقول المؤلف: (أي: القرآن)، ويحتمل أن يُرَاد به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يراد المعنيان جميعًا، (﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الحقّ المنزَّل من الله تبارك وتعالى بالبعث والحساب والعقاب، فيُعاقَبُون على كفرِهم به وبالجائِي به).
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الحق في الأصل هو الشيء الثابت الواقع لا محالة، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١، ٢] يعني: الشيء الثابت، ويُطلَق على معانٍ متعددة، منها أنَّه الصدق، فالصدق حق، وضدُّه الكذب؛ باطل، ومنها العدل، فالعدل حق، وضدُّه الجور وهو باطل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥].
ومنها -أي من معاني الحق- أنه الشيء الثابت الذي لا يزحزحه أحد، وضدُّه الشيء الذي لا يثبُت ولا يستَقِرّ، وكلُّ إنسان يُبْطِلُه، فأنت الآن نجد أن القرآن الكريم مهما جادل به المجادِل ليدفعَه فحجَّتُه باطلة، ولا يمكن لأحد أن يغْلِبَ القرآن، بل القرآن غالب.
لكن اعلموا أيها الإخوة أن كون القرآن غالبًا إنما هو بحسب حامله، ولذلك تجد السيف البتَّار بيد الجبان لا يُغني شيئًا، لا بد أن يكون القرآن بحسب حامله، وإلَّا فالقرآن نفسه لا يمكن أن يغلب أبدًا، إلا أنه قد يغلب من جهة حامله، وهذا ليس عيبًا في القرآن، ولكنه عيب في حامل القرآن.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (المنزَّل من الله بالبعث والحساب)، وهذا التخصيص من المؤلف رحمه الله على سبيل المثال، وإلَّا فإنه يتبيَّن أنَّه الحق في كل شيء؛ في كونِه يغلِب ولا يُغلَب، وفي كون أحكامه عدلًا، وأخباره صدقًا، وغير ذلك.
قال: (فيعاقَبُون على كفرهم به)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالتبَيُّن هنا لازِمُه وهو المعاقبة؛ لأنه لو كان المراد التبَيُّن فقط بدون عقاب على مخالفته بعد التَّبَيُّن لم يكن هناك فائدة.
ومن ذلك أيضًا من كونه يُطلَق البيان أو العلم ويُراد به اللازم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦]، طيب يُرَوْهَا فقط أو لِيُرَوْها ويُجَازَوْا عليها؟ الثاني، يعني لِيُرَوْهَا ويُجَازَوْا عليها، هذه أيضًا يتبيَّن (فيعاقَبُون على كفرِهم به وبالجائي به)، مَن الجائي به؟ الرسول الله ﷺ.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، لَمَّا بَيَّن الله سبحانه وتعالى أنه سيُظْهِر الآيات حتى يتبيَّن أنَّ هذا القرآن حق، وأنَّ محمدًا حق، ذكَرَ شيئًا أعظَم دلالة على أنَّ القرآن حق، وعلى أنَّ الرسول ﷺ حقّ، مَن هو؟ الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
والجواب: بلى يكفِي ذلك؛ لأنَّ الله تعالى إذا رأى هذا الرجل يدعو الناس إلى ما يدعوهم إليه ويقاتِلُهم به، وينصره الله عليهم، ويمكِّنُ له في الأرض، ويتْبَعُه الناس، هل يمكن أن يُقِرَّ الله ذلك وهو باطل؟ لا يمكن أبدًا، لا يمكن إطلاقًا، فكون الله تعالى يُمَكِّن لرسوله ﷺ في الأرض، ويجلب قلوب الناس إليه، وينصرُه على أعدائه، ويفتح بدينه الشرق والغرب، كلُّ هذا دليل على أيش؟ على أنَّه حقٌّ.
وشهادة الله سبحانه وتعالى لرسولِه نوعان: شهادة قولية، وشهادة فعلية؛ أمَّا الشهادة القولية فدليلها قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]، هذه شهادة من الله، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
أمَّا الشهادة الفعلية فهي تمكين الله تعالى لمحمد ﷺ في الأرض، ونصره إياه، وغلَبَةُ دينه على جميع الأديان.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ قال المؤلف: (فاعل يَكْفِ)، والباء مزيدة فيه لتحسين اللفظ، ونظيرُها: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: وكفى اللهُ شهيدًا، وعلى هذا فنقول في إعرابها: الباء حرف جر زائد إعرابًا، فائدته تحسين اللفظ، و(رب) فاعل (يكف) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها حرف الجر الزائد.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل هذا للتخصيص أو للتشريف والتكريم؟ الثاني، لماذا؟ لأنَّه ربُّ كل شيء، وانظر إلى قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١]، وبعدها قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ لئلَّا يظن الظانُّ أن ربوبيته خاصة بهذه البلدة، كذلك أيضًا إضافة الربوبية إلى الرسول من باب التشريف والتكريم، والإشارة إلى أنه سوف ينصره على عدُوِّه؛ لأنَّ ربوبية الله للرسول عليه الصلاة والسلام ربوبية خاصة.
(﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بدَلٌ منه) بدل من أين؟ بدل من قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾، والبدل يقولون في تعريفه: هو الذي إذا أسقطت الْمُبْدَل منه استقام الكلام، البدل هو الذي إذا حذَفْت الْمُبْدَل منه استقام الكلام، تقول: أعجبني زَيْدٌ خُلُقُه، هذا بدل، أَسْقِط (زيد): أعجبني خُلُق زيد، معلوم؟ أكلْتُ الرغيفَ ثُلُثَه، أَسْقِط الرغيف يستقيم الكلام أو لا؟ هذا ضابط البدل.
هنا نقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾، أَسْقِط ﴿بِرَبِّكَ﴾، تقول: أَوَلَمْ يكفِ أنَّ الله على كل شيء شهيد، يستقيم، لكن لا شك أنَّ القرآن الكريم لا يمكن أن يوجَد بدل ومُبْدَل منه إلا لفائدة عظيمة، فيكون ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ شهادةً ونصرة وتثبيتًا، وما أشبه ذلك.
ثم قال: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، هذا بعضٌ من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى، ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، قال: (بدل منه) أي: أَوَلَمْ يَكْفِهم في صدقك أنَّ ربك لا يغيب عنه شيء ما؟ وهذا واضح، والشهادة هنا أيش هي؟
* طالب: قولية وفعلية.
* الشيخ: الشهادة هنا فعلية، يعني: أَوَلَمْ يَكْفِ بربِّك أنَّ الله على كل شيء شهيد، وقد مكَّنَ لك في الأرض، وثبَّتَك، ونصرَك عليهم وعلى كل عدُوٍّ لك؟ والجواب: بلى والله إنَّ هذا لكافٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠]، بعدها؟ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥١]، فالكتاب أعظم آية، شهادة الله على صِدْق رسوله أعظم آية.
ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وتُفيد شيئين؛ الشيء الأول: التوكيد، والشيء الثاني: التنبيه، وهل هي مركبة من الهمزة و(لا) أو هي غير مركبة؟ الجواب: هي غير مركبة، بل هي كلمة واحدة.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾: شكٍّ، ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ لإنكارهم البعث، فهم -والعياذ بالله- في شَكّ من لقاء الله، ولو كانوا يرجون لله لقاءً لاستقاموا وخافوا منه، كل إنسان يؤمن بأنه مُلَاقٍ ربَّه فإنه سوف يستقيم على أمر الله؛ لأنه يعلم أنَّ الرب عز وجل سوف يحاسبه على هذا.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا﴾ أداة استفتاح أخرى تُفيد التنبيه والتوكيد، (﴿أَلَا إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ علمًا وقُدْرَة، فيجازيهم بكفرهم)، هم في شكٍّ من لقاء الله، لكن سوف يُنَبِّئُهم الله عز وجل بما عملوا؛ لأنَّه بكل شيء محيط، وعلى هذا فَصِلَةُ قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ بما قبلها الإشارة إلى أنَّه سوف يجازيهم.
* في هذه الآيات فوائد: منها: أنَّ الله تعالى سيُظْهِر ما يتبين به صِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
* ومنها: أنَّ هذه الإراءَة قريبة محققة، من أين تؤخذ؟ من ﴿سَنُرِيهِمْ﴾؛ لأنها صُدِّرَت بالسين الدالَّة على التحَقُّق والقُرْب.
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يُفَكِّر في آيات الله تعالى في الآفاق وفي نفسه؛ لأن ذلك طريق إلى أن يتبَيَّن له الحق، من أين نأخذها؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، فأنت كلما ازددتَ تأمُّلًا وتدَبُّرًا لآيات الله الآفاقية، والآيات اللي في نفسك، فإنك لا شك تزداد إيمانًا، ويتبيَّن لك صِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الإنسان ناقص العلم نقصًا عظيمًا، وجهه: أنَّ الله تعالى يُرِيهِ آياته في نفسه، فالإنسان غير عالم بنفسه إلا إذا علَّمَه الله، ولذلك يا إخوان الآن نفسك التي هي مادة حياتك ما تعرفها، أتعرف النفس؟ أبدًا ما نعرفها.
ولهذا اختلف فيها النُّظَّار من المتكلمين والفلاسفة وغيرهم؛ منهم من قال: إن النفس هي الدم، ومنهم من قال: إنَّ النفس جزء من البدن، ومنهم من قال: إن النفس عَرَضٌ في البدن، ومنهم من قال: إن النفس لا تُوصَف بشيء، فلا هي داخل العالم ولا خارجه، ولا مُتَّصِلة ولا منفصلة، إلى آخر ما يقولون في النفي المطلَق، ومنهم من قال: إن النفس مخلوق من مخلوقات الله، وأنها ذات جِرْم، وأنَّها تدخل في البدن وتسير فيه كما تسير الجمْرُ في الفحم، أو الماء في الْمَدَر.
ويدُلُّ لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنَّ الإنسان إذا قُبِض أُخِذَتْ نفسه، أخذَتْها الملائكة وجعلَتْها في كفن وحَنُوط[[أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، وأنه إذا قُبِض اتَّبَعه البصر[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]، وهذا يدل على أنها شيء مخلوق له جِرْم وجسد، لكننا مع ذلك لا نعلم منها إلا قليلًا، ولهذا لَمَّا سألوا عن الروح قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥].
* ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ القرآن والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ الآيات الدالة على ذلك آياتٌ تُوصِل إلى اليقين؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾، التَّبَيُّن يعني الوضوح والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فإذا علِمْت أنَّك لم تصِلْ إلى اليقين فاتَّهِم نفسَك، عليك أن تُعَالِج هذا المرض العُضَال الخطير حتى تصل إلى اليَقِين، حتى تصِلَ إلى ما يدُلّ عليه قول الرسول ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: كفاية الله تعالى عن كل شيء بشهادته؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالآثار على مُؤَثِّرَاتها، وجهُ ذلك أن الله تعالى استدل بتمكينه الرسولَ على أنَّه حق، فالإِنسان يستدل بالآثار على مُؤَثِّرَاتها، ولهذا قيل: البَعَرَة تدل على البعير، وهذا جواب من أعرابي سُئِل: بِمَ عرفت ربك؟ قال على البديهة: البعرة تدل على البعير ، اختار هذا؛ لأنه أعرابي ما يعرف إلا الإبل، البعرة تدل على البعير، والأَثَر يدل على الْمَسِير، صح؟ إذا رأيتَ مثلًا صورة القَدَم على الأرض عرفت أنه قد سار على هذا أحد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدُلُّ على السميع البصير؟ والجواب: بلى، هذا الأعرابي استدل بالآيات الآفاقية على وجود الله وعلى قدرته.
* ومن فوائد هذه الآيات: الحذر من المخالفة، وهذه فائدة تربَوِيَّة، من أين تُؤْخَذ؟ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فإذا علمْتَ أن الله شهيد على كل شيء؛ على نفسك، أفعالك، أقوالك، كل التصرُّفات، فإنَّك سوف تُرَاقِب الله عز وجل، ومَن لم يتَّعِظْ بمثل هذه الآية فإنه لن يَتَّعِظ، إذا علمْتَ أنَّ الله شهيد عليك في خلواتك، في وحدتك، في جلوسك مع أهلك، في جلوسك مع صَحْبِك، فإنَّك سوف تراقب الله عز وجل، وهذا هو معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء المكذِّبين، وأنَّ سبب تكذيبهم أنهم في شكٍّ من لقاء الله، ومعلوم أن مَن كان في شك من لقاء الله فلن يعمل لله، ولهذا تجدون الله تعالى يَقْرِن دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر؛ لأنَّ مَن نَقَص إيمانُه باليوم الآخر فسوف ينقص عمله، ومَن كمُلَ إيمانه باليوم الآخر فسوف يكمُلُ عمله؛ لأنَّه يرجو أن يكون سعيدًا في ذلك اليوم.
أنت عندما تركع أو تسجد اجعل على بالك أنَّ هذا الركوع والسجود سوف ينفعك متى؟ يوم القيامة، وهو ينفعك من الآن؛ لأنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن الثمرة الملموسة يوم القيامة، التي تظهر لكل أحد، في الدنيا يظهر للمؤمن الانتفاع التام بالطاعات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما يفعل أعدائي بي، إنَّ جَنَّتِي في صدري، حَبْسِي خلوة، ونَفْيِي سياحة، وقَتْلِي شهادة، رحمه الله، فالإنسان المؤمن يجد هذا في نفسه قبل يوم القيامة، في يوم القيامة يكون الظهور الكامل، يُكْشَف عن كل شيء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحاطة الله بكلِّ شيء؛ عِلمًا، وقُدرَة، وسلطانًا، وتدبيرًا، وغير ذلك، محيط بكل شيء، بأفعاله وأفعال العباد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: تحقِيق مراقبة الله؛ لأنَّك إذا آمنت أنَّ الله بكل شيء محيط فسوف أيش؟ تُرَاقِبه المراقبة التامة بحيث لا يفقدك حيث أَمَرَك، ولا يراك حيث نهاك، والله أعلم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ [الشورى ١ - ٥].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ الله سبحانه وتعالى وَعَدَ بأن يُرِيَ هؤلاء المكذِّبين آياتِه في الآفاق وفي أنفسهم، فهات مثالًا لإِراءته إياهم آياته في الآفاق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني آياته الكونية كالشمس والقمر والنجوم، والأرضية؟
* الطالب: الأرضية (...).
* الشيخ: ما في الأرض من البحار والأنهار والأشجار والجبال وغير ذلك، وفيها أيضًا الآفاق؛ آيات الله الشرعية في الآفاق.
* طالب: آيات الله الشرعية؟
* الشيخ: نعم في الآفاق.
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: لا.
* طالب: ما جاء من الرسل.
* الشيخ: لا، ما قلنا: الفتوحات الإسلامية والغلَبة والنصر لأولياء الله؟ طيب، في الأنفس؛ آيات الله تعالى في أنفسهم؟
* طالب: في أنفسهم معدة الشخص..
* الشيخ: معِدَة الشخص؟
* الطالب: كيف الهضم..
* الشيخ: يعني فقط المعدة؟
* الطالب: لا، هذا واحد من المثال.
* الشيخ: طيب هات.
* الطالب: مثال ثانٍ العيون..
* الشيخ: نعم، الآيات في النفس الخِلْقِية والخُلُقِية، كذا؟ طيب، وهي عاد أنواع كثيرة متعَدِّدة.
ما معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟
* طالب: هذا استفهام إنكاري على المكذِّبين..
* الشيخ: أو استفهام تقريري؟
* الطالب: استفهام تقريري..
* الشيخ: إي، ويش معناه؟
* الطالب: مُشْرَبٌ بالتحدي، يعني: أَوَلَم تكفِ شهادة الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: نعم، يعني: أَوَلَم يَكْفِ شهادة الله عز وجل بأنَّ ما جاء به الرسول فهو حقّ؟ طيب، ذكرْنا أن شهادة الله نوعان: ما هما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لم نقل هذا.
* طالب: قولية وفعلية.
* الشيخ: قولية وفعلية، أين الدليل على شهادة الله القولية بأنَّ رسول الله حق؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦].
* الشيخ: أحسنت، الفعلية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تمام، شهادة الله القولية أنَّه قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، شهادة قولية، وهذه أصدَقُ الشهادات، الشهادة الفعلية أنّ الله سبحانه وتعالى يطَّلِع ويعلم أنَّ رسوله ﷺ يستبيح الدماء والأموال والنساء والذُّرِّيَّة في دعوته التي يدعو إليها، ومع ذلك فقد مكَّنَ له ونصره، حتى أنه نصره بالرُّعب مسيرة شهر، وهذه شهادة فعلية من الله عز وجل على أن رسول الله ﷺ حق.
ثم نبدأ درس اليوم، يقول: سورة الشورى، ويقال: سورة شورى، أنا عندي مكتوب (سورة شورى)، وهي تُقال هذا وهذا، أما الشورى فـ(أل) فيها للبيان، وأما (شورى) فهي مأخوذة من قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨]، وليس فيها (أل)، فهذه السورة تسمى سورة شورى وسورة الشورى، يقول: (مكية)، ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، نعم، المراد الثاني؛ ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مَدَنِيّ، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣]، هذه نزلت في عرفة، والنبي ﷺ واقف بعرفة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٠٧)، ومسلم (٣٠١٧ / ٣)، من حديث عمر بن الخطاب.]].
فصلت 41:54
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾، السين للتنفيس، وهي تفيد القُرْب والتحقيق، (سوف) للتسويف، وهي تُفيد التحقِيق مع البُعْد، ولذلك يجب أن نُفَرِّق بين (سوف) والسين، إذا كان الشيء سيكون قريبًا فقل: سيكون، وإذا كان بعيدًا فقل: سوف يكون، ولهذا تجدون قول الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]؛ لأنَّه لم يأتِ بعْد، وهو بعِيد بالنسبة لكونِه في الدنيا.
﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يعني: عن قُرْبٍ إراءَةً متحققة، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ أي: نُظْهِرُها لهم حتى يروها بأعينهم، أو حتى يروها ببصائرهم.
﴿آيَاتِنَا﴾ الآيات جمع آية، وهي في اللغة العلامة، والمراد بآيات الله علاماته الدالة على كمال علمه وحكمته وقُدْرته، وغير ذلك من مقتضيات ربوبيته.
واعلم أنَّ آيات الله تعالى نوعان: آياتٌ شرعية؛ وهي ما جاءت به الرسل، ومنها هذا القرآن الكريم، وآيات كونية؛ وهي الدالة على كمال الله تبارك وتعالى في العلم والخلق، وكلِّ ما يتعلق بربوبيته، وهي ما يعجز البشر عن مثله، فالبشر كلهم عاجزون عن أن يخلقوا أرضًا، أو سماءً، أو نجومًا، أو شمسًا، أو قمرًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، هذه آيات كونية؛ لأنه يعجز عن مثلها البشر، الآيات الشرعية مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥].
(﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾: أقطار السماوات والأرض من النَّيِّرَات والنبات والأشجار).
قوله: ﴿فِي الْآفَاقِ﴾، الآفاق جمع أُفُق، وهو الناحية، والآفاق هنا جمع، فتدل على أنَّ هذه الآيات ستكون في كلِّ ناحية من السماء والأرض، ففي السماء نجوم، في السماء شمس، في السماء قمر، فيها مشارق، فيها مغارب، كل هذه من آيات الله، من يستطيع أن يخلق مثل الشمس؟ لا أحد، مَن يستطيع أن يُجرِيَها بهذا الانتظام البديع منذ خلقها الله عز وجل إلى أن يأذن الله بخراب العالم؟ لا أحد يستطيع، مَن يستطيع أن يُزَحْزِحَها من مشارقها الشرقية الشمالية إلى مشارقها الشرقية الجنوبية؟ لا أحد، وهلم جرًّا، هذا في آفاق السماء.
من آفاق السماء ما يحصل من الأمطار الغزيرة أو الخفيفة، والرعد، والبرق، وغير ذلك، المهم أنَّ آفاق السماء كلّ ما عَلَا، كلّ ما علا فإنَّه داخل في آفاق السماء.
كذلك أيضًا آفاق الأرض؛ آفاق الأرض فيها من آيات الله عز وجل ما يدل على كمال علمه وقدرته وحكمته ورحمته؛ جبال، وأنهار، وبحار، فيافي، أودية، هضاب، إلى غير ذلك، نباتات مختلفة، تجد النبات كأنه رُقعة ثوب مُوَشَّى، هذا أخضر، وهذا بنفسجي، وهذا أبيض، وزهورها مختلفة، وثمارها مختلفة، تُسقَى بماء واحد ويُفَضِّلُ الله بعضها على بعض في الأُكُل.
كذلك أيضًا يدخل في قوله: ﴿فِي الْآفَاقِ﴾ ما يحصل في الآفاق من حرْب وسِلْم، وأمن وخوف، وشدة ورخاء، كل هذا من آيات الله في الآفاق، كذلك ما يحصل من غلبة وانهزام، وغير هذا، فالله تعالى وعَد بأن يُرِي العباد آياته في الآفاق، أفهمتم الآن؟
صار كلّ ما في الآفاق العلوية والسفلية مما لا يستطيع الخلق أن يأتوا بمثله فهو من آيات الله.
﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، يعني: ونُريهم آياتنا في أنفسهم، وذلك من نواحٍ متعددة؛ أوَّلًا: من جهة الخِلْقَة؛ كيف خلق الله سبحانه وتعالى الآدمي على هذه الصفة البديعة الغريبة التي لا يوجد من الحيوانات ما هو مثله في حُسْن القامة وحُسْن التدبير والعقْل، وغير ذلك.
كذلك أيضًا في أنفسهم من طُول وقِصَر، وبياض وسواد، وحُسْن خُلُق، وسُوءِ خلق، كذلك في أنفسهم من تقلُّبَات الأحوال، وكون الإنسان أحيانًا يريد كذا، وأحيانًا يريد كذا، وأحيانًا يريد الشيء ويصمم عليه وإذا به مصروف عنه، يُصرَف عنه، هذه من آيات الله، ولهذا قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بصرْف الهمم وتقليب القلوب، تجد الإنسان -مثلًا- متَّجِهًا إلى أن ينصرف إلى الشمال، فإذا به ينصرف إلى الجنوب بدون أي سبَب، لكن بتقدير الله عز وجل.
كذلك أيضًا من آيات الله في الإنسان تركيب هذا البدن العجيب البديع، واسأَلْ أهل التشريح عن هذا تجد العجب العجاب، إن أتَيْت إلى الرأس وما فيه من المخ وما فيه من الأدوات، وإذا أتيت إلى الأمعاء، وإلى المعدة، وإلى الكبد، وإلى الغُدَد، وإلى غيرها، تجد العجب العجاب، يعني أنَّه دولة في الواقع، كلّ شيء منه له عمله الخاص، مَن يستطيع أن يُرَكِّب هذا؟ الله عز وجل.
كذلك أيضًا من الآيات في الأنفس ما حصل لقريش في بدر، حيث إنَّ قريشًا في بدر خرجَتْ إلى بدر كما وصَف الله عز وجل: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال ٤٧]، يقول القائل منهم: والله لن نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم فيها ثلاثًا، ننحر الجزور، ونسقي الخمور، وتعزِف علينا القيان، وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدًا[[دلائل النبوة للبيهقي (٩٤٨) من حديث عروة بن الزبير.]].
هكذا قالوا، ولكن الأمر صار بالعكس والحمد لله، صار العرب يتحدثون عن هزيمتهم إلى أن يشاء الله من أمَد الدنيا، هذا من الآيات.
كذلك من آيات الله تعالى في الإنسان أنَّ الناس يختلفون اختلافًا عظيمًا في الفهم والحفظ والعمل، تجد هذا يختار هذا العمل، الآخر يقول: كيف يصبر هذا الرجل على هذا العمل؟ أليس كذلك؟ وآخر بالعكس، هذا من آيات الله تبارك وتعالى.
فكذلك أيضًا الناس يختلفون في الفهم، من الناس مَن إذا قرأْتَ عليه العبارة فهمها بأول مرة، ومن الناس مَن لا يفهمها بأول مرة، من الناس مَن إذا تلوت عليه العبارة حفظها بأول مرة، ومن الناس مَن ليس كذلك، كل هذا من آيات الله، وإلَّا فالدم واحد، والعصب واحد، والعظام واحدة، والجلد واحد، وكل شيء واحد، لكن يختلف الناس هذا الاختلاف العظيم، كل هذا داخل في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
نشوف المفسر: (﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من لطيف الصَّنعة وبديع الحكمة).
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، ﴿يَتَبَيَّنَ﴾ بمعنى: يتضح، ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء المكذِّبين، ﴿أَنَّهُ﴾ يقول المؤلف: (أي: القرآن)، ويحتمل أن يُرَاد به الرسول عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أن يراد المعنيان جميعًا، (﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الحقّ المنزَّل من الله تبارك وتعالى بالبعث والحساب والعقاب، فيُعاقَبُون على كفرِهم به وبالجائِي به).
﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الحق في الأصل هو الشيء الثابت الواقع لا محالة، ومنه قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١، ٢] يعني: الشيء الثابت، ويُطلَق على معانٍ متعددة، منها أنَّه الصدق، فالصدق حق، وضدُّه الكذب؛ باطل، ومنها العدل، فالعدل حق، وضدُّه الجور وهو باطل، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام ١١٥].
ومنها -أي من معاني الحق- أنه الشيء الثابت الذي لا يزحزحه أحد، وضدُّه الشيء الذي لا يثبُت ولا يستَقِرّ، وكلُّ إنسان يُبْطِلُه، فأنت الآن نجد أن القرآن الكريم مهما جادل به المجادِل ليدفعَه فحجَّتُه باطلة، ولا يمكن لأحد أن يغْلِبَ القرآن، بل القرآن غالب.
لكن اعلموا أيها الإخوة أن كون القرآن غالبًا إنما هو بحسب حامله، ولذلك تجد السيف البتَّار بيد الجبان لا يُغني شيئًا، لا بد أن يكون القرآن بحسب حامله، وإلَّا فالقرآن نفسه لا يمكن أن يغلب أبدًا، إلا أنه قد يغلب من جهة حامله، وهذا ليس عيبًا في القرآن، ولكنه عيب في حامل القرآن.
﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (المنزَّل من الله بالبعث والحساب)، وهذا التخصيص من المؤلف رحمه الله على سبيل المثال، وإلَّا فإنه يتبيَّن أنَّه الحق في كل شيء؛ في كونِه يغلِب ولا يُغلَب، وفي كون أحكامه عدلًا، وأخباره صدقًا، وغير ذلك.
قال: (فيعاقَبُون على كفرهم به)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالتبَيُّن هنا لازِمُه وهو المعاقبة؛ لأنه لو كان المراد التبَيُّن فقط بدون عقاب على مخالفته بعد التَّبَيُّن لم يكن هناك فائدة.
ومن ذلك أيضًا من كونه يُطلَق البيان أو العلم ويُراد به اللازم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦]، طيب يُرَوْهَا فقط أو لِيُرَوْها ويُجَازَوْا عليها؟ الثاني، يعني لِيُرَوْهَا ويُجَازَوْا عليها، هذه أيضًا يتبيَّن (فيعاقَبُون على كفرِهم به وبالجائي به)، مَن الجائي به؟ الرسول الله ﷺ.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، لَمَّا بَيَّن الله سبحانه وتعالى أنه سيُظْهِر الآيات حتى يتبيَّن أنَّ هذا القرآن حق، وأنَّ محمدًا حق، ذكَرَ شيئًا أعظَم دلالة على أنَّ القرآن حق، وعلى أنَّ الرسول ﷺ حقّ، مَن هو؟ الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
والجواب: بلى يكفِي ذلك؛ لأنَّ الله تعالى إذا رأى هذا الرجل يدعو الناس إلى ما يدعوهم إليه ويقاتِلُهم به، وينصره الله عليهم، ويمكِّنُ له في الأرض، ويتْبَعُه الناس، هل يمكن أن يُقِرَّ الله ذلك وهو باطل؟ لا يمكن أبدًا، لا يمكن إطلاقًا، فكون الله تعالى يُمَكِّن لرسوله ﷺ في الأرض، ويجلب قلوب الناس إليه، وينصرُه على أعدائه، ويفتح بدينه الشرق والغرب، كلُّ هذا دليل على أيش؟ على أنَّه حقٌّ.
وشهادة الله سبحانه وتعالى لرسولِه نوعان: شهادة قولية، وشهادة فعلية؛ أمَّا الشهادة القولية فدليلها قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦]، هذه شهادة من الله، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
أمَّا الشهادة الفعلية فهي تمكين الله تعالى لمحمد ﷺ في الأرض، ونصره إياه، وغلَبَةُ دينه على جميع الأديان.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ قال المؤلف: (فاعل يَكْفِ)، والباء مزيدة فيه لتحسين اللفظ، ونظيرُها: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: وكفى اللهُ شهيدًا، وعلى هذا فنقول في إعرابها: الباء حرف جر زائد إعرابًا، فائدته تحسين اللفظ، و(رب) فاعل (يكف) مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها حرف الجر الزائد.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهل هذا للتخصيص أو للتشريف والتكريم؟ الثاني، لماذا؟ لأنَّه ربُّ كل شيء، وانظر إلى قولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١]، وبعدها قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾؛ لئلَّا يظن الظانُّ أن ربوبيته خاصة بهذه البلدة، كذلك أيضًا إضافة الربوبية إلى الرسول من باب التشريف والتكريم، والإشارة إلى أنه سوف ينصره على عدُوِّه؛ لأنَّ ربوبية الله للرسول عليه الصلاة والسلام ربوبية خاصة.
(﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ بدَلٌ منه) بدل من أين؟ بدل من قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾، والبدل يقولون في تعريفه: هو الذي إذا أسقطت الْمُبْدَل منه استقام الكلام، البدل هو الذي إذا حذَفْت الْمُبْدَل منه استقام الكلام، تقول: أعجبني زَيْدٌ خُلُقُه، هذا بدل، أَسْقِط (زيد): أعجبني خُلُق زيد، معلوم؟ أكلْتُ الرغيفَ ثُلُثَه، أَسْقِط الرغيف يستقيم الكلام أو لا؟ هذا ضابط البدل.
هنا نقول: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾، أَسْقِط ﴿بِرَبِّكَ﴾، تقول: أَوَلَمْ يكفِ أنَّ الله على كل شيء شهيد، يستقيم، لكن لا شك أنَّ القرآن الكريم لا يمكن أن يوجَد بدل ومُبْدَل منه إلا لفائدة عظيمة، فيكون ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ﴾ شهادةً ونصرة وتثبيتًا، وما أشبه ذلك.
ثم قال: ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، هذا بعضٌ من مقتضى ربوبيته سبحانه وتعالى، ﴿أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، قال: (بدل منه) أي: أَوَلَمْ يَكْفِهم في صدقك أنَّ ربك لا يغيب عنه شيء ما؟ وهذا واضح، والشهادة هنا أيش هي؟
* طالب: قولية وفعلية.
* الشيخ: الشهادة هنا فعلية، يعني: أَوَلَمْ يَكْفِ بربِّك أنَّ الله على كل شيء شهيد، وقد مكَّنَ لك في الأرض، وثبَّتَك، ونصرَك عليهم وعلى كل عدُوٍّ لك؟ والجواب: بلى والله إنَّ هذا لكافٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠]، بعدها؟ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت ٥١]، فالكتاب أعظم آية، شهادة الله على صِدْق رسوله أعظم آية.
ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وتُفيد شيئين؛ الشيء الأول: التوكيد، والشيء الثاني: التنبيه، وهل هي مركبة من الهمزة و(لا) أو هي غير مركبة؟ الجواب: هي غير مركبة، بل هي كلمة واحدة.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾: شكٍّ، ﴿مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ لإنكارهم البعث، فهم -والعياذ بالله- في شَكّ من لقاء الله، ولو كانوا يرجون لله لقاءً لاستقاموا وخافوا منه، كل إنسان يؤمن بأنه مُلَاقٍ ربَّه فإنه سوف يستقيم على أمر الله؛ لأنه يعلم أنَّ الرب عز وجل سوف يحاسبه على هذا.
﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا﴾ أداة استفتاح أخرى تُفيد التنبيه والتوكيد، (﴿أَلَا إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ علمًا وقُدْرَة، فيجازيهم بكفرهم)، هم في شكٍّ من لقاء الله، لكن سوف يُنَبِّئُهم الله عز وجل بما عملوا؛ لأنَّه بكل شيء محيط، وعلى هذا فَصِلَةُ قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ بما قبلها الإشارة إلى أنَّه سوف يجازيهم.
* في هذه الآيات فوائد: منها: أنَّ الله تعالى سيُظْهِر ما يتبين به صِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
* ومنها: أنَّ هذه الإراءَة قريبة محققة، من أين تؤخذ؟ من ﴿سَنُرِيهِمْ﴾؛ لأنها صُدِّرَت بالسين الدالَّة على التحَقُّق والقُرْب.
* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يُفَكِّر في آيات الله تعالى في الآفاق وفي نفسه؛ لأن ذلك طريق إلى أن يتبَيَّن له الحق، من أين نأخذها؟ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، فأنت كلما ازددتَ تأمُّلًا وتدَبُّرًا لآيات الله الآفاقية، والآيات اللي في نفسك، فإنك لا شك تزداد إيمانًا، ويتبيَّن لك صِدْق الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الإنسان ناقص العلم نقصًا عظيمًا، وجهه: أنَّ الله تعالى يُرِيهِ آياته في نفسه، فالإنسان غير عالم بنفسه إلا إذا علَّمَه الله، ولذلك يا إخوان الآن نفسك التي هي مادة حياتك ما تعرفها، أتعرف النفس؟ أبدًا ما نعرفها.
ولهذا اختلف فيها النُّظَّار من المتكلمين والفلاسفة وغيرهم؛ منهم من قال: إن النفس هي الدم، ومنهم من قال: إنَّ النفس جزء من البدن، ومنهم من قال: إن النفس عَرَضٌ في البدن، ومنهم من قال: إن النفس لا تُوصَف بشيء، فلا هي داخل العالم ولا خارجه، ولا مُتَّصِلة ولا منفصلة، إلى آخر ما يقولون في النفي المطلَق، ومنهم من قال: إن النفس مخلوق من مخلوقات الله، وأنها ذات جِرْم، وأنَّها تدخل في البدن وتسير فيه كما تسير الجمْرُ في الفحم، أو الماء في الْمَدَر.
ويدُلُّ لذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأنَّ الإنسان إذا قُبِض أُخِذَتْ نفسه، أخذَتْها الملائكة وجعلَتْها في كفن وحَنُوط[[أخرجه أحمد (١٨٥٣٤) من حديث البراء بن عازب.]]، وأنه إذا قُبِض اتَّبَعه البصر[[أخرجه مسلم (٩٢٠ / ٧) من حديث أم سلمة.]]، وهذا يدل على أنها شيء مخلوق له جِرْم وجسد، لكننا مع ذلك لا نعلم منها إلا قليلًا، ولهذا لَمَّا سألوا عن الروح قال الله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥].
* ومن فوائد هذه الآيات: أنَّ القرآن والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حق؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ الآيات الدالة على ذلك آياتٌ تُوصِل إلى اليقين؛ لقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾، التَّبَيُّن يعني الوضوح والظهور، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة ١٨٧]، فإذا علِمْت أنَّك لم تصِلْ إلى اليقين فاتَّهِم نفسَك، عليك أن تُعَالِج هذا المرض العُضَال الخطير حتى تصل إلى اليَقِين، حتى تصِلَ إلى ما يدُلّ عليه قول الرسول ﷺ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: كفاية الله تعالى عن كل شيء بشهادته؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالآثار على مُؤَثِّرَاتها، وجهُ ذلك أن الله تعالى استدل بتمكينه الرسولَ على أنَّه حق، فالإِنسان يستدل بالآثار على مُؤَثِّرَاتها، ولهذا قيل: البَعَرَة تدل على البعير، وهذا جواب من أعرابي سُئِل: بِمَ عرفت ربك؟ قال على البديهة: البعرة تدل على البعير ، اختار هذا؛ لأنه أعرابي ما يعرف إلا الإبل، البعرة تدل على البعير، والأَثَر يدل على الْمَسِير، صح؟ إذا رأيتَ مثلًا صورة القَدَم على الأرض عرفت أنه قد سار على هذا أحد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدُلُّ على السميع البصير؟ والجواب: بلى، هذا الأعرابي استدل بالآيات الآفاقية على وجود الله وعلى قدرته.
* ومن فوائد هذه الآيات: الحذر من المخالفة، وهذه فائدة تربَوِيَّة، من أين تُؤْخَذ؟ ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فإذا علمْتَ أن الله شهيد على كل شيء؛ على نفسك، أفعالك، أقوالك، كل التصرُّفات، فإنَّك سوف تُرَاقِب الله عز وجل، ومَن لم يتَّعِظْ بمثل هذه الآية فإنه لن يَتَّعِظ، إذا علمْتَ أنَّ الله شهيد عليك في خلواتك، في وحدتك، في جلوسك مع أهلك، في جلوسك مع صَحْبِك، فإنَّك سوف تراقب الله عز وجل، وهذا هو معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥)، من حديث أبي هريرة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حال هؤلاء المكذِّبين، وأنَّ سبب تكذيبهم أنهم في شكٍّ من لقاء الله، ومعلوم أن مَن كان في شك من لقاء الله فلن يعمل لله، ولهذا تجدون الله تعالى يَقْرِن دائمًا بين الإيمان به واليوم الآخر؛ لأنَّ مَن نَقَص إيمانُه باليوم الآخر فسوف ينقص عمله، ومَن كمُلَ إيمانه باليوم الآخر فسوف يكمُلُ عمله؛ لأنَّه يرجو أن يكون سعيدًا في ذلك اليوم.
أنت عندما تركع أو تسجد اجعل على بالك أنَّ هذا الركوع والسجود سوف ينفعك متى؟ يوم القيامة، وهو ينفعك من الآن؛ لأنَّ الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن الثمرة الملموسة يوم القيامة، التي تظهر لكل أحد، في الدنيا يظهر للمؤمن الانتفاع التام بالطاعات، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما يفعل أعدائي بي، إنَّ جَنَّتِي في صدري، حَبْسِي خلوة، ونَفْيِي سياحة، وقَتْلِي شهادة، رحمه الله، فالإنسان المؤمن يجد هذا في نفسه قبل يوم القيامة، في يوم القيامة يكون الظهور الكامل، يُكْشَف عن كل شيء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان إحاطة الله بكلِّ شيء؛ عِلمًا، وقُدرَة، وسلطانًا، وتدبيرًا، وغير ذلك، محيط بكل شيء، بأفعاله وأفعال العباد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢].
* من فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: تحقِيق مراقبة الله؛ لأنَّك إذا آمنت أنَّ الله بكل شيء محيط فسوف أيش؟ تُرَاقِبه المراقبة التامة بحيث لا يفقدك حيث أَمَرَك، ولا يراك حيث نهاك، والله أعلم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم﴾ [الشورى ١ - ٥].
* الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ الله سبحانه وتعالى وَعَدَ بأن يُرِيَ هؤلاء المكذِّبين آياتِه في الآفاق وفي أنفسهم، فهات مثالًا لإِراءته إياهم آياته في الآفاق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني آياته الكونية كالشمس والقمر والنجوم، والأرضية؟
* الطالب: الأرضية (...).
* الشيخ: ما في الأرض من البحار والأنهار والأشجار والجبال وغير ذلك، وفيها أيضًا الآفاق؛ آيات الله الشرعية في الآفاق.
* طالب: آيات الله الشرعية؟
* الشيخ: نعم في الآفاق.
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: لا.
* طالب: ما جاء من الرسل.
* الشيخ: لا، ما قلنا: الفتوحات الإسلامية والغلَبة والنصر لأولياء الله؟ طيب، في الأنفس؛ آيات الله تعالى في أنفسهم؟
* طالب: في أنفسهم معدة الشخص..
* الشيخ: معِدَة الشخص؟
* الطالب: كيف الهضم..
* الشيخ: يعني فقط المعدة؟
* الطالب: لا، هذا واحد من المثال.
* الشيخ: طيب هات.
* الطالب: مثال ثانٍ العيون..
* الشيخ: نعم، الآيات في النفس الخِلْقِية والخُلُقِية، كذا؟ طيب، وهي عاد أنواع كثيرة متعَدِّدة.
ما معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾؟
* طالب: هذا استفهام إنكاري على المكذِّبين..
* الشيخ: أو استفهام تقريري؟
* الطالب: استفهام تقريري..
* الشيخ: إي، ويش معناه؟
* الطالب: مُشْرَبٌ بالتحدي، يعني: أَوَلَم تكفِ شهادة الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: نعم، يعني: أَوَلَم يَكْفِ شهادة الله عز وجل بأنَّ ما جاء به الرسول فهو حقّ؟ طيب، ذكرْنا أن شهادة الله نوعان: ما هما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لم نقل هذا.
* طالب: قولية وفعلية.
* الشيخ: قولية وفعلية، أين الدليل على شهادة الله القولية بأنَّ رسول الله حق؟
* الطالب: قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء ١٦٦].
* الشيخ: أحسنت، الفعلية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: تمام، شهادة الله القولية أنَّه قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، شهادة قولية، وهذه أصدَقُ الشهادات، الشهادة الفعلية أنّ الله سبحانه وتعالى يطَّلِع ويعلم أنَّ رسوله ﷺ يستبيح الدماء والأموال والنساء والذُّرِّيَّة في دعوته التي يدعو إليها، ومع ذلك فقد مكَّنَ له ونصره، حتى أنه نصره بالرُّعب مسيرة شهر، وهذه شهادة فعلية من الله عز وجل على أن رسول الله ﷺ حق.
ثم نبدأ درس اليوم، يقول: سورة الشورى، ويقال: سورة شورى، أنا عندي مكتوب (سورة شورى)، وهي تُقال هذا وهذا، أما الشورى فـ(أل) فيها للبيان، وأما (شورى) فهي مأخوذة من قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨]، وليس فيها (أل)، فهذه السورة تسمى سورة شورى وسورة الشورى، يقول: (مكية)، ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، نعم، المراد الثاني؛ ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مَدَنِيّ، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣]، هذه نزلت في عرفة، والنبي ﷺ واقف بعرفة[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٠٧)، ومسلم (٣٠١٧ / ٣)، من حديث عمر بن الخطاب.]].
الشورى 42:1
قبل أن نبدأ بالتفسير أحبُّ أن أحثَّ طلابَ العلم على تعلُّم تفسير القرآن؛ لأنَّ القرآن أشرفُ كتابٍ وأعظمُ كتابٍ؛ فإنَّه كلام الله عز وجل، تكلَّم به حقيقةً، وسمعه جبريل فألقاه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إنَّ هذا شأنُ الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمْنا القرآنَ والعِلْم والعَمَل جميعًا[[أخرج الطبري في تفسيره (١/٨٠) عن أبي عبد الرحمن، قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]. تعلَّموا القرآنَ والعِلمَ والعَمَل.
ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا قرأ القرآن بدون معرفةٍ لمعناه فإنَّه لا يستفيد منه شيئًا؛ كما لو قرأ كتابَ فقهٍ أو كتابَ طبٍّ أو كتابَ أدبٍ وهو لا يعرف المعنى فإنَّه لا يستفيد من هذا شيئًا، أهمُّ شيءٍ في القرآن أن تتدبَّر آياته وتتَّعظ بها؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
يوجد بعضُ الناس تميل نفسُه إلى فنٍّ من فنون العلم ويُهمِل القرآن، لو ناقشتَه في أقلِّ معنًى للآيات وجدتَه ليس عنده منها خبرٌ ولا وَقَف منها على علم ولا أَثَر، وهذا نقصٌ كبيرٌ في العلم، أصلُ المعلومات وأهمُّها وأشرفُها وأجلُّها هو تعلُّم القرآن الكريم، ولذلك تنبغي العنايةُ به.
واعلمْ أنَّ القرآن الكريم لم ينزل على أنَّه كتابُ نحوٍ أو كتابُ صرفٍ أو كتابُ فلَكٍ أو ما أشبه ذلك، إنما نزل ليستقيم العبدُ في معاملته مع الله ومعاملته مع الخلْق، ولذلك تجد القرآن الكريم لا يعتني كثيرًا بالآيات الكونية الفلَكية وإنما يُشير إليها إشارةً، لكنَّه في الأحكام الشرعية يأتي فيها بالتفصيل والبيان، ولقد حاولَ بعضُ المتأخِّرين أن يُنَزِّل المعلومات الكونية الفلكية والأرضية، حاولَ أن يجعل القرآنَ دالًّا عليها بالتفصيل، فصار يسوق الآيات ويتكلَّف في معناها ليُخضِعها إلى موافقة ما قيل عن علم الفَلَك والأرض، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ القرآن إنما نَزَل لهداية الخلْق في العبادات والمعاملات، وما أتى فيه من كلامٍ عن الأمور الكونية فهذا أتى على وجهٍ إجماليٍّ التفصيلُ فيه قليلٌ إن كان هناك تفصيل، فليعتنِ طالبُ العلم بتفسير كلام الله عز وجل.
ثم نبدأ درسَ اليوم، يقول: (سورة الشورى)، ويُقال: (سورة شورى)، يُقال هذا وهذا؛ أمَّا (الشورى) فـ(أل) فيها للبيان، وأمَّا (شورى) فهي مأخوذة من قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] وليس فيها (أل)، فهذه السورة تُسَمَّى (سورة شورى) و(سورة الشورى).
يقول: (مكيَّة) ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
المراد الثاني، ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مدني؛ كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] هذه نزلتْ في عرفة والنبيُّ ﷺ واقفٌ بعرفة، وما نزل قبل الهجرة ولو في الأسفار أو في أيِّ مكانٍ فإنه مكِّيٌّ؛ إذَن الحد الفاصل بين السور المكية والمدنية هو الهجرة.
يقول: (إلا ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [الشورى ٢٣] الآيات الأربع). استثنى المؤلف رحمه الله من هذه السورة هذه الآيات الأربع؛ يعني أنها مدنية وبقيَّة السورة مكية، ولكن لاحِظوا أنَّ أيَّ إنسانٍ يستثني آياتٍ من سورة مدنية لتكون هذه الآياتُ مكيةً أو بالعكس فإنَّنا نُطالبه بالدليل، وإلا فالأصل أنَّ السورة المكية مكيةٌ بجميع آياتها، وأنَّ السورة المدنية مدنيةٌ بجميع آياتها.
قد يقول قائل: الشاهد مثلًا أو الدليل أنَّ أسلوب الآيات المدنية يختلف عن أسلوب الآيات المكية.
نقول: هذا لا يكفي.
قد يقول -مثلًا- قائلٌ: الدليل على الاستثناء أنَّ هذه الآيات -مثلًا- تبحثُ في الفروع؛ في فروع الدين، وهذه علامةٌ على أنها مدنية؛ لأنَّ غالب السور المكية تبحث في أصول الدين.
نقول: هذا ليس بدليل. وعلى هذا فالأصل أنَّ هذه السورة أيش؟ مكيةٌ بجميع آياتها حتى يقوم دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذه الآيات التي استثناها المؤلفُ مدنية.
ثم اعلمْ أنَّ جميع السور المبدوءة بالحروف الهجائية مكيةٌ إلا سورتين هما: البقرة وآل عمران، والباقي كلُّه مكيٌّ.
ثم قال: (ثلاثٌ وخمسون آية). الآية هي عبارة عن جملةٍ من القرآن الكريم انفصلتْ عمَّا قبلها، انفصالًا معنويًّا أو انفصالًا توقيفيًّا؟ انفصالًا توقيفيًّا؛ يعني أنَّ الآيات فصلُ هذه عن هذه بالتوقيف، وليس تابعًا للمعنى، ولهذا تجدون قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] هاتان آيتان، مع أنَّ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مرتبطةٌ تمامًا بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، المهمُّ أنَّ فصل آيةٍ عن آيةٍ إنما هو بالتوقيف.
كذلك أيضًا وضْعُ الآيات بعضها إلى بعض هو أيضًا توقيفيٌّ ليس للرأي فيه مجالٌ وليس لأحدٍ فيه أيُّ عملٍ، بل هو توقيفيٌّ؛ إذا نزلت الآية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَكَانِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا»[[أخرج الترمذي (٣٠٨٦) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السُّوَر ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعضَ مَن كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا»، وإذا نزلت عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا...» الحديث.]].
فصار الآن فصلُ الآيات بعضها عن بعض..
* طلبة: ترتيبها.
* الشيخ: طيب، ترتيبها توقيفيٌّ.
أمَّا السُّوَر فبعضها ترتيبه توقيفيٌّ وبعضها ترتيبه غير توقيفيٍّ؛ فمثلًا البقرة وآل عمران ترتيبها توقيفيٌّ، آل عمران بعد البقرة، ولا يُشكِل عليك حديث حذيفة «أنَّه صلى مع النبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران»[[أخرج مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) عن حذيفة قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلةٍ فافتتح البقرة، فقلتُ: يركع عند المئة. ثم مضى، فقلتُ: يصلِّي بها في ركعة. فمضى، فقلتُ: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا... الحديث.]]؛ لأنَّ الترتيب النهائي أنَّ آل عمران بعد البقرة، ويكون حديثُ حذيفة قبل الترتيب النهائي، ولهذا تجدون في الحديث أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقرن دائمًا بين البقرة وآل عمران؛ كقوله: «اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه.]]؛ يعني: البقرة وآل عمران.
فصار عندنا الآن ترتيب السُّوَر بعضُه؟
* طالب: توقيفي.
* الشيخ: وبعضه غير توقيفي. ترتيب الآيات؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي. تفصيل الآيات؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي، طيب.
وإنما سُمِّيت القطعة أو الجملة من القرآن آيةً لأنها معجزةٌ؛ يعني الآية الواحدة لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثلها؛ لا في موضعها، ولا في صيغتها، ولا في مدلولها.
قال الله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى ١، ٢] هذه خمسة أحرف: حاء، ميم، عين، سين، قاف. خمسة أحرف، لكنَّها أحرف هجائيَّة؛ يعني هي مثل ألِف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء. هذه حاء، ميم، عين، سين، قاف. ليس لنا أن نتكلَّم لماذا اختار الله عز وجل هذه الحروفَ بعينها دون غيرها، هذا ليس إلينا، ولا يمكننا أن نحيط بذلك علمًا، لكنْ لنا أن نسأل: هل لهذه الحروف معنًى أو ماذا؟
المؤلف يقول: (الله أعلم بمراده به). وهذا يقتضي أنَّه أثبتَ لهذه الحروف معاني لكنَّها غير معلومة، وهذه الحروف الهجائية التي ابتُدِئتْ بها بعضُ السُّوَر اختلف فيها العلماء -رحمهم الله- سلفًا وخلفًا: ما معناها؟ وهل هي رموزٌ أو أسماءٌ للسُّوَر التي ابتُدئتْ بها أو ماذا؟ ولكنَّنا إذا طبَّقْنا ذلك على ما تقتضيه الأدلَّة وجدنا أنها حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، الدليل أنَّه لا يوجد في القرآن شيءٌ ليس له معنى معلومٌ لجميع الناس؛ لأنَّه لو قُدِّر أنَّ في القرآن شيئًا مجهولًا لجميع الناس لم يكنْ هذا القرآن بيانًا للناس؛ لأنَّ مقتضى البيان ألَّا يكون فيه شيءٌ إلا كان معلومًا للناس جميعًا أو لبعض الناس، أمَّا أن يوجد فيه ما ليس معلومًا لجميع الناس فهذا لا يمكن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩]، وهذا يشمل البيانَ اللفظيَّ والبيانَ المعنويَّ. إذَن اعلمْ أنَّه لا يوجد شيءٌ في القرآن لا يفهم الناسُ معناه، أبدًا، لا بدَّ أن يفهموا معناه، فإذا وُجِد شيءٌ لا يُعرَف معناه يعني ذلك أنَّه ليس له معنى، هذا واحد.
ثانيًا: إذا طبَّقْنا هذه الحروف على قول الله تبارك وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] قلنا: هذه الحروف في لغة العرب ويش معناها؟ ليس لها معنى. إذَن فمقتضى كَوْن القرآن باللسان العربي المبين ألَّا يكون لهذه الحروف معنى؛ لأنَّ هذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية، وهذا هو الذي نقله ابن كثير رحمه الله عن إمام المفسِّرين في عهده مجاهد بن جبرٍ رحمه الله، الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس، قال: إنَّ هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى[[ذكر ابن كثير في تفسيره (١ / ٦٧) عن مجاهد أنَّه قال: (الم) و(حم) و(المص) و(ص) فواتح افتتح الله بها القرآن.]]. نجزم بذلك أو لا؟ نجزم بذلك، لا تخرُّصًا، ولكن استدلالًا بالقرآن واستدلالًا بحال القرآن:
استدلالًا بالقرآن لأنَّه نزل باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنًى في اللغة العربية.
استدلالًا بحال القرآن أنَّ القرآن ليس فيه شيءٌ أيش؟ لا يعرف الناسُ معناه كلُّهم، لا بدَّ أن يكون في شيء معلوم، وعلى هذا فإنَّنا نجزم بأنَّ هذه الحروف ذاتها ليس لها معنى.
لكنْ إذَنْ يَرِد علينا إشكال؛ إذا قلنا: ليس لها معنًى، صار إنزالها وكلامُ الربِّ بها -عز وجل- عبثًا، والله تبارك وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا.
فنقول: ليس بعبثٍ؛ هي ذاتُها ليس لها معنًى، لكنْ لها مغزًى يقترن بالتحدِّي وهو أن يُقال: إنَّكم أيها العرب تركِّبون كلامَكم من هذه الحروف، والقرآن لم يأتِ بحرفٍ لم تتكلَّموا به، بل كلُّه من الحروف التي تتكلَّمون بها، وهذا مثال: حاء، ميم، عين، سين، قاف، ومع هذا عجزتم أن تأتوا بمثله، فيكون في هذا مغزًى عظيمٌ، وهو أنَّ القرآن الذي أَعجزكم أيها العرب مع أنَّكم أئمةُ الفصاحة هل أتى بحروفٍ جديدةٍ تقولون: واللهِ لا نعرف هذه الحروف، أو هو من الحروف التي أنتم تنطقون بها؟ الجواب: الثاني، ومع ذلك أَعجزكم.
ويدلُّ لهذا المغزى الذي أقرَّه شيخ الإسلام رحمه الله ومَن سبقه ومَن لَحِقَه، يدلُّ على هذا أنَّك لا تكاد تجد سورةً مبدوءةً بهذه الحروف إلا وبعدها ذِكْر القرآن الكريم أو ذِكْر ما لا يمكن إلا بوحي؛ ننظر الآن ﴿الم﴾ [البقرة ١] في أول البقرة، ويش بعدها؟ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢]، في آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣]، الأعراف: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١، ٢]، وهلمَّ جرًّا، ليس فيه إلا سورتان أو ثلاث، لكن حقيقة الأمر أنَّ الذي يلي هذه الحروف لا يتأتَّى العلمُ به إلا عن طريق الوحي.
﴿حم (١) عسق﴾ نقول في تفسيرها: هذه حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، لكن لها مغزى.
(﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل ذلك الإيحاء ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَ﴾ أوحى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى ٣] فاعل الإيحاء). ﴿كَذَلِكَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، وإعرابها في جميع المواطن إلا يسيرًا أن تقول: الكاف نائبةٌ منابَ (مِثْل) منصوبةٌ على أنها مفعولٌ مطلقٌ، وعاملُها ما يأتي بعدها. الكاف بمعنى (مِثْل) منصوبة على أيش؟ على أنها مفعولٌ مطلقٌ عاملُها ما يأتي بعدها. حوِّل الكاف إلى (مِثْل) تقول: مِثْلَ ذلك. أين العامل فيها؟ العامل فيها ﴿يُوحِي﴾؛ أي: يُوحي إليك مثلَ ذلك الإيحاءِ اللَّهُ العزيزُ الحكيمُ.
وقوله: (ذلك) المشارُ إليه الوحيُ النازل على الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾ الوحيُ في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ويُطلَق على الرمز؛ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١]، ويُطلَق على الإلهام كما في قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]. أمَّا في الاصطلاح فالوحيُ إعلامُ الله تعالى بالشرع لأنبيائه ورُسُله.
وقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الواو حرف عطف، و﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوفة على ﴿إِلَيْكَ﴾، وإذا كانت معطوفةً على ﴿إِلَيْكَ﴾ كان تقدير الفعل: ويُوحي إلى الذين من قبلك. لكنْ لاحِظوا أنَّ المؤلف رحمه الله صرفها فقال: (وأوحَى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ) فقدَّر فعلًا ماضيًا مع أنَّها معطوفة على معمولِ فعلٍ مضارعٍ، فلماذا؟ لأنَّ إيحاء الله إلى رسوله محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستمرٌّ، وإيحاؤه إلى مَن سَبَقه ماضٍ منتهٍ، فلهذا قدَّر المؤلف فعلًا ماضيًا.
ولكنَّنا نقول: الأصل عدم التقدير؛ لأنَّ القرآن كاملٌ لا يحتاج إلى تقديرٍ إلا ما دعت الضرورة إليه، هُنا لا ضرورة، ونقول: كذلك يُوحِي إليك ويُوحِي إلى الذين من قبلك، ويكون ذِكْر الإيحاء لمنْ سَبَقنا من باب ذِكْر صورة الحال؛ فإنَّه سبحانه وتعالى حين وحْيِه إلى مَن سَبَق يُوحي، في المضارع، فيكون هذا على حكاية الحال.
وقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المراد بهم الأنبياء والرُّسُل.
(﴿اللَّهُ﴾ فاعلُ الإيحاء). لو قال: فاعل ﴿يُوحِي﴾، كان أحسن من حيث بيان الإعراب، فعلى هذا نقول: ﴿يُوحِي﴾ فعل مضارع، و﴿اللَّهُ﴾ فاعل.
﴿اللَّهُ﴾ الله هو عَلَمٌ على ربِّنا عز وجل، قيل: وأصله الإله، فحُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفت الهمزة من (خير) و(شر) في قولهم: فلانٌ خيرٌ من فلانٍ، أو: فلانٌ شرٌّ من فلانٍ، والتقدير: أَخْيَرُ، وأَشَرُّ.
﴿اللَّهُ﴾ معنى هذه الكلمة العظيمة؛ قيل: إنَّه اسمٌ جامدٌ ليس له معنى، فهو غير مشتقٍّ. لكن هذا القِيل غير صحيح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠]، والاسم المجرَّد عن معنًى لا يدخل في الحُسنى، بل ولا في الحَسَن، فكلُّ اسمٍ من أسماء الله فإنَّه متضمِّنٌ لصفةٍ من صفات الله أو أكثر، وليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ لا يحمل معنى أبدًا.
وعلى هذا فنقول: (الله) مشتقٌّ من الألوهيَّة، والألوهيَّة هي التذلُّل للمَألوهِ مع المحبَّة والتعظيم، إذَنْ فـ(الله) بمعنى المتألَّه إليه حُبًّا وتعظيمًا.
﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه). أولًا قال: (﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه)، لكنْ لم يفسِّر معنى العِزَّة.
(العزيز) في الأصل: الغالب، (العزيز) يعني الغالب القاهر لِمَن سِواه عز وجل، واستمِعْ إلى قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، مَن يريدون بالأعزِّ؟ يريدون أنفسَهم، ويريدون بالأذلِّ الرسولَ ﷺ وأصحابَه. ماذا قال الله ردًّا عليهم؟ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] أي: لله الغَلَبة ولرسوله وللمؤمنين.
وتأمَّل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ ولم يقُل: واللَّهُ الأعزُّ، مع أنَّهم هم يقولون: ﴿الْأَعَزُّ﴾ و﴿الْأَذَلَّ﴾، لم يقُل: والله أعزُّ، قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾؛ لأنَّه لو قال: والله هو الأعزُّ، لَأَثْبتَ للمنافقين عِزَّةً مفضولةً، لكنَّ الحقيقة أنَّه لا عِزَّة للمنافق، بل هو مغلوبٌ دائمًا، بل حالُه تدلُّ على أنَّه مغلوبٌ لأنَّه مختفٍ جبانٌ، يُظهِر أنَّه مسلمٌ وليس بمسلم، ولهذا نقول: إنَّ الكافرين الخُلَّص الصُّرَحاء أشجعُ من المنافقين؛ لأنَّهم يُصَرِّحون ويُعلنون، المنافق ذليلٌ يُظهِر الإسلامَ خوفًا من المسلمين، ويُبطن الكفر لأنَّه كافرٌ والعياذ بالله.
الخلاصة: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المؤلف رحمه الله لم يبيِّن معناها، فنقول: العِزَّة يعني أيش؟ الغَلَبة.
﴿الْحَكِيمُ﴾ يقول: (في صنعه)، وهذا ناقصٌ جدًّا؛ لأن حكمة الله تعالى في صنْعه وفي شَرْعه، فهو حكيمٌ في صنعه؛ أي: في خَلْقه، وهو حكيمٌ في شرعه، واقرأْ قولَ الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ كل هذه أحكام شرعية، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، فهو جل وعلا حكيمٌ في شرعه، وحكيم في صنعه؛ يعني: في خَلْقه، كلُّ ما خَلَقه الله تعالى فالحكمة تقتضي وجودَه، وكلُّ ما أعدمَه الله تعالى فالحكمة تقتضي عَدَمه، هذا أمرٌ مسلَّمٌ به. كلُّ ما شرعه الله إيجابًا أو تحريمًا أو تحليلًا فالحكمة تقتضي شرعه كذلك؛ الواجب تقتضي الحكمةُ إيجابَه، والمحرَّم تقتضي الحكمةُ تحريمه، والمباح تقتضي الحكمةُ إباحتَه، لكن لا يَلْزم من وجود الحكمة في ذلك أن تكون معلومةً لنا، لا يَلْزم من هذا، هو فيه حكمة لكنْ قد نَعْلمها وقد لا نَعْلمها. وهل إذا حُجِبَ عنَّا عِلْمها يعني العدم؟ أجيبوا يا إخوان.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لأنَّنا قاصرون بكل شيء، خُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا في كلِّ شيء؛ ضعيفًا في قوَّته، في إدراكه، في علمه، في كل شيء، ولهذا لَمَّا قالوا: ما هي الروح يا محمد؟ قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] ختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ كأنَّه يقول: ما بَقِي عليكم من العلم إلا الروح حتى تسألوا عنها، بل الذي فاتكم من العلم أيش؟ أكثرُ من الذي أدركتموه، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولذلك واجبُ المسلم تجاه خَلْق الله وتجاه شَرْع الله أن يستسلم تمامًا وأن يقول: هذا هو الحكمة.
أضربُ مثلًا في الشرائع؛ لماذا يأتي الناس بحصى -حجراتٍ صغيرةٍ- يضربون بها مكانًا معيَّنًا؟ قد يقول قائل: أيش الحكمة من هذا؟ ما الحكمة؟
فنقول: مجرَّد كَوْن الله شَرَع ذلك دليلٌ على الحكمة، ونكتفي بهذا، مع أنَّ مِن أعظم الحِكَم فيه كمال التعبُّد؛ أنْ يأتي الإنسانُ بحجرٍ يضرب به مكانًا لمجرَّد امتثال أَمْر الله ففيه كمال التعبُّد؛ لأنَّ انقياد النفس لِمَا تعلم فائدتَه أسهلُ من انقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه، وانقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه أَبْلغُ في التذلُّل والتعبُّد لله عز وجل، مع أنَّ هذا العمل مقرونٌ بذِكْر؛ كلُّ حصاةٍ ترميها تقول: الله أكبر. مقرونٌ أيضًا باتِّباعٍ؛ كلُّ حصاةٍ ترميها وأنت تشعر أنَّك مُتَّبعٌ لرسول الله ﷺ.
على كلِّ حالٍ نقول: إنْ قَصْر المؤلفِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ على حِكْمة الصنعة أيش فيه؟
* الطلبة: قاصرٌ.
* الشيخ: قاصرٌ بلا شك، فهو حكيمٌ في صنعه وحكيمٌ في شرعه تبارك وتعالى.
لا بدَّ أن نعرف ما هي الحكمة، يقول العلماء: إنَّ الحكمة هي وضْع الأشياء في مواضعها؛ بمعنى أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا خَلَق شيئًا أو شَرَع شيئًا فإنَّه في مكانه اللائق به. ولهذا قال بعض السلف: إنَّ الله تعالى لم يأمر بشيءٍ فيقول العقل لَيْتَه لم يأمر به، ولم يَنْهَ عن شيءٍ فيقول العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه. فكلُّ ما ثَبَت بالشرع فإنَّه لا يُنافي العقل، بل إنَّ العقل يؤيِّده ويشهد بصحته، فالحكيم إذَنْ هو واضعُ الأشياءِ مواضعَها سواءٌ الشرعية أو الكونية، فما أَمَر الله بشيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يأمر به، وما نهى عن شيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه.
أمَّا في الأمور الكونية فإنَّ الله سبحانه وتعالى ربما يقدِّر أشياءَ تظنُّها فسادًا، فإذا بها تكون صلاحًا وخيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩]، فالله سبحانه وتعالى قد يقدِّر أشياء إذا نظر إليها الإنسانُ أوَّلَ وهْلةٍ قال: هذه ما فيها فائدة، أو قال: هذه مَضَرَّة، لكنْ إذا تأمَّل وجد أنَّ الحكمة تقتضي ذلك، وأنت أيُّها العبد إذا آمنتَ أنَّ الله حكيمٌ في شَرْعه وحكيمٌ في خَلْقه فإنَّه لا يبقى لك شكٌّ في أنَّ ما شَرَعه خيرٌ وما قدَّره خيرٌ.
وللحكيم معنًى آخَر غير الحكمة، وهو الحاكم؛ لأنَّ هذه المادة (ح ك م) تدلُّ على المعنيين: على الحكمة وعلى الحُكْم، فهو سبحانه وتعالى هو الحاكم، يحكم في الناس ويحكم بين الناس؛ يحكم في الناس بما يُلزمهم به من الأحكام الشرعية، ويحكم بين الناس فيما يختصمون فيه، فهو الحاكم، وحُكمه مبنيٌّ على العدل التامِّ، لا ظُلم ولا جَوْر، لا بالنسبة لِمَا يحكم فيه بين الناس، ولا بالنسبة لِمَا يحكم به في الناس، كلُّه عَدْلٌ، كلُّه خيرٌ، إذَن الحكيم له معنًى آخَر وهو أيش؟ الحُكم.
الحُكم ينقسم إلى: حُكمٍ قَدَريٍّ، حُكمٍ شرعيٍّ. ولهذا إذا أُصِيبَ الإنسانُ بمصيبةٍ قال: هذا حُكم الله - يعني هو تعبير عامِّي- هذا حُكم الله، يعني القَدَري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري. لكنْ إذا قيل له: يجب عليك كذا وكذا. قال: ليش يجب؟ قال: هذا حُكم الله. هذا حُكم الله الشرعي.
وكلاهما في القرآن؛ فمِن الأول -أعني الحُكم القَدَري- قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] أي: يقدِّر لي. لم يقل: يحكم فِيَّ، قال: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فالحُكم هنا قَدَري.
ومثال الثاني -الحكم الشرعي- قول الله تبارك وتعالى حينما ذكر أحكام الكافرات اللاتي يأتين من الكفَّار إلى المؤمنين، قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ أي: الشرعي، أو الكوني؟
* الطلبة: الشرعي.
* الشيخ: الشرعي.
طيب، ما الفرق بينهما؛ بين الحكم الشرعي والحكم القدري؟
الفرق بينهما أنَّ الحكم القدري يكون فيما يرضاه الله وفيما لا يرضاه الله؛ الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله؛ يَسْرق الرجل، يزني، يشرب الخمر، هذا حُكم الله القدري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري، وهذا لا يرضاه الله.
يصلِّي الإنسان، يتصدَّق، يصوم، يحج، هذا حُكم الله، كوني ولَّا شرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو قَدَري، لكنَّه يرضاه الله أو لا يرضاه؟
* الطلبة: يرضاه.
* الشيخ: يرضاه الله. إذَن الحكم الكوني -أو القدري إنْ شئتَ- يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله.
أمَّا الحكم الشرعي فلا يكون إلا فيما يرضاه الله، فلا يحرِّم الله شيئًا إلا وهو يرضى ألَّا يكون، ولا يوجب شيئًا إلا وهو يرضى أن يكون.
كذلك أيضًا فَرْق آخَر؛ الحكم الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بدَّ من وقوعه، إذا حَكَم الله بشيءٍ كونًا لا بدَّ أن يقع، أفهمتم؟
الحكم الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ هل كلُّ الناس ملتزمون بأحكام الله الشرعية؟ لا.
فهذان فرقان بين الحكم الكوني والحكم الشرعي، وكلاهما يتضمَّنه قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* من فوائد الآيات: بيانُ قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث إنَّ كلامه المنَزَّل على نبيِّه من الحروف التي يتكلم بها الناس ويركِّبون منها كلامهم، ومع ذلك أَعْجزَهم؛ وجه الدلالة: ﴿حم (١) عسق﴾.
* ومن فوائدها: إثبات نبوَّة النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النبوَّة في الأُمَم السابقة؛ لقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
واعلمْ أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن تتضمَّن شيئين:
الأول: ثبوت ذلك اسمًا لله تبارك وتعالى؛ فمثلًا (العزيز)، الآن نحن نشهد أنَّ من أسماء الله (العزيز)، كذلك نشهد أنَّ من أسماء الله (الحكيم).
والشيء الثاني مما تتضمَّنه: الصفة التي دلَّ عليها هذا الاسم؛ فمثلًا (العزيز) دلَّ على إيه؟
* طالب: العِزَّة.
* الشيخ: و(الحكيم) على الحكمة.
لا بدَّ لكل اسم من هذين، قد يتضمَّن الاسم شيئًا ثالثًا، وهو الفعل المترتِّب على ذلك، وإن شئتَ فقل: الأثر المترتِّب على ذلك؛ فمثلًا (السميع) يتضمَّن إثباتَ اسم (السميع) لله، صحيح، وإثباتَ السمع له، والصفة معنى زائدٌ على الذات، والثالث: أنه يسمع كلَّ شيء.
في (الحكيم) نقول كذلك؛ إثبات (الحكيم) اسمًا لله، والثاني: إثبات الحكمة على أحد المعنيين، وإثبات الحُكم على المعنى الآخَر، والثالث: أنَّ الله سبحانه وتعالى يحكم بين العباد ويحكم في العباد.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمالُ عِزَّته وكمالُ حكمته، كمال العِزَّة وكمال الحكمة؛ لأنَّ الله قَرَن بين العزيز والحكيم إشارةً إلى أن عِزَّته وغَلَبته مبنيةٌ على الحكمة.
عِزَّة المخلوق قد توجب أن يتصرَّف تصرُّفًا سفيهًا؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيش؟ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] فهنا صار له عِزَّة لكنَّها لم تنفعه لأنها ليستْ مقرونةً بالحكمة.
كذلك أيضًا حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعِزَّته؛ لأن الحكيم قد يكون خوَّارًا ليس عنده غَلَبةٌ فيفوته شيءٌ كثيرٌ، ويفوته الحزمُ من أجْل أنه يقول: إنَّ ذلك هو أيش؟ هو الحكمة. لكنَّ حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعزَّته، ولهذا نحن نستفيد الآن من قَرْن الأسماء بعضها ببعضٍ، نستفيد بذلك معنًى زائدًا على ما نستفيده من مجرَّد الاسم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الشرائع التي أُوحِيتْ إلى الرسل عزَّة وحكمة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فمن تمسَّك بهذه الشرائع نال الأمرين جميعًا، وهما العِزَّة والحكمة، والحُكم أيضًا.
* * *
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ سورة الشورى فيها اسمان.
* طالب: سورة (الشورى) و(شورى).
* الشيخ: نعم، (شورى) و(الشورى)، طيب. هل هي مكِّية أو مدنية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكية. ما هو المكِّي وما هو المدني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما نزل بمكة قبل الهجرة، يعني قَيْدين، ما نزل قبل الهجرة. والمدني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو في مكة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل تحفظ شيئًا نزل بمكة بعد الهجرة؟
* الطالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ ...﴾ [المائدة ٣].
* الطالب: (...).
* الشيخ: أين نزلتْ هذه؟
* الطالب: بعرفة.
* الشيخ: بعرفة، بارك الله فيك.
طيب، استثنى المؤلف من هذه السورة آيات أربع، فما رأيك؟
* طالب: نطالبه بالدليل على (...).
* الشيخ: نعم، على هذا الاستثناء، نطالبه بالدليل على هذا الاستثناء؛ لأنَّ الأصل أنَّ السورة المكية جميع آياتها مكية، وأنَّ السورة المدنية جميع آياتها مدنية، أليس كذلك؟ فمَن ادَّعى خلافَ الأصل فعليه الدليل.
طيب، قوله تبارك وتعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ ما تقول فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الحروف الهجائية أحسن من قولنا: الحروف المقطَّعة؛ لأنها قد تكون حرفًا واحدًا؛ مثل: ﴿ن﴾، ﴿ص﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيها خلاف، والراجح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: في اللغة العربية.
* الطالب: في اللغة العربية نقول: إنَّ هذه الحروف لا معنى لها.
* الشيخ: نعم، هذا واحد. وجهٌ آخَر: أنَّ الله أنزل الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء، ولو قلنا: هذه ليس لها معنى معروف، صار يعني أنَّ في القرآن ما لا يُعلَم معناه، وهذا ينافي قولَه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤].
* الشيخ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الشورى ٣] قال المفسِّر: (في صنعه)، فما رأيك في هذا (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه قصور، الصواب أنَّه الحكيم في صنعه وشرعه، تمام.
الشورى 42:2
قبل أن نبدأ بالتفسير أحبُّ أن أحثَّ طلابَ العلم على تعلُّم تفسير القرآن؛ لأنَّ القرآن أشرفُ كتابٍ وأعظمُ كتابٍ؛ فإنَّه كلام الله عز وجل، تكلَّم به حقيقةً، وسمعه جبريل فألقاه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إنَّ هذا شأنُ الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمْنا القرآنَ والعِلْم والعَمَل جميعًا[[أخرج الطبري في تفسيره (١/٨٠) عن أبي عبد الرحمن، قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]. تعلَّموا القرآنَ والعِلمَ والعَمَل.
ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا قرأ القرآن بدون معرفةٍ لمعناه فإنَّه لا يستفيد منه شيئًا؛ كما لو قرأ كتابَ فقهٍ أو كتابَ طبٍّ أو كتابَ أدبٍ وهو لا يعرف المعنى فإنَّه لا يستفيد من هذا شيئًا، أهمُّ شيءٍ في القرآن أن تتدبَّر آياته وتتَّعظ بها؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
يوجد بعضُ الناس تميل نفسُه إلى فنٍّ من فنون العلم ويُهمِل القرآن، لو ناقشتَه في أقلِّ معنًى للآيات وجدتَه ليس عنده منها خبرٌ ولا وَقَف منها على علم ولا أَثَر، وهذا نقصٌ كبيرٌ في العلم، أصلُ المعلومات وأهمُّها وأشرفُها وأجلُّها هو تعلُّم القرآن الكريم، ولذلك تنبغي العنايةُ به.
واعلمْ أنَّ القرآن الكريم لم ينزل على أنَّه كتابُ نحوٍ أو كتابُ صرفٍ أو كتابُ فلَكٍ أو ما أشبه ذلك، إنما نزل ليستقيم العبدُ في معاملته مع الله ومعاملته مع الخلْق، ولذلك تجد القرآن الكريم لا يعتني كثيرًا بالآيات الكونية الفلَكية وإنما يُشير إليها إشارةً، لكنَّه في الأحكام الشرعية يأتي فيها بالتفصيل والبيان، ولقد حاولَ بعضُ المتأخِّرين أن يُنَزِّل المعلومات الكونية الفلكية والأرضية، حاولَ أن يجعل القرآنَ دالًّا عليها بالتفصيل، فصار يسوق الآيات ويتكلَّف في معناها ليُخضِعها إلى موافقة ما قيل عن علم الفَلَك والأرض، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ القرآن إنما نَزَل لهداية الخلْق في العبادات والمعاملات، وما أتى فيه من كلامٍ عن الأمور الكونية فهذا أتى على وجهٍ إجماليٍّ التفصيلُ فيه قليلٌ إن كان هناك تفصيل، فليعتنِ طالبُ العلم بتفسير كلام الله عز وجل.
ثم نبدأ درسَ اليوم، يقول: (سورة الشورى)، ويُقال: (سورة شورى)، يُقال هذا وهذا؛ أمَّا (الشورى) فـ(أل) فيها للبيان، وأمَّا (شورى) فهي مأخوذة من قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] وليس فيها (أل)، فهذه السورة تُسَمَّى (سورة شورى) و(سورة الشورى).
يقول: (مكيَّة) ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
المراد الثاني، ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مدني؛ كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] هذه نزلتْ في عرفة والنبيُّ ﷺ واقفٌ بعرفة، وما نزل قبل الهجرة ولو في الأسفار أو في أيِّ مكانٍ فإنه مكِّيٌّ؛ إذَن الحد الفاصل بين السور المكية والمدنية هو الهجرة.
يقول: (إلا ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [الشورى ٢٣] الآيات الأربع). استثنى المؤلف رحمه الله من هذه السورة هذه الآيات الأربع؛ يعني أنها مدنية وبقيَّة السورة مكية، ولكن لاحِظوا أنَّ أيَّ إنسانٍ يستثني آياتٍ من سورة مدنية لتكون هذه الآياتُ مكيةً أو بالعكس فإنَّنا نُطالبه بالدليل، وإلا فالأصل أنَّ السورة المكية مكيةٌ بجميع آياتها، وأنَّ السورة المدنية مدنيةٌ بجميع آياتها.
قد يقول قائل: الشاهد مثلًا أو الدليل أنَّ أسلوب الآيات المدنية يختلف عن أسلوب الآيات المكية.
نقول: هذا لا يكفي.
قد يقول -مثلًا- قائلٌ: الدليل على الاستثناء أنَّ هذه الآيات -مثلًا- تبحثُ في الفروع؛ في فروع الدين، وهذه علامةٌ على أنها مدنية؛ لأنَّ غالب السور المكية تبحث في أصول الدين.
نقول: هذا ليس بدليل. وعلى هذا فالأصل أنَّ هذه السورة أيش؟ مكيةٌ بجميع آياتها حتى يقوم دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذه الآيات التي استثناها المؤلفُ مدنية.
ثم اعلمْ أنَّ جميع السور المبدوءة بالحروف الهجائية مكيةٌ إلا سورتين هما: البقرة وآل عمران، والباقي كلُّه مكيٌّ.
ثم قال: (ثلاثٌ وخمسون آية). الآية هي عبارة عن جملةٍ من القرآن الكريم انفصلتْ عمَّا قبلها، انفصالًا معنويًّا أو انفصالًا توقيفيًّا؟ انفصالًا توقيفيًّا؛ يعني أنَّ الآيات فصلُ هذه عن هذه بالتوقيف، وليس تابعًا للمعنى، ولهذا تجدون قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] هاتان آيتان، مع أنَّ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مرتبطةٌ تمامًا بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، المهمُّ أنَّ فصل آيةٍ عن آيةٍ إنما هو بالتوقيف.
كذلك أيضًا وضْعُ الآيات بعضها إلى بعض هو أيضًا توقيفيٌّ ليس للرأي فيه مجالٌ وليس لأحدٍ فيه أيُّ عملٍ، بل هو توقيفيٌّ؛ إذا نزلت الآية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَكَانِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا»[[أخرج الترمذي (٣٠٨٦) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السُّوَر ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعضَ مَن كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا»، وإذا نزلت عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا...» الحديث.]].
فصار الآن فصلُ الآيات بعضها عن بعض..
* طلبة: ترتيبها.
* الشيخ: طيب، ترتيبها توقيفيٌّ.
أمَّا السُّوَر فبعضها ترتيبه توقيفيٌّ وبعضها ترتيبه غير توقيفيٍّ؛ فمثلًا البقرة وآل عمران ترتيبها توقيفيٌّ، آل عمران بعد البقرة، ولا يُشكِل عليك حديث حذيفة «أنَّه صلى مع النبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران»[[أخرج مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) عن حذيفة قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلةٍ فافتتح البقرة، فقلتُ: يركع عند المئة. ثم مضى، فقلتُ: يصلِّي بها في ركعة. فمضى، فقلتُ: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا... الحديث.]]؛ لأنَّ الترتيب النهائي أنَّ آل عمران بعد البقرة، ويكون حديثُ حذيفة قبل الترتيب النهائي، ولهذا تجدون في الحديث أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقرن دائمًا بين البقرة وآل عمران؛ كقوله: «اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه.]]؛ يعني: البقرة وآل عمران.
فصار عندنا الآن ترتيب السُّوَر بعضُه؟
* طالب: توقيفي.
* الشيخ: وبعضه غير توقيفي. ترتيب الآيات؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي. تفصيل الآيات؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي، طيب.
وإنما سُمِّيت القطعة أو الجملة من القرآن آيةً لأنها معجزةٌ؛ يعني الآية الواحدة لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثلها؛ لا في موضعها، ولا في صيغتها، ولا في مدلولها.
قال الله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى ١، ٢] هذه خمسة أحرف: حاء، ميم، عين، سين، قاف. خمسة أحرف، لكنَّها أحرف هجائيَّة؛ يعني هي مثل ألِف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء. هذه حاء، ميم، عين، سين، قاف. ليس لنا أن نتكلَّم لماذا اختار الله عز وجل هذه الحروفَ بعينها دون غيرها، هذا ليس إلينا، ولا يمكننا أن نحيط بذلك علمًا، لكنْ لنا أن نسأل: هل لهذه الحروف معنًى أو ماذا؟
المؤلف يقول: (الله أعلم بمراده به). وهذا يقتضي أنَّه أثبتَ لهذه الحروف معاني لكنَّها غير معلومة، وهذه الحروف الهجائية التي ابتُدِئتْ بها بعضُ السُّوَر اختلف فيها العلماء -رحمهم الله- سلفًا وخلفًا: ما معناها؟ وهل هي رموزٌ أو أسماءٌ للسُّوَر التي ابتُدئتْ بها أو ماذا؟ ولكنَّنا إذا طبَّقْنا ذلك على ما تقتضيه الأدلَّة وجدنا أنها حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، الدليل أنَّه لا يوجد في القرآن شيءٌ ليس له معنى معلومٌ لجميع الناس؛ لأنَّه لو قُدِّر أنَّ في القرآن شيئًا مجهولًا لجميع الناس لم يكنْ هذا القرآن بيانًا للناس؛ لأنَّ مقتضى البيان ألَّا يكون فيه شيءٌ إلا كان معلومًا للناس جميعًا أو لبعض الناس، أمَّا أن يوجد فيه ما ليس معلومًا لجميع الناس فهذا لا يمكن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩]، وهذا يشمل البيانَ اللفظيَّ والبيانَ المعنويَّ. إذَن اعلمْ أنَّه لا يوجد شيءٌ في القرآن لا يفهم الناسُ معناه، أبدًا، لا بدَّ أن يفهموا معناه، فإذا وُجِد شيءٌ لا يُعرَف معناه يعني ذلك أنَّه ليس له معنى، هذا واحد.
ثانيًا: إذا طبَّقْنا هذه الحروف على قول الله تبارك وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] قلنا: هذه الحروف في لغة العرب ويش معناها؟ ليس لها معنى. إذَن فمقتضى كَوْن القرآن باللسان العربي المبين ألَّا يكون لهذه الحروف معنى؛ لأنَّ هذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية، وهذا هو الذي نقله ابن كثير رحمه الله عن إمام المفسِّرين في عهده مجاهد بن جبرٍ رحمه الله، الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس، قال: إنَّ هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى[[ذكر ابن كثير في تفسيره (١ / ٦٧) عن مجاهد أنَّه قال: (الم) و(حم) و(المص) و(ص) فواتح افتتح الله بها القرآن.]]. نجزم بذلك أو لا؟ نجزم بذلك، لا تخرُّصًا، ولكن استدلالًا بالقرآن واستدلالًا بحال القرآن:
استدلالًا بالقرآن لأنَّه نزل باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنًى في اللغة العربية.
استدلالًا بحال القرآن أنَّ القرآن ليس فيه شيءٌ أيش؟ لا يعرف الناسُ معناه كلُّهم، لا بدَّ أن يكون في شيء معلوم، وعلى هذا فإنَّنا نجزم بأنَّ هذه الحروف ذاتها ليس لها معنى.
لكنْ إذَنْ يَرِد علينا إشكال؛ إذا قلنا: ليس لها معنًى، صار إنزالها وكلامُ الربِّ بها -عز وجل- عبثًا، والله تبارك وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا.
فنقول: ليس بعبثٍ؛ هي ذاتُها ليس لها معنًى، لكنْ لها مغزًى يقترن بالتحدِّي وهو أن يُقال: إنَّكم أيها العرب تركِّبون كلامَكم من هذه الحروف، والقرآن لم يأتِ بحرفٍ لم تتكلَّموا به، بل كلُّه من الحروف التي تتكلَّمون بها، وهذا مثال: حاء، ميم، عين، سين، قاف، ومع هذا عجزتم أن تأتوا بمثله، فيكون في هذا مغزًى عظيمٌ، وهو أنَّ القرآن الذي أَعجزكم أيها العرب مع أنَّكم أئمةُ الفصاحة هل أتى بحروفٍ جديدةٍ تقولون: واللهِ لا نعرف هذه الحروف، أو هو من الحروف التي أنتم تنطقون بها؟ الجواب: الثاني، ومع ذلك أَعجزكم.
ويدلُّ لهذا المغزى الذي أقرَّه شيخ الإسلام رحمه الله ومَن سبقه ومَن لَحِقَه، يدلُّ على هذا أنَّك لا تكاد تجد سورةً مبدوءةً بهذه الحروف إلا وبعدها ذِكْر القرآن الكريم أو ذِكْر ما لا يمكن إلا بوحي؛ ننظر الآن ﴿الم﴾ [البقرة ١] في أول البقرة، ويش بعدها؟ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢]، في آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣]، الأعراف: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١، ٢]، وهلمَّ جرًّا، ليس فيه إلا سورتان أو ثلاث، لكن حقيقة الأمر أنَّ الذي يلي هذه الحروف لا يتأتَّى العلمُ به إلا عن طريق الوحي.
﴿حم (١) عسق﴾ نقول في تفسيرها: هذه حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، لكن لها مغزى.
(﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل ذلك الإيحاء ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَ﴾ أوحى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى ٣] فاعل الإيحاء). ﴿كَذَلِكَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، وإعرابها في جميع المواطن إلا يسيرًا أن تقول: الكاف نائبةٌ منابَ (مِثْل) منصوبةٌ على أنها مفعولٌ مطلقٌ، وعاملُها ما يأتي بعدها. الكاف بمعنى (مِثْل) منصوبة على أيش؟ على أنها مفعولٌ مطلقٌ عاملُها ما يأتي بعدها. حوِّل الكاف إلى (مِثْل) تقول: مِثْلَ ذلك. أين العامل فيها؟ العامل فيها ﴿يُوحِي﴾؛ أي: يُوحي إليك مثلَ ذلك الإيحاءِ اللَّهُ العزيزُ الحكيمُ.
وقوله: (ذلك) المشارُ إليه الوحيُ النازل على الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾ الوحيُ في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ويُطلَق على الرمز؛ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١]، ويُطلَق على الإلهام كما في قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]. أمَّا في الاصطلاح فالوحيُ إعلامُ الله تعالى بالشرع لأنبيائه ورُسُله.
وقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الواو حرف عطف، و﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوفة على ﴿إِلَيْكَ﴾، وإذا كانت معطوفةً على ﴿إِلَيْكَ﴾ كان تقدير الفعل: ويُوحي إلى الذين من قبلك. لكنْ لاحِظوا أنَّ المؤلف رحمه الله صرفها فقال: (وأوحَى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ) فقدَّر فعلًا ماضيًا مع أنَّها معطوفة على معمولِ فعلٍ مضارعٍ، فلماذا؟ لأنَّ إيحاء الله إلى رسوله محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستمرٌّ، وإيحاؤه إلى مَن سَبَقه ماضٍ منتهٍ، فلهذا قدَّر المؤلف فعلًا ماضيًا.
ولكنَّنا نقول: الأصل عدم التقدير؛ لأنَّ القرآن كاملٌ لا يحتاج إلى تقديرٍ إلا ما دعت الضرورة إليه، هُنا لا ضرورة، ونقول: كذلك يُوحِي إليك ويُوحِي إلى الذين من قبلك، ويكون ذِكْر الإيحاء لمنْ سَبَقنا من باب ذِكْر صورة الحال؛ فإنَّه سبحانه وتعالى حين وحْيِه إلى مَن سَبَق يُوحي، في المضارع، فيكون هذا على حكاية الحال.
وقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المراد بهم الأنبياء والرُّسُل.
(﴿اللَّهُ﴾ فاعلُ الإيحاء). لو قال: فاعل ﴿يُوحِي﴾، كان أحسن من حيث بيان الإعراب، فعلى هذا نقول: ﴿يُوحِي﴾ فعل مضارع، و﴿اللَّهُ﴾ فاعل.
﴿اللَّهُ﴾ الله هو عَلَمٌ على ربِّنا عز وجل، قيل: وأصله الإله، فحُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفت الهمزة من (خير) و(شر) في قولهم: فلانٌ خيرٌ من فلانٍ، أو: فلانٌ شرٌّ من فلانٍ، والتقدير: أَخْيَرُ، وأَشَرُّ.
﴿اللَّهُ﴾ معنى هذه الكلمة العظيمة؛ قيل: إنَّه اسمٌ جامدٌ ليس له معنى، فهو غير مشتقٍّ. لكن هذا القِيل غير صحيح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠]، والاسم المجرَّد عن معنًى لا يدخل في الحُسنى، بل ولا في الحَسَن، فكلُّ اسمٍ من أسماء الله فإنَّه متضمِّنٌ لصفةٍ من صفات الله أو أكثر، وليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ لا يحمل معنى أبدًا.
وعلى هذا فنقول: (الله) مشتقٌّ من الألوهيَّة، والألوهيَّة هي التذلُّل للمَألوهِ مع المحبَّة والتعظيم، إذَنْ فـ(الله) بمعنى المتألَّه إليه حُبًّا وتعظيمًا.
﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه). أولًا قال: (﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه)، لكنْ لم يفسِّر معنى العِزَّة.
(العزيز) في الأصل: الغالب، (العزيز) يعني الغالب القاهر لِمَن سِواه عز وجل، واستمِعْ إلى قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، مَن يريدون بالأعزِّ؟ يريدون أنفسَهم، ويريدون بالأذلِّ الرسولَ ﷺ وأصحابَه. ماذا قال الله ردًّا عليهم؟ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] أي: لله الغَلَبة ولرسوله وللمؤمنين.
وتأمَّل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ ولم يقُل: واللَّهُ الأعزُّ، مع أنَّهم هم يقولون: ﴿الْأَعَزُّ﴾ و﴿الْأَذَلَّ﴾، لم يقُل: والله أعزُّ، قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾؛ لأنَّه لو قال: والله هو الأعزُّ، لَأَثْبتَ للمنافقين عِزَّةً مفضولةً، لكنَّ الحقيقة أنَّه لا عِزَّة للمنافق، بل هو مغلوبٌ دائمًا، بل حالُه تدلُّ على أنَّه مغلوبٌ لأنَّه مختفٍ جبانٌ، يُظهِر أنَّه مسلمٌ وليس بمسلم، ولهذا نقول: إنَّ الكافرين الخُلَّص الصُّرَحاء أشجعُ من المنافقين؛ لأنَّهم يُصَرِّحون ويُعلنون، المنافق ذليلٌ يُظهِر الإسلامَ خوفًا من المسلمين، ويُبطن الكفر لأنَّه كافرٌ والعياذ بالله.
الخلاصة: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المؤلف رحمه الله لم يبيِّن معناها، فنقول: العِزَّة يعني أيش؟ الغَلَبة.
﴿الْحَكِيمُ﴾ يقول: (في صنعه)، وهذا ناقصٌ جدًّا؛ لأن حكمة الله تعالى في صنْعه وفي شَرْعه، فهو حكيمٌ في صنعه؛ أي: في خَلْقه، وهو حكيمٌ في شرعه، واقرأْ قولَ الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ كل هذه أحكام شرعية، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، فهو جل وعلا حكيمٌ في شرعه، وحكيم في صنعه؛ يعني: في خَلْقه، كلُّ ما خَلَقه الله تعالى فالحكمة تقتضي وجودَه، وكلُّ ما أعدمَه الله تعالى فالحكمة تقتضي عَدَمه، هذا أمرٌ مسلَّمٌ به. كلُّ ما شرعه الله إيجابًا أو تحريمًا أو تحليلًا فالحكمة تقتضي شرعه كذلك؛ الواجب تقتضي الحكمةُ إيجابَه، والمحرَّم تقتضي الحكمةُ تحريمه، والمباح تقتضي الحكمةُ إباحتَه، لكن لا يَلْزم من وجود الحكمة في ذلك أن تكون معلومةً لنا، لا يَلْزم من هذا، هو فيه حكمة لكنْ قد نَعْلمها وقد لا نَعْلمها. وهل إذا حُجِبَ عنَّا عِلْمها يعني العدم؟ أجيبوا يا إخوان.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لأنَّنا قاصرون بكل شيء، خُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا في كلِّ شيء؛ ضعيفًا في قوَّته، في إدراكه، في علمه، في كل شيء، ولهذا لَمَّا قالوا: ما هي الروح يا محمد؟ قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] ختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ كأنَّه يقول: ما بَقِي عليكم من العلم إلا الروح حتى تسألوا عنها، بل الذي فاتكم من العلم أيش؟ أكثرُ من الذي أدركتموه، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولذلك واجبُ المسلم تجاه خَلْق الله وتجاه شَرْع الله أن يستسلم تمامًا وأن يقول: هذا هو الحكمة.
أضربُ مثلًا في الشرائع؛ لماذا يأتي الناس بحصى -حجراتٍ صغيرةٍ- يضربون بها مكانًا معيَّنًا؟ قد يقول قائل: أيش الحكمة من هذا؟ ما الحكمة؟
فنقول: مجرَّد كَوْن الله شَرَع ذلك دليلٌ على الحكمة، ونكتفي بهذا، مع أنَّ مِن أعظم الحِكَم فيه كمال التعبُّد؛ أنْ يأتي الإنسانُ بحجرٍ يضرب به مكانًا لمجرَّد امتثال أَمْر الله ففيه كمال التعبُّد؛ لأنَّ انقياد النفس لِمَا تعلم فائدتَه أسهلُ من انقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه، وانقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه أَبْلغُ في التذلُّل والتعبُّد لله عز وجل، مع أنَّ هذا العمل مقرونٌ بذِكْر؛ كلُّ حصاةٍ ترميها تقول: الله أكبر. مقرونٌ أيضًا باتِّباعٍ؛ كلُّ حصاةٍ ترميها وأنت تشعر أنَّك مُتَّبعٌ لرسول الله ﷺ.
على كلِّ حالٍ نقول: إنْ قَصْر المؤلفِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ على حِكْمة الصنعة أيش فيه؟
* الطلبة: قاصرٌ.
* الشيخ: قاصرٌ بلا شك، فهو حكيمٌ في صنعه وحكيمٌ في شرعه تبارك وتعالى.
لا بدَّ أن نعرف ما هي الحكمة، يقول العلماء: إنَّ الحكمة هي وضْع الأشياء في مواضعها؛ بمعنى أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا خَلَق شيئًا أو شَرَع شيئًا فإنَّه في مكانه اللائق به. ولهذا قال بعض السلف: إنَّ الله تعالى لم يأمر بشيءٍ فيقول العقل لَيْتَه لم يأمر به، ولم يَنْهَ عن شيءٍ فيقول العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه. فكلُّ ما ثَبَت بالشرع فإنَّه لا يُنافي العقل، بل إنَّ العقل يؤيِّده ويشهد بصحته، فالحكيم إذَنْ هو واضعُ الأشياءِ مواضعَها سواءٌ الشرعية أو الكونية، فما أَمَر الله بشيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يأمر به، وما نهى عن شيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه.
أمَّا في الأمور الكونية فإنَّ الله سبحانه وتعالى ربما يقدِّر أشياءَ تظنُّها فسادًا، فإذا بها تكون صلاحًا وخيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩]، فالله سبحانه وتعالى قد يقدِّر أشياء إذا نظر إليها الإنسانُ أوَّلَ وهْلةٍ قال: هذه ما فيها فائدة، أو قال: هذه مَضَرَّة، لكنْ إذا تأمَّل وجد أنَّ الحكمة تقتضي ذلك، وأنت أيُّها العبد إذا آمنتَ أنَّ الله حكيمٌ في شَرْعه وحكيمٌ في خَلْقه فإنَّه لا يبقى لك شكٌّ في أنَّ ما شَرَعه خيرٌ وما قدَّره خيرٌ.
وللحكيم معنًى آخَر غير الحكمة، وهو الحاكم؛ لأنَّ هذه المادة (ح ك م) تدلُّ على المعنيين: على الحكمة وعلى الحُكْم، فهو سبحانه وتعالى هو الحاكم، يحكم في الناس ويحكم بين الناس؛ يحكم في الناس بما يُلزمهم به من الأحكام الشرعية، ويحكم بين الناس فيما يختصمون فيه، فهو الحاكم، وحُكمه مبنيٌّ على العدل التامِّ، لا ظُلم ولا جَوْر، لا بالنسبة لِمَا يحكم فيه بين الناس، ولا بالنسبة لِمَا يحكم به في الناس، كلُّه عَدْلٌ، كلُّه خيرٌ، إذَن الحكيم له معنًى آخَر وهو أيش؟ الحُكم.
الحُكم ينقسم إلى: حُكمٍ قَدَريٍّ، حُكمٍ شرعيٍّ. ولهذا إذا أُصِيبَ الإنسانُ بمصيبةٍ قال: هذا حُكم الله - يعني هو تعبير عامِّي- هذا حُكم الله، يعني القَدَري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري. لكنْ إذا قيل له: يجب عليك كذا وكذا. قال: ليش يجب؟ قال: هذا حُكم الله. هذا حُكم الله الشرعي.
وكلاهما في القرآن؛ فمِن الأول -أعني الحُكم القَدَري- قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] أي: يقدِّر لي. لم يقل: يحكم فِيَّ، قال: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فالحُكم هنا قَدَري.
ومثال الثاني -الحكم الشرعي- قول الله تبارك وتعالى حينما ذكر أحكام الكافرات اللاتي يأتين من الكفَّار إلى المؤمنين، قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ أي: الشرعي، أو الكوني؟
* الطلبة: الشرعي.
* الشيخ: الشرعي.
طيب، ما الفرق بينهما؛ بين الحكم الشرعي والحكم القدري؟
الفرق بينهما أنَّ الحكم القدري يكون فيما يرضاه الله وفيما لا يرضاه الله؛ الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله؛ يَسْرق الرجل، يزني، يشرب الخمر، هذا حُكم الله القدري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري، وهذا لا يرضاه الله.
يصلِّي الإنسان، يتصدَّق، يصوم، يحج، هذا حُكم الله، كوني ولَّا شرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو قَدَري، لكنَّه يرضاه الله أو لا يرضاه؟
* الطلبة: يرضاه.
* الشيخ: يرضاه الله. إذَن الحكم الكوني -أو القدري إنْ شئتَ- يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله.
أمَّا الحكم الشرعي فلا يكون إلا فيما يرضاه الله، فلا يحرِّم الله شيئًا إلا وهو يرضى ألَّا يكون، ولا يوجب شيئًا إلا وهو يرضى أن يكون.
كذلك أيضًا فَرْق آخَر؛ الحكم الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بدَّ من وقوعه، إذا حَكَم الله بشيءٍ كونًا لا بدَّ أن يقع، أفهمتم؟
الحكم الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ هل كلُّ الناس ملتزمون بأحكام الله الشرعية؟ لا.
فهذان فرقان بين الحكم الكوني والحكم الشرعي، وكلاهما يتضمَّنه قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* من فوائد الآيات: بيانُ قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث إنَّ كلامه المنَزَّل على نبيِّه من الحروف التي يتكلم بها الناس ويركِّبون منها كلامهم، ومع ذلك أَعْجزَهم؛ وجه الدلالة: ﴿حم (١) عسق﴾.
* ومن فوائدها: إثبات نبوَّة النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النبوَّة في الأُمَم السابقة؛ لقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
واعلمْ أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن تتضمَّن شيئين:
الأول: ثبوت ذلك اسمًا لله تبارك وتعالى؛ فمثلًا (العزيز)، الآن نحن نشهد أنَّ من أسماء الله (العزيز)، كذلك نشهد أنَّ من أسماء الله (الحكيم).
والشيء الثاني مما تتضمَّنه: الصفة التي دلَّ عليها هذا الاسم؛ فمثلًا (العزيز) دلَّ على إيه؟
* طالب: العِزَّة.
* الشيخ: و(الحكيم) على الحكمة.
لا بدَّ لكل اسم من هذين، قد يتضمَّن الاسم شيئًا ثالثًا، وهو الفعل المترتِّب على ذلك، وإن شئتَ فقل: الأثر المترتِّب على ذلك؛ فمثلًا (السميع) يتضمَّن إثباتَ اسم (السميع) لله، صحيح، وإثباتَ السمع له، والصفة معنى زائدٌ على الذات، والثالث: أنه يسمع كلَّ شيء.
في (الحكيم) نقول كذلك؛ إثبات (الحكيم) اسمًا لله، والثاني: إثبات الحكمة على أحد المعنيين، وإثبات الحُكم على المعنى الآخَر، والثالث: أنَّ الله سبحانه وتعالى يحكم بين العباد ويحكم في العباد.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمالُ عِزَّته وكمالُ حكمته، كمال العِزَّة وكمال الحكمة؛ لأنَّ الله قَرَن بين العزيز والحكيم إشارةً إلى أن عِزَّته وغَلَبته مبنيةٌ على الحكمة.
عِزَّة المخلوق قد توجب أن يتصرَّف تصرُّفًا سفيهًا؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيش؟ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] فهنا صار له عِزَّة لكنَّها لم تنفعه لأنها ليستْ مقرونةً بالحكمة.
كذلك أيضًا حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعِزَّته؛ لأن الحكيم قد يكون خوَّارًا ليس عنده غَلَبةٌ فيفوته شيءٌ كثيرٌ، ويفوته الحزمُ من أجْل أنه يقول: إنَّ ذلك هو أيش؟ هو الحكمة. لكنَّ حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعزَّته، ولهذا نحن نستفيد الآن من قَرْن الأسماء بعضها ببعضٍ، نستفيد بذلك معنًى زائدًا على ما نستفيده من مجرَّد الاسم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الشرائع التي أُوحِيتْ إلى الرسل عزَّة وحكمة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فمن تمسَّك بهذه الشرائع نال الأمرين جميعًا، وهما العِزَّة والحكمة، والحُكم أيضًا.
* * *
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ سورة الشورى فيها اسمان.
* طالب: سورة (الشورى) و(شورى).
* الشيخ: نعم، (شورى) و(الشورى)، طيب. هل هي مكِّية أو مدنية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكية. ما هو المكِّي وما هو المدني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما نزل بمكة قبل الهجرة، يعني قَيْدين، ما نزل قبل الهجرة. والمدني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو في مكة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل تحفظ شيئًا نزل بمكة بعد الهجرة؟
* الطالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ ...﴾ [المائدة ٣].
* الطالب: (...).
* الشيخ: أين نزلتْ هذه؟
* الطالب: بعرفة.
* الشيخ: بعرفة، بارك الله فيك.
طيب، استثنى المؤلف من هذه السورة آيات أربع، فما رأيك؟
* طالب: نطالبه بالدليل على (...).
* الشيخ: نعم، على هذا الاستثناء، نطالبه بالدليل على هذا الاستثناء؛ لأنَّ الأصل أنَّ السورة المكية جميع آياتها مكية، وأنَّ السورة المدنية جميع آياتها مدنية، أليس كذلك؟ فمَن ادَّعى خلافَ الأصل فعليه الدليل.
طيب، قوله تبارك وتعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ ما تقول فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الحروف الهجائية أحسن من قولنا: الحروف المقطَّعة؛ لأنها قد تكون حرفًا واحدًا؛ مثل: ﴿ن﴾، ﴿ص﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيها خلاف، والراجح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: في اللغة العربية.
* الطالب: في اللغة العربية نقول: إنَّ هذه الحروف لا معنى لها.
* الشيخ: نعم، هذا واحد. وجهٌ آخَر: أنَّ الله أنزل الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء، ولو قلنا: هذه ليس لها معنى معروف، صار يعني أنَّ في القرآن ما لا يُعلَم معناه، وهذا ينافي قولَه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤].
* الشيخ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الشورى ٣] قال المفسِّر: (في صنعه)، فما رأيك في هذا (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه قصور، الصواب أنَّه الحكيم في صنعه وشرعه، تمام.
الشورى 42:3
قبل أن نبدأ بالتفسير أحبُّ أن أحثَّ طلابَ العلم على تعلُّم تفسير القرآن؛ لأنَّ القرآن أشرفُ كتابٍ وأعظمُ كتابٍ؛ فإنَّه كلام الله عز وجل، تكلَّم به حقيقةً، وسمعه جبريل فألقاه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إنَّ هذا شأنُ الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانوا لا يتجاوزون عشر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمْنا القرآنَ والعِلْم والعَمَل جميعًا[[أخرج الطبري في تفسيره (١/٨٠) عن أبي عبد الرحمن، قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا: أنهم كانوا يستقرِئون من النبي ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْر آيات لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]. تعلَّموا القرآنَ والعِلمَ والعَمَل.
ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا قرأ القرآن بدون معرفةٍ لمعناه فإنَّه لا يستفيد منه شيئًا؛ كما لو قرأ كتابَ فقهٍ أو كتابَ طبٍّ أو كتابَ أدبٍ وهو لا يعرف المعنى فإنَّه لا يستفيد من هذا شيئًا، أهمُّ شيءٍ في القرآن أن تتدبَّر آياته وتتَّعظ بها؛ كما قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩].
يوجد بعضُ الناس تميل نفسُه إلى فنٍّ من فنون العلم ويُهمِل القرآن، لو ناقشتَه في أقلِّ معنًى للآيات وجدتَه ليس عنده منها خبرٌ ولا وَقَف منها على علم ولا أَثَر، وهذا نقصٌ كبيرٌ في العلم، أصلُ المعلومات وأهمُّها وأشرفُها وأجلُّها هو تعلُّم القرآن الكريم، ولذلك تنبغي العنايةُ به.
واعلمْ أنَّ القرآن الكريم لم ينزل على أنَّه كتابُ نحوٍ أو كتابُ صرفٍ أو كتابُ فلَكٍ أو ما أشبه ذلك، إنما نزل ليستقيم العبدُ في معاملته مع الله ومعاملته مع الخلْق، ولذلك تجد القرآن الكريم لا يعتني كثيرًا بالآيات الكونية الفلَكية وإنما يُشير إليها إشارةً، لكنَّه في الأحكام الشرعية يأتي فيها بالتفصيل والبيان، ولقد حاولَ بعضُ المتأخِّرين أن يُنَزِّل المعلومات الكونية الفلكية والأرضية، حاولَ أن يجعل القرآنَ دالًّا عليها بالتفصيل، فصار يسوق الآيات ويتكلَّف في معناها ليُخضِعها إلى موافقة ما قيل عن علم الفَلَك والأرض، وهذا غلطٌ؛ لأنَّ القرآن إنما نَزَل لهداية الخلْق في العبادات والمعاملات، وما أتى فيه من كلامٍ عن الأمور الكونية فهذا أتى على وجهٍ إجماليٍّ التفصيلُ فيه قليلٌ إن كان هناك تفصيل، فليعتنِ طالبُ العلم بتفسير كلام الله عز وجل.
ثم نبدأ درسَ اليوم، يقول: (سورة الشورى)، ويُقال: (سورة شورى)، يُقال هذا وهذا؛ أمَّا (الشورى) فـ(أل) فيها للبيان، وأمَّا (شورى) فهي مأخوذة من قوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] وليس فيها (أل)، فهذه السورة تُسَمَّى (سورة شورى) و(سورة الشورى).
يقول: (مكيَّة) ما معنى مكية؟ هل المراد ما نزل بمكة، أو المراد ما نزل قبل الهجرة؟
المراد الثاني، ما نزل بعد الهجرة ولو في مكة فهو مدني؛ كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة ٣] هذه نزلتْ في عرفة والنبيُّ ﷺ واقفٌ بعرفة، وما نزل قبل الهجرة ولو في الأسفار أو في أيِّ مكانٍ فإنه مكِّيٌّ؛ إذَن الحد الفاصل بين السور المكية والمدنية هو الهجرة.
يقول: (إلا ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [الشورى ٢٣] الآيات الأربع). استثنى المؤلف رحمه الله من هذه السورة هذه الآيات الأربع؛ يعني أنها مدنية وبقيَّة السورة مكية، ولكن لاحِظوا أنَّ أيَّ إنسانٍ يستثني آياتٍ من سورة مدنية لتكون هذه الآياتُ مكيةً أو بالعكس فإنَّنا نُطالبه بالدليل، وإلا فالأصل أنَّ السورة المكية مكيةٌ بجميع آياتها، وأنَّ السورة المدنية مدنيةٌ بجميع آياتها.
قد يقول قائل: الشاهد مثلًا أو الدليل أنَّ أسلوب الآيات المدنية يختلف عن أسلوب الآيات المكية.
نقول: هذا لا يكفي.
قد يقول -مثلًا- قائلٌ: الدليل على الاستثناء أنَّ هذه الآيات -مثلًا- تبحثُ في الفروع؛ في فروع الدين، وهذه علامةٌ على أنها مدنية؛ لأنَّ غالب السور المكية تبحث في أصول الدين.
نقول: هذا ليس بدليل. وعلى هذا فالأصل أنَّ هذه السورة أيش؟ مكيةٌ بجميع آياتها حتى يقوم دليلٌ واضحٌ على أنَّ هذه الآيات التي استثناها المؤلفُ مدنية.
ثم اعلمْ أنَّ جميع السور المبدوءة بالحروف الهجائية مكيةٌ إلا سورتين هما: البقرة وآل عمران، والباقي كلُّه مكيٌّ.
ثم قال: (ثلاثٌ وخمسون آية). الآية هي عبارة عن جملةٍ من القرآن الكريم انفصلتْ عمَّا قبلها، انفصالًا معنويًّا أو انفصالًا توقيفيًّا؟ انفصالًا توقيفيًّا؛ يعني أنَّ الآيات فصلُ هذه عن هذه بالتوقيف، وليس تابعًا للمعنى، ولهذا تجدون قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] هاتان آيتان، مع أنَّ ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ مرتبطةٌ تمامًا بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾، المهمُّ أنَّ فصل آيةٍ عن آيةٍ إنما هو بالتوقيف.
كذلك أيضًا وضْعُ الآيات بعضها إلى بعض هو أيضًا توقيفيٌّ ليس للرأي فيه مجالٌ وليس لأحدٍ فيه أيُّ عملٍ، بل هو توقيفيٌّ؛ إذا نزلت الآية قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مَكَانِ كَذَا مِنْ سُورَةِ كَذَا»[[أخرج الترمذي (٣٠٨٦) من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السُّوَر ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعضَ مَن كان يكتب فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا»، وإذا نزلت عليه الآية فيقول: «ضعوا هذه الآية في السورة التي يُذكَر فيها كذا وكذا...» الحديث.]].
فصار الآن فصلُ الآيات بعضها عن بعض..
* طلبة: ترتيبها.
* الشيخ: طيب، ترتيبها توقيفيٌّ.
أمَّا السُّوَر فبعضها ترتيبه توقيفيٌّ وبعضها ترتيبه غير توقيفيٍّ؛ فمثلًا البقرة وآل عمران ترتيبها توقيفيٌّ، آل عمران بعد البقرة، ولا يُشكِل عليك حديث حذيفة «أنَّه صلى مع النبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ، فقرأ بالبقرة، ثم قرأ بالنساء، ثم قرأ بآل عمران»[[أخرج مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) عن حذيفة قال: صلَّيتُ مع النبي ﷺ ذات ليلةٍ فافتتح البقرة، فقلتُ: يركع عند المئة. ثم مضى، فقلتُ: يصلِّي بها في ركعة. فمضى، فقلتُ: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا... الحديث.]]؛ لأنَّ الترتيب النهائي أنَّ آل عمران بعد البقرة، ويكون حديثُ حذيفة قبل الترتيب النهائي، ولهذا تجدون في الحديث أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يَقرن دائمًا بين البقرة وآل عمران؛ كقوله: «اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ»[[أخرجه مسلم (٨٠٤ / ٢٥٢) من حديث أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه.]]؛ يعني: البقرة وآل عمران.
فصار عندنا الآن ترتيب السُّوَر بعضُه؟
* طالب: توقيفي.
* الشيخ: وبعضه غير توقيفي. ترتيب الآيات؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي. تفصيل الآيات؟
* الطلبة: توقيفي.
* الشيخ: توقيفي، طيب.
وإنما سُمِّيت القطعة أو الجملة من القرآن آيةً لأنها معجزةٌ؛ يعني الآية الواحدة لا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثلها؛ لا في موضعها، ولا في صيغتها، ولا في مدلولها.
قال الله تعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ [الشورى ١، ٢] هذه خمسة أحرف: حاء، ميم، عين، سين، قاف. خمسة أحرف، لكنَّها أحرف هجائيَّة؛ يعني هي مثل ألِف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء. هذه حاء، ميم، عين، سين، قاف. ليس لنا أن نتكلَّم لماذا اختار الله عز وجل هذه الحروفَ بعينها دون غيرها، هذا ليس إلينا، ولا يمكننا أن نحيط بذلك علمًا، لكنْ لنا أن نسأل: هل لهذه الحروف معنًى أو ماذا؟
المؤلف يقول: (الله أعلم بمراده به). وهذا يقتضي أنَّه أثبتَ لهذه الحروف معاني لكنَّها غير معلومة، وهذه الحروف الهجائية التي ابتُدِئتْ بها بعضُ السُّوَر اختلف فيها العلماء -رحمهم الله- سلفًا وخلفًا: ما معناها؟ وهل هي رموزٌ أو أسماءٌ للسُّوَر التي ابتُدئتْ بها أو ماذا؟ ولكنَّنا إذا طبَّقْنا ذلك على ما تقتضيه الأدلَّة وجدنا أنها حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، الدليل أنَّه لا يوجد في القرآن شيءٌ ليس له معنى معلومٌ لجميع الناس؛ لأنَّه لو قُدِّر أنَّ في القرآن شيئًا مجهولًا لجميع الناس لم يكنْ هذا القرآن بيانًا للناس؛ لأنَّ مقتضى البيان ألَّا يكون فيه شيءٌ إلا كان معلومًا للناس جميعًا أو لبعض الناس، أمَّا أن يوجد فيه ما ليس معلومًا لجميع الناس فهذا لا يمكن، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة ١٨، ١٩]، وهذا يشمل البيانَ اللفظيَّ والبيانَ المعنويَّ. إذَن اعلمْ أنَّه لا يوجد شيءٌ في القرآن لا يفهم الناسُ معناه، أبدًا، لا بدَّ أن يفهموا معناه، فإذا وُجِد شيءٌ لا يُعرَف معناه يعني ذلك أنَّه ليس له معنى، هذا واحد.
ثانيًا: إذا طبَّقْنا هذه الحروف على قول الله تبارك وتعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣] قلنا: هذه الحروف في لغة العرب ويش معناها؟ ليس لها معنى. إذَن فمقتضى كَوْن القرآن باللسان العربي المبين ألَّا يكون لهذه الحروف معنى؛ لأنَّ هذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية، وهذا هو الذي نقله ابن كثير رحمه الله عن إمام المفسِّرين في عهده مجاهد بن جبرٍ رحمه الله، الذي أخذ تفسير القرآن عن عبد الله بن عباس، قال: إنَّ هذه الحروف الهجائية ليس لها معنى[[ذكر ابن كثير في تفسيره (١ / ٦٧) عن مجاهد أنَّه قال: (الم) و(حم) و(المص) و(ص) فواتح افتتح الله بها القرآن.]]. نجزم بذلك أو لا؟ نجزم بذلك، لا تخرُّصًا، ولكن استدلالًا بالقرآن واستدلالًا بحال القرآن:
استدلالًا بالقرآن لأنَّه نزل باللغة العربية، وهذه الحروف الهجائية ليس لها معنًى في اللغة العربية.
استدلالًا بحال القرآن أنَّ القرآن ليس فيه شيءٌ أيش؟ لا يعرف الناسُ معناه كلُّهم، لا بدَّ أن يكون في شيء معلوم، وعلى هذا فإنَّنا نجزم بأنَّ هذه الحروف ذاتها ليس لها معنى.
لكنْ إذَنْ يَرِد علينا إشكال؛ إذا قلنا: ليس لها معنًى، صار إنزالها وكلامُ الربِّ بها -عز وجل- عبثًا، والله تبارك وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا.
فنقول: ليس بعبثٍ؛ هي ذاتُها ليس لها معنًى، لكنْ لها مغزًى يقترن بالتحدِّي وهو أن يُقال: إنَّكم أيها العرب تركِّبون كلامَكم من هذه الحروف، والقرآن لم يأتِ بحرفٍ لم تتكلَّموا به، بل كلُّه من الحروف التي تتكلَّمون بها، وهذا مثال: حاء، ميم، عين، سين، قاف، ومع هذا عجزتم أن تأتوا بمثله، فيكون في هذا مغزًى عظيمٌ، وهو أنَّ القرآن الذي أَعجزكم أيها العرب مع أنَّكم أئمةُ الفصاحة هل أتى بحروفٍ جديدةٍ تقولون: واللهِ لا نعرف هذه الحروف، أو هو من الحروف التي أنتم تنطقون بها؟ الجواب: الثاني، ومع ذلك أَعجزكم.
ويدلُّ لهذا المغزى الذي أقرَّه شيخ الإسلام رحمه الله ومَن سبقه ومَن لَحِقَه، يدلُّ على هذا أنَّك لا تكاد تجد سورةً مبدوءةً بهذه الحروف إلا وبعدها ذِكْر القرآن الكريم أو ذِكْر ما لا يمكن إلا بوحي؛ ننظر الآن ﴿الم﴾ [البقرة ١] في أول البقرة، ويش بعدها؟ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ٢]، في آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣]، الأعراف: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف ١، ٢]، وهلمَّ جرًّا، ليس فيه إلا سورتان أو ثلاث، لكن حقيقة الأمر أنَّ الذي يلي هذه الحروف لا يتأتَّى العلمُ به إلا عن طريق الوحي.
﴿حم (١) عسق﴾ نقول في تفسيرها: هذه حروفٌ هجائيةٌ ليس لها معنى، لكن لها مغزى.
(﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل ذلك الإيحاء ﴿يُوحِي إِلَيْكَ وَ﴾ أوحى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾ [الشورى ٣] فاعل الإيحاء). ﴿كَذَلِكَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، وإعرابها في جميع المواطن إلا يسيرًا أن تقول: الكاف نائبةٌ منابَ (مِثْل) منصوبةٌ على أنها مفعولٌ مطلقٌ، وعاملُها ما يأتي بعدها. الكاف بمعنى (مِثْل) منصوبة على أيش؟ على أنها مفعولٌ مطلقٌ عاملُها ما يأتي بعدها. حوِّل الكاف إلى (مِثْل) تقول: مِثْلَ ذلك. أين العامل فيها؟ العامل فيها ﴿يُوحِي﴾؛ أي: يُوحي إليك مثلَ ذلك الإيحاءِ اللَّهُ العزيزُ الحكيمُ.
وقوله: (ذلك) المشارُ إليه الوحيُ النازل على الرسول عليه الصلاة والسلام.
﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾ الوحيُ في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ويُطلَق على الرمز؛ ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ١١]، ويُطلَق على الإلهام كما في قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل ٦٨]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]. أمَّا في الاصطلاح فالوحيُ إعلامُ الله تعالى بالشرع لأنبيائه ورُسُله.
وقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الواو حرف عطف، و﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ معطوفة على ﴿إِلَيْكَ﴾، وإذا كانت معطوفةً على ﴿إِلَيْكَ﴾ كان تقدير الفعل: ويُوحي إلى الذين من قبلك. لكنْ لاحِظوا أنَّ المؤلف رحمه الله صرفها فقال: (وأوحَى ﴿إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ) فقدَّر فعلًا ماضيًا مع أنَّها معطوفة على معمولِ فعلٍ مضارعٍ، فلماذا؟ لأنَّ إيحاء الله إلى رسوله محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستمرٌّ، وإيحاؤه إلى مَن سَبَقه ماضٍ منتهٍ، فلهذا قدَّر المؤلف فعلًا ماضيًا.
ولكنَّنا نقول: الأصل عدم التقدير؛ لأنَّ القرآن كاملٌ لا يحتاج إلى تقديرٍ إلا ما دعت الضرورة إليه، هُنا لا ضرورة، ونقول: كذلك يُوحِي إليك ويُوحِي إلى الذين من قبلك، ويكون ذِكْر الإيحاء لمنْ سَبَقنا من باب ذِكْر صورة الحال؛ فإنَّه سبحانه وتعالى حين وحْيِه إلى مَن سَبَق يُوحي، في المضارع، فيكون هذا على حكاية الحال.
وقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المراد بهم الأنبياء والرُّسُل.
(﴿اللَّهُ﴾ فاعلُ الإيحاء). لو قال: فاعل ﴿يُوحِي﴾، كان أحسن من حيث بيان الإعراب، فعلى هذا نقول: ﴿يُوحِي﴾ فعل مضارع، و﴿اللَّهُ﴾ فاعل.
﴿اللَّهُ﴾ الله هو عَلَمٌ على ربِّنا عز وجل، قيل: وأصله الإله، فحُذِفت الهمزة لكثرة الاستعمال، كما حُذِفت الهمزة من (خير) و(شر) في قولهم: فلانٌ خيرٌ من فلانٍ، أو: فلانٌ شرٌّ من فلانٍ، والتقدير: أَخْيَرُ، وأَشَرُّ.
﴿اللَّهُ﴾ معنى هذه الكلمة العظيمة؛ قيل: إنَّه اسمٌ جامدٌ ليس له معنى، فهو غير مشتقٍّ. لكن هذا القِيل غير صحيح؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠]، والاسم المجرَّد عن معنًى لا يدخل في الحُسنى، بل ولا في الحَسَن، فكلُّ اسمٍ من أسماء الله فإنَّه متضمِّنٌ لصفةٍ من صفات الله أو أكثر، وليس في أسماء الله اسمٌ جامدٌ لا يحمل معنى أبدًا.
وعلى هذا فنقول: (الله) مشتقٌّ من الألوهيَّة، والألوهيَّة هي التذلُّل للمَألوهِ مع المحبَّة والتعظيم، إذَنْ فـ(الله) بمعنى المتألَّه إليه حُبًّا وتعظيمًا.
﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ قال: (في ملكه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في صنعه). أولًا قال: (﴿الْعَزِيزُ﴾ في ملكه)، لكنْ لم يفسِّر معنى العِزَّة.
(العزيز) في الأصل: الغالب، (العزيز) يعني الغالب القاهر لِمَن سِواه عز وجل، واستمِعْ إلى قول الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، مَن يريدون بالأعزِّ؟ يريدون أنفسَهم، ويريدون بالأذلِّ الرسولَ ﷺ وأصحابَه. ماذا قال الله ردًّا عليهم؟ قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] أي: لله الغَلَبة ولرسوله وللمؤمنين.
وتأمَّل قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ ولم يقُل: واللَّهُ الأعزُّ، مع أنَّهم هم يقولون: ﴿الْأَعَزُّ﴾ و﴿الْأَذَلَّ﴾، لم يقُل: والله أعزُّ، قال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾؛ لأنَّه لو قال: والله هو الأعزُّ، لَأَثْبتَ للمنافقين عِزَّةً مفضولةً، لكنَّ الحقيقة أنَّه لا عِزَّة للمنافق، بل هو مغلوبٌ دائمًا، بل حالُه تدلُّ على أنَّه مغلوبٌ لأنَّه مختفٍ جبانٌ، يُظهِر أنَّه مسلمٌ وليس بمسلم، ولهذا نقول: إنَّ الكافرين الخُلَّص الصُّرَحاء أشجعُ من المنافقين؛ لأنَّهم يُصَرِّحون ويُعلنون، المنافق ذليلٌ يُظهِر الإسلامَ خوفًا من المسلمين، ويُبطن الكفر لأنَّه كافرٌ والعياذ بالله.
الخلاصة: ﴿الْعَزِيزُ﴾ المؤلف رحمه الله لم يبيِّن معناها، فنقول: العِزَّة يعني أيش؟ الغَلَبة.
﴿الْحَكِيمُ﴾ يقول: (في صنعه)، وهذا ناقصٌ جدًّا؛ لأن حكمة الله تعالى في صنْعه وفي شَرْعه، فهو حكيمٌ في صنعه؛ أي: في خَلْقه، وهو حكيمٌ في شرعه، واقرأْ قولَ الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ كل هذه أحكام شرعية، ثم قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، فهو جل وعلا حكيمٌ في شرعه، وحكيم في صنعه؛ يعني: في خَلْقه، كلُّ ما خَلَقه الله تعالى فالحكمة تقتضي وجودَه، وكلُّ ما أعدمَه الله تعالى فالحكمة تقتضي عَدَمه، هذا أمرٌ مسلَّمٌ به. كلُّ ما شرعه الله إيجابًا أو تحريمًا أو تحليلًا فالحكمة تقتضي شرعه كذلك؛ الواجب تقتضي الحكمةُ إيجابَه، والمحرَّم تقتضي الحكمةُ تحريمه، والمباح تقتضي الحكمةُ إباحتَه، لكن لا يَلْزم من وجود الحكمة في ذلك أن تكون معلومةً لنا، لا يَلْزم من هذا، هو فيه حكمة لكنْ قد نَعْلمها وقد لا نَعْلمها. وهل إذا حُجِبَ عنَّا عِلْمها يعني العدم؟ أجيبوا يا إخوان.
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، لأنَّنا قاصرون بكل شيء، خُلِقَ الإنسانُ ضعيفًا في كلِّ شيء؛ ضعيفًا في قوَّته، في إدراكه، في علمه، في كل شيء، ولهذا لَمَّا قالوا: ما هي الروح يا محمد؟ قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] ختم الآية بقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ كأنَّه يقول: ما بَقِي عليكم من العلم إلا الروح حتى تسألوا عنها، بل الذي فاتكم من العلم أيش؟ أكثرُ من الذي أدركتموه، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ولذلك واجبُ المسلم تجاه خَلْق الله وتجاه شَرْع الله أن يستسلم تمامًا وأن يقول: هذا هو الحكمة.
أضربُ مثلًا في الشرائع؛ لماذا يأتي الناس بحصى -حجراتٍ صغيرةٍ- يضربون بها مكانًا معيَّنًا؟ قد يقول قائل: أيش الحكمة من هذا؟ ما الحكمة؟
فنقول: مجرَّد كَوْن الله شَرَع ذلك دليلٌ على الحكمة، ونكتفي بهذا، مع أنَّ مِن أعظم الحِكَم فيه كمال التعبُّد؛ أنْ يأتي الإنسانُ بحجرٍ يضرب به مكانًا لمجرَّد امتثال أَمْر الله ففيه كمال التعبُّد؛ لأنَّ انقياد النفس لِمَا تعلم فائدتَه أسهلُ من انقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه، وانقيادها لِمَا لا تعلم فائدتَه أَبْلغُ في التذلُّل والتعبُّد لله عز وجل، مع أنَّ هذا العمل مقرونٌ بذِكْر؛ كلُّ حصاةٍ ترميها تقول: الله أكبر. مقرونٌ أيضًا باتِّباعٍ؛ كلُّ حصاةٍ ترميها وأنت تشعر أنَّك مُتَّبعٌ لرسول الله ﷺ.
على كلِّ حالٍ نقول: إنْ قَصْر المؤلفِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ على حِكْمة الصنعة أيش فيه؟
* الطلبة: قاصرٌ.
* الشيخ: قاصرٌ بلا شك، فهو حكيمٌ في صنعه وحكيمٌ في شرعه تبارك وتعالى.
لا بدَّ أن نعرف ما هي الحكمة، يقول العلماء: إنَّ الحكمة هي وضْع الأشياء في مواضعها؛ بمعنى أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا خَلَق شيئًا أو شَرَع شيئًا فإنَّه في مكانه اللائق به. ولهذا قال بعض السلف: إنَّ الله تعالى لم يأمر بشيءٍ فيقول العقل لَيْتَه لم يأمر به، ولم يَنْهَ عن شيءٍ فيقول العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه. فكلُّ ما ثَبَت بالشرع فإنَّه لا يُنافي العقل، بل إنَّ العقل يؤيِّده ويشهد بصحته، فالحكيم إذَنْ هو واضعُ الأشياءِ مواضعَها سواءٌ الشرعية أو الكونية، فما أَمَر الله بشيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يأمر به، وما نهى عن شيءٍ فقال العقل: لَيْتَه لم يَنْهَ عنه.
أمَّا في الأمور الكونية فإنَّ الله سبحانه وتعالى ربما يقدِّر أشياءَ تظنُّها فسادًا، فإذا بها تكون صلاحًا وخيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩]، فالله سبحانه وتعالى قد يقدِّر أشياء إذا نظر إليها الإنسانُ أوَّلَ وهْلةٍ قال: هذه ما فيها فائدة، أو قال: هذه مَضَرَّة، لكنْ إذا تأمَّل وجد أنَّ الحكمة تقتضي ذلك، وأنت أيُّها العبد إذا آمنتَ أنَّ الله حكيمٌ في شَرْعه وحكيمٌ في خَلْقه فإنَّه لا يبقى لك شكٌّ في أنَّ ما شَرَعه خيرٌ وما قدَّره خيرٌ.
وللحكيم معنًى آخَر غير الحكمة، وهو الحاكم؛ لأنَّ هذه المادة (ح ك م) تدلُّ على المعنيين: على الحكمة وعلى الحُكْم، فهو سبحانه وتعالى هو الحاكم، يحكم في الناس ويحكم بين الناس؛ يحكم في الناس بما يُلزمهم به من الأحكام الشرعية، ويحكم بين الناس فيما يختصمون فيه، فهو الحاكم، وحُكمه مبنيٌّ على العدل التامِّ، لا ظُلم ولا جَوْر، لا بالنسبة لِمَا يحكم فيه بين الناس، ولا بالنسبة لِمَا يحكم به في الناس، كلُّه عَدْلٌ، كلُّه خيرٌ، إذَن الحكيم له معنًى آخَر وهو أيش؟ الحُكم.
الحُكم ينقسم إلى: حُكمٍ قَدَريٍّ، حُكمٍ شرعيٍّ. ولهذا إذا أُصِيبَ الإنسانُ بمصيبةٍ قال: هذا حُكم الله - يعني هو تعبير عامِّي- هذا حُكم الله، يعني القَدَري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري. لكنْ إذا قيل له: يجب عليك كذا وكذا. قال: ليش يجب؟ قال: هذا حُكم الله. هذا حُكم الله الشرعي.
وكلاهما في القرآن؛ فمِن الأول -أعني الحُكم القَدَري- قول الله تبارك وتعالى عن أخي يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ [يوسف ٨٠] أي: يقدِّر لي. لم يقل: يحكم فِيَّ، قال: ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، فالحُكم هنا قَدَري.
ومثال الثاني -الحكم الشرعي- قول الله تبارك وتعالى حينما ذكر أحكام الكافرات اللاتي يأتين من الكفَّار إلى المؤمنين، قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠] ﴿حُكْمُ اللَّهِ﴾ أي: الشرعي، أو الكوني؟
* الطلبة: الشرعي.
* الشيخ: الشرعي.
طيب، ما الفرق بينهما؛ بين الحكم الشرعي والحكم القدري؟
الفرق بينهما أنَّ الحكم القدري يكون فيما يرضاه الله وفيما لا يرضاه الله؛ الحكم الكوني يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله؛ يَسْرق الرجل، يزني، يشرب الخمر، هذا حُكم الله القدري أو الشرعي؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري، وهذا لا يرضاه الله.
يصلِّي الإنسان، يتصدَّق، يصوم، يحج، هذا حُكم الله، كوني ولَّا شرعي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو قَدَري، لكنَّه يرضاه الله أو لا يرضاه؟
* الطلبة: يرضاه.
* الشيخ: يرضاه الله. إذَن الحكم الكوني -أو القدري إنْ شئتَ- يكون فيما يرضاه الله وما لا يرضاه الله.
أمَّا الحكم الشرعي فلا يكون إلا فيما يرضاه الله، فلا يحرِّم الله شيئًا إلا وهو يرضى ألَّا يكون، ولا يوجب شيئًا إلا وهو يرضى أن يكون.
كذلك أيضًا فَرْق آخَر؛ الحكم الكوني أو القدري -والمعنى واحد- لا بدَّ من وقوعه، إذا حَكَم الله بشيءٍ كونًا لا بدَّ أن يقع، أفهمتم؟
الحكم الشرعي قد يقع وقد لا يقع؛ هل كلُّ الناس ملتزمون بأحكام الله الشرعية؟ لا.
فهذان فرقان بين الحكم الكوني والحكم الشرعي، وكلاهما يتضمَّنه قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
* من فوائد الآيات: بيانُ قدرة الله تبارك وتعالى؛ حيث إنَّ كلامه المنَزَّل على نبيِّه من الحروف التي يتكلم بها الناس ويركِّبون منها كلامهم، ومع ذلك أَعْجزَهم؛ وجه الدلالة: ﴿حم (١) عسق﴾.
* ومن فوائدها: إثبات نبوَّة النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النبوَّة في الأُمَم السابقة؛ لقوله: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
واعلمْ أنَّ أسماء الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن تتضمَّن شيئين:
الأول: ثبوت ذلك اسمًا لله تبارك وتعالى؛ فمثلًا (العزيز)، الآن نحن نشهد أنَّ من أسماء الله (العزيز)، كذلك نشهد أنَّ من أسماء الله (الحكيم).
والشيء الثاني مما تتضمَّنه: الصفة التي دلَّ عليها هذا الاسم؛ فمثلًا (العزيز) دلَّ على إيه؟
* طالب: العِزَّة.
* الشيخ: و(الحكيم) على الحكمة.
لا بدَّ لكل اسم من هذين، قد يتضمَّن الاسم شيئًا ثالثًا، وهو الفعل المترتِّب على ذلك، وإن شئتَ فقل: الأثر المترتِّب على ذلك؛ فمثلًا (السميع) يتضمَّن إثباتَ اسم (السميع) لله، صحيح، وإثباتَ السمع له، والصفة معنى زائدٌ على الذات، والثالث: أنه يسمع كلَّ شيء.
في (الحكيم) نقول كذلك؛ إثبات (الحكيم) اسمًا لله، والثاني: إثبات الحكمة على أحد المعنيين، وإثبات الحُكم على المعنى الآخَر، والثالث: أنَّ الله سبحانه وتعالى يحكم بين العباد ويحكم في العباد.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: كمالُ عِزَّته وكمالُ حكمته، كمال العِزَّة وكمال الحكمة؛ لأنَّ الله قَرَن بين العزيز والحكيم إشارةً إلى أن عِزَّته وغَلَبته مبنيةٌ على الحكمة.
عِزَّة المخلوق قد توجب أن يتصرَّف تصرُّفًا سفيهًا؛ كما في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيش؟ ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ [البقرة ٢٠٦] فهنا صار له عِزَّة لكنَّها لم تنفعه لأنها ليستْ مقرونةً بالحكمة.
كذلك أيضًا حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعِزَّته؛ لأن الحكيم قد يكون خوَّارًا ليس عنده غَلَبةٌ فيفوته شيءٌ كثيرٌ، ويفوته الحزمُ من أجْل أنه يقول: إنَّ ذلك هو أيش؟ هو الحكمة. لكنَّ حكمة الله عز وجل مقرونةٌ بعزَّته، ولهذا نحن نستفيد الآن من قَرْن الأسماء بعضها ببعضٍ، نستفيد بذلك معنًى زائدًا على ما نستفيده من مجرَّد الاسم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الشرائع التي أُوحِيتْ إلى الرسل عزَّة وحكمة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨]، وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣] فمن تمسَّك بهذه الشرائع نال الأمرين جميعًا، وهما العِزَّة والحكمة، والحُكم أيضًا.
* * *
نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أنَّ سورة الشورى فيها اسمان.
* طالب: سورة (الشورى) و(شورى).
* الشيخ: نعم، (شورى) و(الشورى)، طيب. هل هي مكِّية أو مدنية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكية. ما هو المكِّي وما هو المدني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما نزل بمكة قبل الهجرة، يعني قَيْدين، ما نزل قبل الهجرة. والمدني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ولو في مكة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: هل تحفظ شيئًا نزل بمكة بعد الهجرة؟
* الطالب: قوله تعالى: (...).
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ ...﴾ [المائدة ٣].
* الطالب: (...).
* الشيخ: أين نزلتْ هذه؟
* الطالب: بعرفة.
* الشيخ: بعرفة، بارك الله فيك.
طيب، استثنى المؤلف من هذه السورة آيات أربع، فما رأيك؟
* طالب: نطالبه بالدليل على (...).
* الشيخ: نعم، على هذا الاستثناء، نطالبه بالدليل على هذا الاستثناء؛ لأنَّ الأصل أنَّ السورة المكية جميع آياتها مكية، وأنَّ السورة المدنية جميع آياتها مدنية، أليس كذلك؟ فمَن ادَّعى خلافَ الأصل فعليه الدليل.
طيب، قوله تبارك وتعالى: ﴿حم (١) عسق﴾ ما تقول فيها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، الحروف الهجائية أحسن من قولنا: الحروف المقطَّعة؛ لأنها قد تكون حرفًا واحدًا؛ مثل: ﴿ن﴾، ﴿ص﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيها خلاف، والراجح؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك. ما هو الدليل على رجحان هذا القول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: في اللغة العربية.
* الطالب: في اللغة العربية نقول: إنَّ هذه الحروف لا معنى لها.
* الشيخ: نعم، هذا واحد. وجهٌ آخَر: أنَّ الله أنزل الكتاب تبيانًا لكلِّ شيء، ولو قلنا: هذه ليس لها معنى معروف، صار يعني أنَّ في القرآن ما لا يُعلَم معناه، وهذا ينافي قولَه تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤].
* الشيخ: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الشورى ٣] قال المفسِّر: (في صنعه)، فما رأيك في هذا (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه قصور، الصواب أنَّه الحكيم في صنعه وشرعه، تمام.
الشورى 42:4
ثم قال الله تعالى -بدء الدرس الجديد-: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤]، ﴿لَهُ﴾ الضمير يعود على الله، وأنتم تعلمون أنَّ ﴿لَهُ﴾ خبرٌ مقدَّم، والمبتدأ ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾؛ لأن ﴿مَا﴾ هنا اسمٌ موصول، والتقدير: له الذي في السماوات، والقاعدة عند البُلَغاء أنَّ تقديم ما حقُّه التأخير يقتضي الحصر والاختصاص، فقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: لا لغيره، كلُّ ما في السماوات والأرض فهو لله رب العالمين.
قال المؤلف: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا). لو بدأ بالخلْق قبل الْمُلك لَكان أحسن؛ لأنَّ الخلْق سابقٌ، وعلى كلِّ حالٍ المسألة ما هي ذات أهمية كبيرة، المهمُّ أنَّ له ما في السماوات (مُلْكًا) يعني أنَّه مالكُ أعيانِها، (وخَلْقًا) يعني أنَّه خالقُها، (وعبيدًا) بالمعنى القَدَري؛ يعني أنَّ ما في السماوات والأرض متذلِّلٌ لله تعالى؛ كما قال عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
وقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جَمَعها، ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أَفْردَها؛ لأنَّ السماوات أعظم من الأرض، ولهذا تجيء كثيرًا بلفظ الجمع، وتجيء بلفظ الإفراد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥] فإذا جاءت بالإفراد فالمراد الجنس، وإذا جاءت بالجمع فالمراد العدد، والسماوات عددها سبعٌ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦].
الأرضون لم تأتِ في القرآن إلا مفردةً باعتبار الجنس، ولكن القرآن أشار إلى أنها سبعٌ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]، المِثْلية لو نزَّلتَها على الكيفية يصح ولَّا لا يصح؟
* الطلبة: لا يصح.
* الشيخ: لا يصح؛ لأنَّ السماء أعظم وأوسع، إذَنْ ما بقي إلا أن نُنَزِّلها على الكمِّيَّة، فيكون المعنى: ﴿مِثْلَهُنَّ﴾ يعني أيش؟ في العَدَد؛ سبع أرضين.
وقد جاءت السُّنَّة بلفظ السبع؛ فقال النبيُّ ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) واللفظ له، من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه بلفظ: «مَن اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوَّقه الله إيَّاه يوم القيامة من سبع أرضين».]]، وهذا نصٌّ صريحٌ، وكذلك أيضًا يُروَى عنه عليه الصلاة والسلام أنَّه كان يقول إذا أَقْبلَ على البلد: «اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ»[[أخرجه النسائي في الكبرى (٨٧٧٥) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، «الْأَرَضِينَ السَّبْعِ» فهي سبع أرضين.
ولكنْ كيف هي سبع أرضين؟ هل المعنى أنها سبعة أقاليم، أو سبع قارَّات، أو ماذا؟
نقول: هي سبعُ أرضين طباقٌ؛ كما أنَّ السماوات سبعٌ طباقٌ كذلك الأرضون سبعٌ طباقٌ، ويدلُّ لهذا أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»؛ لأنها لو كانت الأقاليم أو القارَّات لَكان الذي يملك قطعةً من الأرض هُنا لا يملكها أيش؟ في المكان الآخَر، لكن الذي يملك قطعةً هنا له ما يملكه على سطح الأرض وله ما تحته إلى الأرض السابعة، ولهذا قال العلماء: الهواء تابعٌ للقرار، والأسفل تابعٌ للأعلى. مثلًا أنا لي بيتٌ مساحته عشرة أمتار في عشرة أمتار، لي في الجو في السماء عشرة أمتار في عشرة أمتار، ما أحد يقدر يطلِّع رَفًّا على ما يُقابل أرضي ولو كان بعيدًا جدًّا، وليس للطائرة أن تمرَّ على أرضي، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف لا؟! نعم، لو شئنا لمنعناها، هذه أرضي، لف يمين ولَّا يسار؛ لأنَّ الهواء تابعٌ للقرار.
لكن مسألة الطائرة قد يقول قائل: إنَّ العُرف جرى بأنها لا تُمنَع، ولهذا تمرُّ من عند البلد من فوق البيوت، وربما تُزعج الناسَ بأصواتها ولا أحد يمنعها، ولو أنَّ أحدًا قال: أمنعُها من أن تمرَّ من فوق بيتي، لعُدَّ سفهًا، فالعُرف له أحكامٌ.
وقلنا: مَن مَلَك الأعلى مَلَك الأسفلَ؛ فمثلًا قعر الأرض لي ولَّا ليس لي؟ لي، ولهذا لو أراد إنسان أن يفتح نفقًا تحت أرضي فلي أن أمنعه؟ نعم؛ لأنَّ الأسفل تابعٌ للأعلى.
المهم على كلِّ حالٍ السماواتُ كم؟
* الطلبة: سبعٌ.
* الشيخ: والأرضون؟
* الطلبة: سبعٌ.
* الشيخ: سبعٌ.
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خَلْقِه ﴿الْعَظِيمُ﴾ الكبير). نعم، ﴿هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ قَرَن الله بينهما في هذا وفي آية الكرسيِّ.
﴿الْعَلِيُّ﴾ وَزْنها الصرفي (فَعِيل) صفة مشبَّهة، والصفة المشبَّهة تقتضي وصْفَ الموصوف بها دائمًا، أفهمتم الآن؟
(فَعِيل) صفة مشبَّهة، والصفة المشبَّهة أيش؟ تقتضي دوامَ اتِّصاف الموصوف بها، إذَن (العَلِيُّ) وصفٌ لازمٌ لله عز وجل أزلًا وأبدًا، لا يمكن أن يكون خلاف العلوِّ أبدًا، فالعلوُّ إذَن صفة ذاتية.
من أين أخذتَ أنها صفة ذاتية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (فَعِيل) صفة مشبَّهة، والصفة المشبَّهة تقتضي الدوامَ والاستمرارَ، واتِّصافُ المتَّصفِ بها دائمٌ، إذَن العلوُّ صفة ذاتية لله عز وجل لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال أنْ يتَّصف بضدِّها.
طيب، العلوُّ هل هو علوُّ الصفة الذي اتَّفقتْ عليه الأُمَّة الإسلامية، أو هو علوُّ الذات الذي أنكره مَن أنكره؟
كلاهما، علوُّ الذات وعلوُّ الصفة؛ أمَّا علوُّ الصفة فإنَّ المسلمين كلَّهم أجمعوا على ذلك، حتى الجهمية والمعتزلة والأشعرية والماتريدية وغيرهم، كلُّهم أجمعوا على ثبوت صفة العلوِّ لله عز وجل، العلو أيش؟ علو الصفة.
ولهذا أقول لكم: المعطِّلة الذين ينكرون الصفات، أتدرون لماذا؟ قالوا: لأنَّنا نُنَزِّه الله؛ لأنَّ ثبوت هذه الصفات يستلزم -على زَعْمهم- النقصَ، فينفونها تنزيهًا لله عز وجل.
إذَن العلوُّ الذي هو علوُّ الصفة ثابتٌ لله بإجماع الأُمَّة ولا أحد ينكره.
علوُّ الذات هذا هو الذي اختلفَ فيه الناس فانقسموا إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
القسم الأول: مَن أنكره، لكنَّه جعل الله تعالى في كلِّ مكان؛ فيقول: الله ليس مكانه خاصًّا في العلو، بل هو في كل مكان. وهذا رأي الجهمية الحلولية، يصرِّحون بهذا، يقولون: لا يمكن أن يكون الله تعالى عاليًا على كلِّ شيء، بل هو في كل شيء؛ إن كنت في المسجد فهو؟
* طلبة: في المسجد.
* الشيخ: في المرحاض؟
* طلبة: في المرحاض.
* الشيخ: فهو في المرحاض، قاتَلَهم الله، وحاشاه من قولهم، ولهم شُبْهة.
القول الثاني عَكْس هذا تمامًا؛ قال: لا يجوز أن نقول: إنَّ الله في مكانٍ لا عالٍ ولا نازل، بل هو سبحانه وتعالى ليس فوق العالَم، ولا تحته، ولا يمينًا، ولا شمالًا، ولا متَّصلًا، ولا منفصلًا، ولا مباينًا، ولا محايثًا، وهلمَّ جرًّا من الأمور السلبية، على عكس الأوَّلين تمامًا.
وإنِّي أسألكم بالله: أين يكون الإله إذا كان يُنفى عن كلِّ هذا؟ يكون عدما، ولهذا قال محمود بن سبكتكين رحمه الله -أحد القُوَّاد المشهورين- وهو يناظر محمد بن فورك أحد المتكلِّمين لَمَّا قال محمد بن فورك: لا داخلَ العالَم ولا خارجه ... إلى آخره، قال له: بيِّنْ لي ما الفرق بين العدم وبين ربِّك الذي تصفه بهذه الصفة؟ ويش الجواب؟ لا فرق.
الثالث: يقولون: إنَّ الله تعالى عالٍ بذاته فوق كلِّ شيء، ولا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته، وعلوُّه لازمٌ لذاته، وهو سبحانه وتعالى بائنٌ من خَلْقه؛ بمعنى أنَّه ليس حالًّا فيهم ولا هم حالُّون فيه. وهذا مذهب أهل الحقِّ الذي دلَّ عليه القرآن والسُّنَّة والعقل والفطرة والإجماع، خمسة أدلَّة كلُّها تدلُّ على العلوِّ الذاتي، وهي أيضًا متنوعة؛ يعني دلالة القرآن ليست آيةً واحدةً ولا على وجهٍ واحدٍ، متنوعة، وكذلك في السُّنَّة.
فالقرآن مملوءٌ من إثبات العلوِّ الذاتي لله؛ مثل قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك ١٦]، وأدلَّة لا تُحصَى.
من السُّنَّة أدلَّة قولية وفِعْلية وإقرارية؛ يعني كل أنواع السُّنَّة دلَّتْ على علوِّ الله الذاتي:
أمَّا السُّنَّة القولية فها هو النبيُّ ﷺ يقول في سجوده أيش؟ «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.]]، فيُثبت علوَّه.
وأمَّا الإقرارية فإنَّه «سأل الجارية: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. فأقرَّها.
وأمَّا الفعلية «فكان يخطب الناسَ يوم عرفة ويقول: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». فيقولون: نعم. فيرفع أصبعه إلى السماء ويقول: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر، ولفظه: «وقد تركتُ فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به؛ كتابَ الله، وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟». قالوا: نشهد أنك قد بلَّغتَ وأدَّيتَ ونصحتَ. فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهمَّ اشهدْ، اللهمَّ اشهدْ» ثلاث مرات... الحديث.]]. يعني: على هؤلاء الناس، يُشير إلى السماء، وهذه دلالةٌ أيش هي؟
* طالب: فعلية.
* الشيخ: فعلية بالإشارة.
وأمَّا الإجماع فالسَّلَف الذين على رأسهم الصحابة مُجْمِعون على أنَّ الله تعالى فوق كلِّ شيء، مُجْمِعون على هذا إجماعًا قطعيًّا؛ لأنهم كلهم يقولون في سجودهم أيش؟ سبحان ربِّي الأعلى، ولم يُنقل عن واحدٍ منهم أنَّه قال: إنَّ الله ليس في السماء، أبدًا، وعدمُ نَقْل المخالفة لِمَا في الكتاب والسُّنَّة يدلُّ على الإجماع، وهذا طريقٌ واضحٌ بأنَّه إذا لم يَرِدْ عن السَّلَف ما يخالف دلالةَ القرآن فهُم مُجْمِعون على أيش؟ على ما دلَّ عليه القرآن.
أمَّا دلالة العقل فسَلْ نفسَك: أيُّهم أَوْلى: ربٌّ يوصف بما يدلُّ على العدم، أو ربٌّ لا يُنَزَّه عن الأماكن القذرة، أو ربٌّ عالٍ فوق كلِّ شيءٍ، أيهم؟
* الطلبة: الثالث.
* الشيخ: الثالث لا شكَّ.
ثم إنَّ العلوَّ من حيث هو علوٌّ صفةُ كمالٍ، أليس كذلك؟ وإذا كان صفةَ كمالٍ فقد أثبتَ الله لنفسه كلَّ صفةِ كمالٍ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠]، هذه الدلالة عقلية.
بقينا دلالة فِطْرية، أيضًا الفِطْرة دلَّت على علوِّ الله؛ الإنسان بفِطْرته قبل أن يتعلَّم أين يتصوَّر الله عز وجل؟ في العلوِّ. ولهذا تجد الإنسانَ الذي لم يقرأ هذا البحثَ؛ عامِّي، إذا أراد أن يدعو الله أين يروح؟ إلى السماء. ولهذا قال أبو العلاء الهمداني رحمه الله لإمام الحرمين الجويني وهو يقرِّر -الجويني عفا الله عنه ولعلَّه تاب فتاب الله عليه- يقرِّر إنكارَ العلوِّ؛ يعني إنكار الاستواء على العرش (...)، ويقول: إنَّ الله تعالى كان ولم يَكُنْ شيءٌ قبله، وهو الآن على ما كان عليه. ماذا يريد؟ أنْ يُنكر الاستواءَ على العرش والعلوَّ أيضًا، فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: يا أستاذ دَعْني من ذِكْر العرش والاستواء على العرش، أخبِرْنا عن هذه الفطرة؛ ما قال عارفٌ قطُّ: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورةً بطلب العلو. سبحان الله! أليس الأمر كذلك؟ ما قال عارفٌ، والعارف يُطلَق على الصوفي عندهم، لكن المراد هنا ما هو أعمُّ، ما قال عارفٌ قطُّ: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورةً بطلب العلوِّ. جعل يَلْطم على رأسه: حيَّرني، حيَّرني، حيَّرني. ليش؟ لأنَّه عجز عن الإجابة. هذه دلالةٌ فطريةٌ ما يمكن لأحدٍ أن يُنكرها، فالحمد لله الذي هدانا لهذا.
إذَن علوُّ الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: علو ذاتي، وعلو وصْفي. الثاني لم تختلف الأُمَّة الإسلامية فيه، والأول -العلو الذاتي- انقسموا فيه إلى ثلاث فِرَق، والفرقة الناجية -جعلني الله وإيَّاكم منهم- هم الذين أثبتوا عُلُوَّه بذاته جل وعلا فوق كلِّ شيء، ما فيه شيء يُحاذِي اللهَ عز وجل، كلُّ الخلْق في قبضته، كلُّ الخلْق ليس عنده بشيء، إذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي كحلقةٍ أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، السماواتُ السبعُ على عِظَمها وسَعَتها والأرضون السبعُ بالنسبة للكرسي كحلقةٍ أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، الحلقة: حلقة الْمِغْفَر، حلقة الْمِغْفَر ضيِّقة، أُلقِيتْ في فلاةٍ من الأرض، أخبِروني ماذا تشغل هذه الحلقة من هذه الفلاة؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم، لا شيء. قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ»[[أخرجه ابن حبان (٣٦١) من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه، ولفظه: «وفضْل العرشِ على الكرسيِّ كفضْل الفلاةِ على الحلقة».]]. إذَنْ ويش يكون الكرسي بالنسبة للعرش؟ لا شيء.
والربُّ عز وجل فوق ذلك، فهو سبحانه وتعالى فوق كلِّ شيءٍ، لا شيء يُحاذيه، كلُّ المخلوقات تحته سبحانه وتعالى، وهو فوق كلِّ شيء.
إذَنْ أثبتنا هذا العلو وأَطَلْنا فيه لأنَّه مُهِمٌّ، ولأنَّه يوجد الآن مَن ينكره -نسأل الله العافية- ولا شكَّ أنَّ هؤلاء قد أزاغ الله قلوبَهم، وإلا فلو رجعوا إلى فِطْرتهم، الفِطْرة فقط، لَعَلِموا أنَّ الله تعالى فوق كلِّ شيءٍ وأنَّ ذلك من كماله.
وقوله رحمه الله: (﴿الْعَلِيُّ﴾ على خلقه). لا نستطيع أن نقول: إنَّ المؤلف أنكر العلوَّ الذاتيَّ، ولا نستطيع أن نقول: إنه أَثْبتَه قطعًا؛ لأنَّ (﴿الْعَلِيُّ﴾ على خلقه) يحتمل العلي عليهم بالسلطان والسيطرة فيكون علوًّا أيش؟ وَصْفِيًّا، ويحتمل أنه علا عليهم بذاته. فعلى كلِّ حالٍ لا يجوز لنا أن نرمي المؤلف بأنه أنكر العلوَّ ولا أن نشهد بأنَّه أَثْبتَه؛ لأنَّ المؤلف رحمه الله من الأشاعرة، فلا ندري، لكنَّنا يجب علينا إذا سَمِعْنا كلامًا من إخواننا المسلمين يمكن أن يكون له محملٌ صحيحٌ أن نحمله أيش؟ على المحمل الصحيح ما لم توجد قرينةٌ تمنع ذلك، وإلَّا فالأصل إذا سمعتَ من أخيك كلمةً فاحمِلْها على المعنى الصحيح، حتى لو أنَّك سمعتَ كلمةً وقلتَ: هذا الرجل يسخر بي -مثلًا- أو يستهزئ، لا تحمِلْها على هذا، احمِلْها على المعنى الحق.
وأمَّا ﴿الْعَظِيمُ﴾ فيقول رحمه الله: (الكبير). وفي هذا نظر؛ لأنَّ الكبير غير العظيم؛ العظيم يعني ذو العَظَمة، وعظمة الشيء أو عظمة العظيم تعني قوَّة السلطان، قوَّة العلم، قوَّة أيِّ شيء يحتمل من المعاني فهو داخل في كلمة (العظيم).
* من فوائد قوله تبارك وتعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عموم مُلك الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ لأنَّ ﴿مَا﴾ اسمٌ موصولٌ يفيد العموم.
* ومن فوائدها: أنَّ ذلك مختصٌّ بالله لا يشاركه فيه أحد؛ وذلك بتقديم الخبر، والقاعدة البلاغية أن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر والاختصاص.
فإن قال قائل: يَرِدُ على قولكم هذا أنَّ الله تعالى أثبتَ للإنسان الملْك فقال: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ [المؤمنون ٦]، وقال: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١]، وما أشبه ذلك.
فالجواب: أنَّ ملْك الإنسان للشيء ليس ملكًا مطْلقًا ولا ملكًا عامًّا؛ فهو ليس ملكًا مطلقًا إذْ إنَّ الإنسان لا يملك أن يتصرَّف في ماله كما شاء؛ لو أراد أن يحرق ماله فهل له ذلك؟ لا، ليس له ذلك، ولو أراد أن يستعمله في الحرام لم يكن له ذلك. وليس أيضًا عامًّا فملْك كل إنسانٍ منَّا خاصٌّ به؛ أنت لا تملك مالي وأنا لا أملك مالَك.
مُلك الله عز وجل مطلقٌ عامٌّ، فظهر الفرق بين مُلك الربِّ عز وجل ومُلك المخلوق، وحينئذٍ لا معارضة. واضح يا جماعة؟
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات عدد السماوات؛ حيث جاءت بالجمع، وقد بيَّن الله تعالى في موضعٍ آخَر أنها سبع سماوات. أمَّا الأرض فجاءت في القرآن مفردة، لكن الله أشار إلى أنها جمعٌ في قوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علوِّ الله عز وجل في قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ العلوَّ صفةٌ لازمةٌ ليست من صفات الأفعال التي إن شاء فَعَلها وإن شاء لم يَفْعلها؛ وجه الدلالة يا إخوان أنَّ العليَّ صفةٌ مشبَّهةٌ، والصفة المشبَّهة تفيد الثبوت وعدم التحوُّل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عموم علوِّ الله عز وجل الشامل لعلوِّ الذات وعلوِّ الصفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عظمة الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، واعلمْ أنَّ كلَّ اسمٍ من أسماء الله فإنَّه دالٌّ على صفة، وليس كلُّ صفةٍ يُشتقُّ منها اسمٌ، وحينئذٍ يتبيَّن أنَّ الصفات أوسع من الأسماء؛ لأنَّ كلَّ اسمٍ متضمِّن لصفة، وليس كلُّ صفةٍ يُشتقُّ منها اسم؛ فمثلًا مِن صفات الله تبارك وتعالى المكر بِمَن يستحقُّ المكر، وهل يجوز أن نشتقَّ من هذه الصفة اسمًا من أسمائه؟ لا، لا يجوز؛ لأنَّ باب الصفات أوسع. من صفات اللهِ الصَّنعُ؛ ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨]، هل يمكن أن نشتقَّ من ذلك اسمًا لله هو الصانع؟ لا، وعلى هذا فقِس.
ثم اعلمْ أنَّ دلالة الصفة على مدلولها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: دلالة مطابَقة، ودلالة تَضَمُّن، ودلالة التزام. فدلالة الاسم على جميع معناه تُسَمَّى دلالة مطابَقة، وعلى جزئه دلالة تَضَمُّن، وعلى لازمِه دلالة التزام.
فأنواع الدلالة ثلاثة: مطابَقة، وتَضَمُّن، والتزام؛ فإنْ دلَّ اللفظ على جميع معناه فهو مطابَقة، وعلى جزئه تَضَمُّن، وعلى شيءٍ خارجٍ لازمٍ دلالة التزام.
ونحن نمثِّل لكم الآن بالمحسوس والمعقول؛ إذا قلتَ: هذه دارٌ، أو: هذا بيتٌ، دلالته على جميع ما أدخلَ السور أيش؟
* الطلبة: مطابقة.
* الشيخ: دلالة مطابقة؛ يعني يشمل الحُجَر، وهي الغُرَف الأسفل، ويشمل الغُرَف التي في الدور الثاني والثالث، وهلمَّ جرًّا، نسمِّي هذه دلالة مطابقة. ودلالة هذا اللفظ على الصالة، وعلى المطبخ، وعلى المعشَّى، وما أشبه ذلك؛ على واحدٍ منها، دلالةُ تضمُّن؛ لأنَّه يدلُّ على جزء المعنى. ودلالته على بانٍ بناه دلالة التزام؛ لأنَّه لا يمكن أن يوجد بيتٌ إلا ببانٍ. هذا مثالٌ في المحسوس، واضح؟
أنا الآن معي هذا القلم دلالته على غطاه وعلى أصله؟
* الطلبة: مطابقة.
* الشيخ: طيب، ودلالته على واحدٍ منها؟
* الطلبة: تضمُّن.
* الشيخ: تضمُّن. ودلالته على أنَّ هناك مَن صَنَعه؟
* الطلبة: التزام.
* الشيخ: دلالة التزام، هذه الدلالة.
نأتي على أسماء الله عز وجل، نقول: من أسماء الله تعالى (الخالق) أليس كذلك؟ الخالق البارئ المصوِّر.
(الخالق) دلالته على الذات الإلهية وعلى الصفة التي هي الخلْق جميعًا دلالة مطابقة، ودلالته على الذات وحدها أو على الخلْق وحده دلالة تضمُّن، ودلالته على العلم والقدرة -لأنَّه ما مِن خالقٍ إلا وهو عالِمٌ، وما مِن خالقٍ إلا وهو قادر- هذه دلالة التزام.
أمَّا النوعان الأوَّلان: دلالة المطابقة والتضمُّن، هذه لا تُشْكل على أحد، كلُّ طالبِ علمٍ يمكن أن يعرف، وأمَّا دلالة الالتزام فهي التي تخفى على كثيرٍ من الناس، ولذلك يختلف فيها العلماء اختلافًا كثيرًا.
وهنا نسأل: هل دلالة الالتزام لازمةٌ في كلِّ قولٍ، أو فيما قال الله ورسوله؟
الجواب: الثاني؛ لأنَّ دلالة الالتزام قد ينكرها مَن تكلَّم بالكلام، فمثلًا نقول: الجهمية يقولون: إنَّ الله في كلِّ مكان. مِن لازم قولهم أن يكون أيش؟ في الحشوش والأماكن القذرة، هم لا يلتزمون بهذا، لو التزموا بهذا لَكفروا على طول، ولا أحد يشكُّ في كفرهم، لكن لا يلتزمون بهذا،
ولذلك عبَّر العلماء عن هذه المسألة: هل لازمُ القولِ قولٌ أو لا؟
نقول: أمَّا قول الله ورسوله فلازِمُهما حقٌّ ومِن قول الله ورسوله، وأمَّا غيرهما فلا؛ لأنَّه يحتمل إذا ألزمْناه به ألَّا يلتزم، ويحتمل إذا ألزمْناه به أن يَدَع قولَه لئلَّا يَلزم منه هذا اللازم الباطل، ويحتمل أنَّه حين تكلَّم لم يطرأْ على باله هذا اللازم.
على كلِّ حالٍ -بارك الله فيكم- نحن نقول: أهمُّ شيءٍ عندي .. هذه يعني ظهرتْ مني انسيابًا، وإلَّا فيها صعوبة شوي عليكم.
لكن إني أقول الآن: أسماء الله تعالى تدلُّ على الذات العليَّة؛ على ذات الله، وعلى أيش؟ وعلى الوصف الذي تضمَّنه هذا الاسم؛ فـ(العليُّ) يدلُّ على الربِّ عز وجل وعلى صفة العلو، (العظيم) كذلك يدلُّ على الربِّ وعلى صفة العظمة.
* طالب: إثبات (...).
* الشيخ: الاسم والصفة، هذا لا بدَّ في كلِّ اسم.
* الطالب: الأثر يعني.
* الشيخ: الأثر يعني الذي يترتَّب على هذا.
* الطالب: الاسم (...).
* الشيخ: لا، يكون مقتضى الاسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو بكلِّ اسم؛ عندنا (الحي) ما فيه أثر، (الحي) وصفٌ لازمٌ لذاته ما يتعدَّى، لكن إذا قلت: (البصير)، (السميع)، هذا يتعدَّى؛ يتعدَّى إلى المسموع في (السميع) وإلى المبصَر في (البصير)، فالضابط أنَّ الذي لا بدَّ فيه من الإيمان بالأثر هو الاسم المتعدِّي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا داخل في قولنا: علو الصفة؛ إذا قلنا: علو الصفة، شَمِل علوَّ القَدْر وعلوَّ القهر وجميعَ أنواع العلوِّ؛ يعني هذا أعمُّ، وإلا بعض العلماء يقول: إنَّه ثلاثة أقسام: علوُّ الذات، وعلوُّ القَدْر، وعلوُّ القهر. لكن إذا قلنا: علوُّ الذات وعلوُّ الصفة، صار أشمل وأعمَّ.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الظاهر -والله أعلم- أنَّ الأرض التي ينتفع بها الخلْق ويكون لهم فيها مصلحة -والمراد الإنس- هي أرضٌ واحدةٌ، هذا الظاهر والله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أحسنت، هذا إشكال جيِّد، يقول: إذا قلنا: الهواء تابع للقرار، والأسفل تابع للأعلى، يوجد مساجد الآن أعلاها مسجدٌ وأسفلها دكاكين، هذه أصلُ وضعِ الإنسان لها أنَّه وضع هذه دكاكين وهذه مسجدًا، كما أنَّه يوجد الآن بعض العمارات يكون أسفلها مملوكًا لزيد، والذي فوقه لعمرو، واللي فوقه لخالد، موجود هذا، لكن إذا كان الأرض اللي تحته ما مَلَكها واحد فهي له؛ لأنَّ العمارات هذه على حسب ما صرَّفَها مالكُها، يجعل الجهة هذه مسجدًا صارت مسجدًا، وإذا جعل هذه مساكن صارت مساكن.
* طالب: (...) سطح البيت.
* الشيخ: لا، أحيانًا تكون أرضًا وأحيانًا تكون سطحًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما يجوز؛ يعني لو كان هذا مسجدًا مثل المسجد الذي نحن فيه الآن، لو أراد أحد يعمر فوقه شيئًا قلنا: لا، ما يجوز.
* * *
هذا يسأل يقول: إذا كان الرجل مبتدعًا وأتى بكلامٍ يحتمل أنَّه على مذهب السلف أو على مذهب الخلف، فهل نحمله على أنه على مذهب السلف؟
نحن ذكرنا قبل قليلٍ أنَّه ما لم يوجد قرينة، فإنْ وُجِد قرينة ما نحمله على المعنى الصحيح، نحمله على ما نعلم من حال الرجل، ولهذا يقول بعضهم -أظنُّه البلقيني- يقول: استخرجتُ اعتزاليَّات الكشاف بالمناقيش.
الكشاف تفسيرٌ للزمخشري، تفسيرٌ جيِّد في الواقع، من حيث اللغة ومن حيث المعنى جيِّد، ويتكلَّم أحيانًا على الأمور الفقهيَّات، وكلُّ مَن بعده رأيناه يستسقي منه فيما يتعلَّق بالبلاغة والإعراب مثل أبي السعود وغيره، لكنَّه معتزليٌّ بحت، ويذمُّ أهلَ السُّنَّة ويسمِّيهم الحشوية، تجد في كلامه أشياء تقول: هذه جيِّدة، هذا كلامٌ من أحسن ما يكون؛ كما في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران ١٨٥] قال: أيُّ فوزٍ أعظمُ مِن أن يُزَحزح عن النار ويدخل الجنة؟!
كلامٌ إذا سمعتَه ماذا تقول؟ هو كلام طيِّب، ما فيه فوزٌ أعظم من هذا، لكنَّه يُشير إلى نفي رؤية الله؛ لأنَّه من المعلوم أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل رؤيتَه زيادةً على نعيم الآخرة؛ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]. هو يقول: أيُّ فوزٍ أعظم من أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة؟! الجواب من كل واحد سيقول: لا شيء، لا فوز أعظم من هذا. لكنْ هو يُشير إلى إنكار رؤية الله عز وجل، مَن يدري هذا؟! لولا أنَّنا عرفْنا من مذهب الرجل أنَّه معتزليٌّ ينكر رؤيةَ الله عز وجل لَكُنَّا نقول: لا يجوز أن نتَّهمه؛ لأنَّ مَن دخل الجنة فسوف يرى الله عز وجل.
الشورى 42:5
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَنفَطِرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ . [الشورى: ٥].
* طالب: ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾.
* الشيخ: أنا عندي مكتوب ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ . قال: ﴿تَكَادُ﴾ يقول الشارح أو المفسر: (بالتاء والياء تكاد ويكاد)، أما تكاد فمطابقتها لمرفوعها ظاهر؛ لأن ﴿السَّمَاوَاتُ﴾ جمع، وكما قال الزمخشري: كل جَمْع مؤنث؛ إذن ﴿تَكَادُ﴾ مطابقتها لمرفوعها ظاهرة، يكاد للمذكر، و﴿السَّمَاوَاتُ﴾ مؤنث، فما هو الجواب؟ الجواب: الجمع المؤنث إذا كان مجازيًّا جاز تذكيره وتأنيثه؛ أي: تذكير فعله وتأنيثه، تقول: طلع الشمس، وطلعت الشمس، يجوز هذا وهذا؛ لأنه مجازي، أما إذا كان حقيقيًّا وهو الذي له فرْج من بين آدم أو غيره فإنه يجب تأنيث عامله فتقول: قامت امرأة ولَّا قام امرأة؟ قامت امرأة ولا غير، السماوات من المجازي أو الحقيقي؟ المجازي؛ ولهذا جاء فيها قراءتان ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ ومعنى تكاد تقرب فهي من أفعال المقاربة.
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ يعني السبع ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ بالنون، وفي قراءة بالتاء والتشديد، سبعية ولَّا غير سبعية؟ سبعية؛ لأن قاعدة المفسر رحمه الله أنه إذا قال: (في قراءة) أو قال: (بالتاء والياء) أو قال: (بالمد وحذفه) أن القراءة سبعية. إذن لك أن تقرأ ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ و﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾، والانفطار بمعنى الانشقاق، قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار ١]. وقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ لم يقل: من أسفل؛ لأن الله سبحانه وتعالى فوق، والسماوات تكاد يتفطرن من فوقهن، قال الشارح رحمه الله: (أي تنشق كل واحدة فوق التي تليها من عظمة الله عز وجل). ولولا أن الله أمسكها لتفطرت كما أنه جل وعلا لما تجلى للجبل جعله دكًّا، فالسماوات على عظمها وقوتها وشدتها تكاد تنفطرن من عظمة الله جل وعلا سبحانه وبحمده.
قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٥] شوف العظمة؛ عظمة تكاد السماوات تتفطرن منها، عظمة أخرى بجنوده جل وعلا، الملائكة يسبحون بحمد ربهم.
مَنِ الملائكة؟ الملائكة نقول: إنهم عالم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، وسخرهم لعبادته: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠] فهم عالم غيبي لا يشاهَدون، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعِ مِنْهَا إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله». الحديث.]]. «أَطَّتْ». يعني صار لها صرير كصرير الرحل المحمَّل، لعلكم أدركتم الرحل المحمَّل! الرحل على البعير إذا ثقل الحِمْل صار له صرير مع حركة السير، السماء لها هذا من كثرة من عليها من الملائكة؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ».
إذن الملائكة تفسيرهم عالَم غيبي، خلقهم الله تعالى من نور، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، وسخرهم لعبادته ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، إذا أمرهم الله بشيء: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]. ضدهم الشياطين، الشياطين عالم غيبي، خُلقوا من نار، عصاة لله، مستكبرون عن عبادته، وأبوهم الشيطان الأكبر إبليس.
فإذا قال قائل: أنتم قلتم: إنهم عالم غيبي، أليس إبليس قد شاهده النبي ﷺ على خِلقته وله ست مئة جناح قد سد الأفق؟
فالجواب: بلى، لكن هذا لا ينافي أن يكونوا عالمًا غيبيًّا في الأصل، يعني قد يُظهِرهم الله سبحانه وتعالى فيراهم الناس، وقد يتشكلون أيضًا، يكون الملَك بصورة الآدمي كما جاء جبريل مرة بصورة رجل غريب لكنه لا يُرى عليه أثر السفر، وجاء مرة بصورة دحية الكلبي، فهم قد يتشكلون بصور الآدمي، هذا التشكُّل هل هو بإرادتهم أو من الله عز وجل؟
السؤال عن هذا بدعة، يعني هل لنا مصلحة أن نعرف أن جبريل يُحَوِّل نفسه إلى صورة آدمي، أو أن الله يقلبه إلى صورة آدمي؟ ما لنا مصلحة، لكن نعلم أنه لم يقع ذلك إلا بإرادة الله سواء كان بفعل اختياري من جبريل، أو بفعل خلقي من الله عز وجل، نحن ليس لنا حق أن نسأل عن ذلك، كل أمور الغيب لا تسأل عنها، أجرها على ما جاءت؛ لأنه سبقك من هو أحرص منك على العلم، وأقوى منك إيمانًا، وباشر من يستطيع الجواب والرد، مَنْ هم؟
* الطلبة: الصحابة.
* الشيخ: ومع ذلك ما سألوا، إذا لم يسعك ما وسع الصحابة فلا وسَّع الله عليك؛ ولهذا يجب أن نقول لبعض الشباب الآن الذين يبحثون في أسماء الله وصفاته ويتعمقون يجب أن ننهاهم ونقول: اتقوا الله، آمنِوا بالقرآن والسُّنَّة على ما جاء في الكتاب والسنة ولا تبحثوا، سبقكم من هو خير منكم وأحرص على العلم ما سألوا، ثم هم إذا سألوا يسألون مَنْ؟ الرسول الذي قد ينزل عليه الوحي ويخبره الله عز وجل بما سألوا عنه، أما تسأل إنسانًا يخطئ ويصيب وأنت وهو سواء في علم الغيب، فهذا من الغلط والسفه، ومن مخالفة جادة السلف، وما أحسن ما قال مالك رحمه الله للذي سأله عن كيفية الاستواء قال: (والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا).
فنصيحتي لكم إذا أردتم السلامة أن تدَعوا السؤال عن الأمور الغيبية، اتركوه، وإلا هذا يرد على الإنسان؛ يعني قصدي أنه هل الملك يستطيع أن ينقلب إلى صورة آدمي، أو أن هذا بأمر الله عز وجل؛ بمعنى أنه ما يستطيع لكن الله يقلبه؟ نقول: يرد هذا السؤال ولكن ما هو الطريق السليم في الجواب عليه؟ أجيبوا.
* طلبة: السؤال عنه بدعة.
* الشيخ: أن نقول: السؤال عن هذا بدعة في دين الله، ما سأل عنه من هو خير منك، دَعْه.
الملائكة هل هم أجسام؟ الجواب: نعم، لا شك، قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١].
وأما من قال: إن الملائكة كناية عن قوى الخير والشياطين كناية عن قوى الشر فهذا يعني إنكار الملائكة والشياطين، بل نقول: الملائكة أجسام ذوو أجنحة، الشياطين أجسام تأكل وتشرب، قال الله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء ٦٤] أعاذنا الله وإياكم من الشيطان.
المهم أننا نؤمن بأن الملائكة أجسام وأن الشياطين أجسام، لكن هل نعرف كيفيتهم؟ لا نعرف إلا ما علمنا الله، ما علَّمنا الله نعرفه وما لا فلا نعرفه؛ لأنهم عالم غيبي، قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٥] أي: ملابسين للحمد.
أفادنا المؤلف بقوله: أي مُلابسين للحمد أن الباء هنا للملابسة والمصاحبة، ومعنى (يُسبِّح) أي يُنزِّه، ومعنى (بِحمد) أي تسبيحًا مصبوبًا بالحمد؛ لأن التسبيح تنزيه وتخلية، والحمد بالعكس إثبات، فيجتمع في هذا إذا قلت: سبحان الله وبحمده؛ يجتمع في هذا تنزيه الله عن كل نقص وإثبات كل كمال له، من أين أخذنا إثبات الكمال؟ من الحمد، والتنزيه من التسبيح.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ورب هنا بمعنى: خالق مالك مدبر.
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ المفعول محذوف للعلم به، من هو المستَغْفَر؟ الله، ويستغفرون الله، والاستغفار طلب المغفرة؛ لأن (استفعل) تأتي دائمًا وغالبًا بمعنى الطلب، تقول: استسقى بمعنى طلب السُّقْيا، استغفر بمعنى طلب المغفرة، استرحم بمعنى طلب الرحمة، وما أشبه ذلك، وقد تأتي لغير ذلك كما في قولك: استكبر، ما فيها طلب استكبار، لكنه بلغ في الكِبْر غايته.
﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: يطلبون المغفرة من الله، فما هي المغفرة؟ المغفرة قالوا: إنها مشتقة من (الْمِغْفَر)، المغفر شيء يجعله المقاتل على رأسه، يغطي الرأس، ويقيه السهام، ففيه ستْر ووقاية، فإذا قلت: أستغفر الله، أو رب اغفر لي فأنت تطلب شيئين:
الشيء الأول: الستر؛ ستر عيوبك عن الناس، لو علم الناس ما عندك من الذنوب ما ردوا عليك السلام كما قال القحطاني رحمه الله:
وَاللَّهِ لَوْ عَلِمُوا خَبِيءَ سَرِيرَتِي ∗∗∗ لَأَبَى السَّلَامَ عَلَيَّ مَنْيَلْقَانِي
فأنت تسأل الله أن يستر عليك؛ الثاني: تسأل الله الوقاية من الذنب، وقاية أيش؟ العذاب، كل مذنب مستحق للعقاب، إذن لو قال الإنسان: المغفرة عدم المؤاخذة على الذنب، لو قال هكذا، نقول: هذا بعض معناها، معناها ستر الذنب وعدم المؤاخذة عليه.
وقوله: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (مَنْ) هنا اسم موصول يفيد العموم، فهل هو عام؟ لا، هذا عام يراد به الخاص بدليل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر ٧]. إذن (مَنْ) هنا عام يُراد به الخصوص.
لو قال قائل: إنه عام خُصِّص؟ قلنا: لا، لأنه لم يرد للعموم من الأصل، إنما أريد الخصوص، الذين آمنوا، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥]؛ ولهذا قال المؤلف: (من المؤمنين).
﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى ٥] ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تُبتدأ بها الجملة، وتفيد شيئين: الأول: التنبيه، والثاني: التوكيد، وننظر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ حرف توكيد. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل، وضمير الفصل يفيد التوكيد، وحينئذٍ يحق لنا أن نقول: إن هذه الجملة أُكِّدت بثلاثة مؤكدات: ألا، وإن، وهو، الذي هو ضمير الفصل ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ ولذلك طلبت الملائكة منه المغفرة؛ لأنه سبحانه وتعالى أهل لذلك كما قال: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر ٥٦] ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى ٥]، فبمغفرتي تزول المكروهات، وبرحمتي تحصل المحبوبات، غفر الله لنا ولكم.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى ٥] إلى آخره في هذه الآية الكريمة بيان عظمة الله عز وجل، وأن هذه السماوات على شدتها وقوتها تكاد تتفطر من عظمة الله، وهذا كقوله لما سأل موسى أن يرى ربه قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف ١٤٣] بل إن كلام الله عز وجل -وهو كلامه- لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله.
* ففي هذه الآية: بيان عظمة الله عز وجل.
* وفيها، من فوائدها أيضًا: بيان علو الله عز وجل الذاتي؛ لقوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٥]. ويجب علينا أن نؤمن بالملائكة على أنهم عالم غيبي، وأن لهم أجسادًا، وأن لهم أجنحة كما قال الله تبارك وتعالى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمال عبادة الملائكة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ فيجمعون له بين التنزيه والتمجيد؛ التنزيه في قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ﴾، التمجيد في قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الملائكة أفضل من بني آدم؛ لأن بني آدم ليست حالهم هذه؛ أي التسبيح بحمد الله، بل منهم مؤمن ومنهم كافر، فيكون الملائكة أفضل من بني آدم، وهذا هو أحد الأقوال في هذه المسألة، ومن العلماء من يقول: بل صالحو البشر أفضل؛ يعني أن المؤمنين من البشر أفضل من المؤمنين من الملائكة؛ ولهذا كانت الملائكة مسخرة لهم، وهذا القول هو الذي نص عليه الإمام أحمد: أن صالحي البشر أفضل من الملائكة؛ لأن الملائكة خُلقوا للعبادة فليس عندهم صوارف تصرفهم عن عبادة الله، والبشر خُلِقوا للعبادة لا شك، لكن هناك صوارف تصرفهم وهي الشبهات والشهوات.
ومن المعلوم أن تحقيق الإيمان مع الصوارف أشد معاناة ومجاهدة من تحقيق الإيمان مع عدم الصوارف؛ ولهذا كان الرجل المتمسك بدين الله في آخر الزمان أفضل من خمسين من الصحابة، كما قال النبي ﷺ: «لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»[[أخرج أبو داود (٤٣٤١) بسنده عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله»، وزادني غيره قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم».]]. وإنما كان كذلك لمشقة العبادة على هذا الذي بين أمة فاسدة.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله التفصيل في ذلك فقال: الملائكة أفضل باعتبار البداية، والبشر أفضل باعتبار كمال النهاية. لأن البشر في النهاية يدخلون الجنة، والملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم، كأنما خُلقوا لتهنئتهم وتطمينهم، فيكون في هذا تفصيل: الملائكة أفضل باعتبار البداية؛ لأنهم خُلقوا من نور وبنو آدم من طين؛ ولأنهم في عبادة الله عز وجل، لكنهم باعتبار النهاية البشر أفضل.
وبعد هذا فإن الخوض في ذلك ليس من الأمور المهمة؛ لأننا قد نقول: ما علمنا من فضائلهم وفضائل البشر نؤمن به، وأما التفضيل عند الله فهم درجات عند الله والله بصير بما يعملون، ما ندري، باعتبار ما يظهر لنا نعطي كل إنسان ما تميز به، وباعتبار ما عند الله، الله عليم به، ولسنا مؤاخَذين فيما إذا توقفنا في هذا الأمر.
* ومن فوائد هذه الآية: فضيلة الجمْع بين التسبيح والتحميد؛ لقوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. وقد ثبت عن النبي ﷺ قوله: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤/٣١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فما أجدرنا أن تكون هاتان الكلمتان على ألسنتنا دائمًا؛ لأنهما خفيفتان على اللسان، ما فيهما تعب، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، فماذا علينا لو كان الإنسان يديم هذا القول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، وهو يشتغل، وهو يعمل، وهو يمشي، وهو مضطجع، وهو قاعد؛ لحصلنا خيرًا كثيرًا، ولوصلنا بإذن الله عز وجل إلى محبة الله لنا؛ لأن ما دمنا نأتي ونلازم ما يحبه فهو أكرم منا عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الملائكة مربوبون، ليس لهم حق من الربوبية؛ لقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. وعلى هذا فمن دعا جبريل، أو ميكائيل، أو إسرافيل، أو مالك، أو غير ذلك فإنه كافر مشرِك بالله؛ ولهذا أهل النار لم يقولوا: يا مالك، أخرجنا من النار، ولكنهم قالوا كما قال الله عنهم: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]. انظر إلى الحياء والخجل والعياذ بالله، لم يقولوا: ادعوا ربنا، بل قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]؛ لأنهم أحقر في أنفسهم من أن يدعوا الله عز وجل فيقولون: يا ربنا، خفِّف عنا يومًا من العذاب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضْل الملائكة على البشر؛ بمعنى أن لهم مِنَّة ونعمة؛ لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ولا شك أن من استغفر لك فله عليك مِنَّة وفضل.
* ومن فوائدها: نِعمة الله علينا بأن سخر لنا الملائكة يستغفرون لنا؛ لأن الملائكة لولا أن الله سخرهم لنا ما استغفروا لنا لكن الله سخرهم، ففيه فضْل ونِعمة من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين؛ حيث إن الملائكة يستغفرون لهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التوكيد على أن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، بكم مؤكد؟ بثلاثة مؤكدات: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله، وهي الله، الغفور، الرحيم، وهل أسماء الله تعالى مشتقة؟ الجواب: نعم، مشتقة بلا شك، الله من الألوهية، الغفور من المغفرة، الرحيم من الرحمة، فهو لم يُسمَّ بهذه الأسماء إلا وهو متصف بما دلت عليه من صفات؛ ولهذا نقول: كل اسم من أسماء الله فهو متضمن لصفة، أو صفتين، أو أكثر، حسب ما تدل عليه هذه الأسماء من المطابقة والتضمن والالتزام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا إذا علمنا أن الله غفور رحيم، فجدير بنا أنه نسأله المغفرة والرحمة؛ لأنه أهْل لذلك، فيكون في هذا تربية للإنسان وسلوكه في وصوله إلى الله عز وجل، أن يعلم بأنه غفور فيستغفر، وأنه رحيم فيسترحم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن فيها حثًّا للإنسان على ترْك الذنوب، وعلى فِعْل الطاعات، وجْه ذلك أن المغفرة تحتاج إلى عمل صالح، إلى توبة يغفر الله بها الذنب، والرحمة تحتاج إلى طاعات يتوصل بها الإنسان إلى رحمة الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان الحكمة في حُكْم الله الكوني القدري؛ لأن قوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ كالتعليل؛ لقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. كأن قائلًا يقول: لماذا يستغفرون لمن في الأرض؟ قال: لأن الله هو الغفور الرحيم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأسماء الحسنى تكون كاملة بانفرادها واجتماعها؛ لأنه لما جمع بين الغفور والرحيم تولد منهما صفة ثالثة غير المغفرة والرحمة، وهي اجتماع هذين الاسمين الدالين على الوصف في حق الله عز وجل، فبالمغفرة تمحو الذنوب وفي الرحمة يحصل المطلوب.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فيما سبق ذكر المؤلف قراءتين في قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾؟
* الطالب: ﴿تَكَادُ﴾ و﴿يَكَادُ﴾ .
* الشيخ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ مؤنث، ولا إشكال فيه لكن (يكاد) كيف جاء مذكرًا و﴿السَّمَاوَاتُ﴾ جمع؟
* الطالب: مجازي التأنيث.
* الشيخ: نعم، ومجازي التأنيث يجوز تذكير فعله وتأنيثه، بارك الله فيك.
ذكر في الآية: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ ذكر قراءتين في ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾؟ ﴿يَنْفَطِرْنَ﴾ و﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾.
قوله: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ لماذا تكاد تتفطر؟ من عظمة الله؛ هل هذا علو الله؟ يفيد علو الله.
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ماذا تقول؟ هل هي على عمومها أم ماذا؟
* طالب: للإنسان.
* الشيخ: الإنسان فقط، يعني وأما الذئاب والسباع فلا يُغفر له!
* الطالب: خاصة بالمؤمنين.
* الشيخ: ما هو الدليل على خصوصها بالمؤمنين؟ في آية أخرى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر ٧].
ماذا يسمى هذا النوع من العموم؟ العام الذي أريد به الخصوص.
هل تستطيع أن تأتي لنا بمثال واضح؟ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] ما المراد بـ(الناس) في الموضعين؟
* الطالب: أبو سفيان وأصحابه.
* الشيخ: والأولى يُراد بها من أخبر النبي ﷺ وهو نعيم ابن مسعود الثقفي أو غيره، المهم من
أخبر النبي ﷺ.
ما الفرق بين العام الذي أُريد به الخصوص وبين العام المخصوص؟
* الطالب: العام الذي أُريد به الخصوص هو من أصله مخصوص، بخلاف العام الذي خص فإنه يكون عامًّا في الأول، ثم يرد عليه التخصيص.
* الشيخ: أحسنت، العام الذي أريد به الخصوص لم يكن العموم مرادًا به من أول، إنما يراد به شيء خاص، وأما العام المخصوص فهذا عام أريد به عمومه، ثم أُخرج منه بعض الأفراد فخُصِّص، واضح، دليل العام الذي أُريد به الخصوص عقلي، بمعنى أنه لا يمكن أن يراد به العموم.
الشورى 42:6
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أولًا في الإعراب: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾: مبتدأ، ﴿أَوْلِيَاءَ﴾: مفعول ثانٍ لـ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ لأن التقدير: اتخذوا الأصنام أولياء. ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ و﴿حَفِيظٌ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ والخير في محل رفع خبر المبتدأ الأول، أين المبتدأ الأول؟ ﴿الَّذِينَ﴾.
فإن قال قائل: المعروف عند النحويين أن الجملة الواقعة خبرًا لا بد أن تتضمن ضميرًا يعود على المبتدأ حتى يُعرف اتصالها به.
قلنا: هنا حَلَّ الظاهر محل الضمير وهو قوله: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني الذين اتخذوا من دونه أولياء هو حفيظ عليهم؛ يعني الله، ويجوز أن يكون الرابط هو قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: الضمير، المهم يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ اتخذوا مَنْ؟ اتخذوا الأصنام؛ ولهذا قال المؤلف: (أي الأصنام)، وهذا التقدير لبيان المفعول الثاني، كأنه يقول: المفعول الثاني محذوف تقديره الأصنام؛ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ جمع (ولي)؛ أي أنهم يتولون هذه الأصنام، يعبدونها، يذبحون لها، ينذرون لها وهم عن الله غافلون.
(﴿اللَّهُ حَفِيظٌ﴾ مُحصٍ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ليجازيهم) تفسير الحفيظ بالمحصي تفسير باللازم، ولكن المراد بالحفيظ أي حافظ أعمالهم، رقيب عليهم، لا يفوته شيء من أعمالهم. ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ وإذا كان حافظًا لهم مراقبًا لهم فلا بد أن يحصي عليهم أعمالهم ويجازيهم عليها.
(﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ تُحصِّل المطلوب منهم ما عليك إلا البلاغ) ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ، فالآية واضحة، كأن الله يقول: أنا الحفيظ عليهم، أما أنت فلست بحفيظ، ما الذي على الرسول؟ إنْ عليك إلا البلاغ، ليس عليه إلا أن يُبلِّغ، أما أن يهدي أحدًا أو يحصي أعمال أحد فهذا ليس إليه، إنما هو إلى الله عز وجل حتى إن الله قال له في آل عمران: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران ١٢٨]، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ إلى آخره.
* في هذه الآية: بيان سفه أولئك المتخذين أولياء من دون الله، وجه السفه قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني كأنهم غفلوا عن الله عز وجل نهائيًّا، واتخذوا هذه الأصنام أولياء.
* ومن فوائدها: الوعيد، وعيد من اتخذ من دون الله أولياء؛ لقوله: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ هذا التهديد، كما يقول القائل للإنسان: اذهب وأنا معك، أنا وراءك، أنا أُحصي عليك.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان عموم علم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ لأن قوله: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ يشمل جميع ما يقومون به من عمل، وهذا يدل على سعة علم الله سبحانه وتعالى واطلاعه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ بشر، لا يعلم الغيب، ولا يُحصي أعمال العباد؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن الرسول ﷺ، وهو سيد الدعاة، وإمام الدعاة، لا يلزمه إلا أن يُبلِّغ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾. وهذه الآية لها شواهد لفظية ومعنوية؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩] يعني ما تستطيع، وإذا كان سيد الدعاة وإمامهم لا يملك أن يهديهم فما بالك بمن سواه.
* من فوائد هذه الآية: تسلية الدعاة إلى الله إذا لم يُطِعهم الناس، أكثر الناس يعني الدعاة إذا لم يُطعهم الناس تتفطر قلوبهم، وتنحل أجسامهم، نقول: يا أخي، رويدك، من الذي منعهم ألا يطيعوك؟ من الذي منعهم أن يطيعوك؟ نقول: هو الله عز وجل. أنا قلت: من الذي منعهم ألا يطيعوك؟ ثم قلت: أن يطيعوك؟ وكلا العبارتين صحيح، قال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف ١٢]. وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] فكلا التعبيرين صحيح.
على كل حال نقول لهذا الداعي الحريص على هداية الناس: لا تحزن عليهم، لا تكُن في ضيق مما يمكرون، لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين، أنت عليك ما عليك وهو البلاغ والهداية بيد الله عز وجل، ولو شاء الله لاهتدوا، فإذا كان هذا واقعًا بمشيئة الله فإن الإنسان يطمئن، لكن إذا تقطع قلبه حسرة اشتغل بعيوب الناس عن عيوبه؛ ولهذا تجد الداعية الذي هذا وصفه تجده دائمًا مشغول بأحوال الناس وينسى نفسه، لو فتشت ما فتشت لرأيته في العابدة مقصرًا، وإذا جاء للعبادة وحضر فقلبه في وادٍ، وهذا غلط، أنت مأمور قبل كل شيء بإصلاح نفسك، مأمور أيضًا بالرضا بقضاء ربك، قضى الله عز وجل ألا يهتدي هؤلاء، الأمر أمره والعباد عباده، صحيح أن الإنسان يحزن لكن لا ينبغي أن يصل إلى درجة يغفل بها عن نفسه، كما هو شأن بعض الدعاة، والإنسان إذا كان هكذا فثق أنه سيكون متزنًا في الدعوة إلى الله، وإلا يكن فسيكون متهورًا، ويأتي بما لا تُحمد عُقباه؛ لذلك كن داعيًا إلى الله عز وجل كما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بشر، ليس له من الأمر شيء؛ لقوله: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى ٦]، فالرسول عليه الصلاة والسلام بشر، لا يستطيع أن يهدي أحدًا، ولا أن يحصي أعمال أحد، لو استطاع أن يهدي أحدًا لهدى عمه أبا طالب الذي كان له من الفضل على الدعوة الإسلامية ما هو معلوم، لكنه لم ينفعه إلا في شيء واحد هو حقيقة لم يُجدِ شيئًا، أنه شفع له عند الله فخفف عنه العذاب، فكان في ضحضاح من نار، عليه نعلان يغلي منهما دماغه، ومع هذا يرى أنه أشد الناس عذابًا؛ لأنه لو رأى أنه أخف الناس عذابًا لهان عليه الأمر وتسلَّى بغيره، لكنه يرى أنه أشد الناس عذابًا، نسأل الله العافية.
وقد أشار الله إلى أن الاشتراك في العذاب يُخفِّف في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]. في الدنيا ينفع الإنسان إذا شاركه غيره لكن في الآخرة ما ينفع.
* طالب: يعني بعض الدراسات في الجامعة يشغل الباحث بعد الدراسة، هل يجوز (...) أن يقول هذا الكلام؟
* الشيخ: كما قلت لك: أمور الغيب أي إنسان يسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة فهو بدعة، هذا هو الضابط لا سيما ما يتعلق بأسماء الله وصفاته، حتى أحوال اليوم الآخر من أمور الغيب، عليك أن تُصدِّق بما سمعت فقط لكن البحث فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته أشد وأعظم.
* طالب: (...) دلالة أنه مشتق من الصدق لذاته، يعني الأسماء وبين الأسماء..
* الشيخ: من معانيها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، كل هذا بحث ما له داعٍ، هو الأصل لا شك أنه المعنى، فأنت لا يمكن أن تقول: فلان ضارب إلا إذا وقع منه الضرب، هذا هو الأصل، فالمصدر هو الأصل هذا مذهب البصريين وهو الحق إن شاء الله، الكوفيون يقولون: لا، الأصل الفعل، فيقولون: ضرْب مشتق من ضَرَب، والصواب العكس.
* طالب: (...).
* الشيخ: العام المخصوص هو الذي أُريد عمومه أولًا، ثم أُخرِج بعض أفراده، مثل أن تقول: قام القوم إلا زيد، والعام الذي أريد به الخصوص لم يرد عمومه أصلًا، ودلالته عقلية، فمثلًا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ هل هم كل الناس؟ هل يفهم أحد من هذه الكلمة أن جميع الناس قالوا؟ لا يفهم.
﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: أولًا: بارك الله فيك، لن تجد في القرآن أن الأولياء هم الأصنام لكن المفسرين يفسرونها بالأصنام على سبيل التمثيل، وإلا فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيلَةِ»[[أخرج البخاري (٢٨٨٦)، والطبراني (٢٥٩٥)، واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة».]]. فجعل الذي يربط قوله ومحبته ومعاداته وكراهته على هذا جعله عبدًا له.
* طالب: (...).
* الشيخ: فيه إشارة، يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون.
الشورى 42:7
ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف هنا اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على المفعولية المطلقة؛ ولهذا قدَّرَها المؤلف بقوله: (مثل ذلك الإيحاء)؛ الأول: قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ [الشورى ٣]، ولم يُبيِّن الموحى. هنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ [الشورى ٧] فبين الْمُوحى، فكان الآن هنا تفصيل بعد إجمال، أين الإجمال؟ ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾؛ لأنه لم يُبَين الْمُوحى، وهنا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ فهو تفصيل بعد إجمال، ولا يخفى علينا أن التفصيل بعد الإجمال من أساليب اللغة البلاغية العظيمة؛ لأن الشيء إذا أُجمِل بقيت النفس متطلعة متشوِّفة متشوقة إلى تفصيله، فإذا جاء مفصلًا ورد كالماء على أرض يابسة، الماء على أرض يابسة أيش يعمل؟ تشربه على طول، فكذلك إذا ورد التفصيل بعد الإجمال فإنه يرد على قلب متطلع تمامًا إلى التفصيل.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الإيحاء ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام عن طريق مَنْ؟ عن طريق جبريل قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ﴾ [الشورى ٧] ﴿قُرْآنًا﴾ بمعنى (مقروء) أو بمعنى (قارئ)، أما هو فهو مصدر، (قُرآن) مصدر (قَرَأ)، كـ(غُفْران) مصدر (غَفَر)، (شُكْران) مصدر (شُكْر).
إذن (قرآن) مصدر لكن هل هو بمعنى اسم الفاعل، أو بمعنى اسم المفعول، أو هو بمعناهما جميعًا؟
لنا قاعدة سبقت أن الآية أو الحديث أيضًا إذا احتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب أن يُحمل عليهما جميعًا، إذن قرآن بمعنى قارئ وقرآن بمعنى مقروء، كيف يكون القرآن بمعنى قارئ؟ (قاري) بمعنى جامِع، ومنه سُمِّيت القرية؛ لأنها تجمع الناس، فيكون قرآن يعني قارئ، ولا شك أن القرآن جامع لعلوم الأولين والآخرين ولكل عِلم نافع وعمل صالح.
وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: بلسان العرب، والعروبة هنا هل هي عروبة النسب أو عروبة اللسان؟
* طلبة: اللسان.
* الشيخ: الظاهر أنها عروبة اللسان، لكن حقيقة الأمر أن عروبة اللسان أصلها عروبة النسب؛ إذ إن اللغة العربية وإن تكلم بها من ليس بعربي هي أصلها من عروبة النسب؛ ولذلك أولئك القوم الذين من فارس والروم نقول: هم عرب لسانًا وليسوا عربًا نسبًا، فهل يلحقهم مدح العرب؟ الجواب: لا، لا يلحقهم؛ لأن المدح للعرب إنما هو عرب النسب، أما الوصف اللي هو عرب باللسان فلا يستحق هذا المدح؛ ولهذا لو سُئلنا: من أشرف الناس نسبًا؟ أجيبوا.
* طلبة: العرب.
* الشيخ: عرب اللسان، أو عرب النسب؟
* طلبة: النسب.
* الشيخ: عرب النسب.
وبيَّنا فيما سبق أن الله تعالى أجمل ثم فصَّل، فقال في أوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾. وهنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وأضاف الإيحاء إليه عز وجل؛ لأن الأمر مهم جدًّا، والْمُوحى به هو أشرف الكلام.
﴿قُرْءَانًا﴾ قلنا: إن قرآنًا مصدر كـ(الغُفران) و(الشُّكران)، وهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ أي هل المعنى أنه قارئ أو المعنى أنه مقروء؟ ذكرنا أنه يجوز فيه الوجهان: أما كونه قارئًا؛ فلأنه جامع لجميع الكمالات في الكلام، ومنه (القرية)؛ لأنها تجمع الناس، وأما كونه بمعنى مفعول؛ فلأنه يُقرأ ويُتلى، وكلاهما وصْف صالح للقرآن، ولا ينافي بعضهما بعضًا، وعلى هذا فيُحمل على المعنيين جميعًا كما هي القاعدة في التفسير وفي الحديث النبوي، إذا كان يحتمل معنيين لا مُرجِّح لأحدهما على الآخر وليس بينهما منافاة فالواجب أن يُحمل عليهما جميعًا.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب، والمراد بلغة العرب نطقًا أو نسبًا؟ الأصل نسبًا؛ لأن لغة العرب انتشرت بعد الفتوحات الإسلامية وإلا كانت في الجزيرة فقط.
ثم قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ اللام للتعليل، فما هو المعلَّل؟ قوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ وعلى هذا فاللام متعلقة بقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ قال المؤلف: (لتخوف ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي أهل مكة وسائر الناس).
قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أم القرى هي مكة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها جامعة للقرى؛ إذ إن جميع القرى تأوي إليها، ولا شك أن المسلمين كلهم يتجهون إلى أم القرى؛ لأن الكعبة فيها، وهي أيضًا تجمع القرى من جهة أنه يجب على كل المسلمين أن يحجوا هذا البيت من استطاع إليه سبيلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] أو حَج البيت قراءتان سبعيتان ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
إذا سُمِّيت أم القرى لماذا؟ لأنها تجمع جميع القرى، والقرى هنا المدن؛ لأن القرية البلد الصغير عرفًا، أما لغةً فإن القرية تطلق حتى على المدينة الكبيرة كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣].
وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يقول المؤلف: المراد بمن حولها: (سائر الناس). وهذا التفسير وإن كان معناه صحيحًا؛ لأن رسالة النبي ﷺ بلغت جميع الناس ومن لم تبلغه فستبلغه، ولكن ظاهر اللفظ خلاف ذلك؛ لأن ما حول الشيء فهو القريب منه، وحينئذٍ يبقى في الأمر إشكال، فإن النبي ﷺ مبعوث إلى جميع الناس، ولكن يقال: لا إشكال؛ فهو كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وهو مبعوث لكل الخلق؛ ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة ٣].
وعلى هذا فنقول: المراد بالإنذار الإنذار المباشر، والإنذار المباشر من النبي عليه الصلاة والسلام ما كان إلا لأم القرى ومن حولها؛ ولهذا ما فُتحت الشام، ولا العراق، ولا مصر في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان الجزيرة فقط، وعليه فيكون المراد بقوله: ﴿تُنْذِرُ﴾ الإنذار الذي تم في حياته عليه الصلاة والسلام فإنه لم يشمل إلا أم القرى ومن حولها.
وقوله: ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هل المراد بهذا إنذار المدينة نفسها أو المراد الأهل؟ الأهل لا شك، ولا يُشكل هذا على أحد، وهذا هو الذي جعل شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه لا مجاز في القرآن ولا في غيره من اللغة العربية؛ لأنه إذا كان اللفظ دالًّا على معناه الخاص فإنه لا يعتبر مجازًا، ونحن نقول هنا: ليس المراد أن الرسول ينذر بيوت مكة وأسواقها، وإنما المراد أن ينذر أهلها.
بقي أن يقال: أين مفعول (ينذر) الثاني؛ لأن (أنذر) تنصب مفعولين كما قال الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] (الكاف) مفعول أول، و﴿نَارًا﴾ مفعول ثانٍ. نقول: المفعول الثاني محذوف، ويُقدَّر بما يناسبه، ممكن هنا أن نقدره بقوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى ٧]. ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ بدليل قوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. فتجد الآن الآية الكريمة، الجملة الأولى حُذف منها مفعول، والثانية حُذف منها مفعول، لكن الجملة الأولى حُذف مفعولها الثاني، والجملة الثانية حُذف مفعولها الأول، وهذا من بلاغة القرآن، إذن المفعول الثاني في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ محذوف تقديره: يوم الجمع، ولنا أن نقدره تقديرًا آخر لكن ما دام بين أيدينا ما يدل عليه فهو أولى.
قال الله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ قال: (وتنذر الناس). هذا المفعول الأول المحذوف. ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ المفعول الثاني أي: تنذرهم اليوم الذي يُجمع فيه الناس، وذلك يوم القيامة تُجمع فيه الخلائق، وهذا من أسماء يوم القيامة يوم الجمع، كما أنه يُسمى يوم القيامة؛ لأنه يشتمل على المعنى هذا وهذا.
وقوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يقول: (تُجمع فيه الخلائق)؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣].
(﴿لَا رَيْبَ﴾ شك) ﴿فِيهِ...﴾ إلى آخره قوله: ﴿لَا رَيْبَ﴾ الريب هو الشك لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: (إن تفسير الريب بالشك تفسير مقارِب وليس مطابقًا؛ لأن الريب يوحي بقلق في النفس، والمعنى ليس فيه ريب وقلق).
قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ﴿لَا﴾ نافية، فهل المراد بالنفي النهي فيكون المعنى لا ترتابوا فيه، أو المراد بالنفي معناه الحقيقي؟
نقول: المراد به معناه الحقيقي؛ لأنه إذا كان معناه النفي صارت صفة هذا اليوم انتفاء الريب، وعلى هذا فمن ارتاب فيه فقد ارتاب في أمر واقع، لكن لو جعلنا النفي بمعنى النهي لكنا أخرجنا الكلام عن ظاهره، هذا من جهة، من جهة أخرى أن النهي قد يمتثله الناس وقد لا يمتثلونه، لكن النفي هنا أوضح؛ أولًا: لمطابقته لظاهر اللفظ؛ لأن ظاهر اللفظ النفي. وثانيًا: لأنه يعطي أن هذا اليوم موصوف بانتفاء الريب فيه، فيكون مَنِ ارتاب مخالفًا للواقع.
(﴿لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ﴾ منهم ﴿فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ في النار) ﴿﴿فَرِيقٌ﴾ ﴾ مبتدأ ﴿﴿فَرِيقٌ﴾ ﴾ الثاني مبتدأ، ومن كان منكم عارفًا بالنحو فسيقول: في هذا إشكال، ما هو الإشكال؟
* الطالب: الابتداء بالنكرة.
* الشيخ: والابتداء بالنكرة غير جائز، لماذا؟ لأن المبتدأ محكوم عليه، فإذا قلت: زيد قائم، فقد حكمت على زيد بالقيام، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معروفًا، إذا كان نكرة أي فائدة في الحكم عليه؟ فكلام النحويين في أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة هذا تعليله؛ لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معرفة معلومًا، فهنا ابتُدئ بالنكرة، يقول النحويون: إن المسوغ للابتداء بالنكرة في هذه الآية هو التقسيم، والتقسيم مفيد، فريق في الجنة؛ أي نوع من الناس في الجنة ونوع في السعير، فالتقسيم يبيح الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
فهذا مبتدأ نكرة لكنه فيه التقسيم، فيكون المسوغ للابتداء بالنكرة هنا هو التقسيم. ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧] أيهم أكثر؟ فريق السعير أكثر كما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى يوم القيامة ينادي يقول: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، أَوْ بَعْثًا إِلَى النَّارِ -أَيْ مَبْعُوثًا إِلَى النَّارِ- قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢/٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار». الحديث.]]. والباقي من الألف في النار، إذن أيهم أكثر؟ أهل النار أكثر من أهل الجنة بكثير، أجارنا الله وإياكم من النار، ففزع الصحابة لهذا، وقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد؟ قال لهم: «أَبْشِرُوا إِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٦٩) من حديث عمران بن الحصين ولفظه: «إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج» الحديث.]]. وهم من بني آدم كما دل على ذلك القرآن، فمنكم واحد وألف منهم، ففرح الصحابة رضي الله عنهم بذلك.
المهم أن الله قال: فريق وفريق مع اختلاف الفريقين اختلافًا عظيمًا، فدل ذلك على أن الفريق في اللغة يُطلق على القليل والكثير، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ما هي الجنة؟ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمؤمنين والمتقين، وهي دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأصناف النعيم في هذه الجنة -جعلني الله وإياكم منهم- موجودة في القرآن والسنة، أما السعير -والعياذ بالله- فهي النار تُسَعَّر بها الأجساد، وفيها من أنواع العذاب والنكال ما يتمنى أهلها أن يموتوا ولا يحصل لهم، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٧، ٧٨] ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨] أي على دين واحد هو الإسلام، نعم، لو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلهم أمة واحدة على الضلال أو على الهدى؛ يعني لو شاء هذا أو هذا؛ لأن الأمر كله بيده عز وجل.
وقوله: ﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني فرقة واحدة على دين واحد. وقوله: (وهو الإسلام) قد يُنازَع فيه؛ لأن الآية مطلقة وليس فيها ما يدل على أنه الإسلام أو غير الإسلام؛ لأن قوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى ٨]. ذكر الأمرين فنقول: إن الآية تحتمل المعنيين جميعًا، لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة؛ يعني على الإسلام أو على الكفر، ولكنه عز وجل لحكمته جعلهم متفرقين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢].
قال: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى ٨] قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول عامة، ولكن يجب أن نعلم أن هذا العموم مقيد بمن علم الله فيه خيرًا، فهو الذي يدخله في رحمته؛ لأن كل فعل أضافه الله إلى مشيئته فلا بد أن يكون لحكمة كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
إذن ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى ٨] ممن علم الله فيه خيرًا ليكون إدخاله في الرحمة على وفق الحكمة.
وقوله: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ المراد هنا بالرحمة التي هي وصفه، أو المراد الرحمة التي هي خلقه؟ الثانية؛ لأن الرحمة التي هي وصفه لا يدخلها الناس، وإنما يدخلون في الرحمة التي هي خلقه؛ وهي الجنة، ويدل لهذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦/ ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فقال لها: «أَنْتِ رَحْمَتِي».
(﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون) ﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ، وليست معطوفة على ﴿مَنْ﴾ لفساد المعنى واللفظ. (﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون) فسر المؤلف هنا ﴿الظَّالِمُونَ﴾ بالكافرين؛ لأن الله تبارك وتعالى وصف الكافرين بالظلم، فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] فسرها النبي ﷺ بالشرك وقال: «أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٦)، ومسلم (١٢٤/ ١٩٧)، وأحمد (٣٥٨٩) واللفظ له من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]].
(﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون) ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر دخل عليه حرف الجر الزائد للتوكيد.
(﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم العذاب) أي من ولي يتولاهم ويتحمل عنهم، ولا نصير يدفع عنهم، فليس لهم من يُسلِّيهم في حال المصيبة ولا من يدفع عنهم إذا وقعت.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ [الشورى ٧]. وجه كونه كلام الله أن هذا القرآن كلام أو شيء مخلوق؟ كلام، وإذا كان كلامًا وقد أضافه الله إلى نفسه علمنا أنه كلام الله عز وجل، وهل هو مخلوق؟ لا، لماذا؟ لوجهين: الوجه الأول: أنه وَصْفُه، وجميع أوصاف الله غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعة للذات، فالخالق هو الله، وصفاته غير مخلوقة.
ثانيًا: لو قلنا: إنه مخلوق لبطل الأمر والنهي؛ لأننا إذا قلنا: إنه مخلوق صار شيئًا مخلوقًا على شيء معين كما تُخلق الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والأنهار على شكل معين، فيكون مثلًا: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢] ليست أمرًا، لماذا؟ لأنه خُلِق رسمًا، خُلِق على هذا الرسم، الآن مثلًا لو رسمت في القرآن: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وأنت تقول: إن هذه ليست كلامًا، ولكنها مخلوقة لم تفد الأمر، وكذلك يقال في الأخبار، الأخبار تأتيك آية طولية كلها في خبر ما، إذا قلت: إن القرآن مخلوق صارت مجرد نقش فقط، ما هي كلام؛ ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: (إن القول بأن القرآن مخلوق مبطل للشريعة؛ لأنه لا يكون فيه أمر ولا نهي). إنما هي أشكال خُلِقت على هذا.
﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أنتم الآن إذا شاهدتم: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ تجدون أنها وشي يختلف بعضه عن بعض، ﴿أَقِيمُوا﴾ لها شكل و﴿الصَّلَاةَ﴾ لها شكل، فإذا قلنا: إن هذه أشياء خلقها الله على هذا الشكل لم يكن أمرًا ولا نهيًا، إذن الآية تفيد أن القرآن كلام الله؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: فخر العرب؛ لأن القرآن عربي وهو للأمم كلها.
* ومن فوائدها: حكمة الله تبارك وتعالى في إنزال القرآن باللغة التي يفهمها من أُنزل إليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التأكيد على معرفة اللغة العربية. وجه ذلك: أنه إذا كان القرآن عربيًّا، وكنا مخاطَبين به وملزَمين بالعمل به فإنه لا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بتعلم اللغة العربية.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن الناس جميعًا ينبغي أن يكونوا يتحدثون باللغة العربية؛ لأن الناس كلهم جميعًا يجب أن يكون دينهم الإسلام، فإذا كان يجب أن يكون دينهم الإسلام فإنه يلزم من ذلك أن يجب أن يتعلموا لغة الإسلام؛ ولذلك نرى أن الإسلام لما كان في أوج عزته وقوته دخل الناس في دين الله، وتعلموا اللغة العربية، ومن الفرس والروم من كانوا أئمة في الدين وأئمة في العربية، القاموس المحيط، مرجع الناس في اللغة الآن وقبل الآن، من مؤلفه؟ الفيروزآبادي، من قريش، أو من بني هاشم؟ لا هذا، ولا هذا، فارسي، ومع ذلك هو مرجع اللغة العربية.
البخاري إمام المحدثين، يعني إمام نقلة سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عربي ولَّا غير عربي؟ غير عربي؛ لأنه في الفتوحات الإسلامية كانت الغلبة للمسلمين الذين يتكلمون باللغة العربية، فتعلم الناس العربية ضرورة أنه لا يمكن الوصول إلى فهم الدين إلا باللغة العربية، ما حال الناس اليوم؟ على العكس، الآن العربي يحاول أن يتعلم اللغة الغير عربية؛ لأن الإسلام -مع الأسف الشديد- بمعاصي أهله خُذِلوا وذلوا، وكانوا من أذل الأمم إن لم أقل: أذل الأمم.
أنا أقول: أذل الأمم ولا أبالي؛ لأن عند المسلمين من الثروات العظيمة والمعادن العظيمة والأماكن الفسيحة والواسعة ما إذا قسناه بحالهم وجدنا أنهم أذل الأمم، من يكون عنده مثل هذه الثروات، ثم يتخلف هذا التخلف؟ حفنة من اليهود تلعب بعقولهم ليلًا ونهارًا، ولو قلت: أمم من النصارى يلعبون بهم، ولو كان لهم عزة لكانوا هم الذين يتحكمون في الناس ويقاتلونهم حتى يكون الدين كله لله، لكن لما ذلوا ذلت لغتهم، الآن تجد المتاجر في بلاد العرب، في مدننا، في قرانا، تجدها مملوءة باللافتات باللغة غير العربية، أحيانًا تجد المتاجر كأنك في سوق لندن إلا أن يشاء الله، كل هذا من الذل.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات حكمة الله، تؤخذ من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ لأن اللام هنا للتعليل، وكلما وجدت لام التعليل في القرآن فإن فيها إثبات حكمة الله عز وجل، وحينئذٍ نعلم أن جميع ما يفعله الله عز وجل أو يشرعه فهو لحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاقتصار على أحد موضوعي الرسالة إذا اقتضت الحكمة ذلك، وجهه: أنه قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى ٧] ولم يذكر البشارة، مع أن الله تعالى في مواضع كثيرة يذكر الإنذار والبشارة: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧]؛ لأن السياق مع قريش، وقريش -كما تعلمون- عتاة معتدون، فناسب ذكر الإنذار دون ذكر البشارة؛ لأنه إذا رأيت شخصًا معتديًا، فهل أنت تحاول استقامته بالبشارة أولًا أو بالإنذار أولًا؟ بالإنذار أولًا، وهذا من بلاغة القرآن أن يجعل كل شيء في موضعه.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن النبي ﷺ مُلزَم بإنذار أم القرى إلزامًا أوليًّا؛ لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وما سواها إنذارًا ثانويًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي ﷺ لن يصل إلى مَنْ أُرْسِل إليهم مباشرة، وإنما ينذر من حوله؛ لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وأنا ذكرت لكم قبل قليل هذه الفائدة ذكرناها في كتاب التفسير.
* أيضًا فيه فائدة أخرى: وهي أن القرآن باللغة العربية لا يمكن أن ينتذر به إلا ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الذين هم عرب، وأما فارس والروم والأقباط وما أشبههم فهؤلاء لا ينتفعون بالقرآن إلا بعد أن يعرفوا اللغة العربية ويعرفوا معاني القرآن، ولعل هذا -والله أعلم- أيضًا من الحكم أن الله قال: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخويف الناس من يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة واقع لا محالة؛ لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس في ذلك اليوم ينقسمون إلى قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، أهل الجنة يتجهون إلى الصراط ليصلوا إلى الأعلى، إلى الجنة، وأما أهل النار فلا يصعدون الصراط؛ لأنه لا يُرجى منهم أن ينجوا، بل إنهم يساقون إلى جهنم وِرْدًا؛ أي على أشد ما يكون من العطش، وتمثل لهم النار كأنها سراب، يظنونها ماءً فيسرعون إليها، فإذا جاؤوها وجدوا الأمر بالعكس فيتوقفون، ولكنهم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعًّا ويقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤] ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور ١٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨].
* ومن فوائدها: الرد على القدرية. أتعرفون من القدرية؟ القدرية هم الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا علاقة له في فِعل العبد، يقولون: العبد مستقل، ما لله فيه إرادة، وغُلاتهم ينكرون عِلْم الله بأحوال العبد إلا ما وَقَعَ منها، يقولون: إن الله ما يعلم ماذا يصنع العبد، لكن إذا صنعه العبد عَلِم به، وهؤلاء لا شك في كفرهم؛ لأنهم أنكروا علم الله، مُقتصدوهم ينكرون المشيئة والخَلْق، هذا اللي استقر عليه رأيهم، يقولون: إن الله لا مشيئة له في فِعْل العبد، وليس خالقًا لفعل العبد، العبد حر، يقول ويسكت، يفعل ويترك، ينام ويستيقظ، استقلالًا ما لله فيه مشيئة؛ ولهذا سُمُّوا مجوس الأمة المحمدية؛ لأنهم بهذه العقيدة يجعلون للحادث خالِقَيْن؛ حوادث العباد، مَنْ خلقها؟ العباد، وحوادث الله خلقها الله؛ ولهذا يسمون مجوس الأمة الإسلامية.
في الآية الكريمة رد عليهم، وجه الرد: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨]. وهذا كما قال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨، ١١٩].
فيه الرد على القدرية، وفيه حجة للجبرية؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إذن هم انقسموا بمشيئة الله، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهذا دليل على أن الإنسان لا اختيار له، بل فعله بمشيئة الله، فيقال: هذا مما احتج به من في قلوبهم زيغ؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه، ويدعون المحكم، يتعبون المتشابه في مثل هذه الآية، ويقول: هذا دليل على أن فعل العبد بمشيئة الله، ولا يمكن لأحد أن يغير مشيئة الله.
نقول: سبحان الله! أنتم نظرتم إلى الأدلة بعين أعور، والعين الباقية عليها غبش أو غمش، ما هي جيدة، فنظروا بعين أعور وربع أو أكثر، هناك آيات صريحة في إضافة العمل إلى الإنسان نفسه، وأنه بمشيئة الإنسان، أليس الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]؟ أليس الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]؟ والآيات في هذا كثيرة.
أليس الإنسان يحس بنفسه أنه يفعل الفعل ولا مكره له، أنت تأتي إلى المسجد بدون أحد يكرهك، تدخل المسجد بدون أحد يكرهك، تخرج من المسجد بدون أحد يكرهك، وهذا شيء ملموس، إذن ما معنى كون فعلنا بمشيئة الله؟
نقول: معنى فعلنا بمشيئة الله أننا مهما فعلنا من شيء فالله قد شاءه، ومشيئته له سابقة لمشيئتنا لكننا لا نعلم بمشيئة الله إلا بعد وقوع الشيء فنعرف أن الله قد شاءه، هذا واضح ولَّا غير واضح؟ يعني أنا الآن أشاء أن أتكلم معكم، وأشاء أن أُحرِّك يدي، أليس كذلك؟ هل شاء الله أن أتكلم، وأن أُحَرِّك يدي؟ نعم، بماذا عرفت؟ بوقوعه؛ لأني أعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاؤه، وأنا في ملك الله، والسماوات والأرض كلها في ملك الله، فإذا لا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يشاء، لكن أنا لا أعلم مشيئة الله إلا بعد وقوع الشيء؛ ولهذا قال بعض العلماء: (إن القدَر سِرٌّ مكتوم) لا يعلم به العباد؛ لأن العباد لا يعلمون به إلا بعد وقوعه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يَمُنُّ على من يشاء من عباده فيدخلهم في رحمته؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى ٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في الجنة ما يكدر، وجهه؟ قوله: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ والرحمة تستلزم حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب؛ ولهذا ينادى أهل الجنة: «إِنَّ لَهُمْ أَنْ يَصِحُّوا فَلَا يَسْقَمُوا، وَأَنْ يَشِبُّوا فَلَا يَهْرَمُوا، وَأَنْ يَحْيَوْا فَلَا يَمُوتُوا»[[أخرجه مسلم (٢٨٣٧/٢٢) عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا».]]. وأيضًا أن نقول: وأن يُسرُّوا فلا يحزنوا، جميع النعيم كامل لأهل الجنة، وليس فيها تنغيص، ولا خوف من مرض، ولا خوف من موت، بل إنهم لا ينامون، حتى النوم لا ينامون من القلق والألم؟ أجيبوا.
لا والله، لا ينامون من الفرح والسرور، حتى تكون أوقاتهم كلها مستغرقة في الفرح والسرور، وعدم نومهم دليل على كمال حياتهم؛ لأن النوم إنما نحتاج إليه لنقض التعب السابق واستجداد القوة اللاحقة، أليس كذلك؟ ولهذا كلما تعب الإنسان احتاج إلى النوم، وإذا نام قام نشيطًا، إذن نحن محتاجون إلى النوم في الحياة الدنيا لنقص حياتنا، لكن في الآخرة ما فيه نقص، دائمًا هم في سرور، اللهم اجعلنا منهم؛ ولذلك قال: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الرحمة ما فيها شيء يحزن ولا يكدر، وإنما كلها خير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار ظلمة، بل هم أظلم الظلمة، أعظم الذنب الكُفْر أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، فأظلم الظالمين هم الكفار، وإذا كنا نؤمن بهذا، ويجب علينا أن نؤمن بهذا، فهل نرجو من الكفار خيرًا وهم أظلم الظلمة؟ لا والله، لا نرجو منهم خيرًا للإسلام أبدًا؛ لأنهم أظلم الظلمة؛ ولهذا يجب أن تغرس في قلبك بُغض الكافرين والكُفر، يجب أن تجعلها غريزة مستقرة كامنة تبغض كل كافر وكل كفر.
وإذا كان في الإنسان خصال كفر وخصال إيمان؟ القسط والعدل أن أحبه على ما معه من إيمان، وأبغضه على ما معه من الكفر، والإنسان قد يكون فيه خصلة إيمان وخصلة كفر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧/١٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذان لا يخرجان الإنسان من الإيمان.
إذن انتبهوا لهذا، الكفار أظلم الظالمين، ومن كان أظلم الظالمين فإنه لا يمكن أن يُرْجى منه خير ولا عدل، واعلم أنه إن عدل فلاستغلال الفرصة؛ ليأخذ بدل العدل مرة الظلم مرات، الآن اليهود نعلم أنهم أشد الناس حرصًا على المال، ومع ذلك نجدهم يبذلون، ولكن يبذلون قرشًا ليأخذوا دينارًا، لا تفكر أبدًا أنهم يبذلون شيئًا إلا لينالوا أكثر منه، وهذا شيء معلوم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة ٩٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالمين لا يجدون ناصرًا ولا يجدون وليًّا، لا ناصرًا يدفع العذاب أو يرفعه، ولا ولي يواسيهم فيُهوِّن عليهم المصائب، ليس لهم هذا، وهذا يدل على أنهم في حسرة شديدة؛ لأنهم لا يرجون نفعًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأن النفي أبلغ وأوفق للسياق، ونحن قلنا: نحمل الآية على المعنيين متى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ولا مرجِّح، لاحظ هذا القيد؛ لأنك إذا لم تقل: ولا مُرجِّح، جاءك أهل التعطيل وقالوا: ما قلناه يحتمل، لا، لازم تفهم هذا، إي نعم، لكن الله نفى باعتبار الواقع.
* الطالب: في غير هذه البلاد مثلًا يوجد علماء متضلعون في بعض العلوم، ولكن مثلًا يكون معتزليًّا أو أشعريًّا، ففي أثناء الدرس مثلًا قد يقرر المذهب، فهل طالب العلم إذا كان يعلم الحق في هذه المسألة أن يناقش شيخه فيها، خاصة أنه يكون كبيرًا في السن قد يصعب أن يرجع عن رأيه؟
* الشيخ: هو لا شك أن أولًا: الذين يدعون إلى البدعة، هؤلاء تجنبهم، والرزق على الله، حتى لو كانوا علماء في النحو والبلاغة لا خير فيهم، هؤلاء الذين يدعون، أما الذين لا يدعون إلى بدعتهم ويتسترون فلا بأس أن تجلس إليهم فيما ينفع، لكن إذا رأيتهم خرجوا على الجادة فيجب عليك أن تنبههم، لكن لا تنبههم أمام الطلاب؛ لأن الإنسان قد تأخذه العزة بالإثم، خصوصًا إذا رأى نفسه أنه مبرز في علم من العلوم، يجيء طالب علم ويرد عليه أمام الناس هذا، ثق بأنه سينتفخ ويكون أكبر من الجبل ولا يرجع، لكن من الممكن أن تكتب له كتابًا تبين له الحق إذا لم تستطع أن تناقشه مباشرة، إن كان داعية لا تقربه أبدًا وحذِّر منه؛ لأن هذا يُخشى منه، ثم إذا رأى الناس أنك أنت وفلان وفلان ترجعون إليه توهم أنه على الحق، عرفت؟ نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:8
ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف هنا اسم بمعنى (مثل)، وهي منصوبة على المفعولية المطلقة؛ ولهذا قدَّرَها المؤلف بقوله: (مثل ذلك الإيحاء)؛ الأول: قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ [الشورى ٣]، ولم يُبيِّن الموحى. هنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ [الشورى ٧] فبين الْمُوحى، فكان الآن هنا تفصيل بعد إجمال، أين الإجمال؟ ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾؛ لأنه لم يُبَين الْمُوحى، وهنا ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ فهو تفصيل بعد إجمال، ولا يخفى علينا أن التفصيل بعد الإجمال من أساليب اللغة البلاغية العظيمة؛ لأن الشيء إذا أُجمِل بقيت النفس متطلعة متشوِّفة متشوقة إلى تفصيله، فإذا جاء مفصلًا ورد كالماء على أرض يابسة، الماء على أرض يابسة أيش يعمل؟ تشربه على طول، فكذلك إذا ورد التفصيل بعد الإجمال فإنه يرد على قلب متطلع تمامًا إلى التفصيل.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي مثل هذا الإيحاء ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ والخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام عن طريق مَنْ؟ عن طريق جبريل قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ﴾ [الشورى ٧] ﴿قُرْآنًا﴾ بمعنى (مقروء) أو بمعنى (قارئ)، أما هو فهو مصدر، (قُرآن) مصدر (قَرَأ)، كـ(غُفْران) مصدر (غَفَر)، (شُكْران) مصدر (شُكْر).
إذن (قرآن) مصدر لكن هل هو بمعنى اسم الفاعل، أو بمعنى اسم المفعول، أو هو بمعناهما جميعًا؟
لنا قاعدة سبقت أن الآية أو الحديث أيضًا إذا احتمل معنيين على السواء ولا منافاة بينهما وجب أن يُحمل عليهما جميعًا، إذن قرآن بمعنى قارئ وقرآن بمعنى مقروء، كيف يكون القرآن بمعنى قارئ؟ (قاري) بمعنى جامِع، ومنه سُمِّيت القرية؛ لأنها تجمع الناس، فيكون قرآن يعني قارئ، ولا شك أن القرآن جامع لعلوم الأولين والآخرين ولكل عِلم نافع وعمل صالح.
وقوله: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: بلسان العرب، والعروبة هنا هل هي عروبة النسب أو عروبة اللسان؟
* طلبة: اللسان.
* الشيخ: الظاهر أنها عروبة اللسان، لكن حقيقة الأمر أن عروبة اللسان أصلها عروبة النسب؛ إذ إن اللغة العربية وإن تكلم بها من ليس بعربي هي أصلها من عروبة النسب؛ ولذلك أولئك القوم الذين من فارس والروم نقول: هم عرب لسانًا وليسوا عربًا نسبًا، فهل يلحقهم مدح العرب؟ الجواب: لا، لا يلحقهم؛ لأن المدح للعرب إنما هو عرب النسب، أما الوصف اللي هو عرب باللسان فلا يستحق هذا المدح؛ ولهذا لو سُئلنا: من أشرف الناس نسبًا؟ أجيبوا.
* طلبة: العرب.
* الشيخ: عرب اللسان، أو عرب النسب؟
* طلبة: النسب.
* الشيخ: عرب النسب.
وبيَّنا فيما سبق أن الله تعالى أجمل ثم فصَّل، فقال في أوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾. وهنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وأضاف الإيحاء إليه عز وجل؛ لأن الأمر مهم جدًّا، والْمُوحى به هو أشرف الكلام.
﴿قُرْءَانًا﴾ قلنا: إن قرآنًا مصدر كـ(الغُفران) و(الشُّكران)، وهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟ أي هل المعنى أنه قارئ أو المعنى أنه مقروء؟ ذكرنا أنه يجوز فيه الوجهان: أما كونه قارئًا؛ فلأنه جامع لجميع الكمالات في الكلام، ومنه (القرية)؛ لأنها تجمع الناس، وأما كونه بمعنى مفعول؛ فلأنه يُقرأ ويُتلى، وكلاهما وصْف صالح للقرآن، ولا ينافي بعضهما بعضًا، وعلى هذا فيُحمل على المعنيين جميعًا كما هي القاعدة في التفسير وفي الحديث النبوي، إذا كان يحتمل معنيين لا مُرجِّح لأحدهما على الآخر وليس بينهما منافاة فالواجب أن يُحمل عليهما جميعًا.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي بلغة العرب، والمراد بلغة العرب نطقًا أو نسبًا؟ الأصل نسبًا؛ لأن لغة العرب انتشرت بعد الفتوحات الإسلامية وإلا كانت في الجزيرة فقط.
ثم قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ اللام للتعليل، فما هو المعلَّل؟ قوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ وعلى هذا فاللام متعلقة بقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾ ﴿لِتُنْذِرَ﴾ قال المؤلف: (لتخوف ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي أهل مكة وسائر الناس).
قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أم القرى هي مكة، وسُمِّيت بذلك؛ لأنها جامعة للقرى؛ إذ إن جميع القرى تأوي إليها، ولا شك أن المسلمين كلهم يتجهون إلى أم القرى؛ لأن الكعبة فيها، وهي أيضًا تجمع القرى من جهة أنه يجب على كل المسلمين أن يحجوا هذا البيت من استطاع إليه سبيلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] أو حَج البيت قراءتان سبعيتان ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
إذا سُمِّيت أم القرى لماذا؟ لأنها تجمع جميع القرى، والقرى هنا المدن؛ لأن القرية البلد الصغير عرفًا، أما لغةً فإن القرية تطلق حتى على المدينة الكبيرة كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [محمد ١٣].
وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يقول المؤلف: المراد بمن حولها: (سائر الناس). وهذا التفسير وإن كان معناه صحيحًا؛ لأن رسالة النبي ﷺ بلغت جميع الناس ومن لم تبلغه فستبلغه، ولكن ظاهر اللفظ خلاف ذلك؛ لأن ما حول الشيء فهو القريب منه، وحينئذٍ يبقى في الأمر إشكال، فإن النبي ﷺ مبعوث إلى جميع الناس، ولكن يقال: لا إشكال؛ فهو كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] وهو مبعوث لكل الخلق؛ ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة ٣].
وعلى هذا فنقول: المراد بالإنذار الإنذار المباشر، والإنذار المباشر من النبي عليه الصلاة والسلام ما كان إلا لأم القرى ومن حولها؛ ولهذا ما فُتحت الشام، ولا العراق، ولا مصر في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان الجزيرة فقط، وعليه فيكون المراد بقوله: ﴿تُنْذِرُ﴾ الإنذار الذي تم في حياته عليه الصلاة والسلام فإنه لم يشمل إلا أم القرى ومن حولها.
وقوله: ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ هل المراد بهذا إنذار المدينة نفسها أو المراد الأهل؟ الأهل لا شك، ولا يُشكل هذا على أحد، وهذا هو الذي جعل شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه لا مجاز في القرآن ولا في غيره من اللغة العربية؛ لأنه إذا كان اللفظ دالًّا على معناه الخاص فإنه لا يعتبر مجازًا، ونحن نقول هنا: ليس المراد أن الرسول ينذر بيوت مكة وأسواقها، وإنما المراد أن ينذر أهلها.
بقي أن يقال: أين مفعول (ينذر) الثاني؛ لأن (أنذر) تنصب مفعولين كما قال الله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] (الكاف) مفعول أول، و﴿نَارًا﴾ مفعول ثانٍ. نقول: المفعول الثاني محذوف، ويُقدَّر بما يناسبه، ممكن هنا أن نقدره بقوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى ٧]. ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ بدليل قوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾. فتجد الآن الآية الكريمة، الجملة الأولى حُذف منها مفعول، والثانية حُذف منها مفعول، لكن الجملة الأولى حُذف مفعولها الثاني، والجملة الثانية حُذف مفعولها الأول، وهذا من بلاغة القرآن، إذن المفعول الثاني في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ محذوف تقديره: يوم الجمع، ولنا أن نقدره تقديرًا آخر لكن ما دام بين أيدينا ما يدل عليه فهو أولى.
قال الله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ قال: (وتنذر الناس). هذا المفعول الأول المحذوف. ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ المفعول الثاني أي: تنذرهم اليوم الذي يُجمع فيه الناس، وذلك يوم القيامة تُجمع فيه الخلائق، وهذا من أسماء يوم القيامة يوم الجمع، كما أنه يُسمى يوم القيامة؛ لأنه يشتمل على المعنى هذا وهذا.
وقوله: ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ يقول: (تُجمع فيه الخلائق)؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود ١٠٣].
(﴿لَا رَيْبَ﴾ شك) ﴿فِيهِ...﴾ إلى آخره قوله: ﴿لَا رَيْبَ﴾ الريب هو الشك لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله: (إن تفسير الريب بالشك تفسير مقارِب وليس مطابقًا؛ لأن الريب يوحي بقلق في النفس، والمعنى ليس فيه ريب وقلق).
قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ﴿لَا﴾ نافية، فهل المراد بالنفي النهي فيكون المعنى لا ترتابوا فيه، أو المراد بالنفي معناه الحقيقي؟
نقول: المراد به معناه الحقيقي؛ لأنه إذا كان معناه النفي صارت صفة هذا اليوم انتفاء الريب، وعلى هذا فمن ارتاب فيه فقد ارتاب في أمر واقع، لكن لو جعلنا النفي بمعنى النهي لكنا أخرجنا الكلام عن ظاهره، هذا من جهة، من جهة أخرى أن النهي قد يمتثله الناس وقد لا يمتثلونه، لكن النفي هنا أوضح؛ أولًا: لمطابقته لظاهر اللفظ؛ لأن ظاهر اللفظ النفي. وثانيًا: لأنه يعطي أن هذا اليوم موصوف بانتفاء الريب فيه، فيكون مَنِ ارتاب مخالفًا للواقع.
(﴿لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ﴾ منهم ﴿فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ في النار) ﴿﴿فَرِيقٌ﴾ ﴾ مبتدأ ﴿﴿فَرِيقٌ﴾ ﴾ الثاني مبتدأ، ومن كان منكم عارفًا بالنحو فسيقول: في هذا إشكال، ما هو الإشكال؟
* الطالب: الابتداء بالنكرة.
* الشيخ: والابتداء بالنكرة غير جائز، لماذا؟ لأن المبتدأ محكوم عليه، فإذا قلت: زيد قائم، فقد حكمت على زيد بالقيام، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معروفًا، إذا كان نكرة أي فائدة في الحكم عليه؟ فكلام النحويين في أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة هذا تعليله؛ لأن المبتدأ محكوم عليه، والمحكوم عليه لا بد أن يكون معرفة معلومًا، فهنا ابتُدئ بالنكرة، يقول النحويون: إن المسوغ للابتداء بالنكرة في هذه الآية هو التقسيم، والتقسيم مفيد، فريق في الجنة؛ أي نوع من الناس في الجنة ونوع في السعير، فالتقسيم يبيح الابتداء بالنكرة، ومنه قول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
فهذا مبتدأ نكرة لكنه فيه التقسيم، فيكون المسوغ للابتداء بالنكرة هنا هو التقسيم. ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧] أيهم أكثر؟ فريق السعير أكثر كما جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى يوم القيامة ينادي يقول: «يَا آدَمُ. فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثَ النَّارِ، أَوْ بَعْثًا إِلَى النَّارِ -أَيْ مَبْعُوثًا إِلَى النَّارِ- قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِئَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢/٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظ البخاري: «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادى بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار». الحديث.]]. والباقي من الألف في النار، إذن أيهم أكثر؟ أهل النار أكثر من أهل الجنة بكثير، أجارنا الله وإياكم من النار، ففزع الصحابة لهذا، وقالوا: يا رسول الله، أينا ذلك الواحد؟ قال لهم: «أَبْشِرُوا إِنَّكُمْ فِي أُمَّتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ؛ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٦٩) من حديث عمران بن الحصين ولفظه: «إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج» الحديث.]]. وهم من بني آدم كما دل على ذلك القرآن، فمنكم واحد وألف منهم، ففرح الصحابة رضي الله عنهم بذلك.
المهم أن الله قال: فريق وفريق مع اختلاف الفريقين اختلافًا عظيمًا، فدل ذلك على أن الفريق في اللغة يُطلق على القليل والكثير، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ ما هي الجنة؟ الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمؤمنين والمتقين، وهي دار فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وأصناف النعيم في هذه الجنة -جعلني الله وإياكم منهم- موجودة في القرآن والسنة، أما السعير -والعياذ بالله- فهي النار تُسَعَّر بها الأجساد، وفيها من أنواع العذاب والنكال ما يتمنى أهلها أن يموتوا ولا يحصل لهم، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف ٧٧، ٧٨] ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨] أي على دين واحد هو الإسلام، نعم، لو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلهم أمة واحدة على الضلال أو على الهدى؛ يعني لو شاء هذا أو هذا؛ لأن الأمر كله بيده عز وجل.
وقوله: ﴿لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني فرقة واحدة على دين واحد. وقوله: (وهو الإسلام) قد يُنازَع فيه؛ لأن الآية مطلقة وليس فيها ما يدل على أنه الإسلام أو غير الإسلام؛ لأن قوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى ٨]. ذكر الأمرين فنقول: إن الآية تحتمل المعنيين جميعًا، لو شاء الله لجعلهم أمة واحدة؛ يعني على الإسلام أو على الكفر، ولكنه عز وجل لحكمته جعلهم متفرقين: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن ٢].
قال: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى ٨] قوله: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿مَنْ﴾ اسم موصول عامة، ولكن يجب أن نعلم أن هذا العموم مقيد بمن علم الله فيه خيرًا، فهو الذي يدخله في رحمته؛ لأن كل فعل أضافه الله إلى مشيئته فلا بد أن يكون لحكمة كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٨، ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
إذن ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى ٨] ممن علم الله فيه خيرًا ليكون إدخاله في الرحمة على وفق الحكمة.
وقوله: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ المراد هنا بالرحمة التي هي وصفه، أو المراد الرحمة التي هي خلقه؟ الثانية؛ لأن الرحمة التي هي وصفه لا يدخلها الناس، وإنما يدخلون في الرحمة التي هي خلقه؛ وهي الجنة، ويدل لهذا قوله تبارك وتعالى في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦/ ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. فقال لها: «أَنْتِ رَحْمَتِي».
(﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون) ﴿الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ، وليست معطوفة على ﴿مَنْ﴾ لفساد المعنى واللفظ. (﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون) فسر المؤلف هنا ﴿الظَّالِمُونَ﴾ بالكافرين؛ لأن الله تبارك وتعالى وصف الكافرين بالظلم، فقال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤]، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢] فسرها النبي ﷺ بالشرك وقال: «أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٧٦)، ومسلم (١٢٤/ ١٩٧)، وأحمد (٣٥٨٩) واللفظ له من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]].
(﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون) ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، و﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم، و﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخر دخل عليه حرف الجر الزائد للتوكيد.
(﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم العذاب) أي من ولي يتولاهم ويتحمل عنهم، ولا نصير يدفع عنهم، فليس لهم من يُسلِّيهم في حال المصيبة ولا من يدفع عنهم إذا وقعت.
* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا﴾ [الشورى ٧]. وجه كونه كلام الله أن هذا القرآن كلام أو شيء مخلوق؟ كلام، وإذا كان كلامًا وقد أضافه الله إلى نفسه علمنا أنه كلام الله عز وجل، وهل هو مخلوق؟ لا، لماذا؟ لوجهين: الوجه الأول: أنه وَصْفُه، وجميع أوصاف الله غير مخلوقة؛ لأن الصفة تابعة للذات، فالخالق هو الله، وصفاته غير مخلوقة.
ثانيًا: لو قلنا: إنه مخلوق لبطل الأمر والنهي؛ لأننا إذا قلنا: إنه مخلوق صار شيئًا مخلوقًا على شيء معين كما تُخلق الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، والأنهار على شكل معين، فيكون مثلًا: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢] ليست أمرًا، لماذا؟ لأنه خُلِق رسمًا، خُلِق على هذا الرسم، الآن مثلًا لو رسمت في القرآن: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وأنت تقول: إن هذه ليست كلامًا، ولكنها مخلوقة لم تفد الأمر، وكذلك يقال في الأخبار، الأخبار تأتيك آية طولية كلها في خبر ما، إذا قلت: إن القرآن مخلوق صارت مجرد نقش فقط، ما هي كلام؛ ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: (إن القول بأن القرآن مخلوق مبطل للشريعة؛ لأنه لا يكون فيه أمر ولا نهي). إنما هي أشكال خُلِقت على هذا.
﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أنتم الآن إذا شاهدتم: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ تجدون أنها وشي يختلف بعضه عن بعض، ﴿أَقِيمُوا﴾ لها شكل و﴿الصَّلَاةَ﴾ لها شكل، فإذا قلنا: إن هذه أشياء خلقها الله على هذا الشكل لم يكن أمرًا ولا نهيًا، إذن الآية تفيد أن القرآن كلام الله؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: فخر العرب؛ لأن القرآن عربي وهو للأمم كلها.
* ومن فوائدها: حكمة الله تبارك وتعالى في إنزال القرآن باللغة التي يفهمها من أُنزل إليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم ٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: التأكيد على معرفة اللغة العربية. وجه ذلك: أنه إذا كان القرآن عربيًّا، وكنا مخاطَبين به وملزَمين بالعمل به فإنه لا يمكن الوصول إلى ذلك إلا بتعلم اللغة العربية.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن الناس جميعًا ينبغي أن يكونوا يتحدثون باللغة العربية؛ لأن الناس كلهم جميعًا يجب أن يكون دينهم الإسلام، فإذا كان يجب أن يكون دينهم الإسلام فإنه يلزم من ذلك أن يجب أن يتعلموا لغة الإسلام؛ ولذلك نرى أن الإسلام لما كان في أوج عزته وقوته دخل الناس في دين الله، وتعلموا اللغة العربية، ومن الفرس والروم من كانوا أئمة في الدين وأئمة في العربية، القاموس المحيط، مرجع الناس في اللغة الآن وقبل الآن، من مؤلفه؟ الفيروزآبادي، من قريش، أو من بني هاشم؟ لا هذا، ولا هذا، فارسي، ومع ذلك هو مرجع اللغة العربية.
البخاري إمام المحدثين، يعني إمام نقلة سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، عربي ولَّا غير عربي؟ غير عربي؛ لأنه في الفتوحات الإسلامية كانت الغلبة للمسلمين الذين يتكلمون باللغة العربية، فتعلم الناس العربية ضرورة أنه لا يمكن الوصول إلى فهم الدين إلا باللغة العربية، ما حال الناس اليوم؟ على العكس، الآن العربي يحاول أن يتعلم اللغة الغير عربية؛ لأن الإسلام -مع الأسف الشديد- بمعاصي أهله خُذِلوا وذلوا، وكانوا من أذل الأمم إن لم أقل: أذل الأمم.
أنا أقول: أذل الأمم ولا أبالي؛ لأن عند المسلمين من الثروات العظيمة والمعادن العظيمة والأماكن الفسيحة والواسعة ما إذا قسناه بحالهم وجدنا أنهم أذل الأمم، من يكون عنده مثل هذه الثروات، ثم يتخلف هذا التخلف؟ حفنة من اليهود تلعب بعقولهم ليلًا ونهارًا، ولو قلت: أمم من النصارى يلعبون بهم، ولو كان لهم عزة لكانوا هم الذين يتحكمون في الناس ويقاتلونهم حتى يكون الدين كله لله، لكن لما ذلوا ذلت لغتهم، الآن تجد المتاجر في بلاد العرب، في مدننا، في قرانا، تجدها مملوءة باللافتات باللغة غير العربية، أحيانًا تجد المتاجر كأنك في سوق لندن إلا أن يشاء الله، كل هذا من الذل.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: إثبات حكمة الله، تؤخذ من قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾؛ لأن اللام هنا للتعليل، وكلما وجدت لام التعليل في القرآن فإن فيها إثبات حكمة الله عز وجل، وحينئذٍ نعلم أن جميع ما يفعله الله عز وجل أو يشرعه فهو لحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاقتصار على أحد موضوعي الرسالة إذا اقتضت الحكمة ذلك، وجهه: أنه قال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى ٧] ولم يذكر البشارة، مع أن الله تعالى في مواضع كثيرة يذكر الإنذار والبشارة: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم ٩٧]؛ لأن السياق مع قريش، وقريش -كما تعلمون- عتاة معتدون، فناسب ذكر الإنذار دون ذكر البشارة؛ لأنه إذا رأيت شخصًا معتديًا، فهل أنت تحاول استقامته بالبشارة أولًا أو بالإنذار أولًا؟ بالإنذار أولًا، وهذا من بلاغة القرآن أن يجعل كل شيء في موضعه.
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن النبي ﷺ مُلزَم بإنذار أم القرى إلزامًا أوليًّا؛ لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وما سواها إنذارًا ثانويًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن النبي ﷺ لن يصل إلى مَنْ أُرْسِل إليهم مباشرة، وإنما ينذر من حوله؛ لقوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وأنا ذكرت لكم قبل قليل هذه الفائدة ذكرناها في كتاب التفسير.
* أيضًا فيه فائدة أخرى: وهي أن القرآن باللغة العربية لا يمكن أن ينتذر به إلا ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الذين هم عرب، وأما فارس والروم والأقباط وما أشبههم فهؤلاء لا ينتفعون بالقرآن إلا بعد أن يعرفوا اللغة العربية ويعرفوا معاني القرآن، ولعل هذا -والله أعلم- أيضًا من الحكم أن الله قال: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تخويف الناس من يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾.
* ومن فوائدها: أن يوم القيامة واقع لا محالة؛ لقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس في ذلك اليوم ينقسمون إلى قسمين: فريق في الجنة، وفريق في السعير، أهل الجنة يتجهون إلى الصراط ليصلوا إلى الأعلى، إلى الجنة، وأما أهل النار فلا يصعدون الصراط؛ لأنه لا يُرجى منهم أن ينجوا، بل إنهم يساقون إلى جهنم وِرْدًا؛ أي على أشد ما يكون من العطش، وتمثل لهم النار كأنها سراب، يظنونها ماءً فيسرعون إليها، فإذا جاؤوها وجدوا الأمر بالعكس فيتوقفون، ولكنهم يُدَعُّون إلى نار جهنم دعًّا ويقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤] ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور ١٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨].
* ومن فوائدها: الرد على القدرية. أتعرفون من القدرية؟ القدرية هم الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى لا علاقة له في فِعل العبد، يقولون: العبد مستقل، ما لله فيه إرادة، وغُلاتهم ينكرون عِلْم الله بأحوال العبد إلا ما وَقَعَ منها، يقولون: إن الله ما يعلم ماذا يصنع العبد، لكن إذا صنعه العبد عَلِم به، وهؤلاء لا شك في كفرهم؛ لأنهم أنكروا علم الله، مُقتصدوهم ينكرون المشيئة والخَلْق، هذا اللي استقر عليه رأيهم، يقولون: إن الله لا مشيئة له في فِعْل العبد، وليس خالقًا لفعل العبد، العبد حر، يقول ويسكت، يفعل ويترك، ينام ويستيقظ، استقلالًا ما لله فيه مشيئة؛ ولهذا سُمُّوا مجوس الأمة المحمدية؛ لأنهم بهذه العقيدة يجعلون للحادث خالِقَيْن؛ حوادث العباد، مَنْ خلقها؟ العباد، وحوادث الله خلقها الله؛ ولهذا يسمون مجوس الأمة الإسلامية.
في الآية الكريمة رد عليهم، وجه الرد: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨]. وهذا كما قال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٨، ١١٩].
فيه الرد على القدرية، وفيه حجة للجبرية؛ لأن الله قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إذن هم انقسموا بمشيئة الله، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فهذا دليل على أن الإنسان لا اختيار له، بل فعله بمشيئة الله، فيقال: هذا مما احتج به من في قلوبهم زيغ؛ لأن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه، ويدعون المحكم، يتعبون المتشابه في مثل هذه الآية، ويقول: هذا دليل على أن فعل العبد بمشيئة الله، ولا يمكن لأحد أن يغير مشيئة الله.
نقول: سبحان الله! أنتم نظرتم إلى الأدلة بعين أعور، والعين الباقية عليها غبش أو غمش، ما هي جيدة، فنظروا بعين أعور وربع أو أكثر، هناك آيات صريحة في إضافة العمل إلى الإنسان نفسه، وأنه بمشيئة الإنسان، أليس الله يقول: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف ٢٩]؟ أليس الله تبارك وتعالى يقول: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]؟ والآيات في هذا كثيرة.
أليس الإنسان يحس بنفسه أنه يفعل الفعل ولا مكره له، أنت تأتي إلى المسجد بدون أحد يكرهك، تدخل المسجد بدون أحد يكرهك، تخرج من المسجد بدون أحد يكرهك، وهذا شيء ملموس، إذن ما معنى كون فعلنا بمشيئة الله؟
نقول: معنى فعلنا بمشيئة الله أننا مهما فعلنا من شيء فالله قد شاءه، ومشيئته له سابقة لمشيئتنا لكننا لا نعلم بمشيئة الله إلا بعد وقوع الشيء فنعرف أن الله قد شاءه، هذا واضح ولَّا غير واضح؟ يعني أنا الآن أشاء أن أتكلم معكم، وأشاء أن أُحرِّك يدي، أليس كذلك؟ هل شاء الله أن أتكلم، وأن أُحَرِّك يدي؟ نعم، بماذا عرفت؟ بوقوعه؛ لأني أعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يكون في ملك الله ما لا يشاؤه، وأنا في ملك الله، والسماوات والأرض كلها في ملك الله، فإذا لا يمكن أن يكون في ملكه ما لا يشاء، لكن أنا لا أعلم مشيئة الله إلا بعد وقوع الشيء؛ ولهذا قال بعض العلماء: (إن القدَر سِرٌّ مكتوم) لا يعلم به العباد؛ لأن العباد لا يعلمون به إلا بعد وقوعه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى يَمُنُّ على من يشاء من عباده فيدخلهم في رحمته؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى ٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ليس في الجنة ما يكدر، وجهه؟ قوله: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ والرحمة تستلزم حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب؛ ولهذا ينادى أهل الجنة: «إِنَّ لَهُمْ أَنْ يَصِحُّوا فَلَا يَسْقَمُوا، وَأَنْ يَشِبُّوا فَلَا يَهْرَمُوا، وَأَنْ يَحْيَوْا فَلَا يَمُوتُوا»[[أخرجه مسلم (٢٨٣٧/٢٢) عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ينادي منادٍ: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا».]]. وأيضًا أن نقول: وأن يُسرُّوا فلا يحزنوا، جميع النعيم كامل لأهل الجنة، وليس فيها تنغيص، ولا خوف من مرض، ولا خوف من موت، بل إنهم لا ينامون، حتى النوم لا ينامون من القلق والألم؟ أجيبوا.
لا والله، لا ينامون من الفرح والسرور، حتى تكون أوقاتهم كلها مستغرقة في الفرح والسرور، وعدم نومهم دليل على كمال حياتهم؛ لأن النوم إنما نحتاج إليه لنقض التعب السابق واستجداد القوة اللاحقة، أليس كذلك؟ ولهذا كلما تعب الإنسان احتاج إلى النوم، وإذا نام قام نشيطًا، إذن نحن محتاجون إلى النوم في الحياة الدنيا لنقص حياتنا، لكن في الآخرة ما فيه نقص، دائمًا هم في سرور، اللهم اجعلنا منهم؛ ولذلك قال: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الرحمة ما فيها شيء يحزن ولا يكدر، وإنما كلها خير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكفار ظلمة، بل هم أظلم الظلمة، أعظم الذنب الكُفْر أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك، فأظلم الظالمين هم الكفار، وإذا كنا نؤمن بهذا، ويجب علينا أن نؤمن بهذا، فهل نرجو من الكفار خيرًا وهم أظلم الظلمة؟ لا والله، لا نرجو منهم خيرًا للإسلام أبدًا؛ لأنهم أظلم الظلمة؛ ولهذا يجب أن تغرس في قلبك بُغض الكافرين والكُفر، يجب أن تجعلها غريزة مستقرة كامنة تبغض كل كافر وكل كفر.
وإذا كان في الإنسان خصال كفر وخصال إيمان؟ القسط والعدل أن أحبه على ما معه من إيمان، وأبغضه على ما معه من الكفر، والإنسان قد يكون فيه خصلة إيمان وخصلة كفر، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧/١٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذان لا يخرجان الإنسان من الإيمان.
إذن انتبهوا لهذا، الكفار أظلم الظالمين، ومن كان أظلم الظالمين فإنه لا يمكن أن يُرْجى منه خير ولا عدل، واعلم أنه إن عدل فلاستغلال الفرصة؛ ليأخذ بدل العدل مرة الظلم مرات، الآن اليهود نعلم أنهم أشد الناس حرصًا على المال، ومع ذلك نجدهم يبذلون، ولكن يبذلون قرشًا ليأخذوا دينارًا، لا تفكر أبدًا أنهم يبذلون شيئًا إلا لينالوا أكثر منه، وهذا شيء معلوم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة ٩٦].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالمين لا يجدون ناصرًا ولا يجدون وليًّا، لا ناصرًا يدفع العذاب أو يرفعه، ولا ولي يواسيهم فيُهوِّن عليهم المصائب، ليس لهم هذا، وهذا يدل على أنهم في حسرة شديدة؛ لأنهم لا يرجون نفعًا وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأن النفي أبلغ وأوفق للسياق، ونحن قلنا: نحمل الآية على المعنيين متى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ولا مرجِّح، لاحظ هذا القيد؛ لأنك إذا لم تقل: ولا مُرجِّح، جاءك أهل التعطيل وقالوا: ما قلناه يحتمل، لا، لازم تفهم هذا، إي نعم، لكن الله نفى باعتبار الواقع.
* الطالب: في غير هذه البلاد مثلًا يوجد علماء متضلعون في بعض العلوم، ولكن مثلًا يكون معتزليًّا أو أشعريًّا، ففي أثناء الدرس مثلًا قد يقرر المذهب، فهل طالب العلم إذا كان يعلم الحق في هذه المسألة أن يناقش شيخه فيها، خاصة أنه يكون كبيرًا في السن قد يصعب أن يرجع عن رأيه؟
* الشيخ: هو لا شك أن أولًا: الذين يدعون إلى البدعة، هؤلاء تجنبهم، والرزق على الله، حتى لو كانوا علماء في النحو والبلاغة لا خير فيهم، هؤلاء الذين يدعون، أما الذين لا يدعون إلى بدعتهم ويتسترون فلا بأس أن تجلس إليهم فيما ينفع، لكن إذا رأيتهم خرجوا على الجادة فيجب عليك أن تنبههم، لكن لا تنبههم أمام الطلاب؛ لأن الإنسان قد تأخذه العزة بالإثم، خصوصًا إذا رأى نفسه أنه مبرز في علم من العلوم، يجيء طالب علم ويرد عليه أمام الناس هذا، ثق بأنه سينتفخ ويكون أكبر من الجبل ولا يرجع، لكن من الممكن أن تكتب له كتابًا تبين له الحق إذا لم تستطع أن تناقشه مباشرة، إن كان داعية لا تقربه أبدًا وحذِّر منه؛ لأن هذا يُخشى منه، ثم إذا رأى الناس أنك أنت وفلان وفلان ترجعون إليه توهم أنه على الحق، عرفت؟ نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:9
ثم قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة تكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
هناك (أم) متصلة، وهي التي تقع بين شيئين متقابلين، وتكون بمعنى (أو)، مثال ذلك: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه (أم) يسمونها متصلة؛ لأنها بين شيئين متقابلين، ولأنها بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في غير القرآن لو وُضِعَ بدل (أم) (أو) لاستقام الكلام.
فإذن نقول: إن (أم) تكون منقطعة وتكون متصلة، الفرق بينهما: (أم) المتصلة بمعنى (أو)، (أم) المنقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
ثانيًا: (أم) المتصلة تكون بين شيئين متقابلين، و(أم) المنقطعة بخلاف ذلك.
هنا يقول عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ليس فيه شيئان متقابلان، إذن فهي منقطعة بمعنى (بل) والهمزة، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ الضمير يعود على المشركين، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الضمير يعود على الرب عز وجل.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يقول الشارح رحمه الله: (أي الأصنام) إشارة منه إلى أن المفعول الأول لـ﴿اتَّخَذُوا﴾ محذوفٌ، والتقدير: أم اتخذوا من دونه الأصنامَ أولياءَ؛ لأن (اتخذوا) تنصب مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥]، هذه الآية ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ليس أمام أعيننا إلا مفعولٌ واحدٌ، نقول: المفعول الأول محذوف، والتقدير: أم اتخذوا الأصنام أولياء.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني أنصارًا يستغيثون بهم ويستنصرون بهم ويوالونهم ويتقرَّبون إليهم كأنهم ربٌّ.
قال المؤلف الشارحُ: ((أم) منقطعة بمعنى (بل) التي للانتقال، والهمزة للإنكار؛ أي: ليس المتَّخَذون أولياء) يعني: هؤلاء اتخذوا أولياءَ؛ الأصنامَ، والأصنام بعضها شجرٌ، وبعضها حجرٌ، وبعضها مخلوقات كونية كالشمس والقمر، وبعضها مخلوقات بشرية، كل هذه لا تنفع صاحبها، ولذلك تجد المشركين إذا وقعوا في الضرورة مَن يدعون؟ يدعون الله عز وجل، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فهي لا تنفع، وهم أيضًا مُقرُّون بهذا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
(﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: الناصر للمؤمنين، والفاء لمجرَّد العطف)، الفاء في قوله: ﴿فَاللَّهُ﴾؛ يعني أنها ليست جوابًا لشرطٍ ولكنها لمجرد العطف، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ انتبهْ في إعراب الجملة هذه، (الله) مبتدأ، (هو) ضمير فصل، و(الولي) خبر المبتدأ.
واعلم أن ضمير الفصل حرف وليس اسمًا، هذه واحدة. وله ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الحصر.
والفائدة الثانية: الفصل بين الخبر والصفة؛ يعني مثلًا إذا قلت: فلان الكريم، (فلان) مبتدأ و(الكريم) خبر، ويحتمل أن يكون (فلان) مبتدأ و(الكريم) صفته، والخبر محذوف؛ فلان الكريم حاضر. فإذا قلت: (فلان هو الكريم) تعيَّن أن تكون (الكريم) خبرًا وليست صفة، ولهذا يسمونه ضمير الفصل؛ لأنه يفصل -أي يُمَيِّز- بين الخبر وبين الصفة، ليس له محل من الإعراب، ولهذا نقول: (الله) مبتدأ، و(الولي) خبره، و(هو) ضمير فصلٍ لا محل له من الإعراب، إذن هو يفيد الحصرَ والتوكيدَ والتمييزَ بين الخبر والصفة.
نزيد ذلك بالمثال: محمد الرسول، يحتمل أن تكون (الرسول) صفة لـ(محمد)، وأن التقدير: محمد الرسول صادق. إذا أتيت بـ(هو) وقلت: محمد هو الرسول، يتعين أن (الرسول) خبر. هذه واحدة.
أيضًا (هو الرسول) يفيد الحصر يعني لا غيره، ولا شك أن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام هو الرسول لهذه الأمة ولا رسول غيره.
الفائدة الثالثة: التوكيد، (هو الرسول). هذه فوائد ضمير الفصل، أما إعرابه فليس له محل من الإعراب؛ لأنه حرف.
﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ قوله: ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ يقول المؤلف: (أي الناصر للمؤمنين)، وفي هذا نظر؛ لأن المؤلف الآن قصَرَ الولاية على الولاية الخاصة، والصواب أنها عامة؛ هو الولي لكل أحد في الولاية العامة والولاية الخاصة، الولاية العامة لكل أحدٍ فإنه لا يتولَّى شؤون الخلق إلا الله عز وجل، الولاية الخاصة هي ولاية النصرة والتأييد، وعلى هذا فاقتصار المؤلف رحمه الله على الولاية الخاصة فيه نظر. إذن هو الولي على كل أحد بالولاية العامة والولاية الخاصة.
والفرق بين الولاية العامة والولاية الخاصة: أن الولاية العامة تشمل كل أحد، فكل أحد فالله وليه يتولى أمره، حتى الكافرون الله وليهم، الولاية الخاصة تقتضي النصر والتأييد، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ الجملة هذه فيها حصر أو لا؟ فيها حصر. ويش طريقه؟ ضمير الفصل.
﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وغيره لا يمكن أن يحيي الموتى؛ لأن الإحياء هو جعل الشيء حيًّا بعد أن كان ميتًا، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، بل إن الله عز وجل إذا أراد أن يميت أحدًا لا يمكن لأحد أن يمنع الموت، كما قال عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧] يعني: هلَّا ترجعونها إن كنتم صادقين؟ الجواب يمكن أو لا يمكن؟ لا يمكن، إذن الله يحيي الموتى ويميت الأحياء عز وجل.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ على كل شيء؛ أي شيء معدوم فالله قادر على إيجاده، أي شيء موجود فالله قادر على إعدامه، كل شيء فالله تعالى قدير عليه. ضدُّ القدرة العجز، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (ما) شرطية، و﴿اخْتَلَفْتُمْ﴾ فعل الشرط، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الجملة جواب الشرط. قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أيُّ شيءٍ يقع بين الناس من الخلاف فمردُّه إلى الله عز وجل، سواء كان في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية، وسواء كان مع المؤمنين أو كان مع الكفار، أي شيء فحكمه إلى الله عز وجل، لا أحد يُرَدُّ إلى حكمه إلا الله.
يقول الشارح: (﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ مع الكفار ﴿فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) والصواب أنه أعمُّ، المؤلف رحمه الله خصَّه باختلافنا مع الكفار، وفي هذا التخصيص نظر أيضًا، والصواب أنه عام: ما اختلفتم أيها الناس مع الكفار أو فيما بينكم أيها المسلمون ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول الشارح: (من الدين وغيره) إي نعم، (من الدين) الدِّين كلُّ ما يتعبَّد به الإنسان لله، وغيره ما ليس كذلك، فحكمه إلى الله عز وجل وحدَه؛ أي: مرد حكمه إلى الله، ولهذا قال: (﴿فَحُكْمُهُ﴾ مردودٌ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يوم القيامة يفصل بينكم)، والصواب أنه مردودٌ إلى الله في الدنيا والآخرة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩].
* ويستفاد من هذه الآية: أنه لا مرجع للقوانين، وأن القوانين المخالفة لحكم الله باطلة، وهو كذلك؛ لأن القانون مِن وضْعِ البشر، البشر ليس عندهم إحاطة علم؛ لا في الحاضر، ولا في المستقبل، فهم لم يحيطوا بالدنيا علمًا، غاية ما هناك أن هذا الذي وضع المادة القانونية يعرف ظواهر شعبه فقط. وهل يعرِفُ كل الناس وأن هذا الحكم مناسب لهم؟ لا. هذا قصور.
ثانيًا: أنه لو علم أحوال الناس من حيث العموم هل يمكن أن يعلم حال كل أحد؟ لأن الناس يختلفون حتى في الحكم الواحد، أرأيت غنيًّا وفقيرًا؛ الغني عليه زكاة، والفقير ليس عليه زكاة، الفقير يجوز دفع الزكاة له، والغني لا يجوز له. العاجز والقادر؛ القادر يصلي قائمًا، والعاجز يصلي قاعدًا. هل هذا الذي وضع القانون يعرف أحوال الناس بحيث يكون القانون صالحًا لكل حال من أحوال الناس؟ لا. هذا نقص آخر.
ثالثًا: واضع القانون هل يدرك أحوال الناس في المستقبل أو لا؟ لا يدرك. ومعلوم أن الأحكام تختلف باختلاف الأحوال، ولهذا نجد أن الشريعة الإسلامية تختلف عن الشريعة النصرانية، والشريعة النصرانية تختلف عن الشريعة اليهودية، فها هو عيسى يقول: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]، والدين الإسلامي أيضًا جاء مغايرًا في كثير من الأشياء الفرعية لما سبقه من الأديان، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
إذن القانون قاصرٌ من كل وجه، إذا كان قاصرًا من كل وجه فهل يمكن أن يكون هذا الشيء القاصر مردًّا في النزاع؟ لا يمكن.
بقينا مَن رجع إلى القانون فهل يكون كافرًا؟ يحتاج إلى تفصيل؛ إذا لم يجد الإنسان طريقًا إلى أخذ حقه إلا عن طريق القانون فليس هذا بكفر، بل ولا محرَّم، فلو كنت في بلد تحكم بالقانون ولك خصومة مع شخص، ولا يمكن أن تلجأ إلى حكم شرعي، فلا حرج أن تتحاكم إلى القانون، وإذا حكم لك فهذا يعني أنه كالشرطة، ولو أننا قلنا بهذا لضاعت حقوق الناس. وقد أشار إلى هذا المعنى المحقق ابن القيم رحمه الله في كتاب الطرق الحكمية.
لكن إذا تحاكمت إلى القانون وأنت تعلم أنه يحكم بالظلم، فهل يجوز أن تتحاكم إليه أو لا؟ لا يجوز، ما فيه إشكال؛ لأن بعض الناس قد يكون من حيث الحكم الشرعي لا يستحق هذا الشيء، لكن باعتبار القانون يستحقه، فقال: أحاكمه لآخذ حقي بمقتضى القانون. ماذا نقول؟ نقول: هذا حرام ولا يجوز.
مثال ذلك: ما يسمونه بالفوائد البنكية؛ الفوائد البنكية في الحكم الشرعي حرامٌ ولَّا حلال؟ حرامٌ. هذا الرجل يعرف أنها حرام في الشرع لكن قال: أريد أن أتحاكم إلى القانون؛ لأن القانون سوف يمكنني منها، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأن هذا أكل للمال بالباطل.
إذن التحاكم إلى الطاغوت -وهو ما خالف الحكم الشرعي- إن كان لاستخراج الحق لا لاعتقاد أن ما حكم به هو الحق -انتبه للفرق- لاستخراج الحق لا لاعتقاد أن ما حكم به حق، فهذا جائز، وكأنك جعلتهم شُرطةً يستخرجون حقك من هذا الذي ظلمك، وإن كان لاعتقاد أن ما جاء في القانون حق مع مخالفته للشرع، فهذا حرام. هذا في التحاكم إلى القانون.
بقينا في وضع القانون؛ واضع القانون إما أن يعلم أنه مخالف للشرع لكنه يعتقد أنه أنفع للخلق من شرع رَبِّ الخلق، فهذا كافر لا شك، كافر كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، ومكذب لقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]؛ لأنه وضع الآن كتابًا بدلًا عن كتاب الله، وهذا واضح أنه كافر، أبدَلَ دين الله بغيره، أبدل حكم الله بغيره، فهذا كافر.
أما إذا كان لا يدري أنه مخالف للشرع، وإنما صنع ذلك بتأويل إن كان من أهل الاجتهاد، أو بتضليل إن كان من غير أهل الاجتهاد، فهذا لا يكفر؛ مثل أن يعتقد أن مسألة العينة جائزة ويضعها قانونًا، ومسألة العينة معروفة عندكم: أن يبيع شيئًا بثمن مؤجَّل ويشتريه نقدًا بأقل، فيقول مثلًا: مادة كذا: إذا باع شيئًا بثمن مؤجَّل واشتراه بأقل فالعقد صحيح. هذه المادة تخالف الشرع، لكن هو لا يدري أنها تخالف الشرع، أو تأوَّل أنها جائزة بناء على صورة المعاملة، هذا لا يكفر.
وقد يكون وضع القانون المخالف للشرع عن تضليل ما هو عن تأويل، بحيث يكون الحاكم جاهلًا أميًّا لكن ضلَّله بعضُ علماء الدولة، قال: هذا لا بأْسَ به؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرج مسلم (٢٣٦٣/ ١٤١) بسنده من حديث عن عائشة، وأنس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح». قال: فخرج شيصًا، فمرَّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».]]، ونحن نعلم أن هذا خيرٌ لنا في الدنيا بناءً على ظنه، فهذا لا يكفر.
فصار الآن الذي يضع قانونًا مخالفًا للشرع معتقدًا أنه أَوْلى من الشرع وأنفع للخلق، فهذا كافر لا نشك في هذا، لكن بشرطين: أن يعلم أنه مخالف للشرع، يعتقد أنه أنفع للخلق أو مثل الشرع، حتى اللي يعتقد المماثلة فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠]، ويقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨].
أما مَن وضعه مخالفًا للشرع بتأويل أو تضليل فإنه لا يكفر؛ لأن هذا في نظرِه لم يخالف الشرع، فلا يكفُرُ بهذا.
الخلاصة الآن: عندما يختلف الناس في شيء فإلى من يرجعون؟ إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: من أين نعلم حكم الله؟
قلنا: من القرآن والسنة، يفسِّر هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
الآن فهمنا أن المؤلف رحمه الله قَصَّرَ في تفسير الآية في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾؛ حيث خصها بالمؤمنين بالولاية الخاصة. قصر أيضًا هنا (﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يوم القيامة يفصل بينكم) هذا أيضًا قُصورٌ، والصواب أن حكمه إلى الله في الدنيا والآخرة.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (ذلكم) ويمرُّ بنا كثيرًا (ذلك)، فلماذا تختلف الكاف من موضع إلى موضع؟ فالجواب أن الكاف بحسب المخاطب، واسم الإشارة بحسب المشار إليه.
وهنا اختبار بالنسبة لكم: الكاف باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، أشِرْ إلى مذكرٍ مفردٍ مخاطبًا مذكرًا مفردًا.
* طالب: ذلك.
* الشيخ: (ذلك) صح. أشِرْ إلى اثنين مخاطبًا اثنين.
* طالب: ذلكان.
* الشيخ: ذانكما، (ذان) هذا المشار إليه، المخاطَب (كما)، ذانكما. أشِرْ إلى أنثى مخاطبًا ذكرًا.
* طالب: (ذلك).
* الشيخ: لا، ما يمكن أنت الآن جعلت المرأة ذكرًا.
* طالب: (تلك).
* الشيخ: (تلك) صحيح، إي نعم (تلك)؛ لأن الإشارة للأنثى بالتاء (تلك). أشِرْ إلى أنثى مخاطبًا أنثيين.
* طالب: (تلكما).
* الشيخ: (تلكما) طيب تمام. إذن الحمد لله فهمنا ما حاجة نستوعب كل الأمثلة، اسم الإشارة بحسب المشار إليه، الكاف بحسب المخاطب.
هنا ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اسم الإشارة بحسب المشار إليه؛ لأنك تشير إلى لفظ الجلالة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ واحد، ويخاطب جماعة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، و﴿اللَّهُ﴾ عطف بيانٍ، ﴿رَبِّي﴾ خبر المبتدأ؛ يعني أن الرسول ﷺ يجب أن يعلن لهؤلاء أن الله تعالى ربه وأنه لا رب له سواه. وإنما قلنا: (وأنه لا رب له سواه)؛ لأن كلا من طرفي الجملة معرفة، وإذا كانت الجملة قد عُرِّفَ طرفاها دلَّت على الحصر.
لو سألنا سائل: بِمَ تعلقت الكلمة ﴿عَلَيْهِ﴾؟ قلنا: تعلَّقت بـ﴿تَوَكَّلْتُ﴾، بم تعلَّقت ﴿إِلَيْهِ﴾؟ قلنا: بـ﴿أُنِيبُ﴾. إذن العامل متأخِّر عن المعمول في ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وفي ﴿إِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، والقاعدة عند البلاغيين: أنه إذا تقدم ما حقُّه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر، فـ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ بمنزلة: ما توكلت إلا عليه، ﴿إِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ بمنزلة: لا أنيب إلا إليه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فوَّضْت أمري إلى الله تفويضًا كاملًا، والتوكل على الله ليس كالتوكل على البشر؛ التوكل على البشر بمعنى أنك تعمِّده أن يشتري لك شيئًا، وهذا تفويض خاصٌّ، وأيضًا تفويض تعتقد أنك أنت صاحب الشأن فيه، بمعنى لو شئت لعزلته وفسخت الوكالة، لكن توكلك على الله تفويض إلى الله في كل شيء، ولا يمكنك أن تفسخ الوكالة، حتى لو فسختها فالله عز وجل وكيل عليك.
وبهذا نعرف الفرق بين أن يقول القائل: (توكلت على فلان) يعني معناه أني وكَّلته و(توكلت على الله). هل (توكلت على الله) مثل (وكَّلت فلانًا)؟ لا، أبدًا، وإن اتفق اللفظان لكن يختلف المعنيان اختلافًا عظيمًا، لاحظوا يا جماعة: توكلت على فلان؛ أي: فوَّضْته بأمري، والأمر إليَّ أن شئت عزلته، لكن (توكلت على الله) فوَّضْت أمري إليه مستندًا إليه جل وعلا في تيسير أمري وتسهيله، وحينئذٍ لا نقول: إنَّ مَن توكل على شخص في شراء شيء يكون مشركًا بالله، لا نقول هكذا؛ لأنه يظهر الفرق العظيم بين توكُّلي على الشخص الذي وكَّلته أن يشتري حاجة وبين توكُّلي على الله؛ توكلي على الله تفويض واستعانة، لكن على الشخص فلا، استخدام في الواقع، توكيلي إيَّاه أو توكلي عليه في الوكالة عبارةٌ عن استخدام، ولهذا متى شئت قلْتُ: لا أتوكَّل عليه وأعزله، لكن بالنسبة للتوكل على الله ليس كذلك.
فما هو التوكل على الله؟ قلنا: تفويض الأمر إلى الله عز وجل تفويضًا تامًّا، وبعضهم يقول: صدق الاعتماد على الله في جلْبِ المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله عز وجل. يُفَسَّر هكذا.
وهل التوكل على الله عز وجل يعني إلغاء الأسباب؟ لا، ولهذا لو قيل لرجل: تزوج حتى يأتيك أولاد، قال: أنا متوكل على الله؛ يصلح ولا ما يصلح؟ ما يصلح؛ لأن الأولاد لا ينبتون بالسطح، افعل الأسباب وتوكَّل، وفي المثل: اعقِلْها -يعني الناقة- وتوكَّل، لا تطلِقِ الناقة وتقول: أنا متوكِّلٌ على الله، الناقة إذا أطلقتها ذهبت حيث شاءت، حتى لو قلت: متوكلٌ على الله، افعل الأسباب. لو أن إنسانًا قيل له: يا فلان ابتغِ الرزق، بعْ، اشتر، اعمل الأسباب التي تحصل بها المال، قال: أبدًا، أنا متوكل على الله. هل هو صادق؟ هذا توكل المتهاونين، إذا كنت صادقًا في التوكل على الله فاعمل السبب، ولكن لا تعتمد على السبب، اجعل السبب سببًا، والمدبِّر هو الله عز وجل.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجِعُ إلى الله تعالى في عباداتي وفي جميع أحوالي.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨] * في هذه الآية فوائد؛ * منها: الرد على القدرية الذين ينفون القدر ويقولون: إن الإنسان مستقلٌّ بعمله.
لأنكم تعلمون -كما درسْتُم أو بعضُكم في العقيدة- أن الناس انقسموا بالنسبة لأفعال العبد إلى ثلاثة أقسام: قسم يقولون: إن العبد لا اختيار له، ولا إرادة، ولا مشيئة، وأنه يفعل الفعل الاختياري كالفعل الإجباري، وهؤلاء هم الجبرية، وهم الجهمية، الجهمية جبرية بالنسبة لأفعال العبد، فحركة الإنسان الاختيارية -كقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه واستيقاظه- مُجبر عليها، فهو في هذه الحركات كالمريض الذي يرتعش من الحرارة بغير اختياره. وهؤلاء ضالون؛ لأنه -على قاعدتهم- يكون الله عز وجل إذا عذَّب الإنسان المخالف يكون ظالمًا له؛ لأنه ليس يختار، هم يرون أن الظلم في حق الله محال مستحيلٌ؛ لأن الظلم تصرف الفاعل في غير ملكه، والله عز وجل له ملك السماوات والأرض، ولهذا كان الظلم عندهم مستحيلًا. هذه طائفة.
وطائفة أخرى يقولون: الإنسان مستقلٌّ بعمله يفعل ما يشاء، ولا علاقة لله تعالى في عمله، وهؤلاء هم القدرية الذين سمَّاهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة[[أخرج أبو داود (٤٦٩١) عن النبي ﷺ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة؛ إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». ]]؛ لأن هؤلاء يقولون: الحوادث الكونية لها خالقان: حوادث العباد هم يخلقونها، وحوادث الكون يخلقها الله عز وجل، فجعلوا للحوادث خالقين كما أن المجوس جعلوا للحوادث خالقين، ولهذا سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة.
وعلى رأيهم يكون في ملك الله ما لا يشاؤه الله، إن الله له ملك السماوات والأرض، فإذا كانت أفعال العباد بغير مشيئة الله وإرادته صار في ملكه ما لا يشاؤه. وهؤلاء ضالون غالطون؛ لأنه كيف يكون الله هو الخالق للعبد ونقول: العبد مستقلٌّ عن الله، ولا لله فيه دخل ولا شيء.
أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإنسان يفعل باختياره وإرادته، والقرآن دلَّ على ذلك: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٩] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود ١٥] ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، يقولون: الإنسان له إرادة واختيار، ويفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري ولا شك، الإنسان يقوم ويقعد ويأكل ويشرب وينام ويستيقظ، كل ذلك لا يشعر أن أحدًا يجبره عليه، ولكن مع هذا هذا الفعلُ وهذه الإرادة مخلوقة لله عز وجل، كيف تكون مخلوقة لله؟ لأن الإنسان نفْسَه مخلوقٌ لله، فإراداته التي تكون في نفسه وأفعاله التي تكون في جوارحه تكون مخلوقة؛ لأن أوصاف المخلوق وأفعال المخلوق مخلوقة كما أن أوصاف الخالق غير مخلوقة، ولهذا نقول: القرآن غير مخلوق؛ لأنه كلام الله.
إذن أهل السنة والجماعة -والحمد لله- هداهم الله للحق، فكانوا وسطًا بين متطرِّفين.
الآية الكريمة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ترد على مَن؟ القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقلٌّ بعمله، على رأيهم لا يستطيع الله عز وجل أن يهدي الناس جميعًا أو يضلهم جميعًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من حكمة الله عز وجل أن ينقسم الناس إلى مؤمن وكافر، من قوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ لأنه لا يمكن أن تظهر أثر الرحمة إلا إذا انقسم الناس إلى مرحوم وغيرِ مرحوم، فكان من حكمة الله عز وجل أن اختلف الناس، نحن نعلم لولا اختلاف الناس لم يتميز مؤمن من كافر، لولا اختلاف الناس ما قام جهاد، ولا قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن فائدة في خلق الجنة والنار، إلى غير ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾. واعلم أن الرحمة نوعان: مخلوقة، وغير مخلوقة؛ فغير المخلوقة فهي رحمة الله التي هي وصفه؛ لأن جميع صفات الله غير مخلوقة، وأما المخلوقة فهي الشيء البائن عن الله الذي كان من آثار رحمته التي هي وصفه، قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، هذه مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ مخلوقة، (في) للظرفية، ولا يمكن أن تكون رحمة الله التي هي وصفه ظرفًا لهؤلاء الذين آمنوا، إذن ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: المخلوقة. ما هي رحمة الله المخلوقة؟ هي الجنة؛ لقوله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦/٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]، ما المراد بالرحمة هنا الصفة أو المخلوقة؟ الصفة.
إذن من صفات الله تعالى الرحمة. والعجب من قوم يدَّعون أنهم منزهون لله يقولون: إن الله لا يوصف بالرحمة! نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا، يقولون: إن الله لا يوصف بالرحمة؛ لأن الرحمة انفعال وانكسار، كما ترحم الصبي، ترحم اليتيم، والله عز وجل مُنزَّه عن ذلك. طيب ماذا نفعل بالآيات التي لا تُحْصَى المثبتة لرحمة الله؟ قالوا: فسِّرِ الرحمة بالإنعام، فيفسرونها بالرحمة المخلوقة، أو فسِّرِ الرحمة بإرادة الإنعام، فيفسرونها بالإرادة، وهؤلاء الأشاعرة، لأنهم يُقِرون بالإرادة على أنها صفة لله.
وسبحان الله! حجتهم في هذا يقولون: الإرادة دلَّ عليها العقل والرحمة ما دلَّ عليها العقل، بل دلَّ العقل على خلافها. فنقول لهم: ما هو العقل الذي دَلَّ على الإرادة؟ قالوا: العقل الذي دَلَّ على الإرادة التخصيص؛ تخصيص المخلوقات، الجمل له صورة معيَّنةٌ، الشاة لها صورة معينة، بنو آدم لهم صورٌ معينة، فكونه يجعل البعير على هذه الصفة، والشاة على هذه الصفة، وبني آدم على هذه الصفة، تدل على الإرادة.
طيب الرحمة، هناك أدلة عقلية على الرحمة أكثر دلالة من دلالة التخصيص على الإرادة، كل ما في الكون من النعم ويش يدل عليه؟ يدل على الرحمة، ولهذا العامي إذا أمطرت السماء قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فدلالة هذه الأشياء على الرحمة أقوى من دلالة التخصيص على الإرادة، فنحن نؤمن بأن لله رحمة.
فإذا قال: إن الرحمة انكسار وانفعال، قلنا: هذا بالنسبة لرحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فهي تليق به عز وجل، ما فيه انكسار ولا فيها نقص ولا فيها عيب.
أرأيتم الغضب؟ الغضب انفعال يحدث للإنسان حتى يفقد أعصابه ويتصرف تصرف المجانين، حتى ربما كسَّر ماله، وضرب أولاده، وطلق زوجته، وربما يؤدي إلى أن يرمي بنفسه في الماء، الغضب؛ لأنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يفور دمه، هل نقول: إن غضب الله كغضب الإنسان؟ أبدًا، حاشا، إن غضب الله صفة تليق به تدل على كمال سلطانه وقدرته على الانتقام، لكنها لا يمكن أن ينتج عنها سوء تصرف أبدًا، بخلاف غضب المخلوق.
المهم أن نقول: هناك قوم أنكروا رحمة الله، وبماذا فسروا الرحمة؟ بواحد من أمرين: إما الإنعام، أو إرادة الإنعام. وهذا لا شك من ضلالهم وبدعهم، وإرجاعهم أمور الغيب إلى ما تقتضيه عقولهم القاصرة، والحقيقة أن هذه العقول ليست عقولًا بل هي أوهام، وإلا فنحن نعلم علم اليقين أن ما جاءت به الشريعة لا يمكن أن يخالف صريح المعقول أبدًا؛ صحيح المنقول لا يخالف صريح المعقول أبدًا، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاب مجلدات في بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، ويُسَمَّى درء تعارض العقل والنقل.
* من فوائد الآية الكريمة: سوء عاقبة الظلم؛ لقوله: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، حتى أولياؤهم في الدنيا لا ينفعونهم في الآخرة، ليس لهم وليٌّ يتولاهم، ولا نصير يدفع عنهم الأذى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القائم بالعدل له ناصر وولي، تُؤْخَذ من مفهوم المخالفة؛ إذا كان الظالم لا ولي له ولا نصير فمن قام بالعدل فله ولي ونصير.
* من فوائد الآية: الإنكار على الذين اتخذوا من دون الله أولياء؛ لأن (أم) هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام الإنكارية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء طلبوا شيئًا من غير محله؛ لقوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾، فهو الذي ينبغي أن يُتَّخَذ وليًّا عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الولاية لله؛ لقوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وهل هي عامة أو لا؟ الجلالين مشى على أنها خاصة قال: (ولي المؤمنين)، والصحيح أنها في هذه الآية عامة، الله ولي كل أحد، فإن الله تعالى وليٌّ للكافرين يرزقهم ويعافيهم ويدفع عنهم السوء ويتولاهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢]، لكننا نقول: الولاية قسمان عامة وخاصة، كما بيَّناه في التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ولاية لأحدٍ دون الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ﴾؛ لأن (هو) ضمير فصل يفيد الحصر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل على أمْرٍ لا أحد يدعيه، ومن ادعاه كذَّبه الواقع؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾، هذه الجملة لا أحد يدعيها أبدًا، ولو ادعاها فهو كاذب.
فإن قال قائل: أليس يُؤْتَى بالرجل يستحق القتل، فيأمر السلطان ألا يقتل، أليس هذا إحياء؟
الجواب: لا يمكن أن يكون إحياء، ولكنه استبقاءُ حياةٍ؛ لأن الحياة سابقة، هو لم يجعل في هذا حياة فيبقى، ولكنه استبقى حياة موجودة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة ٣٢].. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فأثبت الإحياء للإنسان؟
الجواب: أحياهم بإبقاء حياتهم؛ يعني من رفع القتل عن إنسان ودافع عن شخص يقتل فهو كأنما أحيا الناس جميعًا، وإلا من المعلوم أنه لا أحد يستطيع أن ينفخ الروح في ميت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله تبارك وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: الحث -أعني حثَّ الإنسان- على أن يدعو الله بكل ما أراد ما لم يعتَدِ في الدعاء، انتبه يا أخي هذه فائدة تربوية، أن تدعوَ الله بكل شيء إلا ما حرَّم الله عليك الدعاء به؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فإنك إذا دعوت الله عز وجل بأي شيء لا تيأس، لا تقول: هذا لا يمكن، إلا ما كان عدوانًا واعتداءً فلا يجوز.
وهذا يفتح للإنسان باب الرجاء وباب دعاء الله واللجوء إليه، لو كان عندك مريض مُدْنفٌ أَيِسْت منه، فقلت: والله ما أقدر أدعو الله عزَّ وجل لأن الرجل وصَلَ إلى حالةٍ خطيرةٍ، فهذا لا شك غلط؛ لأن الله على كل شيء قدير، فادعُ الله.
إنسان تقطعت به الأسباب، طلب الرزق في البيع والشراء فخسر، طلب الرزق في التقديم للوظيفة فلم ينجح، وهكذا، قال: إذن خلاص ما حاجة أدعو. ماذا نقول له؟ نقول: هذا خطأ وغلط، ادعَ الله؛ فالله على كل شيء قدير، كم من إنسان دعوا له الغاسل، واشتروا له الكفن، وقرَّبوا له النعش، وتهيَّأ أصحابه لتشييعه، ثم يعافيه الله عز وجل؛ لأن الله على كل شيء قدير.
إذن متى آمنت بأن الله على كل شيء قدير فلا تستصعب شيئًا على قدرة الله، اسأل كل شيء ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم، ولا تيأس، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، هذه الجملة كما قلت لكم- تفيد أن الإنسان لا ييأس من رحمة الله عز وجل، وأن يدعوَ الله تعالى بكل ما أراد ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلى آخره، في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: أنه لا بد أن يكون اختلاف بين الناس، وهذا هو الواقع؛ يعني لا يمكن أن ترفع الاختلاف بين الناس لا بد أن يختلفوا، وسبب الاختلاف كثير، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهو كتاب مختصر نافع، لخَّصناه وزدنا عليه بعض الشيء، وذكرنا الأمثلة التطبيقية على القواعد التي ذكرها رحمه الله في كتابنا رسالة صغير اسمها اختلاف العلماء وموقفنا نحوه، أو نحو هذا المعنى، وهو مفيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب عند الاختلاف الرجوع إلى حكم الله؛ لقول الله تعالى: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حكمه إلى الله في الدنيا والآخرة؛ لعموم قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. وأما من خَصَّ ذلك في الآخرة فغلط، حتى في أمور الدنيا نرجع إلى حكم الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* ومن فوائدها: تحريم الرجوع إلى القوانين البشرية عند الاختلاف؛ لقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن قول الصحابي حُجَّة؟
فالجواب: بلى، على خلاف في هذا، المسألة ما هي إجماعية، لكن على القول بأن فقهاء الصحابة أقوالهم حجة، قلنا: بلى، نقول بذلك لكننا مستندون إلى قول الرسول ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي»[[أخرجه أبو داود (٩٦)، والطبراني في الكبير واللفظ له (٢٤٦) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.]]؛ لأن الصحيح أن (الخلفاء الراشدين) مُعلَّقة بأوصاف لا بأعيان؛ يعني ليس الخلفاء الراشدون هم الأربعة، بل كل من خلف النبي ﷺ في أمته علمًا ودعوةً وتعليمًا هذا خليفة راشد، أرشدُ من خلَفَ النبي ﷺ هم الصحابة رجوعًا إلى حكم الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إعلان النبي ﷺ بالإخلاص والتوحيد؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: ذلكم الذي يُرْجَعُ إلى حكمه هو الله ربي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من هدي النبي ﷺ التوكل على الله وحده؛ لقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. لكن كلمة (وحده) من أين أخذناها؟ من الحصر الذي طريقه تقديم ما حقه التأخير.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن من هدي الرسول ﷺ الإنابة إلى الله تعالى وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وإذا كان هذا من هدي الرسول ﷺ وجب علينا أن نأخذ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٢١].
* طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة ٤٨]، (...) هل من الاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بهداية جميع الناس مؤمنهم وكافرهم؟
* الشيخ: لا، ليس من الاعتداء؛ لأن الناس في عصرك ماذا يمثلون بالنسبة للبشر كلهم؟ قليل، فليس من الاعتداء في الدعاء.
* طالب: بالنسبة للساحر وأنه (...)؟
* الشيخ: هل الساحر يحيي ويميت؟
* الطالب: كيف يرد عليه؟
* الشيخ: نقول: ليس يحيي ولا يميت.
* الطالب: تخييل يعني.
* الشيخ: يعني إن خيَّل للناس أن الميت تحرك فهو لم يتحرك حقيقة، ولهذا لو جاء أحد لم يدرك الساحر الذي غشى به أعين الناس لأدركه ميتًا لا يتحرك.
* طالب: (...).
* الشيخ: نحن قلنا: صفة حقيقية هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، إثبات الرحمة لله، ثم قسمناها نحن، ما قسمناها باعتبار الآية هذه، قسمنا الرحمة عمومًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ما معنى الآية؟ الاختلاف في أمور الدين يرجع إلى الله. إذن في أمور الدين والدنيا فحكمه إلى الله تعالى، طيب.
هل يؤخذ من هذا تحريم الحكم بالقوانين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كانت هذه القوانين تخالف الشريعة فإنه يحرم الرجوع إليها.
طيب لو اضطر الإنسان إلى التحاكم إلى القوانين الوضعية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التحاكم أصل التحاكم؛ يعني إذا كان قصده الوصول إلى حقه فهذا جائز، أما إذا كان قصده التحاكم إليهم بمعنى أن حكمهم هو النافذ فهذا لا يجوز، طيب.
على الوجه الأول ما وجه الجواز؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كأنه جعلهم بمنزلة الشُّرط الذين يستنقذون حقه، لا على أنهم حكام، على أنه يتوصل إلى حقه بهم، طيب.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فيها حصر أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقديم ما حقه التأخير، هذا التعليل بالأعم أحسن؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، طيب.
ما معنى التوكل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تفويض الأمر إلى الله تعالى تفويضًا كاملًا على أنك أنت مفتقر إلى الله عز وجل طيب.
ما الفرق بين التوكل على الله وعلى الإنسان؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: تمام، التوكل على الإنسان يعني استخدامه في حاجة توكله عليها، وفي هذه الحال تعتقد أنك أنت فوقه، ولهذا لو شئت لفسخت الوكالة، لكن التوكل على الله تعتمد على الله عز وجل مفوضًا الأمر إليه على أنه هو الفاعل كما يشاء.
الشورى 42:10
ثم قال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (أم) هذه منقطعة، و(أم) المنقطعة تكون بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
هناك (أم) متصلة، وهي التي تقع بين شيئين متقابلين، وتكون بمعنى (أو)، مثال ذلك: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، هذه (أم) يسمونها متصلة؛ لأنها بين شيئين متقابلين، ولأنها بمعنى (أو) ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في غير القرآن لو وُضِعَ بدل (أم) (أو) لاستقام الكلام.
فإذن نقول: إن (أم) تكون منقطعة وتكون متصلة، الفرق بينهما: (أم) المتصلة بمعنى (أو)، (أم) المنقطعة بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام.
ثانيًا: (أم) المتصلة تكون بين شيئين متقابلين، و(أم) المنقطعة بخلاف ذلك.
هنا يقول عز وجل: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ليس فيه شيئان متقابلان، إذن فهي منقطعة بمعنى (بل) والهمزة، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ الضمير يعود على المشركين، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الضمير يعود على الرب عز وجل.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يقول الشارح رحمه الله: (أي الأصنام) إشارة منه إلى أن المفعول الأول لـ﴿اتَّخَذُوا﴾ محذوفٌ، والتقدير: أم اتخذوا من دونه الأصنامَ أولياءَ؛ لأن (اتخذوا) تنصب مفعولين، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥]، هذه الآية ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ليس أمام أعيننا إلا مفعولٌ واحدٌ، نقول: المفعول الأول محذوف، والتقدير: أم اتخذوا الأصنام أولياء.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني أنصارًا يستغيثون بهم ويستنصرون بهم ويوالونهم ويتقرَّبون إليهم كأنهم ربٌّ.
قال المؤلف الشارحُ: ((أم) منقطعة بمعنى (بل) التي للانتقال، والهمزة للإنكار؛ أي: ليس المتَّخَذون أولياء) يعني: هؤلاء اتخذوا أولياءَ؛ الأصنامَ، والأصنام بعضها شجرٌ، وبعضها حجرٌ، وبعضها مخلوقات كونية كالشمس والقمر، وبعضها مخلوقات بشرية، كل هذه لا تنفع صاحبها، ولذلك تجد المشركين إذا وقعوا في الضرورة مَن يدعون؟ يدعون الله عز وجل، ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢]، فهي لا تنفع، وهم أيضًا مُقرُّون بهذا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
(﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: الناصر للمؤمنين، والفاء لمجرَّد العطف)، الفاء في قوله: ﴿فَاللَّهُ﴾؛ يعني أنها ليست جوابًا لشرطٍ ولكنها لمجرد العطف، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ انتبهْ في إعراب الجملة هذه، (الله) مبتدأ، (هو) ضمير فصل، و(الولي) خبر المبتدأ.
واعلم أن ضمير الفصل حرف وليس اسمًا، هذه واحدة. وله ثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: الحصر.
والفائدة الثانية: الفصل بين الخبر والصفة؛ يعني مثلًا إذا قلت: فلان الكريم، (فلان) مبتدأ و(الكريم) خبر، ويحتمل أن يكون (فلان) مبتدأ و(الكريم) صفته، والخبر محذوف؛ فلان الكريم حاضر. فإذا قلت: (فلان هو الكريم) تعيَّن أن تكون (الكريم) خبرًا وليست صفة، ولهذا يسمونه ضمير الفصل؛ لأنه يفصل -أي يُمَيِّز- بين الخبر وبين الصفة، ليس له محل من الإعراب، ولهذا نقول: (الله) مبتدأ، و(الولي) خبره، و(هو) ضمير فصلٍ لا محل له من الإعراب، إذن هو يفيد الحصرَ والتوكيدَ والتمييزَ بين الخبر والصفة.
نزيد ذلك بالمثال: محمد الرسول، يحتمل أن تكون (الرسول) صفة لـ(محمد)، وأن التقدير: محمد الرسول صادق. إذا أتيت بـ(هو) وقلت: محمد هو الرسول، يتعين أن (الرسول) خبر. هذه واحدة.
أيضًا (هو الرسول) يفيد الحصر يعني لا غيره، ولا شك أن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام هو الرسول لهذه الأمة ولا رسول غيره.
الفائدة الثالثة: التوكيد، (هو الرسول). هذه فوائد ضمير الفصل، أما إعرابه فليس له محل من الإعراب؛ لأنه حرف.
﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ قوله: ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ يقول المؤلف: (أي الناصر للمؤمنين)، وفي هذا نظر؛ لأن المؤلف الآن قصَرَ الولاية على الولاية الخاصة، والصواب أنها عامة؛ هو الولي لكل أحد في الولاية العامة والولاية الخاصة، الولاية العامة لكل أحدٍ فإنه لا يتولَّى شؤون الخلق إلا الله عز وجل، الولاية الخاصة هي ولاية النصرة والتأييد، وعلى هذا فاقتصار المؤلف رحمه الله على الولاية الخاصة فيه نظر. إذن هو الولي على كل أحد بالولاية العامة والولاية الخاصة.
والفرق بين الولاية العامة والولاية الخاصة: أن الولاية العامة تشمل كل أحد، فكل أحد فالله وليه يتولى أمره، حتى الكافرون الله وليهم، الولاية الخاصة تقتضي النصر والتأييد، ومنه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ الجملة هذه فيها حصر أو لا؟ فيها حصر. ويش طريقه؟ ضمير الفصل.
﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وغيره لا يمكن أن يحيي الموتى؛ لأن الإحياء هو جعل الشيء حيًّا بعد أن كان ميتًا، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، بل إن الله عز وجل إذا أراد أن يميت أحدًا لا يمكن لأحد أن يمنع الموت، كما قال عز وجل: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٧] يعني: هلَّا ترجعونها إن كنتم صادقين؟ الجواب يمكن أو لا يمكن؟ لا يمكن، إذن الله يحيي الموتى ويميت الأحياء عز وجل.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ على كل شيء؛ أي شيء معدوم فالله قادر على إيجاده، أي شيء موجود فالله قادر على إعدامه، كل شيء فالله تعالى قدير عليه. ضدُّ القدرة العجز، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (ما) شرطية، و﴿اخْتَلَفْتُمْ﴾ فعل الشرط، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الجملة جواب الشرط. قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أيُّ شيءٍ يقع بين الناس من الخلاف فمردُّه إلى الله عز وجل، سواء كان في الأمور الدينية أو في الأمور الدنيوية، وسواء كان مع المؤمنين أو كان مع الكفار، أي شيء فحكمه إلى الله عز وجل، لا أحد يُرَدُّ إلى حكمه إلا الله.
يقول الشارح: (﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ مع الكفار ﴿فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) والصواب أنه أعمُّ، المؤلف رحمه الله خصَّه باختلافنا مع الكفار، وفي هذا التخصيص نظر أيضًا، والصواب أنه عام: ما اختلفتم أيها الناس مع الكفار أو فيما بينكم أيها المسلمون ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يقول الشارح: (من الدين وغيره) إي نعم، (من الدين) الدِّين كلُّ ما يتعبَّد به الإنسان لله، وغيره ما ليس كذلك، فحكمه إلى الله عز وجل وحدَه؛ أي: مرد حكمه إلى الله، ولهذا قال: (﴿فَحُكْمُهُ﴾ مردودٌ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يوم القيامة يفصل بينكم)، والصواب أنه مردودٌ إلى الله في الدنيا والآخرة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩].
* ويستفاد من هذه الآية: أنه لا مرجع للقوانين، وأن القوانين المخالفة لحكم الله باطلة، وهو كذلك؛ لأن القانون مِن وضْعِ البشر، البشر ليس عندهم إحاطة علم؛ لا في الحاضر، ولا في المستقبل، فهم لم يحيطوا بالدنيا علمًا، غاية ما هناك أن هذا الذي وضع المادة القانونية يعرف ظواهر شعبه فقط. وهل يعرِفُ كل الناس وأن هذا الحكم مناسب لهم؟ لا. هذا قصور.
ثانيًا: أنه لو علم أحوال الناس من حيث العموم هل يمكن أن يعلم حال كل أحد؟ لأن الناس يختلفون حتى في الحكم الواحد، أرأيت غنيًّا وفقيرًا؛ الغني عليه زكاة، والفقير ليس عليه زكاة، الفقير يجوز دفع الزكاة له، والغني لا يجوز له. العاجز والقادر؛ القادر يصلي قائمًا، والعاجز يصلي قاعدًا. هل هذا الذي وضع القانون يعرف أحوال الناس بحيث يكون القانون صالحًا لكل حال من أحوال الناس؟ لا. هذا نقص آخر.
ثالثًا: واضع القانون هل يدرك أحوال الناس في المستقبل أو لا؟ لا يدرك. ومعلوم أن الأحكام تختلف باختلاف الأحوال، ولهذا نجد أن الشريعة الإسلامية تختلف عن الشريعة النصرانية، والشريعة النصرانية تختلف عن الشريعة اليهودية، فها هو عيسى يقول: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]، والدين الإسلامي أيضًا جاء مغايرًا في كثير من الأشياء الفرعية لما سبقه من الأديان، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].
إذن القانون قاصرٌ من كل وجه، إذا كان قاصرًا من كل وجه فهل يمكن أن يكون هذا الشيء القاصر مردًّا في النزاع؟ لا يمكن.
بقينا مَن رجع إلى القانون فهل يكون كافرًا؟ يحتاج إلى تفصيل؛ إذا لم يجد الإنسان طريقًا إلى أخذ حقه إلا عن طريق القانون فليس هذا بكفر، بل ولا محرَّم، فلو كنت في بلد تحكم بالقانون ولك خصومة مع شخص، ولا يمكن أن تلجأ إلى حكم شرعي، فلا حرج أن تتحاكم إلى القانون، وإذا حكم لك فهذا يعني أنه كالشرطة، ولو أننا قلنا بهذا لضاعت حقوق الناس. وقد أشار إلى هذا المعنى المحقق ابن القيم رحمه الله في كتاب الطرق الحكمية.
لكن إذا تحاكمت إلى القانون وأنت تعلم أنه يحكم بالظلم، فهل يجوز أن تتحاكم إليه أو لا؟ لا يجوز، ما فيه إشكال؛ لأن بعض الناس قد يكون من حيث الحكم الشرعي لا يستحق هذا الشيء، لكن باعتبار القانون يستحقه، فقال: أحاكمه لآخذ حقي بمقتضى القانون. ماذا نقول؟ نقول: هذا حرام ولا يجوز.
مثال ذلك: ما يسمونه بالفوائد البنكية؛ الفوائد البنكية في الحكم الشرعي حرامٌ ولَّا حلال؟ حرامٌ. هذا الرجل يعرف أنها حرام في الشرع لكن قال: أريد أن أتحاكم إلى القانون؛ لأن القانون سوف يمكنني منها، هل يجوز؟ لا يجوز؛ لأن هذا أكل للمال بالباطل.
إذن التحاكم إلى الطاغوت -وهو ما خالف الحكم الشرعي- إن كان لاستخراج الحق لا لاعتقاد أن ما حكم به هو الحق -انتبه للفرق- لاستخراج الحق لا لاعتقاد أن ما حكم به حق، فهذا جائز، وكأنك جعلتهم شُرطةً يستخرجون حقك من هذا الذي ظلمك، وإن كان لاعتقاد أن ما جاء في القانون حق مع مخالفته للشرع، فهذا حرام. هذا في التحاكم إلى القانون.
بقينا في وضع القانون؛ واضع القانون إما أن يعلم أنه مخالف للشرع لكنه يعتقد أنه أنفع للخلق من شرع رَبِّ الخلق، فهذا كافر لا شك، كافر كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأنه مكذب لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، ومكذب لقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨]؛ لأنه وضع الآن كتابًا بدلًا عن كتاب الله، وهذا واضح أنه كافر، أبدَلَ دين الله بغيره، أبدل حكم الله بغيره، فهذا كافر.
أما إذا كان لا يدري أنه مخالف للشرع، وإنما صنع ذلك بتأويل إن كان من أهل الاجتهاد، أو بتضليل إن كان من غير أهل الاجتهاد، فهذا لا يكفر؛ مثل أن يعتقد أن مسألة العينة جائزة ويضعها قانونًا، ومسألة العينة معروفة عندكم: أن يبيع شيئًا بثمن مؤجَّل ويشتريه نقدًا بأقل، فيقول مثلًا: مادة كذا: إذا باع شيئًا بثمن مؤجَّل واشتراه بأقل فالعقد صحيح. هذه المادة تخالف الشرع، لكن هو لا يدري أنها تخالف الشرع، أو تأوَّل أنها جائزة بناء على صورة المعاملة، هذا لا يكفر.
وقد يكون وضع القانون المخالف للشرع عن تضليل ما هو عن تأويل، بحيث يكون الحاكم جاهلًا أميًّا لكن ضلَّله بعضُ علماء الدولة، قال: هذا لا بأْسَ به؛ لأن النبي ﷺ يقول: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»[[أخرج مسلم (٢٣٦٣/ ١٤١) بسنده من حديث عن عائشة، وأنس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح». قال: فخرج شيصًا، فمرَّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».]]، ونحن نعلم أن هذا خيرٌ لنا في الدنيا بناءً على ظنه، فهذا لا يكفر.
فصار الآن الذي يضع قانونًا مخالفًا للشرع معتقدًا أنه أَوْلى من الشرع وأنفع للخلق، فهذا كافر لا نشك في هذا، لكن بشرطين: أن يعلم أنه مخالف للشرع، يعتقد أنه أنفع للخلق أو مثل الشرع، حتى اللي يعتقد المماثلة فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة ٥٠]، ويقول: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين ٨].
أما مَن وضعه مخالفًا للشرع بتأويل أو تضليل فإنه لا يكفر؛ لأن هذا في نظرِه لم يخالف الشرع، فلا يكفُرُ بهذا.
الخلاصة الآن: عندما يختلف الناس في شيء فإلى من يرجعون؟ إلى الله ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
فإذا قال قائل: من أين نعلم حكم الله؟
قلنا: من القرآن والسنة، يفسِّر هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
الآن فهمنا أن المؤلف رحمه الله قَصَّرَ في تفسير الآية في قوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾؛ حيث خصها بالمؤمنين بالولاية الخاصة. قصر أيضًا هنا (﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يوم القيامة يفصل بينكم) هذا أيضًا قُصورٌ، والصواب أن حكمه إلى الله في الدنيا والآخرة.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ (ذلكم) ويمرُّ بنا كثيرًا (ذلك)، فلماذا تختلف الكاف من موضع إلى موضع؟ فالجواب أن الكاف بحسب المخاطب، واسم الإشارة بحسب المشار إليه.
وهنا اختبار بالنسبة لكم: الكاف باعتبار المخاطب، واسم الإشارة باعتبار المشار إليه، أشِرْ إلى مذكرٍ مفردٍ مخاطبًا مذكرًا مفردًا.
* طالب: ذلك.
* الشيخ: (ذلك) صح. أشِرْ إلى اثنين مخاطبًا اثنين.
* طالب: ذلكان.
* الشيخ: ذانكما، (ذان) هذا المشار إليه، المخاطَب (كما)، ذانكما. أشِرْ إلى أنثى مخاطبًا ذكرًا.
* طالب: (ذلك).
* الشيخ: لا، ما يمكن أنت الآن جعلت المرأة ذكرًا.
* طالب: (تلك).
* الشيخ: (تلك) صحيح، إي نعم (تلك)؛ لأن الإشارة للأنثى بالتاء (تلك). أشِرْ إلى أنثى مخاطبًا أنثيين.
* طالب: (تلكما).
* الشيخ: (تلكما) طيب تمام. إذن الحمد لله فهمنا ما حاجة نستوعب كل الأمثلة، اسم الإشارة بحسب المشار إليه، الكاف بحسب المخاطب.
هنا ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اسم الإشارة بحسب المشار إليه؛ لأنك تشير إلى لفظ الجلالة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ واحد، ويخاطب جماعة ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأ، و﴿اللَّهُ﴾ عطف بيانٍ، ﴿رَبِّي﴾ خبر المبتدأ؛ يعني أن الرسول ﷺ يجب أن يعلن لهؤلاء أن الله تعالى ربه وأنه لا رب له سواه. وإنما قلنا: (وأنه لا رب له سواه)؛ لأن كلا من طرفي الجملة معرفة، وإذا كانت الجملة قد عُرِّفَ طرفاها دلَّت على الحصر.
لو سألنا سائل: بِمَ تعلقت الكلمة ﴿عَلَيْهِ﴾؟ قلنا: تعلَّقت بـ﴿تَوَكَّلْتُ﴾، بم تعلَّقت ﴿إِلَيْهِ﴾؟ قلنا: بـ﴿أُنِيبُ﴾. إذن العامل متأخِّر عن المعمول في ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وفي ﴿إِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، والقاعدة عند البلاغيين: أنه إذا تقدم ما حقُّه التأخير كان ذلك دليلًا على الحصر، فـ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ بمنزلة: ما توكلت إلا عليه، ﴿إِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ بمنزلة: لا أنيب إلا إليه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فوَّضْت أمري إلى الله تفويضًا كاملًا، والتوكل على الله ليس كالتوكل على البشر؛ التوكل على البشر بمعنى أنك تعمِّده أن يشتري لك شيئًا، وهذا تفويض خاصٌّ، وأيضًا تفويض تعتقد أنك أنت صاحب الشأن فيه، بمعنى لو شئت لعزلته وفسخت الوكالة، لكن توكلك على الله تفويض إلى الله في كل شيء، ولا يمكنك أن تفسخ الوكالة، حتى لو فسختها فالله عز وجل وكيل عليك.
وبهذا نعرف الفرق بين أن يقول القائل: (توكلت على فلان) يعني معناه أني وكَّلته و(توكلت على الله). هل (توكلت على الله) مثل (وكَّلت فلانًا)؟ لا، أبدًا، وإن اتفق اللفظان لكن يختلف المعنيان اختلافًا عظيمًا، لاحظوا يا جماعة: توكلت على فلان؛ أي: فوَّضْته بأمري، والأمر إليَّ أن شئت عزلته، لكن (توكلت على الله) فوَّضْت أمري إليه مستندًا إليه جل وعلا في تيسير أمري وتسهيله، وحينئذٍ لا نقول: إنَّ مَن توكل على شخص في شراء شيء يكون مشركًا بالله، لا نقول هكذا؛ لأنه يظهر الفرق العظيم بين توكُّلي على الشخص الذي وكَّلته أن يشتري حاجة وبين توكُّلي على الله؛ توكلي على الله تفويض واستعانة، لكن على الشخص فلا، استخدام في الواقع، توكيلي إيَّاه أو توكلي عليه في الوكالة عبارةٌ عن استخدام، ولهذا متى شئت قلْتُ: لا أتوكَّل عليه وأعزله، لكن بالنسبة للتوكل على الله ليس كذلك.
فما هو التوكل على الله؟ قلنا: تفويض الأمر إلى الله عز وجل تفويضًا تامًّا، وبعضهم يقول: صدق الاعتماد على الله في جلْبِ المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله عز وجل. يُفَسَّر هكذا.
وهل التوكل على الله عز وجل يعني إلغاء الأسباب؟ لا، ولهذا لو قيل لرجل: تزوج حتى يأتيك أولاد، قال: أنا متوكل على الله؛ يصلح ولا ما يصلح؟ ما يصلح؛ لأن الأولاد لا ينبتون بالسطح، افعل الأسباب وتوكَّل، وفي المثل: اعقِلْها -يعني الناقة- وتوكَّل، لا تطلِقِ الناقة وتقول: أنا متوكِّلٌ على الله، الناقة إذا أطلقتها ذهبت حيث شاءت، حتى لو قلت: متوكلٌ على الله، افعل الأسباب. لو أن إنسانًا قيل له: يا فلان ابتغِ الرزق، بعْ، اشتر، اعمل الأسباب التي تحصل بها المال، قال: أبدًا، أنا متوكل على الله. هل هو صادق؟ هذا توكل المتهاونين، إذا كنت صادقًا في التوكل على الله فاعمل السبب، ولكن لا تعتمد على السبب، اجعل السبب سببًا، والمدبِّر هو الله عز وجل.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجِعُ إلى الله تعالى في عباداتي وفي جميع أحوالي.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الشورى ٨] * في هذه الآية فوائد؛ * منها: الرد على القدرية الذين ينفون القدر ويقولون: إن الإنسان مستقلٌّ بعمله.
لأنكم تعلمون -كما درسْتُم أو بعضُكم في العقيدة- أن الناس انقسموا بالنسبة لأفعال العبد إلى ثلاثة أقسام: قسم يقولون: إن العبد لا اختيار له، ولا إرادة، ولا مشيئة، وأنه يفعل الفعل الاختياري كالفعل الإجباري، وهؤلاء هم الجبرية، وهم الجهمية، الجهمية جبرية بالنسبة لأفعال العبد، فحركة الإنسان الاختيارية -كقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه واستيقاظه- مُجبر عليها، فهو في هذه الحركات كالمريض الذي يرتعش من الحرارة بغير اختياره. وهؤلاء ضالون؛ لأنه -على قاعدتهم- يكون الله عز وجل إذا عذَّب الإنسان المخالف يكون ظالمًا له؛ لأنه ليس يختار، هم يرون أن الظلم في حق الله محال مستحيلٌ؛ لأن الظلم تصرف الفاعل في غير ملكه، والله عز وجل له ملك السماوات والأرض، ولهذا كان الظلم عندهم مستحيلًا. هذه طائفة.
وطائفة أخرى يقولون: الإنسان مستقلٌّ بعمله يفعل ما يشاء، ولا علاقة لله تعالى في عمله، وهؤلاء هم القدرية الذين سمَّاهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة[[أخرج أبو داود (٤٦٩١) عن النبي ﷺ قال: «القدرية مجوس هذه الأمة؛ إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». ]]؛ لأن هؤلاء يقولون: الحوادث الكونية لها خالقان: حوادث العباد هم يخلقونها، وحوادث الكون يخلقها الله عز وجل، فجعلوا للحوادث خالقين كما أن المجوس جعلوا للحوادث خالقين، ولهذا سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة.
وعلى رأيهم يكون في ملك الله ما لا يشاؤه الله، إن الله له ملك السماوات والأرض، فإذا كانت أفعال العباد بغير مشيئة الله وإرادته صار في ملكه ما لا يشاؤه. وهؤلاء ضالون غالطون؛ لأنه كيف يكون الله هو الخالق للعبد ونقول: العبد مستقلٌّ عن الله، ولا لله فيه دخل ولا شيء.
أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإنسان يفعل باختياره وإرادته، والقرآن دلَّ على ذلك: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء ١٩] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود ١٥] ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، يقولون: الإنسان له إرادة واختيار، ويفرق بين الفعل الاختياري والفعل الإجباري ولا شك، الإنسان يقوم ويقعد ويأكل ويشرب وينام ويستيقظ، كل ذلك لا يشعر أن أحدًا يجبره عليه، ولكن مع هذا هذا الفعلُ وهذه الإرادة مخلوقة لله عز وجل، كيف تكون مخلوقة لله؟ لأن الإنسان نفْسَه مخلوقٌ لله، فإراداته التي تكون في نفسه وأفعاله التي تكون في جوارحه تكون مخلوقة؛ لأن أوصاف المخلوق وأفعال المخلوق مخلوقة كما أن أوصاف الخالق غير مخلوقة، ولهذا نقول: القرآن غير مخلوق؛ لأنه كلام الله.
إذن أهل السنة والجماعة -والحمد لله- هداهم الله للحق، فكانوا وسطًا بين متطرِّفين.
الآية الكريمة ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ترد على مَن؟ القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقلٌّ بعمله، على رأيهم لا يستطيع الله عز وجل أن يهدي الناس جميعًا أو يضلهم جميعًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من حكمة الله عز وجل أن ينقسم الناس إلى مؤمن وكافر، من قوله: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾؛ لأنه لا يمكن أن تظهر أثر الرحمة إلا إذا انقسم الناس إلى مرحوم وغيرِ مرحوم، فكان من حكمة الله عز وجل أن اختلف الناس، نحن نعلم لولا اختلاف الناس لم يتميز مؤمن من كافر، لولا اختلاف الناس ما قام جهاد، ولا قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن فائدة في خلق الجنة والنار، إلى غير ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرحمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾. واعلم أن الرحمة نوعان: مخلوقة، وغير مخلوقة؛ فغير المخلوقة فهي رحمة الله التي هي وصفه؛ لأن جميع صفات الله غير مخلوقة، وأما المخلوقة فهي الشيء البائن عن الله الذي كان من آثار رحمته التي هي وصفه، قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، هذه مخلوقة ولَّا غير مخلوقة؟ مخلوقة، (في) للظرفية، ولا يمكن أن تكون رحمة الله التي هي وصفه ظرفًا لهؤلاء الذين آمنوا، إذن ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ أي: المخلوقة. ما هي رحمة الله المخلوقة؟ هي الجنة؛ لقوله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦/٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨]، ما المراد بالرحمة هنا الصفة أو المخلوقة؟ الصفة.
إذن من صفات الله تعالى الرحمة. والعجب من قوم يدَّعون أنهم منزهون لله يقولون: إن الله لا يوصف بالرحمة! نسأل الله ألا يزيغ قلوبنا، يقولون: إن الله لا يوصف بالرحمة؛ لأن الرحمة انفعال وانكسار، كما ترحم الصبي، ترحم اليتيم، والله عز وجل مُنزَّه عن ذلك. طيب ماذا نفعل بالآيات التي لا تُحْصَى المثبتة لرحمة الله؟ قالوا: فسِّرِ الرحمة بالإنعام، فيفسرونها بالرحمة المخلوقة، أو فسِّرِ الرحمة بإرادة الإنعام، فيفسرونها بالإرادة، وهؤلاء الأشاعرة، لأنهم يُقِرون بالإرادة على أنها صفة لله.
وسبحان الله! حجتهم في هذا يقولون: الإرادة دلَّ عليها العقل والرحمة ما دلَّ عليها العقل، بل دلَّ العقل على خلافها. فنقول لهم: ما هو العقل الذي دَلَّ على الإرادة؟ قالوا: العقل الذي دَلَّ على الإرادة التخصيص؛ تخصيص المخلوقات، الجمل له صورة معيَّنةٌ، الشاة لها صورة معينة، بنو آدم لهم صورٌ معينة، فكونه يجعل البعير على هذه الصفة، والشاة على هذه الصفة، وبني آدم على هذه الصفة، تدل على الإرادة.
طيب الرحمة، هناك أدلة عقلية على الرحمة أكثر دلالة من دلالة التخصيص على الإرادة، كل ما في الكون من النعم ويش يدل عليه؟ يدل على الرحمة، ولهذا العامي إذا أمطرت السماء قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، فدلالة هذه الأشياء على الرحمة أقوى من دلالة التخصيص على الإرادة، فنحن نؤمن بأن لله رحمة.
فإذا قال: إن الرحمة انكسار وانفعال، قلنا: هذا بالنسبة لرحمة المخلوق، أما رحمة الخالق فهي تليق به عز وجل، ما فيه انكسار ولا فيها نقص ولا فيها عيب.
أرأيتم الغضب؟ الغضب انفعال يحدث للإنسان حتى يفقد أعصابه ويتصرف تصرف المجانين، حتى ربما كسَّر ماله، وضرب أولاده، وطلق زوجته، وربما يؤدي إلى أن يرمي بنفسه في الماء، الغضب؛ لأنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يفور دمه، هل نقول: إن غضب الله كغضب الإنسان؟ أبدًا، حاشا، إن غضب الله صفة تليق به تدل على كمال سلطانه وقدرته على الانتقام، لكنها لا يمكن أن ينتج عنها سوء تصرف أبدًا، بخلاف غضب المخلوق.
المهم أن نقول: هناك قوم أنكروا رحمة الله، وبماذا فسروا الرحمة؟ بواحد من أمرين: إما الإنعام، أو إرادة الإنعام. وهذا لا شك من ضلالهم وبدعهم، وإرجاعهم أمور الغيب إلى ما تقتضيه عقولهم القاصرة، والحقيقة أن هذه العقول ليست عقولًا بل هي أوهام، وإلا فنحن نعلم علم اليقين أن ما جاءت به الشريعة لا يمكن أن يخالف صريح المعقول أبدًا؛ صحيح المنقول لا يخالف صريح المعقول أبدًا، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاب مجلدات في بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، ويُسَمَّى درء تعارض العقل والنقل.
* من فوائد الآية الكريمة: سوء عاقبة الظلم؛ لقوله: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، حتى أولياؤهم في الدنيا لا ينفعونهم في الآخرة، ليس لهم وليٌّ يتولاهم، ولا نصير يدفع عنهم الأذى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القائم بالعدل له ناصر وولي، تُؤْخَذ من مفهوم المخالفة؛ إذا كان الظالم لا ولي له ولا نصير فمن قام بالعدل فله ولي ونصير.
* من فوائد الآية: الإنكار على الذين اتخذوا من دون الله أولياء؛ لأن (أم) هنا بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام الإنكارية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء طلبوا شيئًا من غير محله؛ لقوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾، فهو الذي ينبغي أن يُتَّخَذ وليًّا عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الولاية لله؛ لقوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾. وهل هي عامة أو لا؟ الجلالين مشى على أنها خاصة قال: (ولي المؤمنين)، والصحيح أنها في هذه الآية عامة، الله ولي كل أحد، فإن الله تعالى وليٌّ للكافرين يرزقهم ويعافيهم ويدفع عنهم السوء ويتولاهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦١، ٦٢]، لكننا نقول: الولاية قسمان عامة وخاصة، كما بيَّناه في التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ولاية لأحدٍ دون الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿هُوَ﴾؛ لأن (هو) ضمير فصل يفيد الحصر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل على أمْرٍ لا أحد يدعيه، ومن ادعاه كذَّبه الواقع؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾، هذه الجملة لا أحد يدعيها أبدًا، ولو ادعاها فهو كاذب.
فإن قال قائل: أليس يُؤْتَى بالرجل يستحق القتل، فيأمر السلطان ألا يقتل، أليس هذا إحياء؟
الجواب: لا يمكن أن يكون إحياء، ولكنه استبقاءُ حياةٍ؛ لأن الحياة سابقة، هو لم يجعل في هذا حياة فيبقى، ولكنه استبقى حياة موجودة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة ٣٢].. ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فأثبت الإحياء للإنسان؟
الجواب: أحياهم بإبقاء حياتهم؛ يعني من رفع القتل عن إنسان ودافع عن شخص يقتل فهو كأنما أحيا الناس جميعًا، وإلا من المعلوم أنه لا أحد يستطيع أن ينفخ الروح في ميت.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم قدرة الله تبارك وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: الحث -أعني حثَّ الإنسان- على أن يدعو الله بكل ما أراد ما لم يعتَدِ في الدعاء، انتبه يا أخي هذه فائدة تربوية، أن تدعوَ الله بكل شيء إلا ما حرَّم الله عليك الدعاء به؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فإنك إذا دعوت الله عز وجل بأي شيء لا تيأس، لا تقول: هذا لا يمكن، إلا ما كان عدوانًا واعتداءً فلا يجوز.
وهذا يفتح للإنسان باب الرجاء وباب دعاء الله واللجوء إليه، لو كان عندك مريض مُدْنفٌ أَيِسْت منه، فقلت: والله ما أقدر أدعو الله عزَّ وجل لأن الرجل وصَلَ إلى حالةٍ خطيرةٍ، فهذا لا شك غلط؛ لأن الله على كل شيء قدير، فادعُ الله.
إنسان تقطعت به الأسباب، طلب الرزق في البيع والشراء فخسر، طلب الرزق في التقديم للوظيفة فلم ينجح، وهكذا، قال: إذن خلاص ما حاجة أدعو. ماذا نقول له؟ نقول: هذا خطأ وغلط، ادعَ الله؛ فالله على كل شيء قدير، كم من إنسان دعوا له الغاسل، واشتروا له الكفن، وقرَّبوا له النعش، وتهيَّأ أصحابه لتشييعه، ثم يعافيه الله عز وجل؛ لأن الله على كل شيء قدير.
إذن متى آمنت بأن الله على كل شيء قدير فلا تستصعب شيئًا على قدرة الله، اسأل كل شيء ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم، ولا تيأس، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، هذه الجملة كما قلت لكم- تفيد أن الإنسان لا ييأس من رحمة الله عز وجل، وأن يدعوَ الله تعالى بكل ما أراد ما لم يكن إثمًا أو قطيعة رحم.
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلى آخره، في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: أنه لا بد أن يكون اختلاف بين الناس، وهذا هو الواقع؛ يعني لا يمكن أن ترفع الاختلاف بين الناس لا بد أن يختلفوا، وسبب الاختلاف كثير، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وهو كتاب مختصر نافع، لخَّصناه وزدنا عليه بعض الشيء، وذكرنا الأمثلة التطبيقية على القواعد التي ذكرها رحمه الله في كتابنا رسالة صغير اسمها اختلاف العلماء وموقفنا نحوه، أو نحو هذا المعنى، وهو مفيد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الواجب عند الاختلاف الرجوع إلى حكم الله؛ لقول الله تعالى: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حكمه إلى الله في الدنيا والآخرة؛ لعموم قوله: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. وأما من خَصَّ ذلك في الآخرة فغلط، حتى في أمور الدنيا نرجع إلى حكم الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء ٥٩].
* ومن فوائدها: تحريم الرجوع إلى القوانين البشرية عند الاختلاف؛ لقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى غيره.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن قول الصحابي حُجَّة؟
فالجواب: بلى، على خلاف في هذا، المسألة ما هي إجماعية، لكن على القول بأن فقهاء الصحابة أقوالهم حجة، قلنا: بلى، نقول بذلك لكننا مستندون إلى قول الرسول ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي»[[أخرجه أبو داود (٩٦)، والطبراني في الكبير واللفظ له (٢٤٦) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.]]؛ لأن الصحيح أن (الخلفاء الراشدين) مُعلَّقة بأوصاف لا بأعيان؛ يعني ليس الخلفاء الراشدون هم الأربعة، بل كل من خلف النبي ﷺ في أمته علمًا ودعوةً وتعليمًا هذا خليفة راشد، أرشدُ من خلَفَ النبي ﷺ هم الصحابة رجوعًا إلى حكم الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إعلان النبي ﷺ بالإخلاص والتوحيد؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: ذلكم الذي يُرْجَعُ إلى حكمه هو الله ربي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من هدي النبي ﷺ التوكل على الله وحده؛ لقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾. لكن كلمة (وحده) من أين أخذناها؟ من الحصر الذي طريقه تقديم ما حقه التأخير.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن من هدي الرسول ﷺ الإنابة إلى الله تعالى وحده؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وإذا كان هذا من هدي الرسول ﷺ وجب علينا أن نأخذ به؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب ٢١].
* طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة ٤٨]، (...) هل من الاعتداء في الدعاء أن يدعو الإنسان بهداية جميع الناس مؤمنهم وكافرهم؟
* الشيخ: لا، ليس من الاعتداء؛ لأن الناس في عصرك ماذا يمثلون بالنسبة للبشر كلهم؟ قليل، فليس من الاعتداء في الدعاء.
* طالب: بالنسبة للساحر وأنه (...)؟
* الشيخ: هل الساحر يحيي ويميت؟
* الطالب: كيف يرد عليه؟
* الشيخ: نقول: ليس يحيي ولا يميت.
* الطالب: تخييل يعني.
* الشيخ: يعني إن خيَّل للناس أن الميت تحرك فهو لم يتحرك حقيقة، ولهذا لو جاء أحد لم يدرك الساحر الذي غشى به أعين الناس لأدركه ميتًا لا يتحرك.
* طالب: (...).
* الشيخ: نحن قلنا: صفة حقيقية هنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، إثبات الرحمة لله، ثم قسمناها نحن، ما قسمناها باعتبار الآية هذه، قسمنا الرحمة عمومًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ما معنى الآية؟ الاختلاف في أمور الدين يرجع إلى الله. إذن في أمور الدين والدنيا فحكمه إلى الله تعالى، طيب.
هل يؤخذ من هذا تحريم الحكم بالقوانين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كانت هذه القوانين تخالف الشريعة فإنه يحرم الرجوع إليها.
طيب لو اضطر الإنسان إلى التحاكم إلى القوانين الوضعية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التحاكم أصل التحاكم؛ يعني إذا كان قصده الوصول إلى حقه فهذا جائز، أما إذا كان قصده التحاكم إليهم بمعنى أن حكمهم هو النافذ فهذا لا يجوز، طيب.
على الوجه الأول ما وجه الجواز؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني كأنه جعلهم بمنزلة الشُّرط الذين يستنقذون حقه، لا على أنهم حكام، على أنه يتوصل إلى حقه بهم، طيب.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ فيها حصر أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما طريقه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تقديم ما حقه التأخير، هذا التعليل بالأعم أحسن؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، طيب.
ما معنى التوكل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تفويض الأمر إلى الله تعالى تفويضًا كاملًا على أنك أنت مفتقر إلى الله عز وجل طيب.
ما الفرق بين التوكل على الله وعلى الإنسان؟
* طالب: (...).
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: تمام، التوكل على الإنسان يعني استخدامه في حاجة توكله عليها، وفي هذه الحال تعتقد أنك أنت فوقه، ولهذا لو شئت لفسخت الوكالة، لكن التوكل على الله تعتمد على الله عز وجل مفوضًا الأمر إليه على أنه هو الفاعل كما يشاء.
الشورى 42:11
ثم قال الله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿فَاطِرُ﴾ خبرُ مبتدأٍ محذوف، والتقدير: هو فاطر، وإنما قلنا هذا لأن اللغة العربية لا يمكن أن يتركب فيها كلام إلا من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل أو ما ينوب مناب الفعل، ﴿فَاطِرُ﴾ أي: هو فاطر، والفاطر بمعنى الخالق على غير مثال سبَقَ، فهو بمعنى بديع السماوات. والسماوات والأرض معروفتان، السماوات هي هذه السماوات السبع التي أخبرنا الله عنها وبيَّن أنها سبع شداد، وبيَّن أنه سبحانه وتعالى بناها بأيد، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة، وليس المراد بالأيد في هذه الآية يدَ الله عز وجل؛ لأن الله لم يضفها إلى نفسه لم يقل: بأيدينا، قال: ﴿بِأَيْدٍ﴾ و(أيد) مصدر: آد يئيد؛ إذا قوي، فهو كقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ ١٢]، هذه السبع الشداد إذا كان يوم القيامة فقد قال الله عنها: إنها تكون واهية، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٦] أي: ضعيفة.
أما الأرض فهي أرضنا المعروفة، و(السماوات) مجموعة لأنها سبع، و(الأرض) مفردة يُراد بها الجنس، وقد بيَّن الله عز وجل في سورة الطلاق أنها سبعٌ، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فقال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، ومن المعلوم أن المماثلة هنا ليست مماثلة في الذات؛ إذ إنَّ بين السماوات والأرض بونًا شاسعًا، لكن المراد مثلهن في العدد، ويؤيد ذلك ما جاءت به السنة فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٩٨)، ومسلم واللفظ له (١٦١٠/١٣٧) من حديث عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه ولفظه: «من اقتطع شبرًا من الأرض ظلمًا طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين». ]].
يقول المفسر: (﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما) يريد أن يفسِّر ﴿فَاطِرُ﴾ بمعنى مُبْدعٍ، ولكننا فسرناها بمعنى بديع، وتفسيرنا لا ينافي تفسيره، المعنى واحد، لكن مطابقة اللفظ لما جاء به القرآن أولى، والذي جاء في القرآن بديع ولَّا مبدع؟ بديعٌ.
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: صيَّرَ لكم من أنفسكم أزواجًا، قال الشارح: (حيث خلق حواء من ضلع آدم) فكأنه يميل رحمه الله إلى أن المراد بالأزواج هنا حواء، ولكن هذا غير صحيح، بل جعل لنا من أنفسنا أزواجًا؛ يعني نساء مشاكلات لنا، لم تكن الأنثى بعيدة عن شكل الرجل؛ لأنها لو كانت بعيدة عن شكل الرجل ما ألِفَها ولا جعل الله بينهم مودة ورحمة.
وقوله إذن: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم، وليس المراد من نفس الإنسان جعل له زوجة، لا، لو كانت من نفسه لم تكن زوجة؛ لأنها تكون بنته، لكن المراد ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١].
وجعل لكم أيضًا ﴿مِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾، الأنعامُ جمع نَعَمٍ كبهيمة الأنعام، ﴿أَزْوَاجًا﴾ أي ذكورًا وإناثًا من أجل الإنتاج والتنمية وغير ذلك من المصالح.
(﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ بالمعجمة يخلقكم) ويش معنى المعجمة؟ هل في القرآن شيء عجميٌّ؟ لا، لكن يعبِّرون عن المنقوط بأنه مُعْجم من باب تسمية الشيء بضده، وإلا فهو مُعْرَب في الواقع؛ لأنه لولا هذه النقط -مثلًا- لأشكل ولم يُفْهَم المعنى، إذا المُعْجَم المنقط، وسُمِّيَ بذلك من باب تسمية الشيء بضده، كما يسمون التعبُّد بالتحنث، كما في حديث بدء الوحي يتحنَّث فيه؛ أي يتعبد[[حديث بدء الوحي متفق عليه؛ البخاري (٣) ومسلم (١٦٠/٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]].
طيب، المعجمة ضدها المهملة؛ الشين ضد السين، الذال معجمة ضد الدال. أما الحركات فيسمونها مثلثة أو بالوجهين، أو ما أشبه ذلك. وأحيانًا يقولون: إذا كانت الكلمتان المشتبهتان كلتاهما معجمة قالوا: بالمثلثة؛ مثل التاء والثاء، لو قالوا: معجمة ما زال الإشكال ولكن يقولون: بالمثلثة. الطاء والظاء يقولون: بالظاء المُشالة يعني اللي فيها ألف، احترازا من الضاد؛ لأنها غير مشالة. المهم اصطلاحات معروفة عند العلماء.
وقوله: (يخلقكم) فسَّر (يذرأ) بيخلق، وهو تفسير ناقصٌ؛ لأن (يذرأ) لها معنًى زائد على الخلق وهو البَثُّ والانتشار، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة ١٦٤]، فالذرء أخص من الخلق، فمعنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ إذن: يبثكم وينشركم.
(﴿فِيهِ﴾ أي: الجعل المذكور) ثم قال: (أي يُكثِّركم بسببه). شوف فسَّر أولًا ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ بيخلقكم ثم قال: (أي يُكثِّركم)، والتفسير الثاني هو الأصح؛ التكثير والبث والنشر بالتوالد، قال: (والضمير للأناسي والأنعام للتغليب) ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يقول: (إن الضمير) وهو الكاف والميم (للأناسي والأنعام)، الأناسي يعني البشر، والأنعام البهائم، (للتغليب) كيف للتغليب؟ لأن الضمير هنا جاء ضمير العاقل، والأنعام لا يأتي لها ضمير العاقل؛ لأنها غير عاقلة، لكن جاء ذلك للتغليب، لما كان الذرء للإنسان والبهائم قال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ولم يقل: يذرؤكنَّ.
إذن -يا إخوان- انتبهوا أن التغليب قد يكون بتغيير الاسم، قد يكون بالضمير، وما أشبه ذلك. القمران للشمس والقمر؛ تغليب بتغيير الاسم؛ لأن القمران لو فكيتها عن التثنية لكانت (قمر وقمر) وليس كذلك، المراد قمر وشمس، فهنا بتغيير الاسم.
الضمير في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يعود على ما سبق ذكره من بهائم وأَناسي على سبيل التغليب، لولا التغليب لوجب أن يكون الضمير ضمير المؤنث للبهائم، وضمير مذكر للأَناسي.
قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (﴿السَّمِيعُ﴾ لما يقال، ﴿الْبَصِيرُ﴾ لما يُفْعَل) جل وعلا، قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ الكاف زائدة؛ لأنه تعالى لا مثل له، وزيادة الكاف ليس غريبًا، تأتي دائمًا زائدة، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله في الألفية التي ينبغي لطالب النحو ألَّا يترك حفظها: (شبِّه بكاف) هذا تشبيه، (وبها التعليل قد يُعْنَى) أي: قد يُراد بها التعليل، (وزائدًا لتوكيدٍ ورد) يعني: وقد تأتي زائدة.
في هذه الآية الكاف زائدة، بمعنى أنها لو حُذِفَت لاستقام الكلام، لو قيل: (ليس مثله شيء) يستقيم الكلام أو لا؟ يستقيم الكلام لا شك، لكن لماذا جاءت الكاف؟ جاءت الكاف للتوكيد، كأنه نفى المثْلَ مرتين: ليس كهو، ليس مثله، فالزيادة هنا فيها زيادة معنًى، وهو كأنه نفى المثلية مرَّتين؛ مرة عن طريق الكاف، ومرة عن طريق (مثل).
وبعضهم يقول: إن الزائد (مثل) وإن التقدير: ليس كهو شيء. لكن هذا قول ضعيف؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن تكون الزيادة حرفًا أو اسمًا فالواجب أن تكون الزيادة حرفًا؛ لأنه لم يأت في اللغة العربية زيادة الأسماء، ولأن الحرف معناه في غيره فمجيئه زائدًا ليس بغريب، والاسم يدل على معنًى في نفسه فإتيانه زائدًا بعيد.
إذن عندنا قولان: الأول: أن الكاف زائدة. وهذا سهل، وجرى في اللغة العربية مثله، وتكون الزيادة هنا للتوكيد. وبعضهم قال: الزاد (مثل)، وهو قول ضعيف.
بعضهم يقول: إن المثل هنا بمعنى الصفة؛ يعني: ليس كصفته شيء، و(المِثل) تأتي بمعنى الصفة، مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد ٣٥]؛ أي: صفتها.
وهذا أيضًا ضعيف؛ لأننا نقول: إن الله ليس مثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته.
بعضهم يقول: إن هذا على سبيل المبالغة؛ يعني إذا لم يكن لمثله مِثلٌ لو فُرِضَ أن له مِثْلًا، فمن باب أَوْلى ألَّا يكون له هو مثل، وأن هذا مما جرى على لسان العرب للمبالغة في الوصف، وأنشدوا على ذلك:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ .......................
من المبالغة؛ يعني هذا لا نظير له إطلاقًا.
وهذا الأخير والأول هما أقرب الأقوال في إعراب هذه الجملة، لكن من حيث المعنى والاعتقاد نؤمن بأن الله تعالى ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ليس كمثله شيء في كل شيء، يجب علينا أن نؤمن بهذا، فذاته مخالفة لجميع الذوات، نحن نرى الذوات مختلفة؛ الإنسان مركب من عظمٍ ولحمٍ وعصبٍ ودمٍ، هناك أشياء مركبةٌ من جواهر أخرى، الرب عز وجل مباين لكل شيء موجود في الكون في ذاته، لا تقل مثلًا: إنه مثل الذهب، مثل الفضة، وما أشبه ذلك، لا، ولهذا لما قال المشركون للرسول: يا محمد، هل ربك من ذهب أو من فضة أو من كذا أو من كذا؟ أنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤][[ذكر البغوي في تفسيره (٥/٣٢٩) عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي ﷺ فقال عامر: إلام تدعونا يا محمد؟ قال: «إلى الله»، قال: صفه لنا أمن ذهب هو، أم من فضة، أم من حديد، أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة. فأهلك الله أربد بالصاعقة وعامر بن الطفيل بالطاعون.]]. فلا تتصور ذات الرب عز وجل أبدًا؛ لأنك مهما تصورت على أي شيء تتصوره؟ لا مثيل له ولا نظير له.
كذلك في صفاته ليس له مثيل، ليس له نظير في أي صفة من صفاته.
ولنأخذ العلم؛ العلم من صفات الله عز وجل، هل له نظير في هذه الصفة؟ لا نظير له في هذه الصفة أبدًا، علم كل ذي علمٍ محدود، أعلَمُ الناس علمُه محدود، أليس كذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ﴾ [لقمان ٣٤]، أنت بنفسك لا تدري ما تكسب غدًا، قد تقدِّر أنك ستعمل كذا وكذا ولكن لا تعمل؛ إما لصرف الهمة، أو لمانعٍ خارجي.
كلنا نقدِّر أن غدًا سنفعل كذا وكذا لكن ما نفعل، ولا ندري ما يكون، قد يصرف الله همَّتنا عن هذا الفعل، أو توجد موانع خارجية من مرض أو سفر أو حيلولة بيننا وبين مرادنا، ما ندري عنه.
أيضًا علمك محدود بالمشاهدة، الغائب لا تفكر أن عندك علمًا منه حتى في المشاهد علمُك ناقص، الإنسان لا يعلم ماذا يفعل ولده في بيته ولا أهله في بيته.
بل أشد من هذا وأضعف في العلم أنك لا تعلم عن نفسك، سبحان الله! روحُك التي بها حياتك وهي في جسمك ما تدري عنها، لما سألوا النبي ﷺ عن الروح أنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء ٨٥]، ثم وبَّخهم على هذا السؤال فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، كأنه يقول سبحانه وتعالى: تسألون عن الروح وأنتم ما أحطتم بالأشياء، ما علمتم عن الأشياء إلا قليلًا، ما بقي عليكم إلا علم الروح حتى تسألوا عنها؟! فإذا كان الإنسان لا يعلم روحه التي بين جنبيه وبها حياته فهو دليل على نقصان العلم.
علم الله عز وجل، اسمع ماذا يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦]، كل إنسان كل حيوان فالله عز وجل يعلم ما في نفسه، هل علم المخلوق مثل هذا؟
في القدرة، القدرة ليس أحد، بل لو اجتمع الخلق كلهم بقدرهم ما ساووا شيئًا من قدرة الله؛ فإن الله عز وجل على كل شيء قدير، اسمع قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس ٥٣] يعني: البعث صيحة واحدة يصيح الله بهم، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ كلهم في أقطار الدنيا، ولو في الغابات والكهوف وأعماق البحار كلهم يأتون في آن واحد، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾. هذه القدرة هل يمكن أن يشابهها أو يماثلها قدرة؟ لا يمكن أبدًا، لذلك نقول: إن الله ليس كمثله شيء.
واعلم أن هذه الآية استدلَّ بها المعطِّلة والممثِّلة وأهل السنة، كل الثلاثة؛ الممثلة قالوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات يدل على المماثلة؛ لأن الله سبحانه وتعالى -هذه شبهتهم- خاطبنا بالقرآن، والقرآن جعله الله بلسان عربي من أجل أن نعقل ونفهم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف ٣]، قالوا: فإذا خاطبنا الله بشيء مما وصف به نفسه وجب أن نحمله على ما نفهم، ونحن لا نفهم إلا ما نحس به، فيجب أن تُحْمَلُ كل صفة لله على ما كان معلومًا، ولذلك قالوا: إن الله تعالى مثل خلقه. نسأل الله العافية، والله لو كان مثلنا ما عبدناه، ولا يمكن أن يعبد الإنسان مثله، لكن هم بعقولهم الضالة قالوا: يلزم مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات أن تكون مثل صفاتنا، والشبهة أن الله خاطبنا بما نفهم ونعقل، ونحن لا نفهم إلا ما نشاهد، فإذا خاطبنا عن شيء غائب وجب أن نحمله على المعلوم عندنا.
المعطِّلة استدلوا بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقالوا: كل صفة أثبتها الله لنفسه فإنها تدل على التمثيل، فيجب أن تكون منفيةً، واللي فتح لهم الباب هم الممثلة يقولون: كل صفة أثبتها الله لنفسه فإنها تستلزم التمثل، والتمثيل ممتنع، إذن يجب أن تمتنع كل صفة.
مثال ذلك يقولون: إن الله عز وجل لم يستوِ على العرش الاستواء الحقيقي؛ لأنه لو استوى على العرش لكان جسمًا، فيكون مماثلًا للمخلوق، فتصوروا الآن، هم تصوروا أن استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على الأنعام، فلمَّا فهموا هذا الفَهم أنكروا الاستواء، الإنسان يستوي على البعير كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٢، ١٣]، هم فهموا أن استواء الله على العرش كاستواء الإنسان على البعير؛ على الأنعام، وقالوا: هذا تمثيل، والتمثيل مستحيل على الله، فيجب إنكاره.
وهذا قول المعتزلة والجهمية ومن ضاهاهم، نفوا كل صفةٍ للهِ، وقالوا: لا يمكن أن نصف الله بشيء، الحُجَّة أن الإثبات يستلزم التمثيل، والله عز وجل قد نفى أن يكون له مِثْلٌ، وأيضًا المماثلة مستحيلة عقلًا، فيكون دل العقل على زعمهم، دل العقل والشرع على أن الله ليس له مثيل، فيجب أن ننفي جميع الصفات، فهؤلاء حقيقة أمرهم أنهم مثَّلوا أولًا ثم عطلوا ثانيًا؛ مثَّلوا أولًا حيث اعتقدوا أن الأدلة تدل على التمثيل، وهذا اعتقاد فاسد، ثم بعد ذلك عطَّلوا وأنكروا.
ولكن هذه الشبهة دفعها يسير، نقول لهم: هل تثبتون لله وجودًا؟ إما أن يقولوا: لا، وإما أن يقولوا: نعم، أليس كذلك؟ ما يمكن يحيصون، إما أن يقولوا: نعم، أو يقولوا: لا. فإذا أثبتوا لله وجودًا، نقول: هل هو وجود حقيقي أو وهمي؟ إن قالوا: وهمي، كفروا ما فيه إشكال، وإن قالوا: حقيقي، قلنا: طيب هل تثبتون لأنفسكم وجودًا؟ إما أن يقولوا: نعم، أو يقولوا: لا. إن قالوا: لا، قلنا: لا نخاطب أشباحًا بلا شيء، لكن لن يقولوا: لا، يقولون: نعم نثبت لأنفسنا وجودًا، نقول: إذن يلزمكم التمثيل؛ لأنكم أثبتم لله تعالى صفة هي ثابتة للمخلوق، فيلزمكم التمثيل. شوف الباطل لا بد أن يندحر.
لكن انفك قوم عن هذا الإلزام من الغلاة قالوا: لا نقول: إن الله موجود، أعوذ بالله تعبدون من؟ قالوا: لا نقول: إن الله موجود، قلنا: معدوم، إذا قلتم: غير موجود لزم أن تقولوا: إنه معدوم، إن قلتم: إنه معدوم مثَّلتم؛ لأن الموجود من الخلق يكون معدومًا قبل وجوده وبعد وجوده؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان ١]، وهذا حقيقة، الواحد منا قبل ولادته بسنتين ليس بشيء معدوم، فإن قلتم: إن الله معدوم شبَّهتم ومثَّلتم على قاعدتكم، قالوا: إذن نقول: لا موجود ولا معدوم، أعوذ بالله! لا موجود ولا معدوم، نقول: الله أكبر، هل يمكن أن يكون الشيء لا موجودًا ولا معدومًا؟ كل شيء فهو إما موجود أو معدوم؛ لأن تقابل الوجود والعدم تقابل تناقض، والمتناقضان لا بد من وجود أحدهما، لا يمكن أن يجتمعا ولا أن يمتنعا. فإذا قالوا: لا موجود ولا معدوم، نقول: شبهتموه الآن بالمستحيلات والممتنعات، فأهل الباطل لا مفرَّ لهم من لوازمه الباطلة.
تكايس قوم وقالوا: نحن لا نقول: إنه لا يتصف بصفةٍ لكننا نصفه بما نحكم به عليه ولا يحكم به على نفسه، انتبهْ، قالوا: لا ننكر الصفات، لكن نصفه بما نحكم به عليه لا بما يحكم به على نفسه، وهؤلاء المتكايسون هم الأشعرية، أثبتوا من الصفات سبعًا وأنكروا الباقي؛ فأثبتوا الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام، وأنكروا الباقي، قالوا: لا نثبت من الصفات على وجه الحقيقة إلا هذه الصفات السبع، فهذه ثابتة حقيقة، على اختلاف بينهم وبين أهل السنة في بعضها، الكلام عندهم غير الكلام عند أهل السنة، والباقي لا نثبته. أيش تعملون به؟ قالوا لنا: فيه طريقان: إما التفويض بأن نقول: لا ندري ما معناه، وإما التأويل الذي يسمونه تأويلًا وهو في الحقيقة تحريف. والأشاعرة هم أكثر الناس انتشارًا في البلاد الإسلامية، ولهذا يجب أن نعرف مذهبهم تمامًا، ونعرف الرد عليهم حتى يتقلص هذا المدُّ أو يزول بالكلية. ونسأل الله تعالى أن يزيله إلى الحق، نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
والأشاعرة هم أكثر الناس انتشارًا في البلاد الإسلامية، ولهذا يجب أن نعرف مذهبهم تمامًا، ونعرف الرد عليهم، حتى يتقلص هذا المد أو يزول بالكلية، ونسأل الله تعالى أن يزيله إلى الحق.
يقولون: نثبت هذه الصفات السبع، وغيرها لا، ولذلك يقولون في استعمالهم للنصوص: ما سوى هذا إما أن نُفَوِّضه ونقول: لا ندري معناه، وإما أن نؤوله، ونحن نسمي تأويلهم تحريفًا؛ لأن التأويل الذي لا دليل عليه تحريف، وفي ذلك يقول ناظم عقيدتهم:
وَكُلُّ نَصٍّ أَوْهَمَ التَّشْبِيهَا ∗∗∗ أَوِّلْهُ أَوْ فَوِّضْ تَرُمْ تَنْزِيهَا
والله عجيب! إن فَوَّضْنَاه أو أَوَّلْنَاه بمعنى التحريف فإننا لم نَرُم التنزيه، بل وقعنا في العيب، وجهه لأنا إذا قلنا: لا نعلم هذا المعنى، فهذا يعني أن الله أنزل علينا كتابًا مجهولًا لا يُدْرَى ويش معناه، وليته لا يدرى ويش معناه في أمور تتعلق بفعل العبد كالصلاة والطهارة، في العقيدة، وإن حَرَّفْنَاه وقعنا أيضًا في بلاء، في اتهام الله عز وجل أنه لم يُبَيِّن لعباده إلا ما كان خلاف الحق، وكلاهما شيء كبير، حتى إن شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: إن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد، وأنه هو الذي فتح للفلاسفة القَدْح في الدين، وقالوا: إذا كنتم لا تعرفون المعنى وأنتم عجم بالنسبة للقرآن العربي نحن اللي نعرف، وصاروا يخبطون خبط عشواء.
الآن نعود إلى مذهب الأشاعرة يُثْبِتُون لله سبع صفات: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، ومع ذلك إثباتهم لها ليس كإثبات أهل السنة والجماعة، نضرب مثلًا بالكلام، الكلام يقولون: إن الله عز وجل ما هو بيتكلم، ما يتكلم بصوت مسموع أبدًا، وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه، وما يسمعه العباد فإنما هو عبارة عن الكلام مخلوق، فلما قال الله لنبيه ﷺ: «إِنِّي فَرَضْتُ عَلَيْكَ خَمْسِينَ صَلَاةً»[[هو بمعناه، ولفظه أخرجه النسائي (٤٥٠) عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «فرضتُ عليك وعلى أمتك خمسين صلاة..» الحديث.]]، بهذا اللفظ أو معناه، الله ما قاله؛ لأن الكلام هو المعنى القائم بنفسه، لكن خلق أصواتًا سمعها النبي ﷺ تعبر عما في نفسه، سبحان الله!
الآن لو تَفَكَّرْنَا لوجدنا قولهم هذا أخبث من قول الجهمية، سمعتم؟ ليش؟ الجهمية عندهم صراحة، قالوا: كلام الله مخلوق ومسموع، لكنه مخلوق، هؤلاء قالوا: كلام الله غير مخلوق لكنه غير مسموع، هو المعنى القائم بنفسه، ويخلق أصواتًا تُسْمَع تعبر عما في نفسه، أيهم أصرح؟ الجهمية، ما بين أيدينا القرآن هذا، الجهمية يقولون: هذا كلام الله حقيقة لكنه مخلوق، الأشاعرة يقولون: لا، هذا ما هو كلام الله حقيقة، هذا عبارة عن كلام الله، وكلام الله هو المعنى القائم بالنفس، أيهم أحسن؟ الأول، وكلاهما غير حسن، لكن إحنا نقول: أحسن كما قال عز وجل: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان ٢٤]، مع أنه ما فيه خير مستقر أهل النار.
على كل حال الأشعرية أثبتوا سبع صفات، قيل لهم: ما هو الدليل على إثبات الصفات السبع ونفي ما سواها؟ قالوا: الدليل العقل، العقل دَلَّ على إثبات هذه الصفات، ولم يدل على إثبات غيرها، إذن حَكَّمُوا العقل فيما يُثْبِتُون لله، ولم يُحَكِّمُوا الله فيما يُثْبِتُ لنفسه، وهذا عدوان، عدوان في حق الله عز وجل، مَن الذي يحكم على نفسه لنفسه؟ الله عز وجل، أنتم تحكمون على الله؟ قالوا: الله خَاطَبَنَا ولنا عقول، لا بد أن نُعْمِل العقول. قلنا: طيب، ادونا دليلًا عقليًّا على هذه الصفات السبع، قالوا: نعم، نعطيكم أدلة عقلية، الإيجاد يدل على أيش؟ على القدرة؛ لأن العاجز ما يُوجِد شيئًا، ومعلوم أننا نرى المخلوقات تتواجد شيئًا فشيئًا، قالوا: إيجادها يدل على القدرة.
طيب المخلوقات الكائنة بعضها إنسان، وبعضها حصان، وبعضها جمل، وبعضها شمس، وبعضها قمر، وبعضها سماء، وبعضها أرض، هذا التخصيص يدل على أيش؟ يدل على الإرادة، لولا الإرادة ما صار هذا كذا وهذا كذا، إذن أثبتنا الإرادة والقدرة، هذه المخلوقات مُحْكَمَة مُتْقَنَة ما فيها تناقض ولا تصادم، لم نَرَ الشمس يومًا من الأيام اصطدمت بالأرض، أو بالقمر، أو بالنجوم، مُحْكَم مُتْقَن يدل على العلم، إذن ثَبَتَ ثلاث صفات عن طريق العقل، وهي: العلم، والإرادة، والقدرة، قالوا: وهذه الصفات لا يمكن أن تقوم إلا بِحَيٍّ، فثبتت بذلك صفة الحياة، قالوا: والحي إما أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا، أو أصم أعمى أخرس، والأول كمال، والثاني نقص، والله تعالى مُنَزَّهٌ عن النقص، فوجب أن يكون سميعًا بصيرًا متكلمًا.
ونحن قد نوافقهم على هذا، ونقول: العقل دَلَّ على ذلك، لكن ما سوى هذه دَلَّ عليها الشرع، ونحن نتنزل معهم إلى آخر شيء، نقول: ما سوى ذلك دَلَّ عليه الشرع، ومن المعلوم أن انتفاء الدليل الْمُعَيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول؛ لأن الأدلة قد تتعدد على مدلول واحد، فإذا قَدَّرْنَا أن العقل لم يدل على الصفات التي أثبتها الله لنفسه سوى السبع فقد دل عليها الشرع، والشرع يَثْبُت بدليل واحد، وبدليلين، وبثلاثة، المهم أن يكون له دليل، هذه واحدة، هذا جواب.
جواب آخر: أن نمنع مِن كَوْن العقل لم يدل على بقية الصفات، ونقول: بقية الصفات منها ما دل عليه العقل، ومنها ما دَلَّ عليه السمع فقط، فمثلًا إنزال المطر، إنبات النبات، رَفْع الوباء، بَسْط الرزق، ممن هذا؟ من الله عز وجل، ماذا يدل عليه هذا؟ يدل على الرحمة دلالة واضحة أقوى من دلالة التخصيص على الإرادة؛ لأن دلالة التخصيص على الإرادة لا يفهمه إلا ذاك عن ذَيَّاك، إلا طالب العلم المختص، حتى طلبة: العلم أحيانًا ننشب إحنا وإياهم، نقول: كيف دَلَّت التخصيص على الإرادة؟ لكن كَوْن هذه الأمور النافعة؛ حصول النعم، واندفاع النِّقَم، تدل على الرحمة، هل هو خفي أو واضح؟ واضح، حتى العامي، العامي يخرج من بيته في الصباح وقد جاء المطر في الليل، فيقول: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته، وهو عامي، فنقول لهم الآن: ما نفيتموه زاعمين أن العقل لا يدل عليه فلنا عنه جوابان:
الجواب الأول: أننا لا نُسَلِّمُ أن العقل لا يدل عليه، بل نقول: إن العقل يدل عليه، وإن كان لا يدل على كل صفة لكن في جملة.
ثانيًا: أن نقول: هَبْ أن العقل لا يدل عليه، لكن دل عليه السمع؛ القرآن والسنة، ولا يلزم من انتفاء دلالة العقل أن لا يثبت الشيء بدليل آخر؛ لأن انتفاء الدليل الْمُعَيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول، وهذه قاعدة مفيدة، وأضرب لكم ذلك بشيء محسوس، مكة كم لها من طريق؟ طرق متعددة، فإذا قُدِّرَ أن هذا الطريق يمتنع السير معه لوجود قُطَّاع طريق، أو وجود أمطار أفسدته، أو ما أشبه ذلك، ألا يمكن أن نصل إلى مكة من طريق آخر؟ بلى، هكذا المعاني، إذا انتفى دليل من الأدلة لكن وجدنا دليلًا آخر هل ننكر هذا المدلول لأن أحد الأدلة غير قائم؟ لا، نقول: ما دام هذا الدليل غير قائم هناك دليل آخر.
ولذلك هدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الوسط؛ لا تمثيل، ولا تعطيل، قالوا: نُثْبِتُ لله عز وجل جميع ما وصف به نفسه في القرآن، أو فيما صَحَّت به السنة، لاحظوا، لازم من القيد بالنسبة للسنة، فيما صحت به السنة؛ لأن من الأحاديث ما هو ضعيف أو موضوع، القرآن لا تقل: ما صَحَّ في القرآن؛ ليش؟ كله صحيح، في السنة لا بد أن تقيد، أو ما صحت به السنة، نثبت كل صفة، ولا نتحاشى ولا نَتَهَيَّب، إذا كان الله عز وجل أثبت لنفسه يدًا وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، هل علينا أن نَتَهَيَّب من إثبات اليد؟ بل هل لنا أن نَتَهَيَّب؟ لا يجوز أبدًا، بل الهيبة أن نخالف، أَثْبِت اليد ولا تبالِ، أثبت ربك لنفسه وجهًا، تتهيب من إثبات الوجه؟ لا، التهيب حقيقة مِن نَفْيِ الوجه، أما ما أثبته الله فيجب أن نثبته، لكن على هذه القاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، فنقول: لله وجه وليس كوجه المخلوق، يقينًا أنه ليس كأوجه المخلوقين.
فإن قال قائل: ما دليلك؟ لماذا لا تحمل الوجه على الوجه المعروف؟ دليله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
أثبت الله سبحانه وتعالى أنه يأتي يوم القيامة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢]، أتتهيَّب أن تصف الله بالمجيء؟ لا، ما نتهيب، نقول: نصف الله بالمجيء، لكن هل هو كمجيء الْمَلِك على فرس، أو سيارة، أو ما أشبه ذلك؟ لا، يقينًا ليس كذلك، لكنه مجيء يليق بجلاله، أثبت الله لنفسه أنه استوى على العرش في عدة مواضع من القرآن تبلغ سبعة بهذا اللفظ: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤]، هل تتهيب أن تثبت ذلك لله؟ لا، بل هو مُسْتَوٍ حقيقةً، أتهيَّب أن أقول: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى: استولى؛ لأن استوى بمعنى استولى تحريف للكَلِم على مواضعه، لكنني أؤمن إيمانًا لا شك فيه أن هذا الاستواء لا يماثل استواء المخلوقين بأي حال من الأحوال، استوائي على الفُلْك أو على البعير لو أُزِيلَ ما استويت عليه لسقطت لا شك، لكن استواء الله على العرش ليس كذلك، ليس استواء احتياج إلى العرش؛ لأن الله غَنِيٌّ عن العرش وعن غيره، لكنه استواء عظمة وسلطان، أفهمتم يا جماعة؟
حَقِّقُوا العقيدة، لا تغركم الأوهام، وما ذنب الإنسان إذا قال: أنا أؤمن بكل ما أثبته لنفسه؟ ليس ذنبًا، بل هذا حقيقة الانقياد والاستسلام لله عز وجل، لكن يجب شيء واحد، وهو أن تؤمن بأنه لا مثيل له؛ لأن الله قال: ﴿لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]، وأشبه ذلك، وأنت لا تعلم الغيب، الله عز وجل هو الذي يعلم، وهو أخبرك عن نفسه بكذا فقل: آمنا وصَدَّقْنَا.
وقد ذكر شيخ الإسلام -رحمه الله- أن الْمُعَطِّلَة أقسام: قسم عَطَّلُوا البعض، وقسم عَطَّلُوا الصفة دون الاسم، وقسم عَطَّلُوا الصفة والاسم نفيًا لا إثباتًا، يعني بمعنى قالوا: لا نصف الله بشيء ثابت، لكن نصفه بالنفي، وقسم قالوا: لا نصفه لا بالنفي ولا بالإثبات، إن وصفناه بثابت شَبَّهْنَاه بالموجودات، وإن وصفناه بِمَنْفِيٍّ شَبَّهْنَاه بالمعدومات.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نرى في بعض الكتب: (إن الله لا شبيه له)، فهل هذا التعبير يماثل قولنا: إن الله لا مَثِيلَ له؟ لا، ولهذا التعبير بقولنا: نؤمن بإثبات ذلك بلا تمثيل، خير من التعبير بقولنا: نثبت ذلك بلا تشبيه، مع أننا نرى أكثر الكتب التي بأيدينا أنهم يقولون: بلا تشبيه، لكن هذا نقص، التعبير بلا تمثيل أولى؛ أولًا: لأنه تعبير القرآن، وكلما أمكنك أن تعبر بالقرآن أو السنة عن المعاني التي تريد فهو أولى.
ثانيًا: أن التشبيه عند قوم يعنون به إثبات الصفات، ويقولون: كل مَن أثبت لله صفة فهو مُشَبِّه، فإذا قلت أنت: بلا تشبيه، وكان هذا المخاطب لا يفهم من التشبيه إلا الإثبات، فَهِمَ منك أنك لا تثبت شيئًا، ثم إن التشبيه أيضًا له احتمالات؛ إن نفيت التشبيه من كل وجه فهذا لا يمكن؛ لأنه لا بد أن يشترك الخالق والمخلوق في أصل الصفة، فالحياة -مثلًا- عندنا حياة، والله تعالى حي، أصل الحياة موجود، لكن المنفي هو أن تكون حياتنا مماثلة لحياة الله، السمع موجود فينا والا غير موجود؟ موجود نعم، وموجود عند الله عز وجل، فإن الله تعالى سميع، فلا بد من اشتراكٍ في الأصل، وجودنا نحن موجودون، والرب عز وجل كذلك واجب الوجود، وهَلُمَّ جَرّا، فصار التعبير بنفي التمثيل أولى من التعبير بنفي التشبيه.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] هذا رد على مَن؟ الْمُعَطِّلَة، والجملة الأولى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على الْمُمَثِّلَة، ﴿السَّمِيعُ﴾ أي: ذو السمع، وسَمْع الله عز وجل له معنيان؛ المعنى الأول: الاستجابة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، معنى سميع أي: مستجيب، وليس المراد أنه يَسْمَعُه فقط؛ لأن مجرد كونه يسمعه ولا يستجيب قليل الفائدة، لكن: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مُسْتَجِيبُه، واستجابته إياه تستلزم سماعه لا شك، ومن ذلك أيضًا –أي: من كَوْن السماع بمعنى الاستجابة- قول المصلي: سمع الله لمن حمده، ويش معنى سمع؟ يعني أنه سمع صوته، أو استجاب له؟ استجاب له؛ لأنه كما قلت لكم: مجرد سماع الصوت لا يفيد شيئًا بالنسبة للداعي، ولهذا لو قال لك إنسان: يا فلان أرجو أن تساعدني، تقول: أسمع، يعني: أسمع بأذني، هل يستفيد من هذا ولَّا ما يستفيد؟ ما يستفيد؛ لأنه سيقول لك: إذا كنت تسمع أعطني، فصار كل ما أُضِيفَ للدعاء من السمع فمعناه أيش؟ الاستجابة.
النوع الثاني من السمع: إدراك المسموعات، بمعنى أنه لا يخفى على الله أي صوت، قَرُب أم بَعُد، خَفِي أم بَانَ، فإن الله يسمع كل شيء، أرأيتم قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة ١]، أين الله؟ في السماء على العرش، وأين المكان الذي كانت هذه تشتكي فيه؟ في الأرض، تقول عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ، لقد كانت تجادل الرسول عليه الصلاة والسلام وإني لفي الحجرة يخفى عَلَيَّ بعض حديثها[[أخرج النسائي (٣٤٦٠) وابن ماجه (١٨٨) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: الحمدُ للهِ الذي وسِعَ سمعُه الأصواتَ، لقد جاءتْ خولة إلى رسول الله ﷺ تشكو زوجَها، فكان يَخفَى عليَّ كلامُها، فأنزل الله عزَّ وجلَّ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادلة: ١] الآيةَ.]]، والله عز وجل لم يَخْفَ عليه شيء، سمع المجادلة وسمع التحاور، وأنزل حل المشكلة.
إذن السمع بمعنى سَمْع الإدراك شامل لكل صوت، ثم هذا السمع إما أن يكون للتأييد، أو للتهديد، أو للإحاطة، كم؟ ثلاثة أقسام: إما أن يكون للتأييد، أو للتهديد، أو للإحاطة؛ التأييد مثل قوله تبارك وتعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، لماذا قال الله عز وجل: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾؟ تأييدًا لهما، يعني: أسمع ما تقولان وما يُقَالُ لكما، والأمر أَمْرُه عز وجل، هذا سماع يراد به التأييد.
الثاني: ما يراد به التهديد، مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠]، ما المراد بهذه الآية؟ ليس المراد مجرد أن الله يُخْبِرُ أنه يسمع سِرَّهم ونجواهم، المراد بذلك التهديد، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران ١٨١]، بس مجرد سمع، أو هذا تهديد؟ هذا تهديد، بدليل قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران ١٨١]، فهذا تهديد.
الإحاطة: أن يُخْبِر مثل: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، هذه إخبار بأنه تعالى محيط بكل شيء سمعًا، وكما في قصة المجادلة، فإن الله تعالى أخبر بذلك ليُعْلِمَنَا أنه محيط بها.
أعود مرة ثانية في السمع، ينقسم إلى سَمْع بمعنى الاستجابة، وسَمْع بمعنى إدراك المسموع؛ الأول مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقول المصلي: سمع الله لمن حمده.
والثاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ما يراد به التأييد.
والثاني: ما يراد به التهديد.
والثالث: ما يراد به الإحاطة، وعرفتم الأمثلة.
﴿الْبَصِيرُ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: إدراك الشيء بالبصر، والثاني: العلم، فهنا ﴿الْبَصِيرُ﴾ تشمل المعنيين، فبَصَرُ الله تعالى محيط بكل شيء لا يخفى عليه، والدليل على أن (بصير) تتضمن البصر قوله في الحديث الصحيح: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، يعني: لأحرقت كل شيء؛ لأن بصر الله ينتهي إلى كل شيء، فالمعنى: لأحرقت هذه السُّبُحَات -والسُّبُحَات هي البهاء والعظمة- كلَّ شيء، لا إله إلا الله.
بصير بمعنى عليم، مثل قوله تعالى: ﴿بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات ١٨]، ومعلوم أننا نعمل أشياء لا تُرَى، في قلوبنا أشياء لا تُرَى والله يعلمها، فإذن البصير من أسماء الله عز وجل أي: ذو البصر، وله معنيان: بصير بمعنى إدراك المرئيات ببصره، والثاني: بمعنى العليم.
إخوتنا إذا سمعتم أسماء الله وصفاته فليس المقصود أن نعلم المعنى فقط، بل أن نتعبَّد لله بها، فإذا عَلِمْنَا أنه سميع أوجب لنا أن نخاف من قولٍ يُغْضِب الله؛ لأن الله يسمع، إذا علمنا أنه بصير أوجب لنا أن نَحْذَر من كل فعل يُغْضِب الله؛ لأن الله تعالى يبصره ويراه، ففي هذه الأسماء التي يخبرنا الله بها تربية للإنسان أن يَحْذَر الله عز وجل من أن يخالفه بقول أو فعل.
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ولعلنا أشبعنا إن شاء الله الكلام في هذا، وأهم شيء أن تبني عقيدتك على أمرين: إثبات ما أثبته الله لنفسه في القرآن أو السنة، والثاني: نَفْي المماثلة؛ أنه لا مثيل له.
بقي شيء آخر، هل علينا أن نُكَيِّف الصفة بدون أن نذكر مماثلًا؟ الجواب: لا، لا يجوز أن نُكَيِّف الصفة، لماذا؟ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء ٣٦]، وقال عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]، هل أنت علمت كيفية الله عز وجل، كيفية صفاته، لا، أنا أؤمن بأنه ينزل لكن لا أدري كيف ينزل، أؤمن بأنه استوى على العرش، ولكن لا أدري كيف استوى، فالكيفية لا يجوز للإنسان أن يتخيلها، ولا يجوز أن ينطق بها؛ لأن الله أعظم من كل تخيُّل تتخيله، ولأنك لو تخيَّلت فإنك سوف تعبد صنمًا؛ لأن هذا الْمُتَخَيَّل لا بد أن يكون عندك تصور أنك تعبد هذا الذي تخيلته، فتكون من جنس الْمُمَثِّلِين، وفي مقدمة النونية لابن القيم قال: الْمُعَطِّل يعبد عَدَمًا، والْمُمَثِّل يعبد صنمًا، إذن لا تتخيل الكيفية، ولهذا جاء في الأَثَر: «تَفَكَّرُوا فِي آيَاتِ اللَّهِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٦١٨) من قول ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ: تفكَّروا في كلِّ شيء، ولا تفكَّروا في ذات الله.]]، الآيات تفكَّر فيها، السماء، الأرض، النجوم، البشر، المخلوقات الأخرى تفكر فيها بقدر ما تستطيع لتستدل بها على الخالق عز وجل، لكن في ذات الله لا، لا تتفكر.
هل لنا أن نتفكر في معاني أسماء الله وصفاته؟ نعم، بل يجب أن نتفكر في المعنى، والمعنى غير الكيفية، سُئِلَ الإمام مالك رحمه الله قيل له: يا أبا عبد الله –وهو يدرس في الحلقة- ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]، كيف استوى؟ أتدرون ماذا حصل للإمام مالك؟ قام يتصبَّبُ عرقًا، وأطرق رأسه حياءً وخجلًا، ومَن كان بالله أعرف كان منه أَخْوَف، نحن تمر علينا هذه الكلمة مَرَّ الرياح لا تؤثر في القلوب شيئًا، لكن أهل المعرفة بالله الذين هم أهله لا بد أن يتأثَّرُوا، أطرق برأسه وقام يتصبَّبُ عرقًا، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا، الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أُرَاكَ -يعني ما أظنك- إلا مبتدعا. ثم أمر به فأُخْرِج لا مقام له عندي، هؤلاء هم الرجال.
فالمعاني معلومة، ولا يمكن أن يخاطبنا الله عز وجل بما لا نعلم أبدًا، لكن الكيفيات مجهولة.
فإن قال قائل: كيف أتصور المعنى ولا أتصور الكيفية؟ قلنا: هذا سهل، الآن لو أقول لك: فلان صعد على السطح، تعرف معنى صعد؟ نعم، لكن هل تعرف كيف صعد؟ مع أنه مثلك، ما تعرف كيف صعد، يمكن صعد على يديه ورجليه، يمكن صعد بعربية، يمكن صعد محمولًا، يمكن صعد يمشي على يديه، ما فيه ناس يمشون على أيديهم الآن؟ شاهدنا مَن يمشي على يديه يا جماعة من هذا الطرف للطرف الثاني، ويمكن يمشي على رأسه؟ هذه ما أظن؛ لأنه ما يمكن أن ينقز على الرأس.
لكن على كل حال نحن الآن إذا قِيلَ: فلان صعد على السطح، أنا أعرف معنى الصعود، لكن كيف صعد؟ ما تدري، فإذن عَقْلُ المعنى دون الكيفية أمر واقع، فنحن نؤمن بأن الله عز وجل استوى على العرش، لكن لا نُكَيِّف ذلك، ولا ندري كيفيته، وما لا ندري كيفيته لا يجوز أن نتكلم فيه، كما قال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦].
أرجو الله تعالى أن ينفع بهذا الكلام؛ لأنه كلام مهم جدًّا، كلام في العقيدة، ولا يمكن أن يستريح الإنسان راحة نفسية، ولا أن يتخلى عن الشُّبُهَات إلا إذا لزم مذهب أهل السنة والجماعة، نُثْبِت لله ما أثبته لنفسه، وننفي ما نفاه عن نفسه، وإثباتنا إثبات تنزيه لا إثبات تمثيل، ونَفْيُنا نفي أيضًا تنزيه لا نفي تعطيل، والله الموفق.
* طالب: أحسن الله إليك، ما الفرق بين قول عبارة عن كلام الله وحكاية، ما هو الفرق؟
* الشيخ: الفرق العبارة أنه لا علاقة بين ما في نفسه وما خَلَقَهُ، قد يكون في نفسه شيء الآن ويخلقه بعد ساعة أو ساعتين، فهمت؟ الحكاية كحكاية الصدى، الصدى الآن إذا كنت بين جبال وتكلَّمْتَ تسمع يرد عليك، هذا يُسَمَّى حكاية، وهذا يلزم منه أن يكون ما يُسْمَع في الحال، واضح؟ إي نعم.
هذه العبارة للموفق رحمه الله في عقيدته هي التي جاء بها الإمام أحمد، نفس الإمام أحمد فَسَّر، قال: نؤمن بذلك لا كيف ولا معنى، ومراده (لا معنى) ما ذهب إليه أهل التحريف الذين يجعلون لآيات الصفات معنى يُعَيِّنُونَه هم؛ لأنه قال: (لا كيف) رَدًّا على الْمُمَثِّلَة، (ولا معنى) رَدًّا على الْمُعَطِّلَة، فالمراد بالمعنى الذي نفاه الإمام أحمد وتبعه ابن قدامة -رحمه الله- المراد به المعنى الذي ابتكره هؤلاء الْمُعَطِّلَة.
* طالب: ظاهر آيات الصفات التمثيل إلا أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يمنع ذلك؟
* الشيخ: قل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨]، بس يكفي، القلب إذا زاغ -والعياذ بالله- انقلب الحق عنده باطلًا، وانقلب الباطل حقًّا، وإلا كيف نقول: يقتضي التمثيل؟! أنت لو أخبرتني أنك رأيت الفيل، هل أتصور أن الفيل مثل الإنسان؟ ما أتصور هذا، إن كنتُ قد رأيت الفيل عرفت الفرق، وإن لم أكن رأيته فأنا أعلم أن بينهما فرقًا؛ لأنه لو لم يكن فرق لكان الفيل آدميًّا، ولا تستغرب، الإنسان -والعياذ بالله- إذا طمس الله على قلبه رأى الباطل حقًّا والحق باطلًا، الآن أعظم كلام كلام الرب عز وجل، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [القلم ١٥]، سواليف لا يتصور لها معنى يوجب الإيمان، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا﴾، يعني: ليست أساطير الأولين، ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤].
* طالب: الْمُفَوِّضَة والواقفة الفرق بينهما؟
* الشيخ: الواقفة في الكلام فقط، يَقِفُون يقولون: لا نقول: كلام الله حق ولا عبارة، وأما الْمُفَوِّضَة يُفَوِّضون كل الصفات، كل الصفات مُفَوِّضَة فيها.
* طالب: ثَمَّ مَن يقول: إن أهل السنة قسمان: مُفَوِّضَة ومُؤَوِّلة؟
* الشيخ: هذا كَذِب، مَن قال: إن أهل السنة أهل تفويض على وجه الإطلاق فهو كاذب، بل أهل السنة مُفَوِّضَة للكيفية غير مُفَوِّضة للمعنى، فهمت؟ وكلام مالك الذي سمعتموه واضح، قال: الاستواء غير مجهول، معلوم، الكيف غير معقول، هنا نُفَوِّض.
* طالب: متى خرجت، والرد على مَن يقولون: إن الإمام مالك كان يُفَوِّض، وبعض الصحابة: أَمِرُّوهَا كما جاءت؟
* الشيخ: الظاهر أن الْمُفَوِّضَة أنهم خرجوا بعدما خرجت بدعة التعطيل، عَجَزُوا أن يقابلوا أهل التعطيل فقالوا: إذن نُفَوِّض؛ لأن أهل التعطيل -تعرف الجهمية صار لهم شأن كبير- فضغطوا على علماء السنة وعجزوا عن مقاومتهم، فقالوا: إذن لا نقول بهذا ولا بهذا، نُفَوِّض الأمر، وأما مَن زعم أن الإمام مالكًا رحمه الله مُفَوِّض فقد كذب، هذا كلامه، قال: الاستواء غير مجهول، يعني هو معلوم، ولا يجهله أحد، وأما: أَمِرُّوهَا كما جاءت، فنعم، والله قالوا هكذا، أَمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف، هذا حق، إذا أَمْرَرْناها كما جاءت فهل نثبت اللفظ فقط دون المعنى؟ الجواب: لا؛ لأنها ألفاظ جاءت لمعانٍ، لم يُنْزِلها الله عز وجل ألفاظًا جوفاء لا معنى لها، أو لها مئة معنى ولا ندري ما المراد، أبدًا.
فنقول: أَمْرَرْناها كما جاءت، أي: ألفاظًا لمعانٍ، ثم قوله: بلا كيف، يدل على إثبات المعنى؛ لأنه لولا ثبوت المعنى ما صح أن يقولوا: بلا كَيْف؛ إذ نَفْي الكيف عما ليس بموجود لَغْوٌ من القول يُنَزَّه عنه كلام السلف، فمن استدل بقول السلف هذا قلنا: هذا دليل عليك وليس لك.
وأنا أعطيكم فائدة عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: كل إنسان يستدل بدليل صحيح ثبوتًا فإنه سيكون دليلًا عليه، سبحان الله! كل إنسان يستدل بدليل صحيح ثبوتًا على باطل فسيكون دليلًا عليه، هذه قاعدة، وشيخ الإسلام التزم بها، قال: أنا ألتزم أن كل إنسان يأتي بدليل صحيح ثبوتها -يعني ثابتًا ثبوتًا لا شك فيه- على باطل ألتزم أن أجعله دليلًا عليه، ليش؟ لأن استدلال أهل الباطل بالدليل الصحيح معناه يُشَمُّ منه رائحة المعنى، هل يمكن أن يكون المعنى الذي يُشَمُّ من هذا الاستدلال أن يكون باطلًا؟ لا يمكن.
ولذلك تأمل إذا فتح الله عليك جميع الأقوال الباطلة التي يستدل قائلوها بدليل صحيح من الكتاب والسنة فسترى أن ما استدلوا به دليل عليهم، هذه الجملة التي ذَكَرْتُ: أَمِرُّوهَا كما جاءت بلا كيف، الآن فهمنا أنها ترد عليهم من وجهين؛ الوجه الأول: أننا إذا أَمْرَرْنَاها كما جاءت لزم من ذلك إثبات المعنى؛ لأننا نعلم أن الله لن يخاطبنا بشيء لا نعرف معناه أبدًا، ما يكن هذا، لا سيما في أسماء الله وصفاته التي هي العقيدة، الثاني: قولهم: بلا كيف، ويش يدل عليه؟ على أن المعنى موجود، ولولا ثبوت أصل المعنى ما صح أن يقولوا: بلا كيف.
* طالب: (...) العقل على قدرة الله عز وجل؟
* الشيخ: لا، هذه شواهد، يعني العقل قد يكون عنده شواهد كثيرة على القدرة، لكن أصل القدرة توقيفية.
* طالب: (...) في قوله: ﴿كَمِثْلِهِ﴾ أن (مثل) هنا بمعنى نفس (...).
* الشيخ: ذكرنا هذا، وقلنا: لا حاجة له، بعضهم قال: (مِثْل) بمعنى (ذات)، لكن ما لها حاجة، أحسن ما قيل التخريج الأول الذي ذكرناه والأخير.
* طالب: هل يمكن أن يقال: إن التفويض هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادَر منه؟
* الشيخ: لا، الْمُفَوِّض لا يُدْرِج معنى أصلًا، الْمُفَوِّض لا يُثْبِت معنى، يعني هؤلاء الْمُفَوِّضَة نقرأ عليهم قول الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر ٢٢] إلى آخر السورة سبعة عشرة اسمًا، ويش معناها؟ قال: والله ما ندري، ما نُثْبِت، تثبت أن له رحمة؟ قال: ما أدري، تثبت أنه مَلِك له الملك؟ قال: ما أدري، أنا عَلَيَّ أن أقرأ القرآن وبس، وفكَّنِي من شَرِّك، عرفت؟ هل يُعْقَل أن يكون هذا مذهبًا لأهل السنة؟ هذا مذهب للجُهَّال، وعلماء السنة -والحمد لله- فيهم العلماء الفحول الذين جَمَعُوا بين العلم بالمعقول والمنقول.
ثم يا سبحان الله! هل يمكن أن نقول: إن أبا بكر وعمر وعثمانًا وعليًّا ابن مسعود وابن عباس وغيرهم يقرؤون القرآن وهم لا يعرفون معناه في أسماء الله وصفاته؟! إن كنا نعتقد هذا فهو أكبر قَدْح في الصحابة، بل إنهم يقولون: إن الرسول ﷺ يُحَدِّث بالحديث ولا يدري أيش معناه، قالوا: إنه قال: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، أيش معناه يا رسول الله؟ قال: والله ما أدري، هل يُعْقَل هذا؟ لكن عند المضايقات في المناظرة تجد الإنسان يرتقي مرتقى صعبًا هو نفسه يعرف أنه غير صواب لو تأمل.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يقول؟
* الطالب: فيه رد على الْمُعَطِّلة؟
* الشيخ: فيه رد على الْمُعَطِّلة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي صحيح؛ لأن الْمُعَطِّلَة يشبهونه بالعدم، لكن ما دام عندنا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ واضح، ليش نروح نجيب معنى بعيدًا، فـ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على الْمُمَثِّلَة، واضح ولا يحتاج تعبًا في الفهم، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على الْمُعَطِّلَة أيضًا واضح.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرد عليهم سهل يا أخي، نقول: هل أثبت الله لنفسه يدًا أو لا؟ فسيقولون: نعم، ليش ما تثبتها أنت؟ قال: أخشى أن تكون مماثلة ليد الإنسان، نقول: لا تخشَ هذا، كيف تخشى هذا والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ثم نقول له: ألست تُثْبِت لشاتك يدًا؟ يقول: نعم ولَّا لا؟ يقول: نعم، هل يد شاتك مثل يدك؟ خلاص، إذا انتفت المشابهة بين المخلوقات فيما تتفق فيه بالأسماء فانتفاء المشابهة في حق الخالق من باب أَوْلَى، بل انتفاء المشابهة في حق الله واجب، وفي حق المخلوق غير واجب، أفهمت؟ الآن القط، أتعرف القط؟ ما هو؟
* طالب: (...).
* الشيخ: عندنا الآن اثنان، واحد يقول: البَسّ، والصواب طبعًا البَسّ بالفتح، إذا قلت: البِسّ، فأنت لاحن، الصواب: البَسّ.
* طالب: تغيير معنى (...).
* الشيخ: لا، ما هي تغيير المعنى، المهم أنت قلت: البَسّ، والأخ قال: الْهِرّ، وثالث يقول: القط والسِّنَّوْر، ما هنا أكثر من أسماء الهر والأسد، وسبحان الله أيدي الْهِرّ وأيدي الأسد متشابهة تمامًا.
* طالب: الْمُفَوِّضَة يستدلون على مذهبهم ويُلَبِّسُون على العامة، ويقولون: إن أشد الناس تمسكًا بالسنة وهو الإمام أحمد لجأ إلى التفويض في ثلاث مواضع، وهو «الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ»[[أخرجه عبد الرزاق (٨٩١٩) من قول ابن عباس رضي الله عنهما ولفظه: الركنُ -يعني الحجر- يمينُ الله في الأرض يصافحُ بها خلقَهُ مصافحةَ الرجلِ أخاه....]]، و«إِنِّي لَأَجِدُ نفَسَ الله مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ»[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٠٨٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «وأجد نفَسَ الرحمنِ من قِبَل اليمن...» وأخرجه أحمد (١٠٩٧٨) عنه أيضا بلفظ «وأجد نفَسَ ربِّكم من قبَلِ اليمن...».]]، و«الْقَلْبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الترمذي (٢١٤٠) من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ: «إنَّ القلوبَ بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء».]]، فقالوا: إنه فَوَّضَ، هل هذا الكلام صحيح؟
* الشيخ: ما هو صحيح أبدًا، والحجر الأسود يمين الله في الأرض ما صح عن الرسول أبدًا، ما صح، كما قَرَّرْنَاه في كتاب القواعد الْمُثْلَى، كل الأمثلة التي ذكرتها هذه موجودة في القواعد الْمُثْلَى، وموجود الرد عليها.
* طالب: (...).
* الشيخ: الطريقة الْمُثْلَى، أما إذا كان لهم سلطة، بمعنى أنك لو جادلتهم علنًا لكان عليك خطر، فَدَعْ هذه المجادلة، لكن لك أن تتكلم في المجالس الخاصة، أو في المجالس التي لا يوجدون فيها، وتعرض المذهب وتُبَيِّن بطلانه، لو لم يكن من هذا العرض إلا تشكيك العامة في هؤلاء لكان كافيًا، وزحزحة العقيدة والتشكيك فيها مهم جدًّا، أفهمت؟ فأنت -مثلًا- إذا رأيت أناسًا على باطل وبَيَّنْتَ الحق، لو لم يكن من الفائدة إلا أن يَشُكُّوا في الأمر حتى عند زعمائهم يشكون في قولهم، ما دمت أنت أتيت بالحق وبَيَّنْتَ، ولهذا سمعت عن بعض دعاة النصرانية -قاتلهم الله ولعنهم إلى يوم القيامة- سمعت أنه يقول لقومه: يا قومنا إنكم لن تنقلوا المسلم إلى النصرانية، هذا مستحيل؛ لأن ديننا النصرانية الموجود الآن كل يعرف أنه خرافة، وليس على شيء، لكن يكفيكم أن تُشَكِّكُوا المسلم في دينه.
شوف الخبثاء، يكفيكم أن تُشَكِّكُوا المسلم في دينه، خَلُّوه يشك بس، وإذا شك كَفَرَ ولَّا ما يكفر؟ نعم، إذا شك الإنسان فيما يجب الإيمان به فهو كافر، ما يجب الإيمان به يجب الجزم به، فانظر كيف أساليبهم، ونحن -والحمد لله- عندنا من الأساليب أقوى منهم، لكن بس عندنا أن الإنسان إذا رأى هذا العالَم يمكن يخاف، وشجاعة خالد بن الوليد وحمزة بن عبد المطلب غير موجودة الظاهر إلا في قليل من الناس.
عاد هذا بدأ قبل أن نعلم، مَن أدرك ركعة من الصلاة.
* طالب: شيخ الله يعفو عنك، الأشاعرة خطباؤهم يحببونهم في المذهب بحيث تكون علماؤهم مثل ابن حجر والنووي والعز بن عبد السلام وكذا.
* الشيخ: سهلة هذه، إذا قالوا: ابن حجر والنووي، أما ابن حجر -رحمه الله- فأنا رأيي فيه أنه ليس على طريق الأشعري، الرجل متذبذب، أحيانًا يتكلم بكلام هو كلام أهل السنة مئة بالمئة، وأحيانًا ينقل كلام الأشاعرة، هو أحيانًا ينقل عن شيخ الإسلام مُقَرِّرًا قوله، النووي صحيح -رحمه الله- على مذهب الأشاعرة في جميع ما قرأت له من كتبه، لكن إذا قابلونا بفلان وفلان نقول: هل أنتم تعرفون الحق بالرجال ولَّا الرجال بالحق؟ إن قالوا: نعرف الحق بالرجال قلنا: عندنا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والإمام أحمد، وغيرهم من العلماء الفحول، فهؤلاء مقابل هؤلاء، ثم لدينا شيء فوق الجميع؛ الصحابة رضي الله عنهم، ائتوا لنا بدليل واحد يؤيِّد مذهب الأشاعرة، يقول: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى، ما منهم أحد قال: استوى بمعنى استولى، كلهم يقولون: استوى بمعنى عَلَا، من أين علمنا هذا؟ علمنا هذا بأنهم يقرؤون القرآن ويعرفون معناه، ولم يأتِ عن أحد منهم قول بصرف اللفظ عن ظاهره، أفهمت؟ الحمد لله، الحق واضح.
فلو قال لنا قائل: إن الصحابة أجمعوا أن معنى قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يعني: عَلَا عليه، أجمعوا، هل يمكن لأحد أن ينازع يقول: ما أجمعوا؟ ما يمكن؛ لأنا نعلم أن الصحابة يقرؤون القرآن ويُنَزِّلُون معناه على اللغة العربية، واللغة العربية في جميع مواردها أنه إذا تعدَّت استوى بـ(على) فالمراد العلو.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ١١] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أن الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض ابتداءً على غير مثال سبق.
* ومن فوائدها: تمام قدرة الله تبارك وتعالى؛ لأن هذه السماوات العظيمة لا يقدر عليها أحد إلا الله، ثم إنه خلقها في ستة أيام، جاءت مُفَصَّلَةً في سورة فصلت.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن السماوات جمع، كم هي؟ سبع، والأرض سبع، لكن من غير هذه الآية.
* ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل ورحمته، حيث جعل لنا من أنفسنا أزواجًا، فإن هذا حكمة حيث كانت من أنفسنا، ورحمة حيث جعل لنا أزواجًا نتمتع بهن من جهة، وننمو ونزداد من جهة أخرى.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: رحمة الله تعالى بنا، حيث جعل لنا من الأنعام أزواجًا؛ لأن هذا لا شك من مصلحتنا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى ينشر ويبث ويُكَثِّر بني آدم وما خلق لهم من أنعام بسبب التزاوج؛ لقوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى ١١].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على المشركين الذين جعلوا مع الله إلها آخر، حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا مثل له، لا في الخلق، ولا في الصفات، ولا غيرها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أهل التمثيل في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات اسمين من أسماء الله هما السميع والبصير.
* ومن فوائد الآية: إثبات السمع والبصر وصفًا لله عز وجل؛ لأن السميع من السمع، والبصير من البصر.
وهنا قاعدة نشير إليها: كل اسم من أسماء الله فإنه مُتَضَمِّن لشيئين:
الأول: إثبات كونه اسمًا من أسماء الله، والثاني: إثبات الصفة التي دَلَّ عليها، فمن قال: إن الله سميع ولكن بلا سمع، فإنه لم يؤمن بالاسم؛ لأنه لا بد أن تؤمن بما دَلَّ عليه من صفة، وإلا لم تؤمن به، أيضًا إثبات أن هذه الصفة متعدية للغير إذا كانت متعدية؛ فمثلًا السميع نؤمن بأن الله من أسمائه السميع، ومن صفاته السمع، ونؤمن بأمر زائد، وهو أنه يسمع كل شيء، ولهذا قال أهل العلم: الاسم إذا كان لازمًا لم يتم الإيمان به إلا بشيئين:
الأول: إثبات كونه اسمًا من أسماء الله، والثاني: إثبات الصفة التي دَلَّ عليها، وإذا كان متعديًا فلا بد في الإيمان به من أمور ثلاثة:
الأول: إثبات كونه اسمًا لله، والثاني: إثبات الصفة التي دَلَّ عليها، والثالث: إثبات تعدي هذه الصفة إلى ما تتعلق به، بمعنى أن السمع يتعلق بكل مسموع، والبصر بكل مُبْصَر.
فيه أيضًا يقولون: الأسماء تتضمن الدلالات الثلاث: دلالة المطابقة، ودلالة التضمُّن، ودلالة الالتزام، وإن شئت فقل: دلالة اللزوم؛ فدلالة الاسم على الذات وحدها دلالة تَضَمُّن، وعلى الصفة وحدها دلالة تَضَمُّن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، ودلالة ذلك الاسم على معنى لازم له دلالة التزام، هذه من القواعد المهمة، الدلالات كم؟
* طالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة؛ مطابقة وتَضَمُّن والتزام، فدلالة الاسم على الذات وحدها؟
* طالب: تَضَمُّن.
* الشيخ: وعلى الصفة وحدها؟
* الطالب: تَضَمُّن.
* الشيخ: وعليهما؟
* طلبة: مطابَقة.
* الشيخ: مطابقة، وعلى أمر لازم؟ التزام.
نضرب لهذا مثلًا: الخالق، من أسماء الله تعالى الخالق، فدلالته على الذات وحدها تَضَمُّن، وعلى صفة الخلق وحدها تَضَمُّن أيضًا، وعليهما جميعًا مطابقة.
إذن فهمنا أن دلالة اللفظ على جميع معناه دلالة مطابقة، وعلى بعضه تَضَمُّن، على اللازم الخارج الذي يلزم منه دلالة التزام، -مثلًا- المثال اللي معنا الآن لا يزال باقيًا، الخالق يدل على صفة الخلق، وعلى الخالق نفسه، ويدل أيضًا على شيء لازم، من لازم الخلق القدرة، من لازم الخلق العلم؛ إذ مَن ليس بقادر لا يمكن أن يخلق، ومَن ليس بعالم لا يمكن أن يخلق، فتكون دلالة الخالق على العلم والقدرة دلالة التزام.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على أهل التعطيل في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
نحن ذكرنا السميع، من فوائد الآية الكريمة إثبات السميع اسمًا لله، والبصير اسمًا لله، وإثبات البصر صفة لله، وإثبات السمع صفة لله.
فإن قال قائل: أيهما أوسع الصفة أو الاسم؟ فالجواب: الصفة أوسع؛ لأن الله يوصَف بما لا يُسَمَّى به، ولكن كل ما سُمِّيَ به فهو مُتَضَمِّن للصفة، أفهمتم؟ افهموا القاعدة بعدين ييجي المثال، أيهما أوسع الصفات أو الأسماء؟ الصفات، وجه ذلك أن كل اسم مُتَضَمِّن لصفة، وبهذا يكون الاسم والصفة متوازِيَيْنِ، هناك صفات لا يمكن أن يُسَمَّى الله بها، فالصفة أوسع، ألسنا نقول: عَبَّرَ الله بكذا وكذا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: ألسنا نقول: تَحَدَّث الله عن كذا، ومع ذلك لا نُسَمِّي الله تعالى متحدثًا، ولا نسميه مُعَبِّرًا؛ ليش؟ لأن الوصف أوسع من الاسم، وهذه فائدة أيضًا مهمة عكس ما يقولون: إن الأسماء لا تتضمن الصفات.
الشورى 42:12
ثم قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ١٢]، ﴿لَهُ﴾ أي: لله وحده، وإنما قلنا: وحده؛ لأن تقديم الخبر يدل على الْحَصْر، بل القاعدة أوسع من هذا، تقديم ما حَقُّهُ التأخير يفيد الحصر، حتى لو قلت: زيدًا أكرمتُ، يعني أنك لم تُكْرِم غيره؛ لأنك قَدَّمْتَ المعمول، فنقول: له، أي: لا لغيره.
﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال المفسِّر: (أي: مفاتيح خزائنهما)، فجعل المقاليد بمعنى مفاتيح، ولكن من حيث اللغة العربية لا تتناسب مع الاشتقاق؛ لأن مقاليد مأخوذ من القلادة، يعني أَزِمَّة الأمور في السماوات والأرض كلها بيد الله عز وجل، كما تقول: قلادة البعير؛ لأنك تَجُرُّه بها.
فالظاهر -والله أعلم- أن الْمُفَسِّر -رحمه الله- فَسَّرَها بما يخالف الظاهر، لكن بعض الناس يقول: إن مقاليد اسم أعجمي مُعَرَّب، والْمِقْلَاد بمعنى المفتاح، لكن هذا قول ضعيف بلا شك؛ لأنه يا إخواننا يجب ألَّا نلجأ إلى التعريب إلا للضرورة، يعني لا يمكن أن نقول: هذه كلمة أصلها فارسية، أصلها رومية، أصلها كذا، وعُرِّبَت، لا يجوز أن نعدل إلى هذا إلا عند الضرورة؛ لأن الله تعالى جعل القرآن عربيًّا، فإذا قلنا في كلمة مُعَرَّبَة أصلها غير عربي، هذا خلاف ظاهر القرآن، لكن إذا اضطررنا إلى هذا بأن لم نجد لهذه الكلمة أصلًا في اللغة حينئذ نقول: معرب، مقاليد لها أصل، مأخوذة من القلادة التي يُقَاد بها البعير، فمعنى مقاليد: أي أَزِمَّة الأمور في السماوات والأرض له وحده.
أما المؤلف رحمه الله فقال: (مفاتيح خزائنهما من المطر والنبات وغيره).
﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى ١٢]، ﴿يَبْسُطُ﴾ يعني يوسِّع، ﴿يَقْدِرُ﴾ يعني: يُضَيِّق، البسط والقدر امتحانًا وابتلاءً؛ لأن من الناس مَن لا يصلحه إلا الفقر، ومن الناس مَن لا يصلحه إلا البسط، وفي الحديث القدسي: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ»[[أخرج البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣١) عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، عن جبريل عليه الصلاة والسلام، عن ربه تبارك وتعالى، فذكرَ الحديثَ، قال فيه: «وإنَّ من عبادي المؤمنين مَن لا يصلح له إلا الغنى، ولو أفقرته أفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين مَن لا يُصلح إيمانَه إلا الفقر، ولو بسطتُ له أفسده ذلك...».]].
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يقول المفسر: (﴿﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾ -والمراد بالرزق العطاء- يوسعه، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتحانًا، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُه لمن يشاء ابتلاءً)، امتحانًا هل يشكر أو لا يشكر، ابتلاء هل يصبر أو لا يصبر.
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، إنه عليم بكل شيء، فهو يعلم أن البسط لهذا أفضل، وأن التضييق لهذا أفضل.
* في هذه الآية فوائد، منها: أن أَزِمَّة الأمور لله وحده في السماوات والأرض، فهو الذي يُدَبِّر الأمور ويداول الأيام بين الناس، ويقلِّب الأحوال، وكم من رجل أصبح كافرًا وأمسى مؤمنًا، وكم من إنسان أصبح مؤمنًا وأمسى كافرًا، كما أخبر النبي ﷺ عن الفتن في آخر الزمان؛ أنه يُمْسِي الإنسان كافرًا، ويصبح مؤمنًا، ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا[[أخرج مسلم (١١٨ / ١٨٦) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمالِ فتنًا كقِطَعِ الليل المظلم، يُصبح الرجلُ مؤمنًا ويُمسي كافرًا، أو يُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينَه بعرض من الدنيا».]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأرزاق بسطها وتضييقها بيد مَن؟ بيد الله عز وجل، فهل يلزم من هذا ألَّا نفعل الأسباب؟ لا؛ لأن هذا ضعف في التوكُّل إذا لم تفعل الأسباب، افعل الأسباب واعتمد على الخلاق عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: ألَّا نطلب الرزق إلا من الله؛ لأنه هو الذي يبسط الرزق أو يضيِّقه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله تعالى:
﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
فإن قال قائل: هل هذه المشيئة مُجَرَّدَة عن الحكمة أو مقرونة بالحكمة؟
الجواب: الثاني، لا شك، يعني: ليس عطاء الله أو مَنْعه مجرد أنه أراد، لا؛ لا بد أن يكون لحكمة، وهذه قاعدة أثبتها في دماغك، كل شيء قَرَنَهُ الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة ولا بد، لا يمكن أن يفعل شيئًا عبثًا، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، فكلما مَرَّ بك شيء مقرون بالمشيئة فاعلم أنه تابع لحكمة الله عز وجل، واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان ٢٩، ٣٠]، بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، يعني: فمشيئته مقرونة بالعلم والحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات عموم علم الله؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بكل شيء موجود أو معدوم؟
* طلبة: كليهما.
* الشيخ: كلاهما، بكل شيء واجب الوجود أو جائزه أو ممتنعه؟
* طلبة: كل شيء.
* الشيخ: كل شيء؟ حتى الممتنع؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: يعلم حتى الممتنِع، يعلمه، قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، وهل يمكن أن يكون فيهما آلهة إلا الله؟ لا يمكن، ومع ذلك عَلِمَ عز وجل أنه لو كان ذلك لفسدت السماوات والأرض، ولهذا نقول: عِلْمُ الله تعالى متعلِّق بكل شيء، بالواجب؛ كعلمه بنفسه، بالمستحيل؛ كعلمه بفساد السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة إلا الله، بالممكن؛ كعلمه بالمخلوقات، فعِلْم الله متعلِّق بكل شيء من واجب ومستحيل وممكن.
هنا تنبيه على خطأ جارٍ بين الناس، إذا كان الشيء قليلًا قالوا: هذا بسيط، هذا غلط؛ لأن البسط في اللغة يعني التوسيع والتكثير، فلا تقل هذا بسيط، قل: هذا يسير، هذا قليل، إن كان من حيث الصفة قل: يسير، إن كان من حيث العدد قل: هذا قليل.
نسأل الله تعالى أن يتولانا وإياكم برحمته، وأن يوفِّقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:13
ثم قال عز وجل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى ١٣] إلى آخره.
﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ الخطاب لهذه الأمة ولله الحمد، ومعنى ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أي سَنَّ لكم وجعل لكم شريعة، هي: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾. قال الشارح: (وهو أول أنبياء الشريعة) وتساهل رحمه الله في هذا، والصواب أن يقول: هو أول رسل الشريعة؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح: «أَنَّ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَأْتُونَ إِلَى نُوحٍ لِيَشْفَعَ لَهُمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣ / ٣٢٢)، من حديث أنس بن مالك، ولفظ البخاري عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «يجتمعُ المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمَك أسماءَ كلِّ شيءٍ، فاشفعْ لنا عند ربِّك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لستُ هناكم -ويذكر ذنبه فيستحي- ائتوا نوحًا، فإنه أولُ رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتونه فيقول: لست هناكم -ويذكر سؤاله ربَّه ما ليس له به علم فيستحي- فيقول: ائتوا خليل الرحمن...» .]].
ولأن الرسول أخص من النبي، ولا ينبغي أن نعدل عن الأخص إلى الأعم، إذن الصواب أن نقول: هو أول رسل الشريعة، أما أول أنبياء الشريعة فهو آدم عليه الصلاة والسلام، نبي مُكلَّم، لكنه ليس برسول، الحكمة من كونه غير رسول؛ لأن الناس لم يختلفوا بعد، والله تعالى أرسل الرسل ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال جل وعلا: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣] لكن في عهد آدم ما فيه اختلاف، العدد قليل وليس هناك مغريات ولا أشياء توجب أن يختلف الناس، فلذلك كان آدم يتعبد لله تعالى بشريعته التي شرعها لهم.
أبناؤه يتبعونه، لما كثروا وانتشروا واختلفوا حينئذٍ جاءت الحاجة بل الضرورة إلى الرسل، إذن الأولى أن نقول: هو أول رسل الشريعة، لماذا؟ لأن أول أنبياء الشريعة آدم.
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى ١٣] يعني: وشرع لكم الذي أوحينا إليك. ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ معطوفة على ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ والوصية: هي العهد بالشيء الذي يهتم به، يُسمى وصية ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى ١٣]. الله أكبر، ذكر الله تعالى أول الأنبياء الذين هم الرسل وآخرهم، ثم ذكر ما بين ذلك ليجمع سبحانه وتعالى بين الطرفين والوسط، مَنْ أول هؤلاء الرسل الكرام؟ نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، هؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] وذُكروا في القرآن في موضعين: هذا واحد.
والثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب ٧] وهذه الآية في سورة الأحزاب.
﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى ١٣] ﴿أَنْ﴾ هذه تفسيرية بمعنى (أي)؛ ولذلك لا تعمل شيئًا؛ لأنها لمجرد التفسير والتبيين ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣] ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يعني: ائتوا به مستقيمًا غير منحرف.
وما هو الدين القيم؟ هو الدين الذي شرعه الله عز وجل، فيجب علينا أن نقيم الدين كما أقامه الله عز وجل، لا نغلو فيه، ولا نُقصِّر عنه؛ ولذلك كان الناس في دين الله على ثلاثة أقسام:
قسم غلوا، وقسم قصَّروا، وقسم اعتدلوا، فما الذي أُمِرْنا فيه؟ الاعتدال ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ غير متجاوزين ولا قاصرين عنه؛ ولذلك هلك أقوام ممن قصَّروا أو تجاوزوا، وأيهما أخطر؟ الأخطر التجاوز وهو الغلو، قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ»[[أخرجه النسائي (٣٠٥٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ]]. ولأن الغالي يعتقد أن هذا دين فلا يكاد يُقلِع عنه، والْمُقصِّر يعترف أنه مُقصِّر، فربما حاسب نفسه يومًا من الأيام وأتم، فالغلو أخطر؛ ولذلك تجد بدع المبتدعة أشدها الغلو، فالرافضة مثلًا غلوا في آل البيت، وتجاوزوا الحد، والمؤلِّهة للرسول عليه الصلاة والسلام الذي يعتقدون أنه أشد من الإله عز وجل غلوا في الرسول وهلكوا، والغالية في الدين الذين يريدون من الناس أن يستقيموا على الدين، وألا يفعلوا كبيرة أيضًا غلوًّا كالخوارج، المهم أنك إذا تأملت البدع وجدت أن الغلو فيها أشد خطرًا على الإنسان؛ لأن الغالي يعتقد أن ما هو عليه دين، والمقصِّر يعرف أنه مقصر، وربما استقام بعد ذلك.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الدين يطلق على معنيين:
المعنى الأول: الجزاء.
والمعنى الثاني: العمل، يعني يُطلق على العمل وعلى الجزاء؛ فمن إطلاقه على العمل قول الله تبارك وتعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] يعني لكم عملكم ولي عملي، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس ٤١]. ومن إطلاقه على ا لجزاء قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]. وما نقرؤه نحن في كل صلاة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] أي المعنيين يراد؟ الجزاء ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ هنا ما المراد به؟ العمل ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ يعني: لا تتفرقوا في دينكم فتكونوا أحزابًا، فنهى الله عز وجل عن التفرق في الدين، وهذا يستلزم وجوب الاجتماع عليه؛ لأن النهي عن الشيء أمر بضده إذا لم يكن له إلا هذا الضد، وحينئذٍ يجب على المسلمين أن يجتمعوا في دين الله وألا يتفرقوا فيه.
وما اختلف العلماء فيه من الآراء فإن الهدف منه واحد لمن صلحت نيته؛ لأن كل واحد من المختلِفين إنما يريد الوصول إلى الحق لكن اختلفوا في الطريق، وإذا كان الهدف واحدًا وهو الوصول إلى الحق فإنه لا يجوز أن يُجعل هذا الاختلاف سببًا للتفرق في الاتجاه، لا يجوز هذا إطلاقًا، بل تجب الوَحْدة والاجتماع حتى مع اختلاف الآراء؛ ولهذا كان السادة الغُرر الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في أشياء كثيرة مهمة، ومع ذلك فالقلوب واحدة، ولما وصل الاختلاف بهم إلى تفرق القلوب حصل ما حصل من الفتن بين علي ومعاوية وعائشة والزبير وما أشبه ذلك.
في وقتنا الحاضر لا شك أن الناس مختلفون، فمنهم من يتجه اتجاهًا سياسيًّا، ومنهم من يتجه اتجاهًا صوفيًّا، ومنهم من هو معتدل، اختلافات كثيرة؛ فالواجب علينا أن ننزع فتيل هذا الاختلاف، وأن نكون أمة واحدة حتى لا نتفرق فنفشل؛ لأن الله يقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
يعني ولا يكن لكم قيمة ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦]؛ ولهذا نجد الآن مع الأسف الشديد أن ما يُسمى بالصحوة الإسلامية أُصِيب بهذا البلاء، وصار نفس المتدينين يلمز بعضهم بعضًا، ويضلل بعضهم بعضًا، ويُبدِّع بعضهم بعضًا، وربما يُكفِّر بعضهم بعضًا، فضاعت تلك الصحوة، وصار الذين يُراد منهم أن يكونوا حزبًا على أعداء الله وحربًا على أعداء الله صاروا حربًا على أنفسهم وأحزابًا بأنفسهم، وهذا ما يبذل فيه العدو أغلى ما يكون ليحصل، وقد حصل له مجانًا، فالواجب علينا أن نزيل هذه الاختلافات وأن ندعها، وأن نترك ما يعمر به كثير من الناس مجالسهم في سب فلان وفلان، أو ذم فلان وفلان، أو الغلو في فلان وفلان؛ لأن هذا يُضيِّع الأوقات، ويولد الأحقاد، ولا يفيد شيئًا بل يضر، ما لنا ولفلان، إن كان ميتًا فقد واجه الحساب، وإن كان حيًّا فنرجو له الاستقامة، وأما أن نجعل أكبر همنا هو هذا الكلام الذي لا يعود إلى الأمة إلا بالشر؛ ولهذا ينهى الله عز وجل عن التفرق في عدة آيات كما في هذه الآية: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
فإذا اختلفت أنت وصاحبك في رأي من الآراء وهو محل للاجتهاد فالواجب أن تعتقد أن صاحبك لن يخالفك، لماذا؟ لأنه سلك السبيل الذي تسلكه أنت، هو اجتهد فقال: هذا هو الصواب، وأنت اجتهدت فقلت: هذا هو الصواب، إذن ما مراد كل واحد منكم؟ الوصول إلى الحق، ولا يمكن أن يكون اجتهادك حجة عليه، ولا اجتهاده حجة عليك، وحينئذٍ نكون في الواقع متفقين، حتى لو خالفني فأنا أعتقد أنه موافقني؛ لأننا كلنا نقصد الحق ولا نريد مخالفة الحق، لكن مع الأسف الآن أن بعض الناس يتخذ من هذا الخلاف الذي هو محل الاجتهاد يتخذ منه سلمًا للتفرق والطعن.
قبل سنوات في مِنى حضرت طائفتان أفريقيتان، كل واحدة تلعن الأخرى وتُكفِّرها، فأتوا إلى أمير الدعوة التي أنا من ضمن أعضائها أتوا إليه متشاكسين جدًّا جدًّا، في مِنى في أيام الحج، في شهر حرام، في بلد حرام، فهو -جزاه الله خيرًا- حضر إلَيَّ معهم، ويش الأمر؟ قال: هؤلاء كُفَّار، هؤلاء رغبوا عن سُنَّة الرسول ﷺ، وقد قال النبي ﷺ:« «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١/٥) من حديث أنس رضي الله عنه. ]].
ونحن نبرأ منهم، كلام طويل عجيب، وما الخلاف؟ الخلاف إحدى الطائفتين تقول: إذا قام يصلي فإنه يضع اليد اليمنى على اليسرى، والطائفة الأخرى تقول: إذا قام يصلي يرسل يديه، المسألة ما هي خلاف في العقيدة، المسألة خلاف في سُنة من سنن الصلاة هي محل اجتهاد، كل واحد يقول للآخر: إنه كافر؛ لأنه رغب عن سنة النبي ﷺ، وقد قال ﷺ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».
شوف البلاء! الآن الشباب صار اختلافهم في أمر آخر؛ في الأشخاص، يجعلون الشخص هدفًا، ما تقول في فلان؟ إذا قال: والله فلان طيِّب حبيب، ومِن خير عباد الله، انشرح صدره، وكأنما أُعطي الجنة، وإذا قيل: والله هذا الرجل عنده انحراف في المسلك، إنسان فيه كذا، وفيه كذا، انقبض وضاق صدره، وترك صاحبه، هذا غلط يا إخوان.
الناس الرجال إن أخطؤوا، فاسأل الله أن يعفو عنهم خطئهم؛ لأنهم مسلمون مهما كانوا لا يخرجون من الإسلام، وإن أصابوا فخذ بصوابهم واحمده، وخطؤهم لا تأخذ به، أما أن تجعلهم محكًّا للولاء والبراء فهذا غلط عظيم؛ لذلك أنا أدعو إخواننا من السعوديين وغيرهم إلى نبذ هذه الطريق والبعد عنها، وأن نعتقد أننا إخوان، وأن كل واحد منا مجزي بعمله، وألا نجعل هذا سببا للتفرق؛ لأن الله نهانا، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا ينهانا إلا عن شيء فيه ضررنا، فهنا يقول: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يعني غير مغالين فيه ولا مُقصِّرين ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ اجتمِعوا عليه.
﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى ١٣] ﴿كَبُرَ﴾ بمعنى عظم واشتد عليهم.
﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ يعني بالله.
﴿مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ من أي شيء؟ من التوحيد؛ لأن المشرك ما يكبر عليه هو التوحيد، أكبر شيء عنده هو التوحيد؛ يعني أكبر شيء يشق عليه هو التوحيد؛ ولهذا قالوا في الرسول ﷺ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص ٥، ٦]. شوف صبروا أنفسهم على الشرك والعياذ بالله، وقالوا في التوحيد: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ أي عجيب جدًّا، فما هو الشيء العجاب حقيقة؟ هو إشراكهم بالله عز وجل، الذي يقرون هم أنه خالقهم ولا خالق سواه، من هنا نأخذ أن المشركين يعظم عليهم التوحيد.
وأقول لكم: إذا كان يعظم عليهم التوحيد فلا بد أن يفعلوا كل سبب يحول بين هذا التوحيد وقيامه وانتشاره، أليس كذلك؟ كل شيء عظيم عليك لا بد أن تدافعه، فهم الآن حرب على التوحيد وأهله؛ ولهذا تسمع الآن مخططات النصارى على ما في ديانتهم التي هم عليها من الضلال والمخالفة للمعقول والمحسوس تجدهم يبثون الإذاعات القوية التي ليس فيها تشويش، والتي تأتي في أوقات مناسبة للدعوة إلى الدين الذي هم عليه، ما أقول: إلى دين المسيح، المسيح بريء منهم، لكن إلى الدين الذي هم عليه.
تجد بعض أهل البدع يكبر عليهم جدًّا من يدعو إلى السنة، ويحاربون من يدعو إلى السنة، ويشوهون السمعة؛ لأنه عظيم عليهم، فهنا يقول: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى ١٣].
يقول: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾ ﴿يَجْتَبِي﴾ بمعنى يختار ويصطفي. وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ أعاد الضمير رحمه الله إلى التوحيد، ولكنَّ فيه احتمالًا أقوى مما قال وهو أن الضمير يعود إلى الله عز وجل؛ أي: الله يجتبي إلى نفسه عز وجل من يشاء، ويهدي إلى نفسه من ينيب، وهذا أحسن مما سلك المؤلف، فالله تعالى يختار إليه من يشاء، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن اختارهم إليه، ويكره آخرين؛ فالأولون يهديهم صراطه المستقيم، والآخرون يضلهم؛ لأنهم هم الذين فعلوا السبب ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
ولكنه مر علينا قريبًا جدًّا أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، لا يشاء شيئًا إيجادًا أو إعدامًا أو تغييرًا إلا لحكمة.
﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي من يُقبِل على طاعته، يقول الشارح: (يقبل إلى طاعته)، فهو يهديه الله إليه، وقد ثبت عن النبي ﷺ فيما رواه عن ربه أن الله تبارك وتعالى يقول: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». يعني الفرائض أحب إلى الله من النوافل: «وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) بسنده عن أبي هريرة، قال: قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». ]].
وكذلك قال تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «مَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥/٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا، تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». ]]. فمن أناب إلى الله فإن الله يهديه إليه، ويُعينُه ويسدده.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن شرع الدين عند الله عز وجل وحده؛ ولهذا أنكر الله تعالى على الذين يشرعون لأقوامهم دينًا لم يأذن به الله، فقالوا: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١].
* ومن فوائدها: أن الأصل في العبادات المنع إلا بدليل؛ ولهذا إذا رأيت شخصًا يعمل عملًا يتقرب به إلى الله فأنكر عليه إلا إذا أقام دليلًا، بخلاف غير العبادات فالأصل فيها الحِل، ولهذا إذا رأيت شخصًا يفعل شيئًا ليس عبادة فأنكرت عليه فعليك الدليل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أديان الأنبياء واحدة، من نوح إلى محمد ﷺ؛ لقوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى ١٣].
فما هذا التوحيد في الأديان؟ التوحيد في الأديان هو ما أفاده قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] فهذه هي القاعدة العامة في جميع الرسالات، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
أما الشرائع والمنهج فلكل أمة ما يناسبها؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]؛ ولهذا نجد أن بني إسرائيل يشدد الله على أقوام منهم في الشريعة ويخفف في الشريعة الأخرى، قال عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠].
إذن الأصل هو توحيد الرسالات، وهذا الأصل هو المشار إليه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦].
أما الشرائع والمنهاج فهذا يشرع الله عز وجل لكل أمة ما يناسبها، حتى الأمة الواحدة يشرع لها ما يناسبها في أول أمرها، وفي آخر أمرها كالمنسوخ في هذه الشريعة الإسلامية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات نبوة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى؛ لقوله: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الشورى ١٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله تبارك وتعالى بالشرائع حيث جعل ذلك وصية، والوصية هي العهد بالشيء المهتم به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن الكريم وحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن القرآن شامل لجميع الشريعة؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
فإن قال قائل: في الشريعة ما لا يُوجد في القرآن تفصيلًا؟
فالجواب: تكفي الإشارة إليه، يعني لو أننا بحثنا هل في القرآن ما يدل على عدد الصلوات، وعلى عدد ركعاتها، وعلى كيفيتها؟ لكان الجواب: لا، ما هو موجود، لكن كون الله عز وجل يأمرنا أن نطيع رسول الله ﷺ وأن تبعه يكفي؛ لأن سُنَّة الرسول عليه الصلاة والسلام قد أُمرنا بها وبكل ما تتضمنه، وعلى هذا تكون الشريعة كلها موجودة في القرآن إما بالإشارة والإيماء وإما بالتصريح.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ، حيث قال: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأمم جميعهم مأمورون بإقامة الدين وعدم التفرق فيه؛ لقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾.
* ومن فوائدها: أن التفرق في دين الله منافٍ للذي أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ووصى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما يدعو إليه النبي ﷺ من التوحيد كان عظيمًا وشاقًّا على المشركين؛ لقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى ١٣].
* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه متى كان التوحيد كبيرًا على المشركين فلا بد أن يسعوا بكل جهودهم على إحباط هذا التوحيد؛ لأن كل إنسان بمقتضى فطرته لا بد أن يسعى في إزالة ما يكون شاقًّا عليه.
* ويتفرع على ذلك فائدة: وهو الحذر من كيد المشركين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ كان يدعو المسلمين وغير المسلمين لدين الله؛ لقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. وهذا قد وقع تطبيقه، وشاهده في حال النبي ﷺ؛ كان يخرج إلى البلاد الأخرى ليدعو الناس إلى التوحيد كما خرج إلى الطائف، وكان في موسم الحج يعرض نفسه على القبائل عليه الصلاة والسلام، يأتي لكل قبيلة ويدعوهم، ويقول: «أَلَا أَحَدٌ يُؤْوِينِي» -أو كلمة نحوها- «حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؛ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي»[[أخرج أحمد (١٤٤٥٦) عن جابر، قال: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين، يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: «من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة؟». ]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله قد يَمُنُّ على بعض العباد بالاجتباء والهداية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى ١٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله عز وجل لفعل العبد؛ لقوله: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيكون فيها رد على مَن؟ على القدَرِية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولا مشيئة لله تعالى في فعله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الهداية لكل منيب، وهذه الهداية غير الإنابة، الإنابة هداية سابقة، لكن كلما أناب الإنسان إلى ربه ازداد هداية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: عِصمة الله تبارك وتعالى من ينيب من البِدع والمخالفات؛ لقوله: ﴿يَهْدِي إِلَيْهِ﴾. وهذا بلا شك ضد البدع؛ لأن البدع ليس فيها هداية إلى الله بل هي ضلالة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحث على الإنابة إلى الله عز وجل؛ لأنه سبب للهداية.
* ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ فأضاف الفعل إلى العبد، والجبرية لا يضيفون الأفعال إلى العبد يقولون: إن العبد يفعل بغير إرادة ولا اختيار.
ففي الآية إذن رد على القدرية ورد على الجبرية، وهما طائفتان مبتدعتان متطرفتان، فما هو المذهب الوسط؟ المذهب الوسط هو الذي يقول: إن الإنسان لا يُجبَر على عمله، وأنه يفعل الفعل باختياره، ولا يشعر أن أحدًا أجبره، لكننا نعلم أن هذا الفعل الذي وقع منه واقع بمشيئة الله وإرادة الله، ولا يمكن أن يستقل الإنسان بشيء في الكون من دون الله عز وجل.
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا مر الإنسان بآية فيها ذكر الأنبياء سواء في الصلاة أم خارج الصلاة، هل يُشرع له أن يصلي عليهم؟
* الشيخ: لا، إلا الرسول ﷺ.
* طالب: ولو خارج الصلاة؟
* الشيخ: كيف ولو خارج الصلاة؟ إي نعم، ولو خارج الصلاة؛ لأنه ما نعلم أن الرسول إذا مر بالرسل سلم عليهم.
* الطالب: أنا أقصد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إذا مر علينا في قراءة في الصلاة؟
* الشيخ: إذا مر عليك فصلِّ عليه في أي حال أنت، إلا إذا كنت على الخلاء فلا (...)
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى ١٣]. سبق لنا أن هؤلاء الرسل الكرام لهم لقب خاص هو؟
* الطالب: أولو العزم من الرسل.
* الشيخ: هم أولو العزم من الرسل، ذُكِروا في القرآن في أكثر من موضع، في كم موضع؟
* طالب: في موضعين.
* الشيخ: في موضعين، الأول في سورة الأحزاب، اقرأها؟
* طالب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب ٧].
* الشيخ: والموضع الثاني: قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ [الشورى ١٣] معناها تفسيرية، لكن ويش معنى ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: افعلوه مستقيمًا، لا عوج فيه، العوج في الدين يكون بأمرين متطرفين؟
* طالب: أولًا: الابتداع والبدع.
* الشيخ: لا.
* طالب: الغلو في الدين، والثاني: التقصير فيه والنقص.
* الشيخ: الغلو والتقصير، أيهما أخطر على الإنسان؟
* الطالب: الغلو يا شيخ.
* الشيخ: الغلو، لماذا؟
* الطالب: لأن الغلو يكون زيادة.
* الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا يعتبر نقصًا في الدِّين.
* الطالب: أنه يعتقد، ويؤمن بما هو عليه.
* الشيخ: يعتقد أنه على حق، وأن هذا هو الدين، فلا يكاد يتركه، أما المقصِّر فيعرف أنه مُقصِّر، ويحاول أن يصلح ما قصر فيه.
الشورى 42:14
ثم قال الله تعالى: (﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ أي: أهل الأديان في الدين بأن وَحَّد بعضهم وكفر بعض ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بالتوحيد ﴿بَغْيًا﴾ من الكافرين ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ).
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يقول المؤلف: (أي أهل الأديان). وهذا تفسير جيد، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في سورة البينة قوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] فهل نقول: إن هذه الآية العامة ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ تُخَصَّص بآية البينة، ويكون المراد: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب، أو نقول: هي عامة ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بعض من الأفراد، وإذا ذُكِر بعض الأفراد بحكم يطابق حكم العام فإنه لا يعد مُخصصًا؟
الجواب الثاني: وهذه قاعدة أصولية: أنه إذا ذُكِر بعض أفراد العام بحكم يُطابق العام فهذا ليس بتخصيص، مثاله، قلت: أكرم الطلبة. ثم قلت: أكرم محمدًا وهو منهم، هل هذا يقتضي ألا تكرم سواه؟ أجيبوا.
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، إذن ذِكْره بحكم يوافق حكم العام لا يقتضي تخصيصه به، أما لو كان يُخالف فهذا تخصيص، لو قلت: أكرم الطلبة. ثم قلت: لا تُكرم محمدًا، فحينئذٍ يخرج حكمه عن حكم العام.
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ١٤]. وقول المؤلف: (بأن وحَّد بعضهم وكفر بعض) هذا مناسب لقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى ١٣] وإلا فالاختلاف أوسع من أن يكون اختلافًا في التوحيد والكفر.
﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فيكون تفرقهم عن علم، قد قامت عليهم الحجة.
وقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفعول لأجله؛ أي أن تفرقهم للبغي والعدوان.
(﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الشورى ١٤] بتأخير الجزاء ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ) إلى آخره.
﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الشورى ١٤] والكلمة التي سبقت من الله هي تأخير الجزاء حتى يوافوا الله عز وجل.
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي مُعيَّن وهو يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بتعذيب الكافرين في الدنيا. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي فصل وحُكم بينهم، وأُهلك الكفار وأُبقي الموحدون.
(﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم اليهود والنصارى) يقول الشارح: (﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من محمد ﷺ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقع للريبة).
قوله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّك﴾ الكلمة هي أنه قضى عز وجل بتأخير العذاب عنهم فتنة واختبارًا، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الفتنة والاختبار بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤] لو انتصر الله منهم وأهلكهم ما بقي للجهاد محل، ولا بقي للمؤمنين محنة واختبار؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد ٤].
وقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي معين محدد، وذلك يوم القيام. يوم القيام محدد في علم الله لا يتقدم ولا يتأخر، كما أن موت الإنسان محدد من قِبَل الله، لا يتقدم ولا يتأخر.
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾. وإن الذين أُورثوا الكتاب؛ أي: أُعطوه، مجانًا أو بعوض؟ مجانًا؛ يعني بدون تعب، كما أن الوارث يرث مال مورثه بدون تعب مجانًا.
﴿أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ هل المراد بالكتاب هنا التوراة والإنجيل، أو المراد بالكتاب القرآن، ويكون المعنى ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ وهو القرآن ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي من بعد الذين تفرقوا من أهل الكتاب وغيرهم ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي من هذا الكتاب ﴿مُرِيبٍ﴾؟
هذا الذي أقوله أحسن مما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، المؤلف يفيد قوله: أن المراد بالكتاب التوراة والإنجيل؛ لأنه قال: (هم اليهود والنصارى)، فاليهود لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، ولكن الظاهر أن المراد بالكتاب هو هذا القرآن ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي من هذا الكتاب ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقع في الريبة، والريبة أشد من الشك؛ لأنها ارتياب وقلق، الشاك قد يكون بارد الضمير، ليس عنده قلق، لكن المرتاب أشد، والغالب أن الارتياب يكون مع تعارض الأدلة التي كل واحد منها يقتضي أن يكون المصير إليه فيرتاب الإنسان، ويتردد ويقلق، لكن الشك المجرد هو شك لا شك في هذا لكن لا يؤدي إلى الريبة إلا إذا عظُم وقوي، وتعارضت الأدلة، حينئذٍ يبقى الإنسان في ارتياب شديد.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن تفرق هؤلاء كان بعد أن قامت عليهم الحجة؛ لقوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ [آل عمران ١٩].
* ومن فوائدها: أن من خَالَف الدين بعد مجيء العلم فإنه باغٍ معتدٍ؛ لقوله: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الشورى ١٤]. ولا شك أن الله تعالى موصوف بالكلام؛ لأنه كمال، وضد الكلام الخرس، والخرس نقص، فلو نفينا الكلام لزم من ذلك ثبوت الخرس، وهذا نقص يُنَزَّه الله عنه.
فإن قال قائل: ما هو كلام الله؟
قلنا: كلام الله هو المسموع بالآذان، يسمعه جبريل، ويسمعه غيره ممن يكلمه الله، هذا هو الحق، وقد وافقنا عليه الجهمية، فقالوا: إن كلام الله هو المسموع بالآذان، لكننا اختلفنا عنهم بأنهم يقولون: هو مخلوق ونحن نقول: إنه ليس بمخلوق.
الأشعرية والكُلَّابية وأمثالهم قالوا: كلام الله هو المعنى القائم بنفسه، وليس المسموع، فالمسموع عبارة أو حكاية عن كلام الله، وكلام الله هو ما قام في نفسه، ولذلك يرون أن كلام الله لا يتعلق بمشيئته، فلا يقولون: إن الله يتكلم متى شاء؛ لأنه معنى قائم بالنفس كقيام السمع والبصر، ولا شك أن هذا قول باطل، وأنه أبعد من الصواب من قول الجهمية؛ لأن الجهمية يُصرِّحون بأن كلام الله هو المسموع وليس المعنى القائم بالنفس لكنهم يقولون: إنه مخلوق، هؤلاء إذا قالوا: إن كلام الله هو المعنى القائم بنفسه وخلق أصواتًا تعبر عما في نفسه، هل خالفوا الجهمية؟ ما خالفوهم، اتفقوا على أن هذا المصحف الذي بين أيدينا مخلوق لكن الجهمية صاروا أشجع من الأشعرية؛ الجهمية قالوا: هذا كلام الله، وأولئك قالوا: هو عبارة عن كلام الله.
على كل حال نحن نقول: إن الله إذا أضاف الكلام إلى نفسه وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، وأكد ذلك بقوله: ﴿تَكْلِيمًا﴾ أثبتت الأدلة أنه يكلم من شاء من خلقه، فما الذي يجعلنا نُحَرِّف؟ وأيهما أحق بالكمال إله يتكلم متى شاء بما شاء وإله لا يتكلم؟ الأول، بل الثاني لا يستحق أن يكون إلهًا؛ ولهذا قال إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢]. إذن من قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ [الشورى ١٤] نستفيد إثبات الكلام لله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في تأخير العقوبة عن العُصاة، ومن الحِكم في هذا أن الله عز وجل يمهلهم لعلهم يستعتبون؛ ولذلك قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ٤٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الدنيا لها حد؛ لقوله: ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي معين محدود، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ [هود ١٠٤] أي العذاب ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الذين أُورثوا الكتاب من بعدهم في شك منه مريب، يعني اليهود الذين أدركوا هذا القرآن وورثوه من بعد اليهود السابقين وكذلك النصارى في شك منه مريب.
* ويتفرع على هذه الفائدة: أن مثل هؤلاء لا تنفع فيهم المواعظ ولا الآيات، ويدل لهذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١].
* الطالب: بعض الأحيان قد يُسأل الإنسان من بعض العوام أو المستقيمين الذين ليس عندهم علم: ما رأيك في فلان وفلان؟ يعني معينين، فما موقف طالب العلم من ذلك؟
* الشيخ: هو إذا قال: ما رأيك في فلان وفلان؟ نحن نعرف الآن أن هناك رؤوسًا هي الناقوس للناس، هذه إذا سألني أقول: ما لك ولفلان؟! دَعْه، إن كان ميتًا فقد واجه ربه، وإن كان حيًّا فنسأل الله له الاستقامة فقط، أما إذا حدد قال: ما تقول في رأي فلان؟ هنا يجب أن أتكلم، أقول: هذا صواب أو خطأ حسب ما يكون عندي.
* الطالب: الاختلاف بين الأحزاب في الفكر ولَّا في العقيدة بين الشيعة والصوفية؟
* الشيخ: لا، الشيعة خلافهم متباين مع أهل السنة والجماعة، ليس خلاف الشيعة مع أهل السنة كخلاف الشافعية مع المالكية مثلًا، لا، بل اختلاف عظيم، اختلاف في أصل العقيدة، فمثلًا من أصول العقيدة للشيعة أن عندهم رؤوسًا يسمونهم الأئمة يدَّعون أن من هؤلاء الأئمة من يعلم الغيب ويدبر الكون، وأن من أئمتهم من يبلغ منزلة لا يبلغها مَلَك مقرب ولا نبي مرسل؛ يعني معناه منزلة الربوبية، هذا ما يمكن أن نتفق معهم بأي حال من الأحوال.
ومنهم من يسب الصحابة عمومًا إلا نفرًا قليلًا، ومنهم من يلعن أبا بكر وعمر ويقول: إنهما ماتا على النفاق، والعجيب أني رأيت في كتاب ابن حزم رحمه الله الملل والنحل، رأيت شيعة تُكفِّر عليًّا وتُكفِّر أبا بكر، كلا الاثنين، أما أبو بكر فتقول: لأنه ظلم بأخذ الخلافة، وأما علي فإنه تراخى عن الواجب عليه، ليش ما منع أبا بكر؟ فهذاك معتدٍ وهذا مفرط، وكلاهما كافر، من بقي؟ ما بقي إلا كان يقولون: الرسول عليه الصلاة والسلام: ليش ما عينه من الأول وقطع النزاع؟! شيء عجيب!
لكن الخلاف بين المالكية والشافعية والحنابلة والأحناف وما أشبههم هؤلاء، هذا ما هو خلاف، الواقع أنه ما بخلاف، إلا إنسانًا متعصبًا نقول: هذا الحق ويقول: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: مَنْ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أقول: هؤلاء ما يمكن الاتفاق معهم، لكن الاتفاق مع المالكية والشافعية والحنابلة هذا ممكن.
الشورى 42:15
ثم قال الله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ [الشورى ١٥] فلذلك المشار إليه إقامة الدين وعدم التفرق فيه.
وقوله: ﴿فَادْعُ﴾ الفاء زائدة لتحسين اللفظ، والأصل: فلذلك ادعُ، ولهذا نقول: إن هذه الجملة فيها حصر، تقديم ما حقه التأخير، ما هو الْمُقدَّم؟ الجار والمجرور؛ ولذلك قلت لكم: إن الفاء في قوله: ﴿فَادْعُ﴾ زائدة لتحسين اللفظ، ولولا أنها من كلام الله لقلنا فلذلك ادعُ، وهذا هو السر في أن قلنا: إن هذه الجملة تفيد الحصر.
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ قال المؤلف رحمه الله: (﴿فَلِذَلِكَ﴾ التوحيد). ولو قال: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي لإقامة الدين، وعدم التفرق فيه لكان أجود ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؛ ولهذا قال المؤلف: (يا محمد، الناسَ) الناس أشار به إلى أن مفعول ﴿ادْعُ﴾ محذوف، والتقدير (الناس).
(﴿وَاسْتَقِمْ﴾ عليه ﴿كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى ١٥] في تركه) ﴿اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ هذا ليس خاصًّا بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله تعالى في سورة هود: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود ١١٢].
وقوله: ﴿اسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي على الوجه الذي أُمرت من غير زيادة ولا نقص. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ما أهواؤهم التي نُهي عن اتباعها؟ ما يخالف ما أُمِر به؛ ولهذا قال المؤلف الشارح: (في تركه).
﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى ١٥] ﴿قُلْ﴾ معلنًا لهم ولغيرهم: ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ ﴿آمَنْتُ﴾ بمعنى: أقررت، والإيمان: هو الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار؛ ولهذا نقول: إن أبا طالب ليس بمؤمن، مع أنه مقر برسالة النبي ﷺ، فإنه كان يقول في لاميته المشهورة:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ
ويقول:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا؎لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُـــبِينَا
ولكنه -والعياذ بالله- قد سبقت له من الله الشقاوة، فكان آخر ما قال أنه على ملة عبد المطلب، وصرح في تلك الحال أنه لولا أن قومه يلومونه ويقولون عندما أيس من الحياة آمن لآمنت، هكذا يقول -والعياذ بالله- وهو في سياق الموت.
فقوله: ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ نقول: الإيمان هو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان. أبو طالب مقر لكنه لم يقبل، ولم يُذعن، فصار كافرًا.
﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: بالذي أنزل الله من الكتب كلها، وهكذا يجب علينا نحن أيضًا أن نُؤمن بما أنزل الله من كتاب، ولكن هل يجب علينا أن نتبع ما أنزل الله من كتاب؟
الجواب: لا، نتبع ما جاء في شريعتنا، وإن خالف ما في الشرائع الأولى، لكن نؤمن بأن الكُتب النازلة على موسى وعيسى وداود وغيرهم من الأنبياء نؤمن بأنها حق، أما الاتباع فهو لشريعة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. ويش اللي بعد ﴿لِأَعْدِلَ﴾ عندكم؟
* طالب: (...) ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ﴾ قال المؤلف: (لأن أعدل بينكم).
* الشيخ: أفادنا المؤلف رحمه الله أن اللام في قوله:﴿لِأَعْدِلَ﴾ بمعنى الباء؛ أي أُمرت بأن أعدل ﴿بَيْنَكُمُ﴾. هذا ما قدره المؤلف رحمه الله تعالى، ولا شك أن هذا تقدير سهل، سهل أن يقول: اللام بمعنى الباء، ويمشي، لكن إتيان اللام بمعنى الباء قد لا يكون سائغًا في اللغة العربية، وأن الله تعالى أمر رسوله ﷺ بأمر فوق ذلك، أي: ﴿وَأُمِرْتُ﴾ بالشرع أو بالعدل ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ فيكون المأمور به محذوفًا، ويكون الموجود هو العلة، أُمرت بكذا لأعدل بينكم، وهذا أبلغ من أن نقول: اللام بمعنى الباء، ويكون أُمرت بالعدل بينكم، لا، نقول: أُمرت بالشرع والإيمان بكل كتاب ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم.
﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ هذه الجملة حق لا شك فيها. ولكن قد يقول قائل: ما الفائدة منها؟ أليس هذا كقول القائل: السماء فوقنا والأرض تحتنا؟ لأن هؤلاء يُقرون بأن الله ربهم، فما الفائدة؟
الفائدة من ذلك هو إلزامهم أن يكونوا مثل ما كنا عليه من الدين؛ لأن الرب واحد ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ بإقراركم، فإذا كان كذلك فالواجب عليكم أن تخضعوا لأوامر ربكم عز وجل، ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني أنه لا يضرنا عملكم ولا يضركم عملنا، فإذن لا تتعقلوا بنا ولا نتعلق بكم، كُلٌّ له عمله، فكل يُجازَى بعمله.
﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ كيف لا حجة بيننا وبينكم ولدينا الحجة عليهم؟ المقصود: لا حجة قال الشارح: (خصومة بأن أعدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ ) إلى آخره.
والصواب: عدم تقدير: بأن أعدل؛ لأنه لا داعي له، بل المعنى: لا حجة قائمة على وجه الخصومة بيننا وبينكم؛ لأننا قد أيسنا منكم، ولن تنفع فيكم المحاجة؛ ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾، قال: (هذا قبل أن يُؤمر بالجهاد).
وبعد أن أمر الجهاد صار لهم أعمالنا ولنا أعمالهم؟ هل حين شُرع الجهاد تبطل المحاجة؟ لا، ولهذا نقول للمؤلف رحمه الله: عفا الله عنك، أولًا: أثبِتْ لنا أن هذه الآية قبل الأمر بالجهاد، فإذا قال: هذه الآية مكية، والجهاد إنما أُمر به في المدينة، نقول: أثبِت لنا أنه لما أُمر بالجهاد بطلت هذه البراءة. لا يستطيع أن يثبت ذلك، والله سبحانه وتعالى إنما يتحدث في هذا عن حال المشركين والنبي ﷺ بين أظهُرهم في مكة، وهذا أصلًا لا جهادَ فيه حتى نقول: إن هذا من باب النسخ.
(﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ في المعاد لفصل القضاء ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المرْجِع) والجملة ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيها حصر، طَريقُه تقديم ما حقه التأخير، والله أعلم.
* طالب: هل نقول: إن النسخ شامل للأمم السابقة أو خاص بأمة دون (...)؟
* الشيخ: لا، لنا ولغيرنا، اسمع قول الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٠]، هذا نسخ، كانت هذه الطيبات حلالًا، ثم نُسخت وحُرِّمت، والشريعة واحدة، أما الشريعتان فقال عيسى لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠].
* طالب: قول المؤلف: (هذا قبل الجهاد)، لعله يقصد الخصومة بين المسلمين والكفار؟
* الشيخ: لا، كثير من العلماء، ومنهم المؤلف، إذا أتوا مثل هذه الآيات قالوا: هذا قبل الأمر بالجهاد، ويعني ذلك أنه منسوخ؛ كقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦] قال: هذا قبل الأمر بالجهاد؛ لا حاجة، البراءة موجودة حتى بعد الأمر بالجهاد.
* الطالب: شرع من قبلنا؟
* الشيخ: هذا فيه خلاف، بعض العلماء يقول: شرع من قبلنا شرع لنا، وبعضهم يقول: لا، شرع من قبلنا لهم ولنا شرْع؛ لقوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، والمسألة لها ذيول طويلة وبحوث عميقة في أصول الفقه، والظاهر لي أن شرع من قبلنا الذي أوحاه الله إلينا شرع لنا؛ لأن الله لم يُوحِ إلينا عبثًا بل لنعتبر، ثم إن نُسخ في شريعتنا نُسِخ؛ ولذلك تجد العلماء يستنبطون أحكامًا كثيرة من قصص الأنبياء، لشيخنا رحمه الله فوائد مستنبطة من قصة يوسف؛ رسالة.
* الطالب: هل من فائدة وحكمة في تخصيص النبي ﷺ بالوحي، وباقي الأنبياء بالوصية؟
* الشيخ: نعم، الحكمة هو إثبات أن هذا القرآن مُوحًى به.
* الطالب: في بعض الإذاعات قراءة من التوراة، فهل يجوز للعوام ولطلبة العلم الاستماع لها؟
* الشيخ: أثبت لي هذا بارك الله فيك، أنا أطالبك بصحة النقل.
* الطالب: أنا سمعت من الإذاعة بنفسي.
* الشيخ: السعودية؟
* الطالب: لا، في لبنان يا شيخ..
* طالب آخر: عن طريق إذاعة أخرى ليست من إدارة البلاد، يسمع الإنسان..
* الشيخ: من يمنع الجو؟! لا، ما يجوز أبدًا، يُروى أن عمر بن الخطاب أرى النبي ﷺ صحيفة من التوراة فغضب، وقال: «أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، لَقَدْ جِئْتُ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرج أحمد (١٥١٥٦) بسنده عن جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب، أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا، ما وسعه إلا أن يتبعني». ]]. أبدًا، ولا يجوز، لكن المشكل من يمنع الجو؟ إنما أنا متردد، هل نحذر العوام من سماع هذه الإذاعات؟ لأن مع الأسف الشديد أن هذه الإذاعة تأتي صوتها عاليًا وواضحة كل الوضوح، هل نحذر الناس؟ فيه إشكال؛ لأنك إذا حذرت الناس فتحت الباب لاستماعها، يقولون: ما هي اللي حذر منها؟ وإن تركتهم فأكثر الناس لا يسمعونها والحمد لله.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى ١٥].
* من فوائد الآية الكريمة: وجوب الدعوة إلى توحيد الله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ وتقديم المعمول يدل على الاهتمام به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يستقيم كما أُمِر فلا يحدث في دين الله ما ليس منه؛ لقوله: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز توجيه الأمر لمن كان متصفًا به من قبل من أجل الثبات عليه؛ لقوله: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ لأن النبي ﷺ استقام كما أُمِر من حين ما أُرسِل، بل من حين ما بُعِث، لكن المراد بذلك الثبوت على هذا الشيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي ﷺ عبد مأمور يُوجَّه إليه الأمر، وليس له من الأمر شيء، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران ١٢٨] وهنا قال: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تصرفًا في الكون وتدبيرًا له، ومن باب أولى أن يكون فيها رد على القائلين بأن من دُون الرسول عليه الصلاة والسلام له تصرف في الكون؛ كقول الرافضة، وبعض الصوفية الذين يدعون أن مِن أئمتهم من يتصرف في الكون، وأولئك الصوفية يدَّعون أن من أقطابهم مَنْ يتصرف في الكون؛ فهؤلاء لا شك أنهم ضالون مشركون بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: النهي عن اتباع الهوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
فإن قال قائل: هل اتباع الهوى محمود أو مذموم؟
قلنا: أما ما كان موافقًا للشريعة فهو محمود؛ ولهذا رُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. ]]. وأما ما خالف الشريعة فإنه مذموم.
* ومن فوائد هذه الآية: تثبيت الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن مثل هذه الأوامر والنواهي تؤيده وتثبته وتقويه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب الإيمان بكل ما أنزل الله من كتاب؛ لقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى ١٥]، ولكن كيف يكون الإيمان بالكتب السابقة؟ الإيمان بالكتب السابقة يكون بالإيمان بأنها نازلة من عند الله عز وجل حقًّا، وأما اتباعها فإنه منسوخ بهذه الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فإن قال قائل: وهل نؤمن بأن الكتب التي في أيدي النصارى واليهود الآن هي الكتب النازلة على أنبيائهم؟
فالجواب: لا، لأن الله تعالى ذكر أنهم حرَّفوها وأخفوا كثيرًا منها؛ فذلك لا ثقة لنا بما عندهم من الكتب التي يزعمونها كتب الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب العدل؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في كل معاملة، بل حتى في معاملة الله عز وجل فإن الواجب العدل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل ٩٠]، ولما بعث النبي ﷺ عبد الله بن رواحة إلى اليهود في خيبر من أجل مقاسمتهم جمعهم وقال لهم: إني أتيت من أحب الناس إليَّ، وإنكم لأبغض إليَّ من عِدَّتكم من القردة والخنازير، وليس حبي إياه وبُغضي إياكم بمانع من أن أقوم فيكم بالعدل. فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض.
وقد ذكر العلماء رحمهم الله: أنه لو اجتمع مسلم وكافر في خصومة بين يدي القاضي فإن الواجب عليه أن يعدل بينهما في الجلوس، وفي النظر، وفي الكلام، يعني لا يتكلم للكافر بغِلْظة وينظر إليه شذرًا، وإنما يعامله كما يعامل المسلم؛ لأن العدل واجب، ولا يجوز في مقام الحكم أن نُفرِّق بين فلان وفلان؛ ولهذا قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إعلان ما به الإلزام للخصم؛ لقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ يعني وإذا كان ربنا وربكم فالواجب أن ننقاد جميعًا لأوامره.
فإن قال قائل: وهل الله تعالى رب للكافرين؟
فالجواب: نعم، رب كل شيء، لكن لا يُضاف إليه فيقال: رب الكافرين كذا اللهم إلا في مقام الاحتجاج؛ لأنه وإن كان الله تعالى خالق كل شيء ورب كل شيء لكن لا ينبغي أن تُضاف ربوبيته وخلقه إلى أقبح خلقه، كما أننا نعلم أنه سبحانه وتعالى رب الكلاب، ورب الخنازير، ورب القردة، وما أشبه ذلك، لكن لا نقول: رب القردة، ورب الكلاب، وما أشبه ذلك، وهذه نقطة قد لا يتفطن لها بعض الناس وهي الأدب في التعبير.
ويذكر أن أحد الملوك رأى في المنام أن أسنانه ساقطة، فدعا معبرًا يعبر الرؤيا، فعبرها هذا العابر بأن حاشيته تموت وأهله؛ لأن الإنسان بأسنانه يتغذى ويحفظ حياته، فأمر بسجنه، ثم إنه دعا عابرًا آخر فقال له: أطولهم عمرًا، فأكرمه وارتاح لقوله، والمعنى واحد؛ لأنه إذا مات أهله قبله صار أطولهم عمرًا لكن التعبير يختلف.
هنا ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أضاف ربوبيته عز وجل إلى الكافرين لكن في مقام الاحتجاج، ثم إنه يسهل الأمر أنه قال: ﴿رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ لإفادة العموم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى سوف يجمع بين الناس يوم القيامة ويحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؛ لقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ [الشورى ١٥].
* ومن فوائدها: أن المرجع إلى الله خاصة؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ لكن في شيء؟ هل معنى: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يوم الحساب أو: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ في كل شيء؟
الجواب: الثاني؛ إليه المصير في كل شيء، إن أردنا الحكم الشرعي فالمصير إلى الله، الحكم القدري؛ المصير إلى الله، الحكم في الدنيا؛ المصير إلى الله، الحكم في الآخرة؛ المصير إلى الله، فكل شيء فإن مصيره إلى الله عز وجل.
* يتفرع على هذه القاعدة: أن الإنسان لا يرجو، ولا يخاف، ولا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يستعين إلا به.
الشورى 42:16
ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. [الشورى: ١٦].
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ﴾: مبتدأ، وحُجَّة: مبتدأ ثانٍ، و﴿دَاحِضَةٌ﴾: خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر مبتدأ الأول.
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي يجادلون فيه. قال المؤلف: (في دين الله)؛ يعني يحاجون في دين الله، والصواب: العموم، المحاجة في الله تشمل المحاجة في دينه، والمحاجة في أسمائه وصفاته، والمحاجة في ذاته؛ لأن الآية عامة ﴿فِي اللَّهِ﴾، والمحاجة أيضًا في قدره، فكوننا نخصها في دين الله فيه نظر، حتى لو قُدِّر أن الذين يحاجون إنما يحاجوننا في الدين ويقولون: إنه ليس بصحيح فأخذها بالعموم أولى؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
قال المؤلف: (نبيَّه) مفعول ﴿يُحَاجُّونَ﴾؛ يعني كأنه قال: من يحاجون؟ فيُقال: نبيه. وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن تقييد المحاجة في الله عز وجل مع النبي ﷺ غير صحيح؛ لأنهم يحاجون نبي الله ويحاجون غيره أيضًا، فإطلاق الآية أولى، ويقولون: إن حذف المفعول يفيد العموم، فإبقاء الآية على ما هي عليه هو الأولى.
إذن ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي يحاجون كل من يجادلهم في الله عز وجل، وأيضًا ليس في دين الله فقط، بل في دين الله وذات الله، وكل ما يتعلق بالله عز وجل.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ يعني مِن بعد ما استجاب له مَنْ مَنَّ الله عليهم بالاستجابة، وهذه الجملة كإقامة البرهان على هؤلاء.
(﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمان لظهور معجزاته وهم اليهود) هذا قوله: (﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمان) صحيح. وقوله: (لظهور معجزته) بناء على أنهم يحاجون النبي ﷺ وإذا قلنا: بالعموم فلا حاجة لهذا القيد.
وقوله: (وهم اليهود) أيضًا فيه نظر، بل نقول: كل من يحاج في الله حتى المشركون من قريش وغيرهم حاجوا النبي ﷺ، أليسوا يخاصمونه دائمًا ويستهزئون به ويسخرون منه؟ فتقييد هذا أيضًا باليهود فيه نظر، فصار عندنا الآن ثلاثة أشياء في هذه الآية خصصها المؤلف بشيء:
الأول: قوله: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ وهي أعم.
والثاني: (نبيه)، وهي كذلك أعم.
﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول: (﴿دَاحِضَةٌ﴾ باطلة) لكن الدحوض أشد البطلان، يعني باطلة بطلانًا لا فوقه ﴿دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فهل تنفعهم؟ لا، وسيأتي إن شاء الله بيان فائدة قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦] عليهم غضب ممن؟ مِن الله ومن أولياء الله؛ ولهذا لم يقيد الغضب بكونه من الله لإفادة العموم، وتأمل سورة الفاتحة حيث قال الله عز وجل: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧]؛ لأن النعمة من الله، وإضافتها إلى الرب عز وجل ثناء ومدح لله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ليشمل غضب الله وغضب أوليائه من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ولئلا يسند الغضب إلى الله عز وجل في هذا المقام، وإلا فإن الغضب قد أُسنِد إلى الله تعالى في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة ٦٠].
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦] أي قوي، متى؟ قد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما.
* من فوائد هذه الآيات الكريمة: بيان بطلان جميع الحجج المخالفة لدين الله؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦].
* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن أولئك المحاجين لا وجه لمحاجتهم؛ لأن الحق قد بان وقبله الناس؛ لقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بطلان حجج أهل الباطل؛ لقوله: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء المبطلين وإن غَلبوا أهل الحق في الظاهر، فإن حجتهم عند الله لا تنفعهم بل هي باطلة، وهذا من فوائد قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ لأن حجة الكافر والمبطل قد لا تندحض أمام الناس، قد يكون الذي حاجَّه ضعيفًا في علمه أو فهمه أو في خصومته لكن مهما كان فهي عند الله باطلة بل داحضة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الغضب لله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾.
فإن قال قائل: كيف تُثبت الغضب لله عز وجل وهو لم يُضف إلى الله هنا؟ بل قال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ وهو نكرة، فكيف تثبته لله؟
فالجواب: أن السياق يُعَيِّن هذا؛ لقوله: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وإذا دحضت عند ربهم فهل يرضى الله عنهم أو يغضب؟ يغضب، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قد أثبت لنفسه الغضب في آيات أخرى، إذن يصح أن نثبت غضب الله، أو أن نثبت الغضب لله بهذه الآية الكريمة، وإنما أوردت هذا الإيراد؛ لأنه لا يجوز لنا أن نُثبت لله إلا ما أضافه لنفسه.
وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢]، هل يمكن أن نثبت لله الساق في هذه الآية؟ لا، لا يجوز؛ لأن الله تعالى لم يضفه إلى نفسه بل قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾؛ ولهذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسرها بقوله: عن شدة.
ولكننا نقول: هذه الآية لا نستطيع أن نثبت منها الساق لربنا عز وجل؛ لأن ظاهرها خلاف ذلك، لكن سياقها يوافق حديث إثبات الساق لله عز وجل، حيث جاء مُصرَّحًا به، أن الله تعالى يكشف عن ساقه، وحينئذٍ نقول: ما دام سياق الآية مطابقًا لسياق الحديث فإن النبي ﷺ أعلم الناس بتفسير كتاب الله، وإلا فلا يجوز أن نثبت لله عز وجل ما لم يُضفه إلى نفسه.
الخلاصة: أنه يستفاد من هذه الآية إثبات الغضب لله، ما وجهه؟ السياق يدل عليه، وهو ليس ممتنعًا على الله بدليل ثبوته صريحًا في آيات أخرى.
فإن قال قائل: بماذا تفسرون الغضب؟
قلنا: نفسر الغضب بأنه صفة لله عز وجل لائقة به، وليس كغضب المخلوقين.
فإن قال قائل: ما قولكم فيمن يفسر غضب الله بانتقامه؟ فيقول: غضب بمعنى انتقم أو بمعنى أراد الانتقام؟
فالجواب أن نقول: هذا غلط خطأ؛ يبطله أدلة:
أولًا: أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف ٥٥] ومعنى ﴿آسَفُونَا﴾ أغضبونا؛ ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، فجعل الانتقام مرتبًا على الغضب؛ فهما متباينان.
ثانيًا: أن نقول: إن الغضب الذي نثبته لله ليس كغضب المخلوق، إذا غضب أساء التصرف ولم يتصرف تصرف الحكيم؛ لأن الإنسان إذا غضب تكلم بكلام يندم عليه، وفعل أفعالًا يندم عليها، ربما يُطَلِّق زوجاته، ربما يوقف أملاكه، ربما يحرر عبيده من شدة الغضب، لكن غضب الله عز وجل ينتفي عنه ذلك غاية الانتفاء، فهو حكيم وإن غضب عز وجل.
فإن قال قائل: هل الغضب صفة مدح أو صفة عيب؟
فالجواب: الغضب صفة مدح في محله؛ لأنه يدل على قوة الغاضب وقدرته على الانتقام بخلاف الحزن؛ ولهذا لا يُوصف الله بالحزن؛ لأنه صفة ذم، وإنما يُوصف بالغضب؛ لأنه يدل على قدرته على الانتقام، انظر مثلًا إلى رجل أساء إليه ابنه هل يحزن أو يغضب؟ يغضب ويُؤدِّبه، وانظر إلى شخص ضعيف أساء إليه رجل قوي، هل يغضب أو يحزن؟ يحزن، ولا يستطيع أن يغضب، ماذا يفعل إذا غضب، رجل كبر الجمل، بقوة الفيل، يضرب شخصًا يكون قدر فخذه وضعيف، هذا يغضب ويش يسوي إذا غضب؟! يجمز عليه؟ ما ينفع! إذن الغضب لا يكون إلا من قادر على الانتقام؛ ولهذا نقول: إن الغضب في محله صفة مدح.
* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء -والعياذ بالله- مع الغضب لهم عذاب شديد، فيجمعون بين غضب الله عليهم وبين عذابه الشديد، نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى..
الشورى 42:17
ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى ١٧].
قال: (﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بأنزل) أولًا قول المؤلف: (﴿الْكِتَابَ﴾ أي: القرآن) فيه نظر، وهو أن الكتاب أعم من القرآن، بدليل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، فأنت ترى الآية التي سقناها تطابق هذه الآية التي معنا، والمؤلف خص الكتاب بالقرآن وفيه نظر، بل الصواب أن المراد بالكتاب كل كتاب أنزله الله، فـ(أل) هنا للجنس.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ يقول المؤلف: (متعلق بأنزل). وعلى هذا يكون المعنى أن نزول هذه الكتب من عند الله حق، ولكنا نقول: الآية أعم مما قال المؤلف، فهي نازلة بالحق، يعني أنها نزلت حقًّا من عند الله، وهي أيضًا متصفة بالحق، بمعنى أنها جاءت بالحق، والفرق بين المعنيين ظاهر؛ لأنها على ما فسرنا تتضمن أن هذه الكتب حق من عند الله، وأن ما جاءت به هذه الكتب فهو حق، فتكون الباء هنا على كلام المؤلف تكون للتعدية، وعلى ما قلنا تكون للتعدية والمصاحبة أو الملابسة.
﴿بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ قال المؤلف: (العدل) وعبر عن العدل بالميزان لأنه يعرف به العدل.
﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: ما يعلمك أيها المخاطب (﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي: إتيانها ﴿قَرِيبٌ﴾ ) وعبر المؤلف (أي: إتيانها) ليطابق قوله: ﴿قَرِيبٌ﴾؛ لأن قريب مذكر -يا إخواني- والساعة مؤنث، وكان مقتضى ذلك أن يقول: وما يدريك لعل الساعة قريبة، لكنه قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ احتاج المؤلف أن يؤول هذا إلى قوله: (إتيانها) حتى يكون مذكرًا ويكون (قريب) مطابقًا له، إذن فالآية على تقدير المضاف، ألجأ إلى تقديره أن الخبر مذكر والساعة مؤنث، وقال بعض العلماء: إن (قريب) صفة يستوي فيها المذكر والمؤنث كقتيل وجريح، وقال: إن هذا له نظائر في القرآن، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ﴾ أيش؟ ﴿قَرِيبًا﴾ ولا قريبة؟ ﴿قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣] ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ أيش؟ ﴿قَرِيبٌ﴾ ولا قريبة؟ ﴿قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف ٥٦]. قال: فلما اطرد تذكيرها في مواضع عدة وجب أن يقال: إن (قريب) يعني هذا اللفظ يستوي فيه المذكر والمؤنث، وبناء على هذا لا نحتاج إلى تقدير؛ لأن الأصل في الكلام عدم التقدير.
﴿قَرِيبٌ﴾ وصدق الله عز وجل، الساعة مهما طال الزمن فهي قريبة، لا من حيث الساعة العمومية ولا من حيث الساعة الخصوصية، الساعة الخصوصية ساعة كل إنسان بحسبه، ساعة كل واحد منا قريبة أو بعيدة؟ أجيبوا يا جماعة؟
* طلبة: قريبة.
* الشيخ: قريبة، لو نبلغ آلاف السنين؛ لأن ما مضى من سنيك كأن لا شيء الآن مضى أمس القريب كأنه لم يكن، ويوم ولادتك كأنه أمس، إذن ﴿السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ باعتبار كل إنسان بنفسه، وكذلك الساعة الكبرى هي قريبة أيضًا كما قال عز وجل: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات ٤٦]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ولذلك من عبارات الناس: كل آتٍ قريب، وكل ماضٍ بعيد، قال المؤلف: (ولعل معلق للفعل عن العمل وما بعده سد مسد مفعولين) كلام أعجمي ولا عربي هذا؟
﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ تنصب ثلاثة مفاعيل:
المفعول الأول موجود، وهو قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾.
المفعول الثاني والثالث تنصبه لكنه علقت عن العمل بالإتيان بـ(لعل)؛ لأن (لعل) موجبة لتعليق أفعال القلوب عن العمل، فتسد مسد المفعولين، الآن فهمت (لعل) معلق للفعل عن العمل، وين (لعل)؟ ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أين الفعل المعلق؟ ﴿يُدْرِيكَ﴾ وما بعده، أي: ما بعد (لعل) سد مسد المفعولين، أين الذي بعد (لعل)؟ ﴿السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيكون هنا (لعل) علقتها عن العمل، أي: أبطلت عملها لفظًا دون المحل، والمعلقات كثيرة ذكرها ابن مالك رحمه الله في الألفية، فليرجع إليها.
* طالب: من رجع إلى كتب في تفسير وتعبير الرؤى التي يراها هل يعد معبرًا لها من هذا الرجوع؟
* الشيخ: هل يعد عابرًا؟
* الطالب: هل يعد عابرًا لها من هذا الرجوع؟
* الشيخ: لا، هذا غلط، هذا من الغلط العظيم؛ الرجوع إلى الكتب التي تعبر الرؤيا غلط؛ لأن الرؤيا تختلف باختلاف الرائي واختلاف المرئي الذي رُئيت فيه، إلى آخره، من الناس مثلًا من يرى أنه يؤذن فنفسر له الأذان بأنه سيحج؛ لقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج ٢٧] ومن الناس من يرى هذه الرؤيا ونقول: إنه سارق: ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف ٧٠] على حسب الحال، إذن لا يجوز أن نرجع إلى كتب التعبير حتى ننظر في كل قضية بعينها، ثم إن عبر الرؤيا في الواقع ليس سببه العلم، قد يكون إنسان من أعلم الناس ولا يعرف يعبر رؤيا، وقد يكون من عوام الناس ويعبرها وتقع كما عبر، إذن لا نعتمد على هذه الكتب، لكن إن كان فيها قواعد عامة أنا لم أراجعها من قبل، إن كان فيها قواعد عامة يستعين بها الإنسان فهذا يمكن نرجع إليه.
* طالب: هل إذا رجع الكتاب كأنه رجع إلى معبر فعبرها؟
* الشيخ: لا، ما يصح.
* طالب: قلنا في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى ١٤] قلنا: فيه احتمالان؛ الاحتمال الأول أنه الذين أورثوا الكتاب من كفار قريش، ألا يحدد الاحتمال الأول ويعينه يا شيخ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى ١٥]؟
* الشيخ: لا، بل حتى قريش يقول لهم الرسول هذا، يعني معناه أنه يقول لقريش هذا الكلام: أني لست ببدع من الرسل ولا قائم على الرسل ولا (...) عليهم.
* طالب: لماذا نقول: عابر ولا نقول: معبر؟
* الشيخ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف ٤٣] ولا تُعبرون؟
* طالب: داحضة؟
* الشيخ: يعني باطلة أشد البطلان، والله أعلم (...).
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الذين يحاجون في الله يشمل أكثر مما ذكر المؤلف، المؤلف يقول: (في دين الله)، وذكرنا أنه أشمل مما قال، في ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ودينه، يعني أنه أعم مما قال المؤلف ليس بالدين فقط.
قوله: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ﴾ [الشورى ١٦] إعرابها؟ (حجة) مبتدأ، ﴿دَاحِضَةٌ﴾ خبر، والجملة؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: للمبتدأ الأول، بارك الله فيك.
قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى ١٦] ما هو فائدة هذا القيد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تمام، يعني أنها عند الله داحضة على كل حال، أما في الدنيا فقد يكون المحاج من أهل الدين يكون ضعيفًا في الحجة فلا يدحض حجة هذا المبطل.
* الشيخ: قوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ ممن؟
* طالب: (...)
* الشيخ: من الله ومن أوليائه، أحسنت.
لماذا قال الله عز وجل في الفاتحة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٧] ولم يقل: غير الذين غضبت عليهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أحسنت، والنعمة من الله خاصة، لم يقل: صراط المنعم عليهم غير المغضوب، ولم يقل: الذين أنعمت عليهم غير الذين غضبت؛ لأن النعمة ممن؟ من الله وحده كما قال عز وجل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣] الغضب يكون من الله ومن عباده وأوليائه.
في الآية الكريمة إثبات الغضب لله عز وجل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني لو قال قائل: ﴿عَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ [الشورى ١٦] ولم يقل: من الله، فكيف يصح أن تقول: إن هذا دليل على أن الله يغضب؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وثانيًا: دلت آيات أخرى على؟
* الطالب: أنه يغضب.
* الشيخ: على غضب الله على هؤلاء.
قوله: ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ما المراد بالكتاب كتاب واحد؟
* طالب: القرآن والكتب السماوية.
* الشيخ: يعني إذن المراد بالكتاب الواحد ولَّا الجنس؟
* الطالب: الجنس.
* الشيخ: الجنس، ما هو دليلك على هذا؟
* الطالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لم يقل: أنزل كتاب ال..
* الشيخ: فهمنا أن (أل) هذه للجنس، لكن ما هو الدليل على هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، يدل لذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥].
هذه قاعدة مفيدة جدًّا: إذا احتمل النص معنيين على السواء، ولا منافاة بينهما؛ وجب أن يحمل عليهما جميعًا؛ لأن الله جل وعلا يعلم ماذا يحتمله كلامه، وكذلك الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذه قاعدة نافعة لطالب العلم، أما إذا تنافيا فيطلب المرجح من دليل آخر، وأما إذا كان أحدهما أرجح أخذ به وترك الآخر، فهاهنا ثلاثة أقسام: أن يكون أحدهما أرجح فيؤخذ به ويُترك الآخر، أن لا مرجح واللفظ لا يتحمل إلا أحدهما، يطلب الترجيح من دليل آخر، أن يكون اللفظ يحتملهما جميعًا؛ فيُحمل عليهما لأن ذلك أوسع وأشمل.
* في هذه الآية فوائد:
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى ١٧].
* من فوائد الآية الكريمة: علو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن كلام الله؛ لأن القرآن كلام، وإذا أُضيف إنزاله إلى أحد صار كلامًا له وصفة من صفاته.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب التي أنزلها الله نازلة بحق فليس فيها باطل، الباطل في الأخبار هو الكذب، والباطل في الأحكام هو الظلم والجور والفساد، فكلام الله عز وجل ليس فيه كذب وليس فيه ظلم ولا جور ولا فساد.
* ومن فوائدها أيضا: أنها نازلة من عند الله حقًّا؛ لقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾، وأظنكم تذكرون أننا ذكرنا في معناها وجهين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القياس؛ لقوله: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأن الميزان ما تُوزن به الأشياء ويقارن بينها، ففيه إثبات القياس في الشرائع السماوية. وهذه المسألة -أعني مسألة القياس- أنكرها بعض العلماء، ولاسيما الظاهرية، عفا الله عنا وعنهم، وإنكارهم هو المنكر؛ لأن القياس جاء في الكتاب والسنة، فهنا ذكر الميزان، والميزان ما توزَن به الأشياء، وهذا لا يكون إلا بالقياس.
واعلم أن كل مثل ضربه الله في القرآن فإنه مثبت للقياس؛ لأن المقصود به قياس هذه الحال على هذه الحال: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس ٢٤] إلى آخره، عندنا هنا مشبه ومشبه به، والتشبيه يقتضي المماثلة، وإلحاق المشبه بالمشبه به، وهذا تمامًا هو القياس، وهذه خذها قاعدة: كل مثل في القرآن فإنه يتضمن إثبات القياس، وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس ٨١] هذا فيه قياس، قياس أولوية ولا مماثلة؟ أولوية، ورسول الله ﷺ ذكر القياس في عدة أحاديث، منها أنه شبه قضاء الحج عن الميت بقضاء الدين[[أخرجه البخاري (١٨٥٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]، ومنها «أن رجلًا جاء إليه وقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلامًا أسود -وهو والمرأة أبيضان- فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟» قال: نعم. قال: «أَلْوَانُهَا؟» قال: حُمْر. قال: «هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟» قال: نعم. قال: «أَنَّى لَهَا ذَلِكَ؟». من الذي جاء بالأورق؟ قال: يا رسول الله، لعله نزعه عرق. قال: «فَوَلَدُكَ هَذَا أو قال: فابنُكَ هَذَا لَعَلَّه نَزَعَهُ عِرْقٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠ / ١٨) من حديث أبي هريرة.]] فإثبات القياس لا بد منه، ولا يمكن أن تتوسع الشريعة إلا بالقياس؛ لأن أكثر الحوادث لم يوجد بعينه في النصوص، لكن وُجدت قواعد وأصول ترجع إليه هذه الحوادث في حكمها.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى قرب الساعة؛ لقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ وسبق في التفسير هل المراد بالساعة الساعة العظمى الكبرى أو الساعة الصغرى، وهي موت كل إنسان؟ وقلنا: إن المراد المعنيان كلاهما.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لا يعلم متى تقوم الساعة؛ لقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: ما يعلمك، وهذا حق ثابت؛ فإن «جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، فقال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة. ]]. يعني كما أنك أنت تجهلها فأنا أجهلها.
ولهذا من ادعى علم الساعة فإنه كافر مكذب لقول الله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف ١٨٧].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات علو الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾، والمراد بالكتاب هنا كلامه عز وجل الذي أوحاه إلى رسله، ما وجه الدلالة من الآية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَنْزَلَ﴾ هذا الدليل، لكن ما وجه الدلالة؟
* طالب: أن النزول يكون من العلو لأسفل.
* الشيخ: وجه الدلالة أن النزول يكون من الأعلى إلى الأسفل.
وعلو الله سبحانه وتعالى ثابت بالقرآن والسنة والإجماع والعقل والفطرة، كل الأدلة الممكنة حاصلة لإثبات علو الله عز وجل، وهل العلو علو ذاتي أو علو وصفي؟ بمعنى أن علوه علو صفة أو علو ذات وصفة؟ الثاني، ذات وصفة؛ لقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١]، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ﴾ يعني الوصف ﴿الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] إذن فعلوُّ الله عز وجل علو ذات وعلو صفة.
علو الصفة لا أعلم أحدًا ينتسب إلى الإسلام أنكره، كل المنتسبين للإسلام من مبتدعة وسنية كلهم يؤمنون بعلو الله تعالى علو صفة، لكن عاد ما هو علو الصفة؟ هنا تختلف الأفهام؛ بعضهم يقول: من علو صفته تعطيل صفاته، أفهمتم؟ هذه بحث آخر.
علو الذات هذا محل المعترك بين السنيين والبدعيين، انقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام، ولا بأس أن نبسط؛ لأن هذه عقيدة يا إخواني: قسم أثبتوه، وقسم نفوه وقالوا: إن الله تعالى لا يقال: إنه فوق ولا تحت، وقسم نفوه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في السماء وفي الأرض، في الأسواق، في المساجد، في المراحيض -وأعوذ بالله- في كل شيء.
إذن الأقوال ثلاثة:
القول الأول: علو الله تعالى بذاته، أنه بذاته فوق كل شيء، قلت لكم: هذا دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، نأخذ من كل نوع بدليل، القرآن: ما أكثر ما يقول الله عز وجل في كتابه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [البقرة ٢٥٥]، والعلي هنا صفة مشبهة، والصفة المشبهة صفة ثبوتية، لا تفارق موصوفها، ويقول عز وجل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] ﴿الْأَعْلَى﴾ اسم تفضيل حذف المفضل عليه ليدل على العموم، يعني الأعلى على كل شيء. نكتفي بهذا وإلا ففي القرآن ما لا يحصَى على وجوه متنوعة.
في السنة كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا سجد يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»[[أخرجه مسلم (٧٧٢ / ٢٠٣) من حديث حذيفة.]]، وقد دلت السنة القولية والفعلية والإقرارية على علو الله عز وجل، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى» هذا سنة قولية، وقوله ﷺ للجارية: «أَيْنَ اللهُ؟» قالت: في السماء، قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَة»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]] هذه إقرارية، ورفع يده إلى السماء عند الدعاء وهو يدعو الله[[متفق عليه؛ البخاري (١٠٣٠)، ومسلم (٨٩٥ / ٥) من حديث أنس بن مالك.]] : يا رب، سنة فعلية.
وقد جرت السنة الفعلية في أكبر اجتماع حصل للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع أصحابه، وذلك في يوم عرفة حين قال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» قالوا: نعم قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٤١)، ومسلم (١٦٧٩ / ٢٩) من حديث أبي بكرة الثقفي.]] «اللَّهُمَّ» » إشارة إلى علو الله «اشْهَدْ» هذا سفل، شوف علو، سفل للخلق، قال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» » «ثلاث مرات»، يُشهِد الله عز وجل على إقرار أمته أنه بلغ، وهل تشهدون أنتم؟ نعم والله نشهد أنه بلغ البلاغ المبين، وأنه عانى من أجل ذلك أكبر عناء صلوات الله وسلامه عليه، هذه سنة أيش هي؟ فعلية. إذن السنة بجميع أنواعها كلها دلت على علو الله.
الإجماع: إجماع الصحابة وأئمة المسلمين من بعدهم على علو الله، فإن قال قائل: أثبت لي قولًا واحدًا عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي على أنهم قالوا: إن الله عال بذاته، أقول: إن هؤلاء يقرؤون القرآن ويعرفون من السنة ما عرفوا، ولم يرد عنهم حرف واحد يدل على نقيض ما جاء في القرآن، وكفى بذلك دليلًا، لو كان عندهم معارضة لورد عنهم خلاف ما في القرآن، وهم يقرؤون القرآن، وهم عرب يعرفون المعنى ويعرفون المراد، ألا توافقون على هذا؟ وهذا من أحسن ما يكون في تقرير إجماع الصحابة، يعني إذا أتاك إنسان وقال لك: طيب يا أخي أثبت لي قول واحد عن الصحابة أنهم آمنوا بعلو الله بذاته، أقول: ما يحتاج أثبت لك، اقرؤوا القرآن واعلموا من السنة ما علموا، ولم يرد عنهم حرف واحد يقولون فيه: إن الله ليس في السماء أبدًا، ولا إنه بذاته في كل مكان، وهذا إجماع، وهكذا يا إخواني كل الصفات التي لم يرد عن الصحابة ما يناقضها، فهو دليل على إجماعهم.
طيب العقل: العقل هل يدل على علو الله؟ نعم يدل على علو الله؛ لأنك لو سألت أي إنسان: هل العلو أكمل أو السفول؟ لقال لك: العلو أكمل لا شك حتى في أمور الدنيا، يقول: هذا اللباس أعلى من هذا اللباس، كل يعرف أن العلو صفة كمال، وإذا كان كذلك فهل الرب موصوف بالكمال عقلًا أو لا؟ موصوف بالكمال عقلًا، ولهذا قال إبراهيم لأبيه محتجًّا عليه بدليل عقلي: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢] هذا ما يعبد، هذا استدلال عقلي، أيضًا نحن نقول: العلو باتفاق العقلاء صفة كمال، والسفول باتفاق العقلاء صفة نقص، فحينئذ ثبت لله العلو الذاتي عقلًا.
بقينا بالفطرة، الفطرة لا تسأل؟ اسأل عجوزًا تدور بالرحى تطحن الطحين، اسألها: وين الله؟ وهي ما درست لا العقيدة الواسطية ولا الطحاوية ولا غير، اسألها: وين ربك؟ ويش تبغي تقول؟ على كل هذا تقول: في السماء ولا تتوقف لحظة؛ لأن هذا أمر مفطور عليه الخلق، ويقال: إن أبا المعالي الجويني -عفا الله عنا وعنه، وهو إمام الحرمين- كان يتكلم عن الاستواء، ومعروف أن الأشاعرة، وهو من أئمة الأشاعرة -عفا الله عنا وعنه- معلوم أنهم ينكرون استواء الله على العرش، يقولون: استوى على العرش، يعني استولى عليه، ما فيه علو، استولى عليه.
وأحدثكم أنا عن مجلس جمعني بعوام، مجلس عادي قهوة، تكلم أحد الطلبة في نفس المجلس قال يعني: إن أهل التأويل يعني أهل التحريف يقولون: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] يقولون: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم استولى عليه، فقال العامي -عامي، جمال، يحمل على الجمال، يسافر من بلد إلى آخر- دعا عليه بدعوة معروفة عندنا في العامية يقولون: غربله الله -يعني عاقبه- العرش (...) قبل هذا؟ شوف، سبحان الله، فطرة؛ لأنه خلق ثم استوى، خلق إذن ثم استولى وقبل لمن هو له؟ عامي؛ إذن الفطرة تدل عليه.
المهم يقولون: إن أبا المعالي الجويني تكلم عن الاستواء وقال: إن الله تعالى كان ولم يكن عرش ولا مخلوق، وهو الآن على ما كان عليه. إذا صار كان ولا عرش فهو الآن على ما كان عليه، يعني ليس على العرش، فقال له أبو العلاء الهمداني: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش -يعني نبحث بحثًا آخر- أخبرنا عن هذه الفطرة، ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. صح، كل إنسان يقول: يا الله، اسأله وين يروح قلبه يمين ولا يسار ولا فوق؟ فوق، فجعل يلطم على رأسه: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني! عجز، لا يجيب؛ لأن هذه مسألة فطرية، كل إنسان مفطور -لولا أن الشياطين اجتالته- على علو الله تعالى بذاته فوق كل شيء.
فإذن علو الله سبحانه وتعالى دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.
الطائفة الثانية أو القول الثاني في هذه المسألة: أن الله تعالى لا يوصف بالعلو إطلاقًا، بماذا يوصف؟ قال: في كل مكان، ثم شبهوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] ﴿أَيْنَ مَا﴾ هذه ظرف مكان، أي: في أي مكان كنتم فالله معكم، قالوا: الله معك في كل مكان، إذا كنت في المسجد أين يكون الله؟ في المسجد، الآخر في المرحاض، واحد غيري في المرحاض، أين يكون الله؟
* طالب: الله معه.
* الشيخ: يلزمه أن يقول هذا وإلا فليرجع أن يكون في المرحاض، كم من إله الآن؟ اثنان، وواحد في السوق؟ الله في السوق، صاروا كم؟ ثلاثة، وواحد في الطيارة؟ الله في الطيارة، هل هذا يقوله عاقل!
يلزم من هذا القول أولًا: وصف الله بما لا يليق؛ أن يكون الله في المراحيض والحمامات والأماكن القذرة والعالية والسافلة.
ثانيا: يلزم أحد أمرين: إما تجزؤ الله وإما تعدد الله، إما تجزؤ وإما التعدد، إن قالوا: بالتعدد صحنا بهم صيحة تتقطع منها قلوبهم، ماذا نقول لهم؟ كفرتم وصرتم أعظم من النصارى الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة ٧٣] وأنتم تقولون: ملايين الملايين. وإن قالوا: يتجزأ، قلنا الآن أبطلتم قولكم، إذا كان يتجزأ وكان مثلًا جزء منه مع فلان وجزء مع فلان ما صار مع فلان وهو يقول: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] ولم يقل: جزء منه معكم، فأنتم الآن خُذلتم والحمد لله. وهذا والله لا أظن قدم مؤمن بالله تثبت عليه، لا أظن إنسان يؤمن بالله حقًّا تثبت قدمه على القول بأن الله بذاته في كل مكان أبدًا.
أما ما لبسوا به وشبهوا به من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] فإننا نقول: لا يلزم من المعية أن يكون في نفس المكان، ولهذا العرب تقول في لغتها: القمر معنا ومكانه في السماء، وهم يقولون: معنا، العرب تقول: المرأة مع زوجها يعني في عصمته ولو كان هو في أقصى المشرق وهي في أقصى المغرب، أليس كذلك؟ القائد يوجه جنده إلى المعركة في الميدان ويقول: اذهبوا واغزوا باسم الله وأنا معكم، وهو في مكانه. فالمعية مدلولها واسع لا تستلزم الاختلاط لا في المكان ولا في الذات، إذن الحمد لله هذا القول بطل، القول بأنه بذاته في كل مكان هذا باطل.
بقينا القول الثالث ما هو؟ يقول: لا تصف الله أنه معك ولا أنه فوق ولا تحت ولا متصل ولا منفصل، ولا مباين ولا محايذ، لا تصف الله بعلو ولا نزول ولا يمين ولا يسار ولا متصل بالخلق ولا مباين، أين يكون؟ عدم، ولهذا قال بعض أهل العلم: لو قيل لنا: صفوا العدم ما وجدنا أدق من هذا الوصف.
ولما جيء بابن فورك إلى الأمير محمود بن سبكتكين رحمه الله، وهو من الأبطال، جيء إليه وقال له: صف لنا ربك، قال: الرب عز وجل ليس بداخل العالم ولا خارج العالم، ولا يمين ولا يسار، ولا متصل ولا منفصل، قال له: وصفت ربك بالعدم، ولو أردت أن تصفه بالعدم ما وجدت أحسن من هذا الوصف، وصدق رحمه الله، أين الله على هذا الزعم؟ غير موجود، معدوم.
فالحمد لله، نسأل الله أن يميتنا وإياكم على ملة الإسلام وطريق الذين أنعم الله عليهم، القول الذي لا يرتاب عاقل في صحته، ولا يمكن أن يؤمن إنسان بسواه إلا من اجتالته الشياطين؛ هو أن الله سبحانه وتعالى عال بذاته، عال بصفاته، ولا يمكن أن تستقر قدم مؤمن بالله واليوم الآخر إلا على هذا القول.
* طالب: الرجل هذا يؤول الصفات تأويلًا خاطئًا، فهل ترى أن (...)؟
* الشيخ: لا، هذا غلط عظيم، أنا رأيت بعض الناس الذين تنقصهم الدراية، ما هو العلم إذا رأى إنسان يعني يظنه من منكري العلو أول ما يسلم: السلام عليكم، كيف أصبحت، أين الله؟ كيف، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يبدأ الناس بقوله: أين الله؟ هذا من الغلط، أبدًا، ابسط له القول، ولا تناقشه أيضًا إلا إذا فتح الباب، هو مسلم، والأصل في الإسلام السلامة، لا تناقشه إلا إذا فتح الباب، أو إذا رأيت المسألة يعني صدره متسع وهو نفسه يستطعم منك، فحينئذ ابدأه، فإحسان الدعوة والحكمة في الدعوة أمر مهم، فالرسول عليه الصلاة والسلام ما قال لهذه الجارية: «أَيْنَ اللهُ؟»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.]] إلا لسبب يقتضيه بالنسبة لهذه المرأة، والأعرابي الذي شهد أنه رأى الهلال ماذا قال له؟ قال له: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»[[أخرجه أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢١١٢)، وابن ماجه (١٦٥٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] ما قال له: أين الله؟ ورسول الله ﷺ أعطاه الله الحكمة يخاطب كل إنسان بما تقتضيه حاله.
* طالب: بالنسبة إلى الأشاعرة هل هم من أهل السنة والجماعة، أو لهم تقسيمان؛ متقدمون و..
* الشيخ: بارك الله فيك، أولًا من هم أهل السنة والجماعة؟ أهل السنة والجماعة الذين اجتمعوا على السنة وأخذوا بها، والإنسان قد يكون من أهل السنة والجماعة في شيء دون آخر، كما أن الإنسان يكون فيه خصال كفر وخصال إيمان، كذلك يكون فيه سنة وبدعة، فالأشعرية وأعنى بذلك المذهب الأشعرية كمذهب ليس على مذهب أهل السنة، لمخالفتهم إياهم في كثير من الأشياء الأصولية المهمة؛ كمسألة الصفات ومسألة الإيمان باليوم الآخر، فيه مخالفات كثيرة، ومسألة الإيمان وأعمال العبد وغير ذلك، لكن رجلًا من الناس نعرف صدقه وإخلاصه في دين الله ومدافعته عنه، ذهب إلى قول من أقوال الأشعرية لا نقول: إنه أشعري، بل نقول: هو من أهل السنة، لكن نقول: قال في مقالة الأشعرية في كذا وكذا.
أيضًا نقول: المسلمون الآن انقسموا إلى سنة وشيعة، فباعتبار هذا التقسيم كل من عدا الرافضة فهو سني بهذا التقسيم، فالمسألة لها اعتبارات.
* طالب: يسألوننا يقولون: ائتني بدليل أن الصحابة أثبتوا علو الله بذاته، ألا نسألهم بهذا السؤال نقول لهم: أيضًا أنتم ائتونا بدليل يثبت أنهم الصحابة أنكروا هذا..
* الشيخ: بلى، هذا هو الأصل، لكن نحن نريد دليلًا ثبوتيًّا، أما الدليل السلبي فهذا لا يحتاج، نقول: هات دليلًا على أنهم حرفوها إلى ما قلت، وقد أشرنا إليه قبل قليل قلنا: إنه لم يرد عنهم حرف واحد أنهم قالوا: إن الله ليس في السماء، أو لا داخل العالم ولا خارجه.
* طالب: بحد.
* الشيخ: بحد، إي، كلمة حد وكلمة جسم وما أشبه ذلك من العبارات المبتدعة التي يريد بها أهل التعطيل إلزام أهل السنة والجماعة بما لا يليق بالله، فالحد نسأل أولًا: كلمة حد لم ترد في الكتاب والسنة لا إثباتًا ولا نفيًا، فلتكن جانبًا، ثانيًا: من حيث المعنى إن أردت أن الله محدود، بمعنى أنه منحاز عن الخلائق هو وحده شيء، والمخلوقات شيء آخر، فهذا صحيح، إن أردت أنه محدود يعني أن شيئًا من المخلوقات أحاط به فهذا باطل، ولا يحتاج نقول: بحد ولَّا بغير حد، حتى إن بعض العلماء أنكر أن يقول القائل: استوى على العرش بذاته، قال: لا تقول بذاته، ما يحتاج نقول: بذاته يا جماعة، هل يحتاج؟ إذا قال: استوى على العرش يعني هو نفسه ما حاجة أن نقول بذاته، لكن بعض السلف اضطر إلى كلمة بذاته دفعًا للبدعة، يقول: ينزل إلى السماء الدنيا بذاته، نحتاج (بذاته)؟
* طالب: لا نحتاج.
* الشيخ: ليش؟ لأن الله أضاف الفعل لنفسه «يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة. ]] ما احتاج أن يقول: بذاته، معروف من كلمة ينزل أنه هو الذي ينزل، لكن احتاجوا أن يقولوا: بذاته، ردًّا على المبتدعة الذين قالوا: ينزل الله أي: أمره، فقابلوا أمره بذاته، وكلمة (بذاته) صحيحة، والتعبير دل عليها، وكلمة أمره باطلة، انتبهوا أن السلف رحمهم الله أحيانًا يعبرون بأشياء يضطرون إلى التعبير بها، لكنها لا تخالف الحق، وإن كان الأولى تركها؛ لأن الصحابة تركوها، لكن الصحابة هل ظهرت عندهم هذه البدع؟ ما ظهرت، ولهذا يقول: (استوى على العرش) (ينزل إلى السماء) (يأتي للفصل بين العباد) ولا يقولون: بذاته؛ لأنه لم يكن عندهم من يقول: إنه يأتي أمره أو ينزل أمره أو ما أشبه ذلك، فكلمة (بذاته) تحقيق للمعنى، ويضطر الإنسان إليها دفعًا لقول أهل البدع، ما هو لأن المعنى لا يتم إلا بها، المعنى يتم بدونها، كل فعل أضافه الله لنفسه فالمراد نفسه؟ خلق السماوات تقول: بذاته؟ لا، خلق السماوات هو نفسه، ينزل إلى السماء، ما يحتاج يقول: بذاته، ما دام ينزل أي هو أي نفس الله، يأتي للقضاء أي هو وهلم جرًّا، لكن السلف رحمهم الله يضطرون إلى قول لا يخالف المراد دفعًا لباطل ابتدعه أهل البدع، مثلًا قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد ٤] ألا تعلمون أنه لم يشتهر عن السلف إلا قولهم: هو معهم بعلمه، قالوا هذا كما قال عبد الله بن المبارك: نقول: هو معهم بعلمه ولا نقول كما يقول هؤلاء: هو في الأرض. فقصدهم معهم بعمله، يعني ردًّا لمن قالوا: إنه معهم بذاته، يعني في المكان اللي هم فيه، لكن لو رجعنا إلى مدلول الآية بقطع النظر عن الرد عن أهل البدع قلنا: وهو معهم كما أضاف الله الخلق إلى نفسه، فهو معهم أي: نفسه، لكن هل يلزم من المعية أن يكون في الأرض؟ لا يلزم، بل هو بالنسبة لله تعالى ممتنع غاية الامتناع، انتبهوا لهذا، مع أنه معنا بعلمه وسمعه وبصره وسلطانه وتدبيره وكل ما تقتضيه معاني الربوبية، لكن هناك ظروف تلجئ الإنسان إلى قول، إلى شيء زائد عن النص لتوضيح النص والرد على من حرفه.
أرأيتم الآن، أرأيتم التسلسل مثلًا، التسلسل أصول الخلاف فيه ثلاثة؛ المنع في المستقبل والماضي، الجواز في المستقبل والماضي، الجواز في المستقبل والمنع في الماضي، تعرفون التسلسل؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: هو الصحيح ما تعرفونه؛ لأنه الواقع أنه محدث أيضًا، هذا من المحدثات، هل الله عز وجل لم يزل ولا يزال فعالًا؟ أو كان في الأول معطلًا عن الفعل ثم فعل؟ هذا واحد، وهل لا يزال فعالًا، أو سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه الخلائق ويفنى كل شيء؟ هذه اثنان، أو إن الله تعالى لم يزل في الماضي ولا يزال في المستقبل فعالًا؟ الثالث هو الحق الذي لا شك فيه، أنه لم يزل ولا يزال فعالًا، لكن فعله تابع لمشيئته؛ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، هذا القول -وهو جواز التسلسل في الماضي والمستقبل- هو المتعين، الجنة باقية أبدًا ولَّا لا؟ باقية أبدًا، وما يحدث فيها من النعيم متسلسل إلى ما لا نهاية له، وكذلك النار، في الماضي لم يخبرنا الله عز وجل إلا عن خلق السماوات والأرض والعرش وما أشبه ذلك، لكن نعلم أن الله عز وجل له أن يفعل ما شاء قبل هذه المخلوقات؛ لأنه قادر، والقادر على الشيء يجوز أن يفعل، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧] يشمل الماضي والمستقبل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنة والعقل، وإن كان بعض الناس أنكر على شيخ الإسلام رحمه الله حين صرح بجواز التسلسل في الماضي وقالوا: هذا لا يمكن، إذا قلت بالتسلسل في الماضي لزم أن يكون الخلق مع الخالق، وهذا باطل إلى أبعد الحدود، هل يلزم أن يكون الفعل مع الفاعل؟ إذا قلت: إن الله فعال لا يلزم، بل من الضروري أن المفعول قد سبقه فعل، وأن الفعل قد سبقه فاعل مريد، هذا شيء عقلي، فأنا أقول لكم: البحث في التسلسل وإتعاب النفوس فيه وإتعاب الأفكار وملء الأسفار منه كل هذا إنما حدث حينما قال به أهل البدع، ودخل على الأمة الإسلامية حين عُرِّبت الكتب الرومانية واليونانية، وإلا فالناس في غفلة عن هذا، على فطرهم، أن ربنا عز وجل لم يزل ولا يزال فعالًا، وأن ذلك لا يستلزم قدم الحوادث، فالمفعولات شيء والفاعل شيء آخر، واضح يا جماعة؟ انتبهوا لهذه المسائل.
هذه المسائل لو فكرتم لوجدتم الطريق الأسلم والأعلم والأحكم طريق من؟ طريق السلف، واستمع إلى القولة المشهورة الباطلة التي تجدونها في كتب من عُرفوا بالصلاح والإصلاح، يقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. سبحان الله! كيف تكون أعلم وأحكم وليست بأسلم؛ لأنا نعلم أن الأعلم والأحكم يجب أن يكون الأسلم، ونعلم أيضًا أنكم إذا أقررتم أن طريقة السلف أسلم فهي الأعلم والأحكم، لكن هؤلاء أُتوا حيث لم يفهموا طريقة السلف، ظنوا أن طريقة السلف التفويض، وأن نكون أمام آيات الصفات وأحاديثها كالأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، يظنون أن السلفي إذا قلت له: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر ٢٢] ويش معنى (وجاء؟) الله أعلم، فُكَّنِي مِن شَرِّك، ما أدري. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف ٥٤] ويش معناه؟ قال: ما أدري. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن ٢٧] ويش معناه؟ قال: ما أدري. هذا رأيهم في مذهب السلف، وهل هذا حقيقة مذهب السلف؟ أبدًا، السلف يقولون: نعرف المعنى، نعرف ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أنه أتى عز وجل على وجه يليق بجلاله، أن له وجها يليق بجلاله، أن له استواء يليق بجلاله، نعلم هذا ونعرف المعنى، لكن تسألني عن الكيفية لا، لا أستطيع أن أتكلم لأنه ليس لي علم بهذا، هم لما ظنوا أن مذهب السلف هو التفويض، يعني تفويض المعنى والكيفية، قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، ونحن معهم إذا كان مذهب السلف أنهم لا يفهمون المعنى فالذي يفهم المعنى أحسن من الذي لا يفهم، لا شك في هذا، وإن كان فهمهم خاطئًا لكن طريقتهم سليمة، إلا أننا نقول لهم: طريقة السلف إثبات المعاني، وهذا مشهور متواتر عنهم، يقولون في آيات الصفات وأحاديثها: أمروها كما جاءت بلا كيف. هذه الجملة التي اتفق عليها السلف تدل على أنهم يثبتون المعنى من وجهين:
أولًا: أنهم قالوا: أمروها كما جاءت، ونحن نعلم أن الله تعالى أتى بها ورسوله، أتى بها لإثبات معانٍ، ما هي لتقرأ ألفاظًا جوفاء.
ثانيًا: قولهم: بلا كيف يدل على ثبوت أصل المعنى؛ لأن نفي الكيف عما ليس بموجود لغو من القول، فإذا أصل المعنى موجود والكيفية مجهولة، والإمام مالك رحمه الله قال حين سئل عن الاستواء قال: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة[[أخرجه البيهقي في الاعتقاد (٥٤)، والأسماء والصفات (٨٦٧). ]]. هم لما ظنوا أن السلف لا يثبتون المعاني قالوا: إنها أسلم؛ ونحن نقول لهم: إما أن تكونوا كاذبين على السلف أو جاهلين بحقيقة مذهبهم، لا تخرجوا عن هذا، فكلامهم هذا عن السلف لا يخلو من ظلم، وهو إما القول بلا علم أو الكذب على السلف، وكلاهما ظلم، فهم ظالمون للسلف في هذا الكلام الذي قالوا: إنه مذهب السلف.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا قلنا: بمعنى العلم فسرناها بلازمها وقصرنا في معناها؛ لأنه معهم بعلمه وسمعه وبصره وسلطانه وغير ذلك كما ذكر ذلك ابن كثير في التفسير رحمه الله، وذكره ابن رجب أيضا في جامع العلوم والحكم، يعني ليس معهم بالعلم فقط، بل بكل ما تقتضيه الربوبية من علم وسمع وبصر وقدرة وسلطان وغير ذلك.
ثانيًا: المعية شيء، والعلم من لازمها ومقتضياتها، فهي أشمل إحاطة ومعنى، لكنهم يفسرونها بالعلم ردًّا لقول أولئك القوم الذين يقولون: إن الله معنا في نفس المكان، والعامي عندما تقول له: المعية لها معنى والعلم مقتضاها ولازمها ما يفهم، والحملة الشديدة في ذلك الوقت في زمن الأئمة بالنسبة لتحريف المعية، فلذلك أتوا بهذا المعنى السهل الذي يتصوره الإنسان عن قرب.
* طالب: متى يكون التأويل كفرًا؟
* الشيخ: إذا لبست ثوبك فقلت: أكلت خبزة تعني لبست ثوبي، هل له وجه؟ إذا كان التأويل ليس له وجه لا لغة ولا شرعًا فهو كفر؛ لأنه تكذيب، ولهذا نقول: جحد الصفات نوعان:
إما تأويلًا وإما تكذيبًا، إن كان تكذيبًا فلا شك أنه كفر، لو قال قائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥]: إنه لم يستو على العرش كذب، ماذا نقول؟ نقول: كفر؛ لأنه مكذب، لو قال: نعم استوى على العرش لكن معناه استولى، قلنا: هذا تأويل، عاد ينظر إن كان للتأويل مساغ إن دل عليه دليل أخذنا به، وإن لم يدل عليه دليل رددناه، لكن إن كان له مساغ لم يكفر، وإن لم يكن له مساغ فإنه يكفر.
الشورى 42:18
ثم قال الله عز وجل: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ [الشورى ١٨] يقولون: متى تأتي؟ ظنًّا منهم أنها غير آتية، ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾ أي: يستعجلونها، يقولون: أين هي؟ متى تكون؟ ليس ذلك حرصًا عليها ولا رغبة فيما يكون فيها من الخير، ولكنه استبطاء لها وإنكار لها، يقولون: وين الساعة اللي تقولون؟ كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهم بهذا ملبسون مشبهون؛ لأنه لم يقل لهم: إنهم يأتون في الدنيا، يأتون يوم القيامة، فالرسل لم تقل: إن آباءكم سيأتون وأنتم أحياء؛ لأنه من مات لا يُبعَث إلا يوم القيامة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٥، ١٦] اللهم إلا أن تكون آية من آيات الرسل كما جرى لعيسى.
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أما الذين آمنوا فاسمع ماذا يقول الله عنهم: (﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ )، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ والإشفاق: أشد الخوف، وتفسير المؤلف له بالخوف تقريبي، وليس على وجه التحديد؛ لأن الإشفاق خوف وزيادة، ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون منها؛ لأنهم يعلمون أنها الحق وأنها ستقوم، وستكون الأهوال العظام، ستكون الجبال كالعهن المنفوش، وستُدك الأرض، وكل ما ذكر في الكتاب والسنة مما يكون في الآخرة فإن الذين آمنوا مؤمنون به مشفقون منه.
قال الله تعالى: (﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ يجادلون ﴿فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ ) ﴿أَلَا﴾ أعربها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أداة استفتاحية يعني أداة استفتاح، الفائدة منها التنبيه والتحقيق والعناية، ولهذا تأتي بعدها غالبًا (إن)، و(إن) للتوكيد، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ١٢]، فإذن ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح تفيد التوكيد والتنبيه والتحقيق.
* طالب: والعناية.
* الشيخ: والعناية، ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، (إن) للتوكيد، واللام في قوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ لام التوكيد داخلة على الخبر ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: لفي ضلال بعيد عن الهدى؛ لأن الضلال قد يكون قريبًا ويهتدي الإنسان عن قرب، وقد يكون بعيدًا فلا يهتدي والعياذ بالله إلا بعد الَّتي واللُّتيا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن منكري الساعة يستعجلونها، يقولون: متى؟ والمراد بقولهم: متى الإنكار كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن بالساعة خائف منها؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾، ولكنهم ﴿مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ يعني خائفين خوفًا يحملهم على العمل لها، لا خوف ذعر فقط، بل خوف يحملهم على العمل لها، وهذا هو الخوف النافع، أما مجرد الذعر فلا يكفي.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى ترجيح جانب الخوف؛ لأن الله تعالى امتدح الذين يخافون من الساعة، وهذه المسألة اختلف فيها أرباب السلوك والمعارف: أيما أفضل؛ أن يغلب الإنسان جانب الخوف أو جانب الرجاء؛ فقال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب جانب الخوف وقع الإنسان في القنوط من رحمة الله، وإن غلب جانب الرجاء وقع في الأمن من مكر الله، وكلاهما خطر على الإنسان. وقال بعض العلماء: ينبغي عند إرادة العمل السيئ -يعني عند إرادة المعصية- أن يغلب جانب الخوف لئلا يقع فيه، وعند فعل الطاعة أن يغلب جانب الرجاء. وهذا جيد جدًّا؛ لأنه عند الهم بالمعصية إذا لم يغلب جانب الخوف وقع فيها، وعند فعل الطاعة إذا لم يغلب جانب الرجاء لم ينشط على الطاعة.
فعليه نقول: إن تغليب أحد الجانبين -الخوف والرجاء- يرجع إلى حال الشخص؛ في حال الهم بالمعصية يغلب جانب الخوف، وفي حال فعل الطاعة يغلب جانب الرجاء؛ لئلا يقنط من رحمة الله وييئس من رَوح الله، فيغلب جانب الرجاء، ويكون رجاؤه هذا مبنيًّا على أنه لما يسر الله له فعل الطاعة فإن رجاءه بالله يكون أعظم وأمكن، فيكون الله تعالى عند حسن ظنه به. هذان قولان.
القول الثالث: في حال المرض ودنو الأجل يغلب جانب الرجاء حتى يموت وهو محسن ظنه بالله عز وجل، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف؛ لأن الإنسان إذا كان صحيحًا فإنه يكون عنده شيء من البطر والأشر، وربما يقدم على المعاصي والتهاون بالواجبات، فيغلب هنا جانب الخوف.
ولهذا جاء في الحديث: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ»[[أخرجه البخاري (٦٤١٢) من حديث عبد الله بن عباس.]]. وعند العوام يقولون: نعمتان مجحودتان؛ الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان. هذا ما هو صحيح، الصحيح: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ». ولم يكن فارغًا إلا لأنه غني؛ لأن الفقير لا يكون فارغًا يعمل ويكدح ويكتسب، فهاتان النعمتان كثير من الناس مغبون فيهما لأنه لا يربح فيهما، إذن هذا قول ثالث ما هو؟ في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف، ولكن القول الوسط وما أشرنا إليه هو القول الثاني: إذا هم بالمعصية فليغلب جانب الخوف، وإذا فعل الطاعة فليغلب جانب الرجاء.
* طالب: بالنسبة (...) الساعة، فيه كتاب نازل في الأسواق يتحدث عن تاريخ نهاية أمة الإسلام، وهذا الكتاب يستند على أحاديث أقلها يصححها الشيخ الألباني، ونزلت ثلاثة كتب الآن: العلامات الصغرى يقول: أنها كلها خرجت، والذي بقي منها هذه تسمى أحداثًا تقع بعد خروج بعض العلامات الكبرى، مثل كنز الفرات وتعود مروجًا وأنهارًا جزيرة العرب، ويذكر أيضا في الكتاب -طبعا الكتاب مزكى من بعض علماء الأزهر- والأحاديث اللي فيه صحيحة أغلبها يعني إلى درجة الحسن، يحسنها الشيخ الألباني، ويستدل بأحاديث في حصار العراق، حصار العراق هذا ورد في حديث عن النبي ﷺ هذا الحصار، ويقول: إن الأمة ويستدل بأحاديث الأجراء، ويأتي بكلام لشيخ الإسلام، الأجراء الأمم اللي عملت بالنهار، والأمم اللي عملت بالليل، يعني طويلة بصراحة، وجاب أغلب الكتاب الثالث ردًّا على اللي ردوا عليه وقال: أنا ما هو أول واحد يعني سلك هذا المسلك، ابن حجر وأيضا ابن رجب وابن عساكر، وكثير من أهل العلم، والسيوطي تكلموا في هذا الباب، فلماذا تنكرون علي؟ طبعا هو بيقول: باقٍ عليها سبعون سنة أو ثمان وستون سنة وتنتهي أمة الإسلام، يقول: قد تزيد قليلًا وتنقص قليلًا، أما علم الساعة فعند الله سبحانه وتعالى، وهذا عمر أمة الإسلام، والله أعلم.
* الشيخ: لا شك أن هذا كذب ودجل واتباع للمتشابه، عندنا آيات صريحة مثل الشمس: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف ١٨٧] كرره، كيف يجي واحد يقول: أنا أعلم. أما عمر الأمة الإسلامية بمعنى أن الإسلام يزول بعد هذه المدة فهذا قد يقول قائل: إنه ممكن وقد يقول: إنه غير ممكن العلم به؛ لأن قيام الساعة يكون على شرار الخلق حتى لا يقال: الله الله، لكن هذا ما عندنا علم منه، فكل هذا باطل، وكل هذا يجب أن يكذب وينكر، وأما الأحاديث التي يستدل بها فينظر أولًا في سندها وصحتها، وليس كل ما صححه فلان أو فلان يكون صحيحًا، البخاري رحمه الله قد يذكر تعاليق هو يجزم بصحتها كما قالوا: إنه إذا ذكر التعليق مجزومًا به فهو صحيح عنده، ومع ذلك هي ضعيفة، إمام المحدثين، وثانيًا: إذا تم النظر في صحتها وصارت صحيحة ينظر في دلالتها، فلا يمكن أن تدل الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ بخلاف ما جاء في القرآن، وبخلاف ما هو صريح في السنة. وقول الرسول ﷺ: «أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٨/ ١) من حديث عمر بن الخطاب.]] يدل على أن من ديننا أن نؤمن بأنه لا علم لأحد بقيام الساعة.