Tafsir Ibn Uthaymeen — الشورى 42:19 – الشورى 42:53
المحتويات
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
الشورى 42:19
ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ الجملة استئنافية وهي أيضًا مبتدأ، آية ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ لا يخفى أنها مبتدأ وخبر، ومعنى اللطيف: اللطيف هو الذي يلطف بالعبد، فيقدر له من التيسير ما لا يخطر له على بال، قال ابن القيم رحمه الله في النونية:
وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ∗∗∗ ........................
لطيف به يرفق به وييسر له الأمر، لطيف لعبده يقدر له من الأمور الخارجية ما يكون فيه اللطف، كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ [يوسف ١٠٠].
إذن اللطافة تعتبر عن أيش؟ كناية عن تيسير الأمر وتسهيل الأمر لمن شاء من عباده.
لكن هنا يقول: (﴿بِعِبَادِهِ﴾ برهم وفاجرهم) حتى الفاجر الله لطيف به؟ نعم لطيف به بالمعنى العام، ولهذا ينزل عليهم مطر، وينبت لهم النبات، ويدفع عنهم الشرور، إلى آخره، فالله عز وجل لطيف بالعباد كلهم، أي البر والفاجر، لكن لطفه بالبر لطف خاص مستمر في الدنيا وفي الآخرة، ولطفه بالفاجر لطف عام يكون ابتلاء وامتحانًا، وربما يزداد به الفاجر فجورا بما لطف الله به، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
(﴿لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ حيث لم يهلكهم جوعًا بمعاصيهم)، وإنما فسرها بقوله: (حيث لم يهلكهم جوعا) توطئةً لقوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿يَرْزُقُ﴾ أي: يعطي، فالرزق بمعنى العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء ٨] أي: أعطوهم.
يقول: (﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من كل منهم ما يشاء) من وما يشاء؛ لأن المسألة فيها مرزوق وفيها رزق، المرزوق عبر عنه بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فأتى بـ(من) التي للعقلاء، والمرزوق قدرها الشارح بقوله: (ما يشاء). إذن لدينا رزق ومرزوق؛ المرزوق عبر الله عنه بقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، والرزق حُذف للعلم به. وقدَّره المفسر بقوله: (ما يشاء). ونظير هذا قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨] وقوله: (ما يشاء) ترد كثيرًا في القرآن أشياء معلقة بالمشيئة، فأنا بأسألكم: هل هذه الأشياء المعلقة بالمشيئة هي لمشيئة مجردة أم لمشيئة مقرونة بالحكمة؟ الثاني، يتعين هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى في أفعاله لا يفعل إلا لحكمة، كلما وجدت مضافًا إلى الله معلقًا بالمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة. دليل ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] ففي هذا إشارة إلى أن مشيئة الله عز وجل صادرة عن علم وحكمة، فخذها بقلبك، كلما وجدت شيئًا من أفعال الله أو أحكام الله الشرعية معلقًا بمشيئة فاعلم أنه مقرون بالحكمة، خلافًا لمن قال من الجهمية وغيرهم: إن أفعال الله تعالى لمجرد المشيئة وليست مقرونة بحكمة.
﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القوي ضد الضعيف، يعني: ذو القوة الكاملة التي لا يلحقها ضعف، ولنسأل أنفسنا: هل لدينا قوة كاملة؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، ثم لا، ثم لا، وهل قوتنا الناقصة تستمر؟ لا، وهل قوتنا الناقصة ثابتة لنا من حين وُلدنا؟ لا، واسمع إلى قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ هذا واحد (...) ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤] هكذا حال الإنسان، ولا مفر منها، الرب عز وجل هو القوي ذو القوة التامة التي لم تزل ولا تزال، واستمع إلى عاد حين فخروا بقوتهم وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فقال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] الله أكبر! لو قالت أمريكا الآن: (من أشد منا قوة) ماذا نقول؟ الله الذي خلقكم، أنتم الآن مخلوقون ضعفاء، ولو شاء الله لسلبكم القوة والقدرة والعقول؛ لأن الله هو الذي خلقكم هو أشد منكم قوة، وكذلك غيره من الدول الذين يعتزون بقوتهم المادية، نقول: إن فوقكم رب العباد عز وجل الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا، فهو أشد منكم قوة، وقد يكون تفتيت القوة من نفس القوة، أرأيتم الاتحاد السوفيتي أليس يهدد العالم من قبل؟ أليس قد قال رئيسهم حين قال وزير الدفاع الأمريكي: إن لدينا صواريخ يمكن أن نضرب بها موسكو فقال له رئيسهم: ولكنها إذا رجعت لأمريكا لم تجد أمريكا، وين راحت؟ دمرها الروس قبل أن تصل صواريخهم إلى الروس، تفاخر بالقوة، الآن الاتحاد السوفيتي فتته الله من داخل، والقادر على هذا قادر على أن يفتت أمريكا، نسأل الله أن يفتتها، قادر على هذا، فالمهم أن الله هو القوي الكامل القوة ولا يمكن أن يلحقها ضعف.
هنا فائدة: هناك قدرة وقوة، وهناك ضعف وعجز، ما الذي يقابل القوة؟
* طلبة: الضعف.
* الشيخ: الدليل ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم ٥٤]، وما الذي يقابل القدرة؟ العجز، الدليل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤] ما قال: عليمًا قويًّا، عليم قدير أيهما أشد وأكمل؟ نقول: كل شيء بحسبه. القدرة لا يُوصَف بها إلا ذوو الإرادة، فالجدار مثلًا لا تقول: إنه قدير. والقوة يوصَف بها ذوو الإرادة وغيرهم، تقول: الجدار قوي، والحجارة قوية، لكن تقول: قديرة؟ لا.
القوة أكمل من جهة أخرى؛ لأنه ليس كل قادر قويًّا، فلو امتحنا واحدًا منكم وقلنا: احمل هذا الحجر، فأراد أن يحمله عجز أن يقله عن الأرض، هل نقول: هذا غير قوي ولَّا غير قادر؟
* طلبة: غير قوي.
* طلبة آخرون: غير قادر.
* الشيخ: لا، غير قادر؛ لأنه عجز، لم يزحزحه، ولو قلنا لآخر: احمل هذا الحجر، فكشف عن ذراعيه ثم حمله لكن (...) تعسر (...) ماذا نقول: غير قوي أو غير قادر؟ غير قوي، هو قادر الآن حمله لكنه غير قوي، فصارت القوة من هذه الناحية أكمل؛ لأنها هي القدرة على الشيء بلا ضعف.
هنا يقول عز وجل: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾، ﴿الْعَزِيزُ﴾ يعني الغالب على أمره. وقد قسم العلماء رحمهم الله عزة الله إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، ثلاثة؟
* طالب: عزة القدر، عزة القهر، عزة الامتناع
* الشيخ: بارك الله فيك، عزة القدر: يعني أن قدره عظيم لا نظير لها، ومنه قول العرب: هذا عزيز، يعني نادر الوجود، هذا عزة القدر، عزة القهر: يعني الغلبة، وهذا أكثر ما ترد بهذا المعنى، فالعزيز بمعنى الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون ٨] ردًّا على قول المنافقين: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨].
الثالث: عزة الامتناع، يعني أنه يَمتنع عليه السوء عز وجل، ويمتنع عليه النقص، يحاول المجرمون أن يصفوه بالنقص ولكنه يمتنع عليه، ومنه قولهم: هذه أرض عزاز، أرض عزاز يعني إيه؟
* طالب: ممتنعة.
* الشيخ: شديدة صلبة، الشديدة الصلبة التي لا تؤثر فيها المعاول، يقولون: إنها عزاز، وفي لغتنا نحن العامة يقولون: عزا، فيحذفون الزاي الثانية: أرض عزا، يعني صلبة. إذن العزيز من أسماء الله عز وجل له ثلاث معانٍ: الأول؟
* طالب: القهر والغلبة.
* الشيخ: هو القهر
* الطالب: القدر والقهر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: القدر والقهر والامتناع.
* الشيخ: بارك الله فيك، كل هذه ثابتة لله عز وجل قال ابن القيم:
وَهُوَ الْعَزِيزُ فَلَنْ يُرَامَ جَــــــــــنَابُهُ ∗∗∗ أَنَّى يُرَامُ جَنَابُ ذِي السُّلْطَانِ؎وَهُوَ الْعَزِيزُ الْقَاهِرُ الْغَلَّاُب لَمْ ∗∗∗ يَغْلِبْهُ شَــــــــيْءٌ هَـــذِهِصِفَـــــــــــتَانِ؎وَهُوَ الْعَزِيزُ بِقُوَّةٍ هِيَ وَصْــــــــــفُهُ ∗∗∗ فَالْـــعِزُّ حِينَئِذٍ ثَـــــلَاثُمَعَـــــــــــــانِ؎ ∗∗∗ ِالعز له ثلاثة معانٍ، الله عز وجل هو القوي وهو الغالب، وإذا جمع بين القوة والغلبة كمل السلطان؛ لأن من الناس من يكون قويًّا ولكن لا يغلب، أرأيتم لو كان هناك رجل قوي جدًّا قوة الحصان لكنه جبان، يَغلب ولَّا يُغلَب؟
* طلبة: يُغلب.
* الشيخ: يُغلب؛ لأنه جبان، إذا اجتمعت القوة والعزة كمل السلطان، ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ إلى آخره، إن شاء الله يأتي غدًا.
سبق لنا أن (ألا) أداة استفتاح وأنها تفيد؟
* طالب: التنبيه.
* الشيخ: التهديد!
* الطالب: التنبيه.
* الشيخ: التنبيه، وأنها تفيد التنبيه، مثاله؟ مثال ألا الاستفتاحية التي تفيد التوكيد والتنبيه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس ٦٢] وفي الآيات التي معنا: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٣٧] ما معنى يرزق؟
* طالب: يعطي.
* الشيخ: يعطي، وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيه إثبات المشيئة، ولكن هل مشيئة الله عز وجل مجرد مشيئة أو أنها مشيئة مقرونة بشيء آخر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: بالحكمة نعم؛ إذ لا يشاء شيئًا إلا والحكمة تقتضيه إيجادًا أو إعدامًا.
ما هو الدليل على أن مشيئة الله مقرونة بالحكمة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] يعني: فلا يشاء إلا ما الحكمة تقتضيه إيجادًا أو إعدامًا، والله الموفق، نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:20
ثم قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى ٢٠].
لا يخفى علينا جميعًا من حيث الإعراب أنَّ ﴿مَنْ﴾ هنا شرطية، والدليل قوله: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾؛ حيث جاء الجواب مجزومًا، وهذا فيه أنَّ فِعل الشرط يكون ماضيًا والجواب يكون مضارعًا؛ ماضيًا لقوله: ﴿مَنْ كَانَ﴾، الجواب: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾، وكذلك بالعكس؛ قد يكون فِعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا؛ مثل: مَن يَشْكر اللَّهَ زاده اللَّهُ.
(﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ بعمله ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي: كَسْبَها، وهو الثواب ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ بالتضعيف فيه؛ الحسنة إلى العشرة أو أكثر).
﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أصْل الحرث ما يُحرَث للنماء والزيادة، ومنه حَرْث الفلَّاحِ الأرضَ من أجْل أن يزرعها فيكسب ويزداد مالُه.
وقوله: ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ يقول: (أي: كَسْبها، وهو الثواب).
﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ فسَّر المؤلف رحمه الله زيادة الحرث بزيادة الثواب؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. ونزيد أمرًا آخَر؛ أي: نُؤتِهِ من الدنيا والآخرة؛ بدليل قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى ٢٠].
إذَنْ ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الله تعالى يعطيه ثوابَ الدنيا والآخرة.
والثاني: أنَّه يضاعِف الثوابَ؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة.
قال: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ [الشورى ٢٠] يعني: كَسْبها والتنعُّم فيها. هذا في الغالب يُعرِض عن الآخرة؛ لأنَّه لا يريد إلا الدنيا، ولهذا تجده مهتمًّا بأمور الدنيا غايةَ الاهتمامِ، حتى السيارة إذا أصابتْها بقعةٌ من الطين بالمشي على الطين ذهب ينظِّفها ويمسحها، لكن قلبه مملوءٌ من البلاء، ولكنَّه لا يحرص على تنظيفه وتنقيته لأنَّه لا يريد إلا الدنيا، تجده -مثلًا- في قصوره لا يهتمُّ إلا بإصلاح الجُدُر وتنظيفها، لكن بناء الدِّين لا يهتمُّ به، هذا يقول الله عز وجل فيه: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، ﴿مِنْهَا﴾، ولا نؤتيه كلَّ ما أراد، ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
وكلمة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ هذه مطْلقةٌ، لكنَّها مقيَّدة بما في سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ لا ما يشاء هو ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨] يعني حتى إنَّ الله عز وجل بيَّن أنَّ المعجَّل تابعٌ لمشيئته، وأنَّ المعجَّل له -وهو الإنسان- تابعٌ لإرادته؛ فقال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء ١٨]. انتبهْ، لا تظن أنَّ الآية فيها تكرار، لا؛ ﴿مَا نَشَاءُ﴾ هذا باعتبار المعجَّل، ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ باعتبار المعجَّل له، فلا كلُّ أحدٍ أراد يعجَّل له، ولا كلُّ أحدٍ أراد شيئًا يحصل له ما أراد؛ لأنَّ الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، ولهذا يقول هنا: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾.
فإذا قال قائل: كلمة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ جواب الشرط، وهي تقتضي أنَّ الله سيؤتيه منها.
نقول: هذا المطْلَق أيش؟ مقيَّدٌ بآية سورة الإسراء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ وهي الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء ١٨].
(﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ بلا تضعيفٍ لِمَا قُسِم له ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ) نسأل الله العافية.
* في هذه الآية: حثٌّ على أن يريد الإنسانُ بعمله الآخرةَ.
فإن قال قائل: كيف يريد الآخرة بعمل الدنيا؟ ولنفرض الأكل والشرب؛ ذهب الإنسانُ إلى السوق ليشتري خُبزةً وإدامًا، كيف يريد الآخرة؟
نقول: يمكن أن يريد الآخرة بذلك:
فيريد أولًا امتثالَ أمْر الله؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف ٣١].
ويريد ثانيًا حِفْظَ قوَّته وصِحَّته، وهذا أمرٌ مطلوبٌ؛ لأنَّ الله يقول: ﴿لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩].
وأَمَرنا أن نأكل من الطيبات ونشكره، يريد بذلك التقوِّي على طاعة الله؛ لأنَّه كلَّما كان الجسم قويًّا كانت العبادة أكمَل، فيريد بأكله وشربه التقوِّي على طاعة الله.
رابعًا: يريد بذلك التنعُّم بكَرَم الله، كيف ذلك؟ لأنَّ الكريم يحبُّ أن يُقبَل كَرَمه، أليس كذلك؟ يعني لو أنَّ رجلًا جوادًا كريمًا أهدى عليك هديَّةً فهل يفرح إذا قَبِلتَها ويُغَمُّ إذا رددتَها أو بالعكس؟
* الطلبة: الأول.
* الشيخ: الأول؛ يُسَرُّ إذا قَبِلتَها ويُغَمُّ إذا رددتَها.
إنَّ ربَّنا جل وعلا أكرمُ الأكرمين، فهو يحبُّ من عباده أن يتبسَّطوا بنِعَمه ويتنعَّموا بها، إذَنْ هذا إرادةُ حَرْث الآخرةِ بعمل الدنيا. أمَّا عمل الآخرة المحض كالصلاة والصيام والحج وما أشبهَ ذلك فهذا أمره واضح.
إذَن السؤال الآن أُعيده مرةً أخرى: كيف يريد الإنسان حَرْث الآخرة بما هو من أمر الدنيا؟
الجواب أنَّ ذلك ممكن، ونضرب مثلًا لهذا بالأكل والشرب، ويتبيَّن لنا أربع إراداتٍ كلُّها يُثاب عليه الإنسان، مع أنَّه لو تأمَّل المتأمِّل لَوجد أكثرَ من هذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من إرادة الدنيا فقط؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
* ومن الفوائد: أنَّ مَن أراد حَرْث الدنيا فإنَّه لا يُعطَى كلَّ ما أراد؛ لقوله: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، ومَن أراد حَرْث الآخرة يُعطَى كلَّ مراده وزيادة.
* ومنها: الإشارة إلى أنَّ الأعمال بالنيات؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ﴾، ففيه إشارةٌ إلى حُسن النيَّة وأنَّ الإنسان ينبغي له إحسانُ النيَّة، بل يجب عليه إحسانُها.
* ومنها: الردُّ على الجبرية، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿يُرِيدُ﴾؛ لأنَّ الجبرية يقولون: إنَّ الإنسان ما له إرادة. سبحان الله! ما له إرادة؟! لا ما له إرادة. طَبَخ الطعامَ ليأكله فهذا بغير إرادة، حضَّر أدوات المنزل ليستعملها، قال: هذا ما هو بإرادته، ليس بإرادته. ماذا تقولون في هذا الرأي؟ هذا رأيٌ مخالفٌ للفِطَر، مخالفٌ لأدنى فِطْرة، حتى الصبي يعرف إذا أُجبِر وإذا فَعَل بالاختيار.
قُدِّم لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سارقٌ، فأَمَر بقطْع يده: اقطعوا يده. تَمَّت شروط القطْع، فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، واللهِ ما سرقتُ هذا إلا بقَدَر الله. ويش يريد؟ أن يرتفع عنه الحدُّ؛ إذا كان بإرادة الله يعني ليس لي فيه اختيار، فقال له أمير المؤمنين: ونحن لا نقطع يدك إلا بإرادة الله. فبُهِتَ؛ لأنَّه ما يستطيع أن يقول شيئًا، مع أنَّ قطْع أمير المؤمنين يده كان بإرادة الله الكونية والشرعية، والسارق بإرادة الله الكونية فقط؛ لأنه لم يؤذَن له بالسرقة. إذَنْ في الآية ردٌّ على مَن؟ على الجبرية.
وهل في الآية دليلٌ للقَدَرية الذين ينكرون إرادة الله فيما فعل العبد؟
الجواب: لا، ليس فيها ردٌّ لقولهم، لكنْ ليس فيها إثباتٌ لقولهم؛ لأنَّ إرادة الإنسان من صفاته ولَّا من غير صفاته؟ من صفاته؛ هو الذي يريد.
العبد مخلوق ولَّا غير مخلوق؟ مخلوق، إذَنْ إذا كان مخلوقًا كانت صفاتُه أيضًا مخلوقةً ولا بدَّ، فإرادتُك مخلوقةٌ لله باعتبار أنَّك أنت مخلوقٌ، وصفة المخلوق مخلوقة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: كمالُ سلطانِ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثباتُ كرم الله وأنَّه عز وجل أكرمُ من عَبْده؛ يعمل العبدُ قليلًا ويُثاب كثيرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الآخرة، وإثباتُها ثابتٌ بالقرآن، والسُّنَّة، وإجماع المسلمين، والنظر الصحيح؛ يعني العقل:
أمَّا الكتاب والسُّنَّة فمملوءانِ من إثبات اليوم الآخِر.
وأمَّا الإجماع فهو ثابتٌ، لا أحد من المسلمين يُنكر الآخرة، ومَن أنكرها كَفَر.
وأمَّا النظر الصحيح فلقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]. أرأيتم يا أيها الإخوة، أرأيتم لو أنَّ الله عز وجل خَلَق هذه الخليقة، وأرسلَ الرُّسُلَ، وأنزل الكُتُبَ، وفَرَض الجهادَ، وكان هذا يقتل هذا على دين الله، ويسبي نساءه، ويأخذ مالَه؛ يغنم ماله، ثم تكون المسألة عائدةً إلى أن نكون رِمَمًا لا نُبعث، ماذا يكون هذا العمل؟ عبثًا يُنَزَّه اللَّهُ عنه. ولولا إيماننا باليوم الآخِر لَكان القويُّ منَّا يأكل الضعيفَ لأنَّه لا يرجو حسابًا، ولكن العقل يقتضي ويُوجِب الإيمانَ باليوم الآخِر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ مَن أراد بعمله الدنيا فإنَّه لا نصيب له في الآخرة.
ولكنْ هل نفْيُ النصيب هنا نفْيٌ كاملٌ، أو ليس له نصيبٌ في الآخرة بهذا العمل الذي أراد به الدنيا؟ الثاني أو الأول؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني لا شكَّ، اللهمَّ إلَّا أن يكون هذا العمل والإرادة مما يُخرِج عن الدِّين فإنَّه لا نصيب له مُطلقًا.
هل مثلًا لو أراد الإنسانُ بدراسته أن ينال الإجازة؛ يعني الشهادة، هل يكون مِمَّن أراد حَرْث الدنيا أو الآخرة؟
حسب ما في قلبه؛ إن كان أراد بالشهادة أن يرتقي إلى منصبٍ دنيويٍّ فقد أراد الدنيا، وإن أراد بذلك أن يرتقي إلى منصبٍ يتمكَّن به من نفْع المسلمين بالتدريس أو بالتدبير فهذا أراد الآخرة لا شك، ولذلك ما بين الدنيا والآخرة في هذه المسألة إلا شعرة أو أقلُّ؛ هل أنت تريد بالشهادة أن تقول: أنت في المرتبة الخامسة أو العاشرة أو المئة أو المئتين أو الألْف أو الألْفين، أو تريد بذلك أن تتبوَّأ مكانًا تنفع به الناس؟ الأول خاسر، والثاني رابح؛ لأنَّنا مع الأسف الآن أصبحنا لا يُقَدَّر الإنسانُ إلا بما معه من البطاقة، العِلم هو ورقة تطلِّعها من (...) شهادة دكتوراه رقم (أ)، إذا أعطيتَها إيَّاه خلاص: ويش تبغي؟ وين نوظِّفك؟ أي مكان تريد؟
لكن يجيء رجُل في العلم مثل شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: وظِّفْني في مدرسة ابتدائية. ويش يقول له؟ أجيبوا يا جماعة بالواقع.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ما معك شهادة، ما نوظِّفك. يا رجُل، وظِّفْه، جرِّب. قال: ما فيه. فصار الآن ميزان عِلْم الناس بهذه البطاقة، إذا كان الناس نزلوا إلى هذا المستوى أنا أُجاريهم ونيَّتي عند الله معلومة، قصدي أريد أن أتبوَّأ مكانًا في الأُمَّة؛ أكون مدرِّسًا، قاضيًا رئيسًا لشيءٍ أُوَجِّه الناس، والله الموفق.
الشورى 42:21
ثم قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الشورى ٢١] قال المفسِّر: (﴿أَمْ﴾ بمعنى بَلْ). أشار بهذا إلى أنَّ (أَمْ) هنا منقطعة، و(أم) المنقطعة هي التي تأتي بمعنى (بل) وهمزة الاستفهام؛ أي: بلْ أَلَهُم شركاء.
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ﴾ قال المؤلف: (﴿لَهُمْ﴾ لكفَّار مكة)، والصواب أنها أعمُّ من ذلك؛ يعني أنَّ جميع المشركين لهم شركاء جعلوهم مع الله عز وجل يشرعون لهم من الدِّين ما لم يأذنْ به الله.
قال: (هم شياطينهم ﴿شَرَعُوا﴾ أي: الشركاء ﴿لَهُمْ﴾ للكفَّار) وهنا قال: (للكفَّار)، وفيما سبق قال: (كفَّار مكة)، فتكون (أل) في كلامه للعهد الذِّكري. (﴿مِنَ الدِّينِ﴾ الفاسد ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشرك وإنكار البعث)، وهذا الاستفهام هنا بمعنى الإنكار عليهم أن يتَّخذوا هؤلاء شركاءَ يشرعون لهم من الدين ما لم يأذنْ به الله.
وقوله: ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى ٢١] المراد بالإذن هنا الإذن الشرعي؛ لأنَّ الإذن يكون قدريًّا ويكون شرعيًّا؛ فما يتعلَّق بالأمر والنهي شرعيٌّ، وما يتعلَّق بالخلْق والتكوين قدريٌّ؛ فقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] يُراد به الإذن الشرعي أو القدري؟
* طالب: الشرعي.
* الشيخ: يحتمل هذا وهذا؛ ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأن يأذنَ قدرًا بأن يشفع، أو يأذنَ شرعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة ١٠٢] أيُّ الإذنين؟
* الطلبة: القدري.
* الشيخ: القدري؛ لأنَّ الله تعالى لا يأذن شرعًا بأن يضرَّ السحرةُ أحدًا.
وهنا: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] أي: ما لم يأذنْ به شرعًا، أمَّا قدرًا فقد أذِنَ به لأنَّه وقع، وكلُّ شيءٍ يقع فإنَّه مأذونٌ فيه قدرًا؛ لأنَّه لا يمكن أن يقع في مُلك الله عز وجل ما لم يأذنْ به قدرًا.
ومِن ذلك -أي: من شَرْعهم ما لم يأذنْ به الله- تحليلُ ما حرَّم الله أو تحريمُ ما أحلَّ الله، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى هؤلاء الذين يحلِّلون ما حُرِّم ويحرِّمون ما أُحِلَّ جَعَلهم أربابًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]. «قال عديُّ بن حاتمٍ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنَّا لَسْنا نعبدهم. قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟». قال: بلى. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرج الترمذي (٣٠٩٥)، والطبراني في الكبير (١٧ / ٩٢، رقم ٢١٨) واللفظ له، من حديث عديِّ بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ وفي عُنُقي صليبٌ من ذهب، فقال: «يا عديُّ، اطرحْ هذا الوَثَن من عُنُقك» فطرحتُه، فانتهيتُ إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حتى فرغ منها، فقلتُ: إنَّا لَسْنا نعبدهم. فقال: «أليسَ يُحَرِّمون ما أحلَّ الله فتُحَرِّمونه، ويُحِلُّون ما حَرَّم اللَّهُ فتستحلُّونه؟». قلتُ: بلى. قال: «فتلك عبادتُهم».]]. يعني طاعتهم.
(﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: القضاء السابق بأنَّ الجزاء في يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وبين المؤمنين بالتعذيب لهم في الدنيا ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٢١] مؤلم).
﴿لَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (لولا) هذه يقول النحويُّون: إنها حرف امتناعٍ لوجود. ما الذي امتنع في هذه الآية؟
* الطلبة: القضاء.
* الشيخ: القضاء بينهم. والموجود كلمةُ الفصل.
واعلمْ أنَّ (لولا) حرف امتناعٍ لوجود، و(لَمَّا) حرف وجودٍ لوجود، و(لو) حرف امتناعٍ لامتناع، فاقتسمتْ هذه الأدوات الثلاث، اقتسمت المعاني الثلاثة:
(لو) حرفُ امتناعٍ لامتناع؛ تقول: لو زُرتَني لَأكرمتُك. هنا امتنع الإكرامُ لامتناع الزيارة.
وتقول: لَمَّا رأيتُك أكرمتُك. هنا وُجِد الإكرام لوجود الرؤية.
وتقول: لولا زيدٌ لفعلتُ كذا وكذا. هذا حرف امتناعٍ لوجود.
﴿لَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي كلمة الله عز وجل السابقة التي قضى عز وجل بها أنَّ لكلِّ شيءٍ أجَلًا مقدَّرًا، هذه الكلمة التي جعلها الله عز وجل-لكلِّ شيءٍ أجَلٌ مقدَّرٌ- لولا هذه لَقضى الله بينهم وبين المؤمنين بتعجيل العذاب لهم.
* في هذه الآية فوائد منها: أنَّ مَن أطاع الزعماءَ والكبارَ في تحريم شيءٍ أحلَّه الله، أو تحليل شيءٍ حرَّمه الله، أو إيجاب شيءٍ لم يوجبْه الله، فإنَّه قد اتخذهم شركاء.
ويترتَّب على هذه الفائدة أنَّ متَّبعي دُعاة البِدَع قد اتخذوهم شركاء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الأمور المشروعة لا بدَّ أن يكون فيها إذنٌ من الله، يعني التي يفعلها الإنسانُ تديُّنًا لا بدَّ أن يكون فيها إذنٌ من الله عز وجل؛ لأن الله تعالى أنكرَ على هؤلاء الذين اتخذوا شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذنْ به الله، وهذا بمعنى قولنا: الأصلُ في العبادات الحظرُ والمنعُ إلا إذا قام دليلٌ على مشروعيتها. وعليه فلو رَأَيْنا شخصًا يتعبَّد بعبادةٍ لم نكن نعرفها فلنا أن نُنكر عليه حتى يأتي بدليلٍ، أليس كذلك؟ لأنَّ الدين متلقًّى من عند الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ ما سوى الأمور الدينية فإنَّه خاضعٌ للأمور العاديَّة، أو للأحوال العاديَّة؛ لقوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾، وعلى هذا لو شرعوا قوانين ونُظُمًا لا علاقة لها بالدين فإنَّ ذلك جائزٌ ولا تُعَدُّ موافقةُ هذه النُّظُم شركًا، فكيف إذا كانت هذه النُّظُم تؤيَّد بالقواعد العامَّة، وهي جلْبُ المصالح ودفعُ المفاسد؟!
* ومن فوائد هذه الآية: الردُّ على أولئك القوم الجَهَلة الذين ينكرون كلَّ نظامٍ تسُنُّه الحكومات بقطْع النظر عن كونه أمرًا دينيًّا أو أمرًا دنيويًّا، وبقطْع النظر عن كونه موافقًا للشرع أمْ غير موافقٍ للشرع؛ لأنَّ بعض الناس مثلًا يقول: أنا لا أتقيَّد بأنظمة المرور لأنَّه ما فيه دليل. وربما يقول: هذه بِدَع.
فيُقال له:
أولًا: الأمور الدنيوية الأصل فيها الحِلُّ، ولا يُبَدَّع مَن أتى بها خارجًا عن العادة لكنْ يُنظَر هل هي حلال أو حرام.
ثانيًا: إنَّ النصوص تدلُّ على وجوب طاعة وُلاة الأمر؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء ٥٩]، وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأمير: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ أَخَذَ مَالَكَ وَضَرَبَ ظَهْرَكَ»[[أخرجه مسلم (١٨٤٧ / ٥٢) من حديث حذيفة بن اليمان بلفظ: «تسمعُ وتطيعُ للأمير، وإنْ ضُرِب ظهرُك وأُخِذ مالُك فاسمعْ وأطعْ».]].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل بتعجيل أو تأخير العذاب؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ ما قضاه الله أزَلًا -يعني في الماضي- لا يتغيَّر؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد ٣٩]؟ هل يعارِض ما قرَّرناه من فوائد هذه الآية؟
فالجواب: لا، لا يعارِض؛ لأنَّ الله قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ ثم قال: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني أصله، فما في أمِّ الكتاب لا يتغيَّر، وما لم يكن كذلك فإنه يتغيَّر؛ أليس الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤]، فالسيِّئات بعد أن كُتِبتْ أتت الحسناتُ فمحتْها، الإنسانُ يُذنب فيُكتَب الذنب ثم يستغفر فيُمحَى الذنب، وأمَّا ما في أصل الكتاب فإنه لا يتغيَّر، وعلى هذا فلا يعارض هذه الآية وهي قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
فإن قال قائل: ما تقولون في الحديث الصحيح: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٨٦)، ومسلم (٢٥٥٧ / ٢١)، من حديث أنس بن مالك.]]؟ فإن هذا يدلُّ على أنَّ صِلة الرحم سببٌ لكثرة الرزق وسببٌ لطول العمر، وأنتم تقولون: إنَّ العمر مكتوبٌ والرزق مكتوبٌ.
فالجواب: الرزق مكتوب على هذا السبب، والأجَل مكتوب على هذا السبب، فيكون الله تعالى قد كتب أجَلَ هذا مؤخَّرًا لصلة الرحم، ووسَّع في رزق هذا لصلة الرحم، ويكون هذا معلومًا عند الله، لكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر هذا ترغيبًا في صلة الرحم لأنَّ الإنسان لا يعلم ما كُتِب له في المستقبل، وحينئذٍ لا منافاة.
وأمَّا مَن قال من العلماء: إنَّ المراد بقوله: «يُنْسَأ لَهُ فِي أَثَرِهِ» أنَّ الله يبارك له في العمر، هذا غير صحيح؛ لأنه خلاف ظاهر الحديث؛ فظاهر الحديث أنَّه يؤخَّر لكنْ يكون مكتوبًا عند الله أنَّه واصلٌ وأنَّ عُمره إلى كذا، لكن هل الإنسان يعلم بأنه مكتوبٌ عند الله هكذا؟ لا يعلم، فأراد النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يحثَّ الإنسانَ على صلة الرحم بمثل هذا الوعد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ الأسباب؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ فالكلمة سبب لتأخير العذاب، وإثبات الأسباب أمرٌ لا ينكره إلا الجاحد.
واعلمْ أنَّ الناس انقسموا في الأسباب إلى ثلاثة أقسام:
قسمٌ أنكروا الأسبابَ نهائيًّا وقالوا: لا تأثير للسبب في المسبَّب.
وقسمٌ أثبتوا الأسبابَ على وجه الغُلُوِّ وزعموا أنها –أي: الأسباب- موجِبةٌ ولا بدَّ.
والقسم الثالث أثبتوا الأسبابَ، ولكنَّهم جعلوا ذلك تابعًا لمشيئة الله عز وجل.
فالأقسام كم؟
* طالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة. عُدَّها.
* طالب: القسم الأول أنكروا الأسباب.
* الشيخ: نعم، أنكروا تأثير الأسباب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: غالى في إثباتها وجعلها موجِبةً لذاتها ولا بدَّ. والثالث؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: قالوا: لكنَّها تحت مشيئة الله. هذا القول هو المتعيِّن أنَّنا لا نُنكر الأسبابَ، وكيف نُنكرها ونحن نشاهد هذا بأعيننا؟! هم يقولون: إنَّ ما يحصل بالسبب ليس حاصلًا به لكنَّه حاصلٌ عنده؛ فمثلًا إذا رميتَ بحجرٍ على زجاجة ثم انكسرتْ يقولون: إنَّ الذي كسرها ليس الحجر، لكن كسرَتْها إرادةُ الله عند ملامسة الحجر. إذَنْ حصلتْ عند السبب لا بالسبب. عندما تُدخِل ورقةً في النار تحترق، يقولون: النار ما أحرقتْها، أحرقتْها إرادة الله عند ملامسة النار. هذا كلام غير معقول يضحك منه السُّفهاء قبل الحُلَماء؛ كيف نقول ونحن نشاهد أنَّ الحجر يقع على الزجاجة يكسرها، كيف نقول لم يكسرها؟! الإنسان لو اتَّكأ على الزجاجة لَقال له مَن عنده: لا تتَّكئ فتنكسر.
وأمَّا القول الثاني الغالي في إثبات الأسباب والذين يقولون: إنَّ الأسباب فاعلةٌ ولا بدَّ أو موجِبة ولا بدَّ، هؤلاء أيضًا ضالُّون؛ فها هي النار العظيمة كانت على إبراهيم بردًا وسلامًا، ولو كان السببُ موجِبًا بذاته ولا بدَّ لَأحرقتْ إبراهيمَ على كل حال، لكن الله قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وكانت سلامًا، قال العلماء: لو قال الله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ ولم يقُل ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكتْ إبراهيم من البرد، لكن الله قَرَن البردَ بالسلام. إذَن الآية التي معنا فيها إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الوعيد الشديد للظالمين؛ لقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
* ومن فوائدها اللغوية: أنَّ (أليم) تأتي بمعنى مؤلِم؛ يعني (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)، وهذا قليلٌ في اللغة العربية، أكثر ما يأتي (أليم) في اللغة العربية بمعنى (آلِم)؛ أي: بمعنى فاعل، هذا هو الأكثر، لكن قد يأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل) كما في هذه الآية، وكما في قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَـــــابِي هُجُــــوعُ؎أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ .......................
(السميع) بمعنى الْمُسْمِع، يقولها في معشوقته؛ الداعي الْمُسْمِع.
....................... ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَــــابِيهُجُـــــوعُ
الشورى 42:24
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الشورى ٢٤].
﴿أَمْ﴾ هنا قال المفسر: (بَلْ). يعني أنَّ (أمْ) بمعنى بلْ، ويسمُّونها منقطعة؛ لأنَّ (أمْ) تكون متصلة وتكون منقطعة، إذا صارت بمعنى (بلْ) فهي منقطعةٌ لأنها تُشْبه الإضرابَ عمَّا سبق، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متَّصلة؛ مثل أن أقول: أتُريد كتابًا أمْ ساعةً، هذه أيش؟
* الطلبة: متصلة.
* الشيخ: متصلة؛ لأنها بمعنى (أو)، ولا يستغني أحد الطرفين فيها عن الآخر.
وإذا قلت: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس ٣٨] لا تجد فيه مقابلة، فهي منقطعة بمعنى (بل).
﴿يَقُولُونَ﴾ أي: الكفَّار من مشركي قريشٍ وغيرهم ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: اختلقَ على الله كذبًا، وذلك بقوله: إنَّ القرآن كلام الله، فقالوا: إنَّ القرآن ليس كلام الله، وإنَّ محمدًا كاذب، ولكنه ساحر، كاهن، مجنون، وما أشبهَ ذلك من الكلمات التي يرمون بها رسول الله ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى ٢٤].
﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ مفعول (يشأ) محذوف، ويُقدَّر بما يدلُّ عليه السياق؛ أي: فإنْ يشأ الله أن تفتري عليه كذبًا -وهذا شيءٌ محالٌ- ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ قال المؤلف: (يربط)، والصواب أنَّ الختم هنا بمعنى الطبع؛ يعني: إن افتريتَ على الله كذبًا طَبَع الله على قلبك. ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ الذي افتريتَه لو قُدِّر أنَّك افتريتَه، ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ (يُحِقُّه) أي: يُثبته ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ المنزلة على نبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى ٢٤].
معنى الآية إجمالًا أنه لو قُدِّر أنك افتريتَ على الله كذبًا فلن يتركك الله، لا بدَّ أن يبيِّن الحقَّ، فيختم على قلبك؛ يطبع عليه، ثم يمحو الله الباطلَ ويُحِقُّ الحقَّ بكلماته إنَّه عليمٌ بذات الصدور.
ويُشْبه هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يعني: إذا قرأ ألقى الشيطانُ في قراءته ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج ٥٢].
وقوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ﴾ هل يَلْزم من هذا الشرط الوقوع؟ لا، يأتي الشرط أحيانًا في أعظم المستحيلات؛ أرأيت قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف ٨١]، وهل يمكن أن يكون لله ولد؟ لا يمكن، ومع هذا جاءت الشرطية.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] وهل هذا يستلزم جواز إشراك النبي ﷺ؟ لا يستلزم.
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس ٩٤] هل يمكن أن يكون في شك؟ لا.
إذَن ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ يعني: إنْ يشأ الله أن تفتري عليه كذبًا، لا يَلْزم من هذا الشرط جواز افتراء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الله كذبًا، ومن المعلوم أنَّ الله قد شهد لنبيِّه ﷺ بالرسالة فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦].
قال: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بصاحبة الصدور. وما هي صاحبة الصدور؟ هي القلوب؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
* في هذه الآية الكريمة فوائد منها: محاولة المشركين أن يُلبِّسوا على الخلْق حتى يُنكروا رسالةَ النبيِّ ﷺ؛ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، حتى يظن العوامُّ أنَّه مُفْترٍ على الله كذبًا فيُعرضوا عمَّا جاء به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شدَّة مُنابَذة الكفار لِمَا جاء به النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقولهم: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ مِثْل هذا الكلام قَدْحٌ في الله عز وجل، قَدْحٌ في القرآن، قَدْحٌ بالنبي ﷺ:
أمَّا كونُه قَدْحًا في الله فلأنَّه ليس من الحكمة أن يؤيِّد الله تعالى هذا الذي افترى عليه كذبًا، بل الحكمة أن يؤاخذه ويعاقبه ولا يؤيِّده، والله سبحانه وتعالى قد أيَّد نبيَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالآيات الدالَّة على صِدْقه.
هو قَدْحٌ بالقرآن لأنَّه -على زَعْمهم- كلامٌ مفترى من عند الرسول عليه الصلاة والسلام، ولقد قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ فقال الله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل ١٠٣].
قَدْحٌ في الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يُجعَل أصدقُ الخلْق في مقام المفترِي على مَن؟ على الله، والافتراء على الله أشدُّ من الافتراء على غيره، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١].
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ﴾.
وهل مشيئة الله مجرَّدة عن الحكمة أو لا يشاء شيئًا إلا لحكمة؟
الثاني؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فبيَّن أنَّه عز وجل له المشيئة التامَّة، وأردفَ ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ليتبيَّن أن مشيئة الله سبحانه وتعالى ليست مجرَّد مشيئةٍ عبثًا ولكنْ لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ النبيَّ ﷺ مربوبٌ لله يفعل به ما شاء، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
* الشيخ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ القلب محلُّ الإدراك والعقل والتصرُّف؛ لقوله: ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾، فدلَّ هذا على أنَّ مدار التصرُّف كله على القلب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الطبع على القلب عقوبةٌ، سواءٌ كان طبعًا على العِلم أو طبعًا على القصد والإرادة، فإنه عقوبةٌ بلا شك، ولهذا كان من دعاء النبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»[[أخرجه الخرائطي في اعتلال القلوب من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ «يا مُقَلِّب القلوبِ ثبِّتْ قلبي على طاعتك»، وأخرجه الترمذي (٢١٤٠) وابن ماجه (٣٨٣٤) من حديث أنس بن مالكٍ بنحوه.]]، «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧)، والنسائي في الكبرى (٧٦٩٢) واللفظ له، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]]، فالإنسان يجب ألَّا يعتمد على ما في قلبه من اليقين؛ فإنَّ هذا ربما يزول، بل عليه أن يسأل الله دائمًا التثبيت، يؤخذ من قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: حُسن أدلَّة القرآن الكريم؛ حيث استدلَّ بأمرٍ واضحٍ على ما زعمه هؤلاء، وهو أنَّه لو شاء الله أن يفتري الرسولُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الله كذبًا لَختم على قلبه وأنساه ما عنده، ثم محا اللَّهُ الباطلَ الذي افتراه، ثم أحقَّ الحقَّ بكلماته.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى لا يُقِرُّ على باطلٍ؛ ﴿يَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾، فلا يمكن أن يُقِرَّ اللَّهُ تعالى على باطلٍ.
ويتفرَّع على هذه الفائدة فائدةٌ عظيمةٌ، وهي: ما فُعِل في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم اطَّلع عليه، فهل نحكم بجوازه لأنَّ الله اطَّلع عليه وسكت عنه، أو لا نحكم به حتى نعلم أنَّ النبي ﷺ عَلِمه؟
الأول؛ لأنَّ الله لا يُقِرُّ على باطلٍ والوحيُ ما زال ينزل. ولهذا يُخطئ بعضُ العلماء -رحمهم الله- إذا استُدِلَّ بما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يقولون: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يعلم. فنقول: هَبْ أنَّه لم يعلم، فإنَّ الله قد عَلِم.
مثال ذلك: قال بعض أهل العلم: إنَّه لا يصح أن يكون الإمامُ متنفِّلًا والمأمومُ مفترضًا؛ يعني لا يصح أن يصلِّي الفَجر خلف مَن يصلِّي النافلة، هذا هو المذهب عندنا. قيل لهم: هذا قولٌ مردودٌ؛ لأنَّ معاذ بن جبلٍ كان يصلي صلاة العِشاء مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يذهب إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاةَ في عهد النبيِّ ﷺ[[أخرج البخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥ / ١٧٨)، من حديث جابر بن عبد الله أنَّ معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاءَ الآخِرةَ، ثم يرجع إلى قومه فيصلِّي بهم تلك الصلاة».]]. قالوا: لا حُجَّة في هذا؛ لأنَّنا لم نعلم أنَّ النبي ﷺ اطَّلع عليه. فما الجواب؟
الجواب: إذا لم يطَّلع عليه اطَّلع الله عليه، ولو كان باطلًا عند الله لَبَيَّنه كما بيَّن حال الذين يُبَيِّتون ما لا يرضى من القول ويكتمونه عن الناس فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨]. إذَنْ دفعنا شُبهة هؤلاء الذين قالوا: لعلَّ النبي ﷺ لم يعلم به بأيش؟ بأنَّ الله عَلِمه، ولو كان باطلًا لم يُقِرَّه.
على أنَّنا نقول: يَبْعد أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يعلم به ومعاذٌ قد شُكِيَ إلى الرسول ﷺ بأنَّه يُطيل في الصلاة، لكنْ نُريد أن نتنَزَّل مع الخصم ونقول: هَبْ أنَّ الرسول لم يعلم به فإنَّ الله قد عَلِم به.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه لا يمكن أن يمكِّن الله تبارك وتعالى لأحدٍ كافرٍ تمكينًا مطلقًا، من أين نأخذها؟ مَن يعرف؟
* طالب: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: قول الله عز وجل: لو شاء الله لَطَبَع على قلوبهم.
* الشيخ: من كيسك هذه الآية؟!
* طالب: من قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾.
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
* الشيخ: إي نعم، ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فلا يُمَكِّنك من الباطل.
وقولُنا: (التمكين المطْلق) خرج به ما لو مكَّن الله تعالى للكافر على وجهٍ لا يستقرُّ؛ كما حصل في غزوة أُحُدٍ، فإنَّ المشركين هَزموا المسلمين، لكنَّه ليس هزمًا مستقرًّا، بل هو من حكمة الله عز وجل أن يُمَكِّن للكفار حتى يتشجَّعوا على حرب المسلمين ثم يقضي المسلمون عليهم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى إذا محا الباطل جَعَل مكانه الحقَّ؛ لقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الكلمات لله؛ لقوله: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾.
والله سبحانه وتعالى متكلِّمٌ بكلامٍ حقيقيٍّ؛ بحروفٍ وأصواتٍ مسموعةٍ ومُحاورةٍ بينه وبين مَن شاء من خَلْقه، وهذا مذهب السلف الصالح، وعليه جَرَت المِحنةُ العظيمةُ على أئمة المسلمين من أُمَرَاء الجور والظُّلم وعلماءِ السوء؛ حيث ابتدعت الجهميةُ والمعتزلةُ القولَ بأن الله لا يتكلَّم وإنما يَخْلق كلامًا فقالوا: إنَّ الله عز وجل لا يتكلَّم لكنْ يَخْلق كلامًا، وكلامُه مخلوقٌ.
فيُقال: لو قلنا بأنَّ كلام الله مخلوقٌ لَبَطلت الشريعة؛ لأنَّه يستوي الأمرُ والنهيُ والخبرُ والاستخبار والقصص، تستوي لأنها مخلوقةٌ لا يمتاز بعضُها عن بعض، فهي باعتبار الصوت كزَمْجرة الرعد، وباعتبار الكتابة كنقوش الجدار؛ لأنها مخلوقة، وحينئذٍ لا أَمْر ولا نَهْي ولا خَبَر ولا استخبار ولا شيء.
وتلطَّفتْ طائفةٌ فلم تُوَفَّق وقالوا: إنَّ كلام الله غير مخلوقٍ، لكن كلامه هو المعنى القائم بنفسه، وما سُمِع منه فهو عبارةٌ عن كلام الله وهو مخلوق. فانظُر كيف ضلَّتْ هذه الطائفة حتى صارت أشدَّ ضلالًا من الذين قالوا: إنَّ الكلام مخلوقٌ.
ما معنى كلامهم؟ يقولون: كلام الله هو المعنى القائم بنفسه؛ كما لو أنَّك في نفسك قدَّرتَ أن تتكلَّم بقولٍ ثم قُلتَ. هم يقولون: إنَّ الله تعالى أَضْمرَ الكلامَ في نفسه ثم خلق أصواتًا تدلُّ عليه، فيكون هذا الذي في المصحف ليس كلامَ الله، أليس كذلك؟ ليس كلام الله، لكنَّه مخلوقٌ خَلَقه الله ليُعبِّر عمَّا في نفس الله.
المعتزلة يقولون: الذي في المصاحف كلامُ اللهِ مخلوقٌ، والأشاعرة يقولون: ليس كلامَ الله وهو مخلوق، فأيُّهما أقربُ إلى الصواب؟ المعتزلة أقرب.
وهؤلاء يزعمون أنهم العُقَلاء -أعني الأشاعرة- وأنهم حاولوا الجمعَ بين المنقول والمعقول، ولكنَّهم أفسدوا المنقولَ والمعقولَ.
فنحن نقول: إنَّ الله يتكلَّم بكلامٍ مسموعٍ وبحروفٍ متتالية، والله يفعل ما يشاء؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
* ومن فوائدها: عموم عِلْم الله عز وجل وبطون عِلْم الله؛ أنَّه عِلْمٌ عميقٌ يصل إلى أَخْفى شيءٍ، من أين؟ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
* ومن فوائدها الفائدة المسلكية المهمَّة، وهي أنَّ الإنسان إذا عَلِمَ بأنَّ الله تعالى عليمٌ بما في قلبه فإنَّه سوف يُمْسِك عن كل إرادةٍ سيِّئةٍ ويُقدِم على كلِّ إرادةٍ حسنةٍ.
* ومنها: أنَّه يجب على العبد أن يصحِّح ما في قلبه لأنَّ المدار عليه؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠].
واعلمْ يا أخي أنَّ الحُكم في الدنيا على الظاهر والحُكم في الآخرة على الباطن، فهل تُحسِّن ظاهرَك ليُحْكم عليك بالدنيا بما يقتضيه هذا الظاهر، أو تُحسِّن باطنَك ليُحْكم لك يوم القيامة بما يقتضيه هذا الباطن؟ أيُّهما؟ الثاني. ولهذا لا تغترَّ بكثرة الركوع والسجود وبُكاء العَيْن وما أشبهَ ذلك، بل انظُر إلى ما في القلب، وإنْ كانت هذه الأعمال التي ذكرتُها علامةً على صلاح القلب، لكنْ ثبِّت الإيمانَ في القلب، عليك بإصلاح القلب قبل كلِّ شيءٍ، اغرسْ في قلبك محبَّة الله ورسوله، اغرسْ في قلبك محبَّة الشريعة وإنْ ثَقُلتْ عليك؛ كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢١٦]، اغرسْ في قلبك محبَّة المؤمنين، لا تكرهْ أيَّ مؤمنٍ وإنْ أساءَ إليك، إنْ أساءَ إليك المؤمن فاكرهْ إساءتَه، أمَّا هو شخصيًّا فلا تكرهه، اغرسْ في قلبك الولاية لكلِّ مسلمٍ، والعداوةَ لكلِّ كافرٍ ... وهلُمَّ جرًّا، المهم أن تعتني بصلاح قلبك؛ لأنه هو الذي عليه مدار الحساب يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق ٨، ٩] أي: تُختبَر السرائر. اللهمَّ أصلحْ ظواهرَنا وبواطنَنا يا ربَّ العالمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ المدار على القلوب وأنها في الصدور، القلوب في الصدور، وبها العقل؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦]، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، وعلى هذا فيجب علينا أن نؤمن بأنَّ العقل في القلب؛ لأنَّ الآية في هذا صريحة أو ظاهرة.
وأمَّا قول بعضهم: إنَّ العقل في الدماغ. فضعيفٌ مقابَلٌ بقول العالِم الخالق عز وجل، ولكن الدماغ لا شك أنه إذا اختلَّ اختلَّ تصرُّف الإنسان، وأصْل العقل في القلب بلا شك؛ قال الإمام أحمد رحمه الله: العقل في القلب وله اتصالٌ بالدماغ.
ونروي عن شيخنا رحمه الله -عبد الرحمن- أنَّ أحد المعتزلة حُكِم عليه بالقتل على حين اختلافٍ بين الناس في العقل أهو في الدماغ أمْ في القلب، فقال لهم: إذا قتلتموني فأَبِينوا رأسي، ثم إنْ كان العقل في قلبي حرَّكتُ يدي -أو قال: أصبعي- وإنْ كان في الدماغ راح مع الدماغ. ففعلوا، فلمَّا قتلوه حرَّك العضوَ الذي قال لهم على الوجه الذي قال لهم. وهذا دليلٌ حسِّيٌّ -إن ثبتت القصة- دليلٌ حسِّيٌّ على أنَّ العقل في القلب؛ لأنه حرَّك عضوَه -إمَّا أصبعه أو يده- على الوجه الذي ذكر لهم، وهذا يدلُّ على أنه استحضرَ في قلبه بعد أن بان رأسُه، استحضرَ في قلبه ما وَعَدهم به وأدَّاه كما وَعَدهم، فإنْ ثبتت هذه القصة فهي دليلٌ حسِّيٌّ، وإن لم تثبت فعندنا دليلٌ سمعيٌّ، وهو؟ ما هو السمعي يا جماعة؟ الدليلُ السمعيُّ عند العلماء هو الذي ثبت بالكتاب والسنة.
الشورى 42:25
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى ٢٥].
قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الله عز وجل يَقْبل توبةَ التائبين، بل ويُحِبُّ توبةَ التائبين؛ كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، فما هي التوبة؟
التوبة هي الرجوع من معصية الله إلى طاعة الله، وتقع كلِّيَّةً وجزئيَّةً:
كلِّيةً بأنْ يتوب الإنسانُ من كلِّ ذنبٍ، ومنها توبة الكافر فإنَّها كلِّيةٌ يمحو الله تعالى بها كلَّ ما سلفَ من ذنبه كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]، ويقول المسلم: اللهمَّ إنِّي أستغفرك من جميع الذنوب وأتوب إليك، هذه كلِّية.
التوبة الخاصَّة أن يتوب من ذنبٍ معيَّنٍ؛ كإنسانٍ تاب من أكْل الرِّبا لكنَّه مُصِرٌّ على شُرب الخمر -والعياذ بالله- فهذه توبةٌ خاصَّةٌ جزئيَّةٌ، ما هي شاملة، وسيأتي -إن شاء الله- الكلامُ عليها قريبًا.
للتوبة شروطٌ خمسة:
الأول: الإخلاص لله.
والثاني: الندم على ما فَعَل.
والثالث: الإقلاع عنه.
والرابع: العزم على ألَّا يعود.
والخامس: أن تكون التوبة قبل غلْق الأبواب.
خمسة شروط؛ الأول: الإخلاص، والثاني: الندم، والثالث: الإقلاع، والرابع: العزم على ألَّا يعود، والخامس: أن تكون التوبة في زمن الإمكان.
الإخلاص بأنْ يكون الحاملُ على التوبةِ خوف الله عز وجل ورجاءُ التقرُّب إليه؛ لئلَّا يقصد بذلك دُنيا ولا جاهًا ولا شيئًا من مخلوقات الله عز وجل، لا يريد إلا الوصول إلى رضا الله عز وجل ودار كرامته، والإخلاص -كما تعلمون بارك الله فيكم- شرطٌ في كلِّ عمل.
الثاني: الندم على ما مضى من الذنب؛ بحيث يَشْعر الإنسانُ بالحزن والتأسُّف كيف وقع منه هذا الذنب. والندم هو انفعالٌ في النفس يحصل بفِعْل الإنسان وبغير فِعْله، لكن كلامنا في الندم في التوبة الذي يكون بفعله؛ بمعنى أنه يتحسَّر ويتأسَّف أن وَقَع منه الذنبُ، ولا يكون حالُه كحال مَن لم يُذنب.
الثالث: الإقلاع عن الذنب؛ فإنْ كان معصيةً بمحرَّم فليجتنبْه، وإنْ كان تفريطًا في واجبٍ فليفعلْه، وعلى هذا فمَن زَعَم أنَّه تائبٌ من الغِيبة ولكنَّه لا يَدَع فرصةً تحصل فيها الغِيبة إلا اغتابَ، فهلْ نقول إنَّه تائب؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: لماذا؟
* الطلبة: لأنَّه لم يُقلع.
* الشيخ: لأنَّه لم يُقلع. كذلك مَن جَحَد مالَ شخصٍ وأنكره وقال: إنَّه تائبٌ، فلا بدَّ أن يَرُدَّ المالَ إلى صاحبه، وإلَّا فلا تُقبل توبتُه، ومَن اغتاب شخصًا -أي: ذكره بما يكره في غَيبته- فلا بدَّ أن يُقلع عن ذلك ويتحلَّل صاحب الغيبة؛ يذهب إليه ويقول: سامِحْني، حلِّلْني، فقد قلتُ فيك قولًا قد تبتُ منه. لا بدَّ من هذا.
فإن قال: إنْ ذهبتُ إليه أستحِلُّه أخشى أن يظنَّ الأمرَ أكبرَ مما قلتُ فتقع العداوة.
فالجواب: وإنْ كان كذلك، أنتَ أبرِئْ ذِمَّتك، وكونه يترتَّب على ذلك عداوةٌ أو ما أشبهَ ذلك ليس إليك، نعم لو فُرِض أنَّ صاحبك لم يعلمْ بغيبتك إيَّاه فهُنا يكفي أن تندم، وتُقلع عن غيبته في المستقبل، وتذكره في المجلس الذي اغتبتَه فيه بما له من صفاتٍ حميدة.
الرابع؟
* الطلبة: العزم.
* الشيخ: العزم على ألَّا يعود؛ بأنْ يقع في قلبه أنَّه لن يعود لهذه المعصية. فإنْ كان تابَ لكنَّه متردِّد فيما لو تيسَّرت له هذه المعصية أيفعلها أم لا، فالتوبة غير صحيحة، لا بدَّ أن يعزم على ألَّا يعود.
فإنْ عاد -يعني عَزَم ألَّا يعود ثم عاد بعد ذلك- هل تبطل التوبة؟
الجواب: لا تبطل، التوبة الأولى صحيحة، لكن عليه أن يجدِّد التوبة للذنب الثاني، ولهذا كانت العبارة: (العزم على ألَّا يعود)، وليست العبارة: (بشرط ألَّا يعود)، وبينهما فرق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تأكد الأول.
* الطالب: بينهما فرق.
* الشيخ: أيش الفرق؟
* الطالب: الأولى (العزم على ألَّا يعود) لا يُشترط (...) إذا عاد توبتُه الأولى باقية، أمَّا إذا قلنا: (بشرط ألَّا يعود)، إذا عاد بطلت التوبة.
* الشيخ: إذَن هذا الفرق؛ إذا قلنا: (العزم على ألَّا يعود)، وعَزَم ألَّا يعود ثم عاد فالتوبة الأولى صحيحة، لكن عليه أن يجدِّد التوبة للذنب الثاني، أمَّا إذا قلنا: (بشرط ألَّا يعود)، فهذا يقتضي أنه لو عاد لَبطلت التوبة، وليس كذلك.
الشرط الخامس-وما أعظمَه!- أن تكون التوبة في زمن الإمكان، فإنْ فات الأوانُ لم تنفع، وفوات الأوان عامٌّ وخاصٌّ؛ العامُّ طلوع الشمس من مغربها، والخاصُّ حضور الموت.
أمَّا الأول فدليلُه قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام ١٥٨]، فسَّر النبيُّ ﷺ بعضَ الآيات بأنَّها الشمسُ تطلع من مغربها، وقال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[[أخرجه أبو داود (٢٤٧٩) من حديث معاوية بن أبي سفيان.]].
أما الخاصُّ فهو حضور الأجل، فإنَّه إذا حضر الموتُ لم تُقبل التوبة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨]، الشاهد قوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، وهذا الشرط يستلزم أن تكون التوبة على الفَوْر بدون تأخير؛ وجْه ذلك أنَّه لا يعلم متى يأتيه الموت، فقد يموت بغتةً على فراشه، أو على كرسيه، أو وهو ساجدٌ أو راكعٌ، وحينئذٍ يتبيَّن أنَّ التوبة واجبةٌ على الفور، فاستدِركْ أيُّها العبد، استدرِكْ نفسَك إن كان في أمرٍ بينك وبين الله أو بينك وبين الخلْق؛ لأنَّك لا تدري متى يأتي الموت.
الخلاصة شروط قبول التوبة خمسة نعدُّها:
أولًا: الإخلاص لله عز وجل.
ثانيًا: الندم على الذنب.
ثالثًا: الإقلاع في الحال.
رابعًا: العزم على ألَّا يعود.
خامسًا: أن تكون التوبة في زمن الإمكان.
نسأل الله لنا ولكم التوبة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (منهم)، فصَرَف معنى (عن) إلى معنى (مِن)، وهذا مبنيٌّ على ما سبق من أنَّ حروف المعاني تتناوب؛ أي: ينوب بعضُها عن بعض، ولكن إبقاء اللفظ على ظاهره أَوْلى، ويكون ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ مُضَمَّنًا معنى: يعفو عنهم، فـ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ أي: يقبلها ويعفو عنهم، ونجعل (عن) على بابها، ويكون قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ كالتوكيد لِمَا سبق.
﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ (﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ الْمُتَابِ عنها) والعفو مأخوذٌ من قولهم: عفا الأثرُ، إذا أخْفَتْه الرياح، وهو التجاوز عن العقوبة بالذنوب.
و﴿السَّيِّئَاتِ﴾ جمع سيِّئة، وهي كلُّ ما يسوء الإنسانَ فعلُه أو وقوعُه، والمراد بالسيِّئات هنا -يعني تفسيري لها على حسب اللفظ- والمراد بها هنا مخالفةُ الشرع؛ فكلُّ ما خالف الشرعَ فهو سيِّئة سواءٌ كان بتَرْك واجبٍ أو فِعْلِ محرَّم.
﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يقول: (بالياء والتاء) ﴿مَا تَفْعَلُونَ﴾ و﴿﴿مَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴾؛ أمَّا على قراءة ﴿﴿مَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴾ فهي مطابقةٌ للضمائر السابقة، ﴿﴿وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ﴾ ﴾ أي: ما يفعله العباد. وأمَّا على قراءة التاء فهي من باب الالتفات عن الغَيبة إلى الخطاب، وأسلوبُ الالتفات أسلوبٌ بلاغيٌّ، ويُقصَد به تنبيه المخاطَب على ما سيُلقى إليه؛ وذلك لأنَّ الكلام إذا كان على وتيرةٍ واحدةٍ فإنَّ الإنسان ينسجم معه وربما يغفل عنه، وإذا اختلفَ وقفَ الإنسانُ: لماذا صار الأمر كذلك؟ الالتفات على قراءة: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ التفات من أيش؟ من الغَيبة إلى الخطاب.
الالتفات فنٌّ معروفٌ في البلاغة، من فوائده تنبيه المخاطَب، انظُر إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة ١٢] مقتضى السياق أن يقول: وبَعَثَ منهم، لكن قال: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ﴾، فانتقل من الغيبة إلى التكلُّم لأجْل تنبيه المخاطَب.
قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ عِلْمه بما نعمل يشمل العلمَ بالأشياء الظاهرة والأشياء الباطنة، قد يُذنب الإنسانُ ذنبًا ظاهرًا يعلمه الناسُ ويعلمه عز وجل، يعلمه ربُّ الناس، وقد يكون خَفِيًّا لا يعلمه الناسُ ولكن يعلمه الله تبارك وتعالى.
* طالب: إذا ورد في تفسير التوبةِ (الندمُ) عن بعض الصحابة والتابعين، هو من باب ذِكْر أهمِّ الشروط أو هو بذِكْر أعظمها؟
* الشيخ: هو إمَّا أنَّه من باب الاقتصار على بعض الشروط، أو أنهم يخاطبون أحدًا يعرفون أنَّ الرجل لم يندم؛ قد أتى بوجهٍ واسعٍ غير مهتم ولا مكترث، فركَّزوا على هذا الشرط دون غيره.
* طالب: لماذا كان تفسير المؤلف لقوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: خطأ؛ لأنه زعم أن ﴿يَخْتِمْ﴾ يعني: يربط على قلبك، والربط ثناءٌ لا يتناسب مع السياق، ولم تأتِ (يختم) بمعنى يربط، بل تأتي (يختم) بمعنى يطبع؛ كما قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة ٧]، وقال: ﴿طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ٨٧].
* طالب: هل يجوز لنا أن نقول: عبَّر الله تعالى بالآية كذا؟
* الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأنَّ التعبير بمعنى الكلام، ووصْف الأفعال واسع، بالنسبة لأفعال الله عز وجل واسع، ما هو من جنس الأسماء، كلُّ ما يصحُّ أن يُنسَب لله فعبِّر به.
* طالب: ما الفرق بين (العبارة عن كلام الله) و(الحكاية عن كلام الله)؟
* الشيخ: ليس هناك فرقٌ بيِّن، لكن الأشاعرة يقولون: عبارة، والكُلَّابية يقولون: إنه حكاية؛ فـ(العبارة) معناه أن الله خَلَق هذا الصوت ليعبِّر عما في نفسه، و(الحكاية) تُشبه ما يُعرف بالصدى؛ إذا كان الإنسان بين جبالٍ وتكلم تجد كلَّ الجبال يكون لها صوتٌ، تحكي صوت الله، وعلى كلِّ حالٍ العباراتُ الباطلة كلُّها سيِّئة، والله أعلم.
* * *
طيب، وفيه ﴿أَمْ﴾ هنا، متَّصلة أو منقطعة؟
* طالب: (...) بمعنى (بلْ) والهمزة.
* الشيخ: نعم، ما هو الفرق بين المتصلة والمنقطعة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما هو؟
* الطالب: (...) بمعنى (أو).
* الشيخ: تمام، يعني بمعنى (أو). شيء آخَر: أنَّه لا بدَّ فيها من ذِكْر شيئينِ متقابلَينِ، أمَّا المنقطعة فهي التي بمعنى بلْ، ولا تقتضي الجمع بين شيئين متماثلين.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، نسأل عن شروط التوبة إجمالًا.
* طالب: التوبة؟
* الشيخ: نعم، عشرة، خمسة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أولًا بأول، الإخلاص لله تعالى، والثاني الندم..
* الطالب: ثالثا: الإقلاع عن الذنب، والعزم على (...)، وأن يكون في زمن الإمكان.
* الشيخ: أحسنت، خمسة شروط.
ما تقول في توبة رجُلٍ سَرَق من شخصٍ مالًا، ثم غاب المسروق منه ولم يعلمْ به وأَيِس من رجوعه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو نَدِم، تاب إلى الله، وخاف من عقاب الله.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يدري وين الآن، الآن لا يعلم مَن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لكنْ لا يعلم عنه، اختلَّ شرطٌ بغير اختياره.
* طالب: نقول: توبته صحيحة، لكن (...) بهذا المال الذي سَرَقه لا بنِيَّة الأجر والثواب.
* الشيخ: إي، يعني معناه لا تتمُّ توبتُه إلا إذا أخرج هذا المسروقَ عن ملكه فتصدَّق به، تمام؟
طيب، إذا كان المسروق منه كافرًا كيف يتصدَّق به عنه وهو لا يُقبل؛ لا تنفعه الصدقة؟
* طالب: نيَّة التصدُّق، لا يكون للكافر، ولكن نيَّة التبرُّؤ من هذا المال.
* الشيخ: ما يخالف. يتبع هذا أي أساس؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: معلوم، هذا شرط، سواء مسلم أو كافر، لكن هذا لم أذكُره لكم، هذا يُجعَل في بيت المال؛ لأنَّ بيت المال بيتٌ لكلِّ مالٍ مجهولٍ صاحبُه.
* * *
ثم قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى ٢٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده حيث حثَّهم على التوبة؛ وجْهه في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، فإنَّ هذا ليس مجرَّد خبرٍ أنَّ الله يقبل، بل هو حثٌّ من الله عز وجل أن نتوب إلى الله -اللهم وفِّقْنا للتوبة يا ربَّ العالمين- نظير ذلك أن أقول: مَن زارني أعطيتُه مئة درهم. معنى هذا حثُّ الناس على الزيارة، كلُّ إنسانٍ سوف يُقبل على الزيارة. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ حثٌّ للناس بلا شكٍّ على التوبة إلى الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كَرَمِ الربِّ عز وجل حيث يَقبل التوبةَ عن عباده مهما كان الذنب، واقرأْ قولَ الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣]، التوبة من الكفر مقبولة أو غير مقبولة؟
* الطلبة: مقبولة.
* الشيخ: مقبولة، والإسلام يَهدم ما قَبْله مهما عَظُم، حتى مَن سبَّ الله أو رسوله ثم أسلمَ تُقبل توبتُه لعموم الأدلَّة، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يعني: عن كُفرهم ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨]. ما قد سَلَف منين؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: وإنْ عظُمتْ؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: وإنْ عظُمتْ؛ لقوله: ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿مَا﴾ اسم موصول يفيد العموم، حتى لو قَتَل هذا الكافرُ ألْفَ رجُلٍ مؤمنٍ ثم أسلمَ تاب الله عليه، ولذلك إذا أسلمَ الكفارُ وقد أتلفوا أموالَ المسلمين في الحرب هل يُضَمَّنون أموالَ المسلمين؟ لا يُضَمَّنون أموالَ المسلمين؛ لأنَّ الإسلام يهدم ما قبله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى لُطف الله تبارك وتعالى؛ حيث قال: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، يعني كأنَّه -والله أعلم- لَمَّا كانوا عبيدًا له عامَلَهم بالرِّفق والعفو والتوبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله إذا تاب على العبد عفا عن سيِّئاته مهما عظُمت؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ عمومِ عِلْم الله سبحانه وتعالى لكلِّ ما نفعل؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
يتفرَّع على هذه الفائدة التحذيرُ من المخالفة، وجه ذلك؟
* طالب: التحذير عن المخالفة؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾، يعني: فاحذروا أنْ تفعلوا شيئًا يُغضبه؛ فإنَّه عالِمٌ بِكُم.
الشورى 42:26
ثم قال الله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشورى ٢٦] قال: (يجيبهم إلى ما يسألون) (يستجيب) بمعنى يُجيب، مع أنه قد يتبادر إلى ذهن الإنسان أن معنى (يستجيب) أي يُطيع، كما إذا قلت: دعوت فلانًا فاستجاب لي؛ أي: أطاعني، لكن هنا (يستجيب) بمعنى يُجيب، ودليل هذا التفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ١٩٥]، إذن (استجاب) بمعنى أجاب، ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ بمعنى يجيب.
فماذا يكون إعراب (الذين)؟ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ﴾ (الذين) مفعول به وليست فاعلًا، الفاعل ضمير مستتر يعود على الله.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، والإيمان والعمل الصالح يُقرنان دائمًا؛ لأن أحدهما ملازم للآخر، فكل من آمن حقًّا فسيعمل الصالحات قطعًا.
دليل هذه القاعدة قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]].
إذا آمنوا بأيش؟ بكل ما يجب الإيمان به، وعرفتم أن أركان الإيمان قال عنها النبي ﷺ: إنها «الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب.]].
﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الصالحات هذه صفة لموصوف محذوفٍ، والتقدير: الأعمال الصالحات، فما ضابط العمل الصالح؟ ضابط العمل الصالح أن يكون خالصًا لله موافقًا لشريعة الله، هذا يقع في أمَّة محمَّد عليه الصلاة والسلام. لكن هل يقع في الأمم السابقة؟ الجواب: نعم، حين كانت شرائعهم قائمة يقع منهم الإيمان والعمل الصالح، إذن العمل الصالح ضابطه أن يكون خالصًا لله مُوافقًا لشريعة الله.
فقولنا: (أن يكون خالصًا لله) احترازًا من العمل الذي يقع فيه الشرك، فليس بصالح وإن قلَّ الشرك؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].
و(على وفق الشريعة) أن يكون خاليًا من البدعة، فإن كان فيه بدعة لم يكن صالحًا حتى لو كانت أجزاء هذه البدعة عملًا صالحًا، فإنها إذا كانت بدعة لا تكون عملًا صالحًا؛ يعني لو أن أحدًا أحدث أذكارًا من القرآن أو من السنة لكن على صفة لم تأتِ بها الشريعة، فإنها ليست عملًا صالحًا، ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا وافق الشريعة في أمور ستة: السبب، والقدر، والكيفية، والنوع، والزمان، والمكان.
(السبب) بأن يكون هذا العمل مشروعًا لسبب معين، فلو أن إنسانًا أحدثه لسبب آخر لم يُقْبَلْ منه ولم يكن صالحًا.
مثال ذلك: نرى بعض الناس إذا قُدِّمَ إليه الطِّيبُ يقول: اللهم صلِّ على محمد. هذا ليس عملًا صالحًا.
إذا قال قائل: كيف تقول: ليس عملًا صالحًا وهو صلاة على الرسول؟
قلنا: لأنه ليس من هدي الرسول ﷺ أنه كلما تطيب صلى على النبي ولا أمر أمته بذلك، إذن فأنت الآن أثبت سببًا غير شرعي.
ومن ذلك أن بعض الناس إذا تجشَّأ قال: الحمد لله، (تجشأ) ويش معناها؟ خروج الريح من فوق، التجشؤ هو هذا، بعض الناس يقول: الحمد لله، نقول: من قال لك: إنه يشرع عند التجشؤ أن تحمد الله؟ إذن عملك غير صالح؛ لأنه غير مطابق للشريعة، ونقول: يلزم على قولك: أنك إذا فسوت تحمد الله، ولا دليل على هذا.
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ (يستجيب) بمعنى يُجيب. ما هو الشاهد لكون (يستجيب) بمعنى يُجيب؟ قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
على هذا المعنى ماذا يكون إعراب ﴿الَّذِينَ﴾؟ مفعول به مبنيٌّ على الياء في محل نصب.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذه جملة مستأنفة، لما ذكر ما يحصل للذين آمنوا وعملوا الصالحات ذكر ما يحصل لضدهم؛ لأن القرآن الكريم مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني؛ فتذكر فيه الجنة ثم يذكر النار، والثواب ثم العقاب، والمؤمن ثم الكافر، وهلم جرًّا.
﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الكافر في الأصل الجاحد، مأخوذ من الكُفُرَّى، وهي وعاء طلع النخل، ولكنه يُطْلَقُ على كل من كفر بالله تعالى بجحدٍ أو غيره، سواء كان بجحد؛ مثل أن يجحد الرسالة أو القرآن، أو كان باستكبارٍ عن دين الله؛ مثل أن يدَعَ الصلاة التي تركها كفر.
وقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ مبتدأ وخبر، خبر المبتدأ الأول الذي هو (الكافرون)، وأتت العبارة بهذا الوجه للتأكيد على عذابهم والعياذ بالله، وإلا لكان يكفي أن يقال: وللكافرين عذاب مهين، أو ما أشبه ذلك، لكن الله تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الشديد القوي، وإذا أردت أن تعرف هذا فاقرأ ما في القرآن والسنة من عذاب أهل النار.
نقول: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يعطيهم من فضله زيادةً على ما عملوا، فالحسنة بعشر أمثالها، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: عملوا الأعمال الصالحات، ولا يكون العمل صالحا إلا بموافقة الشريعة؛ بالإخلاص لله أولًا، ثم موافقة الشريعة ثانيًا، ولا تتحقق الموافقة إلا إذا طابق العمل الشريعة في أمور ستة:
الأول: السبب.
والثاني: الجنس، بأن يكون من جنس ما جاءت به الشريعة، فإن خرج عن ذلك لم يكن عملا صالحا.
مثاله: لو أن أحدًا ضحَّى بفرس، فالفرس أغلى من الشاة غالبًا، فإن الأضحية لا تُقْبَل. لماذا؟ لأنه ليس من جنس المشروع التضحية به؛ إذ إن التضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام؛ الإبل والبقر والغنم، كما قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج ٢٨].
الثالث: أن يكون مطابقًا للشريعة في قدْرِه، فلا يزيد على ما جاءت به الشريعة. ولهذا لو أن إنسانًا زاد في الصلاة ركعة لم يكن عملًا صالحًا حتى وإن كانت الركعة في الأصل مشروعة لكنها في هذا الحال ليست مشروعة.
فإن قال قائل: ماذا تقولون: لو أن الإنسان زاد في صلاة الليل على إحدى عشرة ركعة، هل تكون الزيادة عملًا صالحًا؟ إذا قلتم: نعم أشكل علينا أننا قلنا: لا بد أن تطابق الشريعة في قدرها أعني العبادة، ومعلوم «أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٧)، ومسلم (٧٣٨ / ١٢٥) من حديث عائشة.]]، وربما صلى ثلاث عشرة ركعة؟
الجواب: أن صلاة الليل لم يَرِدْ فيها تحديدٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأن قال: لا تزيدوا على كذا، بل صلى هو إحدى عشرة ركعة، وقال للذي سأله عن صلاة الليل قال له: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَصَلِّ رَكْعَةً تُوْتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٢)، ومسلم (٧٤٩ / ١٤٥) من حديث ابن عمر.]]، فقوله: «مَثْنَى مَثْنَى» بدون تحديد يدل على أن صلاة الليل لا حدَّ لها، صَلِّ ما شئت من الركعات.
الأمر الرابع: أن تكون موافقةً للشريعة في الزمان، فإن خالفت الشريعة في الزمان فإنها لا تُقْبَلُ.
مثال ذلك: رجل ضحَّى وذبح أضحيته قبل صلاة العيد فلا تصح هذه الأضحية، ولهذا قال النبي ﷺ للذي أخبره أنه ذبح قبل أن يصلِّيَ قال له: «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ»[[أخرجه البخاري (٩٥٥) من حديث البراء بن عازب.]].
الخامس: أن تكون موافقةً للشريعة في المكان؛ يعني أنه إذا خص الشارع العبادة بمكان معين فإن صلاتها في غير هذا المكان لا تُقْبَل، فالوقوف بعرفة، لو أن إنسانًا وقف في مزدلفة بدل الوقوف بعرفة فإن ذلك لا يصح. لماذا؟ لأنه وقف في غير المكان الذي حُدِّدَ، ولو اعتكف الإنسان في بيته لم يصحَّ الاعتكاف؛ لأن الاعتكاف مخصوص بالمساجد.
السادس: أن تكون مطابقةً للشريعة في هيئتها؛ يعني الكيفية، فلو توضأ الإنسان وغسل يديه قبل وجهه فالوضوء لا يصح. لماذا؟ لأنه مخالف للشريعة في الهيئة؛ إذ إن الله يقول: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة ٦]، ولو صلى الإنسان فسجد قبل أن يركع ثم قام وركع لم تصح الصلاة؛ لعدم موافقة الشريعة في الهيئة.
هذه ستة أشياء لا يمكن أن تكون العبادة مطابقةً للشريعة إلا إذا تحققت هذه الأشياء الستة.
* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإيمان والعمل الصالح وأنه سبب لإجابة الله تعالى.
* ومن الفوائد: أن الله تعالى يعطي المؤمنين العاملين الصالحات أكثر مما عملوا؛ لقوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وهذه الزيادة بيَّنها الله تعالى في مواضع أخرى من كتابه؛ فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٦١]، وربما يقال أيضًا بزيادة أخرى غير العدد، وهي أنه يزيدهم من الإيمان والعمل الصالح؛ لأنه كلما عمل الإنسان عملًا صالحًا ازداد يقينه، ولهذا كان قول أهل السنة والجماعة أن الأعمال داخلة في الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما ينال الإنسان من خير فبفضل الله، وعلى هذا يجب على الإنسان أن يقطع عن نفسه الإعجاب، ويجب عليه ألَّا يقول: هذا من عندي، أو أنا جدير به، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي يفخر بها على الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، لأنه ليس المراد من هذه الجملة الإخبار بشدة العذاب للكافرين، ولكن المراد بيان هذا والتحذير من الكفر خوفًا من العذاب الشديد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى ينذر الناس عن المعاصي والكفر بذكر العقاب، أخذ العلماء من هذا أنه إذا ذكر الله تعالى عقابًا في عمل من الأعمال دَلَّ ذلك على تحريمه، وإذا ذكر ثوابًا في عمل من الأعمال دَلَّ ذلك على مشروعيته.
* طالب: شيخ أثابك الله، قلنا: إن قوله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥] أن القبول هنا متضمن معنى العفو (...) تكرار في الآية؟
* الشيخ: لا، هو فيه تكرار لكن توكيد معنوي.
* طالب: شيخ، مرَّ معنا من قواعد التفسير أن حمل المعنى على التأسيس أولى من حمله على التوكيد..
* الشيخ: ما لم يكن هناك دليل؛ يعني إذا تعارض هذا وهذا نحمله على التأسيس لا شك، لكن المعنى لم يتعارض.
* طالب: تقرر معنا شروط التوبة خمسة، وكذلك ذكرنا من الشروط إذا تعلقت المعصية أو الذنب بحق آدمي بإرجاع الحق أو الاستحلال، ولم نذكر ذلك في الخمسة شروط، هل هو مدرج مع واحدة منها؟
* الشيخ: ما تقولون؟ يقول: لم نذكر أنه إذا كان الحق للآدمي فلا بد من استحلاله أو رده.
* طالب: داخلة -يا شيخ- في الإقلاع.
* الشيخ: أسمعت، لا، داخلة ما فيها إشكال.
* طالب: إذا تجشأ الإنسان فقال: الحمد لله بسبب أن الكفار يضحكوا وأنت تتجشأ؟
* الشيخ: من اللي يضحك؟
* طالب: الكفار عيب عندهم؟
* الشيخ: حتى عند بعض المسلمين عيب، ولهذا قال الفقهاء: يكره للإنسان أن يرفع إلى السماء وجهه إلا إذا تجشأ في الصلاة فليرفع؛ لئلا يؤذي من حوله بالرائحة، ولا يفهم الناس ما ذكرت أبدًا، العجوز أو الشيخ الكبير إذا تجشأ وقال: الحمد لله، هل يخطر بباله أنه علشان اللي يضحكون؟ لا، أبدًا، هذه علة عليلة ومريضة مرضًا لا يُرجى بُرؤه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، هذا سبب ما هو بصحيح، ليس بصحيح دائمًا، الصحيح أنه مثلا لو أن الإنسان وجد ضيقًا في نفسه ورأى نفسه محتاجًا للتجشؤ، هذا يحمد الله، ما هو علشان التجشؤ، علشان زوال الأذية، هذه لسبب.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (...)؟
* الشيخ: يجب عاد أن نعرف أن التأويل يراد به التفسير فيدخل فيه التضمين، وهذا هو الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»[[أخرجه البخاري (١٤٣) وأحمد (٢٣٩٧) واللفظ له، من حديث ابن عباس.]]؛ يعني التفسير.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هذا ما يسمى تأويلًا، هذا يسمى تحريفًا، ولا يجوز أن نسميه تأويلًا، وإن سموه هم تأويلًا لكن هم يقولون: تأويل؛ علشان ألَّا ينفر الناس من صنيعهم، لو قالوا: أهل التحريف والسلف يقبلهم أحد أو لا يقبلهم؟ لا يقبلهم، فجاؤوا بالتأويل تلطيفًا، ولهذا نظائر؛ النصارى سموا في الأخير أنفسهم مسيحيون ليضفوا على ملتهم المنسوخة أنها شرعية وأنهم أتباع المسيح، والمسيح عليه الصلاة والسلام أبرأ الناس منهم ولو خرج لقاتلهم، وهم كاذبون على المسيح فيما يدَّعون، لكن سموا أنفسهم بالمسيحيين علشان يضفوا على أنفسهم الشرعية.
ونظير ذلك أيضًا الرافضة يرفضون اسم الرافضة ويغضبون عليك، فسموا أنفسهم شيعة، ومن أحق أن يكون شيعيًّا؟ أهل السنة؛ لأنهم هم الذين يحبُّون أهل البيت محبةً سُنية شرعية، أما هؤلاء الرافضة فإنهم يحبون آل البيت محبة شركية، أهل البيت يتبرؤون منهم بلا شك، ولهذا لما قال عبد الله بن سبأ وجماعته لعلي بن أبي طالب: أنت الله حقًّا، تبرَّأ منهم وأمر بالأخاديد فخدت ومُلِئت حطبًا، وألقاهم في النار، حرَّقهم من شدة ما أصابه منهم.
إذن هل يقال لهؤلاء الذين غلوا في آل البيت حتى أنزلوهم فوق منزلتهم، هل يقال: إنهم شيعة لآل البيت؟ أبدًا والله، هم أعدى عدوٍّ لآل البيت؛ لأنهم أنزلوهم فوق منزلتهم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا أُحِبُّ أَنْ تُنْزِلُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ»[[أخرجه أحمد (١٢٥٥١) من حديث أنس بن مالك.]]، وآل البيت مثل النبي عليه الصلاة والسلام لا يحبون أن يُنَزَّلُوا فوق منزلتهم التي أنزلهم الله، أبدًا، أفهمت الآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إن دل عليه الدليل فهو تأويل، وإن لم يدل عليه الدليل فهو تحريف، هذا هو الضابط.
* طالب: من قتله كافر في غير الحروب، هل يضمن إذا أسلم؟
* الشيخ: أصلًا الكافر حربي ما لم يكن بيننا وبينه عهد، فلنا أن نقتله وله أن يقتلنا؛ يعني (له) بمعنى أنه لو قتلنا لم يضمن، وإلا حرام عليه أن يقتلنا، وحرام عليَّ أن أكفر، ولهذا كان القول الراجح أن الكفار مُخاطَبون بفروع الشريعة كما أنهم مُخاطَبون بالتوحيد، بل أقول: إن الكافر آثمٌ حتى في المباح، الآن الكافر يأكل ويشرب، وآمن ويلبس، وكل شيء كل نعمة فإنه معاقب عليها زيادة على عقوبة الكفر، ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران ١٩٦، ١٩٧]، وإذا سئل أصحاب النار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر ٤٢ - ٤٧]، إذن فهم آثمون، وقال عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة ٩٣]، وغيرهم عليهم جناح، وقال عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف ٣٢] للذين آمنوا، وغير الذين آمنوا ليست لهم ولا خالصة لهم يوم القيامة، انتبهوا يا إخواني، الكافر عدو الله، ولو ساوت الدنيا جناح بعوضة عند الله ما سقى منها كافرًا شربة ماء، فهم إذا أكلوا أو شربوا أو أمنوا أو صحوا أو أي نعمة تصيبهم فإنهم معاقبون عليها.
الشورى 42:27
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ بسط بمعنى وسع، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة ٢٤٥]، وقال عز وجل: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الشورى ١٢]؛ أي: يضيق، فالبسط بمعنى التوسيع؛ يعني لو وسَّع الله الرزق للعباد لبغوا في الأرض.
وقوله: ﴿لِعِبَادِهِ﴾ قال المفسِّر: (جميعهم) يعني لو كان كل الناس أغنياء بسط لهم في الرزق لبغوا في الأرض، قال: (﴿لَبَغَوْا﴾ جميعهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: طغوا فيها) وتجاوزوا حدودهم؛ وذلك لأن الجميع كانوا في رفاهية وفي رزق واسع، ولا رادع ولا اعتبار ولا اتعاظ، وأيضًا لو بسط الله الرزق لجميع العباد لفسدت الدنيا؛ لأنه لولا هذا التفاضل بين العباد في الرزق ما خدم أحد أحدًا ولا استقامت الأحوال، لو كان الناس كلهم على حد واحد في الغنى وطلبت من شخص أن يعمل لك فإنه لن يستجيب. لماذا؟ لاستغنائه بما عنده، لكن الله تبارك وتعالى فضل بعض الناس على بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن قد يقال: إن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ شامل للجميع أو للأفراد، فإن الإنسان إذا بسط الله له الرزق بغى واستغنى، ولذلك تجدون أكثر من يكذب الأنبياء هم الملأ الأغنياء الكبراء، وأما الفقراء الضعفاء فالغالب هم الذين يتبعون الأنبياء، فيكون المراد بقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ المراد الجنس؛ يعني لواحد من عباده لبغى في الأرض.
﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ قال: (﴿يُنَزِّلُ﴾ بالتخفيف وضده) ما ضده؟ التشديد، يعني ﴿يُنَزِّلُ﴾ و﴿﴿يُنْزِلُ﴾ ﴾؛ ﴿يُنَزِّلُ﴾ مِن: نَزَّلَ، و﴿﴿يُنْزِلُ﴾ ﴾ مِن: أَنْزَلَ. وقوله: (بالتخفيف وضده) اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا أتى بمثل هذا التعبير فالقراءتان سبعيتان، وكذلك إذا قال: (وفي قراءة) فالقراءتان سبعيتان، أما إذا قال: (وقُرِئَ) فالقراءة شاذة؛ لأنه أتى بها بصيغة التمريض، انتبهوا للاصطلاح، هذا التعبير الذي معنا (بالتخفيف وضده) على حدٍّ سواء؛ يعني ساوى بين القراءتين، وعلى هذا فهما سبعيتان.
قال: (من الأرزاق) بيانٌ للمُنزَّل، فالمُضمر إذن من الأرزاق، ويدل على أن المُضمر من الأرزاق قوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ﴾، ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾؛ أي: بتقديرٍ مكتوبٍ في الأزلِ لا يتغيَّر ولا يتبدَّل.
(﴿مَا يَشَاءُ﴾ فيبسطها لبعض عباده دون بعض، وينشأ عن البسطِ البغيُ، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ). قوله: ﴿بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ هذه المشيئة -كما سبق- مقرونة بالحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يغنيه أغناه، ومن اقتضت حكمة الله أن يفقره أفقره، وفي الحديث القدسي: «إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣١) من حديث أنس بن مالك.]]، فالله تبارك وتعالى حكيم، وكم من إنسان رجع إلى الله تعالى بسبب المصائب من فقر أو موت قريب أو صديق، أو ما أشبه ذلك ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فيبسطها لبعض عباده دون بعض، وينشأ عن البسط) يعني: توزيع الرزق (البغيُ)، هذا كالتعليل لكون الجواب ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا﴾ بأنه ينشأ عن البسط البغيُ والطغيان والاستكبار عن العبادة والتكذيب بالحق.
﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ الجملة استئنافية تُبَيِّن أن بسطه الرزق وعدمه ناشئ عن علم وخبرة، والخبرة أخص من العلم؛ لأنها العلم ببواطن الأمور. ولكن نقول: إن العلم ببواطن الأمور يدل بالالتزام على العلم بظواهر الأمور من باب أولى.
﴿بَصِيرٌ﴾ مأخوذة من الإبصار بالعين، ومن البصيرة وهي العلم، فيكون (بصير) لها معنيان: الأول من الإبصار وهو الرؤية بالعين، والثاني من البصيرة وهي العلم، ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ وهذا يعني أنه يُضَيِّق على من شاء ويوسِّع على من شاء.
* من فوائد الآية الكريمة: أن بسط الرزق وتضييقه من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾.
فإن قال قائل: أَلَا يَرِدُ على هذا أننا نرى الرجل يعمل ويكدح ويتجر فيزيد ماله؟
قلنا: لا يَرِدُ؛ لأن أصل عمله من عند الله عز وجل، هو الذي أوقع في قلبه النية وأقدره على العمل، فهو من فضل الله عز وجل، هذا وجه.
وجه آخر أننا نجد بعض الناس يكدح ويعمل ويتعب ولكن لا يُوَفَّق، كلما ضرب وجهًا ازداد خُسرانًا، وحينئذٍ ينتفي هذا الإيراد من أصله.
الإيراد؟ يرد علينا أن الإنسان قد يتَّجر ويعمل ويكسب فيكون انبساط الرزق من عمله، فكيف تقولون: إن بسط الرزق من الله عز وجل، هذا الإيراد، ما الجواب؟
* طالب: نقول: إن التقدير هو من فضل الله عز وجل على العبد.
* الشيخ: يعني كون الله تبارك وتعالى أوقع في قلبه العزيمة على هذا ويسَّر له هذا الاتجار هو من الله عز وجل، لو شاء الله لم يجعل في قلبه العزيمة، ولو شاء الله لأعجزه عن العمل. هذا وجه. وجه آخر؟
* طالب: الوجه الآخر أننا نرى في الواقع من يكدح ويكسب ومن يكدح ولا يكسب.
* الشيخ: نعم، أننا نرى في الواقع من يبذل الجهد والطاقة في التجارة والأخذ والإعطاء، ومع ذلك لا يزداد إلا خسرانًا. إذن فالبسط كله من الله عز وجل، لا من أصله ولا مما يتفرع عنه.
* من فوائد الآية الكريمة: الحذر من الترف وسعة الرزق، وجه ذلك أن الله تعالى أخبر بأن بسط الرزق سبب للبغي، وهذا كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]، وأخبر النبي ﷺ «أن أخوف ما يخاف علينا ما يُفْتَحُ علينا من زهرة الدنيا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦٥)، ومسلم (١٠٥٢ / ١٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، فليحذر الإنسان ما يبسط له من الرزق؛ فلعل شقاءه يكون بسببه، نسأل الله السلامة والعافية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله تبارك وتعالى فيما ينزل من الرزق؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله تبارك وتعالى حتى فيما يحصل للعبد.
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن توسيع الرزق لشخص وتضييقه لآخر مبني على خبرة وعلمٍ؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
الشورى 42:28
ثم قال عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، ينزله من أين؟ من السماء، ﴿الْغَيْثَ﴾ أي: ما يحصل به الإغاثة، وهي الإنقاذ من الشدة، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: ما قنط العباد، قال المفسر: (﴿الْغَيْثَ﴾ المطر ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: يئسوا من نزوله) لتأخره عن وقته قالوا: إذن هذا العام ما فيه مطر، فينزِل الله المطر، وإنزال المطر على حين شفقة له وقنوط من نزوله يكون أشد وقعًا في النفوس وأبين لرحمة الله تبارك وتعالى وفضله.
قال: (﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره) هكذا قال المفسِّر، ولو كان المراد كما قال لقال: (ينزل الغيث من بعدِ ما قنطوا وينشره) ولكن الصواب: ينشر رحمته؛ أي: الرحمة التي تحصل بهذا الغيث من نبات الزرع ودَرِّ الضَّرع وسعة الرزق، وغير ذلك مما ينشأ عن المطر.
وقال بعض العلماء: ﴿يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾؛ أي: يجعل السماء صحوًا حتى تخرج الشمس. وفي هذا نظر، اللهم إلا إذا وصلت الأمطار إلى حدٍّ يخشى من ضررها، فحينئذٍ يكون انجلاء الغيم وخروج الشمس يكون رحمة، أما مجرد خروج الشمس وانجلاء الغيم فإنه ليس برحمة لكنه حكمة، نعلم أن الله تعالى يفعل هذا لحكمة ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، فالمسألة أعم مما ذكر المؤلف.
(﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ المحسن للمؤمنين، ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود عندهم) قوله: (﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ المحسن للمؤمنين) ففسَّر الولاية بالإحسان، والصواب أن الولاية أعم، فقوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: الذي يتولَّى أمور عباده، وقوله: ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود على هذه الولاية؛ لأنها ولاية رحمة وحكمة وعدل، فيُحْمَدُ عليها.
إذا كان الله تعالى هو الولي فإلى من يلجأ إذا ضاقت عليه الأمور؟ يلجأ إلى الله عز وجل؛ لأنه ولي، كما أن اليتيم يرجع إلى وليه في تصريف ماله.
وقوله: ﴿الْحَمِيدُ﴾ أي: المحمود على ولايته، وولاية الله تبارك وتعالى تنقسم إلى قسمين لا تخرج عنهما: إما إحسان، وإما عدل، والثالث: ممتنع وهو الظلم، فولاية الله تعالى لا تخرج عن هذين الأمرين؛ أعني: الإحسان والعدل.
* من فوائد الآية الكريمة: أن إنزال المطر بيد الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾.
* ومن فوائدها: أن بإنزال المطر زوال الشدة؛ لأن الغيث هو إزالة الشدة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طبيعة الإنسان أنه لا يصبر، فيستولي عليه اليأس والقنوط من رحمة الله، والذي يجب على المرء ألَّا يقنط من رحمة الله، كما قال عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر ٥٦]، فالواجب عليك إذا مَسَّك سُوءٌ ألَّا تقنط، الواجب أن تصبر وتحتسب، ودوام الحال من المحال، لكن الله تبارك وتعالى يذكر الشيء بحسب الواقع لا بحسب ما ينبغي للإنسان من ملازمة الصبر وانتظار الفرج.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نزول المطر رحمة؛ لقوله: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]، وهذا على تفسير المؤلف أن المراد بالرحمة المطر، وقد ذكرنا أن الرحمة أعم من ذلك، وهو هكذا تشمل نزول المطر، نبات الأرض، سمن المواشي، كثرة التصرفات والحركات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله عز وجل لجميع الخلق؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ ولم يُقَيِّد.
واعلم أن ولاية الله تعالى نوعان: ولاية خاصة، وولاية عامة.
الولاية العامة هي التي تشمل ولاية الله سبحانه وتعالى لجميع العباد؛ مؤمنهم وكافرهم، بَرهم وفاجرهم، صغيرهم وكبيرهم، ذكَرهم وأنثاهم، هذه عامة، ومنها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، هذه من الولايات العامة؛ لأن المراد بهم الكافرون.
الولاية الخاصة هي التي للمؤمنين فقط، ودليلها قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة ٢٥٧].
إذن ما الفرق بين الخاصة والعامة؟ الفرق بينهما في المحل ظاهر؛ الولاية العامة تشمل كل أحد، الولاية الخاصة بالمؤمنين. الفرق بينهما أيضًا من حيث الأثر أو التأثير: أن الولاية الخاصة تستلزم توفيق الله تبارك وتعالى للعبد في الهداية وغير ذلك، والعامة لا تستلزم ذلك، فإن الكفار الله وليهم بالمعنى العام ومع ذلك لم يهدهم؛ لأن الحكمة تقتضي ألَّا يهديهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ولاية الله تعالى محمودة على كل حال؛ لقوله: ﴿الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، اقرِنْ بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥] تجد التناسب التام، فالغني الحميد الذي يُحْمَد على غِناه بحيث يُغني به من شاء، والولي الحميد الذي يُحْمَد على ولايته، بحيث يختص بالولاية الخاصة من شاء ويمنعها عمن شاء، وعلى كل حال فولايته حميدة، وغناه حميد عزَّ وجل.
* طالب: هل كلاهما صحيح؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: ولا مرجح لأحدهما يحمل عليهما جميعًا؟
* الشيخ: بشرط ألَّا يتنافيان، هنا يتنافيان.
* طالب: وجهه يا شيخ؟
* الشيخ: وجْهُ ذلك أننا إذا قلنا: ﴿يَسْتَجِيبُ﴾ أنها عائدة على الله عز وجل، صارت (الذين) محلها النصب فهم مُجابون، وإذا قلنا: إنها تعود على الله، صارت (الذين) مفعولًا به.
وأيضًا يُضَعِّف القول الثاني -أن ﴿يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: أن الذين هم الذين استجابوا لربهم- قولُه: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فإن الأصل أن الضمائر تكون واحدة، ومعلوم أن الزيادة من الفضل خاصة بالله عز وجل، فالقول بأنها تحتمل المعنى الثاني ضعيف؛ لأنه مرجوح.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر بعضهم أن الفقير الذي أفقره الله سبحانه وتعالى لحكمته، لا يجوز لأحد أن يغنيه (...) يعني يعطيه شيئًا يستغني به يأكله فقط، كونك تعطيه ما يستغني به سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى؟
* الشيخ: من قال هذا؟!
* طالب: ذكروه في كتاب تقديس الصوفية للأشخاص، هذه فتوى واحد من العلماء؟
* الشيخ: لا عبرة بأقوال الصوفية، هل أنت كنت صوفيًّا من قبل؟
* طالب: إي، كنت صوفيًّا.
* الشيخ: والحمد لله الذي أنقذك منهم، هذه نعمة كبيرة، وهذا غير صحيح؛ لأنه لو كان كذلك لم يجعل الله للفقراء حظًّا من الزكاة، أليس الله تعالى جعل للفقراء حظًّا من الزكاة؟ وأمر بالإحسان إلى الفقراء؟ فتبين ضعفُ هذا القول.
* طالب: ما الفرق بين اليأس والقنوط؟
* الشيخ: القنوط أشد اليأس؛ يعني إذا ارتفع اليأس حتى لم يبقَ في الإنسان أيُّ أملٍ فهذا قنوط.
* طالب: عطف عليه؟
* الشيخ: لا، (الذين) مفعول به.
* طالب: (...).
* الشيخ: وأيضًا المرجح عندنا مرجح على أن المجيب هو الله وهو قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، لو كان كذلك لقال: فيزيدهم بالفاء؛ يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيزيدهم إذا استجابوا، فلما جاء حرف العطف الذي يقتضي تساوي المعطوف والمعطوف عليه لم يصح ما قلت، وإلا لقال: ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيزيدهم؛ أي: بسبب استجابتهم يزيدهم من فضله.
* طالب: (...).
* الشيخ: وعلى الإجابة قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران ١٩٥]؛ يعني: أجابهم.
هذا من القنوط؛ إذا نزل بالإنسان ضائقة وقدَّر في نفسه أنه لا يمكن زوالها، فهذا قنوطٌ بلا شك، لكن إذا قدَّر في نفسه أنه لا تمكن إزالتها من المخلوق فهذا حق؛ لأن بعض الأمراض -مثلًا- حسب المعروف أنه لا يمكن للمخلوق أن يزيلها، لكن قد تزول بإذن الله عز وجل.
يُذْكَر لنا أن بعض القراء الذين وهبهم الله تعالى إيمانًا وتقوى يقرأ على المصاب بالسرطان فيبرأ بإذن الله، والسرطان حسب الطب الحسي يرونه من الأمراض الميئوس منها، إذن اليأس من أن هذه الضائقة لا تزول على يد المخلوق حق ولا مانع فيها، أما من عند الخالق فلا يجوز؛ لأن الله على كل شيء قدير، والذي خلقك من ماء مهين قادر على أن يشفيك من هذا المرض مثلًا، والذي أخرجك من بطن أمك ليس عليك ثيابٌ حتى هيأ الله لك الثياب قادر على أن يكسوك بالغنى بعد الفقر، فلا تيأس من رحمة الله أبدًا، انتظر الفرج ولكن اصبر، لا تتعجل الأمور؛ فالله تعالى جعل لكل شيء سنة وطريقة تأتي بها في النهاية.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ما المراد بالغيث؟
* طالب: ما يحصل به الإغاثة.
* الشيخ: وهو هنا؟
* طالب: المطر.
* الشيخ: وهو المطر. هل هناك فرق بين الغيث والمطر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما هو؟
* طالب: الغيث هو الذي تزول به الشدة.
* الشيخ: تزول به الشدة.
* طالب: والمطر قد ينزل ولا يزول به الشدة.
* الشيخ: زين، ولا يزول به الشدة. هل هناك دليل على هذا؟
* طالب: قول النبي: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا».
* الشيخ: قول النبي ﷺ: «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، وَلَكِنَّ السَّنَةَ أَنْ تُمْطَرُوا فَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]]، قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾. هل في هذا تقرير للقنوط وأنه جائز أو بيان للواقع؟
* طالب: بيان للواقع.
* الشيخ: بيان للواقع؛ لأن القنوط حكمه شرعًا؟
* طالب: لا يجوز.
* الشيخ: لا يجوز، بل هو من كبائر الذنوب، طيب، الإخبار عن الواقع لا يعني إقراره. ودليل هذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْمَعَازِفَ»[[أخرجه البخاري (٥٥٩٠) من حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري.]]، وقوله: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ»[[أخرجه البخاري (٧٣٢٠) والحاكم (٨٦١٠) واللفظ له، من حديث أبي سعيد الخدري.]] اليهود والنصارى، وإخباره بأن «الظعينة تخرج من كذا إلى كذا لا تخشى إلا الله»[[أخرجه البخاري (٣٥٩٥) من حديث عدي بن حاتم.]]، هذا الإخبار عن الواقع لا يقتضي حله وإقراره.
ولاية الله تبارك وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، الخاصة تختص بمن؟ بالمؤمنين. ما الدليل؟ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]. الولاية العامة قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، وهي عامة لجميع الناس.
﴿الْحَمِيدُ﴾ (فعيل) بمعنى المحمود. هل هناك في اللغة العربية صيغة (فعيل) بمعنى مفعول؟ (قتيل) بمعنى المقتول، طيب، يعني أن الله يُحْمَد على ولايته، (حميد) يعني على ولايته، فكل ما أجراه عز وجل في ملكه فإنه محمودٌ عليه.
ماذا كان يقول النبي ﷺ إذا أصابه ما يسوؤه؟ يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ». وإذا أصابه ما يسرُّه قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة.]]، وأما ما يقوله بعض الجهال: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروهٍ سواه، فهذه عبارة بدعية لا تجوز؛ لأنها تنبأ عن كراهة الإنسان لما يفعله الله عز وجل، ثم هناك تناقض بين مكروه ومحمود، ثم إن كل ما يجريه الله عز وجل فإن الإنسان يجب عليه أن يرضى به؛ لأن من الإيمانِ الإيمانَ بالقضاء خيره وشره.
فالمهم أن هذه عبارة محدثة يُنْهَى عنها، ويقال لمن يقولها: قل ما قاله الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو: الحمد لله على كل حال.
الشورى 42:29
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (مِن) للتبعيض، وآيات جمع (آية)، وهي العلامة المعيَّنة لما كانت له، العلامة التي تُعيِّن الشيء وتحدده يقال لها: آية، (من آيات الله) أي: مِن علاماتِه الدالة على كمال قدرته عز وجل وكمال سلطانه خلق السماوات والأرض، فإنه لا يمكن لأي أحد أن يخلق مثلهن. وسبق الكلام على السماوات والأرض ولِمَ جُمِعَت الأولى والثانية أُفْرِدَت، وما أشبهه.
(وخلق ﴿مَا بَثَّ﴾ فرَّق ونشَرَ ﴿فِيهِمَا﴾ ) أي: في السماوات والأرض، (﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي ما يدُبُّ على الأرض)، قوله: ﴿وَمَا بَثَّ﴾ يعني: خلَقَ، ﴿مَا بَثَّ﴾ (بَثَّ) بمعنى فرَّق ونشر، ﴿فِيهِمَا﴾ أي: في السماوات والأرض، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: مما يدُبُّ على الأرض من الإنسان وغيره فهو من آيات الله، من آيات الله في هذه المخلوقات أن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه ثم هدى؛ تجد الحيوانات وهي بُهمٌ لا عقول لها، تجدها تكسب رزقها وتذهب تطلبه، وتخزن ما تخزن منه إن كانت مما يخزن من الأقوات، وتجدها تَحِنُّ إلى أولادها وترحم أولادها وتجوع لشِبَعِهم، إلى غير ذلك مما إذا تأملته عَجِبْت من هذه المخلوقات البُهم.
الطيور أعطاها الله عزَّ وجل قوَّة نظر بعيدٍ، بدليل أنها ترى الحَب وهي في جو السماء، والآدمي لا يرى هذا بلا شك، لكن لما كانت الطيور لا تمشي على الأرض يسَّر الله لها بصرًا نافذًا قويًّا؛ حتى ترى الحب وهي في جو السماء، فتنزل وتأخذه وتطير، إلى غير ذلك من الآيات العجيبة.
انظر مثلًا إلى الذَّرِّ الصغير كيف يهتدي إلى جحره وهو يأتي إليه من بعيد، ثم إنه يمشي على خطٍّ واحد، شاهدناه بأعيننا يمشي على خط واحد على البساط الذي ليس فيه أثر تراب، فتجده يصل إلى النهاية وإذا به ينحرِفُ على زاوية، كيف اهتدى إلى هذا؟ إلا بهداية الله عز وجل. وقد قيل: إنه كلما مشى فإنه يخرج منه شيء -أي مادة- يشُمُّها الذر الآخر فيمشي تبعه، هذا من آيات الله عز وجل.
تجد النمل -وهو أكبر من الذَّرِّ- يحرص على أن يأتي بزاده من بعيد ثم يخزنه في جحره، وإذا أراد أن يخزنه أكل رؤوس الحَب من أجل ألَّا ينبت؛ لأنه لو بقي الحَب برؤوسه نبت وفسد عليه، فتجده يقضَم أعلى الحبة وأسفلها حتى لا تنبت، ثم إذا جاء المطر وابتلَّت الأرض ووصل البلل إلى جحره تجده ينقل هذا الحَب ليخرجه إلى الشمس والهواء حتى ييبس. من الذي علَّمه؟ الله عز وجل لا شك، فهو من آيات الله.
وما أحسن الاستعانة على هذا بقراءة كتاب مفتاح دار السعادة لابن القيم رحمه الله، مفتاح دار السعادة هذا ذكر فيه عجائب، حتى ذكر فيه قصة: أن رجلًا وضع طعمًا لذرة من الذرات إما لحمة أو غيرها، حاولت الذرة أن تحملها عجزت، فرجعت إلى جحرها واستغاثت بأخواتها، فأقبلن إليه يزفون، لما أقبلن عليه نزعه رفعه من الأرض، فجعلت الذر تطلبه ما وجدت شيئًا، فانصرفت وبقيت الأولى التي كانت قد دلت عليه، فوضع الطعم، فلما تيقنته ذهبت إلى قومها فدعتهم، فلما أقبلن نزعه، فطلبنه فلم يكن رجعن، ثم وضع الطعم للمرة الثالثة فتأكدته هذه الذرة، ثم رجعت إلى قومها تستفزعهم، فلما أقبلن نزعه، فلما طلبنه ولم يجدنه أكلن هذه الذرة نهائيًّا؛ قطعنها أوصالًا. يقول: فحكيت ذلك لشيخ الإسلام ابن تيمية متعجبًا منه، قال: نعم، كل شيء مفطورٌ على عقوبة الظالم الكاذب، وهذه كذبت عليهن وظلمتهن فلم يَبْقَ إلا أن تُعْدَم؛ لأن الساعي في الأرض فسادًا يجب إعدامه حتى الآدمي.
ولكني أسألكم هل عليه دية هذه المقتولة، الرجل؟ نعم، هو ظالم لها، نسأل الله أن يعفو عنه.
على كل حال، قصدي بذلك أن كل شيء هداه الله عز وجل لما خلقه له حتى الذَّر، شاهدته أنا في حوض نخلة لما سقيت النخلة الماء دخل الماء من تحت الأرض إلى جحر الذر، فجعلت الذر تحمل بيضها الأبيض وبسرعة حتى أخرجته عن الماء. من الذي هداها لهذا؟ الله عز وجل.
وآيات الله كثيرة، ولهذا قال عز وجل: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثية ٤]، فأتى بالماضي وأتى بالمضارع الدالِّ على الاستمرار.
قوله: (﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي ما يدُبُّ على الأرض من الناس وغيرهم، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ للحشر، ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ جمعَهم ﴿قَدِيرٌ﴾ ) ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ أي: جمع هذه المخلوقات، ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا يشاء جمعهم، فالمفعول به محذوف دَلَّ عليه السياق، ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: لا يعجزه شيء، يقول المفسِّر رحمه الله: (في الضمير تغليب العاقل) الضمير يعني في ﴿جَمْعِهِمْ﴾، تغليب العاقل؛ لأن الميم الدالة على الجمع لا تكون إلا في العقلاء، وأما غير العقلاء فيؤتى بنونِ النسوة، لكن هنا أتى بضمير الجمع مع أن ما في الأرض من دابة أكثره غير عقلاء، لكن يقول المؤلف رحمه الله: (تغليب للعاقل).
* في هذه الآية الكريمة: بيان أن خالق السماوات والأرض هو الله؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولم يشاركه أحد في ذلك.
* ومن فوائدها: أن هذه المخلوقات من آيات الله عز وجل. ولكن يا إخواننا لا يتبين أنها من آيات الله إلا بالتأمل والتدبر؛ لأننا اعتدنا هذه المخلوقات؛ اعتدنا طلوع الشمس وغروبها، وطلوع القمر وغروبه، فلم يكن ذلك محركًا لقلوبنا لأنه شيء معتاد، لكن لو أننا تدبرنا هذه المخلوقات لتبين لنا أنها من آيات الله العظيمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من آيات الله عز وجل ما يبث في السماوات والأرض من دابة من الآدميين وغير الآدميين، فإن في كل شيء منها آية تدل على كمال وحدانيته عز وجل ورحمته وحكمته.
* ومن الفوائد: أن ظاهر الآية أن في السماوات دواب؛ لقوله: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أما الأرض فالدواب فيها معلومة لنا، أكثرها معلوم لنا نعرفه ونشاهده، أما السماوات ففيها دواب لكن لا ندري ما هي.
إن قلت: (الملائكة) صار في ذلك إشكال، إن قلت: غير الملائكة، قلنا: إن الله على كل شيء قدير؛ لأن الملائكة بيَّنَ الله تبارك وتعالى أنهم أولو أجنحة فقال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر ١]، وذو الجناح يطير، وربما يكون يمشي أيضًا.
على كل حال نحن لسنا مكلفين إلا بما نفهمه من ظاهر الآية ولا نتجاوز ذلك، فنقول: ظاهر الآية الكريمة أن السماوات فيها دواب كالأرض، وإذا سألنا سائل: ما هذه الدواب؟ قلنا: إما الملائكة أو غيرها، الله أعلم.
وقال بعض العلماء: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن ١٩] إلى قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن ٢٢]، وزعموا أن ذلك لا يكون إلا في المالح، والصواب أن الآية على ظاهرها في آية الرحمن ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾، وأن البحرين المالح والعذب كلاهما يخرج منه اللؤلؤ والمرجان وإن كان في أحدهما أكثر.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل في جمع هذه الدواب ليوم الحساب؛ لقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على أولئك المنكرين للبعث الذين قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، المنكرون للبعث يقولون: إن كنتم صادقين هاتوا آباءنا، فيقال: إن الله تعالى لم يشأ ذلك، وسيشاؤه فيما بعد، وأنتم لم يقل لكم: إنكم مجموعون اليوم بل قيل: ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، وأما تحديهم بما لم يلتزمه المتكلم فهذا ضائع سُدًى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله تبارك وتعالى بجمع هذه المخلوقات.
فإن قيل: هل في الآية ما يدل على تقييد القدرة بالمشيئة؟
فالجواب: لا؛ لأن المقيد بالمشيئة ليس القدرة ولكن الجمع، وبهذا نعرف أن بعض الناس الذين يقولون: إنه على ما يشاء قدير قد أخطؤوا خطأ عظيمًا وقيدوا ما أطلقه الله؛ فإن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٠] على ما يشاؤه وما لا يشاؤه، وهؤلاء يقولون: إنه على ما يشاء قدير، فقدَّموا المعمول، وتقديم المعمول يفيد الحصر، إذن هو قدير على الذي يشاء، وأما الذي لا يشاؤه فليس قدير عليه، وهذا غلط عظيم، الله قادر على كل شيء؛ اللي يشاؤه واللي ما يشاؤه.
إذن هل ننهى من نسمعه يقولها؟ نعم، ننهاه عن ذلك ونقول: يا أخي قل ما قاله الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت ٣٩]، لا تقل: على ما يشاء قدير. نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:30
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠].
قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ هذه شرطية، أعني (ما)، جوابها ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. وقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: فهو بما كسبت أيديكم، يقول المفسر: (﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ خطاب للمؤمنين ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ ) بيان لـ(ما)، قال: (بلية وشدة ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: كسبتم من الذنوب، لكنه عبر بالأيدي؛ لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [الشورى ٣٠] منها فلا يجازي عليه، وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة، وأما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة).
يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ خص المفسر هذا بالمؤمنين. ووجه التخصيص أنه قال: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، والكفار ليسوا أهلًا للعفو، وقوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ قال: (بلية وشدة)، ويشمل المصائب الدينية والمصائب الدنيوية، وأيهما أعظم؟ المصائب الدينية؛ فإنها أعظم من المصائب الدنيوية، فإذا قدر أن أحدًا أصيب بانتكاسة والعياذ بالله فهو أشد من أن يهلك أهله وماله؛ فإن المصائب الدينية أعظم بكثير من المصائب الدنيوية؛ إذ إن المصائب الدنيوية تزول وتُنسَى، كما قال بعضهم: إما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلوا سلو البهائم؛ لا بد أن تزول، المصائب الدينية والعياذ بالله خسارة في الدنيا والآخرة.
فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الإعراض من المصائب؟ فالدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة ٤٩]، فتأمل أن الذنوب صارت سببًا لإعراضهم، والإعراض مصيبة عظيمة. المهم أن قوله: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يشمل مصائب الدنيا؛ كتلف المال، وموت الأحبة، والخوف والفقر وما أشبه ذلك، مصائب الدين كالمعاصي والبدع، وكراهة الحق، وكراهة أهل الحق وما أشبه هذا، كله ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والمراد: بما كسبتم؛ لأنه قد يكون الكسب باليد، ويكون الكسب بالرجل، ويكون الكسب بالعين، ويكون الكسب بالشم، ويكون الكسب باللسان، لكن عبَّر بالأيدي عن الكل؛ لأن أكثر ما تزاوَل الأعمال باليد، الآن في جلوسنا هذا الرجل تعمل ولَّا ما تعمل؟ ما تعمل، اليد تعمل بلا شك، تأخذ الكتاب ترفعه تنزله تكتب، فهي أكثر الأعمال تزاول باليد، فعبر باليد عن النفس لهذا السبب ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني يعفو عن كثير مما أذنبتم فلا يؤاخذ به.
في هذه الآية فوائد:
* منها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. وجه ذلك أن الباء هنا للسببية، ففيه إثبات الأسباب.
وإثبات الأسباب ثابت شرعًا وعقلًا وحسًّا، وإنكاره ضلال في الدين وسفه في العقل، أقول: تأثير الأسباب ثابت بالشرع والعقل والحس، ثلاثة أدلة، وإنكاره ضلال في الدين وسفه في العقل، أما ثبوت الأسباب بالشرع فكما قرأنا الآية، والأدلة على هذا لا تحصى لا في القرآن ولا في السنة، وأما ثبوته بالعقل فلأننا نعلم أن كل شيء حادث لا بد أن يكون له سبب يحدثه؛ إما معلوم لنا وإما مجهول، لا بد من هذا، فالطفل لا يمكن أن يخرج ينبت على ظهر بطن الأم، لا بد أن يكون له سبب لوجوده وبقائه، وكذلك كل الحوادث لا بد لها من سبب؛ إما معلوم وإما مجهول، أما الحس فظاهر أن للأسباب تأثيرًا، لو أنك رميت زجاجة بحجر تكسرت، ما الذي كسرها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: تمام إذن لها سبب، لو أوقدت على الماء البارد صار حارًّا، السبب؟ أوقدت عليه، هذا شيء معروف حسًّا، يرى بعض العلماء من سفاهتهم أن الأسباب ليس لها تأثير إطلاقًا، سبحان الله، ما لها تأثير؟ قال: نعم، ما لها تأثير، أليس إذا رميت الزجاجة بالحجر انكسرت الزجاجة؟ قالوا: نعم، لكن حصل الانكسار عند وجود الرمي، لا بوجود الرمي، كيف هذا؟ يقولون: لما لمس الحجر المقذوف الزجاجة لمس انكسر، هل هذا صحيح؟
* طلبة: غير صحيح.
* الشيخ: نعم ما هو صحيح، بدليل أن لو جبت أكبر حجر، كبر الزجاجة ثلاث مرات، ووضعته على الزجاجة وضعًا؛ ما انكسرت، احتراق ما يقبل الاحتراق بالنار لسبب ولَّا لغير سبب؟ لسبب، ضع ورقة في النار تحترق، هذا أمر معقول، يعني أمر مدرك بالحس، يقولون: لا أبدًا، لو أنك أثبت تأثير الأسباب في مسبباتها لكنت مشركًا بالله العظيم، أعوذ بالله! لأنك جعلت مع الله خالقًا، فأقول: لم أجعل مع الله خالقًا، لكني أقول: إن السبب يؤثر لا بنفسه ولكن بما أودعه الله من قوة، ما هو بنفسه والدليل على هذا أن نار إبراهيم، وهي نار عظيمة، أحرقت، جمعوا حطبًا عظيمًا وأوقدوا عليه حتى إنهم رموا إبراهيم بالمنجنيق؛ لأنهم لا يستطيعون أن يحوموا حول هذه النار من حرارتها، ماذا كانت؟ قال الله تعالى لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه، فلم تؤثر.
إذن نحن نقول: إنها سبب بما أودع الله فيها من القوة، وليست مؤثرة بنفسها. هناك طرف آخر تطرف قال: الأسباب مؤثرة بنفسها، وهذا هو الذي نقول: إن في قوله نوعًا من الشرك، وليست الأسباب مؤثرة بنفسها، الدليل هو نار إبراهيم. فعلى كل حال نحن نؤمن بأن للأسباب تأثيرًا بما أودعه الله فيها من القوى المؤثرة، وأن هذه القوى قد لا تؤثر إذا أراد الله عز وجل: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
قلنا: من فوائدها: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان يجازى على كسبه بمثل كسبه؛ لأنه إذا كان بما كسب فلا بد أن يكون على قدر ما كسب، فإن كان أزيد كان ظلمًا، والله سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا.
* ومن فوائد الآية: جواز التعبير بالبعض عن الكل؛ لقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، مع أنه يشمل ما كسبه الإنسان برجله، كمشيه إلى بيوت الدعارة والخمر وما أشبه ذلك، فإنه يؤاخذ عليه.
فإذا قال قائل: هل كل بعض يجوز أن يعبر به عن الكل؟
فالجواب: لا، ولكن بشرط أن يكون لهذا البعض تأثير على الكل.
فكسب اليد له تأثير بلا شك؛ لأن أكثر الأعمال بها؛ أعتق رقبة، المراد أن أضرب بصفحة رقبة العتيق وأقول: أنت أيتها الرقبة عتيقة، صح؟ خطأ، لكن عبر بالرقبة عن الكل؛ لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بدون رقبة، ولأن الرقبة محل القتل التي إذا فصلت عن البدن هلك الإنسان. الخلاصة جواز التعبير بالبعض عن الكل، بشرط أن يكون له أثر فيما عبر عنه به.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله يعفو عن كثير من الذنوب، فلا يؤاخذ بها؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ لكن هل هذا العفو مضمون؟ لا، غير مضمون، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فلا يأخذك الأمن من مكر الله أن تقول: إن هذا الذنب مما يعفو الله عنه وتفعل الذنب، هذا غرور واغترار؛ لأن قوله: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مقيد بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
قال المفسر: (وهو تعالى أكرم من أن يثني الجزاء في الآخرة) مراده رحمه الله أن المصائب التي تصيبنا بذنوبنا لا نعاقب على ذنوبنا في الآخرة تكفي المصائب، هذا ظاهر الآية؛ لأن قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ يدل على أن هذه المصيبة هي الجزاء، وإذا كانت هي الجزاء فلن يثني الله الجزاء في الآخرة؛ لأنه أكرم من أن يثني الجزاء، وهذا صحيح أن ما أصيب به الإنسان في الدنيا فهو كفارة عن ذنوبه، إذا أقيم عليه الحد في معصية فيها حد فهو كفارة، إذا عُزر على ذنب ليس فيه حد فهو كفارة، إذا أصابته مصيبة عن هذه الذنوب فهي كفارة، فلا يعيد الله عليه العقوبة في الآخرة إلا ذنبًا واحدًا، وهو السعي في الأرض فسادًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣] فهذا مستثنى، وذلك لفداحة هذا النوع من الذنوب، فإن الفساد في الأرض ليس بالأمر السهل، فجعل الله هؤلاء المحاربين المفسدين في الأرض لهم عقوبتين: العقوبة بقطع الأعضاء، والثانية: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤].
قال المفسر: (أما غير المذنبين فما يصيبهم في الدنيا لرفع درجاتهم في الآخرة) هذا الكلام يوحي بأن هناك أناسًا كثيرين غير مذنبين، نعم وهذا عند التأمل فيه نظر؛ لأنه ما من إنسان إلا يصاب بذنب، حتى إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٩ / ١١) من حديث أبي هريرة.]] »، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٩٩) وابن ماجه (٤٢٥١) من حديث أنس بن مالك.]]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نفسه: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كلُهَّ؛ دِقَّهُ وَجُلَّهُ، عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ»[[أخرجه مسلم (٤٨٣ / ٢١٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال الله لنبيه يخاطبه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح ١، ٢]، فهل يمكن أن يجرؤ أحد فيقول: إن الرسول لم يذنب والله عز وجل يقول: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾؟ لا يمكن، يعني ما يمكن أن تقول: لا ذنب له حتى يمن الله عليه بمغفرته له، نعم الرسل معصومون من شيء ليس لغيرهم، وهو الاستمرار في الذنب، هذا لا يمكن، لا بد أن يعفو الله عنهم؛ إما باستغفارهم وتوبتهم إلى الله، وإما بمنة الله عليهم، قال الله عز وجل لنبيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم ١، ٢]، وقال له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة ٤٣]، هذا وهو النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله له: لمَ استعجلت فأذنت لهم. وهذه آية عظيمة ترتب سير الإنسان ألا يتعجل في الأمور. إذا كان الله عاتب نبيه لأنه أذن لهم قبل أن يتبين له الأمر، فما بالكم بغيره، وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧]، نعم، الرسل عليهم الصلاة والسلام معصومون من كبائر الذنوب، معصومون من الشرك، معصومون من سفاسف الأخلاق، أما المعاصي التي دون ذلك فإنهم غير معصومين منها، ولكنهم معصومون من الاستمرار فيها، وهذا شيء ليس لغيرهم. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من أتباعهم، إنه على كل شيء قدير.
إذن قول المؤلف: (أما غير المذنبين) غير مسلم؛ لأنه ما من أحد إلا ويذنب كما سمعتم الأحاديث في هذا، وعليه فهذا الكلام من المؤلف غير وارد، نعم من الناس من تكون له ذنوب وأعمال صالحة تكفر الذنوب دون أن يصاب بمصيبة، هذا واقع كثيرًا، حكى رجل للنبي ﷺ أنه رأى امرأة وأصاب منها ما يصيب الرجل من امرأته غير أنه لم يزن بها، فقال: «أَشَهِدْتَ مَعَنَا صَلَاةَ الْفَجْرِ» أظن قال: نعم، قال له: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣ / ٣٩) من حديث ابن مسعود.]]، فصلاته الفجر أذهبت السيئات، وكذلك قال النبي ﷺ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة.]].
قبل أن ندخل في الدرس الثاني أود أن أنبهكم يا إخواني، أنتم طلبة علم جئتم من بلادكم إلى هنا لطلب العلم، وأنتم في بلادكم تطلبون العلم، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: لكن ما فائدة العلم؟ أفائدة العلم أن يكون الإنسان نسخة من كتاب يحفظ ويجمع في دماغه ما يجمع، أم فائدة العلم العمل؟ الثاني، لا خير في علم لا عمل فيه، والعلم بدون عمل به حجة على الإنسان؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٢٢٣ / ١) من حديث أبي مالك الأشعري.]]، ما فيه قسم ثالث، وإذا عمل الإنسان بعلمه ورَّثه الله تعالى علم ما لم يكن يعلمه من قبل، كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد ١٧] أي: علمًا ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧] أي صاروا متقين لله عز وجل، العمل بالعلم مهم، والمقصود من العلم أن يتربى الإنسان به حتى يكون عالمًا ربانيًّا. أنا أنقم من بعضكم أنهم يدَعون شيئًا مهمًّا وسهلًا، وهو إفشاء السلام، نشاهد الآن الواحد منكم يمر بزميله وهو واقف ولا يقول: السلام عليكم، لماذا؟ أرغبة عن السنة أم زهدًا في الأجر؟ أنا ما أدري، أم إيجاد سبب للكراهة والعداوة؟ لأن الإنسان إذا مر بك ولم يسلم لا بد أن يكون في قلبك شيء، إلا من تحجر قلبه واعتاد عدم السلام فهذا ميت.
ثم إن النبي ﷺ أقسم قال: «وَاللهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا» داخل بالقسم «أَفَلَا أَدُلُّكُمْ -أَوْ قَالَ: أُخْبِرُكُمْ- بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣) من حديث أبي هريرة.]] لماذا لا نفشيه بيننا؟ مع أن المسلم إذا سلم يأتيه كم؟ عشر حسنات، وأظن لو أن أحدكم قيل له: كلما سلمت أعطيناك درهمًا ريالًا واحدًا، يسلم ولَّا ما يسلم؟ يسلم، ويتردد مرة ومرة علشان أيش؟ تكثر الدراهم، مع أن هذه الدراهم اللي يحصِّلها زائلة في الواقع، كل ما تملكه من الدنيا فإما أن يزول عنك وإما أن تزول عنه ولا بد، لكن الحسنة تبقى لك وتجدها أشد ما تكون حاجة إليها، أوصيكم بالعمل، بالعلم، فإن لم تعملوا فأنتم نسخ كالكتب في الجدران، ومع ذلك الكتب في الجدران سالمة، أما أنتم إذا لم تعلموا فغير سالمين، والله غير سالمين، اعملوا، تربوا بالعلم في عبادة الله، وفي معاملة عباد الله، وفي معاملة أنفسكم أيضًا، هذه نصيحة أرجو ألا تغيب عن بالكم، فإنها إن شاء الله مفيدة، والله الموفق.
* طالب: فيه إشكال، وهو أن بعض الإخوان يكون جالسًا في مكان يقرأ أو يكتب، ثم الإنسان يريد حاجة من مكان آخر يمر عليه ويرجع، هل كلما مر ورجع يخشى أنه يقاطعه؟
* الشيخ: لا، أولًا إذا رأيت إنسانًا مشغولًا وتخشى أنك إن سلمت عليه شوشت عليه لا تسلم، لماذا؟ لأن هذا من مصلحته، ولهذا قال الفقهاء: يُكرَه السلام على إنسان مشتغل بذكر أو أكل أو غيرهما.
* طالب: في هذه الحالة لا حرج.
* الشيخ: لا حرج، لكن ما أريد أنا هذه الحالة ربما يكون الذي لم يسلم عليه أفرح منه ممن لو سلم عليه، لكن يتلاقون ماشيين أو واحد بيلبس حذاءه ومر الإنسان من عنده وتجاوزه ما يسلم، ليش ما يسلم؟ ويش يضره؟ والله الواحد يعني يكاد يتقطع أنه يشوف طلبة علم يمر بعضهم من بعض ولا يسلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيه شك نعم.
* طالب: بعضهم يا شيخ تسلم عليه يطلع فيك، يعني ينظر إليك؟
* الشيخ: نظر غضب؟
* طالب: ما أدري كيف يا شيخ من أول رأسك إلى أخمص قدميك وبعدين وكأنما مر عليه جدار..
* الشيخ: هذا صحيح، يقول: بعض الناس إذا سلمت جعل ينظر إليك، السبب أن هذه السنة ميتة عنده ما يعرف.
* طالب: جماعة ملتزمون من الذين يرتادون المسجد من الطلبة؟
* الشيخ: لا، هذا غلط، أما العوام فنعم، بعض العوام لو سلمت عليه يقف، ويش العلم؛ لأنهم ما اعتادوا هذا، أما طالب العلم فهذا ما له حق.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذا كانوا جالسين هكذا صفًّا سلم عند أولهم ويكفي.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، نبهتنا للسلام، أحسن الله إليك، كثيرًا الطلبة يا شيخ حريصون على السلام، وبعضهم قد ينسى أحيانًا، لكن السلام أحيانًا يرد لكن ما تفهم من هذا الرجل سلم أو تنحنح؛ لأنه عادة الواحد لما يقول: السلام عليكم يأتي الرد مثله، لما يقول السلام عليكم تقول: عليكم السلام ورحمة الله هكذا، لكن الواحد لما يقول: إهه ما تدري هل سلم ولا تنحنح، ما تدري، أحيانًا يكون الرد كذلك هكذا، واحد يقول: السلام عليكم وهو ما رد؟
* الشيخ: لا، لا بد من البيان، لا هو على كل حال الاشتباه بين التنحنح والسلام غير وارد.
* طالب: لا ينطق بها يا شيخ.
* الشيخ: نعم هو ربما أنه يهمس بها همسًا، وهذا غلط، سلم سلامًا واضحًا، كما أن بعض الناس بالسيارات الآن إذا لقوك يضرب بوري، معناه لو معي بوري ضربت بوري علشان أرد عليه، هذا غلط أيضًا، لكن ربما يقول بعض الناس: إنه يضرب بوري حتى أنتبه ويسلم.
* طالب: لو بلي إنسان ببدعة فكيف تكفر ذنوبه وهي تزيد الذنوب؟
* الشيخ: البدعة ما تكفر الذنوب، تزيد في الذنوب.
* طالب: بتلك المصائب يا شيخ.
* الشيخ: إي هذه مصيبة، لكنها مصيبة تحتاج إلى توبة، يعني المصائب الدينية مصيبة لا شك أن الإنسان إذا أصابه الفتور في الطاعة أو مثلًا الإعراض عن الطاعة لا شك أنها مصيبة، لكنها لا يقر عليها يجب أن يهرب منها كما يهرب من المصائب الحسية.
* طالب: هناك إشكال.
* الشيخ: ويش فيه؟
* طالب: إذا كان الإنسان يقرأ كتب العلماء ثم يرد عليه النسيان لكثير من الأقوال، وهل يفرق بين نسيانه القرآن ونسيان غيره؟
* الشيخ: إي معلوم.
* طالب: وهل هذا من الذنوب؟
* الشيخ: النسيان ما يخلو منه الإنسان، حتى النبي ﷺ قرأ ذات يوم ونسي آية من كتاب الله، ما أحد يسلم منه، لكن القرآن تجب العناية به، أكثر لأمر النبي ﷺ بتعهده، والقرآن أكثر الأشياء نسيانًا، يعني تحفظ مثلًا متنًا من متون الفقه ما يحتاج إلى تعاهد كثير، القرآن لا بد أن تعاهده كثيرًا وإلا نسيته، قال النبي ﷺ: «تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا أَوْ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١ / ٢٣١) من حديث أبي موسى الأشعري.]]، والحكمة من ذلك من كون أن القرآن ينسى أكثر من غيره:
أولًا: الابتلاء ليعلم الله تبارك وتعالى من هو راغب في حفظ القرآن أو غير راغب.
ثانيًا: كثرة الأجر والثواب بترداده؛ فإن في كل حرف عشر حسنات.
ثالثًا: أن يبقى ذكر الله تعالى في قلبك؛ لأن القرآن كلام الله، فإذا كنت تقرأ القرآن فكأنما تناجي الله عز وجل؛ لأنك تقرأ كلامه سبحانه وتعالى. ولهذا جعل الله تعالى من الحكمة أن ينسى سريعًا حتى تحرص عليه.
* طالب: حديث يا شيخ أن النبي ﷺ عندما جاءه ملكان في المنام، فمر على الذين يعذبون في قبورهم، أو رجل آتاه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار[[أخرجه البخاري (١٣٨٦) من حديث سمرة بن جندب.]]، هل يدل هذا على وجوب قيام الليل على صاحب القرآن؟
* الشيخ: لا، ما يجب، لكن لعل هذا له صفة خاصة هذا الرجل، أو يقال: نام عنه في الليل، يعني عن الواجب فيه؛ كصلاة العشاء مثلًا وصلاة الفجر؛ لأن المنافقين لا يصلون الفجر ولا العشاء.
* طالب: يقولون: إن بعض السنن تجب على طالب العلم؟
* الشيخ: لا، نعم بعض السنن صحيح تجب على طالب العلم إذا كان عمله إياها إحياء للسنة، فهنا يجب عليه فعلها؛ لأن هذا من باب البلاغ.
الشورى 42:31
ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى ٣١] (ما) نافية، وهي تعمل عمل (ليس) على لغة الحجازيين، والقرآن الكريم نزل بلغتهم، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ اسمها، و﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ خبرها، لكنه اقترن بالباء الزائدة إعرابًا، الزائدة معنى، يعني أنها من حيث الإعراب زائدة، لو حذفت لتم الكلام بدونها، ولكنها من حيث المعنى غير زائدة، بل هي مفيدة. وفائدة حروف الزيادة هي التوكيد، كلما جاءك حرف زائد فهو لتأكيد العموم، يقول: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بمعجزين الله تبارك وتعالى، إذا طلبكم فلن تعجزوه في الأرض.
وقول المفسر رحمه الله تعالى: (﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ الله هَرَبًا) هذا كالمثال، وإلا فالمعنى أعم مما قال، أي بمعجزين الله هربًا، وبمعجزين الله اختفاء، وبمعجزين الله اضطجاعًا، وما أشبه ذلك، الإنسان بالنسبة للإنسان ربما يعجزه إذا هرب منه ويكون أسبق منه، ربما يعجزه إذا اختفى عنه بجدار أو غار أو شجر أو ما أشبه ذلك، ربما يعجزه إذا اختفى عنه بالاضطجاع على الأرض وما أشبه ذلك، فهل هذا الإعجاز الذي يكون من الإنسان للإنسان هل يكون من الإنسان لله؟ لا؛ لأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يمتنع على قدرته شيء في الأرض ولا في السماء.
وهذا كالوعيد لهؤلاء (﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ (ما) هذه نافية ولا نقول: إنها حجازية؛ لأن من شرط عملها عمل (ليس) الترتيب، أن يكون الاسم هو المقدم، وهنا الخبر هو المقدم، وعليه فتكون نافية غير عاملة.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ (من) هذه زائدة لتوكيد النفي؛ (﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدفَع عذابه عنكم)، ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولاكم ويُحسِن ولايتكم، ولا نصير يدفع عنكم، فليس هناك ولي يتولاكم من دون الله ولا نصير يدفع عنكم عذاب الله، بل أنتم في قبضته تبارك وتعالى أينما كنتم.
في هذه الآية الكريمة من الفوائد:
* أولًا: تهديد المشركين بعذاب الله وأن الله إذا أراده لم يعجزه.
* ومنها: وجوب خوف الله تعالى ورقابته؛ لأنه سبحانه وتعالى إذا أراد أن يعذب العاصي فلن يخفى عليه.
* ومن فوائده أيضًا: أنه ليس أحد يقوم بتولي هؤلاء المكذبين وينصرهم من دون الله، وعلى رأس هؤلاء الأصنام، فالأصنام لا تنفعهم، بل هي إن كانت عاقلة تتبرأ منهم يوم القيامة، وإن لم تكن عاقلة فهي وإياهم حصب جهنم، كما قال عز وجل في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨].
الشورى 42:32
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ [الشورى ٣٢] (من) للتبعيض، وآياته: علاماته الدالة على رحمته وقدرته وحكمته، ﴿الْجَوَارِ﴾: مبتدأ مؤخر، ولكنها معربة بتقدير الضمة على الياء المحذوفة للتخفيف، وأصل الجوار: الجواري بالياء، جمع جارية، والجارية هي السفينة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] من آيات الله عز وجل هذه السفن ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ على الماء ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: (كالجبال في العظم)، هذه السفن العظيمة المحملة بالأموال والأناسي والحيوان من آيات الله، أن تكون في هذا البحر المتلاطم تمشي على الماء تمخر عباب الماء بما فيها من الأرزاق، لا شك أنها من آيات الله عز وجل.
هدد الله تبارك وتعالى راكبيها بما يلي: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى ٣٣] هذا أدنى عقوبة، يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره، لماذا؟ لأن السفن سابقًا إنما تمشي حسب الرياح؛ لأنها تمشي على شراع يوضع طويل فتصدم به الرياح فتسير، فإذا سكنت الرياح وقفت، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ أي الجواري ﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر، وحينئذ تتعطل المصالح، وربما تأتي ريح عاصف تقصف بالسفينة فتغرقها.
فالأحوال إذن ثلاثة: إما رياح طيبة تسير بها السفينة على ما ينبغي، وإما رياح عاصفة تغرق السفينة، وإما سكون، ماذا يكون بالسكون؟ تقف رواكد على ظهر الماء، فهو سبحانه وتعالى يبين أن من آياته سير هذه السفن.
﴿﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ ﴾ يصرن ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثوابت لا تجري ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ﴾) أي: ظهر البحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ من آياته.
ثم قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأن التبعيض بعض الشيء، فإذا كان الشيء ألفًا فبعضه قد يكون مئتين أو ثلاث مئة، وإذا كان الشيء اثنين فالبعض واحد، السفن كثيرة لا تحصى، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ باعتبار السفن الكثيرة التي تجري على البحر، وربما نقول باعتبار السفينة الواحدة مما يشاهده ركابها في البحر من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله. ولهذا يحدثنا الذين يذهبون في البحر لاصطياد السمك يحدثوننا عن عجائب مما يشاهدون من السمك باختلاف أنواعها واختلاف ذواتها كبرًا وصغرًا وشكلًا مما هو من أعظم آيات الله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار صيغة مبالغة، أي: كثير الصبر، شكور: كثير الشكر، فما وجه الجمع بين الصبر والشكر؟
وجهه ظاهر؛ لأن هذه السفن إن جرت على ما ينبغي فوظيفة الإنسان الشكر، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفته الصبر، فالصابر والشاكر كلاهما سيرى من آيات الله عز وجل في هذه السفن ما يوقن أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه رحيم بالعباد، وغير ذلك مما سيراه.
قال: (هو المؤمن يصبر في الشِّدَّة وَيشكر في الرخاء) وقد يقال: المؤمن والكافر، لكن الكافر يصبر ولا يشكر، المؤمن يصبر ويشكر، يصبر في موضع الصبر ويشكر في موضع الشكر، الكافر يصبر في موضع الصبر ويتحمل، ولكن لا يشكر في موضع الشكر، وإنما يزداد بطرًا وأشرًا.
(﴿أَوْ يُوبِقهُنَّ﴾ عطف على يسكن، أي: يغرقهنَّ بعصف الريح بأهلهنَّ) هذا قسم ثالث: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وإن يشأ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أي: يغرقهن ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب كسبهم، فما هو الكسب الذي يؤدي إلى العقوبة؟ المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾.
قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ليست معطوفة على (يسكن)؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق أو يعف عن كثير، وهذا فاسد، ولكن المعنى: يوبقهن بما كسبوا، و(يعف) جملة استئنافية لكنها حذفت الواو للتخفيف، المعنى أن الله تعالى يعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها (﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِير﴾ منها فلا يغرق أهله).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال المؤلف المفسر: (بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم).
أولًا: فيها قراءتان: ﴿﴿ويعلمُ﴾ ﴾، ﴿وَيَعْلَمَ﴾، على قراءة الرفع الواو استئنافية، التقدير: وهو يعلم الذين يجادلون. وعلى قراءة النصب وجهها المؤلف بأنها معطوفة على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم، قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ﴾ تجد أن الكلام لا يتناسب إلا إذا قدَّر ما يناسبه، المقدَّر على كلام المؤلف أي: يغرقهم لينتقم منهم، أي: وليعلم ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى ٣٥] أي: (مهرب من العذاب).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الذين فاعل ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ المجادلة هي المناظرة والمخاصمة، مأخوذة من الجدْل، وهو الفتل، يقال: جدَل الحبلَ، أي: فتله، وسُمي المناظر مجادلًا لأن كل واحد من المتناظرين يفتل حجته لتقوى على حجة الآخر، هذا أصل المجادلة، وهي المنازعة والمخاصمة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ ليثبتوا الباطل ويبطلوا الحق.
تأمل مجادلة المشركين للأنبياء ما قصدهم؟ إبطال الحق الذي جاءت به الرسل وإثبات الباطل الذي هم عليه؛ ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ما لهم: (ما) نافية، وهل يصح أن تكون هنا حجازية؟ لا يصح، لماذا؟ لعدم الترتيب، حيث قدم الخبر، إذن (ما) نفيها مجرد، لا تعمل، ومحيص: مبتدأ مؤخر دخلت عليه (من) الزائدة، والمحيص: المهرب؛ قال: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل) هذا جواب سؤال مقدر وهو أين مفعولا يعلم؟ لأن يعلم من أفعال القلوب التي تنصب المبتدأ والخبر، يعني أنها من أخوات (ظن)، تنصب مفعولين، أين المفعولان؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن عملها معلق الآن، معلق لماذا؟ للنفي، فجملة النفي سدت مسد المفعولين، وهذا يعلم من درس النحو؛ لأن أفعال القلوب إما أن تعمل، وإما أن تعلق، وإما أن تلغى، إذا ألغيت بطل عملها في المحل واللفظ، وإذا عُلقت بقي عملها في المحل دون اللفظ، وإذا عملت عملت باللفظ والمحل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التهديد بإغراق السفن؛ لقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾، وقد علمتم قبل قليل أن الرياح بالنسبة للسفن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ريح مناسبة طيبة، وريح عاصفة مدمرة مغرقة، وريح ساكنة تبقى السفينة راكدة على ظهر الماء، فمن فوائدها: التهديد بإغراق السفن بالمعاصي.
* ومن فوائد الآية: التحذير من المعاصي وأنها سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني حتى مع إغراق السفن يعفو الله تبارك وتعالى عن كثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك العصاة بأنه ليس لهم مهرب من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾.
* ومنها: ذم المجادلة لإبطال الحق، تؤخذ من قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾، أما المجادلة لإثبات الحق فإنها واجبة، حيث كان الإنسان يجيدها ويحسنها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦].
فالمجادلة لإثبات الحق وإبطال الباطل واجبة، لكن بشرط أن يكون عند الإنسان علم بما يجادل به، فإن لم يكن له علم فالواجب ألا يجادل؛ لأنه إذا جادل لإثبات الحق بدون علم فقد تنعكس القضية عليه، يورد عليه من الشبهات ما لا يستطيع دفعه، وحينئذ ينقطع. وانقطاع المجادل بالحق ليس ضرره على نفسه، بل هو على نفسه وعلى الحق الذي يجادل من أجل إثباته.
وهل المجادلة تحصل بالغريزة أو بالمران؟ الجواب: بهما كليهما، قد يعطي الله سبحانه وتعالى الإنسان قوة حجة وقريحة وسرعة إجابة، وهذا من الله عز وجل، وقد يكون قليلًا من هذه الناحية في أصل خلقته ولكن مع المجادلة يتمرن.
ولهذا كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يحرر مسألة ويثبتها فرض نفسه مع مجادل، فيورد على نفسه إشكالًا ثم يجيب عنه، ثم إشكالًا ثم يجيب عنه حتى يتمرن على المجادلة.
ويذكر أن عاميًّا يجادله نصراني يقول له: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: بم؟ قال: لأنكم تجيزون أن تتزوجوا منا ولا تجيزون أن نتزوج منكم. إذا جاء هذا الإيراد على شخص لا يعرف المجادلة قال: هذا نعم صحيح، فقال العامي: إننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، آمنوا برسولنا نزوجكم، وهذه حجة صحيحة أو لا؟ صحيحة لا شك، فإذا كانت صحيحة من عامي كان هذا دليلًا على أن المجادلة تكون غريزة وتكون بالمراس والتمرن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مفر لمن حاد الله ورسوله من عقوبة الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. من المعلوم أن (يعلم) تنصب مفعولين، فأين مفعولاها؟ جملة: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ماذا يسمى؟ يسمى تعليقًا، وذكرنا لكم أن (ظن) وأخواتها تكون عاملة ومعلقة وملغاة.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ هل هذا مدح أو ذم؟ ذم، طيب كيف يكون ذمًّا وقد أمر الله بمجادلة أهل الكتاب؟ يعني إذن نقول: المجادلة لإظهار الحق وبيانه مأمور بها، والمجادلة التي للعكس لإبطال الحق وإظهار الباطل هذه هي التي عليها الوعيد، تمام.
الشورى 42:33
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ [الشورى ٣٢] (من) للتبعيض، وآياته: علاماته الدالة على رحمته وقدرته وحكمته، ﴿الْجَوَارِ﴾: مبتدأ مؤخر، ولكنها معربة بتقدير الضمة على الياء المحذوفة للتخفيف، وأصل الجوار: الجواري بالياء، جمع جارية، والجارية هي السفينة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] من آيات الله عز وجل هذه السفن ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ على الماء ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: (كالجبال في العظم)، هذه السفن العظيمة المحملة بالأموال والأناسي والحيوان من آيات الله، أن تكون في هذا البحر المتلاطم تمشي على الماء تمخر عباب الماء بما فيها من الأرزاق، لا شك أنها من آيات الله عز وجل.
هدد الله تبارك وتعالى راكبيها بما يلي: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى ٣٣] هذا أدنى عقوبة، يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره، لماذا؟ لأن السفن سابقًا إنما تمشي حسب الرياح؛ لأنها تمشي على شراع يوضع طويل فتصدم به الرياح فتسير، فإذا سكنت الرياح وقفت، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ أي الجواري ﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر، وحينئذ تتعطل المصالح، وربما تأتي ريح عاصف تقصف بالسفينة فتغرقها.
فالأحوال إذن ثلاثة: إما رياح طيبة تسير بها السفينة على ما ينبغي، وإما رياح عاصفة تغرق السفينة، وإما سكون، ماذا يكون بالسكون؟ تقف رواكد على ظهر الماء، فهو سبحانه وتعالى يبين أن من آياته سير هذه السفن.
﴿﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ ﴾ يصرن ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثوابت لا تجري ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ﴾) أي: ظهر البحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ من آياته.
ثم قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأن التبعيض بعض الشيء، فإذا كان الشيء ألفًا فبعضه قد يكون مئتين أو ثلاث مئة، وإذا كان الشيء اثنين فالبعض واحد، السفن كثيرة لا تحصى، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ باعتبار السفن الكثيرة التي تجري على البحر، وربما نقول باعتبار السفينة الواحدة مما يشاهده ركابها في البحر من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله. ولهذا يحدثنا الذين يذهبون في البحر لاصطياد السمك يحدثوننا عن عجائب مما يشاهدون من السمك باختلاف أنواعها واختلاف ذواتها كبرًا وصغرًا وشكلًا مما هو من أعظم آيات الله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار صيغة مبالغة، أي: كثير الصبر، شكور: كثير الشكر، فما وجه الجمع بين الصبر والشكر؟
وجهه ظاهر؛ لأن هذه السفن إن جرت على ما ينبغي فوظيفة الإنسان الشكر، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفته الصبر، فالصابر والشاكر كلاهما سيرى من آيات الله عز وجل في هذه السفن ما يوقن أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه رحيم بالعباد، وغير ذلك مما سيراه.
قال: (هو المؤمن يصبر في الشِّدَّة وَيشكر في الرخاء) وقد يقال: المؤمن والكافر، لكن الكافر يصبر ولا يشكر، المؤمن يصبر ويشكر، يصبر في موضع الصبر ويشكر في موضع الشكر، الكافر يصبر في موضع الصبر ويتحمل، ولكن لا يشكر في موضع الشكر، وإنما يزداد بطرًا وأشرًا.
(﴿أَوْ يُوبِقهُنَّ﴾ عطف على يسكن، أي: يغرقهنَّ بعصف الريح بأهلهنَّ) هذا قسم ثالث: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وإن يشأ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أي: يغرقهن ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب كسبهم، فما هو الكسب الذي يؤدي إلى العقوبة؟ المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾.
قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ليست معطوفة على (يسكن)؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق أو يعف عن كثير، وهذا فاسد، ولكن المعنى: يوبقهن بما كسبوا، و(يعف) جملة استئنافية لكنها حذفت الواو للتخفيف، المعنى أن الله تعالى يعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها (﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِير﴾ منها فلا يغرق أهله).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال المؤلف المفسر: (بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم).
أولًا: فيها قراءتان: ﴿﴿ويعلمُ﴾ ﴾، ﴿وَيَعْلَمَ﴾، على قراءة الرفع الواو استئنافية، التقدير: وهو يعلم الذين يجادلون. وعلى قراءة النصب وجهها المؤلف بأنها معطوفة على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم، قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ﴾ تجد أن الكلام لا يتناسب إلا إذا قدَّر ما يناسبه، المقدَّر على كلام المؤلف أي: يغرقهم لينتقم منهم، أي: وليعلم ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى ٣٥] أي: (مهرب من العذاب).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الذين فاعل ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ المجادلة هي المناظرة والمخاصمة، مأخوذة من الجدْل، وهو الفتل، يقال: جدَل الحبلَ، أي: فتله، وسُمي المناظر مجادلًا لأن كل واحد من المتناظرين يفتل حجته لتقوى على حجة الآخر، هذا أصل المجادلة، وهي المنازعة والمخاصمة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ ليثبتوا الباطل ويبطلوا الحق.
تأمل مجادلة المشركين للأنبياء ما قصدهم؟ إبطال الحق الذي جاءت به الرسل وإثبات الباطل الذي هم عليه؛ ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ما لهم: (ما) نافية، وهل يصح أن تكون هنا حجازية؟ لا يصح، لماذا؟ لعدم الترتيب، حيث قدم الخبر، إذن (ما) نفيها مجرد، لا تعمل، ومحيص: مبتدأ مؤخر دخلت عليه (من) الزائدة، والمحيص: المهرب؛ قال: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل) هذا جواب سؤال مقدر وهو أين مفعولا يعلم؟ لأن يعلم من أفعال القلوب التي تنصب المبتدأ والخبر، يعني أنها من أخوات (ظن)، تنصب مفعولين، أين المفعولان؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن عملها معلق الآن، معلق لماذا؟ للنفي، فجملة النفي سدت مسد المفعولين، وهذا يعلم من درس النحو؛ لأن أفعال القلوب إما أن تعمل، وإما أن تعلق، وإما أن تلغى، إذا ألغيت بطل عملها في المحل واللفظ، وإذا عُلقت بقي عملها في المحل دون اللفظ، وإذا عملت عملت باللفظ والمحل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التهديد بإغراق السفن؛ لقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾، وقد علمتم قبل قليل أن الرياح بالنسبة للسفن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ريح مناسبة طيبة، وريح عاصفة مدمرة مغرقة، وريح ساكنة تبقى السفينة راكدة على ظهر الماء، فمن فوائدها: التهديد بإغراق السفن بالمعاصي.
* ومن فوائد الآية: التحذير من المعاصي وأنها سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني حتى مع إغراق السفن يعفو الله تبارك وتعالى عن كثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك العصاة بأنه ليس لهم مهرب من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾.
* ومنها: ذم المجادلة لإبطال الحق، تؤخذ من قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾، أما المجادلة لإثبات الحق فإنها واجبة، حيث كان الإنسان يجيدها ويحسنها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦].
فالمجادلة لإثبات الحق وإبطال الباطل واجبة، لكن بشرط أن يكون عند الإنسان علم بما يجادل به، فإن لم يكن له علم فالواجب ألا يجادل؛ لأنه إذا جادل لإثبات الحق بدون علم فقد تنعكس القضية عليه، يورد عليه من الشبهات ما لا يستطيع دفعه، وحينئذ ينقطع. وانقطاع المجادل بالحق ليس ضرره على نفسه، بل هو على نفسه وعلى الحق الذي يجادل من أجل إثباته.
وهل المجادلة تحصل بالغريزة أو بالمران؟ الجواب: بهما كليهما، قد يعطي الله سبحانه وتعالى الإنسان قوة حجة وقريحة وسرعة إجابة، وهذا من الله عز وجل، وقد يكون قليلًا من هذه الناحية في أصل خلقته ولكن مع المجادلة يتمرن.
ولهذا كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يحرر مسألة ويثبتها فرض نفسه مع مجادل، فيورد على نفسه إشكالًا ثم يجيب عنه، ثم إشكالًا ثم يجيب عنه حتى يتمرن على المجادلة.
ويذكر أن عاميًّا يجادله نصراني يقول له: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: بم؟ قال: لأنكم تجيزون أن تتزوجوا منا ولا تجيزون أن نتزوج منكم. إذا جاء هذا الإيراد على شخص لا يعرف المجادلة قال: هذا نعم صحيح، فقال العامي: إننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، آمنوا برسولنا نزوجكم، وهذه حجة صحيحة أو لا؟ صحيحة لا شك، فإذا كانت صحيحة من عامي كان هذا دليلًا على أن المجادلة تكون غريزة وتكون بالمراس والتمرن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مفر لمن حاد الله ورسوله من عقوبة الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. من المعلوم أن (يعلم) تنصب مفعولين، فأين مفعولاها؟ جملة: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ماذا يسمى؟ يسمى تعليقًا، وذكرنا لكم أن (ظن) وأخواتها تكون عاملة ومعلقة وملغاة.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ هل هذا مدح أو ذم؟ ذم، طيب كيف يكون ذمًّا وقد أمر الله بمجادلة أهل الكتاب؟ يعني إذن نقول: المجادلة لإظهار الحق وبيانه مأمور بها، والمجادلة التي للعكس لإبطال الحق وإظهار الباطل هذه هي التي عليها الوعيد، تمام.
الشورى 42:34
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ [الشورى ٣٢] (من) للتبعيض، وآياته: علاماته الدالة على رحمته وقدرته وحكمته، ﴿الْجَوَارِ﴾: مبتدأ مؤخر، ولكنها معربة بتقدير الضمة على الياء المحذوفة للتخفيف، وأصل الجوار: الجواري بالياء، جمع جارية، والجارية هي السفينة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] من آيات الله عز وجل هذه السفن ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ على الماء ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: (كالجبال في العظم)، هذه السفن العظيمة المحملة بالأموال والأناسي والحيوان من آيات الله، أن تكون في هذا البحر المتلاطم تمشي على الماء تمخر عباب الماء بما فيها من الأرزاق، لا شك أنها من آيات الله عز وجل.
هدد الله تبارك وتعالى راكبيها بما يلي: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى ٣٣] هذا أدنى عقوبة، يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره، لماذا؟ لأن السفن سابقًا إنما تمشي حسب الرياح؛ لأنها تمشي على شراع يوضع طويل فتصدم به الرياح فتسير، فإذا سكنت الرياح وقفت، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ أي الجواري ﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر، وحينئذ تتعطل المصالح، وربما تأتي ريح عاصف تقصف بالسفينة فتغرقها.
فالأحوال إذن ثلاثة: إما رياح طيبة تسير بها السفينة على ما ينبغي، وإما رياح عاصفة تغرق السفينة، وإما سكون، ماذا يكون بالسكون؟ تقف رواكد على ظهر الماء، فهو سبحانه وتعالى يبين أن من آياته سير هذه السفن.
﴿﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ ﴾ يصرن ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثوابت لا تجري ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ﴾) أي: ظهر البحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ من آياته.
ثم قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأن التبعيض بعض الشيء، فإذا كان الشيء ألفًا فبعضه قد يكون مئتين أو ثلاث مئة، وإذا كان الشيء اثنين فالبعض واحد، السفن كثيرة لا تحصى، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ باعتبار السفن الكثيرة التي تجري على البحر، وربما نقول باعتبار السفينة الواحدة مما يشاهده ركابها في البحر من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله. ولهذا يحدثنا الذين يذهبون في البحر لاصطياد السمك يحدثوننا عن عجائب مما يشاهدون من السمك باختلاف أنواعها واختلاف ذواتها كبرًا وصغرًا وشكلًا مما هو من أعظم آيات الله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار صيغة مبالغة، أي: كثير الصبر، شكور: كثير الشكر، فما وجه الجمع بين الصبر والشكر؟
وجهه ظاهر؛ لأن هذه السفن إن جرت على ما ينبغي فوظيفة الإنسان الشكر، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفته الصبر، فالصابر والشاكر كلاهما سيرى من آيات الله عز وجل في هذه السفن ما يوقن أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه رحيم بالعباد، وغير ذلك مما سيراه.
قال: (هو المؤمن يصبر في الشِّدَّة وَيشكر في الرخاء) وقد يقال: المؤمن والكافر، لكن الكافر يصبر ولا يشكر، المؤمن يصبر ويشكر، يصبر في موضع الصبر ويشكر في موضع الشكر، الكافر يصبر في موضع الصبر ويتحمل، ولكن لا يشكر في موضع الشكر، وإنما يزداد بطرًا وأشرًا.
(﴿أَوْ يُوبِقهُنَّ﴾ عطف على يسكن، أي: يغرقهنَّ بعصف الريح بأهلهنَّ) هذا قسم ثالث: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وإن يشأ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أي: يغرقهن ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب كسبهم، فما هو الكسب الذي يؤدي إلى العقوبة؟ المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾.
قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ليست معطوفة على (يسكن)؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق أو يعف عن كثير، وهذا فاسد، ولكن المعنى: يوبقهن بما كسبوا، و(يعف) جملة استئنافية لكنها حذفت الواو للتخفيف، المعنى أن الله تعالى يعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها (﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِير﴾ منها فلا يغرق أهله).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال المؤلف المفسر: (بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم).
أولًا: فيها قراءتان: ﴿﴿ويعلمُ﴾ ﴾، ﴿وَيَعْلَمَ﴾، على قراءة الرفع الواو استئنافية، التقدير: وهو يعلم الذين يجادلون. وعلى قراءة النصب وجهها المؤلف بأنها معطوفة على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم، قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ﴾ تجد أن الكلام لا يتناسب إلا إذا قدَّر ما يناسبه، المقدَّر على كلام المؤلف أي: يغرقهم لينتقم منهم، أي: وليعلم ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى ٣٥] أي: (مهرب من العذاب).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الذين فاعل ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ المجادلة هي المناظرة والمخاصمة، مأخوذة من الجدْل، وهو الفتل، يقال: جدَل الحبلَ، أي: فتله، وسُمي المناظر مجادلًا لأن كل واحد من المتناظرين يفتل حجته لتقوى على حجة الآخر، هذا أصل المجادلة، وهي المنازعة والمخاصمة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ ليثبتوا الباطل ويبطلوا الحق.
تأمل مجادلة المشركين للأنبياء ما قصدهم؟ إبطال الحق الذي جاءت به الرسل وإثبات الباطل الذي هم عليه؛ ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ما لهم: (ما) نافية، وهل يصح أن تكون هنا حجازية؟ لا يصح، لماذا؟ لعدم الترتيب، حيث قدم الخبر، إذن (ما) نفيها مجرد، لا تعمل، ومحيص: مبتدأ مؤخر دخلت عليه (من) الزائدة، والمحيص: المهرب؛ قال: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل) هذا جواب سؤال مقدر وهو أين مفعولا يعلم؟ لأن يعلم من أفعال القلوب التي تنصب المبتدأ والخبر، يعني أنها من أخوات (ظن)، تنصب مفعولين، أين المفعولان؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن عملها معلق الآن، معلق لماذا؟ للنفي، فجملة النفي سدت مسد المفعولين، وهذا يعلم من درس النحو؛ لأن أفعال القلوب إما أن تعمل، وإما أن تعلق، وإما أن تلغى، إذا ألغيت بطل عملها في المحل واللفظ، وإذا عُلقت بقي عملها في المحل دون اللفظ، وإذا عملت عملت باللفظ والمحل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التهديد بإغراق السفن؛ لقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾، وقد علمتم قبل قليل أن الرياح بالنسبة للسفن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ريح مناسبة طيبة، وريح عاصفة مدمرة مغرقة، وريح ساكنة تبقى السفينة راكدة على ظهر الماء، فمن فوائدها: التهديد بإغراق السفن بالمعاصي.
* ومن فوائد الآية: التحذير من المعاصي وأنها سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني حتى مع إغراق السفن يعفو الله تبارك وتعالى عن كثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك العصاة بأنه ليس لهم مهرب من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾.
* ومنها: ذم المجادلة لإبطال الحق، تؤخذ من قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾، أما المجادلة لإثبات الحق فإنها واجبة، حيث كان الإنسان يجيدها ويحسنها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦].
فالمجادلة لإثبات الحق وإبطال الباطل واجبة، لكن بشرط أن يكون عند الإنسان علم بما يجادل به، فإن لم يكن له علم فالواجب ألا يجادل؛ لأنه إذا جادل لإثبات الحق بدون علم فقد تنعكس القضية عليه، يورد عليه من الشبهات ما لا يستطيع دفعه، وحينئذ ينقطع. وانقطاع المجادل بالحق ليس ضرره على نفسه، بل هو على نفسه وعلى الحق الذي يجادل من أجل إثباته.
وهل المجادلة تحصل بالغريزة أو بالمران؟ الجواب: بهما كليهما، قد يعطي الله سبحانه وتعالى الإنسان قوة حجة وقريحة وسرعة إجابة، وهذا من الله عز وجل، وقد يكون قليلًا من هذه الناحية في أصل خلقته ولكن مع المجادلة يتمرن.
ولهذا كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يحرر مسألة ويثبتها فرض نفسه مع مجادل، فيورد على نفسه إشكالًا ثم يجيب عنه، ثم إشكالًا ثم يجيب عنه حتى يتمرن على المجادلة.
ويذكر أن عاميًّا يجادله نصراني يقول له: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: بم؟ قال: لأنكم تجيزون أن تتزوجوا منا ولا تجيزون أن نتزوج منكم. إذا جاء هذا الإيراد على شخص لا يعرف المجادلة قال: هذا نعم صحيح، فقال العامي: إننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، آمنوا برسولنا نزوجكم، وهذه حجة صحيحة أو لا؟ صحيحة لا شك، فإذا كانت صحيحة من عامي كان هذا دليلًا على أن المجادلة تكون غريزة وتكون بالمراس والتمرن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مفر لمن حاد الله ورسوله من عقوبة الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. من المعلوم أن (يعلم) تنصب مفعولين، فأين مفعولاها؟ جملة: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ماذا يسمى؟ يسمى تعليقًا، وذكرنا لكم أن (ظن) وأخواتها تكون عاملة ومعلقة وملغاة.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ هل هذا مدح أو ذم؟ ذم، طيب كيف يكون ذمًّا وقد أمر الله بمجادلة أهل الكتاب؟ يعني إذن نقول: المجادلة لإظهار الحق وبيانه مأمور بها، والمجادلة التي للعكس لإبطال الحق وإظهار الباطل هذه هي التي عليها الوعيد، تمام.
الشورى 42:35
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ [الشورى ٣٢] (من) للتبعيض، وآياته: علاماته الدالة على رحمته وقدرته وحكمته، ﴿الْجَوَارِ﴾: مبتدأ مؤخر، ولكنها معربة بتقدير الضمة على الياء المحذوفة للتخفيف، وأصل الجوار: الجواري بالياء، جمع جارية، والجارية هي السفينة كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة ١١] من آيات الله عز وجل هذه السفن ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ على الماء ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: (كالجبال في العظم)، هذه السفن العظيمة المحملة بالأموال والأناسي والحيوان من آيات الله، أن تكون في هذا البحر المتلاطم تمشي على الماء تمخر عباب الماء بما فيها من الأرزاق، لا شك أنها من آيات الله عز وجل.
هدد الله تبارك وتعالى راكبيها بما يلي: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى ٣٣] هذا أدنى عقوبة، يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره، لماذا؟ لأن السفن سابقًا إنما تمشي حسب الرياح؛ لأنها تمشي على شراع يوضع طويل فتصدم به الرياح فتسير، فإذا سكنت الرياح وقفت، ولهذا قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ أي الجواري ﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: على ظهر البحر، وحينئذ تتعطل المصالح، وربما تأتي ريح عاصف تقصف بالسفينة فتغرقها.
فالأحوال إذن ثلاثة: إما رياح طيبة تسير بها السفينة على ما ينبغي، وإما رياح عاصفة تغرق السفينة، وإما سكون، ماذا يكون بالسكون؟ تقف رواكد على ظهر الماء، فهو سبحانه وتعالى يبين أن من آياته سير هذه السفن.
﴿﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ ﴾ يصرن ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثوابت لا تجري ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ﴾) أي: ظهر البحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ من آياته.
ثم قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأن التبعيض بعض الشيء، فإذا كان الشيء ألفًا فبعضه قد يكون مئتين أو ثلاث مئة، وإذا كان الشيء اثنين فالبعض واحد، السفن كثيرة لا تحصى، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ باعتبار السفن الكثيرة التي تجري على البحر، وربما نقول باعتبار السفينة الواحدة مما يشاهده ركابها في البحر من الآيات العظيمة الدالة على كمال قدرة الله. ولهذا يحدثنا الذين يذهبون في البحر لاصطياد السمك يحدثوننا عن عجائب مما يشاهدون من السمك باختلاف أنواعها واختلاف ذواتها كبرًا وصغرًا وشكلًا مما هو من أعظم آيات الله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ صبار صيغة مبالغة، أي: كثير الصبر، شكور: كثير الشكر، فما وجه الجمع بين الصبر والشكر؟
وجهه ظاهر؛ لأن هذه السفن إن جرت على ما ينبغي فوظيفة الإنسان الشكر، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفته الصبر، فالصابر والشاكر كلاهما سيرى من آيات الله عز وجل في هذه السفن ما يوقن أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وأنه رحيم بالعباد، وغير ذلك مما سيراه.
قال: (هو المؤمن يصبر في الشِّدَّة وَيشكر في الرخاء) وقد يقال: المؤمن والكافر، لكن الكافر يصبر ولا يشكر، المؤمن يصبر ويشكر، يصبر في موضع الصبر ويشكر في موضع الشكر، الكافر يصبر في موضع الصبر ويتحمل، ولكن لا يشكر في موضع الشكر، وإنما يزداد بطرًا وأشرًا.
(﴿أَوْ يُوبِقهُنَّ﴾ عطف على يسكن، أي: يغرقهنَّ بعصف الريح بأهلهنَّ) هذا قسم ثالث: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وإن يشأ ﴿يُوبِقْهُنَّ﴾ أي: يغرقهن ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب كسبهم، فما هو الكسب الذي يؤدي إلى العقوبة؟ المعاصي، إما بترك الواجبات وإما بفعل المحرمات، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾.
قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ليست معطوفة على (يسكن)؛ لأنه يفسد المعنى؛ إذ يكون المعنى: إن يشأ يسكن أو يوبق أو يعف عن كثير، وهذا فاسد، ولكن المعنى: يوبقهن بما كسبوا، و(يعف) جملة استئنافية لكنها حذفت الواو للتخفيف، المعنى أن الله تعالى يعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها (﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِير﴾ منها فلا يغرق أهله).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال المؤلف المفسر: (بالرفع مستأنف، وبالنصب معطوف على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم).
أولًا: فيها قراءتان: ﴿﴿ويعلمُ﴾ ﴾، ﴿وَيَعْلَمَ﴾، على قراءة الرفع الواو استئنافية، التقدير: وهو يعلم الذين يجادلون. وعلى قراءة النصب وجهها المؤلف بأنها معطوفة على تعليل مقدر، أي: يغرقهم لينتقم منهم ويعلم، قال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ﴾ تجد أن الكلام لا يتناسب إلا إذا قدَّر ما يناسبه، المقدَّر على كلام المؤلف أي: يغرقهم لينتقم منهم، أي: وليعلم ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى ٣٥] أي: (مهرب من العذاب).
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ الذين فاعل ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ المجادلة هي المناظرة والمخاصمة، مأخوذة من الجدْل، وهو الفتل، يقال: جدَل الحبلَ، أي: فتله، وسُمي المناظر مجادلًا لأن كل واحد من المتناظرين يفتل حجته لتقوى على حجة الآخر، هذا أصل المجادلة، وهي المنازعة والمخاصمة ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ ليثبتوا الباطل ويبطلوا الحق.
تأمل مجادلة المشركين للأنبياء ما قصدهم؟ إبطال الحق الذي جاءت به الرسل وإثبات الباطل الذي هم عليه؛ ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ما لهم: (ما) نافية، وهل يصح أن تكون هنا حجازية؟ لا يصح، لماذا؟ لعدم الترتيب، حيث قدم الخبر، إذن (ما) نفيها مجرد، لا تعمل، ومحيص: مبتدأ مؤخر دخلت عليه (من) الزائدة، والمحيص: المهرب؛ قال: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيص﴾ مهرب من العذاب، وجملة النفي سدت مسد مفعولي يعلم، والنفي معلق عن العمل) هذا جواب سؤال مقدر وهو أين مفعولا يعلم؟ لأن يعلم من أفعال القلوب التي تنصب المبتدأ والخبر، يعني أنها من أخوات (ظن)، تنصب مفعولين، أين المفعولان؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن عملها معلق الآن، معلق لماذا؟ للنفي، فجملة النفي سدت مسد المفعولين، وهذا يعلم من درس النحو؛ لأن أفعال القلوب إما أن تعمل، وإما أن تعلق، وإما أن تلغى، إذا ألغيت بطل عملها في المحل واللفظ، وإذا عُلقت بقي عملها في المحل دون اللفظ، وإذا عملت عملت باللفظ والمحل.
* في هذه الآية الكريمة فوائد:
* منها: التهديد بإغراق السفن؛ لقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾، وقد علمتم قبل قليل أن الرياح بالنسبة للسفن تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ريح مناسبة طيبة، وريح عاصفة مدمرة مغرقة، وريح ساكنة تبقى السفينة راكدة على ظهر الماء، فمن فوائدها: التهديد بإغراق السفن بالمعاصي.
* ومن فوائد الآية: التحذير من المعاصي وأنها سبب للعقوبات؛ لقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يعفو عن كثير من السيئات فلا يعاقب عليها؛ لقوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني حتى مع إغراق السفن يعفو الله تبارك وتعالى عن كثير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك العصاة بأنه ليس لهم مهرب من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾.
* ومنها: ذم المجادلة لإبطال الحق، تؤخذ من قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾، أما المجادلة لإثبات الحق فإنها واجبة، حيث كان الإنسان يجيدها ويحسنها، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦].
فالمجادلة لإثبات الحق وإبطال الباطل واجبة، لكن بشرط أن يكون عند الإنسان علم بما يجادل به، فإن لم يكن له علم فالواجب ألا يجادل؛ لأنه إذا جادل لإثبات الحق بدون علم فقد تنعكس القضية عليه، يورد عليه من الشبهات ما لا يستطيع دفعه، وحينئذ ينقطع. وانقطاع المجادل بالحق ليس ضرره على نفسه، بل هو على نفسه وعلى الحق الذي يجادل من أجل إثباته.
وهل المجادلة تحصل بالغريزة أو بالمران؟ الجواب: بهما كليهما، قد يعطي الله سبحانه وتعالى الإنسان قوة حجة وقريحة وسرعة إجابة، وهذا من الله عز وجل، وقد يكون قليلًا من هذه الناحية في أصل خلقته ولكن مع المجادلة يتمرن.
ولهذا كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يحرر مسألة ويثبتها فرض نفسه مع مجادل، فيورد على نفسه إشكالًا ثم يجيب عنه، ثم إشكالًا ثم يجيب عنه حتى يتمرن على المجادلة.
ويذكر أن عاميًّا يجادله نصراني يقول له: أنتم أيها المسلمون ظلمة، قال: بم؟ قال: لأنكم تجيزون أن تتزوجوا منا ولا تجيزون أن نتزوج منكم. إذا جاء هذا الإيراد على شخص لا يعرف المجادلة قال: هذا نعم صحيح، فقال العامي: إننا نؤمن برسولكم ولا تؤمنون برسولنا، آمنوا برسولنا نزوجكم، وهذه حجة صحيحة أو لا؟ صحيحة لا شك، فإذا كانت صحيحة من عامي كان هذا دليلًا على أن المجادلة تكون غريزة وتكون بالمراس والتمرن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا مفر لمن حاد الله ورسوله من عقوبة الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾. من المعلوم أن (يعلم) تنصب مفعولين، فأين مفعولاها؟ جملة: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ماذا يسمى؟ يسمى تعليقًا، وذكرنا لكم أن (ظن) وأخواتها تكون عاملة ومعلقة وملغاة.
قوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ هل هذا مدح أو ذم؟ ذم، طيب كيف يكون ذمًّا وقد أمر الله بمجادلة أهل الكتاب؟ يعني إذن نقول: المجادلة لإظهار الحق وبيانه مأمور بها، والمجادلة التي للعكس لإبطال الحق وإظهار الباطل هذه هي التي عليها الوعيد، تمام.
الشورى 42:36
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني أي شيء أوتيتموه من زخارف الدنيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قوله: ﴿فَمَتَاعُ﴾ الفاء رابطة لجواب الشرط، وهو قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأن (ما) هنا شرطية، و(من شيء) بيان لها، وجملة (فمتاع) هذه جواب الشرط، وعلى هذا فنقول: إن (متاع) خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: فهو متاع الحياة الدنيا.
قال: (يُتمتَّع فيها ثم يزول ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلى آخره، (ما) هنا اسم موصول بمعنى (الذي)، و(خير) خبر المبتدأ، ﴿وَأَبْقَى﴾ فوصفه الله بوصفين مهمين جدًّا: الأول: أنه خير، والثاني: أنه أبقى؛ لأن ما في الدنيا فهو متاع زائل منغص، لا يكاد يمر بك أسبوع إلا وجدت التنغيص، وهذا على حد قول الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرّْ
أما الآخرة فهي خير محض، ليس فيه شر، وأيضًا هو أبقى، يعني أدوم، متاع الدنيا قليل يزول سريعًا، بخلاف ما عند الله عز وجل، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بأيش؟ بكل ما يجب الإيمان به، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الإيمان فقال له: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١)، من حديث عمر بن الخطاب.]]. إذن آمنوا بما يجب الإيمان به، هذه العبارة لتشمل كل شيء ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، قدم المعمول لإفادة الحصر والعناية به.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الرب هو الخالق المالك المدبر، ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: يعتمدون ويفوضون أمرهم إليه تبارك وتعالى، والتوكلُ فسره بعضهم بأنه: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله تبارك وتعالى. (صدق الاعتماد على الله) يعني: أن تعتمد على الله اعتمادًا صادقًا لا تلتفت لسواه، (في جلب المنافع ودفع المضار)، زد (مع الثقة بالله عز وجل) يعني: تعتمد عليه عز وجل وأنت واثق بأنه حسبك وسيعينك.
والتوكل على الله نصف الدين؛ كما قال عز وجل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥] إذ لا يمكن للإنسان أن يأتي بشرائع الإسلام إلا بالتوكل على الله والاعتماد عليه، انظر إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإلى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣] تجد أن الله تعالى قسم الدين إلى قسمين: عبادة واستعانة.
﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ﴾ الخطاب يقول المفسر: (للمؤمنين وغيرهم ﴿مِنْ شَيْء﴾ من أثاث الدنيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ﴾). قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، (مِن) هذه زائدة لبيان العموم، أي: أي شيء تؤتونه من أمور الدنيا فإنه متاع الحياة الدنيا.
وقوله: (الخطاب للمؤمنين وغيرهم) صحيح؛ لأن هذا يخاطب به المؤمن والكافر، المؤمن يتمتع في الدنيا، ولكنهم يتمتعون كما تتمتع الأنعام والنار مثوى لهم، والمؤمن يتمتع بالدنيا ولكنه إذا قام بعمل الآخرة صار نعيمه في الدنيا وفي الآخرة.
(﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتمتع به فيها ثم يزول) هذا هو الواقع أن متاع الحياة الدنيا يزول أو يزال عنه، يعني: إما هذا وإما هذا، لو قدر أن الإنسان يبقى غنيًّا صحيح الجسم آمن المقام، أليس من الجائز أن يسلب هذا؟ بلى، فيكون متاعًا قد زال، فإن لم يزل عنه زال الإنسان عنه، من الذي مُتع أبد الآبدين؟ لا يوجد، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٣٤]، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، (ما) هذه اسم موصول مبتدأ، و(خير) خبره. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: خير من متاع الدنيا في ذاته ونوعه وكل متعه، ﴿وَأَبْقَى﴾ أي: أدوم؛ لأن متاع الدنيا يزول، فنعيم الآخرة جمع بين الوصفين: أنه خير، وأنه أبقى؛ فباعتبار نوعه وجنسه وأصنافه هو خير، وباعتبار بقائه هو أبقى، والإنسان لا يريد من النعيم إلا هذا، لا يريد إلا الأكمل والأبقى حتى لا يزول عنه، لكن لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
واعلم أن مثل هذه العبارة وردت على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يخاطب بها الشخص بعينه، فيقال له: إن الآخرة خير لك.
والثاني: أن تأتي مقيدة بأوصاف محبوبة مطلوبة.
والثالث: أن تأتي مطلقة.
اسمع قول الله عز وحل لنبيه ﷺ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، فالآن نشهد أن الآخرة للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خير له من الأولى، هذا قيد بشخص معين، المقيد بأوصاف كالآية التي معنا، وكقوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [يوسف ١٠٩] فهذه مقيدة بأوصاف.
الثالثة: مطلقة؛ كقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] لكن هذا المطلق يحمل على المقيد، أو يقال هذا باعتبار وصفه لا باعتبار من يحصل له، فيقول من حيث الإجمال: الآخرة خير وأبقى، أما من حيث التفصيل فيفصل في كل موضع بحسبه.
يقول الله عز وجل: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إلى آخره.
* ففي هذه الآية فوائد: منها التزهيد في الدنيا وأنها زائلة.
* ومن فوائدها: إنذار الكفار بأن ما هم فيه من النعيم ليس بشيء بالنسبة لنعيم الآخرة.
وذكر أهل التاريخ أن ابن حجر رحمه الله صاحب فتح الباري كان قاضي القضاة في مصر، فمر ذات يوم برجل يهودي زيات -يعني يعمل في الزيت- كل ثيابه وسخة وأوانيه وفي تعب شديد، فمر ابن حجر العسقلاني رحمه الله وهو قاضي القضاة مر بمركبه تجره الخيول أو البغال وفي أبهة، فأوقفه اليهودي وقال: ما تقولون في قول نبيكم: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة.]]، كيف يتفق هذا مع الحال التي نحن عليها الآن؟ أنت مؤمن وفي هذا النعيم، واليهودي يهودي وفي هذا العناء والتعب، كيف يتفق؟! فأجابه الحافظ ابن حجر بجواب على البديهة فقال: ما أنا فيه من النعيم بالنسبة لنعيم الآخرة سجن؛ لأن الآخرة خير، وهذا ليس بشيء، وأنت بما أنت فيه من العناء بالنسبة لعذاب النار في جنة. فقال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. آمن على طول لأن هذا دخل عقله وأن ما قاله الرسول حق. الدنيا مهما كانت فهي بالنسبة للآخرة سجن، ما هي شيء، ولكن الدنيا مهما كانت من الضيق فهي بالنسبة للنار جنة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن حياتنا هذه دنيا، دنيا من الدنو، أي: القرب، أو من الدناءة، أي: الخسة والحقارة، تشمل المعنيين جميعًا، فهي قريبة؛ لأنها سابقة على الآخرة، من حين يولد الإنسان وهو فيها، وهي دنيئة أي: حقيرة بالنسبة ليش؟ بالنسبة للآخرة. إذن دنيا مؤنث أدون، وهي إما من الدنو وإما من الدناءة والحقارة، ففيها تحقير الدنيا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عند الله خير من الدنيا بأجمعها؛ لقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. إذن في الآية التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة.
* من فوائد الآية الكريمة: الثناء على من جمع بين الإيمان والتوكل؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
* من فوائدها: أن التوكل عبادة يجب إفراد الله به، وجه الدلالة: تقديم المعمول، هذا دليل وجوب إفراد الله به، وأما الدليل على أنه عباده فلأن الله تعالى ذكره في مقام الثناء ولا ثناء إلا في عبادة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الجمع بين هذه الصفات المذكورة؛ لأن كل صفة منها صفة مدح لا شك، لكن اجتماعها يكون أكمل، أرأيت لو وصفت إنسانًا بالكرم فقلت: فلان كريم، أليس مدحًا؟ طيب، إذا قلت: شجاع انضم الآن الكرم إلى الشجاعة، وانضمام الصفتين بعضهما إلى بعض يولد صفة ثالثة وهو جمعه بين الصفات، طيب وهكذا نقول في كل الصفات المتعددة: أن جمعها يزيد الموصوف بها ثناء.
* من فوائد الآية الكريمة: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ حيث قدم المعمول.
فإن قال قائل: أيجوز أن يتوكل على الغير فيما يقدر عليه؟ الجواب: نعم، ولكن لا يجعل هذا التوكل تفويضًا يتعلق القلب به؛ لأن هناك فرقًا بين أن أقول: يا فلان وكلتك تشتري لي كذا وكذا، هنا أعتمد عليه لكني لا أفوض الأمر إليه، بل أنا حينما أقول: يا فلان اشتر لي كذا وكذا أعتبر نفسي فوقه ولَّا دونه؟ فوقه؛ لأني أنا الآن الذي بيدي الأمر آمره وأنهاه، لكن الاعتماد الذي هو التفويض المطلق هذا لا يكون إلا لله عز وجل، فإذا أورد علينا إنسان هذا الإيراد اللي ذكرته نقول: الجواب سهل، التوكيل في الشيء لا يدل على التفويض المطلق، التوكيل على الشيء لا يتعلق القلب بنفس المتوكل عليه، بخلاف التوكل على الله، فبهذا يظهر الفرق، ويقال للإنسان الذي وكل غيره: إنه ليس ناقص التوكل، بدليل أن الرسول عليه الصلاة والسلام وكل: «وكل علي بن أبي طالب في حجة الوداع أن ينحر عنه بقية هديه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧١٦)، ومسلم (١٣١٧ / ٣٤٨) من حديث علي بن أبي طالب.]].
وكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية، اسمع القصة: أعطاه النبي ﷺ دينارًا وقال: اشتر لي به أضحية، فاشترى أضحيتين بدينار، ثم باع واحدة منهما بدينار، فرجع إلى النبي ﷺ بأيش؟ بشاة ودينار، الرسول عليه الصلاة والسلام لم ينقصه شيء، ديناره الذي سلمه له رجع إليه، وشاته التي يريدها حصلت له، «فدعا له النبي ﷺ بالبركة في بيعه فكان لا يشتري شيئًا إلا ربح فيه حتى لو اشترى ترابًا لربح فيه»[[أخرجه أبو داود (٣٣٨٤) من حديث عروة بن الجعد.]] ببركة دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
العلماء أخذوا من هذه القصة جواز التصرف في مال الغير لمصلحة؛ لأن عروة تصرف؛ اشترى شاتين وهو مأمور بشاة واحدة، باع واحدة وهو لم يؤمر بالبيع، لكن هذا لمصلحة الغير، إلا أنه مع ذلك موقوف على إجازته، فلو أن هذا المتصرف قال له صاحبه: لا أرضى بهذا التصرف فإنه يرد، لو علمنا أن فلانًا يريد أن يبيع بيته قد عرضه للبيع وجاء شخص وبذل فيه مالًا كثيرًا، بذل مثل قيمته مرتين، فجاء رجل تقدم وباع، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؛ لأني أعرف أن الرجل عازم على بيع البيت، وهو إذا عزم على بيع البيت سيكون بيعه بثمن المثل، فإذا جاء إنسان بذل أكثر من قيمة المثل مرتين مثلًا، وتقدم شخص لم يوكل وباعه فالبيع صحيح؛ لأن هذا تصرف للغير بما يحبه، لكن لو فرض أن صاحب البيت قال: لا أجيز هذا، فحينئذ يرد البيع، فيبقى عاد إشكال آخر مع من؟ مع المشتري، المشتري يقول: أنا اشتريت ولا عليَّ منك أنت ويا صاحبك، أنا اشتريت، والموكل يقول: أنا لم أرضَ، والوكيل يقول: أنا راضٍ، فما الحل؟ الحل إذا كان الوكيل قد أخبر المشتري بأنه وكيل وأن البيت لفلان ثم قال فلان وهو الموكل: أنا لا أرضى بهذا البيع فسخ، وإلا بقي البيع وضمن الوكيل ما يطلبه الموكل. والله الموفق.
* طالب: لماذا أتى بالتعبير بالولي مع النصير مع أن الولي هو النصير؟
* الشيخ: لا، الولي هو الذي يتولى الأمور، وقد لا يستطيع المدافعة، يتولى أمورهم ولكن قد لا يستطيع أن يدافع، والنصير يستطيع أن يدافع، فليس لهم ولي يجلب الخيرات ولا نصير يدفع الشرور.
* طالب: أحسن الله إليك. قوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ما الجمع بينه وبين البلاء للمؤمن (...).
* الشيخ: الجواب أن هذا لمن أصيبوا، فيبين لهم أن هذا بما كسبت أيديهم لعلهم يتوبون ويرجعون إلى الله، وأما الإصابة بدون ذنب فهذه لرفعة الدرجات؛ لأن الإصابة يقابلها الصبر، لا بد من صبر عليها، والصبر درجة عالية لا ينالها إلا مَن وُفق لها، ولا يمكن أن يقال: صابر لمن لم يمسه أذى، ولهذا كان البلاء الذي للأنبياء مضاعفًا على البلاء الذي لغيرهم حتى في الأمراض، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «كان يوعك كما يوعك الرجلان منا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٤٨)، ومسلم (٢٥٧١ / ٤٥) من حديث ابن مسعود.]]. وشُدد عليه في الموت عليه الصلاة والسلام حتى يكون آخر حياته على أتم مقامات الصبر، أما إذا قيل ذلك في المذنبين فالمراد أن ينتهوا عن ذنوبهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه ما هي عقوبة من الله عز وجل، خزي يعني: ذل، أن هؤلاء المسيطرين المستكبرين سوف يعود أمرهم إلى ذل وفي الآخرة يعذبون.
* طالب: شيخ، ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ ما المقصود بالآيات هنا: الشرعية أم الكونية؟
* الشيخ: الكونية والشرعية، فالمجادلة في الآيات الكونية أن يقول: ليش يقدر الله كذا؟ ولماذا يقدر الله مثلًا على الشعب المسلم الحروب والفتن؟ وما أشبه ذلك، وفي الآيات الشرعية واضحة، يقول: ليش أوجب الله كذا؟ لماذا حرم كذا؟ وما أشبهه.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، المراد بذلك الجدال المراء الذي يُقصد به المغالبة، أما الذي يقصد به إثبات الحق فواجب، حتى قوله تعالى في الحج: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ [البقرة ١٩٧] هذا الجدال الذي من أجل أن يماري السفهاء أو بغير فائدة، أما لإثبات الحق فلا بد منه.
* طالب: هل تجب في (...).
* الشيخ: نعم يجب للمجادل لإثبات الحق أن تكون نيته إعلاء كلمة الله.
* طالب: إن شابه شيء من الرياء هذا يبطل؟
* الشيخ: يبطل، لكن يجب أن الإنسان يدافع الرياء، أو يقصد بالرياء أن يعلوَ على هذا العدو المجادل بالباطل، هذا ما فيه بأس.
* طالب: إحنا قلنا: إن قوله تعالى: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ زائدة؟
* الشيخ: لا، عدلنا عنها، قلنا: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قلنا: بيانية في الأول، ولكن تبين أن (ما) ليست نافية، لكنها زائدة لعموم النفي، أي: أي شيء أتيتموه فمتاع الحياة الدنيا.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨] فسرتنا أن رحمته بالمطر؟
* الشيخ: فسرها المؤلف.
* طالب: فهل يقال: إنه من أوقات الدعاء، الدعاء عند نزول المطر لأنه رحمة؟
* الشيخ: إحنا ذكرنا أن كلام المؤلف قاصر، المراد بنشر الرحمة ما يحدث من آثار المطر. نسأل الله تعالى أن يشملنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:37
قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْم﴾ [الشورى ٣٧] نص على أنه معطوف عليه لئلا يظن الظان أن الواو هنا للاستئناف، وعلى هذا فيكون من باب عطف الصفات وليس من باب عطف الأعيان، فالذين استجابوا لربهم هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.
هل لهذا نظير؛ أي عطف الأوصاف لموصوف واحد؟
الجواب: كثير، قال الله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١ - ٤]. قوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى ٣] ليس هو شيئًا آخر، بل هو الأول، فيكون هذا من باب عطف الأوصاف دون الأعيان.
أنت إذا قلت: قام زيد وعمرو وبكر وخالد، فهذا من باب عطف الأعيان؛ لأن الثاني غير الأول، وإذا قلت: جاء زيد الفاضل والكريم والشجاع، فهذا من باب عطف الأوصاف؛ لأن الثاني هو الأول، لكن اختلفت الصفة.
إذن فالعطف نوعان: عطف أعيان وعطف أوصاف. في الآيات التي معنا: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى ٣٧] هذه من باب عطف الأوصاف؛ لأن الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.
﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ كبائر جمع كبيرة، فما هي الكبيرة؟ الجواب: ما ذكر الشرع أنه كبيرة فهو كبيرة؛ كقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله. قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» وكان مُتَّكِئًا فجلس، فقال: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٧)، ومسلم (٨٨ / ١٤٤) من حديث أنس.]]. هنا نص على أنها كبيرة، أما ما لم ينص عليه الشرع فقد اختلف العلماء رحمهم الله في حد الكبيرة، وأقرب شيء ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: إن الكبيرة ما رُتب عليه عقوبة خاصة، يعني ما خُص بعقوبة.
وذلك أن المنهيات تنقسم إلى قسمين:
قسم فيها النهي أو التحريم أو ما أشبه ذلك، لكن ما ذكر فيه عقوبة، وقسم آخر ذكر فيه العقوبة، فيقول: ما ذكر فيه عقوبة خاصة فهو كبيرة.
إذا رُتب على الذنب لعنة؛ كقوله: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ»[[أخرجه مسلم (١٩٧٨ / ٤٤) من حديث علي بن أبي طالب.]] ماذا يكون؟ كبيرة؛ لأنه رتب عليه عقوبة خاصة، وهي اللعن، إذا رتب عليه السخط فهو كبيرة؛ كقول النبي ﷺ في المرأة يبيت زوجها ساخطًا عليها: «فَإِنَّ اللهَ يَسْخَطُ عَلَيْهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥١٩٤)، ومسلم (١٤٣٦ / ١٢٠) من حديث أبي هريرة بنحوه.]] هذا كبيرة، إذا قيل: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ، وَلَطَمَ الْخُدُودَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٩٤)، ومسلم (١٠٣ / ١٦٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، فهو كبيرة، ما الذي رُتب عليه؟ البراءة منه: ليس منا كذا، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢) من حديث أبي هريرة.]] مثله كبيرة؛ لأنه رُتب عليه عقوبة خاصة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه مسلم (٤٦ / ٧٣) من حديث أبي هريرة.]] كبيرة؛ لأنه رتب عليه نفي الإيمان.
إذن الكبيرة محدودة أو معدودة؟ محدودة، يعني تعرف بالحد دون العد، وأحسن ما قيل فيها ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله من أن الكبيرة ما رتب عليه عقوبة خاصة.
وقوله: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ بالنصب معطوفة على كبائر، أي: ويجتنبون الفواحش، قال: (وهي موجبات الحدود، من عطف البعض على الكل). فسر المؤلف رحمه الله الفواحش بأنها ما توجب الحد، فلنعدها: الزنا فاحشة، وهو بنص القرآن: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢].
نكاح ذوات المحارم فاحشة؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢] تأمل الآن أيما أعظم: نكاح ذوات المحارم أو الزنا؟ الأول؛ لأن الله قال فيه: ﴿كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. وفي الزنا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ولهذا كان القول الراجح أن الإنسان إذا زنى بمحارمه وجب رجمه، سواء كان محصنًا أم غير محصن.
طيب السرقة فاحشة أو غير فاحشة؟ فاحشة، المؤلف قال: كل اللي فيه حد فهو فاحشة.
قطع الطريق فاحشة؛ لأن فيه حدًّا.
الخمر فاحشة؟ هو عليه حد؟ الصحيح أن عقوبة الخمر ليست حدًّا، بل هي عقوبة، لكنها لا تنقص عن أربعين. الدليل أنها عقوبة أن شارب الخمر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يؤتى به فيضربه الناس؛ اللي يضرب بيده، واللي يضرب بثوبه والذي يضرب بنعله بدون حد معين، ثم جعلها أبو بكر أربعين، ثم جعلها عمر أربعين، ثم كثر شرب الخمر فزادها عمر إلى ثمانين بعد أن استشار الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، ما هو أخف الحدود؟ حد القذف ثمانون، فجعلها عمر ثمانين، وهذا كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم؛ أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا؛ لأنه لو كانت حدًّا هل يمكن لأي أحد أن يزيد؟ لا يمكن، ولهذا لو كثر الزنا في الناس لا نزيد عن مئة جلدة.
طيب أيضًا قال عبد الرحمن بن عوف: اجعلها كأخف الحدود، فدل هذا على أنها ليست حدًّا، وإلا لما صح أن يقول: كأخف الحدود، وأيضًا إذا تكرر جلده ففي الرابعة يقتل على رأي كثير من العلماء؛ لما جاء ذلك في السنن: «إِذَا شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ الرَّابِعَةَ فَاقْتُلُوهُ». هذا الحديث صحيح ذهب إليه أهل الظاهر، وأكثر العلماء يقول: لا يقتل لو يشرب ألف مرة، ويجلد ألف مرة، واختار شيخ الإسلام قولًا وسطًا وقال: إذا لم ينته الناس بدون القتل فإنه يُقتل؛ لئلا يتكاثر شرب الخمر، وأما إذا انتهى الناس بدون القتل فإنه لا يقتل.
المهم المؤلف رحمه الله يرى أن الفواحش هي موجبات الحدود، قال: (وهو من عطف البعض على الكل)؛ لأن الفواحش بعض كبائر الإثم، وهذا يقع كثيرًا؛ عطف البعض على الكل، كما أنه يقع أحيانًا عطف الكل على البعض، فقول الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤] هذا من باب عطف البعض على الكل، وإذا قلت: أكرم زيدًا والطلبة، وهو منهم، فهو من باب عطف الكل على البعض، وتخصيص بعض الأفراد بكونه معطوفًا أو معطوفًا عليه يدل على العناية به والاهتمام به.
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧] (ما) هنا زائدة في الإعراب، وأما في المعنى فهي للتوكيد، وأقول:
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَهْ
تقبل أو ما تقبل؟ يعني كلما أتتك (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، كهذه الآية: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا﴾ المعنى: وإذا غضبوا، وكقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت ٢٠] أي: حتى إذا جاءوها، فخذ هذه الفائدة، و(ما) من أوسع الحروف معنى؛ لأن لها عشرة معانٍ أو أكثر، جُمعت في قول الناظم:
مَحَـــــــامِـــلُ مَــــا عَـــشْرٌ إِذَا رُمْـتَعَــــــدَّهَـا ∗∗∗ فَحَافِـــظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَــــفٍّ وَنَــفْيٍ زِيــــدَ تَعْــــظِيـــمُمَـــصْدَرِ
على وجه السرعة:
(ستفهم) إشارة إلى (ما) الاستفهامية.
(شرط) إلى (ما) الشرطية.
(الوصل): إلى (ما) الموصولة.
(فاعجب): إلى (ما) التعجبية، مثل أن تقول: ما أحسن زيدًا.
(لنكرها): إلى (ما) النكرة الموصوفة أو الواصفة.
(بكف): إلى (ما) الكافة، وهي الداخلة على (إن)، مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١].
(ونفي): (ما) النافية.
(زيد): (ما) الزائدة.
(تعظيم): ما التعظيمية؛ مثل: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١، ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١، ٢].
(مصدر): إلى (ما) المصدرية؛ مثل: يعجبني ما فعلت؛ أي: يعجبني فعلك.
هذه عشر معانٍ لـ(ما).
﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ يعني: إذا نالهم الغضب فإنهم يملكون أنفسهم، فيغفرون لمن أغضبهم. ومعنى (يغفرون) قال المفسر: (يتجاوزون)، ونحن نزيد شيئًا آخر: الستر، يعني: يتجاوزون عمن أساء إليهم ويسترونه.
* من فوائد هذه الآية: أن من وصف الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون: اجتنابهم كبائر الإثم والفواحش، وبعدهم عنها؛ لأن (اجتنب) بمعنى صار في جانب وآخر في جانب، فيفيد بعدهم عن كبائر الإثم والفواحش.
* ومن فوائدها: أن صغائر الذنوب لا تنقص من كمال الإيمان، لماذا؟ لأنها تقع مغفورًا باجتناب الكبائر؛ كما قال الله تبارك وتعالى في سورة النجم: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم ٣٢] يعني: إلا الصغائر فإنها لا تضر، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أن الصلوات الخمسة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»[[أخرجه مسلم (٢٣٣ / ١٦) من حديث أبي هريرة.]].
ولكن لو قال قائل: هل الإصرار على الصغائر يحولها إلى كبائر؟
فالجواب: نعم، هذا المشهور عند أهل العلم؛ أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، لكنهم لا يقولون: إن الصغيرة تكون كبيرة، يقولون: إن إصرار الإنسان على المعصية يدل على استخفافه بشريعة الله، وعدم مبالاته بها، فمن هنا صار الإصرار كبيرة، وليس المعنى أن الصغيرة تنقلب كبيرة، لكن لما كان الإصرار يدل على استخفاف الإنسان بشريعة الله صار هذا كبيرة من أجل الاستخفاف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون أنهم إذا غضبوا غفروا، والغضب وصفه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان فيفور دمه وتنتفخ أوداجه، أما المتكلمون فيقولون: إن الغضب غليان دم القلب لمحبة الانتقام، وما ذكره النبي ﷺ خير: أنه «جمرة يلقيها الشيطان»[[أخرجه الترمذي (٢١٩١)، وأحمد (١١١٤٣)، والحاكم في المستدرك (٨٧٥٤) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، ولذلك تجد الرجل إذا غضب يتصرف تصرفًا سيئًا لا يحمده هو إذا سكن غضبه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان عند الغضب أن يكظم غيظه، وقد طلب أحد الصحابة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يوصيه فقال: «لَا تَغْضَبْ» فردد مرارًا فقال: «لَا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة.]].
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُون﴾ [الشورى ٣٧] ما الفرق بين كبائر الإثم والفواحش؟
* طالب: ما دون ذلك.
* الشيخ: ما دون ذلك، لكنها فوق الصغائر، المرتب عليها حد ما هي؟
* طالب: قطع الطريق.
* الشيخ: قطع الطريق.
* الطالب: الزنا.
* الشيخ: الزنا.
* الطالب: السرقة.
* الشيخ: السرقة.
* الطالب: القذف.
* الشيخ: القذف. طيب شرب الخمر هل هو حد أو تعزير؟ الصحيح أنه تعزير، لكنه تعزير لا يقل عن أربعين جلدة؛ ما هو الدليل على أنه تعزير، وليس بحد، مع أن جمهور العلماء على أنه حد؟ أن الناس لما كثر شربهم الخمر في عهد عمر رضي الله عنه استشار الصحابة، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله كأخف الحدود ثمانين، وهذا دليل واضح جدًّا، كالإجماع من الصحابة رضي الله عنهم بقيادة الخليفة الراشد عمر أنه ليس بحد من وجهين: الأول أنه قال: اجعله كأخف الحدود، والثاني: أنه لو كان حدًّا ما ساغ لعمر ولا لغير عمر أن يزيد عليه.
قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. (ما) ويش إعرابها؟
* طالب: اسم موصول.
* الشيخ: اسم موصول؟ لا، غلط.
* طالب: زائدة
* الشيخ: (ما) زائدة، أنشد لي الرجز المذكور فيها.
* الطالب:
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَهْ
* الشيخ: فهمت، كلما جاءت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ [فصلت ٢٠].
﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
الشورى 42:38
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ الواو حرف، الذين معطوف على ما سبق عطف أعيان ولا أوصاف؟ أوصاف ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ قال المفسر: (أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعبادة) استجابوا لربهم بمعنى أجابوه. وقد سبق لنا ذكر الأمثلة على كون استجاب بمعنى أجاب.
وقوله: (من التوحيد والعبادة) تفسير لا بأس به، ولو قال رحمه الله: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: أجابوه إلى كل ما دعاهم إليه من فعل الأوامر وترك النواهي لكان أبين وأعم. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوف على (استجابوا)، فهي داخلة في صلة الموصول.
﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ قال المؤلف: (أداموها) وفيها نظر، بل معنى ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أتوا بها مستقيمة على الوجه الذي طلب منهم؛ لأن هناك فرقًا بين إقامة الصلاة وبين إدامة الصلاة، نعم إدامتها من إقامتها لا شك، ولكن ليست الإقامة هي الإدامة، إذن الإقامة معناه أن يأتي بالصلاة مستقيمة على الوجه المطلوب، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. وقوله: ﴿الصَّلَاةَ﴾ يعم الفريضة والنافلة.
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أمرهم أي: شأنهم، والمراد الشأن العام، لا الشأن الخاص، الشأن العام الذي يهم الجميع يتشاورن فيه، ومعنى يتشاورون فيه يعني يتبادلون الرأي هل يقدمون أو يحجمون، هل يعدلون أو يبقون الشيء على ما هو عليه، المهم أن المشاورة هي تداول الرأي ليخرجوا بنتيجة مرضية للجميع.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (يتشاورن فيه ولا يعجلون) ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، (من) هنا للتبعيض، ويحتمل أن تكون للجنس، فإن كانت الأولى صار المدح لمن ينفق بعض ماله، وإن قلنا بأنها للجنس صار المدح لمن ينفق ماله كله أو بعضه، فأيهما أولى: أن نقول: للتبعيض أو للجنس؟ للجنس أولى، ليشمل القليل والكثير والكل.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ قال: (أعطيناهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعة الله).
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المتوكلين أنهم يستجيبون لله عز وجل؛ أي: يجيبونه إلى ما طلبه منهم، ومعناه: المبادرة وعدم التأخير؛ لأن التأخير عن تنفيذ الواجب نقص في الاستجابة. وأضرب لكم مثلًا برجل أمر ابنه أن يأتي إليه بحاجة، فتوانى الابن وبقي ساعة أو ساعتين، ثم جاء بالحاجة، فهل يقال: إن الابن امتثل امتثالًا كاملًا؟ لا، الامتثال الكامل بالمبادرة، وهذا معنى قوله: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٣٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: العناية بإقامة الصلاة. وجه ذلك أن الله نص عليها بعد التعميم؛ لأن قوله: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى ٣٨] يشمل الصلاة وغيرها، فلما قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ نص عليها بخصوصها، وهذا دليل على العناية بها، وحق والله أن يعتنى بها؛ لأنه ليس هناك عبادة أقوى صلة بك في الله عز وجل من الصلاة، أليس كذلك؟ الإنسان يتصدق لكن لا يشعر بالصلة بينه وبين ربه، يصوم، يحج، لكن الصلاة الحقيقية الشرعية أن الإنسان يشعر بأنه في صلة بينه وبين الله، ومن أجل ذلك سميت صلاة؛ لأنها صلة بين الإنسان وبين الله، «إذا قال الإنسان: الحمد لله قال الله: حَمِدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهكذا محاورة، ثم هو يشعر بأنه إذا ركع ففوقه رب يعظمه، وإذا سجد فكذلك يضع أشرف أعضائه في مواطئ الأقدام، ولذلك صارت العناية بالصلاة حيث قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
أين فُرضت الصلاة؟ فرضت الصلاة ليلة المعراج من الله إلى الرسول ولَّا بواسطة؟ بدون واسطة، هذا يدل على أهميتها والعناية بها. ثم إنها فُرضت خمسين صلاة، وخفف الله على العباد فجعلها خمس صلوات، لكنها في الواقع خمسون صلاة، بمعنى أنك إذا صليت فريضة واحدة كأنما صليت عشرا، ما هو من أجل أن الحسنة بعشر أمثالها؛ لأن هذا لجميع الحسنات، لكن كأنك صليت الظهر مثلًا عشر مرات، صليت وسلمت، صليت وسلمت حتى بلغت عشرة، وبهذا يظهر الفرق بينها وبين سائر العبادات؛ الثواب الحسنة بعشر أمثالها، لكن هذه كأنك فعلًا صليت خمسين صلاة.
* من فوائد الآية الكريمة: مراعاة الأحوال الاجتماعية، وأن الأمور العامة يجب التشاور فيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨].
وهل تدل الآية على أن الإنسان إذا أراد أن يفعل فعلًا خاصًّا به يشاور؟ لا، لا تدل على هذا، لكن المشاورة مشروعة، إذا أشكل عليك شيء فلديك شيئان: الاستخارة والمشاورة، لكن الأمر العام لا بد من التشاور فيه، يُستثنَى من ذلك إذا بان الأمر لولي الأمر فإنه لا حاجة إلى المشاورة فيه، يعني لو تبين للأمير أو الرئيس أو الملك مصلحة ما يريد فلا حاجة إلى التشاور؛ لأن التشاور يُرجَع إليه متى؟ عند الإشكال والتردد، أما مع ظهور المصلحة فلا حاجة إلى أن يشاور، لماذا؟ لأن المشورة حينئذ لا تزيد الأمر إلا إشكالًا وفوضى، فالناس ليسوا على رأي واحد، إذا أردت أن يتمزق الأمر فضعه بين يدي عشرة، وإن أردت أن يذوب بالكلية فضعه بين يدي عشرين، لا بد من اختلاف الناس.
إذن ﴿أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] على عمومه أو يُستثنى منه؟ يستثنى منه، ما ظهرت مصلحته لولي الأمر فإنه لا حاجة إلى أن يشاور. ويدل لهذا الاستثناء عمل السلف الصالح، فها هو عمر رضي الله عنه، وهو من أشد الخلفاء اهتمامًا بالرعية، لا يشاور إذا كانت المصلحة ظاهرة له، وإنما يشاور إذا أشكل عليه الأمر، لو أحصيت ما شاور فيه ما بلغ إلا العشرات أو أقل، وقد بقي عشر سنوات في الخلافة. هذا العمل السلفي من الخلفاء الراشدين يقيد قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] إذن ما الذي يستثنى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: فلا حاجة للمشاورة؛ لأن المشاورة في هذه الحال ضرر في تنفيذ الأمر والمضي فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون بذل المال في طاعة الله؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى ٣٨].
وهل يطلب من الإنسان أن ينفق جميع ماله؟ هذا ينبني على (من) هل هي للتبعيض أو للجنس، إذا قلنا: للتبعيض صار المدح على من أنفق بعض ماله، وإذا قلنا: للجنس أي أنهم ينفقون من هذا الجنس الذي رزقهم الله صار عامًّا، والتفصيل هو التأصيل إن شاء الله، إذا كان الإنسان لا ينقص إنفاقه شيئًا من واجبات الإنفاق على الأهل فلا حرج أن ينفق جميع ماله، مثل أن يكون عند الإنسان مئة ريال لا يحتاجها للإنفاق على أهله، وليس عنده سواها، نقول هنا: أنفق جميع المال، ثم اكتسب للإنفاق على أهلك، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، أما إذا كان يحتاج المال للإنفاق الواجب على أهله وهو ضعيف الاكتساب فهنا نقول: لا تنفق جميع مالك، أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك.
* طالب: الشورى (...) قد تظهر له المصلحة في شيء وليس فيه مصلحة.
* الشيخ: هو مؤتمن، الأصل أنه مؤتمن، وإذا أراد أن يخون منع الشورى ولو احتاج لها.
* الطالب: شيخ طيب إذا ظهرت يا شيخ خيانته (...) هو ظهر له ذلك (...).
* الشيخ: ما علينا منه في ذمته هذه؛ لأننا لو قلنا: إن ولي الأمر يشاور في كل شيء مشكلة ولا يمكن تستقيم الحال، معناه لو يكتب للشرطة: احبسوا فلانًا لأنه أساء نقول: يللا اجمع الناس شاور.
* الطالب: فيه ناس معينون.
* الشيخ: ما يخالف، معينون بأشخاصهم ما هو بمعناه أن كل الناس يجابون، جاء بالشورى هل نقول: كل مسألة تتعلق بالعامة لا بد أن تشاور عليها؟ ما يمكن هذا، وكما قلت الآن، بينا لك أن عمر رضي الله عنه من أشد الخلفاء مشاورة ومع ذلك تكاد تحصي مشاوراته، لا بد من هذا وإلا ما يستقيم الأمر.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إنسان إذا أشكل عليه شيء هل يبدأ بالاستخارة أو بالاستشارة؟
* الشيخ: سؤال جيد، يقول: إذا أشكل على الإنسان الشيء هل يبدأ بالاستخارة أو الاستشارة، نقول: يبدأ بالاستخارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»[[أخرجه البخاري (٦٣٨٢) من حديث جابر.]] هم: يعني أصابه الهم فيه وتردد وشك، وليس مراده أن كل أمر تهم به تصلي ركعتين، إذا هم أحدكم بالأمر، إذا هم الإنسان يروح يتغذى يصلي ركعتين يستخير؟ لا، إذن إذا هم أحدكم بالأمر يعني إذا أهمه الأمر ولم يتبين له شيء فليصل ركعتين، فنقول: ابدأ أولا بالاستخارة لوجهين:
الأول: أنه ظاهر الحديث.
الثاني: أن كونك ترجع إلى الله خير من كونك ترجع إلى آراء الناس، فإذن نبدأ بالاستخارة قبل الاستشارة.
الشورى 42:39
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى ٣٩] الواو حرف عطف، والمعطوف هنا باعتبار الصفات، أي: من صفاتهم أنهم إذا بغى عليهم أحد انتصروا لأنفسهم، ﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أي: العدوان من أحد عليهم ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ينتصرون لمن؟ لأنفسهم، لا يظهرون بمظهر الضعيف الذليل، بل ينتصر لنفسه. والانتصار للنفس في مقام العز أمر مطلوب، أما في مقام التواضع فهذا شيء آخر يأتي إن شاء الله في المستقبل.
يقول: (﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ صنف) المؤلف رحمه الله ذكر أن الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون صنفان، ولكن الصحيح أن هذا كله وصف لموصوف واحد، وليس هناك أصناف، وعليه فنقول: من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون أنهم ينتصرون لأنفسهم إذا ظلموا، (أي: ينتقمون ممن ظلمهم بمثل ظلمه) بدون عدوان. على أن قوله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لا يستلزم أن يأخذوا لأنفسهم بحقها، بل إذا انتصروا فلهم أن يعفوا، وإذا عفوا مع القدرة كان ذلك أكمل.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من صفات الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون أنهم لا يرضون بالذل والانخناس عن الأخذ بحقهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى ٣٩]. وهل من لازم الانتصار أن يقتص أو أن يكون له اليد العليا سواء بالقصاص أو بالعفو أو بغير هذا؟ الظاهر الثاني لأنه أعم؛ لأن من عفا عن قدرة وعزة فإنه لا شك منتصر، ومن أخذ بحقه فهو منتصر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء لا ينتصرون لأنفسهم إلا إذا تحققوا البغي عليهم، وأما مجرد التهمة فلا يعتبرونها، يؤخذ من قوله: ﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ فلو اتهموا أحدًا أنه ظلمهم فإنهم لا يتحركون، لكن إذا أصابهم البغي حينئذ ينتصرون.
* في هذه الآية من الفوائد: أنه يجب على من انتصر إذا أصابه البغي ألا يتجاوز الحد في الاستيفاء.
الشورى 42:40
ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (سُميت الثانية سيئة لمشابهتها للأولى في الصورة، وهذا ظاهر فيما يُقتَص فيه من الجراحات. قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك الله فيجيبه: أخزاك الله).
قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ هذه في الحقيقة قاعدة؛ أن للإنسان أن ينتقم لنفسه السيئة بمثلها لا يزيد؛ لأنه إن زاد فقد ظلم. والزيادة قد تكون في الكمية، وقد تكون في الكيفية، وقد تكون في النوعية، فإذا انتصر لنفسه فضرب من ظلمه ثلاثًا وقد ظلمه باثنتين من باب الكمية، وإذا ضرب من ضربه ضربًا خفيفًا فانتصر لنفسه بضرب ثقيل هذا بالكيفية، وإذا ضرب من اعتدى عليه بسوط ضعيف بسوط أكبر هذا النوعية، المهم أنه لا بد أن تكون المجازاة بمثل السيئة التي أسيء إليه فيها ولا تزيد، فإن زاد فهو ظالم، ولهذا يقال: هذه بهذه والبادي أظلم.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (سُميت الثانية سيئة لمشابهتها الأولى في الصورة) فيه نظر واضح، فالمقاصة سيئة، لكن ليست سيئة بالنسبة للفاعل، بل هي سيئة بالنسبة لمن اقتص منه، تسوءه وتؤلمه وترد اعتباره إذا كان يرى أنه فوق صاحبه، فهي سيئة لا باعتبار الفاعل ولكن باعتبار المقتص منه، وأما قوله: إنها مشابهة للأولى، فلا يمكن أن تُطلق سيئة لمطلق المشابهة أو لمجرد المشابهة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
هذا في الواقع هذه قاعدة في جميع الاقتصاص، فلننظر إذا شق ثوبك فهل تشق ثوبه؟ ظاهر الآية نعم، لكن إذا كان ثوبك رديئًا يساوي عشرة وثوبه جيد يساوي مئة تشق ثوبه أو لا تشق؟ إذا شققته فنقص عشر قيمته كم يكون؟ ينقص العشر، مثلًا هذا الثوب يساوي عشرة ريالات، شقه المعتدي بشق ينزل قيمته العشر، العشر كم من عشرة؟ واحد، ثوبه يساوي مئة فشققته بشق يساوي العشر كم ينقص؟
* طلبة: عشرة.
* الشيخ: عشرة، الآن أخذت عشرة مقابل واحد، فهل نقول: العبرة بالمعنى، فإنه لما شق ثوبك أذلك وأنت إذا اقتصصت منه وشققت ثوبه أذللته، وهو البادي، فنشق ثوبه ولو كان أغلى، أو نقول: نشق ثوبه إن كان مماثلًا للأول أو مقاربًا له، وإلا فلا؟ نعم؛ لأن هذا الذي ثوبه بعشرة ينكسر اعتباره كالذي ثوبه بمئة، والمقصود إذلال المعتدي وكسر اعتباره. وعلى هذا فنقول: من شق ثوبك فشق ثوبه.
وهل المعتبر المساحة أو المعتبر النسبة؟ هذا إنسان قصير.. أو ما فهمتم السؤال، هذا إنسان قصير، شق ثوبه بمقدار شبر، الشبر هذا يساوي العشر مثلًا من ثوبه، والآخر طويل جدًّا، شق ثوبه بمقدار شبر، هل يتساوى في النسبة مع ذاك؟ ما يتساوى. إذن نسأل الآن: هل المعتبر المساحة أو النسبة؟ العدل أن يكون المعتبر النسبة، فإذا شق نصف هذا الثوب القصير مساحته ذراع، والطويل شقه بمساحة ذراع، لكنه طويل طول الأول مرتين، هل يكفي أو لا يكفي؟ لا يكفي، نقول: شق إلى أن تبلغ النسبة إذا كان العشر فهذا العشر؛ لأن هذا هو العدل في الحقيقة، لأن المعتدي أفسد عشر ثوب المعتدى عليه، فلنفسد عشر ثوبه، مع أنه هو المعتدي. وهذا ينطبق تمامًا على قول الله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
رجل قال لشخص مع المغاضبة قال: أنت حمار، هل يقول له: أنت الحمار؟
* طالب: ما يقوله.
* الشيخ: لا، يقوله، كيف ما يقوله، لكن هل يقول: أنت حمار وأبوك حمار؟
الجواب: لا، هذا عدوان، لكن يقول: أنت حمار.
إذا قال له: لعنك الله، هل يقول: بل لعنك أنت؟ معكم كتاب الله ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ له أن يقول هذا، ولذلك إذا لعن الإنسان شخصًا لم يكن أهلًا له، أين تذهب اللعنة؟ ترجع إلى الأول، فيعاقب بمثل ما فعل.
اسمع كلام المؤلف: (وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات) واضح هذا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠] الذي يقتص فيه من الجراحات كل عضو قائم بنفسه، وكل جرح ينتهي إلى عظم،هذا فيه القصاص، كل عضو قائم بنفسه مثل العين والأصبع وما أشبه ذلك هذا يقتص، رجل قطع خنصرك تقطع خنصره، واضح، أو جرح ينتهي إلى عظم، جرحه في رأسه حتى بان عظم رأسه يقتص منه أو لا، جرحه في ساقه حتى بان العظم يقتص حتى لو كانت طبقة اللحم التي على العظم في الجاني أغلظ، يقتص حتى يصل إلى العظم، إذا كان الجرح لا يصل إلى العظم مثل أن جرحه في فخذه جرحًا لم ينتهِ إلى العظم، هل يقتص منه؟
يقول الفقهاء: إنه لا يقتص منه؛ وذلك لعدم انضباط القصاص، ما ينضبط إلا إذا وصل للعظم، لكن نظرًا لتقدم الطب نقول: إذا أمكن أن يقتص منه اقتص منه.
إذا قطع يده من نصف الذراع يقتص منه أو لا؟
الفقهاء يقولون: ما يقتص منه؛ لعدم الانضباط، لكن إذا كان من المفصل كما لو قطع كفه من مفصلها يقتص منه. والصحيح في الصورة الأولى إذا قطع يده من نصف الذراع أنه إذا أمكن القصاص فإنه يقتص منه، وفي عصرنا الآن يمكن أو لا؟ يمكن على الشعرة أو أدنى من الشعرة، فإذا كان لا يمكن وقال المجني عليه: اقطعوا يده وأنا أعفو عما قطع من الذراع، المجني عليه قال: اقطعوا كف الجاني والزائد أعفو عنه، هل يقتص منه أو لا؟ الصحيح أنه يقتص منه، فتقطع كف الجاني، وإذا أسقط الزائد -أعني المجني عليه- سقط.
فإن قال المجني عليه: أنا أريد أن تقصوا كفه وآخذ أرش الزائد، له ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة ٤٥] وهنا يقول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]؛ وهذا ظاهر فيما يقتص فيه من الجراحات، ما هو الذي يقتص فيه من الجراحات، وهو كل عضو مستقل أو جرح ينتهي إلى عظم، والباقي فيه خلاف. قال بعضهم، يعني بعض العلماء: وإذا قال له: أخزاك الله فيجيبه: أخزاك الله؛ لقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠].
إذا قال: لعن الله أباك، ماذا تقول؟ تقول له: لعن الله أباك؟ لا، قال النبي ﷺ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ». قالوا: يا رسول الله، وهل يلعن الرجل والديه؟ قال: «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[[أخرجه البخاري (٥٩٧٣) من حديث عبد الله بن عمرو.]] هذا يدل على أيش؟
* طلبة: عدم الجواز.
* الشيخ: عدم الجواز، كيف عدم الجواز؟ نقول: إن قول الرسول ﷺ هذا لبيان الواقع، لا لبيان الحكم الشرعي، يعني أنه جرت العادة في المسابة بين الناس أن الرجل إذا سب أبا الرجل سب أباه، وهذا شيء تعرفونه، وإن لم تعرفوه فاعرفوه، انزل الأسواق انظر المسابة بين الناس، إذا سب أباه سب أباه واضح ولَّا غير واضح؟ فيكون قول الرسول هذا بيانًا للواقع، وبيان الواقع لا يعطي الجواز شرعًا، والدليل على أن بيان الواقع لا يعطي الجواز قول النبي ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» اليهود والنصارى[[أخرجه البخاري (٧٣٢٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]]، هل لنا أن نتبع اليهود والنصارى؟ لا، ولكن هذا لبيان الواقع.
كذلك أيضًا أخبر أن المرأة تسافر من كذا إلى كذا وحدها؛ لبيان الواقع، ليس لبيان الحكم الشرعي.
إذا قال قائل: ما هو الذي حملك على أن تجعل قوله: «يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠ / ١٤٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] أن هذا لبيان الواقع، لا لبيان الحكم الشرعي؟
أقول: الذي حملني على هذا أنه لا يجوز العدوان على أحد لم يقع منه عدوان، هذا ظلم، كيف أسب أباه؟ هذا ظلم لا شك، والظلم لا يأذن به الشرع، لكن لو قال قائل: إنه إذا لعن والديه فلا تطيب نفس الذي لعن والداه إلا إذا لعن والدي الأخ؛ لأن لعن الوالدين إذلال للولد، وهو يريد أن يطيب نفسه، نقول: الحمد لله، هذا ليس هناك ضرورة إذا لعن والديك، العنه هو، وهذا أشد في الإذلال.
فالحاصل أنه إذا دعا على أبيك وأمك لا تدع على أبيه وأمه؛ لأنه لا ذنب لهما، والحديث عرفتم الجواب عنه أنه بيان للواقع، لا للحكم الشرعي، ولكن لك أن تحول السب واللعن إلى نفس الفاعل لا إلى والديه.
(...) يسأل يقول: هل القاتل يقتل بمثل ما قتل به أو يقتل بالسيف؟
الجواب: يقتل بمثل ما قتل به؛ لأن «النبي ﷺ رَضَّ رأس اليهودي بين حجرين لأنه رض رأس الجارية بين حجرين»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤١٣)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٥) من حديث أنس.]]، وقال عز وجل: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة ١٩٤] لكن استثنى العلماء ما لم تكن الوسيلة محرمة لذاتها فلا يقتص منه، قالوا: فلو تلوط بطفل صغير وهو يعرف أن هذا الفعل بيقتله، ثم مات الطفل من أجل هذا، فهل نقيم رجلًا يتلوط بهذا؟ لا، ما نفعل، قال بعض العلماء: ما نفعل، هذا معلوم؛ لأن اللواط محرم لذاته، لكن ندخل خشبة في دبره حتى يموت، هذا له وجهة نظر، لكن عندي أن فيه نظرًا؛ وذلك لأن الخشبة أشد ألمًا من اللواط، فلا يمكن القصاص.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠] على أي شيء حمل المؤلف السيئة الثانية؟ على مشابهة الأولى في اللفظ، نعم عن طريق المشاكلة، طيب هل كلامه صحيح أو لا؟
* طالب: ليس بصحيح
* الشيخ: غير صحيح، كيف ذلك؟
* الطالب: الصحيح أن المشابهة في المال؛ لأن سيسوءه المقتص منه، المقتص منه إذا اقتص منه يسوءه.
* الشيخ: إذن هي سيئة بالنسبة لمن؟ للمقتص منه، وإبقاء اللفظ على ظاهره خير من تحريفه بدون دليل.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] (من) هذه شرطية، فعل الشرط (عفا)، والمعطوف عليه جملة ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ هي جواب الشرط، يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ أي: لم يؤاخذ بالذنب يعني عمن ظلمه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ يقول: (الود بينه وبين المعفو عنه ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي أن الله تعالى يأجره لا محالة).
قوله: ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ قال المؤلف: (عن ظالمه)، وهذا واضح، والعفو عنه يعني عدم مؤاخذته. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ يقول: (الود بينه وبين ظالمه) وهذا تفسير قاصر جدًّا، بل المراد أصلح في عفوه، أي: صار عفوه مشتمِلًا على الإصلاح.
وإنما قلنا ذلك لأن ما ذكرناه أعم وأنفع بالنسبة للمعنى.
إذن ﴿أَصْلَحَ﴾ المؤلف يراها قاصرة على إصلاح الود بينه وبين من ظلمه، والصواب أن المراد أصلح في عفوه، أي: كان عفوه إصلاحًا.
﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (أي أن الله يأجره لا محالة)، أجر بمعنى ثواب، وسمى الله سبحانه الثواب أجرًا لأنه في مقابل عمل؛ كأجرة الأجير إذا قام بعمله،. وفيه أيضًا إيماء إلى أن هذا الثواب واجب كما يجب إعطاء الأجير أجره. وقول المؤلف: أي فإن الله يأجره لا محالة أخذ هذا المعنى -أعني قوله: (لا محالة)- من كون الجملة اسمية؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ أنه يجب أن تكون المقاصة على وجه العدل، فيكون جزاء السيئة سيئة مثلها، فلا يجوز أن يعتدي في القصاص لا القولي ولا الفعلي، ولننظر لو أن رجلًا سبك بوصفين وسببته بثلاثة أوصاف، ما تقول؟ يجوز أو لا يجوز؟ لأن الله قال خاص: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠].
لو أن رجلًا قطع يد إنسان وطلب القصاص فقال الجاني: أنا أريد أن أضع بنجًا في يدي حتى لا أحس بالألم، وقال المجني عليه: لا، من القول قوله؟ قول المجني عليه؛ لأن الجاني أتى بمفسدتين؛ الإيلام وفقد العضو، فلا تتم المقاصة إلا إذا حصل هذان الأمران بالنسبة للجاني.
ولو أن سارقًا حكم عليه بقطع اليد، وطلب أن تبنج يده، أيجوز هذا أم لا؟ يجوز؛ لأن المقصود بالنسبة للسارق المقصود إعدام اليد المتعدية، وهو حاصل، وليس هناك قصاص حتى نقول: لا بد أن يكون المثل بالمثل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تأكيد المقاصة بالعدل؛ لقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠]، فأكد ذلك بقوله: ﴿مِثْلُهَا﴾، لو أراد المجني عليه أن يأخذ بعض حقه يجوز أو لا يجوز؟ الآية تقول: ﴿مِثْلُهَا﴾.
* طالب: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾.
* الشيخ: ما وصلنا عفا وأصلح، يعني معناه إذا أردنا العدل فهذا هو، وإذا عفا الإنسان عن حقه الخاص به فلا بأس، كما أنه لو عفا مطلقًا فلا حرج عليه.
* ومن فوائد قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ إلى آخره، الحث على العفو إذا كان إصلاحًا، فإن لم يكن إصلاحًا فالأخذ بالحزم أولى، دليل هذا أن الله قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾.
يتفرع على هذا مسألة مهمة: لو أن الجاني معروف بالشر والفساد فاعتدى على شخص، هل نقول: الأفضل أن يعفو عنه؟
الجواب: لا، لا نقول، بل نشترط أن يكون ذلك إصلاحًا، هذا الرجل الشرير المعروف بالشر إذا جنى على شخص، هل نقول للشخص المجني عليه: اعف عنه فأجرك على الله؟ لا، لا نقول هذا؛ لأننا لو عفونا عن هذا الرجل الشرير في هذه القضية المعينة فعل مثلها أو أشد بعد ذلك؛ لأنه أخذ على العفو، فكان يؤمل أن يُعفَى عنه في كل فعل، إذا كان الجاني شريرًا معروفًا بالفساد فجنى على شخص، فهل نقول: الأفضل أن تعفو عنه أو أن تأخذ بحقك؟ ذكرنا أن الأفضل في هذه الحال أن تأخذ بحقك؛ لأن هذا الرجل الشرير المجبول على الشر إذا عفوت عنه الآن ذهب يفعل ما هو أشد في اليوم الثاني، يجب أن نعلم أن قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة ٢٣٧] هذه الآية المطلقة تقيَّد بهذه الآية، بل كل نص فيه الحث على العفو فإنه مقيد بهذه الآية.
إذن لا بد أن يكون العفو إصلاحًا. انتبهوا لهذا.
لو أن أحدًا صدم شخصًا وهو يقود السيارة، وصدم شخصًا فمات، فهل الأفضل لأولياء المقتول أن يعفوا عن الدية أو أن يأخذوا بالدية؟
فيه تفصيل، وهو إن كان هذا الرجل معروفًا بالتهور وعدم المبالاة، وكما يقول بعض السفهاء: الدية في الطابلون، فهذا لا ينبغي أن يُعفَى عنه، وأما إذا كان رجلًا ذا مروءة، ونعلم أن هذا أمر حصل منه كما يقول العوام: فوات حرص، فإن الأفضل أن يُعفَى عنه، وهذه الآية هي ميزان العفو المحمود وغير المحمود.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تفضل الله تبارك وتعالى على عباده، حيث أوجب على نفسه أجر العافي، من أين يؤخذ؟ ﴿أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. ضمن الله عز وجل لهذا العافي الأجر، لكن بشرط أن يكون ذلك إصلاحًا.
قال: (﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى ٤٠] أي: البادئين بالظلم، فيترتب عليهم عقابه) قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ الضمير يعود على الله عز وجل، ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي المعتدين، سواء ظلموا أنفسهم أو ظلموا غيرهم، فصاحب المعاصي غير محبوب إلى الله عز وجل، والمعتدي على عباد الله غير محبوب لله عز وجل. وقول المؤلف رحمه الله: (أي: البادئين بالظلم) فيه نظر، الآية عامة تشمل الظالمين ابتداء والظالمين في الثاني، بمعنى أن المبتدئ بالظلم غير محبوب إلى الله، وكذلك من تجاوز في حقه فإنه غير محبوب عند الله، فإبقاء الآية على إطلاقها أولى، أي: لا يحب الظالمين ابتداءً ولا اقتصاصًا.
* طالب: ذكر قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ذكر بعض أهل العلم أنه يجوز أن يأخذ من خانه من المال أن يأخذ مثله بدون علمه، واستدل بحديث النبي عليه الصلاة والسلام؛ قول النبي عليه الصلاة والسلام لهند زوجة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها ويكفي أبناءها.
* الشيخ: السؤال يقول: إن بعض العلماء أخذ من قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ أن الإنسان لو جحد لك مالًا فلك أن تأخذ من ماله بمقدار ما جحد بدون علمه؟
ونقول: نعم هذا ظاهر الآية أنه إذا أخذ من مالك وقدرت على استرداده من ماله فلك هذا، ولكن قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٤)، والترمذي (١٢٦٤)، والدارمي (٢٦٣٩).]]، ولو فتح هذا الباب لكانت الأمور فوضى، كل واحد يأخذ من مال الثاني، ويقول: قد جحد لي مالي، فلا يستقيم هذا، عمليًّا لا يستقيم، وأما قضية هند فإن السبب فيها ظاهر، كل الناس يعرفون أن هذه زوجته، وأنه يجب عليه أن ينفق، فإذا أخذت من ماله بغير علمه وقالت: إنه لا ينفق علي، لم يقل الناس شيئًا؛ لأن السبب ظاهر، ومثلها لو نزل الضيف على أحد ولم يقدم له الضيافة، وقدر على أن يأخذ شيئًا من ماله بقدر ضيافته فله ذلك؛ لأن السبب ظاهر، وبهذا يتم الجمع بين الأدلة.
الشورى 42:41
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١] اللام في قوله: ﴿وَلَمَنِ﴾ اللام للابتداء، و(من) اسم شرط جازم، وفعل الشرط (انتصر)، وجوابه: ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ (يعني أخذ بحق نفسه ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أي ظلم الظالم إياه)، هنا نسأل: (ظلم) هنا مصدر، هل هو مضاف إلى الفاعل أو إلى المفعول به؟ كلام المؤلف يدل على أنه مضاف إلى المفعول به، أي: ظلم الظالم إياه، وعلى هذا فالمصدر مضاف إلى مفعوله، لا إلى فاعله. ولا يصح أن يكون مضافًا إلى فاعله؛ لأنه لو كان كذلك لكان المعنى: ولمن انتصر بعد أن يظلم الناس فأولئك ما عليهم من سبيل. والظالم غير معتَدًى عليه حتى ينتصر لنفسه، إذن فالمصدر مضاف إلى المفعول، ﴿لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وقد سبق أن الله تعالى مدح الذين إذا أصابهم البغي انتصروا لأنفسهم ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال: (مؤاخذة). وأصل السبيل: الطريق، أي: ليس عليهم طريق للوم والمؤاخذة.
ونريد واحدًا منكم يعرب قوله: ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ من: حرف جر زائد إعرابًا، وسبيل: مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، والمعنى: فأولئك ما عليهم سبيل.
إذا قال قائل: ما هي فائدة حروف الجر الزائدة؟
فالجواب أن فائدتها التأكيد، يعني تأكيد النفي.
* في هذه الآية الكريمة: إثبات محبة الله سبحانه وتعالى لذوي العدل والقسط. منين تؤخذ؟
* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى ٤٠].
* الشيخ: مفهومها أن غير الظالم؟
* الطالب: يحبه.
* الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك.
* ومن فوائدها: ثبوت صفة المحبة لله عز وجل، وهذه المسألة بحث عقدي، وجه الدلالة أنه لما نفى محبته للظالمين دل ذلك على أنه يجب العادلين ذوي القسط. وهذا الاستدلال يشابه استدلال الشافعي رحمه الله على أن المؤمنين يرون الله بقوله تعالى في الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] فقال: لو كان محتجَبًا عن الجميع فلا فائدة للنفي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من الظلم. وجهه: أن في الظلم انتفاء محبة الله للعبد، وما أعظم الخسارة فيمن خسر محبة الله له. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك.
* ومن فوائد الآية: أن من انتصر لنفسه بعد أن يظلم فلا اعتراض عليه؛ لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن انتفاء السبيل عمن انتصر لنفسه مشروط بتحقق الظلم؛ لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾، وأما الأخذ بالتهم فإنه لا يجوز، لا بد أن تتحقق أنك مظلوم حتى تنتصر لنفسك.
الشورى 42:42
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ﴾ قال المفسر: (يعملون ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بالمعاصي ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم). ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ﴾ هذه الجملة فيها أداة حصر وهي (إنما)، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فكأنه قال: لا سبيل إلا على هؤلاء ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ يعني الطريق إلى اللوم والقدح والمؤاخذة ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، سواء بأموالهم أو دمائهم أو أعراضهم، فإن النبي ﷺ أعلن في حجة الوداع فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩ / ٢٩) من حديث نفيع بن الحارث.]]، فظلم الناس يدور على هذه الأشياء الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فمن اغتاب أحدًا فقد ظلمه، ومن أخذ ماله فقد ظلمه، ومن خانه في معاملة بينه وبينه فقد ظلمه، وهذه لا حصر لأمثلتها.
المهم أن الذين يظلمون الناس عليهم اللوم، وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾ فسرها المؤلف بقوله: (يعملون)، وكأنه تحاشى أن يجمع بين البغي وبين قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فقال: (يعملون) من أجل أن يكون الفعل (يبغون) له معنى مستقل، وبغير الحق له معنى مستقل.
والصواب إبقاء الآية على ظاهرها، ومعنى يبغون أي: يعتدون، من بغى على غيره، أي: اعتدى عليه، قال الله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل ٩٠]؛ فقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾ معناها يعتدون على غيرهم ويتجاوزون حدهم في معاملتهم، ويكون قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ صفة كاشفة تبين أن كل بغي فهو بغير حق، فإبقاء النص القرآني على ظاهره هو الواجب، لا سيما أن هذا التفسير يجعله قاصرًا.
إذن ﴿يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٢] أي: يعتدون فيها ويتجاوزون الحد ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى ٤٢] بيان للواقع، فهو صفة كاشفة؛ إذ إن كل بغي فإنه بغير حق، وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فسرها بأنها المعاصي، ونعم المعاصي كلها بغير حق، لكن لا تفهم من هذا أن ذلك خاص بحق الله، بل هو عام في حق الله وغيره، فالبغي في حق الله محرم، وكذلك البغي في حق الآدمي.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤٢] أولئك المشار إليه الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم، والإيلام بمعنى الإيجاع، أي أنه موجع.
في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ﴾:
* فيها من الفوائد: أن من ظلم الناس فإنه مؤاخذ، وجهه أنه حصر المؤاخذة بمن ظلم الناس وبغى في الأرض بغير الحق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن البغي ظلم لا حق فيه؛ لقوله: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى ٤٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد أولئك الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق بالعذاب الأليم؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء عظيم؛ لأنه أتى به بالجملة الاسمية على هذه الصيغة المعينة: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى ٤٢].
الشورى 42:43
ثم قال: (﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ فلم ينتصر ﴿وَغَفَرَ﴾ تجاوز) يعني عن الجاني (﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الصبر والتجاوز ﴿لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣] أي: معزوماتها، بمعنى المطلوبات شرعًا)، ﴿لَمَنْ صَبَرَ﴾ اللام هذه لام الابتداء، وتفيد التوكيد، و(من) اسم شرط جازم، وفعل الشرط ﴿صَبَرَ﴾، وجواب الشرط: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، انتبهوا لهذا الإعراب: (من) شرطية، فعل الشرط (صبر) وما عطف عليه، جواب الشرط: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وهنا إشكال، وهو أنه إذا كان جواب الشرط جملة اسمية وجب اقتران الجواب بالفاء؛ كالآية التي قبلها: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١]، وهنا حُذفت الفاء، الإشكال هنا كيف حذفت الفاء في جواب الشرط وهو جملة اسمية؟
الجواب: أن الفاء قد تُحذَف وإن كانت الجملة -أي جملة جواب الشرط- اسمية، وأنشدوا على هذا قول الشاعر:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ ..........................
(من يفعل الحسنات) هذه شرطية، فعل الشرط (يفعل)، جواب الشرط (الله يشكرها)، وليس فيها فاء، فقالوا: إنه يجوز أحيانًا حذف الفاء، واستدلوا بالآية، واستدلوا بالبيت.
قال بعضهم في إعراب الآية: حذف الفاء يدل على أن (من) ليست شرطية، وإنما هي اسم موصول، وعليه يكون المعنى: وللذي صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور. والحقيقة أن الإعراب الأول والثاني جائز، لكن كوننا نجعل من اسم شرط كالآية التي قبلها أولى من حيث تلاؤم السياق بعضه مع بعض، ويكون الإشكال في حذف الفاء في الجواب، وجوابها أنها قد تحذف أحيانًا.
قوله عز وجل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ أي: صبر على ظلم الظالم إياه، وإن شئت فقل: إنها عامة تشمل كل من صبر على أذية من مرض أو سفر أو ما أشبه ذلك، ولكن العموم قد يمنع القول به قوله: ﴿وَغَفَرَ﴾؛ فإن ظاهر هذا السياق أن المراد صبر عن مؤاخذة الظالم، ﴿وَغَفَرَ﴾ أي: ستر ما حصل عليه من ظلم ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (أي: معزوماتها)، يعني لدليل على أن الرجل من ذوي العزم؛ لأنه تحمل وستر، تحمل فصبر وعفا فغفر ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ .﴾
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الصبر والمغفرة؛ لقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣]، ولكن يجب أن تلاحظوا الآية السابقة؛ أن يكون في ذلك إصلاح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأمور تختلف في العزمات وما دونها؛ لقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، ولا شك أنها تختلف، أن بعضها يكون المقدِم عليه ذا عزيمة صادقة ومروءة تامة، وبعضها دون هذا.
* طالب: (...) لما ظلم فدعا على ظالمه فهل لا يجوز له أن يدعو عليه بأكثر من مظلمته؟
* الشيخ: هذا هو الواجب، لكن قد يظن الظان أن هذه المظلمة لا يسوغ أن يتجاوز فيها، وهي مظلمة عظيمة، «كدعاء سعد رضي الله عنه على من ظلمه وقال: إنه يظلم الرعية ولا يقسم بالسوية ويؤخر الصلاة عن وقتها، فدعا عليه بدعوة عظيمة: اللهم أعم بصره، وأطل عمره، وعرضه للفتن»[[أخرجه البخاري (٧٥٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فهذه قد يقول القائل: إن هذه أكبر من ظلمه، ولكنها في الحقيقة ليست أكبر؛ لأن ظلمه له يتضمن القدح في ولي الأمر، حيث ولى على الناس مثل هذا.
* طالب: أحسن الله إليك، ظلم الظالم يختلف باختلاف الناس، قد يظلم الإنسان إنسانًا بشيء، وإذا أراد أن يأخذ من هذا الإنسان قدر ما أخذ منه لا يتأذى منه كما تأذى هو، مثل أن يأخذ من فقير مالًا قليلًا، فهذا الغني لا يتأثر بهذا المال إذا أخذت منه، أو أن يضرب إنسانًا قوي البنية بضربة لواحد ضعيف، الضعيف يتأثر بضربة قليلة فيطيح، أما القوي إذا ضربه ذلك الضربة ما طاح شيخ، هل يكون يأتي بواحد قوي البنية مثله يضربه؟
* الشيخ: لا، ما هو شرط، إذا ضرب مثلما ضرب يكفي.
* الطالب: ما يتأثر.
* الشيخ: أولًا، بارك الله فيك، تعلم أن الضربة أكثر العلماء يقولون: ما فيها قصاص إلا أن يموت، ونعلم أن مثل هذه الضربة تقتل غالبًا، فيقتص منه، لكن لنقل غير هذه المسألة، المثال الأول الذي ذكرت فقير أخذ منه غني عشرة ريالات صار فقيرًا معدمًا، هذا الذي أخذ عشرة ريالات عنده ملايين، إذا أخذنا منه عشرة ريالات ما ضره شيء، فنقول: العدل أن يعطى هذا مثلما أخذ منه فقط. (...)
يقول: إن رجلًا شريرًا اعتدى على آخر، فعفا عنه الآخر، فهل له أجر؟
ننظر؛ إذا كان هذا لم يعلم أن الرجل شرير وعفا يريد الإصلاح فله أجر، أما إذا كان يعلم ولكن يقول: أعفو عنه ولا أبالي سواء سعى في الأرض فسادًا أم لا، فإنه يأثم.
* طالب: أحسن الله إليك، أحيانًا يموت الظالم ويكون ذا سلطان، فهل يجوز الدعاء، الإنسان يدعو عليه؟
* الشيخ: يعني بعد موته، لا بأس، له أن يدعو عليه ولو بعد موته، مع أن المظلوم لو فُرض أنه لم يدعُ فإن حقه سوف يأتيه يوم القيامة، وهو إذا استوفى بالدعاء عليه ما أخذ من حسناته يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:44
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى ٤٤] (من) هذه شرطية، وهي للعموم، يعني أي أحد يقدر الله تعالى أن يضل فإنه لا يمكن أن يتولاه أحد بعد الله. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يهديه أحد، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقول المفسر: (أي: أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه) ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ )، (ترى) بصرية، و(الظالمين) مفعول به، و(يقولون) جملة حالية، و﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ و(لما) هذه أيش هي؟ جازمة؟ بمعنى حين، ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ والمراد بالظالمين هنا الكافرون؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤].
﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي حين رأوا العذاب بأعينهم ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾، (هل) استفهام للتمني، يعني يتمنون أن يكون لهم سبيل إلى الرد.
وقوله: ﴿إِلَى مَرَدٍّ﴾ أي: إلى مرجع، والمراد مرجع للدنيا ليعملوا صالحًا، ولكن هذا التمني باء بالفشل؛ لأن ذلك أمر غير ممكن، بل قد قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، فهم يتمنون هذا، ويدعون أنهم إذا رجعوا صلحوا، ولكن الأمر ليس بذلك، ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال: أي من طريق، والجواب: لا سبيل، وكما سمعتم ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨] كما أنهم إذا غشيهم موج كالظلل في البحار ودعوا الله مخلصين له الدين إذا نجوا عادوا إلى الشرك.
قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [الشورى ٤٥] غدوًّا وعشيًّا، كلمة (ترى) هنا والتي قبلها هل المراد بها الرسول ﷺ وحده، أو ترى أيها المخاطب؟
الثاني؛ لأننا إذا قلنا بالثاني صار أعم مما إذا قلنا بالأول، ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ أيها الرائي ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ غدوًّا وعشيًّا.
(﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النار ﴿خَاشِعِينَ﴾ خائفين متواضعين ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ )، (من) للسببية، أي: بسبب ذلهم، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا مستكبرين متعنجهين لا يرون الناس شيئًا ولا يقبلون الحق، يعرضون على النار على هذا الوصف، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ يعني قد امتلأت قلوبهم ذلًّا، (﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليها ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ضعيف النظر مسارقة) يعني ينظرون إلى النار والعياذ بالله ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ أي من بصر ﴿خَفِيٍّ﴾ أي ضعيف، يسارقون النظر، كالإنسان الذي هو خائف من شيء؛ تجده ينظر إليه نظرًا ضعيفًا، ثم يصرف النظر على طول، وذلك لشدة ذلهم، أعاذنا الله وإياكم من حالهم، (ومن ابتدائية أو بمعنى الباء)، (من) في قوله: ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ ابتدائية أو بمعنى الباء، أي: ينظرون بطرف خفي، وإذا دار الأمر بين أن تكون ابتدائية على بابها أو بمعنى الباء فالأولى أن تجعل على بابها، يعني يبتدئ نظرهم من الطرف الخفي ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالوا: مثنين على الله عز وجل، متحدثين بنعمه، قال: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، خبرها ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أي: فقدوها، فقدوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة (بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدَّة لهم في الجنة)، الخاسرون حقيقة ليسوا الذين فقدوا المال ولا الذين فقدوا الأهل في الدنيا، الخاسرون حقيقة هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾، أما خسران أهليهم فظاهر؛ لأنه لا يجمع بينهم وبين أهليهم في النار، بخلاف أهل الجنة؛ فإن أهل الجنة يقول الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني حتى لو كانت الذرية نازلة المرتبة فإن الله يرفعهم إلى آبائهم، هؤلاء والعياذ بالله يفرق بينهم وبين أهليهم في النار، حتى لو جمع بينهم فماذا يكون؟ فخسرانهم أهليهم واضح، لكن كيف خسروا أنفسهم؟ خسروا أنفسهم لأنهم لم يستفيدوا من الحياة الدنيا شيئًا، حياتهم خسارة لأنهم لم يستفيدوا منها شيئًا، فلم يؤمنوا بالله ورسله.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا) في هذا نظر ظاهر، والمراد بأهليهم أهلوهم في الدنيا، وليس المراد (الحور المعدة لهم في الآخرة لو آمنوا)؛ لأن هذا قد عُلم من قبل، فإنه يقال للميت إذا دُفن في قبره: هذا مقعدك من الجنة، يعني لو آمنت، ويقال للمؤمن: هذا مقعدك من النار[[أخرجه البخاري (٦٥٦٩)، وابن حبان (٣١١٣) والسياق له من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو لم تؤمن، فالمراد بالأهلين هنا أهلوهم في الدنيا لم يربحوا.
وقول المؤلف رحمه الله: (والموصول خبر إن)، أين الموصول؟ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ هذا هو الموصول، ونبه على ذلك لئلا يظن الظان أن ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ صفة للخاسرين.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ يقول المفسر: (الكافرين ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ دائم، وهو من مقول الله تبارك وتعالى)، يعني ليس من مقول الذين آمنوا، اتل الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ لو نظرنا إلى السياق لقلنا: إن هذا بقية كلام المؤمنين، لكن المؤلف نبه على أن هذا من كلام الله وليس من كلام الذين آمنوا، والسياق محتمِل لهذا وهذا، محتمل أن يكون كما قال المفسر من كلام الله، ومحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا، والذين آمنوا يعلمون أن الظالمين في عذاب مقيم من الوقت الذي هم فيه في الدنيا؛ لأنهم قرءوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الجملة مؤكدة بمؤكدين:
الأول: ﴿أَلَا﴾ لأن ﴿أَلَا﴾ هنا للتنبيه، والتنبيه يقتضي التوكيد، والمؤكد الثاني: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿إِنَّ﴾ لأن (إن) حرف توكيد، ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائم والعياذ بالله.
في هذه الآيات فوائد:
* منها: أن من أضله الله فلا أحد يهديه مهما كانت منزلة هذا الذي حاول أن يهديه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ويشهد لهذا الحكم العظيم المخوف ما جرى للنبي ﷺ مع عمه أبي طالب، أبو طالب شقيق أبي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينصر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويحوطه ويدافع عنه، ولما حضرته الوفاة كان عنده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورجلان من قريش، فكان يعرض عليه الإسلام يقول: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فقال له الرجلان: أترغب عن ملة عبد المطلب -وهي ملة الكفر والشرك- فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]]. نسأل الله العافية والسلامة، مع محبته للرسول ﷺ وشهادته له بالرسالة، لكنه لم يذعن ولم يقبل، فكان آخر حياته أن قال: على ملة عبد المطلب. ومات على الشرك؛ أذن الله تعالى لرسوله ﷺ أن يشفع له في تخفيف العذاب عنه فشفع له، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه[[أخرجه مسلم (٢١٢ / ٣٦٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] والعياذ بالله، دماغه أعلى شيء في بدنه، والنعلان في أسفل شيء، وإذا كان الأعلى يغلي فما دونه أشد وأشد، قال النبي ﷺ: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، لولا أنا شفعت أو لولا أنا في رسالتي التي كان يدافع عنها أبو طالب؟ الظاهر أنه للأمرين جميعًا؛ لأن الله شكر له، بل لأن الله تعالى أذن لرسوله ﷺ أن يشفع فيه لما قدمه للإسلام من نصر.
ويؤخَذ منه أن من نصر الإسلام ولو من الكافرين فله فضل؛ لأن الإسلام دين العدل، يعطي كل ذي حق حقه، فمثلًا إذا أعان الكفار المسلمين إعانة صادقة نعلم أنه ليس لهم طمع في ذلك، وانتفع المسلمون بهذا النصر، فإنه يجب أن نعترف بفضلهم في هذا الباب، لماذا؟ لأنهم صنعوا إلينا معروفًا، ولأن الدين الإسلامي دين العدل، لا يظلم أحدًا حقه. وأما قول بعض الناس: لن نعترف لهم بالفضل لأنهم كفار، فكفرهم بينهم وبين الله، وتفضلهم علينا حق يجب أن نعترف به.
أضرب مثلًا لذلك في قضية كوسوفا، قضية كوسوفا حصل فيها ما سمعه كثير منكم، ومن الذي انتصر لهم؟ الكفار انتصروا لهم، الحلف الأطلسي وضع كل ما يملك من معدات يمكنه أن يقاتل بها ودافع عنهم، ولم نسمع أحدًا من المسلمين أرسل طائرة أو قذيفة، ولعل لها عذرًا وأنت تلوم، لكن كوننا نجحد هذا الفضل غلط، نقول: هؤلاء لهم فضل وكفرهم بينهم وبين الله، ونحن لا نحبهم على كفرهم أبدًا، بل نشكر لهم الفضل وإن كنا نكرههم غاية الكراهة لأنهم أعداء الله ورسوله، هذا إذا علمنا أن النية صادقة، أما إذا علمنا أنه مكر وخديعة علمًا يقينيًّا فهنا نذمهم على ما فعلوا ولا نمدحهم ولا نعترف لهم بفضل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
أرجع إلى الفوائد، يقول:
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من هداه الله فقد تولاه؛ لأنه لما نفى الولاية عن الظالمين فإنها تثبت للمؤمنين، وبذلك جاء التصريح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٥٧].
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يلح على الله دائمًا أن يهديه من الضلال؛ لأنه إذا كان المرجع في الإضلال إلى الله، فإلى من نلتجئ؟ إلى من؟ إلى الله عز وجل، ما دام الإضلال والهداية بيد الله فلنرجع إليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحسر وذل الظالمين إذا رأوا العذاب؛ لقوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾، تحسرهم بقولهم: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ لأن هذا تمنٍّ.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: أن هؤلاء الظالمين يعرَضون على النار على أكمل ذل وأخزى حال ﴿خَاشِعِينَ﴾ أي: ذليلين خائفين من الذل.
* ومن فوائد هذه الآية: أن المستكبرين على الحق المعاندين يجازَون بعقاب يناسب معصيتهم، وجه ذلك؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى عندما استكبروا على الحق جعلهم أذلاء أمام النار.
* الشيخ: وجه ذلك: أنهم يعرضون على النار خاشعين ذليلين، ومعلوم أن العقوبة بالذل مناسبة للمعصية بالاستكبار.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظالمين يلحقهم الذل ظاهرًا وباطنًا، الباطن في قوله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ والظاهر في قوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحدث الذين آمنوا بنعم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ فكأنهم يثنون على الله عز وجل بكونهم ربحوا دنياهم وأخراهم.
* ومن فوائد الآية: أن العاصي قد خسر نفسه، وعلى حسب معصيته تكون الخسارة؛ لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا.
ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه وينظر ماذا صنع، فإن رأى أنه قد ملأ زمانه من الخير المقصود والوسيلة فليحمد الله، وإن رأى أنه أضاعه فليستعتب. يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ولنضرب لهذا مثلًا: رجل قام يصلي ويقرأ القرآن لمدة ساعة، وآخر يلعب هذه المدة، من الرابح؟ الأول هو الرابح؛ لأنه ملأ هذا الفراغ عبادة، والثاني خاسر ضائع، حتى إن بعض أهل العلم قال: إنه يحرم عليه ألا يشغل الزمن بالطاعة؛ لأنه كالذي عنده مال فلم ينفقه في سبيل الله، لكن الصحيح أنه إذا لم يعمره بالمعصية فلا له ولا عليه، إلا أنه يُعتبر خاسرًا بالنسبة لمن شغله بطاعة الله، وأنت فكر في هذا عندما تقوم تصلي، قل لنفسك: إن عمرك هو هذا الزمن الذي أمضيته في طاعة الله، عوِّد نفسك على هذا من أجل أن تحرص على أن تعمر زمنك بطاعة الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكافرين دائم؛ لقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾.
* ومن فوائدها: تأكيد هذه العقوبة؛ لئلا يقول قائل: إن العذاب قد ينقطع.
قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (من) شرطية، والفعل مجزوم بها، مجزوم بأيش؟
* طالب: بـ(من).
* الشيخ: نعم، فعل الشرط.
* الطالب: فعل الشرط، وعلامة جزمه السكون، وحرك (...) لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: علامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) طيب لماذا اقترن الجواب بالفاء؟ لأنه أيش؟
* طالب: مقترن بـ(ما).
* الشيخ: أحسنت، مقترن بـ(ما)، أخبر الله؟
* طالب: أخبر الله عز وجل أن الكفار ﴿يُدَعُّونَ﴾ [الطور ١٣] يعني يُقذفون فيها.
* الشيخ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [الطور ١٣]
* الطالب: يقذفون فيها دعا، كيف نجمع بين: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ العرض هذا أيش؟
* الشيخ: يُعرَضون عليها قبل أن يدخلوها.
* الطالب: يعني على الصراط ولَّا كيف؟
* الشيخ: الله أعلم، يُعرَضون عليها قبل أن يدخلوها، والكفار لا يحاولون الصعود على الصراط؛ لأنهم يُصرَفون إلى جهنم في عرَصات القيامة.
الشورى 42:45
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى ٤٤] (من) هذه شرطية، وهي للعموم، يعني أي أحد يقدر الله تعالى أن يضل فإنه لا يمكن أن يتولاه أحد بعد الله. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يهديه أحد، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية ٢٣]، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقول المفسر: (أي: أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه) ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ )، (ترى) بصرية، و(الظالمين) مفعول به، و(يقولون) جملة حالية، و﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ و(لما) هذه أيش هي؟ جازمة؟ بمعنى حين، ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ والمراد بالظالمين هنا الكافرون؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤].
﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي حين رأوا العذاب بأعينهم ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾، (هل) استفهام للتمني، يعني يتمنون أن يكون لهم سبيل إلى الرد.
وقوله: ﴿إِلَى مَرَدٍّ﴾ أي: إلى مرجع، والمراد مرجع للدنيا ليعملوا صالحًا، ولكن هذا التمني باء بالفشل؛ لأن ذلك أمر غير ممكن، بل قد قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨]، فهم يتمنون هذا، ويدعون أنهم إذا رجعوا صلحوا، ولكن الأمر ليس بذلك، ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال: أي من طريق، والجواب: لا سبيل، وكما سمعتم ﴿لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨] كما أنهم إذا غشيهم موج كالظلل في البحار ودعوا الله مخلصين له الدين إذا نجوا عادوا إلى الشرك.
قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [الشورى ٤٥] غدوًّا وعشيًّا، كلمة (ترى) هنا والتي قبلها هل المراد بها الرسول ﷺ وحده، أو ترى أيها المخاطب؟
الثاني؛ لأننا إذا قلنا بالثاني صار أعم مما إذا قلنا بالأول، ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ أيها الرائي ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ غدوًّا وعشيًّا.
(﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على النار ﴿خَاشِعِينَ﴾ خائفين متواضعين ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ )، (من) للسببية، أي: بسبب ذلهم، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا مستكبرين متعنجهين لا يرون الناس شيئًا ولا يقبلون الحق، يعرضون على النار على هذا الوصف، ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ يعني قد امتلأت قلوبهم ذلًّا، (﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليها ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ضعيف النظر مسارقة) يعني ينظرون إلى النار والعياذ بالله ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ أي من بصر ﴿خَفِيٍّ﴾ أي ضعيف، يسارقون النظر، كالإنسان الذي هو خائف من شيء؛ تجده ينظر إليه نظرًا ضعيفًا، ثم يصرف النظر على طول، وذلك لشدة ذلهم، أعاذنا الله وإياكم من حالهم، (ومن ابتدائية أو بمعنى الباء)، (من) في قوله: ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ ابتدائية أو بمعنى الباء، أي: ينظرون بطرف خفي، وإذا دار الأمر بين أن تكون ابتدائية على بابها أو بمعنى الباء فالأولى أن تجعل على بابها، يعني يبتدئ نظرهم من الطرف الخفي ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالوا: مثنين على الله عز وجل، متحدثين بنعمه، قال: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها ﴿الْخَاسِرِينَ﴾، خبرها ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أي: فقدوها، فقدوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة (بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدَّة لهم في الجنة)، الخاسرون حقيقة ليسوا الذين فقدوا المال ولا الذين فقدوا الأهل في الدنيا، الخاسرون حقيقة هم ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾، أما خسران أهليهم فظاهر؛ لأنه لا يجمع بينهم وبين أهليهم في النار، بخلاف أهل الجنة؛ فإن أهل الجنة يقول الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور ٢١]، يعني حتى لو كانت الذرية نازلة المرتبة فإن الله يرفعهم إلى آبائهم، هؤلاء والعياذ بالله يفرق بينهم وبين أهليهم في النار، حتى لو جمع بينهم فماذا يكون؟ فخسرانهم أهليهم واضح، لكن كيف خسروا أنفسهم؟ خسروا أنفسهم لأنهم لم يستفيدوا من الحياة الدنيا شيئًا، حياتهم خسارة لأنهم لم يستفيدوا منها شيئًا، فلم يؤمنوا بالله ورسله.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا) في هذا نظر ظاهر، والمراد بأهليهم أهلوهم في الدنيا، وليس المراد (الحور المعدة لهم في الآخرة لو آمنوا)؛ لأن هذا قد عُلم من قبل، فإنه يقال للميت إذا دُفن في قبره: هذا مقعدك من الجنة، يعني لو آمنت، ويقال للمؤمن: هذا مقعدك من النار[[أخرجه البخاري (٦٥٦٩)، وابن حبان (٣١١٣) والسياق له من حديث أبي هريرة.]]، يعني لو لم تؤمن، فالمراد بالأهلين هنا أهلوهم في الدنيا لم يربحوا.
وقول المؤلف رحمه الله: (والموصول خبر إن)، أين الموصول؟ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ هذا هو الموصول، ونبه على ذلك لئلا يظن الظان أن ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ صفة للخاسرين.
قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ يقول المفسر: (الكافرين ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ دائم، وهو من مقول الله تبارك وتعالى)، يعني ليس من مقول الذين آمنوا، اتل الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ لو نظرنا إلى السياق لقلنا: إن هذا بقية كلام المؤمنين، لكن المؤلف نبه على أن هذا من كلام الله وليس من كلام الذين آمنوا، والسياق محتمِل لهذا وهذا، محتمل أن يكون كما قال المفسر من كلام الله، ومحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا، والذين آمنوا يعلمون أن الظالمين في عذاب مقيم من الوقت الذي هم فيه في الدنيا؛ لأنهم قرءوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الجملة مؤكدة بمؤكدين:
الأول: ﴿أَلَا﴾ لأن ﴿أَلَا﴾ هنا للتنبيه، والتنبيه يقتضي التوكيد، والمؤكد الثاني: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿إِنَّ﴾ لأن (إن) حرف توكيد، ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائم والعياذ بالله.
في هذه الآيات فوائد:
* منها: أن من أضله الله فلا أحد يهديه مهما كانت منزلة هذا الذي حاول أن يهديه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾. ويشهد لهذا الحكم العظيم المخوف ما جرى للنبي ﷺ مع عمه أبي طالب، أبو طالب شقيق أبي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينصر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويحوطه ويدافع عنه، ولما حضرته الوفاة كان عنده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورجلان من قريش، فكان يعرض عليه الإسلام يقول: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فقال له الرجلان: أترغب عن ملة عبد المطلب -وهي ملة الكفر والشرك- فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤ / ٣٩) من حديث المسيب بن حزن.]]. نسأل الله العافية والسلامة، مع محبته للرسول ﷺ وشهادته له بالرسالة، لكنه لم يذعن ولم يقبل، فكان آخر حياته أن قال: على ملة عبد المطلب. ومات على الشرك؛ أذن الله تعالى لرسوله ﷺ أن يشفع له في تخفيف العذاب عنه فشفع له، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه[[أخرجه مسلم (٢١٢ / ٣٦٢) من حديث عبد الله بن عباس.]] والعياذ بالله، دماغه أعلى شيء في بدنه، والنعلان في أسفل شيء، وإذا كان الأعلى يغلي فما دونه أشد وأشد، قال النبي ﷺ: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، لولا أنا شفعت أو لولا أنا في رسالتي التي كان يدافع عنها أبو طالب؟ الظاهر أنه للأمرين جميعًا؛ لأن الله شكر له، بل لأن الله تعالى أذن لرسوله ﷺ أن يشفع فيه لما قدمه للإسلام من نصر.
ويؤخَذ منه أن من نصر الإسلام ولو من الكافرين فله فضل؛ لأن الإسلام دين العدل، يعطي كل ذي حق حقه، فمثلًا إذا أعان الكفار المسلمين إعانة صادقة نعلم أنه ليس لهم طمع في ذلك، وانتفع المسلمون بهذا النصر، فإنه يجب أن نعترف بفضلهم في هذا الباب، لماذا؟ لأنهم صنعوا إلينا معروفًا، ولأن الدين الإسلامي دين العدل، لا يظلم أحدًا حقه. وأما قول بعض الناس: لن نعترف لهم بالفضل لأنهم كفار، فكفرهم بينهم وبين الله، وتفضلهم علينا حق يجب أن نعترف به.
أضرب مثلًا لذلك في قضية كوسوفا، قضية كوسوفا حصل فيها ما سمعه كثير منكم، ومن الذي انتصر لهم؟ الكفار انتصروا لهم، الحلف الأطلسي وضع كل ما يملك من معدات يمكنه أن يقاتل بها ودافع عنهم، ولم نسمع أحدًا من المسلمين أرسل طائرة أو قذيفة، ولعل لها عذرًا وأنت تلوم، لكن كوننا نجحد هذا الفضل غلط، نقول: هؤلاء لهم فضل وكفرهم بينهم وبين الله، ونحن لا نحبهم على كفرهم أبدًا، بل نشكر لهم الفضل وإن كنا نكرههم غاية الكراهة لأنهم أعداء الله ورسوله، هذا إذا علمنا أن النية صادقة، أما إذا علمنا أنه مكر وخديعة علمًا يقينيًّا فهنا نذمهم على ما فعلوا ولا نمدحهم ولا نعترف لهم بفضل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
أرجع إلى الفوائد، يقول:
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من هداه الله فقد تولاه؛ لأنه لما نفى الولاية عن الظالمين فإنها تثبت للمؤمنين، وبذلك جاء التصريح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٥٧].
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يلح على الله دائمًا أن يهديه من الضلال؛ لأنه إذا كان المرجع في الإضلال إلى الله، فإلى من نلتجئ؟ إلى من؟ إلى الله عز وجل، ما دام الإضلال والهداية بيد الله فلنرجع إليه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحسر وذل الظالمين إذا رأوا العذاب؛ لقوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾، تحسرهم بقولهم: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ لأن هذا تمنٍّ.
* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: أن هؤلاء الظالمين يعرَضون على النار على أكمل ذل وأخزى حال ﴿خَاشِعِينَ﴾ أي: ذليلين خائفين من الذل.
* ومن فوائد هذه الآية: أن المستكبرين على الحق المعاندين يجازَون بعقاب يناسب معصيتهم، وجه ذلك؟
* طالب: الله سبحانه وتعالى عندما استكبروا على الحق جعلهم أذلاء أمام النار.
* الشيخ: وجه ذلك: أنهم يعرضون على النار خاشعين ذليلين، ومعلوم أن العقوبة بالذل مناسبة للمعصية بالاستكبار.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظالمين يلحقهم الذل ظاهرًا وباطنًا، الباطن في قوله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ والظاهر في قوله: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحدث الذين آمنوا بنعم الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ فكأنهم يثنون على الله عز وجل بكونهم ربحوا دنياهم وأخراهم.
* ومن فوائد الآية: أن العاصي قد خسر نفسه، وعلى حسب معصيته تكون الخسارة؛ لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا.
ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه وينظر ماذا صنع، فإن رأى أنه قد ملأ زمانه من الخير المقصود والوسيلة فليحمد الله، وإن رأى أنه أضاعه فليستعتب. يؤخذ من قوله: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ولنضرب لهذا مثلًا: رجل قام يصلي ويقرأ القرآن لمدة ساعة، وآخر يلعب هذه المدة، من الرابح؟ الأول هو الرابح؛ لأنه ملأ هذا الفراغ عبادة، والثاني خاسر ضائع، حتى إن بعض أهل العلم قال: إنه يحرم عليه ألا يشغل الزمن بالطاعة؛ لأنه كالذي عنده مال فلم ينفقه في سبيل الله، لكن الصحيح أنه إذا لم يعمره بالمعصية فلا له ولا عليه، إلا أنه يُعتبر خاسرًا بالنسبة لمن شغله بطاعة الله، وأنت فكر في هذا عندما تقوم تصلي، قل لنفسك: إن عمرك هو هذا الزمن الذي أمضيته في طاعة الله، عوِّد نفسك على هذا من أجل أن تحرص على أن تعمر زمنك بطاعة الله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكافرين دائم؛ لقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾.
* ومن فوائدها: تأكيد هذه العقوبة؛ لئلا يقول قائل: إن العذاب قد ينقطع.
قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (من) شرطية، والفعل مجزوم بها، مجزوم بأيش؟
* طالب: بـ(من).
* الشيخ: نعم، فعل الشرط.
* الطالب: فعل الشرط، وعلامة جزمه السكون، وحرك (...) لالتقاء الساكنين.
* الشيخ: علامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) طيب لماذا اقترن الجواب بالفاء؟ لأنه أيش؟
* طالب: مقترن بـ(ما).
* الشيخ: أحسنت، مقترن بـ(ما)، أخبر الله؟
* طالب: أخبر الله عز وجل أن الكفار ﴿يُدَعُّونَ﴾ [الطور ١٣] يعني يُقذفون فيها.
* الشيخ: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [الطور ١٣]
* الطالب: يقذفون فيها دعا، كيف نجمع بين: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ العرض هذا أيش؟
* الشيخ: يُعرَضون عليها قبل أن يدخلوها.
* الطالب: يعني على الصراط ولَّا كيف؟
* الشيخ: الله أعلم، يُعرَضون عليها قبل أن يدخلوها، والكفار لا يحاولون الصعود على الصراط؛ لأنهم يُصرَفون إلى جهنم في عرَصات القيامة.
الشورى 42:46
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٦] (أي: غيره يدفع عقابه عنهم) ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ﴾ أي: للظالمين ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، (من) زائدة إعرابًا، وهي للتوكيد، ﴿أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ﴾ يعني ليس لهم من يتولاهم وينصرهم من دون الله، أي: من عذابه، و(دون) هنا بمعنى (غير) كما فسرها المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدفع عذاب الله عمن أراد الله أن يعذبه أبدًا، ولا ينصروه منه، في الدنيا لو أراد ظالم أن يظلم أحدًا أمكن أن يدفعه، لكن عقوبة الله لا يمكن أحدًا أن يدفعها.
قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾، ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ جملة شرطية، وهي كما سبق جوابها مقرون بالفاء؛ لأنه اتصل به (ما)، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي (طريق إلى الحق في الدنيا وإلى الجنة في الآخرة)، بل يكون أعمى والعياذ بالله، ليس له سبيل إلى الحق، ولذلك تجد الذين قضى الله بإضلالهم يقدم لهم الحق كالمشمس في رابعة النهار ولكن لا يفهمونه، قد حيل بينهم وبينه، واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣]، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّا﴾ يعني ليست أساطير الأولين ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، الذنوب جعلته يرى الحق باطلًا ويرى الباطل حقًّا، تُتلَى عليه آيات الله كالقرآن أو التوراة حين لم تنسخ، ولكنه يقول: هذه أساطير الأولين، قد حيل بينه وبين فهمها، ولذلك كلما رأيت قلبك مطمئنًّا بالقرآن محبًّا له متدبرًا له فاعلم أنه نُقي من الذنوب، وكلما وجدت الأمر بالعكس فطهر القلب.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالمين لا أحد ينصرهم من دون الله؛ لأنهم استحقوا العذاب، ولا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإضلال بيد الله، وأن من أضله الله لا يمكن أن يرجع للحق؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤٦].
* ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا ويسأل الله الهداية، وها هو النبي ﷺ يسأل ربه أن يهديه، أول ما يدعو في صلاة الليل يدعو بالاستفتاح المشهور: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠) من حديث عائشة.]] شوف يقول: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ» فكيف بنا.
فالمهم أنه يؤخذ من الآية أن يرجع الإنسان في طلب الهداية إلى الله تعالى وحده وأن يعيذه من الضلال.
* طالب: (...) نذكر بعض الآيات إذا جاءت صفة كاشفة نقول: تفيد التعليل (...)؟
* الشيخ: الصفة الكاشفة هذه معناها أنها كالتعليل لما سبق، وأيضا ليس لها مفهوم، وهذا هو المهم.
* طالب: الاعتراف بالفضل للكفار في بعض الجوانب، المستشرقون ما فعلوه من بعض الأشياء من (...) وإن كانت (...).
* الشيخ: لا، المستشرقون ترى ما هم بيعملون (...) المستشرق يجوب الأرض لينظر ويفكر ويقدر فنيته سيئة، أما نعم العمال فنعم، هم يطلبون المال بأي وسيلة.
* طالب: (...) الآية ما.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء ١٤٥] لا تدل على أن غيرهم لا يكون فيها، كما لو قلت مثلًا: فلان في بيت فلان، هل ينافي أن يكون أحد في هذا البيت؟ لا، ما ينافي.
* طالب: أحسن الله إليك، قول النبي ﷺ: «لَوْلَا أَنَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]]، والنهي الوارد في (لو)؟
* الشيخ: النهي الوارد في (لو) فين؟
* الطالب: إي نعم، لما يقول الإنسان: لو، إن (لو) من عمل الشيطان.
* الشيخ: هذه (لولا) (...).
* الطالب: هل يجوز للإنسان أن يقول: لولا أنا.
* الشيخ: (...) أن تقول: ما الجمع بين هذا الحديث وبين النهي عن (لو)، اسحب السؤال، ويجيء إن شاء الله الجواب.
* الطالب: سحبناه.
* الشيخ: سحبته؟ أقول: نسبة الشيء إلى سببه إذا كان سببًا صحيحًا لا بأس بها، فمثلًا لو أن رجلًا سقط في البحر فقام آخر فأنقذه يجوز أن يقول: لولا فلان لغرقت؛ لأنه نسبه إلى سبب معلوم، لكن لو قال: لولا فلان وهو مدفون في قبره، هل هذا سبب معلوم؟ إنسان غرق في الماء وقال: والله لولا الولي فلان سيدي لغرقت، يصح أو لا يصح؟ لا يصح، شرك. المهم خذ قاعدة: نسبة الشيء إلى سببه المعلوم يجوز، لكن لا يقرن مع الله بالواو، فإن قرن مع الله بالواو صار حرامًا، مثل أن يقول: لولا الله وفلان لغرقت، هذا ما يجوز، فنذكر لك الصور، إذا قال: لولا الله قيض لي فلانًا لغرقت، ما تقول؟
* الطالب: هذا يصح.
* الشيخ: هذا يصح، وهو أعلى الأنواع؛ لأنه ذكر المسبب والسبب، إذا قال: لولا فلان لغرقت، هذا جائز؛ لأنه أضافه إلى سبب معلوم صحيح، إذا قال: لولا الله وفلان لغرقت، هذا لا يجوز؛ لأنه شرك بين الله وغيره بحرف يقتضي التسوية، إذا قال: لولا الله ثم فلان لغرقت يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، الصور كم؟ أربعة، إذا قال: لولا الله ففلان لغرقت، ففلان مثل الواو، ويش تقولون يا جماعة؟ هل الفاء مثل الواو؟ الفاء تقتضي الترتيب لكنها في الواقع في منزلة بين منزلتين، ليست كـ(ثم)؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي، وليست كالواو؛ لأن الواو تقتضي التسوية، فهي في منزلة بين المنزلتين، فهل نقول: إنها كـ(ثم)؛ لأنها دالة على الترتيب، أو إنها كالواو؛ لأن ترتيبها يقتضي التعقيب؟ الأول هو الصواب، يعني لولا الله ففلان، لأنك جعلت فلانًا بعد الله عز وجل، وكونه متراخيًا أو متعاقبًا هذا شيء آخر، بارك الله فيك.
* الطالب: شيخ، يعني يشكل علينا يا شيخ في هذه المسألة ما نُقل عن ابن عباس أنه كان يقول: قول القائل: لولا الربان لغرقت السفينة، كان يعد هذا من الشرك الأصغر، فما وجهه يا شيخ؟
* الشيخ: وجهه أمران: أولًا: الحديث رواه ابن أبي حاتم فيحتاج إلى تصحيح، ثانيًا: أن ابن عباس رضي الله عنهما لعله في وقت الناس قريبون من الشرك، فأراد أن يشدد في هذا الأمر حتى ينتهي الناس عنه؛ لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٨٣)، ومسلم (٢٠٩ / ٣٥٧) من حديث العباس بن عبد المطلب.]] واضح أنه أضاف الشيء إلى سببه دون أن يقرنه بمشيئة الله (...).
الشورى 42:47
قال الله تبارك وتعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ [الشورى ٤٧] استجاب بمعنى أجاب، ولهذا قال المفسر: (أجيبوه بالتوحيد والعبادة) بالتوحيد ضد الشرك، والعبادة ضد الاستكبار، وهذا واجب على كل مسلم أن يجيب الله تبارك وتعالى بالإيمان به وتوحيده وطاعته. (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ هو يوم القيامة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي أنه إذا أتى به لا يرد). ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: لا أحد يرده ويمنعه، وقيل: ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، أي أن الله سبحانه وتعالى لا يرده إذا أتى به، وكلا المعنيين صحيح، فالله تبارك وتعالى إذا أتى به فقد قضى به، فلا يمكن أن يرده، وكذلك لا يمكن لأحد أن يرده من دون الله، لا أحد يمنعه من الله عز وجل، ولذلك لو أن أحدًا حاول أن يرد يوم القيامة لم يتمكن.
(﴿لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ تلجؤون إليه ﴿يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ إنكار لذنوبكم) ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾ هذه جملة مبتدأ وخبر، قُدم فيها الخبر على المبتدأ، وأُدخلت (من) الزائدة على المبتدأ من باب التوكيد، يعني: ما لكم أي ملجأ من دون الله عز وجل، والملجأ بمعنى المعاد أو الملاذ الذي يلوذ به الإنسان عما نزل به.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يومئذ يأتي ذلك اليوم ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ قال: (إنكار لذنوبكم)، فكأنه فسر النكير بمصدر وهو الإنكار، فإن صح ما فسره به: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ فإنه يشكل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]، وهذا إنكار، فعلى تفسير المؤلف: ما لكم من إنكار لذنوبكم، يحتاج أن نجمع بينه وبين هذه الآية، والجواب أن نقول: الجمع بينهما أنهم ينكرون، أولًا يقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣] ظنًّا منهم أنهم إذا فعلوا ذلك نجوا كما نجا أهل التوحيد، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، وحينئذٍ يعترفون ويقرون؛ فيكون الإنكار أولًا ثم الإقرار ثانيًا، وتكون الآية: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى ٤٧] أي: باعتبار المآل، أي: لا يمكنكم أن تنكروا.
وقيل: إن نكيرًا بمعنى منكر؛ كسميع بمعنى مسمع، والمعنى لا أحد ينكر ما نزل بكم ويدفعه عنكم. وهذا المعنى أصح وأنسب لسياق الآية، ما لكم من ملجأ وما لكم من منكر، يعني لا ملجأ تلجئون إليه، ولا أحد يدافع عنكم وينكر ما نزل بكم.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى ٤٧].
في هذه الآية فوائد:
* منها: وجوب الاستجابة إلى الله تعالى فورًا؛ لقوله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ﴾ هذا اليوم الذي هدد الله به هل له وقت محدد في عمر الإنسان، بحيث يستطيع أن يؤخر التوبة والاستعتاب؟
الجواب: لا؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا فاجأه الموت انقطع كل عمل؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]]، فلا فرق بين قيام الساعة الكبرى وبين موت الإنسان من حيث انقطاع العمل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رأفة الله تبارك وتعالى بعباده، حيث ينذرهم بعذابه قبل الوقوع، ولا شك أن هذا من رحمته ورأفته بهم، وإلا لتركهم يفعلون ما يشاءون حتى ينزل بهم العذاب.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ملجأ يوم القيامة من الله عز وجل، في الدنيا يمكن أن يلوذ الإنسان بذي سلطة يستجير به لكن في الآخرة لا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد ينكر ما نزل بأهل العذاب من العذاب؛ لقوله:
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لا أحد ينكر ما نزل بهم من العذاب.
* طالب: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ﴾.
* الشيخ: نعم.
الشورى 42:48
ثم قال عز وجل مسليًا النبي ﷺ: (﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ [الشورى ٤٨] عن الاستجابة) ولم يستجيبوا فلا لوم عليك (﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم) الجواب، جواب الشرط ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ المعنى: إن أعرضوا فلا لوم عليك؛ لأنك لم ترسل عليهم حفيظًا على أعمالهم ولا مسيطرًا عليهم، إنما أرسلت للإبلاغ وقد حصل. ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ﴾ (ما)، كيف ﴿إِنْ﴾ ما؟ أراد أن يفسر ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما)، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي زائدة، وتأتي شرطية، وتأتي مخففة من الثقيلة.
فهنا جاءت نافية، والغالب أنها تكون نافية إذا أتى بعدها إثبات، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [الأعراف ١٨٨] وما أشبه ذلك، هذه تكون نافية بمعنى (ما).
تأتي شرطية مثل: ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤].
وتأتي زائدة؛ كما في قول الشاعر:
بَنُو غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ
هذه (إن) زائدة؛ لأنها لو حذفت لاستقام الكلام، لو قيل: بنو غدانة ما أنتم ذهب استقام الكلام، فهي زائدة.
وتأتي مخففة من الثقيلة بمعنى أن تكون هي بمعنى (إن) ولكن خففت، وفي هذه الحال يكون اسمها ضمير الشأن محذوفا والجملة التي بعدها تكون خبرًا، هذه أربعة معان لـ(إن).
﴿إِنْ﴾ (ما) أي: بمعنى (ما) ﴿عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، يعني ما عليك إلا البلاغ، وقد بلغ أو لا؟ بلغ البلاغ المبين، وتعب في ذلك تعبًا عظيمًا، وأُوذي في ذلك أذًى عظيمًا، ومع ذلك فهو صابر محتسب؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أن ما أصابه في ذات الله فهو خير ورفعة، جاهد في الله حق جهاده وبلغ الرسالة غاية البلاغ وأوذي على ذلك، ولكنه صبر، وكان يقول:
«هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌدَمِيتِ» ∗∗∗ «وَفِي سَبِــــيلِ اللهِ مَالَقِيتِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٧٩٦/ ١١٢) من حديث جندب بن سفيان.
]]
قال المفسر: (وهذا قبل الأمر بالجهاد) إذن فالآية على كلام المؤلف منسوخة، والمؤلف ونحوه دائمًا إذا أتى مثل هذه الآية يقول: هذه منسوخة، وهذا غلط؛ لأن النسخ ليس بالأمر الهين، ادعاء النسخ يعني أن المنسوخ باطل حكمًا زائل، وهذا صعب أن ترفع حكم آية أو حديث لمجرد وهم توهمته. لذلك لا يجوز للإنسان أن يسلك هذا المسلك المشين، أنه إذا عجز عن الجمع بين الآيات ذهب يقول: إنها منسوخة، النسخ يحتاج إلى العلم بتأخر الناسخ، ويحتاج أيضًا إلى تعذر إمكان الجمع، فإن أمكن الجمع فلا نسخ، هل قوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ هل هو منسوخ؟ أبدًا، إلى آخر رمق من حياة النبي ﷺ، وهو عليه البلاغ، فلم ينسخ، والبلاغ لا ينافي أن يكون معه جهاد، ولكن من حكمة الله عز وجل أن الله لم يفرض الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، لم يفرض الجهاد في مكة، وإنما فرضه في المدينة حين صار للأمة الإسلامية دولة مستقلة تستطيع أن تجاهد، فهذا من الحكمة، ويعبر عنه أنه من باب التدرج في التشريع، ومن باب الحكمة في التشريع.
إذن نقول: إن قول المؤلف عفا الله عنه وغفر له: (إن هذا قبل الأمر بالجهاد) خطأ عظيم، نقول: البلاغ واجب عليه حتى بعد الأمر بالجهاد، ولا يتنافيان، لا ينافي أن يكون عليه البلاغ وأن يكون مأمورًا بالجهاد.
﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ (نعمة كالغنى والصحة ﴿فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ الضمير للإنسان باعتبار الجنس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ بلاء ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: قدموه، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ للنعمة).
﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا﴾ معلوم أن الله تعالى واحد، فلماذا قال: ﴿إِنَّا﴾؟ نقول: للتعظيم لإظهار العظمة والسلطة وقوة الملك، ﴿إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ [الشورى ٤٨] يعني أوصلناها إليه حتى كأنها طعام ذاقه لا يشك فيه. وقوله: ﴿مِنَّا﴾ لأن كل نعمة بنا فإنها من الله؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل ٥٣].
﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ يقول: (نعمة، كالغنى والصحة)، والمثال هنا لا يعني الحصر لكنه مثال، الغنى نعمة، الصحة نعمة، الأولاد نعمة، الأمن نعمة، نعم الله لا تحصى كما قال عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم ٣٤]. إذن ما ذكره المؤلف على سبيل التمثيل، والتمثيل لا يعطي الحصر.
وقوله: ﴿فَرِحَ بِهَا﴾ المراد بذلك فرح البطر والأشر، لا الفرح بالنعمة مع اعتقاد أنها من عند الله؛ فإن هذا مأمور به؛ أن يفرح الإنسان بنعم الله؛ وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو.]]. ومن آثار النعمة الفرح، الإنسان إذا رزقه الله مالًا فرح، إذا عافاه الله بعد المرض فرح، إذا تزوج فرح، إذا وُلد له فرح، ولكن الفرح نوعان: فرح أشر وبطر فهذا مذموم، وفرح بنعمة الله تعالى مع التزام شريعته فهذا ممدوح ولا بأس به.
ولا ينبغي أن يكون الإنسان كالحمار لا يفرح بنعمة ولا يتألم بنقمة، بل يجب أن يكون الإنسان إنسانًا منفعلًا مع الحوادث، يفرح في موضع الفرح ويغتم في موضع الاغتمام.
﴿فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يقول المؤلف: (الضمير للإنسان باعتبار الجنس) أزال بذلك إشكالًا، وهو أن الآية: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾، والإنسان واحد ولَّا جماعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واحد، كيف يقول: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ فيعيد الضمير عليه جمعًا؟
* طالب: المراد بالإنسان الجنس.
* الشيخ: نعم، أجاب عنه المؤلف بأن المراد بالإنسان الجنس، فيشمل كل إنسان، ويصح أن يقول: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ضد رحمة، ولهذا فسرها المؤلف بالبلاء، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بما قدموا من أيش؟ من المعاصي، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاوَل بها، لو أنك فكرت أيما أكثر عملًا الأيدي أو الأرجل؟
* طلبة: الأيدي.
* الشيخ: تأملوا يا جماعة، طيب مشيك من بيتك إلى المسجد كم خطوة؟ كم حركة؟ طلبة: (...).
* الشيخ: والرجل ما تتحرك؟ لو ما تحركت الرجل ما مشيت؟ فيقال: إن حركة الرجل في جنس واحد وهو المشي، لكن حركة اليد ما أكثر أنواعها فضلًا عن أفرادها، فالأعمال حقيقة إنما تزاول باليد؛ لأنها أكثر من أي عضو في البدن مزاولة للأعمال، حتى لو قال قائل: اللسان أكثر من اليد، من يحصي كلمات اللسان؟ نجيب عن هذا بما أجبنا عن المشي، بأنها من جنس واحد، لكن اليد تبطش، تضرب، تكتب، تمحو، يعني ما تحصى أنواعها، فلذلك عبر بالأيدي عن النفس.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، انتبه لهذا ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، المراد؟ أجيبوا؟ المراد مما عملنا، لكن اللغة العربية واسعة تعبر بالأيدي عن النفس، ومن ثم نعلم أنه لا سواء بين خلق آدم بيد الله وبين عمل أيدي الله سبحانه وتعالى في الإبل ونحوها.
قال: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ شوف أعاد الإفراد بعد أن جاء الجمع ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ هذا ابتدأها بالمفرد ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ ختمها بالمفرد من أجل أن يشمل الإنسان مجتمعًا أو منفردًا، فهذه حالة، ولكن من المراد بالإنسان هنا؟ الظاهر والله أعلم أن المراد بذلك الكافر؛ لأنه هو الذي ينطبق عليه فرح البطر والأشر والكفر إذا أصيب بسوء.
في هذه الآية فوائد:
* منها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما أعرضوا عن إجابته؛ لقوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
* ومن فوائد الآية: أنها تسلية للدعاة من بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، أن الداعي عليه البلاغ، وليس عليه أن يهدي الناس ولا يمكنه ذلك، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بأنه رأى النبي وليس معه أحد[[أخرجه أحمد (١٥) من حديث أبي بكر الصديق.]] فكيف نغضب إذا دعونا إلى الله ولم يستجب لنا أحد؟ إذا كان الأنبياء وهم الأنبياء لا يستجاب لهم كيف بنا نحن؟
ولهذا نرى بعض الدعاة إذا لم يجد مجيبًا استحسر وترك الدعوة، هذا غلط، لا يجوز أبدًا أن تيئس من رحمة الله، ادعُ ثم ادعُ ثم ادعُ حتى لو أُوذيت بدل أن يستجاب لك فلا تيئس.
إذن في هذه الآية تسلية لمن؟ للدعاة إلى الله عز وجل، كما أن فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنت إنما عليك البلاغ، وما أجلَّ أن تقوم بما عليك من البلاغ، أما أن الناس يهتدون فلا، هذه واحدة.
ثانيًا: بعض الناس يريد أن يهتدي الناس بين عشية وضحاها، وهذا غلط، هذا لا يمكن، خلاف سنة الله عز وجل، إن النبي ﷺ بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله، إلى التوحيد فقط، وفي الآخر إلى الصلاة، ومع ذلك لم يستجب أكثرهم، لم يستجب ملؤهم، حتى ألجئوه إلى أن يهاجر ويدع بلده، فكيف بك أنت تعيش في قوم أفسدهم الاستعمار العسكري والفكري والخلقي، تريد أن يهتدوا بين عشية وضحاها، من أنت حتى تريد خلاف سنة الله عز وجل؟ اصبر وبالتدريج، ولا حرج عليك فيما أرى أن تعامل الناس بالتدريج، لا حرج ما دام المقصود الإصلاح، فاصبر على بعض المعاصي ودرج الناس عليها، يعني مثلًا لو أن إنسانًا حذر الناس من شرب الدخان الذي ابتُلي به كثير من الناس، فقال له الشارب: أنا ما أستطيع، قال: ما فيه مانع، كل يوم اشرب عشرة لمدة أسبوع، ثم ثماني لمدة أسبوع، حتى يتقاصر إلى آخر النهاية، هل هذا جائز أو لا؟ هذا جائز؛ لأني الآن لم أقره على شرب الدخان، أقررته على بعض المفسدة من أجل أن أتوصل إلى زوال المفسدة نهائيًّا، وهذا من العلاج ومن الدعوة بالحكمة، وهذا كما أنه في الأمراض المعنوية الدينية فهو أيضًا في الأمراض البدنية، الطبيب يعالج المريض شيئًا فشيئًا، ويصبر على ما به من مرض شيئًا فشيئًا، ولا يعطيه الدواء كاملًا للحظة واحدة كما فعل البدوي لما أعطوه نوفالجين وقالوا: خذ هذا كل ست ساعات واحدة، فاستبطأ الأمر وقال: هذا أبغي أخليه كل ست ساعات واحدة! أبلع الجميع، فبلع الجميع فقضي عليه، استعجل الأمر وهلك، اصبر عالج الشيء بالتي هي أحسن. المهم أن تكون عازمًا على إزالة هذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس حفيظًا على الأمة؛ لا في حياته ولا بعد مماته. وعلى هذا فلا يُستغاث به بعد موته ولا تطلب منه الهداية، وإنما الهداية من عند الله عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإبلاغ، ولم يبين الله تعالى الوسيلة للإبلاغ، فنقول: كل وسيلة للإبلاغ فهي واجبة، والوسائل لها أحكام المقاصد، فيما سبق الإبلاغ محصور يبلغ الإنسان أهل بلده ومن يفد إليها من الناس، الآن يمكنه أن يبلغ العالم كله، وحينئذ نسأل لو أن شخصًا أمكنه أن يجعل له صفحة في الإنترنت أيجوز أن يفعل؟
* طلبة: يجوز.
* الشيخ: يجوز؟ إنترنت فيه أغان، فيها بلاوي (...).
* طالب: لا، دخل له في ذلك.
* الشيخ: لا، دخل له في ذلك؟
* الطالب: ينشر له الخير.
* الشيخ: طيب، إذا صار قبله غنية وبعده غنية؟
* الطالب: لا يضره عمل عامل.
* الشيخ: لا يضره عمل عامل، عجيب، لو أن اللي قبله أغنية يفتتح بالأغاني ويختتم بالأغاني؟
* الطالب: ليس له..
* الشيخ: ليس له ذلك، إذا لا يبلغ؟
* الطالب: لا، يبلغ.
* الشيخ: يبلغ حتى لو قبله أغنية وبعده أغنية؟ ما تقولون في قوله؟ صحيح لأن الأغنية قبل وبعد ليست من فعله، هذا من فعل من يتصرف بهذه المحطة، لكن لا يجوز أن نترك الدعوة إلى الحق؛ لأن في هذه الإذاعة مثلًا أو المحطة لأن فيها سيئة، هذا غير صحيح ونظرية قاصرة، زاحم أهل الباطل حتى يتبين الحق، ولا يضرك إذا دخلوا فيها أشياء منكرة.
بعض الناس مثلًا يقول لنا أو لغيرنا: لا تدخلوا إنترنت، لا تدخلوا فيها، كيف تدخلون فيها وفيها الأغاني وفيها البلاء ما يصير هذا، أيهما أولى أن ندخل في هذا المضمار لعل الله أن يهدي بنا واحدًا من الناس أو أن ندع المجال لأهل الشر؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول بلا شك، الأول أحسن.
ومثل ذلك ما يقال في الانتخابات، إذا كان البلد مبنيًّا على الانتخابات، يقول بعض الناس: لا تنتخب، يا جماعة ما أرشح واحدًا من أهل الخير؟ قال: لا؛ لأن الانتخابات فيها بلاء، فيها رشاوٍ، فيها أهواء، إذا كان فيها رشاوٍ وأهواء أنا لن أدخل في الرشاوي والأهواء ولكن أدخل في ترشيح رجل أعرف أن فيه خيرًا، قالوا: إذا رشحت واحدًا يجيء مئة فاسق، طيب إذا كان مِئة فاسق ليس معه مستقيم أو مِئة فاسق معهم مستقيم؟ الثاني أحسن، وإذا قالوا: إن هذا لا يجدي ولا ينفع واحد في المِئة ما فيه فائدة، نقول: لا بد أن يكون فيه فائدة، إذا أخلص النية لله لا بد أن يؤثر؛ لأن الكلمة لله ليست تؤثر لأن فلانًا تكلم بها، لكن تؤثر لأنها كلمة الله. واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ وبعده؟ وَكلمةَ الله ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة ٤٠] ولا: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾؟ بالرفع؛ لأنه لو قال: وكلمةَ الله دخلت في المفعول به، يعني وجعل كلمة الله، وكلمة الله هي العليا بجعله وبغير جعله. ولهذا تبين الآن أن قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ لها موقع عظيم جدًّا، يعني أن كلمة الله هي العليا مهما جاءت هي العليا.
ولا يخفى عليكم ما يتكرر في قصة موسى مع السحرة وفرعون، لما اجتمعوا وكان موسى واثقًا بنصر الله عز وجل، ولهذا لما قالوا: اجعل لنا موعدًا، جعل لهم موعدًا في وسط الليل في حجرة مظلمة؟ لا، متى؟ في وضح النهار، وفي يوم الزينة يوم العيد: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه ٥٩] شيء عجيب، جاء السحرة وجمع فرعون كيده: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ [طه ٦٤] فقال موسى كلمة واحدة، قال: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ كمل؟
* طالب: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه ٦١].
* الشيخ: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١]، ما الذي حصل من هذه الكلمة؟ ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه ٦٢] في الحال، الفاء تدل على الترتيب والتعقيب والسببية: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ وإذا تنازع الناس فلا تحدث عن الفشل، حدث ما شئت ولا حرج: ﴿تَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ ففشلوا، وفي النهاية أن هؤلاء السحرة الذين جاءوا يكيدون لموسى صاروا مع موسى وهددوا بالقتل والصلب ولكن أبوا، قالوا لفرعون: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ مثلما نقول نحن: سوِّ الذي تريد ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر، الله أكبر، الإيمان إذا دخل القلب فلا تسأل عن الحزم والعزم والقوة ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ والذي لا يموت اليوم يموت غدًا.
فالمهم أني أقول: إن بعض الناس إذا رأى الموقف غلب فيه الشر استحسر وتخلى، وهذا غلط، خُض غمار القوم والنصر للحق، أنا ما دخلت مع هؤلاء لأوافقهم على باطلهم، سأدافع عن الحق الذي أعتقده مهما أمكن، ثم إنه من الحكمة أن يفتَّت القوم المجتمعون، يفتتون يعني يؤخذون واحدًا واحدًا، ويتكلم مع كل واحد، ويقال: يا فلان، أيش فائدتك من هذا؟ هذا إثم عليك، هذا سوء في الدنيا والآخرة، كما فعلت قريش في نقض الصحيفة الذين تعاهدوا فيها على مقاطعة بني هاشم، والقصة مشهورة صار أحد المعارضين لهذه الصحيفة يأتي كبراءهم، الكبراء الذين وقعوا، ويأتيهم على واحد واحد ويقول كذا وكذا حتى تفتتوا، وهذه من السياسة لأنك إذا فتت المجتمعين أيش؟ زالت قوتهم وزال سلطانهم، وحصلت على الخير.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم: إذا أصابته رحمة من الله فرح بها فرح أشر وبطر.
وقسم آخر: إذا أصابته رحمة الله تعالى فإنه يستعملها في طاعة الله، وهذا يستفاد من غير هذه الآية.
* ومنها: التحذير من الفرح بنعمة الله إذا كان فرح أشر وبطر، وأما إذا كان فرح استبشار وسرور وقيام بطاعة الله فإنه يمدَح، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يصيب الإنسان من سيئة فإنما هو بسبب عمله؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: التعبير بالبعض عن الكل إذا كان لهذا البعض تأثير كبير؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان من حيث هو إنسان إذا أصابته السيئة كفر، بمعنى أيس من رحمة الله تعالى أن يصرف عنه هذه السيئة، وأما المؤمن فإنه لا ييئس، بل يصبر وينتظر الفرج إيمانًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٨٠٣) والسياق له من حديث عبد الله بن عباس.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: ورد حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن قومًا أتوا إليه واشترطوا ألا يصلوا الصلوات الخمس، فوافقهم على هذا وقال: «إِنَّهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا صَلَّوْا».
* طالب: بعض الناس يعتذر عن صلاة جميع الصلوات الخمس.
* الشيخ: يعتذر عنه أيش؟
* الطالب: عن فعلها يعني.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فهل يخرج من دائرة الكفر بأن يقال له: صل أربع صلوات.
* الشيخ: ورد حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن قومًا أتوا إليه واشترطوا ألا يصلوا الصلوات الخمس، فوافقهم على هذا وقال: إنهم إذا أسلموا صلوا.
* طالب: بعض من يكتب في الدعوة يقسم يا شيخ المجتمعات إلى أقسام؛ يقول: المجتمع المكي والمجتمع المدني، المجتمع الحبشي، وينزل على كل مجتمع آيات نزلت في الصحابة في ذاك الظرف (...) لهم سلطة ودولة.
* الشيخ: هو لا شك هذا ما هو (...) حبشيين أو مكيين أو مدنيين، هذه قاعدة عامة، يعني تنزل الآيات التي نزلت مثلًا في مكة على من كان مثل أهل مكة كما نزلت فيهم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
* طالب: ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى ٤٨]؟
* الشيخ: هذه ما هي صيغة مبالغة، هذه صفة مشبهة، يعني يكون من صفته الكفر.
* طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا﴾ من يقول (...) ضمير المتكلم إذا كان الله سبحانه هو المتكلم به جمعًا كان هذا من متشابه القرآن، ويرد إلى المحكم هل هذا صحيح يا شيخ؟
* الشيخ: هذا ما قاله إلا النصارى، تعرف النصارى؟ يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، الدليل؟ قال: هذا القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر ٩]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢]، فجمع الله تعالى الضمير في الآيات الشرعية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر ٩]، وفي الآيات الكونية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس ١٢] إذن الله متعدد، وهو لا شبهة فيه عند المسلمين إطلاقًا، المراد التعظيم وإظهار العظمة والسلطان والقوة والقدرة (...).
الشورى 42:49
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] الجملة خبرية خبرها مقدم؟
* طالب: تفيد الحصر.
* الشيخ: نعم يراد به الحصر؛ لأن القاعدة البلاغية أن تقديم ما حقه التأخير يدل على الحصر والاختصاص، إذن لله لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلقًا وتدبيرًا، فالله تعالى مالك السماوات والأرض خلقًا وتدبيرًا، ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، (ما) هذه موصولة، ويعبر عنها غالبًا لما لا يعقل، وكان التعبير بـ(ما) ليعم الأعيان والأوصاف؛ لأنه إذا قصدت الأوصاف عبر بـ(ما) ولو كان لعاقل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: من طاب، مع أن النساء من العقلاء، لكن لما كانت المرأة إنما تنكح من أجل صفاتها، لا لعينها، قال: ﴿انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] هنا ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٤٩] نقول: عبر بـ(ما)؛ لأن المقصود بذلك الأعيان والأوصاف، أما الأعيان فلو سُئلنا: أيهما أكثر؟ العاقل أو غير العاقل؟ على الأرض غير العاقل، لكن في السماء لا، السماء أوسع من الأرض، وما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك، فيكون العاقل باعتبار الجميع أكثر، لكن باعتبار ما في الأرض أيهما أكثر؟
* طالب: غير العاقل.
* الشيخ: غير العاقل، كذلك أيضًا إذا اعتبرنا الأوصاف فالأوصاف تشمل العقلاء وغيرهم، فلهذا عبر بـ(ما) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يوجده بعد العدم، ولكن الخلق ليس مجرد إيجاد، بل هو خلق عن تقدير ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هذا من جملة خلقه أيضًا ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾، الهبة هي التبرع بالشيء مجانًا، ووصف الله تعالى الأولاد بالهبة؛ لأنه لا طاقة للإنسان في إيجادهم، بل هو مجرد فضل من الله عز وجل.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (من الأولاد) ﴿إِنَاثًا﴾ قوله: (من الأولاد) كيف تتلاءم مع قوله: ﴿إِنَاثًا﴾؟ لأن الأولاد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ ولم يقل: ذكورًا، بل أتى بـ(أل) المعرفة الدالة على شرف مدخولها؛ فإن الذكور عند الناس أشرف من الإناث، ولكن مع هذا جبر نقصهن بتقديم ذكرهن على الذكور، أو يقال: إن الله قدم الإناث لأن إرادة الإنسان أن يكون أولاده ذكورًا، فقدم الإناث إشارة إلى أن الأمر إلى الله وحده، لا إلى ما يريده الإنسان ويهواه.
﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠] قال: (أي: يجعلهم) والصواب يصنفهم؛ لأن التزويج بمعنى التصنيف؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي: أصناف، فمعنى ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾ أي يصنفهم، فيجعلهم صنفين ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ (فلا يلد ولا يولد له)، فلا يلد باعتبار الأنثى، ولا يولَد له باعتبار الذكر، فهذه أربعة أصناف:
الأول: أن يهب لمن يشاء إناثًا.
الثاني: أن يهب ذكورًا.
الثالث: أن يهب ذكورًا وإناثًا.
الرابع: أن يجعل الإنسان عقيمًا لا ذكور ولا إناث.
ذلك لأن الأمر أمر الله عز وجل، ولا أحد يستطيع أن يخلق شيئًا من هذا، بل الله وحده هو الخالق.
قال: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾ (بما يخلق) ﴿قَدِيرٌ﴾ على ما يخلق، فهو يعلم ما يخلق عز وجل، وقدير على أن يخلق ما أراد.
* في الآية الكريمة: عموم ملك الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: اختصاص الله تبارك وتعالى بذلك، من أين نأخذ الاختصاص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: غلط، إلا إذا كنت لم تفهم السؤال، والسؤال اختصاص الله تعالى بملك السماوات والأرض؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وجه ذلك أن الله قدم الخبر، والخبر حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن ملك السماوات والأرض خاص بالله، أليس الإنسان له ملك؟ قال الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] فللإنسان ملك، فكيف الجمع بين قولنا: إن ملك السماوات والأرض خاص بالله وإثبات الملكية لغير الله؟
الجواب: ملك الله تبارك وتعالى تام شامل، ففيه شمول التصرف وفيه شمول المكان، بمعنى أن ملك الله تعالى تام من كل وجه، عام من كل وجه، ملك الإنسان قاصر لا من جهة العموم المكاني ولا من جهة عموم التصرف، فكلنا نملك لكن ملكنا محدود، أنا أملك حقيبة ولا أملك حقيبة أخرى لغيري، فهو محدود.
ثانيًا: ناقص، ملك ناقص لا يمكنني أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح؟ لا يمكن أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح؟ صحيح، لا يمكن أن أضيعه؛ لأنني منهي عن إضاعة المال، لا يمكن أن أعذبه إذا كان حيوانًا؛ لأني منهي عن ذلك، لا يمكن أن آكل من ملكي ما شئت وأدع ما شئت، فالحيوان المحرم لا يجوز أن آكله ولو كان ملكي. المهم أن ملك الإنسان محدود، ثانيًا: ناقص، محدود لا يشمل كل شيء، ناقص لا يملك كل تصرف.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء من الأعيان والأوصاف، على أي كيفية، وعلى أي صفة، ولهذا انظر إلى مخلوقات الله هل هي واحدة؟ لا، ليست واحدة، تختلف اختلافًا عظيمًا كبيرًا في الشكل، في الأيدي، في الأرجل، في الغذاء، في كل شيء، فالله تعالى يخلق ما يشاء.
لكن اعلم أن الله تعالى هدى كل مخلوق لما خلق له، قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: خلقه اللائق به ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] أي: هدى كل مخلوق لما خُلق له، ولذلك تجد هذا المخلوق لا يأكل من هذا النوع من العشب، والمخلوق الآخر يأكل منه، تجد هذا المخلوق لا يسكن هذا النوع من الأرض ويسكن أرضًا أخرى، ومخلوق آخر بضده، الرمل مثلًا لا يسكنه النمل؛ لأنه لا يملك الجحور، لكن يسكنه الحشرات أو الزواحف التي تندس في الرمل؛ لأن هناك زواحف صغيرة تندس في الرمل اندساسًا تشاهدها كأنما يغوص السابح في الماء، وليس لها جحور، هناك أشياء ما تسكن هذا النوع من الأرض، بل تسكن أرضًا صلبة حتى تبني لها الجحور، أشياء غريبة في مخلوقات الله، لأن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الأولاد هبة من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿وَيَهَبُ﴾، والهبة هي العطية بلا عوض، فما هو العوض الذي علينا بالنسبة لهذه النعم؟ هو الشكر.
وهنا سؤال، هل يجوز أن تسمي ابنك أو بنتك هبة الله؟ نعم يجوز، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله في السقط: السقط إذا سقط يعني الحمل، إذا سقط بعد أن تنفخ فيه الروح فسمه ولو مات في الحال سمه، فإذا جهلت أنه ذكر أو أنثى فسمه اسمًا يصلح لهما بأن تقول: هذا هبة الله، تسميه هبة الله.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا اختيار للمرء بالنسبة للأولاد؛ لقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فجعل الأمر راجعًا إلى مشيئته تبارك وتعالى.
* ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن ييئس إذا أتاه إناث متتابعات، فإن بعض الناس إذا أتاه إناث متتابعات أيس وقال: لن يولد لي ذكر، وهذا غلط، فالله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء.
* ومن فوائد الآية: تمام قدرة الله تبارك وتعالى، حيث خلق من هذه النطفة، وهي واحدة، خلق منها ذكورًا خلصًا وإناثًا خلصًا، والثالث أصنافًا ذكورًا وإناثًا، مع أن الماء واحد، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ومنها من فوائد الآية الكريمة: أن العقم يعتبر نقصًا بالنسبة لمن يُولَد له؛ لقوله: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ بعد أن ذكر أن الأولاد هبة، فيكون العقيم موهوبًا له أو لا؟ لا، إذا هذا نقص.
ويتفرع على هذه القاعدة أنه لو تبين زوج المرأة عقيمًا فلها الفسخ؛ فسخ النكاح، يعني لو أن أحدًا تزوج امرأة وهو لا يعلم عن نفسه ثم تبين أنه عقيم، فلها أن تفسخ، إما بنفسها تشهد اثنين، تقول: إني فسخت نكاحي من فلان، أو بالقاضي تذهب وزوجها إلى القاضي فيفسخ النكاح، وهذا حق لها، فإن قال الزوج: أنا ليس في عيب، إنه يقدر على الوطء، وإنه مستقيم خلقًا ودينًا، ليش تفسخونها مني؟ ماذا نقول؟ نقول: لأن العقم عيب، والمرأة لها حق في الأولاد، ولذلك يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته إلا بإذنها؛ لأنه إذا عزل عنها حرمها من الأولاد، إلا أن تأذن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل، وهما العليم والقدير.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من صفة، العليم دل على أيش؟
* طلبة: على العلم.
* الشيخ: والقدير؟
* طلبة: على القدرة.
* الشيخ: على القدرة، وكل اسم من أسماء الله متضمن لصفة أو أكثر، وليست كل صفة يشتق منها اسم، كل اسم من أسماء الله فهو متضمن أيش؟ لصفة أو أكثر، ولا يشتق من كل صفة اسم لله، وبه نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ لا أحد يجبره على أن يخلق أنثى أو ذكرًا، بل له عز وجل المشيئة التامة في خلقه.
واعلم أنه كلما ذكرت المشيئة لله عز وجل فإنها مقرونة بالحكمة، انتبه لهذه النقطة، يعني أن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة، بل هي مقرونة بالحكمة، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، أكمل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بعد أن قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فعلم من هذا أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وأنه لا يشاء شيئًا مشيئة مجردة، بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، وهذا في كل نص يأتيك فيه ذكر المشيئة لله فاعلم أنها مقرونة بالحكمة.
ثم قال عز وجل لما ذكر خلقه سبحانه وتعالى، وأنه هو الخالق له المشيئة المطلقة، ذكر شيئًا آخر وهو الشرع، لو تأملت الآيات القرآنية لوجدت أن الله تعالى يذكر الشرع قبل القدر، اقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن ١، ٢] بعدها: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن ٣] فبدأ بالشرع ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن ٢، ٣] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق ١، ٢] فبدأ بالقراءة، وهكذا تجد هذه القاعدة مطردة إلا أن يكون هناك سبب لتقديم الخلق على الشرع (...) نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:50
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى ٤٩] الجملة خبرية خبرها مقدم؟
* طالب: تفيد الحصر.
* الشيخ: نعم يراد به الحصر؛ لأن القاعدة البلاغية أن تقديم ما حقه التأخير يدل على الحصر والاختصاص، إذن لله لا لغيره ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلقًا وتدبيرًا، فالله تعالى مالك السماوات والأرض خلقًا وتدبيرًا، ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، (ما) هذه موصولة، ويعبر عنها غالبًا لما لا يعقل، وكان التعبير بـ(ما) ليعم الأعيان والأوصاف؛ لأنه إذا قصدت الأوصاف عبر بـ(ما) ولو كان لعاقل، انظر إلى قول الله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] ولم يقل: من طاب، مع أن النساء من العقلاء، لكن لما كانت المرأة إنما تنكح من أجل صفاتها، لا لعينها، قال: ﴿انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣] هنا ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٤٩] نقول: عبر بـ(ما)؛ لأن المقصود بذلك الأعيان والأوصاف، أما الأعيان فلو سُئلنا: أيهما أكثر؟ العاقل أو غير العاقل؟ على الأرض غير العاقل، لكن في السماء لا، السماء أوسع من الأرض، وما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك، فيكون العاقل باعتبار الجميع أكثر، لكن باعتبار ما في الأرض أيهما أكثر؟
* طالب: غير العاقل.
* الشيخ: غير العاقل، كذلك أيضًا إذا اعتبرنا الأوصاف فالأوصاف تشمل العقلاء وغيرهم، فلهذا عبر بـ(ما) ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: يوجده بعد العدم، ولكن الخلق ليس مجرد إيجاد، بل هو خلق عن تقدير ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، هذا من جملة خلقه أيضًا ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾، الهبة هي التبرع بالشيء مجانًا، ووصف الله تعالى الأولاد بالهبة؛ لأنه لا طاقة للإنسان في إيجادهم، بل هو مجرد فضل من الله عز وجل.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (من الأولاد) ﴿إِنَاثًا﴾ قوله: (من الأولاد) كيف تتلاءم مع قوله: ﴿إِنَاثًا﴾؟ لأن الأولاد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١]، ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ ولم يقل: ذكورًا، بل أتى بـ(أل) المعرفة الدالة على شرف مدخولها؛ فإن الذكور عند الناس أشرف من الإناث، ولكن مع هذا جبر نقصهن بتقديم ذكرهن على الذكور، أو يقال: إن الله قدم الإناث لأن إرادة الإنسان أن يكون أولاده ذكورًا، فقدم الإناث إشارة إلى أن الأمر إلى الله وحده، لا إلى ما يريده الإنسان ويهواه.
﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ﴾ [الشورى ٤٩، ٥٠] قال: (أي: يجعلهم) والصواب يصنفهم؛ لأن التزويج بمعنى التصنيف؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص ٥٨] أي: أصناف، فمعنى ﴿يُزَوِّجُهُمْ﴾ أي يصنفهم، فيجعلهم صنفين ﴿ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ (فلا يلد ولا يولد له)، فلا يلد باعتبار الأنثى، ولا يولَد له باعتبار الذكر، فهذه أربعة أصناف:
الأول: أن يهب لمن يشاء إناثًا.
الثاني: أن يهب ذكورًا.
الثالث: أن يهب ذكورًا وإناثًا.
الرابع: أن يجعل الإنسان عقيمًا لا ذكور ولا إناث.
ذلك لأن الأمر أمر الله عز وجل، ولا أحد يستطيع أن يخلق شيئًا من هذا، بل الله وحده هو الخالق.
قال: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، ﴿عَلِيمٌ﴾ (بما يخلق) ﴿قَدِيرٌ﴾ على ما يخلق، فهو يعلم ما يخلق عز وجل، وقدير على أن يخلق ما أراد.
* في الآية الكريمة: عموم ملك الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: اختصاص الله تبارك وتعالى بذلك، من أين نأخذ الاختصاص؟
* طالب: (...).
* الشيخ: غلط، إلا إذا كنت لم تفهم السؤال، والسؤال اختصاص الله تعالى بملك السماوات والأرض؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: وجه ذلك أن الله قدم الخبر، والخبر حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن ملك السماوات والأرض خاص بالله، أليس الإنسان له ملك؟ قال الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣] فللإنسان ملك، فكيف الجمع بين قولنا: إن ملك السماوات والأرض خاص بالله وإثبات الملكية لغير الله؟
الجواب: ملك الله تبارك وتعالى تام شامل، ففيه شمول التصرف وفيه شمول المكان، بمعنى أن ملك الله تعالى تام من كل وجه، عام من كل وجه، ملك الإنسان قاصر لا من جهة العموم المكاني ولا من جهة عموم التصرف، فكلنا نملك لكن ملكنا محدود، أنا أملك حقيبة ولا أملك حقيبة أخرى لغيري، فهو محدود.
ثانيًا: ناقص، ملك ناقص لا يمكنني أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح؟ لا يمكن أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح؟ صحيح، لا يمكن أن أضيعه؛ لأنني منهي عن إضاعة المال، لا يمكن أن أعذبه إذا كان حيوانًا؛ لأني منهي عن ذلك، لا يمكن أن آكل من ملكي ما شئت وأدع ما شئت، فالحيوان المحرم لا يجوز أن آكله ولو كان ملكي. المهم أن ملك الإنسان محدود، ثانيًا: ناقص، محدود لا يشمل كل شيء، ناقص لا يملك كل تصرف.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء من الأعيان والأوصاف، على أي كيفية، وعلى أي صفة، ولهذا انظر إلى مخلوقات الله هل هي واحدة؟ لا، ليست واحدة، تختلف اختلافًا عظيمًا كبيرًا في الشكل، في الأيدي، في الأرجل، في الغذاء، في كل شيء، فالله تعالى يخلق ما يشاء.
لكن اعلم أن الله تعالى هدى كل مخلوق لما خلق له، قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: خلقه اللائق به ﴿ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٥٠] أي: هدى كل مخلوق لما خُلق له، ولذلك تجد هذا المخلوق لا يأكل من هذا النوع من العشب، والمخلوق الآخر يأكل منه، تجد هذا المخلوق لا يسكن هذا النوع من الأرض ويسكن أرضًا أخرى، ومخلوق آخر بضده، الرمل مثلًا لا يسكنه النمل؛ لأنه لا يملك الجحور، لكن يسكنه الحشرات أو الزواحف التي تندس في الرمل؛ لأن هناك زواحف صغيرة تندس في الرمل اندساسًا تشاهدها كأنما يغوص السابح في الماء، وليس لها جحور، هناك أشياء ما تسكن هذا النوع من الأرض، بل تسكن أرضًا صلبة حتى تبني لها الجحور، أشياء غريبة في مخلوقات الله، لأن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الأولاد هبة من الله عز وجل؛ لقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿وَيَهَبُ﴾، والهبة هي العطية بلا عوض، فما هو العوض الذي علينا بالنسبة لهذه النعم؟ هو الشكر.
وهنا سؤال، هل يجوز أن تسمي ابنك أو بنتك هبة الله؟ نعم يجوز، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله في السقط: السقط إذا سقط يعني الحمل، إذا سقط بعد أن تنفخ فيه الروح فسمه ولو مات في الحال سمه، فإذا جهلت أنه ذكر أو أنثى فسمه اسمًا يصلح لهما بأن تقول: هذا هبة الله، تسميه هبة الله.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا اختيار للمرء بالنسبة للأولاد؛ لقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فجعل الأمر راجعًا إلى مشيئته تبارك وتعالى.
* ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن ييئس إذا أتاه إناث متتابعات، فإن بعض الناس إذا أتاه إناث متتابعات أيس وقال: لن يولد لي ذكر، وهذا غلط، فالله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء.
* ومن فوائد الآية: تمام قدرة الله تبارك وتعالى، حيث خلق من هذه النطفة، وهي واحدة، خلق منها ذكورًا خلصًا وإناثًا خلصًا، والثالث أصنافًا ذكورًا وإناثًا، مع أن الماء واحد، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
* ومنها من فوائد الآية الكريمة: أن العقم يعتبر نقصًا بالنسبة لمن يُولَد له؛ لقوله: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ بعد أن ذكر أن الأولاد هبة، فيكون العقيم موهوبًا له أو لا؟ لا، إذا هذا نقص.
ويتفرع على هذه القاعدة أنه لو تبين زوج المرأة عقيمًا فلها الفسخ؛ فسخ النكاح، يعني لو أن أحدًا تزوج امرأة وهو لا يعلم عن نفسه ثم تبين أنه عقيم، فلها أن تفسخ، إما بنفسها تشهد اثنين، تقول: إني فسخت نكاحي من فلان، أو بالقاضي تذهب وزوجها إلى القاضي فيفسخ النكاح، وهذا حق لها، فإن قال الزوج: أنا ليس في عيب، إنه يقدر على الوطء، وإنه مستقيم خلقًا ودينًا، ليش تفسخونها مني؟ ماذا نقول؟ نقول: لأن العقم عيب، والمرأة لها حق في الأولاد، ولذلك يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته إلا بإذنها؛ لأنه إذا عزل عنها حرمها من الأولاد، إلا أن تأذن.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل، وهما العليم والقدير.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من صفة، العليم دل على أيش؟
* طلبة: على العلم.
* الشيخ: والقدير؟
* طلبة: على القدرة.
* الشيخ: على القدرة، وكل اسم من أسماء الله متضمن لصفة أو أكثر، وليست كل صفة يشتق منها اسم، كل اسم من أسماء الله فهو متضمن أيش؟ لصفة أو أكثر، ولا يشتق من كل صفة اسم لله، وبه نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ لا أحد يجبره على أن يخلق أنثى أو ذكرًا، بل له عز وجل المشيئة التامة في خلقه.
واعلم أنه كلما ذكرت المشيئة لله عز وجل فإنها مقرونة بالحكمة، انتبه لهذه النقطة، يعني أن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة، بل هي مقرونة بالحكمة، والدليل على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، أكمل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] ﴿عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ بعد أن قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فعلم من هذا أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وأنه لا يشاء شيئًا مشيئة مجردة، بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، وهذا في كل نص يأتيك فيه ذكر المشيئة لله فاعلم أنها مقرونة بالحكمة.
ثم قال عز وجل لما ذكر خلقه سبحانه وتعالى، وأنه هو الخالق له المشيئة المطلقة، ذكر شيئًا آخر وهو الشرع، لو تأملت الآيات القرآنية لوجدت أن الله تعالى يذكر الشرع قبل القدر، اقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن ١، ٢] بعدها: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن ٣] فبدأ بالشرع ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن ٢، ٣] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق ١، ٢] فبدأ بالقراءة، وهكذا تجد هذه القاعدة مطردة إلا أن يكون هناك سبب لتقديم الخلق على الشرع (...) نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
الشورى 42:51
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى ٥١] ﴿مَا كَانَ﴾ هذه الصيغة في القرآن الكريم تدلُّ على أنَّ الشيء ممتنع غاية الامتناع إمَّا قَدَرًا وإمَّا شرعًا؛ قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم ٣٥] يعني ممتنع ولَّا غير ممتنع؟
* الطلبة: ممتنع.
* الشيخ: ممتنع غاية الامتناع.
طيب ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١١٣]؟
* طالب: ممتنع (...).
* الشيخ: ممتنع غاية الامتناع. شرعًا ولَّا قَدَرًا؟
* الطلبة: شرعًا.
* الشيخ: شرعًا؛ لأنَّه يجوز أن يستغفروا لكنَّه حرامٌ عليهم.
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ﴾ هذا ممتنع قَدَرًا، بل ممتنع قَدَرًا؛ يعني حسب خَبَر الله عز وجل، وإلا فالله قادرٌ على أنْ يكلِّم على غير هذا الوجه، لكن حسب خَبَر الله يكون ممتنعًا.
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾، ﴿لِبَشَرٍ﴾ البَشَر هم الآدمِيُّون، سُمُّوا بَشَرًا ليش؟ لأنَّ بَشَرتهم باديةٌ إلا أن يستتروا. غيرُ الآدميِّ من الحيوانات مستورٌ إمَّا بالريش، وإمَّا بالصوف، وإمَّا بالوبر، وإمَّا بالشَّعر؛ إمَّا بالريش مثل الطير، وإمَّا بالشَّعر مثل المعز، وإمَّا بالصوف كالضأن، وإمَّا بالوبر كالإبل.
الآدمِيُّ لم تُستَر بَشَرته، والحكمة من ذلك أنَّه إذا شَعَر الإنسانُ بافتقاره إلى الكسوة الحسِّيَّة انتقل من هذا إلى افتقاره إلى الكسوة المعنويَّة -شوف الحكمة من الله عز وجل- حتى يعرف الإنسانُ أنه محتاجٌ إلى سَتْر العورة المعنوية كما احتاج إلى سَتْر العورة الحسِّيَّة، وإلى هذا يُشير قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ اللباس العادي، ﴿وَرِيشًا﴾ اللباس الجميل الذي يتزيَّن به المرء، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف ٢٦]، لباس التقوى هذا لباس معنوي ولا حِسِّي؟
* الطلبة: معنوي.
* الشيخ: معنوي، طيب. وقيل: إنَّ الآدمِيَّ سُمِّي بَشَرًا لظهور أَثَر ما في قلبه على بَشَرته؛ إذا غَضِبَ الإنسانُ يظهر أَثَر الغضب على بَشَرته، ماذا يصنع؟ يحمرُّ وجهُه وعيناه، وتنتفخ أوداجه، ويَقِف شعرُه، وإذا بُشِّر بما يَسُرُّه يتهلَّلُ وجهُه وتجد فيه البِشْر، والظاهر -والله أعلم- أنَّ المعنى الأول أقوى: أنَّه سُمِّي بَشَرًا لظهور بَشَرته إلا بساتر.
﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ يقول: (﴿إِلَّا﴾ أن يُوحِي إليه ﴿وَحْيًا﴾ في المنام أو بإلهام) هذا واحد.
﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى ٥١] يعني: يكلِّمه مباشرةً غير الوحي الذي في القلب من وراء حجاب؛ كما حصل لِمَن؟ لموسى عليه الصلاة والسلام، وحصل لمحمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، فإنَّ الله كلَّمه من وراء حجاب.
فما هو الحجاب الذي يحتجب الله به؟
قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. هذا النور نورٌ عظيمٌ جدًّا ما أحد يتصوَّره، هذا هو الذي احتجبَ الله به عن الخلْق، تعالى الله، فإذا كان هذا النور من قوَّته يحجب، فما بالُك بنور الله عز وجل؟! هو أعظم وأعظم؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٣٥]، ولا يتصوَّر أحدٌ ذلك أبدًا.
وإنما يكلِّم الله تعالى عبادَه من وراء حجابٍ لأنَّه لو كَشَفَ الحجابَ لَهَلَك الإنسانُ ولم يستطعْ أن يَثْبت أمام رؤية الله عز وجل، ولَمَّا قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾، قال هذا شوقًا إلى الله عز وجل لا شَكًّا، قال ذلك شوقًا إلى الله، قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: لا يمكن أن تراني ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ الجبل الأصمِّ الصلب ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ تجلَّى، ما ظهر كلُّه، تجلَّى للجبل ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف ١٤٣]، اندكَّ الجبلُ مرَّةً واحدةً وساوى الأرض، موسى عليه الصلاة والسلام لَمَّا رأى هذا صَعِق، غُشِيَ عليه من هول ما رأى، فهل الآدمِيُّ الضعيف يَثْبت لرؤية اللهِ والجبلُ لَم يَثْبت؟ لا واللهِ، ولهذا اندهش موسى وصَعِق وعَلِم أنَّه لا يمكن أن يرى الله عز وجل.
قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ الوحيُ هو ما يحصل للرسول من الإلهام أو الرؤيا المنامية؛ لأنَّ أصل الوحيِ الإعلامُ بسرعةٍ وخفاءٍ، هذا أصله في اللغة، فيكون ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ أي: عن طريق الإلهام أو طريق المنام.
﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يعني يكلِّمه الله تعالى مكالمةً صريحةً ولكنْ من وراء حجاب، والحجاب المذكور هو النور كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]، وذلك لأنَّ البَشَر لا يستطيع رؤيةَ الله عز وجل في الدنيا؛ قال موسى لربِّه عز وجل: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قال ذلك شوقًا ومحبةً، فقال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ أي: لن تستطيع ذلك ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾، فنظر موسى إلى الجبل فلمَّا تجلَّى الله له ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ اندكَّ حتى ساوى الأرض، فلمَّا رأى موسى هذا خرَّ صَعِقًا؛ أي: غُشِي عليه من هول ما وَجَد وعدمِ تحمُّله، ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف ١٤٣]. فإذَن إذا أراد الله أن يكلِّم أحدًا من الرُّسُل فلا بدَّ أن يكون هناك حجابٌ.
القسم الثالث: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى ٥١] وهو جبريل، يُرسله إلى المرسَل إليه فيوحي إلى هذا الرسول بإذْن الله تعالى ما يشاء، وإنما خصَصْناه بجبريل لأنَّ جبريل موكَّلٌ بالوحي، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستفتح في صلاة الليل بهذا الاستفتاح: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اختُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[[أخرجه مسلم (٧٧٠ / ٢٠٠) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. هؤلاء الثلاثة كلُّ واحدٍ منهم موكَّل بما فيه الحياة؛ جبريل بما فيه حياة القلوب، إسرافيل بما فيه حياة الناس للبعث، ميكائيل بما فيه حياة الأرض الذي به يحيا البهائم والإنسان.
﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: إذْنه القدري ﴿مَا يَشَاءُ﴾ أي: مما أوحاه الله إلى هذا الرسول الذي بَعَثه إلى الرسول البَشَري.
(﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ [الشورى ٥١] عن صفات المحْدَثين) هذا التفسير تفسير غلط؛ لأنَّه يوهم أنَّ كلَّ صفةٍ للمخلوق لا تَثْبت للخالق؛ فالسمع لا يَثْبت للخالق، والبصر، وكلُّ صفةٍ للمخلوق لا تَثْبت للخالق، ولذلك لو قال المؤلف رحمه الله: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن مماثَلة المخلوقين وصفات النقص. لو قال هذا لَكان أهْون، مع أنَّنا نقول: إنَّه عليٌّ بذاته وصفاته؛ فذاتُه فوق كلِّ شيءٍ، وصفاته هي المثل الأعلى، هذا هو الصواب، لكن المؤلف -عفا الله عنَّا وعنه- يفسِّر القرآنَ عن طريق الأشاعرة لأنَّه منهم، فلذلك يحرِّف الكَلِمَ عن مواضعه ليوافق مذهبَه الباطل، وهذه آفَةٌ قَلَّ مَن يَسْلم منها من أهل العلم؛ تجد الرجُل يعتقد شيئًا ما في العقيدة أو في الأحكام الشرعية التكليفيَّة، ثم يحاول في النصوص التي تُخالف ما ذهب إليه أن يلوي أعناقها إلى ما ذهب إليه فيجعل النصوصَ تابعةً، والواجب أن تكون متبوعة، لكن هذه آفةٌ ابتُلِيَ بها كثيرٌ من الناس. إنما نحن نقول: ﴿عَلِيٌّ﴾ يعني بذاته وصفاته عن كلِّ نقْصٍ، أمَّا (عن صفات المحْدَثين) هذا غرائب.
والثاني يقول: (﴿حَكِيمٌ﴾ [الشورى ٥١] في صنعه). هذا أيضًا ناقص، بلْ هو حكيمٌ في صنعه حكيمٌ في شَرْعه، والحكمة في الشرع أَبْلغ من الحكمة في الصنع؛ لأنَّ الصنع أمرٌ كونِيٌّ لا طاقة للإنسان في تغييره ولا في الحيادة عنه، أمَّا الأمر الشرعي فهو الذي محلُّ التلاعب من البَشر، فنقول للبشر: لا تتلاعبوا بأحكام الله فإنَّها صادرةٌ عن حكمة. إذَن يُعتبر تفسير المؤلف الذي قَصَره على الحكمة القدرية في صنع الله تفسيرًا ناقصًا، فنقول: ﴿حَكِيمٌ﴾ في أيش؟
* الطلبة: في صنعه وشَرْعه.
* الشيخ: في صنعه وشَرْعه.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ عظمة الله عز وجل وأنَّه لا يستطيع البشر أن يكلِّموه بلا واسطةٍ، إمَّا رسول أو حجاب؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ تكليم الله عز وجل، وقد سبق الكلام عليه فلا حاجة إلى إعادته، وبيَّنَّا أنَّ كلام الله عز وجل كلامٌ بحرفٍ وصوتٍ مسموعٍ، وأنَّ ذلك من كماله، وليس كما يزعم الزاعمون أنَّه من النقص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ إيحاء الله تعالى على ثلاثة أوجُه: وحيُ إلهامٍ، والثاني: تكليمٌ من وراء حجاب، والثالث: إرسالُ رسولٍ يوحي إلى المرسَل إليه ما شاء الله.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَا يَشَاءُ﴾، ﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾.
* ومنها: إثباتُ عُلُوِّه بقِسْميه: العلو الذاتي، والعلو الوصفي؛ فأمَّا علو الذات فهو أنَّه سبحانه وتعالى فوق كلِّ شيء، وأمَّا علو الوصف فهو أنَّ جميع صفاته عُليا ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه.
* ومن فوائدها: إثباتُ الحكمة في شَرْعه وخَلْقه، وإثبات الحُكم الكوني والشرعي؛ لأنَّه مرَّ علينا أنَّ كلمة ﴿حَكِيمٌ﴾ تعني الحُكم والحِكمة.
* * *
قسَّم الله الناسَ بالنسبة للإنجاب إلى؟
* طالب: ثلاثة أقسام.
* الشيخ: إلى ثلاثة!
* طالب: أربعة أقسام.
* الشيخ: أربعة أقسام، ما هي؟
(...) وحي، أو وحيًا.
* طالب: أو وحيًا.
* الشيخ: اثنان.
* طالب: أو عن طريق الملَك.
* الشيخ: أو عن طريق الملَك؛ ﴿يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ هذه ثلاثة أقسام.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، هل معنى هذا أنَّ الله سبحانه وتعالى سوف يرزقنا يوم القيامة قوَّةً في أبصارنا حتى ننظر إليه؟
* الشيخ: إي نعم، قوَّة الناس يوم القيامة لا تُنسَب إليها قوَّة الدنيا أبدًا، ألَيسوا يمكثون خمسين ألْف سنةٍ لا يأكلون ولا يشربون؟! هذا ما يمكن يُطاق في الدنيا، ألَيس الواحدُ ينظر إلى مُلكه في الجنة مسيرة ألْفَي سنةٍ يرى أقصاه كما يرى أدناه؟! هذا لا يمكن في البَشَر في الدنيا.
* طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، ما معنى ﴿تَجَلَّى﴾؟
* الشيخ: أي: ظَهَر.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، وَرَدَ حديث الذي فيه فضيلة تربية البنات والصبر على (...) فهل هذا الفضْل يَثْبت للأمِّ أيضًا أو إنَّه خاصٌّ بالأب؟
* الشيخ: الظاهر أنَّه يَثْبت للجميع، وَرَدَ في الحديث أنَّه للنساء فقط؛ أنَّ المرأة إذا مات لها ثلاثةٌ من الوَلَد كانوا لها سِتْرًا من النار[[أخرجه مسلم (٢٦٣٣ / ١٥٢) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعلْ لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تُعَلِّمنا مما علَّمك الله. قال: «اجتمِعْنَ يوم كذا وكذا». فاجتمَعْن، فأتاهنَّ رسولُ الله ﷺ فعلَّمَهن مما علَّمه الله، ثم قال: «ما منكنَّ من امرأةٍ تقدِّم بين يديها من وَلَدها ثلاثةً إلا كانوا لها حجابًا من النار». فقالت امرأة: واثنين، واثنين، واثنين. فقال رسول الله ﷺ: «واثنين، واثنين، واثنين».]]، وأمَّا مسألة التربية فلأنَّ الأب هو المسؤول عن تربية الأولاد.
* الطالب: (...) بالآباء؟
* طالب: ما الحكمة في ذِكْر الخلْق بعد الشَرْع في الآيات؟
* الشيخ: أقول: مما يدلُّ على أنَّ الاهتمام بالشرع أَبْلغ .. والناسُ ما خُلِقوا إلا للشرع، ما خُلِق الناسُ إلا للشرع؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦].
-أين السائل؟ هل كلَّم الله واحدًا غيرَ موسى؟
إي نعم، كلَّم النبيَّ ﷺ، كلَّم آدمَ، لكن موسى عليه الصلاة والسلام سُمِّي الكليم لأنَّه أول ما أَوْحى الله إليه كلَّمه، وغيره أوحى الله إليه بواسطةٍ أولًا.
(...) الخلْق أوَّلًا، ثم بدأ الشرع؛ وذلك لأنَّ الشرع يختصُّ بالأنبياء، الشرع المذكور هنا الوحيُ الخاصُّ بالأنبياء، هذا السبب، السبب أنَّه خاص بالأنبياء.
* طالب: (...) مخلوق؟
* الشيخ: لا، ما هو يريد النور المخلوق، النور المخلوق منفصل عن الله وليس صفةً لله، هذا إذا قُلنا: إنَّ (نور) بمعنى منوِّر؛ لأنَّ بعض المفسرين قالوا: منوِّر السماوات والأرض. لكنَّه خلافُ ظاهرِ الآية، فيقال: الله نور السماوات والأرض، وليس هو النور المخلوق، بل هو عز وجل نور، وكلامه نور، وحجابه نور.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني على هذا الحال يكون: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى ٤٩] (مَن) عامَّة أُريدَ بها الخاصُّ، كذا؟ أسألك، هذه إذا قُلنا: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى ٤٩] أي: الأنبياء.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، شوف -بارك الله فيك- إذا ادَّعى أحدٌ خلافَ ظاهرِ اللفظ لا تَقْبل منه؛ والله عز وجل يقول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ولم يَقُل: للأنبياء. ثم مَن الذي يقول: إنَّ الصحابة سَئِموا مِن كَوْن بعضهم يُولَد له وبعضهم لا يُولَد له، بعضهم يُولَد له إناثٌ وبعضهم يُولَد له ذكور؟! مَن قال هذا؟! فالآية عامَّة، وكلَّما وجدتَ قولًا يكون فيه تخصيص العامِّ فلا تَقْبله إلا بدليل.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا غلط، نحن ذكرنا أنه تجلَّى؛ أي: بعضُه عز وجل، على أنِّي في قلقٍ من هذا؛ من كَوْن المراد بعضه، لأنَّ الأصل أنَّه كلُّه، لكن قد يقال: إنَّه يمنع مِن هذا أنَّ الله تعالى لا يحيط به شيءٌ من مخلوقاته، فلا يمكن أن يتجلَّى كلُّه والأرض ليست بالنسبة إليه شيئًا.
الشورى 42:52
ثم قال عز وجل: (﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل إيحائنا إلى غيرك من الرُّسُل ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى ٥٢]).
﴿كَذَلِكَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، وحسب كلام المفسِّر أنَّ الكاف اسمٌ بمعنى (مِثْل)، فتكون مصدرًا لفعلٍ محذوفٍ، والتقدير: مِثْلَ ذلك. ثم تفسِّر الفعلَ بما يناسب المقامَ؛ أي: مِثْلَ إيحائنا لِمَن سبق من الرُّسُل (﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد). أفادنا بقوله: (يا محمد) أنَّ الخطاب هنا خاصٌّ بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يتعدَّاه إلى غيره.
﴿رُوحًا﴾ قال: (هو القرآن، به تحيا القلوب). صَدَق المراد بالروح هنا؟
* طالب: القرآن؛ لأنه حياة القلوب.
* الشيخ: القرآن؛ لأنه تحيا به القلوب.
وقوله: (﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] الذي نوحيه إليك) يعني: مما نأمر به، ويحتمل أن يكون الأمر هنا واحد الأُمور لا واحد الأوامر؛ أي: من شأننا.
(﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ تعرف قبل الوحي إليك ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ القرآن ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢] أي: شرائعه ومعالمه). أوحى الله إلى نبيِّه رُوحًا من أَمْره -سواءٌ قلنا: واحد الأمور، أو: واحد الأوامر- وأَخْبر أنَّ لله المنَّة الكبرى عليه في ذلك؛ لأنَّه كان قبل هذا ما يدري -أي: ما يعلم، أو: ما يعرف- ما الكتاب ولا الإيمان.
كلمة ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ يحتمل أنَّ المراد بها: ما الكتابة، ويحتمل أنْ يُراد بذلك ما ذكره المؤلف وهو القرآن؛ أمَّا الأول فلأنَّ الله تعالى قال في نبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، وأمَّا كَوْن المراد به القرآن فهذا أمثلته كثيرة، المهمُّ أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يعرف، حتى الكتابة لا يَكْتب عليه الصلاة والسلام، وما كان يعرف أيضًا الوحيَ قبل أنْ يُوحَى إليه.
﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ قال المؤلف: (أي: شرائعه ومعالمه)، يعني: وما كنتَ تدري عن شرائع الإيمان. فهل كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدري عمَّا شَرَعه الله له في هذه الشريعة الكاملة قبل ذلك؟ لا.
ثم قال المؤلف: (والنَّفْي معلِّقٌ للفعل عن العمل، وما بعده سدَّ مسدَّ المفعولين). الجملة هذه للإعراب، كلمة ﴿تَدْرِي﴾ تنصب مفعولين، هل بعدها شيء منصوب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، بعدها (ما) استفهامية مبتدأ، و(الكتاب) خبره، ما فيها شيءٌ منصوب، إذا جاءت الجملة الاستفهامية في محلِّ المفعولين فإنها تعلِّق الفعلَ عن العمل ظاهرًا، ولكن الجملة تكون في محلِّ نصب. إذَن الاستفهام هنا علَّق الفعلَ عن العمل، وما بعده سدَّ مسدَّ المفعولين.
﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ (﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الروحَ أو الكتابَ)؛ يعني: جعلْنا الكتابَ الذي أوحينا إليك أو الروحَ الذي أوحينا إليك، والمعنى لا يختلف.
﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ -اللهم اهدنا به- ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ النور يهتدي به الناس، ومنه قول الشاعر:
..................... ∗∗∗ كَأَنَّهُ عَــــلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
وقول الخنساء في أخيها:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ∗∗∗ كَأَنَّهُ عَــــلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
يعني أنَّ النار تُجعَل علامةً على الشيء، إذا كان الناس في البَرِّ أوقدوا في الليل نارًا على رأس جبلٍ أو على رأس أَكَمةٍ حتى يهتديَ بها من يريدهم.
يقول: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ نهدي بهذا النور مَن نشاء، وهذا مبنيٌّ على حكمة الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فمَن الحري أنْ يُهدَى بهذا النور؟ مَن تمسَّك به وعَمِل بما فيه تصديقًا للأخبار وتنفيذًا للأحكام، مَن فَعَل هذا صار القرآنُ له نورًا يهتدي به؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧].
وأمَّا مَن أعرضَ عنه -والعياذ بالله- فإنَّه سيكون حُجَّةً عليه ولا ينتفع به.
﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد العبوديَّة العامة أو الخاصة؟ ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه تقسِّم الناسَ إلى قِسْمين: مهتدٍ وضالٍّ، فيكون ﴿عِبَادِنَا﴾ المراد به العبوديَّة العامة؛ لأنه جعل العبودية هذه قِسْمين: مهتدٍ وضال.
﴿مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ﴾ يعني: يا محمَّد ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] قال: (تدعو بالوحي إليك) ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لو أنَّ المؤلف قال: ﴿لَتَهْدِي﴾ أي: تدلُّ، لَكان أَوْضَح وأَخْصَر، (تهدي) بمعنى تدلُّ، فهي هداية الدلالة، أمَّا المؤلف يقول: (تدعو بالوحي إليك)، ولكن هذا لا يكفي؛ لأنَّه لو دعا فهل يهتدي الناس؟ لكن إذا قلنا: تدلُّ، فقد وضَّح الطريقَ ودلَّ عليه، ثم مَن اهتدى فلنفسه ومَن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها.
﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ (طريقٍ) ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: (دين الإسلام). وصَدَق، الصراط المستقيم بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو دين الإسلام.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٣]. ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ هذه بدلٌ من قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أضافه الله تعالى إلى نفسه لأنَّه الذي وَضَعه لعباده، ولأنَّه مُوصلٌ إليه، فأُضيفَ إلى الله باعتبارينِ؛
الأول: أنَّه الذي وَضَعه لعباده وشَرَعه لهم، والثاني: أنَّه موصلٌ إليه.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: قويمٍ غيرِ معوجٍّ.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿لَهُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدَّم، و﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ أي: له وحده.
(﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا) لو قدَّم المؤلف (خلقًا) على (ملكًا) لَكان أحسن؛ لأنَّ الخلْق سابقٌ على الْمُلك، ولكن الخُلف في هذا سهل، وقوله: (عبيدًا) يعني تدبيرًا، يدبِّرهم.
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى ٥٣] ﴿أَلَا﴾ هنا أداة استفتاح، والمقصود بها التنبيه والتأكيد، وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مفعول (تصير) مقدَّم عليها لإفادة الحصر؛ أي: إلى الله لا إلى غيره تصير الأمور؛ أي: شؤون الخلْق.
* في هذه الآية: بيانُ أنَّ هذا القرآن الكريم روحٌ تحيا به القلوب، وعلى هذا فإذا وجدتَ قلبَك ميتًا أو وجدتَه مريضًا أو وجدتَه قاسيًا فعليك بالقرآن، اقرأْه عن محبَّةٍ وتدبُّرٍ، فسيتغيَّر القلب من مرضٍ إلى صحَّة، ومن موتٍ إلى حياة، ومن قسوةٍ إلى لِين؛ قال ابن عبد القويِّ رحمه الله:
وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ∗∗∗ يُلَيِّنُ قَـــلْبًا قَـاسِيًا مِــــثْلَجَلْـــمَدِ
أي: مثل الحصى، ويدلُّ عليه هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية: أنَّ القرآن من أَمْر الله، وينبني عليها أنَّه ليس بمخلوق؛ وجْه ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ففصل الخلْق عن الأمر وجعله قسيمًا له، فدلَّ ذلك على أنَّ الأمر ليس من الخلْق، وهذا هو المراد، فهذه الآية مما يُستدلُّ به على طائفتي المعتزلة والأشعرية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق؛ وجْه ذلك أنَّ الله جعل الأمر قسيمًا للخلْق، وقَسِيم الشيء ليس منه. قِسْم الشيءِ منه أو ليس منه؟
* طلبة: ليس منه.
* طلبة آخرون: منه.
* الشيخ: منه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الربِّ عز وجل نفسَه؛ لقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾، وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾، وهو أهلٌ للتعظيم عز وجل، وأهلٌ للإكرام، وأهلٌ للثناء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ النبي ﷺ قَبْل هذا الوحي لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧] ﴿ضَالًّا﴾ يعني: جاهلًا ﴿فَهَدَى﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإنزال القرآن الذي صار به عالِمًا بالكتاب وعالِمًا بالإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، فيكون فيه إبطالٌ لدعوى أنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذب؛ لأنَّه لا يستطيع أن يأتي بهذا القرآن من عنده.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الكتابَ نورًا يهدي به مَن يشاء، وينبني على هذه الفائدة أنَّك إذا أردتَ أن يستنير قلبُك ويحيا قلبُك فعليك بأيش؟ بالقرآن، لكن قراءة تدبُّر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ أنَّ الهداية والضلال بمشيئة الله؛ لقوله: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدلُّ على الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وقولِه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]؟
فالجواب أنَّ الهداية في الآية الثانية هدايةُ التوفيق؛ فإنَّ النبي ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا، وأمَّا الهداية في الآية التي هنا فهي هداية الدلالة؛ اقرأْ قولَ الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم أيش؟
* طالب: دلالة.
* الشيخ: هداية دلالةٍ؛ يعني: بيَّنَّا لهم الحقَّ ودلَلْناهم عليه، ولكنَّهم -والعياذ بالله- استحبُّوا العمى على الهدى فلم يهتدوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هَدْي النبيِّ ﷺ هَدْيٌ مستقيمٌ لا اعوجاج فيه؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فليس فيه اعوجاجٌ في الخبر، والاعوجاج في الخبر: الكذب، وليس فيه اعوجاجٌ في الشرائع، بل كلُّها مبنيَّةٌ على العدل والفضل، والحمد لله ربِّ العالمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنَّ ما خالَف هَدْيَ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليس صراطًا مستقيمًا؛ تؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يعني: ما سِوَى ما أنت عليه فليس صراطًا مستقيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ شأن دين الله الذي يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قولِه تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧]، وهنا يقول: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾؟
فالجواب أنَّه يُضاف إلى الله باعتبارٍ، ويُضاف إلى الذين أنعمَ الله عليهم باعتبارٍ آخَر، فإضافتُه إلى الله باعتبارِ أنَّه أيش؟
* طلبة: وَضَعه.
* الشيخ: وَضَعه وأنَّه يُوصل إليه، وإضافته إلى الذين أنعمَ الله عليهم باعتبارِ أنَّهم سالِكوه؛ المؤمنون به، اللهم اجعلْنا منهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلك الله واختصاصُه بهذا الْمُلك؛ العموم من قوله: ﴿مَا﴾، فإنَّ (ما) اسمٌ موصولٌ يدلُّ على العموم، واختصاصُه به من تقديم الخبر على المبتدأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنَّ الله تعالى يحكم ما يشاء، وأنَّه لا اعتراضَ على حُكمه؛ لقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فأتى بعموم الْمُلك بعد ذِكْر الصراط المستقيم إشارةً إلى أنَّ ما حَكَم به تبارك وتعالى لا اعتراضَ عليه فيه، لماذا؟ لأنَّ الله له مُلك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، ويَشْرع ما يشاء، ولهذا تجد بعضَ أهل العلم -رحمهم الله- إذا لم يهتدوا إلى عِلَّة الحُكم قالوا: هذا تعبُّديٌّ. يعني علينا أن نتعبَّد به وإن لم نعلم الحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ أنَّ الأمور كلَّها تصير إلى الله -أي: ترجع إليه- خَلْقًا ومُلكًا وتدبيرًا وحُكمًا، كلُّ شيءٍ يرجع إلى الله، إذا اختلفْنا في حُكمٍ في مسألةٍ من مسائل العلم إلى مَن نرجع؟ إلى الله. إذا كان يوم القيامة يُبعث الخلائق ويرجعون إلى الله، إذَنْ ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني كلُّ الأمور تصير إلى الله، ترجع إليه، فهو منه المبتدأ وإليه المنتهى تبارك وتعالى.
* * *
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، وَرَد بالسُّنة ذِكْر بعض أنواع الوحي، هل هو داخل في هذه الأقسام ولَّا ..؟
* الشيخ: مِثْل؟
* الطالب: مثل .. قال: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي الْمَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ»[[أخرج البخاري (٣٢١٥)، ومسلم (٢٣٣٣ / ٨٧) واللفظ له، عن عائشة أنَّ الحارث بن هشام سأل النبيَّ ﷺ: كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال: «أحيانًا يأتيني في مِثْل صلصلة الجرسِ، وهو أشدُّه عليَّ، ثم يفصم عنِّي وقد وَعَيتُه، وأحيانًا مَلَكٌ في مِثْل صورة الرجُل فأَعِي ما يقول».]].
* الشيخ: إي نعم، سواءٌ رجلٌ أو يُرسل رسولًا.
* الطالب: والأول يا شيخ؟
* الشيخ: الأول بالوحي؛ الإلهام.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أقول: على حسب نشاطه، لكن قال العلماء: ينبغي أن يجعل حزبًا معيَّنًا يتلوه كلَّ يومٍ تنظيمًا لقراءته؛ لأنَّ الإنسان إذا جعلها مفتوحة هكذا مرَّت به الأيام وهو لم يُحَصِّل شيئًا، وهذا وإنْ كان ليس معهودًا في مَن سَلَف، إلا إنْ كان دلَّ عليه حديث -أظُنُّ- عبد الله بن عمرٍو أنَّه «قال: أستطيع أن أقرأه في شهرٍ، في أسبوعٍ، في ثلاثة أيامٍ، فقال: «لَا تَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»[[أخرج أبو داود (١٣٩٠) بسنده عن عبد الله بن عمرٍو أنَّه قال: يا رسول الله، في كم أقرأُ القرآنَ؟ قال: «في شهر». قال: إنِّي أقوى من ذلك. يردِّد الكلامَ أبو موسى وتَنَاقَصه حتى قال: «اقرأْه في سبع». قال: إنِّي أقوى من ذلك. قال: «لا يَفْقه مَن قرأه في أقلَّ من ثلاث».]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لا يُذَمُّ، والحمد لله الإنسانُ يقرأ القرآن كلَّ يومٍ في أيش؟
* الطلبة: الصلاة.
* الشيخ: في الصلاة، فلا هَجْر للقرآن.
* طالب: (...) الاستفادة (...) شرح النووي (...)؟
* الشيخ: لا، هذا غلطٌ منهم، يعني كيف نَدَع الاستفادة من هذه الكُتُبِ العظيمةِ والخطأُ فيها لا يمثِّل ولا عُشْر عُشْر المعشار، قال ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد الفقهية: ويأبَى اللَّهُ العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه. والمنْصِف مَن اغتَفَر قليلَ خطأ المرء في كثيرِ صوابه، صحيح، هذا الإنصاف، ولا تكاد تجد مؤلَّفًا إلا وفيه الخطأ إمَّا متعمَّدًا أو غير متعمَّد، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل كلُّ مَن كلَّمه الله تبارك وتعالى (...) يكون نبيًّا؟
* الشيخ: نعم، إذا كلَّمه الله بشرعٍ كان نبيًّا، وإنْ كلَّمه بغير ذلك فقد يكون شيطانًا؛ أليس الله خاطَبَ الشيطانَ؛ قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أحسن ما علمتُ تفسير ابن كثير رحمه الله، موثوقٌ من جهة العقيدة، وإن كان فيه بعض القصور؛ يذكر أحاديث إسرائيليَّات، أشياء إسرائيليَّة، ويتكلَّم على كثيرٍ منها، تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي جيِّد، خصوصًا في استنباط الفوائد من الآيات، إي نعم، هذا اللي أعلم الآن، وتفسير الشيخ الشنقيطي رحمه الله جيِّد، لكنْ لا يَصْلح إلا لطالب علمٍ متمكِّن.
* الطالب: أحسنَ الله إليكم، قيل: إنَّ الإمام الشافعي كان يختم القرآنَ في اليوم مرَّتين في رمضان، فهل هذا يُعتبر مخالفًا للسُّنة؟
* الشيخ: لا، لأنَّ هذا من الأمور العارضة، هذا لا يخالف السُّنة؛ الأمور العارضة ما تُعتبر كالأمور الدائمة.
* طالب: إذا استدلَّ علينا بعض المبتدعة قالوا: أنتم الآن أوَّلتم الروحَ بالقرآن، لماذا لا تكون الروح هي روح من الله تعالى؟
* الشيخ: أي: روح من الله؟
* الطالب: من روح الله.
* الشيخ: ما الذي أوحاه الله إلى الرسول؟
* الطالب: القرآن.
* الشيخ: طيب، كيف نؤوِّل؟! ما أوَّلْنا، هذا هو الذي أُوحِيَ إلى الرسول، وسَمَّاه الله روحًا لأنَّه تحيا به القلوب.
واعلمْ أنَّنا نحن لا نُنكر التأويل، قد نُؤَوِّل، لكنْ إذا دلَّ الدليل على التأويل فلا بأس؛ فنقول في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] نقول: إذا أردتَ أن تقرأ. وظاهر الآية: إذا فرغْتَ من القراءة فاستعذْ. والسُّنَّة بيَّنَتْ هذا، فنحن لا نُنكر التأويل؛ لأنَّ التأويل الذي دلَّ عليه اللفظ تفسير، إنما نُنكر التأويل الذي هو التحريف.
* الطالب: بدون دليل.
* الشيخ: نعم، بدون دليل.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بالرسول، أيُّ رسول.
بيان الإلهام إمَّا أنَّ الله يُوقِع في قلبه؛ مِثْل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا»[[أخرج الطبراني في الكبير (٨ / ١٦٦، رقم ٧٦٩٤) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «نَفَثَ رُوح القدس في رُوعي أنَّ نفسًا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجَلَها وتستوعبَ رزقَها، فأجمِلوا في الطلب».]].
وبهذا تمَّ تفسير سورة الشورى، ويكون الموقف -إن شاء الله- على سورة الزخرف، نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالسعادة، وأن يرزقنا فَهْم كتابه على الوجه الذي يرضاه عنَّا، وأن يجعلنا ممن يتلونه حقَّ تلاوته.
الشورى 42:53
ثم قال عز وجل: (﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مِثْل إيحائنا إلى غيرك من الرُّسُل ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى ٥٢]).
﴿كَذَلِكَ﴾ تأتي في القرآن كثيرًا، وحسب كلام المفسِّر أنَّ الكاف اسمٌ بمعنى (مِثْل)، فتكون مصدرًا لفعلٍ محذوفٍ، والتقدير: مِثْلَ ذلك. ثم تفسِّر الفعلَ بما يناسب المقامَ؛ أي: مِثْلَ إيحائنا لِمَن سبق من الرُّسُل (﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمد). أفادنا بقوله: (يا محمد) أنَّ الخطاب هنا خاصٌّ بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يتعدَّاه إلى غيره.
﴿رُوحًا﴾ قال: (هو القرآن، به تحيا القلوب). صَدَق المراد بالروح هنا؟
* طالب: القرآن؛ لأنه حياة القلوب.
* الشيخ: القرآن؛ لأنه تحيا به القلوب.
وقوله: (﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى ٥٢] الذي نوحيه إليك) يعني: مما نأمر به، ويحتمل أن يكون الأمر هنا واحد الأُمور لا واحد الأوامر؛ أي: من شأننا.
(﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ تعرف قبل الوحي إليك ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ القرآن ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى ٥٢] أي: شرائعه ومعالمه). أوحى الله إلى نبيِّه رُوحًا من أَمْره -سواءٌ قلنا: واحد الأمور، أو: واحد الأوامر- وأَخْبر أنَّ لله المنَّة الكبرى عليه في ذلك؛ لأنَّه كان قبل هذا ما يدري -أي: ما يعلم، أو: ما يعرف- ما الكتاب ولا الإيمان.
كلمة ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ يحتمل أنَّ المراد بها: ما الكتابة، ويحتمل أنْ يُراد بذلك ما ذكره المؤلف وهو القرآن؛ أمَّا الأول فلأنَّ الله تعالى قال في نبيِّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]، وأمَّا كَوْن المراد به القرآن فهذا أمثلته كثيرة، المهمُّ أنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما كان يعرف، حتى الكتابة لا يَكْتب عليه الصلاة والسلام، وما كان يعرف أيضًا الوحيَ قبل أنْ يُوحَى إليه.
﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ قال المؤلف: (أي: شرائعه ومعالمه)، يعني: وما كنتَ تدري عن شرائع الإيمان. فهل كان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدري عمَّا شَرَعه الله له في هذه الشريعة الكاملة قبل ذلك؟ لا.
ثم قال المؤلف: (والنَّفْي معلِّقٌ للفعل عن العمل، وما بعده سدَّ مسدَّ المفعولين). الجملة هذه للإعراب، كلمة ﴿تَدْرِي﴾ تنصب مفعولين، هل بعدها شيء منصوب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لا، بعدها (ما) استفهامية مبتدأ، و(الكتاب) خبره، ما فيها شيءٌ منصوب، إذا جاءت الجملة الاستفهامية في محلِّ المفعولين فإنها تعلِّق الفعلَ عن العمل ظاهرًا، ولكن الجملة تكون في محلِّ نصب. إذَن الاستفهام هنا علَّق الفعلَ عن العمل، وما بعده سدَّ مسدَّ المفعولين.
﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ (﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الروحَ أو الكتابَ)؛ يعني: جعلْنا الكتابَ الذي أوحينا إليك أو الروحَ الذي أوحينا إليك، والمعنى لا يختلف.
﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ -اللهم اهدنا به- ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ النور يهتدي به الناس، ومنه قول الشاعر:
..................... ∗∗∗ كَأَنَّهُ عَــــلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
وقول الخنساء في أخيها:
وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ ∗∗∗ كَأَنَّهُ عَــــلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ
يعني أنَّ النار تُجعَل علامةً على الشيء، إذا كان الناس في البَرِّ أوقدوا في الليل نارًا على رأس جبلٍ أو على رأس أَكَمةٍ حتى يهتديَ بها من يريدهم.
يقول: ﴿جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ نهدي بهذا النور مَن نشاء، وهذا مبنيٌّ على حكمة الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، فمَن الحري أنْ يُهدَى بهذا النور؟ مَن تمسَّك به وعَمِل بما فيه تصديقًا للأخبار وتنفيذًا للأحكام، مَن فَعَل هذا صار القرآنُ له نورًا يهتدي به؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد ١٧].
وأمَّا مَن أعرضَ عنه -والعياذ بالله- فإنَّه سيكون حُجَّةً عليه ولا ينتفع به.
﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ هل المراد العبوديَّة العامة أو الخاصة؟ ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ هذه تقسِّم الناسَ إلى قِسْمين: مهتدٍ وضالٍّ، فيكون ﴿عِبَادِنَا﴾ المراد به العبوديَّة العامة؛ لأنه جعل العبودية هذه قِسْمين: مهتدٍ وضال.
﴿مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ﴾ يعني: يا محمَّد ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] قال: (تدعو بالوحي إليك) ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لو أنَّ المؤلف قال: ﴿لَتَهْدِي﴾ أي: تدلُّ، لَكان أَوْضَح وأَخْصَر، (تهدي) بمعنى تدلُّ، فهي هداية الدلالة، أمَّا المؤلف يقول: (تدعو بالوحي إليك)، ولكن هذا لا يكفي؛ لأنَّه لو دعا فهل يهتدي الناس؟ لكن إذا قلنا: تدلُّ، فقد وضَّح الطريقَ ودلَّ عليه، ثم مَن اهتدى فلنفسه ومَن ضلَّ فإنما يضلُّ عليها.
﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ (طريقٍ) ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ يقول: (دين الإسلام). وصَدَق، الصراط المستقيم بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو دين الإسلام.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى ٥٣]. ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ هذه بدلٌ من قوله: ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أضافه الله تعالى إلى نفسه لأنَّه الذي وَضَعه لعباده، ولأنَّه مُوصلٌ إليه، فأُضيفَ إلى الله باعتبارينِ؛
الأول: أنَّه الذي وَضَعه لعباده وشَرَعه لهم، والثاني: أنَّه موصلٌ إليه.
﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: قويمٍ غيرِ معوجٍّ.
﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ﴿لَهُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدَّم، و﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ أي: له وحده.
(﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ مُلكًا وخلقًا وعبيدًا) لو قدَّم المؤلف (خلقًا) على (ملكًا) لَكان أحسن؛ لأنَّ الخلْق سابقٌ على الْمُلك، ولكن الخُلف في هذا سهل، وقوله: (عبيدًا) يعني تدبيرًا، يدبِّرهم.
﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى ٥٣] ﴿أَلَا﴾ هنا أداة استفتاح، والمقصود بها التنبيه والتأكيد، وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ مفعول (تصير) مقدَّم عليها لإفادة الحصر؛ أي: إلى الله لا إلى غيره تصير الأمور؛ أي: شؤون الخلْق.
* في هذه الآية: بيانُ أنَّ هذا القرآن الكريم روحٌ تحيا به القلوب، وعلى هذا فإذا وجدتَ قلبَك ميتًا أو وجدتَه مريضًا أو وجدتَه قاسيًا فعليك بالقرآن، اقرأْه عن محبَّةٍ وتدبُّرٍ، فسيتغيَّر القلب من مرضٍ إلى صحَّة، ومن موتٍ إلى حياة، ومن قسوةٍ إلى لِين؛ قال ابن عبد القويِّ رحمه الله:
وَحَافِظْ عَلَى دَرْسِ الْقُرَانِ فَإِنَّهُ ∗∗∗ يُلَيِّنُ قَـــلْبًا قَـاسِيًا مِــــثْلَجَلْـــمَدِ
أي: مثل الحصى، ويدلُّ عليه هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية: أنَّ القرآن من أَمْر الله، وينبني عليها أنَّه ليس بمخلوق؛ وجْه ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف ٥٤]، ففصل الخلْق عن الأمر وجعله قسيمًا له، فدلَّ ذلك على أنَّ الأمر ليس من الخلْق، وهذا هو المراد، فهذه الآية مما يُستدلُّ به على طائفتي المعتزلة والأشعرية الذين يقولون: إنَّ القرآن مخلوق؛ وجْه ذلك أنَّ الله جعل الأمر قسيمًا للخلْق، وقَسِيم الشيء ليس منه. قِسْم الشيءِ منه أو ليس منه؟
* طلبة: ليس منه.
* طلبة آخرون: منه.
* الشيخ: منه.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تعظيم الربِّ عز وجل نفسَه؛ لقوله: ﴿أَوْحَيْنَا﴾، وقوله: ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾، وهو أهلٌ للتعظيم عز وجل، وأهلٌ للإكرام، وأهلٌ للثناء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ النبي ﷺ قَبْل هذا الوحي لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، وعليه يدلُّ قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٧] ﴿ضَالًّا﴾ يعني: جاهلًا ﴿فَهَدَى﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيانُ مِنَّة الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإنزال القرآن الذي صار به عالِمًا بالكتاب وعالِمًا بالإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، فيكون فيه إبطالٌ لدعوى أنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاذب؛ لأنَّه لا يستطيع أن يأتي بهذا القرآن من عنده.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الكتابَ نورًا يهدي به مَن يشاء، وينبني على هذه الفائدة أنَّك إذا أردتَ أن يستنير قلبُك ويحيا قلبُك فعليك بأيش؟ بالقرآن، لكن قراءة تدبُّر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ أنَّ الهداية والضلال بمشيئة الله؛ لقوله: ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يدلُّ على الصراط المستقيم؛ لقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فإن قال قائل: ما الجمع بين هذه الآية وقولِه تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦]؟
فالجواب أنَّ الهداية في الآية الثانية هدايةُ التوفيق؛ فإنَّ النبي ﷺ لا يملك أن يهدي أحدًا، وأمَّا الهداية في الآية التي هنا فهي هداية الدلالة؛ اقرأْ قولَ الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم أيش؟
* طالب: دلالة.
* الشيخ: هداية دلالةٍ؛ يعني: بيَّنَّا لهم الحقَّ ودلَلْناهم عليه، ولكنَّهم -والعياذ بالله- استحبُّوا العمى على الهدى فلم يهتدوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ هَدْي النبيِّ ﷺ هَدْيٌ مستقيمٌ لا اعوجاج فيه؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، فليس فيه اعوجاجٌ في الخبر، والاعوجاج في الخبر: الكذب، وليس فيه اعوجاجٌ في الشرائع، بل كلُّها مبنيَّةٌ على العدل والفضل، والحمد لله ربِّ العالمين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنَّ ما خالَف هَدْيَ النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليس صراطًا مستقيمًا؛ تؤخذ من مفهوم قوله: ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، يعني: ما سِوَى ما أنت عليه فليس صراطًا مستقيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعظيمُ شأن دين الله الذي يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
فإن قال قائل: كيف نجمع بين هذه الآية وبين قولِه تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة ٦، ٧]، وهنا يقول: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾؟
فالجواب أنَّه يُضاف إلى الله باعتبارٍ، ويُضاف إلى الذين أنعمَ الله عليهم باعتبارٍ آخَر، فإضافتُه إلى الله باعتبارِ أنَّه أيش؟
* طلبة: وَضَعه.
* الشيخ: وَضَعه وأنَّه يُوصل إليه، وإضافته إلى الذين أنعمَ الله عليهم باعتبارِ أنَّهم سالِكوه؛ المؤمنون به، اللهم اجعلْنا منهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم مُلك الله واختصاصُه بهذا الْمُلك؛ العموم من قوله: ﴿مَا﴾، فإنَّ (ما) اسمٌ موصولٌ يدلُّ على العموم، واختصاصُه به من تقديم الخبر على المبتدأ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنَّ الله تعالى يحكم ما يشاء، وأنَّه لا اعتراضَ على حُكمه؛ لقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فأتى بعموم الْمُلك بعد ذِكْر الصراط المستقيم إشارةً إلى أنَّ ما حَكَم به تبارك وتعالى لا اعتراضَ عليه فيه، لماذا؟ لأنَّ الله له مُلك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، ويَشْرع ما يشاء، ولهذا تجد بعضَ أهل العلم -رحمهم الله- إذا لم يهتدوا إلى عِلَّة الحُكم قالوا: هذا تعبُّديٌّ. يعني علينا أن نتعبَّد به وإن لم نعلم الحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ أنَّ الأمور كلَّها تصير إلى الله -أي: ترجع إليه- خَلْقًا ومُلكًا وتدبيرًا وحُكمًا، كلُّ شيءٍ يرجع إلى الله، إذا اختلفْنا في حُكمٍ في مسألةٍ من مسائل العلم إلى مَن نرجع؟ إلى الله. إذا كان يوم القيامة يُبعث الخلائق ويرجعون إلى الله، إذَنْ ﴿تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ يعني كلُّ الأمور تصير إلى الله، ترجع إليه، فهو منه المبتدأ وإليه المنتهى تبارك وتعالى.
* * *
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، وَرَد بالسُّنة ذِكْر بعض أنواع الوحي، هل هو داخل في هذه الأقسام ولَّا ..؟
* الشيخ: مِثْل؟
* الطالب: مثل .. قال: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي كَصَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَأَحْيَانًا يَأْتِينِي الْمَلَكُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ»[[أخرج البخاري (٣٢١٥)، ومسلم (٢٣٣٣ / ٨٧) واللفظ له، عن عائشة أنَّ الحارث بن هشام سأل النبيَّ ﷺ: كيف يأتيك الوحيُ؟ فقال: «أحيانًا يأتيني في مِثْل صلصلة الجرسِ، وهو أشدُّه عليَّ، ثم يفصم عنِّي وقد وَعَيتُه، وأحيانًا مَلَكٌ في مِثْل صورة الرجُل فأَعِي ما يقول».]].
* الشيخ: إي نعم، سواءٌ رجلٌ أو يُرسل رسولًا.
* الطالب: والأول يا شيخ؟
* الشيخ: الأول بالوحي؛ الإلهام.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أقول: على حسب نشاطه، لكن قال العلماء: ينبغي أن يجعل حزبًا معيَّنًا يتلوه كلَّ يومٍ تنظيمًا لقراءته؛ لأنَّ الإنسان إذا جعلها مفتوحة هكذا مرَّت به الأيام وهو لم يُحَصِّل شيئًا، وهذا وإنْ كان ليس معهودًا في مَن سَلَف، إلا إنْ كان دلَّ عليه حديث -أظُنُّ- عبد الله بن عمرٍو أنَّه «قال: أستطيع أن أقرأه في شهرٍ، في أسبوعٍ، في ثلاثة أيامٍ، فقال: «لَا تَقْرَأْهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»[[أخرج أبو داود (١٣٩٠) بسنده عن عبد الله بن عمرٍو أنَّه قال: يا رسول الله، في كم أقرأُ القرآنَ؟ قال: «في شهر». قال: إنِّي أقوى من ذلك. يردِّد الكلامَ أبو موسى وتَنَاقَصه حتى قال: «اقرأْه في سبع». قال: إنِّي أقوى من ذلك. قال: «لا يَفْقه مَن قرأه في أقلَّ من ثلاث».]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، لا يُذَمُّ، والحمد لله الإنسانُ يقرأ القرآن كلَّ يومٍ في أيش؟
* الطلبة: الصلاة.
* الشيخ: في الصلاة، فلا هَجْر للقرآن.
* طالب: (...) الاستفادة (...) شرح النووي (...)؟
* الشيخ: لا، هذا غلطٌ منهم، يعني كيف نَدَع الاستفادة من هذه الكُتُبِ العظيمةِ والخطأُ فيها لا يمثِّل ولا عُشْر عُشْر المعشار، قال ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد الفقهية: ويأبَى اللَّهُ العصمةَ لكتابٍ غيرِ كتابه. والمنْصِف مَن اغتَفَر قليلَ خطأ المرء في كثيرِ صوابه، صحيح، هذا الإنصاف، ولا تكاد تجد مؤلَّفًا إلا وفيه الخطأ إمَّا متعمَّدًا أو غير متعمَّد، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].
* طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل كلُّ مَن كلَّمه الله تبارك وتعالى (...) يكون نبيًّا؟
* الشيخ: نعم، إذا كلَّمه الله بشرعٍ كان نبيًّا، وإنْ كلَّمه بغير ذلك فقد يكون شيطانًا؛ أليس الله خاطَبَ الشيطانَ؛ قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أحسن ما علمتُ تفسير ابن كثير رحمه الله، موثوقٌ من جهة العقيدة، وإن كان فيه بعض القصور؛ يذكر أحاديث إسرائيليَّات، أشياء إسرائيليَّة، ويتكلَّم على كثيرٍ منها، تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي جيِّد، خصوصًا في استنباط الفوائد من الآيات، إي نعم، هذا اللي أعلم الآن، وتفسير الشيخ الشنقيطي رحمه الله جيِّد، لكنْ لا يَصْلح إلا لطالب علمٍ متمكِّن.
* الطالب: أحسنَ الله إليكم، قيل: إنَّ الإمام الشافعي كان يختم القرآنَ في اليوم مرَّتين في رمضان، فهل هذا يُعتبر مخالفًا للسُّنة؟
* الشيخ: لا، لأنَّ هذا من الأمور العارضة، هذا لا يخالف السُّنة؛ الأمور العارضة ما تُعتبر كالأمور الدائمة.
* طالب: إذا استدلَّ علينا بعض المبتدعة قالوا: أنتم الآن أوَّلتم الروحَ بالقرآن، لماذا لا تكون الروح هي روح من الله تعالى؟
* الشيخ: أي: روح من الله؟
* الطالب: من روح الله.
* الشيخ: ما الذي أوحاه الله إلى الرسول؟
* الطالب: القرآن.
* الشيخ: طيب، كيف نؤوِّل؟! ما أوَّلْنا، هذا هو الذي أُوحِيَ إلى الرسول، وسَمَّاه الله روحًا لأنَّه تحيا به القلوب.
واعلمْ أنَّنا نحن لا نُنكر التأويل، قد نُؤَوِّل، لكنْ إذا دلَّ الدليل على التأويل فلا بأس؛ فنقول في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل ٩٨] نقول: إذا أردتَ أن تقرأ. وظاهر الآية: إذا فرغْتَ من القراءة فاستعذْ. والسُّنَّة بيَّنَتْ هذا، فنحن لا نُنكر التأويل؛ لأنَّ التأويل الذي دلَّ عليه اللفظ تفسير، إنما نُنكر التأويل الذي هو التحريف.
* الطالب: بدون دليل.
* الشيخ: نعم، بدون دليل.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بالرسول، أيُّ رسول.
بيان الإلهام إمَّا أنَّ الله يُوقِع في قلبه؛ مِثْل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا»[[أخرج الطبراني في الكبير (٨ / ١٦٦، رقم ٧٦٩٤) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «نَفَثَ رُوح القدس في رُوعي أنَّ نفسًا لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجَلَها وتستوعبَ رزقَها، فأجمِلوا في الطلب».]].
وبهذا تمَّ تفسير سورة الشورى، ويكون الموقف -إن شاء الله- على سورة الزخرف، نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالسعادة، وأن يرزقنا فَهْم كتابه على الوجه الذي يرضاه عنَّا، وأن يجعلنا ممن يتلونه حقَّ تلاوته.