Lafzullah

Tafsir Ibn Uthaymeen — العلق 96:1 – الزلزلة 99:8

المؤلف / المصدر: Tafsir Ibn Uthaymeen

المحتويات
  1. العلق 96:1
  2. العلق 96:2
  3. العلق 96:3
  4. العلق 96:4
  5. العلق 96:5
  6. العلق 96:6
  7. العلق 96:7
  8. العلق 96:8
  9. العلق 96:9
  10. العلق 96:10
  11. العلق 96:11
  12. العلق 96:12
  13. العلق 96:13
  14. العلق 96:14
  15. العلق 96:15
  16. العلق 96:16
  17. العلق 96:17
  18. العلق 96:18
  19. العلق 96:19
  20. القدر 97:1
  21. القدر 97:2
  22. القدر 97:3
  23. القدر 97:4
  24. القدر 97:5
  25. البينة 98:1
  26. البينة 98:2
  27. البينة 98:3
  28. البينة 98:4
  29. البينة 98:6
  30. البينة 98:7
  31. البينة 98:8
  32. الزلزلة 99:1
  33. الزلزلة 99:2
  34. الزلزلة 99:3
  35. الزلزلة 99:4
  36. الزلزلة 99:5
  37. الزلزلة 99:6
  38. الزلزلة 99:7
  39. الزلزلة 99:8

العلق 96:1

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم: منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات. ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل. وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل. وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣، التحريم ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا. هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق. يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]. وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟ الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» الحديث.]]؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح[[قال الخطابي في معالم السنن (٤ / ١٣٩): فأمَّا تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعضُ أهل العلم قولًا؛ زعم أنَّ رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثًا وعشرين سنة، أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.]]، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو ﷺ كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي ﷺ يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قال: قلتُ: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]...» الحديث.]]، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...﴾ إلى آخره، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿خَلَقَ﴾ وحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: ابتدأ خلْقه. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟ العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله ﷺ شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم. الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه. على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٣ - ٥]. ﴿اقْرَأْ﴾ تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، و﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ بما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).

العلق 96:2

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم: منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات. ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل. وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل. وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣، التحريم ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا. هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق. يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]. وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟ الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» الحديث.]]؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح[[قال الخطابي في معالم السنن (٤ / ١٣٩): فأمَّا تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعضُ أهل العلم قولًا؛ زعم أنَّ رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثًا وعشرين سنة، أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.]]، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو ﷺ كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي ﷺ يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قال: قلتُ: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]...» الحديث.]]، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...﴾ إلى آخره، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿خَلَقَ﴾ وحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: ابتدأ خلْقه. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟ العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله ﷺ شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم. الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه. على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٣ - ٥]. ﴿اقْرَأْ﴾ تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، و﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ بما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).

العلق 96:3

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم: منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات. ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل. وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل. وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣، التحريم ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا. هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق. يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]. وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟ الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» الحديث.]]؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح[[قال الخطابي في معالم السنن (٤ / ١٣٩): فأمَّا تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعضُ أهل العلم قولًا؛ زعم أنَّ رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثًا وعشرين سنة، أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.]]، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو ﷺ كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي ﷺ يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قال: قلتُ: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]...» الحديث.]]، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...﴾ إلى آخره، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿خَلَقَ﴾ وحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: ابتدأ خلْقه. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟ العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله ﷺ شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم. الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه. على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٣ - ٥]. ﴿اقْرَأْ﴾ تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، و﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ بما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).

العلق 96:4

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم: منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات. ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل. وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل. وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣، التحريم ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا. هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق. يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]. وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟ الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» الحديث.]]؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح[[قال الخطابي في معالم السنن (٤ / ١٣٩): فأمَّا تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعضُ أهل العلم قولًا؛ زعم أنَّ رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثًا وعشرين سنة، أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.]]، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو ﷺ كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي ﷺ يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قال: قلتُ: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]...» الحديث.]]، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...﴾ إلى آخره، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿خَلَقَ﴾ وحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: ابتدأ خلْقه. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟ العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله ﷺ شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم. الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه. على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٣ - ٥]. ﴿اقْرَأْ﴾ تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، و﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ بما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).

العلق 96:5

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أمَّا بعد، فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون من اللقاء المعبَّر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كلَّ يوم خميس من كلِّ أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آياتٍ من كتاب الله عز وجل؛ لأن كتاب الله سبحانه وتعالى نزل لعدَّة حِكَم: منها: التعبُّد لله تعالى بتلاوته؛ فإنَّ تلاوة كتاب الله مما يقرِّب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات. ونزل أيضًا من أجل التدبُّر لمعانيه؛ حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص ٢٩]، وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامَّة الناس؛ حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة، لكن لا يعتنون بتفسير كتاب الله عز وجل، مع أنَّ كتاب الله هو أمُّ الكُتُب كلِّها وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله عز وجل هو الذي كُلِّفْنا بأن نتدبَّر آياته وأن نتَّعظ بها، لهذا نرى أنَّه لا يليق بطالب العلم أن يُعرِض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله عز وجل. وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأنَّ هذا الجزء كثيرًا ما يُقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء فيسمعه العامة، فيَحْسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله عز وجل. وآيات الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعضَ الآيات بنصِّها ولفظها في موضعٍ آخر؛ مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣، التحريم ٩]، هذه الآية وردتْ بلفظها في مكانٍ آخر في كتاب الله، وردتْ في التوبة ووردتْ في سورة التحريم، فكتاب الله تعالى يشبه بعضُه بعضًا. هذا اللقاءُ اليومَ سيكون الذي نتكلَّم عليه من كتاب الله هو سورة (اقرأ)؛ إذ إنَّنا -ولله الحمد- أكملنا ما سبق. يقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق ١]. وفي البسملة بحثٌ سبقت الإشارة إليه لكنْ لا مانع من إعادته، وهو: هل البسملة آيةٌ من السورة التي تليها أم هي آيةٌ مستقلَّة؟ الصحيح أنها آيةٌ مستقلَّة وأنها ليست من السورة التي تليها، فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آيةٌ مستقلَّة، ولهذا لو أنَّ الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بدون البسملة فصلاته صحيحة لأنَّ البسملة ليستْ منها، لكن سورة براءة لم تُكتب فيها البسملة لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلًا بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] هذه الآيات أولُ ما نزل على الرسول عليه الصلاة والسلام من القرآن، هي أولُ ما نزل عليه من القرآن، نزلتْ عليه وهو يتعبَّد في غار حراء، وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أول ما بُدئ به الوحي أنَّه يرى الرؤيا في المنام، يراها في المنام فتأتي مثل فَلَق الصبح[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢)، من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسولُ الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح...» الحديث.]]؛ يعني يحدث ما يصدِّق هذه الرؤيا، وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فَلَق الصبح[[قال الخطابي في معالم السنن (٤ / ١٣٩): فأمَّا تحديد أجزائها بالعدد المذكور فقد قال في ذلك بعضُ أهل العلم قولًا؛ زعم أنَّ رسول الله ﷺ بقي منذ بدء الوحي إلى أن مات ثلاثًا وعشرين سنة، أقام بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، وكان يوحى إليه في منامه في أول الأمر بمكة ستة أشهر، وهي نصف سنة، فصارت هذه المدة جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة.]]، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدَّة بين ربيع الأول ورمضان ستة شهور، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة، ولهذا جاء في الحديث أنَّ «الرُّؤْيَا الصَّالِحَة جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. لَمَّا كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فَلَق الصبح حُبِّب إليه الخلاء؛ يعني أن يخلو بنفسه ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي، فرأى عليه الصلاة والسلام أنَّ أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء، وهو غارٌ في قمَّة الجبل لا يكاد يصعد إليه الإنسان القويُّ إلا بمشقة، فكان يصعده عليه الصلاة والسلام ويتحنَّث -يتعبَّد لله عز وجل- بما فتح الله عليه في هذا الغار الليالِيَ ذوات العدد؛ يعني عدَّة ليالٍ، ومعه زادٌ أخذه يتزوَّد به من طعامٍ وشرابٍ، ثم ينزل ويتزوَّد لمثلها من أهله ويرجع ويتحنَّث لله عز وجل إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمَرَه أن يقرأ فقال: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ». ومعنى «مَا أَنَا بِقَارِئٍ» يعني: لستُ من ذوي القراءة، وليس مراده المعصية لأمر جبريل، لكنَّه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة؛ إذْ إنَّه هو ﷺ كان أُمِّيًّا كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢]، فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذا من حكمة الله أنَّه لا يقرأ ولا يكتب حتى تتبيَّن حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍّ شكٌّ في صِدْقه، وقد أشار الله إلى هذه في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت ٤٨]. قال له: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، فغطَّه مرَّتين أو ثلاثًا ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ١ - ٥] خمس آياتٍ نزلتْ، فرجع بها النبي ﷺ يَرجُف فؤادُه من الخوف والفزع حتى أتى إلى خديجة. وحديث الوحي وابتدائه موجودٌ في أول صحيح البخاري[[أخرج البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠ / ٢٥٢) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان أول ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حُبِّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنَّث فيه -وهو التعبد- الليالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوَّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّد لمثلها، حتى فَجِئه الحقُّ وهو في غار حراء، فجاءه الملَك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. قال: قلتُ: «ما أنا بقارئ». قال: فأخذني فغطَّني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ». فأخذني فغطَّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥]...» الحديث.]]، من أحبَّ أن يرجع إليه فليرجعْ. يقول الله عز وجل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، قوله: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ قيل: معناه: متلبِّسًا بذلك. وقيل: مستعينًا بذلك؛ يعني: اقرأْ مستعينًا باسم الله؛ لأن أسماءَ الله تعالى كلَّها خيرٌ، كلها إعانٌة، يستعين بها الإنسان، ولذلك يستعين بها الإنسانُ على وضوئه، ويستعين بها على أكْله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلُّها عَونٌ. ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ...﴾ إلى آخره، وقال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ دون أن يقول: (باسم الله) لأنَّ المقامَ مقامُ ربوبيَّةٍ وتصرُّفٍ وتدبيرٍ للأمور وابتداءِ رسالةٍ، فلهذا قال: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إشارةً إلى أنَّه عليه الصلاة والسلام قد ربَّاه الله تعالى تربيةً خاصةً وربَّه كذلك ربوبيةً خاصَّة. ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ خَلَق أيَّ شيءٍ؟ خَلَق كلَّ شيءٍ؛ كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان ٢]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر ٦٢]، فما من شيءٍ في السماء ولا في الأرض مِن خفيٍّ وظاهرٍ وصغيرٍ وكبيرٍ إلا وهو مخلوقٌ لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا قال: ﴿خَلَقَ﴾ وحذَفَ المفعولَ إشارةً للعموم؛ لأن حذْف المفعولِ يفيد العموم؛ إذْ لو ذُكِر المفعول لتقيَّد الفعل به. مفهوم هذا الكلام؟ يعني لو قال: (خَلَق كذا) تقيَّد الخلْق بما ذُكِر فقط، لكن إذا قال: (خَلَقَ) وأطلقَ صار عامًّا، فهو خالقُ كلِّ شيءٍ جل وعلا. ثم قال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ فنصَّ وخصَّ خلْقَ الإنسانِ تكريمًا للإنسان وتشريفًا للإنسان؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٧٠]. فلهذا نصَّ على خلْق الإنسان. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ أي: ابتدأ خلْقه. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ اسمُ جمع (عَلَقة)، كـ(شَجَر) اسم جمع (شجرة). فما هو العَلَق؟ العَلَق هو عبارة عن دودةٍ حمراءَ من الدم صغيرةٍ، وهذا المنشأُ الذي به الحياة؛ لأنَّ الإنسان دمٌ، لو تفرَّغ من الدم لَهلك، وقد بيَّن الله عز وجل أنَّه خلقَ الإنسانَ من عَلَقٍ ولكنَّه يتطوَّر، وبيَّن في آياتٍ أخرى أنَّه خَلَق الإنسانَ من تراب، وفي آياتٍ أخرى خَلَقه من طين، وفي آيةٍ أخرى من صلصالٍ كالفخَّار، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ دافق، وفي آيةٍ أخرى من ماءٍ مهين، وفي هذه الآية من عَلَق، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون في كلام الله تعالى أو ما صحَّ عن رسوله ﷺ شيءٌ من التناقض أبدًا؛ فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، لكنَّه سبحانه وتعالى يذكر أحيانًا مبدأَ الخلْق من وجهٍ، ومبدأَ الخلْق من وجهٍ آخَر؛ فخَلَقه من ترابٍ يعني أول ما خُلِق الإنسانُ من التراب، ثم صُبَّ عليه الماءُ فكان طينًا، ثم استمرَّ مدَّةً فكان حمأً مسنونًا، ثم طالت مدَّته فكان صلصالًا؛ يعني إذا ضربْتَه بيدك تسمع له صلصلةً كالفخَّار، ثم خَلَقه عز وجل لحمًا، وعظمًا، وعصَبًا إلى آخره، هذا ابتداءُ الخلْق المتعلِّق بآدم. الخلْق الآخَر من بَنِيه أولُ مَنْشئهم من نُطْفة، وهي الماء المهين، وهي الماء الدافق، هذه النُّطْفة تبقى في الرَّحِم أربعين يومًا ثم تتحوَّل شيئًا فشيئًا، وبتمام الأربعين تنقلب بالتطوُّر والتدريج حتى تكون دمًا؛ عَلَقةً، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطوَّر شيئًا فشيئًا، فإذا تَمَّت ثمانين يومًا انتقلتْ إلى مُضْغة؛ قطعة من لحمٍ بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يومًا، فهذه مئةٌ وعشرون يومًا، وهي بالأشهر كم؟ أربعة أشهر. بعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملَك الموكَّل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذْن الله عز وجل، والروح لا نستطيع أن نعرف كُنهها وحقيقتها ومادَّتها، ما ندري مِن أيِّ مادَّة هي، الجسد عرفنا أنه منين؟ أصله من التراب، ثم في أرحام النساء من النُّطْفة. لكن الروح ما نعرف من أيِّ جوهرٍ هي، ولا من أيِّ مادَّة؛ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فينفخ الملَكُ الروحَ في هذا الجنين فيبدأ يتحرَّك؛ لأنَّ نماءه الأول كنماء الأشجار بدون إحساس، بعد أن تُنفخ فيه الروح يكون آدميًّا يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمْل من البطن قبل أربعة أشهر دُفِن في أيِّ مكانٍ من الأرض بدون تغسيلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليه، ولا يُبعَث هذا لأنَّه ليس آدميًّا، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصلَّى عليه ويُدفَن في المقابر لأنَّه صار إنسانًا، ويُسَمَّى أيضًا لأنَّه يوم القيامة سيُدعى باسمه، ويُعَقُّ عنه، لكن العقيقة عنه ليستْ في التأكيد كالعقيقة عمَّن بلغَ سبعةَ أيام بعد خروجه. على كلِّ حال هذا الجنين في بطن أمه يتطوَّر حتى يكون بشرًا، ثم يأذنُ الله عز وجل له بعد المدَّة التي أكثر ما تكون عادةً تسعة أشهرٍ فيخرج إلى الدنيا. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُبَيِّن أنَّ للإنسان أربعَ دورٍ: الدار الأولى في بطن أُمِّه، والثانية في الدنيا، والثالثة في البرزخ، والرابعة في الجنة أو النار، وهي المنتهى. ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ويش قلنا في العَلَق؟ اسم جمع (عَلَقة)، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكوَّن منه مادَّة الحياة وهو الدم. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٣ - ٥]. ﴿اقْرَأْ﴾ تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أو هي تأسيس؟ الصحيح أنها تأسيس، وأنَّ الأولى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قُرِنتْ بما يتعلَّق بالربوبية، و﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ بما يتعلَّق بالشرع، فالأولى بما يتعلَّق بالقدر والثانية بما يتعلَّق بالشرع؛ لأنَّ التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذْ إنَّ الشرع يُكتب ويُحفظ، القرآن يُكتب ويُحفظ، السُّنَّة تُكتب وتُحفظ، كلام العلماء يُكتب ويُحفظ، فلهذا أعادها الله مرَّةً ثانيةً، ويأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه الآية؛ لأن (...).

العلق 96:6

نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله سبحانه وتعالى من تفسير سورة (اقرأ)؛ سورة العَلَق، انتهينا فيها إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥]. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. ﴿كَلَّا﴾ في القرآن الكريم تَرِدُ على عدَّة معانٍ، منها أن تكون بمعنى حقًّا كما في هذه الآية، فـ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًّا؛ يعني أنَّ الله تعالى يُثبت هذا إثباتًا لا مِرية فيه. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، ﴿الْإِنْسَانَ﴾ ليس شخصًا معيَّنًا، بل المراد الجنس؛ كلُّ إنسانٍ من بني آدم إذا رأى نفسَه استغنى فإنَّه يطغى؛ من الطُّغيان وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنَّه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يُبالِ، إذا رأى أنَّه استغنى عن الله عز وجل في كَشْف الكُرُبات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، إذا رأى أنَّه استغنى بالصحة نَسِيَ المرض، وإذا رأى أنَّه استغنى بالشبع نَسِيَ الجوع، إذا رأى أنَّه استغنى بالكسوة نَسِيَ العُري ... وهكذا، فالإنسان من طبيعته الطُّغيان والتمرُّد متى رأى نفسَه في غِنًى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن؛ لأنَّ المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائمًا مفتقرٌ إلى الله سبحانه وتعالى، يسألُ ربَّه كلَّ حاجة، ويلجأُ إليه عند كلِّ مكروه، ويرى أنَّه إنْ وَكَله الله إلى نفسه وَكَله إلى ضعفٍ وعجْزٍ وعورةٍ وأنَّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسانٌ من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].

العلق 96:7

نبتدئ هذا اللقاء بما يسَّر الله سبحانه وتعالى من تفسير سورة (اقرأ)؛ سورة العَلَق، انتهينا فيها إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥]. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧]. ﴿كَلَّا﴾ في القرآن الكريم تَرِدُ على عدَّة معانٍ، منها أن تكون بمعنى حقًّا كما في هذه الآية، فـ﴿كَلَّا﴾ بمعنى حقًّا؛ يعني أنَّ الله تعالى يُثبت هذا إثباتًا لا مِرية فيه. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، ﴿الْإِنْسَانَ﴾ ليس شخصًا معيَّنًا، بل المراد الجنس؛ كلُّ إنسانٍ من بني آدم إذا رأى نفسَه استغنى فإنَّه يطغى؛ من الطُّغيان وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنَّه استغنى عن رحمة الله طغى ولم يُبالِ، إذا رأى أنَّه استغنى عن الله عز وجل في كَشْف الكُرُبات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، إذا رأى أنَّه استغنى بالصحة نَسِيَ المرض، وإذا رأى أنَّه استغنى بالشبع نَسِيَ الجوع، إذا رأى أنَّه استغنى بالكسوة نَسِيَ العُري ... وهكذا، فالإنسان من طبيعته الطُّغيان والتمرُّد متى رأى نفسَه في غِنًى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن؛ لأنَّ المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائمًا مفتقرٌ إلى الله سبحانه وتعالى، يسألُ ربَّه كلَّ حاجة، ويلجأُ إليه عند كلِّ مكروه، ويرى أنَّه إنْ وَكَله الله إلى نفسه وَكَله إلى ضعفٍ وعجْزٍ وعورةٍ وأنَّه لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو إنسانٌ من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب ٧٢].

العلق 96:8

ثم قال عز وجل مهدِّدًا هذا الطاغية: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق ٨] أي: المرجع؛ يعني مهما طغيتَ وعلوتَ واستكبرتَ واستغنيتَ فإنَّ مرجعك إلى الله عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٣ - ٢٦]، وإذا كان المرجع إلى الله في كلِّ الأمور فإنَّه لا يمكن لأحدٍ أن يفرَّ من قضاء الله أبدًا ولا من ثواب الله وعدله. وقوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ ربما نقول: إنَّه أعمُّ من الوعيد والتهديد؛ يعني أنَّه يشمل الوعيد والتهديد، لكنَّه ربما يشمل ما هو أعمُّ، فيكون المعنى أنَّ إلى الله المرجع في كلِّ شيءٍ؛ في الأمور الشرعية التحاكم إلى أيِّ شيء؟ إلى الكتاب والسُّنَّة؛ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]، والأمور الكونية المرجع فيها إلى مَن؟ إلى الله؛ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٩]، فلا رجوع للعبد إلا إلى الله، كلُّ الأمور ترجع إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء، حتى ما يحصل بين الناس من الحروب والفِتَن والشرور فإنَّ الله هو الذي قدَّرها، لكنَّه قدَّرها لحكمةٍ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾ [البقرة ٢٥٣]. إذَنْ ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ يكون فيها تهديدٌ لهذا الإنسان الذي طغى حين رأى نفسَه مستغنيًا عن ربِّه، وفيها أيضًا ما هو أشمل وأعمُّ؛ وهو أنَّ المرجع إلى الله تعالى في كلِّ الأمور.

العلق 96:9

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟ الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم. وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه. ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤]. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب. ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟ يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. * * * (...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.

العلق 96:10

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟ الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم. وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه. ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤]. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب. ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟ يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. * * * (...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.

العلق 96:11

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟ الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم. وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه. ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤]. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب. ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟ يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. * * * (...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.

العلق 96:12

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟ الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم. وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه. ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤]. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب. ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟ يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. * * * (...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.

العلق 96:13

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟ الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم. وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه. ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤]. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب. ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟ يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. * * * (...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.

العلق 96:14

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق ٩، ١٠] يعني: أخبِرْني عن حال هذا الرجُل وتعجَّبْ من حال هذا الرجُل الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. فعندنا الآن ناهٍ وعندنا مَنْهيٌّ، فمن هو الناهي؟ الناهي هو طاغيةُ قريشٍ أبو جهل، وكان يُسمَّى في قريشٍ أبا الحَكَم لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغترَّ بنفسه-والعياذ بالله- وشرق بالإسلام ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سَمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبا جهل ضد تسميتهم إيَّاه أبا الحكم. وأمَّا المنهيُّ فهو محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو العبد؛ ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. أبو جهلٍ قيل له: إنَّ محمدًا يصلِّي عند الكعبة أمام الناس، يَفْتن الناس ويصدُّهم عن أصنامهم وآلهتهم. فمرَّ به ذات يومٍ وهو ساجدٌ، فنهى النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال: لقد نهيتُك، فلماذا تفعل؟ فانتهره النبيُّ عليه الصلاة والسلام فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنَّه -أي: محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مازال يصلي. فقال: واللهِ لئن رأيتُه لأطأنَّ عُنُقَه بقَدَمي ولأُرغمنَّ وجهه في التراب. فلمَّا رآه ذات يومٍ ساجدًا تحت الكعبة وأقبلَ عليه يريد أن يبرَّ بيمينه وقَسَمه، لَمَّا أقبلَ عليه وجد بينه وبينه خندقًا من النار وأهوالًا عظيمة، فنكص على عَقِبيه وعجز أن يَصِل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]، هذا العبد الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى يُتعجَّب من حاله، كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخِر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤] وأنَّه سيُجازيه. ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق ١١، ١٢] ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ١٤]. ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يعني: أخبِرْني أيُّها المخاطَب. ﴿إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ مَن يعني به: الناهي أبا جهل، أو الساجدَ محمدًا ﷺ؟ يعني به الثاني؛ يقول: أرأيتَ إن كان هذا الساجدُ على الهدى، فكيف تنهاه عنه؟! ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ قال بعض المفسرين ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو؛ يعني: وأَمَر بالتقوى. ولكن الصحيح أنها على بابها للتنويع؛ يعني: أرأيتَ إن كان على الهدى فيما فَعَل من السجود والصلاة أو أَمَر غيره بالتقوى؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالحٌ بنفسه مصلحٌ لغيره. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يعني: يرى المنهيَّ وهو الساجد؛ محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الآمرَ بالتقوى، ويرى هذا العبدَ الطاغيةَ الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى. ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يرى سبحانه وتعالى عِلْمًا ورؤيةً؛ فهو سبحانه وتعالى يرى كلَّ شيءٍ مهما خَفِيَ ودقَّ، ويعلم كلَّ شيءٍ مهما بَعُد ومهما كثُر أو قلَّ، فيعلم الآمرَ والناهيَ، ويعلم المصلِّيَ والساجدَ، ويعلم مَن طغى ومَن خضع لله عز وجل، وسيجازي كلَّ إنسانٍ بعمله. والمقصود من هذا تهديدُ هذا الذي ينهى عبدًا إذا صلَّى، وبيانُ أنَّ الله تعالى يعلم بحاله وحال مَن ينهاه، وسيجازي كلًّا منهما بما يستحقُّ. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإيَّاكم من الساجدين لله، الآمِرين بتقوى الله على هُدًى من الله ونورٍ، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير. * * * (...) نفتتحه بالكلام على ما بَقِيَ من تفسير سورة العَلَق. قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق ٩ - ١٤] كلُّ هذا للتهديد، تهديدِ هذا الرجُل الذي كان ينهى رسولَ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الصلاة، حتى إنَّه توعَّده وقال لأطأنَّ عُنُقَه إذا سجد، ولكنْ أَبَى الله تعالى ذلك؛ فقد همَّ به، ولكنَّه نكص على عَقِبيه ورأى أهوالًا عظيمةً حالت بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم[[أخرج مسلم (٢٧٩٧ / ٣٨) من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّر محمدٌ وجهَه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى لئن رأيتُه يفعل ذلك لأطأنَّ على رقبته أو لأعفِّرن وجهَه في التراب. قال: فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فَجِئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إنَّ بيني وبينه لَخندقًا من نارٍ وهولًا وأجنحةً. فقال رسول الله ﷺ: «لو دنا مني لاختطفتْه الملائكة عضوًا عضوًا».]]. وقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ يحتمل أن تكون من الرؤية بالعَيْنِ، ويحتمل أن تكون من رؤية العِلْم، وكلاهما صحيح؛ فالربُّ عز وجل يرى بعِلْمه ويرى ببصره جل وعلا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء. والمرادُ بهذه الجملةِ التهديدُ؛ يعني: ألَمْ يعلمْ هذا الرجُل أنَّ الله تعالى يراه ويعلمه، وهو سبحانه وتعالى محيطٌ بعمله فيُجازيه عليه إمَّا في الدنيا وإمَّا في الدنيا والآخرة.

العلق 96:15

ثم قال: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥] ﴿كَلَّا﴾ هذه بمعنى حقًّا. ويحتمل أن تكون للرَّدْع؛ أي: لِرَدْعه عن فِعْله السيئ الذي كان يقوم به تجاه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أو بمعنى: حقًّا لَنَسْفَعنْ بالناصية. وجملة ﴿لَنَسْفَعًا﴾ جوابٌ لقَسَمٍ مقدَّر، والتقدير: واللهِ لئنْ لم يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ بالناصية. وحُذِف جوابُ الشرط وبقي جواب القَسَم لأنَّ هذه هي القاعدة في اللغة العربية: أنَّه إذا اجتمع قَسَمٌ وشرطٌ فإنَّه يُحذَف جوابُ المؤخَّر؛ قال ابن مالك في ألفيته: وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَـــــــــوَابَ مَا أَخَّـــــرْتَ فَـــــهْوَمُــــــلْتَــــزَمْ وهُنا المتأخِّر هو الشرط ﴿لَئِنْ﴾، والقَسَم مقدَّر قبله؛ إذْ تقديره: واللهِ لئنْ لم يَنْتَهِ لَنَسْفَعنْ. ومعنى ﴿لَنَسْفَعًا﴾ أي: لَنأخُذَنَّ بشِدَّة. و(النَّاصِية) مقدَّم الرأس، و(أل) فيها -أي: في الناصية- (أل) للعهد. أيُّ عهدٍ هو؟ العهد الذهني. والمراد بالناصية هنا ناصية أبي جهلٍ الذي توعَّد النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم على صلاته ونهاه عنها؛ أي: لَنَسْفَعَنْ بناصيته. وهل المراد الأخذ بالناصية في الدنيا، أو في الآخرة يُجَرُّ بناصيته إلى النار؟ يحتمل هذا وهذا، يحتمل أنَّه يؤخَذ بالناصية، وقد أُخِذ بناصيته في يوم بدر حين قُتِل مع مَن قُتِل من المشركين، ويحتمل أن يكون يؤخَذ بناصيته يوم القيامة فيُقذَف في النار؛ كما قال الله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن ٤١]، وإذا كانت الآية صالحةً لمعنيَيْنِ لا يناقض أحدُهما الآخَر فإنَّ الواجب حملُها على المعنيَيْنِ جميعًا كما هو المعروف والذي قرَّرْناه سابقًا ونقرِّره الآن: أنَّ الآية إذا كانت تحتمل معنيَيْنِ لا ينافي أحدُهما الآخَر فالواجب الأخذ بالمعنيَيْنِ جميعًا.

العلق 96:16

قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق ١٦] ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدلٌ من الناصية الأولى، وهي بدلُ نكرة من معرفة، وهي جائزة في اللغة العربية، وإنما قال: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ من أجْل أن يكون ذلك توطئةً للوصف الآتي بعدها وهو قوله: ﴿كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. ﴿كَاذِبَةٍ﴾ أيْ إنها موصوفةٌ بالكذب، ولا شكَّ أنَّ مِن أكبر ما يكون كذبًا ما يحصل من الكفار الذين يدَّعون أنَّ مع الله آلهةً أخرى، فإنَّ هذا أكذبُ القولِ وأقبحُ الفعل. ﴿خَاطِئَةٍ﴾ أي: مرتكبةٍ للخطأ عمدًا. وليُعلَم أنَّ هناك فرقًا بين (خاطئ) و(مخطئ)؛ الخاطئ مَن ارتكبَ الخطأَ عمدًا، والمخطئ مَن ارتكبه جهلًا، والثاني معذورٌ، والأول غير معذور؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة ٣٧] أي: المذنبون ذنبًا عن عمدٍ، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ»[[أخرجه مسلم (١٢٦ / ٢٠٠) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]، ومثل ذلك القاسط والمقْسِط؛ القاسط هو الجائر، والمقْسِط هو العادل؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات ٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن ١٥] إذَن ﴿خَاطِئَةٍ﴾ أي: مرتكبةٍ للإثم عمدًا.

العلق 96:17

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] اللام هنا للتحدِّي؛ يعني: إنْ كان صادقًا وعنده قوَّة وعنده قدرة فلْيدعُ نادِيَه. والنادي هو مجتمَع القوم للتحدُّث بينهم والتخاطب والتفاهم ولاستئناس بعضِهم ببعض، وكان أبو جهلٍ معظَّمًا في قريش وله نادٍ يجتمع الناسُ إليه فيه ويتكلَّمون في شؤونهم، فهُنا يقول الله عز وجل: إنْ كان صادقًا فلْيدعُ نادِيَه. وهذا لا شكَّ أنَّه تحدٍّ؛ كما تقول لعدوِّك: إنْ كان لك قومٌ فتقدَّمْ، وما أشبهَ ذلك من الكلمات الدالَّة على التحدِّي. قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ يعني: عندنا مَن هُم أعظم من نادي هذا الرجُل، وهم الزبانية ملائكة النار، نسأل الله العافية. وقد وَصَف الله تعالى ملائكةَ النار بأنهم ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ غِلاظٌ في الطباع، شِدادٌ في القوة، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، بل يمتثلون كلَّ ما أَمَرهم الله به؛ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، لا يعجزون عن ذلك، فوصفهم بوصفين: أنَّهم في تمام الانقياد لله عز وجل ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وأنهم في تمام القدرة ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وعَدَم تنفيذ أمْر الله عز وجل إمَّا أن يكون للعَجْز، وإمَّا أن يكون للمعصية؛ فمثلًا الذي لا يصلِّي الفرضَ قائمًا قد يكون للعجز وقد يكون للعناد، فهو لا ينفِّذ أمْرَ الله، لكن الملائكة الذين على النار ليس عندهم عجْز، عندهم قوَّة، عندهم قدرة، وليس عندهم استكبار عن الأمر، بل عندهم تمامُ التذَلُّل والخضوع، هؤلاء الزبانية لا يمكن لهذا وقومه وناديه أن يقابلوهم أبدًا، ولهذا قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فإن قال قائل: أين الواو في قوله: ﴿سَنَدْعُ﴾؟ قلنا: إنها محذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ الواو ساكنة، والهمزة -همزة الوصل- ساكنة، وإذا التقى ساكنانِ فإنَّه إن كان الحرف صحيحًا كُسِر، وإن كان غير صحيحٍ حُذِف؛ قال ابن مالك رحمه الله في الكافية: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًا فَحَــــذْفَهُاسْتَــحَـــقّْ يعني: إذا التقى ساكنانِ إن كان الحرف الأول صحيحًا ليس من حروف العِلَّة كُسِر؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] وأصلها (لم يكنْ) لأنَّ (لَمْ) إذا دخلتْ على الفعل جزمتْه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، لكن هنا التقى ساكنان وكان الأولُ حرفًا صحيحًا فكُسِر. أمَّا إذا كان الأولُ حرفَ لين -يعني حرفًا من حروف العِلَّة- فإنَّه يُحذَف كما في هذه الآية ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.

العلق 96:18

﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨] اللام هنا للتحدِّي؛ يعني: إنْ كان صادقًا وعنده قوَّة وعنده قدرة فلْيدعُ نادِيَه. والنادي هو مجتمَع القوم للتحدُّث بينهم والتخاطب والتفاهم ولاستئناس بعضِهم ببعض، وكان أبو جهلٍ معظَّمًا في قريش وله نادٍ يجتمع الناسُ إليه فيه ويتكلَّمون في شؤونهم، فهُنا يقول الله عز وجل: إنْ كان صادقًا فلْيدعُ نادِيَه. وهذا لا شكَّ أنَّه تحدٍّ؛ كما تقول لعدوِّك: إنْ كان لك قومٌ فتقدَّمْ، وما أشبهَ ذلك من الكلمات الدالَّة على التحدِّي. قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ يعني: عندنا مَن هُم أعظم من نادي هذا الرجُل، وهم الزبانية ملائكة النار، نسأل الله العافية. وقد وَصَف الله تعالى ملائكةَ النار بأنهم ﴿غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ غِلاظٌ في الطباع، شِدادٌ في القوة، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، بل يمتثلون كلَّ ما أَمَرهم الله به؛ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦]، لا يعجزون عن ذلك، فوصفهم بوصفين: أنَّهم في تمام الانقياد لله عز وجل ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وأنهم في تمام القدرة ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. وعَدَم تنفيذ أمْر الله عز وجل إمَّا أن يكون للعَجْز، وإمَّا أن يكون للمعصية؛ فمثلًا الذي لا يصلِّي الفرضَ قائمًا قد يكون للعجز وقد يكون للعناد، فهو لا ينفِّذ أمْرَ الله، لكن الملائكة الذين على النار ليس عندهم عجْز، عندهم قوَّة، عندهم قدرة، وليس عندهم استكبار عن الأمر، بل عندهم تمامُ التذَلُّل والخضوع، هؤلاء الزبانية لا يمكن لهذا وقومه وناديه أن يقابلوهم أبدًا، ولهذا قال: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فإن قال قائل: أين الواو في قوله: ﴿سَنَدْعُ﴾؟ قلنا: إنها محذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ الواو ساكنة، والهمزة -همزة الوصل- ساكنة، وإذا التقى ساكنانِ فإنَّه إن كان الحرف صحيحًا كُسِر، وإن كان غير صحيحٍ حُذِف؛ قال ابن مالك رحمه الله في الكافية: إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًا فَحَــــذْفَهُاسْتَــحَـــقّْ يعني: إذا التقى ساكنانِ إن كان الحرف الأول صحيحًا ليس من حروف العِلَّة كُسِر؛ مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] وأصلها (لم يكنْ) لأنَّ (لَمْ) إذا دخلتْ على الفعل جزمتْه كما في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، لكن هنا التقى ساكنان وكان الأولُ حرفًا صحيحًا فكُسِر. أمَّا إذا كان الأولُ حرفَ لين -يعني حرفًا من حروف العِلَّة- فإنَّه يُحذَف كما في هذه الآية ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾.

العلق 96:19

﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]. يقال في ﴿كَلَّا﴾ ما قيل في الأولى التي قبلها، والخطاب في قوله: ﴿لَا تُطِعْهُ﴾ أي: لا تُطِعْ هذا الذي ينهاك عن الصلاة، بل اسجُدْ ولا تُبالِ به. وإذا كان الله نهى نبيَّه أن يطيع هذا الرجل فهذا يعني أنَّه جل وعلا سيدافع عنه؛ يعني: افعلْ ما تُؤمَر، ولا يُهِمَّنَّك هذا الرجل، واسجُدْ لله عز وجل. والمراد بالسجود هنا الصلاة، لكنْ عُبِّر بالسجود عن الصلاة لأنَّ السجود ركنٌ في الصلاة لا تصحُّ إلا به، فلهذا عُبِّر به عنها. وقوله: ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ أي: اقتربْ من الله عز وجل؛ لأنَّ الساجد أقربُ ما يكون من ربِّه كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥) من حديث أبي هريرة.]]، وقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٤٧٩ / ٢٠٧) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، إلا أنَّه قال: «وأمَّا السجود فاجتهدوا في الدعاء...» الحديث.]]؛ أي: حريٌّ أن يُستجاب لكم. هذه السورة العظيمة -كما سمعناها- سورةٌ عظيمةٌ ابتدأها الله تعالى بما مَنَّ به على رسوله عليه الصلاة والسلام من الوحي، ثم اختتمها بالسجود والاقتراب من الله عز وجل. نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإيَّاكم القيامَ بطاعته والقربَ منه، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وعباده الصالحين.

القدر 97:1

الحمد لله، والشكر لله على نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتمُّ كلَّ خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئُه كالمعتاد بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا إلى سورة (القَدْر) حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ١ - ٣]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، والهاء في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، وذَكَر الله تعالى نفسَه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه. والله تعالى يذكر نفسه أحيانًا بصيغة العظمة مثل هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. وأحيانًا يذكر نفسَه بصيغة الواحد؛ مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤]، وذلك لأنه واحدٌ عظيمٌ، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد. والضمير في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ -أعني ضميرَ المفعول به وهو الهاء- يعود إلى القرآن وإنْ لم يسبق له ذِكْر؛ لأن هذا أمرٌ معلومٌ، ولا يمتري أحدٌ في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأْنا إنزالَه في ليلة القدر، وليلةُ القدر في رمضان لا شكَّ في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، فإذا جمعتَ هذه الآية -أعني ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ - إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تبيَّن لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامَّة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان. وليلةُ النصف من شعبان كليلةِ النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهنَّ من الشهور، لا تختصُّ بشيء، حتى ما وَرَدَ في فَضْل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومِها وهو يوم النصف من شعبان بصيامٍ فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذِكْر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلَّق بالفضائل؛ فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمرٌ لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سُقْتَ الأحاديثَ الضعيفةَ في فَضْل شيءٍ ما فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحٌ وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا شيءٌ كبيرٌ، فالمهمُّ أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصَّان بشيءٍ دون سائر الشهور، فليلةُ النصف لا تختصُّ بفضل قيامٍ، وليلةُ النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختصُّ بصيام. نعم، شهر شعبان ثبتتْ السُّنة بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُكثر الصيامَ فيه حتى لا يُفطر منه إلا قليلًا، وما سوى ذلك مِمَّا يتعلَّق بصيامه لم يثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما لسائر الشهور؛ كفضل صومِ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وأنْ تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البِيض. وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى ﴿الْقَدْرِ﴾؟ هل هو الشرف كما يُقال: فلانٌ ذو قَدْرٍ عظيم، أو: ذو قَدْرٍ كبير؛ أي: ذو شرفٍ كبير، أو المراد بـ﴿الْقَدْرِ﴾ التقدير؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في السَّنَة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٣، ٤] أي: يُفْصَل ويُبَيَّن؟ مِن العلماء مَن قال هذا ومِن العلماء مَن قال بهذا، والصحيح أنه شاملٌ للمعنيين؛ فليلةُ القدر لا شكَّ أنها ذاتُ قَدْرٍ عظيمٍ وشرفٍ كبيرٍ، وأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السَّنَة مِن الإحياءِ والإماتةِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وهذه الجملة بهذه الصيغة يُستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مطَّردة في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣]، فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهُنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أَعْلمكَ ليلةَ القدر وشأنَها وشرفَها وعِظَمَها؟! ثم بيَّنَ هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وهذه الجملة كالجواب للاستفهام الذي سبقها وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: من ألْفِ شهرٍ ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيريَّة هنا ثوابُ العملِ فيها، وما يُنْزِل الله تعالى فيها من الخير والبركة على هذه الأُمَّة. ثم ذَكَر ما يحدث في تلك الليلة فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تَنْزِلُ شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سُكَّان السماوات، والسماواتُ سبعٌ، فتنزل الملائكةُ إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونُزول الملائكة في الأرض عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيءٍ كان ذلك دليلًا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه الصُّوَر؛ فـ«إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٨) ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه.]] يعني: صورة مُحَرَّمة؛ لأن الصورة إذا كانت مُمْتهَنةً في فِراشٍ أو مخدَّةٍ فأكثرُ العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعتْ لكان ذلك ممنوعًا، فالملائكة تتنَزَّل في ليلة القدر بكثرة، ونُزُولهم خيرٌ وبركة. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤] أي: بأمره، والمراد به الإذْنُ الكونِيُّ؛ لأن إذْنَ الله -أي: أمْرَه- ينقسم إلى قسمين: إذْن كوني، وإذْن شرعي. فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] أي: ما لَم يأذن به شرعًا؛ لأنه قد أَذِنَ به قَدَرًا، فقد شُرِع من دون الله، لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذنٌ قَدَريٌّ كما في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره القَدَري. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر ٤] قيل إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: بكلِّ أمرٍ مما يأمرهم الله به، وهو مُبْهمٌ لا نعلم ما هو، لكنَّنا نقول: إن تَنَزُّل الملائكة في الأرض عنوانٌ على الخير والرحمة والبركة. ﴿سَلَامٌ هِي﴾ [القدر ٥] الجملة هنا مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مقدَّمٌ والتقدير: هي سلامٌ. أي: هذه الليلة سلامٌ. ووَصَفها الله تعالى بالسلام لكثرة مَن يَسْلم فيها من الآثامِ وعقوباتِها؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ومغفرة الذنوب لا شكَّ أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ٥] أي: تتنَزَّل الملائكة في هذه الليلة ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. سبق أن قُلنا: إن ليلة القدر في رمضان لا شكَّ، لكن في أيِّ جُزءٍ من رمضان: أفِي أوَّلِه، أو وسطِه، أو آخِره؟ نقول في الجواب على هذا: «إن النبي ﷺ اعتكفَ العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرِّيًا لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكفَ العشر الأواخر»[[أخرج البخاري واللفظ له (٨١٣) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأُوَل من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «مَن كان اعتكفَ مع النبي -ﷺ- فليرجع، فإني أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر في وتْرٍ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء».]]، إذَن فهي -أعني ليلة القدر- في العشر الأواخر من رمضان. وفي أيِّ ليلةٍ منها؟ الله أعلم، قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة الثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلةٍ معيَّنةٍ كلَّ عام، ولهذا «أُرِيَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلةَ القدر ليلةَ إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماءُ تلك الليلة -أي: ليلة إحدى وعشرين- فصلَّى النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده، وكان مسجده من عريشٍ لا يمنع تسرُّبَ الماءِ من السقف، فسجد النبيُّ ﷺ صباحها -أي: في صلاة الفجر- في الماء والطين، ورأى الصحابة رضي الله عنهم على جَبْهته أَثَرَ الماء والطين»، ففي تلك السَّنَة كانت في ليلة إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٢٠٢٧) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٣) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين-وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: «مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وترٍ». فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.]]، وفي رواية: «فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرجه البخاري (٢٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ورآها الصحابة ذات سَنَةٍ من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. يعني في تلك السَّنَة، أمَّا في بقية الأعوام فهي في كلِّ العشر، فليست معيَّنة، لكن أرجاها ليلة سبعٍ وعشرين، أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلًا في هذا العام ليلةَ سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلةَ إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلةَ خمسٍ وعشرين، وهكذا. وإنما أَبْهَمَها الله عز وجل لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيانُ الصادق في طَلَبِها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طَلَبِها لا يُهِمُّه أن يتعب عَشْر ليالٍ من أجْل أن يُدركها، والمتكاسل قد يكسل؛ يقول: ما دام لا أدري أي ليلةٍ هي، يكسل أن يقوم عَشْر ليالٍ من أجْل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلَّما كَثُر العملُ كَثُر الثواب. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُنبِّه إلى غَلَطِ كثيرٍ من الناس في الوقت الحاضر؛ حيث يتحرَّون ليلة سبعٍ وعشرين في أداء العُمرة، فإنك في ليلة سبعٍ وعشرين تجد المسجد الحرام قد غصَّ بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة من البدع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُخَصِّصْها بعمرةٍ في فِعْله، ولم يُخَصِّصْها -أي: ليلة سبعٍ وعشرين- بعمرةٍ في قوله؛ فلَمْ يعتمر ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان كان في مكة، ولم يعتمر، ولم يقُل للأُمَّة: تحرَّوْا ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة، وإنما أَمَر أن نتحرَّى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبيَّن خطأُ كثيرٍ من الناس، وبه أيضًا يتبيَّن أن الناس ربما يأخذون دينهم كابرًا عن كابرٍ على غير أساسٍ من الشرع، فاحذرْ أن تعبد الله إلا على بصيرةٍ؛ بدليلٍ من كتابِ الله، أو سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عملِ الخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتباع سُنَّتهم. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يُبَلِّغنا وإيَّاكم إيَّاها في هذا العام وفيما بعده على خيرٍ وسلامٍ وأن يتقبَّل منا ومنكم، إنه على كلِّ شيء قدير.

القدر 97:2

الحمد لله، والشكر لله على نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتمُّ كلَّ خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئُه كالمعتاد بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا إلى سورة (القَدْر) حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ١ - ٣]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، والهاء في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، وذَكَر الله تعالى نفسَه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه. والله تعالى يذكر نفسه أحيانًا بصيغة العظمة مثل هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. وأحيانًا يذكر نفسَه بصيغة الواحد؛ مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤]، وذلك لأنه واحدٌ عظيمٌ، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد. والضمير في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ -أعني ضميرَ المفعول به وهو الهاء- يعود إلى القرآن وإنْ لم يسبق له ذِكْر؛ لأن هذا أمرٌ معلومٌ، ولا يمتري أحدٌ في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأْنا إنزالَه في ليلة القدر، وليلةُ القدر في رمضان لا شكَّ في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، فإذا جمعتَ هذه الآية -أعني ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ - إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تبيَّن لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامَّة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان. وليلةُ النصف من شعبان كليلةِ النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهنَّ من الشهور، لا تختصُّ بشيء، حتى ما وَرَدَ في فَضْل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومِها وهو يوم النصف من شعبان بصيامٍ فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذِكْر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلَّق بالفضائل؛ فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمرٌ لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سُقْتَ الأحاديثَ الضعيفةَ في فَضْل شيءٍ ما فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحٌ وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا شيءٌ كبيرٌ، فالمهمُّ أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصَّان بشيءٍ دون سائر الشهور، فليلةُ النصف لا تختصُّ بفضل قيامٍ، وليلةُ النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختصُّ بصيام. نعم، شهر شعبان ثبتتْ السُّنة بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُكثر الصيامَ فيه حتى لا يُفطر منه إلا قليلًا، وما سوى ذلك مِمَّا يتعلَّق بصيامه لم يثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما لسائر الشهور؛ كفضل صومِ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وأنْ تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البِيض. وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى ﴿الْقَدْرِ﴾؟ هل هو الشرف كما يُقال: فلانٌ ذو قَدْرٍ عظيم، أو: ذو قَدْرٍ كبير؛ أي: ذو شرفٍ كبير، أو المراد بـ﴿الْقَدْرِ﴾ التقدير؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في السَّنَة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٣، ٤] أي: يُفْصَل ويُبَيَّن؟ مِن العلماء مَن قال هذا ومِن العلماء مَن قال بهذا، والصحيح أنه شاملٌ للمعنيين؛ فليلةُ القدر لا شكَّ أنها ذاتُ قَدْرٍ عظيمٍ وشرفٍ كبيرٍ، وأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السَّنَة مِن الإحياءِ والإماتةِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وهذه الجملة بهذه الصيغة يُستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مطَّردة في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣]، فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهُنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أَعْلمكَ ليلةَ القدر وشأنَها وشرفَها وعِظَمَها؟! ثم بيَّنَ هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وهذه الجملة كالجواب للاستفهام الذي سبقها وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: من ألْفِ شهرٍ ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيريَّة هنا ثوابُ العملِ فيها، وما يُنْزِل الله تعالى فيها من الخير والبركة على هذه الأُمَّة. ثم ذَكَر ما يحدث في تلك الليلة فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تَنْزِلُ شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سُكَّان السماوات، والسماواتُ سبعٌ، فتنزل الملائكةُ إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونُزول الملائكة في الأرض عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيءٍ كان ذلك دليلًا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه الصُّوَر؛ فـ«إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٨) ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه.]] يعني: صورة مُحَرَّمة؛ لأن الصورة إذا كانت مُمْتهَنةً في فِراشٍ أو مخدَّةٍ فأكثرُ العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعتْ لكان ذلك ممنوعًا، فالملائكة تتنَزَّل في ليلة القدر بكثرة، ونُزُولهم خيرٌ وبركة. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤] أي: بأمره، والمراد به الإذْنُ الكونِيُّ؛ لأن إذْنَ الله -أي: أمْرَه- ينقسم إلى قسمين: إذْن كوني، وإذْن شرعي. فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] أي: ما لَم يأذن به شرعًا؛ لأنه قد أَذِنَ به قَدَرًا، فقد شُرِع من دون الله، لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذنٌ قَدَريٌّ كما في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره القَدَري. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر ٤] قيل إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: بكلِّ أمرٍ مما يأمرهم الله به، وهو مُبْهمٌ لا نعلم ما هو، لكنَّنا نقول: إن تَنَزُّل الملائكة في الأرض عنوانٌ على الخير والرحمة والبركة. ﴿سَلَامٌ هِي﴾ [القدر ٥] الجملة هنا مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مقدَّمٌ والتقدير: هي سلامٌ. أي: هذه الليلة سلامٌ. ووَصَفها الله تعالى بالسلام لكثرة مَن يَسْلم فيها من الآثامِ وعقوباتِها؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ومغفرة الذنوب لا شكَّ أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ٥] أي: تتنَزَّل الملائكة في هذه الليلة ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. سبق أن قُلنا: إن ليلة القدر في رمضان لا شكَّ، لكن في أيِّ جُزءٍ من رمضان: أفِي أوَّلِه، أو وسطِه، أو آخِره؟ نقول في الجواب على هذا: «إن النبي ﷺ اعتكفَ العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرِّيًا لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكفَ العشر الأواخر»[[أخرج البخاري واللفظ له (٨١٣) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأُوَل من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «مَن كان اعتكفَ مع النبي -ﷺ- فليرجع، فإني أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر في وتْرٍ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء».]]، إذَن فهي -أعني ليلة القدر- في العشر الأواخر من رمضان. وفي أيِّ ليلةٍ منها؟ الله أعلم، قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة الثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلةٍ معيَّنةٍ كلَّ عام، ولهذا «أُرِيَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلةَ القدر ليلةَ إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماءُ تلك الليلة -أي: ليلة إحدى وعشرين- فصلَّى النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده، وكان مسجده من عريشٍ لا يمنع تسرُّبَ الماءِ من السقف، فسجد النبيُّ ﷺ صباحها -أي: في صلاة الفجر- في الماء والطين، ورأى الصحابة رضي الله عنهم على جَبْهته أَثَرَ الماء والطين»، ففي تلك السَّنَة كانت في ليلة إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٢٠٢٧) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٣) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين-وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: «مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وترٍ». فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.]]، وفي رواية: «فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرجه البخاري (٢٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ورآها الصحابة ذات سَنَةٍ من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. يعني في تلك السَّنَة، أمَّا في بقية الأعوام فهي في كلِّ العشر، فليست معيَّنة، لكن أرجاها ليلة سبعٍ وعشرين، أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلًا في هذا العام ليلةَ سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلةَ إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلةَ خمسٍ وعشرين، وهكذا. وإنما أَبْهَمَها الله عز وجل لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيانُ الصادق في طَلَبِها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طَلَبِها لا يُهِمُّه أن يتعب عَشْر ليالٍ من أجْل أن يُدركها، والمتكاسل قد يكسل؛ يقول: ما دام لا أدري أي ليلةٍ هي، يكسل أن يقوم عَشْر ليالٍ من أجْل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلَّما كَثُر العملُ كَثُر الثواب. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُنبِّه إلى غَلَطِ كثيرٍ من الناس في الوقت الحاضر؛ حيث يتحرَّون ليلة سبعٍ وعشرين في أداء العُمرة، فإنك في ليلة سبعٍ وعشرين تجد المسجد الحرام قد غصَّ بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة من البدع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُخَصِّصْها بعمرةٍ في فِعْله، ولم يُخَصِّصْها -أي: ليلة سبعٍ وعشرين- بعمرةٍ في قوله؛ فلَمْ يعتمر ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان كان في مكة، ولم يعتمر، ولم يقُل للأُمَّة: تحرَّوْا ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة، وإنما أَمَر أن نتحرَّى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبيَّن خطأُ كثيرٍ من الناس، وبه أيضًا يتبيَّن أن الناس ربما يأخذون دينهم كابرًا عن كابرٍ على غير أساسٍ من الشرع، فاحذرْ أن تعبد الله إلا على بصيرةٍ؛ بدليلٍ من كتابِ الله، أو سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عملِ الخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتباع سُنَّتهم. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يُبَلِّغنا وإيَّاكم إيَّاها في هذا العام وفيما بعده على خيرٍ وسلامٍ وأن يتقبَّل منا ومنكم، إنه على كلِّ شيء قدير.

القدر 97:3

الحمد لله، والشكر لله على نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتمُّ كلَّ خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئُه كالمعتاد بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا إلى سورة (القَدْر) حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ١ - ٣]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، والهاء في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، وذَكَر الله تعالى نفسَه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه. والله تعالى يذكر نفسه أحيانًا بصيغة العظمة مثل هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. وأحيانًا يذكر نفسَه بصيغة الواحد؛ مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤]، وذلك لأنه واحدٌ عظيمٌ، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد. والضمير في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ -أعني ضميرَ المفعول به وهو الهاء- يعود إلى القرآن وإنْ لم يسبق له ذِكْر؛ لأن هذا أمرٌ معلومٌ، ولا يمتري أحدٌ في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأْنا إنزالَه في ليلة القدر، وليلةُ القدر في رمضان لا شكَّ في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، فإذا جمعتَ هذه الآية -أعني ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ - إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تبيَّن لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامَّة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان. وليلةُ النصف من شعبان كليلةِ النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهنَّ من الشهور، لا تختصُّ بشيء، حتى ما وَرَدَ في فَضْل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومِها وهو يوم النصف من شعبان بصيامٍ فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذِكْر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلَّق بالفضائل؛ فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمرٌ لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سُقْتَ الأحاديثَ الضعيفةَ في فَضْل شيءٍ ما فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحٌ وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا شيءٌ كبيرٌ، فالمهمُّ أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصَّان بشيءٍ دون سائر الشهور، فليلةُ النصف لا تختصُّ بفضل قيامٍ، وليلةُ النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختصُّ بصيام. نعم، شهر شعبان ثبتتْ السُّنة بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُكثر الصيامَ فيه حتى لا يُفطر منه إلا قليلًا، وما سوى ذلك مِمَّا يتعلَّق بصيامه لم يثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما لسائر الشهور؛ كفضل صومِ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وأنْ تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البِيض. وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى ﴿الْقَدْرِ﴾؟ هل هو الشرف كما يُقال: فلانٌ ذو قَدْرٍ عظيم، أو: ذو قَدْرٍ كبير؛ أي: ذو شرفٍ كبير، أو المراد بـ﴿الْقَدْرِ﴾ التقدير؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في السَّنَة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٣، ٤] أي: يُفْصَل ويُبَيَّن؟ مِن العلماء مَن قال هذا ومِن العلماء مَن قال بهذا، والصحيح أنه شاملٌ للمعنيين؛ فليلةُ القدر لا شكَّ أنها ذاتُ قَدْرٍ عظيمٍ وشرفٍ كبيرٍ، وأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السَّنَة مِن الإحياءِ والإماتةِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وهذه الجملة بهذه الصيغة يُستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مطَّردة في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣]، فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهُنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أَعْلمكَ ليلةَ القدر وشأنَها وشرفَها وعِظَمَها؟! ثم بيَّنَ هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وهذه الجملة كالجواب للاستفهام الذي سبقها وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: من ألْفِ شهرٍ ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيريَّة هنا ثوابُ العملِ فيها، وما يُنْزِل الله تعالى فيها من الخير والبركة على هذه الأُمَّة. ثم ذَكَر ما يحدث في تلك الليلة فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تَنْزِلُ شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سُكَّان السماوات، والسماواتُ سبعٌ، فتنزل الملائكةُ إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونُزول الملائكة في الأرض عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيءٍ كان ذلك دليلًا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه الصُّوَر؛ فـ«إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٨) ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه.]] يعني: صورة مُحَرَّمة؛ لأن الصورة إذا كانت مُمْتهَنةً في فِراشٍ أو مخدَّةٍ فأكثرُ العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعتْ لكان ذلك ممنوعًا، فالملائكة تتنَزَّل في ليلة القدر بكثرة، ونُزُولهم خيرٌ وبركة. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤] أي: بأمره، والمراد به الإذْنُ الكونِيُّ؛ لأن إذْنَ الله -أي: أمْرَه- ينقسم إلى قسمين: إذْن كوني، وإذْن شرعي. فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] أي: ما لَم يأذن به شرعًا؛ لأنه قد أَذِنَ به قَدَرًا، فقد شُرِع من دون الله، لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذنٌ قَدَريٌّ كما في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره القَدَري. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر ٤] قيل إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: بكلِّ أمرٍ مما يأمرهم الله به، وهو مُبْهمٌ لا نعلم ما هو، لكنَّنا نقول: إن تَنَزُّل الملائكة في الأرض عنوانٌ على الخير والرحمة والبركة. ﴿سَلَامٌ هِي﴾ [القدر ٥] الجملة هنا مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مقدَّمٌ والتقدير: هي سلامٌ. أي: هذه الليلة سلامٌ. ووَصَفها الله تعالى بالسلام لكثرة مَن يَسْلم فيها من الآثامِ وعقوباتِها؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ومغفرة الذنوب لا شكَّ أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ٥] أي: تتنَزَّل الملائكة في هذه الليلة ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. سبق أن قُلنا: إن ليلة القدر في رمضان لا شكَّ، لكن في أيِّ جُزءٍ من رمضان: أفِي أوَّلِه، أو وسطِه، أو آخِره؟ نقول في الجواب على هذا: «إن النبي ﷺ اعتكفَ العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرِّيًا لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكفَ العشر الأواخر»[[أخرج البخاري واللفظ له (٨١٣) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأُوَل من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «مَن كان اعتكفَ مع النبي -ﷺ- فليرجع، فإني أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر في وتْرٍ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء».]]، إذَن فهي -أعني ليلة القدر- في العشر الأواخر من رمضان. وفي أيِّ ليلةٍ منها؟ الله أعلم، قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة الثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلةٍ معيَّنةٍ كلَّ عام، ولهذا «أُرِيَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلةَ القدر ليلةَ إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماءُ تلك الليلة -أي: ليلة إحدى وعشرين- فصلَّى النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده، وكان مسجده من عريشٍ لا يمنع تسرُّبَ الماءِ من السقف، فسجد النبيُّ ﷺ صباحها -أي: في صلاة الفجر- في الماء والطين، ورأى الصحابة رضي الله عنهم على جَبْهته أَثَرَ الماء والطين»، ففي تلك السَّنَة كانت في ليلة إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٢٠٢٧) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٣) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين-وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: «مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وترٍ». فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.]]، وفي رواية: «فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرجه البخاري (٢٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ورآها الصحابة ذات سَنَةٍ من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. يعني في تلك السَّنَة، أمَّا في بقية الأعوام فهي في كلِّ العشر، فليست معيَّنة، لكن أرجاها ليلة سبعٍ وعشرين، أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلًا في هذا العام ليلةَ سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلةَ إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلةَ خمسٍ وعشرين، وهكذا. وإنما أَبْهَمَها الله عز وجل لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيانُ الصادق في طَلَبِها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طَلَبِها لا يُهِمُّه أن يتعب عَشْر ليالٍ من أجْل أن يُدركها، والمتكاسل قد يكسل؛ يقول: ما دام لا أدري أي ليلةٍ هي، يكسل أن يقوم عَشْر ليالٍ من أجْل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلَّما كَثُر العملُ كَثُر الثواب. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُنبِّه إلى غَلَطِ كثيرٍ من الناس في الوقت الحاضر؛ حيث يتحرَّون ليلة سبعٍ وعشرين في أداء العُمرة، فإنك في ليلة سبعٍ وعشرين تجد المسجد الحرام قد غصَّ بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة من البدع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُخَصِّصْها بعمرةٍ في فِعْله، ولم يُخَصِّصْها -أي: ليلة سبعٍ وعشرين- بعمرةٍ في قوله؛ فلَمْ يعتمر ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان كان في مكة، ولم يعتمر، ولم يقُل للأُمَّة: تحرَّوْا ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة، وإنما أَمَر أن نتحرَّى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبيَّن خطأُ كثيرٍ من الناس، وبه أيضًا يتبيَّن أن الناس ربما يأخذون دينهم كابرًا عن كابرٍ على غير أساسٍ من الشرع، فاحذرْ أن تعبد الله إلا على بصيرةٍ؛ بدليلٍ من كتابِ الله، أو سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عملِ الخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتباع سُنَّتهم. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يُبَلِّغنا وإيَّاكم إيَّاها في هذا العام وفيما بعده على خيرٍ وسلامٍ وأن يتقبَّل منا ومنكم، إنه على كلِّ شيء قدير.

القدر 97:4

الحمد لله، والشكر لله على نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتمُّ كلَّ خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئُه كالمعتاد بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا إلى سورة (القَدْر) حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ١ - ٣]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، والهاء في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، وذَكَر الله تعالى نفسَه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه. والله تعالى يذكر نفسه أحيانًا بصيغة العظمة مثل هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. وأحيانًا يذكر نفسَه بصيغة الواحد؛ مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤]، وذلك لأنه واحدٌ عظيمٌ، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد. والضمير في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ -أعني ضميرَ المفعول به وهو الهاء- يعود إلى القرآن وإنْ لم يسبق له ذِكْر؛ لأن هذا أمرٌ معلومٌ، ولا يمتري أحدٌ في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأْنا إنزالَه في ليلة القدر، وليلةُ القدر في رمضان لا شكَّ في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، فإذا جمعتَ هذه الآية -أعني ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ - إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تبيَّن لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامَّة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان. وليلةُ النصف من شعبان كليلةِ النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهنَّ من الشهور، لا تختصُّ بشيء، حتى ما وَرَدَ في فَضْل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومِها وهو يوم النصف من شعبان بصيامٍ فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذِكْر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلَّق بالفضائل؛ فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمرٌ لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سُقْتَ الأحاديثَ الضعيفةَ في فَضْل شيءٍ ما فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحٌ وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا شيءٌ كبيرٌ، فالمهمُّ أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصَّان بشيءٍ دون سائر الشهور، فليلةُ النصف لا تختصُّ بفضل قيامٍ، وليلةُ النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختصُّ بصيام. نعم، شهر شعبان ثبتتْ السُّنة بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُكثر الصيامَ فيه حتى لا يُفطر منه إلا قليلًا، وما سوى ذلك مِمَّا يتعلَّق بصيامه لم يثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما لسائر الشهور؛ كفضل صومِ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وأنْ تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البِيض. وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى ﴿الْقَدْرِ﴾؟ هل هو الشرف كما يُقال: فلانٌ ذو قَدْرٍ عظيم، أو: ذو قَدْرٍ كبير؛ أي: ذو شرفٍ كبير، أو المراد بـ﴿الْقَدْرِ﴾ التقدير؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في السَّنَة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٣، ٤] أي: يُفْصَل ويُبَيَّن؟ مِن العلماء مَن قال هذا ومِن العلماء مَن قال بهذا، والصحيح أنه شاملٌ للمعنيين؛ فليلةُ القدر لا شكَّ أنها ذاتُ قَدْرٍ عظيمٍ وشرفٍ كبيرٍ، وأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السَّنَة مِن الإحياءِ والإماتةِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وهذه الجملة بهذه الصيغة يُستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مطَّردة في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣]، فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهُنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أَعْلمكَ ليلةَ القدر وشأنَها وشرفَها وعِظَمَها؟! ثم بيَّنَ هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وهذه الجملة كالجواب للاستفهام الذي سبقها وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: من ألْفِ شهرٍ ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيريَّة هنا ثوابُ العملِ فيها، وما يُنْزِل الله تعالى فيها من الخير والبركة على هذه الأُمَّة. ثم ذَكَر ما يحدث في تلك الليلة فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تَنْزِلُ شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سُكَّان السماوات، والسماواتُ سبعٌ، فتنزل الملائكةُ إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونُزول الملائكة في الأرض عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيءٍ كان ذلك دليلًا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه الصُّوَر؛ فـ«إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٨) ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه.]] يعني: صورة مُحَرَّمة؛ لأن الصورة إذا كانت مُمْتهَنةً في فِراشٍ أو مخدَّةٍ فأكثرُ العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعتْ لكان ذلك ممنوعًا، فالملائكة تتنَزَّل في ليلة القدر بكثرة، ونُزُولهم خيرٌ وبركة. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤] أي: بأمره، والمراد به الإذْنُ الكونِيُّ؛ لأن إذْنَ الله -أي: أمْرَه- ينقسم إلى قسمين: إذْن كوني، وإذْن شرعي. فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] أي: ما لَم يأذن به شرعًا؛ لأنه قد أَذِنَ به قَدَرًا، فقد شُرِع من دون الله، لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذنٌ قَدَريٌّ كما في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره القَدَري. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر ٤] قيل إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: بكلِّ أمرٍ مما يأمرهم الله به، وهو مُبْهمٌ لا نعلم ما هو، لكنَّنا نقول: إن تَنَزُّل الملائكة في الأرض عنوانٌ على الخير والرحمة والبركة. ﴿سَلَامٌ هِي﴾ [القدر ٥] الجملة هنا مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مقدَّمٌ والتقدير: هي سلامٌ. أي: هذه الليلة سلامٌ. ووَصَفها الله تعالى بالسلام لكثرة مَن يَسْلم فيها من الآثامِ وعقوباتِها؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ومغفرة الذنوب لا شكَّ أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ٥] أي: تتنَزَّل الملائكة في هذه الليلة ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. سبق أن قُلنا: إن ليلة القدر في رمضان لا شكَّ، لكن في أيِّ جُزءٍ من رمضان: أفِي أوَّلِه، أو وسطِه، أو آخِره؟ نقول في الجواب على هذا: «إن النبي ﷺ اعتكفَ العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرِّيًا لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكفَ العشر الأواخر»[[أخرج البخاري واللفظ له (٨١٣) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأُوَل من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «مَن كان اعتكفَ مع النبي -ﷺ- فليرجع، فإني أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر في وتْرٍ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء».]]، إذَن فهي -أعني ليلة القدر- في العشر الأواخر من رمضان. وفي أيِّ ليلةٍ منها؟ الله أعلم، قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة الثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلةٍ معيَّنةٍ كلَّ عام، ولهذا «أُرِيَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلةَ القدر ليلةَ إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماءُ تلك الليلة -أي: ليلة إحدى وعشرين- فصلَّى النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده، وكان مسجده من عريشٍ لا يمنع تسرُّبَ الماءِ من السقف، فسجد النبيُّ ﷺ صباحها -أي: في صلاة الفجر- في الماء والطين، ورأى الصحابة رضي الله عنهم على جَبْهته أَثَرَ الماء والطين»، ففي تلك السَّنَة كانت في ليلة إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٢٠٢٧) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٣) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين-وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: «مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وترٍ». فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.]]، وفي رواية: «فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرجه البخاري (٢٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ورآها الصحابة ذات سَنَةٍ من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. يعني في تلك السَّنَة، أمَّا في بقية الأعوام فهي في كلِّ العشر، فليست معيَّنة، لكن أرجاها ليلة سبعٍ وعشرين، أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلًا في هذا العام ليلةَ سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلةَ إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلةَ خمسٍ وعشرين، وهكذا. وإنما أَبْهَمَها الله عز وجل لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيانُ الصادق في طَلَبِها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طَلَبِها لا يُهِمُّه أن يتعب عَشْر ليالٍ من أجْل أن يُدركها، والمتكاسل قد يكسل؛ يقول: ما دام لا أدري أي ليلةٍ هي، يكسل أن يقوم عَشْر ليالٍ من أجْل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلَّما كَثُر العملُ كَثُر الثواب. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُنبِّه إلى غَلَطِ كثيرٍ من الناس في الوقت الحاضر؛ حيث يتحرَّون ليلة سبعٍ وعشرين في أداء العُمرة، فإنك في ليلة سبعٍ وعشرين تجد المسجد الحرام قد غصَّ بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة من البدع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُخَصِّصْها بعمرةٍ في فِعْله، ولم يُخَصِّصْها -أي: ليلة سبعٍ وعشرين- بعمرةٍ في قوله؛ فلَمْ يعتمر ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان كان في مكة، ولم يعتمر، ولم يقُل للأُمَّة: تحرَّوْا ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة، وإنما أَمَر أن نتحرَّى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبيَّن خطأُ كثيرٍ من الناس، وبه أيضًا يتبيَّن أن الناس ربما يأخذون دينهم كابرًا عن كابرٍ على غير أساسٍ من الشرع، فاحذرْ أن تعبد الله إلا على بصيرةٍ؛ بدليلٍ من كتابِ الله، أو سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عملِ الخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتباع سُنَّتهم. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يُبَلِّغنا وإيَّاكم إيَّاها في هذا العام وفيما بعده على خيرٍ وسلامٍ وأن يتقبَّل منا ومنكم، إنه على كلِّ شيء قدير.

القدر 97:5

الحمد لله، والشكر لله على نِعَمِه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعدُ، فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتمُّ كلَّ خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام خمسة عشر وأربع مئةٍ وألف، نبتدئُه كالمعتاد بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله عز وجل، وقد انتهينا إلى سورة (القَدْر) حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر ١ - ٣]. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ الضمير هنا يعود إلى الله عز وجل، والهاء في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعود إلى القرآن، وذَكَر الله تعالى نفسَه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾، دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه سبحانه وتعالى العظيم الذي لا شيء أعظم منه. والله تعالى يذكر نفسه أحيانًا بصيغة العظمة مثل هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس ١٢]. وأحيانًا يذكر نفسَه بصيغة الواحد؛ مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه ١٤]، وذلك لأنه واحدٌ عظيمٌ، فباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد. والضمير في قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ -أعني ضميرَ المفعول به وهو الهاء- يعود إلى القرآن وإنْ لم يسبق له ذِكْر؛ لأن هذا أمرٌ معلومٌ، ولا يمتري أحدٌ في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم، أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأْنا إنزالَه في ليلة القدر، وليلةُ القدر في رمضان لا شكَّ في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥]، فإذا جمعتَ هذه الآية -أعني ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ - إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها تبيَّن لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامَّة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان. وليلةُ النصف من شعبان كليلةِ النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهنَّ من الشهور، لا تختصُّ بشيء، حتى ما وَرَدَ في فَضْل القيام فيها فهو أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومِها وهو يوم النصف من شعبان بصيامٍ فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حُجَّة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذِكْر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلَّق بالفضائل؛ فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمرٌ لا ينبغي، وذلك لأنك إذا سُقْتَ الأحاديثَ الضعيفةَ في فَضْل شيءٍ ما فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحٌ وينسبه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا شيءٌ كبيرٌ، فالمهمُّ أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصَّان بشيءٍ دون سائر الشهور، فليلةُ النصف لا تختصُّ بفضل قيامٍ، وليلةُ النصف ليست ليلة القدر، ويوم النصف لا يختصُّ بصيام. نعم، شهر شعبان ثبتتْ السُّنة بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُكثر الصيامَ فيه حتى لا يُفطر منه إلا قليلًا، وما سوى ذلك مِمَّا يتعلَّق بصيامه لم يثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا ما لسائر الشهور؛ كفضل صومِ ثلاثة أيامٍ من كلِّ شهرٍ، وأنْ تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البِيض. وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى ﴿الْقَدْرِ﴾؟ هل هو الشرف كما يُقال: فلانٌ ذو قَدْرٍ عظيم، أو: ذو قَدْرٍ كبير؛ أي: ذو شرفٍ كبير، أو المراد بـ﴿الْقَدْرِ﴾ التقدير؛ لأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في السَّنَة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان ٣، ٤] أي: يُفْصَل ويُبَيَّن؟ مِن العلماء مَن قال هذا ومِن العلماء مَن قال بهذا، والصحيح أنه شاملٌ للمعنيين؛ فليلةُ القدر لا شكَّ أنها ذاتُ قَدْرٍ عظيمٍ وشرفٍ كبيرٍ، وأنه يُقَدَّر فيها ما يكون في تلك السَّنَة مِن الإحياءِ والإماتةِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك. ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، وهذه الجملة بهذه الصيغة يُستفاد منها التعظيم والتفخيم، وهي مطَّردة في القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨]، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١ - ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣]، فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهُنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أَعْلمكَ ليلةَ القدر وشأنَها وشرفَها وعِظَمَها؟! ثم بيَّنَ هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، وهذه الجملة كالجواب للاستفهام الذي سبقها وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أي: من ألْفِ شهرٍ ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيريَّة هنا ثوابُ العملِ فيها، وما يُنْزِل الله تعالى فيها من الخير والبركة على هذه الأُمَّة. ثم ذَكَر ما يحدث في تلك الليلة فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر ٤]، ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تَنْزِلُ شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سُكَّان السماوات، والسماواتُ سبعٌ، فتنزل الملائكةُ إلى الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونُزول الملائكة في الأرض عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيءٍ كان ذلك دليلًا على أن هذا المكان الذي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلو من الخير والبركة، كالمكان الذي فيه الصُّوَر؛ فـ«إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٥٨) ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه.]] يعني: صورة مُحَرَّمة؛ لأن الصورة إذا كانت مُمْتهَنةً في فِراشٍ أو مخدَّةٍ فأكثرُ العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعتْ لكان ذلك ممنوعًا، فالملائكة تتنَزَّل في ليلة القدر بكثرة، ونُزُولهم خيرٌ وبركة. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر ٤] أي: بأمره، والمراد به الإذْنُ الكونِيُّ؛ لأن إذْنَ الله -أي: أمْرَه- ينقسم إلى قسمين: إذْن كوني، وإذْن شرعي. فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١] أي: ما لَم يأذن به شرعًا؛ لأنه قد أَذِنَ به قَدَرًا، فقد شُرِع من دون الله، لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذنٌ قَدَريٌّ كما في هذه الآية: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بأمره القَدَري. وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر ٤] قيل إن ﴿مِنْ﴾ بمعنى الباء؛ أي: بكلِّ أمرٍ مما يأمرهم الله به، وهو مُبْهمٌ لا نعلم ما هو، لكنَّنا نقول: إن تَنَزُّل الملائكة في الأرض عنوانٌ على الخير والرحمة والبركة. ﴿سَلَامٌ هِي﴾ [القدر ٥] الجملة هنا مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر فيها مقدَّمٌ والتقدير: هي سلامٌ. أي: هذه الليلة سلامٌ. ووَصَفها الله تعالى بالسلام لكثرة مَن يَسْلم فيها من الآثامِ وعقوباتِها؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠١) ومسلم (٧٦٠ / ١٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ومغفرة الذنوب لا شكَّ أنها سلامة من وبائها وعقوباتها. ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر ٥] أي: تتنَزَّل الملائكة في هذه الليلة ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر. سبق أن قُلنا: إن ليلة القدر في رمضان لا شكَّ، لكن في أيِّ جُزءٍ من رمضان: أفِي أوَّلِه، أو وسطِه، أو آخِره؟ نقول في الجواب على هذا: «إن النبي ﷺ اعتكفَ العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرِّيًا لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكفَ العشر الأواخر»[[أخرج البخاري واللفظ له (٨١٣) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: اعتكف رسول الله ﷺ عشر الأُوَل من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «مَن كان اعتكفَ مع النبي -ﷺ- فليرجع، فإني أُرِيتُ ليلةَ القدر، وإني نُسِّيتُها، وإنها في العشر الأواخر في وتْرٍ، وإني رأيت كأني أسجد في طين وماء».]]، إذَن فهي -أعني ليلة القدر- في العشر الأواخر من رمضان. وفي أيِّ ليلةٍ منها؟ الله أعلم، قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة الثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلةٍ معيَّنةٍ كلَّ عام، ولهذا «أُرِيَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلةَ القدر ليلةَ إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماءُ تلك الليلة -أي: ليلة إحدى وعشرين- فصلَّى النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مسجده، وكان مسجده من عريشٍ لا يمنع تسرُّبَ الماءِ من السقف، فسجد النبيُّ ﷺ صباحها -أي: في صلاة الفجر- في الماء والطين، ورأى الصحابة رضي الله عنهم على جَبْهته أَثَرَ الماء والطين»، ففي تلك السَّنَة كانت في ليلة إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٢٠٢٧) ومسلم (١١٦٧ / ٢١٣) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين-وهي الليلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه- قال: «مَن كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنسِيتُها، وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين من صبيحتها، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وترٍ». فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش، فوكف المسجد، فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين.]]، وفي رواية: «فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[[أخرجه البخاري (٢٠١٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. ورآها الصحابة ذات سَنَةٍ من السنين في السبع الأواخر، فقال ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠١٥) ومسلم (١١٦٥) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]. يعني في تلك السَّنَة، أمَّا في بقية الأعوام فهي في كلِّ العشر، فليست معيَّنة، لكن أرجاها ليلة سبعٍ وعشرين، أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلًا في هذا العام ليلةَ سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلةَ إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلةَ خمسٍ وعشرين، وهكذا. وإنما أَبْهَمَها الله عز وجل لفائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: بيانُ الصادق في طَلَبِها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طَلَبِها لا يُهِمُّه أن يتعب عَشْر ليالٍ من أجْل أن يُدركها، والمتكاسل قد يكسل؛ يقول: ما دام لا أدري أي ليلةٍ هي، يكسل أن يقوم عَشْر ليالٍ من أجْل ليلة واحدة. الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلَّما كَثُر العملُ كَثُر الثواب. وبهذه المناسبة أودُّ أن أُنبِّه إلى غَلَطِ كثيرٍ من الناس في الوقت الحاضر؛ حيث يتحرَّون ليلة سبعٍ وعشرين في أداء العُمرة، فإنك في ليلة سبعٍ وعشرين تجد المسجد الحرام قد غصَّ بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة من البدع؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يُخَصِّصْها بعمرةٍ في فِعْله، ولم يُخَصِّصْها -أي: ليلة سبعٍ وعشرين- بعمرةٍ في قوله؛ فلَمْ يعتمر ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان، مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبعٍ وعشرين من رمضان كان في مكة، ولم يعتمر، ولم يقُل للأُمَّة: تحرَّوْا ليلة سبعٍ وعشرين بالعمرة، وإنما أَمَر أن نتحرَّى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبيَّن خطأُ كثيرٍ من الناس، وبه أيضًا يتبيَّن أن الناس ربما يأخذون دينهم كابرًا عن كابرٍ على غير أساسٍ من الشرع، فاحذرْ أن تعبد الله إلا على بصيرةٍ؛ بدليلٍ من كتابِ الله، أو سُنَّةِ رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو عملِ الخلفاء الراشدين الذين أُمِرْنا باتباع سُنَّتهم. وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله تبارك وتعالى أن يُبَلِّغنا وإيَّاكم إيَّاها في هذا العام وفيما بعده على خيرٍ وسلامٍ وأن يتقبَّل منا ومنكم، إنه على كلِّ شيء قدير.

البينة 98:1

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، (...) بعدها نتكلَّم يسيرًا على سورة البيِّنة لأننا انتهينا إليها. فيقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة ١]، والكلام على البسملة قد تقدَّم كثيرًا لنا في هذا المجلس وغيره، وبيَّنَّا أن البسملة آيةٌ من كتاب الله تكلَّم الله بها كما تكلَّم بالقرآن جلَّ وعَلَا، ولكنها آيةٌ مستقِلَّةٌ لا تُعَدُّ من آيات السورة التي بعدها ولا من آيات السورة التي قبلها، بل هي مستقِلَّة تُبْتَدأُ بها السُّوَر من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) ما عدا سورة (براءة)؛ فإنها لم تَثْبت عن النبي ﷺ أنه افتتح سورةَ (براءة) بالبسملة، ولهذا أغفَلَها الصحابةُ رضي الله عنهم، لكن احتياطًا وخوفًا من أن تكون سورةً مستقِلَّة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلًا. يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يعني: ما كان الكفار ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الكفر ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى؛ سُمُّوا بذلك لأنَّ صُحُفهم بَقِيتْ إلى أن بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، ولكن هُم أهلُ الكتاب، إذا سمعتم في القرآن (أهل الكتاب) فالمراد بهم مَن؟ اليهود والنصارى؛ اليهودُ لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أمَّا المشركون فهُم عَبَدة الأوثان من كلِّ جنسٍ؛ من بني إسرائيل ومن غيرهم. يقول: لم يكن هؤلاء ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الشرك والكفر ومُنْفَكِّين عنه ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. فما هي البيِّنة؟ البيِّنة ما يَبِينُ به الحقُّ في كلِّ شيء، كلُّ شيءٍ يَبِين به الحقُّ فإنه يُسَمَّى بيِّنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه البيهقي (١٦٤٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فكلُّ ما بان به الحقُّ فهو بيِّنة، ويكون في كلِّ شيءٍ بحسبه، فما هي البيِّنة التي ذكرها الله هنا؟ ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة ٢، ٣]، وهذا الرسول هو النبيُّ ﷺ؛ محمَّدٌ رسول الله؛ محمد بن عبد الله الهاشمي القُرَشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة النكرة ﴿رَسُولٌ﴾ تعظيمًا له؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جديرٌ بأن يُعَظَّم التعظيمَ اللائقَ به من غير نقْصٍ ولا غُلُوٍّ. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني أنَّ الله أَرْسله إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، فهو محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، مُرسَلٌ من عند الله بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لأن جبريل هو رسولُ ربِّ العالمين إلى رُسُله، مُوَكَّلٌ بالوحي يَنْزل به على مَن شاء الله من عباده. إذَنْ مَن المراد بالرسول؟ محمد. طيب، مَن أرسله؟ الله؛ لقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. مَنْ هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل مُوَكَّل بالوحي يَنْزل به على مَن يشاء من عباد الله. ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني: يقرأ لنفسه وللناس. ﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة، وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يُكتب به. ﴿مُطَهَّرَةً﴾ أي: مُنَقَّاة من الشِّرك ومن رذائل الأخلاق ومن كلِّ ما يَسوء؛ لأنها نزيهةٌ مقدَّسةٌ. ﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه الصُّحُف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿كُتُبٌ﴾ أي: مكتوباتٌ قيِّمة، فـ﴿كُتُبٌ﴾ جمع كتاب بمعنى مكتوب، والمعنى أنَّ في هذه الصُّحُف مكتوبات قيِّمة كَتَبَها اللَّهُ عز وجل، ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا تَصَفَّح القرآنَ وجده كذلك؛ أي: وجد أنه يتضمَّن كُتُبًا -أي: مكتوباتٍ- قيِّمة؛ انظُر إلى ما جاء به القرآنُ من توحيد الله عز وجل والثَّناء عليه وحَمْده وتسبيحه تجده مملوءًا بذلك، انظُر إلى ما في القرآن مِن وَصْف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووَصْف أصحابه المهاجرين والأنصار ووَصْف التابعين لهم بإحسان، انظُر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة تجد أنَّ كلَّ ما جاء به القرآنُ فهو قَيِّمٌ؛ أي: قَيِّمٌ بنفسه، وكذلك هو مُقِيمٌ لغيره؛ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. إذَنْ أخبرَ اللَّهُ في هذه الآية أنه لا يمكن أن يَنْفَكَّ هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البيِّنة، فلمَّا جاءتهم البيِّنة هل انفكُّوا عن دينهم؛ يعني عن كُفرهم وشِرْكهم؟ استمع إلى الجواب؛ قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] يعني لَمَّا جاءت البيِّنة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر؛ فمِن النصارى مَن آمَنَ مِثْل النجاشي ملك الحبشة، ومِن اليهود مَن آمَنَ أيضًا مِثْل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر، فمَن عَلِم الله منه أنه يريد الخيرَ ويريد الدِّينَ لله آمَنَ، وُفِّقَ للإيمان، ومَن لم يكنْ كذلك وُفِّقَ للكفر. كذلك أيضًا من المشركين مَن آمَنَ، وما أكثرَ المشركين من قُريش الذين آمنوا! فصار الناسُ قبل بعْثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البيِّنة، ثم لَمَّا جاءتهم البيِّنة أيش اللي حَصَل؟ تفرَّقوا واختلفوا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥]. وسيأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه السورة.

البينة 98:2

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، (...) بعدها نتكلَّم يسيرًا على سورة البيِّنة لأننا انتهينا إليها. فيقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة ١]، والكلام على البسملة قد تقدَّم كثيرًا لنا في هذا المجلس وغيره، وبيَّنَّا أن البسملة آيةٌ من كتاب الله تكلَّم الله بها كما تكلَّم بالقرآن جلَّ وعَلَا، ولكنها آيةٌ مستقِلَّةٌ لا تُعَدُّ من آيات السورة التي بعدها ولا من آيات السورة التي قبلها، بل هي مستقِلَّة تُبْتَدأُ بها السُّوَر من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) ما عدا سورة (براءة)؛ فإنها لم تَثْبت عن النبي ﷺ أنه افتتح سورةَ (براءة) بالبسملة، ولهذا أغفَلَها الصحابةُ رضي الله عنهم، لكن احتياطًا وخوفًا من أن تكون سورةً مستقِلَّة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلًا. يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يعني: ما كان الكفار ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الكفر ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى؛ سُمُّوا بذلك لأنَّ صُحُفهم بَقِيتْ إلى أن بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، ولكن هُم أهلُ الكتاب، إذا سمعتم في القرآن (أهل الكتاب) فالمراد بهم مَن؟ اليهود والنصارى؛ اليهودُ لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أمَّا المشركون فهُم عَبَدة الأوثان من كلِّ جنسٍ؛ من بني إسرائيل ومن غيرهم. يقول: لم يكن هؤلاء ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الشرك والكفر ومُنْفَكِّين عنه ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. فما هي البيِّنة؟ البيِّنة ما يَبِينُ به الحقُّ في كلِّ شيء، كلُّ شيءٍ يَبِين به الحقُّ فإنه يُسَمَّى بيِّنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه البيهقي (١٦٤٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فكلُّ ما بان به الحقُّ فهو بيِّنة، ويكون في كلِّ شيءٍ بحسبه، فما هي البيِّنة التي ذكرها الله هنا؟ ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة ٢، ٣]، وهذا الرسول هو النبيُّ ﷺ؛ محمَّدٌ رسول الله؛ محمد بن عبد الله الهاشمي القُرَشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة النكرة ﴿رَسُولٌ﴾ تعظيمًا له؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جديرٌ بأن يُعَظَّم التعظيمَ اللائقَ به من غير نقْصٍ ولا غُلُوٍّ. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني أنَّ الله أَرْسله إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، فهو محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، مُرسَلٌ من عند الله بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لأن جبريل هو رسولُ ربِّ العالمين إلى رُسُله، مُوَكَّلٌ بالوحي يَنْزل به على مَن شاء الله من عباده. إذَنْ مَن المراد بالرسول؟ محمد. طيب، مَن أرسله؟ الله؛ لقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. مَنْ هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل مُوَكَّل بالوحي يَنْزل به على مَن يشاء من عباد الله. ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني: يقرأ لنفسه وللناس. ﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة، وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يُكتب به. ﴿مُطَهَّرَةً﴾ أي: مُنَقَّاة من الشِّرك ومن رذائل الأخلاق ومن كلِّ ما يَسوء؛ لأنها نزيهةٌ مقدَّسةٌ. ﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه الصُّحُف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿كُتُبٌ﴾ أي: مكتوباتٌ قيِّمة، فـ﴿كُتُبٌ﴾ جمع كتاب بمعنى مكتوب، والمعنى أنَّ في هذه الصُّحُف مكتوبات قيِّمة كَتَبَها اللَّهُ عز وجل، ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا تَصَفَّح القرآنَ وجده كذلك؛ أي: وجد أنه يتضمَّن كُتُبًا -أي: مكتوباتٍ- قيِّمة؛ انظُر إلى ما جاء به القرآنُ من توحيد الله عز وجل والثَّناء عليه وحَمْده وتسبيحه تجده مملوءًا بذلك، انظُر إلى ما في القرآن مِن وَصْف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووَصْف أصحابه المهاجرين والأنصار ووَصْف التابعين لهم بإحسان، انظُر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة تجد أنَّ كلَّ ما جاء به القرآنُ فهو قَيِّمٌ؛ أي: قَيِّمٌ بنفسه، وكذلك هو مُقِيمٌ لغيره؛ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. إذَنْ أخبرَ اللَّهُ في هذه الآية أنه لا يمكن أن يَنْفَكَّ هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البيِّنة، فلمَّا جاءتهم البيِّنة هل انفكُّوا عن دينهم؛ يعني عن كُفرهم وشِرْكهم؟ استمع إلى الجواب؛ قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] يعني لَمَّا جاءت البيِّنة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر؛ فمِن النصارى مَن آمَنَ مِثْل النجاشي ملك الحبشة، ومِن اليهود مَن آمَنَ أيضًا مِثْل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر، فمَن عَلِم الله منه أنه يريد الخيرَ ويريد الدِّينَ لله آمَنَ، وُفِّقَ للإيمان، ومَن لم يكنْ كذلك وُفِّقَ للكفر. كذلك أيضًا من المشركين مَن آمَنَ، وما أكثرَ المشركين من قُريش الذين آمنوا! فصار الناسُ قبل بعْثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البيِّنة، ثم لَمَّا جاءتهم البيِّنة أيش اللي حَصَل؟ تفرَّقوا واختلفوا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥]. وسيأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه السورة.

البينة 98:3

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، (...) بعدها نتكلَّم يسيرًا على سورة البيِّنة لأننا انتهينا إليها. فيقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة ١]، والكلام على البسملة قد تقدَّم كثيرًا لنا في هذا المجلس وغيره، وبيَّنَّا أن البسملة آيةٌ من كتاب الله تكلَّم الله بها كما تكلَّم بالقرآن جلَّ وعَلَا، ولكنها آيةٌ مستقِلَّةٌ لا تُعَدُّ من آيات السورة التي بعدها ولا من آيات السورة التي قبلها، بل هي مستقِلَّة تُبْتَدأُ بها السُّوَر من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) ما عدا سورة (براءة)؛ فإنها لم تَثْبت عن النبي ﷺ أنه افتتح سورةَ (براءة) بالبسملة، ولهذا أغفَلَها الصحابةُ رضي الله عنهم، لكن احتياطًا وخوفًا من أن تكون سورةً مستقِلَّة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلًا. يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يعني: ما كان الكفار ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الكفر ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى؛ سُمُّوا بذلك لأنَّ صُحُفهم بَقِيتْ إلى أن بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، ولكن هُم أهلُ الكتاب، إذا سمعتم في القرآن (أهل الكتاب) فالمراد بهم مَن؟ اليهود والنصارى؛ اليهودُ لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أمَّا المشركون فهُم عَبَدة الأوثان من كلِّ جنسٍ؛ من بني إسرائيل ومن غيرهم. يقول: لم يكن هؤلاء ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الشرك والكفر ومُنْفَكِّين عنه ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. فما هي البيِّنة؟ البيِّنة ما يَبِينُ به الحقُّ في كلِّ شيء، كلُّ شيءٍ يَبِين به الحقُّ فإنه يُسَمَّى بيِّنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه البيهقي (١٦٤٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فكلُّ ما بان به الحقُّ فهو بيِّنة، ويكون في كلِّ شيءٍ بحسبه، فما هي البيِّنة التي ذكرها الله هنا؟ ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة ٢، ٣]، وهذا الرسول هو النبيُّ ﷺ؛ محمَّدٌ رسول الله؛ محمد بن عبد الله الهاشمي القُرَشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة النكرة ﴿رَسُولٌ﴾ تعظيمًا له؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جديرٌ بأن يُعَظَّم التعظيمَ اللائقَ به من غير نقْصٍ ولا غُلُوٍّ. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني أنَّ الله أَرْسله إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، فهو محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، مُرسَلٌ من عند الله بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لأن جبريل هو رسولُ ربِّ العالمين إلى رُسُله، مُوَكَّلٌ بالوحي يَنْزل به على مَن شاء الله من عباده. إذَنْ مَن المراد بالرسول؟ محمد. طيب، مَن أرسله؟ الله؛ لقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. مَنْ هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل مُوَكَّل بالوحي يَنْزل به على مَن يشاء من عباد الله. ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني: يقرأ لنفسه وللناس. ﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة، وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يُكتب به. ﴿مُطَهَّرَةً﴾ أي: مُنَقَّاة من الشِّرك ومن رذائل الأخلاق ومن كلِّ ما يَسوء؛ لأنها نزيهةٌ مقدَّسةٌ. ﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه الصُّحُف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿كُتُبٌ﴾ أي: مكتوباتٌ قيِّمة، فـ﴿كُتُبٌ﴾ جمع كتاب بمعنى مكتوب، والمعنى أنَّ في هذه الصُّحُف مكتوبات قيِّمة كَتَبَها اللَّهُ عز وجل، ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا تَصَفَّح القرآنَ وجده كذلك؛ أي: وجد أنه يتضمَّن كُتُبًا -أي: مكتوباتٍ- قيِّمة؛ انظُر إلى ما جاء به القرآنُ من توحيد الله عز وجل والثَّناء عليه وحَمْده وتسبيحه تجده مملوءًا بذلك، انظُر إلى ما في القرآن مِن وَصْف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووَصْف أصحابه المهاجرين والأنصار ووَصْف التابعين لهم بإحسان، انظُر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة تجد أنَّ كلَّ ما جاء به القرآنُ فهو قَيِّمٌ؛ أي: قَيِّمٌ بنفسه، وكذلك هو مُقِيمٌ لغيره؛ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. إذَنْ أخبرَ اللَّهُ في هذه الآية أنه لا يمكن أن يَنْفَكَّ هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البيِّنة، فلمَّا جاءتهم البيِّنة هل انفكُّوا عن دينهم؛ يعني عن كُفرهم وشِرْكهم؟ استمع إلى الجواب؛ قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] يعني لَمَّا جاءت البيِّنة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر؛ فمِن النصارى مَن آمَنَ مِثْل النجاشي ملك الحبشة، ومِن اليهود مَن آمَنَ أيضًا مِثْل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر، فمَن عَلِم الله منه أنه يريد الخيرَ ويريد الدِّينَ لله آمَنَ، وُفِّقَ للإيمان، ومَن لم يكنْ كذلك وُفِّقَ للكفر. كذلك أيضًا من المشركين مَن آمَنَ، وما أكثرَ المشركين من قُريش الذين آمنوا! فصار الناسُ قبل بعْثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البيِّنة، ثم لَمَّا جاءتهم البيِّنة أيش اللي حَصَل؟ تفرَّقوا واختلفوا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥]. وسيأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه السورة.

البينة 98:4

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، (...) بعدها نتكلَّم يسيرًا على سورة البيِّنة لأننا انتهينا إليها. فيقول الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة ١]، والكلام على البسملة قد تقدَّم كثيرًا لنا في هذا المجلس وغيره، وبيَّنَّا أن البسملة آيةٌ من كتاب الله تكلَّم الله بها كما تكلَّم بالقرآن جلَّ وعَلَا، ولكنها آيةٌ مستقِلَّةٌ لا تُعَدُّ من آيات السورة التي بعدها ولا من آيات السورة التي قبلها، بل هي مستقِلَّة تُبْتَدأُ بها السُّوَر من الفاتحة إلى (قل أعوذ برب الناس) ما عدا سورة (براءة)؛ فإنها لم تَثْبت عن النبي ﷺ أنه افتتح سورةَ (براءة) بالبسملة، ولهذا أغفَلَها الصحابةُ رضي الله عنهم، لكن احتياطًا وخوفًا من أن تكون سورةً مستقِلَّة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلًا. يقول الله عز وجل: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يعني: ما كان الكفار ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الكفر ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى؛ سُمُّوا بذلك لأنَّ صُحُفهم بَقِيتْ إلى أن بُعِثَ النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، ولكن هُم أهلُ الكتاب، إذا سمعتم في القرآن (أهل الكتاب) فالمراد بهم مَن؟ اليهود والنصارى؛ اليهودُ لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أمَّا المشركون فهُم عَبَدة الأوثان من كلِّ جنسٍ؛ من بني إسرائيل ومن غيرهم. يقول: لم يكن هؤلاء ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أي: تاركين لِمَا هُم عليه من الشرك والكفر ومُنْفَكِّين عنه ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾. فما هي البيِّنة؟ البيِّنة ما يَبِينُ به الحقُّ في كلِّ شيء، كلُّ شيءٍ يَبِين به الحقُّ فإنه يُسَمَّى بيِّنة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه البيهقي (١٦٤٤٥) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.]]، فكلُّ ما بان به الحقُّ فهو بيِّنة، ويكون في كلِّ شيءٍ بحسبه، فما هي البيِّنة التي ذكرها الله هنا؟ ﴿الْبَيِّنَةُ﴾ قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة ٢، ٣]، وهذا الرسول هو النبيُّ ﷺ؛ محمَّدٌ رسول الله؛ محمد بن عبد الله الهاشمي القُرَشي صلوات الله وسلامه عليه، وجاء بصيغة النكرة ﴿رَسُولٌ﴾ تعظيمًا له؛ لأنه عليه الصلاة والسلام جديرٌ بأن يُعَظَّم التعظيمَ اللائقَ به من غير نقْصٍ ولا غُلُوٍّ. ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني أنَّ الله أَرْسله إلى العالمين بشيرًا ونذيرًا؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء ٧٩]، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١]، فهو محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام، مُرسَلٌ من عند الله بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام؛ لأن جبريل هو رسولُ ربِّ العالمين إلى رُسُله، مُوَكَّلٌ بالوحي يَنْزل به على مَن شاء الله من عباده. إذَنْ مَن المراد بالرسول؟ محمد. طيب، مَن أرسله؟ الله؛ لقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾. مَنْ هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل مُوَكَّل بالوحي يَنْزل به على مَن يشاء من عباد الله. ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ يعني: يقرأ لنفسه وللناس. ﴿صُحُفًا﴾ جمع صحيفة، وهي الورقة أو اللوح أو ما أشبهَ ذلك مِمَّا يُكتب به. ﴿مُطَهَّرَةً﴾ أي: مُنَقَّاة من الشِّرك ومن رذائل الأخلاق ومن كلِّ ما يَسوء؛ لأنها نزيهةٌ مقدَّسةٌ. ﴿فِيهَا﴾ أي: في هذه الصُّحُف ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ ﴿كُتُبٌ﴾ أي: مكتوباتٌ قيِّمة، فـ﴿كُتُبٌ﴾ جمع كتاب بمعنى مكتوب، والمعنى أنَّ في هذه الصُّحُف مكتوبات قيِّمة كَتَبَها اللَّهُ عز وجل، ومن المعلوم أنَّ الإنسان إذا تَصَفَّح القرآنَ وجده كذلك؛ أي: وجد أنه يتضمَّن كُتُبًا -أي: مكتوباتٍ- قيِّمة؛ انظُر إلى ما جاء به القرآنُ من توحيد الله عز وجل والثَّناء عليه وحَمْده وتسبيحه تجده مملوءًا بذلك، انظُر إلى ما في القرآن مِن وَصْف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووَصْف أصحابه المهاجرين والأنصار ووَصْف التابعين لهم بإحسان، انظُر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة تجد أنَّ كلَّ ما جاء به القرآنُ فهو قَيِّمٌ؛ أي: قَيِّمٌ بنفسه، وكذلك هو مُقِيمٌ لغيره؛ ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾. إذَنْ أخبرَ اللَّهُ في هذه الآية أنه لا يمكن أن يَنْفَكَّ هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البيِّنة، فلمَّا جاءتهم البيِّنة هل انفكُّوا عن دينهم؛ يعني عن كُفرهم وشِرْكهم؟ استمع إلى الجواب؛ قال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] يعني لَمَّا جاءت البيِّنة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر؛ فمِن النصارى مَن آمَنَ مِثْل النجاشي ملك الحبشة، ومِن اليهود مَن آمَنَ أيضًا مِثْل عبد الله بن سلام رضي الله عنه، فمنهم مَن آمَنَ ومنهم مَن كَفَر، فمَن عَلِم الله منه أنه يريد الخيرَ ويريد الدِّينَ لله آمَنَ، وُفِّقَ للإيمان، ومَن لم يكنْ كذلك وُفِّقَ للكفر. كذلك أيضًا من المشركين مَن آمَنَ، وما أكثرَ المشركين من قُريش الذين آمنوا! فصار الناسُ قبل بعْثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البيِّنة، ثم لَمَّا جاءتهم البيِّنة أيش اللي حَصَل؟ تفرَّقوا واختلفوا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٥]. وسيأتي إن شاء الله بقيَّة الكلام على هذه السورة.

البينة 98:6

(...) وأُصَلِّي وأُسَلِّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه. أمَّا بعدُ، فهذا هو اللقاء السابع والثمانون من اللقاءات التي يُعبَّر عنها باللقاء المفتوح، يتمُّ هذا اللقاء في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر شوال عام خمسة عشر وأربع مئة وألف، نبتدئ هذا اللقاء بإكمال تفسير سورة البيِّنة، وقد انتهينا فيه في اللقاء السابق إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]. بيَّن الله تعالى هُنا في هذه الآية بيانًا مؤكَّدًا بـ﴿إِنَّ﴾ أنَّ الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: في النار التي تُسَمَّى جَهَنَّم، وسُمِّيتْ جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرها وسوادها، فهو مأخوذ من الْجُهْمَة، وقيل: إنه اسمٌ أعجميٌّ عَرَّبتْه العرب، وأيًّا كان فإنه -أعني لفظ ﴿جَهَنَّمَ﴾ - اسمٌ من أسماء النار أعاذنا الله وإيَّاكم منها. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا بيانٌ للإبهام؛ أعني إبهام الاسم الموصول في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وعلى هذا فيقتضي أن أهل الكتاب كُفَّار، وهم اليهود والنصارى، وكذلك الأمر؛ فإن اليهود والنصارى كُفَّارٌ حين لم يؤمنوا برسول الله محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإن قالوا: إنهم مؤمنون بالله واليوم الآخِر، ويَدْعون لموتاهم بالرحمة وما أشبهَ ذلك من العبارات التي يتزلَّفون بها فإنهم كاذبون؛ إذْ لو كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخِر لآمَنوا بمحمَّدٍ صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلْ لآمَنوا برُسُلهم؛ لأن النبي ﷺ قد وُجِد وَصْفُه في التوراة والإنجيل كما قال الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف ١٥٧]، بل إن عيسى ﷺ قال لبني إسرائيل: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦]، فلمَّا جاء هذا الرسول الذي بَشَّر به عيسى بالبيِّنات قالوا: هذا سِحْرٌ مُبين، وكَذَّبوه ولم يتَّبعوه، إلا نَفَرًا قليلًا من اليهود والنصارى فقد آمَنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم واتَّبعوه. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، ﴿شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أي: شَرُّ الخليقة؛ لأنَّ البَرِيَّة هي الخليقة، وعلى هذا فيكون الكُفَّار من بني آدم من اليهود والنصارى والمشركين شرَّ البريَّة؛ شرَّ الخلائق، وقد بيَّن الله ذلك تمامًا في قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال ٥٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال ٢٢، ٢٣]، فهؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين هم شَرُّ البريَّة عند الله عز وجل، وإذا كانوا هم شَرَّ البريَّة فلن نتوقَّع منهم إلا كلَّ شَرٍّ، لأن الشِّرِّير ينبثق منه الشرُّ، ولا يمكن أبدًا أن نُحسن الظنَّ بهم، قد نَثِقُ بالصادقين منهم كما وَثِق النبي ﷺ بالمشرك عبد الله بن أُرَيْقِط حين استأجره ليدُلَّه على طريق الهجرة، لكن غالبهم وجمهورهم لا يُوثَق منهم؛ لأنهم شَرٌّ.

البينة 98:7

ولَمَّا ذكر الله حُكم هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين ذكر حُكم المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٧]، والقرآن الكريم مَثَانٍ تُثَنَّى فيه المعاني فيُؤتَى بالمعنى وما يقابله، ويُؤتى بأصحاب النار وأصحاب الجنة، ويُؤتى بآيات الترهيب وآيات الترغيب، وهَلُمَّ جرًّا؛ لأجْل أن يكون الإنسان سائرًا إلى الله عز وجل بين الخوف والرجاء، ولئلَّا يَمَلَّ؛ فإن تنويع الأساليب وتنويع المواضيع لا شكَّ أنه يعطي النفس قُوَّةً واندفاعًا، بخلاف ما لو كان الكلام على وتيرةٍ واحدةٍ فإن الإنسان قد يَمَلُّ ولا تتحرَّك نفسُه. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ فخير خَلْق الله عز وجل هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم على طَبَقاتٍ أربع بيَّنها الله في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، هذه الطبقات الأربع هي طبقات المؤمنين، أعلاها: طَبَقة النُّبُوَّة، وأعلى طبقات النُّبُوَّة طَبَقة الرسالة، ثم بعد ذلك -بعد النُّبُوَّة- الصِّدِّيقِيَّة، وعلى رأس الصِّدِّيقينَ أبو بكرٍ رضي الله عنه. والشُّهداء قيل: إنهم أُولُوا العِلم، وقيل: إنهم الذين قُتِلوا في سبيل الله، والآية تحتمل المعنيينِ جميعًا بدون مناقضة، والذي ينبغي لمفسِّر القرآن أن الآية إذا كانت تحتمل معنيينِ بدون مناقضةٍ أن يحملها على المعنيينِ جميعًا؛ فالشُّهداء هم أُولُوا العلم، وهم الذين قُتِلوا في سبيل الله، وكلُّهم مَرْتبتهم عاليةٌ فوق سائر المتَّبعِينَ للرُّسُل إلا الصِّدِّيقين. قال تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾، وهم أدنى الطبقات، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات على اختلاف طبقاتهم هُم خير البريَّة؛ أي: خير ما خَلَق اللَّهُ عز وجل من البَرَايا.

البينة 98:8

ثم بيَّنَ جزاءَهم فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البينة ٨]، وهنا قدَّمَ اللَّهُ الثناءَ على المؤمنين الذين عَمِلوا الصالحات على ذِكْر جزائهم؛ لأن ثَنَاء اللهِ عليهم أعظم مرتبةً وأعلى مَنْقبةً، فلذلك قدَّمه على الجزاء الذي هو جزاؤهم في يوم القيامة. ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتُ﴾ جَمَعَها لاختلاف أنواعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: إنَّ الجنات «جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، لكن بتقديم ذِكْر الفضة على الذهب.]]، وإلى هذا يُشير قول الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦] ثم ذكر أوصافَ هاتين الجنَّتينِ ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢]، فلهم جنَّات. والجنات التي ذكرها الله تعالى جزاءً للمؤمنين العاملين الصالحات هي عبارة عن منازل عظيمة أعدَّها الله عز وجل للمؤمنين المتَّقين، «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٥ / ٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، ولا يمكن للإنسان في هذه الدنيا أن يتصوَّر كيف نعيم الآخرة أبدًا؛ لأنه أعلى وأَجَلُّ مما نتصوَّر؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنَّةِ مِمَّا في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه هنَّاد في الزهد (٣) عنه، ولفظه: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء».]]. لكنَّها تختلف الحقائق اختلافًا عظيمًا. قال عز وجل: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ العَدْن بمعنى الإقامة في المكان وعَدَم النُّزُوح عنه، ومِن تمام نعيم أهل الجنة أن كلَّ واحدٍ منهم لا يطلب تحوُّلًا عمَّا هو عليه من النعيم؛ لأنه لا يرى أنَّ أحدًا أَكْملُ منه، ولا يُحِسُّ في قلبه أنه في غضاضةٍ بالنسبة لِمَن هو أرقى منه وأكمل؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف ١٠٨] أي: لا يبغون تحوُّلًا عمَّا هم عليه؛ لأن الله تعالى قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحدًا أكمل نعيمًا منهم، ولهذا سَمَّى الله تعالى هذه الجنات جنات عَدْن، أسأل الله أن يجعلني وإيَّاكم من أهلها. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال العلماء: مِن تحت قصورها وأشجارها، وإلا فهو على سَطْحها وليس أسفل، إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار، والأنهار التي ذكرها الله عز وجل هنا مُجْمَلة فصَّلها في سورة محمد فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥]، هذه الأنهار، وقد جاء في الآثار من وَصْف هذه الأنهار «أنها تجري بغير أُخْدودٍ وبغير خنادق»[[أخرج أبو نعيم في الحلية (٦ / ٢٠٥) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لعلَّكم تظنُّون أنَّ أنهار الجنة أخدودٌ في الأرض، لا واللهِ، إنها لسائحةٌ على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينُها المسك الأذفر». قلت: يا رسول الله، وما الأذفر؟ قال: «الذي لا خِلْط معه». وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٩) عن أنسٍ موقوفًا.]]؛ بمعنى أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجَّه حيث وجَّهَه الإنسانُ، ولا يحتاج إلى شقِّ خنادق ولا إلى بناء أُخدودٍ تمنع سَيَلانَ الماء يمينًا وشِمالًا، وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب النونية: أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [البينة ٨] أي: ماكثين فيها أبدًا؛ لا يموتون، ولا يَمْرضون، ولا يَبْأسُون، ولا يَأْلمون، ولا يحزنون، ولا يَمَسُّهم فيها نَصَبٌ؛ فهُم في أَكْملِ النعيم دائمًا وأبدًا، أَبَدَ الآبدين، اللهم اجعلنا منهم. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة ٨] وهذا أَكْملُ نعيمٍ أنَّ الله تعالى يرضى عنهم، فيُحِلُّ عليهم رضوانه فلا يَسْخط بعده أبدًا[[أخرج البخاري (٧٥١٨) ومسلم (٢٨٢٩ / ٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبَّيك ربَّنا وسعدَيْك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتَنا ما لم تُعطِ أحدًا من خلْقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأيُّ شيءٍ أفضل من ذلك؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا».]]، بلْ وينظرون إلى الله تبارك وتعالى بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يشُكُّون في ذلك، ولا يمترون في ذلك، ولا يتضامُّون في ذلك[[أخرج البخاري (٥٥٤) ومسلم (٦٣٣ / ٢١١) عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله ﷺ إذْ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: «أَمَا إنَّكم سَتَرون ربَّكم كما تَرَون هذا القمر لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألَّا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». يعني العصر والفجر، ثم قرأ جرير: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].]]؛ أي: لا ينضمُّ بعضُهم إلى بعضٍ ليُريه الآخَر، بلْ كلُّ إنسانٍ يراه في مكانه حسب ما أراد الله عز وجل. ثم قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة ٨] أي: ذلك الجزاء لمن خَشِيَ الله عز وجل، والخشيةُ هي خَوْفُ الله عز وجل المقرونُ بالهيبة والتعظيم، ولا يصدر ذلك إلا من عالِمٍ بالله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر ٢٨]، وبهذا تَمَّتْ هذه السورة العظيمة، وتم ما تيسَّر لنا من الكلام على تفسيرها، ونسأل الله أن يجعلنا جميعًا مِمَّن يتلون كتاب الله حقَّ تلاوته، إنَّه على كل شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:1

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:2

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:3

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:4

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:5

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:6

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:7

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.

الزلزلة 99:8

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بعدُ، فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم عام ستة عشر وأربع مئة وألف، وهو اللقاء الثاني من هذا العام، نبدؤه بتفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة ١]. يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة ١ - ٤]، ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ هذا هو جواب الشرط. ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾، والمرادُ بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج ١، ٢]. وقوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ يعني الزلزالَ العظيمَ الذي لم يكن مِثْلُه قطُّ، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿تَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ يعني من شِدَّة ذُهُولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سُكارى، وما هم بسُكارى، بلْ هم صُحاةٌ، لكن لشدَّة الهول صار الإنسان كأنه سكران لا يدري كيف يتصرَّف ولا كيف يفعل. ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾، والمراد بهم أصحاب القبور؛ فإنه إذا ﴿نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر ٦٨] يخرجون من قبورهم لربِّ العالمين عز وجل؛ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين ٦]. ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت. وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾. وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يفيد أن الذي يُوزَن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلفَ فيها أهلُ العلم؛ فمِن العلماء مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العمل، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن صحائف الأعمال، ومنهم مَن يقول: إن الذي يُوزَن هو العامل نفسه، ولكلٍّ دليل: أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو العمل فاستدلَّ بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾؛ لأن تقدير الآية: فمَن يعمل عملًا مثقالَ ذرَّة. واستدلُّوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٦٣)، ومسلم (٢٦٩٤ / ٣١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهذا القول كما ترى له دليلٌ من القرآن ومن السُّنة. لكن يُشْكِل على هذا أنَّ العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضَع في الميزان، بل العمل عَمَلٌ، انتهى وانقضى، ولكن يُجاب عن هذا بأنْ يُقال: على المرء أن يُصَدِّق بما أخبر الله به ورسولُه من أمور الغيب وإنْ كان عقلُه قد يَحار فيه ويتعجَّب ويقول: كيف يكون هذا؟! فعليه بالتصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما يتصوَّر، هذا أوَّل جواب عن هذا الإيراد، الإيراد عرفتموه الآن؟ هو: كيف يُوزَن العملُ وهو معنًى وحركة انتهت؟ فيقال: الواجب على المسلم أن يُسَلِّم ويستسلم ولا يقول: كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصوَّر، هذه واحدة. ثانيًا: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمالَ أجسامًا توضَع في الميزان وتَثْقُل وتَخِفُّ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل الأمور المعنوية أجسامًا؛ كما صحَّ عن النبي ﷺ في «أن الموت يُؤتَى به على صورة كَبْشٍ، ويُوقَف بين الجنة والنار، ويُقال: يا أهل الجنَّة. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، ويُقال: يا أهل النار. فيشْرَئِبُّون ويطَّلعون لماذا نُودُوا، فيُقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت» -مع أنه في صورة كَبْشٍ، والموتُ معنًى ليس جسمًا، ولكن الله تعالى يجعله جسمًا يوم القيامة فيكون هذا الموت- «فيُذْبح أمامهم، ويُقال: يا أهل الجنة خلودٌ ولا مَوْت، ويا أهل النار خلودٌ ولا مَوْت»[[أخرج البخاري (٤٧٣٠) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يُؤتَى بالموت كهيئة كبشٍ أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار. فيشرئبُّون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلودٌ فلا موت...» الحديث.]]، وبهذا يزول الإشكالُ الواردُ على هذا القول، ما هو القول؟ أن الذي يُوزَن هو العمل. أمَّا مَن قال: إن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال، فاستدلُّوا بحديث «صاحب البطاقة الذي يُؤتى يومَ القيامة به ويُقال: انظرْ إلى عَمِلك. فتُمَدُّ له السِّجِلَّاتُ مكتوبٌ فيها العملُ السَّيِّئُ، سِجِلَّاتٌ عظيمةٌ، فإذا رأى أنه قد هلك أُتِي ببطاقة صغيرة فيها: لا إله إلا الله. فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟! فيُقال له: إنك لا تُظْلم شيئًا، ثم تُوزَن البطاقة في كِفَّةٍ والسجلَّاتُ في كِفَّةٍ فترجحُ بِهِنَّ البطاقة، وهي: لا إله إلا الله»[[أخرج الترمذي (٢٦٣٩) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله سيُخلِّص رجلًا من أُمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعةً وتسعين سِجِلًّا كلُّ سِجِلٍّ مثل مدِّ البصر، ثم يقول: أتُنْكر من هذا شيئًا؟ أظَلَمك كَتَبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: أفَلك عُذر؟ فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظُلم عليك اليوم. فتخرج بطاقةٌ فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. فيقول: احضر وَزْنك. فيقول: يا ربِّ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات! فقال: إنك لا تُظلم. قال: فتوضع السجلات في كفةٍ والبطاقة في كفةٍ، فطاشت السجلات وثقُلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».]]. قالوا: فهذا دليلٌ على أن الذي يُوزَن هو صحائف الأعمال. وأمَّا الذين قالوا: إن الذي يُوزَن هو العاملُ نفسُه، فاستدلُّوا بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه «أنَّه كان ذاتَ يومٍ مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهَبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه فجعلت الريحُ تُكَفِّئُه لأنه نحيفُ القدمين والساقين، فجعل الناسُ يضحكون، فقال النبيُّ ﷺ: «مِمَّ تَضْحَكُونَ؟! -أو: مِمَّ تَعْجَبُونَ؟!- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»[[أخرج أحمد (٣٩٩٠) عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان يجتني سواكًا من الأراك، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تكفَؤُه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله ﷺ: «مِمَّ تضحكون؟» قالوا: يا نبيَّ الله، من دِقَّة ساقَيه. فقال: «والذي نفسي بيده، لهما أثقلُ في الميزان من أُحُد».]]. وهذا يدلُّ على أن الذي يُوزَن هو العامل. فيُقال: نأخذ بالقول الأول أن الذي يُوزَن العَمَل، ولكنْ ربما يكون بعضُ الناس تُوزَن صحائف أعماله وبعضُ الناسِ يُوزَن هو بنفسه. فإن قال قائل: على هذا القول؛ أنَّ الذي يُوزَن هو العامل، هلْ ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا وأنَّ صاحب الجسم الكبير العظيم يَثْقل ميزانُه يوم القيامة؟ فالجواب: لا، لا ينبني على أجسام الدنيا؛ يُؤتَى بالرجُلِ السمينِ الغليظِ الكبيرِ الواسعِ الجسمِ يومَ القيامة لا يَزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ، وهذا عبد الله بن مسعودٍ؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ سَاقَيْهِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ»، فالعبرة بثِقَل الجسم أو عدم ثِقَله يوم القيامة بما كان معه من أعمالٍ صالحة؛ يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. * وفي هذه السورة كلها: التحذيرُ والتخويفُ من زلزلة الأرض. * وفيها: الحثُّ على الأعمال الصالحة. * وفيها: أن العمل لا يَضِيع مهما قلَّ، حتى لو كان مثقالَ ذرَّةٍ أو أقلَّ فإنه لا بُدَّ أن يراه الإنسان ويطَّلع عليه يوم القيامة. نسأل الله تعالى أن يَختِم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا مِمَّن يُحشَرون إلى الرحمن وفدًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير.