Lafzullah

Tafsir Makhi — البقرة 2:216 – آل عمران 3:60

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. البقرة 2:216
  2. البقرة 2:217
  3. البقرة 2:218
  4. البقرة 2:219
  5. البقرة 2:220
  6. البقرة 2:221
  7. البقرة 2:222
  8. البقرة 2:223
  9. البقرة 2:224
  10. البقرة 2:225
  11. البقرة 2:226
  12. البقرة 2:227
  13. البقرة 2:228
  14. البقرة 2:229
  15. البقرة 2:230
  16. البقرة 2:231
  17. البقرة 2:232
  18. البقرة 2:233
  19. البقرة 2:234
  20. البقرة 2:235
  21. البقرة 2:236
  22. البقرة 2:237
  23. البقرة 2:238
  24. البقرة 2:239
  25. البقرة 2:240
  26. البقرة 2:241
  27. البقرة 2:242
  28. البقرة 2:243
  29. البقرة 2:244
  30. البقرة 2:245
  31. البقرة 2:246
  32. البقرة 2:247
  33. البقرة 2:248
  34. البقرة 2:249
  35. البقرة 2:250
  36. البقرة 2:251
  37. البقرة 2:252
  38. البقرة 2:253
  39. البقرة 2:254
  40. البقرة 2:255
  41. البقرة 2:256
  42. البقرة 2:257
  43. البقرة 2:258
  44. البقرة 2:259
  45. البقرة 2:260
  46. البقرة 2:261
  47. البقرة 2:262
  48. البقرة 2:263
  49. البقرة 2:264
  50. البقرة 2:265
  51. البقرة 2:266
  52. البقرة 2:267
  53. البقرة 2:268
  54. البقرة 2:269
  55. البقرة 2:270
  56. البقرة 2:271
  57. البقرة 2:272
  58. البقرة 2:273
  59. البقرة 2:274
  60. البقرة 2:275
  61. البقرة 2:276
  62. البقرة 2:277
  63. البقرة 2:278
  64. البقرة 2:279
  65. البقرة 2:280
  66. البقرة 2:281
  67. البقرة 2:282
  68. البقرة 2:283
  69. البقرة 2:284
  70. البقرة 2:285
  71. البقرة 2:286
  72. آل عمران 3:1
  73. آل عمران 3:2
  74. آل عمران 3:3
  75. آل عمران 3:4
  76. آل عمران 3:5
  77. آل عمران 3:6
  78. آل عمران 3:7
  79. آل عمران 3:8
  80. آل عمران 3:9
  81. آل عمران 3:10
  82. آل عمران 3:11
  83. آل عمران 3:12
  84. آل عمران 3:13
  85. آل عمران 3:14
  86. آل عمران 3:15
  87. آل عمران 3:16
  88. آل عمران 3:17
  89. آل عمران 3:18
  90. آل عمران 3:19
  91. آل عمران 3:20
  92. آل عمران 3:21
  93. آل عمران 3:22
  94. آل عمران 3:24
  95. آل عمران 3:25
  96. آل عمران 3:26
  97. آل عمران 3:27
  98. آل عمران 3:28
  99. آل عمران 3:29
  100. آل عمران 3:30
  101. آل عمران 3:31
  102. آل عمران 3:32
  103. آل عمران 3:33
  104. آل عمران 3:34
  105. آل عمران 3:35
  106. آل عمران 3:36
  107. آل عمران 3:37
  108. آل عمران 3:38
  109. آل عمران 3:39
  110. آل عمران 3:40
  111. آل عمران 3:41
  112. آل عمران 3:42
  113. آل عمران 3:43
  114. آل عمران 3:44
  115. آل عمران 3:45
  116. آل عمران 3:46
  117. آل عمران 3:47
  118. آل عمران 3:48
  119. آل عمران 3:49
  120. آل عمران 3:50
  121. آل عمران 3:51
  122. آل عمران 3:52
  123. آل عمران 3:53
  124. آل عمران 3:54
  125. آل عمران 3:55
  126. آل عمران 3:56
  127. آل عمران 3:57
  128. آل عمران 3:58
  129. آل عمران 3:59
  130. آل عمران 3:60

البقرة 2:216

قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾. أكثر العلماء على أن الجهاد فرض يحمله الإمام ومن معه عن الناس، وليس على كل رجل ذلك فرض. * * ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ فرض عليكم، وهو كالصلاة على الموتى ودفنهم، دليله قوله: ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [النساء: ٩٥]. فأخبر أن الكل له الحسنى وهي الجنة، وأن المجاهدين أفضل له. وقال ابن جبير: "هو فرض على جميع المسلمين". وقد قيل: هي ناسخة واجبة لما أمروا به من العفو والصفح بمكة. وقيل: هي منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقيل: هي على الندب لا على الوجوب. وقد قال عطاء: "هي فرض على الصحابة خاصة". وهو قول مطعون فيه. * * قوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾. الكره بضم الكاف ما كان من نفسك، وبالفتح ما أُكْرِهْتَ عليه فيه. وقال معاذ بن مسلم: "الكُره المشقة، والكَره الإجبار". وقيل: هما لغتان: كالضُّعف والضَّعف. وقيل: الكره بالضم الاسم، وبالفتح المصدر. * * قوله: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. معناه: إن كرهتم القتال فهو خير لكم، لأن فيه الظفر والغنيمة والشهادة. * * ﴿وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾. أي إنكم إن تحبوا القعود عن الجهاد فهو شر لكم لأنكم تحرمون الظفر والغنيمة و [الأجر. أو] الشهادة. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ﴾: أي يعلم ما هو خير لكم ممّا هو شر لكم، فلا تكرهوا ما كتب عليكم من جهاد عدوكم فإنكم لا تعلمون.

البقرة 2:217

قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية. قال السدي: "بعث رسول الله ﷺ سرية في سبعة نفر فبينما هم سائرون إذا بنفر من المشركين ببطن نخلة فاقتتلوا، فأسر المسلمون منهم وقتلوا وغنموا، وكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي [عليه السلام. وكان] ذلك في الشهر الحرام فتكلم الناس في القتل في الشهر الحرام. وروي أن النبي ﷺ قال لهم: "ما أمرتكم أَنْ تَقْتُلُوا فِي الْشَهْرِ الْحَرَامِ". فسقط في أيدي القوم [وأخذهم الناس باللائمة]، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ [كَبِيرٌ]﴾" فأخبرهم أنه منكر عظيم. * * ثم قال: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾. أي وصدكم أيها المشركون عن سبيل الله وعن المسجد الحرام، وكفركم بالله تعالى وإخراجكم أهل المسجد الحرام منه. يريد الله النبي ﷺ وأصحابه ذلك كله من فعلكم أكبر عند الله من القتل، أي الشرك الذي أنتم عليه أكبر من القتل في الشهر الحرام. وكذلك قال ابن عباس. وقال الضحاك: "لما قتل عمرو بن الحضرمي في سرية بعثها رسول الله [عليه السلام] إلى بطن نخلة وأمر عليها عبد الله بن جحش، عَيَّرَ المشركون المسلمين بالقتل في الشهر الحرام فأنزل الله الآية فأخبرهم أن ذلك كبير، وأن صد المشركين محمداً ﷺ وأصحابه عن سبيل الله عز وجل وعن المسجد الحرام والكفر بالله تعالى أكبر عند الله سبحانه من القتل الذي أنكروه. والآية عند أكثر العلماء والصحابة منسوخة لأنه تعالى قال: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ أي عظيم فأخبر أنه شيء عظيم منكر في الشهر الحرام وأنه محظور ثم نسخته آية السيف في براءة: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فأبيح ذلك في الحرام وغيره، ونسخه أيضاً قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]. والأشهر الحرم المذكورة في براءة ليست المعلومة، إنما هي أشهر كان فيها عَهْدٌ بينهم وبين النبي [عليه السلام] فأمر بقتلهم حيث وجدوا إذا انسلخت تلك الأشهر وهي أربعة أشهر بعد يوم النحر لمن كان له عهد، ومن لم يكن له عهد فإلى انسلاخ الحرم عهده. وقال عطاء: "الآية محكمة، والقتال محظور في الأشهر الحرم". وروى ابن وهب أن النبي [ﷺ] رد الغنيمة والأسى وودى القتيل.

البقرة 2:218

قوله: ﴿يَرْجُونَ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾. كتبت "رحمت" بالتاء وذلك في سبعة مواضع؛ هذا، وفي الأعراف: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [٥٦]، وفي هود: ﴿رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ﴾ [٧٣]، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [١]، وفي الروم: ﴿إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ﴾ [٥٠]. وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [٣٢]، وفيها ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [٣٢] وما عداها كتبت بالهاء. قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ﴾ الآية. نزلت هذه الآية حين قتلت السرية عمرو بن الحضرمي وأنكر عليهم القتل في الشهر الحرم الحرام، وقال بعض المسلمين في السرية، قد أصابوا وزراً، فأعلم الله أن من هاجر وجاهد فهو يرجو رحمة الله، وأنه غفور لما وقع منهم من القتل في الشهر الحرام ورحيم بهم. وروي أن عبد الله بن جحش وأصحابه قالوا: يا رسول الله، أنطمع أن يكون خروجنا [غزوة نعطى] فيها أجر المجاهد، فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾، الآية.

البقرة 2:219

قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم والكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ﴿وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله: "ومنافع" ولم يقرأ "ومنفعة". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع. ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ بالباء، أي أعظم. وقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقول العرب: "إِثْمٌ صَغِيرٌ"، يدل على جواز "كبير" وحُسْنِه وترك استعمالهم "لإثم قليل"، يدل على بعد "كثير". وإجماع المسلمين على قولهم: "صغائر وكبائر"، يدل على حسن "كبير". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر. والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: "دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ" أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: "خَامِرِي أُمِّ عَامِر"، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقولهم: "اخْتَمَرَ الْعَجِينُ"، أي غطى فطورته الاختمار. والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها. وقال مجاهد: "كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز". وقال عطاء: "حتى لعب الصبيان بالكعاب". وقال القاسم: "كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر". قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله". وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة. وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل شيء جزرته فقد يسرته والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور. ويقال للضارب بالقداح "يَسَرٌ وأَيْسَارٌ". وقيل: إن "يَسْراً" جمع "لِيَاسِرٍ"، ثم يجمع "يَسَرٌ" على "أَيْسَارٍ" وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال: "﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾". والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: "الأغفال والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء. * * وقوله: ﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾. هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور. * * ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت". فهذا يدل على أنها منسوخة بما في "المائدة". وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "اللهم بيّن لنا في الخمر"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ﴾ الآية، فقرئت عليه، فقال: [اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾ الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا". فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي واكتساب الإثم. فهذا نص ظاهر في التحريم مع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر. وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به الرأس. * * قوله: ﴿قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾. أي تتصدق بما فضل عن أهلك. قال السدي: "كانوا يعملون كل يوم بما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه". وقال ابن عباس: "العفو ما لا يتبين خروجه من المال". وقال طاوس: "العفو اليسير من كل شيء". وقال اليزيدي: العفو هو ما أطقته من غير أن تجهد فيه نفسك". وقيل: ما فضل عن أهلك. وروي أن هذه الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ نزلت في رجل أتى إلى النبي [ﷺ] فقال: "إن لي ديناراً"، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال: إن لي دينارين. فقال: أَنْفِقْهُمَا عَلَى أَهْلِكَ، فقال: إن لي ثلاثة، قال أَنْفِقْهَا عَلَى خَادِمِكَ. [قال: إن] لي أربعة، قال: أَنْفِقْهَا عَلَى وَالِدَيْكَ، قال: إن لي خمسة. قال: أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ قال: إن لي ستة. قال أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ يريد لي الدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين ، وثلاثة غير الثلاثة، وكذلك ما بعده. وقيل: العفو ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً. قاله عطاء والحسن وقال مجاهد: "العفو الصدقة عن ظهر غنى". وروي عن ابن عباس في حد العفو: "أمر النبي ﷺ [أن يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير. وقال الربيع: "العفو ما طاب من المال". وقال قتادة: "العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله". قال ابن عباس: "هي منسوخة بالزكاة". وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة. وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض. قوله ﴿كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾. معناه: مثل ما بين لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية منهما. وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: "يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة"، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون. * * قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾. كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ذلك، فذكروا ذلك للنبي [عليه السلام]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قاله ابن عباس وغيره. وقيل: إنه لما نزل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾. أي يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين. * * قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾. أي: لحرم عليكم مخالطتهم فتتبعون، ويشق ذلك عليكم. وقيل: معناه: لأَوْبقَكُمْ فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم. قال أبو إسحاق: "معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون". وأصله من: "عَنِتَ البَعِيرُ" إذا حدث في رجله كسر بعد جبر. * * قوله: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره.

البقرة 2:220

قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾. من قرأ بالثاء فقراءته مختارة، لأن الكثرة تشتمل على العظم والكبر، والكبر والعظم لا يشتمل على الكثرة فبالثاء أعم وأولى. وكل ما كثر فقد عظم وليس كل ما عظم بكثير، فوصف الإثم بالكثرة أبلغ من وصفه بالعظم، وقد قال تعالى: ﴿وَٱدْعُواْ ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] وأيضاً فإن الإثم الأول بمعنى الآثام لقوله: "ومنافع" ولم يقرأ "ومنفعة". والآثام فبالكثرة توصف أولى من العِظم. وأما الثاني فهو إجماع بالباء لأنه يراد به التوحيد لا الجمع. ومن قرأ بالباء فحجته إجماعهم على ﴿أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ بالباء، أي أعظم. وقوله: ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢]، وقول العرب: "إِثْمٌ صَغِيرٌ"، يدل على جواز "كبير" وحُسْنِه وترك استعمالهم "لإثم قليل"، يدل على بعد "كثير". وإجماع المسلمين على قولهم: "صغائر وكبائر"، يدل على حسن "كبير". ونزلت الآية جواباً لمن سأل النبي [عليه السلام] عن الخمر والميسر. والخمر: ما خامر العقل أي ستره، فكل شراب ستر العقل وأحاله فهو خمر، يقال: "دخل فِي خِمَارِ النَّاسِ" أي هو مستتر في الناس، ويقال للضبع: "خَامِرِي أُمِّ عَامِر"، أي استتري. وخمار المرأة قناعها لأنه يسترها. وقولهم: "اخْتَمَرَ الْعَجِينُ"، أي غطى فطورته الاختمار. والميسر القمار سمي بذلك لما كانوا ييسرون من الجزور وغيرها للقمار عليها. وقال مجاهد: "كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز". وقال عطاء: "حتى لعب الصبيان بالكعاب". وقال القاسم: "كل ما أنهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر". قال ابن عباس: "كان الرجل في الجاهلية يخاطر عن أهله وماله، فأيهما قامر صاحبه ذهب بأهل الآخر وماله". وأشعار العرب: تدل على أن الميسر كان قماراً بينهم في الجزور خاصة. وقيل: سمي ميسراً لأنهم كانوا يجزرون الجزور. وكل شيء جزرته فقد يسرته والياسر الجازر. فقيل للضاربين بالقداح: ياسرون، لأنه سبب لتجزئة الجزور. ويقال للضارب بالقداح "يَسَرٌ وأَيْسَارٌ". وقيل: إن "يَسْراً" جمع "لِيَاسِرٍ"، ثم يجمع "يَسَرٌ" على "أَيْسَارٍ" وكانت العرب أهل المقدرة منهم يقامرون على الإبل في الشدائد، ويجعلون لحومها للفقراء منهم لتعدل أحوال الناس، ولذلك قال: "﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾". والقداح التي كانوا يقامرون بها عشرة: منها سبعة ذوات خطوط، على كل واحد علامة يعرف بها، وهي: الفذ، والتوأم، والرقيب، والحلس، والنافس، والمسبل، والمعلى. ومنها ثلاثة لا خطوط فيها، يقال لها: "الأغفال والغفل من الدواب الذي لا سمة له؛ وهي: السفيح والمنيح، والوغد وليس لها سهام. والسبعة الأول للفذ منها نصيب، وللتوأم نصيبان، وللرقيب ثلاثة، وللحلس أربعة، وللنافس خمسة، وللمسبل ستة، وللمعلى سبعة، وعلى كل واحد من العلامة على قدر ما له من الأنصباء. * * وقوله: ﴿وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾. هي أثمانها وما كانوا يصيبون من الجزور. * * ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾. أي الإثم فيهما بعد التحريم أكبر من النفع قبل التحريم. قال سعيد بن جبير: "لما نزلت: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع وهو الفرح الذي فيها حتى نزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتركوها عند الصلاة حتى نزلت ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فحرمت". فهذا يدل على أنها منسوخة بما في "المائدة". وروي أن عمر رضي الله عنه كان يقول: "اللهم بيّن لنا في الخمر"، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ﴾ الآية، فقرئت عليه، فقال: [اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فإنها تذهب العقل والمال]، فنزلت ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت: ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾ الآية التي في المائدة فقال عمر: انتهينا، انتهينا". فالخمر محرمة بنص القرآن لأن الله جل ذكره أخبرنا في هذه السورة أن فيها إثماً كبيراً، وحرم تعالى اكتساب الإثم بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] أي واكتساب الإثم. فهذا نص ظاهر في التحريم مع قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. فهذا تهدد ووعيد؛ وذلك لا يكون إلا في المحرمات مع قوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، فتحريم المسكر منصوص بَيِّنٌ في كتاب الله [جل وعز]، وكل ما أسكر فهو خمر، لأن كل مسكر يخامر العقل، وكل ما خامر العقل فهو خمر وهو مسكر. وإنما سميت الخمر خمراً لأنها تخامر العقل، أي تخالطه. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر، أي تغطي من الخمار الذي تغطى به. وقيل: سميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي تستره من الخمار الذي يغطى به الرأس. * * قوله: ﴿قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾. أي تتصدق بما فضل عن أهلك. قال السدي: "كانوا يعملون كل يوم بما فيه، فإن فضل في ذلك اليوم فضْلٌ عن العيال قدموه". وقال ابن عباس: "العفو ما لا يتبين خروجه من المال". وقال طاوس: "العفو اليسير من كل شيء". وقال اليزيدي: العفو هو ما أطقته من غير أن تجهد فيه نفسك". وقيل: ما فضل عن أهلك. وروي أن هذه الآية ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ نزلت في رجل أتى إلى النبي [ﷺ] فقال: "إن لي ديناراً"، فقال: أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ. فقال: إن لي دينارين. فقال: أَنْفِقْهُمَا عَلَى أَهْلِكَ، فقال: إن لي ثلاثة، قال أَنْفِقْهَا عَلَى خَادِمِكَ. [قال: إن] لي أربعة، قال: أَنْفِقْهَا عَلَى وَالِدَيْكَ، قال: إن لي خمسة. قال: أَنْفِقْهَا عَلَى قَرَابَتِكَ قال: إن لي ستة. قال أَنْفِقْهَا فِي سَبِيلِ اللهِ يريد لي الدينار غير الدينار، ولي اثنان غير الاثنين ، وثلاثة غير الثلاثة، وكذلك ما بعده. وقيل: العفو ما لا يكون إسرافاً ولا إقتاراً. قاله عطاء والحسن وقال مجاهد: "العفو الصدقة عن ظهر غنى". وروي عن ابن عباس في حد العفو: "أمر النبي ﷺ [أن يأخذ] ما أتوا به من قليل أو كثير. وقال الربيع: "العفو ما طاب من المال". وقال قتادة: "العفو أفضل المال، وأطيبه أفضله". قال ابن عباس: "هي منسوخة بالزكاة". وقيل: إنما هي الزكاة، وليست منسوخة. وقيل: إنما في التطوع، سألوا عنه فأجيبوا، فهي محكمة وليست بغرض. قوله ﴿كَذٰلِكَ يُبيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾. معناه: مثل ما بين لكم الخمر والميسر وما فيهما يبين لكم الآيات لعلكم تتفكرون في نفاذ الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة ونعيمها فتعملون للباقية منهما. وقيل: معناه: لعلكم تتفكرون في فضل ما بينهما. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: "يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة"، أي في أمرهما لعلكم تتفكرون. * * قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾. كان سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠]، انطلق من كان معه يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فكان يفضل الشيء من طعام اليتيم فيحبس له حتى يفسد فاشتد عليهم ذلك، فذكروا ذلك للنبي [عليه السلام]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. قاله ابن عباس وغيره. وقيل: إنه لما نزل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، اجتنب الناس مخالطتهم فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخالطوهم. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ﴾. أي يعلم حين تخلط مالك بماله، أتريد بذلك إصلاح ماله أو إفساده يريد الجنسين. * * قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾. أي: لحرم عليكم مخالطتهم فتتبعون، ويشق ذلك عليكم. وقيل: معناه: لأَوْبقَكُمْ فأهلككم بما قد أصبتم من أموالهم. قال أبو إسحاق: "معناه: لكلفكم ما يشتد عليكم، فتعنتون". وأصله من: "عَنِتَ البَعِيرُ" إذا حدث في رجله كسر بعد جبر. * * قوله: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: عزيز في سلطانه، حكيم في فعله وأحكامه وتدبيره.

البقرة 2:221

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾. قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب". وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان. وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن". وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف. وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما. وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه. وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه. وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء. وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث. وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير. وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك. وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها. ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك. وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾. أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده. وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل. * * قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾. كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار. وقيل: معنى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ طهراً غير حيض. ومعنى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال السدي: "قل يا محمد: قل هو قذر "، وكذلك قال قتادة. وقال مجاهد: "﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل هو دم". والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائض في بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود عند نزولها: "ما يدع محمد شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه". فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قول عائشة وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول الشافعي الصحيح. ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال عكرمة والشعبي: "لا بأس بإتيانها دون الفرج" [يريدان الفخذ]. وقال الثوري: "لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم". فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: "يتصدق بدينار أو بنصف". وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدَّق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره. وقال الأوزاعي: "إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينار". وقال سعيد بن جبير: "عليه عتق رقبة". وقال الحسن: "عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان". وجماعة الفقهاء التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ. قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد والثوري. وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: "لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدم، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله". وهو قول سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: "إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء". وهو معنى قراءة من قرأ: "حتى يَطْهُرْنَ" مخففاً، أي ينقطع عنهن الدم. وفي مصحف أبي وابن مسعود: "حتى يتطهرن" بالتاء أي بالماء ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن. هذا قول الجماعة. وقال مجاهد وطاوس: "إذا تطهرن للصلاة". فليس يجب للقارئ أن يقف على "يطهرن" في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، فالوقف عليه حسن لأن معناه: "يتطهرن بالماء" وقربها بعد التطهر بالماء إجماع. * * قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج. وقال مجاهد: "﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ أمروا أن يأتوهن من حيث نهوا عنه". يعني يأتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يعتزلوه في الحيض وهو الفرج. فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في الفرج دون غيره. وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن. وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم به، وحل لكم لا من قبل الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم. * * قوله: ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ﴾. أي الراجعين عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو ظاهر اللفظ، وعليه أكثر أهل التأويل. وقال مجاهد: "﴿وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾: أي الذين لا يأتون النساء في أدبارهن". وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودوا بعد التوبة. و ﴿ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر. وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع. ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء. وأتى "بالمتطهرين" بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب المذكر. * * وقوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي مقبلة ومدبرة في الفرج. ومعنى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾. أي هُنَّ مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: "نساؤكم موضع حرث لكم". وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر. [وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾: هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته". وروي عن ابن عباس أنه قال: "كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: [لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية وأصح الوجوه في العربية أن يكون ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ بمعنى من أي وجه شئتم. قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضعيف. وإنما ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبار كثيرة، وأضيف جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في القول والعمل بمنه. وقد قال مسروق: "قلت لعائشة رضي الله عنها: "ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً فقالت: كل شيء إلا الجماع". ويدل على منعه قوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون إلا من جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرث الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر. وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: "سألت مالك بن أنس فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ الله، أليس أنتم [قوماً عرباً]. فقلت: بلى. فقال: قال الله عز وجل: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهل يكون الحرث إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت". وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكاً، فقلت: "يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟. أتسمعون الله يقول: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ قائمة فقاعدة وعلى جنبها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: "يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي". قال أبو أحمد مكي: "[وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه". وروى الدارقطني أيضاً عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت مالكاً، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: "كذبوا علي، عافاك الله". وقد روى في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: "أنى شئتم من قبل الفرج". وقاله ابن جبير ومجاهد. وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: "يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأتَهُ مُقْبلَةً وَمُدْبرَةً إذَا كَانَ ذَلكَ فِي الْفَرْجِ وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن النبي [عليه السلام] قال: "إنّ الله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ، فَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ وقال أبي بن كعب: "من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من المتطهرين". وقال ابن مسعود: "محاش النساء عليكم حرام". وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: "الذي يطأ امرأته في دبرها هو أعظم الفواحش". * * قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فكيف يبيح الفاحشة؟ وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد. وفي قول الله تعالى لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥-١٦٦] دلالة على أن المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يراد به الفرج، لأن "ما" بمعنى "الذي". "والذي" لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: "من خلق لكم"، لكان المراد النساء لأن "من" لمن يعقل فلما جاءت "ما" وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاصة خلق للأزواج وهو الفرج. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ "معناه: من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن". وقد كثرت الروايات عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك. * * وقوله: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن عباس: "اذكروا الله عند الجماع". وقيل: معناه طلب الولد. وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة. وفعل الخير هو المفعول الثاني "لقدموا". فهو مردود على ما قبله من قوله، ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية.

البقرة 2:222

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾. قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب". وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان. وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن". وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف. وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما. وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه. وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه. وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء. وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث. وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير. وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك. وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها. ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك. وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾. أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده. وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل. * * قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾. كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار. وقيل: معنى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ طهراً غير حيض. ومعنى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال السدي: "قل يا محمد: قل هو قذر "، وكذلك قال قتادة. وقال مجاهد: "﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل هو دم". والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائض في بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود عند نزولها: "ما يدع محمد شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه". فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قول عائشة وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول الشافعي الصحيح. ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال عكرمة والشعبي: "لا بأس بإتيانها دون الفرج" [يريدان الفخذ]. وقال الثوري: "لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم". فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: "يتصدق بدينار أو بنصف". وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدَّق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره. وقال الأوزاعي: "إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينار". وقال سعيد بن جبير: "عليه عتق رقبة". وقال الحسن: "عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان". وجماعة الفقهاء التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ. قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد والثوري. وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: "لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدم، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله". وهو قول سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: "إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء". وهو معنى قراءة من قرأ: "حتى يَطْهُرْنَ" مخففاً، أي ينقطع عنهن الدم. وفي مصحف أبي وابن مسعود: "حتى يتطهرن" بالتاء أي بالماء ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن. هذا قول الجماعة. وقال مجاهد وطاوس: "إذا تطهرن للصلاة". فليس يجب للقارئ أن يقف على "يطهرن" في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، فالوقف عليه حسن لأن معناه: "يتطهرن بالماء" وقربها بعد التطهر بالماء إجماع. * * قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج. وقال مجاهد: "﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ أمروا أن يأتوهن من حيث نهوا عنه". يعني يأتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يعتزلوه في الحيض وهو الفرج. فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في الفرج دون غيره. وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن. وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم به، وحل لكم لا من قبل الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم. * * قوله: ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ﴾. أي الراجعين عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو ظاهر اللفظ، وعليه أكثر أهل التأويل. وقال مجاهد: "﴿وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾: أي الذين لا يأتون النساء في أدبارهن". وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودوا بعد التوبة. و ﴿ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر. وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع. ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء. وأتى "بالمتطهرين" بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب المذكر. * * وقوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي مقبلة ومدبرة في الفرج. ومعنى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾. أي هُنَّ مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: "نساؤكم موضع حرث لكم". وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر. [وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾: هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته". وروي عن ابن عباس أنه قال: "كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: [لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية وأصح الوجوه في العربية أن يكون ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ بمعنى من أي وجه شئتم. قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضعيف. وإنما ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبار كثيرة، وأضيف جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في القول والعمل بمنه. وقد قال مسروق: "قلت لعائشة رضي الله عنها: "ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً فقالت: كل شيء إلا الجماع". ويدل على منعه قوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون إلا من جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرث الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر. وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: "سألت مالك بن أنس فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ الله، أليس أنتم [قوماً عرباً]. فقلت: بلى. فقال: قال الله عز وجل: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهل يكون الحرث إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت". وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكاً، فقلت: "يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟. أتسمعون الله يقول: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ قائمة فقاعدة وعلى جنبها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: "يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي". قال أبو أحمد مكي: "[وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه". وروى الدارقطني أيضاً عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت مالكاً، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: "كذبوا علي، عافاك الله". وقد روى في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: "أنى شئتم من قبل الفرج". وقاله ابن جبير ومجاهد. وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: "يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأتَهُ مُقْبلَةً وَمُدْبرَةً إذَا كَانَ ذَلكَ فِي الْفَرْجِ وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن النبي [عليه السلام] قال: "إنّ الله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ، فَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ وقال أبي بن كعب: "من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من المتطهرين". وقال ابن مسعود: "محاش النساء عليكم حرام". وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: "الذي يطأ امرأته في دبرها هو أعظم الفواحش". * * قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فكيف يبيح الفاحشة؟ وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد. وفي قول الله تعالى لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥-١٦٦] دلالة على أن المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يراد به الفرج، لأن "ما" بمعنى "الذي". "والذي" لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: "من خلق لكم"، لكان المراد النساء لأن "من" لمن يعقل فلما جاءت "ما" وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاصة خلق للأزواج وهو الفرج. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ "معناه: من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن". وقد كثرت الروايات عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك. * * وقوله: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن عباس: "اذكروا الله عند الجماع". وقيل: معناه طلب الولد. وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة. وفعل الخير هو المفعول الثاني "لقدموا". فهو مردود على ما قبله من قوله، ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية.

البقرة 2:223

قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾. قال ابن عباس: "عَمَّ تحريمُ كل مشركة ثم استثنى منهن أهل الكتاب بقوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]. وقال عكرمة والحسن: "نسخ من ذلك نساء أهل الكتاب". وكذلك قال مالك: "هي منسوخة"، وهو قول سفيان. وقال ابن جبير: "الآية عامة محكمة مخصومة في مشركات العرب، لم يعن بها غيرهن". وقد قيل: هي ناسخة للتي في النساء والمائدة روي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وعن عمر رضي الله عنه. والإجماع على خلاف ذلك، وطرق الأسانيد عنهم فيها ضعف. وروي أن عمر فرق بين طلحة بن عبيد الله ويهودية، وبين حذيفة بن اليمان ونصرانية، وأراد أن يبطش بهما على نكاحهما. وقال ابن عمر: "حرم الله المشركات في كتابه على المؤمنين، ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة: ربها عيسى". وقد سمى الله اليهود والنصارى مشركين في كتابه في "براءة" وغيرها؛ قال: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. فهذا هو الشرك بعينه. وأكثر الصحابة والفقهاء على جواز نكاح الكتابيات وهو نص القرآن، ولم يختلف الفقهاء في منع نكاح المسلم إماء أهل الكتاب إلا أبا حنيفة فإنه أجازه. وأصل النكاح في اللغة الوطء. تقول العرب: "أَنْكَحْتُ الأَرْضَ الْبُرَّ" إذا بذرته فيها، ومن هاهنا ثبت أن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يراد به الوطء دون العقد، وبذلك أتت السنة، وقد كثر حتى استعمل اسماً للعقد إذ هو سبب الوطء. وجاز أن تقول: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾، والمشرك لا خير فيه، كما تقول العرب: "الآباء أحق بالميراث من الخال"، ولا حق للخال في الميراث. وحكى نفطويه في كتاب "التوبة" له أن العرب تأتي بأفعل على ضربين: أحدهما تفضيل أحدهما على الآخر وفي الآخر فضل. والثاني أن يكون إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ [الفرقان: ٢٤] فهو نفي عن أن يكون في النار خير. وقيل: المعنى: وَلإِنْكَاحُ عبد مؤمن خير من إنكاح حر مشرك. وهذه الآية نزلت في رجل نكح أمة فعذل عن ذلك وكان الذين [عذلوه يريدون] تزويج نساء أهل الشرك لحسبهن ومالهن وجمالهن، فأخبر الله تعالى أن "أمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم"، أي ولو أعجبكم حسنها وحسبها. ثم أخبرنا بمنع نكاح المشرك المسلمة من أهل الكتاب كان أو من غيرهم، فأعلمنا أن عبداً مؤمناً خير من مشرك. وبهذا يحتج من جعل الأول عاماً في الكتابية وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾. أي يعملون بأعمالهم. ﴿وَٱللَّهُ يَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلْجَنَّةِ وَٱلْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾. أي بإعلامه الطريق [التي بها يتوصل] إلى الجنة والمغفرة كل من عنده. وروي أن هذه الآية نزلت في كناز بن الحصين [الغنوي أبي] مرثد بعثه رسول الله [ﷺ] إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه أسر، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية، يقال لها: عناق. فقال لها: إن الإسلام قد حرم ما كان في الجاهلية. فقالت له: تزوجني. فقال: لا، حتى آتي رسول الله فسأله. فلما قدم بالأسير إلى رسول الله ﷺ سأله هل يحل له تزويج تلك المرأة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ﴾ الآية، فهي في غير أهل الكتاب مخصوصة على هذا التأويل. * * قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ﴾. كان أصحاب النبي [عليه السلام] في بدء الإسلام لا يساكنون النساء في المحيض ولا يواكلونهن، فسألوا النبي [عليه السلام] عن ذلك، فعرفهم الله تعالى في الآية أن [الذي يجتنب] من الحائض هو جماعها حتى تطهر، وأن ما سواء ذلك حلال. * * ثم قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: في الفرج خاصة. فهذا يدل على منع إتيانهن في الأدبار. وقيل: معنى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ طهراً غير حيض. ومعنى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾. قال السدي: "قل يا محمد: قل هو قذر "، وكذلك قال قتادة. وقال مجاهد: "﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل هو دم". والآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من شريعتهم لأنهم كانوا لا يجتمعون مع الحائض في بيت ولا يواكلونها، فنسخت الآية ذلك. فقالت اليهود عند نزولها: "ما يدع محمد شيئاً من أمرنا إلا خالفنا فيه". فللرجل أن يستمتع [من الحائض] بما دون الفرج غير الدبر. وهو قول عائشة وأم سلمة وابن عباس والحسن وعطاء والشعبي والنخعي والثوري وغيرهم. وهو قول الشافعي الصحيح. ويروى عن ميمونة وسعيد بن المسيب أنها تعتزل فيما بين السرة والركبة، ويستمتع بها فيما دون ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة. وقال عكرمة والشعبي: "لا بأس بإتيانها دون الفرج" [يريدان الفخذ]. وقال الثوري: "لا بأس أن يباشرها إذا اتقى موضع الدم". فإن أتاها وهي حائض؛ فقال ابن عباس: "يتصدق بدينار أو بنصف". وقيل: إن كان في فور الدم وقوته يتصدَّق بدينار، وإن كان في آخره وضعفه تصدق بنصف. قاله النخعي وغيره. وقال الأوزاعي: "إن كان وطئها في الدم تصدق بدينار، وإن وطئها بعد انقطاع الدم وقبل الطهر بالماء، تصدق بنصف دينار". وقال سعيد بن جبير: "عليه عتق رقبة". وقال الحسن: "عليه مثل الذي على من وطئ في رمضان". وجماعة الفقهاء التابعين يقولون: لا شيء عليه ويستغفر الله من ذلك ولا يعد، وقد أخطأ. قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة. وهو قول الشعبي والزهري وربيعة وأبي الزناد والليث بن سعد والثوري. وقال مالك والشافعي وابن حنبل وغيرهم: "لا يطأها حتى تغتسل بالماء، فإن فعل قبل ذلك، وقد انقطع الدم، لم يكن عليه شيء، وقد أخطأ ويستغفر الله". وهو قول سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار والزهري وربيعة والثوري. وقال عطاء وطاوس ومجاهد: "إذا احتاج إلى وطئها قبل أن تغتسل، أمرها أن تتوضأ، ثم أصاب منها ما شاء". وهو معنى قراءة من قرأ: "حتى يَطْهُرْنَ" مخففاً، أي ينقطع عنهن الدم. وفي مصحف أبي وابن مسعود: "حتى يتطهرن" بالتاء أي بالماء ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي اغتسلن. هذا قول الجماعة. وقال مجاهد وطاوس: "إذا تطهرن للصلاة". فليس يجب للقارئ أن يقف على "يطهرن" في قراءة من خففه لئلا يبيح وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم ولم تتطهر بالماء. فأما من قرأه بالتشديد، فالوقف عليه حسن لأن معناه: "يتطهرن بالماء" وقربها بعد التطهر بالماء إجماع. * * قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي: من الوجه الذي نهيتهم عنه وهو الفرج. وقال مجاهد: "﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ أمروا أن يأتوهن من حيث نهوا عنه". يعني يأتونهن بعد التطهر في الموضع الذي أمروا أن يعتزلوه في الحيض وهو الفرج. فهذا نص من الله على إتيان النساء في طهورهن في الفرج دون غيره. وقيل: معناه: من قبل طهرهن، لا من قبل حيضهن. وقيل: معناه إيتوهن من قبل النكاح الذي أمرتم به، وحل لكم لا من قبل الزنا الذي نهيتم عنه، وحرم عليكم. * * قوله: ﴿يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ﴾. أي الراجعين عن الذنوب، والمتطهرين بالماء للصلاة. وهو ظاهر اللفظ، وعليه أكثر أهل التأويل. وقال مجاهد: "﴿وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾: أي الذين لا يأتون النساء في أدبارهن". وقيل: معناه: ويحب المتطهرين من الذنوب أن يعودوا بعد التوبة. و ﴿ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ يعني به النساء والرجال، غلب المذكر على المؤنث، ولم يقل المتطهرات، لأنه يخص النساء خاصة إذ لا يغلب المؤنث على المذكر. وقيل: عني بالمتطهرين اللواتي يتطهرن من الحيضة بالماء، وهذا يدل على أن الحائض لا توطأ إلا بعد التطهر بالماء لأن من وطئها قبل التطهر بالماء، فقد وطئ من لا يحبه الله، وذلك ممنوع. ومن وطئ بعد التطهر بالماء، فقد وطئ من يحب الله. وذلك حسن لأن الله إنما أحبهن على فعلهن وهو التطهر بالماء، ولم يحبهن على غير فعلهن، وهو انقطاع دم الحيض، فشكر الله لهن تطهرهن بالماء. وأتى "بالمتطهرين" بلفظ التذكير لأنه يكون من الرجال والنساء، فغلب المذكر. * * وقوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي مقبلة ومدبرة في الفرج. ومعنى: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾. أي هُنَّ مزدرع للولد، بمنزلة الأرض هي مزدرع للحب فتقديره: "نساؤكم موضع حرث لكم". وأكثر أهل التفسير على أن الآية نزلت لما كان اليهود يجتنبون، وذلك أنهم يقولون، من أتى امرأته في فرجها من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾. أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في الفرج. ورواه مالك عن ابن المنكدر عن جابر. [وروى] ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال في قوله: ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾: هو العزل، إن شئت عزلتم وإن شئت لم تعزل، وإن شئت سقيته، وإن شئت أظميته". وروي عن ابن عباس أنه قال: "كانت قريش تتلذذ بالنساء مقبلات ومدبرات في الفرج، فلما قدموا المدينة تزوجوا من الأنصار، فامتنعن عليهم من ذلك، وقلن: [لا نعرف] هذا، فبلغ ذلك النبي [عليه السلام]. فأنزل الله الآية وأصح الوجوه في العربية أن يكون ﴿أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ بمعنى من أي وجه شئتم. قال أبو محمد مكي: يجب لأهل المروءة والدين والفضل ألا يتعلقوا في جواز إتيان النساء في أدبارهن بشيء من الروايات، فكلها مطعون فيه ضعيف. وإنما ذكرناها لأن غيرنا من أهل العلم ذكرها، وواجب على أهل الدين أن ينزهوا أنفسهم عن فعل ذلك، ويأخذوا في دينهم بالأحوط فإني أخاف من العقوبة على فعله، ولا أخاف من العقوبة على تركه، وقد روي في ذلك أخبار كثيرة، وأضيف جوازه إلى مالك وروي عنه وليس ذلك بخبر صحيح ولا مختار عند أهل الدين والفضل. وقد أضر بنا عما روي فيه لئلا يتعلق به متعلق، وأسقطنا ذكر ما روي فيه من كتابنا لئلا يستن به جاهل أو يميل إليه غافل وأسأل الله التوفيق في القول والعمل بمنه. وقد قال مسروق: "قلت لعائشة رضي الله عنها: "ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً فقالت: كل شيء إلا الجماع". ويدل على منعه قوله: ﴿فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ والحرث للولد يكون لأنه كالبذر للزرع، والولد لا يكون إلا من جهة الفرج والإباحة إنما هي في الفرج لا غير، لذكره الحرث الذي به يكون الولد. فهذا نص ظاهر. وقد روى يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب أنه قال: "سألت مالك بن أنس فقلت: إنهم قد ذكروا عنك أنك ترى إتيان النساء في أدبارهن. فقال: معاذ الله، أليس أنتم [قوماً عرباً]. فقلت: بلى. فقال: قال الله عز وجل: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾، وهل يكون الحرث إلا في موضع الزرع أو في موضع المنبت". وكذلك روى الدارقطني عن رجاله عن إسرائيل بن روح أنه قال: سألت مالكاً، فقلت: "يا أبا عبد الله ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: أما أنتم قوم عرب؟ هل يكون الحرث إلا في موضع الزرع؟. أتسمعون الله يقول: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ﴾ قائمة فقاعدة وعلى جنبها لا تتعدى الفرج. قلت يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول بذلك، فقال: "يكذبون علي، يكذبون علي، يكذبون علي". قال أبو أحمد مكي: "[وهذا] الأشبه بورع مالك، وتحفظه بدينه". وروى الدارقطني أيضاً عن رجاله عن محمد بن عثمان أنه قال: حضرت مالكاً، وعلي بن زياد يسأله، فقال: عندنا يا أبا عبد الله قوم بمصر يتحدثون عنك أنك تجيز الوطء في الدبر. فقال مالك: "كذبوا علي، عافاك الله". وقد روى في منعه آثار كثيرة؛ فمنه ما روي عن عكرمة أنه قال: "أنى شئتم من قبل الفرج". وقاله ابن جبير ومجاهد. وعن ابن عباس أن النبي عليه السلام قال في حديث له طويل: "يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأتَهُ مُقْبلَةً وَمُدْبرَةً إذَا كَانَ ذَلكَ فِي الْفَرْجِ وروى عمارة بن خزامة بن ثابت عن أبيه أن النبي [عليه السلام] قال: "إنّ الله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ، فَلاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ وقال أبي بن كعب: "من أتى امرأته في دبرها فليس من التوابين ولا من المتطهرين". وقال ابن مسعود: "محاش النساء عليكم حرام". وروى عبد الله بن أبي الدرداء عن أبيه أنه قال: "الذي يطأ امرأته في دبرها هو أعظم الفواحش". * * قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾. يدل على منع الإتيان في الدبر لأن الله لا يأمر بالفحشاء وقد سمى الله الإتيان في الدبر فاحشة بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: ٨٠]، فكيف يبيح الفاحشة؟ وإنما معناه في الفرج الذي أبيح لطلب الولد. وفي قول الله تعالى لقوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٥-١٦٦] دلالة على أن المباح الإتيان في الفرج دون الدبر وفي الآية دليل على منع الإتيان في الدبر من الرجال والنساء لأن قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ يراد به الفرج، لأن "ما" بمعنى "الذي". "والذي" لا يقع إلا على معهود مشار إليه، وهو الفرج الذي خلقه في النساء. ولو قال: "من خلق لكم"، لكان المراد النساء لأن "من" لمن يعقل فلما جاءت "ما" وهي تقع لما لا يعقل علم أنه شيء في: النساء خاصة خلق للأزواج وهو الفرج. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾ "معناه: من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن". وقد كثرت الروايات عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك. * * وقوله: ﴿وَقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُمْ﴾. قال ابن عباس: "اذكروا الله عند الجماع". وقيل: معناه طلب الولد. وقيل: معناه أنهم أمروا بتقديم الأعمال الصالحة. وفعل الخير هو المفعول الثاني "لقدموا". فهو مردود على ما قبله من قوله، ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] الآية.

البقرة 2:224

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾. معناه: أن يقول الرجل إذا سئل في خير أو صلاح: عَليَّ يمين أن لا أفعل. فيجعل اليمين علة لترك فعل الخير. فأمرهم الله بأن يبروا أيمانهم ويتقوه في فعل الخير ويصلحوا بين الناس، قاله طاوس وغيره. وقال ابن عباس: "هو الرجل يحلف ألا يكلم قرابته، ولا يتصدق عليهم، أو يكون بينه وبين رجل مغاضبة فيحلف ألا يصلح بينه وبين خصمه، فأمر أن يُكفِّر ويفعل ما حلف عليه". وقال الضحاك: "هو الرجل يُحَرِّمُ ما أحل الله له على نفسه ويحلف، فأمره الله أن يُكفِّر ويأتي الحلال". وقال السدي: "﴿عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾: هو أن يعرض بينك وبين الرجل أمر فتحلف ألا تكلمه ولا تصله". وقال مالك: "بلغني أنه يحلف بالله في كل شيء. قال ابن عباس: "معناه لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن لا تصنعوا الخير، ولكن كفِّروا أيمانكم واصنعوا الخير". * * وقوله: ﴿أَن تَبَرُّواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يبر رحمه. * * ثم قال: ﴿وَتُصْلِحُواْ﴾ هو الرجل يحلف ألا يصلح بين اثنين إذا عصياه، غضباً عليهما في مخالفته، فأمر أن يكفر ويأتي ما حلف عليه. وجامع القول في هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: "هو الرجل يحلف على شيء من الخير والبر ألا يفعله، فأمر أن يفعل ويكفّر". وقالت عائشة رضي الله عنها: "لا تحلفوا بالله وإن بررتم". وقال ابن جريج: "نزلت الآية في أمر أبي بكر حيث حلف ألا يتصدق على مسطح ولا يعطيه شيئاً". والعرضة في كلام العرب القوة والشدة؛ يقال: "هذا الأمر عرضة لك" أي قوة لك على أسبابك. فمعناه على هذا: لا تجعلوا يمينكم قوة لكم في ترك فعل الخير. وقال السدي: "نزلت هذه الآية قبل نزول الكفارات". وقال غيره: "نزلت بعد نزولها".

البقرة 2:225

قوله: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾. قال ابن عباس: "هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: "لا والله، بلى والله". وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها. وقال مجاهد: "هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو". وقال أبو هريرة: "لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو بيقين منه، ثم يظهر له خلاف ظنه". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين المعفو عنها. وروي مثله عن ابن عباس. وروي عنه أيضاً أنه قال: "هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير منه فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله ، وأعلمه أنه لا يؤاخذه على ذلك". فهذه ثلاثة أقوال عن ابن عباس. وقال عطاء بن يسار: "هو الخطأ في اليمين". وقال الحسن وغيره: "هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم يظهر له خلاف ذلك، فلا كفارة عليه ولا إثم"، وهو قول أبي هريرة المختار. وقال طاوس: "هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم"، وذكر قول النبي [عليه السلام]: "لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ وقال ابن جبير: "هو الرجل يحلف أن يفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه". وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: "لا كفارة في معصية". وكذلك قال ابن عباس. وقال الشعبي: "كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها". وقال: [زيد بن] أسلم: "هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. فهو لغو ولا كفارة فيه". وقال ابن زيد: "هو قول الرجل: "أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله إلاهاً إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه". وقال الضحاك: "اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل فيكفر ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه يتيقن أن يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر". وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن التكفير يسقط الإثم". وقال إبراهيم: "هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه لغو". واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه. قال نفطويه: "اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي طرحته". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما جرى في عرض الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة. والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضاً ما ليس بيمين نحو قول الرجل: "لا وحياتك" وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن المتقدمي الذكر. وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغواً. فأما ما كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، والله يؤاخذ على ذلك بما شاء إن شاء. وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون. [كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: "المؤاخذة هنا في الأيمان الفاجرة إنما هي إلزام الرجل الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه صادق، فهو لغو يمين ولا كفارة فيه، ولا إثم". وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم. وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: "يؤاخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه الفاجرة ويؤاخذه في الآخرة إن شاء الله عليها إذ حلف وهو يعلم أنه كاذب". والأيمان عند أكثر الفقهاء ثلاثة: - اللغو؛ وهو قوله: "لا والله وبلى والله فلا شيء فيها". - والثانية: العمد"؛ وهو أن يحلف متعمداً ألا يفعل الشيء، ثم يريد أن يفعله ويرى أن ذلك خير فيكفر ويفعل ولا شيء عليه. وهي التي في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩]. - والثالثة: الغموس؛ وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة فيها لعظمها، والله يفعل بفاعلها ما شاء. وهي التي في قوله: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وقل زيد بن أسلم: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: "هو الشرك بالله والكفر لا اليمين". يريد قول الرجل: أنا كافر بالله إن فعلت وأنا مشرك إن فعلت، يؤاخذ عليه إن اعتقده بقلبه. فإن لم يعتقده بقلبه، فهو اللغو الذي قال فيه: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾. ومن قال: "أقسمت ألا أفعل"، فإن أراد بالله وفعل كفر، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه، وكل أسماء الله يجب فيها الكفارة، وكذلك صفاته. وإذا حلف بالقرآن وحنث، فقال ابن مسعود: "عليه لكل آية كفارة"، وبه قال الحسن البصري. وأكثر الفقهاء على أن: فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: "لا كفارة فيه لعظمه، وجلالة قدره". والعهد والميثاق والكفالة إذا أضيف ذلك إلى الله جلّ ذكره وحلف به، ففيه كفارة يمين عند مالك وغيره. ومن قال: "حلفت" ولم يحلف، فإن أراد اليمين كفر. وإن أراد الكذب لم يكن عليه شيء. هذا قول مالك وغيره. ومن حلف بصدقة ماله أو بهديه أن يجعله في سبيل الله؛ فقال عطاء والشعبي وغيرهم: "لا شيء عليه". وروي عن عمر رضي الله عنه، وعائشة أن عليه كفارة يمين وهو قول جماعة من التابعين. وقال مالك: "يخرج ثلث ماله" وهو قول الزهري وغيره. وروي عن ابن عمر وابن عباس أنه: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. وقد قيل: يعني بما جعل على نفسه. روي ذلك عن ابن عمر. وقال قتادة: "يهدي بدنة". وقال جابر بن زيد: "إن كان ماله كثيراً نحو ألفين فعشره، وإن كان وسطاً نحو ألف، فسبعه، وإن كان قليلاً نحو خمسمائة فخمسه. ومن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث فلا شيء عليه عند ابن المسيب والقاسم بن محمد. وقال الحسن وجابر بن زيد وطاوس والنخعي وعطاء وقتادة وغيرهم "عليه كفارة يمين"، وهو قول الشافعي. وقال الشعبي ومالك وأبو حنيفة: "يمشي كما حلف". وقال ابن شبرمة: "يحرم من يومه". وقال مالك رضي الله عنه: "إن حنث في غير البلد الذي حلف فيه فعليه أن يأتي إلى ذلك البلد، فيمشي منه". ومن حلف بعتق رقبة فحنث، فأكثر الناس [على أن عليه] كفارة يمين، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وحفصة وقاله الحسن. وقال عطاء: "يتصدق بشيء من حنث في العتق". وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وجماعة من الفقهاء: "يعتق من حلف به إذا حنث". * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. أي غفور لأهل اللغو في الأيمان، حليم [في تركه]. العقوبة على أهل اعتقاد الأيمان الكاذبة فلا يعاجلهم بها.

البقرة 2:226

وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ الآية. الإيلاء عند ابن عباس هو: أن يحلف الرجل في الغضب ألا يجامع امرأته. وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، وهو قول النخعي وقتادة والحسن. فإن حلف في غير غضب، فليس بمولي لأنه إصلاح. وقد قال مالك رضي الله عنه: "من حلف ألا يطأ امرأته حتى تفطم ولدها فليس بمولي". وقال ابن مسعود: "يكون مولياً إذا حلف في الرضا والغضب ألا يطأ". وبه قال الثوري وأهل العراق والشافعي وابن حنبل، وهو قول مالك. كما أن سائر الأيمان من طلاق وغيره سواء في الرضا والغضب. وروي عن ابن عباس أنه قال: "لا يكون مولياً حتى يحلف ألا يطأها أبداً". وقال مالك رضي الله عنه والشافعي: "إذا حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر، وتمت الأربعة أخذ بالوطء أو الطلاق؛ يطلق طلقة بائنة تملك بها نفسها، وله مراجعتها إن شاء بعقد مجدد وصداق". وقد قال جماعة: "إن الطلاق يقع بمضي الأربعة أشهر ولا يوقف بعدها"، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وجماعة معهما. وإيجاب توقيفه بعد الأربعة الأشهر هو قول عمر وعثمان وعلي وابن عمر وعائشة وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة، وعليه أكثر الفقهاء: مالك والشافعي وغيرهما. والإجماع على أن الطلاق بكلام يسمع يدل على تمام الأربعة أشهر لا يكون طلاقاً حتى يتكلم به، وهو قول ابن عمر وأبي الدرداء. وكل يمين عند مالك لا يقدر صاحبها عند الوطء من أجلها فهو مول بها ولو حلف لغريمه ألا يطأ امرأته حتى يوفيه حقه فهو مول عند مالك. فكل يمين منعت من الوطء فصاحبها مول عند مالك والشافعي والشعبي والنخعي وسفيان وأصحاب الرأي ، وأبي ثور وأبي عبيد، وهو مروي عن ابن عباس. إلا أن مذهب مالك أنه إذا حلف ألا يطأ فتمضي أربعة أشهر من يوم حلف، يوقف، فإما فاء، و [إما طلق]، سواء رفع إلى السلطان بعد الأربعة أشهر وقبلها، إنما يحسب من يوم حلف، وإذا حلف على أمر يفعله بالطلاق منع من الوطء حتى يفعل ودخل عليه الإيلاء، لكن لا يوقف إلا بمضي الأربعة الأشهر من يوم يرفع إلى السلطان، ولا يحسب له من يوم حلف. ومن قال لامرأته: "[إن قربتك فأنت] علي كظهر أمي"، فهو مول عند مالك. فإذا انقضت أربعة أشهر، فإما أن يطلق وإما أن يكفر ويطأ. * * وقوله: ﴿يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾. قيل معناه: على وطء نسائهم، "فمن" بمعنى "على" وفيه حذف مضاف معناه: "على وطء نسائهم"، ثم حذف الوطء كما قال: ﴿مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] أي "على ألسنة رسلك"، ثم حذف الألسنة. * * وقوله: ﴿فَإِنْ فَآءُو﴾. أي رجعوا إلى الوطء، وكفّروا عن أيمانهم، فإن الله غفور لهم على يمينهم، رحيم بهم أن يعاقبهم بعد كفارتهم.

البقرة 2:227

قوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ﴾. أي إن لم يكفروا ولا فاءوا إلى الوطء؛ أي رجعوا إليه وأرادوا الطلاق، فإن الله سميع لقولهم، عليم باعتقادهم وعزيمتهم.

البقرة 2:228

قوله: ﴿وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ﴾. ومعناه: المطلقات المدخول بهن ذوات الحيض - غير الحوامل - يتربصن عن التزويج ثلاثة أطهار، وقيل: ثلاثة حيض. والقرء في اللغة: الوقت، فيصلح للطهر، ويصلح للحيض. والحيض عند أبي حنيفة وغيره أولى به. وهو قول أحد عشر من الصحابة وجماعة من التابعين والفقهاء. وهو عند مالك الطهر، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين. فإذا طلقها وهي طاهر في طهر لم يمسها فيه فهو قرء تعتد به، وإن لم يبق منه إلا أقله. فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج، وهو قول عائشة. وابن عمر وزيد بن ثابت والقاسم وسالم وسليمان بن يسار . وبه قال الشافعي وغيره من الفقهاء. ويدل على أن المراد بالأقراء في هذه الآية الأطهار قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فلهن أن يعتدن بما يطلقن فيه وهو الطهر الذي لم تمس فيه. والطلاق في الحيض عند أهل العلم مكروه، فدل ذلك على أن الطلاق إنما يكون في الطهر لا في الحيض: [وهو قول النبي عليه السلام]: "فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ". فإذا طلقت في الطهر اعتدت به قرءاً. ودخول الهاء في ثلاثة يدل على أنه الأطهار، لأن الطهر مذكر والحيض مؤنث، فلو أريد به الحيض لم تدخله الهاء. قال ابن عباس: "استثنى الله من هذه الآية اللواتي لم يدخل بهن والحوامل". وقال قتادة: "هو نسخ". وقال غيرهما: "هو تبيين، لأن هذه الآية يراد بها الخصوص فبين المراد في "الأحزاب" وسورة الطلاق، فهي مبينة لا منسوخة. * * قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ﴾. أكثر أهل التفسير على أن الذي نهين عنه أن يكتمن هو الحيض والولد وذلك أن تقول: "إني قد حضت الثلاثة، وهي لم تحض لتذهب ما يجب لزوجها من الرجعة، أو تكتم الولد ليذهب حقه من الرجعة حتى تلد وهو لا يعلم، فلا يكون له في الرجعة بعد الولادة حق. وقيل: هو الحمل خاصة؛ وذلك أنهن كن في الجاهلية يكتمن الولد خوفاً ألا يراجعهن أزواجهن، فيتزوجن وهن حوامل، فيلحقن الولد بالزوج الثاني، فحرم ذلك عليهن. قال ذلك قتادة وغيره. وقال السدي: "كان الرجل في الجاهلية إذا أراد الطلاق سأل امرأته هل بها حمل خوف أن يطلقها وهي حامل، فتلحق ولده غيره، فإن كانت تكرهه كتمت حملها ليطلقها، فتلحق الولد غيره، فحرم ذلك. وهذا القول يدفعه قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ بعد ذكر الطلاق ووقوعه، فإنما ظاهر القرآن يدل على النهي أن يكتمن ذلك في العدة ليذهب حق الرجل من الرجعة؛ إما أن تقول: "قد حضت"، ولم تحض، وإما أن تقول "لست بحامل"، وهي حامل، فَتَجْحَدُ حتى تضع فتذهب رجعته. وهذه الآية تدل على أن المرأة مؤتمنة على عدتها وحملها. ومعنى: ﴿إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾. أي: يحجزهن إيمانهن عن فعل ذلك، وليس ذلك يجوز أن يفعله من لا يؤمن. * * قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. أي: أزواج المطلقات أحق بردهن في العدة إن أرادوا بالرد الإصلاح. فإن أراد المضارة، فلا يحل له ذلك. * * قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾. أي للزوجات على الأزواج من الإحسان والصحبة الجميلة مثل ما للأزواج على الزوجات. وقيل: معناه: يتزين الرجل للمرأة كما تتزين له. روي ذلك عن ابن عباس. * * قوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾. أي في الميراث والجهاد والشهادة ونحو ذلك، وأن فراقهن بيد الأزواج. وقال الشعبي: "الدرجة هو ما ساق إليها من الصداق، وأنها إذا قذفته حُدَّتْ، وإذا قذفها لم يُحد، وَلاَعَنَ. وعن ابن عباس: "(دَرَجَةٌ): أداء حقها إليها ومؤنتها وتركه الواجب له عليها إحساناً". وقيل: "الدرجة هو ما زين الله به الرجل من اللحية". رواه عبيد بن الصباح عن حميد. وقال ابن إسحاق: "المرأة تنال من اللذة مثل ما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه، وما ساق من الصداق فهي الدرجة".

البقرة 2:229

قوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: فعليكم إمساك، هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه؛ وذلك أن الرجل كان يطلق امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحل راجعها، فنسخ الله ذلك بأنه إذا طلق ثلاثاً، لم تحل له إلا بعد نكاح زوج آخر. وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقيل: هي محكمة، وقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] تبيين لقوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾ . ومن قال: إنها محكمة منهم، قال: "لا ينبغي أن يطلق إلا اثنتين، ثم إن شاء طلق الثالثة أو أمسك لقوله: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾. قاله عكرمة. وقال الشافعي: "يطلقها في كل طهر لم يجامعها فيه ما شاء". وقال أكثر الناس: "يطلقها في كل طهر طلقة واحدة". * * ومعنى ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ﴾: أي: الطلاق الذي يجوز معه الرجعة وتملك المرأة بعده مرتان، فهو تبيين للعدد. [وقوله]: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾. هي الثالثة التي لا ملك للرجل على المرأة بعدها، روي ذلك عن النبي [عليه السلام]. وقيل: معنى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾: يتركها فلا يراجعها حتى توفي عدتها. وعن ابن عباس: ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾: "لا يظلمها من حقها شيئاً". قال ابن عباس: "﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١] هو ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي صحبة حسنة، أو ﴿تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ﴾، لا يظلمها من حقها شيئاً". * * قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾. أي مما أعطيتموهن إذا أردتم فراقهن. * * قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾. اختار أبو عبيد الضم في ﴿يَخَافَآ﴾ على قراءة حمزة، واحتج بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾، فجعل الخوف لغيرهما، ولم يقل: "فإن خافا". وفيه حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان". والخوف هنا عند أبي عبيدة بمعنى اليقين. وهذا النص إنما هو في الخلع الذي يكون بين الزوجين، فيأخذ منها ما اتفقا عليه، ويتركها لقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾. ولا يحل للزوج أن يأخذ من المرأة شيئاً على طلاقها إذا كانت المضارة من قبله، وإنما يأخذ منها على الطلاق إذا كانت هي التي كرهته، وأحبت فراقه من غير مضارة منه لها. وهذه الآية عند بعضهم منسوخة، ولا يجوز أن يأخذ منها شيئاً نسخها قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ [النساء: ٢٠]. وأكثر الناس على أنها محكمة، وأن له أن يأخذ منها ما اتفقا عليه، وتلك الآية في النساء إنما هي لمن أراد الاستبدال، وهذه لمن خيف منهما ألا يقيما حدود الله، فهما محكمتان. وروي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي [بن] سلول وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه ويحبها، فأتت أباها فردها ولم يشكها، فصارت إلى النبي ﷺ وقالت: "إن ثابتاً [يظلمني ويضربني]. فأحضر رسول الله ﷺ ثابتاً فقال: "والله يا رسول الله ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منها سواك". فقال للمرأة: "مَا تَقُولِينَ؟. فقالت: "يا رسول الله، ما كنت لأخبرك بخبر ينزل عليك الوحي بإبطاله، هو كما وصف، وفرق بيني وبينه". فقال ثابت: "فترد إلي الحديقة التي جعلتها لها". فأمرها النبي ﷺ بردها، ثم طلقها، وكان ذلك أول خلع كان في الإسلام. والخلع جائز بغير سلطان، وإنما يكون الخلع والافتداء إذا كان النشوز من قبل المرأة. قال ابن عباس: "هو أن يظهر من المرأة سوء الخلق والعشرة للرجل، فله أن يأخذ ما أعطته ويفارقها، فإن كانت راضية به، فلا يحل له أن يضارر بها حتى تفتدي منه، فإن فعل كان ما أخذ حراماً". وإنما الخلع إذا كان الشيء المنكر من قبلها؛ فتقول: "لا أغتسل لك من جنابة، ولا أَبَرُّ لَكَ قسماً" ثم افتدت منه وخالعها، فذلك جائز حسن. وقال القاسم بن محمد: "لا يحل الخلع حتى يخافا جميعاً ألا يقيما حدود الله في العشرة الواجبة بينهما". وقال زيد بن أسلم: "إذا خافت المرأة ألا تؤدي حق زوجها وخاف الرجل ألا يؤدي حق زوجته، فلا جناح في الفدية". قال مالك: "الأمر عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم تُؤتَ من قبله وأحبت فراقه فحلال ما افتدت به". قال: "ولم أرَ أحداً ممن يُقتدى به، يكره أن يفتدي بأكثر من صداقها". وقال أبو حنيفة: "لا يكون بأكثر مما ساق إليها". والخلع طلقة بائنة عند جماعة من الصحابة والتابعين، وهي قول مالك والشافعي وغيرهما من الفقهاء. وعدتها عدة المطلقة عند مالك والشافعي وغيرهما. وهو مروي عند جماعة من الصحابة والتابعين. ولا سبيل لزوج المختلعة إليها إلا بخطبة ونكاح جديد عند مالك والأوزاعي. وهو قول عطاء وطاوس والحسن والنخعي والثوري. وقال ابن المسيب: "يَرُدُّ عليها ما أخذ منها، وليشهد على رجعتها". وكذلك قال الزهري. قال مالك: "عليها أن تكمل بقية عدتها". وكذلك قال الحسن وعطاء، ثم بعد ذلك يراجعها بنكاح جديد إن شاء. * * وقوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. أي لا جناح عليها فيما أعطت إذا كان النشوز من قبلها. ولا جناح عليه فيما أخذ إذا كان الضرر من قبلها. وقيل: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: هو مخاطبة للزوج وحده فيما أخذ منها ليتركها، وهذا كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنما يخرج من الملح لا من العذب. وكما قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وإنما الناسي صاحب موسى. وتقول: "عندي دابتان أركبهما وأسقي عليهما"، وإنما تركب إحداهما. * * وقوله: ﴿فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾. قيل: من صداقها الذي كان أعطاها، لقوله: ﴿مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾. والذي أعطاها هو الصداق فرجع آخر الآية على أولها وكان ذلك أبين وأليق بالكلام. قال ذلك الأوزاعي. وكره الشعبي أن يأخذ منها إلا ما ساق أو دونه" (وروي) ذلك عن علي رضي الله عنه. وأكثر الناس على أن له أن يأخذ ما رضيت به من قليل كان أو كثير لعموم الآية. وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وعكرمة. * * قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾. أي هذه حدوده. "وتلك" إشارة إلى الآيات التي تقدمت من قوله: ﴿وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ إلى: ﴿فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾. فمعنى: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ أي لا [﴿تجاوزوها إلى ما لم يأمركم به، ومن تجاوزها﴾] فهو ظالم. وقد قال الضحاك: "معناه: من طلق لغير العدة فقد اعتدى وظلم"، وأنكر ذلك غيره.

البقرة 2:230

قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ الآية. قال ابن عباس: "إن طلقها ثلاثاً لم تحل إلا بعد زوج ونكاح جديد". وقال الضحاك: "وغيره - كل الفقهاء -: "إن طلقها واحدة بعد اثنتين لم تحل له إلا بعد زواج". * * قوله: ﴿حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾. يريد الوطء بالعقد الصحيح لقوله ﷺ: "حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ". ومعنى: ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ أي من بعد الثالثة، ولذلك بنيت "بعد" للحذف والذي بعدها. وعن ابن المسيب: "أنها إذا نكحت نكاحاً صحيحاً لا يراد به تحليل حلت [به له]، وإن لم يقع وطء". وهو شاذ.

البقرة 2:231

قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الآية. هذا مخاطبة للأزواج، ويكون البلوغ المقاربة. وقيل: هو خطاب للأولياء، ويكون البلوغ التمام. وكونه خطاباً للأزواج أولى لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وهذا لا يكون للأزواج. ومعناه إذا كان للأزواج: وإذا طلقتم النساء فبلغن ميقاتهن من انقضاء العدة، أي قربن منها كما تقول: "إذا بلغت مكة فاغتسل" أي إذا قربت منها. أي إذا قربن منها فأمسكوهن. ومن قال: هو مخاطبة للأولياء قال: نزلت في أخت معقل بن يسار عضلها معقل عن مراجعة زوجها بعد انقضاء عدتها، وكان قد طلقها طلقة واحدة". وقيل: هو خطاب للزوج يطلق امرأته طلقة واحدة. فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم يطلقها ليطول عليها، فنهى عن ذلك، وأصل العضل الحبس والمنع. وظاهر الآية يدل على أنه مخاطبة للأزواج. وبلوغ الأجل المقاربة؛ نهى الزوج أن يراجعها إذا قرب تمام عدتها، ثم يطلقها ليضار بها ويطول عليها، وهو ظاهر الخطاب. وأكثر المفسرين على أنها مخاطبة للأولياء؛ ويكون بلوغ الأجل تمامه. وملك المرأة لنفسها، إذا جعلته خطاباً للأولياء. وإن جعلته خطاباً للأزواج فبلوغ الأجل المقاربة. فالمعنى: فراجعوهن إن أردتم مراجعتهن. ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ أي اتركوهن حتى تتم العدة. ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾. أي: لا يحل لكم أن تراجعوهن مضارة لتطول العدة عليها فيضرّ بها. وقال الضحاك وغيره: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾: "هو أن يطلقها حتى إذا كادت أن تنقضي عدتها راجعها، فإذا كادت أن تنقضي راجعها مضارة، وهو لا يريد إمساكها، فنهى الله عن ذلك". وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم. وقال السدي: "نزلت في رجل من الأنصار وهو ثابت بن يسار، طلق امرأته، حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين أو ثلاثة راجعها ثم طلقها. ففعل ذلك حتى مضت لها تسعة أشهر مضارة، فأنزل الله الآية". * * قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. أي من يضارر برجعته فإنما يضر نفسه لأنه يأثم. * * قوله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾. قال الحسن: كانوا على عهد النبي ﷺ يُطَلّق الرجل أو يعتق، فيقال له: ما صنعت؟ فيقول: "إنّي كنت لاعباً"، فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾. وروى أبو هريرة عن النبي [عليه السلام]: أنه قال: "ثَلاَثٌ جِدُّهُّنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَلاَقُ وَالعَتَاقُ وَالرَّجْعَةُ وقالت عائشة رضي الله عنها: "كان الرجل يطلق امرأته ويقول: "والله لا أُؤْوِيكِ وَلاَ أَدَعُكِ؟ قالت: وكيف ذلك؟ قال: إذا كِدتِ تقضين عدتك راجعتك. فنزلت: ﴿وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً﴾. * * قوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. يعني الإسلام. ﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ﴾. يعني القرآن. ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: أي بالقرآن. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي خافوه فيما أمركم به مما أنزل عليكم ووعظكم به.

البقرة 2:232

قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الآية. نزلت في رجل كان له أخت، زوجها من ابن عم له، فطلقها ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فأراد أن يتزوجها المطلق لها وهي فيه راغبة، فمنعها أخوها من ذلك. ولما نزلت هذه الآية دعا النبي [عليه السلام] معقلاً فنهاه عن ذلك وتلاها عليه، فترك الحمية وزوّجها من زوجها الأول على التراضي، كما قال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾. فقيل: إن أخا المرأة كان جابر بن عبد الله الأنصاري. وقيل: معقل بن يسار. وقيل: ابن سنان. وقيل: إن جابر بن عبد الله كان أبا المرأة المطلقة فمنعها من أن ترجع إلى زوجها بعد انقضاء العدة أنفة، فنزلت الآية. وقال ابن عباس: "نزلت في أولياء المرأة يمنعونها من مراجعة زوجها بعد انقضاء العدة". * * وقوله: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾. أي لا تحبسوهن. وقيل: لا تضيقوا عليهن. وحكى الخليل: دَجَاجَةٌ مُعْضِلٌ؛ إذا احتبس بيضها. وأصل العضل الضيق والمنع، ومنه الداء العضال، وهو الذي لا يطاق لضيقه عن العلاج. وهذه الآية تدل على أنه لا نكاح إلا بولي، إذ لو جاز أن تنكح نفسها لم يخاطب الله الأولياء في المنع لها من الزواج. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ﴾. أي هذا المذكور في الآية. و "ذلك" محمول على معنى الجمع ولو قال: "ذلكم" لجاز وهو الأصل. وقيل: إن ذلك خطاب للنبي [عليه السلام] فلذلك وُحِّدَ، ثم رجع إلى مخاطبة المؤمنين فقال ﴿مِنكُمْ﴾ وقال في آخر الآية: ﴿ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾. ومعنى: ﴿وَأَطْهَرُ﴾، أي أطهر للقلوب من الريبة لأنه إذا كان في قلوب الزوجين كل واحد من صاحبه شيء، ثم منعا من النكاح الذي هو حلال لهما، لم يُؤْمِنْ أن يتجاوزا إلى ما لا يحل أو يُتّهَمَا بذلك. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ﴾. أي يعلم أسراركم، وما فيه حسن العاقبة لكم، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * وقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾. هذا خطاب للأولياء بلا اختلاف، فلا يكون البلوغ في هذا إلا تمام العدة. ولو كان على معنى المقاربة، لم يكن للولي حكم في منعها من المراجعة إلا أن يكون الطلاق بائناً فيحتمل البلوغ الوجهين: المقاربة والتمام. فإنما هو في هذا الخروج من العدة، فعند ذلك يقدر الوالي على منع المراجعة. وبهذا علمنا أنه لا نكاح إلا بولي؛ إذ لو كان لها أن تراجع زوجها بغير إذن وليها لم يخاطب الله الأولياء في ترك المنع، فعلم أن للأولياء المنع من المراجعة والإجازة في الطلاق البائن وبعد إتمام العدة في الطلاق الرجعي بهذه الآية. [ولو] كان قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يريد به المقاربة لكان الحكم للزوج، يردها إذا شاء، وكان الطلاق رجعياً، ولا يسأل عن وليها أجاز، أو لم يجز. فلا بد أن يكون بلوغ الأجل تمام العدة إذا جعلت الخطاب للأولياء.

البقرة 2:233

قوله: ﴿وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ الآية. قرأ مجاهد وحميد بن قيس، وابن محيصن "لِمَنْ أَرَادَ أَنْ تُتِم الرضاعة" بالرفع بالتاء. وقرأ أبو رجاء "الرِّضَاعَةَ" بكسر الراء. وقرأ: "لاَ تَكَلَّفُ" بفتح التاء أراد تَتَكَلَّفُ. * * قوله: ﴿لاَ تُضَآرَّ﴾. من رفع فهو خبر عن الله، معنى الأمر، ومعناه: لا تضار والدة في علم الله، ولا تكلف نفس إلا وسعها. والفتح أبين على النهي. ويجوز الكسر، لالتقاء الساكنين والفتح أخف. وروى أبان عن عاصم "لاَ تُضَاررْ" بالجزم والإظهار، وهي لغة أهل الحجاز، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس، غير أن ابن مسعود يفتح الراء الأولى. وإجماع المسلمين أن تحريم المضارة للطفل من أبويه يدل على الجزم على النهي. كان اليزيدي يقول: "الرفع فيه معنى النهي" كأنه يريد أن الضمة ليست بإعراب، إنما هي لالتقاء الساكنين. وهذا بعيد لأنه يشبه النهي بالنفي. ومعنى الآية أن لفظها لفظ الخبر، ومعناها الإلزام، كما تقول: "حَسْبُكَ دِرْهَمٌ". فلفظه لفظ خبر، ومعناه الأمر، فكذلك: ﴿وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ هو على الإلزام ولفظه لفظ الخبر. * * وقوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾. أَكّدَ "بكاملين" لجواز أن يكون "حولان" معناه حولٌ وبعضُ آخر، لأن العرب تقول: "أَقَامَ فُلاَنٌ شَهْرَيْنِ"، وإن كان أقام شهراً أو بعض آخر. وهذا كما قال: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. والمتعجل إنما يتعجل في [يوم ونصف]، وكذلك اليوم الثالث. والعرب تقول: "لم أرك مذ يومان"، تقوله في اليوم الثاني، وهو لم يتم يومان. ومعنى ذلك: "لا ينزع الولد من أمه وهي تحب رضاعه وتأخذ كغيرها، فيكون "تُضَارَّ" فعلاً لم يسم فاعله، ويجوز أن يكون فعلاً سمي فاعله. ومعناه: لا تترك رضاع ولدها وأخذ الأجرة، والصبي لا يقبل غيرها فتضارر بالأب والصبي. * * قوله: ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾. معناه: لا يضارر الوالد فيلقى إليه الطفل بعد ما عرف أمه وَأَلِفَها؛ تفعل ذلك لتقرب عدتها فتتزوج، لأنها إذا كانت ترضع، أبطأ عندها المحيض فتلقي الصبي، وهو لا يقبل غيرها فتضارر بالوالد والولد في ذلك. فنهى الله النساء عن ذلك. فيجوز أن يكون أيضاً "مَوْلُودٌ" رفع على ما لم يسم فاعله على هذا التفسير. ويجوز أن يكون فاعلاً، ويكون المعنى: ولا يضارر الوالد بولده فيمنعه من أن يرضع أمه، وقد ألفها ولا يقبل غيرها، وهي تأخذ كما يأخذ غيرها فنهى الأب عن ذلك. * * قوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا﴾. أي إن أرادا أن يفطما قبل الحولين عن تراض من الأبوين فلا جناح عليهما في ذلك، وليس لأحدهما فعل ذلك حتى يرد الآخر عند الثوري. * * قوله: ﴿وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾. أي على الأب رزق المرضعة وكسوتها بالمعروف، ورزق الولد على قدر الجدة، لا يكلف فوق ما يطيق. * * ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾. أي لا [تمتنع من رضاعه]، وتقذفه [إلى أبيه] لتنكي به الأب. ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ لا يمنع أمه من أن ترضعه ليحزنها. * * قوله: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾. أي على وارث الصبي مثل الذي على الأب لو كان حياً، أي عليه ألا يضارر بها كما كان على الأب. قال السدي وقتادة. قال الحسن: "على عصبته نفقته إن لم يكن له أب ولا مال". وقال الضحاك: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ﴾ "هو الصبي المرضع، عليه نفقة أمه من ماله إن لم يكن له أب". وهو اختيار الطبري وغيره. وقال ابن عباس: "على وارث الصبي من أجر الرضاع مثل ما كان على الأب إذا لم يكن له مال". وقال الشعبي ومجاهد وسفيان: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذٰلِكَ﴾: أي: وعلى وارث الصبي ألا يضار بالأم. وهو مروي عن ابن عباس. فلا يكون ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ﴾ على هذا القول إلا "تُفَاعِلَ" بكسر العين لأن: ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ﴾ معطوف عليه، وهو فاعل، ولا تكون ﴿وَالِدَةٌ﴾ إلا فاعلة. فأما على القول الآخر، فيحتمل ﴿تُضَآرَّ وَالِدَةٌ﴾ أن يكون: "تُفَاعَلْ"، و "تَفَاعَلَ"، لأن، ﴿وَعَلَى ٱلْوَارِثِ﴾ ليس بمعطوف عليها إنما هو معطوف على قوله: ﴿وَعلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾" وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف وعلى الوارث مثل ذلك"، فهو عطف جملة على جملة كلاهما من ابتداء وخبر، فيحسن على هذا في ﴿تُضَآرَّ وَالِدَةٌ﴾ الوجهان جميعاً. ولا يحسن في الآخر إلا أن تكون فاعلة. وقال مالك: "هو منسوخ لا يلزم عصبة نفقة صبي ولم يبين الناسخ لها. حكاه ابن القاسم في "الأَسَدِيّةِ" عن مالك. وعن مالك أيضاً أن المعنى: "وعلى الوارث ألا يضار" فهو محكم، وهي رواية ابن وهب وأشهب عن مالك. وقيل: إن ورثة الصبي ينفقون عليه على قدر ميراثهم منه لو مات. قاله قتادة، وهو قول أبي حنيفة. * * قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ﴾. أي إن أبت أمه أن ترضعه أو انقطع لبنها، فأردتم أن ترضعه أجنبية فلا حرج. * * قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم﴾ أي إذا سلمتم للأم ما [فرضتموه] عليه من الأجرة بالحساب. وقيل: معناه: إذا سلمتم للاسترضاع، عن مشورة من الأب والأم، قاله قتادة. وقيل: معناه: وإذا سلمتم إلى الأم الذي أعطيتموها على الأجرة بالمعروف. وقال سفيان: "إذا سلمتم إلى هذه التي تستأجرونها حقها بالمعروف، فليس عليكم جناح فيما صنعتم من الاسترضاع إذا أبت الأم رضاعه أو انقطع لبنها". وقيل: معناه: إذا سلمت أم الولد، فرضيت برضاعه من غيرها، لتعتد هي وتتزوج ورضي الأب بذلك.

البقرة 2:234

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآية. هي ناسخة لقوله: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠] قاله عثمان بن عفان وابن الزبير، فنسخ أربعة أشهر وعشر الحول. وأما الوصية فنسخها آية الميراث. وروي عن ابن مسعود أنه قال: "نسخ منها الحوامل". قيل: ليس هو بنسخ، وإنما هو بيان أن الذي في "البقرة" لغير الحوامل وغير المدخول بهن، وزيدت العشرة على الأربعة أشهر لأن في ذلك يتبين الحمل. وقال سعيد: "في العشر ينفخ فيه الروح". * * قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾. أي إذا تمت العدة فلها أن تتزوج من شاءت. ﴿بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي بولي وصداق.

البقرة 2:235

قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ ٱلنِّسَآءِ﴾. هو أن يعرض لها في العدة، فيقول: "إنك لجميلة، وإن النساء من حاجتي، وإني فيك لراغب حريص، ولأحسنن إليك" ونحوه. * * قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾. أي أخفيتم الخطبة ولم تبدوها، لا حرج في جميع ذلك. قال جابر بن زيد: "﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾: قال: هو الزنا". وقاله الحسن وقتادة والضحاك. وقال ابن جبير: "سراً نكاحاً". وأصل السر الغشيان من غير وجهه. وقال ابن عباس: لا تواعدوهن سراً، ألا ينكحن غيركم، ولا تعاهدوهن على ذلك. وقال مجاهد وعكرمة: "لا تعاهدها على النكاح و [تأخذ ميثاقها ألا] [تتزوج غيرك، تفعل ذلك معها] سراً". وقال ابن زيد: "﴿لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾: لا تنكحوهن وتخفوا النكاح، فإذا خرجت من العدة، أظهرتموه". واختار الطبري أن يكون السر الزنا. * * قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾، هو التعريض المذكور. قال ابن زيد: "نسخ هذا كله بقوله: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾. وأكثر الناس على أنه محكم، وأنه كله نهي عن عقد النكاح في العدة، ثم أرخص في التعريض الذي [ليس هو] بوعد ولا عقد. * * ومعنى ﴿يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: تنقضي العدة. وقال السدّي: "حتى تنقضي أربعة أشهر وعشر وهو الكتاب الذي ينقضي". وقاله قتادة، وهو قول ابن عباس والضحاك.

البقرة 2:236

قوله: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية. رفع الله الحرج عمن طلق المفروض لها الصداق قبل أن يدخل بها. * * ومعنى ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾: تجامعوهن. قاله ابن عباس وغيره. ومعنى: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ﴾: رفع الجناح أيضاً عمن طلق التي لم يفرض لها قبل الفرض، فمعناه: أو توجبوا لهن فريضة. * * قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾. قال ابن عباس وغيره: "هو واجب للتي لم يفرض لها؛ يمتع الموسر بخادم، والوسط بالورق، ودون ذلك بالكسوة والنفقة". وقاله قتادة. وقال أبو حنيفة: "يمتع التي لم يفرض لها، إذا طلق قبل الدخول بنصف مقدار صداقها". وبه قال الشافعي، ولم يجد نصفاً من غيره. وأوجب علي بن أبي طالب رضي الله عنه المتعة لكل مطلقة. وبه قال الحسين فرض لها أو لم يفرض دخل بها أو لم يدخل. وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: "لكل مطلقة متعة إلا التي سمى لها صداقاً ولم تمس، فحسبها نصف ما فرض لها". ومذهب مالك أنه لا يجبر على المتعة أحد من المطلقين إنما هو ندب، وبه قال شريح. وقال ابن المسيب: "كانت المتعة واجبة بالآية التي في الأحزاب لقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قال: "ثم نسختها التي في البقرة لقوله: ﴿حَقّاً عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: "حقاً عليكم" ولا "واجباً عليكم". وقد أجمعوا أن المطلقة قبل الدخول لا تضرب بالمتعة مع الغرباء كان قد فرض لها أم لم يفرض، فدل على أنها غير واجبة، فصارت المتعة في البقرة ندباً لمن أحسن واتقى لا فرضاً. وروي عن ابن عباس أنه قال: ﴿عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ أي على قدر يسره، ﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾: أي على قدر عسره للتي لم يسم لها صداقاً، ولم يدخل بها خاصة". ومعنى: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، أي الجناح مرفوع عنكم في الطلاق قبل المسيس لأنه يجوز أن يقع بعد المسيس الجناح على المطلق، وذلك الذي يتزوج للذوق. قال النبي ﷺ: "إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ وَلاَ الذَّوَّاقَاتِ". فَرَفْعُ الجناح في الطلاق قبل المس يدل على أنه قد يقع في الطلاق بعد المس وهو ما ذكرنا. وقيل: إنما رفع الجناح عن طلاق التي لم يدخل بها، لأن الرجل يطلق متى شاء [حائضاً كانت أو طاهراً]، ولا عدة ولا سنة في طلاقهن، وليس ذلك في المدخول بها، لأنه إن طلق وهي حائض وجب عليه مراجعتها، ولحقه ضيق وإثم إن تعمد مخالفة السنة، ولزمت العدة.

البقرة 2:237

قوله: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية. بيّن الله في الآية التي قبلها حال من لم يفرض لها، وحض على المتعة لها على قول من قال: هو ندب، وفرضها على قول من قال: هو فرض، ثم بين في هذه الآية حال المطلقة قبل الدخول التي قد فرض لها فرضاً أن تعطى نصف الطلاق الذي فرض لها. وهذه الآية تبيين لصدر الآية التي قبلها لأن قوله: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ هي المفروض لها. * * وقوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]. أي أو لم تفرضوا لهن فريضة، فهي غير المفروض لها، فكرر هذه الآية في التي قد فرض لها للبيان والتأكيد. وقال قتادة: هذه الآية نسخت التي قبلها لأنه لم يفرض لها أولاً شيئاً، وجعل لها متعة، ثم فرض لها الآن نصف الصداق ولا متعة لها". وهو قول الربيع وجماعة معه. * * قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾. يريد إلا أن تعفو الثيب أو البكر التي زوجها غير أبيها التي لا ولي لها عن أخذ نصف الصداق. قال ذلك ابن عباس، وهو قول الجماعة من التابعين والفقهاء. * * قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾. قال ابن عباس: "هو ولي البكر إذ كانت لا يجوز أمرها في مالها فله أن يعفو عن النصف إن شاء، فإن أبت جاز فعل الولي". وهو قول الحسن وعطاء وإبراهيم وعكرمة وطاوس وربيعة وزيد بن أسلم ومحمد بن كعب القرظي وشريح وأصحاب ابن مسعود والشعبي وقتادة والسدي وغيرهم. وقال الزهري وغيره: "هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته لهما أن يعفوا، وإن أبت". وهو قول مالك. قال مالك: "هو الأب في ابنته البكر، أو السيد في أمته". وليس له أن يعفو ولم يقع طلاق، إنما العفو بعد طلاق، وكل ذلك في التي لم يدخل بها. وقاله علي بن أبي طالب ومجاهد وسعيد بن جبير. وروي أيضاً عن ابن عباس: "أن الذي بيده عقده النكاح هو الزوج المطلق". ومعنى: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾: أي يعفو الزوج فيعطي الصداق كله. والذي يرد هذا أن العفو إنما هو ترك ما يجب للعافي. هذا أصله في اللغة. وليس هو موضوعاً على إعطاء الرجل ما لا يلزمه فإضافته إلى الولي أولى به وأبين في الخطاب، لأنه ندب إلى أن يترك ما وجب لوليته. ومن كلام العرب: "عفا ولي المقتول عن القاتل"، أي ترك له حقه من الدية. وليس يقال: "عفا القاتل"، إذا أعطى أكثر من الدية التي تلزمه ولو كان العافي الزوج يعطي الصداق كله، لكانت الترجمة عن هذا بالهبة أولى منه بالعفو لأنه إذا أعطى الصداق كله فهو واهب، وليس بعافٍ إنما العافي من يترك حقه، ليس هو من يهب ماله. وأيضاً فإنه قال: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ يخاطب الأزواج، ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ يريد الزوجات المالكات لأنفسهن، ثُمَّ قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾، فهذا ثالث غير الأول والثاني ولا ثالث إلا الولي. وأيضاً فإن الله إنما ذكر العفو بعد وقوع الطلاق، فكيف يقال لمن طلق ولا شيء في يديه أنه هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الآن [لا] عقدة في يديه إذ قد طلق. وقيل: إنما هو مخاطبة للأزواج الذين دفعوا الصداق كله، ثم طلقوا قبل الدخول فندبوا [إلى أن يعفوا] عن نصف الصداق ولا يرجعون به على الزوجات. وهذا القول يدل على أن الآية خاصة في بعض الأزواج، وليست الآية كذلك، إنما هي عامة اللفظ. ويدل أيضاً على أن المراد به غير الأزواج قوله: ﴿بِيَدِهِ عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾، والمطلق لا عقدة بيده من إثبات نكاح التي طلق قبل الدخول إنما عقدة نكاحها بيد الولي، فهو المراد. وكذلك غير المطلق لا عقدة بيده، إنما عقدة النكاح للولي، وإنما بيد الزوج عقدة نكاح نفسه، وبيد الولي عقدة نكاح المرأة. وأيضاً، فإن معنى: ﴿عُقْدَةُ ٱلنِّكَاحِ﴾ أي نكاحها. والألف واللام عوض من الهاء كما قال: ﴿فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٤١]. أي: مأواه، فكان رد الضمير المحذوف إليهن، لأنهن أقرب ذكر في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ أولى به. * * قوله: ﴿وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. هذا مخاطبة للأولياء والمطلقات المالكات أمرهن. وقيل: خوطب بذلك أزواج المطلقات في أن يتركوا الصداق كله إن كان قد ساقوه قبل الطلاق إلى الزوجة. * * قوله: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ﴾. أي لا تتركوا فعل الخير فيما بينكم؛ يتفضل الزوج على المرأة بإعطاء الصداق كله فإن لم يفعل فتتفضل برد نصف الصداق الذي وصل إليها، أو تترك الكل فذلك فضلها. قال مجاهد: "هو إتمام الزوج الصداق كله، أو ترك المرأة النصف الذي لها واجب". وقال السدي وعكرمة وسفيان وابن زيد مثله.

البقرة 2:238

قوله: ﴿حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾. قال ابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأبو سعيد الخدري وعائشة وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد وغيرهم: "الوسطى صلاة العصر". وروي ذلك عن النبي [ﷺ]. وقال زيد بن ثابت وابن أبي ذئب: "هي الظهر". وروي ذلك عن ابن عمر. وروي أن النبي عليه السلام كان يصلي في الهاجرة والناس في هاجرتهم، فلا يجتمع إليه أحد، فتكلم في ذلك فأنزل الله: ﴿وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾، يريد الظهر. وقال قبيصة بن ذؤيب: "هي المغرب لكونها بين الليل والنهار". وقال جابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة: "هي الصبح لكونها أيضاً بين الليل والنهار"، ولقوله: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾. والقنوت إنما يكون في الصبح. وهو [أيضاً مروي] عن ابن عباس [وعلي بن أبي طالب] وهو قول الربيع وعبد الله بن شداد بن الهاد، وروي ذلك عن مجاهد، وهو قول مالك. وهو قول أبي أمامة الباهلي وزيد بن أسلم وعبد الله بن عمر. وقد تظاهرت الأخبار عن النبي [عليه السلام] أنها العصر. وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح. قال مالك: "الظهر والعصر في النهار، والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك". قال مالك: "والصبح لا تجمع إلى غيرها، وقد يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء". قال مالك: "وهي كثيراً ما تفوت الناس ويتلهون عنها". قلت: وصلاة الصبح أفضل الصلوات، ولذلك أكد الله في المحافظة عليها، يدل على ذلك قول النبي عليه السلام: "مَنْ شَهِدَ الصُّبْحَ فَكَأَنَّمَا قَامَ لَيْلَةً، وَمَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لِيْلَةٍ وقال: "بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعَتْمَةِ والصُّبْحِ، لاَ يَسْتَطِيعونَهُمَا وقال: "لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتْمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً ففضل العتمة والصبح على سائر الصلوات، ثم فضل الصبح على العتمة فدل على أنها أفضل الصلوات، فهي الوسطى. وقد قال عمر: "لأن أشهد صلاة أحب إلي من أن أقوم ليلة". وقد قرأ الرؤاسي: ﴿وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾ بالنصب، بمعنى: وألزموا الصلاة، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها أثبتت في المصحف: "والصلاة الوسطى، وصلاة العصر"، بالواو. وكذلك روى نافع أن حفصة أمرت أن يكتب ذلك في مصحفها، وقالت سمعت رسول الله ﷺ يقرأها كذلك". وليست هذه الزيادة توجب أن تكون الوسطى غير العصر، لأن سيبويه قد حكى: "مررت بأخيك وصاحبك" والصاحب هو الأخ، فكذلك الوسطى هي العصر، وإن عطفت بالواو. الصلاة الوسطى هي أفضل الصلوات إعادتها بلفظها بعد أن دخلت في جملة الصلوات كما قال: ﴿وَمَلاۤئِكَتِهِ﴾ [البقرة: ٩٨]. ثم قال: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وكما قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]. فأعاد "جبريل وميكائيل" وقد دخلا في جملة الملائكة، وأعاد "النخل والرمان"، وقد دخلا في جملة الفاكهة، وذلك لفضل فيهما، فأعيدا للتنبيه على الفضل، فكذلك الصلاة الوسطى أعيدت لأنها أفضل الصلوات. وقد بينا أن صلاة الصبح أفضل الصلوات فهي هي بغير شك. وقرأ ابن عباس: "والصلاة الوسطى صلاة العصر" على التقدير. وذكر ابن حبيب عن بعضهم أنها صلاة الجمعة، وهو قول شاذ. وأصل القنوت الطاعة، وهو أيضاً طول القيام. وقيل: هو هنا السكوت لأنهم كانوا يتكلمون في الصلاة. قال زيد بن أرقم: "كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ﴾، فأمرنا بالسكوت. وقيل: القنوت هنا الدعاء. وقيل: هو الركوع والخشوع في الصلاة. وقال مجاهد: "هو غض البصر في الصلاة وضم الجناح وطول الركوع وأصله كله يرجع إلى الطاعة".

البقرة 2:239

قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾. نصبهما على الحال. والمعنى: فصلوا في هذا الحال. والرجال جمع راجل، والمعنى: "فرجالاً" أي مشاة على أرجلكم "أو ركباناً" وهو جمع راكب. وذلك في الخوف من العدو، وقال: يصلي كيف قدر ماش وراكب. فمعناه: وإن خفتم من العدو أن تصلوا قياماً في الأرض فصلوا ماشين وركباناً، وكيف قدرتم إيماء وغير إيماء، وذلك على قدر شدة الخوف والمسايفة. * * قوله: ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ﴾. أي إذا أمنتم من عدوكم فاشكروا الله كما خفف عنكم وعلمكم ما لم تعلموا من أحكامه. وقال ابن زيد: "معناه إذا أمنتم من العدو فصلوا كما افترض عليكم.

البقرة 2:240

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً﴾ الآية. في هذه الآية نسخان، نسخت آية المواريث الوصية. وقيل: الوصية منسوخة بقول النبي عليه السلام: "لاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ"، ونسخت ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ الحول. وقد قيل: إن هذا ليس بنسخ، إنما هو تخصيص ونقص؛ وذلك أن المرأة كانت إذا توفي زوجها سكنت، وأنفق عليها حولاً إن شاءت. فنسخ ذلك آية الميراث. قاله الربيع وغيره. وقال مجاهد: "الآية محكمة، ولها السكنى والنفقة من مال زوجها إن شاءت". * * ومعنى ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي لا تخرج إلا أن تشاء الخروج، فيبطل حقها بخروجها وهو قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ﴾ أي ليس لها شيء إذا خرجت، وكان ذلك المقام عليها إباحة وندباً ولم يكن فرضاً، فلها الخروج متى أحبت.

البقرة 2:241

قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾. عني بهن اللواتي دخل بهن لأن الآية الأولى عني بها من لم يدخل بهن وهي ندب لا فرض عند أكثر العلماء. وهو مذهب مالك والشافعي. وقال عطاء: "عني بها كل مطلقة أن لها متاعاً حقاً على المتقين كالثياب والنفقة والخادم ونحوها على قدر الطاقة". وقال ابن زيد: "هذا يوجب المتعة لكل مطلقة". هذا معنى قوله.

البقرة 2:242

قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾. عني بهن اللواتي دخل بهن لأن الآية الأولى عني بها من لم يدخل بهن وهي ندب لا فرض عند أكثر العلماء. وهو مذهب مالك والشافعي. وقال عطاء: "عني بها كل مطلقة أن لها متاعاً حقاً على المتقين كالثياب والنفقة والخادم ونحوها على قدر الطاقة". وقال ابن زيد: "هذا يوجب المتعة لكل مطلقة". هذا معنى قوله.

البقرة 2:243

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾. قال ابن عباس: "كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون". وقيل: فراراً من الحمى، حتى إذا كانوا بموضع شاء الله فيه موتهم أماتهم، فمر بهم نبي فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم. وروي أن نبياً من أنبياء الله أمر قومه أن يخرجوا إلى عدوهم فجبنوا وكرهوا الخروج، وقالوا: إن الأرض التي تخرجنا إليها فيها الطاعون، وكانوا سبعين ألفاً، ففروا من الطاعون أن يأتيهم في بلادهم، فلما توسطوا البلاد أماتهم الله، فسمي ذلك الموضع واسطاً، وهي واسط العراق، فخرج نبيهم في طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى قد أنتنوا فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب، كنت في قوم يحمدونك ويذكرونك فبقيت وحيداً. فأوحى الله إليه أني قد جعلت حياتهم إليك. فقال: أحيوا بإذن الله، فحيوا. فتلك الرائحة فيهم. وقيل: إن اسم ذلك النبي حزقيل. وقال وهب بن منبه: "أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة فشكوا ما أصابهم إلى نبيهم وتمنوا الموت لما هم فيه. فأوحى الله إليه: أي راحة لهم في الموت، أيظنون أنني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فانطلق إلى جبانة كذا، فإن فيها أربعة آلاف وهم الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، فقم فيهم [وناجهم. وكانت] عظامهم قد تمزقت وتفرقت، فنادى النبي على نبينا وعليه السلام: يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم، ثم نادى: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم الجلد. ثم نادى: يا أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، فقاموا فكبروا تكبيرة واحدة". وقال الضحاك: "هم ألوف كثيرة أمروا أن يقاتلوا في سبيل الله ففروا من الجهاد، فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم أن يعاودوا الجهاد، ودل على ذلك قوله: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقيل: كانوا أربعة آلاف من بني إسرائيل عصوا الله، وصرفوا عن الجهاد، وقالوا: البلاد التي نقصدها بلاد طاعون. فأماتهم الله عقاباً لهم، ثم أحياهم بدعاء نبيهم وتضرعه إليه. وقال السدي: "كانت قرية عند واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية، وهلك أكثر من بقي في القرية، فلما ارتفع الطاعون رجع الهاربون إلى القرية. فقال الذين بقوا من أهل القرية: لو صنعنا مثل ما صنع أصحابنا بقينا ولئن وقع الطاعون مرة أخرى لنخرجن معهم، فوقع من قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ثم نزلوا بواد أفيح فناداهم ملَك من أسفله، وآخر من أعلاه أن موتوا، فماتوا. فمر بهم نبي، فوقف عليهم، وجعل يفكر في أمرهم، فأوحى الله تعالى إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وقيل له: فنادِ فيهم. فنادى: يا أيتها العظام: إن الله يأمركِ أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض، فاجتمعت، ثم ناداها فاكتست اللحم ثم ناداها فقامت". وقد قيل: إن معنى ألوف مؤتلفون. * * قوله: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قيل: هو أمر مراد للذين أحياهم الله بعد موتهم لأنهم فروا من الجهاد فماتوا. وقيل: هو عام لجميع الخلق.

البقرة 2:244

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ﴾. قال ابن عباس: "كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراً من الطاعون". وقيل: فراراً من الحمى، حتى إذا كانوا بموضع شاء الله فيه موتهم أماتهم، فمر بهم نبي فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم. وروي أن نبياً من أنبياء الله أمر قومه أن يخرجوا إلى عدوهم فجبنوا وكرهوا الخروج، وقالوا: إن الأرض التي تخرجنا إليها فيها الطاعون، وكانوا سبعين ألفاً، ففروا من الطاعون أن يأتيهم في بلادهم، فلما توسطوا البلاد أماتهم الله، فسمي ذلك الموضع واسطاً، وهي واسط العراق، فخرج نبيهم في طلبهم فوجدهم بعد ثمانية أيام موتى قد أنتنوا فتضرع إلى الله وبكى، وقال: يا رب، كنت في قوم يحمدونك ويذكرونك فبقيت وحيداً. فأوحى الله إليه أني قد جعلت حياتهم إليك. فقال: أحيوا بإذن الله، فحيوا. فتلك الرائحة فيهم. وقيل: إن اسم ذلك النبي حزقيل. وقال وهب بن منبه: "أصاب ناساً من بني إسرائيل بلاء وشدة فشكوا ما أصابهم إلى نبيهم وتمنوا الموت لما هم فيه. فأوحى الله إليه: أي راحة لهم في الموت، أيظنون أنني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فانطلق إلى جبانة كذا، فإن فيها أربعة آلاف وهم الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، فقم فيهم [وناجهم. وكانت] عظامهم قد تمزقت وتفرقت، فنادى النبي على نبينا وعليه السلام: يا أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل إنسان منهم، ثم نادى: أيتها العظام، إن الله يأمرك أن تكتسي اللحم، فاكتست اللحم، وبعد اللحم الجلد. ثم نادى: يا أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، فقاموا فكبروا تكبيرة واحدة". وقال الضحاك: "هم ألوف كثيرة أمروا أن يقاتلوا في سبيل الله ففروا من الجهاد، فأماتهم الله ثم أحياهم، وأمرهم أن يعاودوا الجهاد، ودل على ذلك قوله: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقيل: كانوا أربعة آلاف من بني إسرائيل عصوا الله، وصرفوا عن الجهاد، وقالوا: البلاد التي نقصدها بلاد طاعون. فأماتهم الله عقاباً لهم، ثم أحياهم بدعاء نبيهم وتضرعه إليه. وقال السدي: "كانت قرية عند واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية، وهلك أكثر من بقي في القرية، فلما ارتفع الطاعون رجع الهاربون إلى القرية. فقال الذين بقوا من أهل القرية: لو صنعنا مثل ما صنع أصحابنا بقينا ولئن وقع الطاعون مرة أخرى لنخرجن معهم، فوقع من قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ثم نزلوا بواد أفيح فناداهم ملَك من أسفله، وآخر من أعلاه أن موتوا، فماتوا. فمر بهم نبي، فوقف عليهم، وجعل يفكر في أمرهم، فأوحى الله تعالى إليه: أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال: نعم، وقيل له: فنادِ فيهم. فنادى: يا أيتها العظام: إن الله يأمركِ أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض، فاجتمعت، ثم ناداها فاكتست اللحم ثم ناداها فقامت". وقد قيل: إن معنى ألوف مؤتلفون. * * قوله: ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. قيل: هو أمر مراد للذين أحياهم الله بعد موتهم لأنهم فروا من الجهاد فماتوا. وقيل: هو عام لجميع الخلق.

البقرة 2:245

قوله: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ﴾ الآية. قال ابن زيد: "هذا في الجهاد يضاعف له بالواحد سبعمائة. ولما نزلت الآية، قالت اليهود: "هو فقير يستقرض"، يُمَوِّهُونَ بذلك على الضعفاء، فأنزل الله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقال السدي: "هذا التضعيف لا يعلم أحد ما هو؟". وروي أن هذه الآية نزلت في أبي [الدحداح الأنصاري كان من أفاضل الأنصار رحمه الله. ولما حض الله المؤمنين على الصدقة، قال: يا رسول الله، ربنا يستقرض منا؟ قال رسول الله [عليه السلام]: نعم، ليعظم بذلك ثوابك، فقال يا رسول الله، والله ما أَمْلِكُ غير حائطي، وقد جعلته لله عز وجل وأرضى بثوابه. ثم مضى إلى الحائط وفيه امرأته وصبيانه، فصاح من خارج بامراته: خذي بيد الصبية فاخرجي، فإني سمعت الله يستقرض خلقه ليعظم بذلك ثوابهم فأقرضته حائطي. فقالت له امرأته: لا تقيل ولا تقال، ربح بيعك. وأخذت بيد الصبية، وخرجت والنخيل موقورة رطباً وزهواً. فقال رسول الله ﷺ: "كم من غدق مذلل في الجنة لأبي الدحداح وقالت اليهود: "إنما ربنا فقير يستقرض منا، ولم نر غنياً يستقرض من فقير. فأنزل الله، ﴿لَّقَدْ [سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ] ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] الآيات. وعن الحسن أنه قال في حديث له طول: "لما نزلت الآية أتى أبو الدحداح النبي ﷺ وقال: يا نبي الله إني قد أقرضت الله حائطي. فقال له رسول الله ﷺ : أَيُّ أَحَدِهِمَا يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ؟ قال: اختر خيرهما. قال: أَبْشِرْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَ لَكَ ذَلِكَ فِي الجَنَّةِ بِأَلْفِ أَلْفٍ. قال: فمضى أبو الدحداح وأخرج أولاده من الحائط، وجعل يخرج التمرة من فم هذا ومن حجر هذا، ومن كم هذا، ويلقيها في الحائط وأنشأ يقول: يَا أُمَّ دَحْدَاحِ هَدَاكِ الهَادِي * إِلَى سَبِيلِ الخَيْرِ وَالرَّشاَدِ بينِي مِنَ الحَائِطِ وَسْطَ الوَادِي * فَقَدْ مَضَى قَرْضاً إِلَى التَّنَادِ أَقْرَضْتُهُ اللهَ عَلَى اعْتِمَادِ * طَوْعاً بِلاَ مَنٍّ وَلاَ ارْتِدَادِ إِلاَّ رَجَاءَ الضِّعْفِ فِي الْمَعَادِ * فَوَرِّطِي الحَائِطَ قَبْلَ الغَادِ وَارْتَجِلي بالْفَقْرِ وَالأَوْلادِ * قَبْلَ تَدَاعِيهِمْ إِلَى الجَدادِ وَاسْتَبْقِي وُفقْتِ لِلرَّشَادِ * إِنَّ التُّقَى وَالبِرَّ خَيْرُ زَادِ قَدَّمَهُ الْمَرْءُ إِلَى الْمَعَادِ فأجابته أم الدحداح: بَشَّرَكَ اللهُ بِخَيْرٍ وَفَلاَحْ * مِثْلُكَ أَجْرَى مَا لَدَيْهِ وَنَصَحْ وَانْتَهَزَ الحَظَّ إِذَا الحَظُّ وَضَحْ * قَدْ مَتَّعَ اللهُ عِيَالِي مَا صَلَحْ بِالْعَجْوَةِ السَّوْدَاءِ وَالزَهْوِ الْبَلَحْ * وَاللهُ أَوْلَى بِالَّذِي كَانَ مَنَحْ مَعْ عَاجِلِ التَّضْعِيفِ فِيمَا قَدْ شَرَحْ * وَالمَرء يَسْعَى وَلَهُ مَا قَدْ كَدَحْ طُولَ اللَّيالِي وَعَلَيْهِ مَا اجْتَرَحْ فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَضْعَفَهُ لَهُ فِي الجَنَّةِ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ ومعنى ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ - بالصاد - أي يقبض الأرزاق فيضيقها على من يشاء ويبسطها فيوسعها على من يشاء. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي إليه مرجعكم في معادكم.

البقرة 2:246

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ﴾ الآية. معنى أَلَمْ تَرَ، في جميع القرآن: ألم تعلم، ألم يبلغك خبرهم يا محمد. والملأ هنا أشراف القوم ووجوهم، جمع لا واحد له من لفظه. والنبي، قال السدي: اسمه سمعون، سمي بذلك لأن الله عز وجل سمع دعاء أمه وأجابها في أن وهبها إياه فسمته سمعون إذ قد سمع دعاءها. وقال وهب: اسمه إسمويل. وقيل: هو يوشع بن نون، قاله قتادة. وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما وذلك بعد موت موسى. قال السدي: "كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة وكان ملك العمالقة جالوت، فظهرت العمالقة على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية فسألوا الله أن يبعث إليهم نبياً يقاتلون معه. وكان سبط النبوة قد هلك من عندهم، فلم يبق إلا امرأة حبلى من شيخ من سبط النبوة، فأخذوها وحبسوها في بيت خوفاً أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبتهم في ولد ذكر منها، فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً، فسمّته سمعون إذ قد سمع الله دعاءها فيه فكبر وتعلم التوراة فأتى جبريل عليه السلام، والغلام نائم إلى جنب الشيخ فدعاه بلحن الشيخ، فقام الغلام وقال: يا أبتاه، أنت دعوتني؟ فكره الشيخ أن يقول: لا، فيفزع الغلام. فقال با بني، ارجع فنم. فدعاه جبريل الثانية. فأتى الغلام الشيخ فقال: دعوتني؟ فقال له: ارجع فنم، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلما كان الثالثة ظهر جبريل عليه السلام، فقال له: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك نبياً. فأتاهم فكذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة، وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك. فقال لهم سمعون: عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا. فقالوا وكيف لا نقاتل، وقد غلب علينا وأخرجنا من ديارنا وأبنائنا". أي أسر منهم من أسر فأخرج من دياره وأبنائه، وهم في وقت قولهم قد كانوا في ديارهم وأبنائهم، ولكن المعنى: أن من أسر منهم قد فُعِلَ به ذلك، فأُخبروا عن أنفسهم والمراد به بعضهم، فهو عام يراد به الخصوص. فأما قوله: ﴿عَسَيْتُمْ﴾، فقد ضعفت قراءة من كسر السين لأنه يلزم أن يجيز "عَسِيَ أَنْ أَقُومَ"، وذلك لا يقال. قال أبو حاتم، "لا وجه للكسر، ويلزم منه فَعَسِيَ ﴿ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢]. وقد حكى أهل اللغة؛ يعقوب وغيره ، "أن الكسر مع المضمر خاصة، لغة". قال أبو غانم: "هي لغة أهل الحجاز يكسرون مع المضمر خاصة".

البقرة 2:247

قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾. قال لهم ذلك سمعون بأمر الله له، [فلم يرضوا] به، وكان طالوت هو من سبط ابن يامين بن يعقوب، فقالوا: أنى يكون له الملك علينا، وهو من سبط ابن يامين، ولا ملك فيه. ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ﴾. لأنا من سبط يهوذا بن يعقوب. ﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ﴾: عابوه بفقره. قيل: طالوت كان سقاءً وكان دباغاً. قال وهب بن منبه: "لما سألوا نبيهم أن يبعث الله إليهم ملكاً يقاتلون معه سأل نبي الله في ذلك، فأمره أن ينظر إلى قرن في بيت فيه دهن، فقيل له: هذا الدهن إذا نشَّ عند دخول رجل فهو الملك، فَأَدْهِنْ رأسه منه ومَلِّكْهُ عليهم، فأقام النبي ينتظر متى يدخل ذلك الرجل عليه. فخرج طالوت يوماً في طلب دابة له، ومعه غلام له فمر ببيت النبي فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن دابتنا ليرشدنا إليها، ويدعو لنا بخير، فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران شأن دابتهما ويسألانه الدعاء، إذ نش الدهن الذي في القرن، فأخذه النبي وقال لطالوت: قَرِّبَ رأسك فَدَهِّنْهُ من الدهن، [ثم قال] له: أنت مِلك بني إسرائيل. فشاع الأمر في بني إسرائيل [وأتت] عظماء بني إسرائيل لنبيهم وقالوا: ما لطالوت يُمَلَّك علينا ونحن أحق بالملك منه لأنك قد علمت أن الملك والنبوة في آل لاوي وآل يهوذا فقال لهم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: أي اختاره وزاده بسطة في العلم والجسم". وقال السدي: "لما سألوه ملكاً يقاتلون معه أتاهم بعصا، وقال: إن صاحبكم طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها، فقال لهم: إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا ما كنت قط أكذب منك الساعة". قال ابن عباس: "كان من بني إسرائيل سبط نبوة وسبط خلافة، ولم يكن طالوت من أحد السبطين، فلذلك قالوا: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي من أين له ذلك، وليس هو [من أحد] السبطين ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ﴾، لأنا من أحد السبطين". وقال غيره: "[كان طالوت من سبط قد أتوا] ذنباً فنزع منهم الملك، فلذلك أنكروا أن يكون ملكاً إذ هو من سبط قد أتوا ذنباً، ونزع منهم الملك". قال وهب بن منبه: "كان طالوت يطول بني إسرائيل من منكبيه إلى فوق؛ يزيد ذلك على أطولهم". * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾. أي: يضعه حيث يشاء. ﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ﴾. أي: يوسع من فضله على من يشاء. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن هو أحق بالمملكة، وبما فيه حسن العاقبة وهذه الآية تدل على جواز إقامة المفضول لأن نبيهم كان أفضل من طالوت فقد قدم المفضول على الفاضل.

البقرة 2:248

قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية. دلت هذه الآية على أن في الكلام حذفاً واختصاراً كأنهم قالوا: ما آية ملكه وما علامته؟ فقال: آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة. وهذا التابوت كان عندهم من عهد موسى ﷺ وهارون ، فسلبهم إياه ملوك من أهل الكفر، فجعل الله رده عليهم آية لملك طالوت. قال ذلك قتادة والربيع، قالا: "كان التابوت في البرية، وكان موسى ﷺ خلفه عند فتاه يوشع بن نون، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت. وقال أهل التفسير: كان بنو إسرائيل ينبهون بالتابوت ويستنصرون به على الأعداء، ويقدمونه أمامهم إذا قاتلوا أهل الكفر. فلما عصوا الله عز وجل وخالفوا أنبياءه، أظهر الله عليهم أهل الكفر، فسلبوهم التابوت وجعلوه في مخرأة عناداً وتصغيراً له. فلما تقذر الموضع الذي هو فيه، ابتلاهم الله بالبواسير، فضاقوا بها ذرعاً وعلموا السبب الذي من أجله ابتلوا بها، فأجمع رأيهم على إخراج التابوت، فأخرجوه وجعلوه على بقرة ذات لبن، فحملته الملائكة حتى وضعته بين بني إسرائيل، فرضوا بطالوت ملكاً. وكان لهم في هذا التابوت آية عظيمة كانوا يهزمون به العدو ويظهرون به على الكفار. فقالوا: إن جاءنا التابوت آمنا وسلمنا، وكان العدو الذين أخذوه أسفل الجبل - جبل إيلياء عبدة أوثان - وكان ملكهم جالوت، وكان طالوت قد أعطاه الله شجاعة وقوة وشدة وبطشاً، وكان الكفار قد جعلوا التابوت في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة رؤوسها. وبعث الله عز وجل على أهل تلك القرية فأراً يبيت الرجل الفأرة فيصبح ميتاً قد أكلت ما في جوفه، فاستشأموا بالتابوت، وقالوا: هذا بلاء قد أصابكم مذ كان هذا التابوت بين أظهركم، قد رأيت أصنامكم تصبح كل غداة منكسة، ولم تكن تصنع هذا إلا مذ كان التابوت معها فأخرجوه من بين أظهركم. فدعوا بعجلة فحملوا التابوت عليها ثم علقوها بثورين، ثم ضربوا على جنوبهما. فمرت الملائكة تسوق الثورين حتى وقفوا على بني إسرائيل فكبروا، وحمدوا الله وجدوا في الحرب". وقال ابن عباس: "لم يبق فيه من الألواح إلا سدسها، وكانت العمالقة أخذت التابوت وهم فرقة من عاد، فحملت الملائكة التابوت بين السماء والأرض وهم ينظرون حتى وضعته عند طالوت، فسلموا له الأمر وملكوه. وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا بين أيديهم التابوت". قال ابن عباس: "بلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة". قال وهب: "كان نحو ثلاثة أذرع في ذراعين". قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾. قيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. قال ذلك علي بن أبي طالب. وروي عنه أنه قال: "هي ريح خجوج ولها رأسان". وقال مجاهد: "السكينة لها رأس كرأس الهر، وجناحان وذنباً كذنب الهر". وقال السدي: "هي طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، وفيها رضاض الألواح. وكانت الألواح من درر وياقوت وزبرجد". وروي عن وهب بن منبه "أن السكينة روح من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء، بين لهم ما يريدون". وقال ابن جريج: "سألت عطاء عن السكينة فقال: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها". وقال الربيع: "السكينة الرحمة". وقال قتادة: "السكينة الوقار". وروى الضحاك عن ابن عباس أن السكينة دابة مثل الهرّ لعينيها إشعاع، فإذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فينهزم ذلك الجيش من الرعب. وقال بعض بني إسرائيل من علمائهم: "السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت صراخ الهر، أيقنوا بالنصر". واختار الطبري أن تكون السكينة ما يسكنون إليه من الآيات، وهو قول عطاء، وكل ما ذكرنا من الأقوال فهي آيات تسكن إليها النفوس، فهي داخلة تحت هذا القول. * * وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ﴾. قيل: هي عصا موسى، ورضاض الألواح لأن موسى ﷺ حين ألقى الألواح تكسرت، فوقع منها رضاض، فجعل في التابوت. قاله عكرمة وقتادة والسدي. وروي عن ابن عباس. وقال مقاتل: "البقية رضاض الألواح، وصر في طست من ذهب وعمامة موسى وعصاه". وعن السدي أنه قال: "هي التوراة ورضاض الألواح والعصا". وقال أبو صالح: "هي لوحان من التوراة وثياب موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم وعصاهما وكلمة الفرج، لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين". وقيل: هي عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح. قاله أبو صالح وعطية بن سعد. وقال الثوري: "هي العصا والنعلان". وقيل: هي العصا وحدها. وقال القتبي: "هو من المَنِّ الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح. * * قوله: ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قيل: حملته إليهم عياناً حتى وضعته بين أظهرهم. وقيل: حملته حتى وضعته في دار طالوت. وقيل: حمل إليهم التابوت بأمر الملائكة، كما تقول: "حَمَلَ السلطان الأمير إلى بلد كذا"، وإنما أمر بحمله ولم يحمله هو بنفسه، فلما وصل إليهم التابوت أقروا غير راضين، وخرجوا للقتال ساخطين. قاله ابن زيد. وقيل: معنى ﴿تَحْمِلُهُ﴾ تسوقه على عجلة تجرها بقر. وقد ذكرنا ذلك. * * ومعنى ﴿إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. إن كنتم تصدقون إذا جاء التابوت، ولم يكونوا مؤمنين قبل مجيء التابوت لأنهم كذبوا بنبيهم فيما قال لهم وسألوه أن يبين صدقه بآية.

البقرة 2:249

قوله: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية. أي مختبركم، وذلك أنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين العدو [وكان قد خرجوا] في ثمانين ألفاً، ولم يتخلف منهم إلا ذو عذر. والنهر بين الأردن وفلسطين، امتحنهم الله به على عطش كانوا فيه. فقال: "من شرب منه فليس مني:، أي ليس من أهل ولايتي". ﴿إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ سمح الله لهم في الغرفة. ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ﴾، أي من تركه، ولم يشرب منه فهو مني. فلما جاوزوا النهر شربه أكثرهم، ولم يقنعوا بغرفة، فكان من شرب عطش، ومن اغترف غرفة روى. وجعل الكفار منهم يشربون فلا يروون، والمؤمن يغترف بيده فترويه. فعبر معه منهم أربعة آلاف، وهم الذين اغترفوا، ورجع ستة وسبعون ألفاً، وهم الذين شربوا. وقال ابن زيد: "قال طالوت حين فصل، لا يصحبني إلا من له نية في الجهاد، فلم يتخلف عنه مؤمن، ولم يصحبه منافق رجعوا كفاراً، وأخذ من بقي منهم غرفة، ومنهم من لم يمسه". وكان البراء يقول: "إن أصحاب النبي عليه السلام يوم بدر، على عدة من جاز مع طالوت النهر، وذلك ثلاثمائة وبضعة عشر". وقال السدي: "عبر النهر معه أربعة ألاف، ورجع ستة وسبعون ألفاً، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده، قال المنافقون منهم: ﴿لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾، فرجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وخلص طالوت في ثلاثمائة وبضعة عشر، - عدة أهل بدر -، وهم الذين قالوا: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾. * * ومعنى ﴿يَظُنُّونَ﴾ يوقنون، ويجوز أن يكون "يشكون" أي يشكون هل يقتلون [في تلك الغزاة، أو يسلمون، ليس هو شك في البعث. قال أكثر المفسرين: واختبرهم الله بالنهر، وامتحنهم بالعطش الشديد فشربوا إلا قليلاً منهم اغترفوا ولم يكثروا وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر وكان جالوت في مائة ألف. * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ أي إذا صبروا في طاعته. وذكر ابن وهب أن ابن عباس قال لكعب: أخبرني عن ست آيات في القرآن لم أكن علمتهن، ولا تخبرني عنهن إلا بما تجد في كتاب الله المنزل: ما سجين؟ [المطففين: ٨] وما عليين؟ [المطففين: ١٨] وما سدرة المنتهى؟ [النجم: ١٤]، وما جنة المأوى؟ [النجم: ١٥] وما بال أصحاب الرس ذكرهم الله في الكتاب؟ [ق: ١٢] وما بال طالوت رغب عنه قومه؟، وما بال إدريس ذكره الله فقال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ [مريم: ٥٧]. قال كعب: "والذي نفسي بيده لا أخبرك عنهن إلا بما أجد في كتاب الله المنزل. أما "سجين"، فإنها صخرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها اسم كل شيطان. فإذا قبضت نفس الكافر، عرج بها إلى السماء، فغلقت أبواب السماء دونها ثم رمي بها إلى سجين فذلك سجين. وأما "عليون"، فإنه إذا قبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء، وفتحت لها أبواب السماء، حتى تنتهي إلى العرش، فتخرج كف من العرش فتكتب له: نزله وكرامته فذلك "عليون". وأما سدرة المنتهى، فإنها سدرة عن يمين العرش، انتهى إليها علم العلماء فلا يعلم العلماء ما وراء تلك السدرة. وأما "جنة المأوى"، فإنها جنة تأوي إليها أرواح المؤمنين. وأما "أصحاب الرسّ"، فإنهم كانوا قوماً مؤمنين يعبدون الله في ملك جبار لا يعبد الله فخيرهم أن يكفروا أو يقتلهم، فاختاروا القتل على الكفر، فقتلهم ثم رمى بهم في قليب فلذلك سموا أصحاب الرس". وأما "طالوت"، فإنه كان من غير السبط الذي الملك فيه فلذلك رغب عنه قومه. وأما "إدريس"، فإنه كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض، فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه فأذن الله له أن يؤاخيه.. الحديث" وهو مذكور في مريم بتمامه والله المستعان.

البقرة 2:250

قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ الآية. أي أنزل علينا الصبر لقتالهم، وانصرها عليهم.

البقرة 2:251

قوله: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾. أي أتى داود، وذلك أن جالوت برز وقال: من يبرز إلي فيقتلني، فلكم ملكي، وإن قتلته فلي ملككم، فأتي بداود إلى طالوت، فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته، وأن يحكمه في ماله فألبسه طالوت سلاحاً، فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله إن لم ينصرني عليه، فلا تغني السلاح شيئاً، فخرج بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم برز إليه. فقال له جالوت: أنت تقاتلني؟ فقال داود: نعم. فقال جالوت: ويحك ما خرجت إلا كما يخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة، لأُبَدِّدَنَّ لحمك ولأطعمنك اليوم الطير والسباع". فقال له داود: "بل أنت عدو الله شر من الكلب". فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع، فأصاب بين عينيه حتى نفذ في دماغه، وصرع جالوت وانهزم من معه، وأخذ رأسه. ورجع الناس إلى طالوت، فادَّعَوْا قتل جالوت، فأتى بعضهم بسيف وبعضهم بشيء من جسده، والرأس مع داود. فقال طالوت: "من جاء بالرأس فهو الذي قتله. فجاء داود به، وطالب طالوت بما وعده. فندم طالوت على ما جرى بينهما من الشرط، فقال طالوت: إن بنات الملوك لا بد لهن من صداق وأنت رجل جريء شجاع، فاجعل صداقها ثلاثمائة غلفة من أعدائنا - يرجو بذلك أن يقتل داود -. فغزا معه داود، وأسر ثلاثمائة وقطع غلفهم وجاء بها، فلم يجد بداً من تزويجه وأدركته الندامة، فأراد قتل داود حتى هرب منه إلى الجبل، وحاصره طالوت، فلما كان ذات ليلة تسلط عليهم النوم فنزل داود فأخذ إبريق طالوت الذي كان يشرب فيه، وقطع شعرات من لحيته وشيئاً من هدبة ثيابه ورجع إلى مكانه، وناداه: أن تعهد حرسك، فإني لو شئت قتلتك البارحة، وهذا إبريقك وشيء من شعر لحيتك، وشيء من هذبة ثيابك، وبعث به إليه. فعلم طالوت أنه لو شاء قتله، فعطفه ذلك عليه فأمنه وعاهده ألا يرى بأساً ثم انصرف". قال ابن إسحاق: "إن داود كان له أربعة إخوة خرجوا مع طالوت، وبقي داود في الغنم يرعاها لهم، وكان أصغرهم، فأمره أبوه أن يحمل إليهم زاداً ويرجع، فخرج داود ومعه زاد إخوته ومخلاته فيها حجارة، ومقلاعه الذي يرمي به فمر بحجر فناداه يا داود، خذني فاجعلني في مخلاتك تقتل بي جالوت، فإني حجر يعقوب، فأخذه [وجعله] في مخلاته ومضى فناداه حجر آخر مثل ذلك، وقال: أنا حجر إسحاق، فأخذه ومضى، فنادي ثالث مثل ذلك، وقال: أنا حجر إبراهيم فأخذه ووصل إلى القوم فدفع إليهم أزودتهم، فسمع داود خوض الناس في العسكر وتعظيمهم لأمر جالوت فقال لهم: "إنكم لتعظمون من أمره، والله لو أراد الملك لقتلته فأدخلوني على الملك طالوت. فأدخل عليه فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون أمر هذا العدو ووالله لو أردته لقتلته. فقال له طالوت: يا فتى، ما عندك من القوة على ذلك، وفيمن جربت نفسك؟ قال داود: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وآخذ برأسه فأفك لحييه عنها، فآخذها من فيه، فادع لي بدرعك حتى ألبسها، فدعا بالدرع فلبسها. فلما أصبحوا رجعوا إلى جالوت فلما التقى الناس، قال داود: أروني جالوت. فأروه إياه على فرس، فلما رآه جعلت الأحجار الثلاثة تتواثب في مخلاته [ويقول] هذا: خذني، وهذا خذني. فأخذ أحدها وجعله في مقلاعه، ثم أرسله فصك به بين عينيه، ورفعه، وتنكس عن دابته فقتله. وانهزم وقال الناس: قتل داود جالوت، وخلع طالوت حتى لم يسمع له ذلك". * * ﴿وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾. أي داود. والحكمة: النبوة. * * قوله: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية. أي يدفع بأهل الطاعة عن أهل المعصية، وبالبر عن الفاجر. ﴿لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ﴾. أي بهلاك أهلها. وروى ابن عمر عن النبي [عليه السلام] أنه قال: "إِنَّ اللهَ لَيَدْفَعُ بِالمُسْلِمِ الصَّالِحِ عَنْ مَائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْبَلاَءَ"ثم قرأ ابن عمر ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ﴾. وعن جابر بن عبد الله، قال: قال [النبي عليه السلام]: "إِنَّ اللهَ لَيُصْلِحُ بِصَلاَحِ المُسْلِمِ وَلَدَهُ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ، وَأَهْلَ دُوَيْرَتِهِ وَدُوَيْرَاتِ جِيرَانِهِ. وَلاَ يَزَالُونَ فِي حِفْظٍ مَا دَامَ فِيهِم وأكثر أهل التفسير على أن المعنى: لولا أن الله يدفع بمن يصلي عن من لا يصلي، وبمن يتقي عن من لا يتقي لأهلك الناس بذنوبهم. وقيل المعنى: لولا أن الله أمر بحرب الكفار، لكان إفسادهم في الأرض أكثر، ولولا أمره في الحرب لَعُمِلَ بالكفر، فيهلك الناس بذنوبهم.

البقرة 2:252

قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ﴾. أي هذه آيات الله، أي علاماته تتلى عليك يا محمد. * * ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. أي ما تلي عليك من إماتة من ذكر وإحيائه، وبعث طالوت ملكاً وقتل داود جالوت، وشبه ذلك مما تقدم من الآيات التي لا يخبر بمثلها إلا نبي، وإنك إذ جئتهم بهذه الآيات والحجج وأنت أمي لا تقرأ الكتاب لمن المرسلين إذ لا يأتي بهذه الآيات المعجزات إلا مرسل.

البقرة 2:253

قوله: ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. "تلك" إشارة إلى من تقدم ذكره من الرسل: موسى وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وإسحاق وداود ممن تضمنه ما تقدم. قال أبو هريرة: "خير ولد آدم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ وهم أولوا العزم" ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ هو موسى، ورفع بعضهم درجات: هو محمد ﷺ أرسله إلى الناس كافة، وكلمته الشجرة، وانشق له القمر وأطعم الخلق الكثير من اليسير من الطعام في أشباه لهذا لا تحصى، رفع الله بها درجة محمد صلى الله عليه [وسلم]. وروى أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ [أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي: بُعِثْتُ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأُحِلَّتْ لِي الغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لِنَبيٍّ كَانَ قَبْلِي وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَة، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قدْ سَأَلَ الشَّفَاعَةَ وَإِنِّي أَخَّرْتُ شَفَاعَتِي فَجَعَلْتُهَا لِمَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لاَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً قوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ﴾. أي أعطيناه الحجج الدالة على نبوته، وهي: إبراء الأكمه، وإحياء الموتى ونفخه في الطين فيكون طائراً، وشبه ذلك. * * ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾. أي قويناه بجبريل، وقد تقدم الاختلاف في روح القدس. وهو جبريل عند الضحاك وغيره. * * قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم﴾. أي من بعد الرسل. وقال قتادة: "من بعد [عيسى وموسى صلى الله على محمد وعليهما [وسلم خاصة." وهو قول الربيع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ﴾. أي لحجزهم عن القتال ومنعهم منه. * * ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. أي يوفق من يشاء فيطيع، ويخذل من يشاء فيعصي.

البقرة 2:254

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾. أي يأتي يوم هذه صفته، أنه لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة. أي يأتي يوم هذه صفته. وعني بالنفقة هنا الزكاة [و] التطوع. أمرهم تعالى أن يدخروا لأنفسهم من ذلك من قبل أن يأتي يوم صفته أنه ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾: أي لا تباع [فيه] الأعمال فلا كسب ﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾: أي لا صداقة. ﴿وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾: أي لا شفاعة للكافرين. فالآية عامة، أي لا صداقة ولا شفاعة للكافرين. فالآية عامة الظاهر خاصة، قد بينت أنها خاصة للكافر السنة. ويجوز أن يكون المعنى: ولا شفاعة إلا بإذن الله بدليل قوله بعد هذا: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]. وفي القرآن جواز الشفاعة لمن شاء الله لأنه قد قال: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال عز وجل: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. فهذا كثير يدل على جواز الشفاعة يوم القيامة ممن شاء الله عز وجل ولمن شاء الله سبحانه. فالآية مخصوصة [في الكفار]، لا شفاعة لهم ولا فيهم. * * قوله: ﴿وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾. كما تقدم في أول الآية ، ذكر صنفين كافرين ومؤمنين في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾. صرف آخر الآية إلى الكفار بعد أن خص ذكر أهل الإيمان في وسط الآية بما ذكر تعالى.

البقرة 2:255

قوله: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ الآية. أجاز النحاس: لا إله إلا إياه على الاستثناء. وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي [عليه السلام] فقال له: أي ما أنزل عليك من القرآن أعظم"، فقال النبي ﷺ: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ وقال ابن عباس: "أشرف آية في القرآن آية الكرسي". نبه الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية ألا يعبد غيره، وأن يحذر مما وقع فيه من تقدم ذكره، في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ واختلفوا فاقتتلوا وشبهه. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِي إِذَا نَامَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ حَتَّى يَنْتَبِهَ. وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا انْتَبَهَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَعُودَ، وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ عز وجل حَتَّى يَعُودَ. وَمَنَ قَرَأَهَا عِنْدَ حِجَامَةٍ كَانَتْ لَهُ مَنْفَعَتَانِ: مَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَمَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا. وَمَنْ قَرَأَهَا دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ وروى أبو هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: "لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَسَنَامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، مِنْهَا آيَةٌ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فِيهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ، وَهِيَ آيَةُ الكُرْسِي وقوله: ﴿ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾. الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا يزول. وقيل: معناه: أنه حي بحياة هي له صفة. وقيل: بل هو اسم من أسمائه تسمى به، فقلناه تسليماً لأمره. * * وقوله: ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾. قال ابن عباس: "معناه: الذي لا يزول". وقال مجاهد: "معناه القائم على كل شيء". وهو "فَيْعُولٌ" من "قَامَ"، ولا يحسن أن يكون "فَعُولاً" لأنه يلزم منه أن يقال: "قَوُوُمٌ". وقد قال ابن كيسان: "ليس في كلام العرب، فعول من الواو". وروي عن عمر أنه قرأ "الْقَيَّامُ" ووزنه "فَيْعَالٌ" من "قَامَ". وقرأ علقمة "الْقَيِّمُ"، ووزنه عند البصريين "فعيل"، ثم أدغم فكان أصله قيوماً، وأصله عند الكوفيين "قويم" مثل فعيل، ويلزمهم ألا يعل كما لم يعل "طويل" وشبهه. وصفات الله مطلقة في غاية الكمال والتمام، لا يجوز عليها حوالة ولا تغيير، بخلاف صفات المخلوقين. * * قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾. أي نعاس. قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم. ولا نوم فيستثقل. وأصل "سنة" وسنة، كزنة وعدة. قال السدي: "السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان". وقال الربيع: "السنة هو الذي يكون به الإنسان بين النائم واليقظان، وهو الوسنان، والنوم الاستثقال". نفى الله تعالى عن نفسه الآفات التي تدخل على المخلوقين، فتذهب حسهم تعالى عن ذلك. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى ﷺ: هَلْ يَنَامُ اللهُ جَلَّ ثنَاؤُهُ؟ فَأَرَسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأَرَّقَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِهِمَا. فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنْ الأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَانْكَسَرَتْ القَارُورَتَانِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ مَثَلاً"، أي أن الله لو كان ينام لم تمتسك السماوات والأرضون كما لم تمتسك القارورتان في يدي موسى عليه السلام. * * قوله: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. أي من يشفع لمن أراد الله عقوبته إلا بأمره لهم بالشفاعة. وهذا دليل على جواز الشفاعة بإذنه لمن شاء من رسله وأوليائه. وقيل: معناه: من ذا الذي يذكر الله بقلبه حتى يأذن له، لا إله إلا هو. * * قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال ابن جريج: "يعلم ما مضى أمامهم من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم من أمر الدنيا والآخرة". وهذا يدل على قدم علم الله تعالى، وأنه لم يزل عالماً ولا يزال. ﴿إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾. ما شاء هو أن يعلمه. * * قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾. قال ابن جبير عن ابن عباس: "كرسيه: علمه"، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال أبو هريرة: "الكرسي بين يدي العرش". قال مجاهد: "ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة". قال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه". قال ابن زيد: "حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا السَّمَوَات السَّبْعِ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كدراهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ وقال أبو ذر: سمعت النبي [عليه السلام] يقول: "مَا الْكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ وروى ليث عن مجاهد أنه قال: "ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وروى الأعمش عن مجاهد أنه قال: "مثل السماوات تحت الكرسي كحلقة ملقاة في الفلاة وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: "الكرسي الذي وسع السماوات والأرض موضعه من العرش موضعه من السرير، ولا يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه وقال الحسن: "الكرسي هو العرش نفسه". وقال الضحاك: "كرسيه الذي يوضع تحت العرش". وقيل: "كرسيه: قدرته". اختار الطبري أن يكون علمه لقوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ولقوله: ﴿وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧]. وفيه لغتان: ضم الكاف وكسرها. * * قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ﴾. أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: ما آدَكَ هو لي آئِدٌ". وقال القتبي: يقال: آدَاهُ يَؤُودُهُ، [وَأَدَهُ] يئده، والوأد الثقل". والهاء في ﴿يَؤُودُهُ﴾ لله جل ذكره. وقال أبو إسحاق: "يجوز أن تكون للكرسي". * * وقوله: ﴿حِفْظُهُمَا﴾. أي حفظ السماوات والأرض. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾. أي ذو الارتفاع عن شبه خلقه بقدرته. * * ﴿ٱلْعَظِيمُ﴾. أي لا شيء أعظم منه جلالة وهيبة وسلطانا. ولا يحسن أن يكون بمعنى العلو في المسافة والارتفاع من مكان إلى مكان تعالى الله عن ذلك - إنما هو علو قدرة وجلالة وهيبة وسلطان، لا علو ارتفاع من مكان إلى مكان، ليس كمثله شيء. لا يجوز عليه الحركة ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال، فافهمه. وقيل: معنى ﴿ٱلْعَلِيُّ﴾: العلي عن النظراء والأشباه، لا علو مكان. وقيل: إن ﴿ٱلْعَظِيمُ﴾ هنا بمعنى المعظم، بمعنى الذي يعظمه خلقه لم يزل على ذلك. ولا يحسن أن يتأول أن تعظيمه محدث. بل لم يزل معظماً قبل كون الخلق كما لم يزل قادراً وعالماً قبل كون المعلوم والمقدور، ولا يزال معظماً بعد فناء الخلق. وقد طعن في هذا القول. وقيل: يلزم ألا يكون معظماً قبل الخلق ولا بعدهم، إذ لا معظم له. فالجواب عن ذلك ما ذكرنا أنه لم يزل ولا يزال كذلك كالعلم والقدرة وشبههما. تقول العرب: "هذه خمر عتيقة"، بمعنى معتقة. وقيل: معنى "العظيم": أن له عظمة هي صفة له لا تكيف.

البقرة 2:256

قوله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾. أكثر الناس على أن هذه الآية مخصوصة نزلت في أهل الكتاب ألا يكرهوا على الدين، إذا أدوا الجزية. فأما أهل الأوثان فلا تؤخذ منهم الجزية ويكرهون على الدين. قاله ابن عباس؛ قال: "كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَهُ، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾ الآية، فمن شاء لحق، ومن شاء لم يلحق". وقد قيل: إن الآية منسوخة منسخها: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ وَٱلْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]. وأكثر الناس على أن هذه الآية نزلت في غير عبدة الأوثان، ومن [لا كتاب له]، ومن لا يؤدي الجزية من أهل الكتاب. والألف واللام في "الدِّين" عوض من ضمير يعود على الله. والمعنى "وهو العلي العظيم لا إكراه في دينه". وقيل: هما للتعريف. والدين: الإسلام. * * قوله: ﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيِّ﴾. قرأ أبو عبد الرحمن "الرَّشَدَ" بفتحتين، وهما لغتان، كالبُخْل والبَخَل والشُّغْل والشَّغَل والسُّقْم والسَّقَم والعُدْم والعَدَم والعُرْب والعَرَب، والعُجْم والعَجَم، والسُّخْط والسَّخَط، والحُزْن والحَزَن، والوُلْد والوَلَد. والرشد إصابة الحق، والغي ضده. وهو مصدر غَوِيَ يَغْوِي غَيّاً، وأصله "غَوْياً". وبعضهم يقول: غَوَى، يَغْوَى بالفتح فيهما. وقال بعضهم: غَوَى يَغْوِي إذا عدا الحق فضل، فمعناه: استبان الإيمان من الكفر. * * قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ﴾ أي بالشيطان، والجبت: السحر. وقيل: الكاهن. وقال مجاهد في قوله ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، هو كعب بن الأشرف، وهو مشتق من "طغى" مقلوب وأصله طَغَوُوتٌ مثل جَبَرُوتٌ. وقيل أصله طَيَغُوتٌ لأنه يقال: طَغَوْتُ وَطَغَيْتُ. وقيل: هو في معنى الطغيان وليس بمشتق منه، إنما يؤدي عن معناه، كما قيل: رجل لآلٌ من اللؤلو، يؤدي عن معناه، وليس بمشتق منه. * * قوله: ﴿بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ﴾. أي تمسك بأوثق ما يستوثق به ويتمسك به. وقيل: الجبت والطاغوت كل ما يعبد من دون الله. قال سيبويه: "الطاغوت واحد مؤنث يقع على الجميع". وقال المبرد: "هو جماعة"، يريد به الشياطين. وقال أنس: "العروة الوثقى: القرآن". ذكره عنه ابن أبي شيبة. وقيل: العروة الوثقى: العهد الوثيق. وقال ابن عباس: "العروة الوثقى: لا إله إلا الله. * * قوله: ﴿لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا﴾. أي لا انكسار لها. وقال السدي: "لا انقطاع لها". ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾. أي يسمع إيمان المؤمن وكفر الكافر. ﴿عَلِيمٌ﴾. أي عليم بمن وافق قلبه في الإيمان لسانه وأخلص في قوله.

البقرة 2:257

قوله: ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾. أي يتولاهم بتوفيقه فيخلصون ويثبتون على الإيمان ويعينهم على عدوهم ويتولى ثوابهم. * * قوله: ﴿مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾. أي: من الكفر إلى الإيمان. نزلت هذه الآية في قوم كانوا قد كفروا بعيسى فلما جاءهم محمد ﷺ آمنوا به، فكانوا في ظلمة ثم صاروا في نور، وهم العرب وعبدة الأوثان والجاهلية، كلهم من آمن منهم، وكان قوم آخرون آمنوا بعيسى فكانوا في نور، فلما جاءهم محمد كفروا به فصاروا في ظلمة وهم النصارى. روي ذلك عن ابن عباس ومجاهد. * * قوله: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ﴾. أي الشياطين. وهذا مما يدل على أن الطاغوت جمع. * * قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ﴾. أي من الإيمان إلى الكفر، وهم الذين كفروا بمحمد ﷺ يعني قريشاً وكفار العرب. وقيل: هم اليهود. وقيل: هم النصارى كانوا مؤمنين بعيسى صلى الله على محمد وعليه وسلم. هذا قول مجاهد وغيره. وإنما مثل الكفر بالظلمة، لأن الظلمة تحجب البصر عن إدراك الأشياء، كذلك الكفر يحجب القلب عن إدراك الحقائق، حقائق الإيمان. ﴿أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ﴾. هو إشارة إلى الكفار.

البقرة 2:258

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. ألِف ﴿أَلَمْ﴾ ألِفُ توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه. والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ تعود على ﴿ٱلَّذِي﴾، أو على إبراهيم ﷺ. ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد. * * قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾. الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس. وقيل: هي تعود على إبراهيم ﷺ. والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سام بن نوح. قاله مجاهد. قال قتادة: "نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل". أخبر الله عز وجل نبيه ﷺ بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم ممن يقرأ [الكتاب فينقل منها، وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق. قال مجاهد: "نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود ﷺ، وذو القرنين عليه السلام. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي". * * قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾. أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: "أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر". قال له إبراهيم: "فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها إن كنت صادقاً من مغربها". قال الله: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾. أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: "فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ" أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ فـ "الذي" في موضع نصب، على هذه القراءة. قال قتادة: "دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر" فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: "أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو قال: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت. قال زيد بن أسلم: "كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي جئت به. فعلم أن الله عز وجل قد رزقه [فحمد الله تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبار جموعه، وأمر الله عز وجل الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبق إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله عز وجل عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته". وقال السدي: "لما أخرج إبراهيم ﷺ من النار، أدخل على الملك، ولم يره قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فلما قال له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب فبهت وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على آلهتكم، وأن النار لا تأكله. وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]. * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق. وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه. قال الفراء والكسائي: "معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: هل رأيت كالذي حاج، أو كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه". وقيل: الكاف زائدة، والمعنى: "ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية".

البقرة 2:259

قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: "وهو عزير". وقيل: هو أروميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر. وقال مجاهد: "هو رجل من بني إسرائيل". وقال وهب بن منبه: "القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يُحْيى هذه الله بعد موتها". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي خربها بخت نصر البابلي. وكذلك قال قتادة وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: "وقف عليها عزير". وقال ابن زيد: "هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم] الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها". ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾. أي خالية من أهلها. ﴿عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: "قَرَيْتُ الماءَ" إذا جمعته. وقال السدي: معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾: ساقطة على سقفها. وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها. قال وهب بن منبه: "أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت. فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حولها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام". وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: "أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه". * * قوله: ﴿فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. من قرأ "نُنْشِرُهَا" بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: "أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ [المجادلة: ١١]، أي ارتِفعوا وانْضَموا. قال وهب بن منبه وغيره: "معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً". قال وهب: "كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير". قال السدي: "كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فنهق. فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير". ومن قرأ [بوصل ألف "اعلم" جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل له بعدما أراه من البراهين: "اعْلَمْ يا أرميا أن الله على كل شيء قدير". قال الضحاك: "أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتاً، فرأى حماره قائماً كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهيئته، فقال له الله جل ذكره: ﴿وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده. [والعبرة] في نفسه أعظم. فلما رأى ذلك وحيي كله قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾". وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: "أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في عينيه ورأسه فقط". قال ابن زيد: "جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ليلحق كل عضو بآلِفِه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق والأعصاب وهو يرى. ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال عند ذلك]: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾". وقال الله له ذلك يأمره به. ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان. وقد قاله الطبري. فالعطف في قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي﴾ مردود على معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن معناه: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم. فعطف على المعنى فقال: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾، تقديره: "أو رأيت مثل الذي مر". [و] العطف على المعنى كثير كما قال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، فـ "شهدوا" معطوف على معنى إيمانهم لا على كفرهم، تقديره: "بعد أن آمنوا وشهدوا". * * وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾. قال الأعمش: "جاء شاباً وولده شيوخ". وقال السدي: "جاء فوجد داره قد بيعت وبَلِيت، وهلك من كان يعرفه. فقال: اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير. قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة. فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من الدار". وروي أن عزيراً كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى أرض بابل فرأى عزير دير هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل. وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير. * * وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانَهْتُ فسكون الهاء عَلَم الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن. ومعناه: أنه مأخوذ من "السَّنَة"، أي لم تأخذه السِّنُونَ وتحله. ومن قرأ "يتَسَنَّه" فأصله يتسنن، من "سَنَّ المَاءَ" إذا تغير. فمعناه لم يتغير فأبدلوا من النون الأخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: "تَقَضَّيْتُ" في "تَقَضَّضْتُ"، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة. وقرأ طلحة بن مصرف: "لَمْ يَسَّنَّ" أدغم التاء في السين. وقد قال بعض أهل اللغة: "لَمْ يَتَسَنَّ" من أَسِنَ الماء إذا أنتن. ويلزمهم من هذا "يَتَأَسَّنْ". وقال الشيباني: "هو من قولهم: "حَمَأٌ مَسْنُونٌ". ومعنى "يَتَسَنَّ": يتغير. ولا يجوز عند أبي إسحاق أن يكون من "مَسْنُونٍ" لأن معنى "مَسْنُونٍ"، مصبوب. والصحيح أنه من السَّنَةِ، فتكون الهاء أصلية تقول في تصغيرها: "سُنَيْهَةٌ" على قول من قال: "يَتَسَنَّه". و "سُيينةٌ" على قول من قال: "يتسن".

البقرة 2:260

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾. "إذ" في موضع نصب بمعنى: "واذكر". وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ﴾: "ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم". قال قتادة: "مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟". وكذلك قال الضحاك. وقال ابن زيد: "مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال له الخبيث الشيطان يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾؟، ليرى ذلك عيانا". * * ومعنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك دخل عليه. وقال السدي: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه عز وجل أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم ﷺ أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ قال: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت، أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ. فَأَعْرَض إبراهيم عليه السلام ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربه عز وجل من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله "على محمد و "عليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك". وقال ابن عباس: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها"، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك. وقال عطاء بن أبي رباح: "دخل قلب إبراهيم ﷺ بعضُ ما يدخل قلوب الناس". وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيِمُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾، وَقَالَ: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق. وقد قال النبي [عليه السلام]: "ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ وهذا القول من نبي الله ﷺ إنما هو على التواضع والتذلل لله، ونفى التكبر كما قال: "لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ". ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين. ويجوز أن يكون قوله: "نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم"، يعني به أمته، كأنه ﷺ يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه. وقد قال سعيد بن جبير: "معنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقيناً". وعن ابن عباس: "ليطمئن قلبي" في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه". ولم يرد أن إحياء الموتى يطمئن به. قال أبو إسحاق: "ولم يكن شاكاً، ولكن أراد مشاهدة ذلك عياناً ليزداد يقيناً، فليس الخبر كالمعاينة". * * قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ﴾. قال مجاهد وابن جريج وابن زيد: "أخذ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة". وجعل ابن عباس الكُرْكِيَّ في موضع الغراب. * * قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: "صُرْ وَجْهَكَ إِلَيَّ" أي أقبل به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي. وفي الكلام حذف: "وقطعهن بعد الضم". وقال مجاهد: "﴿فَصُرْهُنَّ﴾: انتفهن بريشهن ولُحُومِهِنَّ". وقال أبو عبيدة: "صِرت [بالكسر: قطعت، وصُرت] بالضم: جمعت". وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا. وقيل: معنى الكسر: قطعهن. قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع. ويكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي فقطعهن. وقد قال عطاء: "﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: أضممهنَّ إليك". وقال ابن زيد: "أجمعهن". وقال قتادة: "أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل". قال ابن جريج: "جعل لُحُومَهُنَّ وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [ﷺ] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله عز وجل، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضعة وكل عظم يطير بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إلى الرأس الذي [في يده]". * * قوله: ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره.

البقرة 2:261

قوله: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾. قال الطبري: "هذه الآية مردودة إلى قوله: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] وإلى الآيات التي بعدها". قال السدي: "نزلت في الذي ينفق على نفسه في سبيل الله عز وجل ويخرج". والمثل في هذه الآية إنما هو للنفقة لا للمنفق، وفي الكلام حذف، والتقدير: "مثل نفقة الذين ينفقون"، ودل "ينفقون" على النفقة فحسن حذفها. وروى نافع عن ابن عمر أنه قال: "لما نزلت: ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية، قال النبي عليه السلام: "اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي"، فنزلت: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. فقال رسول الله ﷺ: ""رَبِّ زِدْ أُمَّتِي" فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ قال مالك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] "هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها". قال مالك: "وبلغني أن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد". قلت: والصبر على طاعة الله عز وجل وعن محارم الله تعالى أفضل من الصبر على المصائب والفجائع. كذا، قال عمر وغيره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي ممن أنفق في غير سبيل الله، يضاعف أيضاً إن شاء. وقيل: ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾: هو المنفق في سبيل الله عز وجل، يزيد على سبعمائة ضعف إلى ألفي ألف ضعف إن شاء. روي ذلك عن ابن عباس. * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ﴾. أي يزيد من يشاء من خلقه على السبعمائة ما شاء. ﴿عَلِيمٌ﴾. أي عليم بما ينفق المنفقون في سبيله. وقيل: عليم بمن يزيده على السبعمائة ضعف ومن لا يزيده.

البقرة 2:262

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ﴾. قال الكلبي وغيره: "أصل نزول هذه الآية في عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف، أتى عبد الرحمن بن عوف إلى النبي عليه السلام بأربعة آلاف دينار. وقال: يا رسول الله، اجتمع عندي ثمانية آلاف فعزلت لنفسي وعيالي نصفها، وجعلت لله نصفها، فجزاه رسول الله ﷺ خيراً. وقال عثمان بن عفان: يا رسول الله، عليّ تجهيز كل عاجز عن النهوض معك لفقره إلى تبوك، واشترى رومة يبرأ بوقفها للمسلمين". ثم "الآيات لكل" من فعل مثل فعلهما. وهذه الآيات فيما قال ابن زيد: "هي لمن ينفق، وليس يجاهد، ولم يقل للمجاهدين شيئاً". وقيل: هي عامة، علم الله عز وجل أن قوماً يمنون بعطيتهم فقدم لهم في ذلك. قال زيد بن أسلم: "إن ظننت أنه يثقل عليه سلامك، فكف سلامك عنه". يعني الذي تصدقت عليه.

البقرة 2:263

قوله: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾. "قول" مبتدأ، و "معروف" نعته، والخبر محذوف كأنه "أمثل" و "أولى". و "مغفرة": مبتدأ و "خير من صدقة": الخبر. قال الضحاك: "إن تمسك مَالَكَ خير من أن تنفقه، ثم تتبعه المن والأذى". * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾. أي غني عن ما يتصدق به بالمن والأذى. * * ﴿حَلِيمٌ﴾. لا يعجل بالعقوبة على من يتبع صدقته المن والأذى. وقيل: المعنى: قول جميل، ودعاء للسائل خير من أن تعطي صدقة [يتبعها أذى ومَنٌّ].

البقرة 2:264

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم﴾ الآية . أمروا أن يكفوا عن المن والأذى اللذين يبطلان ثواب الصدقة، كما يبطل الرياء صدقة المتصدق المنافق الذي يوهم بصدقته أنه مؤمن فيرائي. والمراد في قوله: ﴿وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾. هو المنافق، وإنما ذلك لأنه أضاف إليه الرياء. وذلك من فعل المنافق الساتر لكفره. فأما الكافر فليس عنده رياء، لأنه مناصب للدين مجاهر بذلك. وقيل: المراد به الكافر المجاهر. وذلك أن الكافر قد ينفق ماله، ليقول الناس: "ما أكرمه! ما أفضله"، ولا يريد بإنفاقه إلا الثناء، لا غير. فنهاهم الله أن يكونوا مثله إذا منوا أو آذوا. وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾. الصفوان: الحجر الأملس. وقرأ ابن المسيب والزهري: "صَفَوَانٍ" بفتح الفاء. وحكى قطرب "صِفْوَانٍ" بكسر الصاد. قال الأخفش: "صَفْوَانٌ، جماعة صَفْوَانَةٍ". وقال غيره: "هو واحد والصلد هو الذي لا شيء عليه من نباته ولا غيره". مَثَّلَ الله المنافقين وأعمالهم بالحجر الأملس عليه تراب، وأصابه مطر وابل؛ وهو العظيم القطر، فتركه لا شيء عليه. فكذلك صدقات المنافقين للرياء. * * ومعنى ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾. أي لا يقدرون يوم القيامة على وجود شيء مما كسبوا، أي من ثواب ما كسبوا في الدنيا لأنه كان لغير الله. * * ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ﴾. أي لا يسددهم لإصابة الهدى في فعلهم وقولهم. وهذا يقوي قول من قال: أراد بما تقدم الكافر لا المنافق. قال معنى ما ذكرنا: قتادة والربيع وغيرهما.

البقرة 2:265

قوله: ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ [أَمْوَالَهُمُ] ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ﴾. ضرب الله الآية الأولى مثلاً لأعمال الكافرين يوم القيامة، وشبه صدقة أهل الرياء والكفر بالصفوان الذي عليه تراب فأصابه مطر شديد، ثم ضرب هذه الآية مثلاً لأعمال المؤمنين وصدقاتهم. فمعنى قوله: ﴿وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، أي يقيناً وثقة. قاله السدي وقتادة وأبو صالح. وقال مجاهد: "يثبتون: أين يضعون أموالهم". قال الحسن: "يعني زكاتهم". وروي عن قتادة: "﴿وَتَثْبِيتاً﴾: احتساباً من أنفسهم". وعن الحسن أنه قال: "يثبت إذا أراد أن ينفق، فإن كان لله أنفق وإلا أمسك". * * قوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾. شبه فعل هؤلاء في صدقاتهم بجنة بربوة، وهي الترعة أصابها وابل وهو المطر الشديد العظيم القطر، فإن أخطأها الوابل أصابها الطل وهو الندى. وقال الضحاك: "هو الرذاذ من المطر، يعني اللين منه". والهاء في ﴿أَصَابَهَا﴾ تعود على الجنة أو على الربوة، وكذلك الهاء في "يصبها". * * قوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. أي فهي لا تخلف؛ لا بد من إتيان الأكل. فكذلك عمل المؤمن لا خلف لخيره. وسميت الربوة ربوة لأنها ربت على وجه الأرض. أي ارتفعت من: "ربا" إذا زاد. قال مجاهد: "الربوة المكان الظاهر المستوي". وكذلك قال الحسن. وقال الضحاك: "الربوة المكان المرتفع الذي تجري فيه الأنهار". وقال السدي: "﴿بِرَبْوَةٍ﴾: برابية من الأرض" يريد المنخفض. وقال ابن عباس: "الربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار" وتقدير الكلام عند المبرد: "فطل يكفيها". وعلى ذلك يستحسن الوقف على ﴿فَطَلٌّ﴾. وقدَّره غيره. "فهو طل" أو "أصابها طل".

البقرة 2:266

قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية. * * قوله: ﴿وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ﴾. على تقدير: "وقد أصابه الكبر"، ولذلك عطفه على "أَيَوَدُّ" وهو مخالف له. وقيل: هو محمول على المعنى، تقديره: "أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر". وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي. ينفقانهما رياء الناس، فهو يحمد على ما ظهر منه في الدنيا ولا حاجة به إلى ذلك في الآخرة كالرجل الذي له جنة من نخيل وأعناب ولا كبر معه ولا ذرية. فلما كبر، وصارت له ذرية ضعفاء. وضعف عن الكسب والتصرف، ولا طاقة لذريته على التكسب لضعفهم وصغرهم، فعند ذلك احترقت جنته، فانقطع في أحوج ما كان إليها، ولم ينتفع بها في شبيبته وقلة عياله إذ كانت سالمة. كذلك المنافق أو المرائي، إذا أتى في الآخرة لم يجد شيئاً من عمله، وهو أحوج ما يكون إليه، ولم ينفعه حمد الناس على ما ظهر لهم من عمله. فحاجته إلى العمل الصالح، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى جنته. قوله ﴿إِعْصَارٌ﴾. أي ريح فيها سموم فاحترقت، وهي ريح عاصفة تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود والجمع أعاصير، وهي التي تسميها الناس: الزوابعة. وقال الحسن: "﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: ريح فيها برد شديد". * * ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ﴾. أي هكذا البيان المُتَقَدم في الصدقة، والجهاد، وقصة إبراهيم، وجميع ما سلف. ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي العلامات. * * ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾. قال ابن عباس: "تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها". وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾: أي تطيعون".

البقرة 2:267

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال علي رضي الله عنه: "من الذهب والفضة، الجياد منها". أي زكوا من ذلك. وقيل: من الحلال. وقال مجاهد: "ما كسبتم من التجارة، ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ﴾: يعني ما فيه زكاة مما بينته السنة". ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ﴾: أي الرديء، اي لا تعمدوا إلى الرديء تتصدقون به فتجعلوه زكاتكم. ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، علق قِنوا من حشف للصدقة وكانوا يعلقون في أيام الجداد في مسجد النبي [عليه السلام] بين كل أسطوانتين أقناء يأكل منها المهاجرون والأنصار، فعلق هذا الرجل قنوا من حشف فنهوا عن ذلك، وهو الخبيث يراد به الرديء. وقال علي: "كان الرجل يعزل الرديء من التمر للصدقة، فنزلت الآية". وهو قول الحسن ومجاهد وعطاء. وقال ابن زيد: "الخبيث: الحرام". أي لا تتصدقوا من الحرام، وتصدقوا من الحلال. * * قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ﴾. أي لستم بآخذين الرديء من المال من غرمائكم إلا عن إغماض منكم؛ أي كراهية، فتأخذونه كأنكم قد أغمضتم أعينكم، فلا ترونه كراهة فيما أعطيتم. وقرأ الحسن "أن تُغْمَضُوا" بفتح الميم وضم التاء. أي لستم تأخذونه حتى تنقصوا من سعر غيره. وكذلك قرأ قتادة. قيل: معناه: لستم تأخذونه إلا أن يهضم لكم من ثمنه أي ينقص. وقرأ الزهري: "تَغْمِضُوا" بفتح التاء، وكسر الميم. وعنه أيضاً بضم التاء، وتشديد الميم. وقال علي: "لستم ممن يأخذ الرديء حتى يهضم لكم"، أي يرخص عليكم من ثمنه، فيقول تعالى: "ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم إلا عن تغمض وترخص في أخذه وكراهة". وقال ابن زيد: "لستم ممن يأخذ الحرام حتى يغمض لكم فيه من الإثم". * * قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾. أي غني عن أن تتصدقوا بالرديء والدنيء، وتأخذوا لأنفسكم الجيد. ﴿حَمِيدٌ﴾ لمن تصدق بطيب ماله.

البقرة 2:268

قوله: ﴿ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ﴾. أي يخوفكم به ويوسوس إليكم به، فلا تخرجون الزكاة. ﴿وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ﴾ أي [بترك الصدقة فتكونون عاصين]. ﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً﴾ أي يجازيكم على صدقاتكم بالمغفرة. وقال ابن عباس: "الشيطان يقول: "لا تنفق مالك، أمسكه عليك"، والله يعدل مغفرة على تركك هذه المعاصي، وفضلاً في الرزق". وقال قتادة: "والله يعدكم مغفرة لفحشائكم، وفضلاً لفقركم". ﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يعطيكم من سعته، ما شاء لمن شاء. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمن [يطيعه فيتفضل] عليه، ومن يعصيه فيغفر له أو يعاقبه. وروي أن في التوراة مكتوباً: "عبدي أنفق من رزقي أبسط عليك من فضلي، فإن يدي مبسوطة على كل يد مبسوطة". وفي القرآن نظير هذا، ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].

البقرة 2:269

قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾. قال ابن عباس: "الحكمة علوم القرآن مقدمه ومؤخره وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه". وقال قتادة: "الحكمة: الفقه في القرآن". وقال مجاهد: "الحكمة: الإصابة في القول". وقال ابن زيد: "الحكمة: العلم بالدين". قال مالك: "الحكمة: المعرفة بدين الله، والفقه فيه، والاتباع له". وروى عنه ابن القاسم أنه قال في الآية: "الحكمة: التفكر في أمر الله والاتباع له". وعنه أيضاً أنه قال: "الحكمة: طاعة الله والاتباع له، والفقه في الدين والعمل به". وقال مالك: "إنه ليقع في قلبي أن الحكمة هي الفقه في الدين يدخل الله في القلوب من رحمته وفضله". وقال الربيع بن أنس: "الحكمة: الخشية". وقال السدي: "الحكمة: النبوءة". وقال زيد بن أسلم: "الحكمة: الفهم عن الله في أمره ونهيه". وقال ابن زيد بن أسلم: "الحكمة: العقل في الدين". وقال مجاهد أيضاً: "الحكمة: القرآن". وقاله الضحاك. * * قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾. أي لا يتذكر ولا يتعظ بهذه الآيات إلا أولوا العقول وهم المؤمنون. قاله ابن سلام.

البقرة 2:270

قوله: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. الهاء "في ﴿يَعْلَمُهُ﴾ تعود على الإنفاق أو على النذر. أي ما تصدقتم من صدقة لم تعقدوها على أنفسكم أو نذرتم من نذر، فعقدتموه على أنفسكم، فإن الله يعلم ذلك، أي يعلم من تصدق ونذر لوجه الله، ومن فعل ذلك للرياء. و "ما" لمن ظلم نفسه فتصدق لغير الله، ونذر لغير الله. قال الحسن: "قال رسول الله ﷺ: "مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَعْظَمُ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلٍ وقال الحسن أيضاً عن النبي عليه السلام أنه قال: "مَا أَنْفَقَ النَّاسُ مِنْ نَفَقَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ الله، وَالْحَمْدُ لله، وَلاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله، وَقِرَاءَةُ القُرْآن وقال: "أَفْضَلُ النَّفَقَةِ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَالِدَيْكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى وَلَدِكَ وَزَوْجَتِكَ وَعِيَالِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ عَلَى قَرَابَتِكَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَا تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ الله". هذا معنى الحديث. * * قوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾. أي ما للظالم من نصير ينصره يوم القيامة.

البقرة 2:271

قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية. قال الربيع: "كل مقبول، إذا كانت النية خالصة، والسر أفضل". وكذلك قال ابن جبير وغيره. وهذا في التطوع. قال [ابن عباس: "صدقة التطوع في السر أفضل من العلانية، يقال: بسبعين ضعفاً. وصدقة الفريضة في العلانية أفضل من السر بخمسة وعشرين ضعفاً". وكذلك جميع الفرائض والنوافل على هذا القياس. ومن قرأ: "يُكَفِّرْ" بالياء، فمعناه: ويكفر الإعطاء. وقيل: معناه: ويكفر الله، و "مِنْ" للتبعيض. * * ومعنى ﴿مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يكفر منها ما شاء لمن يشاء، ليكون العباد على وَجَلٍ من الله، لئلا يتكلوا على الصدقات أنها تكفر الذنوب كلها. وقيل: "من" زائدة، فتكون الكفارات للسيئات كلها. * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أي خبير بما تصنعون في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها. * * ومعنى ﴿خَبِيرٌ﴾ ذو خبر.

البقرة 2:272

قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾. هذا مثل ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩]، على قراءة من رفع، أي ليس عليك سوى البلاغ المبين، ولست عليهم بمسيطر. ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفقه للهداية. وهذه الآية نزلت في المشركين لأن المؤمنين كانوا لا يتصدقون عليهم ليدخلوا في الإسلام، فنزلت: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ﴾. وقيل: "نزلت في أسماء بنت أبي بكر امتنعت مِن بِر جدها [أبي قحافة] إذ لم يسلم وغيره، فتصدق عليهم". قال ذلك ابن عباس وابن جبير، قالا: "كان ناس من الأنصار لهم قرابة ضعفاء مشركون فلا يتصدقون عليهم، فنزلت الآية، فتصدقوا عليهم". وروى ابن جبير أن النبي ﷺ "كان لا يتصدق على المشركين حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم". وقال ابن زيد: "لك ثواب نفقتك، وليس عليك من عمله شيء". وهذا إنما هو في التطوع، فأما في الواجب فلا يعطى منه إلا المسلمون. قال مالك: "يتصدق على اليهود والنصارى من التطوع، ولا يعطون من الواجبات لا من الزكاة ولا من صدقة الفطر، ولا مما أشبههما". * * قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾. أي ما تتصدقوا من مال - والخير المال - فإنه لأنفسكم تجزون به. [روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: "إِذَا تَصَدَّقَ الْعَبْدُ بِالْصَّدَقَةِ وَقَعَتْ فِي يَدِ اللهِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْسَّائِلِ فَيُرْبِيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرْبِي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مَثْلَ أُحُدٍ وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿َيَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال: ﴿وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤].

البقرة 2:273

قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ [ٱللَّهِ]﴾. اللام متعلقة بقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ للفقراء الذين من حالهم وقصتهم - ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾. وعني به فقراء المهاجرين بالمدينة. ومعنى: ﴿أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾: منعوا أنفسهم من التصرف وحبسوها على جهاد عدوهم. قاله قتادة وغيره. وقال ابن زيد: "كانت الأرض للعدو، فلا يستطيعون تصرفاً فهم محصورون". وقال السدي: "معناه: حصرهم المشركون بالمدينة". * * ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي تقلباً ولا تصرفاً في المعاش والتجارات. وقال ابن جبير: "نزلت في قوم أصابتهم جراحات في سبيل الله، فصاروا زمنى من أجل عدوهم، أو من أجل حرصهم على الجهاد والغزو. * * قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾. بكسر السين وفتحها لغتان، ونظيره "نَعِمَ" و "يَئِسَ"، يأتي المستقبل بالفتح والكسر. وحكى أبو إسحاق أن مثله عهد، يقال: يَعْهِدُ وَيَعْهَدُ. ومعنى: ﴿يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ﴾. أي الجاهل بأمرهم وحالهم، أغنياء من تعففهم عن المسألة والتعرض لها. تعرفهم يا محمد بعلاماتهم وهي السيماء وهي أثر السجود. وقيل: هي الخشوع والتواضع. قاله مجاهد. وقيل: هي أثر الفاقة والحاجة. قاله السدي. وقال ابن زيد: "هي رثاثة ثيابهم، لأن الجوع خفي". ومن العرب من يمد السيماء، ومنهم من يقول سيماء بالمد وزيادة ياء بعد الميم. * * قوله: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾. أي إلحاحاً، أي لا يشملون الناس بالسؤال، ومنه اللحاف. والمعنى: لا يكون منهم سؤال فيكون إلحافاً. وهو كقول امرئ القيس: "عَلَى لاَ حِبٍ لاَ يَهْتَدِي لِمَنَارِهِ". أي ليس فيه منار فيهتدي به. ويقال: قد ألحف السائل إذا ألح. ويقال: "أَلْحَفَ الرجل" و "أَلَحَّ" و "أَحْفَى"، بمعنى واحد.

البقرة 2:274

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾. قال ابن عباس: "نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ كانت معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً. وبالنهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً". وقيل: "إنها نزلت في علف الخيل في سبيل الله". ذكر ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعن أبي ذر الغفاري. وقال أبو أمامة: "نزلت في أصحاب الخيل". وكذلك قال الأوزاعي: "هي في الذين يربطون الخيل في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار "وروي ذلك عن أبي الدرداء. وعلى أنها في الخيل أكثر أهل التفسير.

البقرة 2:275

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ﴾ الآية. معناها: الذين يأكلون الربا في الدنيا لا يقومون في الآخرة إذا بعثوا من قبورهم إلا مثل قيام المجنون. والمس: الجنون. قاله مجاهد وقتادة وابن جبير وغيرهم؛ قالوا: "يقوم الخلق من قبورهم مسرعين كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً﴾ [المعارج: ٤٣] إلا أكلة الربا، فإن الربا يربو في بطونهم فيقومون ويسقطون، يريدون الإسراع فلا يقدرون، فهم بمنزلة المتخبط من الجنون". قال ابن جبير: "يبعث أحدهم حين يبعث، وشيطان يخنقه". والقصد بالنهي في هذه الآية: كل من أخذ الربا أكله أو لم يأكله. وكان أهل الجاهلية إذا حل على أحدهم الأجل في دين عليه، يقول الذي عليه الدين: "زِدْنِي فِي الأَجَل وَأَزِيدُكَ فِي دَيْنِكَ"، فنهى الله عن ذلك، وقال: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩]. وأصل الربا الزيادة، وهو في التجارة والبيع والشراء جائز إذا كان على وجهه الذي قد بينته السنة والكتاب. فأصل الربا المحرم أن يقول الذي عليه الدين: "أَخِّرْنِي وَأَزِيدَكَ فِي دَينك"، ثم جرى مجراه كل ما شابهه في البيوع والدين، وغير ذلك مما قد أحكمته السنة وفسره العلماء. وقد روى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبَا قوله: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾. أي ما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة فذلك مغفور له. * * ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾. أي في المستقبل، إن شاء ثبته وإن شاء رده إلى ما نهاه عنه. والموعظة: القرآن. ومن عاد فعمل بالربا حتى يموت فأولئك أصحاب النار. قال ذلك سفيان. وقال غيره: "من عاد فقال: إنما البيع مثل الربا، وتمادى عليه، فهو من أصحاب النار".

البقرة 2:276

قوله: ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾. معناه: ينقص الله الربا ويذهبه، ويضاعف الصدقات وينميها.

البقرة 2:277

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ الآية. أي إن الذين تابوا من أكل الربا فآمنوا بما أنزل عليهم، وانتهوا عما نهوا عنه وعملوا الصالحات، فهم أصحاب الجنة.

البقرة 2:278

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ﴾. معناه: يا أيها الذين صدقوا محمداً: ذروا ما بقي لكم من الربا زيادة على رؤوس أموالكم. ونزلت هذه الآية في قوم أسلموا، ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوا عليهم فقبضوا بعضاً، وبقي بعض، فعفا لهم عما كانوا قبضوا وحرم عليهم ما بقي مما زاد على رأس المال. قال ابن المسيب: "لا ربا إلا في ذهب أو ورق أو ما [يكال و] يوزن مما يؤكل ويشرب". يعني في المبايعة. وفسره بعض العلماء فقال: "ما كان مما يكال أو يوزن من نوع من الطعام، فلا تأخذ إلا وزناً بوزن، ومثلاً بمثل، يداً بيد، وكذلك الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، فإن اختلف النوعان فَزِدْ واستزد يداً بيد". قال عبد الله بن سلام: "أكل الربا يعدل سبعين فجرة، أدنى فجرة منها مثل أن يضطجع الرجل مع أمه". وروى الحكم بن عتيبة عن علي رضي الله عنه أنه قال: "درهم ربا أشد من ست وثلاثين زنية". وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "الرِبَا سَبْعُونَ حُوباً، أَيْسَرُهَا مِثْلَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ قال ابن مسعود: "الربا بضع وسبعون باباً".

البقرة 2:279

قوله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾. أي فأيقنوا بحرب. وقال الأصمعي: "معناه: كونوا على علم". ومن قرأ بالمد فمعناه: فأعلموا أصحابكم بالحرب. ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾. أي تركتم الربا. ﴿فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ﴾. بلا زيادة. ﴿لاَ تَظْلِمُونَ﴾. فتأخذون ما ليس لكم. ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾. فتنقصون من رؤوس أموالكم. وروى المفضل عن عاصم: "لا تُظْلَمُونَ وَلاَ تَظْلِمُونَ"، المفعول قبل الفاعل.

البقرة 2:280

قوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾. أي إن وقع ذلك. ولا خبر لـ "كان"، هي "كان" التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر. وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: "وإن كان ذو عسرة في الدين فنظرة إلى ميسرة". وفي مصحف عبد الله: "وَإِنْ كَانَ ذَا" بالألف على تقدير: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي "كان" الناقصة على هذا. وقرأ مجاهد: "فَنَاظِرْهُ إِلَى مَيْسُرِهِي"، بضم السين، وصلت الهاء بياء. وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث. قال الأخفش: "ولو قرأوا بفتح السين لكان حسناً، لأن "مفعلاً" في الكلام كثير". * * وقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾. هو من التأخير. ورفعها على معنى: "فعليكم نظرة". وحكى أبو إسحاق: "فناظرة" من التأخير. وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. ورد أبو حاتم ذلك وقال: "إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. والمعنى: "إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة". وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على المصدر. وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين. روي عن النبي عليه السلام: "أنه أمر أعرابياً ببيع رجل له عليه دين، ولا مال معه". وقال قوم: "إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن عباس: "نزلت في الربا". وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر إلى يسره إذا صح فَقْرُهُ وثبت. * * قوله: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. أي وصدقة رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل. وقال قتادة: "ندبوا أن يتصدَّقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير". وقال غيره: "ذلك على المعسر خاصة". قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله قبض من قبل أن يفسرها". قال ابن عباس: "آخر آية نزلت: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾. كذلك قال السدي وعطية وابن جريج. واليوم في هذا يوم القيامة. وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله. ويروى أن النبي عليه السلام قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ وَمَائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه. وروي أنها نزلت على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي عليه السلام: "اجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرِّبَا وقال مقاتل: "نزلت قبل وفاته بتسع ليال".

البقرة 2:281

قوله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾. أي إن وقع ذلك. ولا خبر لـ "كان"، هي "كان" التامة تستغني باسمها عن الخبر. فليست بالداخلة على الابتداء والخبر، تلك هي الناقصة التي تحتاج إلى خبر. وقد قيل: إن الخبر محذوف، والتقدير: "وإن كان ذو عسرة في الدين فنظرة إلى ميسرة". وفي مصحف عبد الله: "وَإِنْ كَانَ ذَا" بالألف على تقدير: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، فهي "كان" الناقصة على هذا. وقرأ مجاهد: "فَنَاظِرْهُ إِلَى مَيْسُرِهِي"، بضم السين، وصلت الهاء بياء. وهو لحن عتد أهل العربية: ليس في الكلام مفعل بتغيير هاء التأنيث. قال الأخفش: "ولو قرأوا بفتح السين لكان حسناً، لأن "مفعلاً" في الكلام كثير". * * وقوله: ﴿فَنَظِرَةٌ﴾. هو من التأخير. ورفعها على معنى: "فعليكم نظرة". وحكى أبو إسحاق: "فناظرة" من التأخير. وقيل: [هو من أسماء المصادر كقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ [الواقعة: ٢]. ورد أبو حاتم ذلك وقال: "إنما يجوز هذا في نظر العين، مثل الذي في النمل قوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. والمعنى: "إن كان الذين لكم أن ترجعوا عليهم برؤوس أموالكم ذوي عسرة، فعليكم أن تنظروهم إلى مسيرة". وفتح السين وضمها لغتان. وأجاز النحاس النصب على المصدر. وهذه الآية ناسخة لما كان في أول الإسلام. كان الرجل إذا اتبع في دين ولم يكن معه ما يقضيه بيع في الدين. روي عن النبي عليه السلام: "أنه أمر أعرابياً ببيع رجل له عليه دين، ولا مال معه". وقال قوم: "إنما هذا الإنظار في الربا خاصة، وليس لمن عليه دين لا يؤديه إلا السجن حتى يؤديه كان معه أو لم يكن لقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال ابن عباس: "نزلت في الربا". وأكثر الفقهاء على أن الآية عامة في كل من عليه دين، ولا شيء معه، ينظر إلى يسره إذا صح فَقْرُهُ وثبت. * * قوله: ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾. أي وصدقة رؤوس أموالكم على المعسر خير لكم إن كنتم تعلمون الفضل. وقال قتادة: "ندبوا أن يتصدَّقوا برؤوس أموالهم على الغني والفقير". وقال غيره: "ذلك على المعسر خاصة". قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "آخر ما نزل من القرآن آية الربا، وإن نبي الله قبض من قبل أن يفسرها". قال ابن عباس: "آخر آية نزلت: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾. كذلك قال السدي وعطية وابن جريج. واليوم في هذا يوم القيامة. وقيل: هو يوم موت الإنسان لأنه وقت قدومه على الله. ويروى أن النبي عليه السلام قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقَالَ: اجْعَلْهَا عَلَى رَأْسِ ثَمَانِينَ وَمَائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ومعنى الآية: التحذير والتخويف في أخذ الربا وارتكاب ما نهي عنه. وروي أنها نزلت على النبي عليه السلام قبل موته بثلاث ساعات فقال النبي عليه السلام: "اجْعَلُوهَا بَيْنَ آيَةِ الدَّيْنِ وَآيَةِ الرِّبَا وقال مقاتل: "نزلت قبل وفاته بتسع ليال".

البقرة 2:282

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾. قال ابن عباس: "نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم". يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام. وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري "أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين". وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد. وقال عطاء: "أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وهو مذهب الطبري. وقال أبو سعيد الخدري: "كان ذلك فرضاً ثم نسخه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي. وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي. وقال الطبري: "الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد". وقال: "من جعل الإشهاد فرضاً، لا يجوز أن يكون هذا منسوخاً لأنه يلزم منه رفع حكم الإشهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها : "لا تكتبوا ولا تشهدوا". بل ذلك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. وإنما معنى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ عند عدم الكاتب والشهود". قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مُرَغَّبٌ فيه. كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز. وقول الطبري: "الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على الندب". جوابه: أن الدليل على أنه صار ندباً قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ولا يحمل على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل. قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾. قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دُعي إلى ذلك. قال الضحاك: "نسخها: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ﴾". وقال السدي: "لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغاً". * * ﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾. أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل الذي له الحق شيئاً. * * قوله: ﴿فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ﴾. أي من عليه الدين. ﴿سَفِيهاً﴾. أي جاهل بالصواب الذي يمليه على الكاتب. ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره. وقال السدي: "السفيه الصغير". وأصل "السفيه" الخفيف العقل من قولهم: "تَسَفَّهَتِ الْرِّيحُ الشَّيْء" إذا استخفته فحركته. قال السدي: "الضعيف الأحمق". ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾: أي ولي السفيه والضعيف. قاله الضحاك. وقال ابن عباس: "ولي الدين هو الذي هو عليه" أي فَلْيُقِرْ وَلِيُّهُ بِمَا عَلَيْهِ وَلْيَشْهَدْ. وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم. فالهاء في ﴿وَلِيُّهُ﴾ تعود على الدِّين أو على صاحب الدَّين أو على المطلوب. * * قوله: ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ﴾. اختير "فَعِيلٌ" لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عُرف بالشهادة والشاهد يقع لغير التكثير، يقال: "فُلاَنٌ شَهِيدِي وَشَاهِدِي". * * قوله: ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي من الأحرار المسلمين. * * قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ﴾. قال ابن بكير: "هذا مخاطبة للحكام"، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين أتى برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند عدم الرجلين. لأن فاعلاً لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده". ومعنى الآية عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من حضر]؛ رجلين، أو رجلاً وامرأتين. ومعنى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾. أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال بقوله في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره. * * قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ﴾. أي فتصير إحداهما ذكراً باجتماعهما. تقول العرب "اذَّكَرَتِ المَرْأَةُ" إذا ولدت ذكراً، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذِّكر بعد النسيان. وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نسيت. * * قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾. أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. قاله قتادة والحسن. وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دُعُوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا لم يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد بعد بها، فأنت مخير في ذلك. هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك. والألف واللام في ﴿ٱلشُّهَدَآءُ﴾ يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا دعوا [ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم. وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك. * * قوله: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾. أي لا تملوا أن تكتبوا صغير حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر للأجل والمال. ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ﴾ أي أعدل. ﴿وَأَقْومُ﴾ أي أصوب. * * ﴿وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ﴾. أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي يداً بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلاً ألا تكتبوها. * * ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قال الضحاك: "ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان من بيع إلى أجل فليشهد". قال مالك: "هو مخير في الإشهاد، وتركه". ويروى عن ابن عمر أنه قال: "الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو كثير بقوله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وهو نسخ فرض إلى ندَب، كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فكان الإشهاد واجباً ثم صار ندباً بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ففي هذا الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم يعمل به، والثاني: أنه منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب. * * قوله: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾. قال الحسن وغيره: "معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب أو يُحرّف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو يغيرها". وقال ابن عباس وغيره: "معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة". وقيل: المعنى: لا [يضارا فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى الحاكم. وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد معاً بفعلهما]. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ: "وَلاَ يُضَارَر" براْءين ظاهرتين الأولى مفتوحة. وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغالهما، ويعنفا تعمداً. وقال الضحاك: "هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما". وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية إنما هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا عليه، ويبين هذا قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، ولم يقل: "وإن تفعلا"، فيرد على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل الكتابة والشهادة فالنهي لهم أبين، ألا يضاروا الكاتب والشهيد فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما. ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما. وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و [للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ رداً إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق. والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدة على الضرار. وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم. وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب. * * قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾. أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده. * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعمَلُوا به. * * ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي يعلم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة.

البقرة 2:283

قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ الآية. * * قوله: ﴿فَرِهَٰنٌ﴾ هو جمع رهن، كبَغْلٍ وبِغَالٍ وكَبْشٍ وكِبَاشٍ. ومن قرأ: "فَرُهُنٌ" فهو جمع الجمع. هو جمع "رِهَانٍ": كـ "كِتَابٍ": و "كُتُبٍ"، و "حِمَارٍ" و "حُمُرٍ". وقيل: هو جمع "رَهْنٍ"، كـ "سَقْفٍ" و "سُقُفٍ". ومن قرأ "فَرُهْنٌ" بالإسكان فإنما أسكن الضمة لثقلها. وقرأ ابن عباس "كِتَاباً"، وقال: "قد لا توجد الصحيفة"، وكذلك قرأ أبو العالية وعكرمة والضحاك ومجاهد. وهو واحد الكتب. وقيل: هو جمع "كَاتِبٍ"، كما يقال: "قَائِمٌ" و "قِيَامٌ". وروي أيضاً عن ابن عباس: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ﴾ "كُتَّاباً"، على وزن "فُعَّالٍ" وهو جمع "كاتب"، "كضَارِبٍ" و "ضُرَّابٍ". وهذه الآية أرخص الله فيها في قبض الرهان عند عدم الكاتب، والرهن لا يكون رهناً حتى يقبض من مالكه بقوله: ﴿مَّقْبُوضَةٌ﴾، سواء قبضه المرتهن عنده أو جعله على يدي عدل عند مالك. قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ﴾. أي إن ترك صاحب الدين، أخذ الرهن، وأمن الذي عليه الدين، فليؤد ما عليه لأنها أمانة، وليتق الله ربه فيما قد اؤتمن به. وقال الضحاك: "هذه الأمانة التي فسخ فيها إنما في السفر، دون الحضر". * * قوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ﴾ الآية. هو نهي للشهداء وتحذير لهم. ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. أي فاجر قلبه. * * ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. أي يعلم ما تصنعون في شهاداتكم من إحالتها، والإتيان بها على وجهها فيحصي ذلك عليكم ويجازيكم به.

البقرة 2:284

قوله: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: "قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، منسوخة بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾. ومعنى قوله: "إنها منسوخة"، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ. وقد قيل: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر. وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها. روي ذلك عن ابن عباس. وروي عن عائشة أنها قالت: "ما هَمَّ به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا". قال ابن عباس "إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾. قال ابن عباس: "لما نزلت هذه الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي عليه السلام: "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا"، فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزَلَ: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: "قَدْ فَعَلْتُ" ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، قال: "قَدْ فَعَلْتُ"، ﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾ إلى آخر السورة. قال: قَدْ فَعَلْتُ وقال السدي: "وقعت عليهم شدة عند نزول: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ حتى نسخها ما بعدها". أي أزالت الشدة، من قولهم: "نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ" أي أزالته. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس الكافر من الكفر والشك في الدين. وقال حذيفة: "سمعت النبي عليه السلام يقول: "أُعْطِيتُ آيَاتٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَاهَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِي، ثم قرأ: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى ختم السورة وروى أبو هريرة أنه: "لما نزلت على النبي عليه السلام هذه الآية: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، وسمعوا فيها: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾ أتوا النبي ﷺ فجثوا على الركب فقالوا: "لا نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى آخرها. وقال محمد بن كعب القرظي: "ما بعث الله نبياً إلا أمره أن يعرض على قومه، ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ إلا قالوا: لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في قلوبنا، فلما بعث الله محمداً ﷺ أنزلها عليه فآمن بها، وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾. وحكى عنهم "أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ابن مسعود. وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من الهم والحزن بقدر ما همَّ به من المعصية، فذلك محاسبته". وروي أنها لما نزلت قال النبي [عليه السلام]: "وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ"يعني نفسه. وروي أنهم شكوا إلى النبي ﷺ شدة ما يلقون من قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، فقال لهم النبي [عليه السلام]: "لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ. بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" فأنزل الله ذلك من قول النبي ﷺ وقرأ ابن عباس وابن مسعود: "لاَ يُفَرِّقُ" بالياء، رد على (كُلٌّ) أي "كُلٌّ لاَ يُفَرِّقُ". * * وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي سترك علينا. وروي أن النبي ﷺ لما أنزل عليه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى ﴿وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾. قال له جبريل: "إن الله قد أَجَلَّ الثناء عليك وعلى أمتك، فَسَلْ تُعْطَهُ". فسأل إلى آخر السورة: "رَبَّنا رَبَّنا". * * قوله: ﴿إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: أي طاقتها فيما تعبدها به. فهذا توسيع ورخصة من الله وهو مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ومثل: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومثل: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. * * قوله: ﴿إِن نَّسِينَآ﴾. أي: نسينا فرضاً فرضته علينا، فلم نفعله. * * ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك. قال النبي ﷺ: "تَجَاوَزَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وكان النحاس يقول: النسيان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب على النسيان فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة تدخل عليه. وهو قول قطرب. * * قوله: ﴿إِصْراً﴾. أي: عهداً. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. وقال غيره: "لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من قبلنا". وقال الضحاك: في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، قال: "إذا دعي الناس ليوم الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم، فيقول: "إِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِّي شَيْءٌ وَإِنَّ كُتَّابِي مِنَ المَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُونُوا يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا تُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَإِنِّي لاَ أُحَاسِبُكُمْ بِهِ الْيَوْمَ". قال الضحاك: هذا قول ابن عباس. وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، قال: لما نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وجدوا في أنفسهم منها وجداً شديداً فنسخ الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿مِن قَبْلِنَا﴾. قال: "وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. وقال للمؤمنين: قولوا: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْكَافِرِينَ﴾. قال: "فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد ﷺ لم يُعْطِهِ أحداً ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرَهم". وقال الحسن: "قال النبي ﷺ: "تَجَاوَزَ اللهُ لاِبْنِ آدَمَ عَمَّا نَسِيَ وَعَمَّا أَخْطَأَ وَعَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاءً شديداً، ثم قال: "والله لئن آخَذنا اللهُ بهذا لنهلكن"، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: "يرحم الله أبا عبد الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد حتى أنزل الله بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾. قال ابن جبير: "لما نزل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾، شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾". قال مجاهد: "معنى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: يعني من الشك واليقين". قال ابن جبير: "نسخت ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ أو تخفوه الآية". وقاله إبراهيم والشعبي. قال الضحاك: "لما نزلت ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، إلى آخر السورة، قال الله جل ذكره: "قَدْ فَعَلْتُ". وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: "معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من عند الله وأطعنا". يقول: "أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه". وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال: "أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ [آخِرِ سُورَةِ] البَقَرَةِ مِنْ بَيْتٍ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنْهُ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُ بِعْدِي وروى النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ وَلاَ تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من كنز تحت العرش". وروي أنها لما نزلت قال النبي ﷺ: "وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ"يعني نفسه. وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب الذي يحدث نفسه بالمعصية، ولا يعملها، بِهَمٍّ أو حزن وبشبهه، ثم لا يحاسبه على ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة رضي الله عنها. والقول الثاني: إن الله يُقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث به نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول الضحاك. والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا قدرة له على دفعه. * * قوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي ﷺ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، اللهُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي قَدْ تَجَاوَزْتُ لَكَ عَنْ أُمَّتِكَ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وقال ابن زيد: "﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، أي ذنباً لا توبة منه ولا كفارة فيه". وقال ابن وهب عن مالك: "الإصر: الأمر الغليظ". وقال أهل اللغة: "الإصر: الثقل". وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضاً يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني إسرائيل بعضهم يقتل بعضاً، وشبهه. * * قوله: ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق. وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما [شددت على] من كان قبلنا. ومعنى: ﴿مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة شديدة وكلفة عظيمة. فإنما سألوا دفع ما في طاقتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة وكلفة. ولم يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله عز وجل فيجوز أن يسألوا في دفعه عنهم. * * قوله: ﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس. ﴿وَٱغْفِرْ لَنَا﴾: أي حط عنا ذنوبنا. ﴿أَنتَ مَوْلَٰـنَا﴾: أي ولينا. وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لَكُمْ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الْخَطَأ والنِّسْيَانِ وَالاسْتِكْرَاهِ وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ

البقرة 2:285

قوله: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: "قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، منسوخة بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾. ومعنى قوله: "إنها منسوخة"، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ. وقد قيل: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر. وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها. روي ذلك عن ابن عباس. وروي عن عائشة أنها قالت: "ما هَمَّ به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا". قال ابن عباس "إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾. قال ابن عباس: "لما نزلت هذه الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي عليه السلام: "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا"، فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزَلَ: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: "قَدْ فَعَلْتُ" ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، قال: "قَدْ فَعَلْتُ"، ﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾ إلى آخر السورة. قال: قَدْ فَعَلْتُ وقال السدي: "وقعت عليهم شدة عند نزول: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ حتى نسخها ما بعدها". أي أزالت الشدة، من قولهم: "نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ" أي أزالته. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس الكافر من الكفر والشك في الدين. وقال حذيفة: "سمعت النبي عليه السلام يقول: "أُعْطِيتُ آيَاتٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَاهَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِي، ثم قرأ: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى ختم السورة وروى أبو هريرة أنه: "لما نزلت على النبي عليه السلام هذه الآية: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، وسمعوا فيها: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾ أتوا النبي ﷺ فجثوا على الركب فقالوا: "لا نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى آخرها. وقال محمد بن كعب القرظي: "ما بعث الله نبياً إلا أمره أن يعرض على قومه، ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ إلا قالوا: لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في قلوبنا، فلما بعث الله محمداً ﷺ أنزلها عليه فآمن بها، وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾. وحكى عنهم "أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ابن مسعود. وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من الهم والحزن بقدر ما همَّ به من المعصية، فذلك محاسبته". وروي أنها لما نزلت قال النبي [عليه السلام]: "وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ"يعني نفسه. وروي أنهم شكوا إلى النبي ﷺ شدة ما يلقون من قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، فقال لهم النبي [عليه السلام]: "لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ. بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" فأنزل الله ذلك من قول النبي ﷺ وقرأ ابن عباس وابن مسعود: "لاَ يُفَرِّقُ" بالياء، رد على (كُلٌّ) أي "كُلٌّ لاَ يُفَرِّقُ". * * وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي سترك علينا. وروي أن النبي ﷺ لما أنزل عليه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى ﴿وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾. قال له جبريل: "إن الله قد أَجَلَّ الثناء عليك وعلى أمتك، فَسَلْ تُعْطَهُ". فسأل إلى آخر السورة: "رَبَّنا رَبَّنا". * * قوله: ﴿إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: أي طاقتها فيما تعبدها به. فهذا توسيع ورخصة من الله وهو مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ومثل: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومثل: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. * * قوله: ﴿إِن نَّسِينَآ﴾. أي: نسينا فرضاً فرضته علينا، فلم نفعله. * * ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك. قال النبي ﷺ: "تَجَاوَزَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وكان النحاس يقول: النسيان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب على النسيان فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة تدخل عليه. وهو قول قطرب. * * قوله: ﴿إِصْراً﴾. أي: عهداً. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. وقال غيره: "لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من قبلنا". وقال الضحاك: في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، قال: "إذا دعي الناس ليوم الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم، فيقول: "إِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِّي شَيْءٌ وَإِنَّ كُتَّابِي مِنَ المَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُونُوا يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا تُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَإِنِّي لاَ أُحَاسِبُكُمْ بِهِ الْيَوْمَ". قال الضحاك: هذا قول ابن عباس. وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، قال: لما نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وجدوا في أنفسهم منها وجداً شديداً فنسخ الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿مِن قَبْلِنَا﴾. قال: "وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. وقال للمؤمنين: قولوا: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْكَافِرِينَ﴾. قال: "فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد ﷺ لم يُعْطِهِ أحداً ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرَهم". وقال الحسن: "قال النبي ﷺ: "تَجَاوَزَ اللهُ لاِبْنِ آدَمَ عَمَّا نَسِيَ وَعَمَّا أَخْطَأَ وَعَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاءً شديداً، ثم قال: "والله لئن آخَذنا اللهُ بهذا لنهلكن"، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: "يرحم الله أبا عبد الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد حتى أنزل الله بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾. قال ابن جبير: "لما نزل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾، شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾". قال مجاهد: "معنى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: يعني من الشك واليقين". قال ابن جبير: "نسخت ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ أو تخفوه الآية". وقاله إبراهيم والشعبي. قال الضحاك: "لما نزلت ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، إلى آخر السورة، قال الله جل ذكره: "قَدْ فَعَلْتُ". وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: "معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من عند الله وأطعنا". يقول: "أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه". وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال: "أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ [آخِرِ سُورَةِ] البَقَرَةِ مِنْ بَيْتٍ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنْهُ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُ بِعْدِي وروى النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ وَلاَ تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من كنز تحت العرش". وروي أنها لما نزلت قال النبي ﷺ: "وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ"يعني نفسه. وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب الذي يحدث نفسه بالمعصية، ولا يعملها، بِهَمٍّ أو حزن وبشبهه، ثم لا يحاسبه على ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة رضي الله عنها. والقول الثاني: إن الله يُقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث به نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول الضحاك. والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا قدرة له على دفعه. * * قوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي ﷺ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، اللهُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي قَدْ تَجَاوَزْتُ لَكَ عَنْ أُمَّتِكَ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وقال ابن زيد: "﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، أي ذنباً لا توبة منه ولا كفارة فيه". وقال ابن وهب عن مالك: "الإصر: الأمر الغليظ". وقال أهل اللغة: "الإصر: الثقل". وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضاً يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني إسرائيل بعضهم يقتل بعضاً، وشبهه. * * قوله: ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق. وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما [شددت على] من كان قبلنا. ومعنى: ﴿مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة شديدة وكلفة عظيمة. فإنما سألوا دفع ما في طاقتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة وكلفة. ولم يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله عز وجل فيجوز أن يسألوا في دفعه عنهم. * * قوله: ﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس. ﴿وَٱغْفِرْ لَنَا﴾: أي حط عنا ذنوبنا. ﴿أَنتَ مَوْلَٰـنَا﴾: أي ولينا. وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لَكُمْ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الْخَطَأ والنِّسْيَانِ وَالاسْتِكْرَاهِ وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ

البقرة 2:286

قوله: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾. قال ابن عباس: "قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، منسوخة بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾. ومعنى قوله: "إنها منسوخة"، أي نزلت على نسختها لأنها خبر، والأخبار لا تنسخ. وقد قيل: إن الآية محكمة، وإن المؤمن والكافر يحاسبان بما أبديا وأخفيا، فيغفر للمؤمن، ويعاقب الكافر. وقيل: إن الآية مخصوصة في كتمان الشهادة خاصة وإظهارها. روي ذلك عن ابن عباس. وروي عن عائشة أنها قالت: "ما هَمَّ به العبد من خطيئة عوقب على ذلك بما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا". قال ابن عباس "إذا جمع الله الخلائق يقول: أنا أخبركم بما أكننتم في أنفسكم. فأما المؤمنون فيغفر لهم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من شكهم وتكذيبهم، فذلك قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾. قال ابن عباس: "لما نزلت هذه الآية وقع في قلوبهم شيء، فقال لهم النبي عليه السلام: "قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا"، فَأَلْقَى اللهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْزَلَ: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: "قَدْ فَعَلْتُ" ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، قال: "قَدْ فَعَلْتُ"، ﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾ إلى آخر السورة. قال: قَدْ فَعَلْتُ وقال السدي: "وقعت عليهم شدة عند نزول: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ حتى نسخها ما بعدها". أي أزالت الشدة، من قولهم: "نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ" أي أزالته. * * ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. أي يقدر على العفو لما أخفته نفس المؤمن، وعلى العقاب فيما أخفته نفس الكافر من الكفر والشك في الدين. وقال حذيفة: "سمعت النبي عليه السلام يقول: "أُعْطِيتُ آيَاتٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَاهَا أَحَدٌ مِنْ بَعْدِي، ثم قرأ: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى ختم السورة وروى أبو هريرة أنه: "لما نزلت على النبي عليه السلام هذه الآية: ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، وسمعوا فيها: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾ أتوا النبي ﷺ فجثوا على الركب فقالوا: "لا نطيق، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى آخرها. وقال محمد بن كعب القرظي: "ما بعث الله نبياً إلا أمره أن يعرض على قومه، ﴿للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ إلا قالوا: لا نطيق أن نؤاخذ بما نوسوس في قلوبنا، فلما بعث الله محمداً ﷺ أنزلها عليه فآمن بها، وعرضها على قومه، فآمنوا بها، وقالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾، قال: فخفف الله عنهم، فأنزل: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾. وحكى عنهم "أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وأنزل الله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾، فنسخ المؤاخذة بالوسوسة. وقاله ابن مسعود. وقالت عائشة: هو الرجل يهم بالمعصية، ولا يعملها، فيرسل عليه من الهم والحزن بقدر ما همَّ به من المعصية، فذلك محاسبته". وروي أنها لما نزلت قال النبي [عليه السلام]: "وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ"يعني نفسه. وروي أنهم شكوا إلى النبي ﷺ شدة ما يلقون من قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، فقال لهم النبي [عليه السلام]: "لَعَلَّكُمْ تَقُولُونَ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا" كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ. بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" فأنزل الله ذلك من قول النبي ﷺ وقرأ ابن عباس وابن مسعود: "لاَ يُفَرِّقُ" بالياء، رد على (كُلٌّ) أي "كُلٌّ لاَ يُفَرِّقُ". * * وقوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي سترك علينا. وروي أن النبي ﷺ لما أنزل عليه: ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ﴾ إلى ﴿وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾. قال له جبريل: "إن الله قد أَجَلَّ الثناء عليك وعلى أمتك، فَسَلْ تُعْطَهُ". فسأل إلى آخر السورة: "رَبَّنا رَبَّنا". * * قوله: ﴿إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: أي طاقتها فيما تعبدها به. فهذا توسيع ورخصة من الله وهو مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، ومثل: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومثل: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. * * قوله: ﴿إِن نَّسِينَآ﴾. أي: نسينا فرضاً فرضته علينا، فلم نفعله. * * ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. أي: في فعل شيء نهيتنا عنه، ففعلناه على غير قصد إلى معصيتك. قال النبي ﷺ: "تَجَاوَزَ اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ نِسْيَانِهَا وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وكان النحاس يقول: النسيان هنا الترك لأن الله تعالى لا يوصف بأن يعاقب على النسيان فيسأل في العفو عنه، لأنه ليس من تعمد العبد. إنما هي آفة تدخل عليه. وهو قول قطرب. * * قوله: ﴿إِصْراً﴾. أي: عهداً. قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم. وقال غيره: "لا تحمل علينا ذنوبنا، فتعاقبنا بمسخ أو عذاب كما كان من قبلنا". وقال الضحاك: في قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ﴾، قال: "إذا دعي الناس ليوم الحساب أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم، فيقول: "إِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِّي شَيْءٌ وَإِنَّ كُتَّابِي مِنَ المَلاَئِكَةِ لَمْ يَكُونُوا يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا تُسِرُّونَ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَإِنِّي لاَ أُحَاسِبُكُمْ بِهِ الْيَوْمَ". قال الضحاك: هذا قول ابن عباس. وعن ابن عباس أن الله جل ذكره نسخ هذه الآية بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾، قال: لما نزلت: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وجدوا في أنفسهم منها وجداً شديداً فنسخ الله ذلك وأجارهم. منها، ثم علمهم أن يقولوا إذا عملوا سيئة: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿مِن قَبْلِنَا﴾. قال: "وكان الذين من قبلهم، إذا عملوا سيئة حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم، وذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]. وقال للمؤمنين: قولوا: ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْكَافِرِينَ﴾. قال: "فهذا شيء أعطاه الله أمة محمد ﷺ لم يُعْطِهِ أحداً ممن كان قبلهم من الأمم ألا يؤاخذوا بنسيان ولا خطأ غيرَهم". وقال الحسن: "قال النبي ﷺ: "تَجَاوَزَ اللهُ لاِبْنِ آدَمَ عَمَّا نَسِيَ وَعَمَّا أَخْطَأَ وَعَمَّا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَعَمَّا غُلِبَ عَلَيْهِ وروى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ وروي أن ابن عمر قرأ هذه الآية وبكى بكاءً شديداً، ثم قال: "والله لئن آخَذنا اللهُ بهذا لنهلكن"، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: "يرحم الله أبا عبد الرحمن؛ لقد وجد المسلمون منها مثل ما وجد حتى أنزل الله بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾. قال ابن جبير: "لما نزل: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ﴾، شق ذلك على الناس حتى نزلت بعدها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾". قال مجاهد: "معنى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: يعني من الشك واليقين". قال ابن جبير: "نسخت ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ قوله: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ﴾ أو تخفوه الآية". وقاله إبراهيم والشعبي. قال الضحاك: "لما نزلت ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾، إلى آخر السورة، قال الله جل ذكره: "قَدْ فَعَلْتُ". وروي عن الحسن والضحاك - أو عن أحدهما - أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾: "معناه: سمعنا القرآن أنه جاء من عند الله وأطعنا". يقول: "أقروا على أنفسهم بالطاعة لله فيما أمرهم به ونهاهم عنه". وروى حذيفة أن النبي عليه السلام قال: "أُوتِيتُ هَؤُلاَءِ الآيَاتِ مِنْ [آخِرِ سُورَةِ] البَقَرَةِ مِنْ بَيْتٍ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنْهُ قَبْلِي، وَلاَ يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُ بِعْدِي وروى النعمان بن بشير أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَاباً قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ وَلاَ تُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن خواتم سورة البقرة وفواتحها من كنز تحت العرش". وروي أنها لما نزلت قال النبي ﷺ: "وَيَحِقُّ لَهُ أَنْ يُؤْمِنَ"يعني نفسه. وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أقوال: قال: إن الله تعالى يعاقب الذي يحدث نفسه بالمعصية، ولا يعملها، بِهَمٍّ أو حزن وبشبهه، ثم لا يحاسبه على ذلك يوم القيامة وهو معنى قول عائشة رضي الله عنها. والقول الثاني: إن الله يُقبل على العبد يوم القيامة فيخبره بما حدث به نفسه من خير وشر، ثم لا يجزيه بما لم يظهر منه من عمل، وهو معنى قول الضحاك. والقول الثالث: إنه منسوخ بقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. فالوسوسة وحديث النفس لا يملك الإنسان صرفه، ولا قدرة له على دفعه. * * قوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. روى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال: قال النبي ﷺ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، اللهُ يُقْرِئُكَ السَّلاَمَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنِّي قَدْ تَجَاوَزْتُ لَكَ عَنْ أُمَّتِكَ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وقال ابن زيد: "﴿وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً﴾، أي ذنباً لا توبة منه ولا كفارة فيه". وقال ابن وهب عن مالك: "الإصر: الأمر الغليظ". وقال أهل اللغة: "الإصر: الثقل". وقيل: معناه: لا تحمل علينا فرضاً يصعب علينا أداؤه، كما حملت على بني إسرائيل بعضهم يقتل بعضاً، وشبهه. * * قوله: ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: أي لا تكلفنا من الأعمال ما لا نطيق. وقال قتادة: معناه: لا تشدد علينا كما [شددت على] من كان قبلنا. ومعنى: ﴿مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: ما لا نستطيعه إلا بمشقة شديدة وكلفة عظيمة. فإنما سألوا دفع ما في طاقتهم لو كلفوه، ولكن له مشقة وكلفة. ولم يسألوا دفع ما لا يطيقونه لو كلفوه، لأن ذلك لا يوصف به الله عز وجل فيجوز أن يسألوا في دفعه عنهم. * * قوله: ﴿وَٱعْفُ عَنَّا﴾: أي امح ذنوبنا. والعافي الدارس. ﴿وَٱغْفِرْ لَنَا﴾: أي حط عنا ذنوبنا. ﴿أَنتَ مَوْلَٰـنَا﴾: أي ولينا. وروت أم سلمة أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لَكُمْ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الْخَطَأ والنِّسْيَانِ وَالاسْتِكْرَاهِ وعن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ

آل عمران 3:1

قوله: ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾. قد تقدم ذكر ﴿الۤمۤ﴾ في أول البقرة، وذكر ﴿لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ عند ذكر آية الكرسي. وأجاز الأخفش كسر الميم في ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين. ومن أسكن الميم وقطع فعلى نية الوقف، وكذلك إسكان الميم في ﴿الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١-٢] و ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: ١-٢] وشبههما. ومن فتح فإنه حرك الميم لسكونها وسكون الياء قبلها، ولم يكسر لاستثقال الكسر بعد الياء، وقد قال الفراء: "من فتح ألقى حركة الهمزة على الميم". وفي "القيوم" من القراءات والمعاني مثلما ذكر في آية الكرسي. وأحسن ما قيل فيه: إنه القائم على كل شيء، الذي لا يزول، الدائم.

آل عمران 3:2

قوله: ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾. قد تقدم ذكر ﴿الۤمۤ﴾ في أول البقرة، وذكر ﴿لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ عند ذكر آية الكرسي. وأجاز الأخفش كسر الميم في ﴿الۤمۤ * ٱللَّهُ﴾ لالتقاء الساكنين. ومن أسكن الميم وقطع فعلى نية الوقف، وكذلك إسكان الميم في ﴿الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾ [البقرة: ١-٢] و ﴿الۤـمۤ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ﴾ [الروم: ١-٢] وشبههما. ومن فتح فإنه حرك الميم لسكونها وسكون الياء قبلها، ولم يكسر لاستثقال الكسر بعد الياء، وقد قال الفراء: "من فتح ألقى حركة الهمزة على الميم". وفي "القيوم" من القراءات والمعاني مثلما ذكر في آية الكرسي. وأحسن ما قيل فيه: إنه القائم على كل شيء، الذي لا يزول، الدائم.

آل عمران 3:3

قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ يعني القرآن. ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: يصدق ما تقدمه من كتب الله. * * وقوله: ﴿وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: من قبل نزول القرآن.

آل عمران 3:4

وقوله ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾: يعني اليهود والنصارى، وهذا كله رد على من جحد القرآن. وكان سبب هذه السورة في نزولها بالتوحيد، وذكر يحيى وعيسى: أن طائفة من النصارى قدموا على النبي ﷺ إلى المدينة من نجران فحاجوه في عيسى وألحدوا، فأنزل الله في أمرهم وأمر عيسى من هذه السورة نيفاً وثمانين آية من أولها، احتجاجاً عليهم، ودعاهم النبي عليه السلام إلى الإسلام فقالوا: قد أسلمنا فقال ﷺ: كذبتم. يمنعكم من الإسلام ادعاؤكم لله ولداً، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، فأبوا إلا المقام على كفرهم، فدعاهم إلى المباهلة، فأبوا ذلك وسألوه أخذ الجزية فقبلها، وانصرفوا إلى بلادهم وكان من أول ما سألوه أن قالوا: من أبو عيسى عليه السلام؟ فسكت النبي ﷺ. فأنزل الله صدر السورة بتوحيده وتعظيمه رداً عليهم، ووصف نفسه بالحياة تقريعاً لهم، لأنهم يعبدون عيسى وهو عندهم قد مات وقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٦]. وقال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]. وكان ممن قدم عليه ثلاثة رؤساء (لهم) منهم: أحدهم العاقب، وهو عبد المسيح. والآخر: السيد، وهو الأيهم. والثالث أبو حارثة بن علقمة، أخو بكر بن وائل. والإنجيل "الأصل من: نجلته" الشيء: أخرجته، ويقال نجله أبوه أي: جاء به وجمعه أناجيل، وهو إفعيل وجمع التوراة: توار. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، (أي) لما قبله من كتاب ورسول". * * قوله: ﴿وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ﴾. هو ما يفرق به بين الحق والباطل في أمر عيسى. وقيل: في أحكام الشرائع، وقيل: فيهما. * * قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾. أي: إن الذين جحدوا بآيات الله وقالوا: إن عيسى ولده واتخذوه إلهاً ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.

آل عمران 3:5

معناه: من كان بهذه الحال يا محمد كيف يخفى عليه ما يضاهي به هؤلاء في عيسى.

آل عمران 3:6

قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾. أي: يجعل هذا ذكَراً وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر فلذلك خلق عيسى لا من رجل كيف شاء، ولو كان إلهاً ما اشتملت عليه الأرحام، وانتقل من حالة إلى حالة.

آل عمران 3:7

قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾. قال ابن عباس: [هي]: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى ثلاث آيات، وفي بني إسرائيل ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ﴾ [الإسراء: ٢٣]، قال: والمتشابه نحو: آلَم، والروح وشبهه. وقال مجاهد وعكرمة، ويحيى بن يعمر: المحكمات: الحلال والحرام والأمر والنهي، وما سوى ذلك فمتشابه يصدق بعضه بعضاً. وقال الضحاك: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. وأهل المعاني على (أن) المحكم ما قام بنفسه، وفهم في ظاهر لفظه، ولم يحتمل إلا ذلك، والمتشابه ما احتاج إلى تأويل وتفسير واحتمل المعاني. وسمى المحكمات أم الكتاب لأنهن معظمه، وأكثره. وقيل: سماهن أم الكتاب لأن فيهن أمر الدين من: حلال وحرام وأمر ونهي وفرض وغير ذلك، فهذا الأصل الذي تعبدنا به. وإنما وحد الأم لأن معناه: هن أصل الكتاب. وقيل: المعنى هن الشيء الذي كل واحدة منهن أم الكتاب. * * قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. قيل معناه: اشتبهت على اليهود إذ سمعوها وهي أوائل السور: حروف التهجي، متشابهات في التلاوة مختلفات في المعاني. وقال ابن عباس: متشابهات: هو المنسوخ، والمقدم والمؤخر. وقال قتادة وغيره: المحكمات: الناسخات، والمتشابهات المنسوخات. وقيل: المحكمات ما حكمت فيه ألفاظ قصص الأنبياء والأمم، والمتشابهات ما حكمت فيه ألفاظ القصص والأخبار، قاله ابن زيد. [قال:]: نحو ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿ٱحْمِلْ فِيهَا﴾ هود: ٤٠]، ﴿ٱسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢]....... [ادخل يدك]"، ﴿حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]"، ونحوه، فهذا المتشابه. وقيل: المحكم ما علم تأويله العلماء، والمتشابه ما لم يعلم تأويله أحد، وقد أفردنا الكلام على هذه الآية في كتاب مفرد متقصى فيه الاختلاف فيها وموضع الوقف. * * قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. أي: ميل عن الحق وهو الشك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وهو ما احتمل التأويلات "يبتغون بذلك الفتنة" أي: الكفر. قال ابن عباس: يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم يلبسون على الناس. وقال السدي: يعترضون في الناسخ والمنسوخ فيقولون: ما بال هذه وما بال هذه. وعنى بهذا الوفد من نصارى نجران ومن هو مثلهم. لأنهم خاصموا النبي ﷺ في عيسى. وقال قتادة: إن لم يكونوا الحرورية فما أدري من هم؟. وروت عائشة أن النبي ﷺ قال: "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنوا بقوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال السدي والربيع ﴿ٱبْتِغَاءَ ٱلْفِتْنَةِ﴾ أي: الشرك وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات. قال ابن عباس معنى: ﴿ٱبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ هو طلب الأجل في مدة محمد وأمته من قبل الحروف التي في أوائل السور وذلك أنهم حسبوها على حروف الجمل بالعدد فقالوا: هذه مدة محمد وأمته. قال السدي: أرادوا أن يعلموا عواقب القرآن وهو تأويله متى ينسخ منه شيء. وقيل معناه: وابتغاء تأويل المتشابه على ما يريدون من الزيغ. * * قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾. أي: ليس يعلم متى تقوم الساعة وتنقضي مدة أمة محمد عليه السلام إلا الله. * * ﴿وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾. أي: يسلمون ويقولون صدقنا، وهو قول ابن عباس وعائشة وابن مسعود، وجماعة من التابعين، وهو قول مالك. وروى عن نافع ويعقوب والكسائي، إن الوقف ﴿إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ وهو قول الأخفش والفراء وأبي حاتم، وأبي إسحاق، وابن كيسان، وهو اختيار الطبري. ومعنى التأويل: التفسير وهو عند أكثرهم قيام الساعة لأنه ما تؤول إليه الأمور. ومعنى: ﴿وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ﴾ الذين قد أتقنوا علمهم، وأصله من: رسخ إذا ثبت. وروي عن ابن القاسم أن مالكاً سئل عن الراسخين في العلم: من هم؟ فقال: العامل بما علم، المتبع له. (وقال في رواية ابن وهب عنه: العالم العامل بما علم المتبع له). وعن ابن أسامة أن النبي ﷺ سئل عن الراسخين في العلم فقال: "من برّت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، وعَفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم وقيل: الراسخ في العلم من وقف حيث انتهى به علمه. * * قوله: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. أي: ما نسخ وما لم ينسخ من عند الله. وقول أكثر العلماء: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه. قال عروة بن الزبير: الراسخون في العلم لا يعلمون تأويله ولكن يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. * * قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ﴾. أي ما يتذكر فيعلم الحق فيؤمن به إلا أولو العقول.

آل عمران 3:8

قوله: ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. أي: لا تملها عن إيمانها بالمتشابه والمحكم فأنت هديتنا.

آل عمران 3:9

قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ويقولون أيضاً مع قولهم: ﴿لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، ومع قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ﴾: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾. لا شك فيه.

آل عمران 3:10

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.﴾ يعني: من حاجَّ محمداً (ﷺ) في عيسى لا تغني عنهم الأموال والأولاد يوم القيامة في شيء.

آل عمران 3:11

قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. أي: كعادتهم، وقيل كصنعهم: وقيل كشأنهم. وقيل: كسنتهم في التكذيب والكفر، أي: تكذيب هؤلاء (كتكذيب هؤلاء) وصنعهم كصنعهم، وسنتهم كسنتهم والدأب: العادة

آل عمران 3:12

قوله: ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾. من قرأ بالتاء فعلى الخطاب لهم لقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ كأنه قال: [قل] يا محمد للذين (يتبعون) ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ يعني اليهود، فهم المغلوبون. ومن قرأ بالياء فعلى معنى، قل لليهود سيغلب المشركون. فمن قرأ بالتاء كان المعنى: إن الله أمر النبي ﷺ أن يقول لهم هذا القول بعينه. [ومن قرأ بالياء فالمعنى: إن الله أمر النبي ﷺ أن يقول لغيرهم هذا القول وهم اليهود. واحتج] من قرأ بالتاء أن النبي عليه السلام جمع يهود بعد وقعة بدر، فقال لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم مثلما أصاب قريشاً يوم بدر، فأبوا، وقالوا: لا تغرنك نفسك أنك قاتلت قريشاً وكانوا أغماراً لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت ما نحن عليه فأنزل الله [تعالى] ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ إلى قوله ﴿ٱلأَبْصَارِ﴾. وحجة من قرأ بالياء ما روي أن اليهود تضعضعوا، وخافوا مثل يوم بدر وقالوا: هذا لا تزيح له راية فقال بعضهم لا تعجلوا بتصديقه حتى تكون وقعة أخرى فلما نكب المسلمون يوم أحد كذبت اليهود وفرحت فأنزل الله: قل يا محمد لليهود سيغلب المشركون ويحشرون إلى جهنم

آل عمران 3:13

قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا....﴾ الآية. قرأ الحسن ﴿فِئَةٌ﴾، ﴿كَافِرَةٌ﴾ بالخفض فيهما على البدل، من ﴿فِئَتَيْنِ﴾. ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ. وقال أحمد بن يحيى: يجوز النصب على الحال. وقال الزجاج: النصب بمعنى أعني. ومن قرأ ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء فعلى المخاطبة لليهود، أي ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين. ومن قرأ بالياء جعل الرؤية للمسلمين، أي: يرى المؤمنون المشركين مثلي أنفسهم. وكان المسلمون يوم بدر ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً. وقيل ثلاثة عشر، والمشركون تسعمائة وخمسون. وقيل: كانوا ألفاً. وقيل: كانوا ما بين ألف إلى تسعمائة. وقد وعد الله المؤمنين بأن الرجل منهم يغلب الرجلين فأراهم الله المشركين مثليهم لتقوى نفوسهم، وكانت تلك آية أن رأوا الكثير قليلاً كما قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]. وأنكر أبو عمرو قراءة من قرأ بالتاء وقال لا يلزم أن يقرأ مثليكم، هذا الرد إنما يلزم لو كانت الرؤية تنصرف على المسلمين، ولا يمكن إلا ذلك. وقراءة التاء تنصرف على اليهود الذين تقدم ذكرهم. والمعنى: قد كانت لكم أيها اليهود علامة في صدق محمد ﷺ وصحة ما دعاكم إليه بنصر (الله) تعالى إياه يوم بدر وأعداؤه مثلا من معه. وقيل: [المعنى] على قراءة التاء في ترونهم أيها المؤمنون مثلي أصحابكم. وقال ابن كيسان: الضمير في ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود على ﴿أُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾. والهاء والميم في ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ يعودان على فئة. وقال الفراء: معنى "مثليهم" ثلاثة أمثالهم. قال ابن كيسان: كأنه جعل ترونهم يرجع إلى الكل أي: ترون الكل ثلاثة أمثال أصحابكم: هذا على [معنى] من قرأ بالتاء". [ومن قرأ بالياء فعلى معنى يرى المؤمنون الكل ثلاثة أمثالهم، وتكون التاء مخاطبة لليهود فيكون المعنى ترون أيها اليهود الكل ثلاثة أمثال المؤمنين] وهذا كله يوم بدر. * * ﴿وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ اي: يقوي ﴿بِنَصْرِهِ مَن يَشَآءُ﴾.

آل عمران 3:14

وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ﴾ الآية. هذا توبيخ لليهود إذ آثروا الدنيا على الآخرة، فنبذوا اتباع محمد ﷺ خوف أن تذهب رياستهم. وروي عن عمر أنه قال لما نزلت هذه الآية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ﴾: "الآن يا رب حين زينتها" فنزل ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ﴾ الآية. فالمعنى: زين الله للناس ذلك ابتلاءً واختباراً منه كما قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧]، فأخبر بالعلة التي من أجلها جعل ما في الأرض زينة لها. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية وقيل عنه: "القنطار ألف دينار ومائتان وقال ابن عباس: القنطار اثنا عشر ألف درهم. وقال ابن المسيب: القنطار ثمانون ألفاً. وعن أبي هريرة: أنه اثنا عشر ألف أوقية. وعن ابن عباس أنه قال: "هو دية أحدكم" وعنه: ثمانون ألف درهم [وعنه سبعون] ألفاً. وقال قتادة: القنطار ثمانون ألف درهم. وقيل: هو مائة رطل من ذهب، وهو قول قتادة. وعن مجاهد: القنطار سبعون ألف دينار. وقيل: هو المال الكثير. وقيل: [هو] أربعون ألف أوقية من ذهب أو فضة. وقال القتبي وغيره: هو ملء مسك ثور من ذهب، والمقنطرة المكملة. وقال الفراء: المقنطرة: المضعفة. وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقل من تسعة قناطير. وقال السدي معنى المقنطرة: المضروبة دراهم ودنانير. وواحد الخيل عند أبي عبيدة: خايل. سمي بذلك لأنه يختال في مشيته وهو كطير وطائر. وقيل: هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه. والمسومة: الراعية، قاله ابن عباس، وابن جبير، وقتادة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً: هي الحسان المطهمة الحسنة الصورة. وعن ابن عباس أيضاً: المسومة: المعلمة. وقال الحسن: المسومة: الممرجة، يريد الراعية في المروج. وقال ابن زيد: المسومة: المعدة للجهاد. وواحد الأنعام: نَعَم ونِعَم، لا واحد [له من] لفظه قوله: ﴿ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾: أي: هذا الذي ذكر متاع الحياة الدنيا ﴿وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ﴾ أي: حسن المرجع للذين اتقوا ربهم، وهي الجنة والخلود فيها. والمآب: المفعل، من آب يؤوب، وأصله المأوب، ثم نقلت فتحة الواو على الهمزة، وانقلب [الواو] ألفاً كالمقال والمجال.

آل عمران 3:15

قوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ﴾ الآية. (رفع ﴿جَنَّاتٌ﴾ على) الابتداء. ويجوز الخفض على البدل من ﴿بِخَيْرٍ﴾. ويجوز النصب على إعادة الفعل ويكون للذين متعلق بـ ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾. * * وقوله: ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ أي زيادة الرضا بعد دخول الجنة. وروى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال الله: أعطيكم أفضل من هذا؟ فيقولون أي ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: أحل لكم رضواني". وهذه الآية نزلت تعزية للمهاجرين الذين أخرجوا وتركوا ديارهم وأموالهم [فأعلمهم الله أن خيراً مما تركوا من الدنيا الجنة للذين اتقوا. * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ أي: ذو بصر بمن يتقيه ويخافه ممن لا يتقيه ويتبع الشهوات. وروي أن هذه الآية نزلت تعزية وتصبيراً للمهاجرين إذ فارقوا ديارهم وأموالهم] قدموا بلداً لا مال لهم فيه [ولا] ديار، فأُعلموا أن خيراً مما تركوا من الدنيا: الجنة، ثم مدحهم الله فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ....﴾ الآية.

آل عمران 3:16

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ....﴾ الآية. في هذه الآية صفة من يتقيه ويخافه. * * ومعنى ﴿فَٱغْفِرْ لَنَا﴾: استر علينا ذنوبنا.

آل عمران 3:17

ثم وصفهم فقال: ﴿ٱلصَّابِرِينَ وَٱلْقَانِتِينَ﴾. الآية. * * ومعنى ﴿ٱلصَّابِرِينَ﴾ الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس أي: في القتال. وقال قتادة: صبروا عن محارم الله، وصبروا على طاعة الله (عز وجل). وقيل: الصابرون هم الصائمون، يقال لشهر رمضان شهر الصبر. وقيل هم الذين يصبرون على طاعة الله عز وجل ويصبرون عن المعاصي وهو قول قتادة. * * ومعنى ﴿ٱلصَّادِقِينَ﴾ في قول قتادة: هم قوم صدقت نياتهم. وعنه (هم) قوم صدقت أفواههم واستقامت قلوبهم وألسنتهم. والقانتون: المطيعون، وقيل: المصلون. والمنفقون: الذين يزكون كما أمر الله. ومعنى: ﴿وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ﴾. قال قتادة: هم الذين يصلون بالأسحار. وروي عن ابن مسعود أنه الاستغفار بعينه. (و) عنه: أنه سمع رجلاً بالسحر يقول: أمرتني فأطعتك وهذا سحرك، فاغفر لي. قال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالأسحار سبعين استغفارة. وقال زيد بن أسلم: "والمستغفرون بالأسحار" هم الذين يشهدون صلاة الصبح. وقيل: هو الاستغفار بعينه. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "إن الله يتنزل في ثلث الليل الأخير إلى السماء الدنيا يقول من يدعوني أستجب له من يستغفرني أغفر له

آل عمران 3:18

قوله تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ...﴾ الآية. نفى الله عز وجل بهذه الآية ما أضافته إليه النصارى الذين حاجوا النبي عليه السلام - في عيسى - وغيرهم، أنه إله فأخبرهم أنه ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾، وأن ذلك شهد به هو، وملائكته وأهل العلم من خلقه. قال أبو عبيدة: معنى شهد الله: قضى الله، أي: علم. وأنكر ذلك جماعة، ومعنى ﴿قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل. وقرأ أبو المهلب: "شهدآء الله" رده على ما قبله، ونصبه على الحال. وروى عنه: شهداءَ الله على الحال أيضاً. وعنه: شهداءُ الله، رفع بالابتداء.

آل عمران 3:19

قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ...﴾ الآية. ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ منصوب بفعل دل عليه (اختلف) كأنه: اختلفوا بغياً بينهم، وقال الأخفش: [نصبه] باختلف، هذا الظاهر تقديره: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغياً بينهم). وهو حال عند الجميع. وقيل: مفعول من أجله. ومن كسر إن فعلى الابتداء، ومن فتح رده على شهداء أي: ويشهد بأن الدين. وقال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير بمعنى [الدين] الذي هو التوحيد. وعن ابن عباس: شهد الله إنه، بالكسر فجعله خبراً وتفتح أن الدين برفع الشهادة عليها. وقد ألزم من قرأ بالفتح في أن الدين أن يقرأ: أن الدين عنده الإسلام، لأن الإظهار يستغنى عنه، وقد منع النحويون: شهدت أن زيداً عالم، وأن زيداً بصير، والثاني هو الأول. وقال المحتج للكسائي: وقع الإظهار هنا للتعظيم والتفخيم كما قال: لا أرى الموت يسبق الموت (شيء). على التعظيم للموت. والذي هو أحسن من هذا، أن النحويين إنما منعوا الإظهار [فيما يمكن أن يتوهم أن الثاني غير الأول فيخاف الالتباس عند الإظهار]، والآية لا يمكن ذلك فيها، لأن هذا الاسم ليس هو إلا لواحد لم يتسم به غيره، لا إله إلا هو، فإظهاره مرة بعد مرة لا يوهم أن الثاني غير الأول، وإظهار زيد مرة [بعد مرة] يوهم أن الثاني غير الأول. فليست الآية تشبه ما يقع في الكلام من الإظهار بعد الإظهار، إذ زيد وغيره يصلح لكل أحد، وأما الموت فإنما ظهر في الثاني لأنه لا لبس فيه، إذ ليس ثم غير موت واحد، فليس يتوهم أن الثاني غير الأول وفي الإظهار مع زوال الالتباس معنى التعظيم والتفخيم كما تقدم. والدين: الطاعة ومعنى الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله. وأصل الإسلام: الخشوع والانقياد. وروى ابن عمر عن النبي عليه السلام أنه قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان وفي هذه الآية دلالة على ضعف قول من يفرق بين الإسلام والإيمان، ويجعل الإيمان أفضل من الإسلام، إذ أخبر الله جل ذكره ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلإِسْلاَمُ﴾ فهو الإيمان بعينه، إذ لا يرضى الله من خلقه بما هو أدون، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فالإسلام: هو الإيمان إذا استوى الباطن والظاهر، فإن خالف الظاهر الباطن فيهما فليسا بدين يتقبله الله، نحو قوله: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَـٰكِن قُولُوۤاْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] ونحو قوله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] لم يحصلوا على شيء لما خالف باطنهم ظاهرهم. وقد قيل: "إن الإسلام أعم من الإيمان، لأن الإيمان ما صدق به الباطن، والإسلام ما صدق به الباطن ونطق به الظاهر. * * ومعنى ﴿ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ أي: الإنجيل، وهم النصارى الذين اختلفوا في محمد ﷺ. وقيل: في عيسى للبغي من بعدما جاءهم العلم، فعلوا ذلك طلباً للرياسة والدنيا، قوله: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ أي: أحصى كل شيء بلا معاناة ولا عدد. وقال الربيع: ﴿ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ هم اليهود، و ﴿ٱلْكِتَابَ﴾: التوراة، وذلك أن موسى على نبينا وعليه السلام، لما حضرته الوفاة دعا سبعين حَبْراً من أحبار "بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، واستخلف عليهم يوشع بن نون، فلما مضت ثلاثة قرون بعد موسى ﷺ وقعت الفرقة والاختلاف بين أبناء أولئك السبعين تنافساً في الدنيا، وطلباً للملك والرياسة.

آل عمران 3:20

قوله: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ...﴾ (أي): فإن حاجك يا محمد، النفر من نصارى نجران في أمر عيسى، فقل: أخلصت وجهي لله، أي: عبادتي لله، ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ﴾ أخلص أيضاً، "من" في موضع رفع عطف على التاء في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أي": أسلمت أنا ومن تبعني وجوهنا لله. وقيل: هي موضع خفض عطف على "الله" ومعنى الكلام أخلصت نفسي لله ولـ: "من اتبعني" * * قوله: ﴿وَقُلْ لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ﴾ يعني: اليهود والنصارى و ﴿ٱلأُمِّيِّينَ﴾ يعني: "الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب، كأنهم نسبوا إلى الأم لجهلهم بالكتابة كالأم. وقيل: نسبوا إلى مكة، وهي أم القرى. أسلمتم أي: أقررتم بالتوحيد، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُواْ﴾ أي: انقادوا وخضعوا لله ولدينه ﴿فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾ والكلام يراد به الأمر وأخرج مخرج الاستفهام. والمعنى: قل لهم أسلموا، ولذلك دخلت الفاء في الجواب وهي مثل قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا. [قوله: ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ﴾ هذا منسوخ. بالأمر بالقتال].

آل عمران 3:21

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ الآية. قال أبو العالية: جاء النبيون إلى ناس من بني إسرائيل يدعونهم إلى الله فقتلوهم، فقام ناس من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم. وعن عبد الله: إن بني إسرائيل كانت تقتل في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار. وروي أن النبي عليه السلام قال: "قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من (أول) النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل منهم، واثنا عشر رجلاً من عبادهم، فأنكروا عليهم، فقتلوا جميعاً في آخر النهار في ذلك اليوم". ثم تلا الآية. دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز المجازات، فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع "إن" لأنها للتأكيد لا تغير معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن. وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فلو وجدوا إلى قتل النبي ﷺ ما تركوه، فخوطبوا بذلك لأنهم وآباؤهم سواء. * * قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت، فلا ثناء عليهم في الدنيا ولا محمدة، ولا خير لهم في الآخرة ولا رحمة، وما لهم من ينصرهم من عذاب الله، وعقابه. وقرأ أبو السَمّال: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، بالفتح وهي لغة شاذة.

آل عمران 3:22

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ الآية. قال أبو العالية: جاء النبيون إلى ناس من بني إسرائيل يدعونهم إلى الله فقتلوهم، فقام ناس من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم. وعن عبد الله: إن بني إسرائيل كانت تقتل في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار. وروي أن النبي عليه السلام قال: "قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من (أول) النهار في ساعة واحدة فقام مائة رجل منهم، واثنا عشر رجلاً من عبادهم، فأنكروا عليهم، فقتلوا جميعاً في آخر النهار في ذلك اليوم". ثم تلا الآية. دخلت الفاء في الخبر من أجل: إن الذي فيه إبهام فدخل به في حيز المجازات، فجاز دخول الفاء في الخبر وحسن مع "إن" لأنها للتأكيد لا تغير معنى الابتداء، ولو دخلت لعل، أو ليت، أو كأن، لم يجز دخول الفاء في الخبر مع الذين لأن الكلام يتغير معناه بهن. وخوطب من كان بالحضرة بالآية، وهم لم يقتلوا، وإنما ذلك لأنهم على مذهب من فعل ذلك في آبائهم، راضون بفعلهم، مصرون على ذلك إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فلو وجدوا إلى قتل النبي ﷺ ما تركوه، فخوطبوا بذلك لأنهم وآباؤهم سواء. * * قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطلت، فلا ثناء عليهم في الدنيا ولا محمدة، ولا خير لهم في الآخرة ولا رحمة، وما لهم من ينصرهم من عذاب الله، وعقابه. وقرأ أبو السَمّال: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾، بالفتح وهي لغة شاذة.

آل عمران 3:24

قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾ [أي إنما أبوا أن يحكم بينهم كتاب الله، لأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات"] وهي أربعون يوماً، عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل. ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾، أي: غرهم افتراؤهم وهو كذبهم وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقولهم: ﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾.

آل عمران 3:25

قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ ﴾ أي: فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت، وقد قدموا الافتراء والكذب والكفر، والتبديل واتباع المتشابه، وفضلوا الدنيا وزينتها على الآخرة. والمعنى: جمعناهم لحساب يوم لا شك فيه. وقال الكسائي: اللام بمعنى: في، والمعنى عنده: في يوم.

آل عمران 3:26

قوله: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ الآية. ذُكِرَ أن النبي عليه السلام سأل الله أن يجعل مُلك فارس والروم لأمته، فأنزل الله: قل يا محمد: ﴿ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ الآية. وروي أن النبي عليه السلام، بشر أصحابه بفتح الشام وملك قيصر وكسرى، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: هيهات، هيهات، فعظموا ما صغر الله من ملك الكفار، فقال الله لنبيه ﷺ: قل يا محمد ﴿ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ الآية. فلما سمعوا بذلك ذلوا، (طلبوا الموادعة)، فكانوا في رفاهية من العيش حتى بغوا، فرد الله بغيهم عليهم، فقُتِلوا، وأُجْلُوا. قال مجاهد: ﴿تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾: النبوة وقيل: الملك، والمال، والعبيد. وقيل: هو الغلبة. ﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ﴾" أي: بالغلبة، يقال: عزه إذا غلبه.

آل عمران 3:27

قوله: ﴿تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ قال ابن عباس: ما ينقص في (ذا) يزيد في ذا ومعنى تولج: تدخل * * قوله: ﴿وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ﴾. قال مجاهد: الإنسان الحي من النطفة الميتة (ويخرج الميت من الحي): النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك قال: الضحاك والسدي: وقتادة وغيرهم. وقيل المعنى: يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة والسنبل من الحب والحب من السنبل، والبيض من الدجاج والدجاج من البيض، قال ذلك عكرمة والسدي. وقال الحسن: معنا: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن روي ذلك عن ابن مسعود ورفعه الزهري إلى النبي ﷺ. فالمؤمن حي القلب والكافر ميت القلب. * * قوله: ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: ليس يخاف نقصاً فيخرج الأشياء بالحساب والتحصيل.

آل عمران 3:28

قوله: ﴿لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ﴾ قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار يتخذوهم أولياء، إلا أن يكون الكفار لهم القوة والغلبة، فيظهر لهم اللطف بالقول لا غير وهو قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَـٰةً﴾. قال الضحاك: التقية أن يحمل على أمر يتكلم به بلسانه من معصية الله فيفعل وهو مطمئن بالإيمان، فلا إثم عليه. قال الحسن: ذلك في المشركين يكرهون المؤمنين على الكفر وقلوبهم كارهة. وقال قتادة: التقاة: أن تصل رحمك من الكفار من غير أن توليهم على المؤمنين فتصله لقرابة منك ولا تواليه في الدين. ويقال: إنها نزلت في عمار بن ياسر، وحاطب بن أبي بلتعة، أما عمار فخاف أن يقتله المشركون فكلمهم ببعض ما أحبوا، وأما حاطب فكتب إلى المشركين يعلمهم بأخبار النبي عليه السلام ليحفظوه في أهله بمكة وهو مطمئن بالإيمان. وقرأ مجاهد وجابر بن زيد وحميد والضحاك: تقية وهي فعلية، وتقاة: فعلة، وهما مصدران. ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (أي) من نفسه، أي: تركبوا ما نهيتم عنه.

آل عمران 3:29

قوله: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ الآية. معناه: قل يا محمد للذين نهوا أن يتخذوا الكافرين أولياء ﴿أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: إن تخفوا ما في أنفسكم من ولاية الكافرين أو تبدوه فذلك سواء، الله يعلم الجميع فيجازيكم عليه، فيغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء".

آل عمران 3:30

قوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ الآية. أي: هو على كل شيء قدير ذلك اليوم. وقيل المعنى: واذكر يوم تجد. وقيل (المعنى): ويحذركم الله نفسه يوم تجد. * * ومعنى ﴿مُّحْضَراً﴾: موقرا، ﴿أَمَدَاً بَعِيداً﴾ "قال السدي: مكاناً بعيداً". وقال ابن جريج: أجلاً بعيداً. وقال الحسن: لا يسر أحدكم أن يلقى عمله أبداً. * * قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي يحذركم ألا تسقطوه. وقال الزجاج معناه: ويحذركم الله إياه، ثم استغنوا عنه بالنفس. وقال غيره: المعنى: عقابه، ثم حذفت.

آل عمران 3:31

قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي﴾ الآية. قال الحسن: قال قوم على عهد النبي ﷺ إنا نحب ربنا فأنزل الله: "قل (يا محمد) ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ (كما زعمتم) ﴿فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾. وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى ﷺ ما اخترقوا، وقالوا: نقوله حباً لله وتعظيماً له فقيل لهم: إن كنتم صادقين في قولكم فاتبعوا محمداً ﷺ فيحببكم الله. ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران. وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه.

آل عمران 3:32

قوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي﴾ الآية. قال الحسن: قال قوم على عهد النبي ﷺ إنا نحب ربنا فأنزل الله: "قل (يا محمد) ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ﴾ (كما زعمتم) ﴿فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾. وقيل إنها نزلت في نصارى نجران، وذلك أنهم ادعوا في عيسى ﷺ ما اخترقوا، وقالوا: نقوله حباً لله وتعظيماً له فقيل لهم: إن كنتم صادقين في قولكم فاتبعوا محمداً ﷺ فيحببكم الله. ثم قال: قل [يا] محمد اطيعوا الله في اتباعي، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به، كله مخاطبة للنصارى من وفد نجران. وعن مالك أنه قال: معناه من أحب طاعة الله أحبه وحببه إلى خلقه.

آل عمران 3:33

"قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً﴾ الآية. نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ عند الأخفش على الحال، وعلى القطع عند الكوفيين. وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها ﴿ٱصْطَفَىٰ﴾ والذرية هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهو واحد كما قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [مريم: ٥]. فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد ﷺ من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه. قال مالك: [آل محمد ﷺ: أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: آل محمد ﷺ كل تقي، وهو مروي عن النبي ﷺ. ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية والإخلاص. وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون.

آل عمران 3:34

"قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً﴾ الآية. نصب ﴿ذُرِّيَّةً﴾ عند الأخفش على الحال، وعلى القطع عند الكوفيين. وأجاز الزجاج نصبها على البدل مما قبلها فيعمل فيها ﴿ٱصْطَفَىٰ﴾ والذرية هنا الجماعة، ويقع للواحد، قال الله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهو واحد كما قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ [مريم: ٥]. فذكر الله في هذه الآية رجلين، وأهل بيتين، وفضلهم على العالمين فمحمد ﷺ من آل إبراهيم، وآل الرجل قد يكون أتباعه. قال مالك: [آل محمد ﷺ: أهل الاتباع له. وعنه أنه قال]: آل محمد ﷺ كل تقي، وهو مروي عن النبي ﷺ. ومعنى، بعضها من بعض أي: في الدين والمعاونة على الإسلام والنية والإخلاص. وقيل معناه: متقاربون في النسب مجتمعون.

آل عمران 3:35

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية. المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. * * ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة. ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾. * * قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب. * * وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. * * قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. * * وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة. والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. * * قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك. * * قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته". وقيل: بابن خالته هو. قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم. وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها. قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.

آل عمران 3:36

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية. المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. * * ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة. ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾. * * قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب. * * وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. * * قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. * * وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة. والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. * * قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك. * * قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته". وقيل: بابن خالته هو. قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم. وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها. قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.

آل عمران 3:37

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية. المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. * * ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة. ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾. * * قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب. * * وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. * * قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. * * وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة. والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. * * قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك. * * قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته". وقيل: بابن خالته هو. قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم. وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها. قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.

آل عمران 3:38

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية. المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. * * ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة. ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾. * * قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب. * * وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. * * قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. * * وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة. والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. * * قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك. * * قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته". وقيل: بابن خالته هو. قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم. وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها. قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.

آل عمران 3:39

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية. المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. * * ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة. ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾. * * قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب. * * وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. * * قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. * * وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة. والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. * * قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك. * * قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته". وقيل: بابن خالته هو. قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم. وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها. قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.

آل عمران 3:40

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾ الآية. المعنى سميع عليم إذ قالت. وقيل: واذكر إذ قالت. وقال أبو عبيدة: ﴿إِذْ﴾ زائدة، وأنكر ذلك جماعة النحويين. وقال الزجاج: المعنى: اصطفى آل عمران إذ قالت. واسم امرأة عمران حنة، وزكريا هو ابن آذر، وعمران هو ابن ماتان وكلاهما من ولد داود النبي من سبط يهود بن يعقوب صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وذلك أن زكريا وعمران تزوجا اختين، فكانت أم مريم عند عمران، وأم يحيى عند زكريا، فهلك عمران، وأم مريم حامل بها وكانت في حياة عمران قد أمسك عنها الولد حتى يبست، وكانوا أهل بيت [لهم] عند الله مكان، فبينا هي ذات يوم في ظل شجرة نظرت إلى طائر يطعم فرخاً، فتحركت له نفسها للولد، فدعت الله أن يهب لها ولداً، فحملت ثم مات عمران، فلما علمت أن في بطنها جنيناً حسبته ذكراً فنذرته ليكون حبيساً لخدمة الكنيسة، وقيل: خدمة بيت المقدس. قال الكلبي: لما وضعتها لفتها في خرقتها ثم أرسلت بها إلى بيت المقدس، فوضعتها فيه، فتنافست الأحبار بنو هارون. فقال زكرياء: أنا أحقكم بها عندي خالتها، فذروها لي. فقالت الأحبار: لو تركت لأفقر الناس إليها لتركت لأمها، ولكنا نقترع عليها، فاقترعوا عليها بأقلامهم [التي]. يكتبون بها الوحي، فقرعهم زكريا عليه السلام، واسترضع لها حتى إذا شبت بنى لها محراباً في المسجد على الباب فلا يرقى إليها إلا بِسلم. * * ومعنى ﴿مُحَرَّراً﴾ عتيقاً لعبادتك لا ينتفع به لشيء من أمور الدنيا. وقال مجاهد "محرراً خادماً للكنيسة. ونصب ﴿مُحَرَّراً﴾ على أنه نعت لمفعول محذوف أي: غلاماً محرراً. وكانوا إنما يحررون الغلمان، فظنت أنها تلد غلاماً فلما وضعت أنثى قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ تريد أنه إنما يحرر الغلمان للخدمة. وقيل المعنى إن الأنثى تحيض فلا تصلح لخدمة بيتك. ثم دعت لها فقالت: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾ فاستجاب الله لها وأعاذها وذريتها منه. وأصل المعاذ: الملجأ والمفعل، والهاء في "وضعتها لما على المعنى. وقيل: لمريم ولم يجر لها ذكر ولكن المعنى مفهوم فحسن. ومن قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بإسكان التاء ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ﴾ ﴿وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ﴾ فهذا من كلامها، ثم قال تعالى إخباراً منه ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن قرأ بضم التاء فليس فيه تقديم ولا تأخير وهذا كله من كلام أم مريم. وقرأ ابن عباس: "وضعتِ" بكسر التاء ومعْناه إنه خطاب من الله لها. قال ابن عباس: ما ولد مولود إلا قد استهل سوى عيسى ابن مريم ﷺ فإنه لم يسلط عليه الشيطان لأن الله أجاب دعاء أم مريم في قولها: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ الآية. قال وهب بن منبه: لما ولد عيسى ﷺ أتت الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام قد انكسرت رؤوسها! فقال: هذا في حادث حدث، فقال: مكانكم، وطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاء البحار فلم يجد شيئاً، ثم طار ثانية فوجد عيسى ﷺ قد ولد عند مدوذ حمار، والملائكة قد حفت به، فرجع إليهم فقال لهم: إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا أنا بحضرتها إلا هذه، فيئسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة. وقال النبي عليه السلام "كل آدمي طعن الشيطان في جلده إلا عيسى ابن مريم وأمه جعل بينها وبينه حجاب فأصابت الطعنة الحجاب ولم ينفذ إليهما شيء وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من لمس الشيطان إياه إلا مريم وابنها(ثم) يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتم ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾. * * قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾: أي: رضيها مكان المحرر ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ من غذائه. وقرأ مجاهد: وتقبلْها بالإسكان، ﴿رَبُّهَا﴾ بالنصب عن النداء و "أنبتها" بكسر الباء والإسكان، و "كفلْها" بالإسكان "زكرياءَ" بالنصب. * * وقوله: ﴿بِقَبُولٍ﴾ أتى مصدراً على غير المصدر، وكان القياس ضم القاف كالجلوس، ولكن أتى بالفتح فلا نظير له عند سيبويه. وقال غيره، قد أتى منه الولوع والوجود والسعوط كل مصدر على فعول بالفتح. * * قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ المد في زكرياء لغة، وزكري لغة، وزكر، وحكى أبو حاتم بغير صرف، وهو غلط عند النحويين لأن ما كانت في هذه الياء. والتخفيف في كفلها على أن زكريا الفاعل. ومن شدد فمعناه كفلها الله زكرياء لأنه تعالى أخرج قلمه إذ ساهم مع أحبار بني إسرائيل عليها من يكفلها. وكان زكريا زوج خالتها. وقيل زوج أختها كان. وامرأة زكريا بنت امرأة عمران، فهي أخت مريم. وروي أن زكرياء كان ابن عم مريم أيضاً. فلما همت بالبلوغ فكانت تخدم في صغرها (مسجد) بيت المقدس، أراد زكريا، أن يكفلها، وقال: هي ابنة عمي، وأختها زوجتي، فلم يتركها له جماعة الأحبار والأنبياء، فتساهموا عليها، وأتوا بسهامهم إلى عين، فطرحوها فيها فغرقت سهامهم كلهم، إلا سهم زكرياء، فضمها زكرياء لنفسه فكانت عنده في غرفة بسلم. * * وقوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾. قال الضحاك: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وقال ابن إسحاق: كفلها زكرياء بعد هلاك أمها [و] ضمها إلى خالتها أم يحيى حتى إذا بلغت أدخلوها الكنيسة لنذر أمها، فأصابت بني إسرائيل شدة، فضعف زكرياء عن حملها فتقارع بنو إسرائيل عليها: من يقوم بها؟ وكلهم يشتكي من الشدة ما يشتكي زكرياء، ولكن لم يكن لهم بد من حملها، فخرج السهم لحملها على رجل نجار من بني إسرائيل يقال له جريج، [فعرفت مريم في وجهه شدة مؤونة ذلك عليه، فقالت: يا جريج]، أحسن بالله الظن، فإن الله سيرزقنا، فجعل جريج يرزق بمكانها عنده فيأتيها كل يوم من كسبه بما يصلحها، فينميه الله ويكثره، فيدخل عليها زكريا، فيرى عندها فضلاً من الرزق ليس بقدر ما يأتيها به جريج، فيقول: ﴿يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ أي: من أي وجه لك هذا؟ فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد تقدم في البقرة تفسير قوله ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ والاختلاف في ذلك. والمحراب: هو مقدم كل مجلس ومصلاه. وهو أيضاً: المكان العالي. فلما رأى زكرياء من الله لها ما رأى، طمع بالولد مع كبر سنه من المرأة العاقر فدعا الله في الولد من ذلك الوقت، وهو قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فبشر وهو يصلي بالمحراب. وقيل: بشر يحيى بعد أربعين سنة من وقت دعائه ولذلك قال عند البشارة: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ لأنه نسي دعاءه لطول المدة التي كانت بين الدعاء والإجابة. والمحراب: المسجد، وهو الآن مقام الإمام في المسجد. وقال الطبري: المحراب: "مقدم كل مجلس ومصلى" وهو سيد المجالس وأشرفها وأكرمها. والذرية في هذا الوضع: الولد، ويكون في غيره للجميع. * * قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ أي: من عندك. ومعنى: ﴿طَيِّبَةً﴾ زكية مباركة. ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي: تسمع من دعاك. * * قوله: ﴿فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قال قتادة وغيره: جبريل ناداه. وأكثر الناس على أن الجماعة من الملائكة نادوه. ومن أنَّثَ فلتأنيث الجماعة ومطابقة اللفظ. ومن ذَكَّر فعلى المعنى، ولتذكر الجمع. ومن كسر (إن) أجرى النداء مجرى القول. [وفي قراءة عبد الله: يا زكريا إن الله، فهذا يدل على إضمار القول]. ومن فتح: أعمل النداء لأنه فعل. وسمي يحيى بيحيى لأن الله أحياه بالإيمان. * * قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بعيسى ابن بنت خالته". وقيل: بابن خالته هو. قال الضحاك وغيره، كان أول من صدق بعيسى يحيى. قال ابن عباس: كانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى وتقدمه في ذلك، ويحيى أكبر من عيسى. وقال أبو عبيدة: ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: بكتاب من الله وأكثر المفسرين على أن الكلمة عيسى. وسمي كلمة لأن الناس يهتدون به. ويجوز أن يكون سمي كلمة لأنه من غير ذكر بقوله: "كن" أي: فهذه الكلمة. والسيد: الشريف في العلم والعبادة. وقال الضحاك: السيد الحليم التقي. وقال مجاهد السيد: الكريم. وقال عكرمة، وابن زيد: (السيد) الذي لا يغلبه الغضب ﴿وَحَصُوراً﴾ ممتنعاً من جماع النساء لا يشتهيهن. وقيل: الحصور الذي لا يولد له، وليس له ماء. وقيل: الهيوب. وقال ابن عباس: هو الذي لا ينزل الماء. وقال ابن المسيب: كان يحيى حصوراً معه مثل الهُدْبَة. وقيل: الحصور هنا هو الذي لا يأتي الذنوب كأنه محصور عنها أي: ممنوعاً منها. قال مالك: بلغني أن يحيى إنما قتل في امرأة، وأن بختنصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل، وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا فار فسأل بني إسرائيل عن ذلك فقالوا: لا علم لنا، هكذا وجدناه، وأخبرنا آباؤنا بأنهم هكذا وجدوه، فقال بختنصر: هذا دم مظلوم، ولأقتلن عليه، فقتل عليه سبعين ألفاً من المسلمين والكفار، فهدأ بعد ذلك. وروي أن امرأة كانت طلبته فامتنع، فاشتكت إلى صاحبها أنه طلبها فقتله. وروي أن جباراً من الجبابرة استفتاه: هل يتزوج بنت أخيه؟ فمنعه من ذلك، فسعت ابنة أخيه في قتله فقتل بها. قال ابن شهاب: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى. قال مجاهد: كان طعام يحيى العشب، وإن كان ليبكي من خشية الله ما لو كان القار على عينيه يحرقه، ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في خدِّه. وقال أبو عبيدة، الكلمة هنا: الكتاب يعني التوراة، ولا يجوز أن يكون عيسى كلمة الله على الحقيقة لأنه مخلوق، وكلمة الله غير مخلوقة. قوله ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي: من أي وجه وأنا كبير ﴿وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ﴾ أي: بلغته ﴿وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. والعلة التي من أجلها سأل زكريا فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ فإنه روي أنه لما سمع نداء الملائكة بالبشارة أتاه الشيطان فقال: إن الصوت الذي سمعت ليس من الله إنما هو من الشيطان، فسأل عندما لبس عليه ليتثبت لا على طريق الإنكار بقدرة الله ولا لاعتراض لما يورد الله سبحانه وتعالى عن ذلك. وقال: لما سأل (عن ذلك) ليعلم هل من زوجته العاقر يكون ذلك، أو من غيرها؟. وقيل: إنما سأل عن ذلك عن طريق التواضع والإقرار فكأنه يقول: بأي منزلة أستوجب هذا عندك يا رب...! وقيل: إنما سأل: هل يرزق ذلك وهو شيخ وامرأته عاقر، أو يرد شاباً، وامرأته كذلك سالمة من العقم؟ أم يرزقان ذلك على حالتهما؟ فأجابه الله فقال ﴿كَذَلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يولد العاقر والشيخ فلا يتعذر عليه شيء أراده. وقيل: إنما سأل لأنه نسي دعاءه بأن يهب له غلاماً، وكان بين دعائه والبشارة بيحيى أربعين عاماً.

آل عمران 3:41

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱجْعَلْ [لِّيۤ] آيَةً﴾... الآية. معناه: قال زكريا: رب إن كان هذا الصوت من عندك فاجعل لي علامة تدل على أن ذلك من عندك، فجعل الله آيته أن منعه من الكلام ثلاثة أيام إلا إيماء أو إشارة. قال قتادة: عوقب بذلك لسؤاله بعد مشافهة الملائكة بالبشارة فسأل الآية على ذلك. ويروى أن لسانه ربا في فيه حتى أطلقه الله بعد ثلاث. وأكثرُ أهل التفسير على أن الله جعل احتباس لسانه عن الكلام علامة يعلم بها الوقت الذي يهب له فيه الغلام، وليس بعقوبة. والرمز: الإشارة بالعينين والحاجبين. وقيل: هو تحريك الشفتين من غير صوت. وقال الضحَّاك: هو تحريك اليدين. وقرأ علقمة بن قيس "إلا رُمُزا" بالضم فيهما. وقرأ الأعمش "رَمَزا" بفتحتين، وهما اسمان. وقراءة الجماعة على المصدر. وقيل: إنما منعه الكلام وهو يقدر على ذلك، وأباح له الإشارة باليد، أو بالرأس، ثم نسخ الله ذلك بقول النبي "لا صمت يوماً إلى الليل" وهذا على قول من أجاز النسخ القرآني بالسنة. وقيل: إنما منع النبي الصمت عن ذكر الله، فأما عن الهدر، وما لا فائدة فيه، فالصمت عنه حسن. ودل على هذا القول أمره تعالى [لزكرياء] بالذكر والتسبيح فلو منعه الكلام كافة لم يأمره بالذكر والتسبيح اللذين لا يكونان مع الآفة. وقد قال: إنها آفة دخلت عليه في الثلاثة الأيام، جماعة من المفسرين. وقيل: فعل به ذلك عقوبة له إذ سأل فقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ وهذا قول مرغوب عنه. ومعنى: "[و] سبح" نزه ربك من السوء بالعشي والإبكار. وقرىء ﴿بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِبْكَارِ﴾ جمع بكر. والكسر مصدر أبكر. وفي زكريا أربع لغات "زكرياء ممدود ومقصور وقد قرئ بهما وزكري مشدد الياء معرب، وزكري مخفف الياء.

آل عمران 3:42

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ...﴾ الآية (إذ) عطف على ما تقدم. وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. ﴿ٱصْطَفَـٰكِ﴾ اختارك، ﴿وَطَهَّرَكِ﴾" أي: طهر دينك من الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض والنفاس. ﴿وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي اختارك على نساء عالم زمانك. وقيل ﴿عَلَىٰ﴾ جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين وروي عن أنس بن مالك أنه قال "خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (ﷺ). * * ومعنى ﴿ٱقْنُتِي﴾: أخلصي الطاعة. وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع. وقال النبي عليه السلام "أفضل الصلاة طول القنوت"أي: القيام. وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها.

آل عمران 3:43

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاَئِكَةُ يٰمَرْيَمُ...﴾ الآية (إذ) عطف على ما تقدم. وقيل: المعنى واذكر إذ قالت. ﴿ٱصْطَفَـٰكِ﴾ اختارك، ﴿وَطَهَّرَكِ﴾" أي: طهر دينك من الريب والشكوك، وقاله مجاهد وقيل معناه: طهرك من الحيض والنفاس. ﴿وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي اختارك على نساء عالم زمانك. وقيل ﴿عَلَىٰ﴾ جميع العالم وذلك بعيسى إذ ولدته من غير ذكر. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين وروي عن أنس بن مالك أنه قال "خير نساء العالمين أربع مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد (ﷺ). * * ومعنى ﴿ٱقْنُتِي﴾: أخلصي الطاعة. وقيل معناه: أطيعي القيام والركوع. وقال النبي عليه السلام "أفضل الصلاة طول القنوت"أي: القيام. وقال مجاهد: لما قيل لمريم ذلك قامت حتى ورم قدماها.

آل عمران 3:44

قوله: ﴿"ذٰلِكَ" نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ الآية. أي هذه الأشياء التي أخبرناك بها من الغيب الذي كنت لا تعلمه، وهو أدل ما يكون على نبوتك، إذ لست ممن يقرأ الكتب وتخبر بما فيها، ولا صاحبت أهل الكتاب فتنقل عنهم، إنما ذلك عندك بوحي من عندي. * * قوله: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. معناه ينظرون أيهم كما تقول: اذهب، فانظر أيهم قائم ﴿إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ﴾ أي: سهامهم على مريم من يكفلها. وقال ابن عباس: اقترعوا بأقلامهم التي [كانوا] يكتبون [بها] الوحي، فقرعهم زكرياء، فما كنت يا محمد عندهم في جميع ذلك فإخبارك بما لم تشهده دليل على صدقك في النبوة وأنه وحي من عندي. وقال عكرمة: ألقوا أقلامهم في الماء فذهب [ت] أقلامهم مع الجرية، وأصعد قلم زكرياء يغالب الجرية فذهب [ت] بأقلامهم غير قلم زكرياء، فكفلها. وقيل: هي أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة. وقيل: هي السهام التي يقترع بها.

آل عمران 3:45

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ﴾ الآية معناه: لم تكن يا محمد عندهم إذ يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة. وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم تكن يا محمد عندهم وقت بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك. * * ومعنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ هو بشارته التي بشرت بها مريم. وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ [مِّنْهُ]﴾ هو قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه كلمة لأنه عن كلمته (كان). وقال ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في ﴿ٱسْمُهُ﴾ تعود على الكلمة لأنها عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. والمسيح: فعيل: فنقول في مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من الذنوب. وقيل: مسحه بالبركة. وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء. وقال النخعي: المسيح الصّدِّيق وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر الله فيكون فاعلاً غير منقول عن مفعول. وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن حبيب فقال: سمي ملكاً لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ذلك من الآيات.

آل عمران 3:46

قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ ٱلْمَلاۤئِكَةُ يٰمَرْيَمُ﴾ الآية معناه: لم تكن يا محمد عندهم إذ يختصمون في أمر مريم من يكفلها حين قالت الملائكة. وقيل: المعنى وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة كذا وكذا إذ يختصمون، فلم تكن يا محمد عندهم وقت بشارة الملائكة لمريم، وما قالت وما قيل لها، فإخبارك به يصحح دعواك في نبوتك. * * ومعنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ﴾ هو بشارته التي بشرت بها مريم. وقيل: ﴿بِكَلِمَةٍ [مِّنْهُ]﴾ هو قوله ﴿كُنْ﴾ فسماه كلمة لأنه عن كلمته (كان). وقال ابن عباس: الكلمة هو عيسى اسم له. والهاء في ﴿ٱسْمُهُ﴾ تعود على الكلمة لأنها عيسى في المعنى. وفي الظاهر على قول ابن عباس. والمسيح: فعيل: فنقول في مفعول: أصله ممسوح أي: مسحه الله فطهره من الذنوب. وقيل: مسحه بالبركة. وقيل: مسح بدهان كانت الأنبياء تمسح به، فيعلم أنها أنبياء. وقال النخعي: المسيح الصّدِّيق وقيل: سمي المسيح لأنه كان إذا مسح بيده على أهل العاهة أفاقوا كما ذكر الله فيكون فاعلاً غير منقول عن مفعول. وذكر ابن حبيب عن ابن عباس أنه قال: المسيح تفسيره الملك. وفسره ابن حبيب فقال: سمي ملكاً لأنه ملك إبراء الأكمه والأبرص وأحيى الموتى، وغير ذلك من الآيات.

آل عمران 3:47

قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في "له" تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر] الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي: يكتب بيده، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: هي التي أنزلت قبله على موسى عليه السلام و ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول. والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. * * قوله: ﴿أَنِيۤ أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. * * وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّه ستين سنة وقال: "ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام" أو كلام هذا معناه". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى. قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد أنبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في التوراة، فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. * * قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

آل عمران 3:48

قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في "له" تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر] الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي: يكتب بيده، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: هي التي أنزلت قبله على موسى عليه السلام و ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول. والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. * * قوله: ﴿أَنِيۤ أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. * * وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّه ستين سنة وقال: "ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام" أو كلام هذا معناه". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى. قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد أنبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في التوراة، فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. * * قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

آل عمران 3:49

قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في "له" تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر] الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي: يكتب بيده، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: هي التي أنزلت قبله على موسى عليه السلام و ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول. والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. * * قوله: ﴿أَنِيۤ أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. * * وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّه ستين سنة وقال: "ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام" أو كلام هذا معناه". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى. قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد أنبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في التوراة، فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. * * قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

آل عمران 3:50

قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في "له" تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر] الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي: يكتب بيده، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: هي التي أنزلت قبله على موسى عليه السلام و ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول. والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. * * قوله: ﴿أَنِيۤ أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. * * وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّه ستين سنة وقال: "ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام" أو كلام هذا معناه". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى. قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد أنبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في التوراة، فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. * * قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

آل عمران 3:51

قوله: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾. أي: من أين يكون لي ولد؟ أمن بعل أتزوجه، أم تبتدئ [خلقه] من غير بشر أتزوجه؟، فأعلمها الله أنه يخلق ما يشاء، فيعطي الولد من غير فحل لك، ويحرم ذلك نساء العالمين، وإذا أراد أمراً ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والهاء في "له" تعود على الأمر. [وقيل المعنى: فإنما يقول (له) من أجله ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: من أجل، الأمر] الذي يقضي به ويريد. قال ابن عباس: وضعت مريم عيسى عليه السلام لثمانية أشهر فلذلك لا يعيش من (ولد) لثمانية أشهر. * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ﴾ أي: يكتب بيده، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: السنة التي توحَى إليه، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: هي التي أنزلت قبله على موسى عليه السلام و ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾ أي: الكتاب الذي أنزل عليه، ولم يعطه أحد قبله، وتعليمه إياه إلهام منه إليه بذلك، و ﴿رَسُولاً﴾ أي: ويجعله رسولاً، فالابتداء به حسن وقيل المعنى: ويكلمهم رسولا وقيل: هو معطوف على وجيه، فالابتداء به على ذلك. ومن فتح ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ فهو متعلق برسول، أي: فإني قد جئتكم بآية تصدقني أني رسول. والآية بمعنى الآيات، وهي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وإحداث الطير من الطين. وغير ذلك من: الإنجيل وغيره. * * قوله: ﴿أَنِيۤ أَخْلُقُ﴾ من فتح أني جعلها بَدَلاً من (أن) الأولى، وإن شئت بدلاً من (آية)، (و) إن شئت على إضمار هي فتكون أن في موضع رفع. وقرأ يزيد بن القعقاع (أخلق لكم من الطين كهيأة الطائر) فيكون طائراً. وقال ابن اسحاق: حبس [عيسى] عليه السلام يوماً مع غلمان في الكتاب [فأخذ طيناً] ثم قال: أجعل لكم هذا الطين طائراً؟ قالوا: وتستطيع ذلك؟ قال: نعم، بإذن الله ربي، قال: ثم هيأه حتى إذا صار في هيأة الطائر نفخ فيه، ثم قال كن طائراً بإذن الله، فخرج يطير بإذن [الله] بين كفيه فذكر الغلمان ذلك لمعلمهم فأفشوه في الناس، وترعرع، فهمت به بنو إسرائيل، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمير ثم خرجت به هاربة. قال ابن جريج وغيره: قال لهم: أيُّ الطير أشد خلقاً؟ قالوا: الخفاش، إنما هو لحم، ففعل مثله من الطين، وقال في هذه الصورة ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ رده على الطير، وفي المائدة ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ [المائدة: ١١٠] رده على الهيأة، ويجوز رد الهاء في هذه السورة] على الهيأة لأنها (بمعنى) المثال والشبه، وتأنيثها غير حقيقي ولا سلطت لا في نسخ. ولا يجوز في سورة المائدة رجوع الهاء على الطير لأنه اسم جمع. * * وقوله: ﴿وَأُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾. قال مجاهد: هو الذي يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار. وقال الأوزاعي: هو الذي لا يبصر بالليل، وهو الذي به عشى. وقال قتادة: هو الذي ولد أعمى، وكذلك قال أكثر المفسرين. وعن ابن عباس وغيره: هو الأعمى حَدَث به ذلك، أو ولد [به] وقال عكرمة: هو الأعمش. وقال وهب: كان عيسى عليه السلام قد هربت [به] أمه إلى أرض مصر من قومها فلما بلغ اثني عشر سنة أوحى الله عز وجل إليها أن انطلقي إلى الشام، ففعلت حتى إذا بلغ ثلاثين سنة، جاءه الوحي على رأس الثلاثين فكانت نبوته ثلاثين سنة، ثم رفعه الله إليه. وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه نعى نفسه لفاطمة حين بلغ سنّه ستين سنة وقال: "ما من نبي إلا يعمر مثل نصف عمر من قبله (و) أن عيسى عمّر مائة سنة وقد بلغت ستين سنة وما أراني إلا ميتاً في هذا العام" أو كلام هذا معناه". قال وهب: ربما اجتمع على عيسى عليه السلام من المرضى خمسون ألفاً من أطاق أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق ذلك أتاه عيسى يمشي إليه، فكان عيسى يداويهم بالدعاء وكان يُحْيي الموتى. قوله ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾. أصل تدخرون تدتخرون: تفتعلون من ذخرت، فلما اختلف الحرفان، بأن كانت الذال حرفاً مجهوراً، والتاء حرفاً مهموساً أبدل من التاء حرفا مجهوراً يشبه الدال في الجهر، ويقرب منها في المخرج وهو الدال، ثم ادغمت الذال في الدال. قال ابن إسحاق: لما بلغ [عيسى] تسع سنين أو عشراً، أدخلته أمه الكتاب، فلا يذهب المؤدب يعلمه شيئاً إلا بادره عيسى ﷺ قبل أن يعلمه إياه، فيقول المؤدب ألا تعجبون لابن هذه الأرملة، أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به مني. قال ابن جبير وغيره: كان يخبر الصبيان بما صنع في بيوتهم وبما صنع آباؤهم، ويقول يا فلان: إن أهلك قد خبأوا لك كذا وكذا من طعام، ويقول للصبي: انطلق فإن أهلك يأكلون كذا وكذا، ويقول: إنطلق فقد خبأ لك أهلك كذا وكذا. فينطلق الصبي يبكي على أهله حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى. فلما رأى ذلك بنو إسرائيل قالوا لأولادهم: لا تلعبوا مع هذا الساحر، وحبسوا أولادهم عنه، فجمعوهم في بيت فجاء عيسى عليه السلام (يطلبهم فقالوا: ليس هم هنا، فقال عيسى عليه السلام): وما في هذا البيت؟ فقالوا: خنازير! فقال عيسى عليه السلام: كذلك يكونون، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير، فذلك قوله (تعالى): ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] قال قتادة: معنى قوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ ذلك في أمر المائدة التي نزلت عليهم كانت خواناً تنزل أين ما كانوا بثمر من ثمار الجنة، وأمروا ألا يخونوا فيه ولا يدخروا لغد، ابتلاهم الله بذلك فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً، وادخروا لغد أنبأهم عيسى ﷺ به، فهو قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: من المائدة التي نهوا عن ادخار ما ينزل عليهم فيها. وقرأ مجاهد والزهري تدخرون، بدال مخففة. ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً﴾، أي: في جميع ما ذكر آية، أي: في نبوة عيسى. وقوله ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ﴾ أي: ما قبلي من التوراة إيماناً بها، وتصديقاً بما فيها، وإن كانت شريعته تخالفها فإنه، ونحن مؤمنون بما صح منها، ولم يبدل ولم يغير على أن عيسى ﷺ كان عاملاً بالتوراة لم يخالف فيها شيئاً إلا ما خفف الله أشياء كانت حراماً فيها وهو قوله ﴿وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك أنه حلل لحوم الإبل والثروب وأشياء من الطير والحيتان كانت في التوراة محرمة. واللام متعلقة بفعل محذوف والمعنى، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم. وكان أبو عبيدة يجيز أن يكون البعض هنا بمعنى الكل، وهذا يوجب أن يحل لكم القتل والسرق والزنى وغيره لأن كل ذلك كان محرماً عليهم في التوراة، فلا يجوز ما قال، ولا وجه له في العربية ولا في المعنى. وقد قيل: إنما أحل لهم عيسى ﷺ أشياء حرمتها عليهم الأحبار لم تكن محرمة في التوراة، فهو غير مخالف للتوراة. وقيل: إنما أحل لهم أشياء حرمتها عليهم ذنوب اكتسبوها ولم يكن في التوراة تحريمها نحو: أكل الشحوم وكل ذي ظفر. * * قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: بعلامة تعلمون بها أني صادق فيما أقول لكم ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.

آل عمران 3:52

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:53

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:54

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:55

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:56

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:57

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:58

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:59

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.

آل عمران 3:60

قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها. يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد. وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له. ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع". وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ. فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه. ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد. ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد. فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد. ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد. فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا. ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك. فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به. وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾. وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين. وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب. وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب. وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة. وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم. وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه. وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه. * * قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام. قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم. وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا. * * وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ. وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد. * * قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم. ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع. وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾. وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها. وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي. وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال. وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك. وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء. وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك. وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه. وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ. * * قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة. قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك. وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا. * * قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة. وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾. * * قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين). وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره. * * قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ. * * قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها. وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه. قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً. * * قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.