Tafsir Makhi — آل عمران 3:61 – النساء 4:91
المحتويات
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
آل عمران 3:61
قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها.
يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد.
وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له.
﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع".
وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ.
فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه.
ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد.
ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد.
فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد.
ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد.
فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا.
ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك.
فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به.
وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب.
وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة.
وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم.
وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه.
وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه.
* *
قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام.
قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم.
وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا.
* *
وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ.
وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد.
* *
قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع.
وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.
وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها.
وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي.
وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال.
وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك.
وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء.
وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك.
وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه
قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه.
وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ.
* *
قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة.
قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك.
وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة.
وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾.
* *
قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين).
وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره.
* *
قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ.
* *
قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها.
وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه.
قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً.
* *
قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.
آل عمران 3:62
قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها.
يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد.
وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له.
﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع".
وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ.
فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه.
ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد.
ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد.
فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد.
ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد.
فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا.
ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك.
فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به.
وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب.
وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة.
وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم.
وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه.
وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه.
* *
قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام.
قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم.
وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا.
* *
وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ.
وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد.
* *
قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع.
وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.
وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها.
وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي.
وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال.
وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك.
وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء.
وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك.
وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه
قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه.
وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ.
* *
قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة.
قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك.
وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة.
وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾.
* *
قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين).
وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره.
* *
قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ.
* *
قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها.
وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه.
قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً.
* *
قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.
آل عمران 3:63
قوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ ٱلْكُفْرَ..﴾ الآية معناه: فلما (علم) عيسى ﷺ أنهم يريدون قتله وأحس بمعنى: وجد وعلم برزية أو غيرها.
يقال: أحس الأمر إذا علمه، وحس القوم قتلهم، والحس حس الدابة من الغبار، والحس ضد البرد.
وقيل معناه: فلما علم عيسى ﷺ الجحود به، والتكذيب له.
﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: من أعواني على هؤلاء (مع الله). وإلى بمعنى: "مع".
وكان من قصة عيسى ﷺ ما حكاه السدي في حكاية طويلة نذكر معناها مختصراً، قال: كذبت بنو إسرائيل عيسى ﷺ، وأخرجته حين دعاهم إلى الإيمان به، فخرج هو وأمه، فنزل على رجل، فأضافهما وأحسن إليهما، وكان على تلك المدينة جبار معتد (فجاء) صاحب البيت يوماً وعليه، حزن وهم، فقالت مريم لزوجته: ما شأن زوجك؟ أراه حزيناً؟ فأبت أن تخبرها بشيء، فقالت لها مريم: أخبريني لعل الله عز وجل يفرج كربته، قالت المرأة لمريم: إن لنا ملكاً جباراً يجعل على كل رجل منا يوماً يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر، فإن لم يفعل عاقبه، وقد بلغت نوبته اليوم علينا [وليس معنا سعة، فقالت مريم لها: فقولي له: فلا يهتم فإني آمر ابني [أن] يدعو له، فَيُكْفَى]. فقالت مريم لعيسى ﷺ في ذلك، فقال عيسى ﷺ: "يا أمه إني إن فعلت كان في ذلك شر، قالت: فلا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا، فقال عيسى ﷺ فقولي له: إذا اقترب ذلك فاملأ قدورك وخوابيك ماء ثم أعلمني، فلما ملأهن أعلمه فدعا عيسى ﷺ الله عز وجل فحول ما في القدور لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم ير مثله، فلما جاء الملك أكل وشرب فقال: من أين لك هذا؟ وتقصى عليه حتى أخبره فقال: عندي غلام لا يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه وأنه دعا الله حتى جعل الماء خمراً، وكان قد توفي للملك ابن، فقال: إن رجلاً دعا الله حتى رد الماء خمراً ليستجيبن له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى ﷺ، فكلمه وسأله أن يدعو الله فيحيي ابنه - فقال عيسى ﷺ: "لا تفعل [فإنه إن] عاش كان شراً، فقال الملك: لا أبالي أراه فقط، فاشترط عليه عيسى ﷺ أن يحيي ولده، ويتركه هو وأمه يخرجان فشرط له ذلك فدعا الله تعالى، فقام الغلام، وانصرف عيسى ﷺ.
فلما رأى أهل المملكة الغلام عاش تنادوا بالسلاح وقالوا: قد أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يستخلف علينا ابنه فيأكلنا كما أكلنا أبوه، فاقتلوه.
ومر عيسى ﷺ وأمه فصحبهما يهودي وكان مع اليهودي رغيفان، ومع عيسى ﷺ رغيف فقال له عيسى ﷺ: تشاركنا؟ فقال اليهودي: نعم، فلما رأى اليهودي أن ليس مع عيسى إلا رغيف ندم فلما نام جعل اليهودي يأكل الرغيف، فلما أكل لقمة قال له عيسى ﷺ: ما تصنع؟ فيقول: لا شيء حتى فرغ [من] الرغيف كله، فلما أصبحا قال له عيسى ﷺ: طعامك فجاء برغيف، فقال له عيسى ﷺ: أين الرغيف الآخر؟ قال: ما كان معي إلا واحد.
ثم انطلقوا حتى مروا براعي غنم فقال عيسى ﷺ: يا صاحب الغنم أجزرنا شاة من غنمك، قال الراعي: نعم، أرسل صاحبك يأخذها: فأرسل عيسى ﷺ اليهودي فجاءه بالشاة، فذبحوها وشووها ثم قال لليهودي: كل ولا تكسر عظماً. فأكلوا حتى شبعوا فرد عيسى ﷺ العظام في الجلد ثم ضربها بعصاه، وقال: قومي بإذن الله. فقامت الشاة، فقال: يا صاحب الغنم: خذ شاتك فقال له الراعي: من أنت؟ قال: أنا عيسى إبن مريم، قال له: أنت الساحر، وفر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى هذه الشاة بعدما أكلناها، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف ما كان معه إلا رغيف واحد.
فمروا بصاحب بقر، فسأله عيسى ﷺ عجلاً فأعطاه عجلاً فذبحه، وشواه وأكله، وصاحب البقر ينظر، ثم جمع عيسى ﷺ العظام في الجلد وقال: قم بإذن الله، فقام وله خوار، فقال: يا صاحب البقر، خذ عجلك فقال: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى، قال: عيسى الساحر، ثم فر منه، فقال عيسى ﷺ لليهودي: بالذي أحيى الشاة بعدما أكلناها، والعجل بعدما أكلناه، كم كان معك رغيفاً؟ فحلف بالله ما كان معه إلا رغيف واحد.
ثم انطلقا حتى أتيا قرية، فنزل عيسى ﷺ في أسفلها واليهودي في أعلاها، فأخذ اليهودي عصا مثل عصا عيسى ﷺ وقال: أنا أحيي الموتى وكان يملك تلك القرية مرض شديد فانطلق اليهودي ينادي من يبتغي طبيباً؟ حتى أتى باب الملك، فأخبر بمرض الملك فقال: أدخلوني عليه فأنا أبرئه، فدخل عليه فأخذ برجله، وضربه بالعصا كما كان عيسى ﷺ يفعل، فمات الملك من الضربة فأخذ اليهودي ليصلب فبلغ عيسى ﷺ الخبر، فأتى ووجده قد رفع على الخشبة [فقال]: أرأيتم إن أحييت لكم صاحبكم أتتركو لي صاحبي؟ قالوا: نعم، فأحيى عيسى ﷺ الملك، وأنزل اليهودي فقال: يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة، والله لا أفارقك أبداً، قال له عيسى ﷺ: أنشدك بالذين أحيى الشاة والعجلة بعدما أكلناها وأحيى هذا بعد [ما] مات، وأنزلك من الجذع بعدما رفعت عليه كم كان معك رغيفاً؟ فحلف اليهودي بهذا كله ما كان معه إلا رغيف واحد.
فانطلقا حتى مرَّا على كنز قد حفرته السباع فقال اليهودي: يا عيسى هذا المال؟ فقال له عيسى ﷺ: دعه فإن له أهلاً يهلكون عليه وجعل اليهودي يتشوق إلى المال، ويكره أن يعصي عيسى ﷺ، فانطلقا.
ومر بالمال بعدهما أربعة نفر، فلما رأوه اجتمعوا عليه فقال اثنان لصاحبيهما: انطلقا فابتاعا لنا طعاماً ودواباً نحمل عليها هذا المال، فانطلق الرجلان فابتاعا ذلك فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن تجعل لصاحبينا في طعامهما سماً؟ فإذا أكلا ماتا، فيصير المال بيني وبينك، فقال الآخر: نعم، ففعلا، وقال الآخران الباقيان مع المال: إذا أتى صاحبانا فليقم كل واحد منا إلى صاحبه فيقتله فيكون الطعام والمال بيننا، فاتفقا على ذلك.
فلما جاء صاحباهما، قتلاهما، ثم قعدا على الطعام فأكلا منه، فماتا، فرجع عيسى ﷺ إلى المال فوجد القوم عليه موتى، فقال لليهودي: أخرجه حتى نقسمه، فأخرجه اليهودي فجعل عيسى ﷺ يقسمه على ثلاثة، فقال اليهودي: اتق الله ولا تظلمني، فإنما هو أنا وأنت، ما هذه الثلاثة؟ فقال له عيسى ﷺ: هذا لي، وهذا لك، وهذا لصاحب الرغيف، قال اليهودي: وإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا المال؟ قال [عيسى] ﷺ: نعم، قال: أنا هو، فقال له عيسى ﷺ: خذ حظي وحظك، وحظ صاحب الرغيف، فهو حظك من الدنيا والآخرة، فلما حمله مشى [به] شيئاً فخسف به.
وانطلق عيسى ﷺ فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك فأعلمهم بنفسه فآمنوا به وانطلقوا معه فذلك قوله: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾.
وقيل: إنما سموا حواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقيل: سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب.
وقيل: كانوا غسالين يغسلون الثياب.
وقال قتادة: "الحواريون خاصة الأنبياء الذين تصلح لهم الخلافة.
وقال الضحاك: الحواريون الأصفياء الأنبياء صلوات الله عليهم.
وروي أن مريم دفعت عيسى ﷺ في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يبيضون الثياب، ويصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد فآمنوا به واتبعوه.
وروي أنه أدخل ثياباً كثيرة بيضاء في خابية واحدة وخرجت مختلفة الألوان كما أرادوا، فعجبوا من ذلك، وأيقنوا أنه ليس بسحر فآمنوا [به] واتبعوه.
* *
قوله: ﴿وَٱشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ هذا قول الحواريين لعيسى ﷺ، فدل ذلك أن عيسى ﷺ كان على ذلك، لا على اليهودية ولا على النصرانية ولكن كان مسلماً وكذلك برأ الله إبراهيم ﷺ من سائر الأديان إلا من الإسلام.
قول: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ أي: أثبت أسماءنا مع أسماء من يشهدون بالحق، وأقروا بالتوحيد، واجعلنا في عددهم وهذا كله احتجاج على أهل نجران الذين خالفوا النبي ﷺ في أمر عيسى ﷺ، فأخبروا أن قول من اتبع عيسى كان خلاف قولهم.
وقال ابن عباس: (اكتبنا مع الشاهدين)، قال مع محمد ﷺ، وأمته الذين شهدوا له أنه قد بلغ الرسالة، وشهدوا للرسل عليهم السلام أنهم قد بلغوا.
* *
وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ﴾: هذا إخبار عن الذي أَحَسَّ عيسى منهم الكفر وهو ما اجتمعوا عليه من قتل عيسى ﷺ، وتكذيبه فيما أتى به، فمكرهم هو ما نووا من قتله، ومكر الله سبحانه ما ألقى من الشبه على بعض أتباع عيسى ﷺ حتى قتله الماكرون يظنونه عيسى ﷺ، ثم رفع الله عيسى ﷺ.
وقيل المكر من الله جل ذكره الاستدراج والإمهال، وذلك أن بني إسرائيل حصروا عيسى ﷺ، ومعه تسعة عشرة رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه، من يأخذ صورتي فيقتل وله جنة؟ فأخذها رجل منهم ورفع الله عيسى إلى السماء ثم خرج الحواريون فأخبروا أن عيسى ﷺ رفع إلى السماء فجعلوا يعدون القوم فيجدونهم ينقصون رجلاً من العدة ويرون، صورة عيسى ﷺ فيهم فشكوا فيه، فقتلوه وصلبوه يرون أنه عيسى ﷺ، ويروى أن اليهود كفروا بعيسى ﷺ، وهموا بقتله، وكان مع عيسى رجل من اليهود آمن بعيسى فدل على عيسى فحوله [الله] في صورة عيسى، فأخذه بنو إسرائيل، فقتلوه، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى ﷺ، فذلك قوله: ﴿وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾.
والمكر: الحيلة، المكيدة، والمكر من الله سبحانه عقوبة، وجزاء من حيث لا يعلم العبد.
* *
قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ قيل هي وفاة نوم.
﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ في نوم قال ذلك الربيع.
وقيل معناه إني قابضك من الأرض حياً ورافعك إلي، وذلك أن عيسى لما رأى كثرة من كذبه، وقلة من اتبعه شكا ذلك إلى الله عز وجل، فأوحى الله إليه ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.
وقال النبي عليه السلام: كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها.
وقال كعب: (يبعث) عيسى ﷺ على الأعور الدجال فيقتله ثم يعيش بعد ذلك أربعاً وعشرين سنة ثم يموت ميتة الحي.
وحكي أن الله تعالى أوحى ذلك إلى عيسى ﷺ مع قوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾
وقال ابن زيد في قوله: ﴿تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ أن كلامه وهو كهل حين ينزل بقتل الدجال.
وقيل معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابل عملك ومتقبله منك.
وقال ابن عباس، معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ هي وفاة موت (يعني) بعد نزوله من السماء.
وقال وهب بن منبه: توفي عيسى ﷺ ثلاث ساعات ثم أحيي ورفع. والنصارى يزعمون أنه توفي سبع ساعات من النهار، ثم أحياه ورفعه. وقيل: إن الكلام تقديماً وتأخيراً. والمعنى: إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد ذلك. وذلك إذا نزل لقتل الدجال في الدنيا، والواو يحسن فيها ذلك.
وروى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى لأنه لم يكن بيني [وبينه] نبي وأنه خليفتي على أمتي، وأنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، يدق الصليب، ويقتل الخنزير ويقبض المال، ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله الملل كلها، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذَّاب، وتقع في الأرض الأمنة حتى ترتع الأسد مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان مع الحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، يلبث في الأرض [أربعين سنة] ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه
قوله: ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هذا خطاب لعيسى ﷺ وأمته، جعلهم الله تعالى فوق اليهود: في النصر والحجة والإيمان بعيسى والتصديق به وقول الحق فيه.
وقيل: هو خطاب لمحمد ﷺ.
* *
قوله: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا﴾ هو القتل والسبي وأداء الجزية ﴿وَٱلآخِرَةِ﴾ هو عذاب النار.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ﴾: الإشارة إلى ما تقدم من ذكر قصص الأنبياء والحجج ﴿وَٱلذِّكْرِ﴾ القرآن ﴿ٱلْحَكِيمِ﴾ المحكم أي: ذو الحكمة.
قوله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ..﴾ (و) هذا احتجاج على نصارى نجران، الذين خاصموه في عيسى وقالوا للنبي: بلغنا أنك تذكر صاحبنا، وتأول أنه عبد، قالوا له: هل رأيت عيسى؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ...﴾ الآية.. أي: خلق هذا من غير ذلك وهذا كذلك.
وقيل: إنهم قالوا للنبي ﷺ: كل إنسان له أب فما شأن عيسى ﷺ ليس له أب فأنزل الله عز وجل هذه الآية: وقوله ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ ابتداء المماثلة، وليس بمتصل بآدم ﷺ إنما هو تبيين قصة آدم ﷺ، لأن الماضي لا يكون حالا.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾
قال بعض أهل المعاني: إن هذا الكلام أتى على خبرين منفصلين، ولو كان على خبر واحد لكان خلقه له من تراب بغير ﴿كُن﴾ ويكون خلقه بـ ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب، وليس الأمر كذلك إنما أخبر تعالى أنه خلق آدم عليه السلام من تراب ثم أخبر آخر أنه قال له: ﴿كُن﴾ فكان، أي: قال له: كن خلقاً من تراب فكان ما أراد لأنه خلق من تراب بغير كن، فما يصنع بقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ [بِيَدَيَّ]﴾ [ص: ٧٥]، ثم قال له ﴿كُن﴾ بعد خلقه له من تراب على ما أراد بعد قوله كن، ولهذا نظائر كثيرة.
وأبين هذا أن يكون المعنى: قد قدر خلقه من تراب فلما أراد تعالى ذكره إظهار ما قدر قال: ﴿كُن﴾ فكان ما قدر بقوله ﴿كُن﴾.
* *
قوله: ﴿ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: هو الحق، أي هذا الذي أنبأتك به هو الحق ﴿فَلاَ تَكُنْ مِّن ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: الشاكين ومعناه: قل يا محمد للشاكين في ذلك (لا تكن من الممترين).
وقيل: هو خطاب لجميع الناس، وظاهر الخطاب للنبي ﷺ والمراد غيره.
* *
قوله: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ﴾ أي: في عيسى وقيل في الحق الذي ذكر، ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ أي من بعدما بين لك فادعوهم إلى المباهلة، ومعنى نبتهل أي نجتهد في الدعاء باللعنة ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ﴾ على من كذب في أمر عيسى ﷺ.
* *
قوله: ﴿وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أهل ديننا ودينكم فرضوا بالجزية وبأشياء شرطها عليهم يؤدونها.
وروي أنهم قالوا: نباهلك فأخذ النبي ﷺ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، فلما رأوا ذلك نكصوا وعلموا أن اللعنة عليهم واقعة، فرضوا بالجزية ولم يباهلوا. وروي أن رئيسهم العاقب قال لهم: قد علمت أنه نبي وما لاعن نبي قوماً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن فعلتم فهو استئصال، فوادعوا محمداً وانصرفوا إلى بلادكم فرضوا بالجزية، وبعث معهم النبي ﷺ أبا عبيدة بن الجراح ولم يباهلوه.
قال ابن عباس: لو باهلوه لرجعوا لا يجدون أهلاً ولا ولداً.
* *
قوله: ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْقَصَصُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: إن الذي أنبأتك به في أمر عيسى ﷺ أنه رسول، وكلمته ألقاها الله عز وجل إلى مريم: هو الحق ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ هذا رد على من جعل عيسى إله من أهل نجران وغيرهم.
آل عمران 3:64
قوله: ﴿قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ تَعَالَوْاْ﴾
الكلمة ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ ٱللَّهَ﴾ وما بعده.
وقيل: الكلمة لا إله إلا الله
والسواء: النَصَفَة والعدل والقصد.
ونزلت هذه الآية فيمن كان حول المدينة من اليهود، وهم الذين حاجوه في إبراهيم ﷺ.
وقيل: نزلت في الوفد من نصارى نجران لأنه دعاهم فأخبرهم بالقصص الحق في أمر عيسى ﷺ، فأبوا أن يقبلوه، فأمر أن يدعوهم إلى المباهلة فأبوا، فأمر أن يدعوهم إلى ما ذكر آخراً فأبوا، فأمر الله المؤمنين أن يقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون.
وإن في موضع خفض على البدل من (كلمة).
وقيل: هي في موضع رفع، وذلك على التأويل الأول أي: هي ألا نعبد، ولا نفعل، ولا نصنع.
﴿وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً﴾: هو طاعة العوام الرؤساء فيما يأمرونهم به من المعاصي كما قال ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] يأمرونهم بالمعصية وينهونهم عن الطاعة فيسمعون ويطيعون.
وقيل ﴿أَرْبَاباً﴾: هو سجود بعضهم لبعض قاله عكرمة.
وقيل معناه: لا نعبد عيسى من دون الله كما عبدت النصارى، ولا عزيراً كما عبدت اليهود، ولا الملائكة كما عبدت جماعة المشركين، ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله كما فعلت اليهود والنصارى والمشركون.
آل عمران 3:65
قوله: ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ﴾ هذا خطاب لليهود والنصارى ولأنهم ادعاه كل فريق منهم، وأنه على دينهم فرد الله ذلك عليهم، وأراهم المناقضة فيما يدعون لأن اليهود تدعي أنه على ما في التوراة دينه، والنصارى تدعي أنه على ما في الإنجيل دينه، وفي الكتابين إنما أنزل بعد إبراهيم ﷺ فهذا تناقض أن يكون دينه على شيء لم يكن بعده.
وذلك أن نصارى نجران وأحبار يهود اجتمعوا على النبي ﷺ فتنازعوا في أمر إبراهيم ﷺ، فادعاه كل فريق منهم، فأنزل الله ذلك يعلمهم أن اليهودية والنصرانية إنما حدثت بعد إبراهيم فكيف يكون على دين لم يكن، ولا أوله أن يكون، فذلك جهل عظيم، ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
آل عمران 3:66
قوله: ﴿هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ﴾
معناه: أنتم القوم الذين خاصمتم فيما لكم به علم من أمر دينكم، وما لحقتم من زمانكم، وجاز ذلك بينكم، فلم تخاصمون فيما لا علم عندكم فيه؟ وهو دين إبراهيم ﷺ، ولم يكن في زمانكم. ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: يعلم ما غاب عنكم فلم تشاهدوه ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ذلك فتخاصموه فيه.
آل عمران 3:67
قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً﴾
ذلك رد لقولهم وادعائهم ﴿وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً﴾ أي: حاجاً وأصل الحنف: (إقبال صدر الرجل على الأخرى إذا كان ذلك خلقة)، فالحنيف: المائل إلى الإسلام.
والمسلم: المتذلل لأمر الله عز وجل.
فأما معنى قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ [المائدة: ٤٤] ولا يكون نبي إلا مسلم
فإنه يريد النبيين الذين استسلموا أو سلموا لما في التوراة من أحكام الله عز وجل التاركون التعقب وكثرة السؤال عما فيها.
وروي أن عزيرا أكثر السؤال عن القدر، فمحي من ديوان النبوة.
ومن هذا قول ابراهيم ﷺ: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ [البقرة: ١٢٨]. أي: مسلمين لأمرك، منقادين لحكمك بالنية والعمل وكذلك ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: [انقدت لأمره].
آل عمران 3:68
قوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ﴾.
أي أخفهم بولايته ونصرته من اتبع دينه ﴿وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ﴾ هو محمد ﷺ ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي: الذين صدقوا محمداً ﷺ، وقال النبي ﷺ: "لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليلي إبراهيم ﷺ " ثم قرأ الآية"
آل عمران 3:69
قوله: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾.
أي: جماعة من أهل نجران ومن اليهود لو يصدونكم عن الإسلام فتهلكوا، وما يُهلكون إلا أنفسهم أي أتباعهم وأنفسهم وكلهم يود ذلك، و [من] ليست للتبعيض، وإنما هي للإبانة والجنس.
* *
ومعنى ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (ليس هو أنهم يجهلون ما يفعلون فيكون ذلك عذراً لهم وإنما معناه وما يشعرون) أنهم لا يصلون إلى إضلال المؤمنين. وقيل: معناه، وما يشعرون بصحة الإسلام. وقيل: عنى به قريظة، والنضير، وبنو قينقاع.
آل عمران 3:70
قوله ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي بالتوراة والإنجيل ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، هذا توبيخ لهم، لأنهم جحدوا نبوة محمد ﷺ، وهم يعلمون أنه نبي مكتوب عندهم في كتابهم في التوراة والإنجيل، فهو قوله ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تشهدون أنه نبي حق، ثم تكفرون حسداً وبغياً.
وقيل: المعنى: وأنتم تشهدون أن آية الله حق وأن ما جاء به حق.
آل عمران 3:71
قوله: ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ﴾.
أي تظهرون من الإقرار بمحمد ﷺ خلاف ما تعتقدون فتخلطون الحق بالباطل.
وقيل: [لم] تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن الدين الذي لا يقبل غيره: الإسلام.
وقال ابن زيد: الحق: التوراة، والباطل: ما كتبوه بأيديهم ﴿وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ﴾ هو أمر النبي عليه السلام يجدونه في كتبهم ويكتمونه ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنه نبي حق، وأن ما جاء به من عند الله حق.
آل عمران 3:72
قوله: ﴿وَقَالَتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ آمِنُواْ﴾ الآية.
معناها أن اليهود قال بعضهم لبعض: آمنوا بالنبي وما أنزل إليه أول النهار، واكفروا آخره لعلهم يرجعون معكم.
وقال ابن عباس: نظر اليهود إلى النبي ﷺ يصلي الصبح إلى بيت المقدس، فأعجبهم ذلك، ثم حولت القبلة في صلاة الظهر إلى الكعبة، فقالت اليهود: ﴿آمِنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ ٱلنَّهَارِ﴾ أي بصلاة الصبح إذا صلوها إلى بيت المقدس ﴿وَٱكْفُرُوۤاْ آخِرَهُ﴾ أي: بصلاة الظهر لأنهم صلوها إلى الكعبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى قبلتكم.
وقال السدي: قالت اليهود لضعفائها: آمنوا بمحمد أول النهار، فإذا كان بالعشي قولوا: قد عرفنا علماؤنا أنكم لستم على شيء لعلهم يرجعون عن دينهم ويشكون فيه.
آل عمران 3:73
قوله ﴿وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ الآية.
قال المبرد: فيها تقديم وتأخير، وتقديرها عنده: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى مثلما أوتيتم ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ﴾
وقيل تقديرها: ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم إلا لمن تبع [دينكم] واللام زائدة.
ومعنى ذلك أنهم قالوا لضعفائهم: لا تصدقوا أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم من علم ورسالة وشرف، إلا لمن تبع دينكم، فصدقوا أن يؤتى مثلما أوتيتم.
وقيل معناها على هذا التقدير: ولا تصدقوا أن تكون الرسالة إلا فيكم. وقيل: تقديرها قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثلما أوتيتم أي كراهة أن يؤتى كأنه بعد أن يؤتى اليهود مثلما أوتي المؤمنون، فتكون على هذا المخاطبة للنبي ﷺ وأمته.
وقرأ ابن عباس ومجاهد وعيسى بن عمرو، وابن كثير أن يؤتى بالاستفهام معناه أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا يؤمنون؟ مثل ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ [القلم: ١٤-١٥] أي: من أجل هذا قال كذا وكذا.
وقرأ الأعمش (إن يؤتي بكسر إن فجعلها بمعنى "ما" على معنى ما يؤتى أحد مثلما أوتيتم.
وقد زعم قوم أنه لحن لحذف النون من يحاجوكم وليس هو لحن عند أهل النظر لأن (أن) تضمر مع أو، فهي مضمرة ناصبة للفعل، ومن جعل في الكلام تقديماً وتأخيراً فاللام زائدة، ومن في موضع نصب استثناء ليس من الأول.
ومن قدر الآية على وجهها، ولم يقدر تقديماً ولا تأخيراً جعل اللام أيضاً زائدة أو متعلقة بمصدر، كأنه: لا تجعل تصديقكم إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد.
وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله "دينكم" ثم قال لمحمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ﴾ أي: البيان بيان الله ﴿أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾، أو: لا يؤتى أحد، "وإن عنده بمعنى لا، ولذلك دخلت "أحد" في الكلام عنده.
* *
وقوله: ﴿ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ﴾ معناه: الهدى إلى الخير بيد الله يؤتيه من يشاء، فلا تتنكروا أيها اليهود أن يؤتى أحد سواكم مثلما أوتيتم، فإن أنكروا وهو معنى "يحاجوكم عند ربكم" فقل يا محمد: ﴿إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
وقال الأخفش: ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ معطوف على ﴿تُؤْمِنُوۤاْ﴾ معناه ولا تصدقوا أن يحاجوكم، أي: قالت اليهود لضعفائها: لا تصدقوا بأن يحاجوكم أحد عند ربكم فيما أنكرتم من نبوة محمد ﷺ.
وقال الفراء: أو بمعنى حتى (و) إلا: أن.
وقال مجاهد: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ﴾ اعتراض في الكلام وسائر الكلام متصل. فالأول خبر عن اليهود ومعناه ﴿وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثلما أتيتم، ولا تؤمنوا أن يحاجوكم عند ربكم، أي: ليس يحاجوكم أحد عند ربكم ثم قال تعالى بعد ذلك: قل يا محمد: ﴿إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾".
وقوله ﴿أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ﴾.
قيل: هو إخبار عما قالت اليهود لضعفائها، أي: لا تكون النبوة إلا فيكم.
وقيل معناه: لا يكون العلم والشرف إلا فيكم.
وقيل: هو إخبار من الله تعالى للنبي ﷺ معناه: لا يؤتي أحد من الأمم مثلما أوتيت يا محمد وأمتك من الإسلام والهدى، وهذا قول السدي.
ومعنى: ﴿أَوْ يُحَآجُّوكُمْ﴾ إلا أن يحاجوكم، وهذا التأويل لا اعتراض فيه، ولا تقديم ولا تأخير، وأن في موضع رفع خبر عن الهدى، والتأويل الأول يقع فيه التقديم والتأخير وأن في موضع نصب على ما ذكرنا، وذلك حسداً، قالوا لضعفائهم من اليهود: لا يكون نبي مثل نبيكم ولا كتاب مثل كتابكم.
وقال الزجاج: معنى الآية: أن اليهود قالت لا تجعلوا تصديقكم لنبي في شيء مما جاء به إلا اليهود، ولا تقولوه للمشركين، فإن ذلك إن قلتموه لهم كان عوناً لهم على تصديقه.
وقال أكثر المفسرين: معناه لا تصدقوا أن يعطى أحد مثلما أوتيتم من علم، ولا تصدقوا أن يحاجوكم أحد: لا يكونوا لأحد حجة عند الله إلا من كان مثلكم.
آل عمران 3:74
قوله: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾.
بمعنى: النبوة، وقيل: الإسلام والقرآن.
آل عمران 3:75
قوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ الآية.
وجه من قرأ بالإسكان في يؤده وشبهه أنها لغة العرب يسكنون الهاء كما يسكنون الميم في أنتم، ورأيتم، وأنشد الفراء: "فيصلح اليوم ويفسده غداً" وأنشد الأخفش وغيره:
؎ بيت لدى البيت العتيق أخيله ∗∗∗ ومطواي مشتقاقان له ارقان
وبعض النحويين لا يجيزه إلا في الشعر، وبعضهم يمنعهم البتة. وعد المبرد إسكان الهاء لحناً.
وقيل: اسكنت الهاء على التوهم أن الجزم عليها وقع.
وقد روي عن أبي عمرو: الاختلاس، وهو اختيار أهل النظر.
ومعنى الآية أن الله أخبر أن من أهل الكتاب المؤتمن ومنهم الخائن، والناس لا يميزون الخائن منهم، فصارت الفائدة أنها تحذير من الله للمؤمنين أن يأتمنوهم لأن منهم الخائن وغيره، وهم لا يميزون ذلك فاجتنابهم أخلص.
* *
ومعنى ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾: إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.
والباء في بقنطار "و" بدينار بمعنى على، وهما يتعاقبان في مثل هذا.
وقيل: معنى ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ أي: يقر بالأمانة ما دمت قائماً على رأسه في وقت عطائها، فإذا ذهب ثم جئت تطلبها كابرك وجحدك.
وقيل: قائماً بمعنى ثابتاً لازماً له، حكى سيبويه: قام بمعنى ثبت.
قوله [ذلك] لأنهم قالوا: أي: فعلهم ذلك (و) أمرهم ذلك ومعناه، فعلوا ذلك لأنهم يقولون: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب لأنهم على غير حق، قال ذلك قتادة.
وقال ابن جريج: كان لرجل من المسلمين على اليهود ديون داينهم بها قبل أن يسلموا، فلما أسلموا طالبوهم بها فقال اليهود: ليس لكم علينا أمانة، ولا قضاء لأنكم تركتم دينكم الذي (كنتم) عليه، وإنما كان حقوقكم واجبة علينا في الأمانة، وغيرها قبل أن ترجعوا عن دينكم، فلما تركتم دينكم ورجعتم إلى الإسلام لم تلزمنا لكم حقوق ولا أداء أمانة، وادعوا أنهم يجدون ذلك في كتابهم، فرد الله عليه قولهم بقوله عقب الآية: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
وعنوا بالأميين العرب، نسبوا إلى ما عليه الأمة قبل أن يتعلموا الكتابة.
وقيل: نسبوا إلى الأم لأنها لا تعرف تكتب.
وقيل: نسبوا إلى أم القرى، وهي مكة.
آل عمران 3:76
قوله: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ﴾ الآية.
معناها ليس الأمر كما يقول هؤلاء من أنه ليس في أموال الأميين حرج لكن من أوفى بعهد الله وهي وصيته إياهم في التوراة من الإيمان بمحمد ﷺ وما جاء به.
فالهاء في ﴿بِعَهْدِهِ﴾ تعود على الله جل ذكره.
* *
ومعنى ﴿وَاتَّقَى﴾ أي: واتقى الشرك قاله ابن عباس وقيل: المعنى، واتقى الله ولم يكذب.
آل عمران 3:77
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ﴾... الآية.
معنى الآية: إن الذين يستبدلون بعهد الله الذي عهد إليهم في كتابهم وبإيمانهم الكاذب عوضاً قليلاً أي: خسيساً من عرض الدنيا، ﴿لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ﴾ أي: لا حظ لهم فيها أي: لا نصيب ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ معناه: لا يكلمهم بما يسرهم.
وقيل: لا يسمعهم كلامه بلا سفير.
وقيل معناه: غضب عليهم كما يقال: فلان لا يكلم فلاناً أي: هو غاضب عليه.
﴿وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾، أي: لا يعطف عليهم بخير، كما يقال: انظر إلي نظر الله إليك أي: اعطف علي عطف الله عليك.
ما زالت هذه الآية في أحبار اليهود منهم كعب بن الأشرف وحيي بن الأخطب.
وقيل: إنها نزلت في الأشعت بن قيس وخصم له اختصما في أرض، فقال النبي ﷺ لليهودي: احلف، فقال الأشعت: إذن يحلف فيذهب حقي، فأنزل الله الآية، وقال النبي عليه السلام بعقب ذلك: "من حلف بيمين كاذبة ليقطع بها حق أخيه لقي الله عز وجل (وهو عليه غضبان)
وروي عن مجاهد أنه قال: نزلت في رجل أقام سلعة في أول النهار، فلما كان آخره جاء رجل يساومه فيها، فحلف لقد منعها أول النهار من كذا وكذا، ولولا المساء ما باعها بهذا العطاء فأنزل الله الآية.
وقال ابن المسيب: اليمين الفاجرة من الكبائر وتلا هذه الآية.
وقال قتادة: من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها حق أخيه فليتبوأ مقعده من النار، ثم تلا هذه الآية.
وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع رسول الله ﷺ أن من الذنب الذي لا يغفر: يمين الصبر إذا فجر فيها صاحبها.
وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يقول أعطيت بسلعتي كذا وكذا كذباً.
وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود ضاقت عليهم معاشهم، فخرجوا إلى المدينة، فلما رجعوا رؤساءهم سألوهم عن النبي عليه السلام فقالوا: هو الصادق لا شك فيه، فقال الرؤساء: الآن حرمْتُم أنفسَكم بِرَّنَا ونَفْعَنَا. فانقلب القوم، إلى منازلهم، وأخرجوا كتبهم فحكوا صفة النبي ﷺ وأثبتوا صفة غيره، وراحوا إلى رؤسائهم فقالوا: إنا فتحنا كتبنا فرأينا الأمر فيها على ما تصفون في محمد ﷺ فنفعوهم وأعطوهم، فأنزل الله عز وجل هذه الآية فيهم.
وروى ابن مسعود بأن النبي عليه السلام قال "من حلف بيمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ الآية
آل عمران 3:78
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ﴾ الآية.
ومعناها وإن من اليهود الذين جرى ذكرهم لفريقاً يحرفون ألسنتهم بالكتاب لتظنوا أنه من الكتاب وما ذلك من الكتاب أي: وما ذلك الذي حرفوا من الكتاب، ويزعمون أن الذي حرفوا من عند الله: أي ما نزل على أنبيائه ﴿وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ وإنما أحدثوه من عند أنفسهم فيكذبون على الله وهم يعلمون أنهم كاذبون.
يقال: لويته عدلته عن قصده.
وقال القتبي: يلوون: يقلبون ألسنتهم بالتحريف والزيادة
آل عمران 3:79
قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾ أي: ما ينبغي لبشر أن ينزل الله عليه الكتاب ويعطيه الحكم، وهو الفقه في الدين، ويعطيه النبوءة ثم يدعو الناس إلى عبادته، بل يدعوهم إلى الله وإلى عبادته.
وروي أنها نزلت في النفر من اليهود والنصارى الذين دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام. وروي أن اليهود قالت له: تريد يا محمد أن نعبدك كما عبدت النصارى عيسى؟
وقال الرئيس من نصارى نجران: ذاك تريد منا يا محمد؟ فقال النبي ﷺ: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثت فأنزل الله جل ذكره ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية
ثم قال: ﴿وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ﴾ أي ... حكماء علماء ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ﴾ من شدة فهو مشتمل على معنى التخفيف لأن من علمنا شيئاً فقد علم.
قال الضحاك: لا ينبغي لأحد أن يدع حفظ القرآن جهده، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ﴾ فقهاء علماء بعلم الكتاب ودرسكم إياه.
هذا على قراءة من خفف.
(ومن شدد فمعناه: بتعليمكم الكتاب وبدرسكم إياه") وكل معلم عالم، وليس كل عالم معلماً، فالتشديد أعم وأبلغ وأمدح. ونزلت هذه الآية حين قالت اليهود من أهل نجران وغيرهم: أتريد يا محمد أن نعبدك فقال النبي ﷺ: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني "أو كما قال فأنزل الله عز وجل ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ الآية
ومعنى ﴿وَلَـٰكِن كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ﴾ أي: ما ينبغي لبشر أن يفعل ذلك مع الناس وأن يقول لهم ذلك، ولكن يقول لهم كونوا ربانيين"
أي حكماء علماء.
وقيل: فقهاء علماء فتركوا القول لدلالة الكلام عليه.
وقال ابن زيد: الربانيون ولاة الأمر، وقرأ ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ﴾، وقال: هم ولاة الأمر.
والألف والنون في "ربانيين" دخلت للمبالغة كجماني للعظيم الجمة، وكذلك غضبان للمتلئ غيظاً ومعنى الرباني العالم بدين الرب، وكأنه في الأصل الربي منسوب إلى الرب ثم دخلت الألف والنون للمبالغة، وجمع جمع السلامة بالياء والنون والألف والنون.
قال مجاهد: الربانيون، فوق الأحبار.
قال النحاس: الأحبار العلماء، والربانيون الذين جمعوا مع العلم السياسة والصلاح.
من قولهم: ربَّ فلان الأمر إذا أصلحه.
وقد قيل في ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: الفقه.
والأحسن أن يكون مردوداً على ما قبله فتكون الدراسة للكتاب الذي جرى ذكره، ولم يجر ذكر للفقه.
والكتاب هنا القرآن، قاله عاصم.
آل عمران 3:80
قوله ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّيْنَ﴾ الآية من نَصَبَ يأمركم عطفه على الأول على ﴿يُؤْتِيهُ﴾ كأنه وما كان لبشر أن يأمركم. ومن رفع قطعه من الأول وتقديره عند سيبويه: ولا يأمركم الله، وعند الأخفش: وهو لا يأمركم.
والتفسير يدل على النصب لأنهم قالوا للنبي ﷺ: أتريد أن نعبدك، فأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ أن يفعل كذا وكذا، ولا أن يأمركم بكذا فنفى عنه ما أسندوا إليه، ثم قال: ولكن له أن يقول ويأمر ﴿كُونُواْ رَبَّـٰنِيِّينَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ﴾ أي أيأمركم نبيكم بالكفر فهذا ظاهر الآية والتفسير، وهو تابع لقراءة النصب في المعنى.
وقيل المعنى أيأمركم الله بالكفر فهذا رد على قراءة من قراء بالرفع.
آل عمران 3:81
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم﴾.
أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في "لما" لام تأكيد "وما" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به.
ومن كسر اللام في "لما" فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم.
وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك.
وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له.
وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء.
* *
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق على نحو ما تقدم" ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: عهدي ﴿قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا﴾.
قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
﴿قَالَ فَٱشْهَدُواْ﴾ أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى أممكم ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور.
﴿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله.
وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب - وتخويف.
* *
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون ﴿وَكَرْهاً﴾ وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق.
وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله.
والطائع: المؤمن.
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه.
وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك.
وفي تفسير الحسن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ انقطع الكلام. ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضِ﴾ طوعاً أو كرهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه.
وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام وأمته أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
ولما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [عز وجل] ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
آل عمران 3:82
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم﴾.
أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في "لما" لام تأكيد "وما" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به.
ومن كسر اللام في "لما" فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم.
وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك.
وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له.
وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء.
* *
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق على نحو ما تقدم" ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: عهدي ﴿قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا﴾.
قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
﴿قَالَ فَٱشْهَدُواْ﴾ أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى أممكم ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور.
﴿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله.
وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب - وتخويف.
* *
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون ﴿وَكَرْهاً﴾ وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق.
وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله.
والطائع: المؤمن.
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه.
وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك.
وفي تفسير الحسن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ انقطع الكلام. ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضِ﴾ طوعاً أو كرهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه.
وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام وأمته أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
ولما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [عز وجل] ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
آل عمران 3:83
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم﴾.
أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في "لما" لام تأكيد "وما" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به.
ومن كسر اللام في "لما" فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم.
وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك.
وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له.
وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء.
* *
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق على نحو ما تقدم" ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: عهدي ﴿قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا﴾.
قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
﴿قَالَ فَٱشْهَدُواْ﴾ أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى أممكم ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور.
﴿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله.
وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب - وتخويف.
* *
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون ﴿وَكَرْهاً﴾ وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق.
وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله.
والطائع: المؤمن.
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه.
وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك.
وفي تفسير الحسن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ انقطع الكلام. ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضِ﴾ طوعاً أو كرهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه.
وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام وأمته أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
ولما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [عز وجل] ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
آل عمران 3:84
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم﴾.
أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في "لما" لام تأكيد "وما" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به.
ومن كسر اللام في "لما" فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم.
وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك.
وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له.
وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء.
* *
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق على نحو ما تقدم" ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: عهدي ﴿قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا﴾.
قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
﴿قَالَ فَٱشْهَدُواْ﴾ أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى أممكم ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور.
﴿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله.
وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب - وتخويف.
* *
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون ﴿وَكَرْهاً﴾ وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق.
وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله.
والطائع: المؤمن.
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه.
وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك.
وفي تفسير الحسن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ انقطع الكلام. ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضِ﴾ طوعاً أو كرهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه.
وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام وأمته أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
ولما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [عز وجل] ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
آل عمران 3:85
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم﴾.
أي: واذكر إذ أخذ الله. واللام في "لما" لام تأكيد "وما" بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء، و (من) لبيان الجنس والهاء محذوفة من آتيناكم و، ﴿مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الخبر هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وأجاز الأخفش أن يكون الخبر ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ وهذا لام قسم كأنه قال: والله لتؤمنن به.
وقال الكسائي: ما للشرط وهي في موضع نصب، واللام لام تأكيد كما تقول والله لئن زيد ضربت لأضربنك به.
ومن كسر اللام في "لما" فهي لام الجر أي: أخذ الميثاق الذي أتاهم من كتاب وحكمة، ويكون ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ من أخذ الميثاق وكأن تقول: أخذت ميثاقك لا تفعلن.
وفي قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾، وكذلك قرأها أبي بن كعب، ودليله قوله: ﴿ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ وهو محمد ﷺ ولم يأتِ إلا لأهل الكتاب، وغيرهم دون النبيين، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ فليس في هذا أمر من نبيين، إنما هو أمر لمن أخذ الله عليه الميثاق، وهم أهل الكتاب، وهذا المعنى مروي عن مجاهد وغيره قالوا: إنما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب في الإيمان بالأنبياء والنصر لهم، ولم يؤخذ على النبيين نصر لقومهم، ولا إيمان بقومهم.
وقال ابن عباس: المعنى وأخذ الله ميثاق النبيين على قومهم. وقال طاووس: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه بذلك.
وقال قتادة: أخذ الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضاً وأن يبلغوا كتاب الله عز وجل ورسالته إلى قومهم ففعلوا وأخذوا على القوم أن يؤمنوا بما بلغت إليهم رسلهم، وكان فيما بلغت إليهم الرسل الأمر بالإيمان بمحمد ﷺ والتصديق به، والنصر له.
وقال السدي: لم يبعث الله نبياً من لدن نوح ﷺ إلا أخذ ميثاقه أن يؤمن بمحمد ﷺ وبنصره إن بعث وهو حي وأن يأخذ الميثاق على قومه بذلك إن بعث وهم أحياء.
* *
وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: بالميثاق على نحو ما تقدم" ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: عهدي ﴿قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا﴾.
قيل: الضمير يعود على الأنبياء أي قال الأنبياء: أقررنا بما التزمنا من الإيمان برسلك الذين ترسلهم مصدقين لما معنا من كتب.
﴿قَالَ فَٱشْهَدُواْ﴾ أي: اشهدوا أيها النبيون بما أخذت به ميثاقكم عليكم، وعلى أممكم ﴿وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ أي: أشهد عليكم وعليهم بذلك.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذين أوتوا الكتاب على تقدير الاختلاف المذكور.
﴿فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾: أي من أعرض بعد العهد الذي أخذ عليه، فهو فاسق أي خارج من دين الله.
وفي هاتين الآيتين تذكير - لمن كان على عهد رسول الله ﷺ من أهل الكتاب - وتخويف.
* *
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ﴾ أي: أفغير طاعة الله يا أهل الكتاب تطلبون، وهو الذي خضع له من في السماوات والأرض، وأسلم طائعاً، وهم: الملائكة، والنبيون والمؤمنون ﴿وَكَرْهاً﴾ وهم الذين آمنوا بالتوحيد، وأشركوا عن علم كما قال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].
وقيل: إسلام الكاره هو حين أخذ عليه الميثاق.
وقال مجاهد: إسلام الكاذب سجود ظله.
والطائع: المؤمن.
وقيل: إسلام الكاره تقلبه في مشيئة الله، واستكانته لقضائه.
وقال قتادة: إسلام الكاره هو حين لا ينفعه إسلامه، وذلك في الآخرة، وحين رأى الموت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
وقيل المعنى: له خضع الجميع طائعين، وكارهين لأنه جبلهم على ذلك، وخلقهم كذلك.
وفي تفسير الحسن ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾ انقطع الكلام. ثم قال: ﴿وَٱلأَرْضِ﴾ طوعاً أو كرهاً أي أسلم من في الأرض طوعاً وكرهاً، فالكاره المنافق لا ينفعه إيمانه.
وقيل: إن أهل الأرض أسلموا كلهم حين أخذ الله عليهم الميثاق واستخرجهم من ظهر آدم، فالتأويل: أفغير طاعة الله تريدون وهذه صفته. ثم أمر الله تعالى محمداً عليه السلام وأمته أن يقولوا: ﴿آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ ومن ذكر بعده [وأن] لا يفرقوا بين أحد منهم، وأعلمهم الله تعالى أنه لا يقبل ديناً غير الإسلام، وأن من ابتغى غيره فهو خاسر في الآخرة. أي: يخسر نفسه وذلك الخسران المبين.
ولما نزلت ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [عز وجل] ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
آل عمران 3:86
قوله ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية. قال ابن عباس: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، وهو الحارث بن سويد فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبي ﷺ: هل لي من توبة؟ فأنزل الله عز وجل ﴿كَيْفَ يَهْدِي [ٱللَّهُ] قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ ثم أنزل الله ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فأرسل إليه قومه وأسلم.
وقال مجاهد: نزلت الآيتان بعد ارتداد الحارث بن سويد فحملهما إليه رجل فقرأ عليه الآية الأولى ثم قرأ عليه الآية ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ الآية فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله ﷺ أصدق منك. وإن الله سبحانه لأصدق الثلاثة ثم رجع فأسلم وحسن إسلامه.
قال السدي: نزلت في الحارث بن سويد حين ارتد ثم نسخها الله بقوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾.
وروي أنه كان يظهر الإسلام فلما كان يوم أحد قتل المجذر بن زياد بدم كان له عليه، وقتل قيس بن زيد، وارتد ولحق بمشرك، فأمر رسول الله ﷺ عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب التوبة، فأنزل الله عز وجل ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ﴾ الآيتين.
وقال كثير من المفسرين: إنما نزلت في اليهود لأنهم وجدوا في التوراة إن الله جل ذكره ناجى موسى عليه السلام وكان في مناجاته "يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، فقال موسى عليه السلام: جعلت وفادتي لغيري"، وذلك قوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦] "أي: إذ ناجينا موسى بهذا أن: يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني إلى آخر القصة.
وقيل: نزلت في قوم ارتدوا.
وقيل: نزلت في أهل الكتاب لأنهم عرفوا محمداً ﷺ وصفته، ثم كفروا به عن علم بصحة نبوته.
وقال القرظي: [كان] ناس من أهل مكة أتوا النبي ﷺ فآمنوا، فمكثوا ما شاء الله في المدينة، ثم خرجوا وارتدوا ولحقوا بالمشركين فأنزل الله ذلك فيهم ثم تعطف عليهم فأنزل الله ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ﴾: معطوف على الفعل الذي تضمنه المصدر وهو إيمانهم، تقديره بعد أن آمنوا وشهدوا ولا يجوز عطفه على ﴿كَفَرُواْ﴾ لفساد المعنى. وقال الحسن: هم اليهود والنصارى عرفوا صفة محمد ﷺ عندهم وشهدوا أنه حق قبل مبعثه فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك وكذبوه وأنكروا حسداً وبغياً، وقلوبهم تشهد أنهم مبطلون في ذلك.
آل عمران 3:87
قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ﴾ الآية.
معناه: جزاء من هذه حاله لعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]:
ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمناً. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها.
﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لا ينقص عنهم: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها.
وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] و [في] النور ﴿وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] هذان بالتاء لا غير.
قوله ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله.
وقيل: هو ناسخ لـ ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ﴾ الآية وقد ذكرناه.
ومعنى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد ﷺ ثم كفروا بمحمد ﷺ فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته.
قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ - والقرآن.
وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو جحدهم بمحمد ﷺ وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً].
وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﷺ، [وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت.
وقيل: ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ ماتوا على الكفر.
[و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ والآية عنده عنى بها اليهود.
آل عمران 3:88
قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ﴾ الآية.
معناه: جزاء من هذه حاله لعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]:
ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمناً. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها.
﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لا ينقص عنهم: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها.
وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] و [في] النور ﴿وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] هذان بالتاء لا غير.
قوله ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله.
وقيل: هو ناسخ لـ ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ﴾ الآية وقد ذكرناه.
ومعنى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد ﷺ ثم كفروا بمحمد ﷺ فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته.
قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ - والقرآن.
وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو جحدهم بمحمد ﷺ وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً].
وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﷺ، [وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت.
وقيل: ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ ماتوا على الكفر.
[و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ والآية عنده عنى بها اليهود.
آل عمران 3:89
قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ﴾ الآية.
معناه: جزاء من هذه حاله لعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]:
ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمناً. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها.
﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لا ينقص عنهم: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها.
وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] و [في] النور ﴿وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] هذان بالتاء لا غير.
قوله ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله.
وقيل: هو ناسخ لـ ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ﴾ الآية وقد ذكرناه.
ومعنى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد ﷺ ثم كفروا بمحمد ﷺ فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته.
قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ - والقرآن.
وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو جحدهم بمحمد ﷺ وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً].
وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﷺ، [وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت.
وقيل: ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ ماتوا على الكفر.
[و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ والآية عنده عنى بها اليهود.
آل عمران 3:90
قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ ٱللَّهِ﴾ الآية.
معناه: جزاء من هذه حاله لعنة الله، أي: يبعده من الرحمة ولعنة الملائكة والناس أي: يلعنهم كل من خالفهم يوم القيامة من المخلوقين كما قال: ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [العنكبوت: ٢٥]:
ويجوز أن يكون الناس يراد بهم من كان مؤمناً. ويجوز أن يكون أراد بهم: لعن بعضهم بعضاً في الدنيا لاختلاف أديانهم فيها.
﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي: لا ينقص عنهم: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: لا يؤخرون عن الوقت. وقيل: لا ينظرون لمعذرة يعتذرون بها.
وكل ما في القرآن من اللعنة فالخط فيها في المصحف بالهاء إلا في موضعين كتبت بالتاء: في آل عمران ﴿فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] و [في] النور ﴿وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧] هذان بالتاء لا غير.
قوله ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ أي: استثنى من تاب ممن ذكر قبله.
وقيل: هو ناسخ لـ ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ﴾ الآية وقد ذكرناه.
ومعنى: ﴿وَأَصْلَحُواْ﴾ أي: أصلحوا أعمالهم، وقيل: معناه وعملوا الصالحات.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ عنى بها من كفر ببعض الأنبياء قبل محمد ﷺ ثم كفروا بمحمد ﷺ فلن تقبل توبتهم عند الموت ومعاينته.
قال قتادة: عنى بها اليهود لأنهم كفروا بالإنجيل - وبعيسى عليه السلام ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد ﷺ - والقرآن.
وقيل: عنى بها اليهود والنصارى كفروا بكتابهم، فبدلوه، ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ بمحمد عليه السلام. وقيل: كفرهم الأول هو جحدهم بمحمد ﷺ وازدادوا كفراً [أي: ذنوباً].
وقيل: هم اليهود والنصارى كفروا بمحمد ﷺ، [وازدادوا كفراً] لم يتوبوا مما فعلوا في الصحة لم تقبل توبتهم عند الموت.
وقيل: ﴿ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْراً﴾ ماتوا على الكفر.
[و] اختار الطبري أن يكون المعنى: ثم ازدادوا كفراً بما أصابوا من الذنوب، لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد ﷺ والآية عنده عنى بها اليهود.
آل عمران 3:91
قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ﴾ الآية.
معناه: لن يقبل ممن كان بهذه الصفة جزاء ولا فدية ولو كانت ملء الأرض ذهباً، روى أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يقول: "يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال له: قد سئلت ما هو أيسر من ذلك
وقال الزجاج معناه: لو عمل من الخير فتصدق بملء الأرض ذهباً - وهو كافر - لم ينفعه ذلك مع كفره.
آل عمران 3:92
قوله: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
قال ابن مسعود وغيره: البر هنا الجنة.
﴿لَن تَنَالُواْ﴾ حتى تتصدقوا ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ أي: تهوون، ومثله ﴿وَيُطْعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] [وقوله] ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
ولما نزلت هذه الآية جاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فحمل النبي (عليه السلام) [عليها] أسامة بن زيد وهو ولده فوجد زيد في نفسه فلما رأى ذلك النبي ﷺ قال: أما إن الله قد تقبلها منك
وقيل: إن البر العمل الصالح الذي يدعو إلى الجنة.
وفي الحديث "عليكم بالصدق فإنه يدعوا إلى البر، والبر يدعو إلى الجنة، وإياكم والكذب، فإنه يدعو إلى الفجور والفجور يدعو إلى النار
قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِن شَيْءٍ﴾ أي: فتصدقوا بشيء فإنه محفوظ لكم.
وقال الحسن: النفقة هنا يعني بها الزكاة الواجبة.
آل عمران 3:93
قوله: ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ الآية.
إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﷺ أخبرنا الله تعالى أن الأطعمة كلها كانت حلالاً لولده يعقوب إلا ما حرم يعقوب على نفسه قبل نزول التوراة، وحرمه وُلْدَه على أنفسهم من غير فرض من الله تعالى عليهم، وكان بيعقوب ﷺ عرق يسمى عرق النساء، فيأخذه بالليل ويتركه بالنهار فحلف: إن الله عافاه منه ألا يأكل عرقاً أبداً، فحرَّم الله عليهم لبغيهم فنزلت التوراة بتحريم ما كانوا حرَّموه على أنفسهم، فذلك قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ثم قال: إن أنكرتم ذلك فاتوا بالتوراة فاتلوها فإنكم تجدون ذلك فهذا قول السدي.
وقيل: إن الذي حرموه على أنفسهم إنما تبعوا فيه يعقوب ﷺ، ولم تنزل التوراة بشيء منه، ولكنهم ادعوا أنه في التوراة فقال الله: قل يا محمد ايتوا بالتوراة فإنه لا شيء فيها مما يقولون.
وقال ابن عباس: حرم إسرائيل على نفسه وعلى ولده العرق وليس بمكتوب في التوراة.
فمجاهد وقتادة وابن عباس وغيرهم يقولون: الذي حرم إسرائيل على نفسه هو العرق لعرق كان به يؤذيه.
[وقال عطاء] وابن جريج: حرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها، وهو قول الحسن.
ويروى أن عصابة من اليهود حضرت رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا أي شيء حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال النبي ﷺ: أنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب - مرض مرضاً شديداً، فطال سقمه منه، فنذر لله نذراً لئن عافاه الله منه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لُحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها، فقالوا: اللهم نعم
وروي انه حرم على نفسه أحب الطعام إليه إن برئ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وشحومها، وشحوم الضأن والبقر والمعز، فحرم ذلك على نفسه.
آل عمران 3:94
قوله: ﴿فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ الآية.
أي: فمن ادعى بعد قراءة التوراة - وعدم ما ادعيتم من تحريم العروق ولحوم الإبل وألبانها فيها -: إن ذلك في التوراة، وأن الله أنزل تحريم ذلك فيها فهو ظالم.
آل عمران 3:95
قوله: ﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ معناه: قل يا محمد صدق الله في جميع ما أخبرنا به وأن إسرائيل حرم لحوم الإبل وألبانها من غير تحريم من الله في كتابه، فإن كنتم أيها اليهود على حق في قولكم ﴿فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ فإنه لم يكن مشركاً.
والوقف على قوله ﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ حسن.
آل عمران 3:96
قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ..﴾ الآية.
أخبر الله تعالى: أن أول بيت وضع للناس مبارك وهدى للعالمين هو الذي ببكة، وكان قبله بيوت إلا أنه ليس لهن هذه الصفة، هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو على قوله أول بيت وضعت فيه البركة والهدى مقام إبراهيم. وقال الحسن: هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض.
وقال ابن عمر: هو أول بيت وضع في الأرض، خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، وكان إذ كان عرشه على الماء على زبد وبيضاء فدحيت الأرض من تحته.
وقال مجاهد: أول بيت خلق الله: الكعبة، ثم دحا الأرض من تحتها، وقاله السدي.
وقيل: إن موضع الكعبة موضع أول بيت وضعه الله في الأرض. وقال قتادة: هبط البيت مع آدم حين هبط، يطوف حوله كما يطاف حول العرش ثم رفعه الله في الطواف فصار معموراً في السماء، ثم إن إبراهيم تتبع منه أساساً حين أمره تعالى ببنائه فبناه على أساس قديم.
ومعنى وضع للناس [أي]: لعبادة الله.
وسئل النبي عليه السلام عن أول مسجد وضع؟ فقال: "المسجد الحرام، ثم مسجد بيت المقدس وكان بينهما أربعون سنة
وبكة: حول البيت مع الطواف (من) قولهم بكه: إذا زحمه، فسميت بذلك البقعة للازدحام [الذي يكون] فيها وما عدا ذلك في خارج المسجد: مكة.
قال ابن شهاب: بكة البيت والمسجد، ومكة الحرم كله.
وقال مالك: بكة موضع البيت، ومكة غيره من المواضع.
قال ابن القاسم: يريد القرية.
وروي عن ابن وهب أنه قال: بكة موضع البيت، ومكة ما حول البيت من المواضع.
وقيل: إنما سميت مكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها.
قال مقاتل: بكة ما بين الجبلين، ومكة الحرم كله وإنما سميت بمكة لأنها تمك المخ من العظم أي تمحقه لما يحتاج (إليه) الإنسان من السعي والطواف والعمل.
يقال: مككت العظم إذا أخرجت ما فيه.
وقيل: سميت مكة لأن الناس كانوا يمكون، ويضجون فيها من قوله:
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] يقول: تصفيق وصفير.
وقال الضحاك: بكة هي مكة، وعلى ذلك أهل اللغة أن الميم بدل من الباء كما يقال: لازب، ولازم وسبل شعره وسمله إذا استأصله.
وسميت بكة لأن الناس يتباكون حولها الرجال والنساء يعني يزدحمون، وقيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة.
آل عمران 3:97
قوله ﴿فِيهِ ءَايَٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ...﴾ الآية.
هي: مقام إبراهيم، والمشعر الحرام ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾.
وقال مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، وهي آيات كثيرة.
منها: الصفا والمروة والركن والحطيم والملتزم والحجر وغير ذلك، ومنها: أن الطائر لا يعلو البيت صحيحاً ويعلوه مريضاً للتشفي [به] ومنها: أن الجارح يتبع الصيد فإذا دخل الحرم تركه. ومنها: أن الغيث إذا كان من ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن، وإذا كان من ناحية الشامي كان الخصب بالشامي، والعراقي كذلك، وإن عم الأركان عم الخصب الدنيا.
ومنها: أن الجمار تزداد فيه كل عام لا يحصى كثرة وهي ترى على قدر واحد. وأمثال ذلك كثيرة لا تحصى.
وعلى هذا القول يكون ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ خبر مبتدأ.
وقد قرأ "فيه آيات بينة" على أنها المقام الموجود الساعة ويكون أيضاً ما بعد مبتدأ.
ومعنى: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ كان أهل الجاهلية من جنى منهم جناية ثم لجأ إلى حرم الله لم يطلب، ولم ينتصف وأما في الإسلام فليس يمنع من حدود الله عز وجل مانع.
وعن يحيى بن جعدة ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ قيل: كان آمناً من النار.
وأهل التفسير على أن المعنى: ومن دخله فاراً من غيره مستجيراً به أمن ممن يطلبه.
وقيل: [المقام] هو الحجر الذي فيه أثر رجلي إبراهيم عليه السلام.
وروي أن الله عز وجل أمره أن يؤذن بالحج كما قال تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] فوقف على المقام وهو الحجر، فأعطاه الله في صوته ما يسمعه كل من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأعطاه من القوة حتى رسخت رجلاه مقر الحجر فنادى يا عباد الله، أجيبوا داعي الله، والحج إلى بيته الحرام يخرجكم من النار، ويسكنكم الجنة "فالناس اليوم يلبون دعوة إبراهيم فمن أجابه مرة حج مرة ومن أجابه مرتين حج مرتين، وكذلك (أكثر) من ذلك.
* *
قوله: ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾
هذا فرض من الله واجب علينا مع وجود الاستطاعة.
قال ابن الخطاب وابن عباس رضي الله عنه: الاستطاعة: الزاد والراحلة، وهو قول ابن جبير والحسن.
وعن ابن عباس: من ملك ثلاثمائة درهم فهو السبيل.
وقال الضحاك: إن قدر [أن] يؤاجر نفسه ويمشي فهو مستطيع.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيل الزاد والراحلة
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: من ملك زاداً وراحلة يبلغانه إلى بيت الله عز وجل فلم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً.
وقال عكرمة: السبيل: الصحة.
وقال ابن زيد: السبيل القوة في النفقة والجسم والحملان.
وقيل السبيل الطاقة بأي وجه: وهو اختيار (الطبري) وجماعة من العلماء، وهو مذهب مالك وأصحابه.
والهاء في "إليه" تعود على البيت "وقيل على الحج".
* *
قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: من لم يحج وهو يقدر عليه.
وقيل: معناه من لزمه فرض الحج فأنكره فإن الله غني عن حجه.
وقال ابن عباس: من كفر من قال الحج ليس بفرض.
وقيل: معناه من اعتقد أنه لا أجر له في سعيه وحجه، ولا إثم عليه في تأخيره قاله مجاهد. وسأل رجل من هذيل النبي ﷺ قال: "يا نبي الله من تركه كفر؟ قال النبي ﷺ: "من تركه لا يخاف عقوبته، ومن حج لا يرجو ثوابه فهو ذلك" أي: كافر.
وعن مجاهد أيضاً أنه قال: معنى: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: وكفر بالله واليوم الآخر، ويروى أن النبي ﷺ جمع الناس عند نزول فرض الحج، وخطبهم وأمرهم بالحج وأنه فرض عليهم. فحج البيت هو ملة واحدة وهي: من آمن بالله، وتركه خمس ملل، وهم الذين لم يؤمنوا بالنبي ﷺ فأنزل عز وجل: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾.
وعن ابن عباس أنه قال لما نزلت: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً﴾ الآية، قالت: الملل كلها نحن مسلمون فأنزل الله ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ﴾ فحج المؤمنون وقعد الكافرون".
قال ابن زيد معناه ومن كفر بهذه الآية يعني التي تقدم ذكرها وهي: مقام إبراهيم ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾.
قال عطاء: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ بالبيت.
وقال السدي: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ معناه: من وجد ما يحج به ثم لم يحج فهو كافر.
ويروى عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى الأمصار فينظرون إلى كل رجل لم يحج وهو واجد فيضربون عليه الجزية ما هم بمسلمين.
وعنه أنه قال: لو أن ناساً تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما قاتلناهم على الصلاة والزكاة.
واختار بعضهم أن يكون المعنى: ومن كفر فأنكر فرض الله ووجوبه.
آل عمران 3:98
قوله: ﴿قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾.
هذا خطاب لليهود والنصارى وتوبيخ لهم لأنهم كفروا بمحمد وهم يشهدون أنه حق يجدونه عندهم في التوراة مكتوباً والله يشهد عليهم بأنهم على باطل في إنكارهم له وهم يعلمون أنه نبي حق.
آل عمران 3:99
قوله ﴿قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ الآية.
هو أيضاً خطاب لليهود والنصارى، ومعنى صدهم عن سبيل الله هو جحدهم بمحمد، وما جاء به من الدين، والسبيل: الطريق.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ "أي يبغون لها أي: السبيل أي: يطلبون السبيل المعوج وهو الميل عن الحق في الدين.
والعوج بالفتح يكون في الحائط والعود ونحوه.
قال السدي: وكانوا إذا سألهم أحد هل يجدون محمداً ﷺ في التوراة؟ قالوا: لا، فيصدون عن الإيمان به، والإيمان بمحمد ﷺ هو السبيل إلى الله سبحانه.
آل عمران 3:100
قوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في قوم من اليهود أرادوا أن يحدثوا الفتنة بين الأوس والخزرج، وقد كان بين القبيلتين فتنة فذهبت بالنبي عليه السلام، فأراد قوم من اليهود أن يحدثوها بينهم، فنهى الله عز وجل عن ذلك وأخبرهم أنهم إن أطاعوهم كفروا، ثم قال:
* *
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [معناه: وعلى أي حال تكفرون أيها المؤمنون وآية الله تقرأ عليكم ورسوله] بين أظهركم يدعوكم إلى الحق ويبينه لكم، فليس لكم عذر في ارتدادكم عن الحق ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ﴾ أي: يمتنع به ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
قال ابن جريج: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ﴾: من يؤمن بالله.
وقال ابن العباس: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، ونزلت ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾.
وروي أن شاس بن قيس كبير اليهود دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب والدعاء طمعاً أن يفرق إلفتهم، فلما ذكروا بذلك ثار بينهم شر حتى أخذوا السلاح، فخرج النبي ﷺ وأصحابه ووعظهم وذكرهم بالله والإسلام، فرجع القوم، وعلموا أنها نزعة من الشيطان، فبكوا وتعانقوا [وانصرفوا] مع النبي ﷺ، فنزلت الآيات في توبيخ أهل الكتاب على فعلهم وتذكير الأنصار ووعظهم.
آل عمران 3:101
قوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في قوم من اليهود أرادوا أن يحدثوا الفتنة بين الأوس والخزرج، وقد كان بين القبيلتين فتنة فذهبت بالنبي عليه السلام، فأراد قوم من اليهود أن يحدثوها بينهم، فنهى الله عز وجل عن ذلك وأخبرهم أنهم إن أطاعوهم كفروا، ثم قال:
* *
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [معناه: وعلى أي حال تكفرون أيها المؤمنون وآية الله تقرأ عليكم ورسوله] بين أظهركم يدعوكم إلى الحق ويبينه لكم، فليس لكم عذر في ارتدادكم عن الحق ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ﴾ أي: يمتنع به ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
قال ابن جريج: ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِٱللَّهِ﴾: من يؤمن بالله.
وقال ابن العباس: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾، ونزلت ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾.
وروي أن شاس بن قيس كبير اليهود دس على الأوس والخزرج من يذكرهم ما كان بينهم من الحروب والدعاء طمعاً أن يفرق إلفتهم، فلما ذكروا بذلك ثار بينهم شر حتى أخذوا السلاح، فخرج النبي ﷺ وأصحابه ووعظهم وذكرهم بالله والإسلام، فرجع القوم، وعلموا أنها نزعة من الشيطان، فبكوا وتعانقوا [وانصرفوا] مع النبي ﷺ، فنزلت الآيات في توبيخ أهل الكتاب على فعلهم وتذكير الأنصار ووعظهم.
آل عمران 3:102
قوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
هذا خطاب للمؤمنين، ومعنى ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ راقبوه ودوموا: على طاعته. ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أي: حق خوفه وهو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، قاله السدي وطاووس وقتادة، وغيرهم.
﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾: لربكم.
وعن ابن عباس ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يجاهد في الله حق جهاده ولا تأخذه في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.
وعن قتادة إنها منسوخة بقوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ﴾ وكذلك قاله الربيع ابن أنس، وقاله السدي وابن زيد.
وأهل النظر على أن هذا لا نسخ فيه لأن الأمر بالتقوى لا ينسخ ولكنه خفف بالآية الأخرى. ومعنى ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ﴾ أي: كونوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت، وليس ينهاهم عما لا يملكون ولكن هذا معناه.
وحكى سيبويه: لا أرينك هاهنا، وهو لم ينه نفسه، وإنما المعنى لا يكن ها هنا، فإنه من يكن ها هنا أراه.
آل عمران 3:103
قوله: ﴿وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾.
أي: تعلقوا بأسباب الله ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ أي: تمسكوا بدين الله. والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية.
قال ابن مسعود: حبل الله الجماعة.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "كتاب الله حبل الله الممدود من السماء الى الأرض
وقيل: حبله، عهده وأمره، وأكثر المفسرين على أنه القرآن، وقال أبو العالية حبل الله الإخلاص والتوحيد.
وقال ابن زيد: حبل الله: الإسلام.
وقال القتبي: حبل الله: دينه.
وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ، أنه قال: "أيها الناس عليكم بالطاعة، والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإن ما تكرهون في الطاعة والجماعة هو خير مما تحبون في الفرقة
"
وهذا تذكير للأنصار إذ كانوا يقتتلون في كل شهر فلما أتى الإسلام واجتمعوا عليه ألف الله بينهم وزالت العداوة التي كانت بينهم عشرين ومائة سنة، وقد كانوا بني عم.
ومذهب البصريين أن ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تمام الكلام، ومذهب الكوفيين أن ﴿إِذْ كُنْتُمْ﴾ متصل بـ ﴿وَٱذْكُرُواْ﴾.
﴿وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ﴾، هذا مثل لما كانوا عليه من الكفر، أنقذهم الله من ذلك بالإسلام.
وشفا الحفرة: طرفها.
وقيل: ﴿فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ بمحمد ﷺ قاله السدي، فالآية للأنصار خاصة لما أزال الله عنهم من القتل الذي كان بينهم.
وقيل: هي لقريش لأن بعضهم كان يغير على بعض فلما دخلوا في الإسلام حرمت عليهم الأموال والدماء فأصبحوا إخواناً.
والهاء في ﴿مِّنْهَا﴾ تعود على النار، وقيل على الحفرة.
آل عمران 3:104
قوله ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ﴾ الآية.
معناها: ولتكن منكم أيها المؤمنون جماعة مستقيمة يدعون [الناس] إلى الخير، وهو الإسلام، ويأمرونهم بالمعروف أي: باتباع محمد عليه السلام. وما جاء به، وينهونهم عن المنكر، وهو التكذيب لمحمد ﷺ وما جاء به أولئك الذين يكونون هكذا من المفلحين.
وقيل: إن [من] هاهنا لبيان الجنس، ولأن المعنى ولتكونوا كلكم أمة مستقيمة يدعون إلى الخير. [ومن] مؤكدة أن الأمر للمخاطبين ومثله ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] فلم يأمرهم باجتناب بعض الأوثان وإنما المعنى: فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس، فكذلك لم يأمر بعض المؤمنون بالدعاء إلى الخير دون البعض إنما أمرهم كلهم، ودل على ذلك قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقال من زعم أن [من] للتبعيض، إنما أمر الله بعض المؤمنين بالدعاء إلى الخير، لأن الدعاء ينبغي أن يكونوا علماء بما يدعون الناس إليه، وليس كل الخلق علماء، فالأمر واقع لمن فيه علم، وهو بعض الناس، فمن للتبعيض على أصلها.
والأمة: الجماعة، والقائمة: المستقيمة، الطريقة الصحيحة: الديانة.
وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه: [وينهون عن المنكر ويستعينون بالله [على] ما أصابهم "زاد خمس كلمات، وما يقرأ بذلك اليوم لأنه خلاف لخط المصحف المجمع عليه]".
آل عمران 3:105
قوله: ﴿(وَلاَ تَكُونُواْ) كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ﴾ حذر الله المؤمنين أن يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقاً.
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في دين الله.
وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ذلك.
ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه.
ويجوز في غير القرآن كسر التاء في ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿تَسْوَدُّ﴾.
ومعنى تبيض: تشرق كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] من العذاب.
قوله ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك
قال أبو أمامة ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: (هم) الخوارج.
وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فالآية عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً.
وقال الحسن: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك.
وذكر النحاس في قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال: عنى بها اليهود بشروا بالنبي ﷺ واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيماناً، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله.
* *
قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في أهل الأهواء.
وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى بلغ سبعاً.
وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقاً عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمساً، ولا قمراً، ولا وثناً، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم شمساً ولا قمراً
ولا وثناً ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون
قوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد بالحق... وليس يريد الله أن يظلم أحداً من خلقه.
آل عمران 3:106
قوله: ﴿(وَلاَ تَكُونُواْ) كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ﴾ حذر الله المؤمنين أن يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقاً.
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في دين الله.
وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ذلك.
ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه.
ويجوز في غير القرآن كسر التاء في ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿تَسْوَدُّ﴾.
ومعنى تبيض: تشرق كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] من العذاب.
قوله ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك
قال أبو أمامة ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: (هم) الخوارج.
وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فالآية عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً.
وقال الحسن: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك.
وذكر النحاس في قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال: عنى بها اليهود بشروا بالنبي ﷺ واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيماناً، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله.
* *
قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في أهل الأهواء.
وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى بلغ سبعاً.
وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقاً عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمساً، ولا قمراً، ولا وثناً، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم شمساً ولا قمراً
ولا وثناً ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون
قوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد بالحق... وليس يريد الله أن يظلم أحداً من خلقه.
آل عمران 3:107
قوله: ﴿(وَلاَ تَكُونُواْ) كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ﴾ حذر الله المؤمنين أن يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقاً.
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في دين الله.
وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ذلك.
ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه.
ويجوز في غير القرآن كسر التاء في ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿تَسْوَدُّ﴾.
ومعنى تبيض: تشرق كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] من العذاب.
قوله ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك
قال أبو أمامة ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: (هم) الخوارج.
وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فالآية عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً.
وقال الحسن: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك.
وذكر النحاس في قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال: عنى بها اليهود بشروا بالنبي ﷺ واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيماناً، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله.
* *
قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في أهل الأهواء.
وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى بلغ سبعاً.
وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقاً عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمساً، ولا قمراً، ولا وثناً، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم شمساً ولا قمراً
ولا وثناً ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون
قوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد بالحق... وليس يريد الله أن يظلم أحداً من خلقه.
آل عمران 3:108
قوله: ﴿(وَلاَ تَكُونُواْ) كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ﴾ حذر الله المؤمنين أن يكونوا مثل اليهود الذين اختلفوا في كتابهم وتفرقوا فرقاً.
أمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم أنه إنما هلك من كان قبلهم بالاختلاف والمراء والخصومات في دين الله.
وقال الحسن: هم اليهود والنصارى اختلفوا في دينهم فنهانا الله عن مثل ذلك.
ثم أخبر أن هؤلاء المختلفين لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه أي: عذاب عظيم في هذا: اليوم الذي تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه.
ويجوز في غير القرآن كسر التاء في ﴿تَبْيَضُّ﴾ و ﴿تَسْوَدُّ﴾.
ومعنى تبيض: تشرق كما قال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨-٣٩] فهي تشرق لما تصير إليه من [النعيم، وتسود وجوه من أجل ما تصير إليه] من العذاب.
قوله ﴿أَكْفَرْتُمْ﴾ معناه: فيقال لهم أكفرتم؟ قال جماعة من العلماء: عنى بهذا بعض أهل القبلة من المسلمين وروي أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليردن على الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رفعوا إلي ورأيتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك
قال أبو أمامة ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾: (هم) الخوارج.
وعن أبي بن كعب أنه قال صاروا يوم القيامة فريقين: يقال لمن اسود وجهه: أكفرتم بعد إيمانكم وذلك الإيمان هو الذي كان قبل الاختلاف حين أخرجهم من ظهور آدم وأخذ منهم عهدهم وميثاقهم، فقال الله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فأقروا كلهم بالعبودية، وفطرهم على الإسلام، ثم لما خرجوا إلى الدنيا كفروا، فيقال لهم يوم القيامة: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فالآية عنده للكفار خاصة. قال: والآخرون فقاموا على إيمانهم المتقدم فهم في رحمة الله خلوداً.
وقال الحسن: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ هم المنافقون أظهروا الإيمان وأسروا الكفر. واختار الطبري قول أبي بن كعب أن يكون للكفار، ويكون الإيمان هو الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من ظهور آدم كالذر فأقروا بأنه ربهم ثم كفروا بعد ذلك.
وذكر النحاس في قوله: ﴿أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال: عنى بها اليهود بشروا بالنبي ﷺ واستفتحوا به قبل بعثه فكان ذلك منهم إيماناً، فلما بعث كفروا به هذا معنى قوله.
* *
قوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ﴾ أي: في ثواب رحمة الله وهي الجنة وتأولها مالك في أهل الأهواء.
وروى أبو أمامة: أنها في الحرورية، سمعته من رسول الله ﷺ غير مرة، ولا اثنتين، ولا ثلاثاً، ولا أربعاً، حتى بلغ سبعاً.
وروى عبد الملك بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، قال: قال رسول الله ﷺ: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من عند الله تبارك وتعالى: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية مسودة وجوههم زرقاً عيونهم قد دلعوا ألسنتهم يسيل لعابهم على صدورهم يقذرهم كل من في القيامة فيقولون: ما لنا؟ ما عبدنا شمساً، ولا قمراً، ولا وثناً، فيأتيهم النداء من عند الله صدقتم ما عبدتم شمساً ولا قمراً
ولا وثناً ولكن جاءكم الكفر من حيث لا تحتسبون
قوله ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله تتلى عليكم يا محمد بالحق... وليس يريد الله أن يظلم أحداً من خلقه.
آل عمران 3:109
أعيد ذكر الاسم في الآية لأنه أفخم ولأنه لا يقع فيه أشكال إذ هذا الاسم إنما هو للرب لا يشركه فيه أحد. وقال الكوفيون: إنما أعيد ظاهراً، لأن كل واحد من الاثنين في قصة مفارق معناها للأخرى وليس مثل قول البيت في قول الشاعر:
؎ "لا أرى الموت يسبق الموت شيء".
لأن الثاني من تمام الأول وإنما أظهر في البيت اضطراراً وليس كذلك الآية.
آل عمران 3:110
قوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وقيل: هو خطاب لأصحاب رسول الله ﷺ كلهم.
وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ ابن جبل.
وقال الحسن وغيره: الخطاب لأمة سيدنا محمد عليه السلام كلهم وكانوا يقولون نحن آخرها وأكرمها على الله.
وعن الحسن أنه قال: معناها كنتم خير الناس للناس.
وقال أبو هريرة في معناها: خير الناس للناس يأتون بهم في السلاسل في أعماقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وروي أن النبي عليه السلام قال "ألا إنكم وفيتم سبعين أمة أنتم آخرها وأكرمها على الله" وقال يوماً وهو مسند ظهره إلى الكعبة: "نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها
وقيل: كان زائدة، والمعنى أنتم خير أمة بمنزلة قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: أنت عليها وبمنزلة ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧]، وقد ذكر هذا كله في مواضعه وفي بعضه اختلاف.
وقيل: المعنى كنتم في اللوح المحفوظ خير أمة، ومثله
﴿وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً﴾ [الأعراف: ٨٦] أي إذ أنتم.
وقيل المعنى: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف أي: إذا كان هذا حالكم فأنتم خير أمة.
ومعنى: ﴿تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ تشهدون ألا إله إلا الله وتقرون بما أنزل الله وتنهون عن المنكر تقاتلون على ذلك.
والمنكر: هو التكذيب بمحمد ﷺ وبما جاء به هذا قول ابن عباس. وأصل المعروف هو فعل كل ما كان مستحسناً جميلاً غير مستقبح.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ﴾
أي: لو صدق أهل التوراة والإنجيل بمحمد ﷺ، وما جاء به لكان الإيمان خيراً في عاجل دنياهم وآجل آخرتهم ﴿مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: منهم من يصدق بمحمد ﷺ: مثل عبد الله بن سلام وغيره ممن آمن به ﴿وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾: أي الخارجون عن الدين الذي في التوراة والإنجيل لأنهم كذبوا بما فيها من أمر النبي ﷺ وبدلوا شريعتهم وغيروها.
آل عمران 3:111
قوله: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى﴾ الآية هذا خطاب للنبي ﷺ معناه لم يضروكم أيها المؤمنون أهل الكتابين ﴿إِلاَّ أَذًى﴾ بألسنتهم لا غير يسمعونكم تكذيب نبيكم ﷺ وقوله البهتان في عيسى وعزير صلى الله عليهما وسلم، وهو استثناء منقطع.
وإن قاتلوكم ولُّو الأدبار وانهزموا ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾، فهذا وعد من الله أن أعداء [هم] لا ينصرون، وأنهم هم المنصورون.
آل عمران 3:112
قوله ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ الآية معناها: ألزم الله المكذبين بمحمد الذلة وهي الصغار حيثما وجدوا، فهم تحت أقدام المسلمين لا منعة لهم فهم في ذلة وخوف ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [أي بسبب من الله]. أو بسبب من المؤمنين، فإنهم يأمنون على أنفسهم، وذرياتهم، والذلة لا تفارقهم، والسبب هو العهد إذ عوهدوا.
وتقدير الآية عند الكوفيين إلا أن يعتصموا بحبل من الله وحبل من المؤمنين، ولذلك دخلت الباء وهي متعلقة بهذا الفعل المحذوف. وقال بعض الكوفيين - أيضاً -: هو استثناء من الأول محمول على المعنى لأن المعنى ضربت عليهم الذلة بكل مكان إلا بموضع من الله.
وقال بعض البصريين: هو استثناء ليس من الأول.
* *
وقوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوۤاْ﴾ تمام، ثم قال: ﴿إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لكنهم (يعتصمون) بحبل من الله.
* *
قوله: ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: تحملوا وانصرفوا ورجعوا به، وحقيقته: لزمهم ذلك، يقال: تبوأت الدار أي: لزمتها.
(تم السفر الأول من كتاب الهداية إلى بلوغ النهاية والحمد لله الذي بعونه..).
قوله: [عز وجل] ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: تبوءهم الذي باءوا به من غضب الله، وضرب الذلة بدل مما كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، فكأنهم ألزموا الذلة، والغضب لفعلهم هذا، ثم قال: ﴿ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْاْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ أي: فعل بهم ذلك بعصيانهم واعتدائهم كذلك في موضع نصب وهو ذلك الثاني.
آل عمران 3:113
قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾.
هذا مردود على [قوله] ﴿مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي: ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام، ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن.
والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفاً ولا يحل التمام سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وسواء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام.
وأبو عبيدة يجعل ﴿لَيْسُواْ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيت، ويجعل ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم ليس و ﴿سَوَآءً﴾ الخبر ويقدر محذوفاً، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [هو] مثل أكلوني البراغيت لأنه لم يتقدم [له] ذكر.
وتصغير ﴿آنَآءَ﴾ أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واواً كما تقول: أويد في آدم، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل الكتاب والكفر سواء، والضمير في ﴿لَيْسُواْ﴾ يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين والفاسقين (من أهل الكتاب فقال): من أهل الكتاب ﴿أُمَّةٌ﴾ شأنها بالمدح والثناء هذا مذهب البصريين.
والكوفيون يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما يدخل عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا: وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر المؤمنة عليها ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [علي] قمت حتى تقول أم قعدت، وأجازوا هنا الحذف، ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفياً بواحد نحو ما أبالي، وما أدري لاكتفاء ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري أجليت يريدون أم فعلت كذا ويحذفونه، ويلزمهم ألا يجيزوا الآية على تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع سواء لنقصانه، وقد أجازوه في الآية، وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما لا يجوز في الكلام.
روى ابن وهب عن مالك: أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس.
ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم معهم غيرهم فقال: من بقي من أحبار يهود: ما آمن بمحمد - ﷺ - إلا شرارنا فأنزل الله الآية يفضل فيها من آمن منهم على من لا يؤمن.
وقال الحسن: إن قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يريد ما بين المغرب والعشاء.
وقال ابن مسعود: معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد ﷺ، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا. قال مجاهد: قائمة عادلة.
وقال قتادة: قائمة على كتاب الله عز وجل وفرائضه وحدوده.
وقال ابن عباس: قائمة أي: مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة.
وقال السدي: قائمة مطيعة. وقال الأخفش: من أهل الكتاب أمة (أي: ذو أمة) بمعنى: ذو طريقة حسنة.
وواحد آناء الليل اني: كقُنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء وحكى الأخفش أني.
وقال قتادة: آناء الليل ساعاته أي: يتلون في ساعات الليل. وقال السدي: هي جوف الليل. وقال ابن مسعود: [آيات الله] آناء الليل صلاة العتمة يصلونها، وما سواهم لا يصليها وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ خرج عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال: فجاء النبي عليه السلام ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب: فأنزل الله عز وجل ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ الآية
وروى الثوري عن منصور أنها نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.
ومعنى يتلون آناء الليل: يتبعون بعضها بعضاً، (ومعنى) ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يصلون.
وقيل: المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني السجود المعروف في الصلاة.
ثم وصفهم الله فقال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدقون به وبما أنزل على أنبيائه من غيب الآخرة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالإيمان بالله ورسوله ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: ينهون الناس عن الكفر بالله، وبمحمد ﷺ، ودل هذا من وصفهم على أن غيرهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
* *
قوله: ﴿مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: من عداد الصالحين.
آل عمران 3:114
قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾.
هذا مردود على [قوله] ﴿مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ أي: ليس المؤمنون والفاسقون سواء وتم الكلام، ويعني بذلك من آمن من أهل الكتاب ومن لم يؤمن.
والفراء يقدره بمعنى ليست تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة من حالها كذا وأمة على غير ذلك، وهو غلط من وجوه: أحدها أنه يقدر محذوفاً ولا يحل التمام سواء، وترتفع أمة بسواء، وإذا فعل ذلك لم يعد على اسم ليس ذكر وسواء ليس بجار على الفعل فيرفع الظاهر، والمضمر الذي يضمر لا يدل على شيء من الكلام.
وأبو عبيدة يجعل ﴿لَيْسُواْ﴾ على لغة من قال: أكلوني البراغيت، ويجعل ﴿أُمَّةٌ﴾ اسم ليس و ﴿سَوَآءً﴾ الخبر ويقدر محذوفاً، وهو ذكر الكفار من أهل الكتاب، وهو بعيد لأن ذكر أهل الكتاب قد تقدم، فليس [هو] مثل أكلوني البراغيت لأنه لم يتقدم [له] ذكر.
وتصغير ﴿آنَآءَ﴾ أوينا تبدل من الألف التي هي فاء الفعل واواً كما تقول: أويد في آدم، ومعنى الآية: أنه تعالى أعلمنا أنه ليس أهل الإيمان من أهل الكتاب والكفر سواء، والضمير في ﴿لَيْسُواْ﴾ يعود على ما تقدم من ذكر المؤمنين والفاسقين (من أهل الكتاب فقال): من أهل الكتاب ﴿أُمَّةٌ﴾ شأنها بالمدح والثناء هذا مذهب البصريين.
والكوفيون يجعلون أمة مرفوعة بسواء والكلام عندهم متصل، وقد تقدم ما يدخل عليهم كأن تقديره عندهم لا يستوون من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وأخرى كافرة، قالوا: وترك ذكر الأخرى لدلالة ذكر المؤمنة عليها ومن مذهبهم ألا يجوز سواء [علي] قمت حتى تقول أم قعدت، وأجازوا هنا الحذف، ويجيزون الحذف إذا كان الكلام مكتفياً بواحد نحو ما أبالي، وما أدري لاكتفاء ما أبالي بواحد، أجازوا ما أبالي أقمت، وما أدري أجليت يريدون أم فعلت كذا ويحذفونه، ويلزمهم ألا يجيزوا الآية على تأويلهم لأنهم لا يجيزون الحذف مع سواء لنقصانه، وقد أجازوه في الآية، وهذا تناقض لأنهم أجازوا في الآية ما لا يجوز في الكلام.
روى ابن وهب عن مالك: أمة قائمة أي قائمة بالحق وهو قول مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس وروي مثله عن ابن عباس.
ونزلت هذه الآية في قول عكرمة وابن جبير وابن عباس في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية، وأسيد بن عبيد وهم أخيار أهل الكتاب في الوقت، وأسلم معهم غيرهم فقال: من بقي من أحبار يهود: ما آمن بمحمد - ﷺ - إلا شرارنا فأنزل الله الآية يفضل فيها من آمن منهم على من لا يؤمن.
وقال الحسن: إن قوله: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يريد ما بين المغرب والعشاء.
وقال ابن مسعود: معناها ليس أهل الكتاب سواء وأمة محمد ﷺ، القائمة يتلون آيات الله ويؤمنون بالله، ويفعلون كذا وكذا. قال مجاهد: قائمة عادلة.
وقال قتادة: قائمة على كتاب الله عز وجل وفرائضه وحدوده.
وقال ابن عباس: قائمة أي: مهتدية على أمر الله سبحانه مستقيمة.
وقال السدي: قائمة مطيعة. وقال الأخفش: من أهل الكتاب أمة (أي: ذو أمة) بمعنى: ذو طريقة حسنة.
وواحد آناء الليل اني: كقُنو وأقناء، وقيل واحد أني كمعي وأمعاء وحكى الأخفش أني.
وقال قتادة: آناء الليل ساعاته أي: يتلون في ساعات الليل. وقال السدي: هي جوف الليل. وقال ابن مسعود: [آيات الله] آناء الليل صلاة العتمة يصلونها، وما سواهم لا يصليها وروى ابن مسعود أن النبي ﷺ خرج عليهم ليلة، وقد أخر الصلاة قال: فجاء النبي عليه السلام ومنا المصلي ومنا المضطجع فبشرنا، وقال: إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب: فأنزل الله عز وجل ﴿لَيْسُواْ سَوَآءً﴾ الآية
وروى الثوري عن منصور أنها نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.
ومعنى يتلون آناء الليل: يتبعون بعضها بعضاً، (ومعنى) ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يصلون.
وقيل: المعنى يتلون الآيات في الصلاة، وهم مع ذلك يسجدون في الصلاة يعني السجود المعروف في الصلاة.
ثم وصفهم الله فقال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: يصدقون به وبما أنزل على أنبيائه من غيب الآخرة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالإيمان بالله ورسوله ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ أي: ينهون الناس عن الكفر بالله، وبمحمد ﷺ، ودل هذا من وصفهم على أن غيرهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.
* *
قوله: ﴿مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: من عداد الصالحين.
آل عمران 3:115
قوله: ﴿(وَمَا يَفْعَلُواْ) مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾ الآية.
من قرأ بالتاء رده على المخاطبة في ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ تفعلون وتصنعون. ومن قرأ بالياء رده على الإخبار في قوله: ﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ﴾ ويفعلون كذا وكذا ثم قال ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ﴾.
والياء فيها تخصيص لهؤلاء المذكورين.
والتاء فيها عموم لجميع الأمة واختار الطبري وغيره التاء.
ومعنى [فلن تكفروه] فلن يغطى عليه، فتتركوا بلا مجازات عليه، وقال قتادة: "فلن تكفروه" فلن يضل عنكم.
آل عمران 3:116
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾ الآية. هذه الآية وعيد بالأمة الفاسقة من أهل الكتاب الذين تقدم ذكرهم، ومعنى الكفر هنا تغطية ما أتى به محمد ﷺ وجحوده، ومعنى (ذلك) أن أموالهم لم تمنع عنهم ما ينزل بهم من العذاب في الآخرة شيئاً.
آل عمران 3:117
قوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية.
المثل هنا بمعنى الشبه ومعناها: شبه ما يتصدق به الكافر يا محمد كشبه ريح فيها صر، وهو البرد الشديد ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾ أي: زرعهم الذي أملوا إدراكه كما أمل الكفار وجود عملهم في الآخرة.
* *
ومعنى ﴿ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾: عصوا الله ورسوله فأهلكته فصدقة الكافر كزرع هذا الظالم لنفسه، ونفقة الكافر هنا: صدقاتهم على أقربائهم تقرباً إلى الله عز وجل.
وقيل: نفقتهم هو ما ينفقون على قتل النبي ﷺ وأذاه.
وقيل: هي نفقة الكافر في الدنيا.
وقيل: هي قوله بلسانه ما ليس في قلبه فهو لا ينفعه [كما لا ينتفع] بالزرع الذي أصابته الريح التي فيها برد شديد.
* *
ومعنى ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ﴾ أي: كمثل مهلك ريح، فتحقيق المثل إنما هو للحرث.
والتقدير: مثل نفقة هؤلاء كمثل حرث أصابته ريح فيها صرٌ فأهلكته، فهو بمنزلة قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً﴾ [البقرة: ١٧١] والمعنى: [كمثل] المتعوق به أي: مثلهم في أنهم لا يعقلون ما يقال لهم كمثل الغنم لا تعقل بما يقال لها.
آل عمران 3:118
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ..﴾.
نهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين والمنافقين أولياء في هذه الآية. والبطانة: الدخيلة الذين يطلعهم الرجل على سره لأنهم كانوا لا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين، فأمر الله المؤمنين ألا يداخلوهم.
وقيل: البطانة: الأصدقاء، وقيل: للأخلاء، والمعنى في ذلك متقارب ومعنى ﴿مِّن دُونِكُمْ﴾ أي: من دون أهل دينكم كما قال: ﴿فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: على أهل دينكم
﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي: لا يقصرون في السوء والشتات بينكم، وهي البطانة المنهي عنها. ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يتمنون لكم العنت والشر في أنفسكم ودينكم.
وقيل: "ودوا عَنَتَكم، أي: ما شق عليكم، وما نزل بكم من مكروه وضر. وأصل هذا أن يقال: أكمة عنوت: إذا كانت طويلة شاقة.
ويقال: عنت العظم: إذا انكسر بعد جبر، ومنه قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ [مِنْكُمْ]﴾ [النساء: ٢٥] أي: المشقة.
ونزلت هذه الآية في قوم من المسلمين كانوا يخالطون حلفاءهم من اليهود وأهل النفاق منهم، ويصافونهم المودة قال ذلك ابن عباس. فنهاهم الله أن يصادقوهم دون المؤمنين وأن يستهجوهم في شيء من أمر دينهم فإنهم لا يقصرون في الخبال والشر لهم.
وأكثر أهل التفسير على أنها نزلت في النهي عن مصافاة اليهود والمنافقين ومخالطتهم ومصادقتهم وإنشاء الشر إليهم وأخبرهم أنهم يودون كفرهم وإضلالهم وما ينزل بهم من شر.
* *
وقوله: ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ هو خبر مستأنف وليس بحال من البطانة.
وقد قيل: إن ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ صفة ثانية للبطانة والصفة الأولى ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾.
﴿قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: ظهرت بألسنتهم وهو إقامتهم على الكفر، أو النفاق، والذي تخفيه صدورهم من البغضاء والعداوة لكم مما بدا لكم بألسنتهم ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ أي: العبارات من أمر هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عن الله آياته ومواعظه.
آل عمران 3:119
﴿هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ الآية.
معناها: "أنتم أيها المؤمنون تحبون الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين.
وقيل [هم] المنافقون نهى الله المؤمنين عن محبتهم لأن المؤمنين أحبوهم لما أظهروا الإيمان، فأخبر الله بما يسرون من العداوة والبغضاء لهم، ولأنهم لا يحبونهم، ويعضون عليهم الأنامل من الغيظ فقال: ﴿وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: بل يبطنون لكم العداوة والغش.
وأولاء عند الطبري بمعنى: الذين، وهي على بابها عند غيره وأنتم: ابتداء، وأولاء: الخبر.
وذهب القتبي إلى أنه نداء والمعنى: أنتم يا هؤلاء.
وقيل: الضمير للمنافقين بدليل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا﴾
* *
وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا بمعنى: الكتب كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس، يريد الدراهم.
وقال ابن عباس: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِٱلْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وبكتابهم، وبما مضى من الكتب قبل ذلك. وهذا يدل على أن الآية التي قبلها في اليهود دون المنافقين لأنهم أهل كتاب، ولا كتاب للمنافقين.
* *
قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأَنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ﴾ أي: عضوا على ما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم - والأنامل أطراف الأصابع - ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ أي: بالغيظ الذي بكم أي: اهلكوا به، وهو دعاء في لفظ الأمر.
آل عمران 3:120
[قوله] ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
معناها أي: إن تنالوا سروراً، [وظفر] بعدوكم وزيادة الناس في الدخول في الإسلام، وتصديق النبي ﷺ ساء ذلك اليهود. وقيل: يعني المنافقين - وإن يصبكم ضرر من عدوكم واختلاف بينكم فرح بذلك اليهود.
وقيل: هم المنافقون.
* *
﴿لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾.
من قرأ بكسر الضاد، والتخفيف، فهو من ضاره يضيره، وجزمه لأنه جواب الشرط. ومن قرأ يضركم فهو يحتمل ثلاثة أوجه: يجوز أن يكون ضم لالتقاء الساكنين مع الإدغام، وأصله يضرركم من ضره يضره فيم على لغة من قال: مد يا في كمن قال مديا.
وأهل الحجاز يظهرون في مثل هذا التضعيف، وقوله ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ﴾ أظهر على لغة أهل الحجاز، ولا يضركم أدغم على لغة غيرهم.
وقال الكسائي والفراء: رفعه على إضمار الفاء على معنى فليس [يضركم].
وقيل: هو مرفوع على تقدير التقديم والمعنى لا يضركم كيدهم إن تصبروا كما قال:
؎ يا أقرع بن حابس يا أقرع ∗∗∗ إنك إن يصرع أخوك تصرع
وإجماعهم على الأخير يدل على قراءة من قرأ بالتخفيف.
وروى المفضل عن عاصم لا يضركم بالتشديد والفتح، وهو أحسن من الضم لأن الضم فيه إشكال.
آل عمران 3:121
قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. معناه واذكر إذ غدوت.
واليوم الذي عنى به ذلك: يوم أحد عند مجاهد، وهو قول ابن عباس والسدي. وقال الحسن: هو يوم الأحزاب.
واستدل من قال يوم أحد بقوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] ولم يختلف المفسرون، وأهل السير أن الطائفتين هم بنو سلمة وبنو حارثة، وأن الذي ذكر من أمرهما إنما كان يوم أحد.
واحتج من قال هو [يوم] الأحزاب بأن أهل الأخبار والتواريخ يقولون: إنما راح النبي ﷺ إلى أحد من أهله للقتال يوم الجمعة بعدما صلى الجمعة بالناس في المدينة والله يقول: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ولم يقل: وإذ رحت. وقيل: "إنما أمرهم النبي ﷺ يوم الجمعة غدوة أن يفتقدوا مواضع لنفسهم وجلس حتى صلى عليه السلام ثم خرج، فتبوؤه كان بالغداة بأمره لهم ومشورته إياهم
ولما شاورهم النبي ﷺ فيما يصنع أتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله، لا تحرمني الجنة فوالذي بعثك بالحق، لأدخلن الجنة. فقال: بم؟ قال: يا نبي الله بأني أشهد ألا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله وأني (لا) أفر من الزحف، قال: "صدقت" فقتل يومئذ. وقالت الأنصار: يا رسول الله، ما علمنا عدواً لنا أتانا في دارنا قط فكيف وأنت فينا؟ وسألوه الخروج إليهم وكان رأي عبد الله هذا اسم أبيه أُبي واسمه عبد الله بن أُبي بن سلول ألا يخرج ويدعهم يدخلون وأكثر عليه الأنصار بالخروج إليهم فدعا رسول الله ﷺ بدرعه فلبسها فلما رأوه قد لبسها ندموا وقالوا: كيف نشير على رسول الله ﷺ، والوحي يأتيه، فقاموا، واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته، فيضعها حتى يقاتل"
آل عمران 3:122
قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾.
معناه: ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ﴾. والعامل في "إذ" ما قبله. والفشل: الجبن والضعف. والطائفتان هم بنو حارثة وبنو سلمة وذلك يوم أحد هموا بأمر فعصم الله منه، وهم خيار الأنصار.
وقد قال مجاهد: أما بنو سلمة فهو نحو سلع يوم الخندق قال السدي: خرج النبي ﷺ يوم أحد في ألف رجل فلما خرج رجع عبد الله بن أُبي بن سلول في ثلاثمائة فهمَّ بنو حارثة، وبنو سلمة بالرجوع حين رجع عبد الله فعصمهم الله، وبقي رسول الله في سبعمائة وبنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس.
قال جابر بن عبدالله: نحوهم بنو سلمة وما يسرنا أنها لم تكن.
فمعنى: إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا [لقول الله] والله وليهما.
آل عمران 3:123
قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
هذا تذكير من الله لنبيه عليه السلام وللمؤمنين بنصره لهم في بدر، فالمعنى: فكذلك ينصركم فيما بقي.
* *
ومعنى ﴿أَذِلَّةٌ﴾: قليلون، فقد نصركم الله وأنتم قليلون فهو إلى نصركم وأنتم كثيرون أقرب، وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر، ويوم أحد ثلاثة آلاف ويوم حنين اثني عشر ألفاً. وكانت بدر في سبع عشرة ليلة خلت من رمضان لثمانية عشر [شهراً] من الهجرة بعد تحويل القبلة بشهرين، كذلك رواه مالك وكانت أحد على رأس واحد وثلاثين شهراً من مقدم النبي ﷺ المدينة في شوال يوم السبت للنصف من شوال من سنة ثلاث.
قال مالك: فقتل من المهاجرين يوم أحد أربعة ومن الأنصار سبعون.
قال مالك: بلغنا أن رسول الله ﷺ - يوم أحد كسرت رباعيته وأصيبت وجنته، وجرح في وجهه وتهشمت البيضة على رأسه وأنه أتى بماء في جحفة فكان يغسل به عنه الدم، وأحرق له حصير فأتى به فقال النبي ﷺ: اشتد غضب [الله] على قوم أدموا وجه رسوله "فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية
وقال أنس: كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: "كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم" فأنزل ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
قال أبو سعيد الخدري:رمى عتبة بن أبي وقاص يومئذ رسول الله [ﷺ] فكسرت رباعيته اليمنى وجرح شفته السفلى، وأن عبد الله بن شهاب شجه في جبهته، وأن ابن قميئة جرح وجنته، ودخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، ووقع رسول الله ﷺ في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون، وأخذ علي بن أبي طالب بيده ورفعه طلحة حتى استوى قائماً، ومص مالك بن سنان، ابو أبي سعيد الخدري الدم عن وجهه ثم ازدرده، فقال النبي ﷺ: "من مس دمه دمي لا تصيبه النار"
وسمي الموضع بدراً لأنه كان لرجل يسمى بدراً، فسمي الموضع باسم صاحبه. وقيل: كان هناك بير يسمى صاحبه بدراً، فسمي الموضع باسم صاحب البير، وقيل هو اسم للموضع وهي قرية بين المدينة والجار، وهو أول قتال قاتله النبي عليه السلام، اجتمع فيه مع المشركين على غير تواعد.
* *
وقوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: قد كنتم قليلين فنصرتم بلزومكم الطاعة، وقد نزل بكم ما نزل يوم أحد وأنتم كثرة، وذلك لمخالفتكم لأمر نبيكم ﷺ وهو ما فعل الرماة جعل الله عز وجل ما أصيب من المشركين يوم أحد عقوبة لما فعل الرماة، إذ عهد إليهم النبي عليه السلام ألا يبرحوا من مكانهم فمضوا للنهب وظنوا أن المشركين قد فرغ منهم، وقد كان قال لهم النبي عليه السلام: "لا تبرحوا، فلن يزال النصر لنا ما ثبتم في مكانكم". فلما رأوا المشركين قد انهزموا اطمأنوا وزالوا من مكانهم طمعاً في النهب فرجعت الهزيمة على المسلمين، فأصيب خلق كثير كل ذلك بذنوب الرماة ومخالفتهم ما أمر به نبيهم ﷺ فذلك قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: لا تعصوا النبي ﷺ في أمره لكم.
آل عمران 3:124
قوله ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. إذ متعلقة بتشكرون. والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم، وذلك كله يوم بدر، وذلك أن المسلمين حُدِّثوا أن كرز بن جابر الحارثي يمد المشركين فاغتموا لذلك، فقيل لهم ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ ﴿بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ﴾ على عدوكم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أمر دينكم ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ثم لم يأت كرز، ولم يمددهم الله بخمسة آلاف. وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة وكان شاهد بدر وقد ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم [ببدر] ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به.
وقال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من تكون. قال: فبينما نحن على الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم قال: أما ابن عمي فأكشف قناع قلبه فمات مكانه، أما أنا فكدت أهلك، وتماسكت.
وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما كانوا في غيره من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون.
وحكى أبو داود المازني وكان شهد بدراً قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري.
وحكى ابن عباس عن أبي رافع أنه قال: كنت أسلمت مع العباس بمكة، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان قد خرج مع القوم وكنت أجلس في حجرة زمزم أنحت القداح، فوصل إلينا خبر أهل بدر وما نزل بهم، فسرنا، فدخل أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم فقال أبو لهب: هلم يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال له: أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا، ويأسروننا كيف شاؤوا! لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، وما تلين شيئاً، وما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة. ثم قلت: تلك الملائكة.
قال ابن عباس: أسر أبو اليسر كعبُ بنُ عمرو العباسَ وكان أبو اليسر رجلاً مجموا وكان العباس رجلاً جسيماً فقال رسول الله ﷺ: كيف أسرت العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، ولا بعده هيأته كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: لقد أعانك عليه والله ملك كريم
وقيل: إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وما بعده في قصة يوم أحد هو كله وإنما وعدوا يوم بدر بأن يمدهم الله بألف من الملائكة مردفين.
قال قتادة: قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليلون. ثم رجع إلى قصة أحد فقال: إذ تقول للمؤمنين الآيات ووعد الله [تعالى] المؤمنين يوم أحد أنهم إن صبروا واتقوا بعد هذا اليوم أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ففروا يوم أحد، ولم يتقوا النبي ﷺ [في أمره، فلم يمدهم بشيء.
وقال ابن زيد: سألوا النبي ﷺ] فقالوا يا رسول الله: هل يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟ وذلك يوم أحد، فقال لهم النبي ﷺ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾. قال الشعبي وغيره: وعدهم بخمسة آلاف، إن جاءوا من ذلك الفور. فلم يجيئوا ولم يمدهم بخمسة آلاف وأمدهم يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، يوم أحد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فهم أربعة آلاف وهم اليوم في جنود المسلمين.
* *
ومعنى ﴿مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا﴾ أي: من وجههم هذا.
وقيل: من غضبهم هذا لأنهم غضبوا يوم بدر.
واستدل من قال أنه تعالى قد أمدهم بقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾.
وقال مجاهد: معنى مسومين "معلَّمين مجززة أذناب خيلهم ونواصيها [فيها] الصوف العهن، وذلك التسويم.
وقال قتادة: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها وأنهم كانوا على خيل بلق وقد سوم النبي ﷺ أصحابه بالصوف.
وقيل: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، وكذلك كانت عمامة الزبير.
وهذا كله يوم بدر، على كسر الواو لأنها سومت أنفسها، ومن فتح أضاف تسويمها إلى الله [تعالى ذكره. ومن فتح الواو أيضاً احتج بقوله ﴿مُنزَلِينَ﴾ بإضافة النزول إلى الله] سبحانه فكذلك التسوم، كانوا أنزلوا مسومين.
وقيل: معنى مسومين: مرسلين من سومت الخيل: أرسلتها إلى السائمة. وحكى بعض النحويين سوم الرجل غلامه أرسله، وخلا سبيله فيكون المعنى على هذا مرسلين إلى الكفار وكذلك (قال) الأخفش معناه: مرسلين.
وأكثر الناس على أن معنى مسومين معلمين: من السومة.
وقال مجاهد: لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وقال: مسومين معلمين بالصوف في أذناب خيلهم.
آل عمران 3:125
قوله ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. إذ متعلقة بتشكرون. والمعنى: ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة إذ تقول للمؤمنين: ألن يكفيكم، وذلك كله يوم بدر، وذلك أن المسلمين حُدِّثوا أن كرز بن جابر الحارثي يمد المشركين فاغتموا لذلك، فقيل لهم ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾ ﴿بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ﴾ على عدوكم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أمر دينكم ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ثم لم يأت كرز، ولم يمددهم الله بخمسة آلاف. وقال أبو أسيد مالك بن ربيعة وكان شاهد بدر وقد ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم [ببدر] ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة، فعلى هذا يكون الله قد أمدهم وفعل بهم ما وعدهم به.
وقال ابن عباس: حدثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتى أصعدنا في جبل يشرف على بدر، ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من تكون. قال: فبينما نحن على الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أقدم حيزوم قال: أما ابن عمي فأكشف قناع قلبه فمات مكانه، أما أنا فكدت أهلك، وتماسكت.
وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة في يوم من الأيام سوى يوم بدر وإنما كانوا في غيره من الأيام عدداً ومدداً لا يضربون.
وحكى أبو داود المازني وكان شهد بدراً قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري.
وحكى ابن عباس عن أبي رافع أنه قال: كنت أسلمت مع العباس بمكة، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان قد خرج مع القوم وكنت أجلس في حجرة زمزم أنحت القداح، فوصل إلينا خبر أهل بدر وما نزل بهم، فسرنا، فدخل أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة، ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب قد قدم فقال أبو لهب: هلم يا ابن أخي فعندك الخبر، فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال له: أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، والله إن كان إلا أن لقيناهم، فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا، ويأسروننا كيف شاؤوا! لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، وما تلين شيئاً، وما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة. ثم قلت: تلك الملائكة.
قال ابن عباس: أسر أبو اليسر كعبُ بنُ عمرو العباسَ وكان أبو اليسر رجلاً مجموا وكان العباس رجلاً جسيماً فقال رسول الله ﷺ: كيف أسرت العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك، ولا بعده هيأته كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: لقد أعانك عليه والله ملك كريم
وقيل: إن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وما بعده في قصة يوم أحد هو كله وإنما وعدوا يوم بدر بأن يمدهم الله بألف من الملائكة مردفين.
قال قتادة: قوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليلون. ثم رجع إلى قصة أحد فقال: إذ تقول للمؤمنين الآيات ووعد الله [تعالى] المؤمنين يوم أحد أنهم إن صبروا واتقوا بعد هذا اليوم أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ففروا يوم أحد، ولم يتقوا النبي ﷺ [في أمره، فلم يمدهم بشيء.
وقال ابن زيد: سألوا النبي ﷺ] فقالوا يا رسول الله: هل يمدنا كما أمدنا يوم بدر؟ وذلك يوم أحد، فقال لهم النبي ﷺ: ﴿أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾. قال الشعبي وغيره: وعدهم بخمسة آلاف، إن جاءوا من ذلك الفور. فلم يجيئوا ولم يمدهم بخمسة آلاف وأمدهم يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، يوم أحد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فهم أربعة آلاف وهم اليوم في جنود المسلمين.
* *
ومعنى ﴿مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا﴾ أي: من وجههم هذا.
وقيل: من غضبهم هذا لأنهم غضبوا يوم بدر.
واستدل من قال أنه تعالى قد أمدهم بقوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾.
وقال مجاهد: معنى مسومين "معلَّمين مجززة أذناب خيلهم ونواصيها [فيها] الصوف العهن، وذلك التسويم.
وقال قتادة: ذكر لنا أن سيماهم يومئذ الصوف بنواصي خيلهم وأذنابها وأنهم كانوا على خيل بلق وقد سوم النبي ﷺ أصحابه بالصوف.
وقيل: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليها عمائم صفر، وكذلك كانت عمامة الزبير.
وهذا كله يوم بدر، على كسر الواو لأنها سومت أنفسها، ومن فتح أضاف تسويمها إلى الله [تعالى ذكره. ومن فتح الواو أيضاً احتج بقوله ﴿مُنزَلِينَ﴾ بإضافة النزول إلى الله] سبحانه فكذلك التسوم، كانوا أنزلوا مسومين.
وقيل: معنى مسومين: مرسلين من سومت الخيل: أرسلتها إلى السائمة. وحكى بعض النحويين سوم الرجل غلامه أرسله، وخلا سبيله فيكون المعنى على هذا مرسلين إلى الكفار وكذلك (قال) الأخفش معناه: مرسلين.
وأكثر الناس على أن معنى مسومين معلمين: من السومة.
وقال مجاهد: لم تقاتل الملائكة يوم بدر، وقال: مسومين معلمين بالصوف في أذناب خيلهم.
آل عمران 3:126
قوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ﴾ الآية.
أي: ما جعل الله النصر والمدد والوعد بذلك إلا بشرى لكم ولتسكن إليه قلوبكم.
وقال مجاهد: لم يقاتلوا معهم يوم أحد، ولا قبله ولا بعده إلا في يوم بدر.
﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾. قال ابن زيد: لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل لأنه عزيز في انتقامه حكيم في تدبيره.
فالهاء في ﴿جَعَلَهُ﴾ تعود على الإمداد، ودل عليه ﴿يُمِدَّكُمْ﴾ وقيل: تعود على المدد، وهم الملائكة لدلالة يمددكم على الملائكة الذين يُمَدُّ المسلمون بهم، وقيل: تعود على التسويم.
وقيل: تعود على الإنزال لدلالة [منزلين] على ذلك.
وقيل: تعود على العدد لأن خمسة آلاف عدد، فرجعت الهاء على المعنى.
آل عمران 3:127
قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ الآية. المعنى: ليقطع طرفاً من الذين كفروا نصركم، فبهذا تتعلق اللام. ويجوز أن تكون متعلقة بـ "يمددكم".
والطرف: الطائفة [من الكفار بمحمد ﷺ].
[وتقدير الآية ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ فيهلك من الذين كفروا بمحمد ﷺ].
قال قتادة: قطع الله يوم بدر طرفاً من الذين كفروا، وقتل صناديد رؤسائهم في الشر. وقال السدي: عنى بذلك يوم أحد قتل منهم ثمانية عشر رجلاً، فذكرهم الله في قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً﴾، ثم ذكر الشهداء فقال بعد ذلك ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ومعنى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أو يخزيهم بالخيبة مما رجوا من الظفر ﴿ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾.
وقيل: معناه: أو يصرعهم لوجوههم سُمِعَ من العرب كبته الله لوجهه بمعنى صرعه. ذكره أبو عبيدة، وعن أبي عبيدة أيضاً، الكبت: الهلاك، وقيل: معناه: يغيظهم ويخزيهم ومنه ﴿كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥].
والأصل فيه عند أهل النظر يكبدهم من أصاب كبده بشر وحزن وغيظ، ثم أبدل من الدال تاء لقرب مخرجهما كما قال: هرت التوب وهردت إذا حرضه يقال قد أخرق الحزن كبده، والخائب الذي لم ينل ما أمل.
آل عمران 3:128
قوله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
هذا معطوف عند الطبري وغيره على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، والمعنى عنده: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٧] ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ففي الكلام في قوله تقديم وتأخير. وعند غيره أو بمعنى إلا، فهي الناصبة بإضمار إن، ولا تقديم ولا تأخير في الكلام.
ومعنى الآية: ليس لك يا محمد من الحكم في عبادي شيء، أو أتوب عليهم برحمتي إن شئت، فيؤمنوا أو أعذبهم فيموتوا على كفرهم ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: قد استحقوا العذاب بظلمهم. وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي عليه السلام لما أصابه بأحد ما أصابه قال كالآيس منهم أن يؤمنوا: "كيف يفلح قوم فعلوا [هذا] بنبيهم "وقد كانوا كسروا رباعيته، وشج، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول "كيف يفلح قوم خضبوا نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم"؟ فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية فكف رسول الله ﷺ عن الدعاء حين نزلت عليه الآية، وكان قد دعا عليهم قبل الآية وقال، في عتبة بن أبي وقاص حين كسرت رباعيته، ووشاء وجهه فقال "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافراً" فما حال عليه [الحول] حتى مات كافراً
وقال ابن عمر: كان النبي ﷺ يقول: "اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية
وروى أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام أن النبي ﷺ صلّى الفجر فلما رفع رأسه من الركعة الثانية قال: اللهم انجِ عياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم سنين كسني يوسف فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وروى ذلك أبو هريرة أيضاً - عن النبي ﷺ غير أنه قال: واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، وزاد فيها الدعاء على قوم آخرين، فلما نزلت ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ترك ذلك.
وروى ابن وهب عن رجاله يرفعه إلى النبي عليه السلامأنه كان يدعو على مضر إذ جاء جبريل ﷺ فأومأ إليه أن اسكت، فسكت فقال يا محمد: إن الله لم يبعثك سباباً ولا لعاناً، وإنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذاباً ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قال: ثم علمه القنوت "اللهم إنا نستعينك... إلى آخره ملحق
وقال بعض الكوفيين: إن هذه الآية ناسخة للقنوت الذي كان النبي عليه السلام جعله في صلاة الصبح، وأكثر الناس على أنه ليس بمنسوخ.
آل عمران 3:129
قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾. هذا تأكيد لما قبله أن الله له كل الأشياء يفعل ما يريد ويحكم ما يريد فيغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء ويعذب من يشاء.
آل عمران 3:130
قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً﴾ [أضعافاً]: حال من الربا.
قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن يأكلوا الربا بعد إسلامهم.
* *
ومعنى ﴿أَضْعَٰفاً﴾ أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه الدين يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين عليه.
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تنجون. والمفلح الذي أدرك ما أمل ونجا مما خاف.
﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وأطيعوا الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة من الله عز وجل للذين عصوا يوم أحد، قاله ابن عباس.
آل عمران 3:131
قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً﴾ [أضعافاً]: حال من الربا.
قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن يأكلوا الربا بعد إسلامهم.
* *
ومعنى ﴿أَضْعَٰفاً﴾ أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه الدين يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين عليه.
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تنجون. والمفلح الذي أدرك ما أمل ونجا مما خاف.
﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وأطيعوا الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة من الله عز وجل للذين عصوا يوم أحد، قاله ابن عباس.
آل عمران 3:132
قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً﴾ [أضعافاً]: حال من الربا.
قال النحاس: هو مصدر، وهو غلط منه، وهذا نهي من الله عز وجل للمؤمنين أن يأكلوا الربا بعد إسلامهم.
* *
ومعنى ﴿أَضْعَٰفاً﴾ أي: تضعفون الدين إذا أخرتم الأجل، كان الذي عليه الدين يقول: أخرني، وأزيدك فإذا حان قال: أخرني وأزيدك، فيتضاعف الدين عليه.
﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: تنجون. والمفلح الذي أدرك ما أمل ونجا مما خاف.
﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ أي: أطيعوه فيما نهاكم عنه من أكل الربا، وأطيعوا الرسول أن تخالفوه كما خالفتموه يوم أحد فهذه معاتبة من الله عز وجل للذين عصوا يوم أحد، قاله ابن عباس.
آل عمران 3:133
قوله: ﴿سَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ﴾ الآية معناه: بادروا بالأعمال الصالحات، أي: إلى ستر ذنوبكم من ربكم، والمغفرة الستر - ومنها المغفر. وسارعوا أيضاً إلى جنة هذه صفتها.
* *
ومعنى ﴿عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾.: أي عرضها كعرض السماوات السبع، والأراضين السبع إذا ضم بعضها إلى بعض. قال ابن عباس: تقرن السماوات السبع، والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض، فذلك عرض الجنة ولا يصف أحد طولها لاتساعه، والله أعلم بذلك. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: لو أن السماوات بسطن، ثم وصل بعضها إلى بعض ما كُنَّ في سعة خلق الله إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. وكم لله من عالم أعظم من السماوات والأرض!
[وروي أن لله تعالى اثني عشر عالماً السماوات والأرض] منها عالم واحد.
قال أبو محمد رضي الله عنه: والله أعظم من ذلك كله، ويقدر على أكثر من ذلك كله لا إله إلا هو.
وقد قيل معنى ﴿عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ أي: سعتها كسعتهن ومن قول العربي أرض عريضة أي: واسعة، وليس يريد العرض الذي هو خلاف الطول.
قال أنس بن مالك: يعني بالمسارعة: التكبيرة الأولى.
وسئل النبي عليه السلام وقيل له: هذه الجنة عرضها السماوات والأرض فأين النار؟ فقال: هذا النهار إذا جاء فأين الليل؟ وروي أن بعض أهل نجران سألوا عمر عن ذلك فأجابهم بذلك فقالوا: لقد نازعت بمثل ما في التوراة.
آل عمران 3:134
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ الآية.
هذه صفة المتقين الذين أعدت لهم الجنة ينفقون أموالهم في الله في حال السرور.
والسراء مصدر سرني مسرة وسروراً.
والضراء مصدر، قد ضُرَّ فلان إذا أصابه الضر، وهو الضيق والجهد. قال ابن عباس: في السراء والضراء في اليسر، والعسر.
﴿وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ أي: الذين يتجرعون غيظهم عند امتلاء أنفسهم. وقيل الكظم: الحبس، فمعناه: والحابسين غيظهم ﴿وَٱلْعَافِينَ﴾ أي: الصافحين عن جنايات الناس وذنوبهم وهم على الانتقام قادرون.
قال أبو العالية: ﴿عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: عن المماليك.
وقال النبي صلى الله عليه سلم "من كظم غيظاً، وهو يقدر على إنفاذه ملأه الله أمناً وإيماناً" وقال ابن عباس: هذا كقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧] ﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ مثل قوله:
﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ﴾ [النور: ٢٢] ... إلى قوله: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] الآية.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "ما تجرع عبد جرعة خير له من جرعة غيظ
وقال "أفضل أخلاق المسلمين العفو
﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: يحب من عمل بهذه الصفات. وعن الحسن أنه قال: ﴿وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ﴾ عن الأرقاء ﴿وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ إذا ما جهلوا عليهم.
آل عمران 3:135
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الآية.
هذا كله من نعت المتقين الذين أعدت لهم جنة عرضها السماوات والأرض. وروي عن جابر أنه قال: الفاحشة هنا: الزنا وكذلك (قال) السدي.
وقيل: هي كل فعل قبح [في] الشر[ع].
* *
ومعنى ﴿أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾: فعلوا غير الذي ينبغي.
قال النخعي: الظلم من الفاحشة والفاحشة من الظلم.
* *
ومعنى ﴿فَٱسْتَغْفَرُواْ﴾ أي: استدعوا الغفران من الله عز وجل وهو الستر على فعلهم ﴿وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ أي: من يسترها على فاعلها إلا الله.
وقال عطاء بن أبي رباح: قال أصحاب النبي ﷺ: يا نبي الله، بنو إسرائيل أكرم على الله منا كانوا إذا أذنب أحدهم أصبحت كفارة ذنبه [على بابه] مكتوبة: أجدع أنفك، افعل كذا، فسكت رسول الله ﷺ، فنزلت ﴿سَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ .... إلى قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فقال النبي ﷺ: ألا أخبركم بخير من ذلكم؟ ثم قرأ الآيات. فقيل: إنها خصوص أمة محمد ﷺ، لأن بني إسرائيل كانت تمتحن على ذنوبها، وتعاقب عليها في الدنيا
قال ثابت البناني لما نزلت. ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية: بكى إبليس فزعاً منها، قال: وبلغني أنه بكى حين نزلت ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
قال علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثاً ينفعني الله منه بما يشاء أن ينفعني، وإذا حدثني رجل من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر، وصدق أبو بكر قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من رجل يذنب ذنباً، ثم يقوم فيتطهر، فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر له. ثم تلى هذه الآية ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾.
وروي عنه زيادة في هذا الحديث وهو أنه قال: ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر. وروي أن هذه الآية نزلت في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه ثمراً فضرب على عجزها فقالت: والله ما حفظت غيبة أخيك، ولا نلت حاجتك؟ فأُسقط في يده، فذهب إلى أبي بكر فقال له: إياك أن تكون امرأة غازٍ. ثم قال له عمر مثل ذلك، وقال النبي عليه السلام مثل ذلك، فذهب يبكي فنزلت في اليوم الرابع ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الآية.
وقال النبي عليه السلام: "إن الله يغضب للغزاة كما يغضب للمرسلين ويستجيب لهم كما يستجيب للمرسلين
وروي أن نبهان التمار أقام ثلاثة أيام صائماً حزيناً يبكي على ذنبه، فلما نزلت الآية أعلمه النبي ﷺ بها فشكر الله، ثم قال: يا نبي الله هذه توبتي قبلها الله مني، فكيف حتى يتقبل شكري؟ فأنزل الله ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] الآية. ومعنى ﴿ذَكَرُواْ ٱللَّهَ﴾ [أي]: ذكروا نهي الله عما ركبوا وما أحدثوا فاستغفروا ﴿لَمْ يُصِرُّواْ﴾ أي: لم يتمادوا ولم يثبتوا على ما فعلوا.
وقيل ﴿لَمْ يُصِرُّواْ﴾ أي: لم يسكتوا عن الاستغفار قاله السدي.
والمعنى عند أكثر المفسرين، وأهل اللغة لم يقيموا متعمدين على الذنب، وترك التوبة منه.
وقال الحسن: المعنى لم يواقعوه إذ هموا به، جعل الآتي للذنب مصراً في حال إتيانه، وهو بعيد عند أهل اللغة، وقد روي عن النبي عليه السلام أنه قال: "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة
وقال السدي: معنى ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لم يقيموا على ترك الاستغفار وهم يعلمون [أنهم اذنبوا. وقيل: المعنى وهم يعلمون أن الذي أتوا معصية. وقيل المعنى ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾] أنهم إن تابوا تاب الله عليهم. وقيل المعنى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ إني معاقب على الإصرار. وقيل: المعنى: وهم يذكرون ذنوبهم.
آل عمران 3:136
قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ جَزَآؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ الآية.
المعنى: أولئك الذين مضت صفتهم جزاؤهم مغفرة أي: ثوابهم مع ما ذكر مما أعد لهم ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ﴾ أي: ثواب المطيعين.
آل عمران 3:137
قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
المعنى: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم يا أصحاب محمد سنن وسير نحو: إهلاك عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم فتركتهم عبراً ﴿فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ للرسل الجاحدين للكتب. وهذا إعلام من الله تبارك وتعالى للمؤمنين أنه سيهلك من أدال له على المسلمين للمشركين يوم أحد، وأنه إنما فعل لهم ذلك استدراجاً منه لهم، وإمهالاً حتى يبلغ الكتاب أجله. وأصل السنة الطريقة المستقيمة.
وقيل: ﴿سُنَنٌ﴾ هنا أمثال فيمن كان قبلكم.
آل عمران 3:138
قوله: ﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ الآية.
وقال الحسن: ﴿هَـٰذَا﴾ إشارة إلى القرآن، وقاله قتادة.
وقال الربيع: ﴿هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ عامة وهو القرآن ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ خاصة.
وقال ابن اسحاق: ﴿هَـٰذَا﴾ إشارة إلى قوله ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ الآية.
وقال الشعبي: ﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ من الجهل وذلك لمن اتقى المحارم.
آل عمران 3:139
قوله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ الآية هذه الآية تعزية لأصحاب محمد ﷺ فيما أصابهم يوم أحد من الجراح، والقتل فعزَّاهم الله، وبشّرهم أنهم الأعلون. ومعنى ﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾: لا تضعفوا عن قتال عدوكم ﴿وَلاَ تَحْزَنُوا﴾ على ما فات، فإلى النعيم المقيم صار، وأنتم مع ذلك الظافرون فيما تستقبلون ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين لمحمد ﷺ وما أتى به.
قال ابن جريج: لما انهزم أصحاب النبي عليه السلام يوم أحد في الشعب قالوا: ما فعل فلان، ما فعل فلان؟ فنعى بعضهم بعضاً، وتحدثوا أن الرسول ﷺ [قتل، فكانوا في هم وحزن على النبي ﷺ] فبينا هم كذلك إذ علا خالد بن الوليد [الجبل] بخيل من المشركين فلما رأى المسلمون النبي ﷺ فرحوا، وثاب قوم من الرماة [من المسلمين فصعدوا الجبل فرموا المشركين حتى انهزموا وعلا المسلمون الجبل فنزل ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ﴾ فقال النبي ﷺ "اللهم لا قوة إلا بك وليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر"
قال ابن عباس: لما أتى خالد بن الوليد يريد أن يعلو الجبل بخيل معه، قال النبي عليه السلام: "اللهم لا يعلون علينا" فأنزل الله: ﴿وَلاَ تَهِنُوا﴾ الآية.
آل عمران 3:140
قوله ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ الآية.
هذا تعزية للمسلمين فيما أصابهم من الجراح والقتل يوم أحد وأنهم إن كان أصابهم ذلك فقد أصاب المشركين مثله يوم بدر، ثم قال: ﴿وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: إن ظفرتم يوم بدر فكانت لكم دولة، ثم كانت الدولة للمشركين يوم أحد عليكم بمعصيتكم أمر نبيكم ﷺ كل ذلك ليبتلي الله المؤمنين، وليبلغ الكتاب أجله. وروي أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل من المسلمين يوم أحد سبعون، وكثر الجراح في الباقين حتى شج رسول الله ﷺ، وكسرت رباعيته والقَرح والقُرح لغتان عند الكسائي والأخفش وقطرب كالضُعف والضَعف.
وقال الفراء: الفتح اسم الجرح، والضم اسم الألم.
ولم يعرف أبو عمر الضم. وقال يعقوب الحضرمي: المفتوح ما كان بسلاح، والمضموم الجهاد كذا وقع عنه.
قال ابن عباس:لما كان يوم أحد وأصاب المسلمين ما أصاب صعد النبي ﷺ الجبل فجاء أبو سفيان فقال يا محمد: الحرب سجال يوم لنا، ويوم لكم فقال النبي عليه السلام: أجيبوه فقالوا له: لا سواء لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال له أبو سفيان: لنا عزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ أجيبوه. فقالوا: الله مولانا ولا مولى لكم [فقال أبو سفيان: أعل هبل أعل هبل، فقال النبي ﷺ: قولوا: الله أعلى وأجل]. فقال أبو سفيان: موعدنا، وموعدكم بدر الصغرى، فنزلت ﴿وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾
قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ﴾ أي: داولها ليعلم الله المؤمنين من المنافقين علم مشاهدة، وهو عالم بهم قبل أن يخلقهم الله ولكن أراد العلم الذي يقع عليه الجزاء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ﴾ أي: يكرم من أراد بالشهادة.
والشهداء جمع شهيد، وسمي شهيداً لأنه مشهود له بالجنة.
قال ابن جريج: كان المسلمون يسألون الله أن يريهم مثل يوم بدر، فيقاتلون ويلتمسون فيه الشهادة، فابتُلوا بيوم أحد، فخالف الرماة، فقتل من المسلمين، واتخذهم الله شهداء، فبلغهم أملهم الذي كانوا قد أملوا وسألوا.
وقال ابن عباس: كانوا يسألون الشهادة فقتلوا يوم أحد.
آل عمران 3:141
قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
المعنى: داول الله [الأيام] بين الناس، فيعلم المؤمنين من المنافقين، وليمحص ذنوب المؤمنين. يقال: محصه إذا خلصه فمعناه على هذا: وليخلص الله المؤمنين من ذنوبهم داول الأيام بين الناس، ومنه قولهم: اللهم محص عنا ذنوبنا أي خلصنا من عقوبتها. وقيل: معنى ليمحص ليبتلي.
ومعنى: ﴿وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: يستأصلهم. وقيل يمحق أعمالهم. وقيل: ينقصهم ويفنيهم.
يقال: محق فلان الطعام إذا نقصه وأفناه.
وقال مجاهد: وليمحص وليختبر.
آل عمران 3:142
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ﴾ الآية.
قرأ الحسن ويحيى بن يعمر ﴿وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ﴾ عطفاً على ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ﴾.
ومن نصب في ظهر "أن" عند الخليل وسيبويه، وعلى الصرف عند الكوفيين، ومعنى الصرف عندهم أن يكون في أول الكلام جحد، أو استفهام أو نهي، ولا تمكن إعادته مع حرف العطف فإذا لم تمكن إعادته لم يعطف بالثاني على الأول، ولكن يصرف على العطف على النصب.
والمعنى: أم حسبتم أيها المؤمنون أن تنالوا الكرامة، ولم تختبروا بالشدة والبأساء، فيعلم منه صدقكم وصبركم واقعاً وقد كان تعالى ذكره، علمه غيباً، ولكن لا تقع المجازاة إلا على ما خرج من الأفعال إلى الوجود.
آل عمران 3:143
قوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ﴾ الآية.
المعنى: لقد كنتم يا أصحاب محمد تتمنون الموت، وذلك أن أناساً فاتهم حضور بدر، وما أعطي أهل بدر من الفضل، فكانوا يتمنون الموت أن يجاهدوا، فيبلوا العذر في القتال في الله عز وجل.
ومعنى: ﴿تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: القتل الذي هو سبب الموت ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: رأيتم سبب الموت ﴿وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ أي: بصراء تشهدون ذلك عن قرب.
قال القتبي ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾: يعني أسباب الموت وهي السيف والسلاح.
وقيل: الهاء في رأيتموه تعود على محمد ﷺ.
فلما كان يوم أُحد حضروا القتال، فولى قوم وأبلى [قوم] العذر، وأوفوا بما عاهدوا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي: استشهد فقتل، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ أي: الشهادة ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ أي: ما بدلوا العهد الذي عاهدوا الله عليه من ابتلاء العذر في الجهاد في الله عز وجل.
وقيل: إنهم كانوا يتمنون الشهادة في القتال فقتلوا يوم أحد.
قال الحسن: لما سألوا، ابتلوا بيوم أحد [فلا] والله ما كلهم صدق.
آل عمران 3:144
قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ الآية.
معنى الآية أن الله أخبرهم أن محمداً كبعض رسله المتقدمين في الرسالة والدعاء، الذين قد مضوا وخلوا، فلما حضرت آجالهم ماتوا فمحمد ﷺ مثلهم ميت عند انقضاء أجله، وهذا إنما هو معاتبة من الله للمؤمنين على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل في أحد إن محمد ﷺ قد قتل، ومقبحاً لهم انهزام من انهزم منهم حين سمع ذلك.
ومعنى: ﴿ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: ارتددتم عن دينكم لو مات، وهل هو إلا مثل من تقدمه من الرسل ميت عند انقضاء أجله؟ فلو مات أكنتم تكفرون؟
﴿وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾ أي: من يرتدد عن دينه ﴿فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ﴾ سبحانه ارتداده. وفي لفظ الاستفهام تقديم وتأخير، وذلك أنهم إنما وبخوا وعوذلوا على الانقلاب على العقبين، فهم لم ينكروا موت محمد ﷺ فيقع عليه لفظ الاستفهام الذي يدل على التوبيخ، ولا أنكر عليهم ذلك، إنما أنكر عليهم انقلابهم، فحق الاستفهام الذي للتوبيخ أن يقع على ما أنكر عليهم وهو انقلابهم، ومثله ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] لم يستفهم عن الموت وإنما استفهم عن خلودهم بعد موت محمد ﷺ؟ أيكون أم لا؟ فحق الاستفهام أن يقع عليهم، فيكون: أفهم الخالدون إن مت؟ وكذلك هذا حقه. أتنقلبون على أعقابكم إن مات محمد أو قتل؟ ففيه اتساع معروف في كلام العرب مشهور قد علم معناه. والأصل في ذلك أن كل استفهام دخل على حرف الجزاء، فالاستفهام في غير موضعه وحقه، وموضعه أن يكون قبل جواب الشرط داخلاً على الجواب، فهذا تقديره حيث وقع.
أو قولهم ﴿وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ﴾ أي: وسيثيب الله عز وجل من شكره على هدايته له، وتوفيقه إياه.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أبو بكر أمير الشاكرين، فالآية إنما نزلت فيمن انهزم بأحد من أصحاب النبي ﷺ. قال قتادة: لما كان يوم أحد من الشناعة ما كانت في قتل النبي ﷺ قال ناس: لو كان نبياً ما قتل.
وقال ناس من علية أصحاب النبي ﷺ: قاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم حتى يفتح الله، أو تلحقوا به، فأنزل الله تبارك وتعالى في عتاب من قال: لو كان نبياً ما قتل ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾.
وذكر الربيع أن رجلاً من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال: يا فلان أشعرت أن محمداً ﷺ قد قتل؟ فقال الأنصاري: وإن كان محمد ﷺ قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم.
قال السدي:لما برز رسول الله ﷺ إليهم يوم أحد بعد صلاة الجمعة يوم الجمعة، أمر الرماة فقاموا في أصل الجبل في وجوه خيل المشركين. وقال لهم: لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، وأمر عليهم عبدالله بن جبير أخا خوات، ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن لأسود على المشركين فهزموهم وحمل النبي ﷺ وأصحابه فهزموهم وهزموا أبا سفيان.
فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة من المسلمين، فانقطع، فلما نظر الرماة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينهبونه بادروا الغنيمة، فقال بعضهم لبعض: لا تتركوا أمر رسول الله ﷺ، وانطلق عامتهم فلحقوا بالمعسكر فلما رأى خالد قلة من بقي من الرماة صاح فيه خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب محمد، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل شدوا على المسلمين وتنادوا فقتلوا من المسلمين عدداً، وأتى ابن قميئة الحاري فرمى [رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته، وشجه في وجهه، وتفرق عن النبي ﷺ أصحابه، فدخل بعضهم المدينة، وصعد بعضهم الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها وجعل] رسول الله ﷺ يدعوا الناس ويقول: [إلي عباد الله] فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً، وجعلوا يسيرون بين يديه، ولم يقف أحد إلا طلحة وسهل بن حنيف، وأقبل أبي بن خلف الجمحي وقد حلف ليقتلن النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: بل أنا أقتلك فقال: يا كذاب، أين تفر؟ فحمل عليه فطعنه النبي ﷺ طعنة في الدرع، فجرحة فوقع يخور خوار الثور، فحمله المشركون وقالوا: ليس بك بأس، فما يجزعك؟ فقال: أليس قال: لأقتلنك، لو كانت الضربة لجميع ربيعة ومضر لقتلتهم فلم يلبث حتى مات [و] فشا في الناس أن محمداً ﷺ قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة: ليتنا أخذنا من المشركين أماناً، وضعفوا، وقال بعضهم: يا قوم إن كان محمد ﷺ قد قتل، فإن رب محمد ﷺ لم يُقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه نبيكم ﷺ اللهم إنا نعتذر إليك مما قال هؤلاء
ويروى أن الذي قال ذلك واعتذر: أنس بن النضر، ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. وانطلق رسول الله ﷺ يدعو حتى أتى أصحاب الصخرة فلما رأوه أراد رجل منهم أن يرميه، ولم يعرفه فقال: أنا رسول الله، ففرحوا وفرح رسول الله بهم، وذهب عنهم الحزن وأنزل الله تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ الآية
وقال الضحاك: نادى منادٍ يوم أحد: ألا إن محمداً قد قتل فارجعوا إلى دينكم الأول فأنزل الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ﴾ الآية.
آل عمران 3:145
قوله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ﴾ الآية معناه: لا تموت نفس إلا بإذن الله، وليس هو نهي للنفس، لأن ذلك ليس هو في يديها وهو بمنزلة ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: كونوا مسلمين حتى يصادفكم الموت عليه، وليس هو نهي عن شيء لأن ذلك ليس إليهم ليس الموت في أيديهم، وله نظائر كثيرة ليس معناها النهي عن المذكور إنما معناها النفي، كأنه قال: لا تفارق الإسلام حتى يأتيكم الموت، وأنتم عليه كذلك.
هذا معنى لا تموت نفس إلا بإذن الله، أخبرهم الله في هذه الآية أن محمداً ﷺ وغيره لا يموت إلا بإذن الله، وإذا أتى أجله. "وكتاباً" منصوب على المصدر أي كتب الله ذلك كتاباً.
* *
قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من يرد بعمله أعراض الدنيا دون ما عند الله يعطه ما قسم الله منها يرزق أيام حياته، ولا حظ له في الآخرة، ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ﴾، أي ما عند الله من الكرامة ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ أي: سنتيب من أطاعني وقبل أمري، لأن اتباع أمر الله والعمل بطاعته من أعظم الشكر.
آل عمران 3:146
قوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ﴾ الآية.
قال الخليل: من قرأ كأين بهمزة بعد ألف وهي قراءة أهل مكة فإنما قدم الياء قبل الهمزة ثم جعلها ألفاً وسكنت الياء الثانية لأنها بعد همزة مكسورة.
وأما من قرأ وكأي فإنها عند الخليل (أي): دخلت عليها كاف التشبيه فصار في الكلام معنى كم، فيجب على قوله أن تقف بغير نون في قراءة الجماعة كما تقف على (أي): وهو مذهب سيبويه وكذلك حكى عن أبي عمرو، والكسائي، وروي عنهما الوقف على النون.
فمن وقف بالنون في هذه القراءة، فإنما ذلك لأنه اتبع السواد وهو في المصحف بالنون على قراءة من قدم الألف قبل الهمزة وهي قراءة ابن كثير ومن قرأ: "قتل": فالمعنى عند عكرمة أن القتل إخبار عما فعل بالأنبياء عليهم السلام، وأنهم قتلوا فيما مضى، وأن من كان معهم لم يضعف بعده ولا تضعضع.
ثم أخبر عن قولهم بعد نبيهم ﷺ، وثباتهم على دينهم، فيكون التمام على هذا قتل وفيه بعد لأن ما بعده من صفة نبي ويكون معنى الآية: أن الله وبخ بذلك أصحاب النبي الذين ضعفوا يوم أحد حين قيل: قتل محمد! فأخبرهم أن كثيراً من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان معهم ليتأسوا بهم.
وقيل: المعنى أن الله عز وجل أخبر أنه قد قتل مع الأنبياء عليهم السلام ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فما وهن من بقي ولا ضعف ولا ذل، فيتأسى المسلمون بهذا، فلا يضعفون لما أصاب أصحابهم من القتل يوم أحد، فلا يكون التمام على هذا قتل لأن "الربيون" مرفوع بقتل، والأول أحسن لأن كعب بن مالك قال: أول من عرف رسول الله ﷺ يوم أحد أنه لم يقتل: أنا، رأيت عينيه تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي هذا رسول الله ﷺ فأومأ إلي النبي ﷺ أن: اسكت.
وكان قد صاح الشيطان يوم أحد قتل محمد فانهزم المسلمون إلا قليلاً منهم، فأنزل الله عز وجل ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ﴾ أي: كثير من الأنبياء قتلوا فلم يضعف من كان بعده ولا ذل، فكيف أردتم أيها المؤمنون أن تضعفوا حين سمعتم الشناعة بأن محمداً ﷺ قد قتل، فتأسوا أيها المؤمنون بمن كان قبلكم من أصحاب الأنبياء صلوات الله عليهم، الربيين.
وعلى تأويل اختار قوم من العلماء قراءة من قرأ قتل لأنهم عوقبوا على ضعف بعضهم لما سمعوا لقتل النبي ﷺ.
ومن قرأ قاتل حمله على معنى أنهم وهنوا لقتل أصحابهم وجراحم، فأنزل الله عز وجل عليهم يعلمهم أن كثيراً من الأنبياء قاتل مع أصحابه وأتباعه، فلم يضعفوا لما أصابهم من قتل وجراح فتأسوا بهم.
واختار بعض أهل اللغة قاتل لأنه أبلغ في المدح من قتل لأن الله تعالى إذا مدح من قاتل كان من قتل أدخل في المدح لأنه لم يقتل إلا بعد القتال، فالقاتل والمقتول ممدوحان في قراءة من قرأ قاتل وهو إذا مدح من قتل فليس من قاتل، ولم يقتل بالممدوح، فقاتل أبلغ في المدح للجميع.
"والربيون" الذين يعبدون الرب نسبوا إليه لعبادتهم إياه وإقرارهم له، وهو معنى مروي عن الحسن وغيره.
واحدهم ربي منسوب إلى الرب ولكن كسرت الراء اتباعاً للكسرة التي بعدها كما قالوا: نسي وعصي فكسروا الأول للاتباع، وقيل: الربانيون الجماعات.
وقيل: هم العلماء الألوف.
قال ابن عباس: ربيون جموع كثيرة.
وقال ابن جبير: علماء كثير.
وقال الحسن: فقهاء وعلماء.
وقال ابن المبارك: أتقياء صُبُر.
وقال ابن زيد: الربانيون الأتباع، والربانيون الولاة.
وقيل الربانيون: منسوب إلى الرب أيضاً واحد ربي وزيدت الألف والنون للمبالغة كالنسبة إلى الجهة: جهاتي ثم جمع بعد الزيادة وقد مضى ذكره.
وقال ابن زيد: هذا عتاب من الله عز وجل لأصحاب النبي عليه السلام حين صاح إليهم الشيطان يوم أُحد أن محمداً قد قتل، فارجعوا إلى عشائركم يؤمنوكم. وقرأ الحسن وعكرمة وأبو رجاء: رُبيون بضم الراء غُير أوله بالضم كما قالوا في النسب إلى الدهر دهري.
* *
قوله: ﴿فَمَا وَهَنُواْ﴾ أي: ما ضعفوا، ولا عجزوا لما أصابهم من آلام الجراح، وقتل أصحابهم: وقيل: لم يعجزوا لما أصابهم من قتل نبيهم ﷺ ولا آلام جراحهم، ولم يعجزوا عن القتال في سبيل الله تعالى بعد نبيهم ﷺ.
والوهن أشد الضعف.
وكان سعيد بن جبير يقول: لم أسمع بنبي قتل في الحرب، فلا يكون الوقف على قوله: قتل البتة.
* *
قوله: ﴿وَمَا ٱسْتَكَانُواْ﴾ أي: ما خشعوا لعدوهم بالدخول في دينهم، ولكن مضوا على بصيرتهم في نصر دينهم وصبروا. قال ابن اسحاق: ما وهنوا لفقد نبيهم،
وما ضعفوا عن قتال عدوهم وما استكانوا لما أصابهم في الحرب.
آل عمران 3:147
قوله: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
حكى الله عز وجل للمؤمنين قول الربيين الذين ذكرهم ليتأسوا بهم، فأخبرهم أنهم لم يعتصموا إلا بالصبر ومجاهدة عدوهم، ومسألة ربهم المغفرة والنصرة على عدوهم.
ومعنى: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا﴾ أي: خطايانا وظلمنا لأنفسنا.
وقال الضحاك: هي الكبائر وسألوه المغفرة فيها.
آل عمران 3:148
قوله: ﴿فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية، المعنى: فأعطى الله المؤمنين الربيين ثواب الدنيا أي: النصر على عدوهم والظفر والغنيمة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ﴾ أي: خير جزاء الآخرة وهو الرضوان من الله: ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أثنى عليهم أنهم محسنون وأن الله يحبهم.
آل عمران 3:149
قوله ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. هذه الآية تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يطيعوا المنافقين والكافرين بمحمد في أمر، أو يقبلوا منهم نصيحة، وأعلمهم أنهم إن قبلوا منهم ردوهم كافرين مثلهم، فيخسرون دنياهم وآخرتهم. قوله ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: بل الله وليكم ينقذكم من طاعة الكافرين التي ترديكم فأطيعوه ولا تستنصروا بغيره فهو خير من استنصرتم به.
آل عمران 3:150
قوله ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. هذه الآية تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يطيعوا المنافقين والكافرين بمحمد في أمر، أو يقبلوا منهم نصيحة، وأعلمهم أنهم إن قبلوا منهم ردوهم كافرين مثلهم، فيخسرون دنياهم وآخرتهم. قوله ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: بل الله وليكم ينقذكم من طاعة الكافرين التي ترديكم فأطيعوه ولا تستنصروا بغيره فهو خير من استنصرتم به.
آل عمران 3:151
قوله: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ﴾ الآية.
بشر الله تعالى المؤمنين بما صنع بالمشركين، ويصنع بهم.
قال السدي: ارتحل المشركون يوم أُحد متوجهين نحو مكة حتى إذا بلغوا بعض الطريق ندموا فقال لهم أبو سفيان: بئس ما صنعنا، قاتلناهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركناهم ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب وانهزموا، فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له: إذا لقيت محمداً، وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم. كذباً منهم لما قد جعل في قلوبهم من الرعب، وأعلم الله عز وجل نبيه ﷺ بأمرهم ورعبهم، فخرج النبي ﷺ في طلبهم فلم يلحقهم، وقال النبي ﷺ "نصرت بالرعب"
آل عمران 3:152
قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الآية.
أعلم الله عز وجل المؤمنين أنه قد صدقهم وعده الذي أتاهم على لسان نبيه، وهو قوله للرماة بأحد: اثبتوا مكانكم ولا تبرحوا، وإن رأيتمونا هزمناهم، فإن لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم، ووعدهم بالنصر إن انتهوا إلى أمره.
وقال لمن معه غير الرماة: إذا هزمناهم فلا تتبعوهم فقام الرماة بأصل الجبل.
ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله تعالى يعجلنا بسيوفكم إلى النار، ويعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم من أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار، فقام إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة، فضربه علي فقطع رجله فسقط، وانكشفت عورته فقال: أنشدك الله والرحم ابن عم، فتركه وكبّر النبي ﷺ، وقال لعلي أصحابه: ما منعك أن تجيز عليه؟ فقال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، فاستحييت منه، [ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزمهم، وحمل النبي ﷺ وأصحابه وهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع، ثم أيقن الرماة بأن المشركين انهزموا، وأن رسول الله ﷺ [وأصحابه] ينهبونهم، فلحق أكثرهم بالعسكر من نهب وثبت [الأقل] لأمر رسول الله ﷺ. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل على من بقي من الرماة فقتلهم، وحمل على أصحاب محمد ﷺ، فلما رأى المشركون خيلهم تقاتل تراجعوا فشدوا على المسلمين فهزموهم، وقتلوا وجرحوا فأصيب من المسلمين سبعون رجلاً، وكان أبو سفيان أقبل إلى المدينة في ثلاث خلون من شوال، فنزل بأحد، وكانوا في ثلاثة آلاف معهم مائتا فارس، فخرج إليهم النبي ﷺ [في سبعمائة رجل، فمعنى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: الذي وعدكم على لسان نبيه ﷺ] من النصر إذا ثبت الرماة حق، وكان النبي ﷺ أخبرهم [أنهم] سيهزمون المشركين، فكان ما أخبرهم الله تعالى على لسان نبيهم ﷺ حق، فهو الوعد الذي صدقهم الله تعالى. فلما (فشلتم وتنازعتم وعصيتم) طلباً للغنيمة يعني ما فعله الرماة والذين اتبعوا الهزيمة ﴿بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ وهو هزيمة المشركين. ومعنى ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: تقتلونهم بعلمه، والحس: القتل الذريع وذلك في أول الهزيمة التي كانت على المشركين قبل أن يزول الرماة من مكانهم.
وقيل: بإذنه بحكمه. وقيل: بتسليطه إياكم عليهم.
ومعنى: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾ هو اختلاف الرماة قال قائلون: نمضي للغنيمة. وقال آخرون: لا نبرح ولا نخالف أمر رسول الله ﷺ فمضى الأكثر وكان ذلك سبب قتل من بقي.
ومعنى: ﴿فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم، وتخاذلتم، وعصيتم النبي ﷺ فيما أمركم به وقد كان الله تعالى: صدقكم وعده الذي أخبركم به نبيكم ﷺ ﴿أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾ من النصر إذ هزم عدوكم ولكنكم اخترتم الدنيا وهي الغنيمة.
قال مالك: لما نزلت يوم أحد: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ﴾ قال عبد الله بن مسعود: والذي بعث محمداً ﷺ بالحق ما ظننت أن فينا أحداً يريد الدنيا.
ومعنى: ﴿مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ أي: يريد الغنيمة، وأخذ الأموال وقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي: ثم صرفكم أيها المؤمنون عن المشركين بعد أن استوليتم عليهم، ورأيتم ما تحبون من هزيمتهم، وقتل صاحب رايتهم فعل ذلك بكم ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ أي يختبركم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ هذا لمن عصى من الرماة خاصة. وقال ابن جريج: معنى ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ إذ لم يستأصلكم بالقتل، وقاله غيره.
آل عمران 3:153
قوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ﴾ الآية.
العامل في إذ عفا، كأنه قد عفا الله عنكم أيها المؤمنون ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: تلوون منهزمين في الوادي والرسول يدعوكم إليّ عباد الله، فالهرب في مستوى الأرض وبطون الأودية اصتعاد، وفي الجبل صعود لأنها كالسلالم والدرج.
وقرأ الحسن "إذ تَصعَدون" بفتح التاء والعين على تأويل إنهم صعدوا الجبل منهزمين، وقد روي أن بعضهم صعد الجبل.
قال السدي: لما وقعت الهزيمة على المسلمين دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل النبي ﷺ يقول: إلي عباد الله إلي عباد الله
وقال القتبي: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ تبعدون في الهزيمة يقال: اصتعد في الأرض إذا أمعن في الذهاب.
﴿وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ﴾ أي: لا تعرجون ولا يلتفت بعضكم إلى بعض هرباً من عدوكم ﴿فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ أي: جزاكم بفراركم عن نبيكم ﷺ، وفشلكم عن عدوكم، ومخالفتكم غماً على غم، الباء في موضع على. ومعنى: ﴿فَأَثَـٰبَكُمْ﴾ جعل ما يقوم مقام الثواب لكم غماً بعد غم مثل: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، والانشقاق: ٢٤]. فالغم الأول: ما لحقهم على نبيهم ﷺ حين سمعوا أنه قتل. والثاني: ما لحقهم من الجراح، وقتل أصحابهم لأنه قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين.
* *
قوله: ﴿لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الغنيمة ﴿وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ﴾ من ألم الجراح والقتل. وقيل: الغم الأول: ما صاحبهم على قتل أصحابهم، وجراحهم. والثاني: ما أصابهم حين سمعوا أن محمداً ﷺ قتل. وقيل: الغم الأول: أسفهم على ما فات من الغنيمة. والثاني: اطلاع أبي سفيان عليهم في الجبل، فخافوا حين أتاهم، فرموه، فرجع عنهم وقد كانوا فزعوا منه أن يميل عليهم فيقتلهم فهو الغم الثاني.
وكان من قتل يومئذ ستة وستون من الأنصار وأربعة من المهاجرين.
آل عمران 3:154
قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ الآية.
النعاس: بدل من أمنة. ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله. وأمنة مصدر في الأصل. وقيل: هو اسم فاعل.
أخبرهم الله تعالى أنه جعلهم طائفتين طائفة أمنة حتى نعست، وطائفة أهمتها نفسها حين ظنت بالله غير الحق: أي ساء ظنها بالله سبحانه.
وسبب ذلك فيما ذكر السدي:أن المشركين انصرفوا [من أحد] بعدما كان منهم، واعدوا النبي ﷺ بدراً من قابل فقال لهم: نعم، فتخوف المسلمون أن ينزل المشركون المدينة فبعث النبي ﷺ رجلاً: أنظر، فإن رأيتهم قعوداً على أثقالهم، وجنبوا خيلهم، فإن القوم ينزلون المدينة، فاتقوا الله، واصبروا وَوَطَّنهم على القتال، وإن رأيتهم سراعاً عجالاً، فليس ينزلون المدينة، فلما أبصرهم الرسول - قعود على الأثقال - سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك أمنوا وناموا، وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتوهم فطار عنهم النوم، ولم يركنوا إلى قول النبي ﷺ وما أخبرهم به: أنهم لا ينزلون المدينة
قال أبو طلحة: كنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي.
ثم أخبر عز وجل نبيه ﷺ أن هؤلاء المنافقين يخفون في أنفسهم ما لا يبدون للنبي ﷺ، وأن الذي يخفون منه قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا﴾ وأمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ﴾ قدر الله عليهم القتل إلى مضاجعهم التي سبق في علمه أنهم يقتلون بها. ومعنى: ﴿لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ﴾ [أي]: لصاروا إلى براز من الأرض، وهو المكان المنكشف.
وقرأ أبو حياة: لبُرِّز الذين. مشدداً على ما لم يسم فاعله.
* *
قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني به: المنافقين يبرزون من بيوتهم إلى مضاجعهم التي يموتون بها.
وقيل المعنى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ فرض عليكم القتال. وقال الطبري: معناه وليختبر الذي في صدوركم من الشك فيميزكم بما يظهر للمؤمنين من نفاقكم، فيميزكم المؤمنون.
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يكفر عنكم سيئاتكم إن كنتم على يقين من دينكم ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في صدوركم.
آل عمران 3:155
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾ الآية.
هذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزام يوم أحد من أصحاب النبي ﷺ، وأخبرنا تعالى أنهم إنما دعاهم إلى الزلة الشيطان ببعض ما تقدم لهم من أمرهم فانهزموا.
قيل: إنه ذكرهم بذنوب لم يتوبوا منها، فكرهوا أن يلقوا الله - عز وجل - على غير توبة، فانهزموا لئلا يقتلوا قبل التوبة، فغفر الله لهم فرارهم.
وقال السدي: عنى بذلك من دخل المدينة منهزماً خاصة دون أن يصعد الجبل. وقيل:نزلت في رجال لأعيانهم فروا، منهم: عثمان بن عفان وغيره، فروا وأقاموا على فرارهم ثلاثاً، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فقال لهم: لقد ذهبتم في أرض عريضة، فاعلمنا الله عز وجل أنه عفا عنهم
آل عمران 3:156
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. نهى الله المؤمنين أن يكونوا مثل المنافقين ﴿كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: إذا خرجوا إلى سفر في تجارة ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ أي: خرجوا لغزو، فهلكوا في سفرهم أو غزوهم، ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ﴾ في سفرهم ﴿وَمَا قُتِلُواْ﴾ في غزوهم، جعل الله قولهم ذلك حسرة في قلوبهم. وروي أن المنافقين قالوا في من بعثه النبي ﷺ من السرايا إلى بئر معونة، فقتلوا رحمة الله عليهم ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه قالوا ذلك، وأصل الضرب في أرض الإبعاد. وأصل الكلام أن يكون في موضع (إذا): (إذ) لأن في الكلام معنى الشرط، إذ فيه الذين، وإنما وقعت إذا موضع إذ كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل، فتقول إن تزرني زرتك.
أي: أزورك، فكذلك وقعت إذا وهي للمستقبل موضع إذ، ومثله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ﴾ [الحج: ٢٥] وقع [كفروا] موضع يكفرون لأن الذي فيه معنى الجزاء، فجاز فيه ما يجوز في الجزاء، ودل على يكفرون قوله: ﴿وَيَصُدُّونَ﴾. ثم أخبر تعالى [أنه] يحيي من يشاء ويميت من يشاء ليس جلوسهم عندهم بمنجيهم من الموت، ولا مسيرهم لسفر أو غزاة بمقرب لما بعد من آجالهم ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: بعمل هؤلاء المنافقين بصير، فهذا على قراءة من قرأ بالياء، فذكر المنافقين أقرب. ومن قرأ بالتاء رده على أول الكلام في قوله ﴿لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وكان الياء أقوى لأن الذين وضع عليهم الدم أولى بالتهديد من غيرهم، وكلا الأمرين حسن.
آل عمران 3:157
قوله ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أو قتلوا فإنهم يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من قرأ يجمعون بالياء. ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة والرحمة خير مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من الجهاد.
وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير لو علموا وأيقنوا. وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم. ثم أعلمهم أن الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ﴾ وهذا الأمر خطاب للمؤمنين والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، فيجازي كل صنف بعمله.
آل عمران 3:158
قوله ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين خاصة، لأنهم إن ماتوا في سبيل الله أو قتلوا فإنهم يصيرون إلى مغفرة ورحمة، وذلك خير مما يجمع المنافقون هذا على قراءة من قرأ يجمعون بالياء. ومن قرأ بالتاء، رده على المخاطبة، وأن المغفرة والرحمة خير مما تجمعون أيها المؤمنون من حطام الدنيا الذي يمنع من الجهاد.
وقال ابن اسحاق معناها: إن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله خير لو علموا وأيقنوا. وتأويل الكلام: ليغفرن الله لكم وليرحمنكم. ثم أعلمهم أن الرجوع إليه في كل حال من موت، أو قتل فقال: ﴿وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ﴾ وهذا الأمر خطاب للمؤمنين والمشركين أعلمهم أن مصير الجميع إليه، فيجازي كل صنف بعمله.
آل عمران 3:159
قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ الآية.
هذا خطاب للنبي ﷺ، والمعنى: فبرحمة من الله لنت للمؤمنين حتى آمنوا بك فسهلت عليهم الأمر، وبينت لهم الحجج، وحسنت خلقك، وصبرت على الأذى ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لتركوك ﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ﴾ أي: تجاوز عنهم، واصفح فيما نالك منهم، ثم قال: ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أي: ادع ربك لهم بالمغفرة. وقوله ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أَمَر الله تعالى نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه عند الحرب ولقاء العدو، وتطييباً لأنفسهم، وتأليفاً لهم على دينهم.
قال أبو اسحاق: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾ معناه: ليريهم أنه يستعين بهم، ويسمع من آرائهم، فيكون أطيب لأنفسهم وقد كان عنهم غنياً لتوفيق الله عز وجل له بالوحي.
وقيل: إنما أمره بذلك لما فيه من الفضل وليتأسى أمته ﷺ بذلك بعده. روى ابن وهب أن مالكاً قال: ما تشاور قوم قط إلا هُدوا. وسئل النبي ﷺ عن الحزم فقال "تستشيروا الرجل ذا الرأي ثم تمضي إلى ما أمرك به". ويقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد بتوحيد رأي. وقال النبي عليه السلام "المستشار بالخيار ما لم يتكلم، فإذا تكلم فحق عليه أن ينصح
قال الحسن والله ما تشاور [قوم] قط بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: ما رأيت من الناس أحداً أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ. قال ابن شهاب: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: واستشر في أمرك الذين يخشون الله.
وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما شقي عبد بمشورة ولا سعد عبد باستغناء رأي
وقال الشعبي: مكتوب في التوراة من لم يستشر يندم.
أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ "ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار
وقال ابن عباس: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ﴾ أبو بكر وعمر رضي الله عنه.
وقيل: إنما أمر أن يشاورهم فيما لم يكن عنده علم فيه وحي لأنه قد يكون عند بعضهم فيه علم، والناس قد يعرفون من أمور الدنيا ما لا تعرف الأنبياء صلوات الله عليهم.
﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ أي: إذا ثبت الرأي على أمر ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ فيه، وامض فيه، إن الله يحب من يتوكل عليه ويفوض الأمر إليه.
آل عمران 3:160
قوله: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين أن الله تعالى إن نصرهم لم يغلبهم أحد، وإن خذلهم لم ينصرهم أحد، فجميع الأمور إليه ترجع، والهاء في ﴿مِّنْ بَعْدِهِ﴾ تعود على الله عز وجل ذكره. وقيل: تعود على الخذلان لدلالة يخذلهم عليه.
آل عمران 3:161
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية.
من قرأ بضم الياء فهو على معنى ما كان لنبي أن يوجد خائناً كما يقال أحمد الرجل وجدته محموداً، وأحمقته وجدته أحمق.
وروى الضحاك أنهم قالوا: بادروا الغنائم لئلا تؤخذ فقال الله عز وجل: ما كان لنبي أن يوجد خائناً
أي: ما ينبغي ذلك ولا يكون.
وقيل: المعنى: ما ينبغي لنبي أن يغل منه أي: يخان منه. وقد قيل: إن المعنى: أن يخون، وهذا لا يصلح لأنه يلزم أن يكون يغل. وقد قيل: إنه لما اجتمعت ثلاث لامات حذفت الواحدة. ومن قرأ بفتح الياء فمعناه أن يخون: أي: لا ينبغي أن يخون النبي ﷺ أصحابه ولا يكون ذلك.
قال محمد بن كعب معناه: ما كان له أن يكتم شيئاً من كتاب الله عز وجل، وما أمر به. وقيل: إن قوماً من المنافقين اتهموا النبي ﷺ في شيء من المغنم، فأنزل الله جل ذكره ذلك، وعليه أكثر المفسرين.
فالقراءة [على الفتح] بمعنى: لا ينبغي أن يخون هو، وبالضم: ما كان لنبي أن يوجد خائناً، ولا يمكن ذلك مثل أحمدته. أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخون، فيتهم بما لا يليق بالأنبياء صلوات الله عليهم، أو يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخان منه.
وقد قوى قوم قراءة الضم بأن الآية نزلت في قوم غلوا فنفى الله أن يخان النبي ﷺ، وأنه لا ينبغي أن يخان. وقوى آخرون قراءة الفتح بأن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله أخذها، وأكثر في ذلك فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يخون أصحابه.
وقال سعيد بن جبير القراء[ة] ﴿يَغُلَّ﴾ بفتح الياء قال: وأما يُغل فقد كان، والله يغل ويغتل.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه وغيره أنه قال: نزلت الآية في طلائع كان رسول الله ﷺ وجههم في أمر فلم يقسم لهم، فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أنه ليس له أن يقسم لطائفة دون آخرين فيخون في أنفسهم. وقال الضحاك: يغل بالفتح معناه أن يعطي بعضاً، ويترك بعضاً وبالفتح كان يقرأ. وقال ابن اسحاق: نرى ذلك في النفي عن النبي ﷺ أنه لا ينبغي له أن يكتم من الوحي شيئاً فالفتح أولى به على هذا.
﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: من يخن من غنائم المسلمين شيئا يأتي به يوم القيامة.
قال ابن عباس رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: "لا أعرف أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء فينادون: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً فقد بلغتك"ثم قال في الجمل مثل ذلك، وفي الفرس مثل ذلك غير أنه قال: جمل له رغاء، أو فرس له حمحمة.
آل عمران 3:162
قوله: ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ الآية.
معناها أفمن ترك الغلول، فاتبع رضوان الله بذلك كمن غل فرجع بسخط، من الله على غلوله قال معناه الضحاك، وقيل الآية عامة في كل من عمل خيراً، ومن عمل شراً.
آل عمران 3:163
قوله: ﴿هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ﴾ الآية.
قيل المعنى: أن الغال، وغير الغال، والصالح وغير الصالح، أصحاب درجات عند الله، رداً على ما قبله.
والدرجات: الجنة والنار.
وقيل المعنى: ﴿هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾: يعني من اتبع رضوانه خاصة قاله مجاهد والسدي. وقيل: المعنى هم طبقات عند الله أي: أهل الرضوان طبقات. وقيل: المعنى: هم ذوو درجات، يعني المؤمنين، وذلك في الفضل بعضهم أرفع من بعض، كذلك قال القتيبي وغيره. قوله: ﴿وٱللَّهُ بَصِيرٌ﴾ أي: بما يعمل الجميع، فيوفي كلاً بقسطه.
آل عمران 3:164
قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً﴾ الآية.
﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ منهم، والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة، قاله قتادة وغيره، وقيل: معنى ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: بشر مثلهم يظهر البراهين، فيعلم أنه نبي إذ هو بشر مثلهم يأتي بما لا يمكن أن يأتوا بمثله هم، وما كانوا من قبله إلا في ضلال مبين أي: في جهالة وحيرة ظاهرة. فإن بمعنى: ما، واللام في ﴿لَفِي﴾ بمعنى: إلا هذا قول الكوفيين. ومذهب سيبويه أن أن مخففة من الثقيلة، واسمها [مضمر] والتقدير على قوله: وأنهم كانوا من قبل محمد ﷺ لفي ضلال مبين أي: أنهم لفي ضلال مبين كانوا قبل محمد ﷺ، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن على نحو هذا الاختلاف من تقدير أن وتقدير الكلام، فاعرف الأصل فيها إن تركنا ذكرها اكتفاء بما ذكرنا.
آل عمران 3:165
قوله: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ﴾.
المعنى: أحين أصابكم أيها المؤمنون مصيبة، وهي ما قتل يوم أحد - وأنتم قد أصبتم مثليها أي: مثل المصيبة يعني يوم بدر إذ قتل المسلمون للمشركين سبعين، وأسروا سبعين وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد سبعين، فالذين ظفر بهم المسلمون مثلاً، ما ظفر به المشركون، فمن أين قلتم كيف هذا؟ ومن أي وجه هذا؟ أي: من أين أصابنا هذا؟ كل هذا توبيخ للمؤمنين لقولهم: كيف أصابنا هذا القتل يوم أحد "فقيل له: أتقولون هذا، وأنتم قد أصبتم يوم بدر مثلي ما أصابكم يوم أحد" ثم قال تعالى لمحمد ﷺ: كل الذي أصابكم يوم أحد هو من عند أنفسكم. أي: بذنوبكم، ومخالفتكم أمر النبي ﷺ إذ ترك الرماة أمر النبي ﷺ، ومضوا في طلب النهب.
قال قتادة:لما قدم أبو سفيان بالمشركين رأى رسول الله ﷺ رؤيا، رأى بقراً تنحر، فتأولها قتلى في أصحابه، ورأى سيفه ذا الفقار انقسم، فكان قتل عمه حمزة، كان يقال: أسد الله، ورأى أن كبشاً أغبر قتل، فكان قتل صاحب لواء المشركين: عثمان ابن أبي طلحة أصيب يومئذ وكان معه لواء المشركين وهو منهم، فقال النبي ﷺ لأصحابه بعد هذه الرؤية: إنا في جُنَّة حصينة يعني المدينة فدعوهم يدخلون نقاتلهم، فقال أناس من الأنصار: يا نبي الله إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمتنع من العرب في الجاهلية، والإسلام أحق نمتنع فيه فأبرز بنا إلى القوم، فمضى النبي عليه السلام ولبس لامته وندم القوم على ما كسروا به على النبي ﷺ فيما أشاروا به فاعتذروا إليه فقال: "إنه ليس للنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل ستكون فيكم مصيبة، قالوا: يا رسول الله خاصة أو عامة؟ قال سترونها"
فقتادة يذهب إلى [أن] الذنب الذي عدده الله عليهم في قوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ هو ما أشاروا به من رأي أنفسهم على النبي ﷺ في الخروج وكان قد قتل من الأنصار يومئذ ستة وستون، ومن المهاجرين أربعة.
وروى ابن سيرين أن النبي ﷺ قال للمؤمنين في أسارى بدر: اختاروا أن تأخذوا منهم الفداء، وتقووا به على عدوكم، فإن قبلتموه قتل منكم سبعون، أو تقتلوهم، فقالوا: بل نأخذ الفدية منهم، ويقتل منا سبعون، فأخذوا الفدية وقتل منهم يوم أحد سبعون. فيكون المعنى على هذا: قل يا محمد ما أصابكم يوم أحد من القتل فمن عند أنفسكم أي باختياركم أخذ الفدية من السبعين الذين أسرتم ببدر، ورضاكم أن يقتل فيكم بعددهم وتركتم قتلهم
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه:إن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما فعل قومك في أخذه الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا، فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا منهم الفدية على أن يقتل من المؤمنين مثل عدة من أخذت الفدية منه من المشركين، فقال لهم النبي ﷺ ذلك، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا، بل نأخذ منهم الفدية فنتقوى بها على عدونا، ويستشهدوا منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره فأخذوا الفدية وقتل منهم سبعون يوم أحد، فذلك قوله ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: باختياركم، ورضاكم، وفي ذلك نزلت:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ﴾ [الأنفال: ٦٧] [أي]: ليس له إلا القتل حتى يتمكن في الأرض، ثمّ وبخ الله المؤمنين في أخذ الفدية فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ﴾.
آل عمران 3:166
قوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
هذا خطاب للمؤمنين والمعني: الذي أصابكم أيها المؤمنون من القتل والجرح يوم أحد فبإذن [الله] [أي]: بقدره وقضائه وقيل: بعلمه. قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: ليظهر إيمان المؤمنين من نفاق المنافقين في قلة الصبر، وتحقيق معناها: أنه قد دار عليهم ما أصابهم يوم أحد ليميز المؤمن من المنافق.
آل عمران 3:167
قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ﴾ يعني به عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه الذين رجعوا من خلف رسول الله عليه السلام حين خرج إلى أحد فقال لهم المسلمون حين رأوهم راجعين: تعالوا قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثير سوادنا ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ﴾ إنكم تقاتلون لسرنا معكم، ولكن لا نرى أن يكون بينكم وبين القوم قتال فأظهروا من كلامهم ما ليس يعتقدون، وكان عبد الله بن أبي بن سلول انخذل عن النبي ﷺ لما خرج إلى أحد بنحو ثلث الناس، واتبعهم عبد الله بن عمرو ابن حزام وهو يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتالاً فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله، وسيغني الله عنكم، ومضى مع النبي ﷺ.
[وقال السدي: رجع] عبد الله بن أبي "بن سلول" من وراء النبي ﷺ ومعه ثلاثمائة.
﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ أي: يعلم ما يكتمون من النفاق، وأن قولهم خلاف ما يسرون.
آل عمران 3:168
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ﴾ الآية.
أي: وليعلم الله الذين نافقوا، وقالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين ﴿وَقَعَدُواْ﴾ أي: قالوا ذلك وهم قعود عن الحرب مع النبي عليه السلام ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ (أي): لو تأخروا معنا ما قتلوا هناك، قال الله عز وجل لنبيه ﷺ: قل لهم يا محمد: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ "في قولكم إن إخوانكم لو قعدوا عندكم ما قتلوا" أي: ادفعوا عن أنفسكم الموت، وهذا أقرب لأن من قدر أن يدفع الموت عن غيره فهو إلى دفعه عن نفسه أقرب.
قال قتادة: نزلت في عدو الله عبد الله بن أبي بن سلول قال ذلك فيمن قتل مع النبي ﷺ بأحد من قرابته وأهل معرفته.
آل عمران 3:169
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
معناها: ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتاً لا يلتذون، ولا يحسون شيئاً بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه.
وقال ابن عباس رضي الله عنه، قال النبي ﷺ: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش معلقة يجاوب بعضها بعضاً بصوت لم تسمع الخلائق مثله يقولون: ليت إخواننا الذين خلفنا من بعدنا عملوا مثل الذي عملنا، فيسارعوا إلى مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فوعدهم الله عز وجل ليخبرن نبيه ﷺ بذلك، فيخبرهم فأنزل الله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾ الآية
وقيل: إنهم لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغكم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات.
قال النبي ﷺ لجابر بن عبد الله رضي الله عنه وكان قد قتل أبوه عبد الله بأحد: "يا جابر ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله فقال: ما تحب يا عبدالله بن عمر أن أفعل بك؟ فقال: يا رب أحب أن تردني في الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى". ولما أتى جابر بن عبد الله رضي الله عنه النبي ﷺ حزيناً قال له النبي ﷺ: أتحزن على رجل نظر الله إليه كفاحاً؟ ثم عاد فأقعده بين يديه فقال له: سلني ما شئت؟ فقال: أسألك يا رب أن تعيدني إلى الدنيا حتى أقاتل في سبيلك فأقتل، قالها ثلاثاً، فقال له الله إني قضيت على نفسي ألا أرد خليقة قبضتها إلى الدنيا فقال أبو جابر: يا رب، فمن يبلغ قومي ما صنعت بي فقال الله عز وجل: أنا أبلغ قومك، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ الآية.
ودفن عبد الله بن جابر يوم أحد مع عمرو بن الجموح بقبر واحد، فروي أنهما أخرجا بعد خمسين سنة، فإذا هما وطاب لم ينثنوا ولم يتغيروا، ويد عبد الله على جرحه في وجهه إذا نزعت يده على وجهه يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت إلى الجرح، فحبست الدم، ووجد عمرو بن الجموح ويده على رأسه إذا نزعت يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت على الجرح. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة في أيتها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش قال: بينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم؟ فقالوا: يا ربنا ماذا نسألك "ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من [غير] أن يسألوا قالوا: نسألك" أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا حتى نقتل في سبيلك. فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا، تركوا"
وقال قتادة: قال رجل من أصحاب النبي ﷺ: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ الآية.
قال الضحاك: [كان] المسلمون يسألون الله عز وجل يوماً كيوم بدر، فيبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وهم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ الآيات.
قيل معناه: ﴿أَمْوَاتاً﴾ أي: في دينهم بل هم أحياء كما قال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وروي: أن عبد الله بن عمرو أبا جابر رضي الله عنه قال لابنه جابر يوم أحد: يا بني كن مع أخواتك، - وكن تسعاً - فلا ندري ما يكون، فإن رزقت الشهادة كنت أنت معهن وإن سلمت رجوت أن يثيبك الله عز وجل ثواب من حضر، واستشهد رحمه الله بأحد، قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: يفرحون بهم وبكونهم على الجهاد في ذات الله عز وجل، وأنهم إن قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال هؤلاء.
وقال ابن اسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ أي: يفرحون بهم إذا لحقوهم على ما تركوهم عليه من جهاد عدوهم فهم شهداء مثلهم لا خوف عليهم ولا حزن.
وروي أنهم يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلاناً وفلاناً يقاتلون العدو، فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن ما لنا.
آل عمران 3:170
قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
معناها: ولا تظنن أن من قتل بأحد من أصحابكم أمواتاً لا يلتذون، ولا يحسون شيئاً بل هم أحياء بما آتاهم الله من فضله مستبشرين بثوابه وعطائه.
وقال ابن عباس رضي الله عنه، قال النبي ﷺ: "لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش معلقة يجاوب بعضها بعضاً بصوت لم تسمع الخلائق مثله يقولون: ليت إخواننا الذين خلفنا من بعدنا عملوا مثل الذي عملنا، فيسارعوا إلى مثل الذي سارعنا فيه، فإنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا، فوعدهم الله عز وجل ليخبرن نبيه ﷺ بذلك، فيخبرهم فأنزل الله ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ﴾ الآية
وقيل: إنهم لما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم وحسن مقيلهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب قال الله تعالى: أنا أبلغكم عنكم، فأنزل الله هؤلاء الآيات.
قال النبي ﷺ لجابر بن عبد الله رضي الله عنه وكان قد قتل أبوه عبد الله بأحد: "يا جابر ألا أبشرك أن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله فقال: ما تحب يا عبدالله بن عمر أن أفعل بك؟ فقال: يا رب أحب أن تردني في الدنيا، فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى". ولما أتى جابر بن عبد الله رضي الله عنه النبي ﷺ حزيناً قال له النبي ﷺ: أتحزن على رجل نظر الله إليه كفاحاً؟ ثم عاد فأقعده بين يديه فقال له: سلني ما شئت؟ فقال: أسألك يا رب أن تعيدني إلى الدنيا حتى أقاتل في سبيلك فأقتل، قالها ثلاثاً، فقال له الله إني قضيت على نفسي ألا أرد خليقة قبضتها إلى الدنيا فقال أبو جابر: يا رب، فمن يبلغ قومي ما صنعت بي فقال الله عز وجل: أنا أبلغ قومك، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ الآية.
ودفن عبد الله بن جابر يوم أحد مع عمرو بن الجموح بقبر واحد، فروي أنهما أخرجا بعد خمسين سنة، فإذا هما وطاب لم ينثنوا ولم يتغيروا، ويد عبد الله على جرحه في وجهه إذا نزعت يده على وجهه يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت إلى الجرح، فحبست الدم، ووجد عمرو بن الجموح ويده على رأسه إذا نزعت يشخب الجرح دماً، وإذا تركت رجعت على الجرح. قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أرواحهم في طير خضر تسرح في الجنة في أيتها شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش قال: بينما هم كذلك اطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: سلوني ما شئتم؟ فقالوا: يا ربنا ماذا نسألك "ونحن في الجنة نسرح في أيها شئنا، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من [غير] أن يسألوا قالوا: نسألك" أن ترد أرواحنا إلى أجسادنا في الدنيا حتى نقتل في سبيلك. فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا، تركوا"
وقال قتادة: قال رجل من أصحاب النبي ﷺ: يا ليتنا نعلم ما فعل إخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ الآية.
قال الضحاك: [كان] المسلمون يسألون الله عز وجل يوماً كيوم بدر، فيبلون فيه خيراً، ويرزقون فيه الشهادة، فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وهم الذين ذكرهم الله عز وجل في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ﴾ الآيات.
قيل معناه: ﴿أَمْوَاتاً﴾ أي: في دينهم بل هم أحياء كما قال: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢].
وروي: أن عبد الله بن عمرو أبا جابر رضي الله عنه قال لابنه جابر يوم أحد: يا بني كن مع أخواتك، - وكن تسعاً - فلا ندري ما يكون، فإن رزقت الشهادة كنت أنت معهن وإن سلمت رجوت أن يثيبك الله عز وجل ثواب من حضر، واستشهد رحمه الله بأحد، قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: يفرحون بهم وبكونهم على الجهاد في ذات الله عز وجل، وأنهم إن قتلوا نالوا من الكرامة مثلما نال هؤلاء.
وقال ابن اسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ أي: يفرحون بهم إذا لحقوهم على ما تركوهم عليه من جهاد عدوهم فهم شهداء مثلهم لا خوف عليهم ولا حزن.
وروي أنهم يقول بعضهم لبعض: تركنا إخواننا فلاناً وفلاناً يقاتلون العدو، فيقتلون إن شاء الله، فيصيبون من الرزق والكرامة والأمن ما لنا.
آل عمران 3:171
قوله: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية أي: يفرحون لما عاينوه من وفاء الوعد، وعظيم [الثواب] ويستبشرون بأن الله تعالى لا يضيع أجر المؤمنين: أي لا يبطل جزاء أعمالهم.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "أرواحهم كطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت تأوي إلى قناديل تحت العرش، اطلع عليهم ربهم اطلاعة فقال: سلوني. فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، ثم اطلع عليهم ثانية فقالوا مثل ذلك ثم اطلع عليهم ثالثة فقال: سلوني: فقالوا: يا رب نحن نسرح في الجنة حيث شئنا، فلما رأوا أن لا بد لهم من الجواب قالوا: يا ربنا رد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل ثانية".
آل عمران 3:172
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ الآية.
المعنى: وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله من بعد ما أصابه الجرح والألم، وعنى بهذا من خرج مع رسول الله ﷺ في طلب أبي سفيان، وأصحابه بعد انصرافه من أحد وبعدما نال من المسلمين من القتل والجرح. وذلك أن رسول الله ﷺ لما رجع من أحد، وقد قتل من أصحابه سبعون، وجرح خلق كثير، أمر بلالاً أن ينادي في الناس لينفروا في طلب عدوهم، فنفروا معه على ما بهم من ألم الجراح، والحزن على من قتل منهم، وكان أخوان من بني عبد الأشهل مثخنين بالجراح، فقال أحدهما للآخر: تفوتنا غزاة مع رسول الله ﷺ فقال الأخر: والله ما بي حراك! فقال له أخوه: غفر الله لك، توكأ علي، وأتوكأ عليك حتى نبلغ، فخرجا مجروحين.
فأنزل الله عز وجل ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ الآية إذ خرج النبي ﷺ في طلب أبي سفيان وأصحابه حتى بلغ إلى حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة، وأقام بها [ثلاثاً]، ثم رجع إلى المدينة، وفعل ذلك عليه السلام ليرى الناس أن به وبأصحابه قوة على عدوهم. وكان يوم أحد في قول عكرمة يوم السبت للنصف من شوال.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: كانت أحد في شوال لإحدى وثلاثين شهراً من الهجرة.
فلما كان يوم الأحد أذن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو فقال: لا يخرجن معنا إلا من حضر بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فقال يا رسول الله: إن أبي كان خلفني على أخواتي لي تسع وقال لي: يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أترك بالجهاد مع رسول الله ﷺ فتخلف على أخواتك، فتخلفت [معهن] فأذن له رسول الله ﷺ فخرج في طلب المشركين، وفعل النبي ﷺ ذلك ليرهب المشركين، ويبلغهم أنه لم يضعف وأنه خرج في طلبهم، وأن الذي أصاب أصحابه لم يُوهِنُهُم فالذين خرجوا هم الذين عُنوا في هذه الآية.
قال السدي: قال أبو سفيان لأصحابه حين انصرفوا [من أحد]: بئس ما صنعتم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشديد تركتموهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا، فأخبر الله عز ذكره رسوله ﷺ بذلك، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد رأس ثمانية أميال عن المدينة، فالذين خرجوا معه هم الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم الجراح بأحد.
* *
ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَٱتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ معناه: للذين أحسنوا، فداموا على الطاعة، وأداء الفرائض، واتقوا المحارم حتى لحقوا بالله عز وجل ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
آل عمران 3:173
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ الآية.
المعنى: للذين أحسنوا أجر عظيم القائلين لهم الناس.
وقيل المعنى: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس.
فالناس الأول قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا النبي ﷺ وأصحابه، إذ خرجوا في طلبه لما دخله من فزع، [والناس] الثاني أبو سفيان وأصحابه.
﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ أي: قد أعدوا للقائكم فاحضروهم ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ أي: زاد التخويف تطريقاً لله عز وجل، ولوعده سبحانه، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله ﷺ حتى صاروا إلى موضع ردهم منه رسول الله ﷺ، وقالوا عند التخويف لصحة صدقهم: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ أي: كافينا الله، ونعم القيم الحافظ والناصر الله. يقال: حسبه إذا كفاه.
وقيل: إن الناس الأول: نعيم بن مسعود، بعثه أبو سفيان، وأصحابه [أن يثبط النبي عليه السلام وأصحابه، ويخوفهم من المشركين ووعده بعشرة من الإبل إن هو ثبط النبي ﷺ وخوفهم. والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه].
﴿فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ أي: فرجعوا سالمين مما خوفوا به، وهرب منهم عدوهم وأمِنُوا.
وقيل: إنهم اشتروا أدَماً وزبيباً، فربحوا فيه، وأقاموا ثلاثاً بحمراء الأسد "وهي على ثمانية أميال من المدينة".
وقال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه عن أحد ندموا إذ لم يستأصلوا أصحاب النبي ﷺ ويقتلوهم، وأداروا الرأي في الرجوع، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا فلقوا أعرابياً، وجعلوا له جعلاً، وقالوا له: إذا لقيت محمداً وأصحابه، فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ بذلك، فخرج في طلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا أعرابياً هنالك فأخبرهم ما قال له أبو سفيان من الكذب والتخويف، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾، أي: كافينا الله ونعم الكافي.
قال ابن عباس رضي الله عنه: كان آخر قول إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار: [حسبي الله ونعم الوكيل] "فالناس الأول هو الأعرابي، والثاني أبو سفيان وأصحابه".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وافى [أبو سـ]فيان عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم، فسألهم أبو سفيان ووعدهم، وقال لهم: إن لقيتم محمداً وأصحابه، فأخبروهم أني جمعت لهم جموعاً كثيرة خوفاً منه أن يتبعه النبي ﷺ، ففعلت العير ذلك، فأنزل الله عز وجل الآية.
فالناس الأول [أهل] العير، والثاني أبو سفيان وأصحابه.
وقال مجاهد: كان النبي ﷺ قد واعد أبا سفيان، وأصحابه من عام قابل من عام أحد: اللقاء بدر الصغرى، قال أبو سفيان: موعدكم ببدر حيث قتلتم أصحابنا.
فانطلق رسول الله ﷺ بموعده حتى أتوا بدراً الصغرى فوافقوا السوق فيها، ولم يأت المشركون فابتاعوا مما كان في السوق فذلك قوله: ﴿فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ يعني الأجر ﴿وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ [سُوۤءٌ]﴾ وهي غزوة بدر الصغرى.
قال مجاهد: فالفضل ما أصابوا في التجارة.
آل عمران 3:174
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ الآية.
المعنى: للذين أحسنوا أجر عظيم القائلين لهم الناس.
وقيل المعنى: وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين الذين قال لهم الناس.
فالناس الأول قوم سألهم أبو سفيان أن يثبطوا النبي ﷺ وأصحابه، إذ خرجوا في طلبه لما دخله من فزع، [والناس] الثاني أبو سفيان وأصحابه.
﴿قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ أي: قد أعدوا للقائكم فاحضروهم ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾ أي: زاد التخويف تطريقاً لله عز وجل، ولوعده سبحانه، ولم يثنهم ذلك عن وجههم الذي خرجوا فيه مع رسول الله ﷺ حتى صاروا إلى موضع ردهم منه رسول الله ﷺ، وقالوا عند التخويف لصحة صدقهم: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ أي: كافينا الله، ونعم القيم الحافظ والناصر الله. يقال: حسبه إذا كفاه.
وقيل: إن الناس الأول: نعيم بن مسعود، بعثه أبو سفيان، وأصحابه [أن يثبط النبي عليه السلام وأصحابه، ويخوفهم من المشركين ووعده بعشرة من الإبل إن هو ثبط النبي ﷺ وخوفهم. والناس الثاني أبو سفيان وأصحابه].
﴿فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ أي: فرجعوا سالمين مما خوفوا به، وهرب منهم عدوهم وأمِنُوا.
وقيل: إنهم اشتروا أدَماً وزبيباً، فربحوا فيه، وأقاموا ثلاثاً بحمراء الأسد "وهي على ثمانية أميال من المدينة".
وقال السدي: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه عن أحد ندموا إذ لم يستأصلوا أصحاب النبي ﷺ ويقتلوهم، وأداروا الرأي في الرجوع، فقذف الله عز وجل في قلوبهم الرعب، فهزموا فلقوا أعرابياً، وجعلوا له جعلاً، وقالوا له: إذا لقيت محمداً وأصحابه، فأخبرهم أنا قد جمعنا لهم، فأخبر الله عز وجل نبيه ﷺ بذلك، فخرج في طلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلقوا أعرابياً هنالك فأخبرهم ما قال له أبو سفيان من الكذب والتخويف، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾، أي: كافينا الله ونعم الكافي.
قال ابن عباس رضي الله عنه: كان آخر قول إبراهيم ﷺ حين ألقي في النار: [حسبي الله ونعم الوكيل] "فالناس الأول هو الأعرابي، والثاني أبو سفيان وأصحابه".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: وافى [أبو سـ]فيان عيراً واردة المدينة ببضاعة لهم، فسألهم أبو سفيان ووعدهم، وقال لهم: إن لقيتم محمداً وأصحابه، فأخبروهم أني جمعت لهم جموعاً كثيرة خوفاً منه أن يتبعه النبي ﷺ، ففعلت العير ذلك، فأنزل الله عز وجل الآية.
فالناس الأول [أهل] العير، والثاني أبو سفيان وأصحابه.
وقال مجاهد: كان النبي ﷺ قد واعد أبا سفيان، وأصحابه من عام قابل من عام أحد: اللقاء بدر الصغرى، قال أبو سفيان: موعدكم ببدر حيث قتلتم أصحابنا.
فانطلق رسول الله ﷺ بموعده حتى أتوا بدراً الصغرى فوافقوا السوق فيها، ولم يأت المشركون فابتاعوا مما كان في السوق فذلك قوله: ﴿فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ يعني الأجر ﴿وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ [سُوۤءٌ]﴾ وهي غزوة بدر الصغرى.
قال مجاهد: فالفضل ما أصابوا في التجارة.
آل عمران 3:175
قوله: ﴿إِنَّمَا ذٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ الآية.
[يقال] خوفت الرجل إذا صيرته خائفاً، وخوفته أيضاً إذا صيرته بحال يخافه الناس. فالمعنى: يخوفوكموهم ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾. وقيل المعنى: إنما خوفتم به من عند الشيطان يخوفكم بأوليائه، وأولياؤه أبو سفيان وأصحابه.
والمفعول الأول محذوف، والياء محذوفة كما قال:
؎ أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ∗∗∗ فقد تركتك ذا مال وذا نشب
وقيل: أولياؤه هنا الشيطان.
وقيل المعنى: يخوفكم من أوليائه الكفار، أو الشياطين. ومثله في القرآن
﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾ [الكهف: ٢] أي: لينذركم [ببأس] ومن بأس ثم حذف المفعول الأول وحذف حرف الجر.
وقال أبو إسحاق: أولياؤه: الرهط الذين أتوا بالرسالة والتخويف من عند أبي سفيان. وقال السدي: إنما ذلكم أيها المؤمنون الشيطان يعظمكم أولياءه في أنفسكم فتخافوهم ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين حقاً.
آل عمران 3:176
قوله ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ﴾ الآية.
المعنى: ولا يحزنك يا محمد كفر الذين يسارعون في الكفر وهذا خطاب للنبي ﷺ ولأصحابه ﴿إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً﴾ كما أن مسارعتهم إلى الإيمان لو سارعوا لم تكن نافعة لله تعالى، قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وهذه الآية نزلت في قوم أسلموا ثم ارتدوا، فاغتم النبي ﷺ وأصحابه لذلك فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ﴾ الآية.
قوله ﴿أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ﴾ أي: يريد أن يحبط أعمالهم بالكفر.
آل عمران 3:177
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً﴾. هذا أيضاً في المنافقين الذين تقدم ذكرهم لما استبدلوا الكفر بعد الإيمان صاروا بمنزلة من باع شيئاً بشيء، ثم كرر نفي الضرر عن نفسه تعالى [بكفرهم للتأكيد] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
آل عمران 3:178
قوله ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
من قرأ بالياء الذين هم الفاعلون و ﴿أَنَّمَا﴾ في موضع المفعولين وما مع نملي مصدر ويجوز أن تكون "ما" بمعنى الذي، والهاء محذوفة من ﴿نُمْلِي﴾، والمعنى: ولا يحسبن يا محمد الكافرون الإملاء خيراً لهم، فلما دخلت إن قامت مقام المفعولين فارتفع خير على خبر أن.
ومن قرأ بالتاء، فقد زعم أبو حاتم أنه لحن، وتابعه على ذلك غيره "لأن الذين كفروا" يكونون في موضع نصب، والمخاطب هو الفاعل وهو محمد ﷺ فلا معنى لفتح "أن" على هذا. وقال الزجاج: "إن" بدل من ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهي تسد مسد المفعولين كأنه قال: ولا تحسبن يا محمد أن إملاءنا للذين كفروا [خير لهم. والكسائي الفراء يقدران الكلام على حد كأنه: ولا تحسبن الذين كفروا] لا تحسبن أن ما نملي لهم، وحذف المفعول الثاني من هذه الأفعال لا يجوز عند أحد فهو غلط منهما.
وقد قرأ يحيى بن وئاب بكسر إن والياء كأنه ليبطل عمل حسب مع أن كما أبطلها مع اللام وهو قبيح.
وتأويل قول النحاس فيها يدل على أن يحيى قرأه بالتاء وكسر إن وذلك قبيح أيضاً أبعد مما قبله.
قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر "إن" يحتج به لأهل القدر لأنه كان منهم، ويجعلهم على التقديم والتأخير، كأنه قال: ولا تحسبن الذين [كفروا] أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، إنما نملي خيراً لأنفسهم. قال: ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفاً فصار: إن ما نملي لهم ليزدادوا إيماناً، فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن، فحكه. ومعنى: نملي لهم نؤخر لهم في الأجل.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: الموت خير للكافر، ثم تلا ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً﴾، وقال الموت خير للمؤمن ثم تلا: ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨].
وقيل: إن الآية مخصوصة أريد بها قوم بأعيانهم علم الله تعالى منهم أنهم لا يسلمون أبداً، وليست في كل كافر إذ قد يكون الإملاء له مما يدخله في الإيمان، فيكون أحسن له وهو الصحيح في المعاني.
آل عمران 3:179
قوله ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
معناها: إن الله تعالى ذكره أخبرهم أنه لم يكن ليدع المؤمن ملتبساً بالمنافق وما يعرف بعضهم بعضاً ولكن ميزهم يوم أحد فعرف نفاق من رجع، وإيمان من ثبت فالخبيث المنافق والطيب المؤمن. وقيل المعنى: يميز المؤمن [من] الكافر. وقيل: يميزهم بالهجرة فيعلم المؤمن من الكافر.
قال السدي: قالوا إن كان محمد صادقاً، فليخبرنا بمن يؤمن [منا] ممَن يكفر به.
وقيل المعنى: حتى يميزهم بالفرائض [ولا] يدعهم على الإقرار فقط.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ﴾ أي: وما كان الله ليطلع المؤمنين على الغيب فيما يريد أن يبتليكم به فتحذروا منه ﴿وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ فيطلعه على ذلك. وقيل: المعنى ما كان الله أيها المؤمنون ليطلعكم على ضمائر عباده، فتعرفوا المؤمن من المنافق، ولكنه يميز بينكم بالمحن والابتلاء ﴿وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ﴾ فيطلعه على بعض ضمائر من يشاء بوحي.
ومعنى يجتبي: يستخلص ويختار. وقيل المعنى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ من يصير كافراً بعد إيمانه، ومن يثبت على إيمانه، ولكن الله يطلع على ذلك من رسله من يشاء. وقيل: إنهم قالوا ما بالنا نحن لا نكون أنبياء؟ أي: المنافقين، فأنزل الله ذلك.
آل عمران 3:180
قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية.
من قرأ بالياء فالذين فاعلون، والمفعول الأول محذوف دل عليه يبخلون و "خبراً" مفعول ثان، والتقدير ولا يحسبن الباخلون [البخل] هو خير لهم، وهو فاصلة عند البصريين، وعماد عند الكوفيين، ودل يبخلون على البخل، لأنه منه أخذ.
ومن قرأ بالتاء ففي الكلام حذف مضاف دل عليه ما يتصل بالمضاف إليه، تقديره ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، فخيراً مفعول ثان، وبخل مفعول أول، ومعنى الآية: ولا يحسبن الباخلون ولا ينفقون في سبيل الله: البخل خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة.
[ومن قرأ بالتاء فهو خطاب للنبي ﷺ والمعنى: ولا تحسبن يا محمد بخل الباخلين عن الإنفاق في سبيل الله خيراً لهم بل هو شر لهم في الآخرة].
وقيل: عنى بذلك الزكاة وهو إخبار عمن لم يؤد الزكاة. وقيل: إخبار عن اليهود الذين بخلوا أن يبينوا للناس ما نزل عليهم من التوراة من أمر النبي ﷺ قاله ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما.
﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: سيجعل ما بخل به المانعون الزكاة طوقاً من نار في أعناقهم يوم القيامة أي: كهيأة الطير، قال رسول الله ﷺ: "ما من ذي رحم يأتي [ذا] رحمه فيسأله من فضل ما أعطاه الله إياه، فيبخل عليه إلا أُخرج [له] يوم القيامة شجاع من النار يتلبط حتى يطوقه" وقرأ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآية. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد لا يؤدي زكاة ماله إلا مُثّل له شجاع أقرع يطوقه" ثم قرأ ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية. قال الشعبي: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ قال: شجاع يلتوي على عنقه.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مُثِّل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول له: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾
وقيل: يجعل الذي بخلوا به طوقاً من نار في أعناقهم.
وقال أبو وائل: هو الرجل يرزقه الله مالاً فيمنع منه قرابته الحق الذي جعل الله لهم في ماله، فيُجعل حية يطوقها، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أنا مالك.
وقال مجاهد: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ سيكلفون أن يأتوا يوم القيامة بمثل الذي بخلوا به. وقيل: المعنى سيطوقون جزاء ما بخلوا به وعقاب ما بخلوا به.
والتطوق: إلزام الله تعالى لهم ذلك، ومنعهم من التخلص منه. وقيل: المعنى سيكلفون يوم القيامة إحضار الأموال التي بخلوا بها، وهم لذلك غير مستطيعين، قاله ابن مجاهد وغيره. وقيل: المعنى: سيطوق اليهود ثم الذين بخلوا [به]، هو صفة محمد ﷺ، والنبوة فيه كتموا ذلك، وهو عندهم في كتابهم.
قوله ﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أعلم الله الخلق في هذه الآية أنهم سيفنون كلهم، فصار ما بقي بعدهم بمنزلة الميراث الذي يبقى بعد الميت فسماه ميراثاً على ذلك، وإلا فكل شيء له، أولاً وآخراً، ولكن سماه هنا ميراثاً إعلاماً منه أنهم سيفنون، وأن الأمور كلها ترجع إليه، والعرب تسمي كل ما بقي في يد الإنسان، فصار إلى غيره بعد موته: ميراثاً، فخوطبوا على ما يعقلون ولذلك قال (وهو خير الوارثين).
آل عمران 3:181
قوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في بعض اليهود، قالوا لأبي بكر وقد عرض عليهم الإيمان وقال لهم: قد علمتم أن محمداً ﷺ مكتوب عندكم في التوراة، فآمنوا به؟ فقالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه لفقير إلينا وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض من أموالنا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه رئيس لهم ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب المضروب إلى النبي ﷺ وشكا إليه بأبي بكر فخاطب النبي ﷺ أبا بكر وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، قال: قولاً شديداً، زعم عدو الله كيت كيت، وحكى ما سمع، فجحد اليهودي ذلك وقال: ما قلت من ذلك شيئاً، فأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول أبي بكر وتكذيباً لهم وإنكاراً لكفرهم ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية. وقال لأبي بكر [حين] اشتد غضبه مما سمع، وللمؤمنين: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ الآية
وقال الحسن لما نزلت ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد:١١] الآية قالت اليهود: إن ربكم يستقرض منكم، فنزلت ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ﴾ الآية وروي أن الذي قال ذلك من اليهود حيي بن أخطب، وقيل: فنحاص.
* *
قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ أي: سنكتب قولهم، فنجازيهم عليه ونكتب قتلهم الأنبياء، فالقول كان ممن هو على عهد النبي ﷺ، والقتل كان لآبائهم، وقد مضى مثله في سورة البقرة، وإنما أضيف إليهم لأنهم راضون بما فعل آباؤهم فكأنهم فعلوا ذلك [فأضيف إليهم] لرضاهم به واتباعهم لما كان عليه سلفهم الذين قتلوا الأنبياء مثل زكرياء ويحيى وغيرهم.
* *
قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نقول لمن قال ذلك ورضي بقتل الأنبياء: ذق
عذاب النار المحرقة أي: الملهية ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: ذلك العذاب بذنوبكم المتقدمة وبأن الله عدل لا يظلم عبيده.
آل عمران 3:182
قوله: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في بعض اليهود، قالوا لأبي بكر وقد عرض عليهم الإيمان وقال لهم: قد علمتم أن محمداً ﷺ مكتوب عندكم في التوراة، فآمنوا به؟ فقالوا: ما بنا إلى الله من فقر، وإنه لفقير إلينا وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً ما استقرض من أموالنا، فغضب أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه رئيس لهم ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب المضروب إلى النبي ﷺ وشكا إليه بأبي بكر فخاطب النبي ﷺ أبا بكر وقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: يا رسول الله، قال: قولاً شديداً، زعم عدو الله كيت كيت، وحكى ما سمع، فجحد اليهودي ذلك وقال: ما قلت من ذلك شيئاً، فأنزل الله عز وجل تصديقاً لقول أبي بكر وتكذيباً لهم وإنكاراً لكفرهم ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية. وقال لأبي بكر [حين] اشتد غضبه مما سمع، وللمؤمنين: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ الآية
وقال الحسن لما نزلت ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [البقرة: ٢٤٥، الحديد:١١] الآية قالت اليهود: إن ربكم يستقرض منكم، فنزلت ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ﴾ الآية وروي أن الذي قال ذلك من اليهود حيي بن أخطب، وقيل: فنحاص.
* *
قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ أي: سنكتب قولهم، فنجازيهم عليه ونكتب قتلهم الأنبياء، فالقول كان ممن هو على عهد النبي ﷺ، والقتل كان لآبائهم، وقد مضى مثله في سورة البقرة، وإنما أضيف إليهم لأنهم راضون بما فعل آباؤهم فكأنهم فعلوا ذلك [فأضيف إليهم] لرضاهم به واتباعهم لما كان عليه سلفهم الذين قتلوا الأنبياء مثل زكرياء ويحيى وغيرهم.
* *
قوله: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ أي: نقول لمن قال ذلك ورضي بقتل الأنبياء: ذق
عذاب النار المحرقة أي: الملهية ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: ذلك العذاب بذنوبكم المتقدمة وبأن الله عدل لا يظلم عبيده.
آل عمران 3:183
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية.
المعنى: لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء الذين قالوا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾. والمعنى: الذين قالوا: إن الله أوصانا، وتقدم في كتبه إلينا ألا نصدق رسولاً ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ فقال الله لنبيه ﷺ: قل يا محمد ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِٱلْبَيِّنَاتِ وَبِٱلَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: الآيات الظاهرات ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ ٱلنَّارُ﴾ كما قلتم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم الآن ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ بذلك، والمخاطبة لهم في القتال، والمراد آباؤهم وأسلافهم.
روي أن بني إسرائيل كانوا يذبحون لله إذا أرادوا أن يفعلوا شيئاً، ثم يأخذون الثوب، وأطايب اللحم فيضعه على موضع لهم في بيت كبير والسقف في ذلك الموضع مكشوف ثم يقوم النبي - ﷺ - بين ذلك الموضع يناجي ربه، وبنو إسرائيل دارجون حول البيت فلا يزال كذلك حتى تنزل نار فتأخذ ذلك الثوب، واللحم فهو القربان فيخر النبي ﷺ ساجداً ثم يوحى إليه بأمر قومه يفعلوا ما سألوا.
آل عمران 3:184
قوله: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية.
هذه تعزية للنبي ﷺ أنه إن كذبه من أرسل إليه فقد كذب رسل من قبله جاؤوا إلى أممِهِم بالآيات والزبر - وهو جمع زبور وهو الكتاب وكل كتاب زبور بمعنى مزبور أي: مكتوب يقال زبرت: إذا كتبت ﴿وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُنِيرِ﴾ التوراة والإنجيل.
آل عمران 3:185
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾.
المعنى أن الآية: تهديد ووعيد لهؤلاء المفترين.
قوله ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ﴾ أي: نجا ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ أي: نجا وظفر ﴿وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: لذتها وشهوتها إلا متعة متعتكموها، و ﴿ٱلْغُرُورِ﴾: الخداع المضمحل.
وقال ابن سابط: الدنيا كزاد الراعي تزوده الكف من التمر أو شيء من الدقيق.
والغرور مصدر: غره، فإن فتحت العين فهو صفة الشيطان، لأنه يغر ابن آدم حتى يوقعه في المعصية.
روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: [موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها] واقرؤوا إن شئتم ﴿وَما ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ ٱلْغُرُورِ﴾.
آل عمران 3:186
قوله: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية المعنى: لتختبرن بالمصائب في أموالكم، وأنفسكم وهو موت الأقارب والعشائر ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً﴾، الذين أوتوا الكتاب هنا: هم اليهود والمشركون هم النصارى، وأما اليهود فسمعوا منهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وقولهم ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقولهم: ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] في أشباه لهذا، وأما النصارى فقولهم: ﴿ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
وقيل: إنها نزلت في كعب بن الأشرف كان يهجو النبي ﷺ، ويشبب بنساء المسلمين، ذكر ذلك الزهري.
﴿وَإِن تَصْبِرُواْ﴾ على أذاهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله ﴿فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ﴾. وقيل: المعنى أنه أخبرهم بأنه قد فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم، وفرض عليهم الزكاة فذلك ابتداؤه إياهم.
آل عمران 3:187
قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ الآية.
من قرأه بالياء رده على ما قبله من اللفظ وهو قوله: ﴿ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ ورده أيضاً على ما بعده وهو قوله: فنبذوه وراء دبورهم واشتروا فالذي قبله والذي بعده يدل على الخبر عن غائب فكانت الياء أولى به.
ومن قرأ بالتاء أجراه على الحكاية عن الميثاق، وما هو كان المعنى قلنا لهم لتبيننه، واختار الطبري وغيره الياء لقوله ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ ولم يقل فنبذتموه. والمعنى اذكر يا محمد إذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب من اليهود وغيرهم ليبينن أمرك الذي في كتابهم للناس ولا يكتمونه، ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ إن كتموا أمر الله عز وجل وضيعوه، ونقضوا ميثاقه ﴿وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي: عرضاً رخيصاً من عرض الدنيا أي: قبلوا [الرشا] على تركه وكتمانه، ورضوا بالرياسة في الدنيا، [وكتبوا ما كتبوا بأيديهم، وقالوا هذا من عند الله، وحرفوها بثمن قليل أخذوه عليها، وكل ما في الدنيا] قليل ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ به والذي عنى به في هذه الآية: اليهود.
وقيل: عنى بها كل من أوتي علماً بأمر الدين.
قال قتادة: هذا ميثاق أخذه الله عز وجل على أهل العلم فمن علم شيئاً، فليعلمه، وإياكم كتمان العلم فإن كتمانه هلكة.
قال ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنه: إنه كان يقرأ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ويقول: والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ألا يكتموهم شيئاً، فنبذه القوم وراء ظهورهم أي تركوا ما بلغت إليهم الرسل. فالذين أوتوا الكتاب هم الرسل في قوله، والضمير في ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ يعود على الناس.
آل عمران 3:188
قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ الآية.
من قرأ بالتاء جعله خطاباً للنبي ﷺ و ﴿ٱلَّذِينَ﴾ مفعول أول ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ مكرر للتأكيد و ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ المفعول الثاني لحسب الأول، وحسب الثاني مع المصدر للتأكيد، ولطول القصة. وقيل: إنه ليس بتأكيد وأن ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ مفعول حسب الثاني محذوف لعلم السامع كما تقول في الكلام ظننت زيداً ذاهباً وظننت عمراً، يريد ذاهباً، ثم تحذف لدلالة الأول عليه كما قال: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فحذف لدلالة الكلام على المحذوف.
ومن قرأ بالياء فقوله ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ للتأكيد، والهاء والميم مفعول أول: و ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ الثاني كأنه قال: لا يحسبن الكافرون أنفسهم بمنجاة من العذاب.
ومن ضم الباء أراد الجميع، وحسب وأخواتها تتعدى إلى الفاعل نفسه. ولم يقرأ أحد الأول بالتاء والثاني بالياء مكرراً للتأكيد. أجاز أبو إسحاق: لا تظن أخاك إذا أتاك بخبر، فلا تظنه صادقاً تعيد الفاعل للتأكيد. ونزلت الآية في قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في رجال تخلفوا عن رسول الله ﷺ [وفرحوا لمقعدهم خلاف رسول الله، ثم إذا قدم رسول الله - ﷺ] أقبلوا يعتذرون إليه، ويحلفون أنهم لا يتخلفون عنه بعد ذلك، ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾.
وقال مروان لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وقرأ هذه الآية: يا أبا سعيد إنا لنحب أن نحمد بما لم نفعل، ونفرح بما آتينا. فقال أبو سعيد: إن ذلك ليس كذلك، إنما ذلك أن أناساً من المنافقين كانوا يتخلفون عن النبي ﷺ، فإذا رجع على ما يحب حلفوا له ألا يتخلفوا عنه بعد ذلك، وأحبوا أن يحمدوا على هذا، وإن رجع النبي ﷺ على ما يكره، فرحوا بتخلفهم عنه، وقاله زيد بن ثابت، وروى مثله مالك عن نافع. قال نافع: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا واعتذروا.
فقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي ﷺ: لو خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج تخلفوا ورأوا أنهم قد احتالوا حيلة، وفرحوا بفعلهم ذلك.
وقال ابن جبير: نزلت في أحبار اليهود يفرحون بما جاءهم من الدنيا من الرشا على إضلال الناس، ويحبون أن يقول لهم الناس عُلماء، وليسوا بعلماء.
وقال الضحاك: نزلت في قوم من اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على الكفر بمحمد ﷺ وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أهل الصلاة والصيام، فأحبوا أن يحمدوا بذلك وليسوا بأهل له.
وقال السدي: كتموا اسم محمد ﷺ ففرحوا بذلك وقالوا: نحن على دين إبراهيم، ونحن أهل الصلاة والزكاة، وهم ليسوا كذلك، فأحبوا أن يزكوا أنفسهم بما لم يفعلوا.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: هم أهل الكتاب حرفوه، وحكموا بمال سفيه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أيضاً: أنها نزلت في قوم من اليهود سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره ففرحوا بكتمانهم، وطلبوا المحمدة على ما أخبروه به من الكذب فقال ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ وقال قتادة: نزلت في يهود، حين أتوا النبي ﷺ فزعموا أنهم متبعوه وأخفوا الضلالة، ففعلوا ذلك ليحمدهم الله على إيمانهم بمحمد ﷺ، ويحمدهم النبي ﷺ على ذلك فأنزل الله الآية.
آل عمران 3:189
قوله: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
هذا تكذيب للذين قالوا ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ فأعلمهم الله أن له ما في السماوات والأرض، فكيف يكون فقيراً؟ وله كل شيء.
آل عمران 3:190
قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
معنى الآية: أنها تنبيه لخلق أولي العقول على قدرة الله عز وجل، وإحكامه لما خلق من السماوات والأرض، وما دبر فيهما من المعايش واختلاف الليل والنهار، وأن ذلك علامات ظاهرات لأولي العقول، فكيف ينسب إلى من كان بهذه الصفة فقر أو نقص، ثم مدح أولي العقول ووصفهم فقال:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ الآية.
المعنى: قياماً في صلاتهم، وقعوداً في تشهدهم وغيره، وعلى جنوبهم مضطجعين.
وقال ابن جريج: هو ذكر الله تعالى في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن. قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى الآية: من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً، أو مضطجعاً.
وقيل: المعنى: أنهم كانوا يذكرون الله على كل حال.
وفي حكاية ابن عباس رضي الله عنه: إذ بات عند رسول الله ﷺ: فاستوى عليه السلام قاعداً - يريد من نومه - ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ حتى ختم السورة
قوله: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ أي: يقولون ربنا ما خلقت هذا من أجل الباطل أي عبثاً، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: في عظمة الله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك من السوء أن تكون خلقت هذا باطلاً، والتفكر في عظمة الله عز وجل من أعظم العبادة.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وقيل لأم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. وقال كعب: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فليكثر التفكر يكن عالماً.
آل عمران 3:191
قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
معنى الآية: أنها تنبيه لخلق أولي العقول على قدرة الله عز وجل، وإحكامه لما خلق من السماوات والأرض، وما دبر فيهما من المعايش واختلاف الليل والنهار، وأن ذلك علامات ظاهرات لأولي العقول، فكيف ينسب إلى من كان بهذه الصفة فقر أو نقص، ثم مدح أولي العقول ووصفهم فقال:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ الآية.
المعنى: قياماً في صلاتهم، وقعوداً في تشهدهم وغيره، وعلى جنوبهم مضطجعين.
وقال ابن جريج: هو ذكر الله تعالى في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن. قال ابن مسعود رضي الله عنه في معنى الآية: من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً، أو مضطجعاً.
وقيل: المعنى: أنهم كانوا يذكرون الله على كل حال.
وفي حكاية ابن عباس رضي الله عنه: إذ بات عند رسول الله ﷺ: فاستوى عليه السلام قاعداً - يريد من نومه - ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ حتى ختم السورة
قوله: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ أي: يقولون ربنا ما خلقت هذا من أجل الباطل أي عبثاً، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: في عظمة الله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك من السوء أن تكون خلقت هذا باطلاً، والتفكر في عظمة الله عز وجل من أعظم العبادة.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وقيل لأم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر. وقال كعب: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فليكثر التفكر يكن عالماً.
آل عمران 3:192
قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ الآية.
أي: يقولون: ربنا إنك من تدخل النار فقد أبعدته من رحمتك، وهذا الكافر، ولا يخلو مؤمن فيخزى، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: المؤمنون هم العجاجون بالليل والنهار والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم.
وقيل: عنى بذلك كل من يدخل النار من مخلدين وغير مخلدين لأن كل من عذب بالنار فقد أخزي.
والخزي: هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه فقد فضحه. يقال: أخزيته أذللته، وأشد الخزي أشد الذلة وأبلغها.
آل عمران 3:193
قوله: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ الآية:
المعنى: يقولون ربنا إننا سمعنا، والمنادي القرآن.
وقال محمد بن كعب: هو القرآن وليس كلهم لقي نبي الله ﷺ، وكلهم بلغ إليه القرآن.
وقال ابن جريج: المنادي سيدنا محمد ﷺ، فالمعنى سمعنا نداء مناد، المنادي غير مسموع وإنما المسموع نداؤه.
وقال قتادة: سمعوا دعوة الله عز وجل فأجابوها.
قوله ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ﴾ أي: في عددهم، وفي زمرتهم وقيل: المعنى وتوفنا أبراراً مع الأبرار، والأبرار جمع بر وهو فعل ككتف أكتاف، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه وخدمتهم له رضي الله عنهم. وقيل واحدهم بربار على فاعل كصاحب وأصحاب.
آل عمران 3:194
قوله ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ الآية.
أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر. وقيل: إنه خرج منهم على طريق الطلب أن يجعلهم ممن يؤتيه ما وعده من الكرامة. وقيل: إنهم سألوا الله عز وجل أن يؤتيهم ما وعدهم على لسان الرسول ﷺ من النصر على أعدائهم.
﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾ أي: لا تذلنا ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ﴾ أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك.
آل عمران 3:195
قوله: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآية.
المعنى: فأجابهم ربهم ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ﴾ عمل خيراً، روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله عز وجل ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ﴾ أي ذكراً كان أو أنثى.
قال الكوفيون: دخلت ﴿مِّن﴾ في قوله ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ على التفسير لقوله ﴿مِّنْكُمْ﴾ أي: منكم من الذكور والإناث، قال: وليست من هاهنا يجوز حذفها لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا بها وإنما يجوز حذفها إذا كانت تأكيداً للجحد. وقال بعض البصريين: دخلت ﴿مِّن﴾ هاهنا كما دخلت في قولك: قد كان من حديث فلان كذا، قال: وحرف النفي قد تقدم في قوله ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ﴾ قد دخلت للتأكيد، والأحسن أن تكون من للتفسير كما تقدم.
ومعنى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ أن بعضكم في النصر والمذلة والجزاء من بعض أي حكم الجميع الذكر والأنثى سواء ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي لأمحونها عنهم ولأسترنها عليه ﴿ثَوَاباً﴾ مصدر لأنه كما قال ﴿وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي﴾ كان بمعنى لأثيبنهم ثواباً.
آل عمران 3:196
قوله: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. المعنى: لا يغرنك يا محمد تصرف الذين كفروا في البلاد أي: بالتجارات، والأموال بغير عذاب فالخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: كسبهم وربحهم متاع قليل أي متعة يتمتعون بها قليلاً ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ أي الفراش.
آل عمران 3:197
قوله: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. المعنى: لا يغرنك يا محمد تصرف الذين كفروا في البلاد أي: بالتجارات، والأموال بغير عذاب فالخطاب للنبي ﷺ، والمراد به أمته ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: كسبهم وربحهم متاع قليل أي متعة يتمتعون بها قليلاً ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ أي الفراش.
آل عمران 3:198
قوله: ﴿لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ الآية.
لكن الذين اتقوا الله، فعملوا بطاعته لهم جنات أي: بساتين ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾، و ﴿نُزُلاً﴾ منصوب على التفسير. وقيل: هو في موضع إنزال، لأن الكلام يدل على أنزلتموها ﴿وَمَا عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: ما عنده من كرامة والرضوان خير للأبرار.
آل عمران 3:199
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن بِٱللَّهِ﴾ الآية.
﴿خَٰشِعِينَ﴾ نصب على الحال من المضمر في ﴿يُؤْمِنُ﴾ عند البصريين والفراء ومن ﴿مِنْ﴾ عند الكسائي. وقال نصير: هو حال من المضمر في إليكم أو في إليهم، وهذه الآية نزلت في الأربعين رجلاً من أهل نجران منهم: اثنان وثلاثون من بني الحارث من الحبشة، وثمانية من الروم على دين عيسى ﷺ آمنوا بالنبي عليه السلام، وقيل: نزلت في النجاشي.
وروى ابن المسيب عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهأن النبي ﷺ قال: "اخرجوا فصلوا على أخيكم" فقال فصلى بنا فكبر أربع تكبيرات، فقال: هذا النجاشي أصحمة فقال المنافقون انظروا كيف يصلي على علج نصراني لم يره قط، فأنزل الله عز وجل ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية
قال قتادة: قال لهم النبي ﷺ إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم قال فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ﴾ قال: وقالوا فإنه كان يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ﴿وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ الآية
وأصحمة بالعربية: عطية.
وقيل عنى بالآية عبد الله بن سلام ومن آمن معه قاله ابن جريج.
قال مجاهد وغيره: عنى بذلك من آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى، وهو مثل القول الأول، والآية تدل على هذا لأنها عامة اللفظ في أهل الكتاب.
* *
قوله: ﴿لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية.
أي: لا يحرفون أمر محمد ﷺ فيقبلون على تحريفه وإنكاره - الرشا فهم يؤمنون بالله، وما أنزل إليكم وهو القرآن، وما أنزل إليهم وهو التوراة والإنجيل ﴿خَٰشِعِينَ للَّهِ﴾ أي: متذللين خائفين، و ﴿لاَ يَشْتَرُونَ﴾: في موضع الحال أيضاً لأن غير مشترين بآيات الله ثمناً قليلاً ﴿أُوْلٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أي عوض أعمالهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم فهو يحتاج إلى حساب ذلك وإحصائه لئلا يبقى منه شيء.
آل عمران 3:200
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ الآية.
﴿ٱصْبِرُواْ﴾ على دينكم ﴿وَصَابِرُواْ﴾ عدوكم ﴿وَرَابِطُواْ﴾ في سبيل الله.
وقيل: المعنى وصابروا وعدي إياكم على طاعتكم لي، ورابطوا على أعدائكم حتى يرجعوا إلى دينكم، ويتركوا دينهم.
وقيل المعنى: ورابطوا على الصلوات: أي: انتظروها واحدة بعد واحدة، قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: لم يكن في زمن رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، قال: ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.
النساء 4:1
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ﴾ [الآية].
* *
قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً﴾ يدل على أن الخنثى لا بد أن يكون رجلاً أو امرأة، إذ لم يخلق الله عز وجل من ظهر آدم ﷺ إلاّ رجلاً أو امرأة لا ثالث.
ومن قرأ "الأرحام" بالخفض، فهو غير جائز عند البصريين، وقبيح عند الكوفيين، لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض.
وقد قيل: إن الخفض على القسم، وقد قيل: إن المعنى وربّ الأرحام.
وفي واحد الأرحام لغات: رَحِمٌ ورِحِمٌ، ورَحْمٌ [ورِحْمٌ].
والرحم مؤنثة، ومعنى الآية: أن الله تعالى نبّه خلقه على قدرته وأمرهم بتقواه، والنفس هنا: آدم ﷺ.
[وقوله]: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية.
قال مجاهد: خلق حواء عن قصيري آدم وهو نائم، استيقظ فقال "أثا" بالنبطية: امرأة.
قال السدي: أُسكِنَ آدم الجنة فكان يمشي فيها وحيشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، فإذا عند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله تعالى من ضلعه، فسألها: من أنت؟ فقالت: امرأة، قال: ولم خُلقتِ؟ قالت: لتسكن إليّ.
قال ابن إسحاق: ألقى الله عز وجل على آدم السنة فنام فأخذ ضلعاً من أضلاعه من شقّه الأيسر، ولأم مكانه لحماً، فخلق منه حواء ليسكن إليها، فلما انتبه رآها إلى جنبه فقال: لحمي ودمي، وزوجي، فسكن إليها.
وعن ابن عباس أنه قال: إن الله جلّ ذكره خلق آدم ﷺ بيده سبحانه وتعالى في جنات عدن، فرأى آدم ﷺ كل شيء يشبه بعضه بعضاً، ولم يرَ في الجنة شيئاً يشبهه، وأحبّ أن يكون معه من يشبهه ليأنس به، وأحبّ الله عز وجل أن يؤنسه بزوجته ليكون منهما النسل، فأسبته الله عز وجل، والجنة لا نوم فيها، ولا نعاس ولا سبات، فخلق حواء من ضلع من أضلاعه وهي: القصيري فلما ذهب عنه السبات رأى من يأنس به، ويشبهه فسمي إنساناً حيث أنس، فقال لها: ما أنت؟ قالت: أثا، وأثا بالسريانية أنثى، وقيل: معناه امرأة.
قال جماعة من المفسرين: لما خلق الله عز وجل (وتعالى) آدم ﷺ، ألقى عليه النوم، فلما نام خلق حواء من أحد أضلاعه، وهو لا يشعر ولا يألم، فلما انتبه فرآها قال: من هذه؟ قيل: هي زوجك، فعطف عليها، وأحبّها ولو ألِم لخلْقها لم يحنُ عليها، ولم يعطف أبداً، وإنما سمّيت حواء لأنها خلقت من حي.
قال ابن عباس: خلق الرجل من الأرض فجعلت همّته في الأرض، وخلقت المرأة من الرجل فجعلت همّتها في الرجل، فاحبسوا نساءكم.
* *
قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا [رِجَالاً]﴾ أي: نشر من آدم وحواء خلقاً كثيراً.
* *
ومعنى ﴿تَسَآءَلُونَ﴾ أي: اتقوا الله الذي إذا سأل بعضكم بعضاً سأل به وجعله وسيلة، يقول السائل أسألك بالله، أنشدك بالله وشبهه، فكما تعظمونه بألسنتكم، عظّموه بالطاعة فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وقال الضحّاك: ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ أي تعاقدون به، وتعاهدون به.
وقال ابن عباس: ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ فتتعاطفون به.
﴿وَٱلأَرْحَامَ﴾ أي اتقوا الأرحام، هذا على قراءة من قرأ بالنصب. ومن قرأ بالخفض. فمعناه: تساءلون به وبالأرحام (تقولون أسألك بالله وبالرحم).
قال ابن عباس والمعنى: واتقوا الله في الأرحام فصلوها.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ أي: حفيظاً محصياً لأعمالكم ومجازيكم عليها.
قال يعقوب: الوقف ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ على قراءة النصب و "الأرحام" على قراءة الخفض.
النساء 4:2
قوله: ﴿وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
هذه الآية عنى بها أوصياء اليتامى أن يعطوهم ما لهم إذا بلغوا الحلم وأنس منهم الرشد، ولا يقال يتيم إلاّ لمن (لم) يبلغ الحلم. قال النبي ﷺ: "لا يُتم بعد البلوغ"، وسموا يتامى في الآية وإن كان قد بلغوا الحلم على الاسم الأول.
﴿وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ﴾ أي الحرام عليكم من أموالهم بالحلال من أموالكم.
قال الزهري: تعطي لهم مهزولاً وتأخذ سميناً أي: لا تأخذ الجيد من أموالهم وتعطي مكانه الرديء تقول شيئاً بشيء ودرهماً بدرهم وشاة بشاة والذي تأخذ خير من الذي تعطي والاسم واحد.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ معناه: لا تخلطوا أموالهم مع أموالكم فتأكلوا الجميع فنهوا عن أكلها، وأحلّ الله لهم المخالطة بقوله: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وذلك أنهم اشتدّ عليهم عزل أموال اليتامى، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾. وحذّرهم هنا من أكلها عند المُخالطة. (وإلى) بمعنى: مع، وقيل: (إلى) على بابها، والمعنى لا تجمعوا أموالهم إلى أموالكم (إنه كان) أي: إن أكلكم أموال اليتامى إثم كبير.
وقيل معنى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ لا تربح على يتيمك يهوى عندك دابة أو ثوباً أو غير ذلك وهو غير جاهل فتزداد عليه في الثمن.
وكون (إلى) بمعنى مع أولى، وعليه أكثر الناس، وذلك أن (إلى) أصلها أن تكون نهاية أو تكون حداً نحو ﴿إِلَى ٱلَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهذا نهاية لا يدخل [ما] بعدها فيما قبلها ونحو قوله: ﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: ٦] فهذا حد تدخل الكعبان في الغسل ومثله (إلى المرفقين) فإن خرجت إلى عن هذين الأصلين كانت بمعنى حرف آخر، فلما لم يحسن فيها في هذا الموضع النهاية ولا الحد كانت بمعنى مع.
والهاء في (إنه كان) قيل: تعود على الأكل. وقيل: تعود على التبدل.
[وقيل: على المال].
والحوب: الإثم.
وقال نافع: ﴿بِٱلطَّيِّبِ﴾ تمام، [وقال أحمد بن موسى ﴿إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ تمام].
النساء 4:3
قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ..﴾ الآية.
إنما جاز أن تقع (ما) لمن يعقل، لأنها، والفعل: مصدر، وهي تقع للنعوت فكأنه قال: فانكحوا الطيب من النساء أي: الحلال، ﴿فَوَٰحِدَةً﴾ أي: فانكحوا واحدة.
وقرأ الأعرج بالرفع على معنى: فواحدة تقنع يرفع بالابتداء ويضمر الخبر.
وهذا أيضاً خطاب للأولياء في صداق اليتامى، والمعنى: فإن خفتم يا أولياء ألاّ تعدلوا في صداقهن، فتبلغوا صدقات أمثالهن فلا تنكحوهن ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ أي: الطيب يعني الحلال من غيرهن من واحدة إلى أربع ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ أن تجوروا إذا نكحتم أكثر من واحدة، فانكحوا واحدة أو ما ملكت أيمانكم.
قالت عائشة رضي الله عنها: هي اليتيمة تكون في حجر وليّها يعجبه مالها ويريد أن ينكحها بأدنى من سنة صداقها، فنهى أن ينكحوهنّ إلاّ أن يقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا من سواهن من النساء.
وقيل: معناها إنهم نهوا عن نكاح ما فوق الأربع لأن قريشاً كانت تتزوج العشرين من النساء والأكثر، فإذا صار الرجل معدماً رجع إلى مال يتيمه فأنفقه أو تزوّج به فنهوا عن ذلك.
وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال اليتامى ألاّ تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من النساء أربعاً، فإن خفتم أيضاً مع الأربع ألاّ تعدلوا في أموال يتاماكم، فاقتصروا على واحدة أو على ما ملكت أيمانكم قاله عكرمة.
وقيل: إن معناها أنهم كانوا يتحرون في أموال اليتامى ولا يتحرون في العدل بين النساء فلا تنكحوا منهن إلاّ من واحدة إلى أربع، ولا تزيدوا على ذلك.
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ في الأربع فانكحوا واحدة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ قاله ابن جبير والسدي، وقاله ابن عباس والضحاك وغيرهم، وهو اختيار الطبري.
وقال الحسن المعنى: وإن خفتم ألاّ تعدلوا في يتاماكم إذا نكحتموهنّ، فانكحوا ما طاب لكم منهنّ: اثنين أو ثلاثة أو أربعاً ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ فانكحوا واحدة، أو فاقنعوا بما ملكت أيمانكم.
ومعنى: ﴿تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ﴾ أي: في نكاح اليتامى ثم حذف. ومعنى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ عند أبي عبيدة: وإن أيقنتم.
وقال القتبي معناه: وإن علمتم.
ومعنى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾: ما حلّ لكم، وهذه الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية من تزويج ما شاء الرجل من النساء.
﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ أي أقرب ألاّ تجوروا، وتميلوا. يقال: عال إذا جار، يعول عولاً، ويقال: من الحاجة عال يعيل عيلة إذا احتاج، وأعال يعيل إذا كثر عياله.
قال الحسن: العول الميل في النساء، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقال مجاهد: ألا تعولوا: ألاّ تضلوا.
وعن عائشة: ألاّ تجوروا.
وعول الفرائض من هذا لأنها تميل عن وجهها وحقها.
وقال الشافعي: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، ألاّ يكثر من ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾، وخطأه (في) هذا جميع النحويين وأهل اللغة، وإنما كان يجب على قوله: أن تعيلوا.
وأيضاً، فإنه قد أحلّ لنا ملك اليمين، وإن كثروا وهو ممّا يعال.
* *
وقوله: ﴿مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾ معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع دل عليه، ولا تتجاوز العرب في العدل إلى ما بعد الأربع.
النساء 4:4
قوله: ﴿وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية.
﴿نِحْلَةً﴾ مصدر لأن قوله ﴿وَآتُواْ ٱلنِّسَآءَ﴾ بمنزلة انحلوهنّ، فعمل في نحلة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال.
* *
قوله: ﴿هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ حال من الهاء في ﴿فَكُلُوهُ﴾ يقال: قد هناني ومراني، فإذا أفردت قلت: أمراني ومعناه: فكلوه دواءً شافياً. يقال قد هناني الطعام، ومراني إذا صار لي دواء، وعلاجاً شافياً.
ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين أن يعطوا النساء مهورهنّ عطية واجبة.
قال قتادة: ﴿صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ فريضة. وقيل: ديانة.
وقيل: المعنى: "نحلة" من الله عز وجل للنساء دون الرجال إذ جعل على الرجل الصداق، ولم يجعل على المرأة شيئاً فينحي لها ذلك. وقيل: نحلة عن طيب نفس.
وواحد الصدقات: صدقة، والصداق يفتح ويكسر عند يعقوب، وقال المازني: يفتح ولا يكسر.
وقال ابن زيد في معنى الآية: إنها أمر من الله ألاّ تنكح امرأة إلاّ بشيء واجب، والمخاطب بهذا الأزواج، قيل لهم: أعطوا من نكحتم صداقها [ولا] تنكحوا بغير صداق.
وقيل: إن المخاطب بهذا الأولياء لأنهم كانوا لا يعطونهنّ من صداقهن شيئاً يأخذه الولي نفسه، فنهى الله عز وجل عن ذلك. وقيل: بل المخاطب الأولياء أيضاً، لأنهم كانوا يعطي الرجل منهم أخته للآخر على أن يعطيه الآخر أخته، وهذا نكاح الشغار الذي نهى النبي ﷺ عنه، وعنه نهى الله عز وجل في هذه الآية.
* *
قوله: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً﴾ أي: من الصداق إن تركنَ ذلك من غير مضارة منكم لهن: ﴿فَكُلُوهُ﴾ فهو مخاطبة للأزواج، وقيل: هو مخاطبة للأولياء إن وهبن من هنّ في حجورهم شيئاً من الصداق فهو حلال لهم وأن تكون الآية خوطب بها الأزواج أولى وعليه أكثر الناس.
والهاء في ﴿مِّنْهُ﴾ تعود على المال، لأن المعنى: وآتوا النساء هذا المال الذي اسمه: صدقات فرجعت الهاء على المعنى الذي دلّ عليه الكلام.
وقيل: تعود على الإيتاء. وقيل: على الصداق.
وقال نافع: ﴿صَدُقَٰتِهِنَّ﴾، تمام. وهذا يدل على أن نحلة لا يعمل فيه ما قبله وأن المعنى أنحلهن الله عز وجل نحلة، أضمر الفعل. والأحسن في التمام أن تقف على "مريئاً".
النساء 4:5
قوله: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية.
من قرأ: قياماً فهو مصدر، والمعنى الذي تصلح به أموركم فتقومون بها قياماً، وجعله الأخفش جمع قائمة.
ومن قرأ: قيماً فهو عند البصريين جمع قيمة أي: جعلها الله قيمة للأشياء.
وقرأ النخعي ﴿وَٱلَّتِي﴾ بالجمع.
قال الفراء الأكثر في كلام العرب: النساء اللواتي، والأموال التي.
والسفهاء هنا: النساء والصبيان، وهو قول قتادة وابن جبير والحسن والسدي والضحاك. وقيل: هم الصبيان خاصة قاله ابن عباس. وقيل: هم الصغار ولد الرجل خاصة.
وقيل: هم النساء خاصة. وقيل: هم اليتامى الذين لم يبلغوا الرشد وهذا قول حسن والمعنى: لا تسلطوهم على أموالكم التي جعلها الله قيام معاشكم، فيفسدوها ولكن ارزقوهم، واكسوهم، وإن كانوا ممن تلزمكم نفقتهم، وهذا قول من قال: السفهاء ولد الرجل وامرأته.
ومن قال: إن السفهاء المُولى عليهم: فمعناه أنه أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها بأيديهم، وهم الناظرون فيها وأمرهم أن يرزقوهم منها ويكسوهم.
* *
قوله: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي: عدوهم وعداً حسناً من البر والصلة، وقيل: المعنى ادعوا لهم بالصلاح.
وقيل: المعنى علموهم أمر دينهم.
وقال ابن جريج: المعنى: قولوا لهم إن صلحتم ورشدتم سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها.
النساء 4:6
قوله: ﴿وَٱبْتَلُواْ ٱلْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ الآية.
والمعنى اختبروهم في عقولهم وصلاحهم، وتثمير أموالهم وذلك بعد الاحتلام ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ﴾ الرشد ﴿فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. وقد قال أبو حنيفة: لا حجر على بالغ. وعامة الفقهاء على خلافه.
* *
ومعنى ﴿إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ أي الحلم، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد، ومعنى ﴿آنَسْتُمْ﴾ وجدتم وعلمتم وأحسستم منهم الرشد، وأصل آنست في قول القتبي: أبصرت، والرشد هنا العقل والصلاح في الدين.
وقيل: الرشد: الصلاح في الدين والمال، وقال مجاهد: الرشد هنا العقل. ﴿فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ هذا كلام يدل [على] أن الآية في المُولى عليهم من يتامى الصبيان الإناث والذكور، وقال الحسن: رشداً في أموالهم وصلاحاً في دينهم.
قال زيد بن أسلم: وذلك بعد الاحتلام.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾ أي: لا تأكلوا أموال اليتامى بغير ما أباح الله عز وجل.
وقيل: لا تسرفوا في أكلها، والإسراف في كلام العرب تجاوز الحد المباح إلى غيره بنقص أو زيادة، وهي في الزيادة أكثر إسرافاً. يقال سَرِفَ يَسْرَفُ، ويقال مررت بكم فَسَرَفْتُكم أي: فسهوت عنكم وأخطأتكم.
* *
وقوله: ﴿بِدَاراً﴾ أي: مبادرة أن يكبروا، وهو مصدر بادرت. أي: لا تأكلوها مبادرة منكم (بلوغهم وإيناس الرشد منهم فيأكلوها لئلاّ يرشدوا فيأخذوها منكم).
* *
قوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: عن أموال اليتامى بماله.
﴿وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ أي: يستقرض من مال يتيمه، ثم يؤديه إذا أيسر، قاله عمر رضي الله عنه وابن جبير وعبيدة وأبو العالية.
وروي أن ابن عباس والشعبي وغيرهم: أن له أن يأكل منه إذا احتاج قرضاً ويؤديه إذا أيسر مثلما أكل.
وقال السدي: إذا كان الولي فقيراً أكل من يتيمه بأطراف أصابعه، ولا قضاء عليه، وقاله الشعبي، وروي مثله عن ابن عباس بأنه لا قضاء عليه.
وعن عائشة: إنّ الوصي يأكل من مال اليتيم مكان قيامه عليه إذا كان فقيراً (أكل بالمعروف، ولم يذكر قرضاً ولا رداً وقال النخعي إذا كان الولي فقيراً) أخذ من مال يتيمه ما يسدّ به جوعته ويستر عورته، ولم تذكر قضاء.
وقال عطاء: يأكل إذا افتقر ولا قضاء.
وقال ابن زيد: يأكل إذا احتاج لقيامه عليهم وحفظه لأموالهم ولا قضاء عليه.
وقيل: المعنى أكل الولي مع اليتيم هو في التمر وشرب رسل الماشية خاصة دون غيره، ولا قضاء عليه، وقد توقف بعض أهل العلم فيها وقال: لا أدري لعلها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] الآية.
قال أبو حنيفة: لا يأكل معه شيئاً إلاّ أن يسافر من أجله فيأخذ القوت.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال ﴿فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾: يقوت نفسه يعني من مال نفسه حتى لا يحتاج إلى مال يتيمه. وهذا مختار عند العلماء، وحكى معناه الشافعي.
وقال نافع بن أبي نعيم: سألت يحيى بن سعيد وربيعة عن قول الله عز وجل: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ فقال: أنفق عليه بقدر فقره، وإن كان غنياً أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي منه شيء.
ثم أمر الله تعالى الأولياء بالإشهاد على اليتامى إذا رشدوا ودفعوا إليهم أموالهم فقال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيباً﴾ الآية.
أي: كافياً من الشهود الذين يشهدون على القبض، ونصب (حسيباً) على الحال.
النساء 4:7
قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ﴾ الآية.
﴿نَصِيباً﴾ الأخير منصوب على الحال عند الزجاج وفيه معنى التأكيد كأنه قال مفروضاً، وهو نصب على المصدر عند الأخفش والفراء كأنه قال فرضاً لازماً، وما وقبله يدل على أنه فرض ذلك عليهم.
وهذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية، كانوا يورثون الذكر دون الإناث، وكان الكبير من ولد الذكور (يرث) دون الصغير يقولون: لا يرث، إلا من طاعن بالرمح، فنسخ الله عز وجل ذلك، وأعلمنا أنه لكل واحد نصيب مفروض أي واجب مما قل ومما كثر من التركة.
النساء 4:8
قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُوْلُواْ ٱلْقُرْبَىٰ﴾ الآية.
هذه الآية في قول ابن عباس، وابن حبيب، ومجاهد محكمة واجبة، يعطي الورثة للقرابة الذين لا ميراث لهم ما طابت به أنفس الورثة، كأنهم ينحون إلى أنها ندب وليس بفرض.
وقال السدي وابن المسيب والضحاك: هي منسوخة بالمواريث وقد روي مثل ذلك عن ابن عباس أيضاً، قالوا: كان هذا فرضاً قبل نزول المواريث، ثم نزلت المواريث فنسخت ذلك.
وقيل: إنها محكمة عنى بها الميت يقسم وصيته وهو حي، فيوصي بها فهو ندب أيضاً.
* *
قوله: ﴿وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي يعتذر إليهم إن لم يعطوا شيئاً، يقول الولي: ما لي في هذا المال شيء، وهو مال اليتامى، وقيل: القسمة في هذا قسمة الوصية أمر أن يعطى منها من لا يرث من القرابة على الندب لذلك.
النساء 4:9
قوله: ﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً﴾ الآية.
لم يأت ليخش مفعول لذكره بعد ذلك الخوف، وإتيانه بمفعوله فسد ذلك مسد مفعول يخشى (لأن الخوف والخشية سواء، ومثلهما معنى الاتقاء فسد مفعول يخشى) مفعول الخوف ومفعول الاتقاء، كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ [النحل: ١١٠] فسَدَّ خبر إن الثانية مسدَّ خبر الأولى في قوله ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ﴾ [النحل: ١١٠].
وقيل: مفعول يخشى محذوف كأنه قال: وليخشى الله الذين.
والمعنى: وليخف الذين يحضرون وصية الموصي أن يأمروا الموصي أن يفرق ماله على غير ولده، ولكن ليأمروه أن يبقى ماله لولده، كما لو أنه كان هو الموصي يسره أن يحثه من يحضره على توفير ماله لولده لضعفهم وعجزهم قال ذلك ابن عباس.
وقال قتادة: معناه: من حضر ميتاً فلينهه عن الحيف وليأمره بإحسان، وليخش على عيال المتوفى ما كان يخشى على عياله لو حضره الموت، وهو مثل القول الأول ومثل هذه المعنى قال السدي.
وقال الضحاك قولاً قريباً من الأول: قال هذا عند الموت لا يقول أحدكم لرجل عند وصيته: اعتق وتصدق حتى يفرق ماله، ويدع ورثته عالة لعياله كما كان يحب هو أن يفعل به لو حضرته الوفاة وعنده ذرية ضعفاء.
* *
قوله: ﴿وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ أي يأمرون الميت في وصيته بما لا ضرر فيه على ورثته كما يحب هو أن يفعل في ورثته بما يأمر به نفسه.
وقال مجاهد: هذا عند تفريق المال وقسمته، يقول الذين يحضرون: زد فلاناً وأعط فلاناً، فأمرهم الله عز وجل أن يقولوا مثلما كان يحبون أن يقال لولده بعدهم. وكل هذه الأقوال لا تمنع الوصية أن يوصي لقرابته بخمس ماله أو بربعه أو بثلثه كذا ذكر أكثرهم.
وقيل: إنهم لا يأمرونه أن يوصي لأحد البتة إذا كان له أولاد ضعفاء يخاف عليهم الضيعة كما كنتم تصنعون لو حضركم الموت أيها الحاضرون وعندكم أولاد ضعفاء تخافون عليهم الضيعة.
وروي أن أصحاب النبي ﷺ كان من اجتهادهم في الخير والعمل الصالح إذا حضروا مريضاً منهم قالوا له: انظر لنفسك فليس ينفعك ولدك ولا يغنون عنك من الله شيئاً، ويقدم جل ماله ويجحف بولده، وكل هذا قبل الوصية بالثلث، وتحديدها من النبي ﷺ فكره الله سبحانه ذلك وأمرهم أن يأمروا الذي حضرته الوفاة بما يحبون أن يأمرهم به إذا حضرتهم الوفاة ولهم ذرية ضعفاء. وقد قيل: إن هذا أمر للموصي على الأيتام أن يفعل فيهم ما يحب [أن يفعل] بعده في أولاده.
وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الوصية لولاة اليتامى ألا يأكلوا أموالهم كما يحبون لو ماتوا وتركوا أولاداً ضعفاء أن يحتاط على أموال أولادهم كما يحتاطون هم على مال يتاماهم، أي: لتفعلوا بهم ما تحبون أن يفعل بولدكم بعدهم.
النساء 4:10
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾ الآية.
هذا تحذير ووعيد من الله عز وجل لمن يأكل مال يتيمه. قال السدي: إذا قام من أكل مال اليتيم من قبره بعث ولهب النار يخرج من فيه، ومسامعه وأذنيه وأنفه وعينيه يعرفه من رآه بآكل مال اليتيم.
وقال النبي ﷺ فيما روى الخدري عنه من خبر ليلة الإسراء: "نَظَرْتُ فِإِذَا أنَا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَشافِرٌ كَمَشَافِرِ الإِبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأخُذُ بِمَشَافِرِهِم، ثُمَّ يَجْعَلَ في أفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِن أسَافِلِهِم، قُلْتُ: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾
وقال ابن [زيد] عن أبيه: هي لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم، وإنما جاز أن يخبر عنهم بأكل الناس لأنهم لما أكلوا ما يؤديهم إلى النار كانوا بمنزلة من يأكل النار، وإن كان يأكل الطيب في الدنيا.
النساء 4:11
قوله: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ الآية.
ومعنى قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ معناه: لم يزل كذلك، كأن القوم عاينوا حكمة وعلماً، فأعلمهم الله أنه لم يزل كذلك هذا مذهب سيبويه. وقال المبرد: ليس في قوله: (كان) دليل على نفي أنه كان ذلك في الحال وفي الاستقبال.
وفيها قول ثالث وهو: أن كان يخبر بها عن الحال كما قال: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ [مريم: ٢٩]، وقول رابع: أن الإخبار من الله عز وجل في الماضي والمستقبل واحد لأنه عنه معلوم.
* *
ومعنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم فلفظه لفظ الخبر، ومعناه الإلزام كما قال:- ["ذلكم وصاكم به أي فرضه عليكم". وقيل معناه: يعهد إليكم إذا مات منكم ميت وخلف] أولاداً أن يقسم عليهم على كذا وكذا.
* *
وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ وما بعده هو تفسير ما وصاهم به، بين الله للنبي ﷺ وأمته الواجب في مواريث من مات منهم في هذه السورة ونسخ به ما كان عليه أهل الجاهلية من توريث الأولاد المقاتلة دون الصغار وتوريث الذكور دون الإناث.
وقال مجاهد وغيره كانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله تعالى بما أحب وفرض هذه السورة ما قد نص عليه.
وروي أن هذه الآية نزلت لما استشهد سعد بن الربيع يوم أحد، وترك بنتين وامرأة، وأباه الربيع، فأخذ أبوه جميع ما ترك على ما كانوا عليه في الجاهلية، فأتت امرأة سعد النبي ﷺ فشكت ذلك إليه مرتين وهي تبكي، وتذكر فقر بنيها، وأنه لا أحد يرغب فيهما لفقرهما، فنزلت آية المواريث ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ﴾.
قال أبو محمد: وقد كان هذا في علم الله عز وجل أنه سيفرضه علينا، ويجعل لإنزاله علينا سبباً، وكذلك جميع ما أنزله علينا من الفرائض وغيرها، قد تقدم علمه بذلك لا إله إلا هو.
* *
قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ أي فإن كان المتروكات نساء.
* *
وقوله: ﴿فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (فرض الله تعالى لما فوق الاثنين من النساء: الثلثين، وليس للاثنين فرض مسمى، فقال قوم "فوق" هاهنا زائدة والمعنى فإن كان المتروكات نساء اثنتين فلهن ثلثاً ما ترك) كما قال: ﴿فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] فيكون على هذا القول لا فرض لما فوق الاثنتين، والقول فيها إن فرض الاثنتين غير منصوص عليه لكن يعطين بالإجماع بدليل النص (الثلثين).
والدليل: هو أن الله تعالى جعل فرض الاثنين من الأخوات: الثلثين بالنص، والابنتان أمس قرابة، وأقرب من الأختين، فوجب ألا ينقص عن فرض الأختين، وأيضاً فإن الله تعالى جعل [فرض] الأختين للأم كفرض ما فوق ذلك، (فكذلك يجب أن يكون فرض الابنتين كفرض [الأختين] فما فوق).
ودليل آخر وهو أنه جعل فرض الأخت كفرض البنت، فيجب أن يكون فرض البنتين كفرض الأختين، وكذلك أعطى الأخوات الجماعة الثلثين قياساً على فرض البنات المنصوص عليه، وكان المبرد يقول: إن في الآية دليلاً على أن فرض البنتين: الثلثان، وهو أنه قال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ (فأقل العدد ذكر وأنثى، فإذا كان للواحدة الثلث دل ذلك على أن للاثنتين) الثلثين.
وقيل: (إن) الابنة لما وجب لها مع أخيها في مال أبيها الثلث، كانت أحرى أن يجب لها في مال أبيها مع أختها أيضاً الثلث، ويكون لأختها معها مثلما وجب لها وهو الثلث، فوجب للابنتين الثلثان بهذا الاستدلال.
والهاء في ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ تعود على الميت، ولم يجر له ذكر، لكن الكلام يدل عليه، والأولى من هذا كله أن تكون الابنتان أعطيتا الثلثين لفعل النبي ﷺ فقد روي عنه أنه أعطى للابنتين الثلثين.
وقيل: أُعطيتا الثلثين بالإجماع.
والأولاد فيما ذكر الله تعالى هم أولاد الصلب الذكور والإناث وولد الابن خاصة وإن سفلوا الذكور والإناث، وكذلك ولد ابن الابن وابن ابن الابن إذا نسب إلى الميت من قبل آبائه والأعلى يحجب الأسفل إلا أن يكون الأعلى أنثى، فإن لها ما للبنت، والباقي لمن هو أسفل منهما من ولد الابن إذا كان فيهم ذكر، ولهذا تبيين يطول ذكره، وهو مذكور في كتاب الفرائض، وكذلك الابنتان لهم الثلثان والباقي لمن هو أسفل منهما إذا كان فيهم ذكر.
* *
قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ الآية.
مذهب بعض الصحابة وبعض الفقهاء أن الإخوة الذين يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس هم ثلاثة فما فوق ذلك لقوله (إخوة فأتى بلفظ الجمع)، وقال أكثرهم، وكثير من الفقهاء (وإن كانوا أخوة، رجالاً ونساءً) وهو مذهب زيد الاثنان يحجبان الأم كالثلاثة والإخوة في الآية يراد بهم اثنين فما فوقهما، وإنما جاز أن يقع لفظ الجماعة للاثنين لأنهما شبها بالشيء الذي ليس في الإنسان منه غير عضو (واحد) كقولك: الزيدان صغت قلوبهما وخرجت أنفسهما، وفقئت أعينهما، فلما جمع في موضع التثنية كان هو المشهور عن العرب، وأتى به القرآن، شبه الشخصان بالأعضاء التي في كل واحد منهما عضو واحد في موضع التثنية (كما يجمع الأعضاء في موضع التثنية).
والشبه الذي بينهم هو أن الشخصين كل واحد غير صاحبه كذلك الأعضاء كل واحد غير الآخر، فأخرج تثنيتهما بلفظ تثنية العضوين. وقال بعض النحويين: ضمك واحد إلى اثنين كضمك واحداً، إلى واحد. وقال: [الخليل]: الاثنان جماعة، وقولهما فعلنا حقيقة، وقول الواحد فعلنا مجاز، وقد قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُوۤاْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَآءً﴾ ولا اختلاف أن هذا يصلح لاثنين فصاعداً. والاثنان جماعة لأنه ضم واحد إلى واحد وجمع واحد إلى واحد وقد قال تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يريد طرفيه إذ ليس له سوى طرفين، وقد قال النبي ﷺ (صلاة) الاثنين جماعة وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] ثم قال بعقب ذلك ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] فأخبر أولاً عن اثنين ثم أتى بلفظ الجمع آخراً لأن الاثنين جماعة.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥].
أراد به موسى وهارون المتقدم ذكرهما، وقال في قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وإنما أراد به علياً رضي الله عنه والوليد، فجمع (يستوون).
وقالوا في قوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] أنهما كانا لوحين فجمع في موضع التثنية، وقالوا في قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور: ٢٦] أنهما عائشة رضي الله عنها وصفوان ابن المعطل، فجمع، والناس يقولون: شهد الشهود على فلان وإن كان إنما شهد عليه شاهدان. ويقولون: أعط هذا لأولادك وإن كان ليس له إلا ولدان، وأهل الحساب على تسمية الاثنين عدداً والعدد كثير في المعنى.
وإنما نقصت الأم بالإخوة (وزيدت للأب) لأن على الأب مؤنتهم دون الأم.
* *
قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ الآية.
"أو" هنا للإباحة، والكلام فيه تقديم وتأخير، والدين هو المتقدم على الوصية وليست "أو" بمعنى الواو، لأن الواو لو كانت لجاز أن يتوهم أن الحكم لا ينفذ إلا باجتماع الدين والوصية.
* *
قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ المعنى لا يعلمون أيهم أقرب لهم نفعاً في الدنيا والآخرة.
وقال ابن عباس: لا تدرون أيهم أرفع درجة في الجنة، لأن الآباء يشفعون في الأبناء والأبناء يشفعون في الآباء إذا كان [بعضهم] أعلى درجة من بعض رفع الأسفل إلى الأعلى.
فالمعنى على هذا لا تدرون في الدنيا أيهم أقرب لكم نفعاً في الآخرة.
وفرض الزوج والزوجة ظاهر في النص غير خفي، فلذلك لم يذكر.
* *
قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ منصوب على الحال المؤكدة لما قبلها من الفرض، وقيل: هو مصدر لأن معنى قوله ﴿يُوصِيكُمُ﴾ يفرض عليكم. ثم قال: ﴿فَرِيضَةً﴾ فأعمل فيه المعنى الذي دل عليه يوصيكم، وهذا قول حسن.
النساء 4:12
قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَو ٱمْرَأَةٌ﴾ الآية.
"نصب (كلالة) على أنه خبر كان عند الأخفش، وإن شئت على الحال يجعل كان بمعنى وقع" ويورث" صفة رجل، وهذا على أن الكلالة هو الميت، وهو قول البصريين لأنهم يقولون الكلالة الميت الذي لا ولد له، ولا والد وقد روي ذلك عن أبي بكر رضي الله عنه، وكذلك قال علي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وابن عباس وجابر ابن زيد.
قال البصريون: هو كما تقول رجل عقيم: إذا لو يولد له، مشتق من الإكليل كأن الورثة غير الولد، والولد قد أحاطوا به فحازوا المال.
وقرأ الحسن وأبو رجاء (يورِث كلالة) بكسر الراء جعل الكلالة مفعول به.
وقرأ بعض الكوفيين (يورِث كلالة) بكسر الراء وتشديد نصب كلالة على أنه مفعول بها.
والكلالة في هاتين الروايتين: الورثة أو المال.
وقال أبو عبيدة: كلالة أصله مصدر من كلالة النسب إذا أحاط به، والأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة كأنها اسم للمصيبة في تكلل النسب.
وقد قيل: الكلالة الورثة لا ولد فيهم ولا أب وهو قول أهل المدينة وأهل الكوفة، وشاهد هذا القول قراءة الحسن وأبي رجاء المتقدم ذكرهما، ويبعد هذا القول لأجل نصب كلالة لأنه يجب على هذا القول أن ترتفع على معنى يورث منه كلالة.
وقال عطاء: الكلالة المال الذي لا يرثه ولد ولا والد، وهو قول شاذ، فيكون نصبها على أنه صفة لمصدر محذوف والتقدير: يورث وارثه كلالة.
وقال ابن زيد: الكلالة الحي والميت الذي لا ولد له ولا والد.
والكلالة مشتق من الإكليل المنعطف على جبين الملك، ومن الروضة المكللة وهي التي قد حف بها النَوْرُ، وشبه ذلك بالقمر إذا حل بالإكليل وهو منزلة من منازل القمر ذات نجوم، يقال يتكلله النسب إذا أحاط به، وإنما سمي الميت الذي لا ولد له، ولا والد كلالة لأن كل واحد من الولد والوالد إذا انفرد يحيط بالميراث كله.
* *
قوله: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ نصب غير على الحال أي: يوصي بها غير مضار.
وقرأ الحسن غير مضار وصيةٍ، بالإضافة ولحن في ذلك لأن اسم الفاعل لا يضاف إلى المصدر، ووجهه غير مضار بوصية أي: غير مضار بها ورثته في ميراثهم لا يقدر بما ليس (عليه) ولا يوصي بأكثر من الثلث.
و "وصية" نصب على المصدر.
وأكثر العلماء على أن الكلالة في أول هذه السورة يراد بها الإخوة [من الأم والكلالة في آخر السورة يراد بها الاخوة] من الأب والأم.
* *
قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ إنما وحد في أوله وقد تقدم ذكر رجل وامرأة، لأن الاسمين إذا تقدما وعطف أحدهما على الآخر بأو، جاز أن تضيف الخبر إليهما أو لأحدهما، إن شئت أن تقول: من كان عنده غلام أو جارية، فيحسن إليه، وإن شئت: إليها وإن شئت: إليهما.
النساء 4:13
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ﴾. الآية.
المعنى: تلك فرائض الله. وقيل سنة الله وأمره. وقيل شروط الله، والإشارة بتلك إلى ما تقدم من الأحكام في الفرض، والتقدير تلك القسمة حدود الله لكم يبين الحق والباطل تنتهون إليها، فمن يطع الله ورسوله في تنفيذها وغير ذلك يدخله الجنة، ومن يعصيه ويتعد حدوده في ترك تنفيذها يدخله النار، ويخلده فيها إذا مات مصراً على ذلك، والهاء في "حدوده" تعود على الرسول لأنه المبلغ لحدود الله.
النساء 4:14
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ﴾. الآية.
المعنى: تلك فرائض الله. وقيل سنة الله وأمره. وقيل شروط الله، والإشارة بتلك إلى ما تقدم من الأحكام في الفرض، والتقدير تلك القسمة حدود الله لكم يبين الحق والباطل تنتهون إليها، فمن يطع الله ورسوله في تنفيذها وغير ذلك يدخله الجنة، ومن يعصيه ويتعد حدوده في ترك تنفيذها يدخله النار، ويخلده فيها إذا مات مصراً على ذلك، والهاء في "حدوده" تعود على الرسول لأنه المبلغ لحدود الله.
النساء 4:15
قوله: ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ﴾ الآية.
"اللاتي" لا تكون إلا للنساء. والمعنى: والنساء اللاتي يأتين الفاحشة، فاستشهدوا عليهن فيما آتين أربعة رجال، فإن شهدوا عليهن بالفاحشة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ﴾ حتى يمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً إلى النجاة فكانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان هذا قبل نزول الحدود، فلما نزل: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، نسخ ذلك.
قال عطاء: السبيل: الحدود والرجم، والجلد.
قال السدي: نزلت هذه الآية في التي دخل بها إذا زنت، فإنها تحبس في البيت ويأخذ زوجها مهرها.
قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ قال: هي الزنا، ثم جاءت الحدود فنسختها فجلدت ورجمت وصار مهرها ميراثاً فكان السبيل هو الحد الذي نزل.
وقيل: إن حكم الزاني والزانية الثيبين والبكرين كان أن يحبسا حتى يموتا، فنسخ الله ذلك بالآية التي بعدها وصار حكمهما أن يؤذيا بالسب والتعيير لقوله "فآذوهما" ثم نسخ ذلك بالحدود، هذا قول الحسن وعكرمة وروي عن عبادة بن الصامت.
وقال قتادة كان حكم البكرين الزانيين أن يؤذيا بالتعيير، وحكم المحصنيين أن يحبسا حتى يموتا، فنسخ بالحدود،: الجلد للبكرين ونفي الرجل بعد الجلد عاماً، والرجم على الثيبين بعد الجلد، والجلد في جميعهم مائة.
وقال مجاهد: ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ﴾ عام لكل ثيب وبكر من النساء ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ عام لكل من زنى من الرجال خاصة ثيباً كان أو بكراً، وهو مروي عن ابن عباس. واختاره النحاس وغيره، لأنه قال ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ ولم يقل منكم، وقال ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾ أي يأتين الفاحشة منكم يريد الرجال بعد ذكر النساء، ثم نسخت الآيتان بالحدود.
وقد اختلف في الحد على الثيب فقال علي رضي الله عنه: الجلد ثم الرجم، وقال: أجلد بكتاب الله، وأرجم بسنة رسول الله ﷺ. وبه قال الحسن وإسحاق. وأكثر العلماء على أن عليه الرجم دون الجلد، وهو مروي عن عمر رضي الله عنه وهو [قول] مالك، والشافعي، والكوفيين والأوزاعي والنخعي، فمنهم من قال: إن الجلد منسوخ عن المحصن بالرجم جعل سنة تنسخ القرآن، ومنهم من قال هو منسوخ بما حفظ لفظه ونسخ رسمه في المصحف من قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة.
واختلف في نفي البكر: فقال العمران ما: يجلد ولا ينفى، وكذلك قال عثمان وعلي وابن عمر رضي الله عنهم وهو قول عطاء وسفيان ومالك، والشافعي، وابن أبي ليلى، وأحمد وإسحاق وغيرهم.
واختلف في المعترف في الزنا. فقال الحسن إذا اعترف (يحد) وهو قول الشافعي وأبي ثور، وروي عن مالك أنه قال: إذا اعترف من غير محنة يحد، وإن اعتذر، وذكر عذراً يمكن قُبِل منه، وإن اعترف بمحنة قبل منه الرجوع عن اعترافه.
وقال قوم: لا يحد حتى يعترف أربع مرات في موضع أو في مواضع قال مالك: لا يقام عليه الحد إن كان بعذر وهو مذهب الأوزاعي.
وأما الإحصان الذي يجب معه الرجم فهو الوطء للمسلمة الحرة بنكاح صحيح، فإن كان فاسداً لم يكن محصناً بذلك النكاح في قول عطاء وقتادة والليث ومالك، والشافعي وغيرهم، وقال غيرهم من الفقهاء: يحصن بذلك النكاح.
وروي عن علي وجابر بن عبد الله في الذمية إذا دخل بها، والمسلمة سواء، وعند الحسن البصري وعطاء والزهري، وقتادة ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق يحصن (المسلم)، ولا يحصن المسلم الذمية.
وروي عن ابن عمر أنها لا تحصنه (وهو قول الشعبي وعطاء والنخعي ومجاهد والثوري.
والأمة يدخل بها الحر تحصنه عند ابن المسيب والزهري، ومالك، والشافعي. وقال عطاء والحسن البصري وابن سيرين، وقتادة، والثوري وغيرهم: لا تحصنه فأما الحرة تكون تحت العبد فهو يحصنها عند (ابن) المسيب والحسن البصري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور وغيرهم.
وقال عطاء والنخعي، وأصحاب الرأي: لا يحصنها.
ومذهب مالك والشافعي والأوزاعي في الصبية التي لم تبلغ (يدخل بها البالغ الحر: أنها تحصنه، ولا يحصنها، وقال أصحاب الرأي لا تحصنه الصبية، ولا المجنونة).
وقال الشافعي تحصنه المجنونة إذا دخل بها.
وقال مالك في الصبي: إذا جامع امرأته لا يحصنها.
وقال ابن عبد الحكم: لا يحفر للمرجوم ويرجم على وجه الأرض وهو قول أصحاب الرأي، وقال غيره: يحفر له، وكلهم قالوا: يرجم حتى يموت.
النساء 4:16
قوله: ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية.
المعنى عند الطبري: الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة منكم أي: من رجالكم ﴿فَآذُوهُمَا﴾، قيل: يعني بذلك غير المحصن، وبالذي قبلها: المحصنان. وقيل: عنى بذلك الرجلان الزانيان.
وقيل: هذه الآية والتي قبلها منسوخة بالحدود، وعليه العمل عند الصحابة والعلماء. وقيل: هي ناسخة لما قبلها ومنسوخة بالحدود.
* *
ومعنى ﴿فَآذُوهُمَا﴾ فسبوهما وعيروهما، ونحوهما.
وقال ابن عباس: معناها: يؤذيان باللسان ويضربان بالنعال.
والسبيل في الآية التي قبلها هي الحدود التي نزلت في النور.
النساء 4:17
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية.
معناها عند الطبري: أن التوبة ليست لأحد إلا الذين يعملون السوء، وهم جهال: ثم يتوبون قبل الموت، فإن الله يتوب عليهم، وأكثر الصحابة على أن كل ذنب فعله الإنسان فعل جهالة عمداً كان أو غير عمد.
قال مجاهد: كل من عصى ربه فهو جاهل حتى يتوب عن ذلك، وعلى ذلك أكثر التابعين وأهل التفسير.
وقد قال الضحاك: إن الجهالة: العمد خاصة وروي مثله عن مجاهد.
وقال عكرمة: الجهالة: الدنيا. فالمعنى على قوله: للذين يعملون السوء في الدنيا، وقال: الدنيا كلها جهالة.
وقيل معنى: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بجهالة منهم لما في الذنب من العقاب عمدوا ذلك أو جهلوه. وقيل: الجهالة أن يعمل المعصية وهو يعلم أنها معصية، فإن لم يعلم ذلك، فهو خطأ وليست بجهالة.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ الآية.
أي: في صحة لا مرض فيها قبل نزول إمارات الموت، قاله ابن عباس والسدي وغيرهما، وقيل: المعنى من قبل معاينة الموت (وروي ذلك عن ابن عباس، وقاله الضحاك، وقال عكرمة وابن زيد "من قريب" من قبل الموت).
وقد روى قتادة عن أبي قلابة أنه قال: ذكر لنا أن إبليس لعنه الله لما لعن وأُنظْر قال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، قال الله عز وجل: لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.
وقال النبي ﷺ: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر
وقال أهل المعاني: "ثُمّ يثوبون" قبل مماتهم في الحال التي يفهمون فيها أمر الله عز وجل ونهيه، وقبل أن يغلبوا على أنفسهم وعقولهم ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يرزقهم إنابة إلى طاعته ويتقبل منهم توبتهم إليه.
قال الأخفش: قال إني تبت الآن "تمام وخولف في ذلك لأن و ﴿ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ﴾ عطف على "الذين" الأول.
النساء 4:18
قوله: ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
المعنى: ليست لمن يصر على معاصي الله حتى إذا حشرج بنفسه وعاين ملائكة ربه قد أتوا لقبض روحه قال في نفسه أتوب الآن وهو موقن من الموت لا يطمع في حياة، هذا لا توبة له يضمرها، لأنه غير مستطيع لإظهارها.
قال ابن عمر: التوبة مبسوطة ما لم يُسَق. وعنى بذلك أهل النفاق.
وقال ابن الربيع: نزلت الأولى في المؤمنين يعني قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ ونزلت الثانية - الوسطى - في المنافقين وهي قوله: ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ﴾ ونزلت الآخرة في الكفار يعني قوله: ﴿وَلاَ ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ لا توبة لهم في الآخرة إذ ليست بدار عمل.
وقيل: هي في أهل الإسلام، وذكر عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨ و ١١٦]، قال: فحرم الله المغفرة على من مات، وهو كافر، وإرجاء أهل التوحيد إلى مشيئته ولم يويئسهم من المغفرة. والسيئات هنا: ما دون الكفر.
* *
ومعنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾ - وهو أفعلنا - من العتاد.
النساء 4:19
قولهم: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾ الآية.
الكَره والكُره لغتان بمعنى عند البصريين والكسائي.
وقال الفراء: الكَره بالفتح أن يكون على الشيء، والكُره المشقة، هذا معنى قوله.
وقال القتبي: الكره بالفتح بمعنى القهر والضم بمعنى المشقة.
ومعنى الآية عند أبي بكير وغيره: أنها نهي للرجل يحبس المرأة، وليس له بها حاجة رجاء أن يرثها، ونهاه أن يعضلها حتى تفتدي منه بما أخذت منه، أو ببعضه.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾، معناه أن تشتم عرضه، أو تخالف أمره وتبذو عليه، فكل فاحشة (نعتت) مبينة فهي من البَذاء باللسان، وكل فاحشة مطلقة فهو الزنا، والزنا يُسْتَر ويَخفى، فلا تكون مبينة، والنطق بالبذاء يظهر، فهو مبين من لسان فاعله، ودل (على) ذلك قوله: ﴿يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] عنى بذلك مخالفة (أمر) الرسول ﷺ والأذى بالنطق ونعوذ بالله من أن يعني بذلك الزنا، هذا معنى قول ابن بكير.
وقيل: إن الآية ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، وذلك أنه كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها كان ابنه من غيرها، أو قريبه أولى بها من غيرهما، ومنها بنفسها، فإن شاء نكحها وإن شاء منعها من النكاح وهو العضل فحرم الله ذلك على المؤمنين بهذه الآية.
فمعنى الوراثة هو أن يأخذها لنفسه، ويكون بها أولى من ولي نفسها، ومن غيره، ومعنى العضل: أن يأخذها ويمنعها من تزوج غيره، كذلك قال جماعة أهل التفسير، ولكن اختلفوا (فقيل كان ذلك سنة قريش في الجاهلية).
وقيل: كان ذلك سنة الأنصار.
وقيل: كان ذلك سنة الجميع يمنع امرأة قريبه أن تتزوج ويغصبها نفسها إن شاء.
قال الضحاك: كان الرجل إذا مات وترك امرأته أتى حميمه، فألقى ثوبه عليها، فورث نكاحها وكان أحق بها، وكان ذلك عندهم نكاحاً، فإن شاء أمسك حتى تفتدي منه، وقال ابن عباس: كان حميم الميت يلقي ثوبه على امرأته فإن شاء تزوجها بذلك، وإن شاء حبسها حتى تموت، فيرثها فذلك.
* *
قوله: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾ لأنهم يمنعونها من التزويج حتى تموت، فيرثها بذلك إلا أن تذهب إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ثوبه فتكون أحق بنفسها، كذلك حكمهم فيها. وقال زيد بن أسلم: كان الرجل إذا مات في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد. وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة (المرأة) حتى يطلقها، أو يشترط عليها ألا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي ببعض ما أعطاها، فنهى الله عن ذلك.
وقال مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها كان نكاحها بيد ابن زوجها، يعني من غيرها، فإذا ماتت قبل أن تنكح كان ميراثها له، فكان الرجل يعضل امرأة أبيه عن النكاح حتى تموت فيرثها فنهى الله عن ذلك ونسخه.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ﴾ الآية.
أي: تحبسوهن عن النكاح لتأخذوا من أموالهن إذا متن ما كان موتاكم ساقوا لهن من صدقاتهن، قال ذلك ابن عباس والحسن وعكرمة فهو خطاب عند هؤلاء لورثة الميت.
وروي عن ابن عباس في معناها أيضاً أنها في مخاطبة الأزواج ألا يحبسوا النساء وهم كارهون لهن ليأخذوا منهن ما دفعوا إليهن.
قال قتادة المعنى: لا ينبغي لك أن تحبس امرأتك وأنت كاره لها لتفتدي منك. وقال بعض أهل التفسير نزل صدر الآية في الجاهلية، وآخرها في أمر الإسلام فقوله: ﴿لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرْهاً﴾ في الجاهلية.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلام وهو ما ذكرنا من قول قتادة وما روي عن ابن عباس. وقال الضحاك: العضل أن يكره الرجل المرأة حتى تفتدي منه قال الله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾. وقيل: إن المنهي عن العضل هنا أولياء النساء، قاله مجاهد، وقال ابن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة ثم لا توافقه فيفارقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، فيشهد بذلك عليها، فإذا خطبها الخاطب لم تتزوج حتى تعطي الأول، وترضيه فيأذن لها وإلا منعها.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ الآية.
سمح للأزواج في المضارة إذا أتين بفاحشة ظاهرة يفتدين ببعض ما أعطوهن قال ذلك الحسن.
وقال عطاء: كان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة سلَّمَت إليه ما أخذت منه، وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود.
وقال أبو قلابة: للرجل أن يضار بالمرأة إذا أتت بفاحشة، ويضيق عليها حتى تختلع منه.
وقال ابن عباس: الفاحشة هنا النشوز، إذا نشزت وجاز له أن يأخذ منها الفدية. وقيل: الفاحشة هو بذاء اللسان على زوجها، والزنى، والنشوز، فله إذا فعلت شيئاً من ذلك أن يأخذ منها الفدية ويضارر بها حتى تفتدي منه، وإذا كانت الفاحشة بالألف واللام فهي الزنا واللواط.
* *
قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ الآية.
أي: صاحبوهن بالمعروف في المبيت والكلام. وقيل: المعروف إمساكهن بأداء حقوقهن التي لهن عليكم أو تسرحوهن بإحسان. قوله: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ الآية.
﴿خَيْراً كَثِيراً﴾ أي: في إمساكه ﴿خَيْراً كَثِيراً﴾ أي: في الصبر على إمساك ما تكرهون.
فالهاء في "فيه" تعود على الإمساك. قال مجاهد المعنى: ويجعل الله في الكراهة خيراً كثيراً. قال السدي: ﴿وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ أي: الولد.
قال ابن عباس: خيراً كثيراً أي: يعطف عليها، ويرزق منها ولداً ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً.
فالهاء في (فيه) على قول مجاهد تعود على الكراهة.
النساء 4:20
قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية.
نهى الله المؤمنين أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً، إذا أرادوا طلاقهن ليستبدلوا بهن غيرهن. والقنطار: المال الكثير وفي تحديد عدده اختلاف قد ذكرناه في آل عمران، والبهتان: الباطل.
﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ كله على طريق التحذير والتوبيخ ألا يؤخذ منهن شيء، وإن كثر ما عندهن، وهو تحذير لمن فعله ومعنى ﴿أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ الملامسة والمباشرة أي: تلامستم وتباشرتم، وأصل الإفضاء في اللغة: المباشرة والمخالطة، يقال: القوم فوضى فضا أي: مختلطون لا أمير لهم، فالإفضاء في هذه المواضع عند أكثر العلماء الجماع في الفرج.
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾: هو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وهذا قول عامة الفقهاء. وكان في عقد النكاح قديماً أن يقال للناكح: "الله عليك" أي: "لتمسك بالمعروف أو تسرح بإحسان".
وقال ابن زيد: رخص عليهم بعد ذلك فقال: ﴿إِلاَّ [أَن] يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهذه ناسخة لتلك في قوله. وأكثر الناس على أنها محكمة فليس له أن يأخذ منها إذا أراد أن يستبدل بغيرها شيئاً مما أعطاها، وأجاز له في البقرة أن يأخذ منها إذا أرادت هي طلاقها لتفتدي منه إذا كان كارهاً للطلاق، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي للأخرى فكلاهما محكم، تلك يجوز أن يأخذ منها لأنها مريدة للطلاق وهو كاره، وهذه لا يجوز أن يأخذ منها لأنه هو المريد للطلاق ليستبدل غيرها.
النساء 4:21
قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ﴾ الآية.
نهى الله المؤمنين أن يأخذوا من أزواجهم شيئاً، إذا أرادوا طلاقهن ليستبدلوا بهن غيرهن. والقنطار: المال الكثير وفي تحديد عدده اختلاف قد ذكرناه في آل عمران، والبهتان: الباطل.
﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ كله على طريق التحذير والتوبيخ ألا يؤخذ منهن شيء، وإن كثر ما عندهن، وهو تحذير لمن فعله ومعنى ﴿أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ الملامسة والمباشرة أي: تلامستم وتباشرتم، وأصل الإفضاء في اللغة: المباشرة والمخالطة، يقال: القوم فوضى فضا أي: مختلطون لا أمير لهم، فالإفضاء في هذه المواضع عند أكثر العلماء الجماع في الفرج.
﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾: هو الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وهذا قول عامة الفقهاء. وكان في عقد النكاح قديماً أن يقال للناكح: "الله عليك" أي: "لتمسك بالمعروف أو تسرح بإحسان".
وقال ابن زيد: رخص عليهم بعد ذلك فقال: ﴿إِلاَّ [أَن] يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وهذه ناسخة لتلك في قوله. وأكثر الناس على أنها محكمة فليس له أن يأخذ منها إذا أراد أن يستبدل بغيرها شيئاً مما أعطاها، وأجاز له في البقرة أن يأخذ منها إذا أرادت هي طلاقها لتفتدي منه إذا كان كارهاً للطلاق، وليس في حكم إحدى الآيتين نفي للأخرى فكلاهما محكم، تلك يجوز أن يأخذ منها لأنها مريدة للطلاق وهو كاره، وهذه لا يجوز أن يأخذ منها لأنه هو المريد للطلاق ليستبدل غيرها.
النساء 4:22
﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ إنما دخلت كان عند المبرد هاهنا زائدة، والمعنى أنه كان فاحشة على كل حال ويكون. وقال الزجاج: لا يجوز زيادة كان هاهنا لأنها قد عملت، ولكنها غير جائزة، ومعناها أنه كان مستقبحاً عندهم، والجاهلية يسمونه فاحشة فخوطبوا بما كان عندهم.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ هو أن الأبناء كانوا في الجاهلية ينكحون نساء آبائهم وهو من الاستثناء المنقطع، المعنى لكن ما سلف دعوه فإنه مغفور، وقيل المعنى ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فإنكم لا تؤاخذون به.
قال ابن بكير: نهى الله عز وجل أن يفعلوا (ما كان) أهل الجاهلية يفعلونه كان الرجل يخلف أباه على زوجته إذا توفي الأب، وقوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ معناه لكن ما قد سلف في الجاهلية و ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ فهو ذم لما كانوا عليه.
ذم الله تعالى ما كانوا عليه في آخر الآية، ونهى عنه في أولها هذا معنى قول ابن بكير، فـ "ما" بمعنى من في هذه الأقوال، والمعنى: ولا تتزوجوا النساء اللواتي تزوجهن آباءكم، فحرم الله أن يتزوج الرجل المرأة التي تزوجها أبوه دخل بها أو لم يدخل، لأنه إذا عقد عليها فهو نكاح، وحرم أن يتزوج الرجل زوجة ابنه مثل قوله تعالى: ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ دخل الابن بها، أو لم يدخل تحرم على الأب بالعقد.
وقيل: معنى الآية: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾: كنكاح آبائكم الفاسد الذي لا يجوز مثله في الإسلام، لكن ما سلف فإنه معفو عنه. والمعنى عند الطبري، ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، إلا ما قد سلف في الجاهلية، ومضى بـ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾، فمن متعلقة عنده بتنكحوا ﴿مَا نَكَحَ﴾ بمعنى استثناء منقطع، وهو قول أهل التأويل فيما ذكره الطبري لأن "ما" لا تكون لمن يعقل، فقال: ولو كان المعنى لا تنكح النساء اللواتي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع (ما) من وهو معنى قول الزجاج، فالنهي إنما وقع على ألا ينكحوا مثل (نكاح) آبائهم، ولم يقع على ألا ينكحوا حلائل الأبناء، والقول الأول يكون النهي إنما وقع على ألا ينكحوا حلائل الأبناء (فتكون)، "ما" لمن يعقل.
وقيل: المعنى ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من فعلكم ذلك، فإنه كان فاحشة ومقتاً، فلا تفعلوه، فحرّم الله نكاح ما نكحه الآباء ومثله ﴿وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ ٱلأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي ما سلف من فعلكم، فإنه مغفور لكم، فلا تفعلوه الآن، فهو حرام.
* *
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ أي لم يزل كذلك.
وقيل: كان زائدة والمعنى إنه فاحشة.
وعقد الأب يحرم على الابن، وكذلك عقد الابن يحرم على الأب بإجماع.
ومعنى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ أنهم كانوا يفعلونه، ويعلمون قبحه.
* *
ومعنى ﴿وَمَقْتاً﴾ هو أنهم كانوا إذا ولد للرجل ولد من امرأة أبيه سمي ولد مقت، وأولاد المقت معروفون عند أهل النسب يقولون: فلان مقتي النسب، والمقت أشد البغض.
﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: ساء فعلهم طريقاً، ونصبه على التفسير والبيان.
النساء 4:23
قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ الآية:
حرم عليكم نكاح أمهاتكم، حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب سبعاً، ومن الصهر سبعاً: فالتي من النسب: الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، والتي من الصهر: الأم من الرضاعة، والأخت من الرضاعة، وأم الزوجة، وبنت الزوجة المدخول بها، وامرأة الابن من نسب، أو رضاعة، والجمع بين الأختين، والسابعة قوله: ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ والعمات وإن بعدن مثل العمات وإن قربن، وبنات الأخ والأخت وإن بعدن مثل من قرب منهن.
واختلف في أمهات النساء اللوتي لم يدخل بهن إذا ماتت البنت قبل الدخول. يروى عن علي رضي الله عنه: جواز نكاحها وعن زيد بن ثابت مثله، جعلها كالربيبة تحرم إذا دخل بأمها، ولا تحرم إذا لم يدخل بالأم وإن كان عقد.
وقال جماعة من العلماء والصحابة والتابعين غير ما ذكرنا أنها تحرم، وإن لم يدخل بالبنت، وليس مثل الربيبة لأنها قد نص عليها أنها لا تحرم إلا بالدخول بالأم، فنعتها بقوله: ﴿ٱلَّٰتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾. فهو نعت للنساء اللاتي خفضن "بمن" ولا يحسن أن يكون نعتاً للنساء المخفوضات بالإضافة، لاختلاف العاملين، فقد أجازه الكوفيون وهو تأويل على قول علي وزيد بن ثابت إذ جعل أم الزوجة لا تحرم إلا بالدخول بالبنت. وقد بينا هذه المسائل مفردة في غير هذا الكتاب وفيما أشرنا إليه في هذا كفاية.
وكل امرأتين لو كانت إحداهما ذكراً والأخرى (أنثى) ولا يحل أحدهما لصاحبه، فلا يجوز الجمع بينهما، هذا أصل جامع في تحريم الجمع بين امرأتين، ومعنى الدخول هنا الجماع، وقيل الدخول: هو التجرد للفعل، وإن لم يفعل.
وقال الزهري في الرجل يلمس أو يقبل أو يباشر ينهى عن ابنتها.
(وحلائل الأبناء) أزواجهم، وسميت حليلة لأنها تحل معه في فراش واحد، وكل العلماء أجمع على أن حليلة ابن الرجل تحرم عليه بعقد ولده عليها، وإن لم يدخل.
ومعنى قوله: ﴿ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ أي: الذين ولدتموهم دون الذين تبنيتموهم، فإما حلائل الأبناء من الرضاع فبمنزلة حلائل الأبناء من الأصلاب لأن الله تعالى قد جعل الأختين من الرضاعة كالأخت من النسب، والأم من الرضاعة كالأم من النسب، وقال النبي ﷺ: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فزوجة الابن من الرضاعة تحرم على الأب بالعقد كزوجة الابن من البنت قال عطاء: كنا نتحدث أنها نزلت في النبي ﷺ حين نكح امرأة زيد بن حارثة، وقال (كان) النبي ﷺ تبناه، فتكلم المشركون في ذلك فنزلت ﴿وَحَلَٰئِلُ أَبْنَائِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ﴾ [أي] لا الذين تبنيتموهم، ونزلت ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وإذا اشترى الرجل الجارية فباشرها، أو عشرها، أو قبل، ولم يجامع حرمت على ابنه، وعلى أبيه في قول مالك، وأكثر العلماء، وابن الابن وإن سفل بمنزلة الابن في هذا كله والجد بمنزلة الأب وإن علا في هذا كله فاعلمه، والوطء في النكاح الفاسد حكمه في التحريم كحكم النكاح الصحيح يحرم ما يحرم الصحيح، هذا مذهب مالك والشافعي وسفيان، وغيرهم من الفقهاء، والجمع بين الأختين في النكاح حرام بالنص فأما بالملك فإن عثمان قال: أحلتهما آية وحرمتهما أخرى أما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك.
* *
قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ كل العلماء على تحريم الربيبة التي دخل بأمها كانت في حجر الزوج أو لم تكن في حجره إلا ما روي عن علي رضي الله عنه: أنه أجاز نكاح الربيبة بعد موت أمها إذا لم تكن في حجر الزوج اتباعاً لظاهر الآية لأن الله قال: ﴿ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي في بيوتكم. وسئل عمر عن المرأة وابنتها من ملك اليمين هل يطأ إحداهما بعد الأخرى، فنهى عن ذلك وحرمه. وقال علي رضي الله عنه: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد.
وكره ابن مسعود رضي الله عنه الجمع بينهما من ملك اليمين فقال له رجل: يقول الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فقال له ابن مسعود: وبعيرك مما ملكت يمينك.
وأكثر العلماء على كراهة ذلك، ولم يحرموه. لكن من أراد وطأ الأخرى (فليخرج الأولى من ملكه بما يحرم على نفسه فرجها، بعتق أو بيع أو هبة، ويطأ الأخرى). هذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وفعله ابن عمر رضي الله عنهما، وقال الحسن والأوزاعي، وقال قتادة: إذا أراد أن يطأ الأخرى اعتزل الأولى، فإذا نفقت عدتها وطئ الثانية، ويضمر في نفسه ألا يقرب الأولى.
وقال النخعي: إذا كانت عنده أختان فلا يقرب واحدة منهما حتى يخرج الأولى عن ملكه، وقال الحكم وحماد.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: ما مضى في الزمن الأول فإنه كان حلالاً، وروي أن يعقوب عليه السلام تزوج أختين أم يوسف وأم يهودا، وكان ذلك لجميع الأمم فيما ذكر [فحر]م الله عز وجل على هذه الأمة رحمة منه لهم لما يلحق النساء من الغيرة، فيوجب التقاطع والعداوة بين الأختين.
ونهى النبي ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وقال: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". فإذا أرضعت المرأة غلاماً لم يتزوج شيئاً من أولادها إلا ما ولدت قبل الرضاع لا بعده، وجائز أن يتزوج إخوته من أولاد المرأة إن شاءوا. وكذلك إن أرضعته جارية لم يحل لها أن تتزوج أحداً من أولادها، ولأخواتها أن يتزوجن أولاد المرأة المرضعة إن شاؤوا.
وكره الحسن وعكرمة أن يتزوج الرجل (امرأة رجل وابنته من غير المرأة ويجمع بينهما، وكل الفقهاء على جوازه.
وكره طاوس أن ينكح الرجل) المرأة وينكح ابنه ابنتها إذا كانت ولدتها بعد وطء الأب لها (وكل الفقهاء على جوازه، فإن كانت ولدتها قبل وطء الأب لها) فلم يكرهه أحد.
النساء 4:24
قوله: ﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ الآية.
قال مالك في قوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾: هن السبايا ذوات الأزواج، أي: وطؤهن جائز لكم يعني لهن أزواج بأرض الشرك أحلهن الله لنا، يعني بعد الاستبراء والمحصنات هنا ذوات الأزواج وقوله ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ يريد به إلا ما ملكت من ذوات الأزواج التي فرق بينهن وبين أزواجهن السباء.
قال ابن عباس: وطء كل ذات زوج زنا إلا ما سبي، وكذلك قال ابن زيد وابو قلابة ومكحول والزهري.
فالمعنى: حرمت عليكم النساء اللواتي أحصنهن الأزواج إلا ما ملكت أَيْمانكم من ذوات الأزواج السبايا فإنه حلال لكم، ونزل ذلك في سبي (أصاب) المسلمون بأوطاس لهن أزواج فكرهوا أن يقعوا عليه ولهن أزواج، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك فنزلت ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ من السبايا ولهن أزواج في بلد الشرك، وإنهنَّ حلال لكم يعني: بعد الاستبراء. وقال آخرون: المعنى في ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ أي: وطئهن جائز لكم يعني بعد الاستبراء، إن الله حرم نكاح المحصنات بالأزواج، واستثنى ملك اليمين، وهي المملوكة، ذوات الزوج يبيعها مولاها سيكون بيعها طلاقها وتحل للمشتري.
قال ابن عباس وأبي بن كعب، وجابر بن عبد الله: بيع المملوكة طلاقها.
وقال أبو العالية "والمحصنات هنا العفائف التي أحصنهن عفافهن، وهو مردود إلى أول السورة، والمعنى عنده ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾ [النساء: ٣] ثم حرم ما حرم من النسب والصهر، ثم قال: (والمحصنات من النساء) أي: إنهن حرام إلا بصداق وولي وشهود، ويجب على هذا القول نصب المحصنات لأنه عطف على مَثْنَى وما بعده.
وقال ابن جبير وعطاء: ﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ حرم الله المحصنات فوق الأربع مع تحريم القرابة المذكورة.
وقيل المعنى: ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ بنكاح أو ملك، فحرم الله ذوات الأزواج من النساء ما حرم قبله من ذوي الأرحام، واستثنى ما ملكت اليمين بعقد نكاح صحيح أو بثمن، قال ذلك مجاهد، وقيل: المحصنات: الحرائر، وقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: إن الآية نزلت في نساء مهاجرات قدمن المدينة، فتزوجهن بعض المسلمين، ثم قدم أزواجهن مهاجرين، فنُهِيَ المسلمون عن نكاحهن.
وروي أن ابن عباس كان يتوقف في تفسير هذه الآية، قال ابن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها.
وروي عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل يعني ﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾.
والإحصان: يكون بالحرية كقوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] يريد الحرائر من أهل الكتاب ويكون بالإسلام كقوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ﴾ [النساء: ٢٥] على قراءة من فتح الهمزة يريد أسلمن، ويكون بالعفة كقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]، يريد العفائف، ويكون بالزوج.
والفائدة في قوله: ﴿مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ أن المحصنات يقع على معنى: والأنفس المحصنات فيكون للرجال والنساء، فبين أنه للنساء بقوله ﴿مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ دليل ذلك أنه قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾ فلولا أنه يراد به الأنفس المحصنات لم يحد من قذف رجلاً بالنص على ما ذكرنا.
قوله ﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ "نصب: كتاب (الله) عليكم": المصدر عند سيبويه، لأنه لما قال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ على أنه كتب ذلك، فالمعنى كتب الله عليكم ذلك كتاباً، وقيل نصبه على الإغراء أي: الزموا كتاب الله، وهذا قول ضعيف مردود، وهو قول الكوفيين لأن عليكم هو الذي يقوم مقام الفعل في الإغراء، وهو لا ينصرف ولا يجوز تقديم المفعول عليه عند أحد، لا يجوز زيد عليك، ونصبه عند بعض الكوفيين على الحال كأنه قال: كتاب الله عليكم.
* *
ومعنى ﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال عطاء والنخعي هو الأربع لا يزيد عليهن، وقاله السدي، وقال ابن زيد: معناه أمر الله عليكم، يريد ما حرم الله من هؤلاء وما أحل لهم، وقرأ ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ الآية.
ومن فتح الهمزة، فلقرب اسم الله تعالى من الفعل، فأسنده إليه، فتقديره كتاب الله ذلك عليكم، وأحل لكم. ومن ضم فإنه أجراه على أول الآية، لأنه جرى على ترك تسمية الفاعل وهو قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ فأجرى التحليل على لفظ التحريم لتسابق الألفاظ ولئلا تختلف، فكأنه حرم عليكم كذا وأحل لكم كذا، ومعنى ﴿مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ ما دون الخمس ﴿أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ﴾، على وجه النكاح، وقال السدي: ما دون الأربع وقال عطاء: ﴿مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾ ما وراء القرابة التي قد حرمت عليكم أن تبتغوا بأموالكم: المحصنات من الحرائر الأربع والمماليك.
وقال قتادة ﴿مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ﴾؛ ما ملكت يمينكم"
وقال الطبري: بين الله لنا المحرمات بالنسب والصهر، ثم أخبرنا أنه قد أحل لنا ما وراء هؤلاء المحرمات في هاتين الآيتين بأن نبتغيهما بأموالنا نكاحاً، وملك يمين لا سفاحاً، وقد أعلمنا أن ما زاد على أربع حرام، وما كان من الإماء ذوات الأزواج حرام ما لم ينتقل الملك.
* *
قوله: ﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ﴾ معناه: أعفَّاء غير مزانين والسفاح: الزنا، والإحصان هنا العفاف، وقال مجاهد: محصنين متناكحين.
* *
قوله: ﴿فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾: يقول: فالشيء الذي استمتعتم به من النساء فأعطوهنّ أجورهنّ أي صدقاتهم فريضة معلومة، وقال ابن عباس: معناها إذا نكح الرجل المرأة مرة واحدة فقد وجب الصداق، فالمعنى فأي شيء استمتعتم به، وإن قلّ فآتوهنّ أجورهن أي صدقاتهنّ والاستمتاع النكاح، وقاله: الحسن ومجاهد.
وقال السدي: وغير الاستمتاع هنا أن يتزوّجها إلى أجلٍ مسمّى بإذن وليّها، ويشهد شاهدين، فإذا تمّ الأجل أمر أن يدفع إليها ما شرط لها، وليس له عليها سبيل وتعتد، ولا ميراث بينهما. وسئل ابن عباس عن متعة النساء فقال: أما تقرؤون فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى فقيل له لو قرأناها هكذا لكان الأمر على ذلك. فقال: فإنها كذلك.
وفي قراءة أبي زيادة: إلى أجل مسمى، وكذلك ابن جبير.
وقالت عائشة رضي الله عنها كانت المتعة حلالاً، ثم نسخ الله ذلك بالقرآن، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول ابن المسيب والقاسم وسالم وعروة. قال ابن عباس: نسخها ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وقال ابن المسيب: نسخت المتعة بآية الميراث يعني: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] لأن المتعة كانت لا ميراث بها.
وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت حرم الله المتعة بقوله ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥-٦ والمعارج: ٢٩-٣٠]. وكانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم، وشرط (ألا) طلاق بينهما، ولا ميراث ولا عدة.
[وقال أبو عبيدة: نسخت المتعة بالقرآن والسنة لأن النبي ﷺ حرم المتعة يوم الفتح وغيره.
ومن قال: إن المعنى إذا تزوجتم المرأة، فنكحتموها ولو مرة واحدة] فأعطوها صداقها، فهي عنده محكمة لا نسخ فيها، والتقدير: فما استمتعتم به من الدخول بالمرأة فلها الصداق كاملاً فأعطوها إياه، ودل على ذلك قوله ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ﴾ أي: إن وهبت لك النصف، أو ما كان فلا جناح، وإن وهبت لها النصف، فأعطيتها الكل، ولم تدخل بها فلا جناح.
وقيل: المعنى: إن أدركتم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُمْ بِهِ﴾.
وقيل المعنى: لا جناح عليكم إذا تم الأجل الذي اشترطتم في الاستمتاع أن يزدنكم في الأجل، وتزيدهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن، وهو منسوخ. وقال السدي: إن شاء أرضاها بعد الفريضة بأجرة، ثم تقيم معه إلى الوقت الذي يتراضون أيضاً عليه، وهو منسوخ. وقيل: المعنى: لا جناح عليكم فيما وضعه نساؤكم عنكم من صدقاتهن بعد الفريضة.
قال ابن زيد: إن وضعت لكم من صداقها فهو سائغ فالمعنى على هذا لا إثم على الرجل أن تضع المرأة عليه مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف الصداق، فيدفعه إليها كاملاً.
قال الأخفش ﴿إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ تمام.
وقال غيره ﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ التمام، وهو أحسن لأن العامل فيه ما قبله من المعنى الذي دل عليه كتاب، وإنما يصح قول الأخفش إذا نصبت ﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ﴾ على الإغراء، وهو بعيد.
(وفريضة) مصدر كأنه قال: فرض ذلك عليكم فريضة وهو التمام.
النساء 4:25
قوله ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً﴾ الآية.
قرأ الكسائي المحصنات في كل القرآن - بكسر الصاد، إلا قوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ قال: لأنه أراد به ذوات الأزواج من السبايا أحلهن الله بعد استبرائهن بالحيض، فالأزواج أحصنوهن، قال: وغير ذلك يكون المراد به غير التزوج، إما إحصان إسلام، أو عفة أو بلوغ، فتكون هي التي أحصنت نفسها بإسلامها أو بعفتها أو ببلوغها، ولا يحتمل عنده ﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ إلا إحصان التزويج، وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن المسيب وغيرهم.
ومن فتح الصاد في جميع ذلك قال: إن الإسلام يحصنهن كما يحصنهن التزويج، وكذلك العفاف والبلوغ والحرية وشبهه. وحكى أصحاب أبي عمرو (أن العرب) لا تقول: هذا قاذف محصِنة، ولكن تفتح، ومن ضم "أحصن" أجراه على محصنات جعلهن مفعولات في الموضعين، فأما من فتح الهمزة، فحجته أن التفسير ورد على إضافة الإحصان إليهن، ولأن من قرأ بضم الهمزة يلزمه في الحكم ألا يوجب الحد على المملوكة إلا إذا كانت ذات زوج دون الأيم، وفي إجماع الجميع على إيجاب الحد (على) المملوكة الأيم دليل واضح على فتح الهمزة بمعنى: فإذا أحصن أي: أحصن أنفسهن بالعفاف أو بالإسلام.
والاختيار عند أهل اللغة: الضم لأنه قد تقدم ذكر إسلامهن في قوله ﴿أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ﴾ فدل على أن الثاني غير الإسلام فيكون أحصن بمعنى تزوجن، فالمعنى فإذا أحصنهن الأزواج، ويكون حدها إن زنت بالكتاب، وحَدَّ الأيم بالسنة، ومعنى الآية: أن الطَوْل: السعة في المال عند أكثر أهل التفسير وقال ابن زيد: الطَّول أن يجد ما ينكح به حرة.
وقال بعضهم: الطول الهوى قاله ربيعة، إذا هوى أمَتَه، وخشي على نفسه، وهو يقدر على نكاح الحرة فأرى أن ينكح الأمة. وقال جابر: لا يتزوج الحر الأمة إلا أن يخشى على نفسه العنت، فليتزوجها. وقال عطاء: لا يفعل ذو الطول إلا أن يخشى على نفسه البغي.
وأكثر الناس على أن ذا الطول لا يتزوج الأمة وإن خشي على نفسه لأن وجود الطول إلى الحرة فيه قضاء شهوة، ولذة وليس هو كالمضطر إلى الميتة، والله عز وجل قد حرم نكاح الأمة إلا لمن (لم) يجد طولاً إلى الحرة، فلا يخرج عن التحريم فيخلص لقضاء لذة، فمعناها: وإن لم يقدر أن ينكح الحرائر المؤمنات لقلة ما بيده، فلينكح الأمة المؤمنة إذا خاف العنت، فيتعفف بها ويكفيه أهلها مؤنتها.
قال الشافعي وغيره: لا ينكح الأمة حتى يعدم ما يتزوج به الحرة ويخاف الزنا، فإن لم يجتمع الأمران عليه فلا يتزوج الأمة.
وإذا نكح الأمة على الحرة فإن مالكاً قال: لا يفعل فإن فعل جاز النكاح، وكانت الحرة مخيرة إن شاءت أقامت وإن شاءت اختارت نفسها. وقال الشافعي: النكاح باطل.
وقال الزهري: يفرق بينه وبين الأمة، ويعاقب.
وقال عطاء: لا ينكح الأمة على الحرة إلا بأمرها، فإن اجتمعا كان للحرة ثلثا النفقة. وكان مجاهد يقول: مما وسع الله به على هذه الأُمَة نكاح الأَمَة، واليهودية والنصرانية وإن كان هو شراً، يعني إذا خاف العنت على نفسه في الأمَّة لهوى نزل به. وقال مسروق الشعبي: نكاح الأمة لا يحل إلا لمضطر كالميتة، فإذا تزوج حرة على أمة حرمت عليه الأمة كالرجل يجد طعاماً ومعه ميتة.
والمحصنات هنا العفائف (وقيل الحرائر) وهو الأشبه لذكر المماليك بعدهن. والفتيات جمع فتاة وهن الشواب.
وقوله ﴿مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ﴾ يدل على أن تحريم نكاح الإماء المشركات واجب وهو محرم عند مالك وجماعة من العلماء.
قال أهل العراق: ذلك على الإرشاد، وليس بمحرم، وإنما هو ندب.
فأما نكاح الحرة على الأمة فهو جائز عند ابن المسيب وعطاء والشافعي، وأبي ثور وأصحاب الرأي.
وروي عن علي رضي الله عنه جوازه، وقال: يفرض للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك والزهري: للحرة الخيار إذا علمت بذلك إن شاءت أقامت، وإن شاءت فارقته.
وقال ابن عباس: نكاح الحرة طلاق الأمة، وبه قال أحمد وإسحاق. وقال النخعي: يفارق الأمة إذا تزوج الحرة إلا أن يكون له من الأمة ولد، فلا يفارقها، ويكون للحرة يومان وللأمة يوم. وقال مالك: إذا خشي على نفسه العنت يتزوج من الإماء حتى يبلغ أربعاً، وهو قول أصحاب الرأي.
وروي عن الزهري أنه قال: يتزوج أربعاً، ولم يذكر عنتاً.
وروي عن ابن عباس أنه لا يتزوج إلا واحدة، وبه قال قتادة والشافعي.
وقال أحمد: يتزوج من الإماء اثنتين لا غير.
* *
وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ أي: أنتم بنو آدم.
وقيل: معناه أنتم مؤمنون كلكم إخوة.
وقيل: نزل ذلك لما كانت العرب تعير ابن الأمة وتسميه هجيناً.
وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ﴾ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات "فلينكح بعضكم من بعض" هذا فتاة هذا (وهذا) فتاة هذا وعلى هذا القول مرفوعون بفعلهم في التأويل لأن المعنى ﴿مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم﴾ فلينكح مما ملكت فرد بعضكم على ذلك.
وقوله ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُمْ﴾، أي: يعلم من آمن منكم وصدق بما جاء من عند الله عز وجل (ورسوله) ﷺ. وقوله: ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ أي تزوجوهن بإذن مواليهن، ورضاهن ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: أعطوهن مهورهن بالمعروف على ما تراضيتم به مما أحل الله لكم أن تجعلوه مهوراً ﴿مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ﴾ أي: عفائف غير زناة.
﴿وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ﴾ وليس ممن لهن أصدقاء على السفاح لأنهن في الجاهلية كان لهن الخليل، والصديق يحبسن أنفسهن للفجور عليه سراً، وكانوا في الجاهلية يحرمون الزنا ما ظهر منه، ويسمحون فيما أسر، يقولون: ما ظهر منه فهو لؤم، وما خفي منه فلا بأس به، فأنزل الله ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقال السدي وغيره: ولا مسافحات معلنات بالزنا.
* *
قوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ أي: صرن ممنوعات الفروج بالأزواج وهذا المعنى يدل على الضم في الهمزة.
وقيل: أحصن: أسلمن قاله السدي وهذا المعنى يدل على القراءة بفتح الهمزة.
وقال سالم والقاسم: إحصانها عفافها، وإسلامها. وأكثر الناس على أن المعنى فإذا تزوجن.
﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ﴾ معنى ذلك: إذا أتت الأمة بزنى بعدما أحصنت بالزوج فعليها ﴿نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ﴾ أي الحرائر الأبكار.
وقيل: ذوات الإسلام التي أحصنهن دينهن غير محصنات بأزواج. وقوله ﴿مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ أي: من الحد إذا زنيت.
وسميت البكر محصنة لأنه يكون بها فيما يستقبل كما يقال: ضحته قبل أن يضحي بها، وقيل: المحصنات هنا المتزوجات، فعلى الإماء المتزوجات نصف حد الحرة وهو خمسون، والرجم لا يتبعض لأن المرجوم قد يموت بحجر واحد، وربما لم يمت بألف حجر، فنصف الرجم متعذر حده، فلا بد من الرجوع إلى نصف الجلد.
وقد قال النبي ﷺ: "إذا زنت الأمة فاجلدوها". وإحصان الأمة إسلامها، وقد يجوز أن يكون معنى قوله ﴿نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ﴾ يعني من الأبكار لأن إحصان الحرة قد يكون العفاف، وقد يكون الإسلام، وقد يكون التزويج، ولا يحصن الأمة لا تزويج ولا غيره إلا: الإسلام.
و ﴿ٱلْعَذَابِ﴾ الحد غير الرجم، قال ابن عباس: على الأمة إذا زنت وهي مع حر نصف حد الحرة، وهو خمسون والمعنى فلازم لهن نصف حد الحرة.
قوله ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ ٱلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ معناه ذلك الذي أبيح من نكاح الأمة لمن خشي العنت، وهو الزنا.
وقيل: هو الإثم. وقيل: العقوبة.
وقيل: الهلاك.
وأصل العنت في اللغة المشقة يقال: أكمة عنوت إذا كانت شاقة، فهذا يدل على جواز نكاح الإماء إنما يكون باجتماع الشرطين المذكورين، وهما: عدم الطول، وخوف العنت وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمة وهو يجد الطول إلى الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر.
* *
قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: عن نكاح الإماء خير لكم ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: غفور لكم عن نكاحهن على ما نصه لكم، وأذن لكم فيه قال ذلك السدي وابن عباس وطاوس وغيرهم.
* *
قوله: ﴿رَّحِيمٌ﴾ أي: رحيم بكم إذ أذن لكم في نكاحهن عند الاقتدار وعدم الطول للحرة.
النساء 4:26
قوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآية.
المعنى يريد الله أن يبين لكم حلاله من حرامه، ويبين لكم طرق الإيمان من قبلكم لتتبعوه، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يرجع بكم إلى طاعته ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ عليم بمصلحة عباده حكيم في تدبيره فيهم.
والمعنى عند النحويين يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم ومثله ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] أي: أمرت بهذا لأعدل بينكم، وفي هذه الآية عند أهل النظر دليل على أن ما حرم علينا قد حرم على من قبلنا لقوله ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقيل: المعنى سنن من قبلكم من المؤمنين خاصة.
النساء 4:27
قوله ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
والمعنى والله يريد أن يرجع بكم إلى طاعته ليغفر لكم ما سلف لكم من ذنوبكم في جاهليتكم من نكاحكم حلائل آبائكم وأبنائكم، وغير ذلك مما ركبتموه ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ﴾ أي: ترجعوا عن الحق وهو الزنا.
قال مجاهد: يريدون أن تزنوا مثلهم.
ومعنى الشهوات: شهوات الدنيا ولذاتها.
وقيل: هم اليهود والنصارى قاله السدي، وقيل: هم اليهود خاصة يريدون أن تنكحوا الأخوات من الأب مثلهم لأنهم يحلون ذلك.
وقال ابن زيد: هم طلاب الباطل، وأهل الزنا.
النساء 4:28
قوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ الآية.
أي: يريد أن يوسع عليكم في نكاح الفتيات المؤمنات عند عدم الطول، وخوف العنت: ﴿وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ أي لا يستطيع الصبر عن شهوة النساء.
وقرأ ابن عباس: وخلَق الإنسانَ بالفتح أي: وخلق الله الإنسان ضعيفاً، يعني ضعيفاً في أمر النساء لا يقدر على الصبر عن الجماع.
قال أبو محمد رضي الله عنه: وتخفيف الله (تعالى) عن عباده أعظم من أن يحصى، لم يكلفهم ما ليس في وسعهم ولا ما لا يطيقون، وضاعف حسناتهم بعشر أمثالها، إلى سبعمائة مثل "وإذا همَّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه شيء وتكتب له حسنة، وإن عملها كتبت سيئة واحدة فإن استغفر منها محيت عنه" وفضل الله ورأفته بخلقه أكثر من أن يحصى.
النساء 4:29
قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ الآية.
﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً﴾ الأكثر في كلام العرب أن تستعمل إلا أن يكون في الاستثناء لغير ضمير فيها على معنى إلا يحدث أو يقع وإن في موضع نصب استثناء ليس من الأول واختار أبو عبيدة النصب على إضمار الأموال في تكون، وغير مختار عند أهل اللغة لأن أكثر كلام العرب في هذا لا يضمرون فيها شيئاً.
ومعنى الآية إنهم نهوا عن أكل الأموال بالربا، والقمار والظلم والبخس ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً﴾ فليربح ما شاء فيها قال ذلك السدي، وغيره وهو اختيار الطبري فهي محكمة.
وقيل: نزلت في ألا يأكل أحد متاع أحد إلا بشراء، أو بقيود، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] الآية.
قال ذلك الحسن وعكرمة وغيرهما.
قال الطبري: في هذه الآية دليل على فساد قول من ينكر طلب الأقوات والتجارات، والصناعات من المتصوفة الجهلة لأنه حرم أكل الأموال بالباطل، وأباح أكلها بالتجارات عن تراض من البائع والمشتري، ومعنى ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ هو الخيار فيما تبايعا فيه ما لم يفترقا من مجلسهما الذي تبايعا فيه، وهو قول الشافعي.
وقيل: التراضي هو الرضى بعقد البيع والشراء، فإذا تراضيا فقد تم البيع افترقا أو لم يفترقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.
وقال القتبي ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ [عن] موافقة منكم لما أحله الله تعالى وتورع عما حرمه من القمار والربا والبيوع الفاسدة.
وقيل: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ عن رضى من البائع والمشتري.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهو معنى قول النبي ﷺ "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض
وقيل معناه: لا تتجروا في بلاد العدو فتغدروا بأنفسكم. وقرأ الحسن "ولا تقتّلوا" بالتشديد على التكثير.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾، أي: رحمكم الله بأن حرم دماءكم، بعضكم على بعض.
النساء 4:30
قوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً﴾ الآية.
المعنى: ومن يقتل أخاه المؤمن اعتداء وظلماً ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾. وقيل: المعنى ومن يفعل ما قد حرم الله عليه مما ذكر في أول السورة إلى ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾.
وقيل: المعنى من يأكل مال أخيه بالباطل ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً﴾. والعدوان المجاوزة للشيء ﴿نُصْلِيهِ﴾ نورده ناراً فيصلاها.
النساء 4:31
قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.
الكبائر هي: من أول السورة إلى ثلاثين آية منها في قول جماعة من العلماء. وقال علي رضي الله عنه على المنبر في الكوفة: والكبائر سبع فسئل عنها، فقال: الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يريد أن يرجع الرجل أعرابياً بعدما هاجر إلى الله (تعالى) ورسوله.
وقيل: الكبائر منصوصة في كتاب الله عز وجل على ما روي عن علي رضي الله عنه وهي سبع قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [الحج: ٣١] وقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً﴾ [النساء: ١٠] وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ﴾ [النور: ٢٣].
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ﴾ قال فيمن ولي ﴿فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٦] وقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ [النساء: ٩٣].
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: ٢٥].
وقال عطاء: الكبائر سبع وهي: قتل النفس، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ورمي المحصنات، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وروي أن ابن عمر قال: تسع زاد على ما قال عطاء: السحر، والإلحاد في البيت الحرام.
وقال ابن مسعود: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [الحج: ٣١].
وقال: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ ٱلضَّآلُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦] وقال:
﴿لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] وقال ﴿فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩].
وقال ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو (كبيرة)، وروي عنه أنه قيل له: أسبع هي، قال: هي إلى السبعين أقرب. وأنه قال هي إلى سبع مائة أقرب.
وقيل: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وقاله عمر رضي الله عنه وروي عن ابن عباس أنه قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو عذاب وهذا قوله جامع.
وقال الحسن: الكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار في كتابه: كالشرك، وهو أكبر الكبائر، وقتل النفس، وأكل الربا، والزنا، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والإدمان على الخمر وشبهه.
وقد يكون الذنب صغيراً فإذا أصر عليه صار كبيراً بالإصرار عليه، وترك التوبة، والإقلاع عنه، فالإصرار على الذنب ذنب عظيم.
(وقيل: الكبائر كل ما لا يقبل معه عمل، نحو: الشرك بالله سبحانه، وقتل الأولاد، والسحر، والكفر برسول الله عليه السلام وبآبائه، وشبهه).
وقال زيد بن أسلم: كل ذنب يصلح معه عمل فليس بكبيرة والله يغفر السيئات والحسنات.
وقد قال بكر القاضي: من أعظم الكبائر سب السلف وتنقصهم، وشهادة الزور عند الحكام، وعدول الحكام على الحق، واتباعهم للهوى.
ومن الكبائر: اللواط، والإصرار على الصغائر من الكبائر. "والندم توبة" والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة والجماعات.
وقال أبو بكر رضي الله عنه: إن الله يغفر الكبيرة فلا تيأسوا، ويعذب على الصغير فلا تغتروا.
وقال عمر: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. وسئل النبي ﷺ عن الكبائر فقال: "الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قوله الزور (أو) قال وشهادة الزور" وروي أنه قال: "واليمين الغموس
وروي عنه أنه قال: "من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصام رمضان واجتنب الكبائر، فله الجنة، قيل: وما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف
وقال ابن مسعود سألت النبي ﷺ عن الكبائر؟ فقال: "أن تدعو لله نداً وقد خلقك، (وأن تقتل ولدك) من أجل أن يأكل معك، أو تزني بحليلة جارك، وقرأ علينا رسول الله ﷺ ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ﴾
وروي عنه ﷺ أنه قال: "هو الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وقول الزور، والغلول، والسحر وأكل الربا واليمين الغموس
ومعنى قوله ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أنه تعالى وعد أن يكفر الصغائر باجتناب الكبائر وقال النبي عليه السلام: "اجتنبوا الكبائر وسددوا وابشروا
وقال ابن مسعود: في خمس آيات من سورة النساء لهن أحب إلي من الدنيا
* *
قوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٠]
* *
وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
* *
وقوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] الآية.
قال (ابن عباس): ثمان آيات نزلت في سورة النساء هن خير لهذه الأمة لما طلعت عليه الشمس وغربت أولها ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]. الآية، والثانية ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] الآية، والثالثة ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] الآية ثم ذكر الخمس التي ذكرها ابن مسعود.
وقيل معناه: إن السيئات تكفرها الصلوات الخمس ما اجتنبت الكبائر.
ومن فتح الميم من (مَدخلاً) احتمل أن يكون مصدر دخل، وأن يكون اسماً للمكان من أدخل، والمدخل الكريم هو المكان الحسن في الجنة.
النساء 4:32
قوله: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ الآية.
نهى المؤمنين أن يتمنوا ما فضل الله به بعضهم على بعض وأمرهم أن يسألوه من فضله، وروي أن أم سلمة قالت يا رسول الله: لا نعطى الميراث؟ ولا نغزو في سبيل الله تعالى فنقتل؟ فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هو الرجل يقول: وددت لو أن لي مال فلان، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يسألوه من فضله لأن التمني يورث الحسد والبغي.
وقال السدي: نزلت في الرجال والنساء. وقال الرجال: لو كان لنا من الأجر مثلا ما للنساء كما لنا من الميراث مثلا ما لهن، وقال النساء: لو كان لنا أجر مثل الرجال الشهداء، فلو كتب علينا القتال لقاتلنا، فقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ وقال ﴿وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾.
وقال ابن جبير: ﴿وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ العبادة.
وقيل: اسألوه التوفيق، والعمل بما يرضيه.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾. أي: لم يزل عالماً بما يصلح عباده، فلا يحسد بعضهم بعضاً.
* *
قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ المعنى: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الأبواب على الطاعة، والعقاب على المعصية وللنساء مثل (ذلك).
وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء شيئاً، فلما أنزل الله ميراثهم، قال النساء: لو جعل أنصباءنا (في الميراث كالرجال، وقال الرجال: إنَّا لنرجو أن نفضل النساء في الحسنات في الآخرة كما فُضِّلنا) في الدنيا عليهن بالميراث فأنزل الله تعالى ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ يقول: المرأة تجزى بحسنتها ﴿عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ كما جزي الرجل، ثم قال: ﴿وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾.
وقيل: إنه لما نزل ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ قالت النساء: كذلك عليهم نصيبان من الذنوب، كما لهم نصيبان من الميراث فأنزل الله عز وجل ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُواْ﴾ أي: من الذنوب وللنساء مثل ذلك ﴿وَٱسْأَلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾.
وقيل: المعنى: للجميع نصيب من موتاهم.
وقيل: المعنى: للرجال نصيب من موتاهم.
وقيل: المعنى: للرجال نصيب من الأجر وهو الجهاد، وخصوا به وبأجره، وللنساء نصيب من الأجر خصصن به، وهو حفظها لزوجها في السر والعلانية، ونظرها لزوجها، وطاعتها له وإصلاحها عليه كل لها فيه أجر خصت به.
النساء 4:33
قوله ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ﴾ الآية.
الموالي: الورثة، يعني العصبة، كذلك قال ابن جبير عن ابن عباس، وقال مجاهد وقتادة: فالمعنى ولكلكم جعلنا عصبة يرثون ما تركتم، ولفظ الآية عام يراد به الخصوص إذ ليس [كل إنسان له عصبة معلومة ترثه، وكل إنسان له عصبة غير معلومة. وقد قال مالك: كل] من هلك من العرب فلا يخلوا أن يكون له وارث بهذه الآية وإن لم تعرف عينه.
* *
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ كان الرجل يحالف الرجل وليس بينه وبينه نسب يرث أحدهما الآخر، فأمروا أن يعطوهم نصيبهم. ثم نسخ الله ذلك بالميراث بقوله ﴿وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥، والأحزاب: ٦] وقال ابن عباس: "كانت الأنصار ترث المهاجرين للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم حين نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ﴾ فنسخت ما كانوا عليه.
قوله ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ يعني من النصر والنصيحة والرفد ويوصى لهم.
وقال ابن عباس وغيره: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه، فأنزل الله عز وجل ﴿وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ﴾ ثم قال:
﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٦] أي: إلا أن ترضوا للذين عاقدتم وصية، فهي لهم جائزة من الثلث.
والمعاقدة التي كانت بينهم هو أن يقول: دمي ودمك، وتطلب بي وأطلب بك، وتورثني وأرث بك، فجعل في أول الإسلام السدس من المال، ويقسمُ الباقي في الورثة ثم نسخ ذلك في الأنفال.
وقيل: نزلت في الذين كانوا يتبنون في الجاهلية، فأمروا أن يوصوا لهم ونسخ فرضهم.
وقال ابن إسحاق: كان الرجل الذليل يأتي العزيز فيعاقده باليمين ويقول له: أنا ابنك، ترثني وأرثك، وحرمتي وحرمتك، ودمي ودمك، وثأري ثأرك، فأمر الله عز وجل بالوفاء لهم قبل تسمية الميراث، ثم نسخ بالميراث في الأنفال.
النساء 4:34
قوله: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ الآية.
قال ابن عباس: الرجل أمين على المرأة تطيعه فيما أمرها به، فهو قائم عليها يقوم بنفقتها، ومؤنتها ويسوق مهرها، فهو فضله (الذي فضله) الله عز وجل عليها.
وقال السدي: معنى قوله: "قوامون يأخذون على أيديهن ويؤدبوهن. وهذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، لطم امرأته فخوصم، إلى النبي عليه السلام فقضى لها بالقصاص فأنزل الله عز وجل ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ الآية: فلم يقتص منه، قاله الحسن وقتادة.
وقيل: إن قوله ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] نزل في أمر الرجال حين جعل عليه القصاص، وعلى ذلك أهل التفسير.
كان الزهري يقول: ليس بين الرجل، وامرأته قصاص فيما دون النفس. وروي أن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ قالت: ما بال النساء لهن نصيب وللرجال نصيبان؟ ما بال شهادة امرأتين مثل شهادة رجل؟ وذكرت أشياء في فضل الرجال، فأنزل الله عز وجل ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾.
وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: قدمتُ الشام، فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوقع في نفسي أَنَّا أحق أن نفعل هذا بالنبي فلما قدمت المدينة سجدت له، فقال ما هذا فأخبر(ته) بما رأيت فقال: "لو كنت آمراً أن يسجد أحد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي امرأة حق الله عليها حتى تؤدي حق زوجها"
ومعنى: ﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ الآية.
أي: بفضل الرجل على النساء، كانوا قوامين عليهن بما فضل، هو جودة العقل والتمييز والإنفاق، وسَوْق المهر والجهاد وجواز الشهادة وغير ذلك، كله فضل به الرجل على المرأة.
* *
قوله: ﴿وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ أي: "فضل الرجال على النساء بما ذكرنا، ﴿وَبِمَآ﴾ ساقوا من أموالهم إلى النساء من مهور ونفقة ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ﴾ هن المستقيمات لأزواجهن" ﴿قَٰنِتَٰتٌ﴾ أي: طائعات لله ولأزواجهن ﴿حَٰفِظَٰتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ أي يحفظن أنفسهن عند غيبة أزواجهن [في فروجهن وأموال أزواجهن.
وقيل: المعنى: طائعات لأزواجهن] ما غاب عنهم من سرهن وشأنهن.
وقال النبي ﷺ: "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك. وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك، في مالك ونفسها" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ﴾ الآية
ومعنى ﴿بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ أي: يحفظ الله إياهن: أي صيرهن كذلك قال سفيان: لحفظ الله إياها إذ جعلها كذلك.
ومن نصب "الله" وهي قراءة جعفر، فالمعنى: فيهن يحفظهن الله في طاعته، وأداء حقه فيما لزمهن به في حفظ غيبة أزواجهن، كقولك للرجل: ما حفظت الله في كذا وكذا والمعنى: بمراقبتهن في حفظ أزواجهن.
وفي قراءة ابن مسعود: بما حفظ الله فأحسنوا إليهن وأجملوا.
والرجل له الحجر على المرأة بنفسها، ومالها إذا تجاوزت الثلث ولا تفعل شيئاً إلا بإذنه إلا في الفرائض التي فرض الله عليها، فلا طاعة له عليها في ذلك من الصلوات وإخراج الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، هذا مذهب مالك، وله أن يؤدبها تأديباً غير مبرح.
* *
قوله: ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ الآية.
"واللاتي" في موضع رفع بالابتداء، وتقديره عند سيبويه: وفيما يتلى عليكم اللاتي، والمحذوف: الخبر، وعند غيره: الخبر: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾، ويجوز أن تكون "اللاتي" في موضع نصب على قول من قرأ: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] بالنصب.
و ﴿تَخَافُونَ﴾ عند الفراء وأبو عبيدة بمعنى توقنون وتعلمون، (وهو) على بابه عند غيرهما.
والنشوز هو: امتناع المرأة من فراش زوجها، والخلاف له فيما يلزمها من طاعته. وأصل النشوز الارتفاع والانزعاج، فكأنهن ارتفعن عن أداء حق الأزواج، وطاعتهم يقال: نشزت ونشصت. وقيل: النشوز البغض قاله السدي.
وقال ابن زيد: النشوز المعصية والخلاف. وقال عطاء: النشوز أن تحب فراقه.
وقال ابن عباس: هو أن تستخف بحقه، ولا تطيع أمره "فعظوهن" أي: خوفوهن، وذكروهن الله.
وقال ابن عباس: فعظوهن بكتاب الله وبطاعته، وهو قول الجماعة.
﴿وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ﴾ إذا لم يرجعن مع الوعظ فاهجروهن بترك جماعهن ومضاجعتهن.
وقال السدي: وغيره: "يرقد عندها ويوليها ظهره، ويطؤها ولا يكلمها".
روي عن ابن عباس أنه قال: يهجرها في المضجع من غير أن يذكر نكاحاً، وذلك عليها شديد.
(وقيل: المعنى [اهجروهن في الكلام حتى يرجعن إلى مضاجعتكم كأنه قال]: اهجروهن من أجل المضاجع.
وقال ابن عباس الهجران إنما هو في أمر المضجع، وأنها لو تركت لم تضاجع، وقال ابن جبير اهجروهن يأتين مضاجعكم).
وقال عكرمة وغيره: إنما الهجران بالمنطق، ويلزم من قال هذا أن يقطع الألف لأنه إنما يقال في هذا المعنى الإهجار، يقال: أهجر فلان في منطقه إذا تكلم بالقبيح. وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: "إذا باتت المرأة مهاجرة لزوجها لعنتها الملائكة حتى ترجع
وقوله ﴿وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: إن لم يرجعن بالهجران في المضاجع، فيضربن ضرباً غير مبرح، كذلك قال المفسرون: وقال النبي ﷺ في خطبة له "ضرباً غير مبرح" وعنه "غير مؤثر
واختار الطبري في الآية أن يكون المعنى: واضربوهن من أجل المضاجع.
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ إلى ما يجب عليهن ﴿فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي: فلا تلتمسوا عليهن طريقاً في الظلم، وهو التعالي عليهن ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّاً﴾ المعنى لا تبغوا عليهن العلل فتُعلوا أيديكم عليهن، فإن الله ذو علم فوقكم وفوق كل شيء، فأيديكم وإن كانت عالية، فليس من أجلها علوا تبغوا عليهن، وتطلبوا العلل فإن الله أعلى يداً وأكبر من كل شيء. وقيل: المعنى: لا تبغوا عليهن سبيلاً لا تكلفوهن الحب لكم إنما لكم عليهن المساعدة في الجماع أما القلب فليس بيدها منه شيء.
النساء 4:35
قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية.
خفتم عند أبي عبيدة بمعنى أيقنتم، ورد ذلك الزجاج وقال: لو أيقنا لم نحتج إلى الحكمين، وخفتم على بابه. والمعنى: وإن خفتم أيها الناس مشاقة أحد الزوجين لصاحبه، وهو إتيان كل واحد منهما ما يشق على الآخر فالمرأة تقصر عن أداء حقه، والزوج أن يمسك بغير معروف ﴿فَٱبْعَثُواْ حَكَماً﴾ هذا مخاطبة للسلطان الذي يرفع إليه أمرهما قال: وإذا نشزت المرأة يعظها، فإن انتهت وإلا هجرها، فإن انتهت وإلا ضربها فإن انتهت وإلا رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث حكماً من أهله وحكماً من أهلها فيقول الحكم الذي من أهلها: يفعل بها كذا وكذا، ويشتكي بما تشتكي منه، ويقول الحكم الذي من أهله: تفعل به كذا، فيشتكي أيضاً بما يشتكي الزوج منه، فأيهما كان أظلم رده السلطان وأخذ عليه.
وقال السدي: "المرأة تبعث حكماً من أهلها، والرجل نفسه يبعث حكماً من أهله بتوكيل كل واحد منهما، لكنها بالنظر لهما، فيعملان ما وكل به، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه.
وروي عنه أنه قال لحكمين وَجَّه بهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما.
وقال ابن عباس: (بعثت أنا ومعاوية حكمين، فقيل لنا: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما) فإن عثمان قد بعثهما.
قال مالك: أحسن ما سمعت من أهل العلم أن الحكمين يجوز قولهما بين الرجل والمرأة في الفرقة والاجتماع.
وقال قتادة: يبعث السلطان الحكمين ليعرفا الظالم من المظلوم، فيحملاهما على الواجب فلا يفرقان بينهما.
وقال الشافعي: لا يفرقان إلا بأمر الزوج.
وقال جماعة: حكم الحكمين ماض في التفرقة وغيره، وإنما يأتي الحكمان فيخلو حَكَم الرجل به ويسأله عما يشتكي. ويخلو حَكَم المرأة بها، ويسألها عما تشتكي؟ ثم يجتمعان، فيجتهدان، فإن رأيا التفريق فرقا، وإن رأيا الترك تركا، وأصلحا.
وقيل: إنهما ينظران الظالم منهما، فإن كانت المرأة وعظها، وجبرها على طاعة زوجها، وإن كان الرجل وعظاه وجبراه أن يتقي الله تعالى فيها، فيمسك بمعروف أو يسرح بإحسان، والحكم هنا الناظر بالعدل، قاله الضحاك وغيره.
وقيل: هما القاضيان بينهما يقضيان بما فوض إليهما الزوجان.
* *
وقوله: ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ قيل: الضمير للحكمين إن يريدا أن يصلحا بين الرجل والمرأة ﴿يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ أي "بين الرجل والمرأة، قاله ابن عباس وابن جبير ومجاهد.
وقيل الضمير للزوجين لأنه لا يقال حكم إلا لمن يريد الإصلاح فغير جائز أن يقال: إن يرد الحكمان إصلاحاً وهما لا يسميان بهذا الاسم إلا وهما يريدان الإصلاح ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً﴾ بما يريد الزوجان أو الحكمان من إصلاح خبيراً بذلك.
النساء 4:36
قوله تعالى: ﴿وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أي: وأحسنوا بهم إحساناً كقولك ضرباً زيداً، بمعنى اضرب زيداً، وأجاز الفراء رفع إحساناً بالابتداء، والمخفوض الخبر كأنه قال: وعليكم بالوالدين إحسان. ومعنى الآية: أن الله تعالى أمر عباده بالتذلل له والطاعة ولا يشركوا به، وأمرهم بالإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين وإلى الجار ذي القربى، وهو ذو القرابة، والرحم منك، قاله ابن عباس وغيره. وقيل: هو الذي جمع الجوار والقرابة فله حقان، قاله الضحاك وقتادة وابن زيد.
وقيل: هو الذي تقرب منك بالإسلام والجوار، لا بالرحم.
﴿وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ﴾ هو الذي يبعد منك لا قرابة بينك وبينه، [قاله ابن عباس، وقال قتادة ومجاهد: هو جارك الذي ليس بينك وبينه] قرابة فله حق الجوار.
وقال السدي: هو الغريب يكون بين القوم، وقال: الجار الجنب: الزوجة، ذكره ابن وهب عن بعض رجاله.
وقيل: هو اليهودي والنصراني.
﴿ٱلْجُنُبِ﴾ البعيد، ومنه اجتنب فلان فلاناً إذا بعد منه، ومنه قيل للجنب: جنب لبعده من الطهر، والصلاة حتى يغتسل، ومنه قيل: رجل أجنبي أي بعيد غريب، فمعنى ذلك: والجار المجانب للقرابة أي: البعيد منها.
وسئل أعرابي عن الجار الجنب فقال: هو الذي يجيء فيحل حيث تقع عليه عينك.
وقال القتبي: الجيران على أربعة أقسام أحدهم: من ساكنك في الدار ولهذا سمت العرب الزوجة جارة، وقال الأعشى لامرأته:
؎ أي جارتنا بيني فإنك طالقة ∗∗∗ كذاك أمور الناس غاد وطارقة
والثاني: الملاصق منزلك، والثالث: الذي معك في المحلة، وإن لم يلاصقك وعلى هؤلاء الثلاثة وقعت الوصية من الله عز وجل والرابع: هو الذي جمعك وإياه بلد واحد يقول الله تعالى في المنافقين: ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ٦٠] يعني المدينة.
وكان الأوزاعي يقول: الجوار أربعون دار من كل ناحية. وقيل من سمع الإقامة فهو جار.
قال علي رضي الله عنه: من سمع النداء فهو جار المسجد.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "الجيران ثلاثة: جار (له) عليك حق وهو (غير) المسلم، له عليك حق الجوار، وجار له عليك حقان هو المسلم، له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له عليك ثلاثة حقوق، وهو المسلم ذو القرابة له حق الجوار وحق الإسلام وحق القرابة
قوله: ﴿وَٱلصَّاحِبِ بِٱلجَنْبِ﴾ الآية.
قال ابن عباس وغيره: هو رفيق الرجل في سفره، وكذلك قال قتادة ومجاهد وعكرمة.
وعن ابن عباس: هو الرجل الصالح.
وكذلك روي عن علي رضي الله عنه، والحسن بن علي: أنه امرأة الرجل. وعن ابن عباس مثله، وهو قول النخعي وابن أبي ليلى. وقال ابن جريج وابن زيد: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك ورفقك.
﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ المسافر يجتاز بك ماراً، قاله مجاهد وقال الضحاك: هو الضعيف. والسبيل: الطريق، وابنه صاحبه الماشي فيه فله حق على من يمر به إذا كان مستقره في غير معصية، وأضيف إلى الطريق لأنه إليها يأوي وفيها يبيت.
* *
قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ﴾ يعني حض الله تعالى [خلقه] بجميع ما ذكر أن يحسنوا إليهم، قوله: ﴿مُخْتَالاً﴾ أي: ذو خيلاء وهو المفتعل من خال الرجل يخول:
"والخال ثوب من ..........."
والفخور المفتخر على عباد الله عز وجل بما أنعم الله تعالى عليه من رزقه، وهو مع ذلك كفور لربه عز وجل لا يشكره، فهو مستكبر على ربه سبحانه، مستطيل مفتخر على عباد الله جلت عظمته، وقال مجاهد المختال: المتكبر.
النساء 4:37
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ الآية:
﴿ٱلَّذِينَ﴾ "بدل مِن" مَن وقيل: هم في موضع رفع بالابتداء، والخبر
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] أي لا يظلم. وقال الأخفش: الذين في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف دل عليه ما بعده، وتقديره الذين يبخلون قرناء الشيطان ودل على هذا قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَآءَ قِرِيناً﴾ [النساء: ٣٨] وقد أغفل النحاس في الإعراب هذا القول فلم يذكره وهو في كتاب الأخفش. وقيل: الذين في موضع (رفع) بدل من الضمير في فخور، ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على إضمار أعني.
والبخل لغتان، وفيه [لغتان] غير هاتين، ويقال: البُخُل والبَخْل، ومعنى الآية: إن الله لا يحب المختال الفخور الذي يبخل بماله ويأمر الناس بالبخل.
وقد روي أن البخل هنا: كتمان أمر محمد عليه السلام، وعنى به اليهود والنصارى وهم يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.
* *
ومعنى ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ هم اليهود كتموا و ﴿مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ﴾ من أمر محمد ﷺ وما عندهم من علمه.
وقال ابن زيد: هم اليهود بخلوا بما آتاهم الله من الرزق، وكتموا ما آتاهم من العلم في أمر النبي ﷺ وغيره.
وقال ابن عباس: كان رجال من أشراف يهود يأتون رجالاً من الأنصار، ويخالطوهم، ويستنصحون لهم: لا تنفقوا أموالكم فإنا نخاف عليكم الفقر في ذهابها، فأنزل الله عز وجل ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يكتمون نبوة محمد ﷺ وأمره وذلك كله في التوراة.
وروي أن فيها: خاتم النبيين، وسيد العاملين، وأمته الحمادون، ويشدون أوساطهم، ويفترسون جبالهم، تسيل دموعهم على خدودهم وهم يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم.
* *
قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ أي للجاحدين نبوة محمد ﷺ ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أي مذلاً.
النساء 4:38
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
﴿وَٱلَّذِينَ﴾ في موضع جر عطف على الكافرين، ويجوز أن يعطف على ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ و ﴿رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ﴾ مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال:
﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ حال كأنه: مرائين غير مؤمنين.
ويجوز أن يكون مؤمنون مرفوعاً على القطع أي: وهم لا يؤمنون.
ومعنى الآية: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ هذا من صفة المنافقين.
وقيل: هو صفة اليهود أيضاً، وهو بصفة المنافقين أليق وأحسن، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، واليهود يؤمنون بالبعث، وقد وصفهم الله تعالى أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر فهو إلى المنافقين أقرب.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً﴾ أي: خليلاً يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمر الله تعالى، فبئس الخليل خليله.
* *
قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ﴾ المعنى: أي الشيئين على الذين يبخلون إذا أنفقوا رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لو آمنوا وصدقوا وأنفقوا مما رزقهم الله لوجه الله، ولم يبخلوا مما رزقهم الله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً﴾ أي هو ذو علم بما يعملون لم يزل كذلك ولا يزال.
النساء 4:39
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
﴿وَٱلَّذِينَ﴾ في موضع جر عطف على الكافرين، ويجوز أن يعطف على ﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ و ﴿رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ﴾ مفعول من أجله، ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال:
﴿وَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ حال كأنه: مرائين غير مؤمنين.
ويجوز أن يكون مؤمنون مرفوعاً على القطع أي: وهم لا يؤمنون.
ومعنى الآية: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَـآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ هذا من صفة المنافقين.
وقيل: هو صفة اليهود أيضاً، وهو بصفة المنافقين أليق وأحسن، لأنهم لا يؤمنون بالبعث، واليهود يؤمنون بالبعث، وقد وصفهم الله تعالى أنهم لا يؤمنون باليوم الآخر فهو إلى المنافقين أقرب.
* *
قوله: ﴿وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً﴾ أي: خليلاً يعمل بطاعته، ويتبع أمره، ويترك أمر الله تعالى، فبئس الخليل خليله.
* *
قوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ﴾ المعنى: أي الشيئين على الذين يبخلون إذا أنفقوا رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لو آمنوا وصدقوا وأنفقوا مما رزقهم الله لوجه الله، ولم يبخلوا مما رزقهم الله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِم عَلِيماً﴾ أي هو ذو علم بما يعملون لم يزل كذلك ولا يزال.
النساء 4:40
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿يُضَٰعِفْهَا﴾ يدل على أضعاف كثيرة إذ لو أراد مرة لقال: يضاعفها، ومعنى الآية: إن الله تعالى لا يبخس واحداً فعل خيراً مثقال ذرة أي: قدر وزن الذرة فما فوق ذلك، والذرة في قول ابن عباس: رأس النملة الحمراء.
وقال النبي ﷺ: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة وأما الكافر فيعظم بها في الدنيا فإذا كان يوم القيامة لم تكن له حسنة" وقال ﷺ: "يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"، وقال الخدري: حين حدث بهذا الحديث عن النبي عليه السلام فإن شككتم (فَاقْرَءُوا) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
وأتى رجل إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال له: بلغني أنك تقول الحسنة تضاعف ألف ألف ضعف، وقال أبو هريرة: لم أقل ذلك، ولكني قلت تضاعف الحسنة ألفي ألف ضعف.
والذرة هنا عند أهل العلم النملة الصغيرة وقال يزيد بن هارون: زعموا أنه لا وزن لها.
وقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من عند الله تعالى: ألا من كان يطلب مظلمة فليجيء إلى حقه فيأخذه "قال فيفرح والله المرء أن له الحق على والده وولده أو زوجته وأخته فيأخذه منه، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
فيقال له: إيت هؤلاء حقوقاً؟ فيقول: يا رب من أين يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله عز وجل لملائكته: انظروا [في] أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرة من حسنة، قالت الملائكة: يا ربنا - وهو أعلم بذلك منها - أعطينا كل ذي حق حقه، وبقي له مثقال ذرة من حسنة، فيقول الله عز وجل لملائكته: ضعفوها لعبدي وأدخلوه برحمتي الجنة" ومصداق ذلك في كتابه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ﴾ أي: من عنده ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: الجنة يعطيها تفضلاً منه لا إله إلا هو، وإن فنيت الحسنات، وبقيت السيئات وبقي طالبون قال الله تعالى: ضعوا عليهم من أوزارهم واكتبوا له كتاباً إلى النار.
* *
قوله: ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾ هذا لأهل الإيمان كلهم، وروي عن ابن عمر: أنها في المهاجرين خاصة، قال: نزلت الآية في الأعراب ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ قال: فقال رجل: ما للمهاجرين؟ فقال النبي ﷺ: ما هو أعظم من ذلك وقرأ
﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ الآية
واختار الطبري أن تكون المضاعفة أكثر من عشرة للمهاجرين خاصة، وقال: هو في معنى حديث أبي هريرة، تضاعف بألفي ضعف أي للمهاجرين، واحتج بأن الله عز وجل قد اخبرنا أن الله يجزي بالحسنة عشر أمثالها، فلا يجوز أن يكون في خبره اختلاف، ولكن ذلك للمهاجرين وهذا لغيرهم.
النساء 4:41
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية.
العامل في "كيف" "جئنا"
المعنى: فكيف يكون حالهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد على أعمالهم، وجئنا بك يا محمد على أمتك شهيداً، وكان النبي عليه السلام إذا أتى على هذه الآية فاضت عيناه، وقال ابن مسعود: أمرني رسول الله عليه السلام أن أقرأ عليه سورة النساء حتى بلغت ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً﴾ فاضت عينا رسول الله ﷺ بالدموع فسكت.
قال السدي يأتي النبي يوم القيامة منهم من أسلم معه من قومه واحد والاثنان، والعشرة، وأقل وأكثر من ذلك حتى يأتي لوط صلوات الله عليه وسلم لم يؤمن معه إلا بنتاه فيقال للنبيين: هل بلغتم ما أرسلتم به؟ فيقولون: نعم فيقال له: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد عليه السلام. فتدعى أمة محمد عليه السلام فيقال لهم: إن الرسل ادعوا عندكم شهادة فبم تشهدون؟ فيقولون: يا ربنا نشهد أنهم قد بلغوا كما شهدوا في الدنيا في التبليغ، فيقال: من يشهد على ذلك؟ فيقولون: محمد ﷺ، فيشهد محمد ﷺ أن أمته قد صدقت، وأن الرسل قد بلغوا فذلك قوله ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾.
ومن رواية يونس عن ابن وهب عن إبراهيم عن حيان بن أبي جيلة بسنده إلى النبي عليه السلام أنه قال: إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل فيقول الله عز وجل: ماذا فعلت في ... هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم، أي رب، قد بلغت جبريل، فيدعى جبريل فيقول له: هل بلغك إسرافيل عهدي؟ فيقول: نعم يا رب، قد بلغني، فيخلى عن إسرافيل، فيقال لجبريل: هل بلغت عهدي؟ فيقول: نعم قد بلغته الرسل، فيدعى الرسل فيقول: هل بلغكم جبريل عهدي؟ فيقولون: نعم، فيخلى عن جبريل ثم، يقال للرسل: ما فعلتم بعهدي؟ فيقولون: بلغنا أممنا، فيدعى الأمم، فيقال لهم: هل بلغكم الرسل عهدي؟ فمنهم المكذب، ومنهم المصدق، فيقول الرسل: إن لكم علينا شهداء يشهدون أنا قد بلغنا مع شهادة، فيقول الله عز وجل: من يشهد لكم؟ فيقول الرسل: أمة محمد ﷺ، فتدعى أمة محمد ﷺ، فيقول الله عز وجل: أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليهم؟ فيقولون: نعم، رب شهدنا أنهم قد بلغوا، فتقول تلك الأمم: (لا). كيف يشهدون علينا ولم يدركنا؟ فيقول لهم الرب: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولاً، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، فقصصت علينا قصصهم، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب تعالى ذكره: صدقوا، فكذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ الآية
وقد مضى في هذه الآية ما فيه كفاية وهذه زيادة إن لم يتقدم لفظها وإن كان قد تقدم معناها.
وفي رواية أخرى عن الأوزاعي قال النبي ﷺ: أول من يسأل يوم القيامة عن البلاغ: اللوح المحفوظ. يقال: هل بلغت إسرافيل ما أمرت به؟ فيقول: نعم، قيل لإسرافيل: هل بلغك اللوح المحفوظ ما أمر به؟ فيقول: نعم، فما أرى شيئاً أشد فرحاً يوم القيامة من اللوح المحفوظ حين صدقه إسرافيل، ثم كذلك إسرافيل وجبريل والأنبياء
قال في الحديث: فما أرى شيئاً (أشد فرحاً) من كل واحد إذا صدقه من أرسل إليه ثم قرأ الأوزاعي: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ الآية.
قال الضحاك هو قول الله تعالى ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
النساء 4:42
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية.
يوم يجيء من كل أمة شهيد يتمنى الكافرون ﴿لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ﴾ أي: يصيرون تراباً مثلها كما قال: ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]. ومن قرأ "تُسوى" (بالضم)، فالمعنى يتمنون لو سواهم الله والأرض سواء، ومن قرأ "تَسوى" بالفتح والتخفيف، فهو مثل المشددة، إلا أنه حذف إحدى التاءين.
وقيل المعنى: لو انقسمت بهم الأرض فيصاروا في بطنها. وقال الحسن في قراءة الضم: إن المعنى "لو تسوى" بالتخفيف عليهم، والباء بمعنى على، فالمعنى تنشق فتسوى عليهم.
* *
قوله: ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ أي: لا تكتم جوارحهم حديثاً من الله.
قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام جحدوا فقالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فختم الله على أفواههم وتكلمت (أيديهم)، وأرجلهم فلا يكتمون الله حديثاً، وعنه هذا التفسير باختلاف ألفاظ.
وسبب تفسيره لهذا القول من له يقول الله عن الكافرين أنهم قالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقد كتموا ويخبر أنهم لا يكتمون الله حديثاً ففسره بما ذكرنا، وقوله ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ على قول غير ابن عباس أنهم يودون لو استووا بهم الأرض، ولا يكتمون الله حديثاً لما عاينوا جوارحهم تشهد عليهم.
وقيل: المعنى يومئذ لا يكتمون الله حديثاً، ويودون لو تسوى بهم الأرض، وهو معنى تفسير ابن عباس لأن السائل سأل كيف أخبر أنهم لم يكتموا الله حديثاً، وقد أخبر أنهم كتموا في قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقيل: المعنى يتمنون لو استووا مع الأرض، وليس يكتمون الله حديثاً أي هو عالم بهم وبما أسروا مما يودون ويتمنون بهم، وإن لم ينطقوا به، فليس ذلك بكتمان على الله [تعالى - كأن الكلام قد تم على قوله - لو تسوى بهم الأرض، ثم قال: وليس يخفى على الله] من حديثهم شيء وهذا جواب ثالث عن الآيتين.
وقيل: المعنى أنهم يتمنون إذ عصوا الرسول أن يسووا مع الأرض ويودون لا يكتمون الله حديثاً.
وكتمانهم الذي ندموا عليه هو قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهو جواب ثالث لمن سأل عن الآيتين.
وقال قتادة: هي مواطن في يوم القيامة، فمواطن يجحدون، ومواطن يقرون.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال له: رأيت أشياء تختلف علي في القرآن، فقال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ فقال: ليس بشك، ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، فقال: أسمع الله عز وجل يقول:
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال ﴿وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ فقد كذبوا إذا ادعوا الإسلام. فقال ابن عباس: وماذا؟ قال أسمعه يقول:
﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠].
وقال: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾ [فصلت: ٩].
إلى قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] الآية.
وقال في آية أخرى: ﴿أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * [وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا]﴾ [النازعات: ٢٧-٢٩]
﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]. وأسمعه يقول: ﴿[وَكَانَ] ٱللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٧] الآية.
فقال ابن عباس: "أما قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام، يغفر لهم الذنوب جميعاً، ولا يتعاظم ذنب يغفره، ولا يغفر شركاً، جحدوا وقالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم الله عز وجل على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثاً﴾ يريد أنهم ندموا في جحدهم وقالوا: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وأما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فإنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات، ومن في الأرض إلا من شاء الله ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠].
وأما قوله ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ...﴾ الآية فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخاناً فسواهن سبع سماوات في يومين بعد خلق الأرض. وأما قوله: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فإنه تعالى دحاها بعد خلق السماوات، وجعل فيها جبالاً وأنهاراً وبحوراً.
وأما قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ﴾ فإن الله لم يزل كذلك عزيراً حكيماً قديراً لم يزل كذلك وما اختلف عليك من القرآن فهو شبه ما ذكرت لك.
وقال مجاهد: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: مع ذلك.
النساء 4:43
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ الآية.
﴿جُنُباً﴾ و ﴿عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ نصب على الحال.
* *
ومعنى ﴿سُكَٰرَىٰ﴾ أي: من الخمر، وهذا قبل تحريم الخمر فأمرهم الله ألا يقربوها، وهم سكارى حتى يعلموا ما يقولون.
وقيل: إن ناساً من أصحاب النبي ﷺ شربوا الخمر قبل تحريمها، فصلى بهم أحدهم فقرأ: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ﴾ فخلط فيها، فنزلت الآية، ينهاهم عن قرب الصلاة في حال السكر حتى يعلموا ما يقرأون ثم نسخ شربها بالتي في المائدة.
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "فِيَّ أنزلت الآية" ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ قال: دعانا رجل من أصحاب النبي ﷺ طلحة وغيره فأكلنا وشربنا. فقدموني إلى الصلاة فقرأت فيها: (قل يا أيها الكافرون، أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما تعبدون) فكان هذا قبل تحريم الخمر. وقيل هي محكمة.
ومعنى السكر هنا: "السكر من النوم"، قاله الضحاك.
وعلى القول الأول أكثر أهل التفسير والعلماء لتواتر الأخبار أنها نزلت في الخمر قبل تحريمه.
* *
قوله: ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: لا تقربوها جنباً إلا أن تمروا [بـ] موضعها مجتازين حتى تغتسلوا.
وقيل المعنى: في ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا أن تكونوا مسافرين فتتيمموا لها. وقال علي بن أبي طالب وقاله مجاهد وابن جبير قال: هو الرجل يكون في السفر تصيبه جنابة فيتيمم ويصلي. وعليه جماعة من أهل التفكير فيكون المعنى لا تصلوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء، وقيل: معنى لا تقربوا مواضع الصلاة جنباً إلا عابري سبيل أي: أن تكونوا مجتازين في المسجد.
[قال ابن عباس ﴿إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾. قال لا تقربوا المسجد إلا أن يكون طريقك فتمر فيه مراً ولا تجلس، وقال النخعي: يمر فيه إذا لم يجد طريقاً غيره.
وقال ابن زيد: نزلت في رجل من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، وكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، يريدون الماء فلا يجدون ممراً، إلا المسجد، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ رخصة لهم.
وذهب مالك والشافعي أن الجنب يمر في المسجد عابر سبيل.
قال مالك: لا تدخل الحائض المسجد، وأرخص لها غيره أن تمر فيه كالجنب.
وقال ابن حنبل: إذا توضأ الجنب فلا بأس أن يجلس في المسجد.
وكذلك قال إسحاق.
والجنب هنا من أنزل في قول جماعة من العلماء دون أن يجامع ولا ينزل، روي عن النبي ﷺ أنه قال:
"الماء من الماء"فلا غسل عليه إلا بإنزال الماء عند جماعة من الصحابة هو قول علي وابن مسعود والخدري وابن عباس وأُبي بن كعب، وسعد بن أبي وقاص، ورافع بن خديج، وأبي أيوب الأنصاري.
قال غيرهم: والجنب في الآية من أنزل، أو التقى منه الختانان، وإن لم ينزل لأن في كلاهما الطهر عندهم، فمن أولج، ولم ينزل بمنزلة من أنزل في الحكم فكلاهما لا يقرب المسجد إلا عابري سبيل.
وإيجاب الطهر من التقاء الختانين، وإن لم ينزل قول عامة الفقهاء، وهو قول عمر، وعثمان، وابن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وغيرهم وهو مذهب مالك والشافعي والثوري وأهل العراق، وجماعة من الفقهاء، وقد تواترت الأخبار بإيجاب الغسل من التقاء الختانين عن النبي ﷺ.
* *
قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَىٰ﴾ أي: بجرح أو جُدري أو غير ذلك من الأمراض المانعة من الغسل فتيمموا.
قال مالك: المرض هنا هو المريض الذي به جراحة رخص له في التيمم.
وقيل: المريض هنا هو الذي لا يجد من يأتيه بالماء.
﴿أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين غير واجدين الماء وأنتم جنب فتيمموا.
* *
قوله: ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن ٱلْغَآئِطِ﴾ أي: من قضى حاجته فلم يجد ماء فليتيمم، والغائط: ما اتسع من الأرض، وقيل: هو الموضع المنخفض المستور وكثر ذلك حتى قيل لمن قضى حاجته متغوط. قال أبو عبيدة: "أصل الغائط المكان المطمئن من الأرض".
* *
قوله: ﴿أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ اللمس هنا الجماع، وقيل: هو ما دون الجماع، أرخص الله لهم أن يتيمموا إذا لم يجدوا ماء، والمقيم والمسافر في جواز التيمم له عند عدم الماء سواء، وعلى من عدم الماء التيمم لكل صلاة لأنه يطلب الماء لكل صلاة وعند عدمه يتيمم. ومعنى لمستم أو لامستم واحد.
وقيل: لامستم يريد به الجماع، ولمستم: القبلة والمباشرة.
وقال المبرد: "لمستم الأولى أن يكون بمعنى قَبَّلْتُم، لأن لكل واحد منهما فعلاً، ولمستم بمعنى غشيتم، ومسستم أن المرأة ليس لها في هذا الفعل شيء فلمستم بمعنى غشيتم. وقال أبو عمرو: "لامستم بمعنى: الجماع". ومذهب الكسائي: أن اللمس بمعنى الغمز والإفضاء ببعض الجسد إليها.
والصعيد: الأرض الملساء التي لا نبت فيها قاله قتادة. وقيل: هو الأرض المستوية، قاله ابن زيد. وقيل: الصعيد التراب، وقيل: وجه الأرض.
والصعيد في اللغة وجه الأرض، والطيب هنا النظيف الطاهر، وقال سفيان: "معنى طيباً" أي حلال لكم، كما تقول هنالك ذلك.
* *
قوله: ﴿بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ أي منه، ومسح الأيدي في التيمم هو إلى حد الوضوء إلى المرفقين، وهو قول ابن عمر والحسن والشعبي وسالم بن عبد الله، وهو قول مالك والليث والثوري والشافعي وعبد العزيز بن أبي سلمة وأصحاب الرأي.
وقيل: التيمم إلى الكفين إلى الزندين، وهو موضع قطع السارق، وهو مذهب عكرمة، والأوزاعي وابن جبير ومكحول وعطاء، وروي ذلك عن ابن المسيب والنخعي وغيرهم.
وقيل التيمم إلى الآباط، وهو قول الزهري.
وهذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي ﷺ نزلت بهم جنابة في سفر فلم يجدوا ماء، وشاهد هذا القول ما قالت عائشة رضي الله عنها في قصة العقد فكانت الآية، والرخصة من بركتها رضوان الله عليها.
النساء 4:44
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم، وقيل: ألم تخبر يا محمد. وقيل: ألم تر بقلبك، يا محمد إلى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله، والنصيب الحظ - وهو اليهود.
﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾ أي تعدوا عن الحق والطريق المستقيم ﴿يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ﴾ أي: يختارون الضلالة على الهدى ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: أعلم منكم بأمرهم وبما يسرون من آرائهم، ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً﴾ أي: [به] فاكتفوا، وله فانتصروا على أعدائكم.
النساء 4:45
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تعلم، وقيل: ألم تخبر يا محمد. وقيل: ألم تر بقلبك، يا محمد إلى الذين أُعطوا حظاً من كتاب الله، والنصيب الحظ - وهو اليهود.
﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾ أي تعدوا عن الحق والطريق المستقيم ﴿يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ﴾ أي: يختارون الضلالة على الهدى ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: أعلم منكم بأمرهم وبما يسرون من آرائهم، ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً﴾ أي: [به] فاكتفوا، وله فانتصروا على أعدائكم.
النساء 4:46
قوله: ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ الآية.
المعنى أن "من" متعلقة بـ ﴿ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً﴾ أي هم من الذين هادوا. وقيل: المعنى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم. وقيل: المعنى من الذين هادوا من يحرفون الكلم. حكي عن العزيز يقول أي: من يقول ذلك.
وقيل: "من" متعلقة بنصير، أي: وكفى بالله نصيراً من هؤلاء القوم، أي: ينتصر منهم في الآخرة، فاكتفوا بنصرته منهم أيها المؤمنون.
واختار قوم أن يكون المحذوف من كما قال: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] أي: من له، كما يقول له: منا يقول ذلك ومنا لا يقوله، أي: من يقوله ومن لا يقوله ومذهب سيبويه تقدير قوم كما ذكرنا أولاً.
واختار أهل التفسير أن يكون "من" متعلقة بالذين أوتوا نصيباً من الكتاب".
* *
ومعنى ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ﴾ أي: يتأولونها على غير وجهها، ويعدلونها عن ظاهرها، والكلم هنا كلام النبي عليه السلام، وقال مجاهد: الكلم كلم التوراة يبدلونها، وهو جمع كلمة.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾: يقولون لمحمد ﷺ: سمعنا قولك، وعصينا أمرك، يخفون العصيان، ويظهرون السمع والطاعة إذا أرادوا أن يكلموه، قال: ﴿وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: يقولون في أنفسهم: لا سمعت، يقولون ﴿رَٰعِنَا﴾ يوهمونهم أنهم يريدون: أرعنا سمعك، وهم يريدون به الرعونة في لغتهم.
وقيل معنى ﴿وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع غير مقبول منك، ويلزم قائل هذا أن يقول غير مسموع منك. ومعنى ﴿لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ أي: تحريفاً إلى السب والاستخفاف.
وقيل: كانوا يريدون بقولهم ﴿رَٰعِنَا﴾ أي: راعينا مواشينا، ويوهمون أنهم يريدون راعنا، أي: انتظرنا وارفق بنا، وإنما يريدون الرعي رعي المواشي عن طريق الهزء والاستخفاف والمغالطة.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك وأطعنا أمرك ﴿وَٱسْمَعْ﴾ أي: اسمع منا ﴿وَٱنْظُرْنَا﴾ أي: انتظرنا نفهم عنك ما تقول لكان ذلك [﴿خَيْراً لَّهُمْ] وَأَقْوَمَ﴾ أي وأعدل.
النساء 4:47
قوله: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا﴾ الآية.
هذا خطاب لليهود الذين كانوا حوالي رسول الله ﷺ أمرهم الله تعالى أن يؤمنوا بالقرآن الذي هو مصدق للتوراة ومحقق لها.
ورويأنها نزلت في نفر من اليهود، خاطبهم النبي عليه السلام، ودعاهم إلى الإسلام وقال لهم: والله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به حق، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد فتوعدهم الله جل ذكره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ آمِنُواْ﴾
وروي أن عبد الله بن سلام كان بالشام، فأقبل حتى أتى النبي عليه السلام قبل أن يدخل على أهله فأسلم - وقال: لقد خفت، وأنا مقبل ألا أصل إليك حتى يصير وجهي خلفي. وقيل: معنى ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ﴾ أي: آمنوا من قبل أن تمحق صورة الوجوه حتى تصير كالأقفية تذهب بالأنف والعين والحاجب وغير ذلك من أدوات الوجه ويصير كالقفا.
وقيل المعنى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ﴾ أبصار الوجوه فتصير لا تنظر شيئاً كالقفا.
* *
ومعنى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ﴾ يرجع الوجه في موضع القفى، فيصير يمشي القهقري، قال قتادة: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ﴾ تحول وجوهها قبل ظهورها.
وقال مجاهد والحسن: المعنى من قبل أن نعمي قوماً عن الحق فنردهم على أدبارهم في الصلاة والكفر.
وقيل: المعنى: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً﴾ أي: نمحو آثارها، فنردها على أدبارها أي: نجعلها منابت للشعر كوجوه القردة. واختار الطبري قول ابن عباس أن المعنى من قبل أن نعمي أبصارها، فنردها في موضع القفى، وتصير الوجوه في موضع القفى فيمشي القهقرى، ولا معنى لقول من قال: معناه أن نعمي قوماً فنردهم عن الحق إلى الضلالة لأن المخاطبين بهذا هم اليهود، وهم ضالون كافرون، فلا معنى لتوعدهم أن يجعلوا ضالين كافرين وهم كذلك. وقد قيل: معناه من قبل أن نطمس وجوههم التي هم فيها يريد مواضعهم وترددهم إلى الشام وهو بعيد، والطمس في اللغة العفو والدثور.
وقال مالك: كان أول إسلام كعب أنه مر برجل من الليل وهو يقرأ ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً﴾ الآية فوضع كعب يده على وجهه ورجع القهقرى إلى بيته، فأسلم مكانه وقال: والله لقد خفت ألا أبلغ بيتي حتى يطمس وجهي.
* *
قوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ﴾ معناه أن نخزيهم، فنجعلهم قردة كما أخزينا أصحاب السبت الذين اعتدوا فيه.
قاله قتادة والحسن والسدي وابن زيد، وهذا من الرجوع إلى الغيبة بعد المخاطبة مثل ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ﴾ [يونس: ٢٢].
وقد قيل: معناه: أو نلعن أصحاب الوجوه، فلا يكون فيه خروج من خطاب إلى غيبة على هذا.
* *
قوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولاً﴾ أي: كائناً موجوداً، والأمر في هذا الموضع: المأمور، وسمّي بالأمر لأنه عن الأمر كان (فمعناه): ولم يزل مأمور الله موجوداً كائناً إذا أراده وجده لا إله إلا هو، فهو مصدر وقع موقع المفعول كما قال ﴿هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] أي: مخلوقه.
النساء 4:48
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية.
قال ابن عمر: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة له بالنار حتى نزلت: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فأمسكنا عن الشهادة.
وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] إلى قوله
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: والشرك يا رسول الله. فنزلت ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ فكان قوله
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] أنه ما دون الشرك.
وقيل: المعنى ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بعد التوبة ولا يحسن هذا لأنه يجب منه أن يكون من تاب، ومات على توبته موقوفاً على المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء لم يغفر له، وهذا قول لم يقله أحد، ولا يجوز اعتقاده بل الميت على توبته مغفور له بإجماع.
* *
قوله: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾: أي: يشرك في عبادته غيره ﴿فَقَدِ ٱفْتَرَىٰ﴾ أي: اختلق: ﴿إِثْماً عَظِيماً﴾.
روى جابر بن عبد الله أنه قال: سئل النبي ﷺ عن الموجبتين، فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله دخل النار"
النساء 4:49
قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
معناه ألم تر بقلبك يا محمد، إلى اليهود الذين يطهرون أنفسهم من الذنوب ويمتدحونها، وهو قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فلا ذنوب لنا، قاله قتادة.
وقال الحسن وابن زيد: هم اليهود والنصارى قالوا:
﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: ١١١] وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
قال الضحاك والسدي: قالت اليهود ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون إنما نحن مثلهم ما عملنا بالنهار كفّر عنا بالليل، وقال الله عز وجل: ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠] الآية.
وقال مجاهد: تزكيتهم تقديم أولادهم لإمامتهم ولدعائهم يزعمون أنهم لا ذنوب لهم.
وقال عكرمة: كانوا يقدمون الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم يصلون بهم، يقولون: ليست لهم ذنوب.
وقال ابن عباس كانوا يقولون: إن أبناءنا إن توفوا فهم لنا قربة عند الله يستشفعون لنا ويزكوننا.
وقال: ابن مسعود: "كانوا يقولون: كان بعضهم يزكي بعضاً، فقال الله تعالى: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يزكي بعضهم بعضاً، كما قال ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] أي: يقتل بعضكم بعضاً.
* *
قوله: ﴿بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾. أي: يوفق من يشاء للطاعة، والعمل بما يزكيه أي: يزكي عمله. والزكاة: النماء.
* *
قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ أي: ليس ينقصون من حقوقهم مقدار الفتيل، وروي عن ابن عباس انه قال: الفتيل ما خرج بين أصابعك من الوسخ إذا فتلتهما.
وقيل: ما خرج بين الكفين إذا فتلتهما. وعن ابن عباس أيضاً: الفتيل الذي في بطن النواة، يعني في شق النواة كالخيط، ومثله عن مجاهد، وهو فعيل بمعنى: مفعول: وقيل: الفتيل ما في (بطن) النواة.
والنقير: (النقرة) التي في ظهرها منها تنبت [النخلة]. والقطمير: القشرة الملفوفة عليها.
قال الأخفش: يزكون أنفسهم تمام، وخولف في هذا لأن ما بعده متصل به.
النساء 4:50
قوله: ﴿انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الآية.
معناها: انظر يا محمد، كيف يختلقون الكذب على الله في تزكيته لأنفسهم وقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وكفى بفعلهم ﴿إِثْماً مُّبِيناً﴾ أي: ظاهراً.
النساء 4:51
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية.
معناها: ألم تر يا محمد بقلبك إلى الذين أعطوا حظاً من الكتاب يعني: علماء بني إسرائيل أعطوا في كتابهم أمر النبي ﷺ وصفته فكتموه.
قال عكرمة: الجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما. وقال ابن عباس: الأصنام هي الجبت والطاغوت الذين يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وروي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: الجبت الساحر والطاغوت الشيطان.
وقال ابن جبير: الجبث بلسان الحبشة الساحر، والطاغوت الكاهن، وكذلك قال أبو العالية. وقال قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وكذلك قال السدي. وعن ابن جبير أيضاً: الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان.
وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهما رئيسان من رؤساء اليهود، وكذلك قال الضحاك والفراء.
والجبت والطاغوت عند أهل اللغة كل ما عبد من دون الله [عز وجل، وروي عن ابن وهب عن مالك أنه قال: الطاغوت ما عبد من دون الله] سبحانه، قال الله عز وجل: ﴿ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، قال: فقلت لمالك: وما الجبت قال: سمعت من يقول: هو الشيطان.
قال قطرب: الجبت أصله عند العرب الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير فيه ولا عنده، فأبدلت التاء عن السين، وهي لغة رديئة لا يجب أن يحمل القرآن عليها.
وعن عمر: أن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان.
* *
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ أي: يقول اليهود لبعض الكفار، هؤلاء أصحابكم أهدى من المؤمنين بالله ورسوله طريقاً، يغبطونهم بتكذيب محمد ﷺ وما جاء به، وذكر أن ذلك من قول كعب بن الأشرف.
وقال ابن عباس: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم، قال: نعم، قالوا: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، فأنزل الله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] وأنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ...﴾ الآية.
قال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي ﷺ وأمرهم أن يغزوه، وقال: أنا معكم نقاتله فقالوا: أنتم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، وقال: أنتم خير من محمد، فأنزل الله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية.
فالجبت والطاغوت على هذا الخبر هما الصنمان. وقال ابن زيد: فاعل ذلك حيي بن أخطب. وقيل: هو كعب، وحيي ورجلان من اليهود من بني النضير لقوا قريشاً بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ إن أهل السقاية والسدانة وأهل الحرم، فقال له: لا أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهم يعلمون أنهم كاذبون حملهم على ذلك الحسد، فأنزل الله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، الآية. قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: أخزاهم وأبعدهم من رحمته ﴿وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ﴾ أي: يخزيه ويبعده عن توفيقه ورحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ﴾ من ينصره من عقوبة الله ولعنته سبحانه.
النساء 4:52
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية.
معناها: ألم تر يا محمد بقلبك إلى الذين أعطوا حظاً من الكتاب يعني: علماء بني إسرائيل أعطوا في كتابهم أمر النبي ﷺ وصفته فكتموه.
قال عكرمة: الجبت والطاغوت صنمان كان المشركون يعبدونهما. وقال ابن عباس: الأصنام هي الجبت والطاغوت الذين يعبرون عنها الكذب ليضلوا الناس.
وروي عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: الجبت الساحر والطاغوت الشيطان.
وقال ابن جبير: الجبث بلسان الحبشة الساحر، والطاغوت الكاهن، وكذلك قال أبو العالية. وقال قتادة: الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وكذلك قال السدي. وعن ابن جبير أيضاً: الجبت الكاهن والطاغوت الشيطان.
وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وهما رئيسان من رؤساء اليهود، وكذلك قال الضحاك والفراء.
والجبت والطاغوت عند أهل اللغة كل ما عبد من دون الله [عز وجل، وروي عن ابن وهب عن مالك أنه قال: الطاغوت ما عبد من دون الله] سبحانه، قال الله عز وجل: ﴿ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]، قال: فقلت لمالك: وما الجبت قال: سمعت من يقول: هو الشيطان.
قال قطرب: الجبت أصله عند العرب الجبس، وهو الثقيل الذي لا خير فيه ولا عنده، فأبدلت التاء عن السين، وهي لغة رديئة لا يجب أن يحمل القرآن عليها.
وعن عمر: أن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان.
* *
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ أي: يقول اليهود لبعض الكفار، هؤلاء أصحابكم أهدى من المؤمنين بالله ورسوله طريقاً، يغبطونهم بتكذيب محمد ﷺ وما جاء به، وذكر أن ذلك من قول كعب بن الأشرف.
وقال ابن عباس: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم، قال: نعم، قالوا: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية، قال: أنتم خير منه، فأنزل الله ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] وأنزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ...﴾ الآية.
قال عكرمة: انطلق كعب بن الأشرف إلى المشركين من كفار قريش فاستجاشهم على النبي ﷺ وأمرهم أن يغزوه، وقال: أنا معكم نقاتله فقالوا: أنتم أهل كتاب، وهو صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، فإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل، وقال: أنتم خير من محمد، فأنزل الله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية.
فالجبت والطاغوت على هذا الخبر هما الصنمان. وقال ابن زيد: فاعل ذلك حيي بن أخطب. وقيل: هو كعب، وحيي ورجلان من اليهود من بني النضير لقوا قريشاً بالموسم، فقال لهم المشركون: أنحن أهدى أم محمد وأصحابه؟ إن أهل السقاية والسدانة وأهل الحرم، فقال له: لا أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهم يعلمون أنهم كاذبون حملهم على ذلك الحسد، فأنزل الله عز وجل ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، الآية. قوله ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: أخزاهم وأبعدهم من رحمته ﴿وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ﴾ أي: يخزيه ويبعده عن توفيقه ورحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ﴾ من ينصره من عقوبة الله ولعنته سبحانه.
النساء 4:53
قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ﴾ الآية.
أم هاهنا بمعنى: بل أي: بل لهم نصيب. وقيل: أم عاطفة على شيء محذوف قبلها تقديره: أهم أولى بالنبوة ممن أرسلت أم لهم نصيب؟. والمعنى: ليس لهم حظ من الملك، ولو كان لهم لم يعطوا الناس منه نقيراً لبخلهم. وقيل: الناس هنا: محمد ﷺ. والنقير النقطة في ظهر النواة وقيل: النقير هنا نَقْر الإنسان بأطراف أصابعه، والفائدة فيها: وصفهم بالبخل وأنهم لو كانوا ملوكاً لبخلوا بالشيء الحقير اليسير.
النساء 4:54
قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ﴾ الآية.
المعنى: أن اليهود حسدوا قريشاً إذ كان النبي ﷺ منهم، فوبخهم الله عز وجل وقال: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ فيجب أن يحسدوهم أيضاً، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ وهو ما أعطى سليمان ﷺ فكيف لم يحسدوا هؤلاء.
وقال ابن عباس: عنى بالناس: محمد ﷺ ومن آمن به. وعنه أنه قال: نحن الناس: يعني قريشاً، وهو قول عكرمة والسدي ومجاهد والضحاك... حسدوه في أمر النساء، وقالوا: قد أحل الله له من النساء ما شاء، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ﴾ أي: محمداً ﷺ على ما أحل الله له من النساء، وهو الفضل فوق أربع، فأم بمعنى بل هنا، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ قال السدي: كانت لداود مائة امرأة ولسليمان أكثر من ذلك. وقال القتبي: كانت لسليمان سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية.
قال همام: ﴿مُّلْكاً عَظِيماً﴾ أيدوا بالملائكة والجنود.
قال أبو عبيدة: معنى ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾: (أيحسدون).
وقيل الناس هنا: العرب، حسدهم اليهود إذ كان محمد ﷺ منهم فهو الفضل. وقيل: الملك العظيم النبوة. وقيل: هو تحليل النساء لهم. وقيل: هو ما أعطي سليمان. وقيل: "الملك العظيم": هو تأييدهم بالملائكة.
واختار الطبري أن يكون ﴿مُّلْكاً عَظِيماً﴾ هو ما أوتي سليمان ﷺ من الملك وتحليل النساء.
النساء 4:55
قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ الآية.
المعنى: فمن أهل الكتاب الذين قيل لهم آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم: من آمن بالله عز وجل. وقيل: بمحمد ﷺ. وقيل: بالقرآن وهو أبينها لقوله: ﴿آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً﴾ ثم قال ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بما نزلنا، وهو القرآن، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: لم يؤمن به.
وقيل: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: عن محمد ﷺ (أي): أعرض عنه، وقيل: ﴿مَّنْ آمَنَ بِهِ﴾: القرآن. قاله مجاهد، وقيل: "به" بهذا الخبر. وذكر السدي في قصة طويلة أن إبراهيم صلوات الله عليه، كان عنده طعام كثير بورك له فيه كسبه من زرع زرعه من قمح كونه من عند الله تعالى، فكان الناس يأتونه في مجاعة يطلبون منهم شراء الطعام، فيقول: هذا الطعام من آمن بالله فليأخذ منه، ومن لا يؤمن بالله فلا شيء له، وآمن بعض وأخذوا، وامتنع قوم من الإيمان فلم يأخذوا، فهو قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ﴾.
وفي هذه الآية دليل علي أن من لم يؤمن قد أخرت عقوبته التي توعد بها في قوله: ﴿مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَآ﴾ إلى يوم القيامة لإيمان من آمن منهم وهو قوله: ﴿وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ وإنما كان الوعيد لهم من الله جلت عظمته بالعقوبة على مقام جميعهم على الكفر، فلما آمن بعضهم خرجوا عن الوعيد الذي توعدوا به في دار الدنيا، وهو الطمس وأخرت عقوبة المقيمين على الكفر.
وسعير: فعيل، مصروف عن مفعوله كما قال: كف خضيب، ولحية دهين، والمسعورة: الموقودة بشدة التوقد، والمعنى وكفى بجهنم سعيراً لمن صد عنه، أي: أعرض عن محمد ﷺ، وما جاء به.
النساء 4:56
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ الآية.
هذا وعيد من الله عز وجل لمن أقام على الكفر وأعرض عن النبي ﷺ وما جاء به ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً﴾ أي نلقيهم في النار.
وقيل المعنى: سوف نشويهم بنار. يقال أصليته: ألقيته في النار وصليته شويته، فنلقيهم أولى بالمعنى لأنه رباعي.
* *
قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي احترقت واشتوت.
قال ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها بيضاء مثل القراطيس.
قال الحسن: تأكلهم النار كل يوم سبعين ألف مرة، كلما أكلتهم قيل لهم عودوا فيكونون كما كانوا. قال الربيع: سمعنا أنه مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعاً، وسنه تسعون ذراعاً، وبطنه لو وضع فيه جبل وسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلوداً غيرها. قال الحسن: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال: وغلظ جلد الكفار أربعون ذراعاً، والله أعلم بأي ذراع.
وإنما جاز أن يبدلوا جلوداً غير جلودهم التي كانت في الدنيا فيعذبون منها وهي لم تذنب، لأن الألم إنما يصل إلى الإنسان الذي هو غير الجلد واللحم، وإنما تحرق النار الجلد ليصل الألم إلى الإنسان، وينعم ليصل النعيم إلى الإنسان، وليس يألم الجلد ولا اللحم وإنما يألم الإنسان، ألا ترى أنه لو مات وحرق الجلد واللحم لم يكن ألم ثابت يحس، وإنما هو بمنزلة الجندل إذا زالت الإنسانية منه.
وقيل: المعنى: بدلناهم جلوداً غير محرقة، أي يصير الجلد (غير) محرق، وهو كما تقول: صغ لي خاتماً من هذه الفضة، فإذا تم الخاتم فهو الفضة بعينها.
وقيل: المعنى: كلما نضجت سرابيلهم بدلوا سرابيل من قطران غيرها، فجعلت السرابيل لهم جلوداً لملازمتهم لها كما يقال: الشيء الخاص بالإنسان هو الجلدة ما بين عينيه لملازمته لها. وقد أخبر الله بلباسه السرابيل من قطران فقال
﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] فأما جلودهم فليس تحرق لأن في احتراقها فناءها، وفي فنائها راحتها وجواز فناء غيرها من أجسامهم ولحومهم. وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يخفف عنهم ولا يموتون.
والاختيار عند أهل النظر أن يكون الجلد الأول أعيد جديداً كما كان، كما تقول صغت من خاتمي خاتماً فأنت وإن غيرت المصوغة، فالفضة واحدة لم تبدلها.
* *
قوله: ﴿ لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ﴾ أي: فعلنا ذلك ليذوقوا العذاب أي: ألمه وشدته ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً﴾ أي: لم يزل عزيزاً في انتقامه لا يقدر على الامتناع منه أحد ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيره وقضائه.
النساء 4:57
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الآية.
المعنى الذين آمنوا بمحمد ﷺ وبما جاء به وأدوا العمل الصالح فندخلهم يوم القيامة بساتين تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً أي: بغير نهاية ولا انقطاع ﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي بريئات من الأدناس والريب والحيض والغائط والبول والمخاط، وغير ذلك من أقذار بني آدم ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِـلاًّ ظَلِيلاً﴾ (أي): كثيفاً كما قال ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها
وقيل: معنى ﴿ظِـلاًّ ظَلِيلاً﴾ أي: يظل من الحر والبرد وليس كذلك كل ظل فأعلمهم الله تعالى أن ظل الجنة لا حر معه ولا برد.
النساء 4:58
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾ الآية.
قال زيد بن أسلم: نزلت الآية في ولاة أمور المسلمين.
قال مكحول في وقوله: ﴿وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: هم أهل الآية التي قبلها في قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا﴾.
وقال ابن زيد: قال أبي: هم الولاة أمرهم الله عز وجل أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها.
وقال ابن جريج: خوطب بهذا النبي عليه السلام أن يرد مفاتيح الكعبة على عثمان بن طلحة كان المفتاح لآبائه من قصي، وكان أبوه قتل يوم بدر فورثه من أبيه طلحة.
وروي أن النبي ﷺ قال: يا عثمان خذ المفاتيح على أن للعباد معك نصيباً، فأبى أن يأخذه حتى نزلت الآية، فدفعه النبي ﷺ ولم يشرك معه أحداً، فهو اليوم في ذريته الأمثال فالأمثال.
وكان النبي ﷺ قد أخذها منه يوم فتح مكة، ففتح البيت ودخله، ثم خرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان بن طلحة فدفع إليه المفاتيح
وقيل: نزلت لما أخذ النبي ﷺ مفاتيح الكعبة من شيبة بن عثمان.
وروى أهل التفسير أن العباس عم النبي عليه السلام سأل النبي عليه السلام أن يجمع له السقاية والسدانة، وهي الحجابة، وهو أن يجعل له مع السقاية فتح البيت وإغلاقه، فنازعه شيبة بن عثمان فقال: "يا رسول الله: اردد علي ما أخذت مني"، يعني مفاتيح الكعبة فرده ﷺ على شيبة.
وقال الحسن: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة فقال: "أرنا المفتاح"، فلما أتاه به قال عباس: "يا رسول الله اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده مخافة أن يدفعه إلى العباس، فقال رسول الله ﷺ: يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فأرني المفتاح".
فقال: هاك في أمانة الله عز وجل، فأخذه رسول الله ﷺ، ففتح باب الكعبة، ثم دخل، فأفسد ما كان في البيت من التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم ﷺ فوضعه حيث وضعه، ثم طاف بالبيت مرة أو مرتين، ونزل جبرئيل عليه السلام بالآية يأمره أن يرد المفتاح إلى أهله، فدعا عثمان فقال: هاك المفتاح إن الله يقول: "أدوا الأمانات إلى أهلها وقرأ الآية كلها
وقال ابن عباس: الآية على العموم في كل من ائتمن على شيء فعليه رده إلى أهله.
واختار أهل النظر أن يكون خطاباً لولاة أمور المسلمين أن يؤدوا الأمانة. فيما ائتمنوا عليه من أمور المسلمين في أحكامهم والقضاء في حقوقهم بكتاب الله، والقسم بينهم بالسوية، ويدل على صحة ذلك أن الله تعالى أمر المسلمين بطاعتهم بعد ذلك فقال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فحض الولاة على العدل والإنصاف بين المسلمين، وحض المسلمين على طاعة الولاة.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: نعمه العظيمة يعظكم بها يا ولاة أمور المسلمين، في أداء ما ائتمنتم عليه من أموال المسلمين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعاً﴾ أي: لم يزل سميعاً لما تقولون وتنطقون وتحكمون في رعيتكم ﴿بَصِيراً﴾ بما تعملون فيما ائتمنكم عليه من الحكم والإنصاف، لا يخفى عليه شيء من أفعالكم. وهذا كان لولاة أمور المسلمين ومن قام مقامهم من الحكام، وقد حض على ذلك في غير موضع من كتابه فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: ٩٠].
وقال: ﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
وقال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، و ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال: ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
وقال ﷺ "المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمان، وكلتا يديه - جلت عظمته - يمين هم الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وأموالهم
وقال ﷺ: "إن أحب الناس إلى الله عز وجل وأقربهم إليه سبحانه وتعالى - إمام عادل" وقال: "إن أبغض الناس إلى الله جل ذكره وأشدهم عذاباً إمام جائر" وقال ﷺ: "إن أفضل عباد الله منزلة إمام عادل رقيق، وإن شر عباد الله تعالى منزلة يوم القيامة إمام جائر
وقال معقل المزني عند موته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس من ولي أمة قلَّت أو كثرت لم يعدل فيهم إلا كبه الله على وجهه في النار
وروي عنه ﷺ أنه قال: "ما من أمير عشرة إلا وهو يجيء يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه حتى يكون عمله هو الذي يطلقه أو يوبقه، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
وقال ﷺ: "سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام مسقط، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل حتى توفاه الله على ذلك، ورجل ذكر الله في خلا، ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، ورجل كان قلبه متعلقاً بالمسجد حين يخرج منه حتى يرجع إليه، ورجل قال أحدهما للآخر: إني أحبك في الله، وقال الآخر: إني أحبك في الله، فتصادرا على ذلك، ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب إلى نفسها فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه
وقال النبي ﷺ في خطبته: "أصحاب الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ومصدق مؤمن، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير
قال ابن مسعود، إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليكم الصبر.
وقال بعض الحكماء: عدل الحكام أنفع من خصب الزمان.
النساء 4:59
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ ...﴾ الآية.
أي: دوموا على طاعته ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾ في سنته، وما أتاكم به ﴿وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: ولاة أموركم، وهم الأمراء، قال ذلك أبو هريرة، وابن عباس وغيرهما.
وقيل: هم أصحاب السرايا على عهد رسول الله ﷺ.
وقال زيد بن زيد أسلم: هم السلاطين.
وقال جابر بن عبد الله " هم أهل العلم والفقه والخير، قاله مجاهد وقتادة، وأبو العالية، وروي عن ابن عباس مثله وقاله عطاء، ولذلك قيل، إن الأمر في هذا: القرآن: فمعناه: وأولي القرآن، وأولي العلم بالقرآن، ودل على أن الأمر: القرآن قوله: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ [الطلاق: ٥].
وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي ﷺ في سرية. وروي عن مجاهد أنه قال: هم أصحاب محمد ﷺ.
وقال عكرمة: هم أبو بكر وعمر.
واختار أهل النظر أن يكون المراد أمراء مسلمين لقوله ﷺ: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم، وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم
قال ﷺ: "على المرء المسلم الطاعة
وقال ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما استقامت لهم هداتهم وولاتهم". والهداة العلماء العاملون بعلمهم.
* *
قوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ الآية.
المعنى: إن اختلفتم في شيء من أمور دينكم فردوه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، وحكمه.
وقيل: المعنى إن اختلفتم في شيء فقولوا: الله ورسوله أعلم، على التغليظ في الاختلاف والنهي عنه، قوله: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي هذا الفعل خير لكم في دنياكم وأخراكم، وأحسن عاقبة، لأنه يدعوكم إلى الإلفة وترك الاختلاف والتنازع، والفرقة.
وقال مجاهد ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾: أحسن جزاء.
وقيل: أحسن ثواباً، وخير عاقبة.
النساء 4:60
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية: معناه ألم تعلم بقلبك الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من الكتاب، وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به: أي: بما جاء به الطاغوت.
والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز وجل فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ذُكِّر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أُنِّث ذُهب [به] إلى معنى الألوهية، وإذا جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام.
قال الله في التذكير: ﴿وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ فذكر على معنى الشيطان، وقيل: هو كعب بن الأشرف.
قال الله جل ذكره: ﴿ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] فأنث على معنى الألوهية. وقال في الجمع: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فجمع على معنى: أولياؤهم الأصنام.
* *
قوله: ﴿يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ﴾ أن يضلهم أي: يضل هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه.
وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني به المنافق ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني به اليهود ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ﴾ وهو الكاهن ﴿وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن. وقيل: إنهما رجلان من اليهود تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي ﷺ والآخر يدعو إلى الكاهن فمضيا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ضَلاَلاً﴾ مصدر لفعل دل عليه ﴿يُضِلَّهُمْ﴾ كأنه فيضلهم ﴿ضَلاَلاً﴾ مثل: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ هذا ذم لفعل المذكورين أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله "أي: إلى كتابه جلت عظمته وإلى رسوله ﷺ ﴿رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ﴾ أي: يمتنعون عنك.
و ﴿صُدُوداً﴾: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر عند الكوفيين، والصد أيضاً مصدر عندهم.
ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض إلى رسول الله ﷺ.
وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ﷺ.
وقيل:دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ﷺ، فقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي ﷺ فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي ﷺ، وأبو بكر فلم يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج إلى المنافق فضاربه بالسيف فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي ﷺ، فسأله عن قصته فقال عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال النبي ﷺ: أنت الفاروق
ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك.
النساء 4:61
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية: معناه ألم تعلم بقلبك الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك من الكتاب، وهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمرهم الله أن يكفروا به: أي: بما جاء به الطاغوت.
والطاغوت كل ما عبد من دون الله عز وجل فهو جماعة، وهو يذكر ويؤنث، فإذا ذُكِّر ذهب به إلى [معنى] الشيطان وإذا أُنِّث ذُهب [به] إلى معنى الألوهية، وإذا جمع ذهب به إلى [معنى] الأصنام.
قال الله في التذكير: ﴿وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ فذكر على معنى الشيطان، وقيل: هو كعب بن الأشرف.
قال الله جل ذكره: ﴿ٱجْتَنَبُواْ ٱلطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] فأنث على معنى الألوهية. وقال في الجمع: ﴿أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] فجمع على معنى: أولياؤهم الأصنام.
* *
قوله: ﴿يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ﴾ أن يضلهم أي: يضل هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن الحق أي: يصدهم عنه.
وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين دعا رجلاً من اليهود في خصومة كانت بينهما، فكان المنافق يدعوه إلى اليهود لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، واصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن جهينة ليحكم بينهم، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، فأنزل الله هذه الآية فقوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني به المنافق ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ يعني به اليهود ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ﴾ وهو الكاهن ﴿وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾ أمر هذا في كتابه، وهذا في كتابه أن يكفروا بالكاهن. وقيل: إنهما رجلان من اليهود تخاصما فدعا أحدهما إلى النبي ﷺ والآخر يدعو إلى الكاهن فمضيا، فأنزل الله هذه الآية.
وقال ابن عباس: كانت اليهود إذا دعيت إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أبوا، وقالوا: بل نتخاصم إلى كعب بن الأشرف، فأنزل الله هذه الآية.
وقوله ﴿ضَلاَلاً﴾ مصدر لفعل دل عليه ﴿يُضِلَّهُمْ﴾ كأنه فيضلهم ﴿ضَلاَلاً﴾ مثل: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ هذا ذم لفعل المذكورين أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، فأخبر الله تعالى أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله "أي: إلى كتابه جلت عظمته وإلى رسوله ﷺ ﴿رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ﴾ أي: يمتنعون عنك.
و ﴿صُدُوداً﴾: هو اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر عنده الصد، وهو مصدر عند الكوفيين، والصد أيضاً مصدر عندهم.
ووقع الإخبار عن المنافق بالصد لأنه هو الذي دعا إلى الكاهن، ولم يمض إلى رسول الله ﷺ.
وقال ابن جريج: دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ﷺ.
وقيل:دعا اليهودي المنافق إلى رسول الله ﷺ، فقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، فلم يرض اليهودي بالكاهن، ومضيا إلى النبي ﷺ فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: لا أرضى، وقال: بيني وبينك أبو بكر، فحكم أبو بكر لليهودي، فلم يرض المنافق، فقال: بيني وبينك عمر، فمضيا إلى عمر فأخبره اليهودي أن المنافق قد حكم عليه النبي ﷺ، وأبو بكر فلم يرض بحكمهما، فقال عمر للمنفق: كذلك؟: قال: نعم، قال عمر اصبر، فإن لي حاجة ادخل فأقضيها وأخرج إليكما، فدخل وأخذ سيفه وخرج إلى المنافق فضاربه بالسيف فقتله، فجاء أهله فشكوا إلى النبي ﷺ، فسأله عن قصته فقال عمر: رد حكمك يا رسول الله! فقال النبي ﷺ: أنت الفاروق
ومعنى: يصدون عنك أي: عن حكمك.
النساء 4:62
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ الآية.
معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى.
تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله ﴿فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١].
وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] ألا ترى بعده ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ﴾ [التوبة: ٧] تقديره ما يكون للمشركين عهد.
وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١] وتكون تنبيهاً نحو قوله: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ [الإسراء: ٢١]، ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨].
وتكون توكيداً لما قبلها، وتحقيقاً له، نحو قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح.
والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: نزلت بهم نقمة من الله تعالى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بذنوبهم التي تلفت منهم ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ حالفين بالله ﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً﴾.
أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ولم يرجعوا إلى التوبة والاعتراف.
وقيل: أنهم أتوا النبي ﷺ في أمر القتيل الذي قتله عمر وحلفوا، أنا ما أردنا بطلب الدم إلا إحساناً وموافقة الحق.
* *
قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يعلم ما أضمروا من احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب الله ورسوله ﷺ، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (أي): فدعوهم ولا تعاقبهم في أبدانهم ولكن ﴿عِظْهُمْ﴾ بالتخويف من الله عز وجل أن تحل بهم عقوبة منه ﴿وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ هذا التوعد بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به.
وقيل: قوله ﴿فِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف إذا أصابتهم مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم.
وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير التقديم والتأخير مروي عن مجاهد.
النساء 4:63
قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ﴾ الآية.
معنى: كيف في هذا: الاستفهام، ولها معان أخرى.
تكون بمعنى التحذير، والتخويف نحو قوله ﴿فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ [النمل: ٥١].
وتكون بمعنى الجحود فتتبعها إلى نحو قوله ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٧] ألا ترى بعده ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ﴾ [التوبة: ٧] تقديره ما يكون للمشركين عهد.
وتكون كيف استفهام بمعنى التوبيخ والتعجب، نحو قوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠١] وتكون تنبيهاً نحو قوله: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا﴾ [الإسراء: ٢١]، ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨].
وتكون توكيداً لما قبلها، وتحقيقاً له، نحو قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] فهذا كله من تفسير الكوفيين النحويين وهو صحيح.
والمعنى كيف يكون حال هؤلاء الذين يتحاكمون إلى الطاغوت ويزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ويمتنعون أن يأتوا حكمك إذا أصابتهم مصيبة أي: نزلت بهم نقمة من الله تعالى ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بذنوبهم التي تلفت منهم ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ حالفين بالله ﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلاَّ إِحْسَٰناً وَتَوْفِيقاً﴾.
أخبر الله عنهم أنهم لا يردعهم عن النفاق: والعبر والنقمات وأنهم إذا أصابتهم مصيبة بذنوبهم أخذوا يحلفون كاذبين أنا لم نرد إلا الإحسان والتوفيق أي: لم نرد باحتكامنا إلى الكاهن إلا الإحسان من بعضنا البعض، ولم يرجعوا إلى التوبة والاعتراف.
وقيل: أنهم أتوا النبي ﷺ في أمر القتيل الذي قتله عمر وحلفوا، أنا ما أردنا بطلب الدم إلا إحساناً وموافقة الحق.
* *
قوله: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يعلم ما أضمروا من احتكامهم إلى الكاهن، وتركهم الاحتكام إلى كتاب الله ورسوله ﷺ، فهو يعلم ذلك منهم، وإن حلفوا أنا ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (أي): فدعوهم ولا تعاقبهم في أبدانهم ولكن ﴿عِظْهُمْ﴾ بالتخويف من الله عز وجل أن تحل بهم عقوبة منه ﴿وَقُل لَّهُمْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ هذا التوعد بالقتل لمن خالف حكم الله وكفر به.
وقيل: قوله ﴿فِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ مؤخر عن موضعه يراد به التقديم، فكيف إذا أصابتهم مصيبة في أنفسهم بما قدمت أيديهم.
وكونه في غير موضعه من غير تقديم ولا تأخير، أحسن لتمام المعنى بذلك، إنما يحسن تقدير التقديم والتأخير إذا لم يكمل معنى الآية، وتقدير التقديم والتأخير مروي عن مجاهد.
النساء 4:64
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
المعنى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ رسولاً إلا افترضنا طاعته على من أرسل إليهم، فأنت يا محمد من الرسل الذين فرضت طاعتهم على من أرسلته إليهم فهذا توبيخ لمن احتكم إلى غير النبي ﷺ.
* *
قوله: ﴿بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ أي: بعلمه، فدل هذا، أن هؤلاء الذين لم يتحاكموا إلى رسول الله ﷺ وتركوا طاعته إنما ذلك لشيء سبق في علم الله عز وجل، فطاعته تكون ممن سبق في علم الله أنه يطيعه، وكذلك خلافه.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ لو أن هؤلاء المنافقين إذ تحاكموا إلى الكاهن، فظلموا أنفسهم بذلك ﴿جَآءُوكَ﴾ تائبين مستغفرين مما فعلوا، فسألت الله العفو عن جرمهم ﴿لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ ومعنى تواباً راجعاً عما يكرهون إلى ما يحبون، رحيماً بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم.
النساء 4:65
قوله: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
المعنى في قوله: ﴿فَلاَ﴾ أي: ليس الأمر على ما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك وهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويصدون عنك إذا دعوا إليك، ثم استأنف القسم فقال: ﴿وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وربك يا محمد، لا يؤمنون أي: لا يصدقون بالله عز وجل ونبيه ﷺ ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أي: يحكمونك حَكَماً بينهم في خصوماتهم. وقرأ أبو السمأل: ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ بإسكان الجيم وهو بعيد لخفة الفتحة.
* *
قوله: ﴿ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أي: ضيقاً من حكمك أي لا تأثم أنفسهم بإنكارها حكمك، وشكها في طاعتك لأن الحرج الإثم، وكأنه قال: ثم لا تحرج أنفسهم بإنكارها حكمك، قال: معنى ذلك مجاهد والضحاك.
وقيل: الحرج: الشك وكله يرجع إلى الإثم.
﴿وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ أي: يسلموا لحكمك إقراراً بنبوتك.
ويروى أن هذه الآية نزلت في الزبير بن العوام وخصم له، ذكر عن الزبير أنه خاصم رجلاً من الأنصار وهو حاطب بن أبي بلتعة في شريج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، وكانت أرضه أسفل من أرض الزبير فأبى عليه، فاختصما إلى النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك. فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: يا زبير اسق، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعب رسول الله ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم وكان أولاً أراد النبي ﷺ الرفوت والسعة لهما فنزلت الآية
وقيل: نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تقدم ذكرهما قاله مجاهد وغيره، وهو أولى بسياق الكلام.
قال الطبري: ولا ينكر أن تكون الآية نزلت في الجميع فيكون حكم المتحاكمين إلى الطاغوت، وحكم الزبير وخصمه.
ومن قال إنها في الزبير وخصمه ما زالت أحسن الوقف على ما [قبل الآية، ومن قال: إنها في اليهود والمنافق ما زالت، فليس الوقوف على ما] قبلها بتمام، لأن القصة واحدة.
وروي أنها نزلت في رجلين اختصما إلى النبي ﷺ، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه ردنا إلى عمر، فقال النبي ﷺ: انطلقا إلى عمر، فلما أتيا عمر قال الذي له الحق: يا ابن الخطاب قضى رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر فردنا إليك، قال: كذلك؟ قال: نعم! قال عمر: مكانكما حتى أخرج فأقضي بينكما، فخرج إليهما مشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فاراً إلى رسول الله ﷺ فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ: "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن"! فأنزل الله عز وجل: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية
النساء 4:66
قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم.
ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضاً كما أمر أصحاب موسى ﷺ، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ألفاً، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ وقيل:إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي ﷺ قيل: هو أبو بكر رضي الله عنه لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي"
ومعنى ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى.
وقال السدي: وأشد تثبيتاً أي تصديقاً.
* *
قوله: ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾ المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾، أي ثواباً في الآخرة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق الجنة.
النساء 4:67
قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم.
ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضاً كما أمر أصحاب موسى ﷺ، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ألفاً، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ وقيل:إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي ﷺ قيل: هو أبو بكر رضي الله عنه لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي"
ومعنى ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى.
وقال السدي: وأشد تثبيتاً أي تصديقاً.
* *
قوله: ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾ المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾، أي ثواباً في الآخرة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق الجنة.
النساء 4:68
قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
فالمعنى: ولو أنا كتبنا على هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك المتحاكمين إلى الطاغوت أي: فرضنا عليهم قتل أنفسهم، والخروج من ديارهم ما فعل ذلك إلا قليل منهم.
ومعنى: قتل أنفسهم قتل بعضهم بعضاً كما أمر أصحاب موسى ﷺ، ولما نزل ذلك افتخر ثابت بن قيس ورجل من اليهود، فقال اليهودي، والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم فقتلنا أنفسنا وبلغت القتلى منا سبعون ألفاً، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا، فأنزل الله عز وجل ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ وقيل:إن الآية لما نزلت قال رجل من أصحاب النبي ﷺ قيل: هو أبو بكر رضي الله عنه لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "إن من أمتي لرجالاً الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي"
ومعنى ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ أي: أثبت لهم في أمورهم وأقوى.
وقال السدي: وأشد تثبيتاً أي تصديقاً.
* *
قوله: ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾ المعنى: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً، ﴿وَإِذاً لأَتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّـآ أَجْراً عَظِيماً﴾، أي ثواباً في الآخرة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي لوفقناهم للصراط المستقيم وهو طريق الجنة.
النساء 4:69
قولهم: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية.
المعنى من يطع الله عز وجل والرسول ﷺ بتسليم لأمرهما والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في الآخرة ﴿وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾ أي: وحسن الأنبياء ومن معهم رفيقاً.
و﴿رَفِيقاً﴾ منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: نصبه على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز.
والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق وقد كثر ذلك عنه.
وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه.
وروي عن النبي ﷺ في حكاية أنه قال: "الصديقون المتصدقون
وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح.
﴿وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله عز وجل بالحق، فسمي شهيداً لذلك. وقيل: سمي شهيداً لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه وقيل: لأنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا وشهدوا لله بالحق. ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة.
﴿وَٱلصَّالِحِينَ﴾ كل من صلحت سريرته وعلانيته. ﴿وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾ في الجنة. والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى الجمع.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي ﷺ حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله عز وجل أن من أطاعه، وأطاع رسوله مع النبيين في الجنة.
وقال ابن جبير: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون: قيل: هو عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي ﷺ: "مالي أراك محزوناً؟" فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: "ما هو؟" فقال: نحن نغدو ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً، فأتاه جبرئيل ﷺ بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ﴾ الآية.
فبعث إليه النبي ﷺ فبشره
وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله ﷺ له: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قد مت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما.
وقال عطاء: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو يبكي، فقال: "ما يبكيك يا فلان؟" فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله إلاّ هو، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي، فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي ﷺ شيئاً، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية
قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت رسول الله ﷺ قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعد حبيبي ﷺ فعمي من وقته.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ﴾ أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله عليهم، فضل من الله عز وجل عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم مع النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً﴾ أي اكتفوا به.
النساء 4:70
قولهم: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية.
المعنى من يطع الله عز وجل والرسول ﷺ بتسليم لأمرهما والرضا بحكمهما، فهو مع الذين أنعم الله عليهم لأنبيائه، وأهل طاعته في الآخرة ﴿وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾ أي: وحسن الأنبياء ومن معهم رفيقاً.
و﴿رَفِيقاً﴾ منصوب على الحال عند الأخفش، بمعنى رفقاء، وقال الكوفيون: نصبه على التفسير، وقال بعض البصريين نصبه على التمييز.
والصديقون: أتباع الأنبياء صلوات الله عليهم، صدقوهم فهو فعيل من الصدق وقد كثر ذلك عنه.
وقيل: هو فعيل من الصدقة كأنه (كثر) ذلك منه.
وروي عن النبي ﷺ في حكاية أنه قال: "الصديقون المتصدقون
وفعيل أصله المبالغة في ذم أو مدح.
﴿وَٱلشُّهَدَآءِ﴾ جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل لله [شهد لله عز وجل بالحق، فسمي شهيداً لذلك. وقيل: سمي شهيداً لأنه يشهد كرامة الله] سبحانه وقيل: لأنه يشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة، وقيل: هم الذين قاموا وشهدوا لله بالحق. ويقال: الشهداء عدول يوم القيامة.
﴿وَٱلصَّالِحِينَ﴾ كل من صلحت سريرته وعلانيته. ﴿وَحَسُنَ أُولَـٰئِكَ رَفِيقاً﴾ في الجنة. والرزق لفظه لفظ واحد وهو في معنى الجمع.
ويروى أن هذه الآية نزلت في قوم حزنوا على فقد النبي ﷺ حذر ألا يروه في الآخرة، فأخبرهم الله عز وجل أن من أطاعه، وأطاع رسوله مع النبيين في الجنة.
وقال ابن جبير: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو محزون: قيل: هو عبد الله بن زيد الذي رأى الآذان في منامه، فقال له النبي ﷺ: "مالي أراك محزوناً؟" فقال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه يقال: "ما هو؟" فقال: نحن نغدو ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغداً ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئاً، فأتاه جبرئيل ﷺ بهذه الآية: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ﴾ الآية.
فبعث إليه النبي ﷺ فبشره
وقال مسروق: قال أصحاب رسول الله ﷺ له: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك لو قد مت رفعت فوقنا، فلم نرك، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية: وروي نحو ذلك قتادة والسدي وغيرهما.
وقال عطاء: جاء رجل من الأنصار إلى النبي ﷺ وهو يبكي، فقال: "ما يبكيك يا فلان؟" فقال: يا نبي الله والله الذي لا إله إلاّ هو، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، والله الذي لا إله إلا هو، لأنت أحب إلي من نفسي، وأنا أذكرك وأنا في أهلي، فيأخذني الجنون حتى أراك، فذكرت موتك وموتي، فعرفت ألا اجتمع معك، إلا في الدنيا، وأنت ترفع مع النبيين وعرفت أني إن دخلت الجنة منزلتي أدنى من منزلتك، فلم يرد النبي ﷺ شيئاً، فأنزل الله عز وجل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ الآية
قيل هو عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام وروي أنه لما بلغه موت رسول الله ﷺ قال: اللهم اعمني حتى لا أرى شيئاً بعد حبيبي ﷺ فعمي من وقته.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ ٱلْفَضْلُ﴾ أي ذلك العطاء بأن يكونوا مع النبيين صلوات الله عليهم، فضل من الله عز وجل عليهم، بأن وفقهم للطاعة، فجعلهم مع النبيين والصديقين في الجنة، فهو سابقة منه لهم، لم يطيعوا إلا بفضله، وبالطاعة التي هي بفضله وصلوا إلى فضله، فكل من عنده، وبفضل منه، لا إله إلا هو، لا خير إلا من عنده، ولا توفيق إلا به يوفق للخير ويجازي عليه بخير، فهذا الفضل العظيم الظاهر ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيماً﴾ أي اكتفوا به.
النساء 4:71
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ...﴾ الآية.
هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.
فقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة.
* *
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾: لام "لام" تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير.
وقرأ مجاهد: "ليبطئن" بإسكان الباء، وتخفيف الطاء.
ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة.
ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة.
ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله "اللام في" لئن لام اليمين و "فضل" أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: ﴿يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.
والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة "أن يكون مؤخر المعنى" [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد.
وقيل: التقدير ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله".
النساء 4:72
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ...﴾ الآية.
هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.
فقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة.
* *
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾: لام "لام" تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير.
وقرأ مجاهد: "ليبطئن" بإسكان الباء، وتخفيف الطاء.
ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة.
ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة.
ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله "اللام في" لئن لام اليمين و "فضل" أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: ﴿يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.
والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة "أن يكون مؤخر المعنى" [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد.
وقيل: التقدير ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله".
النساء 4:73
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ...﴾ الآية.
هذا أمر من الله للمؤمنين أن يأخذوا أسلحتهم وينفروا إلى عدوهم مجتمعين أو متفرقين، جماعة بعد جماعة، يعني سرايا متفرقين.
فقوله: ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة، والساقط منها اللام، وهو ياء وتصغيرها ثبية، وثبت الحوض، وهو يثوب الماء إلى الحوض أي رجع، الساقط منها العين وهو واو، لأنها من: ثاب يتوب، وتصغيرها: تويبة، والثُبات هنا: الجماعة المتفرقة.
* *
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾: لام "لام" تأكيد وليبطئن لام قسم، كان التقدير لمن أقسم: ليبطئن، والتشديد [في الطاء] بمعنى التكثير.
وقرأ مجاهد: "ليبطئن" بإسكان الباء، وتخفيف الطاء.
ومن قرأ كأن لم تكن، فلتأنيث لفظ المودة.
ومن قرأ بالياء حمله على معنى الود. لأن المودة والود بمعنى واحد. وقرأ الحسن ليقولن بضم اللام على الجمع حمله على معنى من، فَضَم، لتدل على الواو المحذوفة.
ومعنى الآية أن الله تعالى أعلم المؤمنين منهم من يبطئ أن ينفر معهم إلى جهاد العدو، أي يتأخر وهم المنافقون، فإن أصابتكم أيها المؤمنون مصيبة. أي: هزيمة أو قتل أو جراح من عدوكم قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ أي حاضر، فيصيبني ما أصابهم ولئن أصابكم فضل من الله "اللام في" لئن لام اليمين و "فضل" أي: ظفر على عدوكم أو غنيمة. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ هذا الذي أبطأ عنكم، وجلس عن قتال عدوكم: ﴿يٰلَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ هذا كله صفة المنافق يشمت إذا أصاب المؤمن ضرر ويحسدهم إذا أصابوا نفعاً وظفراً، فهو غير راج ثواباً، ولا خائف من عقاب كل هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.
والتقدير في: كأن لم يكن بينكم وبينه مودة "أن يكون مؤخر المعنى" [فأفوز فوزاً عظيماً كأن لم يكن بينكم وبينهم] أي: كأن لم يعاقبكم على الجهاد.
وقيل: التقدير ﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً﴾ كأن لم يكن بينكم وبينهم مودة ولا أن أصابكم فضل من الله".
النساء 4:74
قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَاةَ﴾ الآية.
حض الله عز وجل المؤمنين على القتال في هذه الآية غالبين أو مغلوبين، ومعنى، ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: في ذات الله ودينه، ومعنى ﴿يَشْرُونَ﴾ يبيعون حياتهم الدنيا بنعيم الآخرة، يقال: شريت الشيء بعته، وشريته اشتريته ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: نعطيه في الآخرة ثواباً عظيماً [لـ] معظمه مقدار يبلغ إليه الخلق.
النساء 4:75
قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ الآية:
﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على السبيل كأنه قال: "وفي المستضعفين أي: في خلاصهم.
وقيل: المعنى: وفي سبيل المستضعفين، وهم الذين أسلموا بمكة وغلبوا على أنفسهم بالقهر، وعذبوا في أبدانهم ليرجعوا عن دينهم.
حض الله عز وجل المؤمنين على القتال من أجل دين الله سبحانه [ومن أجل] المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، عذرهم الله، وأخبر أنهم يقولون ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أي: التي ظلم أهلها.
روى الحسن وقتادة: أن رجلاً من بني إسرائيل خرج من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة فأدركه الموت في الطريق فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يعدوا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، فتوفته ملائكة الرحمة، وقيل: أن الله قرب إليه القرية الصالحة والقرية الصالحة هي مكة.
* *
قوله: ﴿وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ أي: من عندك ولياً يلي خلاصنا.
﴿وَٱجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً﴾ أي: من عندك من ينصرنا على أعدائك، وينصرنا على الخلاص منهم، والذين في موضع خفض على البدل من المستضعفين، أو نعت لهم، أو نعت للجميع المذكور من الرجال وغيرهم.
النساء 4:76
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
أخبر الله عز وجل أن: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ صدقوا بالنبي ﷺ وبما جاء به يقاتلون في سبيل الله.
وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهو الشيطان هاهنا بدليل قوله: ﴿فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ﴾ أي: الذين يتولونه ويطيعون أمره ﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً﴾: أولياؤه ضعاف لأنهم يقاتلون لغير الثواب، والمؤمنون يقاتلون رجاء الثواب.
النساء 4:77
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.
هذه الآية نزلت في ناس من أصحاب النبي ﷺ تسرعوا إلى قتال المشركين بمكة قبل الهجرة، بما يلقون منهم من الأذى، فقيل لهم: كفوا أيديكم عن القتال وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فكانوا يتمنون القتال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ كرهه جماعة منهم، ومعنى كتب فرض، ومعنى ﴿لَوْلاۤ أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: إلى أن نموت بآجالنا، ولا نتعرض للقتال فنقتل، حباً للدنيا فقال الله تعالى ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾.
قال ابن عباس: هو عبد الرحمن بن عوف وأصحابه سألوا النبي ﷺ القتال ثم كرهه جماعة منهم لما فرض عليهم.
وقال السدي: قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال فسألوا القتال، فلما فرض عليهم كرهه جماعة منهم وخاف منه كما يخاف الله وأشد من ذلك.
وقيل: هم المنافقون عبد الله بن أبي وأصحابه.
وقيل: نزلت في يهود فعلوا ذلك، فنهى الله هذه الأمَة أن تصنع صنيعهم.
ويجوز - والله أعلم - أن يكون هؤلاء اليهود الذين فعلوا ذلك هم الذين ذكرهم الله في البقرة في قوله ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] ثم قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢٤٦] أي فرض ﴿تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٦].
ومن قراء ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ بالتاء أجراه على الخطاب لأن بعده ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ﴾.
ومن قرأ بالياء أجراه على ما قبله وهو قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾ وقوله ﴿وَقَالُواْ﴾ وقوله ﴿لَهُمْ﴾ وقوله ﴿كُفُّوۤاْ﴾ وشبهه.
النساء 4:78
﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ﴾ الآية.
هذا توبيخ من الله عز وجل لهؤلاء الذين يخشون الناس كخشية الله فراراً من الموت، فقال لهم الله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾.
قال مالك: في قصور السماء، ألا تسمع قوله: ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] وقيل: معناه: "في قصور محصنة قاله قتادة. وقيل المعنى: في قصور السماء، قاله أبو العالية.
والمشيدة عند أهل اللغة المطولة، والمشيدة بالتخفيف المزينة، وقيل: هي المعمولة بالشيد وهو الجص.
وقال بعض الكوفيين: التخفيف والتثقيل أصلهما واحد.
والتشديد يراد به الجمع كقولهم: غنم مذبحة، وقباب مصنعة، فيقال: "قصور مشيدة" على ذلك ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] مثل: كبش مذبوح وكباش مذبحة.
(ومَّشِيدٍ) مفعول: فالمشيدة على هذا المعمولة بالشيد وهو الجص وكذلك قال عكرمة.
* *
قوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ أي: رضاء أو ظفر أو غنيمة ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾ أي: شدة وهزيمة أو جراح (يقولوا هذه من سوء تدبيرك) ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ أي: الشدة والرخاء، والظفر والهزيمة ﴿مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ أي: بقضائه وقدره ﴿فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ أي: ما شأنهم لا يفقهون أن كلاً من عند الله سبحانه.
والوقف على ﴿فَمَالِ هَـٰؤُلاۤءِ﴾ لا يحسن، لأنه إن خالف خط المصحف لم يحسن، وإن وقف على اللام قبح لأنه لام خفض وقد روي عن بعضهم الوقف على اللام وهو حمزة والكسائي وعاصم قياساً على أصولهم في اتباع السواد، وروي عن غيرهم من القراء الوقف على ﴿فَمَا﴾ على الأصل، والاختيار ألا يوقف عليه فهو أسلم وأحسن، وليس بموضع تمام، وإنما تكلم فيه الناس على الاضطرار وانقطاع النفس، ووقع ذلك كيف يكون الوقف، فأما أن يتعمد الوقف على هذا فلا يجوز.
النساء 4:79
قوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ...﴾ الآية.
قال الأخفش: ﴿مَّآ﴾ بمعنى الذي.
وقيل: ﴿مَّآ﴾ للشرط.
والمعنى: ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة، فبفضل الله عليك وإحسانه، وما أصابك من جدب وشدة وسقم وألم، فبذنب أتيته عوقبت به، والخطاب للنبي ﷺ، والمراد أمته، وكان النبي ﷺ يقول: "ما يصيب الرجل من خدش من عود ولا غيره إلا بذنب، وما يغفر الله عز وجل أكثر
وقال ابن عباس: الحسنة هنا فتح بدر وغنيمتها، والسيئة ما أصابه يوم أحد عوقبوا عند خلاف الرماة لأمر النبي ﷺ، فكان ما عوقب به بذنوبهم التي اجترحوها، فهو قوله ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ قال أبو زيد: "وقوله في آل عمران": ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] معناه بذنوبكم وهو بهذا المعنى.
وقرأ ابن عباس: فمن نفسك وأنا كتبتها عليك وكذلك هي قراءة عبد الله بن مسعود.
وعن ابن عباس أن الآية نزلت في قصة أحد تقول: ما فتحت عليك يا محمد من فتح فمني وما كانت من نكبة فمن ذنبك وأنا قدرت ذلك عليك.
وقد ذكر النحاس: أن القول محذوف من الآية والتقدير ﴿لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ يقول ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة من نفسك [أي: بشؤمك].
وذكر ابن الأنباري قولاً ثالثاً: أن المعنى: ما أصابك الله به من حسنة فمنه، وما أصابك من سيئة فمن نفسك] أي: بذنبك فالفعلان من الله عز وجل، وهذا يرجع إلى القول الأول. وذكر فيه قولاً رابعاً: وهو أن يقدر ألف الاستفهام محذوفة والتقدير: وما أصابك من سيئة. أفمن نفسك؟ كما قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا (عَلَيَّ)﴾ [الشعراء: ٢٢] على معنى: وتلك نعمة كما قال في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ رَأَى ٱلْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أي: هذا ربي لأنه لم يوجب أنه ربه وإنما قال هذا ربي على سبيل الاستخبار.
قال نفطوية: أصل السيئة ما يسوؤك، فالمعنى وما أصابك من أمر يسوؤك فهو بذنبك وذلك أمر من الله.
وقال الضحاك عن ابن عباس: الحسنة هنا ما أصاب المسلمين من الظفر يوم بدر، والسيئات ما نكبوا به يوم أحد.
* *
قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ الآية.
رسولاً: مصدر مؤكد لأرسلناك، ودخلت "من" في قوله: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ كما تدخل مع حروف الشرط تقول: إن يكرمني من أحد أكرمه، فتدخل من لأنه غير واجب كما تدخل في النفي إذا هو غير واجب، ولكنها تلزم في الشرط في مثل هذا.
النساء 4:80
قوله: ﴿مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾ الآية.
هذا إعذار من الله عز وجل إلى خلقه في طاعة نبيه عليه السلام فإنه عن الله يأمر وينهى، وهو رد إلى قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ للناس رسولاً، ثم قال: ومن يطعك فقد أطاع الله، لكنه خرج من لفظ الخطاب إلى لفظ الغيبة، كما قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢] ثم قال: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢]، ﴿وَمَن تَوَلَّىٰ﴾ أي: من طاعتك يا محمد ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾، رجع الكلام إلى الخطاب ولو جرى على الغيبة لقال: فما أرسلناه.
وقيل: معنى الآية: من يطع الرسول في سنته فقد أطاع الله في فرائضه، وهذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، لأن قوله فما أرسلناك عليهم حفيظاً.، يدل على الإعراض عنهم وتركهم إذا تولوا عنه، وهذا مثل "﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ﴾ [الشورى: ٤٨]" ثم أتى بعد ذلك الغلظة والأمر بالقتال، قال ذلك ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: معنى "حفيظاً" محتسباً.
النساء 4:81
قوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ﴾ الآية.
"طاعة" رفعت على معنى: أمرنا طاعة، فالمبتدأ مضمر وأجاز الأخفش النصب [على] المصدر كأنهم يقولون نطيع طاعة، وهذه الآية، نزلت في الذين تقدم ذكرهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا ﴿ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].
فالمعنى: يقولون أمرنا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه يا محمد، فإذا خرجوا من عندك يا محمد ﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ﴾ أي: غير جماعة منهم ليلاً الذي تقول أي: تقول الطائفة.
ويجوز أن يكون المعنى غير الذي تقول يا محمد من القرآن وغير ذلك، وكل من عمل عملاً فقد بيته، ﴿وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يثبت ما يغيرون من قولك في كتب أعمالهم التي تحصى عليهم.
قال السدي: هم المنافقون يطيعون، إذا حضروا، فإذا خرجوا غيروا وبدلوا، وقال ابن عباس وغيره.
وقيل معنى: يكتب ما يبيتون أي ينزله في كتابه إليك يا محمد ويخبرك به، وفي ذلك أعظم الآيات للنبي ﷺ لأنه يخبرهم بما يسرون ليلاً.
* *
قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: دعهم قال الضحاك: المعنى لا تخبرهم بأسمائهم.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ فوض أمرك إليه، ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾، أي: حسبك ناصراً على عدوك.
النساء 4:82
قوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
[المعنى]: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ﴾ المبيتون غير ما تقول ﴿ٱلْقُرْآنَ﴾ فيعلمون حجة الله عليهم، وأنك أتيتهم بالحق من عند الله متسق المعاني مختلف الأحكام بعضه يشهد على بعض بالتحقيق وأن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض، فليس من كلام آدمي إلا وفيه اختلاف، إما في وصفه، وإما في معناه، وإما في بلاغته، وإما في غير ذلك، من أنواع فنونه، والقرآن لا يدخله شيء من ذلك كله.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ﴾ معناه على قولكم ودعواكم إذ ليس يجوز أن يأتي من عند غير الله مثله، ومعنى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ﴾ ألا ينظرون في عاقبته، يقال: "تدبرت الشيء فكرت في عاقبته".
النساء 4:83
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ الآية.
هذا خبر من الله عز وجل هؤلاء المنافقين الذين يبيتون غير ما يقول القرآن إذا جاءهم [خبر] من سرية غزت للمسلمين أنهم آمنون من عندهم، (أو) أنهم خائفون: صحيح أو غير صحيح، لم يتوقفوا حتى يصح، ويثبت، وأفشوه في الناس.
* *
وقوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ أي: أفشوا (ونشروا) وأسمعوا به، وأعلنوه كان خيراً أو شراً فبثوه في الناس قبل رسول الله ﷺ. وقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي: ولو ردوا الأمر الذي جاءهم إلى الرسول ﷺ حتى يكون هو الذي يخبر الناس به إن كان صحيحاً، ويسكت عنه إن كان سقيماً ﴿وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ أي: ليعلموا صحته وسقمه فيخبرون الناس بالصحيح.
والهاء في ﴿بِهِ﴾ وفي ﴿لَعَلِمَهُ﴾ و ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ للأمر، وقيل: للخوف، وقيل: عليهما جميعاً، واكتفى بالتوحيد عن التثنية.
ومعنى: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يبحثون عن صحته، ويستخرجونه. والهاء والميم في "منهم" تعود على أولي الأمر أي: ليعلم ذلك من أولي الأمر من يستنبطه أي: يبحث عن صحته ويستخرجها.
يقال: استنبطت الركية: استخرجت ماءها وسمي النبط نبطاً لاستنباط الماء. أي: استخراجهم الماء، والنبط: الماء المستخرج من الأرض.
وقيل: إن الذين عنوا بذلك ضعفة المسلمين كانوا يسمعون من المنافقين أخباراً غير صحيحة فيفشونها فعذلهم الله على ذلك، وأمرهم برد ما سمعوا إلى النبي ﷺ، وأولي الأمر فيعلمون صحه ما قيل من سقمه، ويعرفون كذبه من صحته بالاستنباط.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لولا نعمته عليكم بأن عافاكم مما ابتُلي به هؤلاء المنافقون الذين وصفهم بالتبييت والخلاف ﴿لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ﴾ وهو خطاب للذين قال لهم ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ﴾.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ الآية.
هو استثناء من المستنبطين قاله قتادة، وهو قول الزجاج واختياره.
وقال ابن عباس هو استثناء من قوله: ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ فهو استثناء من الإذاعة، وهو قول الأخفش والكسائي وأبي عبيدة، وأبي حاتم [وأبي عبيد] وجماعة من النحويين، وهو اختيار الطبري.
وقال الضحاك: هو استثناء من ﴿لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وهم أصحاب النبي ﷺ، الذي لم يهموا باتباع الشيطان كما هم الذين استنقدهم الله.
* *
ومعنى ﴿أَذَاعُواْ بِهِ﴾ وأذاعوه سواء، قاله الكسائي.
النساء 4:84
قوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ الآية:
المعنى: جاهد يا محمد أعداء الله ﴿لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ أي: لا يلزمك إلا أن تقاتل بنفسك ﴿وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حضهم على القتال معك، وأعلمهم ثواب الله في الآخرة للشهداء، ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: يكف قتالهم، وعسى من الله واجبة، ﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً﴾ أي: نكاية في الكفار ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلاً﴾ أي: عقوبة، وهذه الفاء في ﴿فَقَاتِلْ﴾ متعلقة بقوله ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ ﴿فَقَاتِلْ﴾ أي: من أجل هذا فقاتل.
وقيل: هي متعلقة بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] وإنما أمره تعالى بالقتل وحده لأنه وعده بالنصر، ولما أمره الله عز وجل بالقتل بنفسه لبس يوم أحد درعين، وركب فرسه وأسكب نبله، فلما نزعه انكسرت بينية القوس من قوته، فأكب نبله، وجعل يناول سعداً سهماً ويقول: ارم فداك أبي وأمي، ولم يقلها لأحد قبله، ولا بعده، فهو من فضائل سعد، ثم أخذ النبي ﷺ رمحاً صغيراً أعطاه له قتادة ابن النعمان، فيه قتل أُبي بن خلف الجمحي.
النساء 4:85
قوله: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ الآية.
المعنى: من يشفع لأخيه شفاعة حسنة يكن له نصيب منها في الآخرة، أي: حظ ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ أي: إثم منها في الآخرة.
وقال مجاهد: هو شفاعة الناس بعضهم لبعض، وقاله الحسن وابن زيد وغيرهم.
وقال الطبري: "المعنى: من يشفع وتراً لأصحابك يا محمد في جهاد عدوهم يكن له نصيب منها: حظاً في الآخرة، ومن يشفع وتراً لكافرين يكن له كفل منها أي: وزر وإثم في الآخرة.
وإنما اختار ذلك لأنه في سياق الآية التي حض الله عز وجل النبي ﷺ على القتال فيها، وحضه على أن يحرض المؤمنين على القتال معه، فصارت هذه الآية وعداً لمن أجاب تحريض رسول الله ﷺ على القتال، وكان ذلك أشبه عنده من شفاعة الناس بعضهم لبعض إذ لم يجر له ذكر قبل ولا بعد.
والكفل والنصيب عند أهل اللغة سواء، قال تعالى: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] أي: نصيبين، والنصيب قد يكون خيراً أو شراً.
وقال الحسن: الشفاعة الحسنة ما يجوز في الدين، والشفاعة السيئة ما لا يجوز في الدين.
وقال الحسن: من يشفع شفاعة حسنة كان له أجرها وإن لم يُشَفَّع.
وروي أن قوله: ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ نزل في اليهود كانوا يدعون على المؤمنين في الغيبة بالهلاك، ويقولون لهم في الحضور: السام عليكم، وهو دعاء أيضاً، ثم أتْبع ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ وهو: السلام.
والمقيت: الحفيظ عند ابن عباس.
وقيل: الشهيد، قاله مجاهد.
وقال السدي: المقيت: القدير وهو اختيار الطبري.
وقال الكسائي: مقيتاً مقتدراً.
وقال أبو عبيدة: المقيت: الحافظ المحيط.
وقال ابن جريج: المقيت القائم على كل شيء رواه عن ابن كثير.
وقال بعضهم:
؎ وَذيِ ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه ∗∗∗ وَكُنْتُ على مُسَاءَتِه مَقِيتاً
النساء 4:86
قوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ الآية
المعنى: إذا دعي لأحدكم بطول الحياة والبقاء والسلامة فردوا ذلك بأحسن منه، أو ردوا التحية.
وقيل: المعنى: إذا قيل لكم السلام عليكم، فقولوا السلام عليكم ورحمة الله، فهذا خير من التحية، أو يردها فيقول: السلام عليكم، كما قيل له، قال ذلك السدي، وروي عن ابن عمر أنه يرد: وعليكم السلام.
وقال ابن عباس: ﴿فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ﴾ على أهل الإسلام أو ردوها على أهل الكفر، وقال: من سلم عليك من خلق الله فأردده عليه، وإن كان مجوسياً، وقال ذلك قتادة.
وقال ابن زيد: قال أبي: "حق على كل مسلم (حُيَّيَ) بتحية أن يُحَيِّيَ بأحسن منها" للمسلمين ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ على الكفار.
وروي عن ابن عباس: ﴿أَوْ رُدُّوهَآ﴾ يقول: وعليكم: على الكفار.
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم
واختار الطبري أن يكون المعنى للمسلمين، يرد عليهم أحسن من تحيتهم بزيادة الرحمة والبركة، أو يرد عليهم تحيتهم بعينها بغير زيادة، ويكون الرد على أهل الكتاب معمولاً به بقول النبي ﷺ ولا يزاد على ذلك.
فقول النبي ﷺ: قولوا لهم: وعليكم يظن على أن يقال لهم مثل ما قالوا، فيجب أن تكون الآية كلها في المسلمين وبين النبي ﷺ أنه لا يجوز أن يبدأوا بالسلام، والسلام عند الجماعة تطوع والرد فريضة، وقال مالك في معنى الآية: إن ذلك على المشمت في العطاس.
وقال: مجاهد الحسيب: الحفيظ. وقال أبو عبيدة: كافياً.
وقيل معنى حسيب: محاسب كما يقال: أكيل بمعنى: مواكل.
والحسيب عند أهل اللغة الكافي. يقال حسبه إذا كفاه، ومنه ﴿عَطَآءً حِسَاباً﴾ [النبأ: ٣٦] أي: كافياً: ومنه ﴿حَسْبُكَ ٱللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيك الله.
النساء 4:87
قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ﴾ الآية.
(معنى الآية) أنه تخويف وتحقيق للبعث والحشر وأن ذلك لا ريب فيه أي لا شك فيه ﴿يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ يوم القيام لرب العالمين، والهاء زيدت للمبالغة، وقيل: سميت بذلك لأنه يوم يقوم الناس من قبورهم فيه، والهاء للمبالغة أيضاً.
ومعنى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً﴾ أي: لا أحد أصدق حديثاً من الله.
النساء 4:88
قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآية.
هذه الآية نزلت في الذين تخلفوا عن رسول الله ﷺ يوم أحد، رجعوا إلى المدينة، وقالوا لأصحاب النبي عليه السلام: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، فنزلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي: فرقتين ﴿وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم، وذلك بما كسبوا من خلاف رسول الله ﷺ.
وقال مجاهد وغيره: نزلت في قوم أتوا مكة: زعموا أنهم مهاجرون، ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله ﷺ أن يخرجوا إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم، فاختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ ففرقة تقول: إنهم منافقون، وفرقة تقول: هم مؤمنون، فأنزل الله الآية.
وقيل: نزلت في قوم قدموا المدينة مسلمين فأقاموا ما شاء الله، ثم استوخموا المدينة، فسألوا النبي ﷺ أن يخرجوا إلى البادية، فأذن لهم، فتكلم الناس فيهم، واختلفوا في نفاقهم وإيمانهم فأعلمهم الله بنفاقهم وأعلمهم أنه أركسهم بما كسبوا من المعاصي: أركسهم في النفاق بذنوبهم.
وقيل: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ معناه أضلهم.
ثم قال مخبراً عنهم ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ فدل على أنهم ارتدوا، وأن النفاق كفر، وقوله تعالى ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ يدل على أنهم قوم كانوا بمكة يَدَّعون الإيمان، وليسوا بمؤمنين وهو قول ابن عباس وعمر وغيرهما.
وقيل: إنهم لما خرجوا يريدون البادية مضوا إلى مكة فاختلف أصحاب النبي ﷺ في أمرهم، فأوضح الله عز وجل خبرهم، وحكمهم في هذه الآية.
وقال معمر: كتب ناس من أهل مكة إلى أصحاب رسول الله ﷺ يقولون لهم: إنهم قد أسلموا، وكان ذلك منهم كذباً، فلقيهم المسلمون بعد ذلك، فاختلفوا فيهم، فقالت طائفة: دماؤهم حلال، وقالت طائفة: دماؤهم حرام فأنزل الله الآية، وهم ناس لم يهاجروا وأقاموا بمكة، وأعلنوا الإيمان فاختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ.
وقال ابن عباد: هم قوم كانوا بمكة فكلموا بالإسلام وكانوا يعاونون المشركين على المسلمين فخرجوا من مكة في حاجة، فاختلف فيهم أصحاب النبي ﷺ فنزلت الآية. وقال ابن زيد: هذا نزل في شأن ابن أبي حين تكلم في عائشة بما تكلم به.
وأركسهم: ردهم، وقيل: أوقعهم وقيل: أضلهم وأهلكهم.
وقال القتبي: أركسهم نكسهم وردهم في كفرهم، ، وحكى الفراء أركسهم وركسهم بمعنى ردهم إلى الكفر.
* *
قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ الآية.
هذا تبعيد لهدي من أضل الله ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً مستقيماً، وقيل: سبيلاً إلى الحجة.
النساء 4:89
قولهم: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ الآية.
المعنى: تمنى المنافقون الذين بمكة، الذين اختلفتم فيهم فرقتين لو تكفرون مثلهم، فتكونون أنتم وهم في الكفر سواء ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ أي: أخلاء ﴿حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ﴾ أي: يخرجوا من ديار الشرك إلى ديار الإسلام، ويكون خروجهم ابتغاء وجه الله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أدبروا عن الله ورسوله والهجرة إليكم، ﴿فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أي: أين اصبتموهم من أرض الله، ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً﴾: أي: خليلاً ﴿وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: تناصراً في دينكم على أعدائكم فإنهم ﴿لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [آل عمران: ١١٨]
النساء 4:90
قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ الآية.
المعنى اقتلوا من وجدتم من المنافقين الذين اختلفتم فيهم إن لم يهاجروا إلا أن يتصل قوم منهم بمن بينكم وبينهم عهد فيدخلون فيما دخلوا فيه، ويرضون بما رضوا، فلا يقتل من كانت هذه حاله منهم فإن لهم حكمهم.
قال السدي: المعنى إذا أظهروا كفرهم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إلا أن يكون أحد منهم دخل في قوم بينكم وبينهم ميثاق، فأجروا عليه مثلما تجرون على القوم واحكموا في الجميع بحكم واحد.
ومعنى: ﴿يَصِلُونَ﴾ يتصلون.
وقال أبو عبيدة: معنى: ﴿يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ﴾: ينتسبون إليهم. وهو بعيد، لأن النبي ﷺ قد قاتل من ينتسب إلى من بينهم وبينه عهد، وليس النسب مما يمنع قتال الكفار لعهد بيننا وبين قرابتهم.
وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال قتادة: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ [مِّيثَاقٌ]﴾ نسخ بعد ذلك، فنبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم أمرنا بالقتال في براءة.
وقال ابن زيد: نسخها الجهاد.
* *
قوله: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ الآية.
المعنى: إلا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، فدخلوا فيكم، فلا تقتلوهم، ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لسلط عليكم هؤلاء الذين يتصلون بقوم بينكم وبينهم ميثاق، والذين يجيئونكم قد ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي: ضاقت عن قتالكم، وقتال قومهم، فيقاتلوكم مع اعدائكم من المشركين، ولكن الله كفهم عنكم.
* *
وقوله: ﴿فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ ليست اللام بجواب للقسم [كاللام في ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾، وإنما دخلت للمجاءاة لا للقسم]، ومثله قوله: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]. ليست اللام بجواب للقسم وإنما دخلت للمحاذاة للامين اللتين قبلها، اللتين هما جواب قسم سليمان في قوله ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١] ولهذا نظائر ستراها.
* *
قوله: ﴿فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ﴾ أي: اعتزلكم هؤلاء الذين أمرتكم بالكف عن قتالهم فلم يقاتلوكم ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾. أي: صالحوكم، وقيل المعنى: استسلموا إليكم.
﴿فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي: ليس لكم إليهم طريق فتستحلونهم بما في أنفسهم وأموالهم وذراريهم، وهذا كله منسوخ بقوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥].
وقال الحسن وعكرمة: قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ﴾ إلى قوله ﴿سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: ٩١] وقوله: ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] إلى ﴿يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] قالا: بنسخ ذلك في براءة، فجعل لهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر.
قال قتادة: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ إلى ﴿مُّبِيناً﴾ منسوخ ببراءة، وقال ابن زيد: نسخ هذا كله، نسخه الجهاد وضرب لهم أجل أربعة أشهر إما أن يسلموا وإما أن يكون الجهاد.
واختلف في ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، فقال المبرد المعنى: الدعاء، لأنه قال: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ﴾ أحصر الله صدوركم أي: ضيقها عن قتالكم، وقتال قومهم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، فالمعنى أو جاءكم ثم خبر بعد فقال: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾، وأكثر النحويين على أنه حال، وقد مضمرة والتقدير: أو جاؤوكم قد حصرت أي: ضاقت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم. أي: جاؤوكم في هذه الحال فلا تقاتلوهم.
وقال الطبري: المعنى: أو جاؤوكم قد حصرت.
وقرأ الحسن حصرةً بالتنوين والنصب على الحال أي: ضيقت صدورهم، واستحسن هذا المبرد، ويجوز على قراءة الحسن الخفض على النعت، والرفع على الابتداء.
وقرأ أبي بن كعب: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، وحصرت صدورهم بإسقاط أو ﴿جَآءُوكُمْ﴾، ولا يقرأ به الآن.
النساء 4:91
قوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآية.
المعنى: إن هؤلاء قوم كانوا يظهرون الإسلام للنبي ﷺ وأصحابه ليأمنوا منهم، ويظهرون الكفر لأهل مكة إذا رجعوا إليهم ليأمنوهم، ﴿كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ﴾ أن يخرجوا من ﴿ٱلْفِتْنِةِ﴾ - وهي الشرك - ﴿أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾. أي: ردوا فيها. وأصل الفتنة الاختبار فالمعنى فلما ردوا إلى الاختبار. ﴿أُرْكِسُواْ﴾ أي: نكسوا.
قيل: هم أسد، وغطفان قدموا على النبي ﷺ، فأسلموا، ثم رجعوا إلى ديارهم، فأظهروا الكفر.
وقيل: نزلت في قوم من المشركين [طلبوا الأمان من رسول الله ﷺ ليأمنوا عنده وعند أصحابه وعند المشركين] قاله قتادة.
وقال: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا﴾ أي: كلما عرض عليهم بلاء هلكوا فيه.
وقال السدي: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي كان يأمن في المسلمين والمشركين.
* *
قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ أي: فإن لم يعتزلكم هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ويستسلموا [إليكم] ويعطونكم القيادة في الصلح ﴿وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ﴾ يعني عن القتال. ﴿فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: اقتلوهم أين أصبتموهم أي: إن لم يفعلوا ذلك ﴿وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ أي: حجة ﴿مُّبِيناً﴾ أي: ظاهرة.