Lafzullah

Tafsir Makhi — النساء 4:92 – المائدة 5:106

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. النساء 4:92
  2. النساء 4:93
  3. النساء 4:94
  4. النساء 4:95
  5. النساء 4:97
  6. النساء 4:98
  7. النساء 4:99
  8. النساء 4:100
  9. النساء 4:101
  10. النساء 4:102
  11. النساء 4:103
  12. النساء 4:104
  13. النساء 4:105
  14. النساء 4:106
  15. النساء 4:107
  16. النساء 4:108
  17. النساء 4:109
  18. النساء 4:110
  19. النساء 4:111
  20. النساء 4:112
  21. النساء 4:113
  22. النساء 4:114
  23. النساء 4:115
  24. النساء 4:116
  25. النساء 4:117
  26. النساء 4:118
  27. النساء 4:119
  28. النساء 4:120
  29. النساء 4:121
  30. النساء 4:122
  31. النساء 4:123
  32. النساء 4:124
  33. النساء 4:125
  34. النساء 4:126
  35. النساء 4:127
  36. النساء 4:128
  37. النساء 4:129
  38. النساء 4:130
  39. النساء 4:131
  40. النساء 4:132
  41. النساء 4:133
  42. النساء 4:134
  43. النساء 4:135
  44. النساء 4:136
  45. النساء 4:137
  46. النساء 4:138
  47. النساء 4:139
  48. النساء 4:140
  49. النساء 4:141
  50. النساء 4:142
  51. النساء 4:143
  52. النساء 4:144
  53. النساء 4:145
  54. النساء 4:146
  55. النساء 4:147
  56. النساء 4:148
  57. النساء 4:149
  58. النساء 4:150
  59. النساء 4:151
  60. النساء 4:152
  61. النساء 4:153
  62. النساء 4:154
  63. النساء 4:155
  64. النساء 4:156
  65. النساء 4:157
  66. النساء 4:158
  67. النساء 4:159
  68. النساء 4:160
  69. النساء 4:161
  70. النساء 4:162
  71. النساء 4:163
  72. النساء 4:164
  73. النساء 4:165
  74. النساء 4:166
  75. النساء 4:167
  76. النساء 4:168
  77. النساء 4:169
  78. النساء 4:170
  79. النساء 4:171
  80. النساء 4:172
  81. النساء 4:173
  82. النساء 4:174
  83. النساء 4:175
  84. النساء 4:176
  85. المائدة 5:1
  86. المائدة 5:2
  87. المائدة 5:3
  88. المائدة 5:4
  89. المائدة 5:5
  90. المائدة 5:6
  91. المائدة 5:7
  92. المائدة 5:8
  93. المائدة 5:9
  94. المائدة 5:10
  95. المائدة 5:11
  96. المائدة 5:12
  97. المائدة 5:13
  98. المائدة 5:14
  99. المائدة 5:15
  100. المائدة 5:16
  101. المائدة 5:17
  102. المائدة 5:18
  103. المائدة 5:19
  104. المائدة 5:20
  105. المائدة 5:21
  106. المائدة 5:22
  107. المائدة 5:23
  108. المائدة 5:24
  109. المائدة 5:25
  110. المائدة 5:26
  111. المائدة 5:27
  112. المائدة 5:28
  113. المائدة 5:29
  114. المائدة 5:30
  115. المائدة 5:31
  116. المائدة 5:32
  117. المائدة 5:33
  118. المائدة 5:34
  119. المائدة 5:35
  120. المائدة 5:36
  121. المائدة 5:37
  122. المائدة 5:38
  123. المائدة 5:39
  124. المائدة 5:40
  125. المائدة 5:41
  126. المائدة 5:42
  127. المائدة 5:43
  128. المائدة 5:44
  129. المائدة 5:45
  130. المائدة 5:46
  131. المائدة 5:47
  132. المائدة 5:48
  133. المائدة 5:49
  134. المائدة 5:50
  135. المائدة 5:51
  136. المائدة 5:52
  137. المائدة 5:53
  138. المائدة 5:54
  139. المائدة 5:55
  140. المائدة 5:56
  141. المائدة 5:57
  142. المائدة 5:58
  143. المائدة 5:59
  144. المائدة 5:60
  145. المائدة 5:61
  146. المائدة 5:62
  147. المائدة 5:63
  148. المائدة 5:64
  149. المائدة 5:65
  150. المائدة 5:66
  151. المائدة 5:67
  152. المائدة 5:68
  153. المائدة 5:69
  154. المائدة 5:70
  155. المائدة 5:71
  156. المائدة 5:72
  157. المائدة 5:73
  158. المائدة 5:74
  159. المائدة 5:75
  160. المائدة 5:76
  161. المائدة 5:77
  162. المائدة 5:78
  163. المائدة 5:79
  164. المائدة 5:80
  165. المائدة 5:81
  166. المائدة 5:82
  167. المائدة 5:83
  168. المائدة 5:84
  169. المائدة 5:85
  170. المائدة 5:86
  171. المائدة 5:87
  172. المائدة 5:88
  173. المائدة 5:89
  174. المائدة 5:90
  175. المائدة 5:91
  176. المائدة 5:92
  177. المائدة 5:93
  178. المائدة 5:94
  179. المائدة 5:95
  180. المائدة 5:96
  181. المائدة 5:97
  182. المائدة 5:98
  183. المائدة 5:99
  184. المائدة 5:100
  185. المائدة 5:101
  186. المائدة 5:102
  187. المائدة 5:103
  188. المائدة 5:104
  189. المائدة 5:105
  190. المائدة 5:106

النساء 4:92

قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ الآية. * * قوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ استثناء ليس من الأول. وإلا عند البصريين في هذا النوع بمعنى لكن. وهذا كلام أوله حظر، وآخره في الظاهر إباحة، وقتل المؤمن لا يباح لكنه محمول على المعنى الباطن، ومعناه ما كان مؤمن ليقتل مؤمناً على النفي، والنفي يستثنى منه الإثبات، فهو محمول على معنى الأول وباطنه، فالمعنى أن المؤمن قد يقتل المؤمن خطأ فهو خبر، خبر بأنه قد يقع، وليس بإطلاق ولا إباحة قتل، ومثله ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] فظاهر هذا الحظر، والله لا يحظر عليه. ومعنى الآية: أنه ليس لمؤمن قتل مؤمن البتة إلا أن يقتله خطأ، فإن قتله خطأ، فعليه تحرير رقبة في ماله، ودية مسلمة إلى أهل المقتول يؤديها عاقلة القاتل ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ أي: أن يتصدق أولياء المقتول على عاقلة القاتل بديته فيسقط عنهم الدية. وقرأ أبو عبد الرحمان السلمي: ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ بالتاء أراد: تتصدقوا ثم أدغم. قال مجاهد وغيره: هذه الآية نزلت في عيا[ش] ابن أبي ربيعة قتل رجلاً مؤمناً يحسب أنه كافر، وقد كان ذلك الرجل يعذب عياشاً بمكة، أخبر عياش النبي ﷺ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾. قال ابن زيد: نزلت في أبي عامر، والد أبي الدرداء خرج في سرية فعدل إلى شعب يريد حاجة، فوجد رجلاً في غنم، فقتله، وكان يقول: لا إله لا الله، وأخذ غنمه فوجد من ذلك في نفسه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأنكر عليه النبي (عليه السلام) قتله، إذ قال: لا إله إلا الله فنزلت الآية: وقيل: نزلت في اليمان والد حذيفة، واسمه حسل من بني عبس قتل خطأ يوم أحد. وروي أن حذيفة وأبا الدرداء تصدقا بدية أبويهما على من قتلهما، وكذلك قتل هشام بن صبابة الكناني خطأ فنزلت الآية في ذلك. والآية عند جماعة العلماء عامة في كل من قتل خطأ واختلف في الرقبة، فقيل: لا يُعْتَق إلا مؤمن قد صام وصلى وعقل وبلغ، وقيل: كل مؤمن يجزئ وإن لم يبلغ. * * ومعنى ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي موفرة، والدية مائة من الإبل على أهل الإبل. وروي عن عمر أن على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنى عشرة آلاف درهم. قال مالك: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثني عشر ألف درهم. وقيل: دية الحر مائة من الإبل لا يجزئ غيرها، وبه قال الشافعي، قال إلا ألا توجد فيُأخذ الفدية، ويجعل [الإبل] خمسة أخماس خمس جذاع وخمس حقاق وخمس بنات لبون. وخمس بنات مخاض وخمس بنو لبون، وهو قول لمالك والشافعي وغيرهما. ودية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول جماعة الصحابة والتابعين، والفقهاء، إلا الشاذ منهم. وأهل الذهب: الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق وأهل الإبل أهل البوادي. وكل ما جناه جان خطأ فعلى عاقلته الدية، إلى أن يكون الذي يجب في ذلك أقل من ثلث الدية، فليس على العاقلة شيء، وذلك في مال الجاني، وتؤجل دية الخطأ في ثلاث سنين، وثلث الدية تؤديها العاقلة في سنة، ونصف الدية يجتهد فيها الإمام، فيجعلها في سنتين أو في سنة ونصف وثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين، وهي على الرجال البالغين دون النساء والصبيان، وليس على كل واحد شيء معلوم ولكن على كل واحد قدر يسره، فأما دية العمد فهي على القاتل خاصة إذا قبلت منه. * * وقوله: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: فإن كان المقتول خطأ من قوم كفار أعداء لكم ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: والمقتول مؤمن فقتله مؤمن يظن أنه كافر ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ أي: فعليه ذلك. قال عكرمة: هو الرجل يسلم في دار الحرب، فيقتل يظن أنه كافر، فليس فيه دية، وفيه الكفارة: تحرير رقبة مؤمنة. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: إنما ذلك في حرب رسول الله عليه السلام أهل مكة، يكون فيهم الرجل المؤمن لم يهاجر، وأقام معهم فيصيبه المسلمون خطأ، فليس عل المسلمين فيه دية لأنه تعالى (يقول): ﴿وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وعليهم الكفارة تحرير رقبة على كل نفس. وقال ابن عباس والسدي وغيرهما: هو أن يكون الرجل مؤمناً، وقومه كفار لا عهد لهم، فيقتل خطأ، فليس لأهله دية لأنهم كفار، وعلى القاتل الكفارة تحرير رقبة، وقاله قتادة. وقال الحسن البصري، وجابر بن زيد: هو مؤمن من قوم معاهدين، وهو قول مالك. وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه، فيقيم فيهم، وهم مشركون، فيمر بهم الجيش لرسول الله ﷺ، فيقتل فيمن قتل فلا دية فيه، وفيه الكفارة. وجماعة أهل التفسير على أن المعنى إن كان المقتول في دار الحرب مؤمناً، وهو من قوم كفار وهو بينهم فلا دية فيه وفيه الكفارة. * * قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىۤ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ الآية. المعنى: وإن كان المقتول خطأ بين أظهرهم من قوم كفار بينكم وبينهم عهد، ففيه الدية إلى أهله، والكفارة تحرير رقبة مؤمنة. وقيل: المعنى: إن كان المقتول خطأ في دار قومه من قوم كفار بينكم وبينهم عهد ففيه الدية والكفارة [كسائر المؤمنين، واختلف في المقتول هنا: فقيل عن ابن عباس أنه إن كان كافراً، ففيه الدية والكفارة] كالمؤمن لأن له عهداً وميثاقاً. وقال الزهري: دية الذمي دية المسلم. وقيل: المراد به إن كان المقتول مؤمناً قتل خطأ، وهو من قوم كفار بينكم وبينهم عهد ففيه الدية إلى قومه الكفار، وفيه تحرير الرقبة المؤمنة قاله النخعي ومثله روى ابن القاسم عن مالك أنه قال: ذلك في الهدنة التي كانت بين النبي ﷺ، وبين المشركين أنه إن أصيب مسلم كان بين أظهركم لم يهاجر وأصيب خطأ فإن ديته على المسلمين يردونها إلى قومه الذين كان بين أظهركم الكفار، ومما يبين ذلك أن أبا جندل ورجل آخر أتيا النبي ﷺ مسلمين في الهدنة، فردهما إليهم فكما كان لهم أن يردوا إليهم، فكذلك كانت ديته لهم إذا قتل خطأ، ودية الخطأ عند مالك والشافعي في هذا تؤدى في ثلاث سنين على كل رجل ربع دينار، وروي ذلك عن جابر بن عبد الله، وقاله الحْسن. وكان الطبري يختار أن يكون المقتول من أهل الذمة لأن الله سبحانه وتعالى لم يقل: "وهو مؤمن" كما قال في الأول ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وقد قال جماعة: إن دية الذمي والمسلم سواء، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان وابن مسعود ومعاوية. وقال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير: دية الكتابي نصف دية المسلم، وبه قال عطاء وابن المسيب والحكم وعكرمة، وهو قول الشافعي. فأما دية المجوسي فثمان مائة درهم روي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار، والحسن وعكرمة ومالك والشافعي. وقال عمر بن عبد العزيز: دية المجوسي نصف دية المسلم. وروى عن النخعي والشعبي والثوري أن ديته مثل دية المسلم. وإذا قَتَل العبد المؤمن حراً مؤمناً خطأ، فدمه في رقة العبد وأن لا دية فيه لأن العبد لا عاقلة له وعلى العبد الكفارة، فعتق رقبة على قول من قال: إن العبد يملك ما لم يمنعه سيده، ومن قال: لا يملك العبد، فعليه صيام شهرين متتابعين، وكذلك حكمه في الظهار لا يجزئه الصيام في قول مالك لأنه عنده يملك. * * قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ أي: لم يجد رقبة مؤمنة لعسرته، وقلة ما في يده، فعليه صيام شهرين متتابعين. وقال الشعبي: صوم الشهرين عن الدية والرقبة جميعاً إذا لم يجدها لفقره، وفقر عاقلته. وقال الطبري: عن الرقبة خاصة لأن الدية على العاقلة، وهو قول جماعة العلماء. * * قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ مصدر، وقيل مفعول من أجله. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ﴾ أي: لم يزل بما يصلح عباده ﴿حَكِيماً﴾ "فيما يقضي به ويأمر". * * قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية. قيل: معناه: من لم يجد الدية، ولا الرقبة، فليصم شهرين متتابعين. وقيل: معناه: من لم يجد الرقبة فعليه صيام شهرين متتابعين، وهذا القول أولى لأن الدية لم تجب على القاتل خطأ فيكون الصيام يقوم مقامها، وإنما وجبت الدية في الخطأ على العاقلة، فلا يجزئ عنها صوم القاتل.

النساء 4:93

قوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ الآية. وروى أبو هريرة: أن النبي ﷺ قال: "والله للدنيا وما فيها أهون على الله من قتل مسلم بغير حق وروى عنه أيضاً أنه قال: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوب على جبهته: آيس من رحمة الله". وعنه ﷺ أنه قال: "كل ذنب عسى [الله] أن يغفره إلا لمن مات مشركاً، أو من قتل مؤمناً متعمداً" المعنى: من يتعمد قتل مؤمن فجزاؤه جهنم. وقتل العمد عند مالك سواء كان بحجر أو عصا أو حديدة فيه القود. وقال غيره: لا يكون قتل العمد إلا بحديد، وأثبت جماعة شبه العمد وهو قول الشافعي، وهو الضرب بالخشبة الضخمة والحجر، فجعلوا فيه ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة وأربعين خليفة. وليس عند أكثرهم في القتل غير الخطأ أو العمد، فأما شبه العمد فليس له نص في كتاب الله، ولا تواترت به الأخبار عن النبي ﷺ ... مذهب مالك: ومن أحرق رجلاً قتل به، وهو عمد، ولو أطعمه شيئاً فقتله، وقال: لم أرد قتله إنما أردت أن أسكره، فقال مالك: يقتل، ولا يقبل منه، وهو عمد. ومن قتل رجلاً بخنق فهو عمد، وقال محمد بن الحسن: إذا خنقه، وألقاه من ظهر جبل أو سلم (فمات) فهو خطأ. وإذا أمسكه واحد وقتله الآخر قتلا به جميعاً عند مالك، إلا أن يكون الممسك أمسكه وهو لا يظن أن الآخر يقتله، فيعاقب ولا يقتل الممسك، وإذا أمر الرجل عبده بقتل رجل فقتله العبد فيقتلان جميعاً عند مالك، وهو قول قتادة. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أما العبد فيسجن، وأما السيد فيقتل. وقال أبو هريرة: يقتل الآمر دون العبد وكذلك قال الحسن وعكرمة، وقال الشعبي يقتل العبد ويضرب السيد. وقال الشافعي: إن كان العبد أعجمياً، أو صبياً فعلى السيد القود دون العبد، وإن كان يعقل ويفهم، فعلى العبد القود، وعلى السيد العقوبة. فإن أمره رجل بقتل آخر، فقتله فعلى القاتل القود عند مالك، والشافعي، وجماعة من التابعين. * * وقوله: ﴿فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَٰلِداً فِيهَا﴾ معناه: فجزاؤه إن جازاه، قاله التميمي وغيره، ورواه ابن جبير عن ابن عباس. وهو كما يقول الرجل لعبد قد جنى عليه: ما جزاؤك إلا كذا وكذا، وهو لا يفعل به ذلك، فمعناه هذا جزاؤك إن جوزيت على ذنبك، فكذلك الآية، معناها: فجزاؤه إن جوزي على فعله جهنم، والله أكرم الأكرمين، له العفو وله العقوبة يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه. * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] يدل على جواز العفو على القاتل عمداً. وقيل: إنها نزلت في رجل بعينه أسلم، ثم ارتد، وقتل رجلاً مؤمناً، فمعنى الآية: ومن يقتل مؤمناً متعمداً مستحلاً قتله فجزاؤه جهنم، فالكافر يقتل المؤمن مستحلاً وليس كذلك المؤمن، بل إن قتل فإنما يقتل وهو يعلم أن قتله حرام. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار قُتِل ولي له. وقبل الدية، ثم وثب على قاتل وليه فقتله وارتد، قال ذلك ابن جريج وغيره. وقال مجاهد: إلا من تاب يعني ان العفو من الله جائز للقاتل عمداً إذا تاب، وهو قول ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجماعة من العلماء. وعن ابن عباس أنه لا توبة له، وأنها محكمة لم تنسخ. وقال زيد بن ثابت: نزلت ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً﴾ الآية بعد أن نزلت ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآية بأربعة أشهر. وقال ابن عباس: هذه الآية التي في النساء مدنية نسخت التي في الفرقان ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] لأنها مكية. وعن ابن عمر وزيد بن ثابت: إن للقاتل توبة وهو قول جماعة من العلماء لقوله: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] وقوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]. وروي عن ابن عباس أنه قال: التي في الفرقان نزلت في أهل الشرك. وعن زيد بن ثابت أنه قال: نزلت سورة النساء بعد الفرقان بستة أشهر. وكان الطبري يقول: جزاؤه جهنم حقاً، ولكن الله يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيه بالخلود فيها إما أن يعفو، فلا يدخلهم النار، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته لقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣].

النساء 4:94

قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية. من قرأ بالتاء، فمعناه: فتثبتوا حتى يتبين لكم الفاسق من غيره، والمأمور بالتثبت في فسحة أوسع من المأمور بالتبيين، لأن المأمور بالتبين قد لا يعذر على ذلك، والمأمور بالتثبت لا شك أنه يقدر على ذلك، فهو في فسحة من أمره، ومقدرة على فعل ما أمر به، وليس كذلك المأمور بالتبين لأنه قد لا يتبين له ما يريد إذا تبين، والتثبت لا يمنع عليه من نفسه. ومن قرأ بالياء فمعناه: تبينوا الفاسق من غيره، ولا تعجلوا حتى تتبينوا، فإن العجلة من الشيطان. وقال أبو عبيدة: إحداهما قريبة من (الأخرى). وقال النحاس وغيره: فتبينوا أؤكد لأن الإنسان قد يتثبت ولا يتبين. وهو لا يتبين إلا مع التثبت، ففي البيان يقع التثبت وليس بالتثبت يقع البيان. [فالبيان] لا بد منه فكل من تبين أمراً فبعد أن يتثبت فيه بان له، وليس كل من تثبت في أمر تبينه، فالبيان على هذا أوكد وأعلم، ولكنه أشد كلفة في التثبت. ومعنى الآية أن الله تعالى أمر المؤمنين إذا ضربوا في الأرض أي: ساروا في الجهاد أن يتثبتوا في القتل، إذا أشكل عليهم الأمر، فلم يعرفوا حقيقة إسلام من أرادوا قتله، وأن لا يقولوا لمن ألقى إليهم السلم، أي: من استسلم في أيديهم ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ ليأخذوا ما معه. ومن قرأ السلام: فمعناه لا تقولوا لمن سلم عليكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ لتأخذوا ما معه، فعند الله مغانم كثيرة من رزقه، فلا يغرنكم سَلَب من استسلم في أيديكم. ﴿كَذٰلِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ﴾ أي: كنتم من قبل مثل هذا الذي قتلتموه، وأخذتم ماله استخفى بدينه من قومه حذراً على نفسه منهم، وكذلك كنتم. وقيل: معناه، وكذلك كنتم كفاراً مثله، فهداكم الله وأعز دينكم، ومَنَّ عليكم بالإسلام والتوبة. وقيل: معنى: ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ فقد مَنَّ الله عليكم بالتوبة من قتيلكم هذا الذي استسلم إليكم، ثم قتلتموه وأخذتم ماله، فتثبتوا أي: لا تعجلوا في قتل من التبس عليكم أمر إسلامه. وقرأ أبو رجاء: السِلْم بكسر السين. وقرأ أبو جعفر: (لست مؤمَناً) بفتح الميم أي: لسنا نؤمنك. وهذه الآية نزلت في قتيل من غطفان اسمه مرداس كان قد أسلم، فقتلته سرية لرسول الله ﷺ بعد أن قال: إني مسلم، وقيل: بعدما سلم عليهم. وقيل: بعدما قال: إني مسلم لا إله إلا الله، وكانت معه غنيمة فأخذوها. ويروى أن الذي قتله مات ودفن، فلفظته الأرض ثلاث مرات، يدفن وتلفظه الأرض فأمرهم النبي ﷺ أن يلقوه في غار من الغيران، وقال ﷺ: "إن الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة وقراءة من قرأ السلام يدل على أن ما روي أنه كان رجل معه غنيمة لقيه سرية من المسلمين، فقال: السلام عليكم، وكانت جُنَّة لا يقتل من قالها، فقتل الرجل وأخذ ما معه. وحجة من قرأ السلام ما روي أنه قال لهم: إني مسلم وما روي أنه قال: إني مسلم لا إله إلا الله. * * قوله: ﴿[إِنَّ ٱللَّهَ] كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: خبيراً بما تصنعون في طلبكم الغنيمة، ولم تقبلوا منه ما قال لكم.

النساء 4:95

قوله: ﴿لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ الآية. من قرأ: غيرَ بالنصب فعلى الاستثناء بمعنى [إلا] أولي الضرر، فإنهم يستوون مع المجاهدين، ويجوز النصب على الحال بمعنى لا يستوي القاعدون في حال صحتهم. ومن رفع على النعت للقاعدين بمعنى لا يستوي القاعدون الأصحاء عن الجهاد يوم بدر والمجاهدون. وقدره أبو إسحاق: ﴿لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ﴾ الذين هم ﴿غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾، وهو بمعنى [الصفة] التي ذكرنا وقرأه أبو حيوة غيرِ مخفوض على النعت للمؤمنين. وقال المبرد: هو بدل لأنه نكرة والأول معرفة. * * ﴿دَرَجَةً﴾ نصب على البدل من قوله ﴿أَجْراً﴾. وقيل: إن فيه معنى التأكيد كما تقول علي ألف درهم عرفاً. ومعنى الآية: لا يعتدل من جاهد في ذات الله، ومن قعد عن ذلك، إلا أن يكون القاعدون من أولي الضرر، فإنه يستوي مع المجاهد. هذا على قراءة النصب، والنصب في الآية أحسن لما روى البراء رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:"إيتوني بكتف أو لوح فكتب "لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون" وعمر بن أم مكتوم خلف ظهره فقال: هل لي من رخصة يا رسول الله؟ فنزلت ﴿غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ على الاستثناء. وقال زيد بن ثابت: املى علي رسول الله ﷺ * * ﴿لاَّ يَسْتَوِي ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾. قال: فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، قال: فأنزل الله عليه، وفخذه على فخذه، فثقلت حتى خشيت أن تسترض فخده [ثم] سرى عنه فقال: ﴿غَيْرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾. وهذا في غزاة بدر، وقد قال ذلك عطاء وقتادة والسدي والزهري ذكروا أن الاستثناء نزل في ابن أم مكتوم. * * قوله: ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةً﴾، أي: فضيلة يريد القاعدين من أولى الضرر، فضل الله المجاهدين على القاعد للضرر درجة واحدة لجهاده بنفسه وماله ﴿وَكُـلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: المجاهد والقاعد من أولي الضرر، وعدهم الله الحسنى، وهي الجنة لأنهم كلهم مؤمنون. وذكر الأموال في هذا الموضع، وتفضيل الذين ينفقونها في سبيل الله يدل على تفضيل الغنى على الفقر، وهو في القرآن كثير، فلا يستوي في الفضل من أعطاه الله مالاً، فأنفقه في سبيله، ومن لم يعطه الله مالاً، فود لو كان معه مال فأنفقه في سبيل الله، لا يستوي [من نوى] ففعل، مع من نوى ولم يفعل، فقد أنفق عثمان رضي الله عنه على جيش العسرة وبان بفضل ذلك، وود أصحابه أن يقدروا على مثل فعله. وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أيسر من كثير من أصحاب رسول الله ﷺ. وأجمع المسلمون أنهم أفضل ممن هو أفقر منهم في ذلك الوقت من الصحابة. وحديث النبي ﷺ " إن فقراء أمتي يدخلون الجنة قبل اغنيائهم بنصف يوم من أيام الآخرة" معناه الفقراء من أصحاب النبي ﷺ يدخلون الجنة قبل الأغنياء من غير أصحاب محمد ﷺ لفضل الصحابة لا للفقر. ويدل على ذلك ما روي عن رسول الله ﷺ أنه سئل: من أول الناس وروداً الحوض؟ فقال: "نفر من المهاجرين الشعثة رؤوسهم الدنسة ثيابهم، الذين لا تفتح لهم السدود، ولا ينكحون المتنعمات" قوله: ﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ يعني: على القاعدين من المؤمنين من غير أولي الضرر. وقوله: و "درجات منه" أي فضائل منه، ومنازل من منازل الكرامة. وقال قتادة: الدرجات كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الإسلام درجة، والقتل في الجهاد درجة. وقال [ابن] زيد: الدرجات التي فضل بها المجاهد على القاعد تسع، وهي التي ذكرها الله عز وجل في براءة، قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. فذلك خمسة، والسادسة والسابعة قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١]. وقيل الدرجات: سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.

النساء 4:97

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ الآية. المعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم ظالمين أنفسهم أي مكتسبين غضب الله عز وجل وسخطه ﴿قَالُواْ﴾: أي: قال لهم الملائكة ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي: أي شيء كنتم من دينكم؟ وقيل المعنى: قالت لهم الملائكة: أكنتم في المشركين، أم في أصحاب النبي ﷺ؟ فأجابوا الملائكة بأن قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ في أرضنا بكثرة العدو، وقوته قالت لهم الملائكة، ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ أي: تخرجوا من بين أظهر المشركين إلى أرض الإيمان. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم مصيرهم إلى جهنم وهي سكناهم ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: ساءت جهنم مصيراً لأهلها. وروي أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أسلموا والنبي ﷺ بمكة، فلما هاجر النبي عليه السلام أقاموا بمكة، فمنهم من ارتد إلى الشرك فتنه أبوه وعشيرته حتى ارتد، ومنهم من بقي على حاله. فلما خرج المشركون لنصرة غيرهم إلى بدر خرجوا مع المشركين، وقالوا إن كان محمد في كثرة ذهبنا إليه، وإن كان في قلة بقينا في قومنا. فلما التقوا بالنبي ﷺ، في بدر نظروه في قلة فبقوا في قومهم فقتلوا، فتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فاعتذروا بأنهم استضعفوا بمكة، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ﴾ وهو من عجز عن الهجرة، ولا طاقة له بالخروج قد استضعفهم المشركون ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي لا يعرفون طريقاً يخلصهم من المشركين، لا قوة لهم ولا معرفة طريق ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ [عَنْهُمْ]﴾ أي إن هؤلاء المستضعفين لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ أي: بعباده قبل أن يخلقهم ومعناه: لم يزل كذلك. وقيل: إن (كان) من الله بمنزلة ما في الحال. فالمعنى والله عفو غفور. وروي أن هاتين الآيتين، والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا، وآمنوا، وتخلفوا عن الهجرة مع النبي ﷺ حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المؤمنين، فلم يقبل الله تعالى معذرتهم وقولهم "كنا مستضعفين في الأرض". وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وأخفوا الإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم لقتال المسلمين، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية فكتب المسلمون إلى من بقي بمكة: ألا عذر لهم بهذه الآية، فخرجوا من مكة فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فكتب بها المسلمون إليهم، فخرجوا، ويئسوا من كل خبر فنزل فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ [النحل: ١١٠] الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. ومعنى: ﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾ يعني الشيخ الكبير. قال السدي: لما أسر العباس، وعقيل قال رسول الله ﷺ للعباس: "افْدِ نفسك، وابن أخيك" فقال: يا رسول الله، ألم نصل [لـ] قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: "يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم"، ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجروا ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي: لا يعرفون طريقاً إلى المدينة. قال ابن عباس: كنت أنا من الولدان. وروى عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. قال السدي: الحيلة المال، والسبيل الطريق إلى المدينة.

النساء 4:98

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ الآية. المعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم ظالمين أنفسهم أي مكتسبين غضب الله عز وجل وسخطه ﴿قَالُواْ﴾: أي: قال لهم الملائكة ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي: أي شيء كنتم من دينكم؟ وقيل المعنى: قالت لهم الملائكة: أكنتم في المشركين، أم في أصحاب النبي ﷺ؟ فأجابوا الملائكة بأن قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ في أرضنا بكثرة العدو، وقوته قالت لهم الملائكة، ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ أي: تخرجوا من بين أظهر المشركين إلى أرض الإيمان. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم مصيرهم إلى جهنم وهي سكناهم ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: ساءت جهنم مصيراً لأهلها. وروي أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أسلموا والنبي ﷺ بمكة، فلما هاجر النبي عليه السلام أقاموا بمكة، فمنهم من ارتد إلى الشرك فتنه أبوه وعشيرته حتى ارتد، ومنهم من بقي على حاله. فلما خرج المشركون لنصرة غيرهم إلى بدر خرجوا مع المشركين، وقالوا إن كان محمد في كثرة ذهبنا إليه، وإن كان في قلة بقينا في قومنا. فلما التقوا بالنبي ﷺ، في بدر نظروه في قلة فبقوا في قومهم فقتلوا، فتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فاعتذروا بأنهم استضعفوا بمكة، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ﴾ وهو من عجز عن الهجرة، ولا طاقة له بالخروج قد استضعفهم المشركون ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي لا يعرفون طريقاً يخلصهم من المشركين، لا قوة لهم ولا معرفة طريق ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ [عَنْهُمْ]﴾ أي إن هؤلاء المستضعفين لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ أي: بعباده قبل أن يخلقهم ومعناه: لم يزل كذلك. وقيل: إن (كان) من الله بمنزلة ما في الحال. فالمعنى والله عفو غفور. وروي أن هاتين الآيتين، والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا، وآمنوا، وتخلفوا عن الهجرة مع النبي ﷺ حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المؤمنين، فلم يقبل الله تعالى معذرتهم وقولهم "كنا مستضعفين في الأرض". وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وأخفوا الإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم لقتال المسلمين، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية فكتب المسلمون إلى من بقي بمكة: ألا عذر لهم بهذه الآية، فخرجوا من مكة فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فكتب بها المسلمون إليهم، فخرجوا، ويئسوا من كل خبر فنزل فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ [النحل: ١١٠] الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. ومعنى: ﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾ يعني الشيخ الكبير. قال السدي: لما أسر العباس، وعقيل قال رسول الله ﷺ للعباس: "افْدِ نفسك، وابن أخيك" فقال: يا رسول الله، ألم نصل [لـ] قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: "يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم"، ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجروا ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي: لا يعرفون طريقاً إلى المدينة. قال ابن عباس: كنت أنا من الولدان. وروى عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. قال السدي: الحيلة المال، والسبيل الطريق إلى المدينة.

النساء 4:99

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ الآية. المعنى: إن الذين تقبض الملائكة أرواحهم ظالمين أنفسهم أي مكتسبين غضب الله عز وجل وسخطه ﴿قَالُواْ﴾: أي: قال لهم الملائكة ﴿فِيمَ كُنتُمْ﴾ أي: أي شيء كنتم من دينكم؟ وقيل المعنى: قالت لهم الملائكة: أكنتم في المشركين، أم في أصحاب النبي ﷺ؟ فأجابوا الملائكة بأن قالوا: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ﴾ في أرضنا بكثرة العدو، وقوته قالت لهم الملائكة، ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ أي: تخرجوا من بين أظهر المشركين إلى أرض الإيمان. ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم مصيرهم إلى جهنم وهي سكناهم ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: ساءت جهنم مصيراً لأهلها. وروي أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا أسلموا والنبي ﷺ بمكة، فلما هاجر النبي عليه السلام أقاموا بمكة، فمنهم من ارتد إلى الشرك فتنه أبوه وعشيرته حتى ارتد، ومنهم من بقي على حاله. فلما خرج المشركون لنصرة غيرهم إلى بدر خرجوا مع المشركين، وقالوا إن كان محمد في كثرة ذهبنا إليه، وإن كان في قلة بقينا في قومنا. فلما التقوا بالنبي ﷺ، في بدر نظروه في قلة فبقوا في قومهم فقتلوا، فتوفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فاعتذروا بأنهم استضعفوا بمكة، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ﴾ وهو من عجز عن الهجرة، ولا طاقة له بالخروج قد استضعفهم المشركون ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي لا يعرفون طريقاً يخلصهم من المشركين، لا قوة لهم ولا معرفة طريق ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ [عَنْهُمْ]﴾ أي إن هؤلاء المستضعفين لعل الله أن يعفو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ أي: بعباده قبل أن يخلقهم ومعناه: لم يزل كذلك. وقيل: إن (كان) من الله بمنزلة ما في الحال. فالمعنى والله عفو غفور. وروي أن هاتين الآيتين، والتي بعدهما نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا قد أسلموا، وآمنوا، وتخلفوا عن الهجرة مع النبي ﷺ حين هاجر، وعرض بعضهم على الفتنة فافتتن، وشهد مع المشركين حرب المؤمنين، فلم يقبل الله تعالى معذرتهم وقولهم "كنا مستضعفين في الأرض". وقال ابن عباس: كان قوم من أهل مكة أسلموا وأخفوا الإسلام فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم لقتال المسلمين، فأصيب بعضهم فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين، وأكرهوا فاستغفروا لهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية فكتب المسلمون إلى من بقي بمكة: ألا عذر لهم بهذه الآية، فخرجوا من مكة فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة فنزلت فيهم ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] فكتب بها المسلمون إليهم، فخرجوا، ويئسوا من كل خبر فنزل فيهم ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾ [النحل: ١١٠] الآية، فكتبوا إليهم بذلك إن الله قد جعل لكم مخرجاً، فخرجوا، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل. ومعنى: ﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾ يعني الشيخ الكبير. قال السدي: لما أسر العباس، وعقيل قال رسول الله ﷺ للعباس: "افْدِ نفسك، وابن أخيك" فقال: يا رسول الله، ألم نصل [لـ] قبلتك ونشهد شهادتك؟ قال: "يا عباس: إنكم خاصمتم فخصمتم"، ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ فيوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجروا ﴿إِلاَّ ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ أي: لا يعرفون طريقاً إلى المدينة. قال ابن عباس: كنت أنا من الولدان. وروى عنه أنه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين. قال السدي: الحيلة المال، والسبيل الطريق إلى المدينة.

النساء 4:100

قوله: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. المعنى أن من يفارق أرض الشرك، ويمضي إلى أرض الإسلام فإنه يجد مذهباً، ومسلكاً إلى أرض الإسلام، فالمراغم: المذهب. قال مالك: المراغم الذهاب في الأرض، والسعة سعة البلاد. قال مالك: لا ينبغي المقام في أرض يسب فيها السلف، ويعمل فيها بغير الحق، والله يقول: ﴿يَجِدْ فِي ٱلأَرْضِ مُرَٰغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾. وقال الثوري: ومعنى "وسعة" أي: سعة من الرزق. وقال ابن عباس: المراغم: المتجول من أرض إلى أرض. وقال مجاهد: المراغم: المندوحة عما يكره. وقال ابن زيد: المراغم: المهاجر. وقال أهل اللغة: المراغم: المضطرب والمذهب. * * قوله: ﴿وَسَعَةً﴾ يريد سعة في الرزق. وقال قتادة: "وسعة" أي" سعة من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى. والمراغم: مشتق من الرغام وهو التراب، يقال: رغم أنف فلان: إذا ألصق بالتراب، يستعار ذلك لمن ذل وصغر. يقال راغمت فلاناً: إذا عاديته. فسمي المهاجر مراغماً، لأن المهاجر يعادي من يخرج عنه من أهل الكفر. * * وقوله: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً﴾ الآية. المعنى: إنه لما نزل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ظَالِمِيۤ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. قال ضمرة بن نعيم وكان بمكة عليلاً: لي مال ولي رقيق، ولي خليلة، فاحملوني فخرج، وهو مريض أو هاجر، فأدركه الموت، عند التنعيم فدفن، ثم نزلت فيه ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقيل: اسم أبيه جندب، وقيل زنباع، وقيل العيص. وقال ابن زيد: هو رجل من بني كنانة هاجر إلى النبي ﷺ من مكة، فمات في الطريق، فسخر به قومه واستهزءوا وقالوا: لا هو بلغ الذي يريد، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه، فأنزل الله ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية. ومعنى: ﴿وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ ٱللَّهِ﴾ قال ابن جبير: هو رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن العيص، أو العيص بن ضمرة بن زنباع، كان مريضاً فأمر أهله أن يحملوه إلى رسول الله ﷺ على سرير ففعلوا، فأتاه الموت بالتنعيم فنزلت فيه الآية وفي من كان مثله. وقيل: نزلت في رجل من كنانة من بني ضمرة مرض بمكة بعد إسلامه، فقال: أخرجوا بي إلى الروح، يريد المدينة، فخرجوا به، فلما كان بالحصاص مات قاله عكرمة. وبهذه الآية أوجب العلماء للغازي إذا خرج للغزو ثم مات قبل القتال أن يعطى سهمه، وإن لم يشهد الحرب وذلك مذهب أهل المدينة فيما ذكر يزيد بن [أبي] حبيب، ذكر ذلك ابن المبارك عن ابن لهيعة عن يزيد.

النساء 4:101

قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الآية. ذكر بعض أهل المعاني [أن الآية] في قصتين وحكمين. فقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ﴾ في الإقصار في السفر، وتم الكلام عند قوله: ﴿مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ﴾. ثم ابتدأ قصة أخرى في إباحة صلاة الخوف وصفتها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه سأل قوم رسول الله ﷺ: فقالوا يا رسول الله: أنضرب الأرض؟ أي: نسير، فأنزل الله عز وجل ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَٰوةِ﴾ ثم انقطع الوحي فلما كان بعد ذلك بحول وغزا النبي ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم هو وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، فأنزل الله عز وجل ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾ - إلى قومه - ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ فنزلت صلاة الخوف بكيفيتها. وقال ابن عباس: معنى القصر هنا هو أن يقصروا من ركوعها وسجودها في حال الخوف، ويصلي كيف ما أمكن إلى القبلة وإلى غيرها ماشياً أو راكباً، كما قال: ﴿فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: ٢٣٩] وهو اختيار الطبري، قال: ودليله قوله ﴿فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾ وإقامتها إتمام ركوعها وسجودها، وفرائضها من قبلة وغيرها. فقد قال جماعة من التابعين والصحابة منهم: حذيفة وجابر بن عبد الله وابن جبير، وروى مجاهد عن ابن عباس، وقالوا: فرض الله على المقيم أربعاً، وعلى المسافر ركعتين وفي الخوف ركعة، قالوا: فقصر الصلاة في الخوف أن تصلي ركعة لأنهم مسافرون، فصلاتهم ركعتان، وقصر الركعتين لا يكون إلى ركعتين إنما ذلك أن يصلوا ركعة واحدة، وتواترت الأخبار عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين، ثم أتمت صلاة المقيم، وأُقرت صلاة المسافر بحالها. وقرأ أبي بن كعب "أن تقصُروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا" بحذف ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ على معنى كراهة أن يفتنكم. وروي عن عائشة أنها قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما أتى النبي ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها إلا صلاة المغرب فإنها وتر، وإلا صلاة الصبح لطول قراءتها، فكان رسول الله ﷺ إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى ركعتين. قال ابن عباس: من صلى في السفر أربعاً كمن صلى في الحضر ركعتين. (وقال عمر بن عبد العزيز: صلاة السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرهما)، وروى عن مالك الإعادة على من أتم في السفر. قال ابن القاسم: في الوقت يعيد. وقال أصحاب الرأي: إذا صلى المسافر أربعاً، فقعد في الثانية قدر التشهد فصلاته تامة، وإن لم يقعد قدر التشهد، فصلاته فاسدة وقال الشافعي وأبو ثور: المسافر بالخيار في الإتمام والقصر.

النساء 4:102

قوله: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ﴾ الآية. المعنى: وإذا كنت يا محمد في الضاربين في الأرض من أصحابك، وثم خوف من عدو فأقمت لهم الصلاة ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ [مِّنْهُمْ]﴾ معك في الصلاة وباقيهم في وجاه العدو ﴿وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ﴾ أي: ولتأخذ الطائفة المصلية معك أسلحتهم من سيف يتقلد به الرجل، وخنجر يشده إلى وسطه، ودرع يلقيه على نفسه (ونحوه). وقال ابن عباس: الطائفة المأمورة بأخذ السلاح التي وجاه العدو، وليست المصلية، لأن المصلي لا يحارب. وقال النحاس: "يجوز أن يكون الجميع هو المأمور بأخذ السلاح لأن ذلك أهيب للعدو، ويجوز أن يكون المأمور بذلك هو الذي وجاه العدو، لأن الذي في الصلاة لا يقاتل". * * قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي: سجد الذين معك "﴿فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ﴾ أي: فلينصرفوا بعد سجودهم خلفكم في موضع الذين لم يصلوا. فمن قال إن صلاة الخوف ركعة قال: ينصرفون بسلام فيقفون بإزاء العدو ولا قضاء عليهم، وتأتي طائفة أخرى فيصلي بهم ركعة ويسلمون بسلام الإمام، ولا قضاء عليهم، وكذلك وصف حذيفة أنه صلى مع النبي ﷺ ركعة بكل طائفة، ولم يقضوا شيئاً. وقد روى عن جابر بن عبد الله، وعمر وابن عمر أن الركعتين ليستا بقصر. وروي عن جابر أنه قال: ليست الركعتان في السفر بقصر إنما القصر واحدة عند القتال وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة وحماد في شدة الحرب قالوا: يؤمنون بها. وقال الضحاك: فإن لم يقدروا يكبروا تكبيرتين حيث كان وجهه. وروى الزهرى عن سالم عن ابن عمر أنهم يصلون ركعتين كيفما تيسر، وحيثما توجهوا، وهو مذهب مالك، والشافعي والنخعي والثوري وأكثر الفقهاء. وصفة ذلك أن يقوم الإمام بطائفة، والأخرى وجاه العدو، فيركع بالطائفة التي معه، ركعة بسجدتيها ثم يقوم ويثبت قائماً ويتمون لأنفسهم الركعة الثانية. ثم يسلمون وينصرفون وجاه العدو والإمام قائم وتأتي الطائفة الأخرى فيكبرون مع الإمام ويركع بهم الركعة الأخرى بسجدتيها ثم يسلم، ويقومون فيأتون بركعتهم لأنفسهم بسجدتيها، ثم يسلمون وفيها أقوال غير ما ذكرنا. ولا يصلى صلاة الخوف إلا من كان في سفر عند مالك. فأما الخائفون في الحضر فإنهم يصلون أربعاً على سنة صلاة الخوف إذا خافوا العدو، ويصلى الإمام في الخوف لأهل الحضر والسفر المغرب بالطائفة الأولى ركعتين ثم يتشهد بهم، ويثبت قائماً. ويتمون لأنفسهم ويسلمون، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ركعة ويتشهد ويسلم، ويقومون هم لتمام ما بقي عليهم، ويقرأون فيما يقضون بأم القرآن وسوره. وفي حديث يزيد بن رومان: لا يسلم الإمام حتى تتم الطائفة الأخرى لنفسها ما بقي عليها، ثم يسلم بهم. وفي حديث ابن القاسم أنه يسلم ويقومون يتمون ما بقي عليهم، وإليه رجع مالك، وقد كان يقول بحديث يزيد بن رومان ثم رجع عنه لحديث القاسم. فإن سها الإمام بنقص سجدت الطائفة الأولى قبل السلام بعد قضاء ما عليها، وإن زاد سجدت بعد السلام، والإمام قائم لا يسجد، فإذا أتت الطائفة الأخرى صلى بهم الركعة الباقية. فعلى حديث القاسم يسجد ويسلم إن كان نقصاً، ولا يسجدون حتى يتموا لأنفسهم. وسجدوا بعد السلام إن كان زيادة، ويسجدون هم أيضاً إذا أتموا، وعلى قول ابن رومان يثبت حتى يتموا لأنفسهم ثم يسجد بهم، ويسلم أو يسلم ويسجد. * * قوله: ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً وَاحِدَةً﴾ الآية. معناها: تمنى الكافرون [لو] تشتغلون بصلاتكم عن سلاحكم وأمتعتكم التي بها بلاغكم في أسفاركم، فيحملون عليكم حملة واحدة فيقتلونكم، فحذر الله المؤمنين وأعلم بما تمنى به المشركون وأمرهم أن يقترفوا عند الصلاة، فتقوم طائفة مع الإمام وطائفة تمنع العدو، على الترتيب الذي ذكرنا رفقاً منه تعالى بالمؤمنين وتيسيراً عليهم. * * قوله: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ الآية. (أي: ليس عليكم إثم إن نالكم ضرر من مطر، وأنتم وجاه العدو، وإن كنتم مرضى أي: جرحى أو أعلاء، ﴿أَن تَضَعُوۤاْ أَسْلِحَتَكُمْ﴾ أي: ضعفتم عن التمادي في حملها فأباح تعالى للمؤمنين أن يضعوا السلاح إذا وجدوا ضرراً في حملها، ولكن حذرهم عند وضعها فقال: ﴿خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ لئلا يميلوا عليكم وأنتم غير مسلحين غافلين. وأصل الجناح: العدل، ومنه جناح الطائر لأنه غير معتدل والإثم غير مستو فسمي به. * * قوله: ﴿عَذَاباً مُّهِيناً﴾ أي مذلاً. وذكر ابن عباس أن قوله ﴿أَوْ كُنتُمْ مَّرْضَىۤ﴾ نزل في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً.

النساء 4:103

قوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ ...﴾ الآية. المعنى: إن الله تعالى أمرهم بذكره بعد الفرائض من الصلاة التي قد بينها لهم إرادة البركة بالذكر ليكون سبب النصر على الأعداء والفتح، ونظيره قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. * * قوله: ﴿فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾ [أي: فإذا سكن خوفكم، فأقيموا الصلاة] بتمامها في أوقاتها كما فرضت عليكم. فالمعنى: عند من جعل القصر في صلاة الخوف هو النقص من تمام السجود والركوع لا من العدد: فإذا أمنتم في سفركم، فأتموا الركوع والسجود، قاله السدي وهو اختيار الطبري. والمعنى عند من لم ير ذلك: فإذا اطمأننتم في أمصاركم ودوركم، فأقيموا الصلاة التي أمرتم أن تقصروها في حال خوفكم وسفركم، قال ذلك مجاهد وقتادة. وقال ابن يزيد: المعنى: فإذا اطمأننتم من عدوكم فصلوا الصلاة، ولا تصلوها ركباناً، ولا مشاة ولا جلوساً فهو إقامتها. * * قوله: ﴿كِتَٰباً مَّوْقُوتاً﴾ أي: فريضة مفروضة قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقال قتادة: ﴿كِتَٰباً مَّوْقُوتاً﴾ منجماً يؤديها في أنجمها أي: في أوقاتها. وقيل: معنى ﴿مَّوْقُوتاً﴾ محتوماً لا بد من أدائها بتمامها في أوقاتها. وقال ابن مسعود: إن للصلاة وقتاً كوقت الحج. وقال زيد بن أسلم: "كتاباً موقتاً" أي منجماً. كلما [مضى] نجم أي: كلما [مضى] وقت جاء وقت. وروي عن النبي ﷺ قال: "ليس بين العبد والكافر إلا ترك الصلاة وقال: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، من تركها فقد كفر وقال النخعي وابن المبارك وأحمد وإسحاق: من ترك الصلاة عامداً حتى خرج وقتها بغير [عذر] فهو كافر، ويستتاب فإن تاب وإلا قتل، ولم يسمه مالك كافراً، ولكن قال: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك قال الشافعي. وروي أنه يستتاب ثلاثاً فإن صلى وإلا قتل. وقال الزهري: يضرب ويسجن إلا أن يكون ابتدع ديناً غير دين الإسلام، فإنه يقتل إن لم يتب.

النساء 4:104

قوله: ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ ...﴾ الآية. قرأ عبد الرحمن الأعرج: أن تكونوا تالمون بفتح إن على معنى لأن تكونوا أي: لا تهنوا من [أجل] ألمكم، ، أي لا تضعفوا عن عدوكم من أجل ما أصابكم من الجراح، والتعب فإنهم قد أصابهم مثل ما أصابكم، ولكم عليهم فضيلة، وهي أنكم ترجون من الله الجنة في الآخرة، والأجر والخلاص من النار، وترجون الغنيمة في الدنيا وهم لا يرجون جنة ولا أجراً، ولا يأمنون من عذاب، فأنتم أيها المؤمنون أولى ألا تضعفوا وأن تصبروا على عدوكم. وقيل: معنى ترجون هنا: تخافون. وقيل: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلا إذا تقدمه جحد، كقوله: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: ١٣] أي: لا تخافون الله عظمة. والرجاء هنا بمعنى الأمل أحسن وأقوم. ومعنى: ﴿ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ﴾ في طلبهم فقال عكرمة نزلت يوم أحد ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ونزلت ﴿إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ﴾. قال ابن عباس: لما صعد رسول الله ﷺ يوم أحد الجبل جاء أبو سفيان فقال: يا محمد: ألا تخرج؟ ألا تخرج؟ الحرب سجال، يوم لنا ويوم لكم، فقال رسول الله ﷺ: "أجيبوا -"، فقالوا: لا سواء، لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان: عزى لنا ولا عزى لكم، فقال رسول الله ﷺ قولوا: إن الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: أُعْلُ هبل، أُعْلُ هبل، فقال رسول الله ﷺ (قولوا): [الله] أعلى وأجل قال أبو سفيان: موعدنا وموعدكم بدر الصغرى، وكان بالمسلمين جراح. فقاموا وبهم الجراح. * * قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً﴾ أي: لم يزل عالماً بمصالح خلقه. ﴿حَكِيماً﴾ أي: حكيماً في تدبيره وتقديره.

النساء 4:105

قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ الآية. المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ أي: بما أنزلنا إليك من كتابه ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً. وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله ﷺ يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله ﷺ أن يبرئه من السرقة حتى نزل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة وبني عمه. وقيل: إن رسول الله ﷺ برأه بقولهم على رؤوس الناس. فقال الله عز وجل: ﴿ٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: مما هممت به، ومما فعلته ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره أنها رميت في داره. وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي ﷺ أن يفعل فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى رأس ثلاث آيات. ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. قال ابن جريح: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. ومعنى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يُخوِّنونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون الخيانة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ أي: لا يحب من كانت هذه صفته. * * قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً. و ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن يستخفى منه ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمه بيمينه، لأنه على دين محمد ﷺ، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل. وقيل: يبيتون "يبدلون، وقيل يؤلفون". وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي ﷺ في شأن طعمة يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. وعن ابن عباس: أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي ﷺ، فقال له: إذا غَدوت من منزلك، فإنك سترى أثراً بيناً، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي ﷺ ذلك، فاستخرج الدرع، وقال النبي ﷺ: "إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق إلى مكة قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أي لم يزل محيطاً بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها.

النساء 4:106

قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ الآية. المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ أي: بما أنزلنا إليك من كتابه ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً. وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله ﷺ يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله ﷺ أن يبرئه من السرقة حتى نزل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة وبني عمه. وقيل: إن رسول الله ﷺ برأه بقولهم على رؤوس الناس. فقال الله عز وجل: ﴿ٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: مما هممت به، ومما فعلته ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره أنها رميت في داره. وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي ﷺ أن يفعل فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى رأس ثلاث آيات. ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. قال ابن جريح: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. ومعنى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يُخوِّنونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون الخيانة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ أي: لا يحب من كانت هذه صفته. * * قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً. و ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن يستخفى منه ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمه بيمينه، لأنه على دين محمد ﷺ، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل. وقيل: يبيتون "يبدلون، وقيل يؤلفون". وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي ﷺ في شأن طعمة يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. وعن ابن عباس: أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي ﷺ، فقال له: إذا غَدوت من منزلك، فإنك سترى أثراً بيناً، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي ﷺ ذلك، فاستخرج الدرع، وقال النبي ﷺ: "إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق إلى مكة قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أي لم يزل محيطاً بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها.

النساء 4:107

قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ الآية. المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ أي: بما أنزلنا إليك من كتابه ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً. وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله ﷺ يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله ﷺ أن يبرئه من السرقة حتى نزل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة وبني عمه. وقيل: إن رسول الله ﷺ برأه بقولهم على رؤوس الناس. فقال الله عز وجل: ﴿ٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: مما هممت به، ومما فعلته ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره أنها رميت في داره. وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي ﷺ أن يفعل فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى رأس ثلاث آيات. ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. قال ابن جريح: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. ومعنى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يُخوِّنونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون الخيانة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ أي: لا يحب من كانت هذه صفته. * * قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً. و ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن يستخفى منه ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمه بيمينه، لأنه على دين محمد ﷺ، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل. وقيل: يبيتون "يبدلون، وقيل يؤلفون". وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي ﷺ في شأن طعمة يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. وعن ابن عباس: أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي ﷺ، فقال له: إذا غَدوت من منزلك، فإنك سترى أثراً بيناً، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي ﷺ ذلك، فاستخرج الدرع، وقال النبي ﷺ: "إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق إلى مكة قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أي لم يزل محيطاً بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها.

النساء 4:108

قوله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ الآية. المعنى: إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ ٱللَّهُ﴾ أي: بما أنزلنا إليك من كتابه ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ أي: لا تكن لمن خان مسلماً أو معاهداً خصيماً. وقد كثرت الروايات في السبب التي نزلت فيه هذه الآية. غير أنها، وإن اختلفت ألفاظها ترجع إلى معنى واحد. واختصار القصة أن رجلاً من الأنصار اسمه: طعمة بن أبيرق وكان منافقاً، سرق درعاً لعمة كانت عنده وديعة، فلما أن خاف أن يعرف فيه قذفها على يهودي، وأخبر بني عمه بذلك فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ يخبره بالدرع، وقال: والله ما سرقتها يا أبا القاسم ولكن طرحت علي، فلما رأوا ذلك بنو عم طعمة جاءوا إلى رسول الله ﷺ يبرئوا صاحبهم من الدرع، ويسألونه أن يبرئه منها، فهم رسول الله ﷺ أن يبرئه من السرقة حتى نزل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة وبني عمه. وقيل: إن رسول الله ﷺ برأه بقولهم على رؤوس الناس. فقال الله عز وجل: ﴿ٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: مما هممت به، ومما فعلته ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ يريد طعمة ومن أعانه وهو يعلم بسرقته. وقال السدي: بل الخيانة التي ذكرها الله عز وجل هي وديعة كان قد استودعها يهودي عند طعمة بن أبيرق وهي درع، فأخفاها طعمة، وجحدها، ثم رماها في دار رجل آخر من اليهود. فأتى اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره أنها رميت في داره. وروي أن طعمة قال لليهودي صاحب الدرع: إنك إنما استودعت درعك عند فلان، وأنا أشهد لك عليه، ثم ألقى طعمة الدرع في دار ذلك الرجل الذي يريد أن يشهد عليه فجادل الأنصار عن طعمة أنه لم يفعل شيئاً، وأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، جادل عن طعمة وأكذب اليهودي، فهم النبي ﷺ أن يفعل فأنزل الله عز وجل ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى رأس ثلاث آيات. ولما نزل القرآن في طعمة لحق بقريش وارتد، ثم عاد، إلى مشربة الحجاج حليف لبني عبد الدار فنقبها فسقط عليه حجر، فوحل لحمه، فلما أصبح أخرجوه، ونفوه من مكة فخرج فلقي ركباً فعرض لهم، وقال: ابن سبيل منقطع به، فحملوه حتى إذا جن الليل عدا عليهم، فسرقهم، ثم انطلق، فخرجوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات. قال ابن جريح: فهذه الآيات كلها فيه نزلت. ومعنى: ﴿يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: يُخوِّنونها، أي: يجعلونها خونة أي: يلزمون الخيانة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً﴾ أي: لا يحب من كانت هذه صفته. * * قوله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي يخفون أمر خيانتهم من الناس الذين لا يملكون لهم ضراً ولا نفعاً. و ﴿وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ الذي هو مطلع عليهم، ويعلم ما تخفون فهو أحق أن يستخفى منه ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَىٰ مِنَ ٱلْقَوْلِ﴾ وذلك أنهم قالوا: تقول إن اليهودي سرقها، ويحلف طعمة على ذلك، فيقبل من طعمه بيمينه، لأنه على دين محمد ﷺ، ولا يقبل من اليهودي لأنه على غير دينه فهذا ما أعدوا في الليل. وقيل: يبيتون "يبدلون، وقيل يؤلفون". وهذا كله في الرهط الذي مشوا إلى النبي ﷺ في شأن طعمة يبرئونه وهم يعلمون أنه سارق الدرع. وعن ابن عباس: أن طعمة دفن الدرع فأتي جبريل النبي ﷺ، فقال له: إذا غَدوت من منزلك، فإنك سترى أثراً بيناً، فاتبعه حتى إذا انقطع، فأمر من يحفر، فإن الدرع مدفون ففعل النبي ﷺ ذلك، فاستخرج الدرع، وقال النبي ﷺ: "إنما أنا بشر فمن كان ألحن بحجته من صاحبه فقضيت له بحق ليس له، فإنما أقطع له قطعة من النار: وهرب المنافق إلى مكة قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ أي لم يزل محيطاً بما يصنعون وما يبيتون لها، لا يخفى عليه شيء منها حتى يجازيهم بها.

النساء 4:109

قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الآية. أم في قوله: ﴿أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ منفصلة من "من" في أربعة مواضع فقط في السواد. ﴿أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ في النساء. ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ في براءة. ﴿أَم مَّنْ خَلَقْنَآ﴾ في الصافات. ﴿أَم مَّن يَأْتِيۤ آمِناً﴾ في فصلت. وسائره في القرآن "أمَّن" غير منفصل والانفصال هو الأصل، والاتصال استخفاف إذ وجب الأدغام، والمدغم بمنزلة حرف واحد فكتب على ذلك. و "هؤلاء" بمعنى الذين خبروا الابتداء. وقيل: "هؤلاء" نداء ولم يجزه سيبويه [لأنه] لا يجيز حذف حرف من المبهم، ولا من النكرة، ويجيزه الكوفيون وكلهم أجازوا الحذف من غير هذين النوعين كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا﴾ [يوسف: ٢٩] وكقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي﴾ [آل عمران: ٤٠] وحذفه من المضاف كثير في القرآن والكلام. والمعنى أنتم الذين جادلتم عنهم أي: عن بني أبيرق في الحياة الدنيا ﴿فَمَن يُجَادِلُ ٱللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: فمن يخاصم الله عنهم في الآخرة؟ "أم من يكون عليهم وكيلاً"؟ أي من ذا الذي يتوكل لها، ولا الخائنين يوم القيامة في خصومتهم بين يدي ربهم، الذي يعلم الغيوب، ولا يستر عليه شيء مما بيتم وما صنعتم.

النساء 4:110

قوله: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآية. هذه الآية نزلت في الذين يختانون أنفسهم الذين ذكرهم الله أولاً [و] أخبر أنه من عمل سوءاً [أ] وذنباً أو ظلم نفسه بأن ألزمها ما يستحق عليه العقوبة ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: يستدعي المغفرة من الله فإنه يجد الله غفوراً لذنبه، رحيماً به، وهي عامة في كل من أصاب ذنباً.

النساء 4:111

قوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَىٰ نَفْسِهِ﴾ الآية. المعنى: من يكسب ذنباً فإنما وباله على نفسه دون غيره، فالمعنى، لا تجادلوا عن من اختان نفسه، فإن من كسب ذنباً فإنما هو راجع عليه ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً﴾ أي: عالماً بما تصنعون أيها المجادلون وجميع خلقه. و ﴿حَكِيماً﴾ بسياستكم وجميع خلقه.

النساء 4:112

قوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ الآية. الخطيئة ما أتاه الإنسان [من ذنب] متعمداً، وغير متعمد والإثم ما أتاه متعمداً فقط. ومن أجل ذلك فصل بينهما في الاكتساب. فالمعنى: ومن يكسب خطيئة على غير عقد منه لها، أو إثماً على عمد منه، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ أي يضيف ذلك إلى بريء ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً﴾ أي تحمل بفعله ذلك فرية وكذباً وإِثْماً عَظِيماً. وقيل: إن الخطيئة والإثم واحد، ولكن لما اختلف اللفظان جاز. وقيل: إن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم في الكبيرة ولذلك انفصلا. وقال أبو إسحاق: سمى الله تعالى بعض المعاصي خطايا، وسمى بعضاً إثماً فأعلم أن من اكتسب معصية تسمى خطيئة، أو كسب معصية تسمى إثماً، ثم رمى بها من لم يعملها ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾. والبهتان: الكذب. وهذا نزل في شأن طعمة وما رمى به اليهودي أو غيره من سرقة الدروع، والهاء في "به" تعود على الإثم، ولا يجوز أن تعود على الإثم والخطيئة، لأنها بمعنى الجرم والذنب، ولأن الأفعال، وإن اختلفت العبارات منها فهي راجعة، إلى معنى واحد، فرجعت الهاء على ذلك، هذا قول من قال: لما اختلف اللفظان جاز أن يكررا، والمعنى فيهما سواء. ويجوز أن تعود على الخطيئة لأنها بمعنى الذنب. وقيل: تعود على الكسب [ودل] عليه يكسب. * * وقوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾. المعنى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بأن نبهك على الحق، وعصمك بتوفيقه، وبين لك من الخائن ﴿لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ بمساعدتهم، فتبرئ طعمة من سرقة الدروع على رؤوس الملأ، وتلحقها باليهودي لأنهم سألوه في ذلك، فهم به حتى نزلت عليه الآية، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ أي ليس يضرك هؤلاء الخائنون شيئاً، إنما يضلون أنفسهم ويضرونها.

النساء 4:113

قوله: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيۤئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ الآية. الخطيئة ما أتاه الإنسان [من ذنب] متعمداً، وغير متعمد والإثم ما أتاه متعمداً فقط. ومن أجل ذلك فصل بينهما في الاكتساب. فالمعنى: ومن يكسب خطيئة على غير عقد منه لها، أو إثماً على عمد منه، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً﴾ أي يضيف ذلك إلى بريء ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً﴾ أي تحمل بفعله ذلك فرية وكذباً وإِثْماً عَظِيماً. وقيل: إن الخطيئة والإثم واحد، ولكن لما اختلف اللفظان جاز. وقيل: إن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم في الكبيرة ولذلك انفصلا. وقال أبو إسحاق: سمى الله تعالى بعض المعاصي خطايا، وسمى بعضاً إثماً فأعلم أن من اكتسب معصية تسمى خطيئة، أو كسب معصية تسمى إثماً، ثم رمى بها من لم يعملها ﴿فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾. والبهتان: الكذب. وهذا نزل في شأن طعمة وما رمى به اليهودي أو غيره من سرقة الدروع، والهاء في "به" تعود على الإثم، ولا يجوز أن تعود على الإثم والخطيئة، لأنها بمعنى الجرم والذنب، ولأن الأفعال، وإن اختلفت العبارات منها فهي راجعة، إلى معنى واحد، فرجعت الهاء على ذلك، هذا قول من قال: لما اختلف اللفظان جاز أن يكررا، والمعنى فيهما سواء. ويجوز أن تعود على الخطيئة لأنها بمعنى الذنب. وقيل: تعود على الكسب [ودل] عليه يكسب. * * وقوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾. المعنى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بأن نبهك على الحق، وعصمك بتوفيقه، وبين لك من الخائن ﴿لَهَمَّتْ طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ﴾ بمساعدتهم، فتبرئ طعمة من سرقة الدروع على رؤوس الملأ، وتلحقها باليهودي لأنهم سألوه في ذلك، فهم به حتى نزلت عليه الآية، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ أي ليس يضرك هؤلاء الخائنون شيئاً، إنما يضلون أنفسهم ويضرونها.

النساء 4:114

قوله: عز وجل ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ الآية. المعنى: لا خير في كثير من نجوى المتناجين من الناس إلا في من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس، فإن أولئك فيهم الخير، فنجوى على هذا اسم للناس المتناجين. والصدقة: معروف. * * وقوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ هو جميع فعل الخير غير الصدقة. وقد قيل: المعروف في هذا: القرض يقرضه الإنسان المحتاج فقد أتى: "أن القرض كالصدقة" وأن فيه أجراً عظيماً. وقيل: المعنى: لا خير في كثير من نجوى الناس إلا في نجوى من أمر بصدقة. فتكون على القول الأول النجوى هم الناس، ولكنه خرج على جمع جرحى، وشكرى، ويكون في القول الثاني على بابها: اسم للسر لكن تقدر في الثاني حرف تقديره "إلا في نجوى من أمر بصدقة".

النساء 4:115

قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ ..﴾ الآية. المعنى: من يباين الرسول من بعدما تبين له أنه رسول الله ﷺ، وأن ما جاء به الحق ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي غير طريقهم، ومنهاجهم، وهو التصديق بمحمد ﷺ وبما [جاء به] ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ أي: نجعل ناصره من استنصر به واستعان به من الأوثان والأصنام. وقال مجاهد: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾: نتركه وما يعبد. وقيل: نتركه واختياره. ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي نجزه بها. ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي ساءت جهنم مصيراً، وهو الموضع الذي يصير إليه. ونزلت هذه الآية أيضاً في الخائنين الذين تقدم ذكرهم لما أبى التوبة طعمة بن الأُبيرق، لحق بالمشركين من عبدة الأوثان مرتداً عن الإسلام، فهو [من] الذين شاقوا الرسول من بعد أن كان مؤمناً، واتبع غير طريق المؤمنين. ورجع إلى عبادة الأصنام، فقال الله عز وجل: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾. "وجهنم": في قول بعض اللغويين اسم مختلق للنار، لا يعرف له اشتقاق، ومُنِع من الصرف للتعريف والعجمة. وقال أكثرهم: هو اسم عربي مشتق من قول العرب: هذه رِكية جهنام: إذا كانت بعيدة القعر، فسميت النار جهنم لبعد قعرها، ومنعت من الصرف على هذا القول للتعريف والتأنيث. ولما مات ابن الأبيرق مقتولاً من أجل السرق الذي سرق بعد ارتداده، أنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ معناه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك به، ومات على شركه، ولا لمن هو مثله، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ يعني أن طعمة لولا أنه أشرك ومات على شركه لكان في مشيئة الله سبحانه على ما سلف من خيانته ومعصيته. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: من يجعل له في عبادته شريكاً فقد ذهب عن طريق الحق، وزال عن قصد السبيل ذهاباً بعيداً.

النساء 4:116

قوله: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ ..﴾ الآية. المعنى: من يباين الرسول من بعدما تبين له أنه رسول الله ﷺ، وأن ما جاء به الحق ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي غير طريقهم، ومنهاجهم، وهو التصديق بمحمد ﷺ وبما [جاء به] ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾ أي: نجعل ناصره من استنصر به واستعان به من الأوثان والأصنام. وقال مجاهد: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾: نتركه وما يعبد. وقيل: نتركه واختياره. ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أي نجزه بها. ﴿وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي ساءت جهنم مصيراً، وهو الموضع الذي يصير إليه. ونزلت هذه الآية أيضاً في الخائنين الذين تقدم ذكرهم لما أبى التوبة طعمة بن الأُبيرق، لحق بالمشركين من عبدة الأوثان مرتداً عن الإسلام، فهو [من] الذين شاقوا الرسول من بعد أن كان مؤمناً، واتبع غير طريق المؤمنين. ورجع إلى عبادة الأصنام، فقال الله عز وجل: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾. "وجهنم": في قول بعض اللغويين اسم مختلق للنار، لا يعرف له اشتقاق، ومُنِع من الصرف للتعريف والعجمة. وقال أكثرهم: هو اسم عربي مشتق من قول العرب: هذه رِكية جهنام: إذا كانت بعيدة القعر، فسميت النار جهنم لبعد قعرها، ومنعت من الصرف على هذا القول للتعريف والتأنيث. ولما مات ابن الأبيرق مقتولاً من أجل السرق الذي سرق بعد ارتداده، أنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾ معناه: إن الله لا يغفر لطعمة إذ أشرك به، ومات على شركه، ولا لمن هو مثله، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ يعني أن طعمة لولا أنه أشرك ومات على شركه لكان في مشيئة الله سبحانه على ما سلف من خيانته ومعصيته. ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ﴾ أي: من يجعل له في عبادته شريكاً فقد ذهب عن طريق الحق، وزال عن قصد السبيل ذهاباً بعيداً.

النساء 4:117

قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً...﴾ الآية. المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش. ومعنى: ﴿إِنَٰثاً﴾ اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. وقال الضحاك: قوله: ﴿إِنَٰثاً﴾ هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها. وقال مجاهد: ﴿إِنَٰثاً﴾ أي إلا أوثاناً. وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً. وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة. * * قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً﴾ أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. والمريد: العاتي ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير. وقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي معلوماً. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق إلى الكفر ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ﴾ أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها. والبتك: القطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الآية. (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). وقال ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك ﴿خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الفطرة دين الله. وقيل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو: الوشم. وقيل: معنى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [ٱللَّهِ]﴾ [الروم: ٣٠] أي: دينه يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: يطيعه في معصية الله سبحانه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي: هلك هلاكاً ظاهراً. * * وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ ..﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. وقيل معنى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. * * قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم إليها ﴿جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً. يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن.

النساء 4:118

قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً...﴾ الآية. المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش. ومعنى: ﴿إِنَٰثاً﴾ اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. وقال الضحاك: قوله: ﴿إِنَٰثاً﴾ هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها. وقال مجاهد: ﴿إِنَٰثاً﴾ أي إلا أوثاناً. وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً. وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة. * * قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً﴾ أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. والمريد: العاتي ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير. وقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي معلوماً. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق إلى الكفر ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ﴾ أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها. والبتك: القطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الآية. (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). وقال ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك ﴿خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الفطرة دين الله. وقيل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو: الوشم. وقيل: معنى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [ٱللَّهِ]﴾ [الروم: ٣٠] أي: دينه يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: يطيعه في معصية الله سبحانه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي: هلك هلاكاً ظاهراً. * * وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ ..﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. وقيل معنى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. * * قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم إليها ﴿جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً. يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن.

النساء 4:119

قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً...﴾ الآية. المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش. ومعنى: ﴿إِنَٰثاً﴾ اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. وقال الضحاك: قوله: ﴿إِنَٰثاً﴾ هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها. وقال مجاهد: ﴿إِنَٰثاً﴾ أي إلا أوثاناً. وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً. وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة. * * قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً﴾ أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. والمريد: العاتي ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير. وقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي معلوماً. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق إلى الكفر ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ﴾ أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها. والبتك: القطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الآية. (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). وقال ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك ﴿خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الفطرة دين الله. وقيل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو: الوشم. وقيل: معنى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [ٱللَّهِ]﴾ [الروم: ٣٠] أي: دينه يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: يطيعه في معصية الله سبحانه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي: هلك هلاكاً ظاهراً. * * وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ ..﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. وقيل معنى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. * * قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم إليها ﴿جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً. يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن.

النساء 4:120

قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً...﴾ الآية. المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش. ومعنى: ﴿إِنَٰثاً﴾ اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. وقال الضحاك: قوله: ﴿إِنَٰثاً﴾ هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها. وقال مجاهد: ﴿إِنَٰثاً﴾ أي إلا أوثاناً. وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً. وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة. * * قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً﴾ أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. والمريد: العاتي ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير. وقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي معلوماً. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق إلى الكفر ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ﴾ أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها. والبتك: القطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الآية. (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). وقال ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك ﴿خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الفطرة دين الله. وقيل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو: الوشم. وقيل: معنى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [ٱللَّهِ]﴾ [الروم: ٣٠] أي: دينه يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: يطيعه في معصية الله سبحانه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي: هلك هلاكاً ظاهراً. * * وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ ..﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. وقيل معنى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. * * قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم إليها ﴿جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً. يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن.

النساء 4:121

قوله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً...﴾ الآية. المعنى: إن الله أخبر عما يعبد الذين ذهب إليهم طعمة، وصار على دينهم وهم كفار قريش. ومعنى: ﴿إِنَٰثاً﴾ اللات والعزى ومناة ونائلة، فسمى هذا إناثاً لأن المشركين سموها بأسماء الإناث، قاله السدي وابن زيد. وقال الحسن: الإناث هنا. المرأة حجر أو خشب. وقال الضحاك: قوله: ﴿إِنَٰثاً﴾ هو أن المشركين كانوا يَدَّعون أن الملائكة بنات الله تعالى الله أن يكون له ولد. وقيل: إنهم كانوا يقولون لأصنامهم أنثى بني فلان، فأنزل الله ذلك كذلك على نحو تسميتهم لها. وقال مجاهد: ﴿إِنَٰثاً﴾ أي إلا أوثاناً. وفي مصحف عائشة إلا أوثاناً. وكان ابن عباس يقرأ [أُثُنا] جمع [وثن وأصل الهمزة على هذا واو مثل إخوة، وحقيقة هذا الجمع أنه جمع وثنا على] وثان كجمل وجمال، ثم جمع وثاناً على وُثُن كمثال ومُثُل ثم أبدل من الواو همزة. * * قوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَٰناً مَّرِيداً﴾ أي ما يدعون إلا شيطاناً متمرداً على الله سبحانه، والمتمرد الخارج عن الخير. والمريد: العاتي ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُ﴾ أي قد لعنه الله أي: أخزاه وأبعده من كل خير. وقال ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً﴾ أي معلوماً. قال الشيطان إذ لعنه الله: لأتخذن منهم بإغوائي إياهم عن طريق الحق نصيباً مفروضاً، أي: معلوماً، وقال الشيطان أيضاً: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق إلى الكفر ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي ولأزيغنهم بما أجعله في نفوسهم من الأماني عن طاعتك (و) توحيدك إلى طاعتي. وقيل: المعنى: أمنيهم طول الحياة وتأخير التوبة مع الإصرار على المعاصي. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ ٱلأَنْعَٰمِ﴾ أي: لآمرنهم أن يشرعوا غير ما شرعت لهم فأجعلهم يقطعون [آذان الأنعام، وهي البَحيرة كانوا يقطعون] آذانها لطواغيتهم، وهو دين شرعه لهم إبليس. والبَحيرة كانت عندهم: الشاة أو الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن شقوا آذانها، ولم ينتفعوا بها. والبتك: القطع. ﴿وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الآية. (قيل: إخصاء البهائم، قاله عكرمة وسفيان). وقال ابن عباس: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ دين الله، قاله مجاهد. وروي عن قتادة والحسن والضحاك ﴿خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ الفطرة دين الله. وقيل: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو: الوشم. وقيل: معنى: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ﴾ هو أن الله خلق الشمس والقمر، والحجارة للمنفعة [بها] فحولوا ذلك، وعبدوها من دون الله. وكان الطبري يختار قول من قال: المعنى دين الله، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] وقوله ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ [ٱللَّهِ]﴾ [الروم: ٣٠] أي: دينه يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيّاً مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: يطيعه في معصية الله سبحانه ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً﴾ أي: هلك هلاكاً ظاهراً. * * وقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أي: يعد أولياءه، ويمنيهم الظفر [على] من حاول خلافهم ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: باطلاً لأنه يقول لهم يوم القيامة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ ..﴾ [إبراهيم: ٢٢] الآية. وقيل معنى: ﴿يَعِدُهُمْ﴾ أي: يعدهم الرياسة والجاه والمال. * * قوله: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيراً﴾ أي: أولئك الذين اتخذوا الشيطان ولياً ﴿مَأْوَاهُمْ﴾ أي: مصيرهم إليها ﴿جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾ أي: لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها معدلاً يعدلون إليه، ولا محيداً. يقال: حاص فلان عن الأمر إذا عدل عنه وحاد. وحكى جاص بالجيم والصد المعجمة بمعنى جاص في الكلام لا في القرآن.

النساء 4:122

قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي﴾ الآية. المعنى: إن الله يدخل المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار وعداً حقاً لا كعدة الشيطان لأوليائه، وتمنيه الذي هو غرور ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً﴾ أي: لا أحد أصدق منه قيلاً والقول والقيل سواء. وقيل: تمام إن جعلت قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ مخاطبة للمسلمين، مقطوعاً عما قبله وإن جعلته مخاطبة للكفار الذي تقدم ذكرهم لم يكن ﴿قِيلاً﴾ تمام وكان قطعاً.

النساء 4:123

قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. قال مسروق: تفاخر النصارى والمسلمون، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم. فأنزل الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ الآية. ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ ثم زاد في الفضل فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية. وقال قتادة: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أحق بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. أي: ليس ذلك الذي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال. * * ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا﴾ ابتداء شرط، وجوابه خبره وهو: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾. وقال الضحاك: تخاصم أهل الأديان: اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. وقال مجاهد: عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان، قالوا: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: ١١١]. فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ يعني المشركين في قولهم: لن نبعث ولن نعذب. ﴿وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ خلافاً لمن أدعى الجميع. والمعنى: ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى بل ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾. وقيل: التقدير: ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه قد جرى ذكر ذلك في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾ الآية ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ أي: مقدار النقير وهو النقطة في ظهر النواة وهي منبت النخلة. وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ذلك ما يصيبهم في الدنيا، وقاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الكافر وقرأ ﴿وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]، وقال في قوله ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ [النجم: ٣١]: "هِمُ الكُفَّارَ" ﴿وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] قال: كانت والله لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم بها. وقال ابن زيد: يعني المشركين يريد بالآية قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم. وقال الضحاك: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ يعني بذلك اليهود والنصارى، والمجوس وكفار العرب. * * قوله: ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾. وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:يا رسول الله: وإن لمجزون بأعمالنا؟ قال رسول الله ﷺ: "أما المؤمن فيجزى بها في الدنيا، وأما الكافر فيجزى بها يوم القيامة" وقال الحسن وابن أبي كثير ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي يعمل شركاً يجز به بدلالة قوله: ﴿وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ﴾ وتلاها الحسن مع هذه (الآية) استشهاداً بها. وروى عن ابن عباس أنه قال: السوء هنا: الشرك، ومعنى من يشرك: يجز به. وقال ابن جبير: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: من يشرك. قالت عائشة وأبي بن كعب: إن المعنى: من عمل سوءاً من مؤمن، أو كافر جوزي به، وهو اختيار الطبري، واحتج بما روى أبو هريرة قال: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال له النبي ﷺ: "أوليس يصيبك كذا (ويصيبك كذا) فهو كفارة" وقال ابن عمر: سمعت أبا بكر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ في الدنيا وروى عن ابن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا نبي الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي ﷺ "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللاواء؟ فهو ما تجزون به" وروي أن أبا بكر قال: لما نزلت هذه الآية، جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله ﷺ: "إنما هي المضائق في الدنيا

النساء 4:124

قوله: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. قال مسروق: تفاخر النصارى والمسلمون، فقال هؤلاء: نحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل منكم. فأنزل الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ الآية. ثم أفلح الله تعالى حجة المؤمنين فقال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ ثم زاد في الفضل فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ الآية. وقال قتادة: تفاخر المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن أحق بالله منكم، وقال المسلمون: نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. أي: ليس ذلك الذي قلتم بأمانيكم ففي ليس اسمها في جميع هذه الأقوال. * * ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا﴾ ابتداء شرط، وجوابه خبره وهو: ﴿يُجْزَ بِهِ﴾. وقال الضحاك: تخاصم أهل الأديان: اليهود والنصارى والمسلمون فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. وقال مجاهد: عنى بذلك أهل الشرك من عبدة الأوثان، قالوا: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى ﴿لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ﴾ [البقرة: ١١١]. فأنزل الله ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ يعني المشركين في قولهم: لن نبعث ولن نعذب. ﴿وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ﴾ يعني قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ خلافاً لمن أدعى الجميع. والمعنى: ليس الكائن من أمركم بما تتمنون يا أهل الشرك ولا بما يتمنى أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى بل ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾. وقيل: التقدير: ليس ثواب الله بأمانيكم لأنه قد جرى ذكر ذلك في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾ الآية ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ أي: مقدار النقير وهو النقطة في ظهر النواة وهي منبت النخلة. وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ذلك ما يصيبهم في الدنيا، وقاله مجاهد وغيره. وقال الحسن: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الكافر وقرأ ﴿وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧]، وقال في قوله ﴿لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ [النجم: ٣١]: "هِمُ الكُفَّارَ" ﴿وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١] قال: كانت والله لهم ذنوب، ولكنه غفرها لهم، ولم يجازهم بها. وقال ابن زيد: يعني المشركين يريد بالآية قال: وعد الله المؤمنين أن يكفر عنهم سيئاتهم. وقال الضحاك: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ يعني بذلك اليهود والنصارى، والمجوس وكفار العرب. * * قوله: ﴿وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾. وروي أن هذه الآية لما نزلت قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:يا رسول الله: وإن لمجزون بأعمالنا؟ قال رسول الله ﷺ: "أما المؤمن فيجزى بها في الدنيا، وأما الكافر فيجزى بها يوم القيامة" وقال الحسن وابن أبي كثير ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي يعمل شركاً يجز به بدلالة قوله: ﴿وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ﴾ وتلاها الحسن مع هذه (الآية) استشهاداً بها. وروى عن ابن عباس أنه قال: السوء هنا: الشرك، ومعنى من يشرك: يجز به. وقال ابن جبير: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: من يشرك. قالت عائشة وأبي بن كعب: إن المعنى: من عمل سوءاً من مؤمن، أو كافر جوزي به، وهو اختيار الطبري، واحتج بما روى أبو هريرة قال: لما نزلت هذه الآية شقت على المسلمين منهم ما شاء الله أن تبلغ، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فقال: قاربوا وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها وروت عائشة عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال له النبي ﷺ: "أوليس يصيبك كذا (ويصيبك كذا) فهو كفارة" وقال ابن عمر: سمعت أبا بكر يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ﴾ في الدنيا وروى عن ابن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا نبي الله: كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال النبي ﷺ "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللاواء؟ فهو ما تجزون به" وروي أن أبا بكر قال: لما نزلت هذه الآية، جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله ﷺ: "إنما هي المضائق في الدنيا

النساء 4:125

قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ الآية. روي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. والمعنى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم لله، وانقاد له ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: عمل بما أمر به ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أي: دينه ﴿حَنِيفاً﴾ مستقيماً. وقيل: ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن سائر الأديان غير دين إبراهيم. ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ أي: اتخذ[ه] يعادى فيه، ويحب فيه، ويوالي فيه، والخلة التي في إبراهيم النبي، والخلة التي في الله لإبراهيم ﷺ هي نصره له على من حاوله بشر كالذي فعل به إذ أراده نمرود بالإحراق، وكالذي فعل به إذ أعانه على ملك مصر إذ أراده عن أهله، ومن ذلك تصييره إماماً لمن بعده من عباده وشبه ذلك. وقيل: سمي خليلاً للفظة خرجت منه ﷺ فسمي بها خليلاً. وذلك أنه أصاب أهل ناحيته جدب فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقيل: من أهل مصر يمتار طعاماً من عنده لأهله فلم يصب عنده حاجته. فرجع فلما قرب من أهله مر بمغارة فيها رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أُغم أهلي بدخولي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فحول الله ما في غرائره من الرمل دقيقاً. فلما صار إلى منزله، نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً فعجنوا منه وخبزوا، واستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا من أين هو؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم ما صنع الله عز وجل له، فقال نعم. هو من عند خليلي فسماه الله عز وجل بذلك خليلاً. والخليل في اللغة يكون للفقير كأنه الذي به اختلال. وقد قيل: في قوله ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ معناه فقيراً محتاجاً إليه، ويكون الخليل المحب المنقطع إلى الله عز وجل الذي ليس في انقطاعه إليه اختلال، فيكون سمي (خليلاً) لانقطاعه إلى الله سبحانه، ومحبته له من غير خلل يدخل ذلك. ويكون الخليل أيضاً الذي يختص الإنسان فيكون سمي بذلك لأن الله عز وجل قد اختصه في الوقت بالرسالة دون غيره. وقد قال النبي ﷺ: "واتخذ الله صاحبكم خليلاً يعني نفسه، أي: اختصه بالرسالة، وهذا القول قول مختار. وقد قال النبي ﷺ: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" أي: لو اختصصت أحداً بشيء من الدنيا لاختصصت أبا بكر. وقد قال بعض أهل اللغة: الخليل الذي ليس في محبته خَلَل فسمي إبراهيم خليلاً لذلك. * * قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي له ما فيهن، فلم يتخذه خليلاً لحاجة إليه، لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولكنه اتخذه خليلاً لمسارعته إلى رضاه فكذلك سارعوا أنتم إلى مثل ذلك فيتخذكم أولياء. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ أي: يحيط بما يعمله الخلق، لا يخفى عليه شيء.

النساء 4:126

قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾ الآية. روي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه. والمعنى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ﴾ أي: استسلم لله، وانقاد له ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أي: عمل بما أمر به ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أي: دينه ﴿حَنِيفاً﴾ مستقيماً. وقيل: ﴿حَنِيفاً﴾ مائلاً عن سائر الأديان غير دين إبراهيم. ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ أي: اتخذ[ه] يعادى فيه، ويحب فيه، ويوالي فيه، والخلة التي في إبراهيم النبي، والخلة التي في الله لإبراهيم ﷺ هي نصره له على من حاوله بشر كالذي فعل به إذ أراده نمرود بالإحراق، وكالذي فعل به إذ أعانه على ملك مصر إذ أراده عن أهله، ومن ذلك تصييره إماماً لمن بعده من عباده وشبه ذلك. وقيل: سمي خليلاً للفظة خرجت منه ﷺ فسمي بها خليلاً. وذلك أنه أصاب أهل ناحيته جدب فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقيل: من أهل مصر يمتار طعاماً من عنده لأهله فلم يصب عنده حاجته. فرجع فلما قرب من أهله مر بمغارة فيها رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أُغم أهلي بدخولي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني قد أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فحول الله ما في غرائره من الرمل دقيقاً. فلما صار إلى منزله، نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقاً فعجنوا منه وخبزوا، واستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا من أين هو؟ فقالوا من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فعلم ما صنع الله عز وجل له، فقال نعم. هو من عند خليلي فسماه الله عز وجل بذلك خليلاً. والخليل في اللغة يكون للفقير كأنه الذي به اختلال. وقد قيل: في قوله ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ معناه فقيراً محتاجاً إليه، ويكون الخليل المحب المنقطع إلى الله عز وجل الذي ليس في انقطاعه إليه اختلال، فيكون سمي (خليلاً) لانقطاعه إلى الله سبحانه، ومحبته له من غير خلل يدخل ذلك. ويكون الخليل أيضاً الذي يختص الإنسان فيكون سمي بذلك لأن الله عز وجل قد اختصه في الوقت بالرسالة دون غيره. وقد قال النبي ﷺ: "واتخذ الله صاحبكم خليلاً يعني نفسه، أي: اختصه بالرسالة، وهذا القول قول مختار. وقد قال النبي ﷺ: "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً" أي: لو اختصصت أحداً بشيء من الدنيا لاختصصت أبا بكر. وقد قال بعض أهل اللغة: الخليل الذي ليس في محبته خَلَل فسمي إبراهيم خليلاً لذلك. * * قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي له ما فيهن، فلم يتخذه خليلاً لحاجة إليه، لأن له ما في السماوات وما في الأرض، ولكنه اتخذه خليلاً لمسارعته إلى رضاه فكذلك سارعوا أنتم إلى مثل ذلك فيتخذكم أولياء. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً﴾ أي: يحيط بما يعمله الخلق، لا يخفى عليه شيء.

النساء 4:127

قوله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ...﴾ الآية. "ما" في قوله: ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ في موضع رفع عطف على اسم الله عز وجل. "وما" هو القرآن. أي الله يفتيكم فيهن، والقرآن يفتيكم فيهن أيضاً، وهو قول ابن عباس وغيره. وقال الفراء، ﴿مَا﴾ في موضع خفض عطف على الضمير في ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: الله يفتيكم في النساء، وفيما يتلى عليكم يفتيكم، وهو غلط عند البصريين لأنه عطف ظاهر على مضمر مخفوض. وقيل ﴿مَا﴾ في موضع رفع بالابتداء، و ﴿مَا﴾ القرآن أيضاً على معنى: (ما يتلى عليكم يفتيكم). * * قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾. المعنى عن أن، وأن في موضع نصب بحذف الخافض. وقيل المعنى: وترغبون في أن تنكحوهن، والإعراب واحد، والمعنى مختلف معنى قول من أضمر "عن" إنهم لا يريدون نكاحهن ومن أضمر "في" فمعناه أنهم يريدون نكاحهن ويرغبون في ذلك. * * قوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على يتامى النساء، أي يتلى عليكم في يتامى النساء، وفي المستضعفين. ومعنى الآية: إن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون المولود حتى يكبر، ولا يورثون المرأة، فلما كان الإسلام سأل المؤمنون النبي ﷺ عن ذلك، فقال الله عز وجل لنبيه ﷺ: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ يفتيكم أيضاً يعني ما في أول السورة من الفرائض في اليتامى. قالت عائشة: "هذا في اليتيمة تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله، وهو أولى بها من غيره فيرغب عنها أن ينكحها ويعضلها لما لها فلا يُنكحها غيره كراهة أن يشركه أحد في مالها". فهذا التفسير يجري على قول من أضمر "عن" مع "أن". وقال ابن جبير: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ، ولا يرث الصغير ولا المرأة، فلما نزلت المواريث في أول النساء توقفوا، ثم سألوا النبي ﷺ عن ذلك، فأنزل الله عز وجل ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ أي: في أول السورة، قال وكان الولي إذا كانت عنده المرأة ذات الجمال والمال رغب فيها ونكحها، وإن لم تكن ذات جمال ومال أنكحها غيره. وقال النخعي: كان الرجل إذا كانت عنده يتيمة دميمة لم يعطها ميراثها وحبسها عن التزويج حتى تموت فيرثها فنهى الله عز وجل عن ذلك ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي: عن أن تنكحوهن، وذلك كله كان في الجاهلية. وقال ابن جبير ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ هو ما أتى في آخر السورة قوله: ﴿إِن ٱمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. روى أن عمرة بنت عمرو بن حزم، كانت تحت سعد بن الربيع، فقتل يوم أحد، فكانت لها منه ابنة، فأتت عمرة النبي ﷺ تطلب ميراث ابنتها من أبيها، فنزلت الآية في ابنتها، وكان أمرهم في الجاهلية، أن الرجل إذا مات ورث أكبر ولده ماله كله. وقيل: المعنى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ وفيما ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ والذي يتلى هو قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي ٱلْيَتَامَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ٣]. فما في موضع خفض على هذا التأويل. وقيل: المعنى ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ والقرآن يفتيكم وهو قوله: * * ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾. ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن. وقيل: المعنى وترغبون في نكاحهن وذلك لمالهن وحسنهن. واختار الطبري أن يكون المعنى: وترغبون عن نكاحهن لأنهم إنما عيب عليهم أن يأخذوا مالها ويحبسوها ولا ينكحوها، ولم يعب عليهم نكاحها إلا إذا لم يعطوها صداق مثلها، ولم يذكر هنا الصداق فالمعنى أنهم لا يعطونهم ميراثهن ويرغبون عن نكاحهن. * * قوله: ﴿وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلْوِلْدَٰنِ﴾ أي: ﴿وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ﴾ وهي اليتيمة يأخذ مالها ولا يتزوجها ولا يزوجها، وفي المستضعفين من الصبيان كانوا لا يورثون إلا بالغاً. ﴿وَأَن تَقُومُواْ﴾ أي: وفي أن تقوموا لليتامى بالقسط تعطوا الصغير والكبير حقه، وفرضه الذي نص الله عز وجل عليه لكم هو ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] والذي أفتاهم في اليتامى قوله ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]. وقيل هو: ﴿وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]. والذي يتلى عليكم في التزويج هو قوله: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾ [النساء: ٣]. * * قوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ﴾ أي: ما تفعلوا من عدل في اليتامى، فإن الله لم يزل عالماً بما هو كائن منكم من ذلك.

النساء 4:128

قوله ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا [نُشُوزاً] أَوْ إِعْرَاضاً ...﴾ الآية. قرأ الجحدري ﴿أَن يُصْلِحَا﴾ بتشديد الصاد وكسر اللام. وأصله أن يصطلحا ثم أدغم الثاني في الأول أعني: دغم الطاء في الصاد. (وصلحاً) منصوب على معنى فيصلح الأمر بينهما صلحاً. وفي قراءة عبد الله: فلا جناح عليهما [إن أصلحا]. ولذلك اعتبر الكوفيون قراءتهم فقرأ وا "يصلحا" ولقوله: "صلحاً". والصلح الاسم، والعرب تضع الاسم موضع المصدر كقولهم المطية لمطاء. فأما من قرأ "يصالحا" فليس "صلحاً" باسم له ولا مصدر، فقراءة الكوفيين أقرب إلى ﴿صُلْحاً﴾ من قراءة غيرهم لأن ﴿صُلْحاً﴾ اسم الفعل لأصلح. ومعنى الآية فيما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: لا تطلقني واحبسني مع نسائك ولا تقسم لي ففعل "فنزلت" ﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً﴾ الآية. فالمعنى أنه إن علمت امرأة من بعلها ميلاً إلى غيرها وهو النشوز أو "إعراضاً" أي: إن أعرض عنها بوجهه وبمنفعته فلا جناح عليهما أن يصالحا أي: لا إثم عليهما في الصلح وهو أن ترضى المرأة أن تترك له يومها أو تسمح له ببعض ما يجب لها من المنفعة لتستديم المقام عنده وتستعطفه بذلك. ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: جرب تسمح فبقى في حرمتها أولى وأحسن من الطلاق والفرقة. وقيل: المعنى ﴿وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفرقة ولكن حذف لدلالة الكلام عليه. قال ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل حتى تكبر فيريد أن يتزوجها عليها فيتصالحا على أن لهذه يوماً ولهذه يومين أو ثلاثة أو أكثر. وقالت عائشة رضي الله عنها: هي المرأة تكون عند الرجل ولعله لا يستكثر منها، ولا يكون لها ولد وتكون له صاحبة فتقول له: لا تطلقني وأنت في حل من شأني. وعلى هذه المعنى في الآية جميع أهل التفسير. وروي أن هذه الآية نزلت في خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، والبعل رافع بن خديج الأنصاري ثم هي عامة. * * قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ﴾ أي: أنفس النساء. حريصة في الشح على الأيام، وقيل: هو على نصيبها من الرجل، ونفس الرجل في حرصه على الميت عند من تميل نفسه إليها. وقال عطاء: [هو] في الأيام والنفقة. وقال ابن جبير: نزلت الآية في صفية زوج النبي ﷺ كانت قد كبرت، فأراد النبي ﷺ أن يطلقها، فاصطلحا على أن يمسكها، ويجعل يومها لعائشة شحاً منها على رسول الله ﷺ. وقال ابن زيد وغيره معنى: ﴿وَأُحْضِرَتِ ٱلأنْفُسُ ٱلشُّحَّ﴾ يعني نفس الزوجة، والزوج لا يترك أحد حقه لصاحبه. * * قوله: ﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي: إن تحسنوا أيها الأزواج إلى النساء إذا كرهتم منهن شيئاً، وتتقوا الله فيهن في الصحبة بالمعروف، فإن الله لم يزل خبيراً بما تعملون.

النساء 4:129

قوله: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوۤاْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ...﴾ الآية: المعنى: ولن تطيقوا أيها الرجال أن تسووا بين النساء في حبهن بقاؤكم حتى تعدلوا بينهن، فلا تكون لبعضهن مزية على بعض ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فإن ذلك مما لا تقدرون عليه ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ﴾ أي: لا تميلوا على من لم تملكوا صحبته من قلوبكم فتجوروا عليها بترك أداء الواجب لها ﴿فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ﴾ أي كالتي هي لا ذات زوج، ولا هي أيم. وليس في قوله: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ﴾ دليل على جواز بعض الميل، إنما معناه لا تميلوا بما تقدرون على تركه ميل الميل فهو أمر يُغلب الإنسان عليه، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول: "اللهم أما قلبي فلا أملك، وأما غير ذلك فأرجو أن أعدل". وكان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك قال ابن أبي مليكة: "نزل ذلك في عائشة رضي الله عنها. يعني كان النبي ﷺ يحبها أكثر من غيرها". قال سفيان: "نزلت في الحب والجماع". وقال السدي: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلْمَيْلِ﴾ قال: "تجوز عليها فلا تنفق ولا تقسم". وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من كانت له امرأتان يميل [مع] إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه ساقط وقال قتادة: "المعلقة": المحبوسة. وقال ابن جبير: "لا مطلقة ولا ذات بعل. * * قوله: ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي تصلحوا أعمالكم، فتعدلوا في أزواجكم، وتتقوا الله فيهن ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ﴾ لم يزل ﴿غَفُوراً رَّحِيماً﴾ لكم أي يستر عليكم ما سلف منكم (رحيماً بكم).

النساء 4:130

قوله: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ...﴾ الآية. المعنى: وإن رأت المرأة التي مال عنها زوجها، إلا أن تفارقه، ولا تسمح له بشيء من حقها، وأبى الزوج الأخذ عليها بالإحسان، فتفرقا بطلاق الزوج إياها ﴿يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ أي: الزوج والمرأة أن تتزوج من هو أصلح لها من الأول، ويتزوج هو من هي أصلح له منها في رزقه وعصمته. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً﴾ أي: ذا سعة في الرزق لخلقه ﴿حَكِيماً﴾ فيما قضى به بينهما والواسع: الكثير العطايا. وقيل: الواسع: المحيط بكل شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: ٩٨] أي أحاط به. وقال أبو عمرو في "واسع كريم" قال الواسع الغني والكريم الجواد.

النساء 4:131

قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ الآية. كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السماوات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير: ١- أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً﴾، فأخبر أن من سعته أن له ما في السماوات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو أن الواسع الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضاً، فقال: ﴿أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾. ٢- ثم قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ كما كفر أهل الكتاب ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ [وَمَا فِي ٱلأَرْضِ]﴾ إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً﴾ أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، وحاجتنا إليه. ٣- [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي كفى به حفيظاً. فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً﴾. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السماوات وما في الأرض. وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا. وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا. وتقدم قوله: ﴿غَنِيّاً حَمِيداً﴾ على ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ لأنه خاطبهم أولاً فأخبرهم أنه لا يحتاج إليهم، إن كفروا، وأنهم مضطرون إليه، إذ له ما في السماوات وما في الأرض.

النساء 4:132

قوله: ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا﴾ الآية. كرر تعالى ذكره، ذكر كون ما في السماوات وما في الأرض أنه له، في ثلاثة مواضع متوالية، وفي كل آية معنى من أجله وقع التكرير: ١- أما الأول فإن الله جل ذكره نبه الخلق على ملكه بعقب قوله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً﴾، فأخبر أن من سعته أن له ما في السماوات والأرض، وفي هذا تقوية لقول أبي عمرو أن الواسع الغني، ثم رجع تعالى بعد إعلامه إيانا، وتنبيهه على ملكه إلى إعلامه إيانا أنه قد وصى من كان قبلنا بتقواه كما وصانا بالتقوى في الأزواج وغيرها، والذين من قبلنا من أهل الكتاب وصاهم بذلك في التوراة والإنجيل، وصانا نحن في القرآن بالتقوى أيضاً، فقال: ﴿أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾. ٢- ثم قال: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ كما كفر أهل الكتاب ﴿فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ [وَمَا فِي ٱلأَرْضِ]﴾ إنه لا يضره كفرهم إذ له كل شيء، كما لم يضره ما فعل أهل الكتاب في مخالفتهم أمره، ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيّاً﴾ أي غني عن خلقه، فأخبرنا في هذه الآية بغناه عنا، وحاجتنا إليه. ٣- [ثم] أعلمنا في الآية الثالثة بحفظه لنا، وعلمه بنا فقال ﴿وَللَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي كفى به حفيظاً. فهذا فائدة التكرير أنه تعالى نبهنا على ملكه، وسعته بعد قوله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَاسِعاً﴾. فأعلمنا أنه من سعة ملكه أن له ما في السماوات وما في الأرض. وأعلمنا في الثانية بحاجتنا إليه، وغناه عنا. وفي الثالثة أعلمنا بحفظه لنا وعلمه بتدبيرنا. وتقدم قوله: ﴿غَنِيّاً حَمِيداً﴾ على ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً﴾ لأنه خاطبهم أولاً فأخبرهم أنه لا يحتاج إليهم، إن كفروا، وأنهم مضطرون إليه، إذ له ما في السماوات وما في الأرض.

النساء 4:133

قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ...﴾ الآية. هذه الآية مردودة على وقوله: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ فقال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بالفناء ﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ من غيركم وهو قادر على ذلك. وقيل: إنها ترجع على طعمة، وأصحابه الذين تقدم ذكر نياتهم توبيخاً لهم، وقد روى النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية ضرب على ظهر سلمان بيده وقال: "هم قوم هذا" يعني عجم الفرس.

النساء 4:134

قوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ...﴾ الآية. هذه الآية نزلت في المنافقين الذين أظهروا [الإيمان ليدفعوا عن أنفسهم الضرر في الدنيا، والمعنى من كان أظهر الإيمان بمحمد ﷺ من أهل النفاق لغرض ﴿ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا﴾ يعني جزاؤه في الدنيا ما يأخذ من المغنم إذا شهد مع المسلمين، وثواب الآخرة، وهو نار يصلاها أبداً، ومثل هذا قوله ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ﴾ [هود: ١٥-١٦] الآية. وقيل: إن الآية نزلت في أمر الذين سعوا في أمر طعمة وعذروه، وهم يعلمون أنه سرق. * * قوله: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً﴾ أي: يسمع قول هؤلاء الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم، ويقولون آمنا إذا لقوا المؤمنين ﴿بَصِيراً﴾ بهم فيما يكتمون. وقيل: إن الآية نزلت في الكفار، وذلك أنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث، ويتقربون إلى الله ليوسع عليهم في الدنيا، ويدفع عنهم مكروهاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا...﴾ الآية.

النساء 4:135

قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ ...﴾ الآية. * * قوله: ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ وقال الأخفش: "أو" بمعنى الواو، فلذلك قال: "بهما" ولم يقل به. وقيل: المعني: إن يكن المتخاصمان غنيين أو فقيرين. وقيل: هو مثل قوله ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا [ٱلسُّدُسُ]﴾ [النساء: ١٢]. وقيل: لما كان المعنى فالله أولى بغنى الغني، وفقر الفقير، رد الضمير عليهما. وقيل: إنما رجع الضمير إليهما لأنه لم يقصد فقيراً بغني، فجاء الرد عليهما: بالتثنية، وبالتوحيد وبالجمع. ومعنى الآية: "إن الله تعالى تقدم إلى عباده أن يقوموا بالقسط أي: بالعدل، ولو على أنفسهم أو والديهم أو قرابتهم ولا يكونوا كالذين قالوا لطعمة بغير القسط لقرابته منهم. والقسط: العدل. وأن لا يميلوا لفقر فقير، ولا لغنى غني، فيجوروا. ﴿فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ أي أحق بهما لأنه خالقهما، ومالكهما دونكم ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ﴾ في الميل مع أحدهما. والشهادة على نفسه هو أن يقر بها عليه. وقيل: إن الآية نزلت في النبي ﷺ، تخاصم إليه غني وفقير، فكان ميله مع الفقير يروى أنه لا يظلم الغني لفقره. وقيل: نزلت في الأمر بالشهادة بالحق، وترك الميل مع الغني لغناه، أو مع فقير لفقره. قال ابن شهاب: كان فيما مضى من السلف الصالح تجوز شهادة الوالد لولده والأخ لأخيه ويتأولون في ذلك قول الله ﴿كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ عَلَىۤ أَنْفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ﴾ فلم يكن يتهم أحد في ذلك من السلف الصالح ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة. ومذهب الحسن البصري والنخعي والشعبي، وشريح ومالك والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل أنه: لا تجوز شهادة الوالد لولده. وقد أجاز قوم شهادة بعضهم لبعض إذا كانوا عدولاً. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق وأبو ثور والمزني. ومذهب مالك رضي الله عنه جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلاً [إلا] في النسب. وروى ابن وهب عنه: أنها لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيبه مال يرثه. ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر، وأجازه الشافعي. ولا تجوز شهادة الرجل المصاحب له بصلة، أو بعطف عليه عند مالك. وكذلك لا تجوز شهادة رجل لرجل، والشاهد [في عيال] المشهود له، قوله ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ هي مخاطبة للحكام، فالمعنى: وإن تلووا أيها الحكام، في الحكم لأحد الخصمين على الأخر أو تعرضوا، فإن الله لم يزل خبيراً بما تعملون. وقال ابن عباس: هما الرجلان يجلسان بين يدي القاضي فيكون لَيُ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر. وقيل: هي مخاطبة للشهداء، والمعنى أن تلووا أيها الشهداء ألسنتكم بغير الحق، أو تعرضوا عن الحق. وقيل: أو "تعرضوا" عن الشهادة فتتركوها. وقال مجاهد: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ تبدلوا الشهادة: ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي: تكتموها كذلك قال قتادة والسدي. قال ابن زيد: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ تكتموا بعضها، أو تعرضوا [تكتموها] فتأتوا الشهادة، تقول: أكتم عن هذا أنه مسكين، رحمة به، ويقول: هذا غني أتقيه، وأرجو ما قِبَلَه، فهو قوله ﴿إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ أي: إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً، فأقيموا الشهادة عليه لأن الله أولى به. ﴿فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ﴾ في ألا تعدلوا: ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ تغيروا الشهادة ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ تكتموها ﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مجازيكم ومن قرأ ﴿وَإِن تَلْوُواْ﴾ بواو فيحتمل أن تكون مثل تلوا من اللي ولكن أبدلت من الواو المضمومة همزة، ثم ألغيت حركتها على اللام على أصل التسهيل، ويكون المعنى واحداً. ويجوز أن يكون من الولاية، قال ذلك الكسائي، فيكون المعنى وإن تلوا شيئاً من الشهادة، فتبلغوه على حقه، ولا تجوروا فيه ﴿أَوْ تُعْرِضُواْ﴾ أي: تتركوا تبليغه فتكتموه، فإن الله لم يزل خبيراً بأعمالكم.

النساء 4:136

قوله ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ...﴾ الآية. المعنى: يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد ﷺ من الأنبياء، والرسل وصدقوا آمنوا بمحمد ﷺ وبالكتاب الذي أنزل من قبل وهو التوراة والإنجيل. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ﴾ أو بما جاء به محمد ﷺ من عند الله وملائكته وكتبه ورسله ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ أي: ذهب عن الحق وجار جوراً بعيداً، فهو خطاب لمن آمن بما قبل محمد ﷺ، ولم يؤمن بمحمد ﷺ. وقيل: هو خطاب للمؤمنين بمحمد ﷺ. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بمحمد ﷺ آمنوا أي اثبتوا على الإيمان به، وبما جاء من عند الله. وقيل: هو خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم آمنوا بالله ورسوله، أي صدقوا به بقلوبكم إيماناً يقيناً يوافق فيه اللسان القلب.

النساء 4:137

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ...﴾ الآية. المعنى: إن الذين آمنوا بموسى ثم كفروا به، ثم آمنوا بعيسى يعني النصارى ثم كفروا به، ثم ازدادوا كفراً بمحمد ﷺ، وكفرهم بموسى وعيسى عليهما السلام [هو] تغيير ما أتى به كل واحد منهما من عند الله عز وجل، وتبديله وقبول الرشا عليه ﴿لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ إذ كفروا بكتبه ورسله ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ [سَبِيلاً]﴾ أي طريق هدى. وقيل: عُنِي بذلك المنافقون لأنهم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً. بموتهم وهم كفار قاله مجاهد. وقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين وكفروا مرتين، ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك. وقيل: هم اليهود والنصارى. وقال قتادة: هم اليهود والنصارى: آمنت اليهود بالتوراة، وكفرت بالإنجيل، ثم آمنوا بعزير، ثم كفروا بعيسى ثم ازدادوا [كفراً] بكفرهم بمحمد ﷺ. وآمنت النصارى بالإنجيل ثم تركت العمل بما فيه، فكفرت بذلك، ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمد ﷺ ﴿لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أي: لا يغفر لهم كفرهم الأول والآخر، وذلك أن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإن رجع إلى الكفر لم يغفر له كفره الأول. وقال ابن عمر: يستتاب المرتد ثلاثاً، أي كلما ارتد يستتاب، فإن آمن، ثم ارتد استتيب، فإن تاب، ثم ارتد استتيب، فإن تاب ثم ارتد قتل، فإنما يستتاب ثلاث مرات قياساً على هذه الآية. وقيل: يستتاب، كلما ارتد.

النساء 4:138

قوله: ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. المعنى اجعل ما يقوم لهم مقام البشارة بالعذاب الأليم ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ﴾ أي: المنعة باتخاذهم لهم أولياء ﴿فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾ أي: المنعة لله، والنصر من عنده. يقال أرض عزاز وعزاز إذا كانت صلبة شديدة، ومنه قولهم: عز الشيء إذا لم يوجد أي: اشتد وجوده، أي: صعب. وقال النحاس: "هذا يدل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه لا يتولى الكافرين.

النساء 4:139

قوله: ﴿بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. المعنى اجعل ما يقوم لهم مقام البشارة بالعذاب الأليم ﴿أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ﴾ أي: المنعة باتخاذهم لهم أولياء ﴿فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً﴾ أي: المنعة لله، والنصر من عنده. يقال أرض عزاز وعزاز إذا كانت صلبة شديدة، ومنه قولهم: عز الشيء إذا لم يوجد أي: اشتد وجوده، أي: صعب. وقال النحاس: "هذا يدل على أن من عمل معصية من الموحدين ليس بمنافق لأنه لا يتولى الكافرين.

النساء 4:140

قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ الآية. المعنى قد أخبرتم أيها المنافقون في القرآن ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾. فاتخذتموهم أولياء ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ﴾ كفار، إذا جالستموهم على تلك الحال، لأن من لم يجتنبهم، فهو راض بفعلهم، فالرضا بالكفر كفر. وهذه الآية تدل على اجتناب أهل المعاصي إذ ظهر منهم منكر، ومجانبة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والقدرية وغيرهم إذا خاضوا في فسقهم. وروى إبراهيم التيمي عن أبي وائل قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة في المجلس من الكذب ليضحك بها جلساؤه فيسخط الله عليهم. وقال إبراهيم النخعي: إذ سمع هذا عن أبي وائل، صدق أبو وائل، أو ليس ذلك في كتاب الله عز وجل ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ أي: يجمعهم بموالاة بعضهم بعضاً فكلهم كافر.

النساء 4:141

قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ الآية. في قراءة أبي: ومنعناكم في موضع: نمنعكم. وأجاز الفراء: ونمنعكم بالنصب على الصرف. ومعنى الآية: أنها صفة للمنافقين لأنهم كانوا يتربصون بالمؤمنين، فإن كان فتح من الله جل وعز للمؤمنين، قالوا للمؤمنين: ألم نمنعكم في جهادكم، فطلبوا الفيء من الغنيمة ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ﴾ ظفر على المؤمنين قالوا للكافرين ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: نغلب عليكم حتى قهرتم المؤمنين ﴿وَنَمْنَعْكُمْ﴾ من المؤمنين، أي: كنا عيوناً لكم نأتيكم بالأخبار في السر، ونخذل المؤمنين حتى غلبتموهم ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: بين المؤمنين والمنافقين ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ أي: حجة يوم القيامة. وهذا وعد من الله جل ذكره للمؤمنين يكون في القيامة فأما في الدنيا فقد يغْلِبون ويُغلَبون، ودل على ذلك قوله ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾. وقيل: معناه: لا يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً يوم القيامة في قتلهم لهم، وسبيهم لذراريهم، ذلك مباح للمؤمنين في الدنيا، ولا درك عليهم في ذلك في الآخرة. وقال ابن جريج: معنى: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم يتبين لكم أنا معكم. وأصل الاستحواذ الغلبة والاستيلاء.

النساء 4:142

قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾ الآية. معنى الآية أن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم لإيمانهم دماءهم وأموالهم، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ هو ما حكم فيهم من منع دمائهم وأموالهم بما ظهر من إيمانهم مع علمه بباطن اعتقادهم استدراجاً للانتقام منهم في الآخرة. وقال السدي: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ يعطيهم الله يوم القيامة نوراً يمشون به مع المؤمنين كما كان معهم في الدنيا إيمان يمنع من دمائهم ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بسور. وقال ابن جريج: إخداع الله لهم هو ما ذكر من قولهم ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وقال الحسن: يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم فينادونهم ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ ألم نكن معكم في المسجد والحج والغزو؟ ﴿قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ باعتقادكم خلاف ما أظهرتم ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ عن التوبة ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في رسول الله ﷺ وثواب الله عز وجل وعقابه سبحانه. قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم. وقيل: المعنى: يُخادعون أولياء الله وهو أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي معاقبهم، وسمي الثاني خداعاً لأنه مجازاة للأول، وقيل: لازدواج الكلام. وقيل: معنى: ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾ أي نبيه ﷺ لأن من خادع النبي ﷺ، فقد خادع الله سبحانه كما قال ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. * * قوله: ﴿وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ﴾ الآية. هذا إعلام من الله تعالى أن المنافقين لا يعملون شيئاً من الفروض إلا رياء، وإبقاء على [أنفسهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، إذ ليست عندهم بفرض. إنما يقومون للناس] رياء إذ لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً. ثم يقال: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي إلا ذكراً قليلاً. والمعنى: أنهم يذكرون الله رياء لا ذكر مؤمن موقن بتوحيد الله عز وجل فلذلك سمي قليلاً، إذ هو غير مقصود به الله سبحانه، وما عنده تعالى، فمن أجل هذا وصف بالقلة، مع أنه ليس في ذكر الله عز وجل قليل، إنما قل من أجل اعتقادهم لا من أجل قلة ذكرهم. قال الحسن: إنما قل لأنه كان لغير الله سبحانه. وقال علي رضي الله عنه: ما قل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل! يريد قوله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فمن تقبل شيء من عمله، فهو من المتقين، ومن كان من المتقين فهو من أهل الجنة، يقول الله: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [القمر: ٥٤]. * * قوله: ﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾ أي: متحيرين في دينهم مضطربين، وأصل التذبذب التحرك والاضطراب، فهم يتحيرون في دينهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، فهم حيارى. قال النبي ﷺ: "مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة ولا تدري لأيهما تتبع قال قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين. وقيل: إلى المؤمنين ولا [إلى] أهل الكتاب ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ﴾ أي: ومن يخذله الله ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ﴾ يا محمد ﴿سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً يسلكه إلى الحق.

النساء 4:143

قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾ الآية. معنى الآية أن المنافقين يخادعون الله بإحرازهم لإيمانهم دماءهم وأموالهم، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ هو ما حكم فيهم من منع دمائهم وأموالهم بما ظهر من إيمانهم مع علمه بباطن اعتقادهم استدراجاً للانتقام منهم في الآخرة. وقال السدي: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ يعطيهم الله يوم القيامة نوراً يمشون به مع المؤمنين كما كان معهم في الدنيا إيمان يمنع من دمائهم ثم يسلبهم ذلك النور فيطفئه، فيقومون في ظلمتهم ويضرب بينهم بسور. وقال ابن جريج: إخداع الله لهم هو ما ذكر من قولهم ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]. وقال الحسن: يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم فينادونهم ﴿ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ ألم نكن معكم في المسجد والحج والغزو؟ ﴿قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ باعتقادكم خلاف ما أظهرتم ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ عن التوبة ﴿وَٱرْتَبْتُمْ﴾ أي: شككتم في رسول الله ﷺ وثواب الله عز وجل وعقابه سبحانه. قال الحسن: فتلك خديعة الله إياهم. وقيل: المعنى: يُخادعون أولياء الله وهو أنهم يظهرون خلاف ما يبطنون ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي معاقبهم، وسمي الثاني خداعاً لأنه مجازاة للأول، وقيل: لازدواج الكلام. وقيل: معنى: ﴿يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ﴾ أي نبيه ﷺ لأن من خادع النبي ﷺ، فقد خادع الله سبحانه كما قال ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]. * * قوله: ﴿وَإِذَا قَامُوۤاْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ﴾ الآية. هذا إعلام من الله تعالى أن المنافقين لا يعملون شيئاً من الفروض إلا رياء، وإبقاء على [أنفسهم، فهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، إذ ليست عندهم بفرض. إنما يقومون للناس] رياء إذ لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً. ثم يقال: ﴿وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي إلا ذكراً قليلاً. والمعنى: أنهم يذكرون الله رياء لا ذكر مؤمن موقن بتوحيد الله عز وجل فلذلك سمي قليلاً، إذ هو غير مقصود به الله سبحانه، وما عنده تعالى، فمن أجل هذا وصف بالقلة، مع أنه ليس في ذكر الله عز وجل قليل، إنما قل من أجل اعتقادهم لا من أجل قلة ذكرهم. قال الحسن: إنما قل لأنه كان لغير الله سبحانه. وقال علي رضي الله عنه: ما قل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل! يريد قوله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فمن تقبل شيء من عمله، فهو من المتقين، ومن كان من المتقين فهو من أهل الجنة، يقول الله: ﴿إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ [القمر: ٥٤]. * * قوله: ﴿مُّذَبْذَبِينَ﴾ أي: متحيرين في دينهم مضطربين، وأصل التذبذب التحرك والاضطراب، فهم يتحيرون في دينهم لا مع المؤمنين على بصيرة، ولا مع المشركين على جهالة، فهم حيارى. قال النبي ﷺ: "مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة ولا تدري لأيهما تتبع قال قتادة: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين. وقيل: إلى المؤمنين ولا [إلى] أهل الكتاب ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ﴾ أي: ومن يخذله الله ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُ﴾ يا محمد ﴿سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً يسلكه إلى الحق.

النساء 4:144

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ ...﴾ الآية. المعنى: إن الله نهى المؤمنين أن يوالوا الكافرين، فيجعلون على أنفسهم الحجة لله، والسلطان: الحجة، وهو يذكر ويؤنث وبالتذكير أتى القرآن. فمن ذَكَّر ذهب إلى معنى صاحب السلطان، أي صاحب الحجة، وقيل ذهب إلى البرهان والاحتجاج. ومن أَنَّث فلتأنيث الحجة، والعرب تقول: قضت به عليك السلطان أي الحجة.

النساء 4:145

قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ الآية. معنى الدرك الأسفل: القعر الأسفل والنار أدراك سبعة، فهم في القعر السابع، نعوذ بالله منها. والدَرْك والدَرَك لغتان بمعنى. والفتح: الاختبار عند بعض العلماء لقولهم: أدراك كجمل وأجمال وجمعه في الكثير: الدروك. ومن أسكن الراء جمعه في القليل على أدرك، والكثير الدروك، وقال عاصم: "لو كانت الدروك بالفتح لقيل السفلى" ذهب إلى أن الفتح إنما هو على أنه جمع دركة ودرك، كبقرة وبقر. وطبقات النار سفل سفل، يقال لها أدراك. ومنازل الجنة يقال لها درجات وهو علو علو. * * وقوله: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ﴾ كتب بغير ياء على لفظ الوصل. والوقف عند سائر القراء على ما في السواد. ومذهب النحويين في هذا: الوقف على الياء. ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أن المنافقين في الطبق الأسفل من النار، وأنهم لا ناصر لهم ينقذهم منها. والعرب تقول لكل ما تسافل درك، ولكل ما تعالى درج. وقال ابن مسعود: إن المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار. وقال أبو هريرة: ﴿فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ﴾ في توابيت ترتج عليهم. وقال ابن عباس: في أسفل النار. ثم استثنى تعالى التائبين فقال ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾ أي: رجعوا عن نفاقهم وشكهم إلى اليقين بالله ورسوله ﷺ وبما جاء به وأصلحوا أعمالهم فعملوا بما أمرهم الله عز وجل ﴿وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ عز وجل أي: تمسكوا بما أمرهم الله به ﴿وَأَخْلَصُواْ﴾ طاعتهم له عز وجل، ولم يعملوا رياء الناس ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ في الجنة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾. وقال الفراء: ﴿مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المؤمنين.

النساء 4:146

قوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ الآية. معنى الدرك الأسفل: القعر الأسفل والنار أدراك سبعة، فهم في القعر السابع، نعوذ بالله منها. والدَرْك والدَرَك لغتان بمعنى. والفتح: الاختبار عند بعض العلماء لقولهم: أدراك كجمل وأجمال وجمعه في الكثير: الدروك. ومن أسكن الراء جمعه في القليل على أدرك، والكثير الدروك، وقال عاصم: "لو كانت الدروك بالفتح لقيل السفلى" ذهب إلى أن الفتح إنما هو على أنه جمع دركة ودرك، كبقرة وبقر. وطبقات النار سفل سفل، يقال لها أدراك. ومنازل الجنة يقال لها درجات وهو علو علو. * * وقوله: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ﴾ كتب بغير ياء على لفظ الوصل. والوقف عند سائر القراء على ما في السواد. ومذهب النحويين في هذا: الوقف على الياء. ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أن المنافقين في الطبق الأسفل من النار، وأنهم لا ناصر لهم ينقذهم منها. والعرب تقول لكل ما تسافل درك، ولكل ما تعالى درج. وقال ابن مسعود: إن المنافقين في توابيت من حديد مغلقة عليهم في النار. وقال أبو هريرة: ﴿فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ﴾ في توابيت ترتج عليهم. وقال ابن عباس: في أسفل النار. ثم استثنى تعالى التائبين فقال ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾ أي: رجعوا عن نفاقهم وشكهم إلى اليقين بالله ورسوله ﷺ وبما جاء به وأصلحوا أعمالهم فعملوا بما أمرهم الله عز وجل ﴿وَٱعْتَصَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ عز وجل أي: تمسكوا بما أمرهم الله به ﴿وَأَخْلَصُواْ﴾ طاعتهم له عز وجل، ولم يعملوا رياء الناس ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ في الجنة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾. وقال الفراء: ﴿مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: من المؤمنين.

النساء 4:147

قوله: ﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ...﴾ الآية. المعنى: ما يفعل الله بعذابكم أيها المنافقون إن تبتم، ورجعتم وآمنتم، بمعنى أي شيء يصنع الله بعذابكم، وما حاجته إلى ذلك بل سيشكر لكم ما يكون منكم من الطاعة، والإيمان فيجازيكم عليه، بأن يعافيكم من الدرك الأسفل من النار، ويدخلكم الجنة خالدين. قال قتادة: في هذه الآية: "إن الله لا يعذب شاكراً ولا مؤمناً". وقيل: معنى: ﴿شَاكِراً﴾ مشكوراً على كل حال.

النساء 4:148

قوله: ﴿لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ...﴾ الآية. قرأ زيد بن أسلم، والضحاك وابن أبي إسحاق ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ بفتح الظاء. ومعنى الآية: لا يحب الله أن يجهر أحد بالدعاء [على أحد] إلا من ظُلم فيدعو على ظالمه. أي: لكن من ظُلم فله أن يدعو على ظالمه، ولا يكره الله ذلك. قال ابن عباس: أُرخص للمظلوم أن يدعو على ظالمه، وإن صبر فهو خير له. قال قتادة: عذر الله سبحانه المظلوم. وقال الحسن: هو الرجل يُظلم يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعني عليه، اللهم استخرج لي حقي، ونحو ذلك. و "من" في موضع رفع بالهجر، كأنه: لا يحب الله أن يجهر بالسوء إلا المظلوم وإن شئت في موضع نصب كما قال تعالى: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلاَّ مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٢-٢٣] وكقولهم: إني لا أكره الخصومة، والمراء إلا رجلاً يريد الله بذلك، فهذا محمول على المعنى وأن لم يكن قبله أسماء. وأصل الاستثناء المنقطع أن يكون منصوباً، وهذا من ذلك. وقال مجاهد في الآية: هو الرجل لا تحسن ضيافته، فيخرج فيقول أساء ضيافتي، رخص له أن يقول ذلك. وقال السدي: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد ولكن من ظلم فانتصر بمثل ما ظلم فليس عليه جناح. ومن قرأ بفتح الظاء، فمعناه إلا من ظلم فلا بأس أن يُجْهَر له بالقول. قيل: إن هذه الآية نزلت في الرجل ينزل بالرجل وعند المنزول به سعة، يضيفه، فإن تناوله بلسانه في تأخره عن ضيافته فقد عذره الله عز وجل، وسمى الله سبحانه ترك الضيافة ظلماً. وقال ابن زيد معنى الفتح: لا يحب الله أن يقول لمن تاب عن النفاق: ألست نافقت؟ ألست الذي ظلمت وفعلت؟ ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ أي: إلا من أقام على النفاق، فإنه يقال له ذلك، ودل على هذا قوله تعالى ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾. وقيل: المعنى ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ فقال سوءاً، فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه. وقال قطرب: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ أي: إلا المكره لأنه مظلوم. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعاً﴾ أي: لما تجهرون به ﴿عَلِيماً﴾ أي بما تسرون وبغير ذلك.

النساء 4:149

قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ...﴾ الآية. المعنى: إن تقولوا جميلاً لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك وتخفوه. أي: تتركوا إظهاره، فلا تبدوه ﴿أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ﴾ أي: تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء، أي: الذي قد أُذن لكم أن تجهروا به وهو قوله ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ فإن الله كان عفواً، أي: لم يزل عفواً عن خلقه مع قدرته على الانتقام منهم. وهذا التأويل يدل على خلاف قول من تأول لقوله ﴿لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ أنه في المنافق التائب، والذي لم يتب، لأن الله عز وجل لم يأمر المؤمنين بالعفو عن نفاقهم ولا نهاهم أن يسبوا من كان منهم معلناً النفاق.

النساء 4:150

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. معنى الآية أنها في اليهود والنصارى يكفرون بالله بكفرهم برسول الله ﷺ. ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: يزعمون أنهم افتروا على ربهم ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ آمنت اليهود بموسى، وكفرت بعيسى، وبمحمد ﷺ، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بموسى، وبمحمد ﷺ، ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: مَنْ، هذه صفته كافر ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً لا مع المؤمنين ولا مع غيرهم وقيل بين الإيمان والجحد طريقاً. * * قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾ الآية. المعنى: الذين صدقوا بوحدانية الله عز وجل، وأقروا برسله [صلوات الله عليهم] ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [أي لم يكذبوا ببعض وآمنوا ببعض ﴿أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي من هذه صفته سوف نؤتيهم أجورهم أي يعطيهم أجورهم] على تصديقهم للجميع ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾ أي: يغفر لمن فعل ذلك من خلقه أي يستر ذنوبه، وكان ﴿رَّحِيماً﴾ بهم أي: لم يزل كذلك.

النساء 4:151

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. معنى الآية أنها في اليهود والنصارى يكفرون بالله بكفرهم برسول الله ﷺ. ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: يزعمون أنهم افتروا على ربهم ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ آمنت اليهود بموسى، وكفرت بعيسى، وبمحمد ﷺ، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بموسى، وبمحمد ﷺ، ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: مَنْ، هذه صفته كافر ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً لا مع المؤمنين ولا مع غيرهم وقيل بين الإيمان والجحد طريقاً. * * قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾ الآية. المعنى: الذين صدقوا بوحدانية الله عز وجل، وأقروا برسله [صلوات الله عليهم] ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [أي لم يكذبوا ببعض وآمنوا ببعض ﴿أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي من هذه صفته سوف نؤتيهم أجورهم أي يعطيهم أجورهم] على تصديقهم للجميع ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾ أي: يغفر لمن فعل ذلك من خلقه أي يستر ذنوبه، وكان ﴿رَّحِيماً﴾ بهم أي: لم يزل كذلك.

النساء 4:152

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية. معنى الآية أنها في اليهود والنصارى يكفرون بالله بكفرهم برسول الله ﷺ. ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: يزعمون أنهم افتروا على ربهم ﴿وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ آمنت اليهود بموسى، وكفرت بعيسى، وبمحمد ﷺ، وآمنت النصارى بعيسى وكفرت بموسى، وبمحمد ﷺ، ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: مَنْ، هذه صفته كافر ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً لا مع المؤمنين ولا مع غيرهم وقيل بين الإيمان والجحد طريقاً. * * قوله: ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾ الآية. المعنى: الذين صدقوا بوحدانية الله عز وجل، وأقروا برسله [صلوات الله عليهم] ﴿وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ [أي لم يكذبوا ببعض وآمنوا ببعض ﴿أُوْلَـٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي من هذه صفته سوف نؤتيهم أجورهم أي يعطيهم أجورهم] على تصديقهم للجميع ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾ أي: يغفر لمن فعل ذلك من خلقه أي يستر ذنوبه، وكان ﴿رَّحِيماً﴾ بهم أي: لم يزل كذلك.

النساء 4:153

قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ...﴾ الآية. * * قوله: ﴿جَهْرَةً﴾ حال من الضمير في قالوا، وهو العامل فيه، أي: قالوا مجاهرين بذلك، قال ذلك أبو عبيدة. وقيل: هو نُعت بمصدر محذوف [تقديره] رؤية جهرة. ومعنى الآية: أن اليهود سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة، قالوا له: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ﴾ الآية. قال ابن جريج: سألوا أن ينزل عليهم رجال منهم كتاباً من السماء بتصديقه واتباعه وهم اليهود والنصارى. وقيل: هم اليهود خاصة سألوا النبي عليه السلام أن يصعد إلى السماء وهم يرونه بلا كتاب، وينزل ومعه كتاب تعنتاً. فأعلمه الله عز وجل أنهم قد سألوا موسى عليه السلام أكبر من هذا ﴿فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: رؤية منكشفه ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ﴾ أي صعقوا بظلمهم أنفسهم، في عظيم ما سألوا موسى ﷺ مما ليس لهم أن يسألوا مثله ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ﴾ أي اتخذوه إلهاً بعد إحيائهم من صعقتهم ﴿مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ﴾ أي الدلالات الواضحات أنهم لا يرون الله عياناً في الدنيا، وأنه لا معبود إلا الله، فمن الآيات إصعاق الله إياهم عند مسألتهم ثم أحياؤهم. * * قوله: ﴿فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ﴾ أي: عفونا عن عبادتهم العجل ﴿وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ أي: أعطيناه حجة تبين عن صدقه وصحة نبوته.

النساء 4:154

قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ...﴾ الآية. المعنى: ورفعنا فوقهم الجبل لما امتنعوا من العمل بما في التوراة، وقبول ما جاءهم به موسى ﷺ ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ أي ما أعطوا الله من الميثاق ليعملوا بما في التوراة ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً﴾ يعني باب حطة أمروا بذلك، فدخلوا يزحفون على أستاههم ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي ٱلسَّبْتِ﴾ أي لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم، وذلك أنهم أمروا ألا يأكلوا الحيتان يوم السبت، ولا يتعرضوا لها. ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً﴾ أي شديداً أنهم يعظمون ما أمرهم الله، وينتهون عما نهاهم عنه.

النساء 4:155

قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ الآية. المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر النبي ﷺ، وقد أخذ عليهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وبـ ﴿وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وبـ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعاً من أجل كفرهم بالله ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى ﷺ، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ﷺ بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. وقال قتادة: ﴿لَعنَّاهُمْ﴾ محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. * * قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بمحمد ﷺ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ﴾ هو أنهم رموها بالزنا ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ﴾ أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا جميعاً في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، قال عيسى لأصحابه: من يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وقيل: إنه كان محبوساً عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلاً فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفاً منهم، وهو الذي شبه لهم. * * قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخولهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحداً من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ فقتلوا من قتلوا على شك لا على يقين وعلم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقيناً، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقيناً. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقيناً أنه هو عيسى. وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقيناً. وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقيناً، بل قتلوه على شك ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي عيسى. "ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف على يقيناً". "ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقيناً نعت لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولاً يقيناً". قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: "بل رفعه الله إليه يقيناً" فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،... وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. وقال بعض أصحاب حمزة": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول فليس بمتصل بما قبله. وقال نافع: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ تمام. وأجاز ابن الأنباري الوقف على "قتلوه" على أن ينصب" يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً، ثم تبتدئ ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ مستأنفاً. * * قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك "النبات نوء" لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون "ضحكت الأرض" لأنها تبدي عن حسن النبات. وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون "لقيت من فلان عرق القربة" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقه في موضع. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة الأمر، وذلك أن الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. ومنه قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩] ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالاً، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. ومنه قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. ومنه ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. ومنه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم : ٤٣] أي: لا تغني خيراً، لأن المكان إذا كان خالياً فهو هواء لا شيء فيه. ومنه: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سبباً للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. ومنه: ﴿حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يريد الخيل سميت خيراً لما فيها من الخير وهو منافعها. ومنه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي كافراً فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ أي إيماناً ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. ومنه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أي آثاماً مع آثامهم. ومنه: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحاً لأن النكاح يكون سراً، ولا يظهر فاستعير له السر. ومنه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. ومنه: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى ﴿لِبَاساً﴾ سكناً، كما قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧، القصص: ٧٣]. ومنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير.

النساء 4:156

قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ الآية. المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر النبي ﷺ، وقد أخذ عليهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وبـ ﴿وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وبـ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعاً من أجل كفرهم بالله ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى ﷺ، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ﷺ بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. وقال قتادة: ﴿لَعنَّاهُمْ﴾ محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. * * قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بمحمد ﷺ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ﴾ هو أنهم رموها بالزنا ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ﴾ أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا جميعاً في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، قال عيسى لأصحابه: من يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وقيل: إنه كان محبوساً عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلاً فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفاً منهم، وهو الذي شبه لهم. * * قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخولهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحداً من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ فقتلوا من قتلوا على شك لا على يقين وعلم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقيناً، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقيناً. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقيناً أنه هو عيسى. وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقيناً. وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقيناً، بل قتلوه على شك ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي عيسى. "ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف على يقيناً". "ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقيناً نعت لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولاً يقيناً". قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: "بل رفعه الله إليه يقيناً" فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،... وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. وقال بعض أصحاب حمزة": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول فليس بمتصل بما قبله. وقال نافع: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ تمام. وأجاز ابن الأنباري الوقف على "قتلوه" على أن ينصب" يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً، ثم تبتدئ ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ مستأنفاً. * * قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك "النبات نوء" لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون "ضحكت الأرض" لأنها تبدي عن حسن النبات. وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون "لقيت من فلان عرق القربة" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقه في موضع. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة الأمر، وذلك أن الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. ومنه قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩] ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالاً، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. ومنه قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. ومنه ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. ومنه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم : ٤٣] أي: لا تغني خيراً، لأن المكان إذا كان خالياً فهو هواء لا شيء فيه. ومنه: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سبباً للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. ومنه: ﴿حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يريد الخيل سميت خيراً لما فيها من الخير وهو منافعها. ومنه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي كافراً فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ أي إيماناً ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. ومنه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أي آثاماً مع آثامهم. ومنه: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحاً لأن النكاح يكون سراً، ولا يظهر فاستعير له السر. ومنه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. ومنه: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى ﴿لِبَاساً﴾ سكناً، كما قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧، القصص: ٧٣]. ومنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير.

النساء 4:157

قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ الآية. المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر النبي ﷺ، وقد أخذ عليهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وبـ ﴿وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وبـ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعاً من أجل كفرهم بالله ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى ﷺ، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ﷺ بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. وقال قتادة: ﴿لَعنَّاهُمْ﴾ محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. * * قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بمحمد ﷺ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ﴾ هو أنهم رموها بالزنا ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ﴾ أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا جميعاً في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، قال عيسى لأصحابه: من يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وقيل: إنه كان محبوساً عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلاً فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفاً منهم، وهو الذي شبه لهم. * * قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخولهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحداً من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ فقتلوا من قتلوا على شك لا على يقين وعلم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقيناً، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقيناً. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقيناً أنه هو عيسى. وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقيناً. وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقيناً، بل قتلوه على شك ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي عيسى. "ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف على يقيناً". "ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقيناً نعت لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولاً يقيناً". قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: "بل رفعه الله إليه يقيناً" فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،... وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. وقال بعض أصحاب حمزة": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول فليس بمتصل بما قبله. وقال نافع: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ تمام. وأجاز ابن الأنباري الوقف على "قتلوه" على أن ينصب" يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً، ثم تبتدئ ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ مستأنفاً. * * قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك "النبات نوء" لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون "ضحكت الأرض" لأنها تبدي عن حسن النبات. وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون "لقيت من فلان عرق القربة" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقه في موضع. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة الأمر، وذلك أن الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. ومنه قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩] ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالاً، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. ومنه قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. ومنه ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. ومنه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم : ٤٣] أي: لا تغني خيراً، لأن المكان إذا كان خالياً فهو هواء لا شيء فيه. ومنه: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سبباً للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. ومنه: ﴿حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يريد الخيل سميت خيراً لما فيها من الخير وهو منافعها. ومنه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي كافراً فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ أي إيماناً ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. ومنه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أي آثاماً مع آثامهم. ومنه: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحاً لأن النكاح يكون سراً، ولا يظهر فاستعير له السر. ومنه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. ومنه: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى ﴿لِبَاساً﴾ سكناً، كما قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧، القصص: ٧٣]. ومنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير.

النساء 4:158

قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ الآية. المعنى: وينقض هؤلاء الذين تقدمت صفتهم: الميثاق - وهو كتمانهم أمر النبي ﷺ، وقد أخذ عليهم ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وكفرهم بآيات الله أي: بإعلامه وأدلته وبـ ﴿وَقَتْلِهِمُ ٱلأَنْبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وبـ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: عليها غشاوة وأغطية عما يقول، فلا نفهمه عنك، فأخبر الله عز وجل بكذبهم في قولهم، وقال ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: ليست بغلف، ولكن طبع الله عليها طابعاً من أجل كفرهم بالله ﴿فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ لأنهم إنما صدقوا ببعض الأنبياء، فإيمانهم قليل لأنهم قد كذبوا بأكثر الأنبياء فيما جاءوا به، ومن كذب بالبعض، فهو مكذب بالكل من جهة أن الذي صدق به من نبي وكتاب يصدق ما كذب به هو ويقرب بصحته وهذا كلام متصل بما قبله. والمعنى: فبنقضهم ميثاقهم وبكفرهم، وبكذا وبكذا أخذتهم الصعقة. قال الطبري: هذا غلط لأن الذين أخذتهم الصاعقة قوم موسى ﷺ، والذين رموا مريم بالبهتان بعدهم بدهر طويل، فهؤلاء غير هؤلاء. والذي قال الطبري لا يلزم، لأن اليهود قد تأخروا، وهم الذين طالبوا عيسى ﷺ بالصاعقة، وإن لم تأخذهم بأعيانهم، فقد أخذت آباءهم. فالمراد آباؤهم على ما مضى في البقرة وفي غيرها لأنهم راضون بما كان عليه آباؤهم من الكفر فلهم من الحكم ما لآبائهم إذ هم على مذهبهم. وقال قتادة: ﴿لَعنَّاهُمْ﴾ محذوف من الكلام كأنه: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا وكذا لعناهم وهو اختيار الطبري. قال: ودل على المحذوف قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن من طبع الله على قلبه فقد لعنه الله وغضب عليه. وقيل: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا (وقولهم كذا). طبع الله عليها. وقال الزجاج: المعنى: فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم. * * قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أي: بمحمد ﷺ ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ﴾ هو أنهم رموها بالزنا ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ﴾ أي: بدعواهم ذلك، فأكذبهم الله في ذلك، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾. قيل: إن اليهود أحاطوا بعيسى ومن معه وهم لا يشبهون عيسى بعينه فحولوا جميعاً في صورة عيسى، فأشكل عليهم أمر عيسى، فخرج إليهم بعض من كان في البيت مع عيسى، فقتلوه وهم يحسبون أنه عيسى. قال وهب بن منبه: أتى عيسى ومن معه سبعة عشر من الحواريين في بيت، فأحاط بهم اليهود، فكلما دخلوا عليهم صورهم الله كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا لتبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعاً، قال عيسى لأصحابه: من يشتري اليوم نفسه بالجنة؟ قال رجل منهم: أنا فخرج إليهم. فقال: أنا عيسى، فأخذوه وقتلوه، وهو على صورة عيسى، وصلبوه وظنوا أنه عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك، إذا الصورة مشبهة، ورفع الله عيسى من يومه ذلك. وقيل: إنه كان محبوساً عند خليفة قيصر، فاجتمعت اليهود إليه فتوهم يريدون خلاصه، فقال: أنا أخليه لكم، فقالوا: بل نريد قتله، فرفعه الله إليه، فأخذ خليفة قيصر رجلاً فقتله، وقال لهم: قد قتلته، خوفاً منهم، وهو الذي شبه لهم. * * قوله: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ يعني اليهود الذين أحاطوا بعيسى، ومن معه وأرادوا قتله، وذلك أنهم كانوا عرفوا عدد من كان في البيت، قبل دخولهم فيما ذكر بعض أهل التأويل: فلما دخلوا فقدوا واحداً من العدد، ووجدوا الشبه فالتبس عليهم أمر عيسى بفقدهم واحداً من العدد، فقتلوا الذي عليه الشبه على شك. وقيل: إن شكهم فيه هو أن بعضهم زعم أنه الله وما قتل. وزعم بعضهم أنه ما قتل، فهم شاكون فيه. ودل على صحة شكهم قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ﴾ فقتلوا من قتلوا على شك لا على يقين وعلم. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي: ما قتلوا لظنهم في المقتول أنه عيسى يقيناً، ولكنهم قتلوه على شك، فالهاء عائدة على الظن. قال ابن عباس: المعنى ما قتلوه ظنهم به يقيناً. وقال السدي: وما قتلوا أمره يقيناً أنه هو عيسى. وقال الفراء: المعنى: ما قتلوا العلم به يقيناً. وقيل المعنى: الذي شبه لهم إنه عيسى يقيناً، بل قتلوه على شك ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ أي عيسى. "ومن جعل الهاء تعود على العلم أو الظن أو النفس أو المشبه بعيسى وقف على يقيناً". "ومن جعلها تعود على عيسى وقف على قتلوه على النفي، ويكون يقيناً نعت لمصدر محذوف المعنى: قال هذا قولاً يقيناً". قال النحاس: إن قدرت أن يكون المعنى: "بل رفعه الله إليه يقيناً" فهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها لضعف بل،... وكون الهاء تعود على عيسى قول خارج عن قول أهل التأويل. وقال بعض أصحاب حمزة": عيسى ابن مريم تمام. لأنهم لم يقروا بأنه رسول فليس بمتصل بما قبله. وقال نافع: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ تمام. وأجاز ابن الأنباري الوقف على "قتلوه" على أن ينصب" يقيناً بإضمار فعل هو جواب القسم، تقديره: ولقد صدقتم يقيناً، ولقد أوضح لكم يقينه إيضاحاً يقيناً، ثم تبتدئ ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ مستأنفاً. * * قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أدخله بعضهم في باب الاستعارة لأنه أريد به تحقيق الأمر واستيقانه. والاستعارة في كلام العرب باب، وهذا فصل نبين فيه نُبَذاً من معاني الاستعارة [فالاستعارة] معناها: أن نضع الكلمة في موضع ما هو قريب منها أو ما هو سببها، أو ما يشبه الآخر أي مقارب له بمعنى كقولك "النبات نوء" لأنه [عنه] يكون، والمطر سماء، لأنه منها ينزل، ويقولون "ضحكت الأرض" لأنها تبدي عن حسن النبات. وتفتر عنه كما يفتر الضاحك عن الثغر. ويقولون "لقيت من فلان عرق القربة" أي: شدة، وأصل هذا أن حامل القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، فاستعير عرقه في موضع. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة الأمر، وذلك أن الرجل إذا وقع في أمر يحتاج إلى معاناة، شمر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة، وهو كثير في القرآن، وإنما هذا في أصل كلام العرب ثم خاطبهم الله على ما يعقلون في كلامهم وما اعتادوا منه. ومنه قوله: ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء: ٤٩] ﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ [النساء: ١٢٤] إذ لم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، إنما أراد مقدار هذين الحقيرين والعرب تقول: ما رزانه، زبالاً، فالزبال ما تحمله النملة بفيها. ومنه قوله: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣] يريد به التقليل أي ما يملكون من شيء. ومنه ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣] أراد به أبطلناه، كما أن الهباء المنثور مبطل لا فائدة فيه، وهو ما سطع في شعاع الشمس من كوة البيت، والمنبث ما سطع من سنابك الخيل. ومنه: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم : ٤٣] أي: لا تغني خيراً، لأن المكان إذا كان خالياً فهو هواء لا شيء فيه. ومنه: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] أي أطلعنا، وأصله من عثر بشيء وهو غافل ثم نظر إليه فاطلع عليه فصار العثار سبباً للتبين فاستعير مكان التبيين والاطلاع. ومنه: ﴿حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] يريد الخيل سميت خيراً لما فيها من الخير وهو منافعها. ومنه: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أي كافراً فهديناه ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ أي إيماناً ﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي في الكفر فاستعير الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهدى والنور مكان الإيمان. ومنه: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] أي: إثمك وأصل الوزر ما حمل على الظهر فشبه الإثم بالحمل، وشبه بالثقل، لأن الحمل والثقل سواء فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] أي آثاماً مع آثامهم. ومنه: ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي نكاحاً لأن النكاح يكون سراً، ولا يظهر فاستعير له السر. ومنه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] كما تزرع الأرض، فشبه الولد بالزرع والبطن بالأرض. ومنه: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي ترخصوا وأصله أن يصرف المرء، بصره عن الشيء ويغمضه فسمي الترخيص إغماضاً. ومنه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] جعل كل واحد لصاحبه كالثوب للإنسان يتضامان، ويلتصقان كالثوب في تضامه، والتصاقه على الإنسان، وقد قيل معنى ﴿لِبَاساً﴾ سكناً، كما قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧، القصص: ٧٣]. ومنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] أي: نفسك من الذنوب، فجعل موضع النفس، لأنه يشتمل عليها، وشبه ذلك كثير.

النساء 4:159

قوله: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ...﴾ الآية. التقدير عند سيبويه، (وإن من أهل الكتاب أحد). وعند الكوفيين (وإن من أهل الكتاب إلا (من) ليؤمنن [به]) حذفوا الموصول وهو قبيح. وسيبويه إنما قدر حذف الموصوف، وإقامة الصفة مقامه، وذلك كثير في القرآن والكلام، قال الله: ﴿أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ﴾ [سبأ: ١١] أي: دروع سابغات فحذف الموصوف، فقول سيبويه أحسن واختيار جيد. وحذف الموصول وإقامة الصلة مقامه على قول الكوفيين غير جائز ولا موجود لأن الصلة كبعض الموصول، ولا يحسن حذف بعض الاسم، ولأن الصلة لا بد منها للموصول وليس الصفة كذلك فقد يستغنى عنها. والمعنى: إنهم كلهم يؤمنون بعيسى إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الأمم كلها واحدة ملة الإسلام، كذلك قال ابن عباس، والحسن وقتادة. قال ابن زيد: إذا نزل عيسى لقتل الدجال لم يبق يهودي إلا آمن، وذلك حين لا ينفعهم إيمانهم، فالهاء في "به" يعود على عيسى ﷺ في هذين القولين. وروى عن ابن عباس أنه قال: ليس من أهل [الكتاب] أحد إلا يؤمن بعيسى قبل موته "أي موت الكتابي إذا عاين الحق". وقال [مجاهد]: لا تخرج نفس الكتابي حتى يؤمن بعيسى قال وإن غرق، وإن تردى من حائط لا بد أن يؤمن بعيسى. وقد قرأ أُبي: "قبل موتهم" فهذا يدل على أنها لأهل الكتاب وهو قول أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: "لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وإن عجل عليه بالسلاح. وقال عكرمة: لو وقع يهودي من فوق القصر لم يبلغ الأرض حتى يؤمن بعيسى، فالهاء تعود على الكتابي على هذه الأقوال ويجوز أن تكون لعيسى. وروي عن عكرمة أيضاً، لا يموت اليهودي والنصراني حتى يؤمن بمحمد عليه السلام. فالهاء في "به" تعود على محمد ﷺ. وفي حرف أُبي ومصحفه "قبل موتهم" يعني: أهل الكتاب. واختار الطبري أن تكون لعيسى، وأن يكون المعنى ليس أحد من أهل الكتاب الحاضرين عند نزول عيسى إلا ليؤمن بعيسى قبل موت عيسى عليه السلام. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "الأنبياء أخوات لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، لأنه لم يكن بينه وبيني نبي، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الشعر، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل، بين ممصرتين، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يُهلك الله عز وجل في زمانه الملل كلها غير الإسلام، ويُهلك الله في زمانه المسيح الكذاب الدجال وتقع الأمنة في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان والصبيان بالحيات، لا يضر بعضهم بعضاً، ثم يلبث في الأرض ما شاء الله - وربما قال - أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه قوله: ﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ أي: شاهداً على تكذيب من كذبه، وتصديق من صدقه، وأنه بلغ الرسالة وأقر بالعبودية.

النساء 4:160

قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: هذا بدل من ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ والذي حرم عليهم هو قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. والظلم هنا هو نقضهم الميثاق ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. * * وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق ﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾ هو ما يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمى ذلك باطلاً لأنه أخذ بغير استحقاق. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء اليهود ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجع أي مؤلماً. * * قوله: ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية: نصب ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ عند سيبويه على التعظيم. وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على "ما" جعل المقيمين هم الملائكة عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، والخبر لم يأت بعد. ومذهب سيبويه أن "يؤمنون" الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. وقيل: هو معطوف على قبلك. وقيل: على الكاف في قبلك. وقيل: على الكاف في أولئك. وقيل: على الهاء، والميم في منهم. وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا يجوز عند البصريين. * * قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ في رفعه خمسة أقوال: رفعه عند سيبويه على الابتداء. وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. وقيل: عطف على المضمر في "يؤمنون". وقيل: هو معطوف على الراسخين. ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم بيّن أنهم ليسوا كلهم قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم أيضاً يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من قبل محمد ﷺ فهم لا يسألون ما سأل أولئك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ هم من أهل الكتاب أيضاً. قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع بالواو وهي قراءة ابن مسعود. وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ وفي ﴿وَٱلصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] في المائدة وفي ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب غلطوا في الكتاب. وفي قراءة عبد الله "والمقيمون" بالرفع. وقال عثمان رضي الله عنه أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز خط المصحف على لغة العرب. وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف أُبَيّ ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ﴾ أيضاً فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه.

النساء 4:161

قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: هذا بدل من ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ والذي حرم عليهم هو قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. والظلم هنا هو نقضهم الميثاق ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. * * وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق ﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾ هو ما يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمى ذلك باطلاً لأنه أخذ بغير استحقاق. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء اليهود ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجع أي مؤلماً. * * قوله: ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية: نصب ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ عند سيبويه على التعظيم. وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على "ما" جعل المقيمين هم الملائكة عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، والخبر لم يأت بعد. ومذهب سيبويه أن "يؤمنون" الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. وقيل: هو معطوف على قبلك. وقيل: على الكاف في قبلك. وقيل: على الكاف في أولئك. وقيل: على الهاء، والميم في منهم. وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا يجوز عند البصريين. * * قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ في رفعه خمسة أقوال: رفعه عند سيبويه على الابتداء. وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. وقيل: عطف على المضمر في "يؤمنون". وقيل: هو معطوف على الراسخين. ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم بيّن أنهم ليسوا كلهم قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم أيضاً يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من قبل محمد ﷺ فهم لا يسألون ما سأل أولئك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ هم من أهل الكتاب أيضاً. قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع بالواو وهي قراءة ابن مسعود. وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ وفي ﴿وَٱلصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] في المائدة وفي ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب غلطوا في الكتاب. وفي قراءة عبد الله "والمقيمون" بالرفع. وقال عثمان رضي الله عنه أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز خط المصحف على لغة العرب. وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف أُبَيّ ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ﴾ أيضاً فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه.

النساء 4:162

قوله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية. قال ابن إسحاق: هذا بدل من ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ والذي حرم عليهم هو قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] الآية. والظلم هنا هو نقضهم الميثاق ﴿وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ وعلى عيسى. فهذا هو الظلم، فمن أجله حرمت عليهم الطيبات وهي كل ذي ظفر والشحوم من البقر والغنم. * * وقوله: ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي صدوا أنفسهم، وغيرهم عن الحق ﴿وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾ هو قولهم أؤخرك بديني وتزيدني ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾ هو ما يأكلون من الرشا في الحكم، وعلى تغيير الدين يأخذون أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم، ويقولون هذا من عند الله، فسمى ذلك باطلاً لأنه أخذ بغير استحقاق. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ﴾ أي من هؤلاء اليهود ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي موجع أي مؤلماً. * * قوله: ﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية: نصب ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ عند سيبويه على التعظيم. وقال الكسائي: هو في موضع خفض عطف على "ما" جعل المقيمين هم الملائكة عليهم السلام، وهو اختيار المبرد، والطبري. واستبعد المبرد النصب على المدح لأن المدح إنما يكون بعد تمام الخبر، والخبر لم يأت بعد. ومذهب سيبويه أن "يؤمنون" الخبر فقد أتى قبل الراسخون. ومذهب المبرد أن أولئك الخبر، فهو لم يأت بعد. وقيل: هو معطوف على قبلك. وقيل: على الكاف في قبلك. وقيل: على الكاف في أولئك. وقيل: على الهاء، والميم في منهم. وهذه الأقوال الثلاثة عطف فيها على مضمر مخفوض على مذهب الكوفيين، وهو لا يجوز عند البصريين. * * قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ في رفعه خمسة أقوال: رفعه عند سيبويه على الابتداء. وقيل: رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: عطف على المضمر في المقيمين. وقيل: عطف على المضمر في "يؤمنون". وقيل: هو معطوف على الراسخين. ومعنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن أهل الكتاب أنهم سألوا محمد ﷺ أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، ثم بيّن أنهم ليسوا كلهم قالوا ذلك، فأخبر أن الراسخين في العلم منهم أي: من أهل الكتاب والمؤمنون أي منهم أيضاً يؤمنون بالقرآن، والتوراة والإنجيل، وجميع كتب الله، وهو ما أنزل من قبل محمد ﷺ فهم لا يسألون ما سأل أولئك. * * وقوله: ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ هم من أهل الكتاب أيضاً. قال أبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب يعني كونه بالياء وإنما حقه الرفع بالواو وهي قراءة ابن مسعود. وقالت عائشة رضي الله عنها لعروة إذ سألها عن اختلاف الإعراب في ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ﴾ وفي ﴿وَٱلصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] في المائدة وفي ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] في طه، يا ابن أختي، هذا عمل الكاتب غلطوا في الكتاب. وفي قراءة عبد الله "والمقيمون" بالرفع. وقال عثمان رضي الله عنه أرى فيه لحناً، وستقيمه العرب بألسنتها، يريد المصحف، وهذه الأحاديث مطعون فيها عند العلماء لصحة جواز خط المصحف على لغة العرب. وإذا كان للشيء وجه لم يجز أن يحمل على الغلط، وقد ذكرنا أن كونه بالياء له وجوه سائغة في لغة العرب، ويدل على أنه ليس بخطأ من الكاتب إن في مصحف أُبَيّ ﴿وَٱلْمُقِيمِينَ﴾ أيضاً فلو كان الرفع الصواب لم تجتمع المصاحف على تركه.

النساء 4:163

قوله: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ ...﴾ الآية. قرأ الحسن: يونس ويوسف بالكسر جعله فعلاً مستقبلاً سمي به من آسف وآنس، وعلى هذا يجب أن يصرفا في النكرة، ويهمزا، ويكون جمعهما: يا أنس ويا أسف. ومن لم يهمز قال في الجمع: يوانس ويواسف. وحكى أبو زيد: يونس ويوسف بالفتح لغة. ومعنى الآية إن الله أخبر نبيه ﷺ أنه أرسل إليه بالرسالة كما أرسل إلى من ذكر من الأنبياء وإلى من لم يسم. وقيل: معناه: أوحى إلى جميعهم وإلى محمد ﷺ ﴿أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]. وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي ﷺ لما أخبرهم بما أوحى الله إليه من سؤالهم إياه أن ينزل عليهم كتاباً فتلا ذلك عليهم وفضحهم: ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية تكذيباً لهم. وقيل: إنهم قالوا عند نزول هذه الآية ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ولا على عيسى، ولا على موسى، فأنزل الله ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] الآية. وروي أن سكين بن عدي بن زيد قال للنبي ﷺ: والله، يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله هذه الآية. وروى [أبو] ذر عن النبي ﷺ أنه قال: الأنبياء مائة ألف وعشرون ألف. والرسل منهم ثلاثة مائة وثلاثة عشر منهم أربعة سريانيون وهم آدم، وشيث وإدريس، ونوح، ومنهم أربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيكم محمد ﷺ وأول أنبياء بني إسرائيل بعد أولاد إسرائيل وإسرافيل يعقوب موسى، وآخرهم عيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وروى أيضاً عنه أنه (قال): جميع كتب الله التي أنزل مائة كتاب، وأربعة كتب: أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل، والزبور والقرآن، فكانت صحائف إبراهيم أمثالاً كلها: يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها إلى بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة مظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر... "وكان فيها:" وعلى العاقل أن تكون له ساعات: [ساعة] يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر فيها في صنيع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. "." وعلى العاقل ألا يكون صاحباً إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم..." وعلى العاقل أن يكون بصيراً بزمانه مقبلاً على شأنه، حافظاً للسانه". ومن حسب كلامه: "من عمله قل كلامه". قال: وكانت صحف موسى كلها عبراً. "عجبت لمن أيقن بالموت وهو يفرح". "وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو يسخط". "وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها". "وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل". ويروى أن آدم عاش ألف سنة وفي التوراة عاش ألف سنة إلا سبعين عاماً. وكان بين آدم والطوفان ألفاً سنة ومائتا وإثنان وأربعون سنة. وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمائة وخمسون سنة. وبين نوح وإبراهيم ألفاً سنة ومائة سنة وأربعون سنة. وبين إبراهيم وموسى سبعمائة سنة. وبين موسى وداود خمسائة سنة. وبين داود وعيسى ألف سنة ومائتا سنة. قال وهب بن منبه: كان بين آدم ونوح عشرة آباء، وبين نوح وإبراهيم عشرة آباء. قال عكرمة: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام. قال القتيبي: قرأت في الإنجيل: أن بين إبراهيم وداود أربعة عشر قرناً، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرناً، ومن جالية بابل إلى عيسى أربعة عشر قرن.

النساء 4:164

قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ الآية. [رسلاَ] نصب عطفاً على معنى ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾، لأن معناه إنا بعثناك وبعثنا رسلاً. وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلاً قصصناهم عليك. وقيل: المعنى: وقصصنا رسلاً قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما قبلها. ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمداً ﷺ أنه أوحى إليه كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى رسل لم يقصهم عليه، تكذيباً لليهود إذ قالوا ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله ﴿تَكْلِيماً﴾ ليعلم أنه حقيقة لا مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز. قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة. * * وقوله: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ نصب على الحال من أسماء الأنبياء. ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ﴾ أي كيلا يقولوا: هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤، القصص: ٤٧].

النساء 4:165

قوله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ﴾ الآية. [رسلاَ] نصب عطفاً على معنى ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾، لأن معناه إنا بعثناك وبعثنا رسلاً. وقيل: هو منصوب بفعل يفسره ما بعده كأنه: وأرسلنا رسلاً قصصناهم عليك. وقيل: المعنى: وقصصنا رسلاً قصصناهم عليك، والمعنى إنها معطوفة على ما قبلها. ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه محمداً ﷺ أنه أوحى إليه كما أوحى إلى من ذكر من الأنبياء، وكما أوحى إلى رسل قد قصهم عليه، وإلى رسل لم يقصهم عليه، تكذيباً لليهود إذ قالوا ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ ثم أعلمه أنه خص موسى بالكلام، وأكده بقوله ﴿تَكْلِيماً﴾ ليعلم أنه حقيقة لا مجاز، ولأن الفعل في كلام العرب إذا أكد بالمصدر علم أنه حقيقة لا مجاز. قال كعب: كلم الله موسى بالألسنة كلها، فجعل موسى يقول: يا رب لا أفهم، حتى كلمه بلسان موسى آخر الألسنة. * * وقوله: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ﴾ نصب على الحال من أسماء الأنبياء. ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ﴾ أي كيلا يقولوا: هلا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ [طه: ١٣٤، القصص: ٤٧].

النساء 4:166

قوله: ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ...﴾ الآية. المعنى: إن جحدوا ما أنزل إليك يا محمد بأن قالوا: ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ فإن الله يشهد أنه أنزله إليك بعلم منه أنك خِيرته من خلقه ويشهد بذلك ملائكته ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً﴾ أي اكتفوا به شهيداً على صدق نبيكم، أي: حسبكم ذلك. وقيل معنى: ﴿بِعِلْمِهِ﴾ أي وفيه علمه، كما تقول: جاءنا فلان بالسيف أي ومعه. قال ابن عباس:نزلت هذه الآية في جماعة من يهود دخل عليهم رسول الله ﷺ فقال لهم: إني والله أعلم، أنكم لتعلمون أني رسول الله فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله ﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾

النساء 4:167

المعنى: إن الذين جحدوا نبوتك بعد علمهم بها ﴿وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: عن الدين الذي بعثك الله به، وهو الإسلام وهو قولهم: لمن سألهم عن النبي ﷺ ما نجد صفته في كتابنا، وقولهم: إن النبوة لا تكون إلا في ولد هارون، وذرية داود ﴿قَدْ ضَلُّواْ ضَلَٰلاً بَعِيداً﴾ أي قد جاروا عن قصد الطريق جوراً شديداً.

النساء 4:168

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ...﴾. الآية. المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقاً إلى الحق، ولكن يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبداً. وقيل معنى: ﴿[وَلاَ] لِيَهْدِيَهُمْ﴾ أي لا يوفقهم إلى الإسلام. ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي الخلق خلقه، والأمر أمره يفعل ما يشاء.

النساء 4:169

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ...﴾. الآية. المعنى: إن الذين جحدوا نبوة محمد، ووضعوا الحق في غير محله، ليس يغفر لهم الله ذلك، إذا ماتوا عليه، ولم يكن ليهديهم طريقاً إلى الحق، ولكن يخذلهم حتى يسلكوا طريق جهنم فيقيمون فيها، خالدين [فيها] أبداً. وقيل معنى: ﴿[وَلاَ] لِيَهْدِيَهُمْ﴾ أي لا يوفقهم إلى الإسلام. ﴿وَكَانَ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي الخلق خلقه، والأمر أمره يفعل ما يشاء.

النساء 4:170

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ ...﴾ الآية. ﴿خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب عند سيبويه بإضمار فعل التقدير (وأتوا خير لكم). وهو عند الفراء: نعت لمصدر محذوف. وعند أبي عبيدة خبر كان، التقدير: يكن خيراً لكم. وقيل: نصبه على الحال. لأن التقدير: وآمنوا خيراً لكم، فلما حذف هو، الذي هو كناية عن مصدر يرتفع خير به، اتصل خبر بمعرفة قبله فنصب على الحال، وفيه بعد، لأن خيراً غير جار على الفعل، ولا هو بمعنى الجار. والمعنى: أنه خطاب لمشركي العرب وسائر أصناف الكفر. والحق هو الإسلام. والمعنى: ﴿وَإِن تَكْفُرُواْ﴾ أي: تجحدوا، رسالة ﷺ وتردوها فعن ذلك لا يضر الله شيئاً. لأن له ما في السماوات والأرضين، فلن ينقصه كفركم شيئاً، ولم يزل الله عليماً بكم، وبما أنتم إليه صائرون وعاملون حكيماً في أمره إياكم.

النساء 4:171

قوله: ﴿يٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ...﴾ الآية. معنى ﴿وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ﴾: أي: آلهتنا ثلاثة. ﴿ٱنتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ﴾ نصب ﴿خَيْراً﴾ عند سيبويه على إضمار فعل دل عليه الكلام لأنه أمرهم بالانتهاء عن الكفر والدخول في الإيمان، فالمعنى: وأتوا خيراً لكم. قال: لأنك إذا قلت أنتم فأنت تخرجه من شيء، وتدخله في آخر، ومثله عنده. ؎ قواعد من سر حتى ملك ∗∗∗ أو الربا بينهما أسهلا والمعنى: وآت أسهلا. ومذهب أبي عبيدة أنه خبر كان، والتقدير يكن خيراً لكم، ورد ذلك المبرد لأنه يضمر الشرط وإضماره لا يحسن. ومذهب الفراء أنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال: انتهوا انتهاء خيراً لكم. * * قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ انتصب انتصاب المصدر. و ﴿أَن يَكُونَ﴾ إن في موضع [نصب] بحذف الخافض المحذوف، [والتقدير على أن يكون، وقد قيل: في موضع خفض بإعمال الخافض المحذوف]. ومعنى الآية: أنها خطاب للنصارى. فمعنى: ﴿لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ أي: "لا تجاوزوا الحق في دينكم. ﴿وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ [إِلاَّ ٱلْحَقَّ]﴾ أي: لا تقولوا في عيسى إلا الحق فإن قولكم في عيسى غير الحق إذ تقولون إنه: ابن الله، فهذا قولهم على الله غير الحق. و ﴿ٱلْمَسِيحُ﴾ فعيل بمعنى مفعول بمعنى ممسوح وسمي بذلك لأن الله مسحه من الذنوب والأدناس. وقد قيل: إنها لفظة أعجمية أصلها مشيحا فأعرب فقيل المسيح، وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع بأشبع من هذا التفسير. ومعنى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ﴾ الكلمة هنا الرسالة التي أمر الله ملائكته أن تأتي بها مريم مبشرة من الله لها التي ذكرها الله في آل عمران. قال قتادة: كلمة [قوله] ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ومعنى: ﴿أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ﴾ أعلمها بها وأخبرها، كما تقول: ألقيت إليك كلمة حسنة، بمعنى أعلمتك، بها. ومعنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ أي: ونفخ منه، وذلك أنه حدث عيسى في بطن أمه بأمر الله، وتقديره من غير ذكر من نفخة جبريل عليه السلام في درع مريم بأمر الله إياه، فنسبه تعالى إليه لأنه عن أمره كان. وسمي النفخ روحاً: لأنه ريح تخرج من الروح. وقيل: معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾: أنه كان بإحياء الله إياه بقوله ﴿كُنْ﴾ فمعناه وحياة منه. وقيل: معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ ورحمة منه كما قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فمعنى برحمة منه أي جعله رحمة لمن تبعه وصدقه. كما قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ [مريم: ٢١]. وقال أُبي بن كعب [في قوله] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآية. قال: أخذهم فجعلهم أرواحاً، ثم صورهم ثم، استنطقهم، فكان روح عيسى عليه السلام من تلك الأرواح التي أخذ عليها العهد، والميثاق فأرسل تلك الروح إلى مريم، فدخل في فيها فحملت فهو قوله ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾. وقيل: الروح في الآية معطوف على المضمر في ﴿أَلْقَاهَا﴾ والمضمر اسم الله، والروح اسم جبريل كان تقديره: ألقى الله وجبريل الكلمة إلى مريم، كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] وهو جبريل عليه السلام. وقيل معنى: ﴿وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ وبرهان منه لمن اتبعه، وذلك ما أنزل عليه من كتابه، وسمي البرهان روحاً، لأنه يحيى به من قبله

النساء 4:172

قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ ...﴾ الآية. ﴿أَن﴾ في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن. والمعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ﴾ و ﴿لاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له. و ﴿ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة. وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك. وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم. ومعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ﴾ لن يتعظم ويستكبر. ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [بعد ذلك] تفضلاً منه. [وذلك أنه تعالى [وعد] المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلاً منه] ما شاء غير محدود. وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين. * * قوله: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ﴾ أي "تعظموا عن عبادته" ﴿وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي مؤلماً. ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: يستنقذهم من عذاب الله.

النساء 4:173

قوله: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ ...﴾ الآية. ﴿أَن﴾ في موضع نصب، أي: من إن، أو: عن إن. والمعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ﴾ و ﴿لاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أن يقروا بالعبودية لله والإذعان له. و ﴿ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ هم من قرب منهم من الله في المنزلة لا قرب المسافة. وقيل: هم من قرب منهم من السماء السابعة قاله الضحاك. وفي هذا اللفظ دليل على فضل الملائكة على بني آدم. ومعنى: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ﴾ لن يتعظم ويستكبر. ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ﴾ أي يتعظم من عبادته ويستكبر عنها. ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً﴾ أي يبعثهم، فأما المؤمنون وهم المقرون بالوحدانية ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [بعد ذلك] تفضلاً منه. [وذلك أنه تعالى [وعد] المؤمنين للحسنة عشر أمثالها، ثم يزيدهم تفضلاً منه] ما شاء غير محدود. وقيل: الزيادة إلى سبعمائة ضعف، وقيل إلى ألفين. * * قوله: ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْتَنكَفُواْ﴾ أي "تعظموا عن عبادته" ﴿وَٱسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي مؤلماً. ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ أي: يستنقذهم من عذاب الله.

النساء 4:174

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ...﴾ الآية. المعنى: إنه خطاب لجميع الملل. ومعنى: ﴿بُرْهَانٌ﴾ أي حجة. ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال ﴿قَدْ جَآءَكُمْ﴾ ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد ﷺ هو حجة على جميع الخلق. ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ أي القرآن. * * قوله: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ أي تمسكوا بالنور وهو القرآن فالهاء تعود على القرآن. وقيل: معنى ﴿وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أي: يوفقهم لإصابه فضله، ويهديهم لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته. وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه. وقيل: معنى ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ثوابه. والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره. وقيل: تعود على الفضل. وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: الجنة.

النساء 4:175

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ...﴾ الآية. المعنى: إنه خطاب لجميع الملل. ومعنى: ﴿بُرْهَانٌ﴾ أي حجة. ومن أجل تذكير البرهان في اللفظ قال ﴿قَدْ جَآءَكُمْ﴾ ولم يقل قد جاءتكم، وهو محمد ﷺ هو حجة على جميع الخلق. ﴿وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً﴾ أي القرآن. * * قوله: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ أي تمسكوا بالنور وهو القرآن فالهاء تعود على القرآن. وقيل: معنى ﴿وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ﴾ أي اقتنعوا بكتابه عن معاصيه. ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أي: يوفقهم لإصابه فضله، ويهديهم لسلوك طريق من أنعم عليه من أهل طاعته. وقال بعض الكوفيين في نصب الصراط: إنه على القطع من الهاء في إليه. وقيل: معنى ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى ثوابه. والهاء في إليه تعود على الله جل ذكره. وقيل: تعود على الفضل. وقيل: على الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب والرحمة في قول مقاتل: الجنة.

النساء 4:176

قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ...﴾ الآية. * * قوله: ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: كراهة أن تضلوا قاله المبرد. وقال الكسائي والفراء: المعنى: لئلا تضلوا. وروى ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: "لا يَدْعُوَنَّ أحدكم على ولده، أن يوافق من الله إجابة" المعنى: لئلا يوافق. وقيل: المعنى: يبين الله لكم الضلالة لتجتنبوه. ومعنى الآية: أن عمر بن الخطاب سأل النبي ﷺ عن الكلالة، فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ...﴾ الآية. والكلالة من لا ولد له ولا والد من الموتى، فهو اسم للميت الذي لم يترك ولداً ولا والداً. وقيل: الكلالة اسم للورثة الذين لا ولد فيهم ولا والد، وقد مضى ذكر هذا بأشبع من هذا. وقيل: إنها نزلت في جابر بن عبد الله عاده النبي ﷺ في مرضه، قال جابر: فقلت يا رسول الله: كيف أقضي في مالي؟ وكان له تسع أخوات ولم يكن له ولد ولا والد، قال: فلم يجبني النبي ﷺ بشيء حتى نزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآية. وقال الفراء وأنس: هي آخر آية نزلت من القرآن. وقال جابر: نزلت في المدينة. وقيل نزلت في سفر كان فيه النبي ﷺ ومعنى حكمها: أن من مات لا ولد له ولا والد ﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ إن مات وليس لها ولد ولا والد، وللاثنين فأكثر من أخيهما الثلثان. فإن ترك إخوة ذكوراً وإناثاً ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنثَيَيْنِ﴾ والأخ للأب يقوم مقام الأخ للأب والأم عند عدمه، وكذلك الأخت. * * وقوله: ﴿فَإِن كَانَتَا ٱثْنَتَيْنِ﴾ فيه قولان: قال الأخفش: التقدير: فإن كان من ترك اثنتين ثم ثنى الضمير على معنى من. وقال المازني: فائدة الخبر هنا أنه لما قال ﴿كَانَتَا﴾ كان يجوز أن يكون الخبر صغيرين، أو كبيرين، فلما قال ﴿ٱثْنَتَيْنِ﴾ اشتمل على الصغير والكبير فأفاد ذلك.

المائدة 5:1

قال علقمة: ما كان في القرآن ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو نزل بالمدينة، وما كان ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ فهو نزل بمكة. وهذا قول جرى من علقمة على معنى أن الأكثر كذلك، وليس يصحب ذلك في كل القرآن، بل "قد" يكون في المدني ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ وفي المكي ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾. ولكن ما كان فيه ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو مدني، وما كان (فيه) ﴿يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ ولَيْسَ فِيه ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فهو مكي، وفي "النور" اختلاف. قوله ﴿غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ﴾ نصب على الحال من المضمر في ﴿أَوْفُواْ﴾ يراد به التقديم، وقيل: هو حال من الكاف والميم "في قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ﴾. وقيل: من الكاف والميم" في ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ومعنى الآية الأولى - من هذه السورة - أن العقود: العهود التي (قد) كان عاهد بعضهم بعضاً بها في الجاهلية من النصرة والمؤازرة، أمروا في الإسلام أن يوفوا بها، قال ذلك ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي والثوري. وروي أن النبي عليه السلام قال: "أَوْفوا بِعَقْدِ الْجاهِلِيَّةِ وَلا تُحدِثوا عَقْداً في الإِسْلامِ وقال الكلبي: العقود هنا الفرائض وما أُحِلَّ لهم وما حرم عليهم. وقيل: هو كل شيء عقده الإنسان على نفسه: من حج أو يمين أو هبة أو عتق أو نكاح أو طلاق أو شبه ذلك. وكل طاعة ألزمها الإنسان نفسَه، فليس له أن يخرج منها حتى يُتِمَّها، وعليه القضاءُ إن قطعها من غير عذر. "و" قال ابن جريج: هي العهود التي أخذها الله على أهل الكتاب من العمل بما في التوراة والإنجيل في تصديق محمد، فهي لأهل الكتاب خاصة، وكان في كتاب رسول الله الذي بعثه إلى نجران: هذا بيانٌ من الله ورسولِه: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾ إلى ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾. وقال زيد بن أسلم: العقود - في هذه الآية - "سِتَّة": "عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع وعقد النكاح وعقد اليمين". (و) قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ﴾" الآية. "قال الحسن: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم". وقال قتادة والسدي والضحاك: بهيمة الأنعام: ﴿ٱلأَنْعَامِ﴾ كلُّها. وقال ابن عمر: بهيمة الأنعام: ما في بطونها. قال عطية: هو بمنزلة كبدها يؤكل، وسئل ابن عمر عنه يخرج ميتاً، فأجاز أكله، يريد بعد ذكاة أمه، (لقول النبي ﷺ: "ذَكاةُ الْجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ"). فأما إِن خَرجَ ميّتاً - والأم حية - فلا يؤكل أَلبتَّة، وقال ابن عباس مثل ذلك. وروي "عن" الضحاك أن بهيمة الأنعام الوحش مثل (الظباء والحمر) وشبهه. والأنعام - في اللغة - يشتمل على الإبل والبقر والغنم، وسميت الأنعام بهيمة، لأنها أُبْهِمَت عن التمييز. وقوله ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فإِنَّه حرام، وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ (وَٱلْدَّمُ)﴾ [المائدة: ٣] وما بعدها. وقيل: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ هو الخنزير. وقيل: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ هو الدم المسفوح، لأنه أحلها ثم حرّم دمها. ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾: الحُرم جمع حرام، "وحرام" بمعنى مُحرِم. وهذه الآية - على عدد المدني، من أول السورة إلى ﴿يُرِيدُ﴾ - فيها خمسة أحكام: - الأول قوله: ﴿أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ﴾. - والثاني قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ﴾. - والثالث قوله: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾. - والرابع قوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. - ودل على أن الصيد حلال لغير المحرم، فهو الحكم الخامس.

المائدة 5:2

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ الآية. * * قوله: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ مصدر أصله الفتح، و [لكن] من أسكن جعله اسماً. وقد توهم أبو عبيدة وأبو حاتم أن من أسكنه جعله مصدراً، فأنكراه على ذلك، وليس هو عند من أسكن مصدراً، بل هو اسم "ككسلان" و "غضبان". وقرأ يحيى بن وثاب ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بالضم. وهي عند الكسائي لغتان: "أَجرَم" و "جَرَم"، ولا يعرف البصريون "أجرم" إلا في الجنابة. ومن قرأ ﴿أَن صَدُّوكُمْ﴾ بالكسر، فالمعنى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم أن تعتدوا إن صدّوكم"، فالصد لم يكن بعد. وفي حرف ابن مسعود شاهد للكسر، لأنه قرأ (إِن يَصُدّوكُم)، ومثله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ﴾ [محمد: ٢٢]. ومن قرأ بالفتح، احتج أن الصد قد كان، وذلك أن الآية نزلت عام الفتح، سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست ، فالصدّ كان قبل الآية. وقيل: "إِنْ" بمعنى "إذْ"، فهو صَدٌّ قد كان، فالكسر أولى به، ويدل على الكسر قوله: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ [وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ] وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ ولا كذا ولا كذا، فهو أمر للمؤمنين ألا يعتدوا إنْ وقع صَدّ لهم، ولو كان الفتح الصواب لكان نَهْياً للمشركين ولم يقل ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، وقد جعل النحاس هذه الحجة حجة للفتح، وهو خطأ، إنما تكون حجة للكسر. ومعنى الآية: أن الله نهى المؤمنين أن يحلوا شعائره، وهي معالمه وحدوده التي جعلها علماً لطاعته في الحج. وقال عطاء: شعائر الله حرماته، حضهم على اجتناب سخطه واتباع طاعته. وقال السدِّي: شعائر الله حرَم الله. وقال ابن عباس: "شعائر الله مناسك الحج". وعن ابن عباس أيضاً: ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ نهاهم أن يرتكبوا ما نهى عنه المحرمَ أن يصيبه. وواحد الشعائر: شعيرة، وقيل: هي "فعيلة" بمعنى: "مُفعَلَة". قال أبو عبيدة: الشعائر الهدايا. قال الأصمعي: أشعرتها: أعلمتها. ابن قتيبة: الإشعار أن [يُجَلَّلَ] ويُقلَّد ويُطعَن في سنامه ليُعلَم بذلك أنه هدي، فنهى الله أن يستحلوه قبل أن يبلغ مَحِلَّه. وقيل: الشعائر العلامات بين الحِلِّ والحَرم، فنُهوا أن يجاوزوها غير مُحرِمين، وهو مشتق من قولهم "شَعر فُلانٌ بالأمرِ" إذا علم به. قال زيد [بن] أسلم: الشعائر ست: الصفا والمروة، والبدن، والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن. قال: والحرمات خمس: الكعبة الحرام، والبلد [الحرام]، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمُحرِم حتى يَحِلَّ. وقال الكلبي: كان عامة العرب لا يَعُدُّون الصفا والمروة من الشعائر، ولا يقفون في حجهم (عليهما، وكانت الحُمْسُ لا يرون عرفات من الشعائر ولا يقفون بها في حجهم)، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وغيرها. * * وقوله: ﴿وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ أي: لا تستحلوه بأن تقاتلوا فيه [أعداؤكم]، وهو مثل قوله: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وعنى بالشهر الحرام رَجَب مُضَر، كانت مضر تحرّم فيه القتال. وقيل: عنى به ذا القعدة. وقيل: إنهم كانوا يُحرّمونه مرة ويُحلّونه مرة، فنهوا عن تحليله. وقوله ﴿وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾: أما الهدي فهو ما أهداه المؤمن من بعير "أو بقرة" أو شاة إلى بيت الله، حرّم الله سبحانه أن يُغْصَب أهله عليه أو يمنعوا أن يبلغوه محلّه. وقوله ﴿ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ أي: لا تحلوا الهدايا المقلدات ولا غير المقلدات، فقوله ﴿ٱلْهُدَىٰ﴾ هو ما لم يقلد، وقوله ﴿ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ هو ما قلد منها. وقيل: القلائد هو ما كان المشركون يتقلدون به - إذا أرادوا الحج مُقبلين إلى مكة - من لحاء السَّمِرُ فإذا انصرف تقلد من الشَّعَر، فلا يعرض له أحد. وقيل: إنه كان يأخذ معه من شوك الحرم فلا يعرض له أحد. قال قتادة: كان الرجل - في الجاهلية - إذا خرج من بيته يريد الحج، تقلد من السَّمُر فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلا يعرض له أحد. وقال عطاء وغيره: كان الرجل إذا خرج من الحرم تقلد من لحاء شجر الحرم فيأمن، فأمر الله المؤمنين ألا [يحِلُّوا] من تقلد بذلك. وهو منسوخ، وكذلك قال السدي وابن زيد. وقيل: إنما نهى الله أن يُنزع شجر الحرم فيُتَقلّد به على ما كانت الجاهلية تصنع. فالتقدير على هذه الأقوال: ولا أصحاب القلائد. وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجاً أو معتمراً - وليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر أو وبر فَأمِن بها إلى مكة، وإذا خرج من مكة علق في عنقه من لحاء شجر مكة فيأمن بها إلى أهله. وقال الفراء: كانت عامة العرب لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما: فأنزل الله ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا تستحلوا ترك ذلك، ﴿وَلاَ ٱلْهَدْيَ﴾ أي: لا تعرضوا لهدي المشركين، ﴿وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ أي: لا تستحلوا من قلد بعيره، وكان أهل مكة يُقَلِّدون بلحاء الشجر، وسائر العرب يقلدون بالوبر، وقوله ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ أي: لا تستحلوا منع القاصدين للبيت الحرام. وقرأ الأعمش (ولا آمِّي البَيْتِ) بالإضافة. وقيل: المعنى: ولا تستحلوا منع قصد القاصدين البيت. و "هذه الآية [نزلت] في رجل من ربيعةَ يقال له الْحُطَم" بن هند - كافرٍ، أتى حاجاً، قد قلد هديه، فأراد أصحاب النبي ﷺ أن يخرجوا إليه فنزلت الآية، فنهاهم الله (عن) ذلك. قال ابن جريج: قدم الحُُطَمُ البكري على النبي عليه السلام فقال: إني داعِيةُ قومي وسَيِّدُ قومي، فأْعْرِض عَلَيَّ ما تقول، فقال له النبي: أدعوك إلى الله أن تعبده: لا تشرك به (شيئاً) وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال الحطم: في أمرك غِلظة، أَرجعُ إلى قومي فأذكر لهم ما ذكرتَ، فإن قبلوا أقبلتُ معهم، وإن أدبروا كنت معهم. قال له النبي: ارْجِعْ. فلما خرج قال: لقد دخل عليَّ بِوجهٍ كافرٍ وخرج عنّي بقفاً غادِرٍ، وما الرجل بمسلم. فَمَرّ على سَرْح لأهل المدينة، فانطلق به وقَدِم اليمامة وحضر الحج، فتجهز [خارجاً] - وكان عظيم التجارة - فاستأذن أصحابُ النبي أن يتلقّوه ويأخذوا ما معه ، فأنزل الله عز وجل ﴿لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ﴾ الآية. والحُطَم هذا هو القائل: ؎ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطم ∗∗∗ ليس براعي إبلٍ ولا غَنَم ؎ ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمٍ ∗∗∗ باتوا نِياماً وابنُ (هندٍ لَمْ) ينَمْ ؎ (بَاتَ يُقاسيها) غُلامٌ كالزَّلَم ∗∗∗ خَدَلَّجَ (السَّاقَيْن) مَمْسوحَ الْقَدَم وقيل: اسم الحُطم [ضُبَيْعَة] بن شرحبيل البكري، قال ذلك إذ ساق السرح وهرب به. وقال ابن زيد: جاء ناس يوم الفتح يَؤُمّون البيت بعمرة وهم مشركون، فقال المسلمون: نُغِيرُ عليهم، فنزل ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾. قال الشعبي: هذه الخمسة الأحكام منسوخة، كأنه يريد [أنها] نسختها ﴿[فَٱقْتُلُواْ] ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، قال الشعبي: ولم ينسخ من سورة المائدة غير هذه. وكذلك قال ابن عباس وقتادة في ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾: أمر ألا يمنع مشرك من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل. وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة. (و) قال قتادة: نسخ من المائدة ﴿وَلاۤ آمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾، نسخه آية القتل في "براءة". ومن قال: نزلت كلها في شأن الحطم، قال: هي منسوخة. ومن قال: الشعائر حدود الله ومعالمه، قال: هي محكمة. وأما (الشهر الحرام) فهو منسوخ أيضاً، لأن الجميع قد أجمعوا على أن الله تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها. (و) قوله ﴿وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ﴾ منسوخ، لأن المشرك لو تقلد بجميع شجر الحرم لم نؤمّنه الآن: إجماع من الأمة، فهو منسوخ. وقد قيل: إن المائدة لم ينسخ منها شيء، لأنها آخر ما نزل فيما ذكرت عائشة رضي الله عنها. وقد قال البراء: آخر سورة نزلت "براءة" وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ آخر النساء. * * وقوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ قال قتادة: هي للمشركين يلتمسون فضل الله ورضوانه عند أنفسهم وفيما يُصلح شأنهم في الدنيا خاصة. قال ابن عباس: يترضون الله بحجِّهم عند أنفسهم، وقال مجاهد: يبتغون الأجر والتجارة. وقيل: هي للمسلمين، فهي محكمة، لأن المشرك لا يبتغي رضوان الله وفضله بحجه. وكونها في المشركين أبين في أقوال المفسرين وأكثر. قوله ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ﴾ هذا إباحة (وليس بحَتْمٍ). قال عطاء بن (أبي رباح): [أربع رخصة وليس بعزيمة]: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُواْ﴾، ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. قوله ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ المعنى: لا يحملنّكم بغض قوم أن تعتدوا من أجل أن صدوكم عن المسجد الحرام، هذا على قراءة الفتح، ومن كسر فمعناه: إن فعلوا ذلك بكم فيما تستقبلون. والقوم - هنا - أهل مكة صدوا النبي عليه السلام ومن معه عن المسجد الحرام يوم الحديبية. وقيل: معنى ﴿"وَ"لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ لا يكسبنكم. وقوله ﴿أَن تَعْتَدُواْ﴾ قيل: إنها نزلت في النهي عن الطلب بِنُحول الجاهلية أمروا ألا يطالبوا بما (مضى من أجل أنهم صُدُّوا عن البيت، فيحملهم البغض [أن] يطالبوا بما) تَقدَّم في الجاهلية من قتل أو غيره. ثم أُمروا أن يتعاونوا على البر والتقوى، والبِرُّ: ما أُمِرْتَ به، والتقوى: ما نُهيتَ عنه: قاله ابن عباس. وقال سهل بن عبد الله: "البر: الإيمان، والتقوى: السنة". ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلإِثْمِ وَٱلْعُدْوَانِ﴾ ﴿ٱلإِثْمِ﴾: الكفر، ﴿وَٱلْعُدْوَانِ﴾: البدعة. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوه إنه شديد العقاب.

المائدة 5:3

قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ﴾ الآية. المعنى: أن الله تعالى حرم [أكَلَ كل] ما مات من الأنعام وغيرها قبل التذكية، وحرم الدم المسفوح ولحم الخنزير [مُذَكّى] أو غير [مُذَكّى] وحرم ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾ وهو (ما ذبح) للأصنام والأزلام وشبهها مما أريد به غير الله، ومما تُعُمِّدَ في وقت ذبحه تَركُ ذكر اسم الله عليه، وحرم ﴿ٱلْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تَخْتَنِقُ بحبل أو بين حجرين أو عودين - ونحو ذلك - فتموت قبل التذكية، وحرم ﴿وَٱلْمَوْقُوذَةُ﴾ وهي التي تموت من ضرب عصا أو حجر أو [غير] ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم ﴿وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ﴾ وهي التي تسقط من جبل أو في بئر ونحو ذلك فتموت قبل التذكية، وحرم ﴿ٱلنَّطِيحَةُ﴾ وهي التي تموت من نطح شاة أخرى لها، أو من نطحها لشاة أخرى، وكانوا يأكلون ذلك في الجاهلية من غير تذكية. واختلف في ﴿ٱلنَّطِيحَةُ﴾ فقيل: (هي) "فعيلة" (بمعنى "مفعولة" وقيل هي) بمعنى "فاعلة"، ولذلك ثبتت الهاء (فيها). وقال الفراء: إنما ثبتت الهاء، لأنه ليس قبلها مؤنث فتحذف الهاء لدلالة المؤنث على التأنيث، إنما تحذف إذا كان قبلها ما يدل على التأنيث. وحرم ﴿وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ﴾ وهو أن [يؤخذ] منه وقد أكل بعضها وليس مما علّم للصيد. وكان سبب ذكر هذه الأشياء أن العرب الجاهلية كانت تضرب الشاة بالعصا حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل ما لحقت من الشاة وغيرها في فم الأسد، وكانت تخنق الشاة بالحبل حتى تموت وتأكلها، وكانت تأكل جميع ما ذكر الله تحريمهُ، فأنبأنا الله بتحريمه، وهذه حجة من أجاز أكل جميع ذلك إذا ذكى وفيه حياة على أي: حال كان. قوله ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ اختلف العلماء في هذا الاستثناء: فأكثرهم على أنه مستثنى ذكر تحريمه، كأنه حرم علينا جميع ما ذكره إلا ما أدركنا ذكاته وفيه شيء من روح. وأكثر الفقهاء على أن ما أدرك من جميعه فذكيّ وتحركت رجله أو طرف بعينه أو علم أنه بقيت (فيه) حياة، فإنه يؤكل. ومنهم من يرى أن هذا الاستثناء إنما هو من التحريم، لاَ مِنَ المحرمات المذكورة، كأن تقديره: إلا ما أحله الله لكم بالتذكية، وهو مذهب أهل المدينة، فيكون المعنى: إلا ما ذكيتم مما ذكر مما تُرجى له الحياة لو ترك، لا ما ذكيتم مما لا ترجى (له) الحياة لو ترك، فكل ما أصيب من ذلك في مقتل، فلا تنفع فيه الذكاة وإن أدرك وفيه حياة، هذا مذهب مالك وأهل المدينة. ويدل على صحة هذا القول أن هذه الأشياء المذكورات بالتحريم لو كانت لا تحرم إلا بالموت قبل الذكاة، لكان قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ﴾ يغني عن ذكر ما بعده، ولا يكون لِذكرِ ما بعد الميتة فائدة. وقد قال المخالف: الفائدة في ذكر ما بعد الميتة وهو من الميتة ما تقدم ذكره من أن (أهل) الجاهلية كانت تخنق الشاة حتى تموت وتأكلها وتضرب الشاة حتى تموت وتأكلها، فأعيد ذكرها بعد الميتة لهذا السبب. وقد سئل مالك عن الشاة يخرّق بطنها وتدرك (و) فيها حياة، قال: لا أرى أن تذكى ولا تؤكل، وكذلك مذهبه في كل ما تيقن أنه لا يعيش مما نزل به: أنه لا يذكى ولا يؤكل إن ذكي وفيه بعض حياة. وأصل التذكية - في اللغة - التمام، يقال: "لفلانٍ ذَكاءٌ" أي: تمام الفهم، "وذَكَّيْتُ النار". أتْمَمْتُ إيقادَها. وقرأ الحسن: (السَّبْع) بالإسكان، وهي لغة أهل نجد. وأجاز مالك أكل ذبيحة السارق، ومنعه غيره. ولا يؤكل ما ذبحه المُحْرِم من صيد، لا يأكله هو ولا غيره عند مالك وغيره، بخلاف ما ذبح السارق. وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ﴾ مخصوص، لأن الدم الذي هو غير مسفوح - كالكبد وما أشبهه - حلال، وأحل النبي ﷺ أكل الحيتان والجراد والميتة، فالدم خصصه قوله في "الأنعام" ﴿أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والميتة خصصتها السنة. وقوله ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ حرم الله ما ذبح ليقرب إلى الأصنام، وقيل: النصب حجارة يذبح عليها أهل الجاهلية ويعبدونها. قوله ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِٱلأَزْلاَمِ﴾: أي وحرم ذلك عليكم، وهو أن أحدهم (كان) إذا أراد سفراً أو غزواً أجال القداح - وهي الأزلام - وكانت مكتوباً على بعضها "نهاني ربي"، وعلى بعضها، "أمرني ربي"، فإذا خرج القدح الذي عليه النهي لم يسافر، وإذا خرج الذي عليه الأمر سافر. وقيل: الأزلام حصىً بيض كانوا يضربون بها. وقيل: الأزلام كعاب فارس كانوا يتقامرون بها. وقيل: هي الشطرنج. * * ومعنى ﴿تَسْتَقْسِمُواْ﴾ تستدعوا القِسْمَ، كما تقول: استسقى إذا استدعى السقي، والاستقسام من القِسْم، كأنهم يطلبون بها النصيب من سفرٍ أو بركة على ما يريدون. وقال ابن إسحاق: كانت هبل أعظم صنماً لقريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة يروى أن إبراهيم وإسماعيل حفراها ليكون فيها ما يهدى إلى الكعبة من حلي وغيره، وكانت عند هبل سبعة أقداح، كل قدح منها فيه كتاب: قدح فيه "العقل" إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة، وقدح فيه "نعم"، إذا ضربوا به فخرج "نعم" عملوا به، وقدح فيه "لا" فإذا أرادوا أمراً فضربوا (به) فخرج ذلك القدح لم يفعلوا ذلك، وقدح فيه "منكم"، وقدح فيه "مُلصَق"، وقدح فيه "من غيركم"، وقدح فيه "المياه"، فإذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح - وفيها ذلك القدح - فإذا خرج عملوا به، وكانوا يستعملون ذلك في نكاحهم وجميع أمورهم، وكانوا إذا شكوا في نسب أحد [منهم] ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها، ثم قرّبوا صاحبهم وقالوا: يا إلهنا، هذا فلان (بن فلان) أَخْرِجْ لنا الحق فيه، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب، فيضرب، فإن خرج عليه "منكم" كان من أوسطهم، (وإن خرج عليه "من غيركم" كان حليفاً)، وإن خرج [عليه] "ملصق" كان لا نسب له ولا حلف، وإن خرج "لا" أخّروه عامهم ذلك وأتوا به عاماً آخر: أحكاماً لم يأمر (الله بها) ولا رضيها. قوله ﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ الآية، المعنى: الآن يئس الكفار منكم أن تتركوا دينكم وترتدوا إلى دينهم، وذلك اليوم (يوم) عرفة، عام حج النبي عليه السلام حجة الوداع، بعد دخول العرب في الإسلام. وقيل: ذلك يوم جمعة، نظر النبي ﷺ إلى الناس فلم ير إلا موحداً فحمد الله على ذلك، فنزلت الآية. وقيل: المعنى: الآن، والعرب تقول: "أَنَا الْيَوْمَ قَد كَبِرْتُ عن هذا" أي: الآن. وقال الحسن: يئسوا أن تستحلوا في دينكم ما استحلوا في دينهم. ﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ﴾ أي: لا تخافوهم أن يقهروكم فيردوكم عن دينكم، وخافون أي: إن خالفتم أمري. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. فهذا يقوي قول من (قال): "لا منسوخ فيها"، وهو قول الحسن وغيره، وليس عليه العمل، بل فيها ناسخ ومنسوخ عند أكثر العلماء. قوله ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أي: أتْممتُ فرائضي عليكم وحدودي، ونزل ذلك يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يعش النبي عليه السلام - بعد نزول هذه الآية - إلا إحدى وثمانين ليلة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولما نزلت هذه الآية بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: ما يُبْكِيكَ؟ فقال: كُنَّا في زيادةٍ من ديننا، فَأَمَّا إِذا كَمُلَ، فإنه لم يكمل شيء إلا نقص. فقال له النبي ﷺ: صَدَقْتَ قال عمر: نزلت يوم جمعة يوم عرفة. وقيل: معنى كمال الدين: أنه منع أن يحج مشرك وكمل الحج للمسلمين ونُفِيَ المشركون من البيت الحرام والحج، قال ذلك قتادة وابن جبير وغيرهما. وقيل: المعنى: اليوم أظهرت دينكم على سائر الأديان وأهلكت عدوكم. وذكر بعض العلماء أن في المائدة (ثمان عشرة) فريضة ليست في غيرها (وهي): تحريم الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، والاستقسام بالأزلام، وتحليل طعام أهل الكتاب، وتحليل المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، والجوارح مكلِّبين، وتمام الطهور: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وحكم السارق والسارقة، ونفي (فرض) البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وهي آخر سورة نزلت. واختيار الطبري أن يكون المعنى أن الله أعلم نبيه أنه أكمل لهم دينهم بانفرادهم بالبلد الحرام وإجلائه عنه المشركين حتى حج المسلمون، لا مشرك يخالطهم، فأما إكماله بتمام الفرائض فيعارضه ما روى البراء بن عازب أن آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] الآية، (و) أيضاً فإن قول من قال: "نزل بعد ذلك فرائض"، أولى من قول من قال: "لم ينزل"، لأن الذي نفى يخبر أنه لا علم عنده، والنفي لا يكون شهادة مع خبر الصادق بالإيجاب. وقوله ﴿[وَ] أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ هو منع المشركين الحرام وانفراد المسلمين به. (وقوله) ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإِسْلٰمَ دِيناً﴾ أي: رضيت لكم أن تستسلموا لأمري وطاعتي، ﴿دِيناً﴾: ولم يزل تعالى راضياً به لهم، ولكن لما تَمَّ وكمُل ذكر الرضى به. وقيل: إن هذه الآية نزلت بالمدينة يوم الاثنين. وقوله ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: من أصابه ضرّ في مجاعة، فالميتة حلال له. والمخمصة: من خَمَصِ البطن، وهو ضموره من الجوع، وذكر بعضهم أنه مصدر من: "خَمَصَهُ الجوع" وقيل: هو اسم للمصدر. * * ومعنى ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ أي: غير مائل ولا متحرف إلى أكلها يريد به التعمد - من غير ضرورة - (واتباع الشهوة) وقيل: معناه: غير مُتَعَمّدٍ لاكتساب الإثم بأكله من غير ضرورة، يقال: "جنف القوم"، إذا مالوا وكل أعرج فهو أجنف. قوله ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: له، وفي الكلام حذف، والمعنى غير متجانف لإثم فأكله. [والمعنى]: فإن الله يسترُ له عن أكله ويرحمه، ومن رحمته أنه أباح له ما حرم عليه عند الضرورة. قال الحسن والنخعي والشعبي: إنما يأكل المضطر من الميتة قدر ما يقيمه. وقال عطاء: يأكل منها قدر ما يرد نفسه، ولا يشبع. وقال مسروق: من اضطر إلى الميتة فتحرّج أن يأكل منها حتى مات، دخل النار. قال مسروق: (و) ليس في الخمر رخصة، إذا اضطر إليها [مضطر] لأنَّها لا تروي. ولا يحل أكل الميتة لمضطر خرج لفساد الطرق وقطعها، قاله مجاهد.

المائدة 5:4

قوله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآية. المعنى: أنهم سألوا النبي ﷺ ما الذي أحل الله لهم، فقال الله له ﴿[قُلْ] أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ﴾ وهو الحلال الذي أذن فيه من الذبائح، وأعلمهم أنه أحل لهم (مع ذلك) أكل صيد ما علموا من الجوارح، وهي سباع البهائم والطير، سميت "جوارح" (لكسبها لأربابها) أقواتهم، فالجوارح: الكواسب، (و) واحدها: جارحة يقال: جرح فلان أهله خيراً"، إذا أكسبهم خيراً، و"فلان جارحة أهله" أي: كاسبهم، و"لا جارح لفلان" أي: ليس له كاسب، و"فلان يجترح" أي: يكتسب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] أي: اكتسبوها، ومنه قوله تعالى ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: ما اكْتَسَبْتُمْ. وفي الكلام حذف، والتقدير: قل أحل لكم الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح. وكان النبي قد أمر بقتل الكلاب، فسألوا عما يحل اتخاذه منها وصيده، فنزل ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ﴾ فعلم أنه مباح اكتساب كلاب الصيد سلوقية أو غير سلوقية. * * ومعنى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾: أصحاب كلاب، قال مجاهد: الفهد من الجوارح، وكلهم على أن الصقر والبازي من الجوارح، وكذلك العقاب. والجوارح هي المعلَّمة من هذه الأنواع، إذا دعيت أجابت وإذا زجرت أطاعت، فكل من أرسل منها شيئاً فسمى الله عز وجل فأصابت صيداً أكل، وإن قتلته فهو حلال، غير أن الضحاك قال: الجوارح: الكلاب المعلّمة دون غيرها لقوله ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، وقد روي أن النبي ﷺ سئل عن صيد البازي، فقال: "ما أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُل" وما صاد غير المعلَّم لا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته وهو حي صحيح، لم يحدث فيه ما إن ترك لم يعش. وإذا أكل الكلب المعلم من الصيد، أكل باقيه عند مالك. * * ومعنى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أصحاب كلاب، ويقال: أكلب الرجل، إذا كثرت عنده الكلاب، فهو مُكْلِب. وقد قرأ ابن مسعود (مُكْلِبين) بإسكان الكاف، يريد كثرة كلابهم، وقيل معنى ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معلّمين محرّشين. وقوله ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: تؤدبوهنّ من التأديب الذي أدبكم الله به والعلم الذي علمكم، وهو الطاعة إذا زُجر والأخذ إذا أُمر. قال ابن عباس: التعليم: أن يمسك الصيد فلا يأكل حتى يأتيه صاحبه فيدرك ذكاته، فإن أكل من صيده قبل أن يأتيه فلا يؤكل، وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وقتادة وعطاء وعكرمة والشافعي، وروي عن أبي هريرة. وقال ابن عمر: يؤكل وإن أكل وبه قال (مالك وجماعة معه). ومن أرسل كلباً غير معلم فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ إلا أن يُدْرِكَ ذكاته فإن أرسل معلماً فأخذ ولحقه قبل أن يموت - فاشتغل عن تذكيته حتى مات - فلا يؤكل، لأنه أدركه حيّاً وفرَّط في تذكيته، فإن (كان) أدركه (حيّاً) وقد أنفذ الكلب - أو البازي - مقاتله فلم يذكه حتى مات، أكل، لأن الذكاة ليست بشيء إذ هو ميت لا محالة لو ترك. فإن أرسل المُعَلَّم فوجد معه كلباً آخر - معلَّما أو غير معلَّم - فلا يؤكل، لأنه لا يدري لعل الآخر قتله وهو لم يرسله ولا سمى الله عليه، كذلك قال مالك والشافعي وغيرهما، وقال الأوزاعي: إن كان الثاني معلَّما أكل، وإن كان غير معلّم لم يؤكل، وكذلك قياس البازي. فإن أرسله على صيد فأخذ غيره، فإن مالكاً يكره أكله، فإن أرسله في جماعة: فأيها أخذ أكل. ولا بأس عند مالك بلعاب الكلب الصائد يصيب ثوب الإنسان، وقال الشافعي: هو نجس. فإن انفلت المعلّم من يد صاحبه - ولم يرسله - فأخذ، فلا يؤكل ما أخذ عند مالك والشافعي، وقال عطاء والأوزاعي: يؤكل. ولا يؤكل صيد أهل الكتاب عند مالك، لأن الله تبارك اسْمُهُ قال ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وتؤكل ذبائحهم. وأجاز الشافعي وعطاء وغيرهما أكل ما صاد كلب الكتابي المعلم. وأما صيد المجوسي فأكثرهم منعه ولم يجز أكله، فأما صيد الكتابي والمجوسي للحيتان والجراد فهو حلال أكله عند أكثر العلماء، وكره مالك صيد المجوسي الجراد، ولم يكره الحيتان، فرق بين صيد البر والبحر، وكذلك قال النخعي. وكل ما أصاب المِعْراض يؤكل إذا كان بغير عَرْضه عند مالك والشافعي. فأما صيد البندقة فكرهه مالك والشافعي وغيرهما. ولم ير مالك رضي الله عنه بأساً بأكل الصيد يغيب عن عين صاحب الكلب إذا وجد فيه أثراً من كلبه، وكذلك السهم ما لم يبت عنه. ولم يجز ابن القاسم أكل الصيد إذا بات عن المرسل. وقال ابن الماجشون: إذا أنفذ سهمك - أو كلبك - مقتل الصيد فكله. وإن بات عنك، وإذا لم ينفذ مقتله فلا تأكل إذا بات عنك، لعل غير كلبك قتله، وقاله أشهب وأصبغ. وقوله ﴿[مِمَّآ] أَمْسَكْنَ﴾ من: للتبعيض. وقيل: هي زائدة. ومعنى التبعيض أنه يؤكل، لحمه حلال، ويترك دمه [وفَرْثه]، لأن الدم حرام. * * وقوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ "عَلَيْهِ"﴾ أي: حين الإرسال. وقيل: حين الأكل. ومن نسي فلا شيء عليه، فإن تركها عامداً لم [يؤكل] ما أخذ، كما لا يؤكل ما ذبح إذا ترك التسمية عامداً. * * قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه فيما أمركم به، وأن لا تأكلوا صيد غير معلم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ أي: لمن حاسبه، حافظ لجميع ما تعملون.

المائدة 5:5

قوله: ﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ﴾ الآية. الطيبات - هنا - الحلال من الذبائح. وقيل: هي كل ما تلذذ به من الحلال. ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أي: ذبائحهم، ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ (أي) ذبائحنا جائز (لنا) أن نطعمهم إياها، فتحليل ذلك هو لنا لا لهم، ومثله قوله ﴿وَلْيَسْأَلُواْ مَآ أَنفَقُواْ﴾ [الممتحنة: ١٠] أي: أعطوهم ما أنفقوا، فالأمر لنا لاَ لَهم، لأنهم ليسوا ممن يؤمن بالقرآن فيكون الأمر لهم. ومذهب الشعبي وعطاء وغيرهما أنه تؤكل ذبائحهم وإن سَمَّوا عليها غير اسم الله، وهذا عندهم ناسخ لقوله ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، ويروى ذلك عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت. ومن العلماء من قال: هذا استثناء وليس بناسخ لِما في الأنعام، تؤكل ذبائح أهل الكتاب وإن ذُكِر عليها اسم المسيح. ومذهب عائشة رضي الله عنها وعلي بن أبي طالب وابن عمر أنه لا تؤكل ذبيحة الكتابي [إذا] لم يسم عليها. و "كان" مالك يكره ذلك ولم يحرمه. وأما إن ذكر عليه اسم المسيح فلا تؤكل عند مالك. وكره مالك ذبائح أهل الكتاب لكنائسهم ولم يحرمه. فأما ذبيحة المجوسي فلا تؤكل. وذبيحة نصارى تغلب لا تؤكل. وقال ابن عباس: تؤكل ذبائحهم، وهم بمنزلة غيرهم، وقال بذلك غيره من الفقهاء. وقال علي بن أبي طالب: لا تؤكل ذبائحهم، وبه قال الشافعي: فأما الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ في المجوس: "سُنّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتابِ" فإنه غير متصل الإسناد، (و) أيضاً فإن الحديث إنما جرى على سبب الجزية لا غير، وقوله "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتابِ" يدل على أنهم ليسوا منهم. وقوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: أحل لكم الحرائر من المؤمنات والحرائر من الذين أوتوا الكتاب - نصرانية أو يهودية -، إذا أعطيتها صداقها وهو ﴿أُجُورَهُنَّ﴾. وقيل: المحصنات - هنا - العفائف من هؤلاء ومن هؤلاء، فأجاز قائل هذا نكاح الإماء من أهل الكتاب وتحريم غير العفائف من الجميع، قال ذلك مجاهد، وقاله سفيان والسدي. والحربية من أهل الكتاب - وغيرها سواء - جائز نكاحها. ومن قال: المحصنات العفائف، فالحربية - من الإماء والحرائر - جائز نكاحها عنده، ومذهب مالك وغيره أن إماء أهل الكتاب لا يجوز نكاحهن. وروي أن ثواب الرجل مع الزوجة المؤمنة أفضلُ من ثوابه مع الزوجة الكتابية، وروي أن الرجل إذا قبَّل زوجته المؤمنة، كتب له عشرون حسنة، وإذا جامعها كتب له عشرون ومائة حسنة، فإذا اغتسل منها، لم يمرّ الماء بشعرة من جسده إلا كتبت (له (عشر)) حسنات ومحي عنه عشر سيئات، وباهى الله به الملائكة فقال: انظُروا إلى عبدي قام في ليلة [قَرَّةٍ] يَغتَسِلُ من خَشْيَتي، ورَأَى أن ذلكَ (حقٌّ لي) عليه، اشهدوا يا ملائكتي أنّي قَد غَفرتُ لَه. وروي أن المرأة لا تضع شيئاً من بيت زوجها، تريد بذلك إصلاحه، ولا ترفعه إلا كتب لها عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا حملت ثم طلقت، فلها بكل طلقة كأنما أعتقت نسمة (من ولد إسماعيل) خير النسم، فإذا أرضعت كان لها بكل مصة عشر حسنات ومحي عنها عشر سيئات، فإذا أفطمته نادى منادٍ من السماء: أَيَّتُها المرأة قد غفر لك فاستأنفي العمل. وروي عن (ابن المسيب) والحسن أنهما كانا لا يريان بأساً بنكاح إِماء اليهود والنصارى. و(قد) قيل: عنى بذلك نساء أهل الذمة من أهل الكتاب خاصة، ونساء أهل الحرب حرام، روي ذلك عن ابن عباس. قوله ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي: أعِفّاء، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: غير مزانين، ﴿وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ﴾ أي: أَخِلاّءٌ على الزّنى، والخدن: الخليل للمرأة يزانيها. قوله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ﴾ أي: بما جاء به محمد ﷺ، وقيل: بالإيمان بالله عز وجل وبرسوله محمد ﷺ. وقيل: بالإيمان: بما نزل من الحرام والحلال والفرائض. ونزل ذلك في قوم تَحَرَّجوا نكاح [نساء] أهل الكتاب، فأنزل الله ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ﴾، أي من يردّ من أتى به محمد ﷺ. وقيل: الإيمان - هنا - التوحيد، وهو مثل قوله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومثل قوله ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية.

المائدة 5:6

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ﴾ الآية. قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾: من خفض. (فهو) عند الأخفش وأبي عبيدة على الجوار، والمعنى للغسل، شبه الأخفش بقولهم "هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ"، وهذا قول مردود، لأن الجوار لا يقاس عليه، إنما يسمع ما جاء منه ولا يقاس عليه. وأيضاً فإن الأرجل معها حرف العطف، ولا يكون الإتباع مع حرف العطف. وقيل: إنه إنما خفض لاشتراك الغسل والمسح في باب الوضوء، كما قال ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] فخفض وعطفه على الفاكهة التي يطاف بها، وهذا مما لا يطاف به، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التنعم بهما، وكما قال الشاعر: ؎ شرّابُ أَلْبَانٍ وتَمْرٍ وأَقطٍ فعطف التمر والأقط على ما يشرب، وليس يشربان، ولكن فعل ذلك لاشتراكهما في التغدي بهما، ومثله قوله: ؎ ورأيتُ زوجَكِ قد غدا ∗∗∗ مُتَقَلِّداً سيفاً ورُمحاً فعطف الرمح على السيف وليس الرمح مما يتقلد به، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في الحمل وفي أنهما سلاح، ومثله: ؎ عَلَفتُها تِبْناً وماءً بارداً فعطف الماء على التّبن وليس مما يوصف بالعلف، ولكن فعل ذلك لاشتراكهما في أنهما غذاء لها. ومثله قوله: ؎ وزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ والْعُيونا فعطف العيون على الحواجب وليست مما يُزَجَّجَ إنما تكحّل، ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في التزيّن بهما، فكذلك يحمل الغسل على المسح لاشتراكهما في باب الوضوء. وتقدير ما ذكرنا - عند النحويين - على حذف فعل فيه (كله) على قدر معانيه، كأنه قال [وأكّالِ تَمْرٍ]، (وحامِلاً رُمْحاً)، (وَسَقيْتُها ماءً)، (وكَحَّلنَ الْعُيُونَ) ونحو ذلك من التقدير. وقال علي بن سليمان تقديره: وأرجِلكم غسلاً. وقيل: المسح - في كلام العرب - يكون بمعنى الغسل يقال: تمسحت للصلاة أي: توضأت لها فاحتمل المسح للأرجل أن يكون بمعنى الغسل وبغير معنى الغسل، فبيّنت السنّة أن المسح للرؤوس بغير معنى الغسل، وأن المسح للأرجل بمعنى الغسل. وقال قوم من العلماء - منهم الشعبي -: من قرأ بالخفض [فقراءته] منسوخة بالسنة. واستدل من قال: أن معنى الخفض النصب، بقوله ﴿إِلَى ٱلْكَعْبَينِ﴾، فحدد كما حدد اليدين إلى المرفقين، ولما كانت اليدان مغسولتين بالإجماع وجب أن تكون الرجلان كذلك لاشتراكهما في التحديد. وقال ابن عباس: [قراءة] النصب ناسخة للمسح على الخفين وهو مذهب عائشة وأبي هريرة. قال ابن عباس: ما مسح رسول الله ﷺ على الخفين بعد نزول المائدة. وقد أجاز المسح على الخفين جماعة من الصحابة ورووه عن النبي عليه السلام أنه مسح بعد (نزول) المائدة، ومن أوجب شيئاً أولى بالقبول ممن نفى، وعليه جماعة الفقهاء، وهو قول علي وسعد وبلال و (عمرو بن) أمية وحذيفة وبريدة وغيرهم. وهذه الآية ناسخة لقوله: ﴿لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ﴾ [النساء: ٤٣]، وهو قول جماعة. وقيل: هي ناسخة لما كانوا عليه: روي أن النبي ﷺ كان إذا أحدث (لم يكلم أحداً) حتى يتوضأ فنسخ ذلك بالوضوء عند افتتاح الصلاة. وقيل: هي منسوخة، لأنها لو لم تنسخ لوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، فنسخها فعل النبي ﷺ وجمعه صلاتين وصلوات بوضوء واحد. وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: هي على الندب، نَدَبَ كُلَّ قائم إلى الصلاة إلى الوضوء وإن كان (على وضوء) وقيل: يجب على كل من قام إلى الصلاة الوضوء - وإن كان) متوضئاً - بظاهر الآية، وهذا قول خارج عن قول الجماعة، وهو قول عكرمة وابن سيرين. وروي أن علياً رضي الله عنه كان يتوضأ لكل صلاة. وقال زيد بن أسلم وأهل المدينة: الآية مخصوصة فيمن قام من النوم. وقيل: الآية مخصوصة يراد بها من كان على غير طهارة، وهو قول الشافعي، قال: المعنى: إذا قمتم - وقد أحدثتم - فافعلوا كذا. * * ومعنى ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾، إذا أردتم القيام، كقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا أردت [قراءة] القرآن. وقوله ﴿وَٱمْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾: الباء للتوكيد لا للتعدية، والمعنى: (و) امسحوا رؤوسكم، ولا يجزئ مسح بعض الرأس لأجل دخول الباء، كما لا يجزئ مسح بعض الوجه في التيمم لدخول الباء في قوله: ﴿فَٱمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا إجماع، فالرأس مثله. * * وقوله: ﴿إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾: روى أشهب عن مالك أنه قال: الغسل إليهما ولا يدخلان في الغسل، وروى غير أشهب عنه أن غسلهما واجب مثل الكعبين اللذين أجمع على غسلهما، وهو قول عطاء والشافعي. وأصل (إلى) - في اللغة - الانتهاء، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فالليل آخر الصوم غير داخل في الصوم، وكذلك المرفقان غير داخليْن في الوضوء. ومَن أدخل المرفقين في الغسل، فإنما هو على أن يجعل "إلى" بمعنى "مع" كما قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أي: "مع"، وكما قال: ﴿مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، الصف: ١٤] أي: مع الله، هذا قول بعض أهل اللغة. ومنع ذلك المبرد وغيره من النحويين لأن اليد - عند العرب - حدها إلى الكتف فلو كانت "إلى" بمعنى "مع" وجب غسل اليد كلها إلى الكتف، لأنه آخرها، و"إلى" عنده على بابها، قال المبرد: إذا كان ما بعد "إلى" مِمّا قبلها، فما بعدها داخل فيما قبلها كآية (الوضوء)، وإذا كان بعدها مخالفاً لما قبلها، فالثاني غير داخل فيما دخل فيه الأول، كقوله ﴿إِلَى ٱلَّليْلِ﴾، فلو قلت "بِعتُ هذا الفدّان إلى هذه الدّار"، لم تدخل الدّار في البيع، لأن الدار مخالفة للفدان، ولو قلت "بعتُ هذا الثّوب من هذا الطرف إلى هذا الطرف"، دخل الطرف الثاني في البيع، كذلك لمّا كانت المرفقان من جنس اليد، دخلتا في الغسل مع اليد، فإذا كان الحد من جنس المحدود دخل معه، وإذا كان من غير جنسه لم يدخل معه، هذا التفسير قول المبرد، وهو حسن جيد، ولذلك يقول الموثقون: "اشترى الدّار بحدودها"، فالحدود داخلة في البيع. (وكان الطبري يقول): ليس غسلهما بواجب، فهو ندب من النبي ﷺ لقوله: أمتي الغر المُحَجَّلون من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غُرَّتَه فليفعل قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً﴾ أي: [ذوو] جنب، "وجُنُبٌ" مصدر لا يثنى ولا يجمع، كعدل ورضًى وصَوْم، يقال: قوم صَوْمٌ، ورجل صَوْمٌ، يقال: أجنب الرجل وجَنَب وجَنُب. (و) قوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىۤ﴾ أي: جرحى أو مجدورين وأنتم جنب، ﴿أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين وأنتم جنب. * * وقوله: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ قيل: اللمس: الجماع. (وقيل): هو المس دون الجماع، كالقبلة والمباشرة. ويسْأل من قال: هو الجماع، ما وجه تكريره وقد مضى حكم الجنب في قوله: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَٱطَّهَّرُواْ﴾؟ فالجواب: أن الأول بيَّن حكمه وأمره بالطهر إذا وجد الماء، ففَرَض عليه الاغتسال، ثم بيَّن - ثانيةً - حكمه إذا أعوزه الماء، فأعلَمه أن التيمم بالصعيد طهور حينئذ. والتيمم: القصد والتوخي إلى الشيء. * * قوله: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم (مِّنْ حَرَجٍ)﴾ أي: ضيق في فروضكم، ﴿وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أي: يطهركم بما فرض عليكم فَتَطَّهَّرونَ من الذنوب، وروى شهر بن حوشب عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: إنّ الوضوءَ يُكفِّر ما قبله، ثم تصير الصلاةُ نافلةً، قلت: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ قال: نعم، غير مرةٍ ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس وقال ابن جبير: معنى ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾: ليدخلكم الجنة، (أي) فإنها لم تتم نعمة الله على عبد حتى يدخله الجنة، ولن يدخله الجنة حتى يغفر له، كذلك قال لنبيه: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] فلم تتم النعمة إلا بعد المغفرة، وهو قول زيد بن أسلم ذكر جميع ذلك ابن وهب وغيره.

المائدة 5:7

قوله: ﴿وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. * * قوله: ﴿بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾: قال الأخفش والفراء وابن كيسان: الوقف بالتاء على (ذات) وهو خط المصحف، لأن التاء كأنها متوسطة. ومذهب الكسائي والجرمي أن تقف بالهاء، وهو اختيار أبي غانم، لأن هذا تأنيث الأسماء. ومعنى الآية أن الله تعالى ذكرهم بنعمته أن هداهم لما فيه النجاة لهم. * * ومعنى ﴿وَمِيثَاقَهُ﴾ هو ما بايعوا عليه النبي عليه السلام من السمع والطاعة فيما (أحبوا) وكرهوا والعمل بكل ما أمرهم به، قال ذلك ابن عباس وغيره وقال مجاهد: الميثاق - هنا - ما أخذه الله عز وجل على عباده إذ أخرجهم من صلب آدم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فأقروا بأن الله ربهم، وصار ذلك ميثاقاً عليهم، فمن آمن بالله وأسلم فقد تمسك بالميثاق، ومن كفر فهو ممن نقض الميثاق. وقيل: هي بيعة الرضوان. * * قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: خافوا الله أن تُضمروا لرسوله ﷺ خلاف ما تبدون، فإنه يعلم ما في الصدور.

المائدة 5:8

قوله: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ﴾ الآية. المعنى: أن الله عز وجل حضّ المؤمنين أن يكونوا شهداء بالعدل في أوليائهم وأعدائهم. قوله ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ﴾ أي لا يَحمِلنَّكم بغض قوم على ألا تشهدوا بالحق وعلى ألا تعدلوا في حكمكم فيهم، والمعنى: لا يحملنكم بغض المشركين على ترك العدل. وهذه الآية نزلت حين هم اليهود بقتل النبي ﷺ. ثم أمرهم بالعدل فقال: ﴿ٱعْدِلُواْ﴾ أي: اعدلوا في الأعداء وغيرهم، فالعدل أقرب إلى التقوى، أي: إلى أن تكونوا من أهل التقوى لا مِنْ أهل الجور، وهو كناية عن العدل.

المائدة 5:9

قوله ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ الآية. يقال "وعدتُ الرجل" تريد: "وعدته خيراً"، و "أوعدته" تريد: "أوعدته شراً"، فإذا ذكرت الموعود قلت فيهما جميعاً "وعدته" و "أوعدته" فإذا لم تذكر الموعود قلت في الخير "وعدته"، وفي الشر "أوعدته"، هذا قول أكثر العلماء. وقوله ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هو على الحكاية، (لأنه لا يجوز في الكلام "وعدتُ لكَ درهماً"، وإنما جاء في القرآن على الحكاية)، كأن تقديره: قال الله جل ذكره: لِلَّذين آمنوا عندي جنات، ثم أمر النبي عليه السلام أن يخبرهم، ثم أخبر ما قال فحكاه، فقوله ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ يقوم مقام الموعود، وهو تفسير للوعد.

المائدة 5:10

قوله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ (بِآيَاتِنَآ)﴾ الآية. أي الذين جحدوا وحدانية الله ونقضوا ميثاقه وعهوده وكذبوا بآياته وجحدوا [أنبياءه]: (هم) أصحاب الجحيم.

المائدة 5:11

قوله: ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآية. معنى الآية: أن الله جل ذكره أمر نبيه ﷺ المؤمنين بالشكر على نعمه (إذ دفع) عنهم كيد اليهود عليهم اللعنة. وكان سبب نزول هذه الآية أن النبي عليه السلام أمّن رجلين مشركين من بني كلاب وأعطاهما سهمين من سهامه أماناً لهما، فلقيهما عمرو بن أمية الضَّمْري وهو مقبل من بئر معونة فقتلهما ولم يعلم أن معهما أماناً من النبي ﷺ، فلما قدم عمرو على النبي عليه السلام قال له: قَتَلْتَهُما (و) معهما أماني؟! قال: لم أعلم، فَوداهُما النبي عليه السلام ومضى إلى بني النضير من اليهود ومعه أبو بكر وعمر وعلي وعثمان رضي الله عنهم، يَسْتعينهم على دية الكلابِيَيْن اللّذَيْن قتلهما عمرو فلما قَرُبَ من مدينتهم، خرجوا إليه فتلقَّوه وقالوا: مرحباً بك يا أبا القاسم، ماذا جِئْتَ له؟، فقال: رجل من أصحابي أصاب رجلين من بني كلاب - معهما أمانٌ منّي - فقتلهما فَلَزِمَني دِيَتُهما، فأريد أن تُعينوني قالوا: نعم والحُبُّ لَك والكَرامةُ يا أبا القاسم، اقْعُد حتى نجمع لك، فقعد النبي ﷺ وأصحابه تحت الحصن، فلما خلا بنو النضير - بعضهم (إلى بعض) - قالوا: لن نجد محمداً أقربَ منه الآن، فَمَن رَجُلٌ يَظهَر على هذا الجدار فَيَطْرح عليه رحىً أو حجراً فيريحنا منه؟، فقال رجل منهم: أنا، وهو عمرو بن جحاش، فأتى جبريل النبي صلى الله عليهما فأعلمه الخبر، فقام وتبعه أصحابه، فأنزل الله جل ذكره ﴿يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وفي ذلك نزل ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ (إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ)﴾ [المائدة: ١٣]، فعند ذلك بعث (إليْهم النبيُّ) محمد بن مَسْلَمَة الأُوسي، وأمره أن يأمرهم بالرحيل والخروج من جواره، فلما أتاهم محمد بن مسلمة، تلقوه وسلموا عليه، فقال [لهم]: إني أُرسِلْتُ إليكم برسالة، ولَسْتُ أَبَلِّغكُمُوها حتّى أَسْأَلَكُم عن شيء قلتموه لي قبل اليوم، قالوا: (سَلْنا عمّا بدا لَكَ)، فقال لهم محمد بن مسلمة: أليس قد أتَيْتُكم سَنَة كذا وكذا فقلتم لي: يا ابن مَسلمةٍ، إن (شِئت هَدَيْناك وإن شئت غدّيناك)، فقلت: والله ما لي حاجة بهداكم، فقَرَّبْتُم إليّ طعاماً في صَحْفة جَزْع - كأني انظر: إليها -، فلما فَرَغْتُ من [غذائي]، قلتم لي: ما الذي أرغبك عن التوراة؟، فقلت: ما لي بها حَاجة، فقلتم كأنك تريد الحنيفية؟، فقلت: إيهاً والله أريدها، فقلتم لي: أما إنَّ صاحبها قد [رهنك] خروجه، وأشرتم نحو مكةَ وقلتم لي: ذلك الضّحوك القتّال يركب البعير ويَلبَس الشملة و [يجتزئ] بالكسوة، سيفه على عاتقه، (لتكونن - على يديه - في هذه البلاد) ملاحم وملاحم وملاحم، قالوا: قد قلنا لك ذلك، ولكن ليس هو هذا. قال: أشهد (أن لا) إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، هو - والله - هذا، وقد بعَثَني إليكم وقال: قد غدرتم مرةً ومرةً ومرةً، فارْتحِلوا من بَلَدي وارتحلوا من جواري، فقالوا: أخِّرنا عشرة أيام نتجهز ونخرج، ففعل، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبرَه، فَصَوَّبَ أمرَه، وأمرَ النّبي ﷺ بحراسة المدينة، فدبّ إليهم المنافقون وقالوا: لِمَ ترتحلون، وإنّما أنتم أهل الثمار والأموال، وقد نَزَل بكم محمد ولم تَنزِلوا به؟، فبعثوا إلى النبي ﷺ: اصْنَع ما أنت صانع فلسنا بمُرتَحلين، فكبّر النبي ﷺ ثلاث تكبيرات ثم قال: خابَتْ يَهودُ، لا تُصَلُّوا الظُّهرَ إلاّ عندهم، فغزاهم النبي ﷺ فصالحوه على ما حمل (الحافر والخُفَّ): الجمل بين رجلين، والحافر لرجل واحد، وَارْتَحَلوا. قال قتادة: هذه الآية نزلت على النبي عليه السلام وهو بنَخْل في الغزوة السابعة، أراد بنو ثعلبة أن يفتكوا بالنبي عليه السلام فأطلعه الله على ذلك. وقيل: النعمة التي أمر الله بالشكر عليها - هنا - هي أن اليهود كانت همت بقتل النبي ﷺ في طعام دَعَوْهُ إليه، فأعلم اللهُ نَبيَّه بما همُّوا به، فلم يأتهم. وقيل: هي ما أطلع الله نبيه من أمر المشركين إذ هموا أن يميلوا على المسلمين - وهم في صلاتهم - ميلة واحدة، وذلك يوم بطن [نخل]، فعلَّم الله نبيَّه صلاة الخوف والحذر منهم، وهي الغزوة السابعة. وقيل: هي ما فعل الأعرابي، وذلك أن النبي ﷺ كان مستظلاً تحت شجرة - وأصحابه متفرقون - إذ جاء أعرابي إلى سلاح رسول الله ﷺ - وهو معلق في شجرة - فأخذ السيف وسله، ثم أقبل على النبي ﷺ فقال: مَن يمنعك مني؟، قال: الله، قال الأعرابي - مرتين أو ثلاثاً -: من يمنعك مني؟، والنبي ﷺ يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبيّ ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه، قال قتادة: كان قوم أرادوا أن يفتكوا برسول الله عليه السلام، فأرسلوا هذا الأعرابي. وقيل: هم قريش بعثت رجلاً ليفتك برسول الله، فأتى وسَلَّ سيف رسول الله ﷺ ثم قال: من يمنعك مني يا محمد؟، [قال: الله]، ثم رد السيف في غمده

المائدة 5:12

قوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ﴾ الآية. أخبر الله تعالى في هذه الآية بما كان من أسلاف هؤلاء الذين أرادوا كيد رسول الله ﷺ. (و) قوله: ﴿ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾: النقيب - في اللغة - كالأمين والكفيل والعريف. قال قتادة: جعل من كل سبط (رجلاً شاهداً) عليهم. والأسباط: نسل (اثني عشر ولداً) ليعقوب، (فنسل كل ولد ليعقوب) سبط، (فجعل من كل سبط) رجل أمين عليهم. قال السدي: أمر الله موسى وبني إسرائيل بالسير إلى بيت المقدس - وفيها جبارون - فلما (قَرُبوا) بعث موسى اثني عشر نقيباً من جميع أسباط بني إسرائيل ليأتوه بخبر الجبارين، فلقيهم رجل من الجبارين - يقال له عاج - فأخذ (الإثني عشر) فجعلهم في حُجْزَته، وعلى رأسه حملة حطب، فانطلق بهم إلى امرأته (وقال): انظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يقاتلوننا، فطرحهم بين يديها وقال: (ألا أطْحَنهُم) برجلي، فقالت له امرأته: لا بلْ خلِّ عنهم حتى يُخبروا قومَهم بما قد رَأوا، ففعل ذلك، فقال بعضهم لبعض: يا قوم إنكم إن أخبَرْتُم بني إسرائيل خبر القوم، ارتدوا عن نبي الله، ولكن اكتموه وأخبروه [نَبِييَ] الله فيكونان هما يَرَيان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك ثم رجعوا، فنكث عشرة منهم العهد، فجعل الرجل يخبر أخاه وأباه بما رأى من عاج، وكتم رجلان منهم، فأتوا موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم فأخبروهما الخبر. وقال مجاهد: أرسل موسى النقباء - من كل سبط رجلاً - إلى الجبارين، فوجدوهم يدخل في كمّ أحدهم اثنان منهم، ولا يَحمِل عنقود عنبِهم إلا خمسةُ أنفس، ويدخل في شطر [الرمانة] - إذا نُزِع حَبُّها - خمسة أنفس، فرجع النقباء، كلهم ينهى سبطه عن قتالهم إلا يوشع بن نون وآخر معه فإنهما أمرا بقتالهم، فعصوا وأطاعوا أمر الآخرين، فعند ذلك قالوا: ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. قال ابن عباس: جاء النقباء بحبة من فاكهتهم يحملها رجل، فقالوا: اقْدُروا قوة قوم هذه فاكهتهُم. ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ أي: "ناصركم على عدوكم"، قيل: هو للنقباء. وقيل لجميعهم. (ومعنى) ﴿(وَ) عَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أي: نصرتموهم. وقيل معناه [وَقَّرْتُموهم] بالطاعة (لهم). وأصل التعزير المنع. * * ومعنى ﴿وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي: "أنفقتم في سبيل الله". * * وقوله: ﴿قَرْضاً﴾ خرج مصدراً على "قرض"، كما قال ﴿نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] وقبله ﴿أَنبَتَكُمْ﴾ [نوح: ١٧]. وقوله تعالى ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ﴾ وما بعده: تفسير لأخذ الميثاق كيف هو وما هو. * * وقوله: ﴿وَبَعَثْنَا مِنهُمُ﴾ إلى قوله ﴿مَعَكُمْ﴾: اعتراض بين الميثاق وتفسيره، غير داخل في الميثاق الذي نقضه بنو إسرائيل دون النقباء، لأن الله تعالى قال للنقباء: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ﴾، ومن كان الله معه لم ينقض ميثاقه.

المائدة 5:13

قوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ﴾ الآية. (ما) زائدة مؤكدة للقصة، أو نكرة. و ﴿نَقْضِهِم﴾ بدل منها. و ﴿قَاسِيَةً﴾ و (قسِيّة) لغتان، كعالم وعليم، ويؤيد قراءة ﴿قَٰسِيَةً﴾ قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢]. ويؤيد قَرَأَةَ (قسية) أن "فعيلاً" أبلغ - في المدح والذم - من "فاعل"، فعليم أبلغ من عالم، وسميع أبلغ من سامع، فالمعنى: من أجل نقضهم للميثاق - للذي أخذ عليهم - لعنهم الله، أي: أبعدهم من رحمته، وجعل (الله) قلوبهم قسية، أي: غليظة [نابية] عن الإيمان والتوفيق بطاعة الله. والقاسية والعاتية: واحد. * * وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ أخبر الله عز وجل عن فعلهم أنهم يبدلون ما في التوراة ويكتبون بأيديهم غير الذي أنزله الله، ويقولون لجهالهم: هذا كلام الله. وهذا من صفة القرون (التي) كانت بعد موسى من اليهود، ومنهم من أدرك عصر نبينا، فأخبره الله عنهم بما [يعملون]، وأدخلهم في ذكر ما كانوا قبلهم إذ كانوا من أبنائهم وعلى منهاجهم. وقيل: معنى ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ يتأولونه على غير تأويله. وقيل: معنى ﴿[وَجَعَلْنَا] قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةً﴾: (أي وصفناهم بهذا). وقوله: "﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ أي: تركوا نصيباً مما أُمِرُوا بِهِ". قال الحسن: تركوا عُرى دينهم، أي: تركوا (الأخذ والعمل) بالتوراة. * * وقوله: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ﴾ أي: لا تزال يا محمد تطلع من اليهود - الذين نقضوا الميثاق - على خيانة ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ﴾، والخائنة، الخيانة، وضع الاسم موضع المصدر، كقولهم "خاطئة" في موضع "خطيئة" و "قائلة" في "قيلولة". وقيل: (التقدير): على فرقة خائنة. وقيل على رجل خائنة، كما يقال: رجل راوية، يريد: لا تزال يا محمد تطلع على مثل الذين هموا بقتلك. وقيل: المعنى على نسمة خائنة منهم. ويجوز أن يكون التقدير: على فرقةٍ خائنة، أو: على طائفة خائنة. وقيل: الهاء للمبالغة، وقيل: (المعنى): على خائن منهم. ﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ﴾: أمر النبي ﷺ بالعفو عن هؤلاء الذين أرادوا قتله من اليهود. وقال قتادة: هي منسوخة بآية القتال في "براءة". وقيل: هي منسوخة بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقيل: المعنى: فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم ذمة وعهد.

المائدة 5:14

قوله ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ الآية. هذا في الإعراب كقولك "من زيد أخذت درهمه" وهو حسن، ولو قلت: "درهمه من زيد ("أخذت"، و "ميثاقهم من الذين قالوا إنا نصارى أخذنا"، و "أخذت درهمه من زيد")، و "(ألْيَنَهَا لبِست من الثياب)"، لم يجز [لتقدم] المضمر على المظهر. ومعنى الآية: أن الله تعالى أعلمنا أنه أخذ أيضاً من النصارى ميثاقهم، فسلكوا مسلك اليهود، فبدلوا ونقضوا وتركوا حظهم الذي ذكّروا به من الإنجيل مثل اليهود. * * وقوله: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ﴾ أي: حرضنا وألقينا. وهي الأهواء المختلفة والتباغض والخصومات في الدين التي بين اليهود والنصارى. وقيل: بين النصارى بعضهم مع بعض، وبين اليهود بعضهم مع بعض. والهاء والميم في ﴿بَيْنَهُمُ﴾ تعود على اليهود والنصارى. وقيل: على النصارى، لأنهم قد افترقوا فرقاً منهم: النسطورية واليعقوبية و [الملكانية] وغير ذلك، فالعداوة بين بعضهم مع بعض.

المائدة 5:15

قوله ﴿يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً﴾ الآية. المعنى: أن الله عز وجل أعلم أهل الكتاب أنه أرسل إليهم محمداً ﷺ يبين لهم كثيراً مما أخفوا من الكتاب - وهو التوراة والإنجيل -، وكان ذلك من أدل ما يكون على نبوة محمد ﷺ إذ أعلم الناس بما فعل أهل الكتاب، فمما بينه: رجم الزانيين المحصنين - وقد أخفوه وغيروه -، وقتل النفس بالنفس وغيره. وقال [القرظي]: أول ما نزل على النبي ﷺ من القرآن - حين قدم المدينة - هاتان الآيتان وكانت اليهود بها يومئذ، ثم نزلت السورة كلها جملة (واحدة) عليه بعرفات. * * ومعنى ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي: (و) يترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم، فلا يأمركم بالعمل به، إلا أن يأمره الله بذلك. وقيل: هو ما جاؤهم به رسول الله ﷺ من تخفيف ما كان الله شدده عليهم وتحليل ما كان حرم عليهم. قوله ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ إلى ﴿صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. والمعنى: يا أهل التوراة والإنجيل ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ﴾ وهو محمد ﷺ. هو نور لمن استنار به، ﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ هو القرآن. [وقيل: النور: التوراة، والكتاب المبين: القرآن]. ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ أي: بالكتاب، ﴿مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: يهدي الله بالكتاب ﴿سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ﴾ من اتَّبع رضى الله عز وجل في قبول ما أتاه من ربه. و [﴿ٱلسَّلاَمِ﴾] هنا: اسم الله جلت عظمته، أي: سبل الله. وقيل [السلام] - هنا - السلامة، أي: طرق السلامة، والرضى من الله القبول للعبد. وقيل: هو خلاف السخط. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ﴾ أي: من الكفر ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: إلى الإسلام، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره، أي: [بأمر] الله له بذلك.

المائدة 5:16

قوله ﴿يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً﴾ الآية. المعنى: أن الله عز وجل أعلم أهل الكتاب أنه أرسل إليهم محمداً ﷺ يبين لهم كثيراً مما أخفوا من الكتاب - وهو التوراة والإنجيل -، وكان ذلك من أدل ما يكون على نبوة محمد ﷺ إذ أعلم الناس بما فعل أهل الكتاب، فمما بينه: رجم الزانيين المحصنين - وقد أخفوه وغيروه -، وقتل النفس بالنفس وغيره. وقال [القرظي]: أول ما نزل على النبي ﷺ من القرآن - حين قدم المدينة - هاتان الآيتان وكانت اليهود بها يومئذ، ثم نزلت السورة كلها جملة (واحدة) عليه بعرفات. * * ومعنى ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ أي: (و) يترك أخذكم بكثير مما كنتم تخفون من كتابكم، فلا يأمركم بالعمل به، إلا أن يأمره الله بذلك. وقيل: هو ما جاؤهم به رسول الله ﷺ من تخفيف ما كان الله شدده عليهم وتحليل ما كان حرم عليهم. قوله ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ إلى ﴿صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. والمعنى: يا أهل التوراة والإنجيل ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ﴾ وهو محمد ﷺ. هو نور لمن استنار به، ﴿وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ هو القرآن. [وقيل: النور: التوراة، والكتاب المبين: القرآن]. ﴿يَهْدِي بِهِ﴾ أي: بالكتاب، ﴿مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ أي: يهدي الله بالكتاب ﴿سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ﴾ من اتَّبع رضى الله عز وجل في قبول ما أتاه من ربه. و [﴿ٱلسَّلاَمِ﴾] هنا: اسم الله جلت عظمته، أي: سبل الله. وقيل [السلام] - هنا - السلامة، أي: طرق السلامة، والرضى من الله القبول للعبد. وقيل: هو خلاف السخط. ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ﴾ أي: من الكفر ﴿إِلَى ٱلنُّورِ﴾ أي: إلى الإسلام، ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمره، أي: [بأمر] الله له بذلك.

المائدة 5:17

قوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ﴾ الآية. معنى الآية أنها ذمّ للنصارى في قولهم واحتجاج عليهم في قولهم. * * ومعنى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ﴾ أي: (من) يقدر ويطيق رد ما أراد الله عز وجل، فلو كان المسيح إِلهاً، لقدر على رد ما يأتيه من أمر الله سبحانه، وفي عجزه عن ذلك دليل على أنه ليس بإله، إذ الإله لا يكون عاجزاً مقهوراً تلحقه الآفات، فعيسى كسائر ولد آدم. قوله تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: تصريف ما فيهما وما بينهما، فهو يهلك من يشاء ويبقي من يشاء. (ووحّد) الأرض، لأنها تدل على النوع.

المائدة 5:18

قوله: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ﴾ الآية. معنى الآية أن قوماً من اليهود والنصارى كلمهم النبي ﷺ وخوّفهم فقالوا: ما تُخَوِفُنَا يا محمد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال الله لنبيه: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم (بِذُنُوبِكُم)﴾ إن كنتم كما زعمتم، وذلك أن اليهود قالت: ﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، فأقروا بالعذاب وادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه. ثم قال: قل لهم يا محمد ﴿بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: أنتم مثل سائر بني آدم، لا فضل لكم عليهم إلا بالطاعة. ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: يستر ذنوبه، وهم المؤمنون، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ أي: يميته على الضلالة فيعذبه. وقال السدي في معنى ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي: يهدي من يشاء في الدنيا فيغفر له، ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ (أي يميته على الضلالة) فيعذبه. ﴿وَ[للَّهِ] مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: تدبيرها وتدبير ما بينهما، وإليه مصيركم فيجازيكم بأعمالكم. وقوله ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم﴾ معناه: فلم عذّبكم بذنوبكم فمسخكم قردة وخنازير؟ وإنما احتج عليهم النبي ﷺ بما قد كان وعلم، ولم يحتجّ عليهم بما لم يقع بعد، لأنهم ينكرون ذلك ويدّعون أنهم لا يعذبون فيما يستقبلون، فالماضي [أولى] به وعليه المعنى.

المائدة 5:19

قوله ﴿يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ الآية. قوله ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا﴾: ﴿أَن﴾ في موضع نصب أي: [كَرَاهَةَ] أن تقولوا. وقال الفراء: المعنى: (لأن لا) تَقُولُوا. ومعنى الآية أنها مخاطبة لليهود الذين كانوا بين ظهرانيْ (مُهَاجَرِ النَّبِي) ﷺ، وذلك أنهم لما دعاهم النبي إلى الإيمان به وبما جاءهم به، قالوا: ما بعث الله من نبي بعد موسى، ولا أنزل كتاباً بعد التوراة. (و) قال ابن عباس: قال معاذ بن جبل وسعد بن عبادة وعقبة بن وهب لليهود: يا معشر اليهود، اتقوا الله، فوالله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، لقد كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه وتصفونه لنا بصفته، فأنكروا ما قالوا لهم، وقالوا: ما أنزل الله من كتاب بعد موسى ولا أرسل بشيراً ولا نذيراً بعده، فأنزل الله الآية. * * ومعنى ﴿عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾: على انقطاع من الرسل وسكون، وذلك أنه كانت الرسل بين موسى وعيسى متواترين. وقد اختلف في الفترة التي كانت بين محمد وعيسى عليه السلام: فقال قتادة: هي خمس مائة سنة وستون سنة. وقيل عنه: خمس مائة وأربعون، وقيل عنه: ست مائة وزيادة سنين. وقال الضحاك: هي أربع مائة سنة وبضع وثلاثون سنة. وقال ابن عباس: هي أربع مائة سنة فترة لا نَبِيَّ فيها، وكانت مائة سنة بعث الله فيها أربعة أنبياء، منهم ثلاثة رسل، وهم الذين ذكروا في "يس"، فبين ميلاد عيسى وميلاد محمد خمس مائة سنة. وقيل: هو ما جاءهم به رسول الله من تخفيف ما كان الله شدد عليهم وتحليل ما كان حرم عليهم. * * ومعنى ﴿أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ﴾ أي: أعذرنا إليكم برسول وكتاب كراهة أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير.

المائدة 5:20

قوله ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. روي عن ابن كثير أنه قرأ ﴿يَاقَوْمِ﴾ بالرفع على معنى: يا أيها القوم، رواه شبل بن عباد عنه. وهذه الآية إعلام من الله جل ذكره لنبيه ﷺ، فقديم فسق اليهود وغيهم، وإن موسى ﷺ ذكرهم بنعم الله تعالى عليهم، إذ أرسل (إليهم) الأنبياء يأتونهم بالوحي، وأنه حرضهم على الجهاد، وأن لا يرتدوا على أدبارهم في قتال الجبارين الذين أمرهم الله عز وجل بقتالهم. وقيل: الأنبياء - الذين جعلهم الله عز وجل فيهم - هم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم السبعون الذين ذكرهم الله في "الأعراف". ﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ أي: تُخْدَمُون، ولم يكن في ذلك الوقت من بني آدم من يُخْدَم سِواهم، قال قتادة: هم أول من سخر له الخدم. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: من كان له بيت وخادم فهو ملك وقيل: المعنى: جعلكم ذوي منازل لا يُدْخَلُ عليكم فيها إلا بإذن. وقيل: المعنى: (جَعلَكم تَملِكُون أمركم لا يغلبكم عليه غالب). (وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يذكر عن عبد ربه) بن سعيد أن معنى ﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾ هو أن يكون للرجل المسكن يأوي إليه والمرأة يتزوجها والخادم تخدمه، هو أحد الملوك. * * وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ﴾ الذي آتاهم هو المن والسلوى والبحر والحجر والغمام، قاله مجاهد. وقيل: هو الدار والخادم والزوجة. * * ومعنى ﴿مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ﴾ من عالَمي زمانكم. وقال ابن جبير: ﴿وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً﴾ هذه لأمة محمد ﷺ.

المائدة 5:21

قوله: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ الآية. قال ابن عباس: هي فلسطين والأردُنُّ (و) عنه وعن مجاهد: الأرض المقدسة: الطور وما حوله أمرهم موسى بدخولها عن أمر الله لهم. وقيل: هي الشام، قاله قتادة. وقيل: هي دمشق (و) فلسطين، (و) قال مقاتل: هي أريحا أرض الأردن. والمقدسة: المطهرة، وقيل: المباركة. * * وقوله: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: التي كتبها الله لبني إسرائيل، وقد سكنها بنو إسرائيل ولم يسكنها هؤلاء الذين خاطبهم موسى ﷺ لقوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يعن موسى ﷺ أن الله كتبها للذين خاطبهم، وإنما عنى أن الله تعالى كتبها لبني إسرائيل وقيل: معناه: التي وهب الله لكم وأعلم بها أباكم إبراهيم. وقال السدي: التي أمركم الله بدخولها. ﴿وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: امضوا لأمر الله في قتالهم ولا ترجعوا القَهْقَري، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ لِنكولكم عن قتال عدوكم الذي أمركم الله به.

المائدة 5:22

قوله: ﴿قَالُوا يَامُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ الآية. المعنى: أن الله تعالى ذكره أخبر عن (قول) قوم موسى له إذا أمرهم بدخول الأرض المقدسة، وأنهم قالوا: إن فيها قوماً جبارين لا طاقة لنَا بِهم. سموا "جبارين" لشدتهم وعظم خلقهم وقوتهم. وأصل الجبار: أن يكون المصلح أمر نفسه ومن يلزمه أمره، ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعاً بباطل أو حق، حتى قيل للمعتدي: جبار وقال بعض أهل اللغة: "الجبار - من الآدميين - (العاتي) الذي يَجبُر الناس على ما يريد". وقولهم ﴿لَن نَّدْخُلَهَا﴾ لم تدخل (لن) للعصيان منهم وللامتناع من أمر الله لهم، ولو كان كذلك لكفروا، إنما دخلت لتدل على امتناع الدخول للخوف من الجبارين ودل على ذلك قولهم ﴿فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾، ومن أسماء الله جل وعز: الجبار، لأنه المصلح أمر عباده. قال ابن عباس: لما قرب منهم موسى، بعث إليهم اثني عشر نقيباً ليأتوه بخبرهم، فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً (من) هيئتهم وأجسامهم فدخلوا حائطاً لبعضهم، فجاء صاحب الحائط يجتني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعها، فوجدهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة حتى التقط الإثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه، فقال الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، اذهبوا فأخبروا صاحبكم. فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم. وقال الضحاك: ﴿ٰ إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ قال: سفلة لاَ خَلاَقَ لهم". فعند ذلك قالوا لموسى ﴿(إِنَّا) لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.

المائدة 5:23

قوله: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ الآية. قرأ سعيد بن جبير ﴿ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على ما لم يسم فاعله، فأخبر الله تعالى نبيه بما قال رجلان صالحان من بني إسرائيل وهما يوشع بن نون وكلاب بن [يافنا] - وقيل: كالب، وقيل: اسمه كالوب بن مَافِنَة - فَوَفَيَّا موسى بما عهد إليهما. وقال ابن عباس: لما نزل موسى بمدينة الجبارين بعث من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً ليأتوا بخبره فصاروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه (فحملهم) حتى أتى بهم المدينة ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه [فقالوا]: من أنتم؟ فقالوا: نحن قوم موسى بَعَثنا إليكم لنأتيه بخبركم. فأعطوهم حبة عنب [بِوِقْرِ] الرجل: فقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدُروا قدر قوم هذه فاكهتهم، فلما أتوهم قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ وهما رجلان - كانا من أهل المدينة - أسلما واتبعا موسى وهارون فقالا لموسى ﴿ٱدْخُلُواْ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤاْ (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)﴾ الآية. قال الكلبي: كانوا [بجبال] أريحا من الأردن فَجُبِنَ القوم أن يدخلوها فأرسلوا جواسيسَهم - من كل سبط رجلاً - يأتوهم بخبر الأرض المقدسة فدخل الإثنا عشر فمكثوا بها [أربعين] ليلة ثم خرجوا، فصدق اثنان وكذب عشرة، فقالت العشرة: رأينا أرضاً تأكل أهلها ورأينا حصونا منيعة، ورأينا رجالاً جبابرة ينبغي لرجل منهم مائة منا، فجبنت بنو إسرائيل وقالوا: لا ندخلها حتى يخرجوا منها، فقال يوشع بن نون وكالوب وهما الرجلان [اللذان] أنعم الله عليهما بالإيمان -: نحن أعلم بالقوم من هؤلاء، إن القوم قد (مُلِئوا منّا) رعباً، ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا: يا موسى أَيُكَذِّبُ منا عشرة ويُصَدِّقُ اثنان؟ إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها. قال الله عند ذلك: فإنها محرمة عليهم أبداً، وهم مع ذلك يتيهون في الأرض أربعين سنة. فلم يدخلها أحد ممن كان مع موسى، هلكوا كلهم في التيه، إلا الرجلين فإنهما دخلاها، ودخلها (مع) موسى أبناء القوم الهالكين في التيه، وهذا على [قراءة] من قرأ: (يُخافون) بالضم. ومعنى ﴿أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: بطاعته واتباع نبيه. وقيل: أنعم الله عليهما بالخوف. وقال الضحاك: أنعم الله عليهما بالهدى، وكانا من مدينة الجبارين.

المائدة 5:24

قوله: ﴿قَالُواْ يَامُوسَىۤ إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَآ أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا﴾ الآية. (و) هذا أيضاً خبر من الله عن قول القوم لموسى، ومعنى (أبداً): أيام حياتنا ومقامهم. * * ومعنى ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ﴾ أي: وليعنك ربك، لأن الله لا يجوز عليه الذهاب وإنما الذي سألوه الذهاب موسى وهذا كله إعلام من الله نبيه محمداً ﷺ أن بني إسرائيل لم يزالوا يعصون الأنبياء وأن [الذين] بحضرتك أسوة في العصيان.

المائدة 5:25

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لاۤ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ الآية. المعنى: قال موسى - عند قولهم له ما حكى عنهم، ونكولهم عن قتال عدوهم -: ربِّ إِنّي لاَ أَمْلِكُ إِلا نَفْسي، وَأخي كذلك، أي: وأخي [أيضاً لا يملك] إلا نفسه. (وقيل: المعنى لا أملك إلا نفسي، ولا أملك إلا أخي، فيكون نسقاً على نفسي). فالأخ - على القول الأول - في موضع رفع، عطف على موضع ﴿إِنِّي﴾، وعلى الثاني في موضع نصب. ويجوز الرفع في الأخ من وجه آخر: وهو أن يكون معطوفاً على المضمر في ﴿أَمْلِكُ﴾، كأنه قال: إني لا أملك أنا وأخي إلا أنفسنا. ويجوز النصب على أن [يكون] نسقاً على الياء التي هي اسم (أنّ)، بمعنى قال: إني وأخي لا أملك إلا أنفسنا. ومعنى الآية: أنه خبر من الله عن موسى وما قال عندما قال له قومه. * * ومعنى ﴿فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا﴾ (أي فافصل بيننا) ﴿وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾ أي: افصل بيننا بقضاء منك تقضيه فينا وفيهم، يقال "فرقت بين الشيئين" بمعنى: فصلت بينهما، قال ابن عباس: اقض بيننا. وقيل: المعنى: اجعل الجنة دارنا ليكون بيننا وبينهم فرق. وأجاز أبو حاتم الوقف على ﴿إِلاَّ نَفْسِي﴾، قال: لأن المعنى: وأخي لا يملك إلا نفسه، وهذا قول مردود، لأن كل إنسان يملك نفسه فلا فائدة في الكلام على هذا، ولو كان موسى لا يملك أخاه، لم يكن في تخصيص ذكره فائدة، لأنه أيضاً لا يملك قومه، فهم بمنزلة الأخ على هذا القول. (وقد أنكر هذا القول) المبرد وغيره.

المائدة 5:26

قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ الآية. ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾، لأن موسى غضب عليهم لما قالوا، فدعا عليهم، فحرمها الله عليهم أبداً وألزمهم أن يتيهوا أربعين سنة عقوبة ولم يدخلوها. وقيل: وهو منصوب بـ ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾ وأنهم عوقبوا بأن حرمت عليهم أربعين سنة، و ﴿يَتِيهُونَ﴾، حال العامل فيه ﴿مُحَرَّمَةٌ﴾، ثم بعد الأربعين فَتَحَها لهم وأسكنهم إياها وكانوا يومئذ ست مائة ألف مقاتل، فلبثوا أربعين ﴿سَنَةً﴾ في ستة فراسخ جادين في السير، فإذا سئموا ونزلوا، فإذا هم في الدار التي منها ارتحلوا، فاشتكوا إلى موسى ما فُعِل بهم، فأنزل الله عز وجل عليهم المن والسلوى و (ظللهم بالغمام)، وانفجر لهم حجر أبيض عن اثنتي عشرة عيناً، لكل سبط منهم عين، فلما تمت الأربعون سنة أمرهم الله أن يأتوا المدينة، فقد كفوا أمر عدوهم، وقال لهم: إذا أتيتم المسجد فَأْتوا الباب واسجدوا وقولوا "حطة"، بمعنى: حط عنا ذنوبنا، فأتى عامة القوم وسجدوا على خدودهم وقالوا: حنطة. قال السدي: لما ضرب عليهم التيه، ندم موسى فمكثوا أربعين سنة، ثم إن موسى اجتمع بعاج، [فنزا] موسى في السماء عشرة أذرع، وكانت عصاه عشرة أذرع، وكان طوله عشرة أذرع، فأصاب كعب عاج فقتله، ولم يبق أحد ممن أبى (أن يدخل) قرية الجبارين - ممن كان مع موسى - إلاَّ مات ولم يشهد الفتح، وإنما كان معه أبناؤهم، ثم إن الله [نَبَّأ] يوشع بن نون وأمره بقتال الجبارين، فآمن به بنو إسرائيل، فهزموا الجبارين، قال: فكانت العصابة من بني إسرائيل تجتمع على عُنُقِ الرجل يضربونها لا يقطعونها. قال ابن عباس: كل من دخل التيه - ممن جاز العشرين سنة - مات في التيه، ومات موسى عليه السلام في التيه، ومات هارون قبله، وبرز يوشع [بمن بقي] معه مدينة الجبارين فافتتحها. قال قتادة: مات موسى في الأربعين سنة ولم يدخل بيت المقدس إلا أبناؤهم والرجلان اللذان قالا ما قالا. قال الطبري: ثبتت الأخبار أن موسى قتل عاج بن عناق وهو من أعظم الجبارين، وموسى ﷺ هو الذي افتتح مدينة الجبارين والرجلان على مقدمته. وروي أن طول عاج ثمان مائة ذراع، وأنه لما ضربه موسى بعصاه [في] الكعب [سقط] ميتاً، فكان جسراً للناس يمرون عليه. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي عليه السلام قال: كان طول موسى عشرة أذرع، وطول عصاه عشرة أذرع، ونزا موسى عشرة أذرع (فما نال من عوج إلا العِرق) - الذي تحت الكعب - فقتله بتلك الضربة. قال زيد: فبلغني أن جيفته سدَّت بطن وادي الأردن. قال نوف البكالي: كان طول عوج ثمان مائة ذراع، وعرضه أربع مائة ذراع. وقال وهب بن منبه: لما نظر عوج إلى عسكر موسى - وكانوا ستمائة (ألف مقاتل) ونيفاً - اقتلع من الجبل صخرة - على قدرهم من الأرض - فاحتملها رافعاً بها يديه ليرسلها على العسكر، فبعث الله عز وجل الهدهد - ومعه قطعة من ماسٍ - فأداره على الصخرة تلقاء رأسه، فما نزا موسى فأصاب عرق عوج، سقط موضع التقوير من الصخرة في عنق عوج فسقط ميتاً. * * وقوله: ﴿يَتِيهُونَ﴾ أي: يحارون. * * وقوله: ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ خطاب لموسى. وقيل: لمحمد عليهما السلام. والتمام عند الأخفش وأبي حاتم ونافع ويعقوب: ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ على أن نصب "الأربعين" بـ ﴿يَتِيهُونَ﴾. "قال أبو العالية: كانوا ست مائة ألف، سماهم الله "فاسقين" بهذه المعصية".

المائدة 5:27

قوله: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ﴾ الآية. المعنى: أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يتلو (خبر ابني) آدم على اليهود الذين ذكر قصتهم فيما تقدم، فيخبرهم عاقبة الظلم ونكث العهد، وما جزاء المطيع منهما وما آل إليه أمر العاصي منهما. وابنا آدم هما: هابيل وقابيل، أمرهما الله عز وجل أن يقربا قرباناً، وكان أحدهما صاحب غنم وكان له حمل يحبه - ولم يكن له مال أحبَّ إليه منه - فقربه وقبله الله منه، وهو الذي فدى به إبراهيم ﷺ، (لم يزل يرتع في الجنة حتى فدى به الذبيح، وقرب الآخر شرَّ حرثه - وكان صاحب حرث - فلم يتقبل منه، قال ابن عمر: وَأَيْمُ الله، لقد كان المقتول أشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرّج أن يبسط يده إلى أخيه. قال ابن عباس: كان قَبول القربان أن تأتي نار فتأكل المُتَقبَّل وتترك الذي لم يُتقبَّل - ولم يكن في الوقت مسكين يُتصدَّق عليه، فحسد الذي لم يُتقبَّل منه المُتقبَّل منه، فقال: ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾، قال له أخوه: وما ذنبي؟، ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾. قال مجاهد: لما قتله عقل الله إحدى رجليه بساقها إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس، حيث ما دارت [دار] عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وفي الصيف حظيرة من نار، معه سبعة أملاك، كلما ذهب ملك جاء آخر. وقابيل هو القاتل لهابيل - فيما ذكر المفسرون -، وقابيل هو الأكبر. وذكر ابن مسعود عن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ أن آدم كان يولد له غلام وجارية، فإذا ولد له بطنان، زوج أخت هذا لهذا وأخت هذا لهذا، وإن قابيل كان له أخت حسنة أحسن من أخت هابيل، فأبى أن يزوجها لهابيل، وقال: أنا أحق بها، فأمره آدم أن يزوّجها منه فأبى، وإنهما قَرَّبا قُرباناً إلى الله: أيّهما أحق بالجارية، وكان آدم قد غاب عنهما إلى مكة ينظر إليها، وكان قد قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة، فأَبَت، وقال للأرض، فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم، فاذهب تجد أهلك كما يسرك. فلما قرّبا قرباناً، قرّب هابيل جَذَعَة سمينة، وقرّب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة فَفَرَكَها وأكلها، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، وقد كان قابيل يفخر بأنه الأكبر وأنه وصيُّ آدم، فغضب قابيل وقال: لأقتلنّك حتى لا تنكح أختي. قال الحسن: كانا رجلين من بني إسرائيل ولم يكونا ابني آدم لصلبه. وقيل: إنهما لما امتنع قابيل أن يزوج أخته لهابيل، غضب آدم وقال: اذهبا فتحاكما إلى الله وقرِّبا قرباناً، فأيّكما قُبِل قربانُه فهو أحق بها، فقرَّبا القربان بمنى - فمِن ثَمَّ صار مذبحُ الناس اليوم بمنىً - فنزلت نار فأحرقت قربان هابيل، ولم تأكل قربان قابيل، فقتله قابيل بحجر: رضخ رأسه (به)، واحتمل أخته حتى أتى بها وادياً من أودية اليمن - في شرقي عدن - (فكَمَن) فيه، وبلغ آدمَ الخبرُ فأتى فوجد هابيل قتيلاً. قال ابن جريج: لم يدر كيف يقتله، يلوي برقبته ويأخذ برأسه، فنزل إبليس فأخذ طيراً، فوضع رأسه على صخرة ثم أخذ حجراً، فرضخ به رأسه (وقابيل ينظر ففعل [ذلك] بأخيه فرضخ رأسه). ومكث آدم مائة سنة حزيناً لا يضحك، ثم أُتِيَ (فقيل له) (حيّاك الله) وبيّاك. معنى "بيّاك": أضحكك. وروي عن علي أنه [قال]: بكاه آدم وقال: ؎ تغيَّرتِ الْبِلادُ ومَنْ عَليْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأَرضِ مُغْبَرٌّ قَبيحُ ؎ تَغيَّر كلُّ ذي طَعْمٍ وَلَوْنٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةَ الْوجْهُ المُليحُ. "بشاشَةَ": نصب على التفسير، لكن حذف التنوين لالتقاء الساكنين. ومن الناس من يرويه بخفض "الوجهِ المليحِ" على أنه [مُقْوٍ]. و ﴿ٱلْمُتَّقِينَ﴾ - هنا -: "الذين اتقوا الله وخافوه". وقيل: هم من اتقى الشرك، قاله الضحاك وغيره. وروي أن الذي قرّب هابيلُ كان كبشاً سميناً من خيار غنمه، وأن الله تعالى أدخل ذلك الكبش الجنة، فلم يزل حتى فدي به ولد إبراهيم.

المائدة 5:28

قوله: ﴿لَئِن بَسَطتَ (إِلَيَّ) يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية. أخبر الله - في هذه الآية - بتحرّج المقتول عن القتل، وقال ابن عمر: وأيْمُ الله - إنْ كان المقتول لأشدَّ الرجلين، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه يده. قال مجاهد وغيره: كان فرض الله عليهم ألا يمتنعوا ممن أراد قتلهم. ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ (ٱللَّهَ) رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ أي: أخافه إن خالفت أمره فمددت يدي إليك.

المائدة 5:29

قوله: ﴿إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي﴾ الآية. ومعنى إرادته لأن يبوأ أخوهُ بإثمه: أن المؤمن يريد الثواب ولا ينبسط إليه، فصار في كف يده - عمن يقتله - بمنزلة من يريده، فهو مجاز على هذا، وهو قول المبرد. وقيل: هو حقيقة، لأنه لمّا قال ﴿لأَقْتُلَكَ﴾، استوجب النار بما تقدم في علم الله عز وجل أنه سيفعل، فعلى المؤمن أن يريد ما أراد الله. وقال ابن كيسان: إنما وقعت الإدارة بعدما بسط يده بالقتل. وقيل: المعنى: بإثم قتلي إن قتلتني. وقيل: المعنى: إذا قتلتني أردت ذلك "لك"، لأنه إرادة الله للقاتل. * * ومعنى ﴿بِإِثْمِي﴾ أي: بإثم قتلي، ومعنى ﴿وَإِثْمِكَ﴾ (أي وإثمك) الذي من أجله لم يُتقبّل منك، وهو قول مجاهد. وقيل: معناه: بإثم قتلي وإثم اعتدائك عليَّ، لأنه يأثم في الاعتداء وإنْ لم يقتل. وقيل: المعنى: ﴿بِإِثْمِي﴾ الذي كان يلحقني لو بسطتُ يدي إليك، وإثمك في تحمّلك قتلي. وعن ابن عباس: بإثم قتلي وإثم معاصيك المتقدمة لك. وقال إبراهيم بن عرفة: (أراده عن) غير محبة ولا شهوة، لأنّه لمّا لم يكن بُدٌّ من أن يكون قاتلاً أو مقتولاً، اختار - عن ضرورة وعن غير محبة لذلك - أن يُقتل، كما تقول للرجل - يحاول ظلمك -: "أريد أن أَفدي نفسي منك" وأنت لا تحب ذلك ولكن الضرورة ألجأتك إلى هذه الإرادة. (و) قوله: ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ﴾ قيل: هو (من) قول المقتول. وقيل: هو إخبار من الله لنا. وهذا يدل على أن الله عز وجل قد كان أمر آدم ونهاه وولده "ووعدهم" وأوعدهم. وقال النبي ﷺ: ما مِن نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمَاً إِلاّ على ابنِ آدَمَ الأولِ كِفلٌ منها، ذلك بأنه أوَلُ مَن سَنَّ القتل ومعنى ﴿تَبُوءَ﴾ أي: تحمل وتلزم وتنصرف به.

المائدة 5:30

قوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ الآية. معنى "طوّعت": أجابته إلى ذلك وانقادت (له إلى ذلك ففعل). وقيل: معناه: زَيَّنَت. وذلك أنه وجده نائماً فشدخ رأسه بصخرة: وذلك أن الغلام فَرَّ منه فطلبه فوجده نائماً عند غنم له يرعاها فشدخ رأسه. وذكر (...) ابن جريج أن إبليس علّمه ذلك.

المائدة 5:31

قوله: ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً﴾ الآية. قرأ الحسن: (أَعَجِزَتْ) بكسر الجيم، وهي لغة شاذة، إنما يقال: "عَجِزَت المَرْأةُ": إذا كبِرت عجيزتها. ومعنى الآية: أن القاتل لم يدر ما يصنع به. قال ابن عباس: فمكث يحمل أخاه في خِوان على رقبته سنة، فبعث الله غرابين، فرآهما يبحثان. فقال: أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي؟. وقيل: بعث الله غراباً حياً إلى غراب ميت، فجعل الحي يواري الميت فتعلم منه ابن آدم. وقيل: بعث الله غرابين أخوين فاقتتلا قدّامه، فقتل أحدهما الآخر، فأقبل القاتل يواري المقتول فتعلم ابن آدمَ القاتلُ منه، فوارى أخاه. وقال مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به حتى رأى الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿يَاوَيْلَتَا﴾ أعجَزت أن ﴿أَكُونَ﴾ أفعل مثل ما فعل هذا؟. وهذا كله مَثَلٌ ضربه الله لابن آدم وحرصه في الدنيا. * * ومعنى ﴿مِنَ ٱلنَّادِمِينَ﴾ أي: من النادمين على قتل أخيه. قال نافع: ﴿مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ﴾ التمام، وخالفه في ذلك جماعة العلماء باللغة، وقالوا التمام ﴿مِنَ ٱلنَّادِمِينَ﴾، لأن الذي كُتب على بني إسرائيل إنما كان من أجل قتل ابْْنَي آدم: أحدهما الآخر. وإذا وقف على ﴿مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ﴾، صار إنما كُتب عليهم لغير علة، وليس التفسير على ذلك.

المائدة 5:32

قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. قرأ الحسن: ﴿أَوْ فَسَادٍ﴾ بالنصب، على معنى: أو تحمل فساداً، ويجوز أن يكون مصدراً على معنى: أو أفسد فساداً. و [قراءة] الجماعة بالخفض على معنى: أو بغير فساد في الأرض. ومعنى الآية: من أجل هذا القتل كتبنا - أي: [حكمنا] - على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً ظلماً - لم تَقْتُل نفساً - أو قتلها بغير فساد كان منها في الأرض، وفسادُها: إخافة السبل. * * وقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾. قال ابن عباس: معناه من قتل نبياً أو إماماً عدلاً فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أعان نبياً أو إمامَ عدلٍ فنصره من القتل، فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل المعنى: من قتل نفساً بغير ذنب فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها - أي: ترك قتلها مخافة الله - فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل المعنى: فكأنما قتل الناس عند المقتول، ومن استنقذ نفساً من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ. وقيل: المعنى: أن صاحب القتل يَصْلى النار، فهو بمنزلة من قتل الناس جميعاً، ومَن سَلِم مِن قتلها فكأنما سلم من قتل الناس جميعاً. وقال مجاهد: معناه أنه يصير إلى جهنم بقتل نفس كما يصير إليها بقتل جميع الناس. وقيل: المعنى (أنّ) من قتل نفساً، يجب عليه من القصاص والقَوْد كما يجب على من قتل الناس جميعاً، قال ذلك ابن زيد عن أبيه. وقيل: معنى ﴿مَنْ أَحْيَاهَا﴾: مَن عفا عمن يجب عليه القصاص، فهو مثل من عفا عن جميع الناس لو وجب (له عليهم قصاص). قال ابن زيد أيضاً: ﴿مَنْ أَحْيَاهَا﴾: من عفا عنها، أعطاه الله من الأجر مثل لو عفا عن الناس جميعاً. وعن مجاهد: من أحياها من غرق أو حرق أو هلكة. قال الحسن: وأعظم إحيائها: إحياؤها من كفرها وضلالتها. وقيل: المعنى يُعذَّب - كما يعذب قاتل الناس جميعاً - من قتل نفساً، ويُؤجَر من أحيا نفساً - أي: استنقذها - كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً. وقيل: المعنى هو: في الجرأة على الله والإقدام على خلافه كمن قتل الناس جميعاً، تشبيهاً لا تحقيقاً، لأن عامل السيئة لا يجزي إلا بمثلها. وقوله ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ﴾ هذا يُعْطَى من الأجر مثل ما يعطى من أحيا الناس جميعاً، لأن الحسنات تضاعف ولا تضاعَفُ السيئات، فهذه حقيقة والأول على التشبيه لا على الحقيقة. * * قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ الآية؛ أي: جاءت بني إسرائيلَ الرسلُ بالحجج الواضحة البيّنة، ﴿إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ أي: بعد مجيء الرسل بالآيات البيّنات ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ أي: "لعاملون بمعاصي الله".

المائدة 5:33

قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. معنى الآية: أنها بيان من الله عن حكم المفسد في الأرض. والقطع من خلاف: أن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. ونزلت هذه الآية في قوم من أهل الكتاب نقضوا العهد وأفسدوا في الأرض، وقطعوا السبل، فخيّر الله عز وجل نبيّه ﷺ بالحكم فيهم، قاله ابن عباس (وغيره، قال ابن عباس): خيّر الله نبيه، إن شاء أن يقتل وإن شاء أن يصلب وإن شاء أن يقطع من خلاف. (و) قال الحسن: نزلت هذه الآية في المشركين. وقيل: نزلت في قوم - من عُكْل وعُرَيْنة - ارتدوا عن الإسلام (وحاربوا رسول الله ﷺ، قاله أنس وغيره، إنهم ارتدوا" واسْتَاقُوا المواشي وقتلوا الرِّعاء، فقطع النبي أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا. وقال بعض العلماء: إن هذه الآية ناسخة لما فعل النبي بالعُرَنيين إذ مثَّل بهم، فلم يعد النبي ﷺ إلى المثلة. وقيل: بل فعل ذلك النبي بوحي وإلهام لقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]. والسَّمْلُ: فَقْءِ العينِ بحديدة أو بشوكة. * * وقوله: ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ ٱلأَرْضِ﴾: قيل: يخرجون من ديار الإسلام إلى دار الحرب، وهو مذهب الشافعي. وقال مالك: ينفى من البلد الذي أحدث فيه ذلك إلى غيره. وقال الكوفيون: النفي - هنا - الحبس، لأنه لا يمكن أن ينفى من الأرض كلها لو تركنا والظاهر.

المائدة 5:34

قوله: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. أي: إلا الذين تابوا من محاربتهم وشركهم والسعي في الأرض بالفساد من قبل أن تملكوهم، فإن الله يغفر لهم، أي: يستر عليهم ما تقدم من فعلهم ويرحمهم. وهذه الآية - عند جماعة - إنما في المشركين - وأما الرجل المسلم فليس يحرزُه من الحد إذا قتل أو أفسد الأموال توبته. وقيل: هي للمؤمنين وغيرهم إذا استأمنوا أو تابوا أو أمَّنَهُم الإمام، فليس لأحد أن يطلبهم بدم ولا بغيره، قاله السدي وغيره. وقال مالك: لا يطلب بشيء إذا جاء تائباً - المؤمن ولا غيره - إلا أن يكون معه مال يُعرف فيأخذه صاحبه أو تقوم على المسلم بينة بالقتل فيقاد منه، ولا يتبعه الإمام بشيء من الدماء التي لم يطلبها أولياؤها. وقال الشافعي: تضع توبتُه عنه حقوق الله ولا يَسقط عنه بها حقوقُ بني آدم. وقيل: إنما تضع التوبة الحقوق عمن لحق - في حرابته - بدار الكفر ثم أتى تابئاً، وأما من لم يلحق بدار الكفر، فالحقوق كلها لازمة له - تاب أو لم يتب -.

المائدة 5:35

قوله: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ﴾ الآية. المعنى: خافوه فيما أمركم به واطلبوا إليه القربة., والوسيلة: القربة. وقيل: هي المحبة. وقيل: الوسيلة درجة في الجنة.

المائدة 5:36

﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾، قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾ الآية. (و) معناها: أن الذين كفروا بمحمد ﷺ وبما جاء به، وماتوا على ذلك، لو ملكوا - يوم القيامة - ما في الأرض كلها وضِعْفَهُ معه، لرضوا أن يفتدوا به من العذاب وليس يُتَقبّل منهم ذلك ولا ينفعهم. وهذا إعلام من الله عز وجل لليهود والنصارى ومشركي قريش أنهم لا بد لهم من الخلود في النار، وأن قولهم ﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] باطل كذب. (ثم) أخبر تعالى أنهم يريدون أن يخرجوا من النار بعد دخولها وأنهم ليسوا بخارجين منها وأنهم في عذاب مقيم، (أي دائم) أبداً. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: تزعم أن قوماً يخرجون من النار (و) قد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، فقال له ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها، هذا للكفار. قال الحسن: (كلما رفعتهم) بلهبها حتى يصيروا إلى أعلاها، أعيدوا فيها.

المائدة 5:37

﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾، قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ﴾ الآية. (و) معناها: أن الذين كفروا بمحمد ﷺ وبما جاء به، وماتوا على ذلك، لو ملكوا - يوم القيامة - ما في الأرض كلها وضِعْفَهُ معه، لرضوا أن يفتدوا به من العذاب وليس يُتَقبّل منهم ذلك ولا ينفعهم. وهذا إعلام من الله عز وجل لليهود والنصارى ومشركي قريش أنهم لا بد لهم من الخلود في النار، وأن قولهم ﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] باطل كذب. (ثم) أخبر تعالى أنهم يريدون أن يخرجوا من النار بعد دخولها وأنهم ليسوا بخارجين منها وأنهم في عذاب مقيم، (أي دائم) أبداً. قال نافع بن الأزرق لابن عباس: تزعم أن قوماً يخرجون من النار (و) قد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، فقال له ابن عباس: ويحك، اقرأ ما فوقها، هذا للكفار. قال الحسن: (كلما رفعتهم) بلهبها حتى يصيروا إلى أعلاها، أعيدوا فيها.

المائدة 5:38

قوله: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ الآية. قال سيبويه: أبت العامة إلا الرفع، يريد بالعامة الجماعة من الرواة والقراء، والاختيار عنده النصب، لأن الأمر بالفعل أولى، فهو عنده مثل "زيداً فاضربه"، وخولف في ذلك فقال الكوفيون: الرفع أولى، لأنك لا تقصد إلى سارق بعينه، وإنما المعنى: كل من سرق فاقطعوا يده، ولذلك أجمعوا على أن [قرأوا]: ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ [النساء: ١٦] بالرفع، وهو مذهب المبرد. وقال: ﴿أَيْدِيَهُمَا﴾ بالجمع ليفرق بين ما في الإنسان منه واحد وما فيه اثنان، هذا قول الخليل. وقال الكوفيون: أكثر ما في الإنسان - من الجوارح - اثنان "اثنان" مثل اليدين والرجلين والقدمين والأذنين، فلما جرى أكثره على هذا، ذُهِب بالواحد منهم - إذا أضيف إلى آخر - مذهب الجمع. وقيل: فعل ذلك، لأن التثنية جمع. وقيل: لأنه لا يُشْكل. وأجاز سيبويه جمع غير هذا مما (ليس) في الإنسان في حال التثنية وحكى ("وَضَعا رِحالَهما): يريد رَحْلَيْ راحِلَتَيْن. وقرأ ابن مسعود "والسّارق والسّارقَةَ" بالنصب، وبه قرأ عيسى بن عمر. * * ﴿جَزَآءً﴾ مفعول من أجله، ويكون مصدراً، ومثله ﴿نَكَالاً﴾. وقرأ ابن مسعود (فاقطعوا أيمانهما). والألف واللام في ﴿ٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ دخلتا لتعريف النوع كـ ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي﴾ [النور: ٢]، و [ليستا] لتعريف الجنس، إنما يكونان لتعريف الجنس فيما لزمته الألف واللام (من أجل جنسه: كالرجل والدينار والدرهم، وما لزمه الألف واللام) لأجل فِعله، فهو تعريف النوع كالسارق والزاني وشبهه، وهذا يزول عنه هذا الاسم بزوال فعله، والأول لا يزول عنه أبداً. ومعنى الآية: من سرق من رجل أو امرأة فاقطعوا أيديهما. وعنى بذلك سارق ثلاثة [دراهم]، أو ربع دينار أو (ما قيمته) ربع دينار، أو ثلاثة [دراهم] فصاعداً، هكذا بيَّنَته السنة. ولا يقطع السارق حتى يسرق من حرز وما أشبه الحرز، وهو قول أهل المدينة: مالك وأصحابه. وقد قطع النبي ﷺ في مجن قيمته ثلاثة دراهم، وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعائشة رضي الله عنهم. وروي أن علياً قطع في ربع دينار: درهمان ونصف. وروي عن ابن مسعود أن القطع في دينار أو عشرة دراهم فصاعداً، لا فيما دون ذلك. وقال عطاء: لا تقطع يد السارق فيما دون عشرة دراهم. وقال النخعي: تقطع يد السارق في دينار أو في قيمته. وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اليد تقطع في أربعة [دراهم] فصاعداً، لا فيما دون ذلك. وقد أوجب قوم القطع على كل من سرق وإن قَلَّ ذلك، على ظاهر الكتاب. ولا قطع على السارق حتى يُخرج المتاع من حرزه أو ما يشبه الحرز، وهو قول الشعبي والزهري وعطاء، وروي ذلك عن عثمان وابن عمر، وهو قول مالك والشافعي وغيرهما. ولو نقب بيننا فأدخل يَدَه وأخذ متاعاً فرمى به إلى الخارج ثم خرج فأخذه، فعليه - في ذلك - القطع عند مالك وغيره، لأنه قد أخذه من حرزه - وهو الحائط -، ولو ناوَلَهُ آخرَ خارجاً من البيت، كان القطع على الداخل ولم يُقطع الخارج. ولو دخل جماعة بيتاً وأخذوا متاعاً وحملوه على أحدهم وخرجوا به، فقال ابن القاسم عن مالك: لا يقطع إلا مَن حمله، وقال ابن أبي أويس (عنه): يقطعون جميعاً. ولا قطع على من سرق باب دار أو باب مسجد، لأنه ظاهر لا حرز عليه. وإذا سرق من بيت الحمام - ومع المتاع من يُحرزه - قطع عند مالك، فإن لم يكن مع المتاع من يحرزه لم يقطع. وإذا سرق رجلان شيئاً - لو سرقه أحدهما وجب عليه القطع - قُطِعَا جميعاً عند مالك، كالرجلين يَقتُلان رجلاً، فإنهما يُقتَلان به. وقال الشافعي: لا قطع على أحدهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما فيه القطع. وإذا سرق من رجلين أربعة [دراهم] فصاعداً، قطع عند مالك. وإذا سرق سارق ما يجب فيه القطع ثم سرقه منه آخر، فعليهما القطع عند مالك وغيره، ولو كانوا سبعين قطعوا. وقيل: لا قطع على الثاني. ولو كان لرجل على رجل مائة دينار دَيْناً فسرق الذي له الدّيْنُ من مال الذي عليه الدّيْن مائة درهم، فإنه يقطع عند مالك. فإذا سرق السارق ثم رد ما سرق ورفع إلى الإمام بعد ذلك، قطع في قول مالك وإن عفا عنه صاحب المتاع. وقيل: إنّه لا يقطع إذا عفا عنه صاحب المتاع. ويقطع عند مالك [في الفواكه] إذا كان فيها قيمة ما تقطع عليه اليد. وقيل: لا قطع في ذلك. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ وَلا كَثَرٍ". "والكَثَرُ: الجُمَّار". ومن سرق مصحفاً قطع عند مالك والشافعي. ولا قطع على مختلس أو خائن عند جماعة العلماء. وأوجب مالك وغيره القطع على الطرّار الذي يَطُرُّ النفقة من الكم. وقيل: إن كانت الصُرَّةُ داخل الكم قطع، وإن كانت خارجاً لم يقطع. وعلى الولد إن سرق من مال والده القطع، وهو قول مالك. وقيل: لا قطع عليه. وكلهم لم يوجبوا على الوالدين قطعاً إذا سرقا [من] مال ولدهما. فأما [ذوو] المحارم فقال الشافعي: يقطعون. وقال غيره: لا يقطعون. وكذلك اختلف في الزوجين، فقال مالك: يقطع كل واحد منهما إذا سرق مال الآخر. وقال غيره: لا قطع على واحد منهما. وإذا سرق السارق قطعت يده اليمنى، ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى، (ثم إن سرق قطعت يده اليسرى)، ثم إن سرق قطعت رجله اليمنى، ثم إن سرق عُزر وحُبس، هذا قول مالك والشافعي وغيرهما. وقيل: تقطع [أولاً] اليمنى ثم يده اليسرى، ثم إن سرق حبس. وقيل: تقطع يده اليمنى ثم رجله ثم لا قطع عليه، قاله الزهري وغيره. وإذا كانت يمنى السارق شلاء قطعت يسراه عند مالك. وقيل: تقطع الشلاء. وذكر ابن القاسم أن مالكاً لم يجبه فيها بشيء، قال: ثم بلغني أنه قال: تقطع اليسرى. وقال غير ابن القاسم عن مالك: تقطع رجله، لأن يَدَهُ الشّلاء كالمقطوعة. وإذا أمر الحاكم بقطع يمينه (فقطعت يساره) أجزأ. وقال مالك: إذا كان السارق مريضاً يُخاف عليه لم يُقطع حتى يبرأ. و (العبد والحر) في (جميع) ذلك سواء عند مالك. ولا يُحَدّ إلا بالغ، والإنبات في حد البلوغ عند جماعة من العلماء، وحد البلوغ - عند مالك - الاحتلام أو يبلغ من السن ما لا يجاوزه غلام (إلا احتلم). وأجاز جماعة من العلماء أن يُشفع في الحدود ما لم يبلغ السلطان، روي ذلك ابن عباس والزبير بن العوام، وهو مذهب الأوزاعي وابن حنبل. وروي عن ابن عمر وغيره كراهة ذلك، وقال ابن عمر: من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد صاد الله في حكمه. وقال مالك: من لم يُعرف منه أذى للمسلمين (و) إنما كانت منه (تلك) زلة، فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام أو الشُّرَط أو الحرس. * * ومعنى ﴿نَكَالاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: مكافأة بفعلهما، ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: عزيز في انتقامه من السارق وغيره (و) من أهل معصيته، ﴿حَكِيمٌ﴾ في فرائضه وحدوده.

المائدة 5:39

قوله: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ الآية. المعنى: فمن تاب من هؤلاء السراق من بعد سرقته وأصلح، ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يرجعه إلى ما يحب ويرضى عن ما يسخطه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ (رَّحِيمٌ)﴾ أي: ساتر على من تاب رحيم بعباده الراجعين إليه. فتوبة الكافر عن كفره تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أدْعى إلى الدخول في الإسلام. وتوبة المسلم عن السرق والزنى لا تدرأ عنه الحد، لأن ذلك أعظمُ لأجره في الآخرة وأمنع بِمَن هَمَّ أن يفعل مثل ذلك، وقال مجاهد: توبة السارق في هذا الموضع إقامة الحد عليه. وروي أن النبي ﷺ (أمر بقطع) امرأة سرقت حلياً فقالت المرأة: هل من توبة؟، فقال لها رسول الله: أنتِ اليومَ مِن خَطيئَتِك كيومَ ولَدَتْكِ أمّك ، فأنزل الله: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ الآية.

المائدة 5:40

قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية. هذا خطاب للنبي ﷺ والمراد به من كان بالمدينة وحواليها من اليهود، والمعنى: ألم يعلم هؤلاء القائلون: ﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] الذين يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه أن الله مدبر ما في السماوات وما في الأرض وأنه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء قادر على ذلك لا يمتنع عليه.

المائدة 5:41

قوله ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ﴾ الآية. هذه الآية نزلت في أبي لبابة قال: "لبني قريظة - حين حاصرهم النبي ﷺ -: إنما هو الذبح فلا تنزِلوا على حكم سعد". وقيل: (إنّه) إنما أشار إليهم بيده إلى حلقه يريد أنه الذبح إن نزَلتم على حكم سعد. وقيل: "إنها" نزلت في عبد الله بن صوريا ارتد بعد إسلامه، وأُمِر النبي ألاّ يَحزن عليه: وقال أبو هريرة: إن أحبار اليهود اجتمعوا في أمر رجل (زنى بامرأة) وهما محصنان، فقالوا: امضوا بنا إلى محمد فَسَلوه كيف الحكم فيهما: فإنْ حَكَم بعملكم من التحميم - وهو الجَلد بحبل من ليف مطلي بِقارٍ - ثم يُسَوَّد وجهه ثم يُحمل على حمار ويُحوَّل وجهه ما يلي دُبُر الحمار، وكذلك يُفعل بالمرأة، فاتَّبِعوه وصدِّقوه، فإنه ملك، وإن (هو) حكَم بالرجم فاحْذَروه على ما في أيديكم. فأتوا النبي، فمشى النبي عليه السلام حتى أتى أحبارهم (فقال لهم): أَخرِجوا إليَّ أعلمَكم، فأخرَجوا ابنَ صوريا الأعور - وكان أحدثَهم سنّاً - فخلا به النبي ﷺ وقال: يا ابن صوريا أُذكِّرك أيادِيَ الله عند بني إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه في التوراة بالرجم؟، فقال: اللّهم نعم، أما واللهِ يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل، ولكنهم يحسدونك! فخرج (رسول الله) فأمر بهما في جماعة - عند باب مسجده - فرُجما، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، فأنزل الله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ﴾ الآية. وقال البراء: مُرَّ (على) النبي بيهودي مُحمَّمٍ مجلودٍ، فدعا النبي رجلاً من علمائهم فقال: [هكذا] تجدون حد الزاني فيكم؟ قال: نعم، قال: فأُنشِدك بالذي أنزل التوراة على موسى، هكذا تجدون حد الزاني؟ قال: لا، ولولا أنك نشدتني ما حَدّثتك، ولكن كثر الزنى في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا نجتمع فنضع شيئاً مكان الرجم فيكون على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال النبي ﷺ: (اللهم) أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه!، فأمر به فرجم، فأنزل الله ﴿لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ﴾ الآية. وذكر ابن حبيب أن اليهود أنكرت أن يكون الرجم في التوراة فرضاً عليهم، فقال لهم النبي ﷺ: مَن أعلَمُكم يا معشر يهود؟ قالوا: ابن صوريا - وهو غلام منهم أمرد أبيض أعور - فدعاه (رسول الله)، [فقال "له"]: أنت أعلم يهود؟، قال: كذلك يزعمون، قال له رسول الله: فماذا تجدون (في الرجم) في كتاب الله الذي أنزله على موسى؟ قال: يا محمد إنهم يفضحون الشريف ويرجمون الدني، وجعل [يَرُوغ] عما في كتابهم، فنزل جبريل عليه السلام على (رسول الله) ﷺ فقال له: اِسْتَحْلِفْه بما آمرك به، فإن حلف وكذب، احترق بين يديك وأنت تنظر، فقال له رسول الله - وهو الذي أمره به جبريل -: أُنشِدك الله الذي لا إله إلا هو القوي، إلَه بني إسرائيل الذي [أخرجكم] من مصر وفرق لكم البحر - وأحلفه بأشياء كثيرة - هل تجد في التوراة آية الرجم (على) المحصن؟، قال: نعم، والله يا محمد لو قلتُ غير هذا لاحترقتُ بين يديك وأنت تنظر. وقال ابن جريج ومجاهد: "هم" ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ - آخَرِينَ﴾ - هم اليهود -. والمعنى: لا يحزنك تسرع (من تسرع منهم إلى الكفر، لأنهم آمنوا بألسنتهم ولم (يؤمنوا بقلوبهم). ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: ولا يحزنك تسرع) الذين هادوا إلى جحود نبوتك، ثم وصفهم فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: هم سماعون للكذب، وهو قَبولهم ما قال لهم أحبارُهم من الكذب: أن حكم الزاني المحصن - في التوراة - التحميم - والجلد، وهو صفة لليهود خاصة، ثم أخبر أنهم سماعون لقوم آخرين لم يأتوا النبي، وهم أهل الزاني والزانية، بعثوا إلى النبي يسألونه عن الحكم ولم يأتوا النبي. وقيل: إن السماعين يهود فَدَكٍ، و "القوم الآخرين" - الذين لم يأتوا النبي - يهود المدينة. وقيل: المعنى سماعون من أجل الكذب، أي: يستمعون منك يا محمد ليكذبوا عليك. ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أي: يستمعون منك ليُبَلغوا ما سمعوا قوماً آخرين، فهُمْ عليك عُيون لأولئك الغيب. ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ﴾: أي يغيرون حكم الله الذي أنزله في التوراة في حكم المحصنين من الزناة، ومعنى: ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ﴾ أي: حكم الكلم، ﴿مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: من بعد وَضعِ الله ذلك مواضِعَه، فأحلّ حلاله وحرّم حرامه، مثل ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ﴾ أي: (إن حكم) بهذا الحكم المحرف (فاقبلوه، يقول ذلك أحبار اليهود لهم في أمر الزانيين، [يقولون]: إن حكم محمد بينكم بهذا الحكم المحرف) - وهو التحميم والجلد - فخذوه، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ﴾ أي: وإن لم يحكم بينكم به فاحذروه ولا تؤمنوا به. وقال السدي: يهود فدك يقولون ليهود المدينة: إن أوتيتم هذا فخذوه - وهو الجلد - وإن لم تؤتوه فاحذروا - وهو الرجم -. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما حكَّموا النبي ﷺ في اللَّذَيْن زنيا، دعا رسول الله بالتوراة وجلس حبر منهم يتلوها - وقد وضع يده على آية الرجم - فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر ثم قال: هذه - يا نبي الله - آية الرجم يأبى أن يتلوها عليك، فقال لهم النبي عليه السلام: يا معشر يهود، ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم؟ فقالوا: أما إنه قد كان فيما نعمل به حتى زنى منا رجل بعد إحصانه من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده فقالوا: لا والله لا نرجمه حتى يرجم فلان، (فلما فعلوا ذلك، اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التحميم وأماتوا ذكر الرجم)، فقال النبي: فأنا أول من أحيا أمر الله، ثم أمر بهما ورجما عند باب المسجد، قال ابن عمر: فكنت ممن رجمهما. وقال قتادة: الآية نزلت في قتيل من بني قريظة، قتله بنو النضير، وكانت بنو النضير إذا قتلت قتيلاً وَدَت الدية - لا غير - لفضلهم، وإذا قُتل لهم قتيل لم يرضوا إلا بالقَود تَعزُّراً، فأرادت النضير أن ترفع أمر القتيل - الذي قتلوه - إلى النبي، فقال لهم رجل من المنافقين: إن قتيلكم هذا قتيلُ عمد، متى رفعتموه إلى محمد خَشِيتُ عليكم القَوَد، فإن قُبلت منكم الدّية فأعطوها، وإلا فكونوا منه على حذر. * * وقوله: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾: هو تسلية للنبي عليه السلام ألا يحزن على مسارعة من سارع إلى الكفر من المنافقين واليهود، وفتنته: ضلالته. ﴿فَلَن تَمْلِكَ (لَه(ُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾: لا اهتداء له أبداً. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: بالإسلام "في الدنيا". * * ﴿لَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وصغار وأداء الجزية عن يد، ﴿لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. وزعمت المعتزلة والقدرية أن الله لم يرد كفر أحد من خلقه، وأراد أن يكون جميع الخلق مؤمنين، فكان ما لم يرد ولم يكن ما أراد - تعالى عن ذلك -، وقد قال (الله): ﴿لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ [الأنعام: ٣٥] وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ [رَبُّكَ] مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١١٢] وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي [لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ]﴾ [السجدة: ١٣]. وقال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً﴾ ، وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ [مَن] فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ [يونس: ٩٩]، وقال: ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾ [الرعد: ٣١]، وقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [النحل: ٩٣]، وفي كتاب الله من هذا ما لا يحصى، يخبر تعالى في جميعه أنه أراد جميع ما كان وما يكون، وأن جميع الحوادث كانت عن إرادته ومشيئته، وأنه لو شاء لأحدثها على خلاف ما حدثت فيجعل الناس كلَّهم مؤمنين. فعَندت المعتزلة عليها لعنة الله عن ذلك وخالفته، وقالت: حدث كفر الكافر على غير إرادة من الله، وعلى إرادة من الشيطان، وقد أجمع المسلمون على قولهم: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وقالت المعتزلة: يكون ما لا يشاء الله، وهو كفر الكافر، معاندةً لإجماع الأمة، وقد حصلت المعتزلة في قولها على أنه ليس لله - تعالى ذكره - على إبليس مزيَةٌ، لأن إبليس شاء [ألا] يؤمن أحد فآمن المؤمنون، فكان خلاف ما شاء، وشاء الله - عندهم - ألا يكفر أحد فكفر الكافرون، فكان خلاف ما شاء، فلا فرق بينهما على قولهم الملاعين، تعالى ربنا عما قالت المعتزلة علواً كبيراً، بل كان عن مشيئته، كان يفعل (ما) يشاء: يوفق من يشاء فيؤمن، ويخذل من يشاء فيكفر، لا معقب لحكمه ولا رادّ لمشيئته، وخلق من شاء للسعادة فوفقه لعملها، وخلق من شاء للشقاء وخذله عن العمل بغير عمل أهل الشقاء، "كل مُيَسَّر لِما خُلِقَ لَهُ"، هذا هو الصراط المستقيم، أعاذنا الله من الزيغ عن الحق.

المائدة 5:42

قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِن جَآءُوكَ﴾ الآية. السحت: فيه لغتان: إسكان الحاء وضمها. وروى خارجة عن نافع: "السَّحْت" بفتح السين وإسكان الحاء، جعله مصدر: "سحته سحتاً". ومعنى الآية: أن الله زاد في وصف من تقدم وصفه من اليهود أنهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾، فذكر أيضاً أنهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ على التأكيد. ويجوز أن يكون الأول معناه: أنهم يسمعون "مِن" قول مَن يقول لهم: "محمد ليس بنبي"، ويقول لهم: "ليس على المحصن رجم إذا زنى "، ويكون الثاني معناه: أنهم يستمعون إليك ليكذبوا عليك - وقد قيل ذلك في معنى الأول، وقد ذكرته -. ثم وصفهم تعالى بأنهم: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وهو الرّشا في الحكم. قال قتادة والحسن: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ هم حكام اليهود، يسمعون الكذب ويقبلون الرشا. والسحت - في اللغة -: كل حرام يسحت الطاعات أي: يذهبها، يقال: سحته: إذا أذهبه قليلاً قليلاً، ويقال للحالق: "اِسْحَتْ" أي: استأصل. وقيل: السحت: الرشا في الأحكام، وأكل ثمن الخمر، وأكل ثمن الميتة، وثمن جلدها الذي لم يُدْبَغ، وأكل ما نهى النبي عن أكله من كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وأدخل قوم في السحت أكل (أموال الناس) بالباطل. * * وقوله: ﴿فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ معناه: فإن جاءك قوم المرأة - الذين ذكر أنهم لم يأتوا بَعْدُ -، فاحكم بينهم إن شئت بالحق، وإن شئت فأعرض عنهم، أي: دع الحكم بينهم إن شئت. وقيل: نزلت في الدية في بني النضير وقريظة، كانت دية النضيري كاملة، ودية القرظي نصف دية لشرف [النضيري]، فتحاكموا إلى النبي ﷺ، فأمره الله أن يحكم بينهم بالحق، ثم خيّره في الترك، قاله ابن عباس. (و) قال ابن زيد: كان في حكم حيي بن أخطب للنضيري ديتان، وللقرظي دية، فلما علمت [قريظة] بحكم النبي قالوا: لا نرضى إلا بحكم محمد، فخيّر الله نبيه ﷺ في الحكم بينهم.

المائدة 5:43

قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ﴾ الآية. وهو الرجم على المحصن إذا زنى. (و) قوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ هو ما غيَّروا من حكم الرجم المنصوص في التوراة، وجَعلُهم عوضه التحميمَ والضربَ بحبل لِيف مفتول أربعين ضربة استحرافاً منهم [لحكم] لم يؤمروا به، والحاكم مخير إذا تحاكم إليه أهل الكتاب بهذه الآية، إن شاء حكم بالحق على مذهبه، وإن شاء لم يحكم، وهو مذهب الشعبي والنخعي وعطاء وعمرو بن شعيب، وهو قول مالك، فهي محكمة على قول هؤلاء. وقيل: إن الآية منسوخة بقوله ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه لما قدم المدينة - واليهود بها كثير - كان الأدعى لهم والأصلح أن يردوا إلى أحكامهم، فقال ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فأباح له ترك الحكم بينهم، فلما قوي الإسلام أنزل [الله] ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]. قال ابن عباس: نسخت من سورة المائدة آيتان: القلائد وقوله: ﴿فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وهو قول عكرمة، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وهو المشهور عن الشافعي، وهو قول الكوفيين. وكل العلماء أجاز للإمام أن ينظر بينهم إذا تحاكموا إليه، وإنما اختلفوا في الإعراض عنهم. * * وقوله: ﴿وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ أي: إن أعرضت عنهم - فلم تحكم بينهم - فإنهم لا يضرونك. ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ﴾ أي: إن اخترت أن تحكم بينهم، فاحكم بالعدل، إن الله يحب العادلين في حكمه. * * قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ الآية. المعنى: وكيف يحكمك هؤلاء اليهود ويرضون بحكمك ﴿وَعِنْدَهُمُ ٱلتَّوْرَاةُ فِيهَا [حُكْمُ ٱللَّهِ]﴾ أن على الزاني المحصن الرجم، والنفس بالنفس، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ عن حكمها، أي: يتركون حكم التوراة جرأة على الله، وهذا تقريع لليهود، لأنهم تركوا حكم ما في أيديهم من كتابهم، ورجعوا إلى حكم النبي عليه السلام وهم يجحدون نبوته، ثم قال ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: (ما) من فعل هذا بمؤمن.

المائدة 5:44

قوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الآية. المعنى: أن الله أنزل التوراة فيها هدى لما سألوا عنه من حكم الزانيين المحصنين، وفيها (نور: أي) جلاء مما أظلم عليهم من الحكم. وقيل: المعنى ﴿فِيهَا هُدًى﴾ أي: بيان أمر النبي، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: بيان ما سألوا عنه. ومعنى قوله ﴿ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ﴾ أي: الذين سلموا لما في التوراة من أحكام الله، فلم يتعقبوا بالسؤال عنه، وليس الإسلام - هنا - ضد الكفر، لأن النبي لا يكون إلا مسلماً مؤمناً، وإنما الإسلام هنا: الانقياد والتسليم، ومثله قول إبراهيم: ﴿وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] أراد مسلمين لأمرك، منقادين لحكمك بالنية والعمل، وكذلك قوله ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: سلمت لأمره. * * ومعنى ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: يحكم بالتوراة النبيون والربانيون والأحبار ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾، أي: عليهم، فاللام بمعنى "على"، كما قال النبي ﷺ لعائشة: اشترطي لهم الولاء أي: عليهم، ولم يأمرها بأن تشترط الولاء لهم، وهو لا يجوز، (فلا يأمرها بفعل ما لا يجوز)، وإنما أمرها بفعل ما يجوز، وهو أن يكون الولاء لها، فلما اشترطوا الولاء لأنفسهم قال ﷺ: ما بال قوم يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله وقيل: المعنى: للذين هادوا (و) عليهم، أي: يحكمون لهم (و) عليهم، ثم حذف لدلالة الكلام عليه. وقيل: المعنى: فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا والربانيون والأحبار. (و) عني بالنبيين - هنا - محمد ﷺ ومن قبله، قاله السدي وقتادة و [غيرهما]. وروي (أن) النبي ﷺ قال - لما نزلت هذه الآية -: نحن - اليوم - نحكم على اليهود وعلى من سواهم من أهل الأديان والأحبار: [العلماء] [الحكماء]، واحدهم حَبْرٌ، وقيل: حِبْرٌ. وسموا أحباراً، لأنهم يحبرون الشيء، فهو في صدورهم مُحَبّرٌ. وسمي الحبر - الذي يكتب به - حبراً، لأنه يحبر به، أي: يكتب به. وقال الفراء: التقدير فيه: مداد حِبْرٍ، (لأن العالم يقال له "حِبْر" فإذا [قلت: "هذا] حِبْرٌ" للمداد، فالمعنى: مداد حِبْرٍ)، أي: مداد عالم، ثم تحذف مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقال الأصمعي: (إنما سمي) الحبر - الذي هو المداد - حِبْراً لتأثيره، يقال: "على [أسنانه] حبرَةٌ" أي: صُفْرَةٌ أو سَوَادٌ. ﴿وَٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ﴾: القراء والفقهاء. وقيل: الفقهاء والعلماء. و "قال ابن زيد: الربانيون": الولاة، والأحبار: العلماء". والرَّبَّاني - عند أهل اللغة -: رب العلم، أي: صاحبه، والألف والنون للمبالغة. وقيل: معنى ﴿لِلَّذِينَ هَادُواْ﴾: للذين تابوا من الكفر، أي: يحكم هؤلاء بما في التوراة للذين "تابوا" من الكفر. * * وقوله: ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ﴾ أي: يحكمون بما استودعوا من كتاب الله، والباء متعلقة بالأحبار، والمعنى: يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار، أي: والعلماء بما استودعوا من كتاب الله، ﴿وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ أي: وكان النبيون والربانيون والأحبار شهداء أنهم قضوا عليهم بكتاب الله، وقال ابن عباس: الشهداء - هنا - الربانيون والأحبار شهداء أن الذي قضى [به] محمد ﷺ حق في أمر الزانيين المحصنين وقد أخبرنا الله أنهم استحفظوا كتابهم، وأعلمنا أنهم بدلوا وغيّروا، وأعلمنا تعالى أنه يحفظ علينا ما أنزله من القرآن فقال ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] فغير جائز أن يبدل أحد أو يغير ما حفظه الله علينا، فنحن أمة محمد عليه السلام برآء من التبديل والتغيير لشيء من كتاب الله، إذ الله تولى حفظه علينا، ولم يسلم أهل التوراة من ذلك، إذ الله استحفظهم عليه فخانوا، ولم يحفظه هو. وقوله ﴿فَلاَ تَخْشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ﴾ هذا خطاب للربانيين والأحبار، أمرهم ألا يخشوا الناس في تنفيذ حكمه وإمضائه على ما في كتابه، وأن يخشوه في ذلك، قاله السدي وغيره. وقوله ﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي: لا تأخذوا [الرّشى] في الأحكام، فإنه عِوَضٌ خسيس وثمن قليل. ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُْ﴾ أي: من كتم حكم الله الذي أنزله في كتابه في الزانيين المحصنين وغيرهما من دية القتيل، ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: الساترون الحق. وهذه في كفار أهل الكتاب. وقيل: هي في المشركين. وقيل: المعنى ومن لم يحكم بما أنزل الله مستحلاً له، فأولئك هم الكافرون. وقال بعد ذلك: ﴿هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. وقال بعد ذلك: ﴿هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾. فقيل: إن الأوصاف الثلاثة لمن غير حكم الله [ومن جميع الخلق. وقيل: هي لليهود المغيرين حكم الله]. وقيل: الوصف الأول لليهود، والثاني والثالث للمسلمين. وقيل: نزل ﴿ٱلْكَافِرُونَ﴾ في المسلمين إذا غيّروا حكم الله، و ﴿ٱلظَّالِمُونَ﴾ في اليهود، و ﴿ٱلْفَاسِقُونَ﴾ في النصارى. وهو ظاهِرُ النص.

المائدة 5:45

قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ [بِٱلنَّفْسِ]﴾ الآية. قرأ الكسائي برفع (العين) وما بعده، واحتج له بإجماعهم (على الرفع) في ﴿وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]، وقوله ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]، فرفع [ما] بعد (أنّ) فيهما على القطع، فكذلك (العين) وما بعدها. وقيل: هو معطوف على موضع ﴿ٱلنَّفْسَ (بِٱلنَّفْسِ)﴾. وقيل: هو معطوف على المضمر الذي في [ٱلنَّفْسَ]. وقال بعض العلماء: من نصب جعله كله مكتوباً في التوراة، من رفع جعل ﴿وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ﴾ وما بعده ابتداء حكم في المسلمين، وجعل ﴿ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ هو المكتوب في التوراة دون ما بعده. والرفع [قراءة] النبي عليه السلام فيما روي عنه. ومن نصب ﴿وَٱلْجُرُوحَ﴾ عطفه على ما قبله، وأعمل فيه ﴿أَنَّ﴾، و ﴿قِصَاصٌ﴾ الخبر. ومن رفع قطعه مما قبله، [واختير قطعه مما قبله] لمخالفة خبره خبر ما قبله، ولمخالفة حكمه حكم ما قبله، ولمخالفة إعراب خبره (إعراب) خبر ما قبله، فلما خالف ما قبله، من هذه الوجوه قوي القطع، فرُفع على الابتداء. والمعنى: وكتبنا على هولاء اليهود الذين يحكمونك - وعندهم التوراة - في التوراة أن يحكموا بالنفس [في النفس] والعين "بالعين" وما بعده. قال ابن عباس: لم يجعل الله لبني إسرائيل دية، إنما هو النفس بالنفس أو العفو. فهذا استوى فيه أحرار المسلمين: الرجال والنساء فيما بينهم في النفس، وفيما دون النفس إذا كان عمداً، ويستوي فيه العبيد: رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمداً في النفس، وفيما دون النّفس. والقصاص من العين هو ظاهر النص، وبه قال علي بن أبي طالب والشعبي والنخعي والحسن ومالك والشافعي وغيرهم و [قراءة] الرفع توجب ذلك، لأنه حكم مستأنف للمسلمين، وليس بحكاية عما في التوراة. والنصب إنما هو حكاية عما في التوراة، فيجوز ألا يكون (حكماً لنا). ويكون القصاص في الأنفس عندنا من قوله تعالى: [﴿ٱلْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية، ويجوز أن يكون (حكماً لنا) أيضاً بنص آخر وهو]: ﴿ٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ﴾، فيكون هذا بيان أن ذلك حكم لنا. وأحسن ما روي في صفة الاقتصاص من العين ما فعل "علي" بن أبي طالب: وهو أنه أمر بِمِرْآةٍ فَأحْمِيَتْ، ثم وضع على العين الأخرى قُطناً، ثم أخذ المِرآة بكلبتين. فأدناهما من عينه حتى سال إنسانُ عينه. وإذا ضرب رجل عين رجل فأذهب بعض بصره وبقي بعض، فالحكم فيها - على ما فعل علي بن أبي طالب -: أن تُعْصَب عينُه الصحيحة، ويعطى رَجُلٌ بيضة ويذهب "بها"، فحيث ما انتهى بصر المضروب عُلِّمَ، [ثم يرجع فيغطّي] عينه، وتكشف الأخرى، ثم يذهب الرجل بالبيضة فحيث ما انتهى بصر المضروب علم]، ثم يحوّل المضروب فيفعل به من ناحية أخرى في عينيه جميعاً مثل ذلك، ويكال الموضعان فإذا استويا نظر ما بين امتداد نظر الصحيحة والسقيمة، فيعطي من مال الضارب بقسطه، وبذلك قال مالك والشافعي. ولو فقأ أَعْورُ عين صحيح: فقيل: لا قود عليه، وعليه الدية. روي ذلك عن عمر وعثمان. وقيل عليه القصاص، وهو قول علي بن أبي طالب، وبه قال الشافعي. وقال مالك: إن شاء فقأ عينه، وإن شاء أخذ دية عين أعْوَر كاملة. وإذا أُوْعِبَ جَدْعُ الأنفِ، ففيه الدية، وهو قول سائر العلماء. ولو كسره عمداً لكان فيه القود عند مالك، وإذا كسره خطأ - فبرأ على غير عثم - فلا شيء فيه عند مالك، وإن برأ على عَثْمٍ، ففيه اجتهاد الإمام. وكذلك قال: (ابن) القاسم إن خَرّم أنفه: وإذا قطع من أصله - أو من العظم - ففيه الدية كاملة عند مالك -. وإذا أفسد الخياشيم فانسكرت حتى "لا" يتنفس، ففيها الاجتهاد. وأما السن: فجاء الخبر من أنه أقاد من السن، وأنه قال: (و) في السن خمس من الإبل. وظاهر النص "القصاص". ورُوي عن علي بن أبي طالب وابن عباس في السن بخمس من الإبل أي: سن كانت، وبه قال عروة بن الزبير والزهري وقتادة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم. وروي عن عمر أنه حكم فيما أقبل من الفم - الثنايا والرباعيات والأنياب - بخمس فرائض في كل سن. كل فريضة: عشرة دنانير، فذلك خمسون ديناراً في كل سن. وقضى في الأضراس (ببعير بعير)، وقضى معاوية في الضرس بخمس فرائض. فالدية تزيد إذا أصيب الفم كله عند معاوية، وتنقص عند عمر. وإذا اسودت السن من ضربة أو جناية، فقد تم عقلها عند مالك وغيره، لأن جمالها قد ذهب، فإن طرحت بعد ذلك، كان فيها عقلها، لأن منفعتها قد ذهبت. وروي عن عمر أنها إذا اسودت ففيها ثلث ديتها. وقيل: فيها حكومة إذا اسودت، وبه قال الشافعي. (وإن) قلعت سن الصبي، فنبتت، فلا شيء فيها، إلا أن تنبت ناقصة الطول (عن ما) هو مثلها، فيؤخذ من الجاني بقدر ما نقصت، هذا مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال مالك: لأولياء الصبي أن يضعوا عقلها، فإن نبتت ردوها على أهلها. وقيل: في ذلك حكومة. وإذا أخذ الكبير دية سنه ثم نبتت، فلا يرد ما أخذ عند مالك، لأنه أخذه بحق. وقال أصحاب الرأي: يرد ما أخذ. واختلف في ذلك قول الشافعي. ولو جنى عليها آخر فسقطت، أخذ صاحبها إرشها تاماً. ولو قلعت سن قوداً ثم أخذها صاحبها فردها فالتحمت، فلا شيء عليه عند ابن المسيب، وهو قول عطاء، وقال: ليس له أن يردها ثانية، وإن ردها، أعاد كل صلاة صلاها وهي عليه، ويَجْبُره السلطان على قلعها مرة أخرى. وكذلك قول الثوري وغيره: تقلع ثانية، لأن القصص للشَّيْن، فلا بد من قلعها. وقال مالك في قصاص الأسنان: "الثنية بالثنية"، والرباعية بالرباعية والسفلى بالسفلى. ولا [تقاد] سن إلا بمثلها في موضعها، فإن لم يكن له مثل الذي طرح، رجع ذلك إلى العقل. ولو قلعت سن رجل فداواها وردها [فالتحمت]، فلا شيء فيها على الجاني عند مالك إذا عادت كهيئتها. وقال الشافعي: لا يسقط عن الجاني شيء مما وجب عليه. وفي السن الزائدة إذا قلعت - عند مالك - حكومة، وهو قول الثوري والشافعي. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث السن. فإن كسر بعضها أعطى صاحبها بحساب ما نقص منها، وهو قول الجماعة. [وأما] الأذنان: فإذا ذهب سمعهما ففيهما الدية، فإن قطعتا ولم يذهب السمع ففيهما الاجتهاد، هذا قول مالك. فإن ضرب رجل رجلاً فادعى المضروب أن سمعه ذهب، اغتفل المضروب وصيح به، فإن أجاب جواب من يسمع، لم يقبل قوله، وإن لم يجب، أحلف بالله: لقد صممت وما وجدت الصمم إلا منذ ضربت، فإذا حلف أعطي عقله كاملاً. وفي اللسان الدية. فإن قطع بعضه، نظر ما نقص من مخارج الحروف من ثمانية وعشرين حرفاً، فيكون على الفاعل - من الدية - بمقدار ما ذهب من كلامه. وليس في اللسان قود عند مالك، وروي عنه أنه قال: فيه القود إن كان يستطاع القود منه. وفي لسان الأخرس حكومة عند مالك والشافعي وأهل العراق وغيرهم. وقال النخعي: فيه الدية كاملة، وقال قتادة: فيه ثلثا الدية. وفي ذهاب الصوت الدية عند جماعة من الفقهاء، وقيل: فيه حكم. وفي كل اثنين من الإنسان الدية كاملة: في الأذنين والشفتين واليدين والرجلين ونحو ذلك. وعن زيد بن ثابت أن في الشفة السفلى ثلثي الدية، وفي العليا الثلث، وهو قول ابن المسيب والزهري. وفي اللحية حكومة عند ابن القاسم. وقال غيره: إن أنبتت فلا شيء فيها، وإن لم تنبت ففيها الدية. وفي نتف الحاجبين وأشفار العينين حكومة عند مالك "وإن لم تنبت". والأصابع إذا زالت من الكف ففيها عقل اليد. وفي اليد من المنكب دية اليد لا غير. وما كان من ذلك خطأ، حملته العاقلة، وما كان عمداً ففيه القصاص. وإذا شلت اليد أو الرجل فقد تم (عقلها)، فإن كان الضرب: عمداً، ضرب الضارب مثل ما ضرب. وإذا شلت [الأصابع] تمت ديتها، فإن قطعت الشلاء (أو) [الأصبع] الأشل، فإنما في ذلك حكومة في مال الجاني. ومن قطع يد رجل - ناقصة منها أصبع - قطعت يده ولا يسأل عن نقص [الأصبع]، أي: أصبع كانت. فإن كانت اليد تنقص أصبعين أو ثلاثة، لم يقطع يد الجاني، ولكن عليه العقل في ماله. ومن قطع (من) يد رجل أصبعين وما يليهما من الكف (في ضربة) واحدة، وجب عليه خمساً دية الكف. ومن قطع كفاً لا أصابع فيها، ففيها حكومة. ومن قطع يمين رجل - ولا يمين له -، فعليه العقل مثل عقل العمد - إذا قُبلت - من ماله. ومن أصيب أصبعه خطأً، أو ذهبت بأمر من الله، ثم قطع كفه خطأ، فإنما له أربعة أخماس الدية على العاقلة. وكذلك إذا ذهبت الأنملة، ثم قطع الكف، إنما له حساب ما بقي. وفي الظفر الاجتهاد إذا برأ على عثم، وإن كان عمداً ففيه القصاص. وروي عن النبي ﷺ أنه جعل في الأصابع عشراً عشراً وأصابع اليد والرجل سواء، لا فضل لبعضها على بعض. وروي عن عمر أنه قضى في الإبهام بثلاثة عشر، وفي التي تليها باثني عشر، وفي الوسطى بعشرة، وفي التي تليها بتسعة، وفي الخنصر بست. والأشهَر أنها سواء (عشر عشر) لكل واحدة. وفي كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا الإبهام ففيها الثلثان، في كل أنملة نصف دية [الأصبع]. وروي عن مالك أنه قال: في الإبهام ثلاثة أنامل: الثالثة مع الكف، ففي كل واحدة ثلث دية الأصبع كسائر الأصابع. وروي عنه أنه قال: الإبهام مفصلان: في كل مفصل نصف دية أصبع، وفي الثالثة التي تلي الكف حكومة، بمنزلة باقي الكف إذا قطعت بعد الأصابع. وعن عمر أنه جعل في اليد الشلاء والرجل الشلاء ثلث ديتها. وقال ابن شهاب: فيها نصف ديتها، ومثله الأصبع الأشل، وقال الشافعي: فيها حكومة. وفي الذّكَر الديةُ كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي ﷺ. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي الدية. وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. وفي الذّكَر الديةُ كاملة عند جميع العلماء، وهو مروي عن النبي ﷺ. وفرق قتادة: فجعل في الذي لا يأتي النساء ثلث الدية، وفي الذي يأتي الدية. وفي الحشفة: الدية كاملة عند مالك إذا قطعت خطأ، وهو قول الشافعي وغيره. فإن قطع القضيب بعد الحشفة ففيه اجتهاد عند مالك، وينتظر به حتى ينظر ما يحدث عليه من قطعه. فإن قطع من طرف الحشفة، قيس مقداره فيما بقي وكان بحساب ذلك، ولا يقاس ما بقي القضيب، لأن في الحشفة الدية كاملة. وفي الأنثيين - في الخطأ - الدية كاملة، وفي العمد القصاص. وفي بيضة واحدة نصف الدية. وقال سعيد بن المسيب: في اليسرى ثلثا الدية، لأن الولد منها، وفي اليمنى الثلث. وإن قُطع ذكر رجل وأنثياه، ففي ذلك ديتان، وكذلك إن قطعا في وقتين، ففي كل واحد الدية. وفي ذكر الخَصِيّ حكومة عند مالك، وفيه الدية "كاملة" عند الشافعي. وقال قتادة: فيه ثلث الدية. وفي كسر العظام إذا [كسرت] القصاص عند مالك: الساق بالساق، ولا قصاص فيما فوقه، ولا في كسر ظهر ولا فخذ. ويجتهد الإمام في اللطمة عند مالك. و "قد" قيل: فيها القصاص. وفي الموضحة - وهي الضربة التي توضح العظم - خمس من الإبل. وهي تكون في الرأس والوجه قال مالك: إنْ كانت التي في الوجه تَشِينهُ، زِيدَ على الجاني بقَدْر شَيْنِها. وليس موضحة البدن مثل موضحة الرأس والوجه. ولا يعجل بأخذ الدية من صاحب الموضحة حتى ينظر (إلى) ما يصير إليه أمرُها، فإن مات منها كان في ذلك قسامة. وقال مالك: يقاد من العمد، ولا يعقل جراحات الخطأ إلا بعد البرء، وإن اقتص من الجارح عمداً فبرأ، فإن كان جرحُه مثلَ جُرح المَجروح أوّلاً أو أكثر فلا شيء (عليه) للأول، وإن كان في الأول عثل وبرأ المقتص منه على غير عَثَلٍ، أو على عثل دون عثل الأول، اجتهد الإمام في الحكومة على قدر ما زاد شَيْنُ المجروح الأول. والموضحة في الوجه - عند مالك - من اللَّحْيِ الأعلى فما فوقه خاصة. و [لا] تكون الموضحة في الأنف عند مالك. وفي الموضحة - في سائر البدن - حكومة عند مالك والشافعي. وروي عن أبي بكر وعمر أن فيها نصف عشر دية ذلك العضو الذي وقعت فيه، وسند ذلك إليهما ضعيف. وفي الهاشمة القودُ عند مالك إلا أن يخاف منها فلا يقتص منها، وفيها عشر من الإبل. وفي المُنَقّلة خمسَ عشرة من الإبل عند مالك وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك والشافعي وغيرهما. والمُنَقِّلَة: (التي ينقل منها) العظام. وفي المأمومة - وهي التي تصل إلى أم الدماغ - ثلث الدية، وهو قول مالك وجماعة العلماء، ولا قود فيها عند مالك وأكثر العلماء. والشجاج - التي دون الموضحة - ست: أولها: الدامية: وهي التي تَدْمَى ولا يسيل دمها. ثم الدامعة: وهي التي يسيل دمها. ثم الخارصة: وهي التي تَحرِص الجلد (أي) تشقه قليلاً، ومنه قيل: حَرَصَ الثوبَ القَصَّارُ: إذا شَقّهُ. ثم الباضعة: وهي التي تشق الجلد وبعض اللحم. ثم المتلاحمة: وهي التي أخذت في اللحم أكثر من الباضعة. ثم السمحاق: وهي التي لم يبق بينها وبين العظم إلا قشرة "رقيقة" وكل قشرة رقيقة فهي سمحاقة، ويسميها أهل المدينة: المِلْطاة، وفي جميع ذلك - عند مالك والشافعي وغيرهما - حكومة. وقد حد غيرهم في كل نوع حدا: قضى زيد بن ثابت (ببعير في الدامية)، وفي الدامعة بنصف بعير، وفي الباضعة ببعيرين، وفي المتلاحمة بثلاثة أبعرة، وفي السمحاق بأربعة أبعرة. وروي عن علي في السمحاق مثل ذلك، وروي أن فيها نصف دية الموضحة، وروى مالك أن عمر وعثمان قضيا في [الملطاء]. وفي السمحاق بنصف الموضحة، وكان يرى فيها حكومة كسائرها. ورأى مالك: القصاص فيما دون الموضحة، مما ذكرنا إذا كان عمداً. وفي الْجَائِفَة ثلث الدية، قضى به رسول الله ﷺ، وبه قال مالك وغيره. ولا فرق بين العمد والخطأ في الجائفة. وفي الجائفة [النافذة] ثلثا الدية. وفي ثدي المرأة نصف الدية، وفيهما جميعاً الدية كاملة، هذا مذهب الجميع. وفي الحُلْمة - إذا انقطع لبَنُها - نصف الدية عند مالك. وفي ثدي الرجل حكومة عند مالك. وعن زيد بن ثابت أن فيها ثمن الدية. وقال الزهري: خمس من الإبل. * * وقوله: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ أي: من تصدق بجرحه، هدم عنه ذنوبه مثل ما تصدق به، [قاله] جابر بن زيد. وروى الشعبي عن رجل من الأنصار قال: سئل النبي عليه السلام عن قوله تعالى ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ قال: هو الرجل تُكسَرُ سِنُّه، أو يُجْرح في جَسَدِه فَيَعْفو عنه فَيُحَط من خَطاياه بقَدْر ما عفا: إن كان نصف الدّية فنصفُ خَطاياهُ، وإن كان ثُلثُ الدية فَثُلُث خَطاياهُ، وإن كان رُبُع الدية فَرُبُع خطاياه، وإن كانت الدية كلها فخطاياه كلها. وقال قتادة: "﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ يقول: لولي القتيل الذي عفا". فالهاء المجروح، أو لولي القتيل. وقيل: الهاء للجارح، والمعنى: إن تَصَدَّق المجروح على الجارح بإِرْش جُرحِه، فالصدقة كفارة للجارح، ليس يبقى عليه ذنب من الجرح. قال زيد بن أسلم: "إِنْ عَفا عنه، أو اقتص منه، أو قَبل منه الدية فهو كفارة له"، أي: للفاعل، وفي هذا القول بُعْدٌ، لأنه لم يَجْرِ ذكر للجارح، وإنما جرى ذِكرُ المجروحِ في ("مَنْ")، فالهاء تعود عليه أَوْلى، وهو اختيار الطبري، قال: ولأَنّ المعهود أن التكفير إنّما يكون للمتصدِّق دون المتصدَّق عليه. وقيل: الهاء في (بِهِ) لإرش الجرح، وفي (لَهُ) للجارح، أي: مَن تصدق بما وجب له من الإرش والدية ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾، أي: فذلك الفعلُ كفارةٌ للجارح والقاتل في حُكم الدنيا، و (مَن) اسم للمجروح (أو لولي) المقتول. وقيل: ("مَن") اسم للقاتل والجارح، والهاء في (به) تعود على القتل أو الجرح، والهاء في (له) تعود على القاتل أي: من تصدق بِبيان أنه هو القاتل وهو الجارح، فذلك الإقرار كفارة للمُقِرّ، لأنه قد أباح نفسه بإقراره لأخذ الحدّ منه، ورفع التُّهم عن الناس: قال مجاهد: إذا أصاب الرجلُ الرجلَ بأمر، ولم يعرف الفاعل، فاعترف الفاعل، وأقرّ، فهو كفارة له، وقد روي أن عروة بن الزبير أصاب عين رجل خطأً عند الركن فقال: أنا عروةُ، فإن كان بعينك [بأس فأنا] بها.

المائدة 5:46

قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعَيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية. المعنى: و "أَتْبَعْنا عيسى بنَ مريم على آثارِ النبيين الذين أسلموا من قبلك". ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَوْرَاةِ﴾ أي: مصدقاً لما أتى به موسى "قبله". ﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلإِنجِيلَ﴾ أي: أعطيناه كتاباً اسمه الإنجيل، ﴿فِيهِ هُدًى﴾ أي: بيانُ ما جهِله الناس من حكم الله في زمانه، ﴿وَنُورٌ﴾ أي: وضياء من عمى الجهالة، ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: وجعلنا الإنجيل مصدقاً لما قبل عيسى من التوراة وغيرها من الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه قبل عيسى، ﴿وَهُدًى﴾ أي: هدى إلى صحة ما أنزل الله على أنبيائه من الكتب، ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ أي: [زجراً] لهم عما يكرهه الله إلى ما يحبه من الأعمال، ﴿لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: للذين خافوا الله واتقوا عقابه.

المائدة 5:47

قوله: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلإِنْجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ﴾ الآية. مَن كسر اللام ونصب الفعل في ﴿لْيَحْكُمْ﴾، جعلها لام "كي"، والمعنى: أعطيناه ذلك كي يحكم أهل الإنجيل، فخالفوا حكمه. ومن أسكن اللام، جعلها لام الأمر، والمعنى: وأمرْنا أهله أن يحكموا بما أنزل الله فيه، فلم يفعلوا ما أُمِروا به. قال ابن زيد: كل شيء في القرآن "فاسق" فهو بمعنى "كاذب" إلا قليلاً، فالفاسقون هنا الكاذبون.

المائدة 5:48

قوله: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾ الآية. المعنى: أنه خطابٌ للنبي ﷺ، والكتاب - هنا -: القرآن، ومعنى ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: يصدق ما قبله من كتب الله أنها حق من الله، ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أي: شهيداً على الكتب أنها حق، وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال للرجل إذا حفظ الشيء وشَهِدَه: "قد هَيْمَنَ، يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً". قال ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ أي: شهيداً" عليه، وهو قول السدي. وقال قتادة: مهيمناً: [أي]: أميناً وشاهداً. وقال ابن جبير: ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ ([أي] مؤتمناً)، القرآن مُؤتمن على ما قبله من الكتب، وكذلك (روي أيضاً) عن ابن عباس والحسن وعكرمة. وقال عبد الله بن الزبير: المهيمن: القاضي على ما قبله من الكتب. وقال المبرد: الأصل "مُؤَيْمن"، ثم أُبدِل من الهمزة هاء. قال أبو عبيد: يقال: هيمن على الشيء، إذا حفظه. وقرأ مجاهد وابن محيصن: ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ بفتح الميم. قال مجاهد: "محمد عليه السلام مؤتمن على القرآن". فيكون على قول مجاهد ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ حالاً من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾. وعلى قول غيره حال من الكتاب، مثل: ﴿مُصَدِّقاً﴾. والهاء في ﴿عَلَيْهِ﴾ - في قول مجاهد - تعود على الكتاب (الأول الذي هو القرآن. وعلى قول غيره تعود على الكتاب) الثاني الذي هو بمعنى الكتب المتقدمة التي القرآن يصدقها ويشهد عليها بالصحة أنها من عند الله. وقد طعن قوم في قول مجاهد من أجل الواو التي مع "مهيمن"، لأن الواو توجب عطفه على "مصدق"، و "مصدق" حال من الكتاب الأول، والمعطوف شريك المعطوف عليه، قال: ولو كان حالاً من الكاف التي للنبي ﷺ في ﴿إِلَيْكَ﴾، لم يؤت بالواو، فالواو تمنع من ذلك. ولو تأول متأول أن ﴿مُصَدِّقاً﴾ حال من الكاف في ﴿إِلَيْكَ﴾، ﴿وَمُهَيْمِناً﴾ عطف عليه، لَبَعُد ذلك، من أجل قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، ولم يقل "يديك". وهو جائز على بُعدِه على التشبيه بقوله: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] بعد قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾. فإن تأولته على هذا، كان "مصدق" و "مهيمن" حالين من الكاف التي هي اسم النبي ﷺ، فهو المصدق للكتب المتقدمة، والمؤتمن على الكتاب، وهو القرآن. * * وقوله: ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ أي: إذا أتوك فاحكم بينهم بشرائع الله التي [أنزلها] عليك، ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ إذ قالوا: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُواْ﴾ [المائدة: ٤١] أي: إن حَكَم بينكُم (في المحصنين) بالتَّحْميم والجَلْدِ بِحَبْل ليف فاقبلوا منه، وإن لم يحكم بذلك فاحذروا أمره ولا تتبعوه، وذلك قول يهود فَدَك ليهود المدينة، فأمر الله نبيَّه ألا يتبع أهواءهم في ذلك، وأن يحكم بما أنزل الله أي: بحدوده. * * قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً [وَمِنْهَاجاً]﴾ أي: شريعة، ﴿وَمِنْهَاجاً﴾ أي: طريقاً واضحاً. قال قتادة: معناه أن للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يُحِلُّ الله فيها ما يشاء، ويُحرِّم ما يشاء لِيَعْلَم أهل طاعته، والإخلاصُ واحد، والتوحيدُ واحدٌ لا يختلف، ولا يقبل غيره، وهو الإسلام، فالإسلام دين الأنبياء كلهم وشرائعهم في (الحلال والحرام) والصلاة والصوم وغير ذلك من العبادات مختلِفٌ على ما أراد الله من أمة كل نبي، لِيبلوَ الجميع بما يشاء من أحكامه، فَيَجْزِي الطائعَ ويعاقب العاصي، لا إله إلا هو. وقال مجاهد: معناه: لِكُلِّكُم جعلنا القرآن شِرعةً ومنهاجاً، أي: شرعة وطريقاً واضحاً، عنى بذلك أمة محمد ﷺ خاصة، هذا معنى قوله. واختار الطبري القول الأول، وهو أن يكون: لكل أمة جعلنا شريعة وطريقاً، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي يجعلكم (كلكم) - أيها الأُممُ - على شريعة واحدة، قال: ولو عنى بذلك أمة محمد ﷺ لم يكن لقوله ﴿لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فائدة، لأنهم أمة واحدة - أمة محمد - قد فعل بهم ذلك. ويدل على أنه أراد به الأمم (أنه قد جرى) ذكر الكتب التي قبل القرآن، وذكر عيسى وغيره، فرجع الكلام على ذلك. وقال ابن عباس (شرعة ومنهاجاً): سبيلاً وسنة، وكذلك قال الحسن ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك: إن الشرعة السبيل، والمنهاج السنة. ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: على دين واحد وعلى شريعة واحدة. قوله تعالى: ﴿وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم﴾ في الكلام حذف، والمعنى: ولكن جعل شرائعكم مختلفة ليختبركم فيما آتاكم من شرائعه. وهذا خطاب للنبي ﷺ، والمراد به النبي ومن معه ومن مضى من الأمم. ﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ أي: فبادروا إلى عملها قبل أن تعجزوا عنها بموت أو هرم أو مرض، فإن (مرجعكم إلى الله)، فيجازيكم بأعمالكم، ويخبر كل فريق بعمله، ويبين المحق من المبطل، (وتنقطع الدعاوى، لأن الأنبياء قد أخبرت بالمحق من المبطل) في الدنيا، ولكن الدعاوى لم تنقطع، ففي الآخرة تنقطع الدعاوى وتقع الحقائق.

المائدة 5:49

قوله: ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ الآية. هذا معطوف على ﴿ٱلْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨] أي: وأنزلنا إليك الكتاب بالحق وبأن احكم بينهم. وهذا - عند جماعة - ناسخ للتخيير الذي تقدم في الحكم بينهم، أمره الله بالحكم بينهم وأن لا يتبع أهواءهم في الأحكام التي قد أحدثوها في القتيل من بني النضير ومن قريظة، وفي التحميم الذي جعلوه على المحصن من عند أنفسهم، حذّره منهم أن يفتنوه عن الحكم الذي أنزل الله فيردوه إلى [حكمهم]. ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أي: أعرضوا عن الاحتكام إليك والرضا بحكمِك، فاعلم أن ذلك إنما هو من الله ليعجل لهم عقوبة ذنوبهم السالفة في عاجل الدنيا. ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ يريد به اليهود، إنهم لتاركون العمل بكتاب الله وخارجون من طاعته: ذكر ابن عباس أن بعض علماء اليهود قالوا: امضوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه، فقالوا: قد علمت أننا علماء يهود وأشرافها، وإنا إذا اتَّبعْناك [اتّبَعَنا] يهود، فنؤمن بك كلنا، وبيننا وبين قوم خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك. فأبى ذلك النبي ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ﴾ الآية. قال ابن زيد: معنى ﴿أَن يَفْتِنُوكَ﴾: أن يقولوا لك كذا وكذا في التوراة بخلاف ما فيها، قد بين الله له ما في التوراة، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، يعني: كتب ذلك في التوراة.

المائدة 5:50

قوله: ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآية. قرأ الحسن وقتادة والأعمش ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ﴾، والحَكَم والحاكم سواء، والعامل فيهما [(يبغون)]، والحُكْم في الجاهلية: الكاهن. ومن قرأ بالتاء في (تبغون) فمعناه قل لهم يا محمد، أفحكم الجاهلية تبغون، على المخاطبة، ومن قرأ بالياء، فعلى الخبر من الله عنهم. ومعنى (تبغون) تطلبون، وهو خطاب وتوبيخ لهؤلاء اليهود الذين لم يرضوا بحكم رسول الله، ثم وبخهم أيضاً فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْماً﴾ أيها اليهود عند من كان يؤمن بالله، فأي حكم أحسن من حكم الله؟!.

المائدة 5:51

قوله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية. أكثر العلماء على أن المأمور بذلك جميع المؤمنين. وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت وعبد الله بن أبي بن سلول، كان بينهما وبين بني قَيْنُقاع عهد وحلف، فلما حاربت بنو قينقاع النبي عليه السلام، قام دونهم عبد الله بن أبيّ و[حاجّ] عنهم، ومضى عبادة بن الصامت إلى النبي عليه السلام [وتبرأ] من حلفهم وعهدهم وقال: أنا أتولى الله ورسوله والمؤمنين. وقال الزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال بعض اليهود: غركم أن أصبتم رهطاً من قريش لاَ عِلْمَ لَهُمْ بالقتال، أما أنّا لو عزمنا عليكم واستجمعنا لم يكن لكم يَدان بقتالنا، فتبرأ عبادة بن الصامت عند رسول الله من أوليائه من يهود، فقال عبد الله ابن أبي: لكن أنا لا أبرأ من ولاء يهود، أنا رجل لا بد لي منهم، فأنزل الله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَى﴾ الآية. وقيل نزلت في قوم من المؤمنين (هموا - حين) نالَهم بأُحُدٍ ما نالهم - أن يأخذوا من اليهود والنصارى عُصَمَاء، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك. وقال السدي: لما كانت وقعة بأُحُدٍ، اشتد على قوم ذلك، فقال رجل لصاحبه: [أما أنا] فأَمُرُّ بذلك اليهودي فآخُذُ منه أماناً، فإِنِّى أخاف أن يِدَّال علينا، وقال آخر: أما أنا فألحق بفلان النصراني فآخُذُ منه أماناً، فأنزل الله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ﴾ الآية. وقال عكرمة: بعث رسول الله عليه السلام أبا لُبابة - من الأوس - إلى قريظة حين نقضت العهد، فلما أطاعوا له بالنزول أشار إلى حُلقِه: الذَّبح (الذبح)، فأنزل الله الآية فيه. وقيل: نزلت في المنافقين، لأنهم كانوا يخبرون اليهود والنصارى بأسرار المؤمنين ويوالونهم. والاختيار عند الطبري أن يكون نهياً عاماً لجميع المؤمنين. * * وقوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي: اليهود بعضهم أنصار بعض، وكذلك النصارى ففيه معنى التحريض للمؤمنين: أن يكون أيضاً بعضهم أولياء بعض. * * قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ أي: من والاهم فهو منهم، لأنه لا [يواليهم] إلا وهو بدينهم راض، فهو منهم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾ أي: "لا يُوَفِّقَ" من وضع الولاية في غير موضعها، فوالى اليهود والنصارى مع عداوتهم لله ورسوله".

المائدة 5:52

قوله: ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ [يُسَارِعُونَ فِيهِمْ]﴾ الآية. هذه الآية بيان لما في الآية التي قبلها، والمعنى: ترى قوماً في قلوبهم مرض يسارعون في ولاية اليهود والنصارى، ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ أي: تكون الدائرة علينا، فيوالون اليهود والنصارى لضُعْفِ إيمانهم. وقيل: يعني بذلك عبد الله بن أبي بن سلول المنافق. وقال مجاهد: كان المنافقون يَصَانِعُونَ اليهود ويَسْتَرْضُونَهم ويستعرضون أولادهم يقولون: نخشى أن تكون الدائرة لليهود، وفيهم نزلت الآية، وكذالك قال قتادة. قال ابن عباس: معنى قولهم: ﴿نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ (أي): نخشى (ألا يدوم) الأمر لمحمد ويغلب علينا المشركون. وقيل: يراد بها عبد الله بن أبيّ المنافق وأصحابه، لأن النبي ﷺ لم يزل في طلب بني قَيْنُقاع حتى أسرهم، ولم يزل عبد الله بن أبي يسأل فيهم حتى خلاهم له وقال: خذهم لا بارك الله لك فيهم، فماتوا حتى بقي منهم نافخ النار. وقيل: المعنى: نخشى أن يصيبنا قحط فلا يفضلوا علينا، فيوالونهم لذلك. والأول أحسن لقوله: ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِٱلْفَتْحِ﴾ أي: بالنصر. (و) قال ابن عباس: فأتى الله بالفتح، فَقُتِلَتْ مُقَاتِلَة قُريظَةَ، وسُبِيَت ذراريهم، وأُجْليَ بنو النضير. * * ومعنى ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ يخبر بأسماء المنافقين الذين يوالون اليهود والنصارى. * * ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ (فِيۤ أَنْفُسِهِمْ)﴾. (من) موالاة اليهود والنصارى ﴿نَادِمِينَ﴾. وقيل: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ إيجاب الجزية على اليهود والنصارى. وقيل معنى: ﴿أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ بالخصب. ومعنى: (بالفتح): فتح مكة، فيصبحوا نادمين إذا رأوا النصر. وقيل: الفتح: القضاء، ومن قوله: ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩].

المائدة 5:53

قوله: ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ الآية. من نصب (يقولَ) عطفه على (أن يأتي)، وهو بعيد جداً، لأنك (لو قلت): "عسى زيد أن يقوم ويأتي عمروا" لم يجز، كما لا يجوز: "عسى زيد أن يقوم عمرو". ولو قلت: "عسى أن يقوم زيد ويأتي عمرو "حَسُنَ، كما يَحسُن" "عسى أن يقوم عمرو". فلو كان نص الآية: "فعسى أن يأتي الله بالفتح"، حَسُن العطف، وإنما تجوز الآية على أن تحمل على المعنى، لأن قولك: "عسى أن يأتي الله بالفتح" و "عسى الله أن يأتي بالفتح"، سواء فيجعل النصب على المعنى، ويكون مثل قول الشاعر: ؎ مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً ومعنى الآية أنها متعلقة بما قبلها، والمعنى: ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ إذا رأوا النصر، ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بعضهم لبعض، تعجّباً منهم ومن نفاقهم: ﴿أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ مؤمنين والمعنى - على [قراءة] من أتى بالواو - مثل ذلك وهو أبين. ومن قرأ بالنصب فمعناه: وعسى أن يقول الذين آمنوا كذا وكذا. وقال مجاهد: المعنى: ﴿فَيُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [حينئذ] ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ﴾ إنهم مؤمنون. قال الكلبي: فجاء الله بالفتح، فأمر الله نبيه بقتل بني قريظة وسبي ذراريهم وإجلاء [بني] النضير، فندم المنافقون حين أُجلِيَ أَهْلُ وَدِّهِمْ، وظهر (نفاقهم)، فعند ذلك قال المؤمنون - بعضهم لبعض - ﴿أَهُـۤؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾.

المائدة 5:54

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ﴾ الآية. هذه الآية وَعيدٌ لمن يرتد فيما يُستقبل، لأن الله تعالى قد علم أنه سيرتد بعد وفاة نبيه قوم. * * وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: قال الحسن والضحاك وغيرهما: هم أبو بكر الصديق وأصحابه، رَدُّوا من ارتد بعد النبي وقال: لا نؤدي الزكاة إلى [أهل] الإيمان. وقيل: هم أهل اليمن. وقيل هم آل أبي موسى الأشعري، روي أن النبي ﷺ أَوْمَأ إلى أبي موسى الأشعري عند نزول هذه الآية، وقال: هم قوم هذا، وهم أهل اليمن . وعن مجاهد أنه قال: "هم قَوْمُ سَبَإٍ". وقال السدِّي: هم الأنصار. * * وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (أي) جانبهم لين للمؤمنين ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ﴾ أي: جانبهم خشن على الكافرين. وقيل: (أعزة) بمعنى أشداء عليهم ذوي غلظة. وقال علي بن أبي طالب: أذلة: ذوي رأفة" وأعزة: ذوي عنف. وقال ابن جريج: أذلة: رحماء، أعزة: أعداء. ﴿يُجَاهِدُونَ﴾ أي: يجاهدون من ارتد ولم يؤمن، ﴿وَلاَ يَخَافُونَ﴾ في جهادهم ذلك ﴿لَوْمَةَ لاۤئِمٍ﴾. وهذا مما يدل على صحة خلافة أبي بكر، لأنه جاهد بعد النبي من ارتد لم يرجع لقول قائل، وقد كان كسر عليه جماعة عن قتال أهل الردة فأبى إلا قتلهم، فقاتلهم حتى رجعوا إلى الإسلام وأداء الزكاة، فرأى كل من كسر عليه أولاً أن الذي فعل هو الصواب، رضي الله عنهم أجمعين.

المائدة 5:55

قوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية. هذه الآية راجعة إلى ما تقدم من تحذير الله المؤمنين أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، فأعلمهم في هذه [الآية] أن الذي هو وليهم الله ورسوله والذين آمنوا. وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت حين تبرأ من ولاية يهود. وقال: الكلبي: بلغنا أن عبد الله بن سلام ورهطاً من مسلمي أهل الكتاب أتوا النبي عند صلاة الظهر، فقالوا: يا رسول الله، بيوتنا قاصية، ولا نجد متحدثاً دون المسجد، وإنَّ قومنا لَمَّا رأونا صَدَّقْنا الله ورسوله وتركنا دينهم، أظهروا لنا العداوة، وأقسموا ألا يخالطونا ولا يجالسونا، فشق ذلك علينا. فبينما هم يشكون ذلك إلى النبي حتى نزلت ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، فلما قرأها رسول الله ﷺ عليهم قالوا: رضينا بالله ورسوله والمؤمنين أولياء، وأذن بلال بالصلاة، فخرج رسول الله والناس يصلون بين قائم وراكع وساجد، وإذا هو بمسكين يسأل، فدعاه رسول الله ﷺ فقال له: هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم، قال: ماذا؟ قال: خاتم من فضة، قال: مَن أعطاكَ؟ قال: ذلك الرجل القائم، فإذا هو عليّ، قال: على أي: حال أعطاك؟ قال: أعطانيه وهو راكعٌ. فزعموا أن رسول الله كبَّر عند ذلك قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، قيل: هو علي بن أبي طالب، تصدق وهو راكع. قال السدي مرَّ به سائل - وهو راكع - فأعطاه خاتمه. وقيل: عنى به جميع المؤمنين.

المائدة 5:56

قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. المعنى: أن الله أعلم أن من [تبرأ] من يهود - الذين هم حزب الشيطان - ووالى الله ورسوله والذين آمنوا، هم حزب الله، ﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، والحزب: الأنصار.

المائدة 5:57

قوله: ﴿ـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ الآية. ومعنى الآية: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى بـأنهم اتخذوا الإسلام هزواً ولعباً، وهم (قد) أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني التوراة والإنجيل. و [حذرهم] ألا يتخذوا الكفار أولياء، وهم مشركو قريش. فمن نصب (الكفار) فالمعنى فيه: أنه تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء ولم يخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزواً ولعباً كأهل الكتاب. ومن خفض فمعناه أنه تعالى نهانا عن اتخاذهم أولياء، وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزواً ولعباً كما فعل أهل الكتاب. ومعنى اتخاذهم ديننا هزواً ولعباً: هو إيمانهم: ثم كفرهم وإظهارهم خلاف ما يبطنون أخبر الله عنهم أنهم ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَالُوۤا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه (في اتخاذهم) أولياء، ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي: مصدقين بالله.

المائدة 5:58

قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاَةِ﴾ الآية. المعنى: أنه إخبار عما يفعل اليهود والنصارى، أنهم كانوا إذا نودي بالصلاة سَخِرُوا ولعِبوا من ذلك، لأنهم قوم لا يعقلون، ما في إجابتهم إليهم لو فعلوا، وما عليهم إذا سخروا من العقاب على ذلك. قال السدي: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع في النداء "أشهد أن محمداً رسول الله" (قال): "حُرِّقَ الكَاذِبُ" فدخلت خادم - ذات (ليلة من الليالي) - بنار - وهو نائم - فسقطت [شرارة] من النار فأحرقت البيت واحترق هو وأهله. وقال ابن عباس: ضحك قوم من اليهود والمشركون من المسلمين وقت سجودهم فأنزل الله (هذه). الآية. قال الكلبي: كان إذا نادى منادي رسول الله للصلاة، قالت اليهود والمشركون: قد قاموا، لا قاموا، وإذا ركعوا سخروا (و) استهزأوا بهم وضحكوا.

المائدة 5:59

قوله: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ الآية. المعنى: قل يا محمد لليهود والنصارى: هل [تكرهون] منا وتجدون علينا شيئاً من الأشياء إلا إيماننا بالله وإقرارنا به، وبما أنزل إلينا، وبما أنزل من قبل أي: التوراة والإنجيل وجميع الكتب؟ ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: وهل تنقمون منا إلا أن أكثركم فاسقون؟، كأنه: هل تنقمون إلا إيماننا وفسقكم؟. ومنع بعض العلماء حمل ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ﴾ على ﴿تَنقِمُونَ﴾، وقال: كيف يجوز "هل تنقمون (منا) إلاَّ فسقكم"، والفسق منهم، فغير جائز أن ينقموا على غيرهم فسقهم، قال: وإنما هو مردود على (بالله) أي: هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وبأن أكثركم فاسقون. وذكر ابن عباس أن ناساً من يهود أتوا النبي ﷺ [فسألوه] عمن يؤمن به من الرسل، فقال: ﴿آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ [وَعِيسَىٰ]﴾، وما أوتي النبييون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا: "لا نؤمن (بمن آمن) به"، فأنزل الله ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ الآية.

المائدة 5:60

قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً﴾ الآية. * * ﴿مَن لَّعَنَهُ (ٱللَّهُ)﴾ [من]: في موضع رفع، كما قال: ﴿شَرٌّ﴾: النار. والتقدير فيه هو: لَعْنُ مَن لَعَنَهُ الله ويجوز أن تكون ﴿مَن﴾ في موضع نصب ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾، ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من ﴿شَرٌّ﴾. والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا [دينكم] هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب والكفار -: هل أنبئكم بشر من ثواب ما تنقمون هو لعن ﴿مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ﴾، وهم أصحاب السبت من اليهود. وقرأ حمزة ﴿وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ﴾ بضم الباء وخفض الطاغوت، بإضافة "عبد" إليه، ومعناه: وخَدَمُ الطَّاغُوتِ. ﴿أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً﴾ أي: شر من هؤلاء الذين نَقَمتُم عليهم لإيمانهم بالله وبما أنزل من قبل، ﴿وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: أجْوَرُ عن قصد الحق، وهذا كلام فيه تعريض لليهود الذين نقموا إيمان المؤمنين، فهم [المُعْنيون] بذلك. وقيل: المعنى: أولئك الذين نقموا عليكم - أيها المؤمنين - شرُّ مَكاناً عند الله من الذين لعنهم الله، وجعل منهم القردة والخنازير. وقيل: المعنى أولئك الذين آمنوا شرّ؟ أم مَن لعنه الله؟، (ويعني به المقول) لهم ذلك من اليهود.

المائدة 5:61

قوله: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا﴾ الآية. المعنى: وإذا جاءكم - أيها المؤمنون - هؤلاء المنافقون من اليهود، قالوا: "آمنا"، وقد دخلوا عليكم بالكفر إذا جاؤكم، وخرجوا به أيضاً كما دخلوا، لم يحولوا عما يعتقدون، وإنما كذبوا بألسنتهم وقالوا ما لا يعتقدون، ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا [كَانُواْ] يَكْتُمُونَ﴾ من كفرهم، قال السدي: هؤلاء ناس من المنافقين - كانوا يهود - دخلوا كفاراً (وخرجوا كفاراً)، إذ لم ينتفعوا بما سمعوا.

المائدة 5:62

قوله: ﴿وَتَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ﴾ الآية. المعنى: ترى يا محمد كثيراً من هؤلاء اليهود يسارعون في الأثم، [أي] في الكفر، والعدوان، وهو مجاوزة حدود الله، فمعنى ذلك أنهم يسارعون في معاصي الله وترك حدوده، ويسارعون في أكلهم السحت، وهو الرشا في الأحكام. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [في الكلام معنى القسم، والمعنى: أقسم بالله لبئس ما كانوا يعملون] في مسارعتهم في الإثم والعدوان وأكلهم السحت.

المائدة 5:63

قوله: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ ٱلرَّبَّانِيُّونَ وَٱلأَحْبَارُ﴾ الآية. المعنى: هلاَّ ينهاهم عن ذلك الربانيون، وهم أئمتهم وعلماؤهم. وقيل: وُلاتهم. (والأحبار) (و) هم الفقهاء والعلماء. ﴿عَن قَوْلِهِمُ ٱلإِثْمَ﴾ وهو الكفر. وقيل: ﴿وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ﴾ وهو الرشوة في الأحكام. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ أي: لبئس صنيع الربانيين والأحبار إذ لا ينهون عامتهم عن ذلك. وهذه الآية أشد آية وُبِّخ فيها العلماء، قال ابن عباس: ما في القرآن آيةٌ أَشَدُّ توبيخاً من هذه، والمعنى: أقسم [لبئس ما] كانوا يصنعون. وقرأ أبو الجراح (الرِّبِّيُّون) وهم [الجماعات]، مأخوذ من الرِّبَّة، والرِّبَّةُ: الجماعة، ونُسب إليها فقيل: رِبِّيٌّ، ثم جُمع فقيل: رِبِّيُّونَ.

المائدة 5:64

قوله: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآية. هذه الآية من أدل دليل على صحة نبوة محمد ﷺ، إذ أخبرهم بمكنون سرهم وخفي اعتقادهم. ومعنى قولهم ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾: "خير الله مُمسَك" وعطاؤه محبوس عن الاتساع عليهم واليد - هنا - بمنزلة قوله تعالى في تأديب نبيه: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تقتر في النفقة حتى تضر بنفسك وبمن معك، ﴿(وَ) لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] أي: لا تسرف في الإنفاق والتبذير، فتبقى لا شيء لك. وإنما خصت اليد بأن جعلت في موضع الإمساك والإنفاق، لأن عطاء الناس وبذلهم مَعْروفهم، الغالب عليه باليد، فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضاً بالكرم أو بالبخل بأن أضافوه إلى اليد التي بها يكون العطاء والإمساك، فخوطبوا بما يتعارفونه في كلامهم، فحكى الله عن اليهود أنهم قالوا ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: أنه يبخل علينا بالعطاء كالذي يده مغلولة عن العطاء، تعالى الله عما قال أعداء الله علواً كبيراً. وقال بعض المفسرين (في) معنى الآية: نعمة الله مقبوضة عنا. لأنهم كانوا إذا نزل بهم خير، قالوا: يد الله مبسوطة علينا، وإذا نزل بهم ضيق وجدْبٌ، قالوا: يد الله مقبوضة عنا، أي: نعمته وأفضاله. وقد قيل: في قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: أنهما مطر السماء ونبات الأرض، لأن النعم (بهما ومنهما) تكون. * * قوله: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: من الخير، ﴿وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ أي: أبعدوا من رحمة الله عز وجل لقولهم ذلك. وقيل: غلت في الآخرة، وهو دعاء عليهم. ثم قال تعالى - راداً لما حكى من قولهم -: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: بالبذل والإعطاء، ﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي: يعطي: فيحرم هذا ويُقَتِّرُ عليه، ويُوسِّع على هذا. قال عكرمة ومجاهد والضحاك: قولهم ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ معناه: أنه بخيل ليس بالجواد. وكذلك معنى قول ابن عباس وغيره. * * قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ قيل: معناه: نعمتاه الظاهرة والباطنة على خلقه مبسوطتان. وقيل: معناه: نعمتاه، يعني نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة. والعرب تقول: "لفلان عند فلان يد"، أي: نعمة. وقيل: عنى بذلك القوة، كقوله: ﴿أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥] أي: أصحاب القوة والبصائر في الدين. وقد قيل في معنى قولهم: ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي: عن عذابنا، [أي يده مقبوضة عن عذابنا، و] معنى ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: [مطلقتان]. واليد - عند أهل النظر والسنة في هذا الموضع وما كان مثله - صفة من صفات الله، ليست بجارحة، فعلينا أن نصفه بما وصف به نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يحل لأحد أن يعتقد الجوارح لله، إذ ليس كمثله شيء، و (أن ما) وقع من ذكر هذا وشبهه، وذكر المجيء والإتيان، صفات لله، لا أنها فيها انتقال وحركة وجارحة، فسبحان من ليس كمثله شيء من جميع الأشياء، فلو أنك أثبت له حركة أو انتقالاً أو جارحة لكنت قد جعلته كبعض الأشياء الموجودة، وقد قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فاحذر أن يتصور في عقلك أن البارئ جل ذكره يشبه شيئاً من الأشياء التي عقلت وفهمت، ومتى فعلت شيئاً من هذا فقد ألحدت، وأهل السنة يقولون: ان يديه غير نعمته. * * وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي: ليزيدنهم ما أطلعناك عليه من خفي اعتقادهم، وسوء مذهبهم، ﴿طُغْيَاناً﴾ عن الإيمان بك، ﴿وَكُفْراً﴾ بما جئت به. ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ﴾ أي: بين اليهود والنصارى. وهو مردود إلى قوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَارَىٰ أَوْلِيَآءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ﴾ [المائدة: ٥١]. ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ﴾ أي: كلما أجمعوا أمرهم على شيء شتته الله وأفسده عليهم. قال قتادة: (لن تلقى) يهودياً ببلد إلا وجدته (من) أذل أهل ذلك البلد، ولقد جاء الإسلام - حين (جاء - وهم) تحت أيدي المجوس أبغض خلق الله إليه. وهو كلام تمثيل، وتحقيقه: كلما تجمعوا لتفريق المؤمنين وحربهم، شتتهم الله و [محقهم]. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً﴾ أي: يسعون في إبطال الإسلام، والكفر برسوله وآياته، ﴿وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ أي: "من كان عاملاً بمعاصيه".

المائدة 5:65

قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ﴾ الآية. المعنى: لو أن اليهود والنصارى آمنوا بالله و [رسوله]، واتقوا مخالفتهما، ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ [سَيِّئَاتِهِمْ]﴾ أي: لغطينا ذنوبهم وسترنا عليها. ﴿وَلأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ أي: بساتين يتنعمون [فيها] في الآخرة.

المائدة 5:66

قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ ٱلتَّوْرَاةَ [وَٱلإِنْجِيلَ]﴾ الآية. أي: لو أن اليهود أقامت التوراة، أي: عملت بما فيها وأقرت بما فيها من صفة النبي ونبوته، ولو أن النصارى أقامت الإنجيل، أي: عملت بما فيه وأقرت بصفة النبي ونبوته التي هي فيه، ﴿وَ[مَآ] أُنزِلَ إِلَيهِمْ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ يعني القرآن، أي: وأقاموا ما أنزل إليهم من ربهم، والمعنى في ذلك: التصديق بجميع الكتب. (و) قوله: ﴿لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي: من قطر السماء، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾: من نبات الأرض. وقيل: معناه التوسعة عليهم في الأرزاق كما يقول القائل: "هو في خير من قرنِهِ إلى قدمه". ﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ﴾: أي مؤمنة بمحمد. وقيل: مقتصدة في القول في عيسى أنه ﴿رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ﴾. قال مجاهد: هم مسلمو أهل الكتاب. ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عملهم مذموم.

المائدة 5:67

قوله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. والمعنى: أن الله تعالى: أكد على النبي في تبليغ ما أنزل إليه من ربه، لأنه كان يرفق بالناس في أول الإسلام وابتدائه، فأمر بالاجتهاد في التبليغ. * * وقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: إن تركت آية وكتمتها، لم تبلغ رسالته، قاله ابن عباس. وقيل: المعنى: إن (لم) تبلغ ذلك معلناً، غير مُتَوَقٍّ أمراً، فما بلغت، وهو مثل قوله ﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: أمره تعالى بالتبليغ، وأخبره بالعصمة من الناس. قال ابن جبير: لما نزلت ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾، قال رسول الله ﷺ: لا تحرسوني، فإنّ ربي قد عصمني. وكان ناس من أصحابه يتعقبونه في الليل، فلما نزلت ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾، قال: يا أيها "الناس" إِلْحَقُوا بملاحقكم، فإن الله قد عصمني من الناس. وروي أن النبي كان إذا نزل منزلاً، اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها، فأتاه أعرابي فخرط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ فقال النبي: الله، فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف من يده، وضرب برأسه الشجرة حتى (انْتَثَرَ) دماغه، فأنزل الله ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾. وقيل: كان "النبي" صلى الله عليه يخاف قريشاًَ، فلما نزلت هذه الآية، استلقى ثم قال: من شاء فَلْيَخْذُلني، مرَّتين أو ثلاثاً

المائدة 5:68

قوله: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ﴾ الآية. المعنى: لستم على دين حتى تصدقوا بما في التوراة من الفروض وصفة محمّد، و [بما] في الإنجيل، وتصدقوا [بما] أنزل إليكم من ربكم، وهو القرآن الكريم. (و) قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ مَّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي: ليزيدنهم ما أطْلَعْتُكَ عليه من أمرهم، ﴿طُغْيَاناً﴾ أي: تجاوزاً في التكذيب، ﴿وَكُفْراً﴾ أي: [وجحوداً لنبوتك] ﴿فَلاَ تَأْسَ﴾ أي: لا تحزن عليهم، فإنهم كافرون.

المائدة 5:69

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ﴾ الآية. مذهب الخليل وسيبويه في [الصَّابون] أنه رفع على أنه عطف على موضع (إن) وما عملت فيه. وقال الكسائي والأخفش: هو عطف على المضمر في ﴿هَادُواْ﴾. وقو قول مطعون فيه، لأنه يلزم أن يكون ﴿ٱلصَّابِئُونَ﴾ دخلوا في اليهودية. وقال الفراء: إنما جاز الرفع، لأن ﴿ٱلَّذِينَ﴾ لا يظهر فيه عمل (إن). وأجاز الكسائي: إن [زيدا وعمرو]. قائمان "قال: لضعف "إن" واستدل بقول الشاعر: ؎ فإني وقيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ. وقال الفراء: لا حجة للكسائي في هذا البيت، لأن قيارا قد عطف على اسم مكنّىً عنه، والمكنّى لا يتبيَّن فيه الإعراب كـ ﴿ٱلَّذِينَ﴾، فهل فيه أن يعطف على الموضع. وقرأ [سعيد] بن جبير "والصَّابِينَ" بالنصب، على ظاهر العربية. ومعنى الآية: أن الذين آمنوا بألسنتهم، يعني المنافقين، واليهود والصّابين والنصارى، من آمن منهم، أي: من حقّق الإيمان بمحمد - وما أتى به - بقلبه، وباليوم الآخر، وعمل صالحاً، فلا خوف عليهم. وقيل المعنى: أن الذين آمنوا بألسنتهم وقلوبهم، من ثبت منهم على الإيمان ﴿وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يخافون يوم القيامة ولا يحزنون.

المائدة 5:70

قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً﴾ الآية. اللام في ﴿لَقَدْ﴾ لام قسم، "والمعنى: أقسم" لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل على إخلاص التوحيد، والعمل بما أمرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه، وأرسلنا إليهم (بذلك رسلاً)، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسُهُم، فريقاً كذّبوا وفريقاً قتلوا، نقضاً للميثاق الذي أخذ عليهم. فالتكذيب اشتركت فيه اليهود والنصارى، والقتل هو من فعل اليهود خاصة، كانت تقتل النبيين (والمرسلين) إذا أمروا بالمعروف ونهو عن المنكر.

المائدة 5:71

قوله: ﴿وَحَسِبُوۤاْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآية. المعنى: وظن هؤلاء الذين أُخِذَ ميثاقهم أنه لا يكون لهم من الله ابتلاء "واختبار بالشدائد من العقوبات، ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ أي: عن الحق والوفاء بالميثاق الذي أخذ عليهم. و (كثير) بدل من المضمر. وقيل: هو تأكيد كما تقول: "رأيت قومك ثلثهم" وقيل: رفعه على إضمار مبتدا، [و] المعنى: العمى كثير منهم وقيل: التقدير: العمى والصم منهم كثير. وقيل هو على لغة من قال: "أكلوني البراغيث"، فيرتفع (كثيرٌ) ب [عَموا وصَمُّوا]. ويجوز - في غير القرآن - النصب على أنه نعت لمصدر محذوف. (و) قال مجاهد: (هم) اليهود خاصة وقيل: المعنى: وحسبوا ألا يكون اختبار. لقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، فعموا عن الحق وصموا. ﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: لم يعلموا بما سمعوا، ولا انتفعوا بما رأوا من الآيات فكانوا بمنزلة العُمْيِ الصُّم. وقيل: معنى ﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: ثم بعث الله محمداً يخبرهم أن الله يتوب عليهم إن تركوا الكفر وآمنوا، ﴿فَعَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ أي: لم ينتفعوا بما قيل لهم.

المائدة 5:72

قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. أخبر الله عن النصارى أنه لما اختبرهم بوفاء الميثاق، كفروا وقالوا: المسيح الله، وقد عملوا أنه (ابن) مريم، والله لا يكون مولوداً، تعالى (الله) عن ذلك. وأخبر عن المسيح أنه قال لهم ﴿ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ إلى آخر الآية، وهذا قول اليعقوبية من اليهود. والمسيح: الصديق. وقال ابن عباس: سمي مسيحاً، لأنه كان أَمْسَحَ الرجل، لا أخمصَ له. وقيل: سُمِّيَ مسيحاً، لأنه كان لا يمسح بيديه ذا عاهة إلا برأ، ولا يضع يديه على شيء إلا أعطي فيه مراده. وقال ثعلب: سمي بذلك لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها بالسياحة. و [قيل]: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحاً بالدهن. وأما المسيح الدجال، فإنما سمي به لأنه أمسح العين، فهو بمعنى ممسوح، كـ "قتيل" بمعنى "مقتول".

المائدة 5:73

قوله: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ الآية. أخبر الله في هذه الآية قولَ بعضهم وكفرهم، وهو قول جمهور النصارى. وقوله: (منهم) تعود (على أهل الكفر) من الذين قالوا: ﴿[إِنَّ] ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ [ٱبْنُ مَرْيَمَ]﴾ ومن الذين قالوا: ﴿[إِنَّ] ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

المائدة 5:74

قوله: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىٰ ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾. (و) المعنى: [أفلا] يرجعون عن قولهم ويستغفرون منه، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: ساتر: لذنوب الناس، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.

المائدة 5:75

قوله: ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. هذا احتجاج على فرق النصارى في قولهم في عيسى. فالمعنى: ليس عيسى أول رسول مبعوث إلى الناس فيعجبوا من ذلك، بل قد خلت من قبله الرسل إلى الخلق، فهو واحد منهم، (فهو) مثل قوله في محمد ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، و (مثل) قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. (والصدّيقة: الفعلية من الصدقٍ]. ومعنى الآية: ما المسيح في إنبائه بالمعجزات - من إبراء الأكمه وإحياء الموتى - ﴿إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ أي: مثل الرسل التي قد خلت من قبله، أتى بالمعجزات كما أتى موسى وابراهيم، فهو أظهر الآيات، (فهو) كغيره ممن تقدم من الرسل الذين أظهروا الآيات. * * - ومعنى ﴿خَلَتْ﴾: تقدمت -، فليس هو بأول رسول فيعجب منه. قوله ﴿كَانَا يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ﴾ كناية عن إتيان الحاجة، فنبه بأكل الطعام على عاقبته، وغلَّبَ المذكر على المؤنث. وقيل: المعنى: كانا يتغديان كما يتغدَّى البشر، ومن كان هكذا فليس بإله، لأن الإله لا يحتاج إلى شيء. * * قوله: ﴿ٱنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي: انظر يا محمد كيف نبين لهؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى ﴿ٱلآيَاتِ﴾، وهي العلامات على بطلان ما يقولون في أنبياء الله، ثم انظر: يا محمد - مع تنبيهنا إياهم على ذلك - كيف يؤفكون، أي: من أين يصرفون عن الحق. يقال لكل مصروف عن شيء: (هو مأفوك عنه)، و (وقد أفكت فلاناً عن كذا) أي: صرفته عنه، آفِكُه أَفْكاً، و (قد أُفِكَتِ الأَرْضُ): إذا صرف عنها المطر.

المائدة 5:76

قوله: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ الآية. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء القائلين في المسيح ما ذكرت عنهم: أتعبدون سوى الله الذي يملك ضركم ونفعكم، والذي خلقكم ورزقكم، فيخبرهم تعالى أن المسيح - الذي زعموا أنه إلهٌ - لا يملك لهم دَفْعَ ضُرٍّ إِنْ أَحَلَّهُ الله [بهم]، ولا صَرْفَ نَفْعٍ إن أعطاهم الله إيّاه. ﴿وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي: أنتم أقررتم أن عيسى كان في حال لا يسمع ولا يعلم، والله لم يزل سميعاً عليماً، "وهذا من ألطف ما يكون من الكناية". وقيل: المعنى: ﴿هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لاستغفارهم لو استغفروه من قولهم في المسيح، ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بتوبتهم - لو تابوا منه - وبغير ذلك من أمورهم.

المائدة 5:77

قوله: ﴿قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾ الآية. المعنى: قل يا محمد: يا أهل الإنجيل لا تغلوا في دينكم أي: لا تفرطوا في القول في أمر المسيح فتجاوزوا الحق في جعلكم إياه [إلهاً]، ولكن قولوا: ﴿رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ [مِّنْهُ]﴾. ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوۤاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ﴾ أي: أهواء اليهود الذين قد ضلوا من قبلكم عن سبيل الله الهدى ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ أي: أضل هؤلاء اليهود كثيراً من الناس عن الحق، فحملوهم على الكفر بالله والتكذيب بالمسيح، ﴿وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن قصد السبيل. وسمي (الهوى هوى، لأنه يهوي) بصاحبه في الباطل والهوى - في القرآن - مذموم. والعرب لا تستعمله إلا في الشر، وأما في الخير فيستعملون الشهوة والمحبة. وقال ابن أبي نجيح: ﴿وَأَضَلُّواْ كَثِيراً﴾ اليهود أضلوا المنافقين.

المائدة 5:78

قوله: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. (ذلك) في موضع رفع، على معنى: ذلك اللعن بما عَصَوا، أو على معنى: الأمرُ ذلك بما عصوا، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: فعلنا ذلك بما عصوا. والمعنى: أن الذين لعنوا على لسان داود (هم) أهل السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى (ابن مريم) هم أصحاب المائدة، قاله ابن عباس. وقيل: الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير. قال النبي ﷺ: أول ما وقع النقص في بني إسرائيل: أن أحدهم كان يرى أخاه على المعصيةِ فينهاهُ، ثم لا يمنعه ذلك من الغد أن يكون أكيله وشريبه . قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد في القرآن. وقال مجاهد: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير. والمراد بذلك - والله أعلم - أنه (تعالى) حذرهم أن يقولوا في عيسى ما قالوا فلعنوا كما لعن هؤلاء. ورُوي أن داود عليه السلام دعا عليهم على عهده: وذلك أنه مرَّ على نفر وهم في بيت، فقال: من في البيت؟ [فقالوا]: خنازير، فقال: (اللهم اجعلهم خنازير)، فأصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: "اللهم الْعَنْ مَنْ افْتَرَى عَلَيَّ وَعَلَى أُمِّي، فَاجْعَلْهُمْ" قردة خاسئين. ذلك بعصيانهم واعتدائهم. ثم أخبر تعالى أنهم ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، والمنكر: المعاصي. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ في الكلام معنى القسم. والمعنى: أقسم لبئس الفعل فعلهم في تركهم النهي عن المعاصي. وروي أن النبي عليه السلام قال:إن أولَ ما كان من نقض بني إسرائيل ومعصيتهم: أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، شبه تعْذير، فكان أحدهم إذَا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه وخالطه، كأنه لم يعب عليه شيئاً، فلعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم وروي عنه عليه السلام أنه قال: لا يزال العذاب مكفوفاً عن العباد ما استتروا بمعاصي الله، فإذا أعلنوها، فلم تنكر، استحلوا عقاب الله وقال عليه السلام: إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أظهرت فلم تُغَيَّر ضرتِ العامة وقال ﷺ: (لا تعذب) الخاصة بعمل العامة حتى تكون الخاصة تستطيع أن تغير على العامة، فإذا استطاعت ذلك - فلم تفعل - عذبت (الخاصة والعامة)

المائدة 5:79

قوله: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. (ذلك) في موضع رفع، على معنى: ذلك اللعن بما عَصَوا، أو على معنى: الأمرُ ذلك بما عصوا، ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: فعلنا ذلك بما عصوا. والمعنى: أن الذين لعنوا على لسان داود (هم) أهل السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى (ابن مريم) هم أصحاب المائدة، قاله ابن عباس. وقيل: الذين لعنوا على لسان داود مسخوا قردة، والذين لعنوا على لسان عيسى مسخوا خنازير. قال النبي ﷺ: أول ما وقع النقص في بني إسرائيل: أن أحدهم كان يرى أخاه على المعصيةِ فينهاهُ، ثم لا يمنعه ذلك من الغد أن يكون أكيله وشريبه . قال ابن عباس: لعنوا بكل لسان: لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد في القرآن. وقال مجاهد: لعنوا على لسان داود فصاروا قردة، وعلى لسان عيسى فصاروا خنازير. والمراد بذلك - والله أعلم - أنه (تعالى) حذرهم أن يقولوا في عيسى ما قالوا فلعنوا كما لعن هؤلاء. ورُوي أن داود عليه السلام دعا عليهم على عهده: وذلك أنه مرَّ على نفر وهم في بيت، فقال: من في البيت؟ [فقالوا]: خنازير، فقال: (اللهم اجعلهم خنازير)، فأصابتهم لعنته، ودعا عليهم عيسى فقال: "اللهم الْعَنْ مَنْ افْتَرَى عَلَيَّ وَعَلَى أُمِّي، فَاجْعَلْهُمْ" قردة خاسئين. ذلك بعصيانهم واعتدائهم. ثم أخبر تعالى أنهم ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾. أي: لا ينهى بعضهم بعضاً، والمنكر: المعاصي. ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ في الكلام معنى القسم. والمعنى: أقسم لبئس الفعل فعلهم في تركهم النهي عن المعاصي. وروي أن النبي عليه السلام قال:إن أولَ ما كان من نقض بني إسرائيل ومعصيتهم: أنهم كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، شبه تعْذير، فكان أحدهم إذَا لقي صاحبه الذي كان يعيب عليه آكله وشاربه وخالطه، كأنه لم يعب عليه شيئاً، فلعنهم الله على لسان داود وعيسى بن مريم وروي عنه عليه السلام أنه قال: لا يزال العذاب مكفوفاً عن العباد ما استتروا بمعاصي الله، فإذا أعلنوها، فلم تنكر، استحلوا عقاب الله وقال عليه السلام: إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أظهرت فلم تُغَيَّر ضرتِ العامة وقال ﷺ: (لا تعذب) الخاصة بعمل العامة حتى تكون الخاصة تستطيع أن تغير على العامة، فإذا استطاعت ذلك - فلم تفعل - عذبت (الخاصة والعامة)

المائدة 5:80

قوله تعالى: ﴿تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ الآية. المعنى: ترى يا محمد كثيراً من اليهود يوالون المشركين من عبدة الأوثان ويعادون أولياء الله قال مجاهد: يعني المنافقين. ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فـ (أَنْ) في موضع رفع، فالذي قدمت لهم أنفسهم هو سَخَطُ الله بما فعلوا. ﴿وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ أي: مقيمون في الآخرة. المعنى (لعنوا) - عند أكثر المفسرين -: أبعدوا من رحمة الله فمسخوا بذنوبهم. (و) روى ابن حبيب في حديث يرفعه إلى النبي عليه السلام أنه قال: الممسوخ خمسة عشر صنفاً: الفيل، والدب، والضب، والأرنب، والعنكبوت، والخنفساء، والوطواط، والعقرب، والقنفذ، والدعموص، و [الجريث]، والقردة، (و) الخنازير، وسُهَيْلٌ، والزهرة. قيل: يا رسول الله، فما كان سبب هؤلاء إذ مُسخوا؟، فقال: أما الفيل فكان رجلاً لوطياً، وكان ينكح البهائم، لا يدع رطباً ولا يابساً، فمسخه الله فيلاً. وأما الدب فكان (رَجُلاً) مؤنثاً يؤتى، فمسخه الله دباً. وأما الضب فكان أعرابياً يسرق الحاج فمسخه الله ضباً. وأما الأرنب: فكانت امرأة [قذرة] لا تغتسل من حيض ولا غير ذلك، فمسخها الله أرنباً. وأما الخنفساء: فكانت امرأة سحرت ضرتها فمسخها الله خنفساء. وأما العنكبوت فكانت امرأة عاصية لزوجها معرضة عنه، مبغضة له، فمسخها الله عنكبوتاً. وأما الوطواط: فكان رجلاً يسرق الرطب من رؤوس النخيل ليلاً، فمسخه الله وطواطاً، وأما القنفذ، فكان رجلاً سيء الخلق، فمسخه الله قنفذاً. وأما العقرب: فكان رجلاً همّازاً لا يسلم من لسانه أحد، فمسخه الله عقرباً. وأما [الدعموص] فكان رجلاً نمَّاماً يفرق بين الأحبة، فمسخه الله دعموصاً. وأما [الجريث]: فكان رجلاً ديوثاً يدعو الرجال إلى حليلته فمسخه الله [جريثاً]. وأما القردة: فالذين تعدوا في السبت من بني إسرائيل. وأما الخنازير: فالذين سألوا عيسى نزول المائدة ثم كانوا بعد نزولها أشد ما يكونوا تكذيباً. وأما سهيل: فرجل عَشَّار كان باليمن متعدّياً فمسخه الله شهاباً. - وروي أن (رسول الله ﷺ) يلعنه إذا رآه -. وأما الزهرة: فامرأة افتتن بها هاروت وماروت، فمسخها الله شهاباً. وسورة المائدة: من آخر ما نزل من القرآن. وروي أن فيها إحدى وعشرين فريضة ليست في شيء من القرآن وهي: المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام، وما علمتم من الجوارح مكلبين، وطعام الذين أوتوا الكتاب حلٌّ لكم، وطعامكم حلٌّ لهم، ﴿وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ﴾ والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم، وتمام الطهور، والسارق والسارقة، وآية المحاربين، ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم، وكفارة الإيمان، وتحريم الخمر، وتحريم الصيد في الحرم، وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: المائدة آخر سورة نزلت جملة، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: سورة المائدة تدعى في ملكوت الله: المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب وتخلصه. وقد اختلف هل فيها منسوخ (أولا)، وقد ذكرنا ذلك في [موضعه].

المائدة 5:81

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله﴾ الآية. المعنى: ولو كان هؤلاء الذين يتولون الذين كفروا ﴿يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله. وقال مجاهد: المنافقون. ولم يبين.

المائدة 5:82

قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً﴾ الآية. * * قوله: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ هو جمع (قسِّيس) مسلماً، (و) تكسيره على (قساوسة)، أُبدل من إحدى السينات واواً. ويقال: (قَسٌّ) في معناه، وجمعه (قُسُوس)، ويقال للنميمة (قَسَّ). ورهبان جمعه رهابنة ورهابين. والمعنى: لتجدن - يا مُحَمَّد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا بك ﴿ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن أقربهم مودة لمن آمن بك، النصارى. ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الحق. وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن أسلموا. "وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وَأَصْحَابٍ له أسلموا". قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفداً إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم. قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - نفراً إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك المشركين، فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، فسبق أصحاب المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وقد بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك بخبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون (لي)، فقدم أصحاب النبي، فأتوا باب النجاشي، وقالوا: استأذِنوا لأَولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله. فلما دخلوا عليه، سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى - أيها الملك - لم يحيوك بتحيتك! فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي. فقالوا له: إِنَّا حَيَّيْنَاكَ بتحيةِ أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال (لهم): ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ [قالوا]: هو عبد الله وكلمة من الله وروح منه، ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عوداً من الأرض (وقال): "ما زاد عيسى وأمَّه على ما قال صاحبكم قدرَ هذا العود"، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. قال لهم النجاشي: هل تعرضون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا، فقرأوا، وهناك قسيسون ورهبان ونصارى، فعرفت كل ما قرأوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله الآية. وقال الكلبي: كانوا أربعين رجلاً: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام، فأسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وسمعوا القرآن فعرفوا الحق وانقادوا إليه، وكانت اليهود أشد عداوة لمن آمنوا برسول الله يومئذٍ بالمدينة، وكذلك كانت قريش لمن آمن بمكة. وقيل: إن الذي قرأ على النجاشي هو جعفر بن أبي طالب، قرأ عليه أول سورة مريم. وقال السدي: بعث النجاشي اثني عشر من الحبشة: سبعة "قسيسون وخمسة" رهبان، ينظرون إلى النبي ﷺ ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله، فبكوا وآمنوا، وأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ]﴾، فرجعوا إلى النجاشي فآمن وهاجر بمن معه، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله ﷺ والمسلمون واستغفروا له. وروى ابن شهاب عن أم سلمة - زوج النبي عليه السلام، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع من هاجر من مكة من المسلمين حين آذاهم المشركون - فقالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار - النجاشي -، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنا الله عز وجل، لا نُؤذَى ولا نَسمَع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جَلْدَيْنِ، وأن يهدوا له هدايا مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له هدايا ولم يتركوا بطريقاً من بطارقته إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصي، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق (منهم) هديته قبل أن تُكَلِّما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاَهُ أن يُسَلِّمَهُم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت أم سلمة: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار عند خير جار - فلم يبق من بطارقته بِطْريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق: "إنه قد صبأ إلى بلاد الملك مِنّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مُبْتَدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومنا لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأَشِيروا على أن يُسَلِّمَهم إلينا ولا يكلّمهم، فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هدية النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه فقالا: أيها الملك، إنه قد صبأ إليك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، ابتدعوا ديناً لا نعرفه نحن ولا أَنْتَ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لنردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالت البطارقة من حوله: صدقاً - أيها الملك -، فأَسْلِمْهُم إليهما. قالت: فغضب النجاشي (وقال): لاها الله اذن، وَلاَ أُسْلِمُهُم، (ولا يكاد قومٌ جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني من سواي) حتى أدعوهم [فأسألهم] فما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما [يقولان]، أسلَمتهم إليهما ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غَير ذلك، منعتهم (منهم)، وأحسنت جوارهم ما [جاوروني]. قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو بن العاصي من أن يسمع النجاشي كلام المؤمنين، فدعا النجاشي المؤمنين، فلما جاءهم رسول النجاشي، اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون اذا جئتموه؟ قالوا: نقول - والله - ما علّمنا نبيُّنا وما أمرنا كائناً في ذلك ما كان. فلما جاءوا - وقد دعا النجاشي أساقِفَته فنشروا مصاحبهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا (به) في ديني، ولا (في) دين أحد من [هذه] الملل؟، (و) قالت أم سلمة: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: أيها الملك، كنَّا قوماً، - أهلَ جاهلية - نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، نُسيء الجِوار، ويأكل القويُّ (الضعيفَ، فكنا على ذلك) حتى (بعث) الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبَه وصِدْقَه وأَمانَتَه وعافيته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونَخْلَعُ ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأَمَرنا بِصِدْق الحديث وردِّ الأمانة وصِلَة الرحم وحُسنُ الجِوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقولِ الزور وأكل (مال) اليتيم، وقذف المحصنة، وأَمَرَنا أن نعبدَ الله ولا نشرك به شيئاً، وأَمَرنَا بالصلاة والزكاة وبالصيام. - قالت أم سلمة: فَعَدَّدَ عليه أمور الإسلام - فصدّقنا وآمنّا به، واتّبعناهُ على ما جاءنا به من عند الله، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأَحْلَلنا ما أحلَّ لنا، فَعَدا علينا قومنا فعذَّبونا وفَتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كُنّا نستحلُّ من الخبائث فلما قَهَرونا (وظَلَمونا) وضَيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا (أن لا) نظلم عندك أيها الملك. قالت أم سلمة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله (من) شيء؟، قال له جعفر: نعم، قال: فَاقْرَأْهُ عليَّ. قالت: فقرأ عليه صدراً من ﴿كۤهيعۤصۤ ﴾ [مريم: ١]، فبكى النجاشي (وبكى أساقفته حِينَ سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي): إن هذا والذي جاء به عيسى لَيَخرُج من مِشْكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسْلِمْهم إليكما أبداً، ثم قال لجعفر (وأصحابه): اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي - والشُّيُومُ في لسانهم: الآمنون -، من سبَّكُم [غَرِم]، من سبّكم [غَرِم]، قالها ثلاثاً، ثم قال: رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، (فوالله) ما أخذ [الله] (الرشوة مني) حين رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فآخُذُ الرشوة (فيه)، وما أطاع الله الناس فيَّ فأطيعهم فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين. ففي النجاشي وأصحابه نزل ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ [تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ]﴾ الآيات. قالت عائشة رضي الله عنها في قول النجاشي: "ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخُذَ الرشوَة فيه، وما أطاع الله الناس فيّ فأطيع الناس فيه"، قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر ولداً، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا النجاشي، وملَّكْنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه [اثني] عَشَرَ ولداً، فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده دهراً. فغَدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّه (ونزل) منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكَانَه من عمِّه قالت بينهم: والله لقد غَلَب هذا الفتى على أمر عمّه، وإنا لنتخوف أن يُمَلِّكه علينا، وَإِنْ مَلَّكَه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَفَ أنَّا نحْن قتلنا أباه. فَمَشَوا إلى عمه فقالوا: إمّا أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تُخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خِفْنا على أنفسنا. فقال: ويلكم، قَتلتُم أباهُ بالأمس وأقتُلهُ اليومَ؟ بل أُخرجُه من بلادكم، فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجّار بست مائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشيّ] من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرُها، فلما ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تَعْلَموا - والله - أن مَلِككم - الذي لا يقيم أمركم غيرُه - الذي بعتم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. قالت: فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملَّكوه أنفسهم، فجاءهم التاجر الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فدونك. قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إليّ غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا سِرْت، خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: لتُعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به حيث شاء. قالوا: [بل] نعطيه دراهمه. قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مات النجاشي، كان يُتَحَدَّثُ أنه لا يزال نور يرى على قبره. وقال ابن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّهَ بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه وسنن، فقرأ عليهم النبي ﴿يسۤ﴾ [يس: ١]، فبكوا، وقالوا: ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ وفيهم نزل: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] إلى آخر الآية. وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه السلام. والرهبان يكون واحداً وجمعاً، وإذا كان جمعاً فواحده: "راهب"، وإذا كان واحداً فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين. ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ]﴾ يعني الرهبان والقسيسين الذين أتوا من عند النجاشي، فقرأ النبي ﷺ ﴿يسۤ ﴾ [يس: ١] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه. ومعنى: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾: قال ابن عباس: مع محمد وأمته، لأنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]. ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الآية] وهو النبي والقرآن. ﴿وَنَطْمَعُ﴾ أي: ونحن نطمع، ﴿أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: المؤمنين المطيعين.

المائدة 5:83

قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً﴾ الآية. * * قوله: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ هو جمع (قسِّيس) مسلماً، (و) تكسيره على (قساوسة)، أُبدل من إحدى السينات واواً. ويقال: (قَسٌّ) في معناه، وجمعه (قُسُوس)، ويقال للنميمة (قَسَّ). ورهبان جمعه رهابنة ورهابين. والمعنى: لتجدن - يا مُحَمَّد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا بك ﴿ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن أقربهم مودة لمن آمن بك، النصارى. ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الحق. وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن أسلموا. "وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وَأَصْحَابٍ له أسلموا". قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفداً إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم. قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - نفراً إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك المشركين، فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، فسبق أصحاب المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وقد بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك بخبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون (لي)، فقدم أصحاب النبي، فأتوا باب النجاشي، وقالوا: استأذِنوا لأَولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله. فلما دخلوا عليه، سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى - أيها الملك - لم يحيوك بتحيتك! فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي. فقالوا له: إِنَّا حَيَّيْنَاكَ بتحيةِ أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال (لهم): ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ [قالوا]: هو عبد الله وكلمة من الله وروح منه، ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عوداً من الأرض (وقال): "ما زاد عيسى وأمَّه على ما قال صاحبكم قدرَ هذا العود"، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. قال لهم النجاشي: هل تعرضون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا، فقرأوا، وهناك قسيسون ورهبان ونصارى، فعرفت كل ما قرأوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله الآية. وقال الكلبي: كانوا أربعين رجلاً: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام، فأسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وسمعوا القرآن فعرفوا الحق وانقادوا إليه، وكانت اليهود أشد عداوة لمن آمنوا برسول الله يومئذٍ بالمدينة، وكذلك كانت قريش لمن آمن بمكة. وقيل: إن الذي قرأ على النجاشي هو جعفر بن أبي طالب، قرأ عليه أول سورة مريم. وقال السدي: بعث النجاشي اثني عشر من الحبشة: سبعة "قسيسون وخمسة" رهبان، ينظرون إلى النبي ﷺ ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله، فبكوا وآمنوا، وأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ]﴾، فرجعوا إلى النجاشي فآمن وهاجر بمن معه، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله ﷺ والمسلمون واستغفروا له. وروى ابن شهاب عن أم سلمة - زوج النبي عليه السلام، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع من هاجر من مكة من المسلمين حين آذاهم المشركون - فقالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار - النجاشي -، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنا الله عز وجل، لا نُؤذَى ولا نَسمَع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جَلْدَيْنِ، وأن يهدوا له هدايا مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له هدايا ولم يتركوا بطريقاً من بطارقته إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصي، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق (منهم) هديته قبل أن تُكَلِّما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاَهُ أن يُسَلِّمَهُم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت أم سلمة: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار عند خير جار - فلم يبق من بطارقته بِطْريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق: "إنه قد صبأ إلى بلاد الملك مِنّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مُبْتَدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومنا لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأَشِيروا على أن يُسَلِّمَهم إلينا ولا يكلّمهم، فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هدية النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه فقالا: أيها الملك، إنه قد صبأ إليك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، ابتدعوا ديناً لا نعرفه نحن ولا أَنْتَ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لنردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالت البطارقة من حوله: صدقاً - أيها الملك -، فأَسْلِمْهُم إليهما. قالت: فغضب النجاشي (وقال): لاها الله اذن، وَلاَ أُسْلِمُهُم، (ولا يكاد قومٌ جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني من سواي) حتى أدعوهم [فأسألهم] فما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما [يقولان]، أسلَمتهم إليهما ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غَير ذلك، منعتهم (منهم)، وأحسنت جوارهم ما [جاوروني]. قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو بن العاصي من أن يسمع النجاشي كلام المؤمنين، فدعا النجاشي المؤمنين، فلما جاءهم رسول النجاشي، اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون اذا جئتموه؟ قالوا: نقول - والله - ما علّمنا نبيُّنا وما أمرنا كائناً في ذلك ما كان. فلما جاءوا - وقد دعا النجاشي أساقِفَته فنشروا مصاحبهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا (به) في ديني، ولا (في) دين أحد من [هذه] الملل؟، (و) قالت أم سلمة: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: أيها الملك، كنَّا قوماً، - أهلَ جاهلية - نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، نُسيء الجِوار، ويأكل القويُّ (الضعيفَ، فكنا على ذلك) حتى (بعث) الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبَه وصِدْقَه وأَمانَتَه وعافيته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونَخْلَعُ ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأَمَرنا بِصِدْق الحديث وردِّ الأمانة وصِلَة الرحم وحُسنُ الجِوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقولِ الزور وأكل (مال) اليتيم، وقذف المحصنة، وأَمَرَنا أن نعبدَ الله ولا نشرك به شيئاً، وأَمَرنَا بالصلاة والزكاة وبالصيام. - قالت أم سلمة: فَعَدَّدَ عليه أمور الإسلام - فصدّقنا وآمنّا به، واتّبعناهُ على ما جاءنا به من عند الله، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأَحْلَلنا ما أحلَّ لنا، فَعَدا علينا قومنا فعذَّبونا وفَتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كُنّا نستحلُّ من الخبائث فلما قَهَرونا (وظَلَمونا) وضَيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا (أن لا) نظلم عندك أيها الملك. قالت أم سلمة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله (من) شيء؟، قال له جعفر: نعم، قال: فَاقْرَأْهُ عليَّ. قالت: فقرأ عليه صدراً من ﴿كۤهيعۤصۤ ﴾ [مريم: ١]، فبكى النجاشي (وبكى أساقفته حِينَ سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي): إن هذا والذي جاء به عيسى لَيَخرُج من مِشْكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسْلِمْهم إليكما أبداً، ثم قال لجعفر (وأصحابه): اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي - والشُّيُومُ في لسانهم: الآمنون -، من سبَّكُم [غَرِم]، من سبّكم [غَرِم]، قالها ثلاثاً، ثم قال: رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، (فوالله) ما أخذ [الله] (الرشوة مني) حين رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فآخُذُ الرشوة (فيه)، وما أطاع الله الناس فيَّ فأطيعهم فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين. ففي النجاشي وأصحابه نزل ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ [تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ]﴾ الآيات. قالت عائشة رضي الله عنها في قول النجاشي: "ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخُذَ الرشوَة فيه، وما أطاع الله الناس فيّ فأطيع الناس فيه"، قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر ولداً، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا النجاشي، وملَّكْنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه [اثني] عَشَرَ ولداً، فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده دهراً. فغَدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّه (ونزل) منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكَانَه من عمِّه قالت بينهم: والله لقد غَلَب هذا الفتى على أمر عمّه، وإنا لنتخوف أن يُمَلِّكه علينا، وَإِنْ مَلَّكَه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَفَ أنَّا نحْن قتلنا أباه. فَمَشَوا إلى عمه فقالوا: إمّا أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تُخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خِفْنا على أنفسنا. فقال: ويلكم، قَتلتُم أباهُ بالأمس وأقتُلهُ اليومَ؟ بل أُخرجُه من بلادكم، فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجّار بست مائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشيّ] من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرُها، فلما ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تَعْلَموا - والله - أن مَلِككم - الذي لا يقيم أمركم غيرُه - الذي بعتم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. قالت: فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملَّكوه أنفسهم، فجاءهم التاجر الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فدونك. قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إليّ غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا سِرْت، خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: لتُعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به حيث شاء. قالوا: [بل] نعطيه دراهمه. قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مات النجاشي، كان يُتَحَدَّثُ أنه لا يزال نور يرى على قبره. وقال ابن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّهَ بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه وسنن، فقرأ عليهم النبي ﴿يسۤ﴾ [يس: ١]، فبكوا، وقالوا: ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ وفيهم نزل: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] إلى آخر الآية. وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه السلام. والرهبان يكون واحداً وجمعاً، وإذا كان جمعاً فواحده: "راهب"، وإذا كان واحداً فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين. ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ]﴾ يعني الرهبان والقسيسين الذين أتوا من عند النجاشي، فقرأ النبي ﷺ ﴿يسۤ ﴾ [يس: ١] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه. ومعنى: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾: قال ابن عباس: مع محمد وأمته، لأنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]. ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الآية] وهو النبي والقرآن. ﴿وَنَطْمَعُ﴾ أي: ونحن نطمع، ﴿أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: المؤمنين المطيعين.

المائدة 5:84

قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً﴾ الآية. * * قوله: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ هو جمع (قسِّيس) مسلماً، (و) تكسيره على (قساوسة)، أُبدل من إحدى السينات واواً. ويقال: (قَسٌّ) في معناه، وجمعه (قُسُوس)، ويقال للنميمة (قَسَّ). ورهبان جمعه رهابنة ورهابين. والمعنى: لتجدن - يا مُحَمَّد - أشد الناس عداوة للذين اتبعوك، فآمنوا بك ﴿ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ﴾، وهم عبدة الأوثان، ولتجدن أقربهم مودة لمن آمن بك، النصارى. ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الحق. وهذه الآية والتي بعدها نزلت في نفر من نصارى الحبشة لما سمعوا القرآن أسلموا. "وقيل: إنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وَأَصْحَابٍ له أسلموا". قال سعيد بن جبير: بعث النجاشي وفداً إلى النبي، فقرأ عليهم القرآن فأسلموا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فرجعوا إلى النجاشي فأخبروه فأسلم. قال ابن عباس: بعث النبي - وهو بمكة، حين خاف على أصحابه من المشركين - نفراً إلى النجاشي، منهم: ابن مسعود وجعفر بن أبي طالب، فبلغ ذلك المشركين، فبعثوا عمرو بن العاصي في رهط إلى النجاشي يحذرونه من محمد، فسبق أصحاب المشركين، فقالوا للنجاشي: خرج فينا رجل سفه عقول قريش وأحلامها وقد بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك، فأحببنا أن نأتيك بخبرهم، قال: إن جاءوني نظرت فيما يقولون (لي)، فقدم أصحاب النبي، فأتوا باب النجاشي، وقالوا: استأذِنوا لأَولياء الله، فقال: ائذن لهم، فمرحباً بأولياء الله. فلما دخلوا عليه، سلموا، فقال له الرهط من المشركين: ألا ترى - أيها الملك - لم يحيوك بتحيتك! فقال لهم: ما منعكم أن تحيوني بتحيتي. فقالوا له: إِنَّا حَيَّيْنَاكَ بتحيةِ أهل الجنة وتحية الملائكة. فقال (لهم): ما يقول صاحبكم في عيسى وأمه؟ [قالوا]: هو عبد الله وكلمة من الله وروح منه، ألقاها إلى مريم، ويقول في مريم: إنها العذراء البتول. قال: فأخذ عوداً من الأرض (وقال): "ما زاد عيسى وأمَّه على ما قال صاحبكم قدرَ هذا العود"، فكره المشركون قوله وتغيرت وجوههم. قال لهم النجاشي: هل تعرضون شيئاً مما أنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: اقرأوا، فقرأوا، وهناك قسيسون ورهبان ونصارى، فعرفت كل ما قرأوا، وانحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق، فأنزل الله الآية. وقال الكلبي: كانوا أربعين رجلاً: اثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشام، فأسلموا حين هاجر إليهم المؤمنون وسمعوا القرآن فعرفوا الحق وانقادوا إليه، وكانت اليهود أشد عداوة لمن آمنوا برسول الله يومئذٍ بالمدينة، وكذلك كانت قريش لمن آمن بمكة. وقيل: إن الذي قرأ على النجاشي هو جعفر بن أبي طالب، قرأ عليه أول سورة مريم. وقال السدي: بعث النجاشي اثني عشر من الحبشة: سبعة "قسيسون وخمسة" رهبان، ينظرون إلى النبي ﷺ ويسألونه، فلما لقوه قرأ عليهم ما أنزل الله، فبكوا وآمنوا، وأنزل الله فيهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ]﴾، فرجعوا إلى النجاشي فآمن وهاجر بمن معه، فمات في الطريق، فصلى عليه رسول الله ﷺ والمسلمون واستغفروا له. وروى ابن شهاب عن أم سلمة - زوج النبي عليه السلام، وكانت قد هاجرت إلى أرض الحبشة مع من هاجر من مكة من المسلمين حين آذاهم المشركون - فقالت: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار - النجاشي -، أَمِنَّا على ديننا، وعَبَدْنا الله عز وجل، لا نُؤذَى ولا نَسمَع شيئاً نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشاً، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جَلْدَيْنِ، وأن يهدوا له هدايا مما يستظرف من متاع مكة، فجمعوا له هدايا ولم يتركوا بطريقاً من بطارقته إلا أهدوا إليه هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاصي، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق (منهم) هديته قبل أن تُكَلِّما النجاشي فيهم، ثم قدما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاَهُ أن يُسَلِّمَهُم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت أم سلمة: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار عند خير جار - فلم يبق من بطارقته بِطْريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق: "إنه قد صبأ إلى بلاد الملك مِنّا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مُبْتَدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومنا لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم، فأَشِيروا على أن يُسَلِّمَهم إلينا ولا يكلّمهم، فإن قومهم أعلم بما عابوا عليهم فقالوا لهما: نعم، ثم إنهما قربا هدية النجاشي فقبلها منهما، ثم كلّماه فقالا: أيها الملك، إنه قد صبأ إليك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، ابتدعوا ديناً لا نعرفه نحن ولا أَنْتَ، وقد بَعَثَنا إليك فيهم أشرافُ قومنا من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لنردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم. فقالت البطارقة من حوله: صدقاً - أيها الملك -، فأَسْلِمْهُم إليهما. قالت: فغضب النجاشي (وقال): لاها الله اذن، وَلاَ أُسْلِمُهُم، (ولا يكاد قومٌ جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني من سواي) حتى أدعوهم [فأسألهم] فما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما [يقولان]، أسلَمتهم إليهما ورددتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غَير ذلك، منعتهم (منهم)، وأحسنت جوارهم ما [جاوروني]. قالت أم سلمة: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله وعمرو بن العاصي من أن يسمع النجاشي كلام المؤمنين، فدعا النجاشي المؤمنين، فلما جاءهم رسول النجاشي، اجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما تقولون اذا جئتموه؟ قالوا: نقول - والله - ما علّمنا نبيُّنا وما أمرنا كائناً في ذلك ما كان. فلما جاءوا - وقد دعا النجاشي أساقِفَته فنشروا مصاحبهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا (به) في ديني، ولا (في) دين أحد من [هذه] الملل؟، (و) قالت أم سلمة: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: أيها الملك، كنَّا قوماً، - أهلَ جاهلية - نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، نُسيء الجِوار، ويأكل القويُّ (الضعيفَ، فكنا على ذلك) حتى (بعث) الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبَه وصِدْقَه وأَمانَتَه وعافيته، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونَخْلَعُ ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأَمَرنا بِصِدْق الحديث وردِّ الأمانة وصِلَة الرحم وحُسنُ الجِوار والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقولِ الزور وأكل (مال) اليتيم، وقذف المحصنة، وأَمَرَنا أن نعبدَ الله ولا نشرك به شيئاً، وأَمَرنَا بالصلاة والزكاة وبالصيام. - قالت أم سلمة: فَعَدَّدَ عليه أمور الإسلام - فصدّقنا وآمنّا به، واتّبعناهُ على ما جاءنا به من عند الله، وحرَّمنا ما حرَّم علينا، وأَحْلَلنا ما أحلَّ لنا، فَعَدا علينا قومنا فعذَّبونا وفَتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلَّ ما كُنّا نستحلُّ من الخبائث فلما قَهَرونا (وظَلَمونا) وضَيّقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا (أن لا) نظلم عندك أيها الملك. قالت أم سلمة: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله (من) شيء؟، قال له جعفر: نعم، قال: فَاقْرَأْهُ عليَّ. قالت: فقرأ عليه صدراً من ﴿كۤهيعۤصۤ ﴾ [مريم: ١]، فبكى النجاشي (وبكى أساقفته حِينَ سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي): إن هذا والذي جاء به عيسى لَيَخرُج من مِشْكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسْلِمْهم إليكما أبداً، ثم قال لجعفر (وأصحابه): اذهبوا فأنتم شُيُومٌ بأرضي - والشُّيُومُ في لسانهم: الآمنون -، من سبَّكُم [غَرِم]، من سبّكم [غَرِم]، قالها ثلاثاً، ثم قال: رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، (فوالله) ما أخذ [الله] (الرشوة مني) حين رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي فآخُذُ الرشوة (فيه)، وما أطاع الله الناس فيَّ فأطيعهم فيه. قالت أم سلمة: فخرجا من عنده مقبوحين. ففي النجاشي وأصحابه نزل ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ [تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ]﴾ الآيات. قالت عائشة رضي الله عنها في قول النجاشي: "ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخُذَ الرشوَة فيه، وما أطاع الله الناس فيّ فأطيع الناس فيه"، قالت: إن أباه كان ملك قومه، ولم يكن له ولد غيره، وكان للنجاشي عم، له من صلبه اثنا عشر ولداً، فقالت الحبشة بينهم: لو قتلنا أبا النجاشي، وملَّكْنا أخاه، فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإن لأخيه من صلبه [اثني] عَشَرَ ولداً، فيتوارثوا الملك من بعده وتبقى الحبشة بعده دهراً. فغَدوا على أبي النجاشي فقتلوه، وملّكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينا. ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيباً حازماً من الرجال، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّه (ونزل) منه بكل منزلة، فلما رأت الحبشة مكَانَه من عمِّه قالت بينهم: والله لقد غَلَب هذا الفتى على أمر عمّه، وإنا لنتخوف أن يُمَلِّكه علينا، وَإِنْ مَلَّكَه (علينا) ليقتلنا أجمعين، لقد عَرَفَ أنَّا نحْن قتلنا أباه. فَمَشَوا إلى عمه فقالوا: إمّا أن تقتل هذا الفتى، وإما أن تُخرجه من بين أظهرنا، فإنا قد خِفْنا على أنفسنا. فقال: ويلكم، قَتلتُم أباهُ بالأمس وأقتُلهُ اليومَ؟ بل أُخرجُه من بلادكم، فخرجوا به إلى السوق فباعوه [من رجل] من التجّار بست مائة درهم، فقذفه في سفينة وانطلق به حتى [إذا] [العشيّ] من ذلك اليوم، هاجت سحابة من سحائب الخريف فخرج عمّه يستمطر تحتها، فأصابته صاعقة، فقتلته ففزعت الحبشة إلى ولده فإذا هم حمق، ليس في واحد منهم خير، فمرج على الحبشة أمرُها، فلما ضاق عليهم أمرهم، قال بعضهم لبعض، تَعْلَموا - والله - أن مَلِككم - الذي لا يقيم أمركم غيرُه - الذي بعتم، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. قالت: فخرجوا في طلبه وطلب الرجل الذي باعوه منه حتى أدركوه، فأخذوه منه وجاءوا به، وعقدوا عليه التاج، وأقعدوه على سرير الملك، فملَّكوه أنفسهم، فجاءهم التاجر الذين كانوا باعوه منه، فقال: إما أن تعطوني مالي، وإما أن أكلمه في ذلك؟ فقالوا: لا نعطيك شيئاً، قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فدونك. قالت: فجاءه التاجر، فجلس بين يديه، فقال: أيها الملك، ابتعتُ غلاماً من قوم بالسوق بست مائة درهم فأسلموا إليّ غلامي (وأخذوا دراهمي حتى إذا سِرْت، خرجت بغلامي، أدركوني فأخذوا غلامي مني ومنعوني دراهمي. فقال لهم النجاشي: لتُعْطُنَّه دراهمه، أو ليضعن غلامه) يده في يده، فليذهبن به حيث شاء. قالوا: [بل] نعطيه دراهمه. قال: فلذلك قال: ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي، فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. قالت: وكان ذلك أول ما خبر من صلابته في دينه، وعدله في حكمه. وقالت عائشة رضي الله عنها: لما مات النجاشي، كان يُتَحَدَّثُ أنه لا يزال نور يرى على قبره. وقال ابن جبير: هم سبعون رجلاً وجَّهَ بهم النجاشي، وكانوا ذوي فقه وسنن، فقرأ عليهم النبي ﴿يسۤ﴾ [يس: ١]، فبكوا، وقالوا: ﴿رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾ وفيهم نزل: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] إلى آخر الآية. وقال قتادة: هم ناس كانوا على الحق من شريعة عيسى، ثم آمنوا بالنبي عليه السلام. والرهبان يكون واحداً وجمعاً، وإذا كان جمعاً فواحده: "راهب"، وإذا كان واحداً فهو كقربان، وجمعه: رهابين، مثل قرابين. ثم نعتهم تعالى ذكره في الآية الأخرى فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ [مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ]﴾ يعني الرهبان والقسيسين الذين أتوا من عند النجاشي، فقرأ النبي ﷺ ﴿يسۤ ﴾ [يس: ١] ففاضت أعينهم لما سمعوا الحق وعرفوه. ومعنى: ﴿فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ﴾: قال ابن عباس: مع محمد وأمته، لأنهم شهدوا أنه قد بلغ، وأن الرسل كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]. ثم ذكر تعالى قولهم أنهم قالوا: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الآية] وهو النبي والقرآن. ﴿وَنَطْمَعُ﴾ أي: ونحن نطمع، ﴿أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّالِحِينَ﴾ أي: المؤمنين المطيعين.

المائدة 5:85

قوله: ﴿فَأَثَابَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾ الآية. المعنى: فجزاهم الله بقولهم ذلك وإقرارهم وتصديقهم، ﴿جَنَّاتٍ﴾ أي: دخول جنات، ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ في الآخرة، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.

المائدة 5:86

أخبر تعالى أن من كفر منهم ومن غيرهم، وكذب بالقرآن، أنهم أصحاب الجحيم. "﴿ٱلْجَحِيمِ﴾: ما اشتد حره من النار، وهو الجاحم" أيضاً.

المائدة 5:87

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية. (معنى الآية): أن الله أباح أكل الطيبات التي تشتهيها الأنفس، وألا يحرمها أحد على نفسه، ثم نهاهم عن الاعتداء، وهو تعدي الحدود التي (قد) حرمت. وهذه [الآية] نزلت في أبي بكر وعمر (وعثمان) وعلي وابن مسعود وغيرهم، اجتمعوا في (دار) عثمان بن مظعون على أن يَجُبُّوا أنفسهم، وأن يعتزلوا النساء، ولا يأكلوا لحماً ولا دسماً وأن يلبسوا المسوح، ولا يأكلوا من الطعام إلا القوت، وأن يسيحوا في الأرض كهيئة الرهبان، فبلغ ذلك النبي عليه السلام، فأتى عثمان بن مظعون في منزله فلم يجده ولا [إياهم]، فقال لامرأة عثمان أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟، فقالت: ما هو يا رسول الله؟، فأخبرها، فكرهت أن تكذب رسول الله ﷺ، وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله، إن كان عثمان أخبرك فقد صدقك، فقال لها: [قولي] لزوجك وأصحابه - إذا رجعوا -: إن رسول الله يقول لكم: إني آكل وأشرب، وآكل اللحم والدسم، وأنام وأصلي، وآتي النساء، وأصوم وأفطر، فمن رغب عن سنتي فليس مني. ثم انصرف. فلما رجع عثمان وأصحابه أخبرتهم امرأته بما أمرها (به) رسول الله، فجاء عثمان إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله [حَدَّثَتْني] نفسي فلم أحب أن أحدث شيئاً حتى أذكر لك، فقال (له النبي ﷺ: (و) ما تحدثك به نفسك يا عثمان؟، قال: تحدثني أن أختصي. قال: مهلاً يا عثمان، فإن خصاء أمتي الصيام. فقال: (يا) رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أترهب في رؤوس الجبال. فقال: مهلاً يا عثمان، فإن ترهب أمتي الجلوس في المسجد لانتظار الصلوات. فقال: يا رسول الله (فإن نفسي) تحدثني أن أسيح [في الأرض] قال: مهلاً يا عثمان، فإن سياحة أمتي الغزو في سبيل الله والحج والعمرة. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أخرج من مالي كله. قال: مهلاً يا عثمان، فإن صدقتك يوماً بيوم، وتكف عيالك وترحم المسكين واليتيم فتعطهما أفضل لك. فقال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني أن أطلق خولة [بنت خويلد] امرأتي، قال: مهلاً يا عثمان، فإن الهجرة في أمتي من هجر ما حرم الله، وهاجر في حياتي، وزار قبري بعد مماتي، أو مات وله امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع. قال: فإن نفسي تحدثني بأن لا أغشى النساء. قال: مهلاً يا عثمان، فإن الرجل، المسلم إذا غشي أهله أو ما ملكت يمينه، فإنه لم يكن له من وقعته تلك ولد، كان له وصيف في الجنة، وإن كان (له) ولد من وقعته فمات قبله، كان له فرطاً وشفيعاً يوم القيامة، وإن مات بعده كان له نوراً يوم القيامة. قال: يا رسول الله، فإن نفسي تحدثني بأن لا آكل اللحم. قال: مهلاً يا عثمان، فأنا أحب اللحم وآكله إذا وجدته، ولو سألت [ربي أن] يطعمنيه (في) كل يوم لأطعمنيه. قال: يا رسول الله: فإن نفسي تحدثني ألا أمس الطيب. قال: مهلاً يا عثمان، فإن جبريل أمرني بالطيب غباً، لا ترغب عن سنتي، [فمن] رغب عن سنتي ثم مات قبل أن يتوب، ضربت الملائكة وجهه عن حوضي يوم القيامة. فقام رسول الله ﷺ (وغلّظ) فيهم المقالة وقال: إنّما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم يستقم لكم، فنزلت: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى ﴿مُؤْمِنُونَ﴾. والاعتداء "ها" هنا هو ما نووا من جب أنفسهم، نهو عن ذلك، قاله السدي. وقيل: هو ما نووا من التحريم على أنفسهم. وقال الحسن: معنى: ﴿لاَ تَعْتَدُوۤاْ﴾ إلى ﴿مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾. وأصل الاعتداء: التجاوز إلى ما لا يحل.

المائدة 5:88

قال تعالى: ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَـٰلاً طَيِّباً﴾ حلالاً لكم، ذلك (و) طيباً. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في أن تحرموا ما أحل (الله) لكم، أو تحلوا ما حرم الله عليكم، ﴿ٱلَّذِيۤ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: مصدقون مقرون.

المائدة 5:89

قوله: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. معنى الآية: أن الذين ذكر أنهم أرادوا أن يحرموا الطيبات في الآية التي قبلها، كانوا قد حلفوا ليفعلُن ذلك، فنهوا عن تحريم ما أرادوا تحريمه، وأُعلموا أن الله لا يؤاخذ باللغو في الأَيمان. قال ابن عباس: لما نهاهم النبي عن ما أرادوا أن يفعلوا من التحريم، قالوا: يا رسول الله، كيف نصنع في أيماننا التي حلفنا بها؟، فأنزل الله ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾ (الآية). (﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ﴾): من شدّد ﴿عَقَّدتُّمُ﴾ فمعناه: بما وكدتم الأيمان، فالتشديد يدل على تأكيد اليمين. ومن خفف فِلأَن "عقدهُ" تلزم فيه الكفارة إذا [حنث] بإجماع. واختير التخفيف - عند من قرأ به -، لأن السامع إذا سمع التشديد سبق إليه أن الكفارة لا تكون إلا مع التأكيد وتكرير اليمين وهذا لا يقول به أحد. والتخفيف يدل على أنه إن عقده ولم يكرره لزمته الكفارة إذا حنث. وأنكر أبو عبيد على من قرأ بالتشديد، وقال: لأنه يوهم أن الحنث لا يجب إلا بتكرير اليمين، لأن "فعّل" - في كلام العرب - لتكرير [الفعل]. وهذا الاعتراض لا يلزم، وإنما يكون التشديد للتكرير مع الواحد، فأما مع الجميع فلا، لأنه قد تكرر واحد يمين عقده كقولك: "ذَبَّحتُ الكباش"، فكذلك ([عقّدتم الأيمان])، إنما وقع التكرير من أجل الجمع، ولو كانت الآية "عقدتم اليمين"، للزم ما قال أبو عبيد، فالتشديد يكون للتكرير، (إلا أن) التكرير ينقسم قسمين: - قسم يتكرر الفعل فيه على الواحد. - وقسم يتكرر الفعل فيه على آحاد: مرة لكل واحد، وهو الذي في الآية. وقال مجاهد: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ﴾: بما تعمدتم الأيمان. وقال عطاء: "بِما عقَّدتم الأيْمَانَ" كقولك "والله الذي لا إله إلاّ هو". وروى نافع عن ابن عمر: إذا حلف من غير أن يُؤَكِّدَ اليمين أطعم عشرة مساكين، لكل مسكين [مد] وإذا وكَّد اليمين أعتق رقبة. فقيل لنافع: ما معنى "وكَّد اليمين"؟، قال: أن يحلف على الشيء مراراً. ولغو اليمين: أن يحلف على الشيء يراه أنه كما حلف، ثم لا يكون كذلك، وهو قول مالك وجماعة معه، وقيل هو قولك: "لا والله" و "بلى والله"، وهو قول الشافعي وجماعة معه. وقيل: هو تحريمك ما أحل الله لك، فلتفعله ولا كفارة عليك، قاله ابن جبير وغيره. وقال مسروق: لغو اليمين: كل يمين في معصية ليس فيها كفارة. وعن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين: أن تحلف وأنت غضبان. لا كفارة في جميع ذلك على الاختلاف المذكور. والأيمان ثلاث: - يمين تُكَفَّر، كيمينك ألا تفعل الشيء ثم تفعله. - والثانية: يمين لا تكفر لشدتها، وجرمها عظيم، وهو أن تتعمد فتحلف على الشيء وأنت تعلم أنك كاذب. - ويمين لا تكفر، ولا جرم لها، وهي اللغو. * * وقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾: الهاء تعود على ما في قوله ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ﴾، فمعناه: "فكفارة ما عقدتم منها إطعام عشرة مساكين". وقيل: الهاء تعود على "اللغو"، وفيه ذكرت الكفارة، وأما ما عقدتم يمينه فلا كفارة له وهو أعظم من أن يكفر. والأحسن أن تعود الهاء على (ما): لأن اللغو في اللغة: المطرح، (ولو) كان اللغو يكفر لم يكن مطرحاً. وقيل المعنى: فكفارة "إثمه". والإطعام: أن تطعم لكل مسكين مداً في قول مالك وغيره. وقيل: تطعم لكل مِسْْكين صاعاً. * * ومعنى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: من أعدل ذلك، قيل: الخبز والسمن. وقيل: الخبز والتمر. و [قيل]: الخبز و [الزيت] وقيل: المعنى: من أوسط ذلك في الشبع: إن كان ممن يشبع أهله، أشبع المساكين، وإن كان ممن يقوتهم، قوت المساكين. وروي عن عاصم من طريق الشموني عن أبي بكر (أوسط) بالصاد. قال مالك: إن غذاهم وعشاهم أجزأه، ولا يجزيه قيمة الطعام عند الشافعي، وهو قياس مذهب مالك، وأجازه بعض العراقيين، ولا يعطي إلا مسلماً. ولا يجزيه إلا مؤمنة إن أعتق. ولو أعتق مولوداً أو مرَضعاً من قِصَر النفقة أجزأه عند مالك. [﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: إن لم يجد الإطعام ولا العتق والكسوة فعليه صيام ثلاثة أيام، ولا يصوم إلا عند عدم الإطعام أو العتق. وفي قراءة ابن مسعود (فَصِيَامُ ثَلاثةِ (أَيَّامٍ) مُتَتَابعاتٍ). والتفريق عند مالك يجوز في كفارة اليمين، وهو قول الشافعي وغيره. والصوم للعبد أحسن وإن أذن له سيده بالعتق والإطعام، ولم يُجِز له جماعة إلا الصوم، واختلف فيه قول مالك. والكفارة قبل الحنث جائزة، وبعده أحسن. وقد قيل: لا تجزي قبله. وروي عن النبي عليه السلام: كَفِّر عَن يمينك و [أْتِ] الذي هو خير وقد بدأ تعالى ذكره في هذه الآية بالتخفيف، ثم أتى بالأشد بعده، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى (بالأخف بعده)، وذلك أن الله جل ذِكره إنما بدأ بالأخف ثم أتى بالأشد على طريق التخيير، فأتى بـ (أوْ) للتخيير، ثم أتى بالأَخف بعد ذلك عند عدم ما وقع فيه التخيير، فقال: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾، وبدأ في الظهار بالأشد، ثم أتى بالأخف عند عدم الأشد، لا على طريق التخيير في ذلك. * * قوله: ﴿ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من الإطعام أو العتق أو الكسوة، أو الصيام عند عدم الثلاثة، ومعنى ﴿كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: ستر إثم أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم وأنتم قد عقدتم الأيمان. ﴿وَٱحْفَظُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ﴾ أي: احفظوها أن تحنثوا، ولا تكفروا. ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾: أي: كما يبين لكم الكفارة في أيمانكم، يبين الله لكم آياته، أي: علاماته، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (أي تشكرون) على هدايته لكم وبيانه لكم.

المائدة 5:90

قوله: ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾ الآية. أخبر الله تعالى الذين أرادوا التحريم على أنفسهم - بعد أن نهاهم عن التحريم - أن الخمر والميسر - وهو الذي يتياسرونه -، والأنصاب - وهي التي يذبحون عندها -، والأزلام التي يقتسمون بها ﴿رِجْسٌ﴾ أي: إثم ونتن، ﴿مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ﴾ أي: مما زيَّنه الشيطان لكم وحسنه في أعينكم، [﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾] أي: فاتركوه وارفضوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. والميسر: القمار. وسئل القاسم بن محمد عن الشطرنج والنرد، (فقال): هو ميسر، وقال [كل ما] صد عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. قال مالك: الميسر ميسران: ميسر اللهو، وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار هو ما يتخاطر الناس عليه. قال الأصمعي: الميسر كان في الجزور خاصة، كانوا يقتسمونها على ثمانية وعشرين سهماً. وقال الشيباني: على عشرة أسهم. ثم يلقون القداح ويتقامرون على مقاديرها. "والأنصاب: حجارة كانوا يعبدونها في الجاهلية، "والأزلام: القداح". والرجس: كل عمل يقبح فعله، (وهو) النتن. (و) قوله ﴿فَٱجْتَنِبُوهُ﴾: الهاء تعود على "الرجس". وقيل: تعود على "الخمر". وقيل: المعنى: فاجتنبوا هذا الفعل. وقيل: المعنى: فاجتنبوا ما ذكر. وذكر ابن المنكدر أن النبي عليه السلام قال: مَن شَربَ الخمرَ ثُمّ لم يسكر، أَعْرَضَ اللهُ عَنه أربعين ليلةً، وإن أسكر لم يَقبَل اللهُ منه صَرْفاً ولا عَدلاً أربعين ليلة، فإن مات فيها، مات كعابد الأوثان، وكان حقاً على الله أن يَسْقِيَه يوم القيامة من طينة الخَبال. قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: عُصارة أهل النار: القيح والدم

المائدة 5:91

قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةَ﴾ الآية. (المعنى): إنما يريد الشيطان بكم شرب الخمر ليوقع بينكم العداوة والبغضاء ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ أي: يصدكم بغلبة الخمر والميسر عليكم عن ذكر الله وعن الصلاة، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾ أي: عن شرب الخمر. ويقال: إن عمر ذكر لرسول الله مكروه عاقبة الخمر، فأنزل الله تحريمها. وروي أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية في "البقرة": ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية، فقُرِئت على عمر فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في "النساء": ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ ﴾ [النساء: ٤٣] الآية، فكان النبي يقول إذا حضرت الصلاة: فلا يَقْرَبَن الصلاةَ سكران، (ودعي) عمر فقرئت عليه، فقال: اللّهمَ بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت التي في "المائدة": ﴿يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾ الآية [إلى) ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ﴾، فقال عمر: انتهينا، انتهينا. وقيل: نزلت بسبب سعد بن أبي وقاص [لاحى] رجلاً على شراب فضربه بلَحْيَيْ جَمل ففزر أنفه فنزل ذلك. وكان الرجل في الجاهلية يقامر عن أهله وماله حتى يقعد حزيناً سليباً، ينظر إلى ما له في يد غيره، فيورث ذلك عداوة بينهم. فنهى الله عن ذلك، وهو الميسر. وقال مصعب بن سعد: صنع رجل (من الأنصار طعاماً)، فدعاني وأبي - سعداً - فشربنا الخمر قبل أن تحرم فانتثينا. فتفاخرنا، فأخذ رجل من الأنصار لَحْيَي جزور فضرب به أنف سعد ففزره، فنزل: ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ﴾ الآية. وقال ابن عباس: شرِب حيّان من الأنصار الخمر حتى سكروا، فلما سكروا جرح بعضهم بعضاً، فلما صَحَوْا، جعل (يرى الرجل) الأثر في وجهه ورأسه ويقول: فعل هذا بي أخي فلان!، وكانوا إخوة لا ضغائن بينهم، فصارت بينهم ضغائن، فنزلت الآية بالتحريم.

المائدة 5:92

قوله: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُواْ﴾ الآية. المعنى: وأطيعوا الله عز وجل في اجتنابكم ما تقدم فيه النهي عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بلغ إليكم. ﴿وَٱحْذَرُواْ﴾ أي: احذروا الخلاف لما أمرتم به، ﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾ (أي) إن "لَمْ" تفعلوا ما أمرتم به، ﴿فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾ أي: ليس هو بمسيطر عليكم، إنما عليه أن يبلغكم ما أرسل به، ويوضحه لكم، والعقاب على الله المرسِل، ليس على المرسَل وهذا تهدد لمن خالف (أمر) الله.

المائدة 5:93

قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية. المعنى: في قول ابن عباس وغيره -: أن المؤمنين قالوا لما نزل تحريم الخمر: (يا رسول) الله، فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ﴾ الآية. ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ﴾ أي: اتقى اللهَ الأحياء منهم في اجتناب ما حرم عليهم، ﴿وَآمَنُواْ﴾ أي: وصدقوا الله ورسوله فيما أمرهم به، ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ أي: واكتسبوا من الأعمال ما يرضاه الله، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ﴾ أي: "وَ" اتقوا محارمه وصدقوا فثبتوا على ذلك، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ﴾ أي: اتقوا الله، فدعاهم تقواهم إلى الإحسان، وهو العمل بما (لم) يفرض عليهم: من الخير والنوافل. فالاتقاء الأول: اتقاء تلقي أمر الله وقبوله، والثاني: الاتقاء بالثبات على الاتقاء الأول وترك التبديل، والاتقاء الثالث: الاتقاء بالإحسان والتقرب بالنوافل. فهذه الآية نزلت - في قول الجميع - فيمن مات منهم وهو يشربها، أُعلِموا أنه لا جناح عليهم. وقال جابر بن عبد الله: صبح ناس غداة أُحد الخمر فقتلوا من يومهم جميعاً شهداء، وذلك قبل تحريمها، يريد: فنزلت الآية فيهم. وقيل: نزلت فيما أكلوا من الحرام بالميسر و (ما شربوا) من الخمر فأُعلِموا أنه لا جناح عليهم في ذلك إذا ما اتقوا فيما يستقبلون. وقيل: معنى ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ﴾ أي: اتقوا شرب الخمر، وآمنوا بتحريمها" ﴿ثُمَّ (اتَّقَواْ وَآمَنُواْ)﴾ أي: اتقوا الكبائر وازدادوا إيماناً، "﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾" أي: اتقوا الصغائر، ﴿وَّأَحْسَنُواْ﴾ بالنوافل. وقيل: ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ﴾ الكفر، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الكبائر، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ الصغائر. وقيل: [معنى هذا: ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ﴾ فيما مضى: على إضمار "كان" مع "إذا"، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ في الحال التي هم فيها، ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ فيما يستقبلون. (وقيل: ﴿......﴾ ﴿إِذَا مَا ٱتَّقَواْ﴾: في الحال التي هم فيها [﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ فيما يستقبلون] ﴿ثُمَّ اتَّقَواْ﴾ أي: ماتوا على ذلك وهم محسنون.

المائدة 5:94

قوله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ﴾ الآية. أي: يا أيها الذين صدقوا. ليختبرنكم الله في الطاعة والمعصية بشيء من الصيد، أي: ببعضه، لأنه صيد البر خاصة، فـ (مِن) للتبعيض. وقيل: هي لبيان الجنس. قوله ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني ما يؤخذ باليد من البيض والفراخ. ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ كالحمير والبقر والظبا، وما يصاد بالنبل، امتحن الله عباده في حال إحرامهم لعمرتهم وحجهم، فلا [يقربوه]. ﴿لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ أي: كي يعلم من يتبع أمره ممن لا يتبع، ﴿بِٱلْغَيْبِ﴾: في الدنيا بحيث لا يراه أحد، والمعنى: ليعلم أولياء الله من يخاف الله فيتقي محارمه بحيث لا يراه أحد. وقيل: ليعلم ذلك علم معاينة يقع عليها الجزاء، وقد علمه غيباً لا إله إلا هو عَلاَّم الغيوب. * * قوله: ﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ﴾ أي: فمن تجاوز حد لله في الصيد بعد تحريمه عليه ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: موجع.

المائدة 5:95

قوله: ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآية. ﴿هَدْياً﴾ حال من الهاء في (به)، ويجوز نصبه على البيان، ويجوز نصبه على المصدر. و ﴿بَالِغَ ٱلْكَعْبَةِ﴾ نعته، والتقدير فيه: التنوين. والمعنى: يا أيها الذين صدقوا، لا تقتلوا صيد البر وأنتم حرم لحج أو عمرة. ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً﴾ (أي) ناسياً لإحرامه، معتمداً لقتل الصيد، فإن كان ذاكراً لإحرامه وتحريمه، فمجاهد وابن زيد يقولان: لا حكم عليه و [نقمة] الله منه أعظم. ومن الناس من قال: لا حج له. ومن قتل الصيد خطأ، فعليه ما على المتعمد عند مالك وجماعة غيره. وقيل: لا شيء عليه، إنما أتى النص في المتعمد. وقال الزهري: نص الله على المتعمد وأتت السنة بما على المخطيء. (قال أبو محمد): (وإيجاب الجزاء على المخطئ) يحتاج إلى نظر، وقد أفردنا لذلك كتاباً لاتساع الكلام في ذلك، إذ ظاهر النص يعطي ألا شيء على المخطئ، وإيجاب الجزاء على المخطئ [أولى] لدخوله تحت عموم الابتلاء في قوله ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولدخوله تحت عموم النهي في قوله: ﴿لاَ تَقْتُلُواْ ٱلصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، ولدخوله تحت عموم التحريم في قوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: ٩٦]، ولأنه عمل أهل المدينة، ولِمَا قال ابن شهاب: إنه السنة. * * ومعنى ﴿فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ﴾ هو (أن ينظر) إلى أشبه الأشياء به، فيجزيه (به) ويهديه إلى الكعبة. فمن أصاب نعامة فعليه بَدَنَة، وفي بيض النعامة عُشر ثَمن البدنة، هذا قول مالك، كما يكون في جنين الحرة (غُرَّةٌ: عَبْدٌ أو) وليدة، وقيمة الغرة خمسون ديناراً وذلك عُشر دية الأم. وفي الظبي شاة. وفي الأرنب - عند مالك - قيمتها من طعام، وكذلك ما أشبه الأرنب، مثل اليربوع وشبهه، مثل الضب: فإن شاء أطعم كل مسكين مداً، وإن شاء صام لكل مُدٍّ يَوْماً، هو بالخيار. وفي الحَمَام - عند مالك شاة. وفي حمام الحِلّ حكومة عند مالك، وليس كحمام الحرم، وكره مالك أن يذبح الأهلي وهو محرم. وعلى كل واحد من الجماعة - إذا اشتركوا في قتل صيد - جزاء عند مالك. وصيد الحرم حرام على الحلال عند جميع العلماء. ورخص مالك في إدخال الصيد من الحل إلى الحرم. ومنعه غيره، وكرهه ناس. وإذا نتف المحرمُ من الطيرِ ما يَضُرُّ به ويخاف منه هلاكه، فعليه جزاؤه تامّاً عند مالك. وإذا أحرم وفي يده صيد فعليه أن يرسله. ويأكل المحرم لحم الصيد إلا ما اصطيد من أجله (عند مالك، فإن أكل منه وقد صيد من أجله) فعليه جزاء ذلك الصيد عند مالك. وكفارة الصيد في قتل الصيد ككفارة الحر. ولا يكون الجزاء إلا بمنى أو بمكة. ويحكم في الجزاء عدلان يجتهدان. ولا يحكمان في ذلك من الإبل والبقر والغنم إلا بما يجوز في الضحايا. وإذا اختلفَ الحكمان في الجزاء، ابتدأ الحكم غيرهما. ولهما أن يحكما بغير أمر الإمام، وله أن يرجع إلى غيرهما. وعلى من قتل صيد الجزاء أن يكفر بإطعام مساكين، أو يصوم لكل مُدٍّ يَوْماً، فللحكمين أن يُقوِّما الجزاء بطعام، فإن شاء أتى بالجزاء، وإن شاء أطعم الطعام: مداً لكل مسكين، وهو قوله ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وإن شاء صام عن كلّ مُدٍّ يَوْماً، وهو قوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾، هو مخير في ذلك. ولا يطعم بعضاً ويصوم بعضاً، بل يطعم الكل أو يصوم عن الكل. وقيل: يصوم عن كل نصف صاع يوماً، وهو قول من قال: يعطي الطعام، نصف صاع لكل مسكين. والعَدْل: المِثْلُ، والعِدْلُ (نصف) الحمل. وقال الكسائي: هما لغتان في المثل. وقرأ طلحة بن مصرف والجحدري: ﴿أَو عَدْلُ﴾ بالكسر، وأنكر ذلك جماعة من أهل اللغة، لأن العِدل (نصف) الحمل. وقال الكسائي: عَدل الشيء: مثله من غير جنسه، وعِدله: مثله من جنسه. * * وقوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف﴾ أي: عفا لكم عما سلف لكم في جاهليتكم من قتل الصيد وأنتم حرم، ولكن من عاد فقتله - وهو محرم - فالله ينتقم منه في الآخرة, وعليه الكفارة. وقد ذكر ابن عباس أن المعنى: من عاد مرة أخرى فقتل متعمداً، فلا حكم عليه، والله (ينتقم منه)، ومن عاد خطأ حكم عليه. وقال عكرمة: لا يحكم عليه، ذلك إلى الله. وقيل: المعنى عفا (الله) لكم عن قتلكم الصيد قبل تحريمه عليكم، ومن عاد لقتله بعد تحريمه عليه. عالماً بقتله وبِإِحْرامِه، فالله ينتقم منه، ولا كفارة عليه. ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ (أي): ممتنع، ﴿ذُو ٱنْتِقَامٍ﴾ أي: ذو عقوبة لمن عصاه.

المائدة 5:96

قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ﴾ الآية. المعنى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ - وأنتم حرم - ﴿صَيْدُ ٱلْبَحْرِ﴾ وهو حيتانه. و ﴿مَتَاعاً﴾ مصدر، والمعنى: متعتم به متاعاً، لأن المعنى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾: متعتم بصيد البحر متاعاً. وكل نهر تسميه العرب بحراً، فالأنهار صيدها داخل في هذا، حلال بإجماع. * * ومعنى ﴿وَطَعَامُهُ﴾ (أي): ما قُذِفَ ميتاً. وقيل: طعامه ما كلن مملحاً، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقيل: طعامه ما جاء به الموج. وقيل: صيده أن يصطادوه، وطعامه أن يأكلوه، فذلك حلال لهم، وهذا قول حسن، أباح الله الصيد واللحم. وقرأ ابن عباس: (وطُعْمُهُ) بضم الطاء من غير ألف. ولم يرَ مالك في الحوت يُطرح في النار حياً بأساً. وكرهه غيره. ودواب البحر كلها - مثل الحيتان حلال للمحرم، وتؤكل الميتة منها. ولم يُجز جماعة أكل خنزير الماء وإنسان الماء للمحرم ولغيره. وليس في شيء يخرج من البحر ذكاة. وليس طير الماء من صيد البحر، (لأنها تعيش) في البر. * * قوله: ﴿مَتَاعاً لَّكُمْ﴾: (أي منفعة لكم)، ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: يأكل منها السيارةُ في أسفارهم، وهو المملح. * * قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ أي: حرم الله عليكم أن تصطادوا من البر ما دمتم محرمين. وأجاز قوم للمحرم أن يشتري الصيد المذبوح من ماله، لأن النهي إنما وقع على صيده. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: احذروه فيما أمركم به، فإنه إليه تحشرون فيثيبكم بأعمالكم.

المائدة 5:97

قوله: ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ الآية. إنما سميت الكعبة كعبة لتربيعها، قاله عكرمة ومجاهد. وقيل: لتربيع أعلاها. * * ومعنى ﴿قِيَٰماً﴾ أي: جعلها بمنزلة الرئيس الذي يقوم به أمر أتباعه، فهي تحجزهم عن ظلم بعضهم بعضاً، وقيل: جعلها مصالح لأمورهم، كالرئيس الذي يصلح أمر من يتبعه، وكذلك ﴿ٱلْهَدْيَ وَٱلْقَلاَئِدَ﴾ جعل ذلك أيضاً قياماً للناس. والناس - هنا -: مَن كان في الجاهلية، كان الرجل لا يخاف إذا دخل في الحرَم ولو لَقِي من قتل أباه أو أخاه، لم يخف الفاعل في الحرَم، وإذا لَقِي الهدي لم يَعرِضْ له القاطع ولا الجائع، وكان الرجل إذا أراد الحج تقلد بقلادة من شعر، وإذا رجع تقلد بقلادة من لحاء شجر الحرم، فلا يعرض له ولا يؤذى حتى يصل (إلى) أهله. وقيل: الناس هنا: جميع الناس. قال ابن عباس: قياماً لدينهم ومَعْلَماً لحجهم. قال ابن زيد: كان الناس كلهم فيهم ملوك يدفع بعضهم عن بعض، ولم يكن في العرب ملوك يدفع عن بعضهم (ظلم بعض)، فجعل الله لهم البيت الحرام قياماً، يدفع بعضهم عن بعض، وكذلك الشهر الحرام لا يؤذى أحد في الحرم، ولا في الشهر الحرام وإنْ كان ذا جناية، وهذا (كله منسوخ) بالحدود (و) بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، لا يمنع الحرم من الاقتصاص من جان، ولا من إقامة حد على من وجب عليه الحد، وهذا إجماع. وقيل ﴿قِيَٰماً﴾ يأتمون بها ويقومون بشرائعها. وقيل: (معنى) ﴿قِيَٰماً لِّلنَّاسِ﴾: أي: بالحج يَسْلَمُون من استعجال العقوبات. قال بعض العلماء لو ترك الناس الحج عاماً واحداً ما أنظِروا. قوله: ﴿ذٰلِكَ لِتَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ﴾ الآية. (ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قوله: ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ الآية، فالمعنى: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما تحدثون وما تصنعون، كما يعلم ما في السموات و ﴿مَا فِي ٱلأَرْضِ﴾، ولتعلموا أن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء من أموركم. قال المبرد: كانت الجاهلية تعظم البيت الحرام و ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾، كانوا يُسَمُّون رجباً: الاصم"، لأنه (لا) يسمع فيه وقع السلاح، فأعلم الله ما يكون منهم من إغارة بعضهم على بعض، فألهمهم (الله) ألا يقاتلوا في الأشهر الحرم، ولا عند البيت الحرام ولا مَن كان معه القلائد، ثم أعلمهم أن الذي ألهمهم هذا يعلم ما السماوات وما في الأرض. وفي تكرير الاسم في قوله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾، ولم يقل: "وأنه"، معنى التعظيم.

المائدة 5:98

قال: ﴿ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ الآية تخويفاً، والمعنى: اعلموا - أيها الناس - أن الله شديد العقاب لمن عصاه، وأنه غفور لذنوب من أطاعه، أي: ساتر لها، رحيم (به).

المائدة 5:99

قوله: ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ﴾ الآية. هذه الآية تحذير من الله لعباده ووعيد، والمعنى: ليس على الرسول إلا أن يبلغ الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، ثم إلى الله فعل الثواب بمن أطاع، والعقاب بمن عصى، ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: غير خفي عليه ما تبدون من طاعته ومعصيته، وما تخفون من ذلك. وقيل: هذا مردود إلى قوله: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وأخبر (الله) تعالى أنه يعلم ما يبدون من ظاهر الإيمان وما يكتمون من الكفر.

المائدة 5:100

قوله: ﴿قُل لاَّ يَسْتَوِي ٱلْخَبِيثُ﴾ الآية. المعنى: قل يا محمد: لا يعتدل الصالح والطالح ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ﴾ أي: لو كثر أهل المعاصي، فإن أهل الطاعة - وإن قَلُّوا - هم أهل رضوان الله. و ﴿ٱلْخَبِيثِ﴾: المشركون، والطيب: المؤمنون. وهذا خطاب للنبي عليه السلام، (و) يراد به أمته، ودل على ذلك قوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾ أي: فاتقوه فيما أمركم يا أولي العقول واحذروا أن يستفزكم الشيطان بإعجابكم بكثرة المشركين، وتضعف نيتكم بقلة المؤمنين، فإن المؤمن لا يستوي مع المشرك.

المائدة 5:101

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية. هذه الآية: نزلت في سبب أقوام سألوا النبي مسائل امتحاناً له، فيقول له بعضهم: (من أبي)؟، ويقول بعضهم إذا ضَلَّت ناقته: أين ناقتي؟، فنهى الله عن ذلك. قال أنس: سأل الناس النبي حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم وقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينتُ لكم. فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم يبكون، فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه - فقال: يا رسول الله، من أبي؟، قال: حذافة، فقام عمر فقبّل رِجلَ رسول الله فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، أعوذ بالله من شر الفتن. فقال النبي ﷺ: أما والذي نفسي بيده: لقد صُوِّرَت مثل (النار والجنة) آنفاً في عُرض هذا الحائط، فلم (أر كاليوم) في الخير والشر. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة له: ما رأيت ولداً أعقَّ منك قط!، أكنت تأمن أن تكون أمُّك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته وقال أبو هريرة: خرج رسول الله صلى الله عليه - وهو غضبان - حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل (فقال): أين أنا؟ فقال: في النار. و (قام آخر فقال): من أبي؟، قال: (أبوك) حذافة. فقام عمر (وقال): رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فنزلت هذه الآية وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟، فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟، فسكت، ثم قال: لا ولو قلت "نعم" لوجب، فأنزل (الله) الآية وروي أنه قال لما كرر عليه السؤال: والذي نفسي بيده، لو قلت: "نعم" لوجبت، (ولو وجبت) عليكم، ما أطعتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية وروي عنه أنه قال: لو قلت "(نعم)" لوجبت، و (لو وجبت) ثم تركتم، لهلكتم، أسكتوا ما سكتَّ عنكم، فإنما هَلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله الآية وهذه القصة فيها ثلاثة فصول من النظم مختلفة: فمن قوله: ﴿يٰأَيُّهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: نهى عن السؤال للنبي فيما لا يعنيهم، فهذا فصل. - والثاني: قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ إلى ﴿لَكُمْ﴾، والمعنى: وإن تسألوا عن أشياء أُخَر - غير الأول - تظهر لكم، (لأن) الله قد نهاهم عن السؤال، فكيف (يبيح لهم) ذلك؟ إنما تقديره: وإن تسألوا عن غيرها حين ينزل القرآن تظهر لكم، فيكون الكلام فصلاً ثانياً (مبيناً على حذف) المضاف وهو "غير"، إذ قد امتنع أن يقول لهم: لا تسألوا عن ذلك، وإن تسألوا عنه حين ينزل القرآن يظهر لكم، فلما امتنع هذا لم يكن بد من تقدير حذف. والفصل الثالث: قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ فهذا سؤال لغير شيء، والسؤال الأول والثاني إنما هما سؤال عن الشيء: ما هو؟ وكيف هو؟، سؤال عن حال. وعن ابن عباس أنهم سألوا عن البحيرة (والسائبة) والوصيلة والحامي، فأنزل الله الآية ينهى عن السؤال، قال: ألا ترى أن بعده ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] الآية، فهو جواب لمن سأل عنه. * * قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾. أي: ولكن [إن تسألوا] عنها إذ أنزل القرآن بها، فإنها تظهر لكم، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فنهاهم أن يسألوا عما لم يُنْزِلْ به كتاباً ولا وحياً. * * قوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: ما لم يكن مذكوراً في حلال ولا حرام، فهو شيء عفا الله عنه، فلا تبحثوا عنه، فإنما هي أشياء حرَّمها الله فلا تنتهكوها، وأشياء أحلها فلا تحرموها، وأشياء عفا عنها وسكت عنها، فلا تبحثوا عنها، فلعلها إن ظَهَر لكم حكمها ساءكم ذلك، وإن سألتم عنها إذا نزل القرآن بها ظهرت لكم. ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: ساتر لذنوبكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ عما ترتكبون من مخالفته. ثم أخبر أن قوماً سألوا عنها من قبلنا، فلما فرض عليهم، وبيّن لهم ما سألوا عنه وأعطوا ذلك، كفروا به، وذلك كقوم صالح الذين سـألوا الناقة، وقوم عيسى الذين سألوا المائدة فكفروا لما نزلت. وقيل: المعنى: أنها نزلت فيما سئل النبي بمكة من قولهم: اجعل لنا الصفا ذهباً، فلم يلتفت إلى قولهم صلى الله عليه، فكفروا.

المائدة 5:102

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية. هذه الآية: نزلت في سبب أقوام سألوا النبي مسائل امتحاناً له، فيقول له بعضهم: (من أبي)؟، ويقول بعضهم إذا ضَلَّت ناقته: أين ناقتي؟، فنهى الله عن ذلك. قال أنس: سأل الناس النبي حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم وقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينتُ لكم. فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم يبكون، فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه - فقال: يا رسول الله، من أبي؟، قال: حذافة، فقام عمر فقبّل رِجلَ رسول الله فقال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، أعوذ بالله من شر الفتن. فقال النبي ﷺ: أما والذي نفسي بيده: لقد صُوِّرَت مثل (النار والجنة) آنفاً في عُرض هذا الحائط، فلم (أر كاليوم) في الخير والشر. قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة له: ما رأيت ولداً أعقَّ منك قط!، أكنت تأمن أن تكون أمُّك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية، فتفضحها على رؤوس الناس؟، فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته وقال أبو هريرة: خرج رسول الله صلى الله عليه - وهو غضبان - حتى جلس على المنبر، فقام إليه رجل (فقال): أين أنا؟ فقال: في النار. و (قام آخر فقال): من أبي؟، قال: (أبوك) حذافة. فقام عمر (وقال): رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً وبالقرآن إماماً، فنزلت هذه الآية وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية ﴿وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾، قالوا: يا رسول الله، أفي كل عام؟، فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟، فسكت، ثم قال: لا ولو قلت "نعم" لوجب، فأنزل (الله) الآية وروي أنه قال لما كرر عليه السؤال: والذي نفسي بيده، لو قلت: "نعم" لوجبت، (ولو وجبت) عليكم، ما أطعتموه، ولو تركتموه لكفرتم، فأنزل الله ﴿لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ﴾ الآية وروي عنه أنه قال: لو قلت "(نعم)" لوجبت، و (لو وجبت) ثم تركتم، لهلكتم، أسكتوا ما سكتَّ عنكم، فإنما هَلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فأنزل الله الآية وهذه القصة فيها ثلاثة فصول من النظم مختلفة: فمن قوله: ﴿يٰأَيُّهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: نهى عن السؤال للنبي فيما لا يعنيهم، فهذا فصل. - والثاني: قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا﴾ إلى ﴿لَكُمْ﴾، والمعنى: وإن تسألوا عن أشياء أُخَر - غير الأول - تظهر لكم، (لأن) الله قد نهاهم عن السؤال، فكيف (يبيح لهم) ذلك؟ إنما تقديره: وإن تسألوا عن غيرها حين ينزل القرآن تظهر لكم، فيكون الكلام فصلاً ثانياً (مبيناً على حذف) المضاف وهو "غير"، إذ قد امتنع أن يقول لهم: لا تسألوا عن ذلك، وإن تسألوا عنه حين ينزل القرآن يظهر لكم، فلما امتنع هذا لم يكن بد من تقدير حذف. والفصل الثالث: قوله: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ﴾ فهذا سؤال لغير شيء، والسؤال الأول والثاني إنما هما سؤال عن الشيء: ما هو؟ وكيف هو؟، سؤال عن حال. وعن ابن عباس أنهم سألوا عن البحيرة (والسائبة) والوصيلة والحامي، فأنزل الله الآية ينهى عن السؤال، قال: ألا ترى أن بعده ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] الآية، فهو جواب لمن سأل عنه. * * قوله: ﴿وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾. أي: ولكن [إن تسألوا] عنها إذ أنزل القرآن بها، فإنها تظهر لكم، قال تعالى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فنهاهم أن يسألوا عما لم يُنْزِلْ به كتاباً ولا وحياً. * * قوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا﴾ أي: ما لم يكن مذكوراً في حلال ولا حرام، فهو شيء عفا الله عنه، فلا تبحثوا عنه، فإنما هي أشياء حرَّمها الله فلا تنتهكوها، وأشياء أحلها فلا تحرموها، وأشياء عفا عنها وسكت عنها، فلا تبحثوا عنها، فلعلها إن ظَهَر لكم حكمها ساءكم ذلك، وإن سألتم عنها إذا نزل القرآن بها ظهرت لكم. ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾ أي: ساتر لذنوبكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ عما ترتكبون من مخالفته. ثم أخبر أن قوماً سألوا عنها من قبلنا، فلما فرض عليهم، وبيّن لهم ما سألوا عنه وأعطوا ذلك، كفروا به، وذلك كقوم صالح الذين سـألوا الناقة، وقوم عيسى الذين سألوا المائدة فكفروا لما نزلت. وقيل: المعنى: أنها نزلت فيما سئل النبي بمكة من قولهم: اجعل لنا الصفا ذهباً، فلم يلتفت إلى قولهم صلى الله عليه، فكفروا.

المائدة 5:103

قوله: ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ [وَلاَ سَآئِبَةٍ﴾ الآية. أي: ما حرم الله ذلك. وقيل: المعنى: ما بحر الله بحيرة]، ولا وصل وصيلة ولا سيب سائبة، ولا حمى حامياً، ولكن الكافرين اخترقوا ذلك. وقد تعلق قوم من الجهلة القائلين بخلق القرآن بقوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً ﴾ [الزخرف: ٣] أنه بمعنى فعلناه، أي: خلقناه، وهذه الآية تظهر جهلهم، وهو قوله: ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾، فإن كان "جعلنا" بمعنى "خلقنا" قد نفى عن نفسه هنا الجعل، فمن خلقها؟ (أَثَمَّ) خالق غير الله؟ ويدل على فساد قولهم: قوله تعالى: ﴿ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: ٥]، فإن كان "جعل" بمعنى "خلق" فلم يكن القوم إذاً موجودين. وقد أخبر عنهم أنهم استضعفوا في الأرض، وقال: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ [البقرة: ١٢٤]، فيجب على قولهم أن يكون إبراهيم غير مخلوق في ذلك الوقت وقال: ﴿ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ﴾ [الأنفال: ٣٧] فواجب - على قولهم - أن يكون قد ميز الخبيث من الطيب وهو غير موجود، وقال: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ [النحل: ٥٧] حكاية عن الكفار، (وتراهم) أيها الجهلة القدرية خلقوهم (هم)، إنما سموهم، ويلزمهم أن يكون القرآن خلق مرتين لقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾ [الحجر: ٩١]، وقوله: ﴿ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف: ٣]، وهذا أكثر من أن يحصى. والجعل يكون بمعنى التعبير والوصف والتسمية، وقد يكون بمعنى الخلق بدلالةٍ تدل عليه، نحو قوله: ﴿ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ [الأعراف: ١٨٩] أي: وخلق، لكن إذا كانت "جعل" بمعنى "خلق" لم تتعد إلا على مفعول واحد. (و) روى زيد بن أسلم عن النبي ﷺ أنه قال: قد عرفت أول من بحر البحيرة، (و) هو رجل من بني مُدْلج، كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرم ألبانهما (وظهورهما وقال: هاتان لله: ثم احتاج إليهما فشرب ألبانهما) وركب ظهورهما، قال: فلقد رَأيتُه في النار، يُؤذي أهل النار (ريحُ قُصبِه) . والبحيرة: "فَعِيلة" بمعنى "مفعولة"، وهي الناقة المشقوقة الأذن، يقال: بحرت أذن الناقة. والسائبة: "فاعلة" بمعنى "مَفعِلة"، كما قيل: راضية بمعنى مَرْضِية، وهي المُخَلاَّة من المواشي، كانت الجاهلية تفعله ببعض المواشي، فيُحرِّم الانتفاع به على نفسه. وأما الوصيلة: فإن الأنثى من نعمهم كانت - في الجاهلية - إذا أتت بذكر وأنثى، قيل: "قد وصلت أخاها"، أي: منعته من الذبح، فسموها وصيلة. وأما الحامي: فهو الفحل من النعم يحمى ظهره من الركوب والانتفاع بسبب تتابع أولاد [تَحدُث] في فِحْلَتِه. وقال قتادة: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظر إلى البطن الخامس، فإن كان ذكراً أكله الرجال دون النساء، وإن كان ميتة اشترك فيه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى بحروا أذنها - أي: شقوها - وتركت، فلا يشرب لها لبن ولا [تركب]، وكانوا يسيّبون ما شاءوا من أموالهم، فلا يُمنع من ماء ولا كلأ، ولا ينتفع به. وكانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى البطن السابع، فإن كان ذكراً ذبح، فكان للرجال دون النساء، وإن كانت ميتة أكله الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت، وإن (كانت ذكراً) وأنثى، قيل: وصلت أخاها فمنعته من الذبح. وكان الحامي هو الفحل إذا ركب من ولده عشرة، قيل: حمى ظهره، فلا يركب ولا ينتفع به ويطلق. ويقال: إن الناقة كانت إذا (تتابعت باثنتي عَشْرَةَ أنثى) ليس فيهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها، ولم يجزّ وبرها ولم يشرب لبنها، فما نتجت - بعد ذلك - من أنثى شقَّ أذنها وخلاّها مع أمها في الإبل، فلم يركب ظهرها، كما (فعل) بأمها، فهي البحيرة ابنة السائبة. والوصيلة: هي الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت وصيلة، وقالوا: وصلت، فما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله: الذكور والإناث منهم. والحامي: هو الفحل إذا نتج (له) عشر إناث متتابعات، ليس بينهن ذكر، حمى ظهره فلم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها ولا ينتفع به لغير ذلك. فنفى الله جل ذكره عن نفسه أن يكون سمى شيئاً من ذلك أو صيّره كذلك، فقال: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ أي: يخترقونه. و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هم اليهود، والذين ﴿لاَ يَعْقِلُونَ﴾: أهل الأوثان. وقيل: المراد بذلك أهل الجاهلية الذين سنّوا ذلك، فهم الكفار، والذين لا يعقلون: أتباعهم، أي: لا يعقلون أنه إنما سن لهم ذلك مَن تقدمهم من غير أمر (من) الله فيه، وأنه باطل كذب، وذِكْرُ أهل الكتاب - في هذا - لا معنى له، إذ ليس لهم في هذا صنع ولا سنة، وإنما ذكر ذلك عن مشركي العرب، فهم الذين عنوا بذلك. وقيل: إنهم لا يعقلون (أن) الشيطان حرمه عليهم وسنَّه لهم. وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله قال: قَد عَرَفْتُ أََوَّلَ مَن سَيَّب السُّيَّب، ونصَّب النُّصُب وغَيَّرَ عَهْدَ إِبراهيمَ: عمرو بنُ لُحَيّ، لقد رأيتُه وإِنَّه لَيَجُرَّ قُصَبه في النار يؤذي أهلَ النار بريحه. القُصْبُ: الأمعاء. روى مالك أيضاً عن زيد بن أسلم عن عطاء أن النبي قال: قد عرفت أول من بحر البحائر: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع [آذانهما]، وحرَّم ألبانهما وظهورهما، ثم احتاج فركبهما وشرب ألبانهما، فلقد رأيتُهما وإيّاه في النار، وإنهما لتخبطانه بأخفافهما، وتعضانه بأفواههما. وفي ذلك اختلاف كثير والمعنى متقارب.

المائدة 5:104

قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ الآية. المعنى: وإذا قيل لهؤلاء الذين قد سموا ما ذكر من البحيرة وغيرها: تعالوا إلى كتاب الله وإلى رسوله ليتبين لكم كذب قولكم فيما سننتم، ﴿قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ﴾ أي: يكفينا ما صنع آباؤنا، ويرضينا من تحليل وتحريم، ثم قال الله تعالى لنبيه: أولو كان - يا محمد - آباء هؤلاء القائلين لا يعلمون شيئاً ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ أي: ولا يهتدون، جهلوا أنهم يفترون على الله بقيلهم ما كانوا يقولون، أيتبعونهم على فعلهم، وهذه حالهم في الجهل.

المائدة 5:105

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. (والمعنى): عليكم أنفسكم [إذا] أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم. وقال ابن عمر: هذه لأقوام يأتون بعدنا، إن قالوا لم يُقبل منهم، وأما نحن فقد قال رسول الله: ليُبَلِّغ الشاهد الغائبَ، فكنا نحن الشهودَ وأنتم الغيب. وحكى جبير بن نفير عن جماعة من أصحاب النبي أنهم قالوا له في هذه الآية: عسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شُحّاً مطاعاً، وهوىً متَّبعاً وإعجابَ كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يَضرُّك من ضل إذا اهتديت. وقال ابن مسعود: لمّا يجىء تأويل هذه بعد، إن القرآن أُنزل حيث أُنزل، منه آيٌ قد مضى تأويلهن قبل أن يَنْزِلْن، ومنه آي تأويلهن على عهد النبي، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي بيسير، ومنه آي قد وقع تأويلهن يوم الحساب، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تُلبَسوا شيعاً، ولم (يَذُق بعضكم) بأس بعض، فأْمُروا بالمعروف وانْهُوا عن المنكر. وإذا اختلفت الأقوال والأهواء، وأُلْبِستم شيعاً، وذاق بعضكم بأس بعض فامرُؤ ونفسَه، عند ذلك جاء تأويل هذه الآية. وقيل: هي في الكفار، لا يضر المسلمَ كفُر الكافر، عليه نفسه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وجعلها ابن عباس وغيره عامة، وقال في معناها: إنّ العبد إذا أطاع الله فيما أمر به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده. وقال ابن المسيب وغيره: معناها: لا يضركم مَن ضل بعد أمركم إياه (بالمعروف) ونهيكم عن المنكر. وروي عن أبي بكر الصديق أنه قال: يا أيها الناس لا تَغْتَرّوا بقول الله جل وعز ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فيقول أحدكم: "علي نفسي"، والله، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولَتُنْهَوُنَّ عن المنكر [أو] لَيَسْتَعْمِلَنَّ عليكم شراركم فَلَيَسُومُنَّكم سوء العذاب، (وَلَيَدْعُنَّ) الله خيارُكم فلا يستجيب لهم. قال أبو بكر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا رأى الناس المنكر والظالم، فلم يأخذوا على يديه، فيوشك أن يَعُمَّهم الله بعقابه. وقال ابن جبير: معناها: لا يضرُّكُم من كَفَرَ بالله من أهل الكتاب، فإنما عليكم أنفسكم، وليس يضركم كفر الكافر. (و) قال ابن زيد: كان الرجل إذا أسلم قال له أهل دينه الذي كان عليه: سفَّهتَ آباءك وضللتهم، وفعلت [بآبائك]. كذا وكذا، وكان ينبغي لك أن تنصر [آباءك]، فأنزل الله: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾ الآية، (أي) إنما عليكم أنفسكم، وليس عليكم من ضلالة آبائكم شيء. وقد قيل: إن ذلك في الأمر، أُمِروا بأنفسهم، وأُعلِموا أنهم لا يضرهم ارتداد من ارتد، ولا كفر من كفر, وقيل: الآية منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والاختيار عند أهل المنظر أن يكون المعنى: لا يضرّكم من ضل بعد أمركم إياه بالمعروف ونَهيِكم عن المنكر، وإنما ذلك لأن الله أمر المؤمنين بالقيام بالقسط، وأن يتعاونوا على البر والتقوى: ومن القيام بالقسط: الأخذ على يدي الظالم، ومن التعاون على البر والتقوى: الأمر بالمعروف وليس في ذلك رخصة إلا العجز عن القيام بها. ومعنى ﴿إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ﴾: إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر، فليس يضركم من ضل بعد ذلك. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وذم اليهود فقال: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] ولعنهم على تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع أهل العلم على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يجب على الأمراء، ويُعينُ على ذلك المؤمنون إذا احتيج (إليهم)، وبعض الناس يحمله عن بعض: كالجهاد، فهذا إجماع العلماء ويجب على الإنسان - في النظر والقياس - أن يأمر من ضيع شيئاً من الخير بما يأمر به نفسه، وينهى عن الشر كما ينهى عنه نفسه. وكل شيء وجب لك فعله، وجب عليك الأمر به [أو النهي عنه. والأمر بالمعروف هو النهي عن المنكر]، لأن ترك المنكر معروف وترك المعروف منكر. * * قوله: ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ أي: إليه تردون فيحكم بينكم فيما أمرتم به فلم يقبل منكم، أو نهيتهم عنه، فينتقم من المتَعدِّي على محارمه، ويجازي الدال على مرضاته.

المائدة 5:106

قوله: ﴿يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ الآية. وهذه الآية - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعراباً! ومعنى وحكماً. فقوله: ﴿شَهَادَةُ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ٱثْنَانِ﴾ الخبر، والتقدير: فيه شهادة اثنين، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. وقيل: التقدير: عدد شهادة بينكم اثنان، ثم حذف، و "ما" محذوفة مع "بينكم"، تقديره: ما بينكم، و ["ما" المحذوفة] إشارة إلى التنازع والتشاجر. وقيل: ﴿ٱثْنَانِ﴾ رفع بفعلهما، والتقدير: ليكن منكم أن يشهد اثنان. وقيل: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ خبر الشهادة: لأنها مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق، و ﴿ٱثْنَانِ﴾ - على هذا - رفع بفعلهما، تقديره أن يشهد اثنان، ودل على ذلك ﴿شَهَادَةُ﴾ المتقدم ذكرها. * * قوله: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾ * * ﴿آخَرَانِ﴾: ارتفعا بفعل مضمر، و ﴿يَقُومَانِ﴾ نعت، و ﴿ٱلأَوْلَيَانِ﴾ بدل من ﴿آخَرَانِ﴾ أو من المُضمر في ﴿يَقُومَانِ﴾. روى اسحاق الأزرق عن أبي بكر عن عاصم (شهادةٌ) بالتنوين، (بينكم) بالنصب، وهي مروية عن الأعرج. ورُوي عن أبي عبد الرحمن المقريُ ﴿شَهَادَةَ﴾ بالنصب والتنوين على: "ليشهد اثنان شهادةً"، فهو مصدر. (و) روى عبد الله بن مسلم ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾ بالنصب فيهما وتنوين (شهادةً) على معنى: لا نكتم الله شهادةً. وقيل تقديره: ولا نكتم شهادة والله، فلما حذفت الواو تعدى الفعل [إلى] المُقسم به فنصب. وقرأ الشعْبي (شهادةً) بالتنوين، (اللهِ) بالخفض على القسم، أعمل الحرف وهو محذوف، وقد أجازه سيبويه، ومنع ذلك غيره. وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾ بالمد، جعل ألف الاستفهام عوضاً من حرف القسم، فخفض بها كالحرف. وقرأ ابن محيصن: [(إنا إذاً لملاثمين)] أدغم النون في اللام، وهو بعيد في العربية، وهو مثل (عادً [لوُلَى] في قراءة نافع، وإنما بعد، لأن اللام حكمها السكون، والحركة التي عليها إنما هي للهمزة، والمدغم لا يدغم أبداً إلا في متحرك أصلي، وليست اللام بأصلية الحركة. ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم - إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، (أي من المسلمين وقيل: من أهل الموصي. والأول أكثر. قال الحسن: ﴿ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من العشيرة، لأن العشيرة أعلم بالرجل وماله وولده، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه، فإن لم يكن من العشيرة أحد، فآخران من غير العشيرة، فإن شهدا - وهما عدلان - مضت شهادتهما، وإن ارتيب في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر فيقسمان بالله ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾، فتمضي شهادتهما إذا حلفا، وإنما استُحلفا، لأنهما وصيان شاهدان، فإن اطلع - بعد ذلك - أنهما شهدا بزور، حلف وليان من الورثة، واستحقا ما حلفا عليه، وهو معنى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ أي: (حلفاً) زوراً، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: مقام الشاهدَيْن، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لَيمَينُنا أحق من يمينهما، ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾، أي: يأتي الشاهدان بالشهادة على حقها، ولا يغيّرانها. وهذا منسوخ عند أكثر العلماء. وقال الحسن: يحلف الشهود، وليس بمنسوخ. ومن قال: إن معنى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من المسلمين، (قال: أو) من غيركم: من غير المسلمين لتصح المحاذاة، لأن نقيض المسلم الكافر. ومن قال: معنى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من قبيلتكم أو من عشيرتكم أو من أهليكم، قال: معنى: ([من] غيركم): من غير قبيلتكم أو من غير عشيرتكم أو [من] (غير) أهليكم، فهو كله (في المسلمين) لتصح المحاذاة في الطرفين، ثم يقع الاختلاف في النسخ على ما ذكرنا وما نذكر على اختلاف هذه المعاني. والشهادة (هنا) بمعنى الإشهاد على الوصية، فالاثنان يشهدان على الوصية. وقيل: الشهادة هنا بمعنى الحضور، أي: ليشهد اثنان، أي: ليحضر اثنان حين الوصية، فهما وصيان لا شاهدان، واستدل الطبري على أنه غير الشهادة التي تؤدي للمشهود له، أنْ قال: إنا لا نعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزاً أن يصرف الشهادة في هذا، وتكون هي التي يقام بها عند الحاكم للمشهود له، (و) في حكم اله باليمين على ذوي العدل [أو] على من قام مقامهما باليمين - يقول: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ﴾ - أَوُضَحُ دليل على أنه ليس يراد به الشهادة التي يقضى بها للمشهود له. * * وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن المسيب: معناه: من غيركم، أي: من أهل الكتاب. وقال ابن جبير: أي: من غير أهل ملتكم، وقال الحسن: معناه: شاهدان من قومكم أو من غير قومكم. وقيل: معناه: من غير حيّكم. * * قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ذاهبين وراجعين، فنزل بكم الموت. * * وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَة﴾ هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: إذا ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين، وفي الكلام حذف واختصار، تقديره: ودفعتم إليهما ما معكم من مال ثم متم، وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما واتهموهما (وادعوا) عليهما خيانة، فإن الحكم في ذلك أن [تحبسوهما]، أي: تتوثقوا منهما بعد الصلاة، وفي الكلام حذف أيضاً وهو ما ذكرنا، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، (أي) لا نحلف كاذبين على عرض نأخذه من حق هؤلاء الورثة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ يقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً ولو كان الذي نقسم له به ذا قرابة منا. قال ابن عباس: إنما هذا لمن حضره الموت في سفر ولم يجد مسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر: بالله لم نشتر بشهادتنا ثمناً. فقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ﴾ (- على قول ابن عباس - من صفة الآخرين، والمعنى: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة) إن ارتاب الورثة في مال الميت، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، ولو كان ذا قربى. والصلاة - عند أبي موسى الأشعري وابن جبير - صلاة العصر. وقيل: هي صلاة من صلاة أهل دينهم. قال السدي وغيره: أمر الله المؤمنين أن يُشهدوا عند الموت في الحضر شاهدْين (من المسلمين) فيما عليه وله، وأمرهم أن يشهدوا في السفر شاهدين من غير ملتهم إذا عدموا أهل ملتهم، كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً، فإذا دفع إليهما ماله، (فإن أتهمهما) أهل الميت حبسوهما بعد الصلاة وحلفا: بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، وذلك صلاة أهل ملتهما، ويقولان بعد ذلك: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ﴾، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه التركة، (ويخوفهما) الامام قبل اليمين، فـ ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾. قال ابن زيد: "لا نشتري به ثمناً" لا نأخذ به رشوة. قال: الهاء في "به" تعود على القسم، وهو اليمين، وقيل: بل تعود على الله جل ذكره. * * قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ أي اطلع على أنهما خانا بعد حلفهما، وأنهما حلفا كاذبين في أيمانهما (ما خنا)، فيقوم آخران من ورثة الميت حينئذ مقامهما، فيحلفان أنه كان كذا وكذا، ويستحقون ما حلفوا عليه. وقال ابن عباس: يحلفان: إن شهادة الكافرين كانت باطلاً، وأنّا لم نَعْتَدِ في دعوانا، إذا اطلع أنهما كذبا في يمينهما وخانا، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة المؤمنين. وقيل: إنما يحلف أولياء الميت إذا أدعى الشاهدان أنه أوصى بما لا يجوز في دين الإسلام، كقولهم: أوصى بماله كله"، فيحْلف اثنان من أولياء الميت: إن صاحبنا (ما كان يرضى بهذا ولا نرضى به، وإنهما) يكذبان. وشهادتنا أحق من شهادتهما. والأكثر على أن الأولياء يحلفون إذا وجدوا خيانة بعد يمين الكافرين، أو قيل لهم (إنهما) غير مرضيين، فيحلفان: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإنه لقد ترك كذا وكذا، وما أوصى بكذا ونحوه. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما زعما أن الميت أوصى لهما بكذا وكذا، فإن عثر على أنهما كاذبان في ذلك، حلف آخران من أولياء الميت: لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا. وجماعة من العلماء يقولون: كان هذا ثم نُسخ. ولا تجوز شهادة كافر على مسلم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهي منسوخة عندهم. وقيل: ذلك جائز إذا كانت وصية، وهو قول ابن عباس وغيره. وقيل: الآية كلها في المسلمين، والآخران من المسلمين، وهو قول الزهري والحسن. وقيل: الشهادة - هنا - بمعنى الحُضور، وقد تقدم ذكره. وقيل: الشهادة - هنا بمعنى اليمين، فمعنى "شهادة أحدكم": أي: يمين أحدكم أن يحلف اثنان، وهو اختيار الطبري. فال ابن عباس: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة للتجارة - نصرانيين -، فخرج معهما رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، فوصّلا تركته إلى أهله، وحبسا جَاماً من فضة مُخَوَّصاً بالذهب، ففقده أولياء الميت السهمي، فأتوا النبي، فاستحلفهما: "ما كتمنا ولا اطلعنا"، ثم عُرفَ الْجامُ بمكة، [فقالوا]: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لَجَامُ السهمي، ولشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا، إنّا إذاً لمن الظالمين، وأخذا الْجَامَ، ففيهم نزلت الآيات. والروايات في هذا الخبر كثيرة مختلفة الألفاظ، ترجع إلى معان يقرب بعضها من بعض. وتقدير قراءة من قرأ بضم التاء وقرأ (الأوليان) أنه أراد: فآخران من أهل الميت - الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم منهما - يقومان مقام [المُسْتَحِقَّيِ] الإثم منهما لخيانتهما. و (من قرأ) بفتح التاء، فتقديره: فآخران يقومان [مقام] المؤتمَنيْن اللَّذَين عثر على خيانتهما.