Tafsir Makhi — المائدة 5:107 – الأنعام 6:165
المحتويات
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:114
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
المائدة 5:107
قوله: ﴿يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ الآية.
وهذه الآية - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعراباً! ومعنى وحكماً.
فقوله: ﴿شَهَادَةُ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ٱثْنَانِ﴾ الخبر، والتقدير: فيه شهادة اثنين، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقيل: التقدير: عدد شهادة بينكم اثنان، ثم حذف، و "ما" محذوفة مع "بينكم"، تقديره: ما بينكم، و ["ما" المحذوفة] إشارة إلى التنازع والتشاجر.
وقيل: ﴿ٱثْنَانِ﴾ رفع بفعلهما، والتقدير: ليكن منكم أن يشهد اثنان.
وقيل: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ خبر الشهادة: لأنها مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق، و ﴿ٱثْنَانِ﴾ - على هذا - رفع بفعلهما، تقديره أن يشهد اثنان، ودل على ذلك ﴿شَهَادَةُ﴾ المتقدم ذكرها.
* *
قوله: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾
* *
﴿آخَرَانِ﴾: ارتفعا بفعل مضمر، و ﴿يَقُومَانِ﴾ نعت، و ﴿ٱلأَوْلَيَانِ﴾ بدل من ﴿آخَرَانِ﴾ أو من المُضمر في ﴿يَقُومَانِ﴾.
روى اسحاق الأزرق عن أبي بكر عن عاصم (شهادةٌ) بالتنوين، (بينكم) بالنصب، وهي مروية عن الأعرج.
ورُوي عن أبي عبد الرحمن المقريُ ﴿شَهَادَةَ﴾ بالنصب والتنوين على: "ليشهد اثنان شهادةً"، فهو مصدر.
(و) روى عبد الله بن مسلم ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾ بالنصب فيهما وتنوين (شهادةً) على معنى: لا نكتم الله شهادةً. وقيل تقديره: ولا نكتم شهادة والله، فلما حذفت الواو تعدى الفعل [إلى] المُقسم به فنصب.
وقرأ الشعْبي (شهادةً) بالتنوين، (اللهِ) بالخفض على القسم، أعمل الحرف وهو محذوف، وقد أجازه سيبويه، ومنع ذلك غيره.
وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾ بالمد، جعل ألف الاستفهام عوضاً من حرف القسم، فخفض بها كالحرف.
وقرأ ابن محيصن: [(إنا إذاً لملاثمين)] أدغم النون في اللام، وهو بعيد في العربية، وهو مثل (عادً [لوُلَى] في قراءة نافع، وإنما بعد، لأن اللام حكمها السكون، والحركة التي عليها إنما هي للهمزة، والمدغم لا يدغم أبداً إلا في متحرك أصلي، وليست اللام بأصلية الحركة.
ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم - إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، (أي من المسلمين وقيل: من أهل الموصي. والأول أكثر.
قال الحسن: ﴿ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من العشيرة، لأن العشيرة أعلم بالرجل وماله وولده، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه، فإن لم يكن من العشيرة أحد، فآخران من غير العشيرة، فإن شهدا - وهما عدلان - مضت شهادتهما، وإن ارتيب في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر فيقسمان بالله ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾، فتمضي شهادتهما إذا حلفا، وإنما استُحلفا، لأنهما وصيان شاهدان، فإن اطلع - بعد ذلك - أنهما شهدا بزور، حلف وليان من الورثة، واستحقا ما حلفا عليه، وهو معنى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ أي: (حلفاً) زوراً، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: مقام الشاهدَيْن، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لَيمَينُنا أحق من يمينهما، ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾، أي: يأتي الشاهدان بالشهادة على حقها، ولا يغيّرانها. وهذا منسوخ عند أكثر العلماء. وقال الحسن: يحلف الشهود، وليس بمنسوخ.
ومن قال: إن معنى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من المسلمين، (قال: أو) من غيركم: من غير المسلمين لتصح المحاذاة، لأن نقيض المسلم الكافر. ومن قال: معنى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من قبيلتكم أو من عشيرتكم أو من أهليكم، قال: معنى: ([من] غيركم): من غير قبيلتكم أو من غير عشيرتكم أو [من] (غير) أهليكم، فهو كله (في المسلمين) لتصح المحاذاة في الطرفين، ثم يقع الاختلاف في النسخ على ما ذكرنا وما نذكر على اختلاف هذه المعاني.
والشهادة (هنا) بمعنى الإشهاد على الوصية، فالاثنان يشهدان على الوصية.
وقيل: الشهادة هنا بمعنى الحضور، أي: ليشهد اثنان، أي: ليحضر اثنان حين الوصية، فهما وصيان لا شاهدان، واستدل الطبري على أنه غير الشهادة التي تؤدي للمشهود له، أنْ قال: إنا لا نعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزاً أن يصرف الشهادة في هذا، وتكون هي التي يقام بها عند الحاكم للمشهود له، (و) في حكم اله باليمين على ذوي العدل [أو] على من قام مقامهما باليمين - يقول: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ﴾ - أَوُضَحُ دليل على أنه ليس يراد به الشهادة التي يقضى بها للمشهود له.
* *
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن المسيب: معناه: من غيركم، أي: من أهل الكتاب.
وقال ابن جبير: أي: من غير أهل ملتكم، وقال الحسن: معناه: شاهدان من قومكم أو من غير قومكم. وقيل: معناه: من غير حيّكم.
* *
قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ذاهبين وراجعين، فنزل بكم الموت.
* *
وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَة﴾ هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: إذا ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين، وفي الكلام حذف واختصار، تقديره: ودفعتم إليهما ما معكم من مال ثم متم، وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما واتهموهما (وادعوا) عليهما خيانة، فإن الحكم في ذلك أن [تحبسوهما]، أي: تتوثقوا منهما بعد الصلاة، وفي الكلام حذف أيضاً وهو ما ذكرنا، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، (أي) لا نحلف كاذبين على عرض نأخذه من حق هؤلاء الورثة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ يقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً ولو كان الذي نقسم له به ذا قرابة منا.
قال ابن عباس: إنما هذا لمن حضره الموت في سفر ولم يجد مسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر: بالله لم نشتر بشهادتنا ثمناً.
فقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ﴾ (- على قول ابن عباس - من صفة الآخرين، والمعنى: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة) إن ارتاب الورثة في مال الميت، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، ولو كان ذا قربى.
والصلاة - عند أبي موسى الأشعري وابن جبير - صلاة العصر. وقيل: هي صلاة من صلاة أهل دينهم.
قال السدي وغيره: أمر الله المؤمنين أن يُشهدوا عند الموت في الحضر شاهدْين (من المسلمين) فيما عليه وله، وأمرهم أن يشهدوا في السفر شاهدين من غير ملتهم إذا عدموا أهل ملتهم، كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً، فإذا دفع إليهما ماله، (فإن أتهمهما) أهل الميت حبسوهما بعد الصلاة وحلفا: بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، وذلك صلاة أهل ملتهما، ويقولان بعد ذلك: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ﴾، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه التركة، (ويخوفهما) الامام قبل اليمين، فـ ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾.
قال ابن زيد: "لا نشتري به ثمناً" لا نأخذ به رشوة.
قال: الهاء في "به" تعود على القسم، وهو اليمين، وقيل: بل تعود على الله جل ذكره.
* *
قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ أي اطلع على أنهما خانا بعد حلفهما، وأنهما حلفا كاذبين في أيمانهما (ما خنا)، فيقوم آخران من ورثة الميت حينئذ مقامهما، فيحلفان أنه كان كذا وكذا، ويستحقون ما حلفوا عليه.
وقال ابن عباس: يحلفان: إن شهادة الكافرين كانت باطلاً، وأنّا لم نَعْتَدِ في دعوانا، إذا اطلع أنهما كذبا في يمينهما وخانا، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة المؤمنين.
وقيل: إنما يحلف أولياء الميت إذا أدعى الشاهدان أنه أوصى بما لا يجوز في دين الإسلام، كقولهم: أوصى بماله كله"، فيحْلف اثنان من أولياء الميت: إن صاحبنا (ما كان يرضى بهذا ولا نرضى به، وإنهما) يكذبان. وشهادتنا أحق من شهادتهما.
والأكثر على أن الأولياء يحلفون إذا وجدوا خيانة بعد يمين الكافرين، أو قيل لهم (إنهما) غير مرضيين، فيحلفان: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإنه لقد ترك كذا وكذا، وما أوصى بكذا ونحوه. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما زعما أن الميت أوصى لهما بكذا وكذا، فإن عثر على أنهما كاذبان في ذلك، حلف آخران من أولياء الميت: لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا.
وجماعة من العلماء يقولون: كان هذا ثم نُسخ.
ولا تجوز شهادة كافر على مسلم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهي منسوخة عندهم. وقيل: ذلك جائز إذا كانت وصية، وهو قول ابن عباس وغيره.
وقيل: الآية كلها في المسلمين، والآخران من المسلمين، وهو قول الزهري والحسن.
وقيل: الشهادة - هنا - بمعنى الحُضور، وقد تقدم ذكره.
وقيل: الشهادة - هنا بمعنى اليمين، فمعنى "شهادة أحدكم": أي: يمين أحدكم أن يحلف اثنان، وهو اختيار الطبري.
فال ابن عباس: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة للتجارة - نصرانيين -، فخرج معهما رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، فوصّلا تركته إلى أهله، وحبسا جَاماً من فضة مُخَوَّصاً بالذهب، ففقده أولياء الميت السهمي، فأتوا النبي، فاستحلفهما: "ما كتمنا ولا اطلعنا"، ثم عُرفَ الْجامُ بمكة، [فقالوا]: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لَجَامُ السهمي، ولشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا، إنّا إذاً لمن الظالمين، وأخذا الْجَامَ، ففيهم نزلت الآيات. والروايات في هذا الخبر كثيرة مختلفة الألفاظ، ترجع إلى معان يقرب بعضها من بعض.
وتقدير قراءة من قرأ بضم التاء وقرأ (الأوليان) أنه أراد: فآخران من أهل الميت - الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم منهما - يقومان مقام [المُسْتَحِقَّيِ] الإثم منهما لخيانتهما.
و (من قرأ) بفتح التاء، فتقديره: فآخران يقومان [مقام] المؤتمَنيْن اللَّذَين عثر على خيانتهما.
المائدة 5:108
قوله: ﴿يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ الآية.
وهذه الآية - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعراباً! ومعنى وحكماً.
فقوله: ﴿شَهَادَةُ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ٱثْنَانِ﴾ الخبر، والتقدير: فيه شهادة اثنين، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
وقيل: التقدير: عدد شهادة بينكم اثنان، ثم حذف، و "ما" محذوفة مع "بينكم"، تقديره: ما بينكم، و ["ما" المحذوفة] إشارة إلى التنازع والتشاجر.
وقيل: ﴿ٱثْنَانِ﴾ رفع بفعلهما، والتقدير: ليكن منكم أن يشهد اثنان.
وقيل: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ خبر الشهادة: لأنها مستأنفة ليست واقعة لكل الخلق، و ﴿ٱثْنَانِ﴾ - على هذا - رفع بفعلهما، تقديره أن يشهد اثنان، ودل على ذلك ﴿شَهَادَةُ﴾ المتقدم ذكرها.
* *
قوله: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾
* *
﴿آخَرَانِ﴾: ارتفعا بفعل مضمر، و ﴿يَقُومَانِ﴾ نعت، و ﴿ٱلأَوْلَيَانِ﴾ بدل من ﴿آخَرَانِ﴾ أو من المُضمر في ﴿يَقُومَانِ﴾.
روى اسحاق الأزرق عن أبي بكر عن عاصم (شهادةٌ) بالتنوين، (بينكم) بالنصب، وهي مروية عن الأعرج.
ورُوي عن أبي عبد الرحمن المقريُ ﴿شَهَادَةَ﴾ بالنصب والتنوين على: "ليشهد اثنان شهادةً"، فهو مصدر.
(و) روى عبد الله بن مسلم ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾ بالنصب فيهما وتنوين (شهادةً) على معنى: لا نكتم الله شهادةً. وقيل تقديره: ولا نكتم شهادة والله، فلما حذفت الواو تعدى الفعل [إلى] المُقسم به فنصب.
وقرأ الشعْبي (شهادةً) بالتنوين، (اللهِ) بالخفض على القسم، أعمل الحرف وهو محذوف، وقد أجازه سيبويه، ومنع ذلك غيره.
وقرأ أبو عبد الرحمن ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾ بالمد، جعل ألف الاستفهام عوضاً من حرف القسم، فخفض بها كالحرف.
وقرأ ابن محيصن: [(إنا إذاً لملاثمين)] أدغم النون في اللام، وهو بعيد في العربية، وهو مثل (عادً [لوُلَى] في قراءة نافع، وإنما بعد، لأن اللام حكمها السكون، والحركة التي عليها إنما هي للهمزة، والمدغم لا يدغم أبداً إلا في متحرك أصلي، وليست اللام بأصلية الحركة.
ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ليشهد بينكم - إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية - اثنان ذوا عدل منكم، (أي من المسلمين وقيل: من أهل الموصي. والأول أكثر.
قال الحسن: ﴿ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ أي: من العشيرة، لأن العشيرة أعلم بالرجل وماله وولده، وأجدر ألا ينسوا ما يشهدون عليه، فإن لم يكن من العشيرة أحد، فآخران من غير العشيرة، فإن شهدا - وهما عدلان - مضت شهادتهما، وإن ارتيب في شهادتهما حبسا بعد صلاة العصر فيقسمان بالله ﴿لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ﴾، فتمضي شهادتهما إذا حلفا، وإنما استُحلفا، لأنهما وصيان شاهدان، فإن اطلع - بعد ذلك - أنهما شهدا بزور، حلف وليان من الورثة، واستحقا ما حلفا عليه، وهو معنى قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ أي: (حلفاً) زوراً، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ أي: مقام الشاهدَيْن، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ أي: لَيمَينُنا أحق من يمينهما، ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾، أي: يأتي الشاهدان بالشهادة على حقها، ولا يغيّرانها. وهذا منسوخ عند أكثر العلماء. وقال الحسن: يحلف الشهود، وليس بمنسوخ.
ومن قال: إن معنى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من المسلمين، (قال: أو) من غيركم: من غير المسلمين لتصح المحاذاة، لأن نقيض المسلم الكافر. ومن قال: معنى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ من قبيلتكم أو من عشيرتكم أو من أهليكم، قال: معنى: ([من] غيركم): من غير قبيلتكم أو من غير عشيرتكم أو [من] (غير) أهليكم، فهو كله (في المسلمين) لتصح المحاذاة في الطرفين، ثم يقع الاختلاف في النسخ على ما ذكرنا وما نذكر على اختلاف هذه المعاني.
والشهادة (هنا) بمعنى الإشهاد على الوصية، فالاثنان يشهدان على الوصية.
وقيل: الشهادة هنا بمعنى الحضور، أي: ليشهد اثنان، أي: ليحضر اثنان حين الوصية، فهما وصيان لا شاهدان، واستدل الطبري على أنه غير الشهادة التي تؤدي للمشهود له، أنْ قال: إنا لا نعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد اليمين، فيكون جائزاً أن يصرف الشهادة في هذا، وتكون هي التي يقام بها عند الحاكم للمشهود له، (و) في حكم اله باليمين على ذوي العدل [أو] على من قام مقامهما باليمين - يقول: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ﴾ - أَوُضَحُ دليل على أنه ليس يراد به الشهادة التي يقضى بها للمشهود له.
* *
وقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ قال ابن المسيب: معناه: من غيركم، أي: من أهل الكتاب.
وقال ابن جبير: أي: من غير أهل ملتكم، وقال الحسن: معناه: شاهدان من قومكم أو من غير قومكم. وقيل: معناه: من غير حيّكم.
* *
قوله: ﴿إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: سافرتم ذاهبين وراجعين، فنزل بكم الموت.
* *
وقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَة﴾ هذا خطاب للمؤمنين، والمعنى: إذا ضربتم في الأرض، فأصابتكم مصيبة الموت، فأوصيتم إلى اثنين عدلين، وفي الكلام حذف واختصار، تقديره: ودفعتم إليهما ما معكم من مال ثم متم، وذهبا إلى ورثتكم بالتركة، فارتابوا في أمرهما واتهموهما (وادعوا) عليهما خيانة، فإن الحكم في ذلك أن [تحبسوهما]، أي: تتوثقوا منهما بعد الصلاة، وفي الكلام حذف أيضاً وهو ما ذكرنا، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، (أي) لا نحلف كاذبين على عرض نأخذه من حق هؤلاء الورثة، ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ يقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً قليلاً ولو كان الذي نقسم له به ذا قرابة منا.
قال ابن عباس: إنما هذا لمن حضره الموت في سفر ولم يجد مسلمين، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين، فإن ارتيب في شهادتهما، استحلفا بعد العصر: بالله لم نشتر بشهادتنا ثمناً.
فقوله: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ ٱلصَّلاَةِ﴾ (- على قول ابن عباس - من صفة الآخرين، والمعنى: أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة) إن ارتاب الورثة في مال الميت، فيقسمان بالله لا نشتري بأيماننا ثمناً، ولو كان ذا قربى.
والصلاة - عند أبي موسى الأشعري وابن جبير - صلاة العصر. وقيل: هي صلاة من صلاة أهل دينهم.
قال السدي وغيره: أمر الله المؤمنين أن يُشهدوا عند الموت في الحضر شاهدْين (من المسلمين) فيما عليه وله، وأمرهم أن يشهدوا في السفر شاهدين من غير ملتهم إذا عدموا أهل ملتهم، كانوا يهوداً أو نصارى أو مجوساً، فإذا دفع إليهما ماله، (فإن أتهمهما) أهل الميت حبسوهما بعد الصلاة وحلفا: بالله لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى، وذلك صلاة أهل ملتهما، ويقولان بعد ذلك: ﴿وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ ٱلآَثِمِينَ﴾، إن صاحبكم لبهذا أوصى، وإن هذه التركة، (ويخوفهما) الامام قبل اليمين، فـ ﴿ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُواْ بِٱلشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ﴾.
قال ابن زيد: "لا نشتري به ثمناً" لا نأخذ به رشوة.
قال: الهاء في "به" تعود على القسم، وهو اليمين، وقيل: بل تعود على الله جل ذكره.
* *
قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْماً﴾ أي اطلع على أنهما خانا بعد حلفهما، وأنهما حلفا كاذبين في أيمانهما (ما خنا)، فيقوم آخران من ورثة الميت حينئذ مقامهما، فيحلفان أنه كان كذا وكذا، ويستحقون ما حلفوا عليه.
وقال ابن عباس: يحلفان: إن شهادة الكافرين كانت باطلاً، وأنّا لم نَعْتَدِ في دعوانا، إذا اطلع أنهما كذبا في يمينهما وخانا، فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة المؤمنين.
وقيل: إنما يحلف أولياء الميت إذا أدعى الشاهدان أنه أوصى بما لا يجوز في دين الإسلام، كقولهم: أوصى بماله كله"، فيحْلف اثنان من أولياء الميت: إن صاحبنا (ما كان يرضى بهذا ولا نرضى به، وإنهما) يكذبان. وشهادتنا أحق من شهادتهما.
والأكثر على أن الأولياء يحلفون إذا وجدوا خيانة بعد يمين الكافرين، أو قيل لهم (إنهما) غير مرضيين، فيحلفان: لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإنه لقد ترك كذا وكذا، وما أوصى بكذا ونحوه. وقيل: إنما ألزم الشاهدان اليمين، لأنهما زعما أن الميت أوصى لهما بكذا وكذا، فإن عثر على أنهما كاذبان في ذلك، حلف آخران من أولياء الميت: لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا.
وجماعة من العلماء يقولون: كان هذا ثم نُسخ.
ولا تجوز شهادة كافر على مسلم، وهو قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، وهي منسوخة عندهم. وقيل: ذلك جائز إذا كانت وصية، وهو قول ابن عباس وغيره.
وقيل: الآية كلها في المسلمين، والآخران من المسلمين، وهو قول الزهري والحسن.
وقيل: الشهادة - هنا - بمعنى الحُضور، وقد تقدم ذكره.
وقيل: الشهادة - هنا بمعنى اليمين، فمعنى "شهادة أحدكم": أي: يمين أحدكم أن يحلف اثنان، وهو اختيار الطبري.
فال ابن عباس: كان تميم الداري وعدي يختلفان إلى مكة للتجارة - نصرانيين -، فخرج معهما رجل من بني سهم، فتوفي بأرض ليس بها مسلم فأوصى إليهما، فوصّلا تركته إلى أهله، وحبسا جَاماً من فضة مُخَوَّصاً بالذهب، ففقده أولياء الميت السهمي، فأتوا النبي، فاستحلفهما: "ما كتمنا ولا اطلعنا"، ثم عُرفَ الْجامُ بمكة، [فقالوا]: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله إن هذا لَجَامُ السهمي، ولشهادتُنا أحقُّ من شهادتهما وما اعتدينا، إنّا إذاً لمن الظالمين، وأخذا الْجَامَ، ففيهم نزلت الآيات. والروايات في هذا الخبر كثيرة مختلفة الألفاظ، ترجع إلى معان يقرب بعضها من بعض.
وتقدير قراءة من قرأ بضم التاء وقرأ (الأوليان) أنه أراد: فآخران من أهل الميت - الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم منهما - يقومان مقام [المُسْتَحِقَّيِ] الإثم منهما لخيانتهما.
و (من قرأ) بفتح التاء، فتقديره: فآخران يقومان [مقام] المؤتمَنيْن اللَّذَين عثر على خيانتهما.
المائدة 5:109
قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ﴾ الآية.
المعنى: "واحذروا يوم يجمع الله الرسل. ومعنى ﴿مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾: ما أجابتكم أممكم حين دعوتموهم؟، فذهلت عقول الرسل عليهم السلام لهول اليوم، فقالت: ﴿لاَ عِلْمَ لَنَآ إِنَّكَ﴾، فلما سئلوا في موضع آخر ورجعت إليهم عقولهم أجابوا.
وقيل: المعنى: لا علم لنا، لأنك أعلم به منا. وقال ابن عباس: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا. وهو اختيار الطبري، يدل على ذلك أنهم ردوا العلم إليه، فقالوا ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾.
وقال مجاهد: تنزع أفئدتهم فلا يعلمون، ثم ترد إليهم أفئدتهم فيعلمون. وقيل: معناه: لا علم لنا بما عملته أُمَمُنا بعدَنا، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾.
وقال ابن جريج: المعنى: ماذا عملت أمتكم بعدكم؟، فيقولون: لا علم لنا حقيقة، (أي لا علم لنا) بما غاب عنا، إنك أنت علام الغيوب.
وَيشُدُّ هذا التأويل قول النبي عليه السلام: "يَرِد عليَّ قومٌ الحوضَ [فَيُخْتَلَجون]، فأقول: أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك
وقد طُعِن في قول ابن جريج، لأن الله لا يسأل عما غاب عن الأنبياء ولم يُعلمهم به، وقد قيل: إن الرسل لا يفزعون، لانهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والمعنى: ماذا أجبتم في السر والعلانية، ومعنى مسألة الله الرسل [عما] أجيبوا، إنما هو بمعنى التوبيخ لمن أرسلوا إليهم، كما قال: ﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * (بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ)﴾ [التكوير: ٨-٩]، وإنما تُسأل هي على التوبيخ (لقاتلها).
وقيل: إنما سألهم الله عن السر والعلانية، فرَدّوا الأمر إليه، إذ ليس عندهم إلاّ علمُ الظاهر، والباطن عِلمُه إلى الله، لأنه يعلم الغيب، وهذا القول أحب الأقوال إليّ، لأن سؤاله لهم سؤالاً عاماً يقتضي السؤال عن سر الأمم وعلانيتها، والسر علمه إلى من يعلم الغيوب، (وهو الله جل ذكره، فأقروا بأنهم لا علم عندهم منه، ورَدّوا العلم إلى من يعلم الغيب).
المائدة 5:110
قوله: ﴿إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ الآية.
قرأ ابن محيصن ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ﴾، وكذلك روي عن مجاهد، وهما لغتان.
والمعنى: واحذروا يوم يجمع الله ﴿ٱلرُّسُل﴾، فيقول كذا وكذا، إذ قال الله يا عيسى ابن مريم.
(و) قوله: ﴿(أَيَّدتُّكَ) بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ﴾ أي: أعنتك بجبريل. وقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ﴾ هو الخط، ﴿وَٱلْحِكْمَةَ﴾: الفهم بمعاني الكتاب، ﴿وَٱلتَّوْرَاةَ﴾: وهو ما أنزل على موسى، ﴿وَٱلإِنْجِيلَ﴾، وهو الذي أنزل عليه، ومعنى ﴿بِإِذْنِي﴾: أي: بعوني لك.
* *
ومعنى ﴿تَخْلُقُ﴾ تعمل وقيل: تُقَدِّر.
﴿وَتُبْرِىءُ ٱلأَكْمَهَ﴾ هو الذي يولد أعمى، وقيل: يكون الأكمه أيضاً (الذي) يعمى بعد البصر.
﴿وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوتَىٰ﴾ أي: تخرجهم أحياء من قبورهم، ﴿بِإِذْنِيِ﴾ أي: بعوني ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَنكَ﴾ أي: منعتهم إذ هموا بقتلك لما جئتهم بالبينات، وهذا كله تعديد نِعمِ الله على عيسى. والبينات: الأدلّة المعجزة الدّالّة على نبوتك.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾: من قرأ ﴿سِحْرٌ﴾ فمن أجل أن بَعْدَه ﴿مُّبِينٌ﴾، والسحر مما يوصف بالبيان.
* *
ومعنى ﴿سِحْرٌ﴾ أي عمله، وما أظهره سحر. ومن قرأ: (ساحر)، فلأن المذكور في الكلام هو عيسى، وليس مما يوصف بأنه سحر، لأن الإنسان لا يكون سحراً، إنما يكون ساحراً، وكل ساحر لا يسمى بذلك حتى يعمل السحر، وكل من أضيف إليه سحر فهو ساحر فالقراءتان متقاربتان.
والكهل: ابن أربعين سنة، وقيل: ابن أربع وثلاثين سنة.
ومعنى النعمة على عيسى في أن يكلم الناس كهلاً: أنه مد في عمره الى أن بلغ الكهولية.
المائدة 5:111
قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ﴾ الآية.
المعنى: واذكر اذ أوحيت إلى الحواريين، ومعنى ﴿أَوْحَيْتُ﴾: قذفت في قلوبهم، قاله السدي.
وقيل: ألهمتهم، والحواريون: وزراء عيسى.
المائدة 5:112
قوله: ﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ الآية.
روي عن ابن عامر: (الحواريون) بالتخفيف، استخفافاً، والتشديد الأصل.
ومعنى الآية: أنهم سألوا ذلك ليثبتوا في صدقه، كما قال إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وقيل: إنهم إنما سألوا (هذا) قبل أن يعلموا أن عيسى يبرئ الأكمه، ويحيي الموتى، فسألوه آية.
ومعنى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ﴾، أي: ينزل علينا ربك مائدة، كما تقول للرجل: "أتستطيع أن تنهض معي في كذا؟"، وأنت تعلم أنه مستطيع، وإنما تريد: "أتنهض معي في كذا؟".
وقيل: معناه: هل يستجيب لك ربك إن سألته؟.
وقال الحسن: المعنى: هل ربك فاعل بنا ذلك؟. والعرب تقول: "ما أستطيع ذلك"، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع.
وقيل: إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل على ذلك استعظام عيسى لقولهم، وقوله لهم: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
قال ابن شهاب: قال ابن عباس: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على مَن عمل له!، [ففعلوا ثم قالوا: يا معلّم الخير، قلتَ لنا: "إن أجر العامل على مَن عمل له"]، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً، ففعلنا، ولم نكن نعلم لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا - حين فرغ - طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ فقال عيسى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فاعتذروا بقولهم: ﴿نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي: بنبوتك، ونعلم صدقك، فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة (أرغفة وسبعة أحوات) حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
قال السدي المعنى: "هل يطيعك ربك إن سألته".
وقرأه الكسائي بالتاء، ونصب (ربَّك)، ومعناها: أن الحواريين لم يكونوا شاكين، إنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟.
قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم مائدة.
(و) روي عنها أنها قالت: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾.
(و) تقدير قراءة الكسائي: هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة.
والمائدة فاعلة، من مادَ فلان القوم يميدهم: إذا أطعمهم. قال أبو عبيدة: (مائدة) من العطاء، وهي "فاعلة" بمعنى مفعولة وقال الزجاج: "مائدة: فاعلة من مادَ يميد: إذا تحرك"، ومنه ماد الرجل في البحر: إذا دار رأسه وقيل: المائدة: المطعمة، كأنها الطاعمة.
ومعنى قوله: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تَنزِل بكم عقوبة، فإن الله سبحانه لا يعجز عن شيء أراده، فلا تَشُكّوا في قدرته هذا على قراءة الجماعة.
المائدة 5:113
قوله: ﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ الآية.
روي عن ابن عامر: (الحواريون) بالتخفيف، استخفافاً، والتشديد الأصل.
ومعنى الآية: أنهم سألوا ذلك ليثبتوا في صدقه، كما قال إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [البقرة: ٢٦٠].
وقيل: إنهم إنما سألوا (هذا) قبل أن يعلموا أن عيسى يبرئ الأكمه، ويحيي الموتى، فسألوه آية.
ومعنى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ﴾، أي: ينزل علينا ربك مائدة، كما تقول للرجل: "أتستطيع أن تنهض معي في كذا؟"، وأنت تعلم أنه مستطيع، وإنما تريد: "أتنهض معي في كذا؟".
وقيل: معناه: هل يستجيب لك ربك إن سألته؟.
وقال الحسن: المعنى: هل ربك فاعل بنا ذلك؟. والعرب تقول: "ما أستطيع ذلك"، أي: ما أنا فاعل ذلك، وهو يستطيع.
وقيل: إنهم سألوه قبل أن يكونوا مؤمنين محققين، ثم آمنوا بعد ذلك، ودل على ذلك استعظام عيسى لقولهم، وقوله لهم: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
قال ابن شهاب: قال ابن عباس: قال عيسى لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً، ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على مَن عمل له!، [ففعلوا ثم قالوا: يا معلّم الخير، قلتَ لنا: "إن أجر العامل على مَن عمل له"]، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً، ففعلنا، ولم نكن نعلم لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا - حين فرغ - طعاماً، فهل يستطيع ربك أن ينزّل علينا مائدة من السماء؟ فقال عيسى: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، فاعتذروا بقولهم: ﴿نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ أي: بنبوتك، ونعلم صدقك، فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة (أرغفة وسبعة أحوات) حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.
قال السدي المعنى: "هل يطيعك ربك إن سألته".
وقرأه الكسائي بالتاء، ونصب (ربَّك)، ومعناها: أن الحواريين لم يكونوا شاكين، إنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟.
قالت عائشة: كان الحواريون لا يشكون أن الله قادر على أن ينزل عليهم مائدة.
(و) روي عنها أنها قالت: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾.
(و) تقدير قراءة الكسائي: هل تستطيع مسألة ربك أن ينزل علينا مائدة.
والمائدة فاعلة، من مادَ فلان القوم يميدهم: إذا أطعمهم. قال أبو عبيدة: (مائدة) من العطاء، وهي "فاعلة" بمعنى مفعولة وقال الزجاج: "مائدة: فاعلة من مادَ يميد: إذا تحرك"، ومنه ماد الرجل في البحر: إذا دار رأسه وقيل: المائدة: المطعمة، كأنها الطاعمة.
ومعنى قوله: ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: اتقوه أن تَنزِل بكم عقوبة، فإن الله سبحانه لا يعجز عن شيء أراده، فلا تَشُكّوا في قدرته هذا على قراءة الجماعة.
المائدة 5:114
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا﴾: حال بمعنى: كائنة. وقرأ الأعمش (تكُن) جعله للطلب.
وقرأ الجحدري: (لأولانا وأُخرانا).
فالمعنى: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً لما ولمن بعدنا.
وقيل: معناه: نأكل منها جميعاً، قاله ابن عباس.
(و) روي أن عيسى عليه السلام قام فلبس الشعر، وكان يلبس الصوف بالنهار والشعر بالليل، فلبس جبة من شعر ورداء من شعر، ووضع يمينه على شماله ثم وضعهما على صدره، ثم صف (بين) قدميه، فألصق الكعب بالكعب، وساوى الإبهام بالإبهام، وطأطأ رأسه خاشعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فبكى حتى سالت الدموع على لحيته، فجعلت تقطر على صدره، فقال: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها تهوي مُنْقَضّة وعيسى صلوات الله عليه يبكي ويقول: اللهم اجعلني لك من الشاكرين، إلهي اجعلها رحمة ولا تَجعلها عذاباً، إلهي كم أسألك من العجائب فتعطيني، إلهي أعوذ بك من أن تكون أنزلتها غضباً وزجراً، اللهم اجعلها عافية وسلامة ولا تجعلها مثلة ولا فتنة حتى استقرت بين يدي عيسى والناس حوله يجدون ريحاً طيباً، لم يجدوا مثلها قط، وخرّ عيسى ساجداً والحواريون معه، وبلغ اليهود ذلك، فأقبلوا غماً وكيداً ينظرون أمراً عجيباً، وإذا منديلٌ قد غطى السفرة، وجاء عيسى عليه السلام، فجلس وقال: من كان أَجرأَنا وأَوثَقَنا بنفسه، وأحسَنَنا يقيناً عند ربنا، فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر ونأكل ونسمي اسم ربنا ونحمد إلهنا. فقال ﴿ٱلْحَوَارِيُّونَ﴾: أنت أولى بذلك يا روح الله وكلمته . فئوضاء عيسى وضؤاً جيداً، وصلى صلاة طويلة، ودعا دعاءً كثيراً، وبكى بكاءً طويلاً، ثم قام حتى جلس عند السفرة ثم قال: بسم الله خير الرازقين، وكشف المنديل، فإذا سمكة طرية مشوية، ليس عليها قشورها، وليس لها شوك، وتسيل سيلاً من الدسم، قدم نُضِّد حولها البقول ما خلا الكراث، وإذا خلٌّ عند رأسها، وملح عند ذنبها، وسبعة أرغفة، على كل واحد منها زيت، وعلى سائرها حَبَّ رمان وتمر، فقال شمعون رأس الحواريين -: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، (أم من) طعام الآخرة؟، فقال عيسى صلى الله عليه: أو ما نُهيتم عن تفتيش المائدة؟، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا. فقال (شمعون): لا وإله إسرائيل، ما أردت سوءاً (يابن) الصديقة. قال عيسى: نزلت وما عليها من السماء شيء، وليس شيء مما ترون عليها من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، هي وما عليها: شيء ابتدعه الله بالقدرة الغالبة، قال (له الله): "كن"، فكان، فكلوا مما سألتم واحمدوا عليه ربكم يمددكم ويزدكم. قالوا: يا روح الله وكلمته، لو أَرَيْتَنا اليوم آية من هذه الآية. فقال عيسى: احْيَِيْ بإذن الله، فاضطربت السمكة حية (طرية)، تدور عيناها في رأسها، ولها وبيص تتلمط بفيها كما يتلمط الأسد، وعاد عليها قشورها، ففزع القوم، فقال عيسى: ما لكم تسألون عن أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما أخوفني عليكم (أن تُعذَّبوا)، يا سمكةُ عودي كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشوية كما كانت، ليس عليها قشور بإذن الله. فقالوا: كن أنت - يا روح الله - الذي يأكل منها أول مرة، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، بل يأكل منها من طلبها وسألها، ففَرِق الحواريون من أن يكون نزولها سخطاً ومثلة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة والزَّمانة من العميان والمجذومين والبُرْص والمُقْعدين والمجانين وأصحاب الماء الأصفر، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم، وادعوه يزدكم، إنه ربكم واحمدوه يكن المُهْنَأ لكم، والبلاء لغيركم، واذكروا اسم الله وكلوا. ففعلوا وصدروا عن تلك السمكة والأرغفة وهم ألف وثلاث مائة بين رجل وأمرأة، (و) من بين فقير وجائع وزَمِن، فصدروا كلهم شباعاً يَتَجَشَّؤون، فنظر عيسى صلى الله عليه فإذا المائدة كهيئتها إذ نزلت من السماء، فرفعت السفرة وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، فلم يزل غنياً حتى مات، وبرأ كل زَمِن أكل منها، وقدم الحواريون وسائر الناس ممن أبى أن يأكل منها. ثم كانت تنزل بعد ذلك، فيأتي الناس إليها من كل مكان، فزاحم بعضهم بعضاً: الأغنياء والفقراء والرجال والنساء والأصحاء والمرضى، فلما رأى (ذلك عيسى) جعلها نُوَباً بينهم، فكانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، كناقة صالح في الشرب، فأقاموا بذلك أربعين صباحاً تنزل عليهم ضحاً، فلا تزال موضوعة حتى إذا (فاء الفيء) طارت صاعدة ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم، وأوحى الله عز وجل إلى عيسى (أن) اجْعل مائدتي ورزقي في اليتامى والزَّمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك، أعظمت (ذلك) الأغنياء، فادعت القبيح حتى شككوا الناس وشكوا، فوقعت الفتنة في قلوب الشاكين، حتى قال قائلهم: يا مسيح، وإن المائدة لحق؟، (و) إنها لتنزل من عند الله؟، فقال عيسى: ويلكم هلكتم، (فأبشروا) (بالعذاب) إلا أن يرحم الله. فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ شرطي من الكذابين، وقد اشترطت عليهم أن أعذب من كفر منهم بعد نزولها (عذاباً) لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال عيسى: (رب) ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨]، فمسخ الله جل ذكره ثلاثة وثلاثين رجلاً منهم خنازير من ليلتهم، فأصبحوا يأكلون العذرة والخشوش، وأصبح الناس يطوفون بعيسى (فزعاً ورهباً من عقوبة الله، وعيسى) يبكي، وأهلوهم يبكون معه، وجاءت الخنازير تسعى على عيسى حين أبصرته، فأطافوا به ينظرون إليه، ويشمّون ريحه، ويسجدون له، وأعينهم تسيل دموعاً لا يستطيعون الكلام، فقام عيسى يناديهم بأسمائهم: "يا فلان"، فيومئ إليه برأسه: "نعم"، فيقول" قد كنت أحذركم عذاب الله، وكأني كنت انظر: إليكم قد مُثّل بكم في غير صوركم.
قال وهب بن منبه: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف، فقال رؤساء القوم لقوم من ضعفائهم: إن هؤلاء يُلطّخون علينا ثيابنا، فلو بنينا (لها بناء) يرفعها. فبنوا لها دكاناً، فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله رفعها عنهم.
قال ابن عباس: أكل منها آخرهم كما أكل أولهم، فكانت لجميعهم عيداً.
* *
وقوله: ﴿وَآيَةً مِّنْكَْ﴾: (أي آية) على قدرتك، وعلى أني رسولك. ونزلت عليهم وعليها حوت وطعام، فأكلوا (منها)، ثم رفعت لأحداث أحدثوها.
(وقيل): كان في المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام.
قال ابن عباس: نزلت المائدة مرتين وعنه: نزلت مراراً. وقال سلمان كذلك. وقيل: وكانت تنزل يوماً وتغيب يوماً.
قال الحسن: لما قال الله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ قالوا: لا حاجة لنا إليها فلم تنزل. قال الفراء: نزلت - فيما ذكر - يوم الأحد مرتين: غدوة وعشية، فلذلك اتخذوه عيداً.
وعن ابن عباس أنه قال: كانوا يأكلون منها أينما نزلوا إذا شاءوا.
وقال وهب بن منبه: نزلت عليهم قرصة من شعير وأحوات. وقال مجاهد: هو طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا. وقال إسحاق بن عبد الله: نزلت على عيسى سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها متى شاءوا. قال فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غداً (فرفعت). وروي عن ابن عباس أنه قال: أُنزل على المائدة كل شيء غير اللحم. قال قتادة: لما صنعوا في المائدة ما صنعوا من الخيانة، حُوِّلوا خنازير، وكانوا أمروا ألا يخونوا ولا (يخبئوا ولا يدخروا)، فخانوا وخبؤوا وادخروا.
(و) روى عمار عن النبي عليه السلام أنه قال: نزلت المائدة خبزاً ولحماً، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا و (رفعوا لغد)، فمسخوا قردة وخنازير
قال عمار بن ياسر: لم يتم يومهم حتى خانوا وادخروا ورفعوا.
وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: كان عليها ثمر من ثمار الجنة.
قال مجاهد: إنما هو مثل ضربه الله لينتهوا عن مسألة النبي، ولم ينزل الله عليهم شيئا. وقيل: لما قيل لهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ الآية، استعفوا، فلم ينزل عليهم شيء، قال ذلك الحسن. وقال مجاهد: أبوا ذلك حين عرض عليهم العذاب.
والذي عليه أكثر العلماء أن الله أنزلها عليهم، لقوله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، ولا يجوز أن يخبر أنه ينزلها، ثم لا ينزلها.
* *
ومعنى ﴿مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ﴾: من عالمي زمانكم.
وكان نزول المائدة يوم الأحد، فلذلك اتخذوه عيداً.
والعذاب الذي أُوعِدوا به، قيل: هو متأخر إلى الآخرة. وقيل إنَّهم عُجِّل لهم ذلك في الدنيا بأنهم مسخوا قردة وخنازير.
وروي أن المائدة لما نزلت عليهم فرقوا أن تكون عقوبة وسخطاً، فقالوا: يا روح الله، كن أنت أول من يأكل منها، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، ولكن يأكل منها الذين طلبوها. فلم يأكلوا منها خوفاً أن تكون سخطاً عليهم، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والحاجة والزمنى والعمي والبرص، وكل مَن به داء، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واذكروا اسم الله. فأكلوا حتى شبعوا وهم ألف وثلاث مائة، قاله سليمان.
وقال مقاتل: كانوا خمسين ألفاً، وأفاقوا من كل دائهم.
المائدة 5:115
قوله: ﴿قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿تَكُونُ لَنَا﴾: حال بمعنى: كائنة. وقرأ الأعمش (تكُن) جعله للطلب.
وقرأ الجحدري: (لأولانا وأُخرانا).
فالمعنى: نتخذ اليوم الذي تنزل فيه عيداً لما ولمن بعدنا.
وقيل: معناه: نأكل منها جميعاً، قاله ابن عباس.
(و) روي أن عيسى عليه السلام قام فلبس الشعر، وكان يلبس الصوف بالنهار والشعر بالليل، فلبس جبة من شعر ورداء من شعر، ووضع يمينه على شماله ثم وضعهما على صدره، ثم صف (بين) قدميه، فألصق الكعب بالكعب، وساوى الإبهام بالإبهام، وطأطأ رأسه خاشعاً، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فبكى حتى سالت الدموع على لحيته، فجعلت تقطر على صدره، فقال: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة فوقها، وأخرى تحتها، وهم ينظرون إليها تهوي مُنْقَضّة وعيسى صلوات الله عليه يبكي ويقول: اللهم اجعلني لك من الشاكرين، إلهي اجعلها رحمة ولا تَجعلها عذاباً، إلهي كم أسألك من العجائب فتعطيني، إلهي أعوذ بك من أن تكون أنزلتها غضباً وزجراً، اللهم اجعلها عافية وسلامة ولا تجعلها مثلة ولا فتنة حتى استقرت بين يدي عيسى والناس حوله يجدون ريحاً طيباً، لم يجدوا مثلها قط، وخرّ عيسى ساجداً والحواريون معه، وبلغ اليهود ذلك، فأقبلوا غماً وكيداً ينظرون أمراً عجيباً، وإذا منديلٌ قد غطى السفرة، وجاء عيسى عليه السلام، فجلس وقال: من كان أَجرأَنا وأَوثَقَنا بنفسه، وأحسَنَنا يقيناً عند ربنا، فليكشف عن هذه الآية حتى ننظر ونأكل ونسمي اسم ربنا ونحمد إلهنا. فقال ﴿ٱلْحَوَارِيُّونَ﴾: أنت أولى بذلك يا روح الله وكلمته . فئوضاء عيسى وضؤاً جيداً، وصلى صلاة طويلة، ودعا دعاءً كثيراً، وبكى بكاءً طويلاً، ثم قام حتى جلس عند السفرة ثم قال: بسم الله خير الرازقين، وكشف المنديل، فإذا سمكة طرية مشوية، ليس عليها قشورها، وليس لها شوك، وتسيل سيلاً من الدسم، قدم نُضِّد حولها البقول ما خلا الكراث، وإذا خلٌّ عند رأسها، وملح عند ذنبها، وسبعة أرغفة، على كل واحد منها زيت، وعلى سائرها حَبَّ رمان وتمر، فقال شمعون رأس الحواريين -: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا، (أم من) طعام الآخرة؟، فقال عيسى صلى الله عليه: أو ما نُهيتم عن تفتيش المائدة؟، ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا. فقال (شمعون): لا وإله إسرائيل، ما أردت سوءاً (يابن) الصديقة. قال عيسى: نزلت وما عليها من السماء شيء، وليس شيء مما ترون عليها من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة، هي وما عليها: شيء ابتدعه الله بالقدرة الغالبة، قال (له الله): "كن"، فكان، فكلوا مما سألتم واحمدوا عليه ربكم يمددكم ويزدكم. قالوا: يا روح الله وكلمته، لو أَرَيْتَنا اليوم آية من هذه الآية. فقال عيسى: احْيَِيْ بإذن الله، فاضطربت السمكة حية (طرية)، تدور عيناها في رأسها، ولها وبيص تتلمط بفيها كما يتلمط الأسد، وعاد عليها قشورها، ففزع القوم، فقال عيسى: ما لكم تسألون عن أشياء إذا أعطيتموها كرهتموها، ما أخوفني عليكم (أن تُعذَّبوا)، يا سمكةُ عودي كما كنت بإذن الله، فعادت السمكة مشوية كما كانت، ليس عليها قشور بإذن الله. فقالوا: كن أنت - يا روح الله - الذي يأكل منها أول مرة، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، بل يأكل منها من طلبها وسألها، ففَرِق الحواريون من أن يكون نزولها سخطاً ومثلة، فلم يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة والزَّمانة من العميان والمجذومين والبُرْص والمُقْعدين والمجانين وأصحاب الماء الأصفر، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم، وادعوه يزدكم، إنه ربكم واحمدوه يكن المُهْنَأ لكم، والبلاء لغيركم، واذكروا اسم الله وكلوا. ففعلوا وصدروا عن تلك السمكة والأرغفة وهم ألف وثلاث مائة بين رجل وأمرأة، (و) من بين فقير وجائع وزَمِن، فصدروا كلهم شباعاً يَتَجَشَّؤون، فنظر عيسى صلى الله عليه فإذا المائدة كهيئتها إذ نزلت من السماء، فرفعت السفرة وهم ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، فلم يزل غنياً حتى مات، وبرأ كل زَمِن أكل منها، وقدم الحواريون وسائر الناس ممن أبى أن يأكل منها. ثم كانت تنزل بعد ذلك، فيأتي الناس إليها من كل مكان، فزاحم بعضهم بعضاً: الأغنياء والفقراء والرجال والنساء والأصحاء والمرضى، فلما رأى (ذلك عيسى) جعلها نُوَباً بينهم، فكانت تنزل غباً، تنزل يوماً ولا تنزل يوماً، كناقة صالح في الشرب، فأقاموا بذلك أربعين صباحاً تنزل عليهم ضحاً، فلا تزال موضوعة حتى إذا (فاء الفيء) طارت صاعدة ينظرون إلى ظلها حتى تتوارى عنهم، وأوحى الله عز وجل إلى عيسى (أن) اجْعل مائدتي ورزقي في اليتامى والزَّمنى دون الأغنياء من الناس. فلما فعل ذلك، أعظمت (ذلك) الأغنياء، فادعت القبيح حتى شككوا الناس وشكوا، فوقعت الفتنة في قلوب الشاكين، حتى قال قائلهم: يا مسيح، وإن المائدة لحق؟، (و) إنها لتنزل من عند الله؟، فقال عيسى: ويلكم هلكتم، (فأبشروا) (بالعذاب) إلا أن يرحم الله. فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ شرطي من الكذابين، وقد اشترطت عليهم أن أعذب من كفر منهم بعد نزولها (عذاباً) لا أعذبه أحداً من العالمين. فقال عيسى: (رب) ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ [المائدة: ١١٨]، فمسخ الله جل ذكره ثلاثة وثلاثين رجلاً منهم خنازير من ليلتهم، فأصبحوا يأكلون العذرة والخشوش، وأصبح الناس يطوفون بعيسى (فزعاً ورهباً من عقوبة الله، وعيسى) يبكي، وأهلوهم يبكون معه، وجاءت الخنازير تسعى على عيسى حين أبصرته، فأطافوا به ينظرون إليه، ويشمّون ريحه، ويسجدون له، وأعينهم تسيل دموعاً لا يستطيعون الكلام، فقام عيسى يناديهم بأسمائهم: "يا فلان"، فيومئ إليه برأسه: "نعم"، فيقول" قد كنت أحذركم عذاب الله، وكأني كنت انظر: إليكم قد مُثّل بكم في غير صوركم.
قال وهب بن منبه: كانت مائدة يجلس عليها أربعة آلاف، فقال رؤساء القوم لقوم من ضعفائهم: إن هؤلاء يُلطّخون علينا ثيابنا، فلو بنينا (لها بناء) يرفعها. فبنوا لها دكاناً، فجعلت الضعفاء لا تصل إلى شيء، فلما خالفوا أمر الله رفعها عنهم.
قال ابن عباس: أكل منها آخرهم كما أكل أولهم، فكانت لجميعهم عيداً.
* *
وقوله: ﴿وَآيَةً مِّنْكَْ﴾: (أي آية) على قدرتك، وعلى أني رسولك. ونزلت عليهم وعليها حوت وطعام، فأكلوا (منها)، ثم رفعت لأحداث أحدثوها.
(وقيل): كان في المائدة سمكة فيها من طعم كل طعام.
قال ابن عباس: نزلت المائدة مرتين وعنه: نزلت مراراً. وقال سلمان كذلك. وقيل: وكانت تنزل يوماً وتغيب يوماً.
قال الحسن: لما قال الله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ قالوا: لا حاجة لنا إليها فلم تنزل. قال الفراء: نزلت - فيما ذكر - يوم الأحد مرتين: غدوة وعشية، فلذلك اتخذوه عيداً.
وعن ابن عباس أنه قال: كانوا يأكلون منها أينما نزلوا إذا شاءوا.
وقال وهب بن منبه: نزلت عليهم قرصة من شعير وأحوات. وقال مجاهد: هو طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا. وقال إسحاق بن عبد الله: نزلت على عيسى سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها متى شاءوا. قال فسرق بعضهم منها وقال: لعلها لا تنزل غداً (فرفعت). وروي عن ابن عباس أنه قال: أُنزل على المائدة كل شيء غير اللحم. قال قتادة: لما صنعوا في المائدة ما صنعوا من الخيانة، حُوِّلوا خنازير، وكانوا أمروا ألا يخونوا ولا (يخبئوا ولا يدخروا)، فخانوا وخبؤوا وادخروا.
(و) روى عمار عن النبي عليه السلام أنه قال: نزلت المائدة خبزاً ولحماً، وأمروا ألا يخونوا ولا يدخروا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادخروا و (رفعوا لغد)، فمسخوا قردة وخنازير
قال عمار بن ياسر: لم يتم يومهم حتى خانوا وادخروا ورفعوا.
وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: كان عليها ثمر من ثمار الجنة.
قال مجاهد: إنما هو مثل ضربه الله لينتهوا عن مسألة النبي، ولم ينزل الله عليهم شيئا. وقيل: لما قيل لهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ الآية، استعفوا، فلم ينزل عليهم شيء، قال ذلك الحسن. وقال مجاهد: أبوا ذلك حين عرض عليهم العذاب.
والذي عليه أكثر العلماء أن الله أنزلها عليهم، لقوله ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾، ولا يجوز أن يخبر أنه ينزلها، ثم لا ينزلها.
* *
ومعنى ﴿مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ﴾: من عالمي زمانكم.
وكان نزول المائدة يوم الأحد، فلذلك اتخذوه عيداً.
والعذاب الذي أُوعِدوا به، قيل: هو متأخر إلى الآخرة. وقيل إنَّهم عُجِّل لهم ذلك في الدنيا بأنهم مسخوا قردة وخنازير.
وروي أن المائدة لما نزلت عليهم فرقوا أن تكون عقوبة وسخطاً، فقالوا: يا روح الله، كن أنت أول من يأكل منها، ثم نأكل نحن. فقال عيسى: معاذ الله، ولكن يأكل منها الذين طلبوها. فلم يأكلوا منها خوفاً أن تكون سخطاً عليهم، فدعا لها عيسى أهل الفاقة والحاجة والزمنى والعمي والبرص، وكل مَن به داء، فقال لهم: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واذكروا اسم الله. فأكلوا حتى شبعوا وهم ألف وثلاث مائة، قاله سليمان.
وقال مقاتل: كانوا خمسين ألفاً، وأفاقوا من كل دائهم.
المائدة 5:116
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ الآية.
المعنى: واذكر إذ قال ﴿ٱللَّهُ﴾. وجماعة من المفسرين على أن الله أخبرنا أنه قال لعيسى حين رفعه إليه، قاله السدي وغيره.
وقيل: هو خبر من الله عما يكون في القيامة، قال ابن جريج: يقول ذلك لعيسى والناس يسمعون، فيراجعه بالإقرار والعبودية، فيعلم من كان يقول في عيسى ما يقول أنه إنما كان باطلاً.
ودَلّ قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ﴾ على أنه يوم القيامة. و (إذ) - على هذا - بمعنى "إذا"، ويكون ﴿قَالَ﴾ بمعنى "يقول" كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ﴾ [سبأ: ٥١] أي: إذا (فزعوا) وإذ يفزعون.
والمسألة في قوله: ﴿أَأَنتَ قُلتَ﴾ إنما هي على وجه التوبيخ للذين ادعوا عليه ذلك، وهم بنو إسرائيل.
واختار الطبري قول السدي أنه خبر قد كان حين رفعه الله إليه، لأن (إذ) ﴿فِي﴾ (الأغلب) من كلام العرب - لما مضى - فحَمْلُ الكلام على الاكثر الفاشي أولى، ولأن عيسى لا يشك - هو ولا أحد من الأنبياء - أن الله لا يغفر لمن مات على شركه، فيجوز أن يتوهم على عيسى أنه قال في الآخرة - مجيباً لربه إذ سأله عمن اتخذه (هو) وأمه إلهين - ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
ووجه سؤال الله لعيسى عما قد علم أنه لم يفعله: هو على معنى تنبيه المسؤول على الاستعظام، كقولك للرجل: "أفعلت كذا وكذا؟" - وأنت تعلم أنه لم يفعله - ليستعظم فعل ما قد سألته عنه، وقيل: إنما سأله عن ذلك على وجه إعلامه أن أمته قد فعلت ذلك بعده، فأعلمه حالهم بعده.
ومعنى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي: تعلم غيبي، ولا أعلم غيبك حتى تُطلِعَني عليه، ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ﴾ أي: علام الخَفِيّات من الأمور. وقيل: المعنى: تعلم حقيقتي ولا أعلم (غيبك) ولا حقيقتك.
والنفس - في كلام العرب - يجري على ضربين:
على النفس التي بخروجها يكون الموت، كقولك: "خَرَجَت نفسُ فلان" أي: مات.
ويكون جملة الشيء وحقيقته، تقول: "قَتَل فلان نفسَه"، فليس المعنى (أن) الهلاك وقع ببعضه، إنما وقع بذاته كلها وحقيقته. وأجاز بعضهم الوقف على (ما ليس ﴿لِي﴾، ويكون ﴿بِحَقٍّ﴾ متعلقاً بـ ﴿عَلِمْتَهُ﴾ على معنى: فقد علمته بحق، ورد ذلك بعضهم، لأن التقديم والتأخير لا يجوز إلا بتوقيف أو فيما ﴿لاَ﴾ يمكن إلا ذلك.
والتمام عند نافع وغيره ﴿بِحَقٍّ﴾. وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وقف عليه.
المائدة 5:117
قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾: (أن) مفسرِّة لا موضع لها من الإعراب، بمنزلة (أَنِ امْشوا)، وقيل: هي في موضع نصب على معنى: ما ذكرت لهم إلا عبادة الله.
* *
قوله: ﴿مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾: (ما) في موضع نصب، ﴿وَ﴾ المعنى: مدة دوامي، فهو ظرفٌ عَمِلَ فيه ﴿شَهِيداً﴾ أي: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾، ﴿مَّا دُمْتُ﴾ أي: مدة دوامي. ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي: قبضتني إليك، ﴿كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: الحفيظ عليهم.
المائدة 5:118
قوله: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية.
المعنى: إن تعذبهم بقولهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوبتهم عما قالوا فتستر عليهم، ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ﴾ في انتقامك، ﴿ٱلْحَكِيمُ﴾ في أفعالك.
وقال السدي: المعنى: إن تعذبهم فتميتهم على نصرانيتهم فيحق عليهم العذاب فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فتخرجهم من النصارنية وتهديهم إلى الإسلام، فإنك أنت العزيز الحكيم، قال: هذا قول عيسى في الدنيا.
وقال بعض أهل النظر: يكون هذا من عيسى في القيامة وإنما يقوله على التسليم لأمر الله، وقد أيقن أن الله لا يغفر لكافر، ولكنه سلم الأمر، ولم يكن يعلم ما أحدثوا بعده: أكفروا أم لا.
قال ابن الأنباري: لم يقل هذا عيسى وهو يقدّر أن الله يغفر للنصارى إذا ماتوا مصرين على الكفر، لكنه قاله على جهة تفويض الأمر إلى ربه، وإخراجِهِ نَفْسَه من حالة الاعتراض.
والمعنى: إن غفرت لهم، لم يكن ﴿لِي﴾ و ﴿لاَ﴾ لأحد الاعتراض عليك من حكمك، وإن عذبتهم (فبعدل) منك، ذلك لكفرهم.
وقيل: الهاء في ﴿تُعَذِّبْهُمْ﴾ للبعض الذين أقاموا على الكفر، والهاء في ﴿(وَ)إِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ للبعض الذين تابوا من الكفر. وقيل: الهاءات كلها للنصارى والكفار، والمعنى: إن تعذبهم بتركك إياهم على الكفر فهم عبادك، وإن تغفر لهم بتوفيقك إيّاهم للإيمان والتوبة فأنت العزيز الحكيم.
المائدة 5:119
قوله: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ آية.
حكي عن المبرد أنه منع قراءة من نصب (يوماً)، قال: لأنه (خبر الابتداء) والنصب جائز عند غيره، لأن المعنى: قال الله هذا لعيسى في ﴿يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ، فـ (يوم) ظرف للقول، وهو الناصب له.
وقيل: المعنى: هذا الأمر وهذا الشأن في ﴿يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ أي: في يوم القيامة، فيكون العامل في (يوم) المضمر، وهو "الأمر" و "الشأن".
وقيل: هذا كله مقول يوم القيامة، لقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩] ولقوله: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ﴾.
وقال بعض أهل النظر: لم يقصد عيسى إلى (أن الله) يغفر لمن مات مشركاً، وإنما مقصده: وإن تغفر لهم الحكاية عني (التي) كذبوا علي فيها، والحكاية كذب، ليست بكفر، والكذب جائز أن يغفره ﴿ٱللَّهُ﴾.
وهو - عند الكوفيين - بناء: لأنه مضاف إلى غير متمكّن، وهذا لا يجوز عند البصريين، لأن الفعل معرب، وإنما يبنى إذا أضيف إلى غير معرب كالماضي و "إذ" وشبه ذلك، والإضافة عند البصريين في هذا إنما هي (إلى المصدر).
وقال أبو اسحاق: حقيقته الحكاية.
* *
ومعنى ﴿يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾: الذي كان في الدنيا ينفعهم في القيامة، لأن الآخرة ليست بدار عمل، ولا ينفع أحداً (فيها) ما قال وإنْ أحسن، ولو صدق الكافر (وأقر) بما عمل، وقال: "كفرت" (أو أسأت)، ما نفعه. وإنما الصادق ينفعه صدقه الذي كان منه في الدنيا، (لا) في الآخرة.
* *
قوله: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ أي: لهم في الآخرة - بصدقهم في الدنيا - جنات مخلدين فيها.
﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ إذ وفّى لهم بوعده.
المائدة 5:120
قوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
المعنى: لله - أيّها النصارى - ملك السماوات والأرض وما فيهنّ، دون عيسى الذي جعلتموه وأمّه إلهين، وعيسى وأمُّه داخلان في المُلك، وهو يقدر على إفناء ذلك كما ابتدعه وأظهرَه قبل أن لم يكن شيئاً.
وفي وصل (قدير) بـ (الحمد ﴿لِلَّهِ﴾) خمسة أوجه:
الأول: المستعمل عند القراء: أن تكسر للتنوين، وتحذف ألف الوصل وتصل.
الثاني: أن تحذف التنوين لالتقاء الساكنين وتصل.
والثالث: أن تُلقي حركة ألف (الحمد) على التنوين فنفتحه، كأنك تنوي الابتداء بـ (الحمد).
والرابع: أن تسكن الراء وتبتدئ (الحمدُ للهِ) بالقطع، وهذا مستعمل عند القراء أيضاً.
والخامس: أن تنوّن وتقطع ألف (الحمد) لتدل على الانفصال.
الأنعام 6:1
قوله: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾ الآية.
المعنى: الحمد الخالص الكامل لله. ومُخرج الكلام مخرج الخبر، ومعناه الأمر، أي: أخلصوا الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وهي من أعظم الآيات، وأضاف إلى ذلك - من آياته - إظلام الليل وضياء النهار.
قال قتادة: "خلق السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، والجنة قبل النار".
ومعنى: ﴿وَجَعَلَ﴾ هنا، خلق، وإذا كانت بمعنى "خلق"، لم تتعد (إلا) إلى مفعول واحد.
* *
وقوله: ﴿ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ الآية.
﴿ثْمَّ﴾ لغير مُهلَة، لأن الله قد قضى الآجال كلها قبل خلق كل شيء، وإنما ﴿ثْمَّ﴾ لإتيان خبر بعد خبر، لا لترتيب زمان بعد زمان.
ومعناه: أن الله يعجب خلقه من هؤلاء الذين يجعلون لله عديلاً ومثيلاً ومساوياً، وهو خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، ومن جعلوه عديلاً لا يقدر على شيء من ذلك ولا من غيره، فذلك عجب من فاعله.
وقيل: إنها نزلت في (المانية) الذين يعبدون النور والظلمة يقولون: الخير من النور، والشر من الظلمة، فعدلوا بالله خلقه، وعبدوا المخلوقات.
(و) ذكر (عن) عبد الله بن أبي رباح أنه قال: فاتحة التوراة، فاتحة الأنعام: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ إلى ﴿يَعْدِلُونَ﴾ قال: وخاتمة التوراة خاتمة هود ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قال مجاهد: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يشركون.
وهذه الآية نزلت في أهل الكتاب عند جماعة من المفسرين. وقال أكثرهم: (عني) بها المشركون من عبدة الأوثان وسائر أصنافهم.
الأنعام 6:2
قوله: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ الآية.
المعنى: أن الله خلق آدم من طين، فخوطب الخلق بذلك، لأنهم ولده، وهو أصل لهم، قال قتادة ومجاهد والسدي. قال ابن زيد: خلق آدم من طين، ثم خُلقنا من آدم حين أخرجنا من ظهره.
وقيل: المعنى: أن النطفة من طين، لكن قَلَبهَا الله تعالى ذكره حتى كان الإنسان منها.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾.
الأجل الأول: أجل الإنسان من حيث يخرج إلى الدنيا إلى أن يموت، والأجل الثاني: هو ما بين وقت موته إلى أن يُبعث، قاله قتادة والضحاك والحسن. وقال ابن جبير: الأول الدنيا، والثاني الآخرة. وكذلك قال مجاهد. وقال عكرمة: الأول: الموت، والثاني: الآخرة، كالقول الأول، وكذلك قال ابن عباس، وقاله السدي.
و ﴿ثُمَّ﴾ - على هذه الأقوال كلها - يراد بها التقديم للخبر الثاني على الأول.
كما قال الشاعر:
؎ قُل لِمَنْ ساد ثمَّ ساد أَبوهُ ∗∗∗ ثُمَّ قَدْ سادَ بَعْدَ ذَلَكَ جَدُّه
فالجد سابق للأب، والأب سابق للمدوح.
وقد قيل: الأول قبض الروح في النوم، والثاني قبض الروح عند الموت، روي ذلك عن ابن عباس أيضاً. وقيل: معنى ذلك أن الأول هو ما أعلمنا (أَلاَّ نبَيَّ) بعد محمد ﷺ، والآخر هو القيامة. وقيل: الأول ما نعرفه من الأهِلّة وأوقات الزروع ونحو ذلك، والأجل الثاني: موت الإنسان متى يكون. ومعنى ﴿ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً﴾ لم يرد أنه قضى الأجل خلق آدم، بل الأجل قَضاهُ قبل خلق المخلوقات كلها، ولكن الكلام محمول على الخبر من الله جل ذكره لنا، كأنه قال: أخبركم أن الله خلقكم من طين، يعني آدم، ثم أخبركم أن الله قضى أجلاً قبل خلقه لآدم، فـ (ثم) إنما دخلت لنسق الخبر الثاني على الأول، لا لوقت الفعلين.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ معناه: تشكون (في من) خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وقضى أجل الموت وأجل الساعة، إنه إلٰه واحد قادر، لا عديل له ولا شبيه.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَىۤ أَجَلاً﴾ وقف حسن عند نافع وغيره من النحويين.
الأنعام 6:5
فسوف يأتيهم (أخبار) تكذيبهم، وهي ما حل عليهم من الأسر والسيف يوم بدر، وفتح (مكة) وغير ذلك، ومعناه: سوف يعلمون ما تؤول إليه أمورهم.
الأنعام 6:6
قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ الآية.
والمعنى: ألم ير هؤلاء المكذبون بمحمد، كم أهلكنا من قبلهم من القرون، وهي الأمم الخالية، مُكّنوا في الأرض ما لم يمكن لهؤلاء، وأرسلت السماء عليهم مدراراً، وفجرت العيون من تحتهم. ومعنى مدراراً (أي) (غزيراً دائمة)، فأعطت الأرض ثمارها، فعصوا، فأهلكوا بعصيانهم. وهذا وعظ وتخويف من الله لمن كذب بمحمد ألا يصيبهم ما أصاب من هو أقوى منهم وأمكن في البلاد منهم وأطغى منهم.
والقرن: ستون عاماً. وقيل: سبعون. وقيل: ثمانون. وقيل: مائة. وقيل: القرن كل عالم في عصر، وهو مأخوذ من الاقتران، لأن بعضهم مقترن ببعض، فهذا يدل على أنه العصر.
* *
قوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً - آخَرِينَ﴾: أي: أحدثنا، ومعنى الخطاب في الآية في قوله: ﴿لَّكُمْ﴾ - وقد تقدم ذكر الغيبة في قوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ - أن العرب إذا أخبرت خبراً عن غائب - فأدخلت فيه قوماً - وجهت الخبر أحياناً إلى الغائب وأحياناً إلى المخاطب، فيقولون: قلت لعبد الله: "ما أكرمه"، وإن شئت: "ما أكرمك"، وهو مثل: ﴿حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ﴾ الآية.
الأنعام 6:7
قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰباً فِي قِرْطَاسٍ﴾ الآية:
معنى الآية: أن الله أعلم نبيه أن هؤلاء المكذبين لا ينفعهم شيء من الآيات، (و) لا يرجعون عن جحودهم، وأنهم لو رأوا كتاباً نزل (عليهم) من السماء في قرطاس ولمسوه بأيديهم، ورأوا فيه صدق ما جئتهم به، لكفروا به وقالوا: هذا سحر مبين.
قال ابن عباس: لو نزل من السماء صُحُف فيها كتاب لزادهم ذلك تكذيباً.
روي عن نافع أن الوقف على ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾، وهو بعيد عند غيره، لأن ﴿لَقَالَ﴾ جواب (لو).
الأنعام 6:8
قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا لمحمد: هلا أنزل عليك ملك في صورته يصدقك ويخبرنا بنبوتك، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: لو فعلنا فكفروا وكذبوا لنزل (عليهم) العذاب، فقضى أمرهم ولا يؤخرون.
وقيل: المعنى: لو رأوه في صورته لماتوا، قاله ابن عباس. وقد قال في "الفرقان" عنهم إنهم قالوا ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلا كان ذلك.
الأنعام 6:9
﴿بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ﴾ قوله (تعالى): ﴿وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً﴾ الآية.
المعنى: لو جعلنا الرسول إليهم ملكاً لجعلناهُ في صورة رجل، لأنهم لا يستطيعون مخاطبة الملك على هيئته، ولا يرونه.
قال ابن عباس: معنى ﴿لَّقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ أي: لو رأوه لماتوا من صورته، ولا يخاطبهم إلا مَن هو في صورة الآدمي، فإذا كان رجلاً كان ذلك أكثر لبساً عليهم فيقولون: هو ساحر كذاب.
قال أبو إسحاق: كانوا يقولون لضعفتهم: إنما محمد بشر، لا فرق بينكم وبينه، فيلبسون عليهم بهذا، فأعلم الله نبيه أنه لو أنزل ملكاً لأنزله في صورة رجل، إذ كانوا لا يقدرون على رؤية الملك في صورته كما سألوا، ولكان يقع عليهم من الّلبس ما وقع عليهم في محمد.
يقال: "لَبَسْتُ الأَمرَ": (أي) أشكلته وشبهته، أي: أدخلت فيه الشبه. ومُخرج قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا﴾ مُخرج قوله: ﴿يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] لأنه مجازاة لفعلهم، فسمي باسمه، وليس به.
الأنعام 6:10
قوله: ﴿وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ الآية.
المعنى أن الله جل ذكره سَلّى نبيه ليهُوَّن ما يلقى من المشركين، وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بالأمم الماضية الذين استهزأوا برسلهم.
ومعنى "فحاق بهم": أي: وجب ونزل وأحاط بهم ما كانوا يُنكرون، وهو العذاب.
والمضمر في ﴿مِنْهُمْ﴾ يعود على الرسل، وتقديره: فحاق بالذين سخروا من الرسل عقاب ما كانوا يستهزئون.
الأنعام 6:11
قوله: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ ثُمَّ ٱنْظُرُواْ﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله غيره، المكذبين بك: سيروا في الأرض، أي: جولوا فيها، تروا ما (صار) إليه عاقبة أشكالهم من الناس - الذين كذبوا الرسل - من العذاب والهلاك فتحذروا (أن يصيبكم) مثل ما أصابهم.
الأنعام 6:12
قوله: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ (قُل للَّهِ)﴾ الآية.
قوله ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ﴾ في موضع رفع بالابتداء. ويجوز أن يكون في موضع نصب على البدل من المضمر في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾، وهو قول الأخفش. وقيل: إن ﴿لَيَجْمَعَنَّكُم﴾ بدل من ﴿ٱلرَّحْمَةَ﴾ على معنى التفسير لها.
ورد المبرد قول الأخفش، وقال: لا يجوز أن يبدل من المخاطب إلا المخاطب، لو قلت: "مَرَرْت بك زيدٍ"، و "مررت بي زيد" لم يجز، لأن هذا لا يُشكِل فيُبيَّن، ولكنه مرفوع بالابتداء، و ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ الخبر.
وقال ابن قتيبة: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ في موضع خفض على البدل أو النعت "للمكذبين" الذين تقدم ذكرهم.
ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين المكذبين ﴿لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: لمن ملك ذلك؟، وليس لهم جواب عن ذلك، فكأنهم طلبوا الجواب من السائل، فقالوا لمن ذلك؟، فقيل لهم: ﴿للَّهِ﴾، فصار السؤال والجواب من جهة واحدة في الظاهر والجواب إنما هو (جواب) لسؤال مضمر، لأنهم عجزوا عن الجواب فقالوا: لمن ذلك؟، فأجيبوا: ﴿للَّهِ﴾، أي: هو للهِ، فأخبرهم أن ذلك للهِ، وأعلمهم أن الله كتب على نفسه الرحمة لعباده، فلا يعجل عليهم بالعقوبة، فتوبوا إليه.
روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال: كَتَب اللهُ كِتاباً قبلَ الخَلْقِ: إن رَحْمَتي تَسْبِقُ غَضَبِي
وعن سلمان أن الله لما خلَق السماء و(الأرض)، خلقَ مائةَ رحمة، كلُّ رحمةٍ تملأُ ما بين السّماء والأرضِ، فَعِندهَ تِسعٌ وتسعونَ رحمةً، وقَسَّمَ رحمةً بينَ الخلائقَ، (فبها يتعاطفون)، فإذا كان ذلك - يعني يوم القيامة - قَصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعاً وتسعين. وعن سلمان قال: نجد ذلك في التوراة.
وروى الحكم بن أبان عن عكرمة قال: إذا فَرَغ الله عز وجل من القضاء بين خَلْقه، أخرج كتاباً من تحتِ العرش فيه: (أن رَحْمَتِي سَبَقَت غضبي وأنا أرحمُ الراحمين). قال: فيَخْرُجُ من النار مثل أهل الجنة، أو مِثْليْ أهل الجنة، مكتوباً ها هنا - وأشار الحكم إلى نحرِهِ - "عُتَقاء اللهِ". فقال رجل لعكرمة: فإن الله يقول: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ [المائدة: ٣٧]. قال عكرمة: أولئك أهلها "الذين هم أهلها".
وعن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن لله مائة رحمةٍ، أهبط منها رحمةً إلى أهل الدنيا، يتراحم بها الجِنُّ والإِنسُ وطائرُ السماءِ، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرض وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعاً وتسعين رحمة، حتى إذا كان يوم القيامة، اختلج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحَولها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، (و) على أهل الجنة.
فمعنى ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾: أمهلكم إلى يوم القيامة، لأن معنى ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أي: يُمهلكم حتى يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه.
* *
ومعنى ﴿كَتَبَ﴾ هنا: قضى.
وقيل: ﴿إِلَىٰ﴾ بمعنى "في"، أي: ليجمعنكم في يوم القيامة. وقيل: المعنى ليؤخرن جمعكم إلى يوم القيامة، فـ (إلى) لغير معنى "في".
واللام في ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ لام قسم، جواب لـِ ﴿كَتَبَ﴾، لأن ﴿كَتَبَ﴾ بمعنى "أوجب" والقسم إيجاب، (فاحتاج الايجاب إلى جواب، إذ هو بمعنى القسم في الإيجاب)، وله نظائر كثيرة في القرآن تقاس على هذا.
والوقف على ﴿ٱلرَّحْمَةَ﴾ حسن عند أبي (حاتم والفراء)، ويكون ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ مبتدأ على القسم على قولهما.
وقيل: إن ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ بدل من (الرحمة)، فلا يوقف على (الرحمة)، ومعنى البدل أن اللام بمعنى "أن"، فالمعنى: الرحمة: أن يجمعكم، أي: كتب ربكم على نفسه أن يجمعكم. ومثله على مذهب سيبويه: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ (مَا) رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّه ﴾ [يوسف: ٣٥] المعنى: أن يسجنوه، فـ "أن" الفاعلة، ومثله: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ ﴾ [الأنعام: ٥٤] في قراءة من فتح (أن).
قال نافع: ﴿قُل للَّهِ﴾ تمام. ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾: وقف حسن عند نافع وغيره.
الأنعام 6:13
قوله: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ الآية.
المعنى: وقل لهم - يا محمد -: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾ أي: ما استقر، فكيف تعدلون به وتشركون بمن له الخلق والأمر.
الأنعام 6:14
قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً﴾ الآية.
المعنى: قل (لهم) يا محمد: أغير الله أتخذ ولياً وهو فاطر السماوات (والأرض)، أي: مبتدعهما وخالقهما.
قال ابن عباس: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: "أنا فطرتها": (أي) ابتدأتها.
وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد والأعمش: (ولا يَطعم) بفتح الياء، وقرأوا الأول مثل الجماعة على معنى: وهو يَرزقُ ولا يأكل. وقرأه الجماعة على معنى: "وهو يَرزق ولا يُرزق".
وقوله: (تعالى): ﴿إِنِّيۤ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: قل لهم يا محمد: إني أمرت أن أكون أول من خضع بالعبودية، وقيل: (لي: لا) تكونن من المشركين.
وقال بعض العلماء قوله: ﴿أُمِرْتُ﴾ بدل من "قيل لي: كن أول من أسلم و (قيل لي): لا تكونن من المشركين"، فالثاني محمول على معنى الأول، اجتُزئ بذكر. الأمر عن ذكر القول، والمعنى: قل "إني قيل لي: كن أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين". فهما جميعاً محمولان على القول لكن أتى الأول بغير لفظ القول وفيه معناه، فحمل الثاني على المعنى. والوقف على (الأرض) حسن، وعلى (يُطعَم حسن.)
الأنعام 6:15
قوله: ﴿قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ﴾ الآية.
المعنى: (قل) يا محمد لهؤلاء الذين لا يخافون: ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: هائل شديد.
الأنعام 6:16
قوله: ﴿مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية.
من قرأ ﴿يُصْرَفْ﴾ بضم الياء وفتح الراء، فعلى ما لم يُسمَّ فاعله. ومن فتح الياء وكسر الراء، فعلى إضمار، والتقدير: "من يَصرِف اللهُ عنه العذاب" يومئذ.
والأول أحسن عند سيبويه، لأن الإضمار كلما قل كان أحسن. فتقدير من ضم الياء: من يُصرَف عنه يومئذ فَقد رحِمَه اللهُ، ففي ﴿يُصْرَفْ﴾ ذكر العذاب المتقدم، ويضمر الاسم بعد (رحمه)، وفي الفتح يضمر الاسم والعذاب جميعاً.
وقيل التقدير - في قراءة من فتح الياء - مَن يَصرف (الله) عنه شرَّ يومئذ، ثم حذف المضاف.
وفي قراءة عبد الله وأُبيّ: (من يصرف الله عن يوم القيامة)، وهذا شاهد لمن قرأ بالفتح.
واحتج بعضهم لقراءة من فتح الياء أنه قريب من اسم الله، كأن تقديره: من يَصرف ربّي (العذاب عنه) فقد رحمه، واحتج أيضاً بقوله: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ ولم يقل: ("فقد رُحم")، فجريان آخر الكلام على أوله أحسن من مخالفته لأوله. قال: ولو قلت: "من وَهَب لك درهماً فقد أكرَمَك"، كان أحسن من أن تقول: "من وُهِبَ له درهم فقد أكرمه"، وقولك: "من يؤخذ منه ماله، فقد ظُلم" أحسن من قولك "من يؤخذ منه ماله فقد ظَلَمه"، وهو بعيد في الكلام وكذلك من قرأ: "من" يُصرَف عنهُ يوْمَئذ فَقد رَحَمِه.
وقراءة الفتح اختيار أبي عبيد وأبي حاتم على معنى: من يصرف الله عنه يومئذ عذابه فقد رحمه.
﴿وَذَلِكَ﴾: إشارة إلى صرف العذاب. و ﴿ٱلْفَوْزُ﴾: النجاة من الهلاك، والظفر بالمطلوب، ﴿ٱلْمُبِينُ﴾ (أي) الظاهر لمن وفقه الله.
الأنعام 6:17
قوله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ الآية.
المعنى: إِن يمسك (الله) - يا محمد - بضر، فلا يكشفه إلا هو، (و) الضر - هنا -: الشدة في العيش والضيق، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ أي: برخاء في عيش وسَعَة، فهو على ذلك وغيره قدير.
قوله ﴿إِلاَّ هُوَ﴾ تمام حسن.
الأنعام 6:18
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الآية.
المعنى: والله المُذلّل لعباده، العالي عليهم علّو وقدرة وقهر، لا (علو) انتقال من سفل، بل استعلى على خلقه بقدرته فقهرهم بالموت وبما شاء من أمره، لا إله إلا هو. ولمّا وصف نفسه تعالى بأنه المذل القاهر، ومن صفة القاهر أن يكون مستعلياً، قال ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ﴾ أي: في علوه، ﴿ٱلْخَبِيرُ﴾ بمصالح عباده.
الأنعام 6:19
قوله: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً﴾ الآية.
﴿أَيُّ﴾ اسم مبهم معرب، وإنما أُعرِب دون سائر المبهمات لعلتين:
- إحداهما: أنه قد أُلزم الإضافة فخالف سائر المبهمات، والمضاف إليه يَحل محل التنوين فيه، إذ لزمه ما هو عِوضٌ من التنوين، وإذا قدر التنوين فيه وجب إعرابه، لأن التنوين علامة للأمكن، والأمكنُ لا يكون إلا معرباً.
- والوجه الآخر: أنه مخالف لسائر المبهمات، لأنه يدل على البعض المعيّن، فإذا قلت: "أيُّ الرجليْن أتاك"؟، فالذي تسأل عنه داخل في "الرجلين"، وليس ذلك في "ما" و "من".
ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء الذين جحدوا نبوتك: أي: شيء أعظم شهادة؟، ثم أخبرهم بأن الله أعظم شهادة ممن يجوز عليه السهو والغلط والكذب والخطأ من خلقه. وقيل: المعنى: سلهم يا محمد: أي: شيء أكبر شهادة حتى أستشهد به عليكم؟.
(و) قال الكلبي: قال المشركون - من أهل مكة - للنبي: من يعلم أنك رسول الله فيشهد لك، فأنزل الله ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسوله، ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾.
والله - جل ذكره - شيء بهذه الآية، لكنه شيء لا كالأشياء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
* *
وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ﴾ (أي وقل لهم: أوحي إلي هذا القرآن) لأنذركم به عقاب الله، ﴿وَمَن بَلَغَ﴾: (أي) وأنذر به من بلغه ذلك بعدي.
قال محمد بن كعب القرطبي: من بلغته آية فكأنما رأى الرسول.
قال ابن عباس: "من بلغه هذا القرآن فهو له نذير".
فـ ﴿من﴾ في موضع نصب. وقيل: المعنى في ﴿وَمَن بَلَغَ﴾: أي: وأنذر من بلغ الحلم، لأن من لم يبلغ الحلم، فليس بمخاطب ولا متَعَبد. والقول الأول: "إن معناه: ومن بلغه القرآن"، وهو أولى.
وقال مجاهد ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ أي: من أسلم. وقيل معناه: ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ﴾ أيها العرب ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ أي: العجم، كقوله: ﴿بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] يعني العرب، ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٣] أي: من الذين أرسل إليهم، يعني العجم.
(و) قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ﴾: هذا على التوبيخ لهم. ثم قال لنبيه: قل يا محمد لا أشهد بما تشهدون، إنما هو إله واحد، وإنني بريء من إشراككم بربكم.
(و) روى ابن عباس أن طائفة من اليهود قالوا للنبي: يا محمد، ما نعلم مع الله إلهاً غيره!، فقال رسول الله: لا إله إلا الله، بذلك بُعثت وإلى ذلك أدعو، فأنزل الله: ﴿قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
ووقف نافع: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً﴾. والتمام عند الجماعة ﴿وَمَن بَلَغَ﴾.
الأنعام 6:20
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ الآية.
(معنى ذلك أن أهل الكتاب - هنا - (هم)) اليهود والنصارى. ومعنى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾: أي: يعرفون أن دين الله الاسلام، وأن محمدا رسول الله كما يعرفون أبناءهم، وهو عندهم في التوراة والانجيل.
وقيل: المعنى: يعرفون محمداً كمعرفتهم أبناءهم. وقد قال بعض من أسلم من أهل الكتاب: والله لنحن أَعَرفُ به من أبنائنا، لأن صفته ونعته في الكتاب، وأما أبناؤنا فلسنا ندري ما أحدث النساء فيهم.
وقيل: المعنى يعرفون أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله.
وقيل: يعرفون القرآن.
وأكثر العلماء على أن الهاء تعود على النبي.
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: أوبقوها في النار بإنكارهم محمداً، ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ بخسارتهم أنفسهم.
و ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾: تمام إن جعلت ﴿ٱلَّذِينَ﴾ مبتدأ.
الأنعام 6:21
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ الآية.
المعنى: من أشدُّ ظلما ممن اختلق على الله قول الباطل، أو (جحد آياته) وأدلته، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: لا ينجح القائلون على الله الباطل.
الأنعام 6:22
قوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ الآية.
المعنى: أن هؤلاء المفترين على الله الكذب لا يفلحون في الدنيا، ولا يوم نحشرهم جميعاً (أي) ولا يوم القيامة، ففي الكلام تقدير محذوف.
ومعنى: ﴿ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (أي تزعمون) "أنهم (لكم آلهة) من دون الله افتراءً وكذباً".
وقال القتبي: المعنى أين آلهتكم التي جعلتموها لي شركاء، فنسبها إليهم، لأنهم ادعوها أنها شركاء لله.
الأنعام 6:23
قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ الآية.
قرأ ابن مسعود وأبي (وما كان فتنتهُم) بالرفع.
ومن (قرأ) تكن بالتاء، ونصب "الفتنة"، فإنما أنَّث، لأن "القول" هو "الفتنة"، فأنث على المعنى، وهو مذهب سيبويه.
وقيل: إنما أنت، لأن ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ بمنزلة "مقالتهم" فأنث على ذلك. و (قد قرئ) برفع "الفتنة"، والياء في (يكن) على المعنى، لأن "الفتنة بمعنى "الفتون".
* *
ومعنى ﴿فِتْنَتُهُمْ﴾: مقالتهم. وقيل: معذرتهم إلا أن أقسموا بالله ربهم إنهم لم يكونوا مشركين.
ومعناه عند أبي إسحاق أن المشركين افتتنوا بشركهم في الدنيا، فأخبر الله عنهم أن فتنتهم التي كانت في الدنيا عادت انتفاء من الشرك، وهذا مِثْل إنسان يرى (محبّاً له) في هَلكة فيتبرأ منه، فيقال له: صارت محبتك (تبرؤا).
واختار الطبري قراءة النصب في (ربَّنا)، لأنه جواب من المشركين الذين قيل لهم: ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُم﴾ [الأنعام: ٢٢]؟، فنفوا عن أنفسهم أن يكونوا فعلوا ذلك وادعوه أنه ربهم كان فنادوه، ولذلك قال لمحمد: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤].
وإنما قصدوا إلى نفي الشرك عن أنفسهم دون سائر الذنوب والكبائر، لأنهم رأوا أن كل شيء يغفرُهُ الله إن شاء إلا الشرك، فنفوه عن أنفسهم رجاء أن يغفر لهم ما ارتكبوا دون الشرك، ودل على ذلك قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨] (فدل هذا) على أن ما دون الشرك مغفور إن شاء الله، ذلك: إما بتوبة وإقلاع، وإما بفضل من الله ورحمة.
الأنعام 6:24
قوله: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ الآية.
معنى النظر هنا: هو نظر القلب "معناه: تَبيَّنْ فاعلم كيف كذبوا في الآخرة".
* *
وقوله: ﴿كَذَبُواْ﴾ معناه: يكذبون، إلا أنه لما كان أمراً يقع بلا شك، أخبر عنه بمثل ما يخبر (عما) وقع.
* *
ومعنى ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي: وفارقتهم الأنداد والأصنام، وتبرأوا منها. وقيل: (معناه) ذهب عنهم ما كانوا يختلقون.
قال ابن عباس: لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا (تعالوا) فلنجحد ما كنا فيه، فقالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم، فلا يكتمون الله حديثاً، فود الذين كفروا حين ذلك لو تسوى بهم الأرض، و ﴿لاَ يَكْتُمُونَ﴾ حديثاً.
وقال ابن جبير: لما أمر بإخراج من دخل النار من أهل التوحيد، قال من فيها من المشركين: تعالوا فلنقل "لا إله إلا الله" لعلنا نخرج من هؤلاء. فقالوا، فلم يُصَدّقوا، فحلفوا فقالوا: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقال قطرب: إنهم لم يتعمدوا الكذب، ولكنهم قالوا ما قالوا وهم عند أنفسهم صادقون، لكنهم كاذبون عند الله، ولذلك قال: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾.
والذي يدل على خطأ قول قطرب قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨]. فلم (يحلفوا للنبي) قط إلا وهم يعلمون أنهم كاذبون، وقد أخبر الله أن (اليمينين متساويتان). وقوله: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ يدل على أنهم تعمدوا الكذب.
الأنعام 6:25
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ الآية.
المعنى: ومن هؤلاء المختلقين على الله الكذب من يستمع القرآن منك يا محمد - قال مجاهد: هم قريش - ويستمع كل واحد ما تدعوه إليه من الإيمان، فلا ينفعه ذلك، ولا يَعِيهِ، ولا يتدبره، ولا يعقله عنك، لأن الله جعل على قلبه كنانا، أي غطاء، وجمعه أكنة، وجعل في آذانهم وقراً عن ما تقول لهم وتتلو عليهم. فعل ذلك بهم مجازاة لهم على كذبهم، وليس المعنى أنهم لا يسمعون ألبتة ولكن لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا بمنزلة الذي في أذنيه وقر، وعلى قلبه غطاء.
(و) قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا﴾ يريد أنهم رأوا القمر منشقاً، فقالوا: (سحر، ثم) أخبر عنهم أنهم إذا أتوا يجادلون قالوا: هذا سحر ((مبين)).
* *
قوله: ﴿مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ((و)) ﴿وَقْراً﴾ تمامان عند الأخفش.
و ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ (تمام) عند غيره. و (بها) التمام الحسن عند أبي حاتم.
* *
ومعنى ﴿أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: أحاديثهم. وقيل: أساجيع الأولين. وقيل: المعنى ما كتبه الأولون.
ومعنى جدالهم المؤمنين أن ابن عباس قال: كان المشركون يجادلون المسلمين في الذبيحة، يقولون لهم: ما ذبحتم وقتلتهم تأكلون، وما قتل الله لا تأكلون وأنتم تتبعون أمر الله.
(وواحد الأساطير "أسطورة" كأًُضْحوكة (وأُحدوثَة)، وقيل:) واحده "أَسْطار"، كأقوال، وأَسْطار جمع سَطَر، (يقال: سَطْر) وسَطَر. وقال الأخفش: هو من الجمع الذي لا واحد له، كأبابيل ومذاكير وعباديد، وقد قيل: إن واحد الأبابيل "إِبيّل". وقيل: هو "إِبّوْل"، كِعَجَّوْلِ.
الأنعام 6:26
قوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.
المعنى أن الله أخبر عن المشركين أنهم ينهون الناس عن اتباع النبي والقبول منه، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يبعدون.
قال ابن عباس: لا يأتونه ولا يدّعون أحداً يأتيه. فالهاء - على هذا - تعود على النبي.
وقيل: المعنى أنهم ينهون [الناس عن] أن يستمعوا ما في القرآن، ويتباعدون هم عن استماعه، فالهاء للقرآن.
وقيل: المعنى: أنهم ينهون الناس عن أذى محمد، (ويتباعدون هم) عنه، أي: عن اتباعه.
(و) روي عن ابن عباس أنها نزلت في أبي طالب عم النبي عليه السلام ونفر من كفار قريش كانوا ينهون ((الناس)) عن أذى النبي ولا يؤمنون به، ولا بما جاءهم به، وكان أبو طالب ينهى أن يؤذى محمد، ويتباعد عن قبول ما جاء به. وهذا يدل على أنها في قريش.
وكان الطبري يختار أن تكون عامة في المشركين، لأن أول الكلام جرى على العموم، فيكون المعنى على هذا: وهم ينهون الناس أن يتبعوه ويتباعدون عن اتباعه، وما ﴿يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: ما يهلكون بصدهم عنك إلا أنفسهم، لأنهم يكسبونها سخط الله ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (أن) ذلك راجع عليهم.
وقرأ الحسن ﴿وَيَنْأَوْنَ (عَنْهُ)﴾ بإلقاء حركة الهمزة على النون على أصل التسهيل.
الأنعام 6:27
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ الآية.
من قرأ برفع (نكذبُ) و (نكونُ) فعلى القطع، (أي: يا ليتنا) نرد، ثم ابتدأ على معنى: ونحن لا نكذب. هذا قول سيبويه، والمعنى عنده: ونحن لا نكذب رُددنا أو لم نُردّ، فإنما سألوا الرد وقد أوجبوا على أنفسهم أنهم لا يعودون للتكذيب ألبتة، رُدوا أو لم يُردوّا، ومثله عند سيبويه: "دعني ولا أعود": أي: وأنا لا أعود. تركتني أو لم تتركني.
ومن نصب فإنما أراد أن يكون "رد" يتبعه ترك عودة، كأنه في المعنى: إن رُددنا لم نعد للتكذيب. ومثله: "زرني وأزورَك"، (أي، لتكن منك) زيارة وأن أزورَك، ولو رفعت لكان المعنى: وأنا أزورُك، زُرتَني أو لم تَزرْني.
ووجه آخر في الرفع، وهو أن يكون معطوفاً على (نُرد)، كأنهم تمنوا أن يردوا، وتمنوا (ألا) يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين. والأول أحسن، لأنهم لم يتمنوا هذا، إنما تمنوا الرد وادعوا أنهم إذا رُدوا لم يكذبوا وكانوا من المؤمنين.
(والنصب) على جواب التمني، كأنه: يا ليتنا وقع لنا الردّ و (ألا) نكذب، فالواو في جواب التمني كالفاء، وقيل: المعنى في الرفع: لا نكذب واللهِ ونكون - والله - من المؤمنين، وهو أيضاً منقطع.
وأنكر جماعة النصب، وقالوا: هو خبر أخبروا به عن أنفسهم، ألا ترى أن الله كذبهم فيما أخبروا به، والكذب لا يقع إلا في جواب الخبر.
وأنكر بعض النحويين أن يكون الجواب للتمني بالواو، وقالوا: إنما يكون بالفاء.
وأجاز أبو إسحاق أن يكون التمني داخلاً في الخبر، قال: لأن الرجل الفاسق (يقول): "ليتني في الجنة"، فيقال له: كذبت، لو أردت ذلك لاتقيت الله.
وقد قيل: إنه منصوب على الظرف، وإن معنى الكلام: أنهم تمنوا أن يوقفوا ((وهم) غير مكذبين، لأنهم وقفوا مكذبين، فتمنوا أن يوقفوا) على غير تلك الحال.
(والآية) عند أبي عمرو على التمني، ولا يجوز فيه صدق (ولا) كذب، وإنما كذب الله خبرهم، لا تمنيهم، وخبرهم هو قولهم: (ولا نكذب)، (ونكونُ)، (إن رددنا) فعلنا ذلك، فهذا خبر، فأكذبهم الله في ذلك الخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا في تمنيهم.
أو يكون المعنى - على الرفع - (ولا نكذبُ)، (ونكونُ): أي: نفعل ذلك، رُددنا أو لم نُردّ، فهذا خبر منهم، فأكذبهم الله في ذلك، التكذيبُ إنما هو للخبر الذي أخبروا به عن أنفسهم، لا للتمني.
وقال بعض النحويين: إنما يكون هذان الفعلان - في حال النصب - غير متمنَّيْن إذا كانا جواباً لِما في (ليتنا)، وتكون الواو الأولى بمعنى الفاء. فأما إن كانت الواو على جهتها، ونصبت على الظرف منويا به الحال، فالفعلان متمنَّيان، والتكذيب للتمني وقع.
ومن قرأ (ولا نكذّبُ) بالرفع، ونصب (ونكونَ)، فالمعنى: أنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين، وأخبرَوا أنهم لا يكذِّبون بآيات ربهم إنْ رُدُّوا إلى الدنيا.
قوله ﴿وَلَوْ تَرَىٰ﴾ فعل منتظر، وقوله و ﴿إِذْ وُقِفُواْ﴾: فعلان ماضيان، وكذلك ﴿فَقَالُواْ﴾، وكلها منتظرة لم تقع. وهو حسنٌ لطيف فصيح، غاية في البلاغة، لأن كل ما هو كائن - ولم يكن بعد - فهو عند الله بمنزلة ما قد كان، لصحة وقوعه على ما أخبر به عنه، ولِنفوذِ حكم الله به، وتقديره لوقوعه على ما أخبر به، فالكائن وغير الكائن سواء في علم الله.
وقوله ﴿وُقِفُواْ﴾ بمعنى: حُبسوا، و ﴿عَلَى ٱلنَّارِ﴾ بمعنى "في النار"، بمنزلة قوله: ﴿ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في ملكه. وقيل: معنى ﴿وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾: أُدخلوها، كما تقول: "قد وَقفتُ على ما عندك"، أي: عَرفتُ حقيقته. وقيل: أوها. وقيل: رأوها. وقيل: جازوا عليها.
و ﴿إِذْ﴾ بمعنى "إذا"، لأنه خبر لا بد أن يكون، فصارِ بمنزلة ما قد كان. يقال: "وقفتُ وقفاً للمساكين" و "وقفتُ أنا"، (وقِفْ) دابتك يا رجلُ.
وحكي عن أبي عمرو أنه قال: ما علمت أحداً من العرب يقول: "أوقفتُ الشيء" بالألف، إلا أني لو رأيت رجلاً في مكان فقلت له: "ما أَوْقَفَكَ ها هنا؟ بالألف، لرأيته حسناً. وفي الآية معنى التعظيمِ لِما هُم فيه.
الأنعام 6:28
قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ﴾ الآية.
المعنى: بل ظهر لهم في الاخرة من أعمالهم ما كانوا يخفون في الدنيا، ﴿وَلَوْ رُدُّواْْ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ أي: (لو وصل) الله لهم دنيا كدنياهم، لعادوا، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما أخبروا به عن أنفسهم. فأعلمنا الله - في هذه الآية - أن ما لا يكون، كيف كان يكون، لو كان. وفي هذا دليل على قدم علمه بجميع الأشياء، لا إله إلا هو، لم يزل يعلم ما يكون كيف يكون، قبل كونه بلا أمد.
الأنعام 6:29
قوله: ﴿وَقَالُوۤاْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا﴾ الآية.
أي قال هؤلاء المشركون: ماَثمَّ حياة إلا حياة الدنيا، وما ثَمَّ بعث بعد الفناء، وهذه حكاية عنهم، وما كانوا يقولون في الدنيا. وقال ابن زيد: هي خبر عنهم أنهم لو رُدّوا لقالوا ذلك، ولعادوا لما نهوا عنه.
وقد كره قوم الوقف على ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ لقبح اللفظ بنفي البعث، ولو صح هذا، لكان الوصل كالوقف، ولوجب امتناع القراءة بهذا اللفظ، وهو قول ساقطٌ مردود، فالوقف على ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾ جائز حسن عند أهل العربية، ولا شناعة فيه، إنما هو حكاية عن قول المشركين، وقد جهل من منع ذلك واستخف به.
الأنعام 6:30
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ﴾ الآية.
المعنى: ولو ترى يا محمد هؤلاء القائلين: "ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين"، إذ حُبسوا (على ربهم): أي: على حكم ربهم وقضائه وعدله فيهم، فقيل لهم، أليس هذا الحشر والبعث بعد الممات - الذي كنتم تنكرونه في الدنيا - حقاً؟، فأجابوا: بلى وربنا إنه لحق، قال: فذوقوا العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا جزاءً لكفركم وتكذيبكم.
وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ﴾، فأتى بالمستقبل لأنه أمر ينتظر يوم القيامة، ثم قال: (إذ): و "إذ" لما مضى وانقضى، وقال: (وَقِفوا) فـ ﴿قَالُواْ﴾، فجاء بفعلين ماضيين قد كانا، وإنما ذلك، لأن (كل ما) أعلمنا الله به أنه سيكون هو كالكائن الواقع، لصدق المخبِر بذلك ونفوذ علمه بكونه، فصار كالواقع الكائن، فأتى بلفظ الماضي.
الأنعام 6:31
قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
المعنى: قد وُكس فيه بيعه من باع الإيمان بالكفر. وقيل: المعنى: "قد خسروا أعمالهم وثوابها".
ومعنى لقاء الله هنا: أنه البعث والنشور اللذان عندهما يكون لقاء الله والمصير إليه.
ويجوز أن يكون معناه: كذبوا بلقاء ثوابه وعقابه - (وقد قيل) في قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ [السجدة: ٢٣] أي: في شك من لقاء موسى ربَّه وتكليمهِ له -، ولا يكون اللقاء في هذه الآية النظرَ إلى الله جل ذكره، لأنهم لم يؤمنوا بالبعث، فضلاً عن النظر إليه، وإذا لم يؤمنوا بالبعث، فأحرى ألا يؤمنوا بالنظر، لأن البعث يؤدي إلى النظر إلى الله تعالى ذكره، يَرَاه المؤمنون يوم القيامة.
وقد يكون اللقاء بمعنى القرب والنظر في غير هذا.
ويكون اللقاء بمعنى السبب الذي يؤدي إلى اللقاء، مثل هذه الآية، ومنه قولهم: "اللهم بارك لنا في لقائك"، يراد به: بارك لنا في الموت الذي يؤدي إلى البعث الذي فيه لقاؤك، وقال الله: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ ٱللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥] أي: يخاف الموت.
و ﴿بَغْتَةً﴾ نصب على الحال، وهو مصدر في موضع الحال عند سيبويه، ولا يقاس عليه غيره.
* *
قوله: ﴿يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾: هذا (حين) يرى أهل النار منازلهم من الجنة لو عملوا بعمل أهل الجنة، فيندمون على التفريط في الدنيا، فيقولون: ﴿يٰحَسْرَتَنَا﴾ أي: تعال يا حسرة، فهذا وقتُك وإِبّانُكِ.
والهاء في (فيها) عائدة على الصفقة، وهي التي ذكرت قبل في قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ﴾ أي: خسروا ببيعهم الايمان بالضلالة، ومنازلهم في الجنة بمنازلهم في النار، فإذا جاءتهم الساعة، تبين لهم خسران بيعهم، وندموا صفقتهم فقالوا: ﴿يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ أي: في الصفقة؟
ويجوز أن تعود الهاء على ﴿ٱلدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]، لأن فيها كان تفريطهم.
* *
وقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: "آثامهم وذنوبهم". وخص "الظهر"، لأن الحمل قد يكون على غيره.
وروي عن عمرو بن القيس المُلائي أن المؤمن إذا خرج من قبره، استقبله أحسن شيء صورة، وأطيبُه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟، فيقول: لا، إلا أن الله قد طيّب ريحك وحسّن صورتك. فيقول: كذلك كنت في الدنيا، أنا عملك الصالح، طال ما ركبتك في الدنيا، فاركبني، أنت اليوم، وتلا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً﴾ [مريم: ٨٥].
(وإن) الكافر يستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً، فيقول: هل تعرفني؟. فيقول: لا، إلا أن الله قد قبح صورتك ونتن ريحك. فيقول: كذا كنت في الدنيا، أنا عملك السيء طال ما ركبتني في الدنيا، فأنا اليوم أركبك. وتلا ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾. ورواه أبو هريرة عن النبي عليه السلام بهذا المعنى، واللفظ مختلف.
وقال السدي: (قوله): ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾: ليس من رجل ظالم يموت فيدخل قبره، إلاّ جاءه رجل قبيح الوجه، أسود اللون منتن الريح، عليه ثياب دَنِسَة حتى يدخل معه في قبره. فإذا رآه قال له: ما أقبح وجهك!، قال: كذلك كان عملك قبيحاً. قال ما أنتن ريحك!، قال: (كذلك كان) عملك منتناً. قال: ما أدنس ثيابك! (قال كذلك) كان عملك دنساً. قال: من أنت؟ قال: أنا عملك. فيكون معه في قبره. فإذا بعث يوم القيامة قال: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات، وأنت اليوم تحملني. قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار، فذلك قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾.
وروى المقبري عن أبي هريرة في حديث يرفعه قال: إذا كان يوم القيامة، بعث الله مع كل امرئ مؤمن عمله، ويبعث مع الكافر عمله فلا يرى المؤمن شيئاً يروعه ولا شيئاً يفزعه ولا يخافه إلا قال له عمله: "أبشر بالذي يسرك، فإنك لست بالذي يراد بهذا". ولا يرى الكافر شيئاً يفزعه ولا يروعه ولا يخافه إلا قال له عمله: "أبشر يا عدو الله بالذي يسوءك، فوالله (إنك) لأنت الذي (يراد بهذا)"
وقوله: ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ معناه: بئس الشيء يحملون.
الأنعام 6:32
قوله: ﴿وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ الآية.
هذه الآية تكذيب للكفار في قولهم: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] فأخبر الله تعالى أن الحياة الدنيا لعب ولهو، وأخبر أن الدار الآخرة خير، على معنى: ولَعَمَل الدار الآخرة خير للذين يتقون، أفلا تعقلون.
الأنعام 6:33
قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ الآية.
المعنى: أن (قد) في هذا وشبهه تأتي لتأكيد الشيء وإيجابه وتصديقه، و (نعلم) بمعنى: "علمنا". والتقدير: قد نعلم - يا محمد - إنه ليحزنك قولهم إنك كاذب، وإنك ساحر.
﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ جهلاً منهم بصدقك، بل أنت - فيما يسرون - صادق، ولكنهم حسدوك فكذبوك، وهم يعلمون أنهم ظالمون لك، وأنك صادق، هذا على قراءة من قرأ بالتشديد. قال أبو عمرو: وتصديقها ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ﴾ [الأنعام: ٣٤].
ومعنى قراءة التخفيف - عند الفراء والكسائي -: هو من قولهم: "أكذبت الرجل"، إذا أخبرت أنه كاذب فيما قال فقط. و "كذّبته": إذا أخبرت أنه كاذب في كل ما يأتي به.
وحكى أبو عبيدة: "أكذبت الرجل" إذا أخبرت أنه جاء بالكذب، و "كذّبته" إذا أخبرت أنه كاذب.
وروي أن أبا جهل قال للنبي: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾.
ومعنى التشديد - عند غير هؤلاء - فإنهم لا ينسبونك إلى الكذب. ومعنى التخفيف فإنهم لا يجدونك كاذباً، كما يقال: "أحمدت الرجل"، إذا أصبته محموداً.
ويكون معنى التخفيف (أيضاً): لا يبيِّنون عليك أنك كاذب، يقال: "أكذبته"، إذا احتججت عليه وبيّنت (أنه كاذب)، وقال قطرب: "أكذبت الرجل": دللت على كذبه.
وروي أن جبريل عليه السلام أتى رسول الله يوماً وهو جالس حزين، فقال له: ما يُحزنك؟، فقال: كذّبني هؤلاء. فقال له جبريل: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ هم يعلمون أنك صادق، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
ويروى أن الأخنس بن شريق الثقفي مر بأبي جهل (بن هشام) يوم بدر، فقال له: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد، (أصادق) هو أم كاذب؟ فأنه ليس هنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا؟!، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبؤة، فما يكون لسائِر قريش؟ فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: عن يقين.
وقيل معناه: فإنهم لا يكذبونك ولكن يكذبون ما جئت به، (وروي أن أبا جهل قال للنبي ﷺ: ما نتهمك، ولكن نتهم الذي جئت به).
الأنعام 6:34
قوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ الآية.
وهذه (الآية) تسلية للنبي ﷺ، أعلم أنه قد حل برسل من قبله مثل ما حل به، فصبروا على التكذيب والأذى، فاصبر أنت يا محمد كما صبروا حتى يأتيك الصبر كما أتاهم.
(قوله): ﴿وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: لما سبق في علمه، لا بد أن يكون.
﴿وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ أي: أتاك (نبأهم) أنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم النصر.
الأنعام 6:35
قوله: ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ الآية.
المعنى: وإن كان يا محمد عظُم عليك إعراض هؤلاء المشركين عنك وعن تصديقك، فلم تصبر، فعظم عليك أن يعرضوا إذ سألوا أن تنزل عليهم ملكاً، ﴿فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي: سرباً فتذهب فيه، ﴿أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ تصعد فيه، - (في) بمعنى "إلى" -، ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾، فافعل.
(و) السلم: المصعد هو مشتق من السلامة، كأنه يسلمك إلى الموضع الذي تريد. وجواب الشرط هنا محذوف، المعنى فافعل ذلك.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾.
أي على كلمة الحق، لفعل، ولكنه لم يفعل لسابق علمه أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فليس الاهتداء بفعل للعبد، بل هو لله، يوفق من يشاء ويخذل من يشاء.
﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ﴾ أي: ممن لا يعلم أن الله لو شاء لجمع على الهدى جميع خلقه، وهذا يدل على رد (قول) من زعم أنْ ليس عند الله لطف يوفق به الكافر حتى يؤمن.
وقيل: معنى الخطاب لأمة محمد، والمعنى: فلا تكونوا من الجاهلين. ومثله في القرآن كثير.
الأنعام 6:36
قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أعلم نبيه أنه إنما يستجيب لدعائه الذين فتح الله أسماعهم إلى سماع الحق، وسهل لهم اتِّباع الرشد.
﴿وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: والكفار الذين هم عدد الموتى يبعثهم الله في عدد الموتى الذين لا يسمعون صوتاً ولا يعقلون قولاً، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ في القيامة.
و ﴿يَسْمَعُونَ﴾ تمام عند الجميع.
وقال الحسن: المعنى: أن الكفار مثل الموتى، والله يوفق منهم من يشاء إلى الإيمان فيكون ذلك بعثهم من موتهم.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة.
وقال مجاهد: معناه: حين يبعثهم الله ﴿يَسْمَعُونَ﴾ يعني الكفار، أي: إذا وفقهم الله يسمعون.
الأنعام 6:37
قوله: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ الآية.
أي قال هؤلاء العادلون بالله غيره: هلا نزل على محمد آية، أي: علامة، قل يا محمد: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ (قَادِرٌ عَلَىٰ) أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن الله إنما ينزل ما فيه الصلاح لعباده.
الأنعام 6:38
قوله: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ﴾ الآية.
المعنى: أنه ليس طائر يطير ولا دابة إلا وقد أحصى الله عملها وآثارها وحركاتها، فهي تتصرف - كما يتصرفون - فيما سخرت له، ومحفوظاً عليها ما عملت من عمل، لها وعليها، حتى يجازى (به) يوم القيامة، لم تخلق عبثاً، فمن أحصى أعمال الطير وجميع البهائم هو قادر على إحصاء أعمالكم وتصرفكم أيها العادلون بالله.
* *
ومعنى ﴿إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: يعرفون الله ويعبدونه.
والأمم: الأجناس.
وقال ابن جريج: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: "أصناف مصنفة تعرف بأسمائها".
قال أبو هريرة: ما من دابة في الأرض ولا طائر إلا سيحشر يوم القيامة ثم يقتص لبعضها من بعض، حتى (يقتص للجماء) من ذات القرن، ثم يقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً﴾ [النبأ: ٤٠]. وإن شئتم فاقْرَأوا: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ (وَلاَ طَائِرٍ) يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ إلى ﴿يُحْشَرُونَ﴾.
ومعنى: ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ - وقد علم أنه لا يطير إلا بهما -: أن هذا كلام جرى على عادة العرب في لغاتها في التأكيد, فخوطبوا بما يعلمون أنه مستعمل عند العرب، ((تقول العرب): "مشيتُ إليه برجلي" و "كلمته بفمي" فوكد الطيران ((بقوله)): (بجناحيه) على ذلك.
وقيل: لما كانت العرب تستعمل لفظ "الطيران" في غير الطائر، فتقول لمن ترسله في حاجة: "طِر في حاجتي"، تريد "أسرع". ويقولون: "كاد الفرس يطير" إذا أسرع في جريه، فيعبرِّون بالطيران عما ليس له جناحان، ففرق بذكر الجناحين بين المعنيين.
ويكون "الطائر" عمل الإنسان اللازم له من خير وشر، ويكون "الطائر" من السعد والنحس، كقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [النمل: ٤٧]، فبين في الآية . أنه الطائر الذي يطير بجناحيه، لا غير.
وقيل: معنى ﴿(إِلاَّ أُمَمٌ) أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلقهم ودبّرهم ورزقهم وكتب آثارهم وآجالهم كما فعل بكم.
(و) قوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ﴾ أي: قد دللنا على كل شيء من أمر الدين في القرآن، إما دلالة مشروحة، وإما مجملة.
قال ابن عباس: "ما تركنا شيئاً إلاَّ قد كتبناه في أمِّ الكتاب"، يعني اللوح المحفوظ مما يكون وكان.
وقيل: المعنى: أن آثار هذه الأمم وآجالها وأرزاقها، كل مكتوب عند الله، فلم يفرط فيه في الكتاب الذي عنده، كل مكتوب فيه.
فـ (الكتاب) على هذا القول والذي قبله: هو اللوح المحفوظ و (الكتاب) في القول الأول: هو القرآن.
وروي أن النبي عليه السلام قال: إن الله قد حد حُدوداً فلا تنتهكوها، وسنَّ سُنناً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء - لم يدَعْها نِسياناً، كانت رحمة من الله - فَاقْبلَوها
وقال ﷺ لابن عباس: الأمور ثلاثة - يا ابن عباس - أمرَ بَانَ لك رُشُده فاتَّبِعْه، وأمر بَانَ لك غيُّه فاجتنبه، وأمرٌ غاب عنك فكِلْهُ إلى الله عز وجل
وقيل المعنى: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي ٱلكِتَٰبِ مِن شَيْءٍ﴾ مما يحتاجون إليه، يعني القرآن. وقوله ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن عباس: "موت البهائم: حشرها". قال الفراء: "حشرها: موتها، ثم تحشر مع الناس فيقال لها: كوني تراباً، فعند ذلك يتمنى الكافر أنه كان تراباً". وقيل: الحشر هنا: الجمع يوم القيامة.
وروي أن عنزين انتطحا، فقال النبي ﷺ: "أتدرون فيما انتطحا؟، قالوا: لا ندري. قال: لكنّ اللهَ يدري، وسيقضي بينهما"
الأنعام 6:39
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ﴾ الآية.
المعنى: أن الله تعالى أعلمنا أن الكافرين بآيات الله ﴿صُمٌّ﴾ عن سماع الهدى، ﴿وَبُكْمٌ﴾ عن قول الحق، ﴿فِي ٱلظُّلُمَاتِ﴾ أي: في الكفر، وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بما سمعوا ولا قالوا ما ينتفعون به، كانوا بمنزلة الصم والبكم، ثم أخبر تعالى أنه المضل لمن يشاء من خلقه عن الإيمان، وأنه يهدي من يشاء إلى الحق والصراط المستقيم، كل ذلك قد تقدم (في) علمه.
والتمام عند بعضهم: ﴿فِي ٱلظُّلُمَاتِ﴾.
الأنعام 6:40
قوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ﴾ الآية.
حكى أبو (عبيد) عن ورش في "أرايت" و "أرايتكم" أنه يحقق الأولى، ويسقط الثانية ويعوض منها ألفاً. فمن أجل هذه الرواية رواه جماعة عن ورش بالمد. والذي عليه أهل العربية أنه يسهل الثانية فيجعلها بين الهمزة والألف، فلا يقع فيه إشباع مدُّ. وقد قرأنا فيه لورش بالمد على القول الأول.
واختُلف في الكاف: فقال البصريون: لا موضع لها من الإعراب، وإنما هي للمخاطبة.
وقال الكسائي: هي في موضع نصب لوقوع الرؤية عليها، والمعنى: أرأيتم أنفسكم.
وقال الفراء: هي في موضع رفع، لأنه لم يرد أن يوقع فعل الرجل على نفسه، لأنه يسأل عن غيره.
وفرق الكسائي بين (رؤية) القلب والعين: فأسقط الهمزة من رؤية القلب، (لأن رؤية القلب) معناها: أخبروني عن كذا. وليس ذلك في رؤية العين. ففرق - بطرح الهمزة - بين المعنيين، وهو خطاب للكفار.
ومعنى الآية: أخبروني أيها العادلون بالله غيره إنْ أتاكم عذاب الله، كالذي جاء من كان قبلكم من الامم الظالمة، أو جاءتكم الساعة فبُعثتم للعرض، أغير الله تدعون في ذلك الوقت إن كنتم محقّين في دعواكم أن آلهتكم تنفع وتضر.
الأنعام 6:41
قال: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ الآية.
أي إليه تستغيثون، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ﴾ (أي) فيكشف الضر الذي من آجله دعوتم. ﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: تنسون شرككم إذا أتاكم العذاب. فقوله: ﴿إِنْ شَآءَ﴾ مشيئة قدرةٍ، و (هو لا يشاء أن يكشف) عنهم العذاب عند نزوله، (لقوله): ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥].
الأنعام 6:42
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ﴾ الآية.
(هذه الآية) تحذير للعادلين بالله غيره أن يتمادوا على ظلمهم فيهلكهم الله بالبأساء والضراء، كما أهلك من كان قبلكم حين كذبوا الرسل. والبأساء: شدة الفقر والضيق في المعيشة، والضراء: الأسقام والعلل في أجسامهم.
وقيل: البأساء: الجوع والفقر، والضراء: نقص الأموال والأنفس. وقال القتبي: "(البأساء): الفقر وهو البؤس، والضراء: البلاء".
وفي الكلام حذف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك رسلاً، فكذبوهم، فأخذناهم.
* *
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: ليكونوا على رجاء من التضرع، هذا مذهب سيبويه. والتضرع: التفعل من الضراعة، وهو الذل والاستكانة.
الأنعام 6:43
قوله: ﴿فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ الآية.
"المعنى: فهَلاّ إذ جاءهم بأسنا تضرّعُوا"، أخبر الله عز وجل عنهم أنهم قد بلغ (منهم - من القسوة -) ما تركوا التضرع معها، والطلبة عند اتيان العذاب. وتحقيق المعنى: لعلهم يتضرعون فلم يتضرعوا، ﴿فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ فيصرف عنهم العذاب. ﴿وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أقاموا على التكذيب وأصروا عليه وزيّن لهم الشيطان أعمالهم.
الأنعام 6:44
قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ الآية.
المعنى: فلما تركوا العمل بما أُمروا به على ألسن الرسل.
* *
وقوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: استدرجناهم بالنعم التي كنا متعناهم إياها.
روي عن النبي عليه السلام أنه قال: إذا رأيتَ الله يُعطي العبدَ مَا يُحِبّ وهو مقيمٌ على معاصيه، فإنّما ذلك استدراج. ثم نوع بهذه الآية ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (إلى قوله ﴿رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
ومعنى: ﴿أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: كل شيء) كان قد أَغلق عنهم من الخير، جَعل مكان الضراء الصحة والسلامة، ومكان البأساء الرخاء والسعة، حتى إذا فرحوا بما فتح عليهم من النعيم والصحة اللذين كانا قد أَغْلَقَ عنهم، ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: أخذناهم بالعذاب فجأة وهم لا يعلمون.
قال ابن جريج: أخذوا أعجب ما كانت الدنيا إليهم.
﴿فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ قال السدي: معناه، هالكون قد انقطعت حجتهم، نادمون على ما سلف منهم.
وقال بعض (أهل) اللغة: معنى﴿فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ﴾: ظنوا أنهم إنّما أوتوا ذلك استحقاقاً، قال: والمبلس: الشديد الحسرة الحزين.
قال ابن زيد: الإبلاس أشد من الاستكانة.
وروي عن النبي عليه السلام (أنه) قال: "إذا رأيتَ اللهَ يُعطي عبدهَ في دُنياهُ، فإنّما هو اسْتِدراجٌ"، يعطي: يوسع عليه دنياهُ وهو لا يقلع عن المعاصي، يدل على ذلك الحديث الذي بعده، "ثم تلا هذه الآية ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ الآية.
وعنه ﷺ أنه قال: إذا رأيتَ اللهَ يعطي العِبادَ ما يشاءون على معاصيهم إياه، فإنما ذلك استدراج منه لهم، ثم تلا الآية.
وقيل: الإبلاس: انقطاع الحجة والسكون.
وقيل: هو الندم والحزن على الشيء يفوت.
وقيل: هو الخشوع. وقال القتبي: "(مبلسون): يائسون".
الأنعام 6:45
قوله: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ (ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ)﴾ الآية.
المعنى: فاستُؤْصِل القوم الذين ظلموا، فلم يبق منهم أحد إلا هَلَكَ بغتة. والدّابِر: الآخِر. وإذا قطع دابرهم فقد قُطعوا، ولأن الآخِر لا يوصَل إليه إلا بعد أوّلٍ.
﴿وَٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾ أي: الثناء التام لله على نعمه على رسله وأهل طاعته بإظهار حجتهم على من خالفهم من أهل الكفر.
الأنعام 6:46
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ الآية.
روى ابن (عامر) عن أصحابه عن ورش: (بِهُ انظُر) بالضم للهاء، وكذلك روى ابن سعدان عن (المسيبي)، وهي قراءة الأعرج، أتوا بالهاء على أصلها، وهو الضم. وإنما كسرت - في قراءة الجماعة - لأجل كسرة الباء قبلها، لئلا يخرج من كسر إلى ضم، وذلك ثقيل.
وقيل: إنما كسرت الهاء، لأنه ليس في الكلام "فِعْلُ"، والضم هو الأصل.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين بالله الأوثان: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾، فذهب بها، ﴿وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ﴾، أي: طبع عليها، فلا تسمعون ولا تبصرون ولا تعقلون، من معبود غير الله يرد عليكم ما ذهب (عنكم)؟، وهذا (تعليم من الله) لنبيه الحجة على المشركين. ثم قال لنبيه: انظر: كيف نصرف (لهم) الآيات أي: كيف نتابع لهم الحجج، ونضرب لهم الأمثال، ثم هم - مع ذلك - يصدفون، أي: يعرضون قاله مجاهد وجماعة معه. وقال ابن عباس: يعدلون. وقال السدي: يصدون.
* *
وقوله: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾: الهاء تعود على السمع، وقيل: المعنى: يأتيكم بما أخذ منكم من السمع والأبصار، فوحدت الهاء لأنها مكان "ما"، وقيل: الهاء كناية عن الهدى.
﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ تمام عند نافع وغيره.
الأنعام 6:47
قوله: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْأَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهم: أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة، أي: فجأة على غَرّة، أو أتاكم جهرة، أي: وأنتم تجاهرونه، أي: تعاينونه، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: (لا) يُهلِك اللهُ منا ومنكم إلا من ظلم فعبد مَن (لا) يستحق العبادة، وترك عبادة من يستحق العبادة.
الأنعام 6:48
قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ (مُبَشِّرِينَ)﴾ الآية.
المعنى: أن الله أعلمنا أنه إنما يرسل الرسل مبشرين أهل الطاعة بالجنة والفوز، ومنذرين أهل الخلاف والكفر بالنار على فعلهم، لم يرسلهم ليقترح عليهم الآيات بل تصحبهم منها ما يدل على صدقهم مما يريد الله، ﴿فَمَنْ ءَامَنَ﴾ أي: صدق بالرسل، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: (عمل) صالحاً في الدنيا، ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في الآخرة ولا حُزُنٌ.
الأنعام 6:49
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ الآية.
قرأ يحيى بن وثاب ﴿يَفْسُقُونَ﴾ بكسر السين، لغة معروفة. وقرأ الحسن والاعمش ﴿ٱلْعَذَابُ بِمَا﴾ بالإدغام.
وقال ابن زيد: "كل" فسق "في القرآن فمعناه: الكذب".
والمعنى: والذين جحدوا ما جاءتهم به رسلهم يمسهم العذاب في الآخرة بتكذيبهم الرسل.
الأنعام 6:50
قوله: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بالله: لست أقول لكم عندي خزائن الله أي: لست أقول: إني أنا الرب الذي بيده خزائن السماوات والأرض، ولست أعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الرب، ﴿وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾، لأنه لا ينبغي لملك أن يكون ظاهراً بصورته لأبصار البشر في الدنيا فتجحدوا ما أقول لكم من ذلك، ﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾: (أي ما أتبع)، ﴿إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾.
و(كل هذا) تنبيه من الله لنبيه على مواضع الحجة على مشركي قريش. ثم قال: قل (لهم) يا محمد: هل يستوي الأعمى عن الحق والبصير به.
و ﴿ٱلأَعْمَىٰ﴾: الكافر: لأنه عَمِي (عن) حجج الله. و ﴿ٱلْبَصِيرُ﴾: المؤمن، لأنه أبصر حجج الله وآياته، فاهتدى بها، ﴿أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فيما أقول لكم.
وقيل: المعنى: لا أقول لكم عندي خزائن الله التي فيها العذاب، لقولهم: ﴿ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
الأنعام 6:51
قوله: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ﴾ الآية.
هذه الآية أمر من الله للنبي أن ينذر بالقرآن الذين يخافون الحشر والحساب والعقاب وقد صدقوا به وآمنوا. واختص هؤلاء، لأن الإنذار ينفعهم، إذْ هُم قابلوه ومصدقوه.
والخوف: بمعنى العلم، أي: يعلمون ذلك ويَتَيقَّنُونَه، وقد أُرسل النبي عليه السلام لإنذار الخلق كافة.
* *
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾: هذا رد لقول اليهود والنصارى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
الأنعام 6:52
قوله: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ (بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ)﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾: جواب النهي، و ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جواب النفي. والتقدير: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فتكون من الظالمين، ما عليك من حسابهم من شيء فتَطرُدهم: آخِرُ الكلامِ لأَوَّلِه، وأوسطُهُ لأِوسَطِهِ.
وهذه الآية نزلت في سبب جماعة صحبوا رسول الله - من ضعفاء المسلمين - فقالت قريش للنبي - وعنده صهيب وعمار بن ياسر وبلال وخباب، ونحوهم من الضعفاء -: يا محمد، رضيت بهؤلاء (من قومك، أهِؤُلاء) ﴿مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ [الأنعام: ٥٣]، أنحن نكون تبعاً لهؤلاء؟، اطْرُدْهم، فلعلك إنْ طَرَدْتَهم أن نتبعك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية.
وروي عن خباب أنه قال: جاء ناس من المشركين والنبي ﷺ جالس مع بلال وصهيب وخباب وعمار في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقّروهم، فأتوا فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعْبُدِ، فإذا جئناك فَأَقْصِهِم، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال نعم. فقالوا: فاكتب (لنا عليك) بذلك كتاباً. قال: فدعا النبي ﷺ بالصحيفة ودعا عليّاً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بقوله: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، ثم قال له: ﴿وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٥٣] الآية، ثم قال (له): ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية. فألقى النبي الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم تَرَكَنا، فأنزل الله ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] (الآية)، فكان رسول الله يقعد معنا بعد ذلك، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، (قمنا) وتركناه حتى يقوم.
وقال الفضيل في هذه الآية: جاء قوم إلى النبي ﷺ فقالوا: إنا قد أصبنا من الذنوب، فاسْتَغِفر لنا، فأعرض عنهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [الأنعام: ٥٤] الآية.
وقيل: إنما أراد المشركون أن يطرد النبي ﷺ الفقراء، (فيحتجوا عليه إذ لم يتبعه الفقراء، ويقولوا: إن أتباع النبي الفقراء). فعصمه الله مما أرادوا به.
وقال الكلبي: (أبو طالب) عم النبي (هو الذي) قال للنبي: اطْردْ فلاناً وفلاناً. وإنّ ناساً من أصحاب النبي قالوا: يا رسول الله، صدق عمك فاطرد عنا سفلة الموالي. فعاتبهم الله في الآية الأولى، فجاءوا يعتذرون من قولهم "أطردهم"، فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤].
ومعنى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ﴾ قال مجاهد: (هي) "الصلاة المفروضة: الصبح والعصر". وقال ابن عباس: هي الصلوات المفروضة الخمس، وقاله الحسن. وكذلك قالوا كلهم في قوله: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨].
وقال قتادة والضحاك: هي صلاة الصبح والعصر. وعن ابن عمر قال: يشهدون المكتوبة.
وقيل: معنى الدعاء - هنا -: ذِكرُهم الله غدوةً وعشياً. وقيل: الدعاء هنا: العبادة. وقيل: هو إِقْراء القرآن.
وقال الحسن: يعني الصلاة التي فرضت بمكة: ركعتان غدوة وركعتان عشية، وهذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس. وقال عمرو بن شعيب: هما صلاة الصبح وصلاة العصر. وقد قيل: إنهم القُصَاصَ. وأنكر ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
وروي أنهم سألوا النبي أن يؤخر هؤلاء عن الصف الأول.
والتمام هنا: ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، لأنه جواب النهي، وقد قيل: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ تمام، وليس بجيد.
الأنعام 6:53
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية.
المعنى: وكذلك ابْتَلَيْنا بعضهم ببعض)، أي: جعل بعضا فقيراً، وبعضاً غنياً وبعضاً ضعيفاً، وبعضاً قوياً، فأحوج بعضهم إلى بعض اختباراً منه لهم.
قال ابن عباس: قال الأغنياء للفقراء: ﴿أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ﴾ فهداهم؟، استهزاءاً منهم وسخرياً.
ومعنى اللام: أنه لما آل عاقبة أمرهم إلى هذا القول، صاروا كأنهم إنما احتبروا (لِيَقولوا)، بمنزلة ﴿فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨].
(و) قوله: ﴿بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ﴾ أي: الموحدين.
الأنعام 6:54
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية.
هذه الآية عني بها الذين تقدم ذكرهم في النهي عن طردهم. وقيل: عنى بها قوماً أصابوا ذنوباً عظاماً، فاستفتوا النبي فيها، فلم يُؤَيّسْهم الله من رحمته. وقيل: عنى بها قوماً من المسلمين كانوا قد أشاروا على النبي بطرد الذين نهى الله عن طردهم، فكان ذلك منهم خطيئة، فاعتذروا من ذلك، فأُخبِروا في الآية أنه من تاب قُبِل منه، هذا على قول عكرمة وابن زيد.
* *
ومعنى ﴿سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ﴾ أي: من عمل ذنباً وهو جاهل به.
* *
ومعنى ﴿كَتَبَ﴾: أوجب ذلك وقيل: "كتب في اللوح المحفوظ".
والوقف فيها مفهوم، لا يحسن أن يبتدأ بـ (أن) وهي مفتوحة، ولا بالفاء في (فَإِنَّه)، كسرتَ (أن) أو فَتَحْتَها، وتبتدئ بـ (إِنْ) إذا كسرتها، وهي الأَوْلَى فاعلم.
الأنعام 6:55
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ﴾ الآية.
المعنى: و (كما) فصلنا لك يا محمد ما تقدم، نفصل (لك) الأعلام والحجج الدّالة علينا فيظهر لك طريق المجرمين، وتعلم باطل ما هم عليه.
واللام متعلقة بفعل محذوف دل عليه (نُفَصِّل). والمعنى: لتستبين سبيلَ المجرمين (فَصَّلناها، وهذا خطاب للنبي والمراد به أمّته، والمعنى: ولتستبينوا سبيل المجرمين)، فأما النبي ﷺ فقد كان عالماً بطريقهم، وأنهم على باطل. هذا على قراءة من نصب "السبيل". فأما من رفع، ففي الكلام حذف، والمعنى: ولتستبين سبيل المجرمين (والمؤمنين) فصلناها.
ومعنى: ﴿نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ﴾ نأتي بها متفرقة شيئاً بعد شيء لتُفهم على مهل.
الأنعام 6:56
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ الآية.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: إني نهيت أن أعبد أصنامكم الذين تقولون إنها تقربكم إلى الله زلفى، ولا أتبع أهواءكم التي عبدتم بها ما لا يجوز أن يُعبد، ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً﴾ أي: قد ضللت إن عَبدتُها، ﴿وَ(مَآ أَنَاْ) مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾، أي: من المتّبعين الهدى إنْ فعلتُ ذلك.
الأنعام 6:57
قوله: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾ الآية.
المعنى: ﴿قُلْ﴾: لهم يا محمد: ﴿إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي﴾: أي: حجة ظاهرة، وهي النبوة قد ظهرت لي.
وكذبتم أنتم به: أي: بربكم. وقيل: بالقرآن. وقيل: بالبيان وقيل: بالعذاب.
﴿مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ يريد من النقم والعذاب الذي تقترحون به، أي ليس ذلك بيدي، ما الحكم إلا لله في عذابكم وإمهالكم.
﴿يَقُصُّ ٱلْحَقَّ﴾ أي: يقضي القضاء الحق، ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ﴾ أي: الحاكمين.
وفي قراءة عبد الله: (وهو أسرع الفاصلين).
﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ وقف، ﴿تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ وقف.
الأنعام 6:58
قوله: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الآية.
المعنى: ﴿قُل﴾ يا محمد لهؤلاء الذين يستعجلون العذاب: ﴿أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب، لَجِئتُكم به، فيُقضى الأمر بيني وبينكم، ولكن ذلك بيد الله، وهو أعلم بالظالمين، أي: متى يهلكهم.
وقيل: معنى ﴿لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: لذُبِحَ الموت، قاله ابن جريج، يريد به معنى قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩].
يروى أن أهل الجنة والنار إذا استقر كل واحد في موضعه، أُتِيَ بالموت في صورة ما شاء الله فيُذْبَح بِمَرأَىً من الجميع، ويقال: يا أهل الجنة خلودٌ لا موت، ويا أهل النار خُلودٌ لا موت. هذا معنى الحديث لا لفظه. فهو الذي قال النبي لهم: ﴿لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾، وهو التفسير في قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩].
﴿وَبَيْنَكُمْ﴾ وقف حسن.
الأنعام 6:59
قوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ﴾ الآية.
واحد المفاتح: مِفَتح، بكسر الميم وفتحها، والمعنى: وعند الله خزائن الغيب.
قال ابن عباس: مفاتح الغيب خمس في آخر "لقمان": ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى ﴿خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: ما تغيض الأرحام، وما في غد، ومتى يأتي المطر، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأيّ أرضٍ تموت. ورواه ابن عمر عن النبي عليه السلام.
﴿إِلاَّ هُوَ﴾: تمام.
* *
وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾: أي: ما تسقط من ورقة في الصحاري والبراري والأمصار والقرى إلا الله يَعلَمها، ﴿وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلأَرْضِ﴾ أي: بطون الأودية، ولا رطبها ولا يابسها، ﴿إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، مرسوم فيه عدده ووقته في اخضِراره ويُبسِه وسقوطه. وكل ذلك عن علم الله غيرُ خارج، وإنما أثبتت في اللوح امتحاناً لحَفَظَة الخلق. فقد روي أنهم مأمورون بكتابة أعمال العباد، ثم يَعرِضها على ما أثبته تعالى في اللوح المحفوظ.
قال عبد الله بن الحارث: ما في الأرض (من) شجرة ولا مغرِز إبرة إلا عليها (ملك) موَكّل يأتي الله بعلمها: يُبْسها إذا يَبِسَت، ورطوبتها إذا رَطُبَت.
وقيل: المعنى في كَتْبِها: أنه لتعظيم الأمر، فمعناه: اعلموا أن هذا الذي ليس فيه ثواب ولا عقاب مكتوب، فكيف ما فيه ثواب وعقاب؟
الأنعام 6:60
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّٰكُم﴾ الآية.
المعنى: قال لهم يا محمد: إن الله أعلم بالظالمين، وإن الله عنده مفاتح الغيب، وإن الله هو الذي يتوفاكم، (أي): يقبض أرواحكم من أجسادكم بالليل، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾: أي: ما اكتسبتم من الأعمال بالنهار.
وأصل الاجتراح: عمل الرجل بجارحة من جوارحه: يَدِه أو رِجليه، فكثر ذلك حتى قيل لكل مكتسب (شيئاً بأيّ أعْضاء جسمِه كان: " (مجترح)"، ولكل مكتسب) عملاً: "جارح".
ومعنى: التوفَّي: استيفاء العدد
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي يوقظكم من منامكم في النهار.
الهاء في (فيه) تعود على "النهار"، لأن الإنسان يتمادى به النوم حتى يصير في النهار فينتبه، فلذلك بَعثُهُ. وقال ابن جبير: (يَبعثُكم فيه): في المنام.
﴿لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾: أي: ليقضي الله الأجل (الذي سماه لحياتكم، ثم يأتي الموت الذي مرجعكم منه إلى الله)، فينبئكم بما كنتم تعملون في الدنيا.
و ﴿أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾: الموت. ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعد الموت.
الأنعام 6:61
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ الآية.
المعنى: وهو الغالب خلقه، العالي عليهم بقدرته، قد قَهَرَهم بالموت، ليس كأصنامهم (المقهورة)، المذللة، المَعْلو عليها، ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ هي الملائكة، يتعاقبون بالليل والنهار، يحفظون أعمال العباد ويكتبونها، لا يفرطون في إحصاء ذلك، ويحفظونه مما لم يُقدَّر عليه، فإذا جاء أحدَهم الموت، توفته الرسل التي تقبض الأرواح، وقابض الأرواح هو ملك الموت، إلا أن الله جعل له أعواناً، فهم يقبضون (الأنفس) بأمر ملك الموت، فلذلك قال: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾، ولم يقل: "رسولنا".
قال ابن عباس: "لملك الموت أعوان (من الملائكة)".
قال قتادة: تلي الملائكة قبض النفس وتدفعها إلى ملك الموت.
وقال الكلبي: ملك الموت يتولى، ثم يدفع النفس إلى ملائكة
الرحمة إنْ كان مؤمناً، وإلى ملائكة العذاب إن كان كافراً.
قال مجاهد: جُعلت الأرض لملك الموت (مثل الطست)، يتناول من حيث شاء، وجعلت له أعوان يتولون ذلك، ثم يقبضها هو منهم. قال مجاهد: "ما من أهل بيت شَعَر ولا مَدَر إلا وملك الموت يطوف بهم كل يوم مرَّتين".
وروى (البراء) بن عازب أنه سمع النبي عليه السلام يقول: إذا كان العبد عِندَ انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه (ملائكة من السماء)، بيضُ الوجوه كأنّ وجوهَهم الشمس (حتى يقعدوا) منه مَدَى البصر، ويجيء ملك الموت معهم حتى (يقعد) عند رأسه فيقول: أيتها النفس الطيبة، أُخرُجي إلى مغفرة (من) الله ورضوان، فتخرج تسيل كما (تسيل القطرة) في السقاء، فيأخذها ملك الموت في يده، فإذا وقعت في يده، لم يَدَعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه، فيجعلونها في كفن من الجنة وحنوط، ثم يصعدون بها إلى السماء حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة
"قال الحسن: (إذا احتضر) المؤمن (احتضره) خمس مائة ملك يقبضون روحه فيعرُجون به".
والأجساد هي التي تموت، فأما الأرواح والأنفس فهي حية عند الله، ودل على ذلك قوله: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣]، فلو كانت النفس تموت لم يكن لها نزل، وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] أي: تقول النفس: أَرْجِعني إلى جَسَدي لعلي أعمل صالحاً، فلو كانت النفس تموت بموت (الجسد)، ما سألت الرَجعَة.
قال عبد الملك: ولا يقول "إن النفس والروح يموتان بموت الجسد" إلا رجل جاهل بأمر الله، أو رجل منكر للبعث، وقد قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ﴾ [الزمر: ٤٢]، فلو كانت النفس تموت بموت الجسد ما أمسكها، وليس يُمْسَك إلا حيٌّ.
الأنعام 6:62
قوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوۤاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ الآية.
المعنى: ثم ردت الأنفس إلى الله مولاهم الحق.
وقرأ الحسن (الحَقَّ) بالنصب على "أعني".
﴿أَلاَ لَهُ ٱلْحُكْمُ﴾ أي: القضاء، ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَاسِبِينَ﴾ أي: أسرَعُ من حسب عددكم وأعمالكم وآجالكم، وقيل: معناه: يعلم أعمالكم بلا معاناة، ويحصيها بلا حساب ولا عدد، لا تشغله محاسبة أحد عن محاسبة أحد، فذلك غاية السرعة في المحاسبة.
﴿ٱلْحَقِّ﴾ تمام، و ﴿ٱلْحُكْ﴾: تمام. و ﴿مَوْلاَهُمُ﴾: وقف على قراءة الحسن.
الأنعام 6:63
قوله: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ﴾ الآية.
﴿تَضَرُّعاً﴾: مصدر. وقيل: هو حال على معنى: ذوي تضرع.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، أي: كروبهما، إذا ضللتم وتحيرتم فلم تهتدوا، وأخذتم في الدعاء (تقولون): لئن أنجيتنا، أي: من هذه الظلمات التي نحن فيها، يفعلون ذلك جهرة و (خفية)، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾ أي: من المؤمنين.
ثم قال: (قل) لهم يا محمد: ﴿ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا﴾ الآية.
أي من الظلمات والهلاك، وينجيكم من كل كرب سوى ذلك فيكشف، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ في عبادة ربكم.
الأنعام 6:64
قوله: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ﴾ الآية.
﴿تَضَرُّعاً﴾: مصدر. وقيل: هو حال على معنى: ذوي تضرع.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء العادلين: من ينجيكم من ظلمات البر والبحر، أي: كروبهما، إذا ضللتم وتحيرتم فلم تهتدوا، وأخذتم في الدعاء (تقولون): لئن أنجيتنا، أي: من هذه الظلمات التي نحن فيها، يفعلون ذلك جهرة و (خفية)، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾ أي: من المؤمنين.
ثم قال: (قل) لهم يا محمد: ﴿ٱللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِّنْهَا﴾ الآية.
أي من الظلمات والهلاك، وينجيكم من كل كرب سوى ذلك فيكشف، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ في عبادة ربكم.
الأنعام 6:65
قوله: ﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ﴾ الآية.
"﴿شِيَعاً﴾: نصب على الحال، أو المصدر". والمعنى: قل لهم يا محمد: الله القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم، أو من تحت أرجلكم، جزاء لشرككم به بعد إذ (نجاكم مما) أنتم فيه.
والعذاب الذي (هو) من فوقهم: هو الرجم، والذي من تحت أرجلهم: الخسف، قاله ابن جبير ومجاهد والسدي.
وقال الفراء ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾: المطر والحجارة والطوفان، و ﴿مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: الخسف.
وقال ابن عباس: العذاب الذي (هو) من فوق: أئمة السوء، والذي من أسفل: خدمة السوء وسفلة الناس.
وقال الضحاك: ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾: من كباركم، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: من سفلتكم.
(و) قوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ (أي) يخلطكم (فرقا، من "لَبَست عليه الأمر": أخلطته فمعناه: يخلطكم) أهواء مختلفة مفترقة.
وقال الفراء: ﴿يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ أي: ذوي أهواء مختلفة.
وقرأ المدني ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ بضم الياء، من "ألبس".
* *
وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ أصل هذا من "ذوق الطعام"، ثم استعمل في كل ما وصل إلى الرجل من حلاوة أو مرارة أو مكروه.
(قال (ابن عباس): يعني بالسيوف. و) قال ابن عباس: "يسلط (بعضكم) على بعض بالقتل".
وقد قيل: إنه عني بهذا المسلمون من أمة محمد.
قال النبي عليه السلام: إني سألت الله في صلاتي هذه ثلاثاً - وأشار إلى صلاة صبح كان قد أبطأ فيها - قال: سألته ألا يُسَلّط على أمتي السّنة، فأعطانيه، وسألته ألا يلبسهم شيعاً، وألا يُذيق بعضَهم بأسَ بعضٍ، فمنعنيهما
وروى جابر أن النبي عليه السلام قال: - لما نزل عليه ﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ -: أعوذ بوجهك. فلما نزل ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾، قال: هاتان أيْسَرُ وأَهْوَنُ
قال الحسن قوله: ﴿أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾: هذا للمشركين ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾: هذا للمسلمين.
ثم قال: انظر يا محمد ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾، أي: يفقهون ما يقال لهم.
الأنعام 6:66
قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ الآية.
المعنى: وكذب يا محمد بما تقول وتخبر - من الوعد والوعيد - قومك، وهو الحق.
فالهاء ترجع إلى القرآن. وقيل: إلى "التصريف"، أي: وكذب بتصريف الآيات قومك. وقيل: ترجع على محمد، أي: وكذب بمحمد قومه، وهو الحق.
* *
ثم قال: ﴿قُل﴾ (يا محمد لهم) ﴿لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ ولا رقيب، إنما أنا رسول. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخ هذا آية السيف. ولا يَحسُن نَسْخُ هذا عند أهل النظر والمعاني، لأنه خبر.
* *
وقوله: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ أي: لكل خبر قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها فيعلم حقه وصدقه من كذبه، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ صحة ما أقول لكم، وهو ما أوعدهم به من العذاب، فظهر ذلك يوم بدر.
قال السدي: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾، قال: كذبت قريش بالقرآن، وهو الحق".
قال السدي: وأما ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب".
وكان الحسن يتأول ذلك أنها الفتنة التي كانت بين أصحاب محمد بعده.
وقال النحاس: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ هو تهديد إما بعذاب الآخرة، وإما بالأمر بالخوف، والمعنى: لكل خبر توعدون به وقتٌ يحدث فيه، وأجل ينتهي إليه فيكون ذلك، والنبأ: الخبر.
الأنعام 6:67
قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ الآية.
المعنى: وكذب يا محمد بما تقول وتخبر - من الوعد والوعيد - قومك، وهو الحق.
فالهاء ترجع إلى القرآن. وقيل: إلى "التصريف"، أي: وكذب بتصريف الآيات قومك. وقيل: ترجع على محمد، أي: وكذب بمحمد قومه، وهو الحق.
* *
ثم قال: ﴿قُل﴾ (يا محمد لهم) ﴿لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: بحفيظ ولا رقيب، إنما أنا رسول. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخ هذا آية السيف. ولا يَحسُن نَسْخُ هذا عند أهل النظر والمعاني، لأنه خبر.
* *
وقوله: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ أي: لكل خبر قرار يستقر عنده، ونهاية ينتهي إليها فيعلم حقه وصدقه من كذبه، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ صحة ما أقول لكم، وهو ما أوعدهم به من العذاب، فظهر ذلك يوم بدر.
قال السدي: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾، قال: كذبت قريش بالقرآن، وهو الحق".
قال السدي: وأما ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ فكان نبأ القرآن استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب".
وكان الحسن يتأول ذلك أنها الفتنة التي كانت بين أصحاب محمد بعده.
وقال النحاس: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ هو تهديد إما بعذاب الآخرة، وإما بالأمر بالخوف، والمعنى: لكل خبر توعدون به وقتٌ يحدث فيه، وأجل ينتهي إليه فيكون ذلك، والنبأ: الخبر.
الأنعام 6:68
قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا﴾ الآية.
المعنى: وإذا رأيت - يا محمد - المشركين الذين يخوضون في آيات الله، وخوضهم فيها: استهزاؤهم بها وتكذيبهم لها، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: فَصُدَّ عَنْهمُ بِوجهِك، وقُمْ عنهم حتى يخوضوا في حديث غير الاستهزاء بآيات الله.
(و) قوله: ﴿وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ﴾: أي: إن أنساك الشيطان نهي الله لك عن الجلوس معهم في حال استهزائهم، ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم ولا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين.
قال ابن جريج: كان المشركون يجلسون إلى النبي يستمعون منه، فإذا سمعوا استهزأوا، فنهي النبي ﷺ عن مجالستهم إذا استهزأوا (إلا أن ينسى)، فإن نَسِيَ ثم ذَكَرَ، أمرُ أن يقوم عند التّذكّر.
الأنعام 6:69
قوله: ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم﴾ الآية.
المعنى: أنه ليس على من اتقى الله من حساب هؤلاء الخائضين شيء، أي: ليس (عليه) من إثمهم شيء إذا اتقى ما هم فيه. وليس المعنى: ليس عليه شيء من إثمهم إذا جالسهم في حال خوضهم، (إنما المعنى: ليس (عليه) شيء إذا لم يجالسهم في حال خوضهم)، لأن الله قال: ﴿فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]: أي: حتى يخوضوا في غير الكفر والاستهزاء بآيات الله.
ومعنى: ﴿وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ﴾ أي: إذا ذكرت فقم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (أي) الخوض فيتركونه، هذا قول السدي.
وقيل: إن المعنى ليس على الذين يتقون من حسابهم (من) شيء إذا قعدوا إليهم، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ﴾ [النساء: ١٤٠] الآية، روي ذلك عن ابن عباس. ونَسْخُ مثلِ هذا لا يحسن، لأنه خبر.
قال الكلبي: قال أصحاب النبي: إنا كنا كلما استهزأ المشركون بكتاب الله، قمنا وتركناهم لم ندخل المسجد ولم نطف بالبيت، فرخص الله للمسلمين الجلوس معهم، وأُمروا أن يُذَكِّروهم ما استطاعوا.
و ﴿ذِكْرَىٰ﴾ في موضع نصب، على معنى: فأعرضوا عنهم ذكرى، وتكون في موضع رفع على معنى: لكن إعراضهم ذكرى لأمر الله.
الأنعام 6:70
قوله: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمْ﴾ الآية.
المعنى: أنه أمر من الله لنبيه أن يترك هؤلاء الذين هذه صفتهم، ثم نسخ ذلك بآية السيف.
(و) قوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: ذكر بالقرآن (كراهة) ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾: أي: تسلم (بعملها، غير قادرة على التخلص.
(وقال الزجاج): "والمُسْتَبْسِل: المُسْتَسْلِم الذي يعلم أنه لا يقدر على التخلص".
وقال الفراء: ترتهن. وقيل: تُحبس. وقيل: تفضح، (قاله) ابن عباس. وقيل: تُجزى، وهو قول الحسن، وبه قال الأخفش والكسائي.
وأصل الإبسال: التَّحريم، يقال "أَبْسَلْت المكان": حرَّمته.
فالمعنى: ذكِّر بالقرآن من قبل أن تُسلم نفس بذنوبها، ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ﴾ يخلصها.
فالهاء في (به) للقرآن. وقيل: على التذكر. وقيل: على الدين، أي: ذكر بدينك.
* *
ثم قال: ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ أي: تفد كل فداء لا يقبل منها، قال قتادة والسدي: لو جاءت بملء الأرض ذهباً ما قُبِل منها.
﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: ارتهنوا بذنوبهم وأسلموا لها، (لهم شراب من حميم) أي: في جهنم، ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بما اكتسبوا من الأوزار في الدنيا.
قال ابن عباس: ﴿أُبْسِلُواْ﴾: فضحوا. وقال ابن زيد: أُخذوا.
الأنعام 6:71
قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا﴾ الآية.
قرأ ابن مسعود (اسْتَهْواه الشَّيطان) وعن الحسن: (استهوته الشَّياطون بالواو، وهو لحن.
ومعنى الآية: قل يا محمد لهؤلاء العادلين، واحْتَجَّ عليهم، فقل: أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا، أي: أندعو خشباً وحجراً لا يقدر على نفع ولا ضر، ﴿وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا ٱللَّهُ﴾ أي: نرجع القهقري، إن فعلنا ذلك - والعرب تقول لكل من لم يظفر بحاجته: "قد رُدَّ على عقبيه" فيكون مثلنا كمثل الذي استهوته الشياطين، أي: زينت له هواه، (﴿حَيْرَانَ﴾ أي) في (حال) حيرته.
﴿لَهُ أَصْحَابٌ﴾: أي: لهذا الحيران - الذي على غير محجة - أصحاب يدعونه إلى الهدى: ائتنا. وهذا مثل ضربه الله لمن كفر بعد إيمانه فاتبع الشياطين من أهل الشرك بالله، وأصحابه - الذين كانوا معه على الهدى - يدعونه إلى الهدى الذي هم عليه، وهو يأبى ذلك.
وقيل: (هو) في أبي بكر (الصديق) رضي الله عنه وزوجته كانا يدعوان ابنهما عبد الرحمن إلى الإسلام.
* *
ومعنى ﴿ٱئْتِيَا﴾: أطعنا، والمعنى: أَنْ ائتنا.
قال السدي: قال المشركون للمسلمين: اتبعوا ديننا واتركوا دين محمد، فقال الله: ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية، فمثلكم - إن كفرتم بعد الايمان - كمثل رجل كان مع قوم على طريق، فَضَلَّ الطريق، فحيرته الشياطين واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق يدعونه إليهم، يقولون: "ائتنا، فإنا على الطريق"، فأبى أن يأتيهم، والطريق هو الإسلام.
وروي عن ابن عباس أن المعنى: أنه مثل لرجل أطاع الشياطين، وحَادَ عن الحق وله أصحاب على غير هدى يدعونه ويزعمون أن ذلك هو الهدى، فأكذبهم الله وقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ﴾، وقل: أُمِرنا كي نسلم لرب العالمين، أي: نخضع له ونطيعه.
﴿حَيْرَانَ﴾: تمام عند جميعهم. وقال نصير: ﴿فِي ٱلأَرْضِ﴾ التمام، ورُدَّ ذلك عليه، لأن (حَيْرَان) منصوب على الحال.
الأنعام 6:72
قوله: ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ ٱلصَّلاةَ وَٱتَّقُوهُ﴾ الآية.
﴿أَنْ﴾ في موضع خفض، عطف على ﴿ٱلْهُدَى﴾ [الأنعام: ٧١]. أو عطف على (أَنْ) الناصبة للفعل في (نُسْلِم). ويجوز أن تكون في موضع نصب، على حذف الخافض، (و) المعنى: وبأن أقيموا. ويجوز أن تكون في موضع خفض على إضمار ذلك الخافض، والمعنى: وأمرنا بأن أقيموا الصلاة.
﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ أي: واتقوا رب العالمين الذي إليه تحشرون في الآخرة.
﴿وَٱتَّقُوهُ﴾ تمام.
الأنعام 6:73
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ الآية.
المعنى: والله - الذي أمرتم أن تسلموا له - هو الذي خلق السماوات والأرض بالحق، وهو رب العالمين.
* *
ومعنى ﴿بِٱلْحَقِّ﴾: أي: حقاً وصواباً، لا باطلاً. وقيل: المعنى: خلق السماوات والأرض بكلامه وقوله لهما: ﴿ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً﴾ [فصلت: ١١]، فالحق هنا: كلامه ودليله.
(قوله): ﴿قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ﴾ الآية.
(فـ (الحق)): كلامه، خلق به (الأشياء المخلوقة)، وما خلق به الأشياء فهو غير مخلوق.
وقيل: المعنى: خلقهن (للحق)، يعني المعاد.
و ﴿قَوْلُهُ﴾ مرفوع (بـ (يكون))، و (الحق): نعته. وقيل: المعنى: فيكون ما أراد. و ﴿قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ﴾: ابتداء وخبر.
وقال الفراء: المعنى: ويوم يقول للصور: كن، فيكون، و (قولُه): ابتداء و (الحق) خبره.
و ﴿ٱلصُّورِ﴾ عند أبي عبيد: جمع صورة. وقيل: هو القرن الذي ينفخ فيه.
* *
وقوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ﴾ بدل من ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾. وقيل: العامل فيه: ﴿ٱلْحَقُّ﴾. وقيل: العامل فيه ﴿وَلَهُ ٱلْمُلْكُ﴾، لأنه يوم لا منازع له في الملك، فلذلك خصه بالذكر، وأن كان هو المالك في كل الأحيان، وهو مثل: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤].
* *
﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾: رفع على النعت لـ ﴿ٱلَّذِي﴾ في قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾. وقيل: ﴿وَهُوَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ. وقيل: هو رفع بالمعنى، والتقدير: ينفخ فيه عالم ﴿ٱلْغَيْبِ﴾.
والنفخ في الصور نفختان: واحدة لفناء من كان حياً على الأرض، والثانية لنشر كل ميت، وبذلك أتى القرآن.
وقد تظاهرت الأخبار عن النبي ﷺ: "أن إسرافيل قد الْتَقَم الصور (وحَنَى) جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ، وأنه قال: الصور قرن ينفخ فيه
قال قتادة: ينفخ فيه من الصخرة من بيت المقدس.
والصور قرن فيه أرواح الخلق فينفخ فيه، فيذهب كل روح إلى جسده فيدخل فيه.
وروي عن ابن عباس: "أن عالم الغيب والشهادة هو الذي ينفخ في الصور" وتكون الآية بمنزلة قول الشاعر:
؎ ليبك يزيد ضارع لخصومه
ومعنى ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾ أي: يعلم ما يغيب عنكم، ﴿وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ أي: يعلم أيضاً ما تشاهدون، ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، ﴿ٱلْخَبِيرُ﴾ بأعمالكم.
* *
وقوله: ﴿بِٱلْحَقِّ﴾: وَقْف إن نصبت ﴿وَ﴾ يوم على معنى: واذكر، و ﴿كُن﴾: تمام، (و) ﴿فَيَكُونُ﴾ تمام إن رفعت ﴿قَوْلُهُ﴾ بالابتداء، وجعلت ﴿فَيَكُونُ﴾ للصور، أو على معنى: فيكون ما أراد، و ﴿قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ﴾: تمام حسن إن جعلت ﴿يَوْمَ يُنفَخُ﴾ نصب بقوله: ﴿وَلَهُ ٱلْمُلْكُ﴾. (ويقف على ﴿وَلَهُ ٱلْمُلْكُ﴾) إن نصبت ﴿يَوْمَ يُنفَخُ﴾، بمعنى: واذكر. و ﴿فِي ٱلصُّورِ﴾ وقفٌ إن جعلت ﴿عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾ على معنى ﴿هُوَ﴾ فإن جعلته نعتاً لـ ﴿ٱلَّذِي﴾ - أو على إضمار فعلٍ يدل عليه ﴿يُنفَخُ﴾ -، لم تقف على ﴿ٱلصُّورِ﴾.
وقد قرأ الحسن ﴿عَٰلِمُ﴾ بالخفض على البدل من الهاء في قوله ﴿وَلَهُ﴾.
الأنعام 6:74
قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ﴾ الآية.
ألف ﴿أَتَتَّخِذ﴾ ألف تقرير وتوبيخ، لأنه كان قد علم أنه يتخذها.
والمعنى: واذكر يا محمد - في محاجتك قومك في أصنامهم - حجاجَ إبراهيمَ قومَه في باطل ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، إذ قال لابيه آزر.
وآزر: اسم أبي إبراهيم في قول السدي والحسن وغيرهما، وكان رجلاً من أهل كوثي من قرية بسواد الكوفة، وهو آزر (و "تارح")، كما يقال: "إسرائيل" و "يعقوب".
وقال مجاهد: آزر ليس بأبي إبراهيم، إنما هو اسم صنم.
وقيل: آزر صفة، وهو "المُعْوَج" في كلامهم، كأن إبراهيم عابه بزيغه واعوجاجه، كأنه قال لأبيه ذلك، وهي أشد كلمة قالها إبراهيم لأبيه، ذكر ذلك الفراء وغيره. والضم على النداء يحسن على هذا المعنى.
وحكي الزجاج (أن آزر) صفة، معناه: المخطئ، فيحسن أن يكون صفة للأب، كأنه: "قال لأبيه المخطئ".
ويحسن أن يكون نداء فيضم على معنى: (يا مخطئ في دينه. وبذلك قرأ يعقوب الحضرمي، والحسن قبله. "وقال الضحاك: معنى آزر: شيخ".
وذكر أبو حاتم عن ابن عباس: (أ إزرا تتخذ) بهمزتين: مفتوحة ومكسورة، من غير ألف في (تتخذ)، نصبه (بـ (تتخذ)، جعله مفعولاً من أجله، يكون مأخوذاً من الأزر الذي هو الظهر.
ويجوز أن يكون أصله: "أَوْزْراً"، ثم أبدل من الواو المكسورة همزة "كإشاح".
وروى غير أبي حاتم بهمزتين مفتوحتين. وقرأ الحسن (آزرُ) بالرفع على النداء، وهي قراءة يعقوب. وقد قيل: إن رفعه على إضمار مبتدأ. وفي قراءة أُبَي (يا آزرُ).
(و) من جعله اسماً للصّنم: فهو بعيد، لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل (فيه ما) بعده، وفتحه على النعت للأب، أو على البدل، وموضعه خفض.
﴿إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ بعبادتكم الأصنام، أي: يتبين لمن أبصرَهُ (الله) أنه جسور وحيرة عن سبيل الحق.
قوله ﴿لأَبِيهِ﴾ وقف على قراءة من رفع (آزرُ)، أو قرأه بهمزتين. وتقف على (آزر) في قراءة من جعله بدلاً أو صفة.
الأنعام 6:75
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ الآية.
الواو والتاء زيدتا في ملكوت للمبالغة في "الملك" وقرأ أبو السَّمَّأل: (مَلكُوت) بإسكان اللام، وهو بعيد عند سيبوبه لخفة الفتحة.
والمعنى: ومثل ما أريناك يا محمد البصيرة في دينك، والحجة على قومك، أرينا إبراهيم ملك السماوات والأرض، ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك.
وقيل: ملكوت - هنا - بمعنى ملك. وقيل: بمعنى خَلْق. وهو بكلام النبط "مَلْكوتاً". وقيل: ملكوت: معناه آيات.
(وقال السدي): أقيم إبراهيم على صخرة وفتحت له السماوات، فنظر فيهن إلى ملك الله، ونظر إلى مكانه في الجنة، وفتحت له الأرضون حتى نظر إلى أسفل الأرض، قال: فذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي ٱلدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٢٧]، أي: أَرَيْنَاهُ مكانهُ في الجنة، وقيل: أجره في الدنيا: الثناء الحسن بعده.
قال عطاء: لما رفع الله إبراهيم في ملكوت (السماوات) والأرض - تعالى الله وجل وعز -، رأى إبراهيم عبداً يزني، فدعا عليه فهلك، ثم رُفِع فأشرف، فرأى آخر، فدعا عليه فهلك. ثم رأى (آخر) فدعا عليه فنودي: على رِِسْلِك يا إبراهيم، فإنك عبد مستجاب له، وإني من عبدي على (أحد) ثلاث: إما أن يتوب إلي فأتوب عليه، وإما أن أُخْرِجَ منه ذرية طيبة، وإما أن يتمادى فيما هو فيه، فأنا من ورائه.
وقال الضحاك: (معنى ما) أراه الله من ملك السماوات والأرض: ما أراه من النجوم والشمس والقمر والشجر والجبال والبحار.
قال ابن عباس: فُرَّ بإبراهيم من جبار من الجبابرة، فجعل في سرب، وجعل رزقه في أطراف أصابعه، فكان لا يمص أصبعاً من أصابعه إلا جعل الله عز وجل فيها رزقاً. فلما خرج من ذلك السرب، أراه الله شمساً وقمراً ونجوماً وسحاباً وخلقاً عظيماً: فذلك ملكوت السماوات، وأراه الله بحوراً وجبالاً وشجراً وأنهاراً وخلقاً عظيماً: فذلك ملكوت الأرض.
الأنعام 6:76
قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ الآية.
المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جنَّ عليه الليل (و) (جنَّه)، وأجنَّ عليه، وأجنَّه).
* *
﴿رَأَى كَوْكَباً﴾: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو المشتري. قال ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾، وكذلك فعل بالقمر والشمس، فلما غابا ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاماً يولد في قريتك هذه، يقال له "إبراهيم"، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها لِما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاماً في ذلك الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلاًَ إلى مغارة، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حياً يمص أصابعه جعل الله له رزقاً فيها. وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاماً فمات. فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: "إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله "غيره". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكباً، ﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّي﴾، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾ أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره وأخبرته (أمه به) فَسُرَّ (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: "من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟" فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوَّب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود.
وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئاً من ذلك حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) (جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر والشمس أضوأُ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فَتَركُ عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلاً بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم.
قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا يجادلونه، فأراهم من خلق الله تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: "هذا ربي"، لو كان رباً يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون. فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوباً.
وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان.
وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها نحو "أم" ونحوها.
وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: ﴿وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وبقوله: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧، القصص: ٦٢، ٧٤، فصلت: ٤٧] المعنى: أين شركائي على قولكم). ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: "هذا ربي"، ثم حذف القول، كما قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أي: يقولون: سلام (عليكم).
* *
ومعنى ﴿بَازِغاً﴾: طالعاً، وهو نصب على الحال. وكذلك ﴿بَازِغَةً﴾. وذكر ﴿ٱلشَّمْسَ﴾ في قوله: ﴿هَـٰذَا رَبِّي﴾، على معنى: "هذا البازغ ربي"، أو "هذا الشيء ربي"، أو "هذه النور ربي"، أو "هذا الطالع ربي".
الأنعام 6:77
قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ الآية.
المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جنَّ عليه الليل (و) (جنَّه)، وأجنَّ عليه، وأجنَّه).
* *
﴿رَأَى كَوْكَباً﴾: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو المشتري. قال ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾، وكذلك فعل بالقمر والشمس، فلما غابا ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاماً يولد في قريتك هذه، يقال له "إبراهيم"، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها لِما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاماً في ذلك الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلاًَ إلى مغارة، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حياً يمص أصابعه جعل الله له رزقاً فيها. وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاماً فمات. فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: "إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله "غيره". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكباً، ﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّي﴾، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾ أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره وأخبرته (أمه به) فَسُرَّ (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: "من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟" فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوَّب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود.
وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئاً من ذلك حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) (جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر والشمس أضوأُ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فَتَركُ عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلاً بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم.
قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا يجادلونه، فأراهم من خلق الله تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: "هذا ربي"، لو كان رباً يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون. فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوباً.
وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان.
وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها نحو "أم" ونحوها.
وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: ﴿وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وبقوله: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧، القصص: ٦٢، ٧٤، فصلت: ٤٧] المعنى: أين شركائي على قولكم). ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: "هذا ربي"، ثم حذف القول، كما قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أي: يقولون: سلام (عليكم).
* *
ومعنى ﴿بَازِغاً﴾: طالعاً، وهو نصب على الحال. وكذلك ﴿بَازِغَةً﴾. وذكر ﴿ٱلشَّمْسَ﴾ في قوله: ﴿هَـٰذَا رَبِّي﴾، على معنى: "هذا البازغ ربي"، أو "هذا الشيء ربي"، أو "هذه النور ربي"، أو "هذا الطالع ربي".
الأنعام 6:78
قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً﴾ الآية.
المعنى: فلما ستر إبراهيم الليل بظلمته، - (يقال: جنَّ عليه الليل (و) (جنَّه)، وأجنَّ عليه، وأجنَّه).
* *
﴿رَأَى كَوْكَباً﴾: أي: أبصر. والكوكب: الزهرة. وقال السدي: وهو المشتري. قال ابن عباس: عبد الكوكب حتى غاب، فلما غاب، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾، وكذلك فعل بالقمر والشمس، فلما غابا ﴿يٰقَوْمِ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾.
وكان بين نوح وإبراهيم: هود وصالح، وكان النمرود في زمن إبراهيم، وكان من خبر إبراهيم مع النمرود: (أن النمرود) - قبل مولد إبراهيم - أتاه أهل النجوم يخبرونه أنه يجدون في علمهم: أن غلاماً يولد في قريتك هذه، يقال له "إبراهيم"، يفارق دينكم ويكسر أوثانكم، في وقت كذا يولد. فلما كان ذلك الوقت، حبس نمرود كل امرأة حبلى عنده إلا أم إبراهيم، فإنه لم يعلم بحبلها لِما أراد الله من أمره، فجعل نمرود لا تلد امرأة (غلاماً في ذلك الوقت) إلا ذبحه، فلما وجدت أم إبراهيم الطلق، خرجت ليلاًَ إلى مغارة، فولدت فيها إبراهيم، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فنجده حياً يمص أصابعه جعل الله له رزقاً فيها. وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة، وكانت أمه قالت: (لآزر أبيه): قد ولدت غلاماً فمات. فصدقها فلما بلغ إبراهيم في المغارة خمس عشرة، قال لأمه: أخرجيني أنظر. فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: "إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني لَرَبّي، ما لي إله "غيره". ثم نظر إلى السماء فرأى كوكباً، ﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّي﴾، ثم اتبعه ينظر إليه (ببصره) حتى غاب، (فلما غاب)، ﴿قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ﴾ أي: الغائبين، ثم فعل ذلك بالقمر، ثم بالشمس. ثم أتى إبراهيم أباه آزره وأخبرته (أمه به) فَسُرَّ (به)، وكان آزر يصنع أصنام قومه التي يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها، فيذهب بها إبراهيم قبل مبايعته لهم فيقول: "من يشتري ما يضره ولا ينفعه؟" فلا يشتريها منه أحد. فإذا بارت عليه مضى بها إبراهيم إلى نهر، فصوَّب (فيه) رؤوسها وقال: (اشربي)، استهزاء بقومه، حتى فشا عيبه إياها واستهزاؤه (بها) في قومه من غير أن يبلغ ذلك نمرود.
وقد أنكر قوم من العلماء أن يكون إبراهيم عليه السلام عبد شيئاً من ذلك حقيقة، إنما فعل ذلك على وجه التعريض والإنكار لقومه وفعلهم، (لا أنه) (جهل) معبوده حتى عبد الكوكب والقمر والشمس، وكأنه أراهم أن الكوكب والقمر والشمس أضوأُ من الأصنام وأحسن، وهي لا تعبد، لأنها آفلة، فَتَركُ عبادة الاصنام التي لا ضوء لها ولا حسن ولا بهجة آكد، فكأنه عارض باطلاً بباطل على طريق التبكيت لهم، و (القطع) لحجتهم.
قال إبراهيم بن عرفة: كان قوم إبراهيم يعبدون الأصنام والحجارة، وكانوا يجادلونه، فأراهم من خلق الله تعالى ما هو أعظم مما يعبدون، فقال: "هذا ربي"، لو كان رباً يعبد من دون الله، لأن هذا أعظم وأعلى مما تعبدون. فلما أفل، قال: لا أحب الآفلين، فأراهم أن الكوكب يغيب إذا غلب عليه ضوء النهار، والمعبود لا يكون مغلوباً.
وقيل: بل كان ذلك منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجة عليه ولزوم الفرض له، وتلك حال لا يلزم فيها كفر ولا إيمان.
وقيل: معنى الكلام الإستفهام الذي في معنى الإنكار، والمعنى: أهذا ربي؟، قاله قطرب وغيره، وهو قول ضعيف، لأن الألف إنما تحذف إذا كان في الكلام ما يدل عليها نحو "أم" ونحوها.
وقال أبو إسحاق: لم يقل ذلك (على اعتقاد) منه بدلالة قوله: ﴿وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، وبقوله: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، أي: سليم من الشرك. وأنما المعنى: هذا ربي على قولكم: (لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر، ومثله قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ﴾ [النحل: ٢٧، القصص: ٦٢، ٧٤، فصلت: ٤٧] المعنى: أين شركائي على قولكم). ويجوز أن يكون المعنى: (قال): هذا ربي) أي: قال: تقولون: "هذا ربي"، ثم حذف القول، كما قال: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] أي: يقولون: سلام (عليكم).
* *
ومعنى ﴿بَازِغاً﴾: طالعاً، وهو نصب على الحال. وكذلك ﴿بَازِغَةً﴾. وذكر ﴿ٱلشَّمْسَ﴾ في قوله: ﴿هَـٰذَا رَبِّي﴾، على معنى: "هذا البازغ ربي"، أو "هذا الشيء ربي"، أو "هذه النور ربي"، أو "هذا الطالع ربي".
الأنعام 6:79
قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ (لِلَّذِي)﴾ الآية.
هذا خبر عما قال إبراهيم بعد أن أوقفهم على نقص الكوكب والشمس والقمر في الأفول، فقال الحق ولم يبال بخلافهم، ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: قصدت في عبادتي: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ (أي خلق) السماوات والأرض ﴿حَنِيفاً﴾ أي: مائلا إلى ربي، وما أنا مشرك مثلكم.
الأنعام 6:80
قوله: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ (قَالَ أَتُحَٰجُّوۤنِّي فِي ٱللَّهِ)﴾ الآية.
المعنى: وجادل إبراهيم قَومُه في الله، فقال لهم إبراهيم عليه السلام: أتحاجوني في توحيد الله وقد هداني للإيمان به، وإخلاص العمل له، ولست أخاف ما تشركون به أن ينالني بسوء ومكروه.
والهاء للضم، (وهو (ما)). وقيل: الهاء لله جل ذكره، يعني أصنامهم، وذلك أنهم قالوا له: إنَّا نخاف أن تمسك آلهتنا بسوء: من مرض أو خَبْلٍ لِسَبِّك لها. ثم قال لهم: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيْئاً﴾ أي: إن أراد أن يصيبني بسوء "أو خير"، فهو لاحقي لا شك.
ووجه حذف النون من ﴿أَتُحَٰجُّوۤنِّي﴾ أنه استثقل التشديد فحذفت النون الزائدة [لا] التي للإعراب، قال سيبويه: حذفت لكراهة التضعيف.
وقال (أبو) عبيدة: حذفت كراهة الجمع بين ساكنين.
وقد أنكر أبو عمرو الحذف وقال: هو لحن، لأنه تأول أن المحذوف النون التي للإعراب. والمحذوف عند سيبويه والخليل النون الزائدة.
* *
قوله: ﴿وَسِعَ [رَبِّي] كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أي: [وسع] علم ربي كل شيء، فلا يخفى عليه شيء، وليس كآلهتكم التي لا تنفع ولا تضر، ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تعقلون أنها لا تنفع ولا تضر.
الأنعام 6:81
قوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ الآية.
هذا جواب إبراهيم لقومه حين خوفوه بآلهتهم، فقال: ﴿وَكَيْفَ [أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ]﴾ أي: كيف أرهب أصنامكم التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم لا تخافون إذا أشركتم بمن خلقكم ورزقكم، وهو قادر على ضركم ونفعكم، أشركتم به ما ليس معكم في عبادته حجة ولا برهان ، ﴿فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ﴾ من العذاب؟:
مَن آمن برب واحد يضر ويَنْفَعَ، أو مَن آمن بأرباب كثيرة لا تضر ولا تنفع، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ صدق ما أقول لكم.
الأنعام 6:82
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية.
يجوز أن يكون من قول إبراهيم، ويجوز أن يكون مستأنفاً من قول الله، فصل "الله" بين إبراهيم وقومه، فأخبر لمن الأمن.
والحجة التي أوتي إبراهيم هو قوله: ﴿فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]. ومعنى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوه بشرك، ولما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي، فقال لهم النبي: ليس الأمر كما تظنون، لهو كما قال لقمان: ﴿إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
الأنعام 6:83
قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ (عَلَىٰ قَوْمِهِ)﴾ الآية.
﴿تِلْكَ﴾: إشارة قول إبراهيم لقومه: ﴿فَأَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١].
وقيل: إنهم قالوا "له": إنّا نخاف أن تُخَبِّلك آلهتنا لسبك لها، فقال لهم: أفلا تخافون أنتم منها - إذ سوَّيتم بين الصغير والكبير منها، والذكر والانثى - أن تخبلكم، ثم قال لهم: أمن يعبد إلهاً واحداً يضر وينفع أحقُّ بالأمن، "أم" من يعبد آلهة كثيرة لا تضر ولا تنفع؟، فهذه حجته التي آتاه الله على قومه ولقنه إياها.
وفي الكلام حذف والمعنى: وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه، فرفعنا درجته عليهم: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾، وهذا كله تنبيه لمحمد في الحجة على أمته، وتنبيه له على التأسي بمن قبله من الأنبياء. ﴿عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾: وقف حسن.
الأنعام 6:84
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ عطف على "كل"، أي: وهدينا داوود. وقيل: هو عطف ﴿إِسْحَاقَ﴾ أي: وهبنا له داوود. وقيل: هو عطف على ﴿وَنُوحاً﴾. والهاء في ﴿[ذُرِّيَّتِهِ]﴾: تعود على (إبراهيم).
وقيل: على "نوح"، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف ﴿لُوطاً﴾، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده.
﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾: وقف حسن، ﴿وَإِلْيَاسَ﴾: أيضاً وقف عند أبي حاتم، ولا يحسن عند غيره، لأن بعده ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف عليه.
واختلف "الناس" في ﴿إِلْيَاسَ﴾: فقيل: "هو" من ذرية هارون أخي موسى، بينهما ثلاثة آباء. وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس.
وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء. فمحال أن يُنْسَب إلى نوح وهو جده الأعلى، والذي عليه "أهل" الأنساب: أن إلياس غير إدريس.
و ﴿ٱلْيَسَعَ﴾: اسم أعجمي، جرى على غير قياس. وقد قال أبو عمرو: إنما هو "يَسَعُ" ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلاً لم يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على "يزيد" إذ هو اسم، فقالوا: "اليزيد"، كما قالوا: "الوليد"، وأنشد الفراء:
؎ وَجَدْنا الوْليدَ بْنَ الْيَزيد. (مُبارَكاً،
ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا تجوز، كما لا يجوز "اليحيى")، وهذا لا يلزم، لأنا لو نكّرنا "يحيى" لأدخلنا عليه الالف واللام، والعرب تقول: "اليعملة".
ومن قرأ (الَّليْسَع) فأصله "ليسع"، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. وأنكر "أبو" حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) "ليسع". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: "ضيغم" و "زينب".
واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد تواترت الأخبار بهذا الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يُحفظ عن أحد من أهل العلم أنَّ اسمه "ليسع"، (إنما قالوا: اسمه "اليسع").
قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبّأه]. بعد موسى في بني إسرائيل، وسماه "اليسع" بلسان العرب.
قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل "وإسحاق" وعيسى ومحمد.
الأنعام 6:85
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ عطف على "كل"، أي: وهدينا داوود. وقيل: هو عطف ﴿إِسْحَاقَ﴾ أي: وهبنا له داوود. وقيل: هو عطف على ﴿وَنُوحاً﴾. والهاء في ﴿[ذُرِّيَّتِهِ]﴾: تعود على (إبراهيم).
وقيل: على "نوح"، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف ﴿لُوطاً﴾، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده.
﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾: وقف حسن، ﴿وَإِلْيَاسَ﴾: أيضاً وقف عند أبي حاتم، ولا يحسن عند غيره، لأن بعده ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف عليه.
واختلف "الناس" في ﴿إِلْيَاسَ﴾: فقيل: "هو" من ذرية هارون أخي موسى، بينهما ثلاثة آباء. وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس.
وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء. فمحال أن يُنْسَب إلى نوح وهو جده الأعلى، والذي عليه "أهل" الأنساب: أن إلياس غير إدريس.
و ﴿ٱلْيَسَعَ﴾: اسم أعجمي، جرى على غير قياس. وقد قال أبو عمرو: إنما هو "يَسَعُ" ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلاً لم يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على "يزيد" إذ هو اسم، فقالوا: "اليزيد"، كما قالوا: "الوليد"، وأنشد الفراء:
؎ وَجَدْنا الوْليدَ بْنَ الْيَزيد. (مُبارَكاً،
ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا تجوز، كما لا يجوز "اليحيى")، وهذا لا يلزم، لأنا لو نكّرنا "يحيى" لأدخلنا عليه الالف واللام، والعرب تقول: "اليعملة".
ومن قرأ (الَّليْسَع) فأصله "ليسع"، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. وأنكر "أبو" حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) "ليسع". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: "ضيغم" و "زينب".
واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد تواترت الأخبار بهذا الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يُحفظ عن أحد من أهل العلم أنَّ اسمه "ليسع"، (إنما قالوا: اسمه "اليسع").
قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبّأه]. بعد موسى في بني إسرائيل، وسماه "اليسع" بلسان العرب.
قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل "وإسحاق" وعيسى ومحمد.
الأنعام 6:86
قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ عطف على "كل"، أي: وهدينا داوود. وقيل: هو عطف ﴿إِسْحَاقَ﴾ أي: وهبنا له داوود. وقيل: هو عطف على ﴿وَنُوحاً﴾. والهاء في ﴿[ذُرِّيَّتِهِ]﴾: تعود على (إبراهيم).
وقيل: على "نوح"، وهو قول الطبري، قال: لأن في سياق الكلام المعطوف ﴿لُوطاً﴾، ولوط لم يكن من ذرية إبراهيم، إنما هو من ذرية نوح، فالمعنى: وهدينا نوحاً من قبل إبراهيم، وهدينا من ذرية نوح داود ومن بعده.
﴿كُلاًّ هَدَيْنَا﴾: وقف حسن، ﴿وَإِلْيَاسَ﴾: أيضاً وقف عند أبي حاتم، ولا يحسن عند غيره، لأن بعده ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف عليه.
واختلف "الناس" في ﴿إِلْيَاسَ﴾: فقيل: "هو" من ذرية هارون أخي موسى، بينهما ثلاثة آباء. وقال ابن مسعود: إلياس هو إدريس.
وإدريس جد نوح، بينهما أربعة آباء. فمحال أن يُنْسَب إلى نوح وهو جده الأعلى، والذي عليه "أهل" الأنساب: أن إلياس غير إدريس.
و ﴿ٱلْيَسَعَ﴾: اسم أعجمي، جرى على غير قياس. وقد قال أبو عمرو: إنما هو "يَسَعُ" ثم أدخلت الألف واللام عليه، وليس بفعل، ولو كان فعلاً لم يجز إدخال الألف واللام عليه، (ألا ترى) أنهم أدخلوها على "يزيد" إذ هو اسم، فقالوا: "اليزيد"، كما قالوا: "الوليد"، وأنشد الفراء:
؎ وَجَدْنا الوْليدَ بْنَ الْيَزيد. (مُبارَكاً،
ورد الكسائي هذه القراءة، وقال: لا تجوز، كما لا يجوز "اليحيى")، وهذا لا يلزم، لأنا لو نكّرنا "يحيى" لأدخلنا عليه الالف واللام، والعرب تقول: "اليعملة".
ومن قرأ (الَّليْسَع) فأصله "ليسع"، مثل: ضيغم وزينب، ثم دخلت الألف واللام للتعريف. وأنكر "أبو" حاتم هذه القراءة، وقال: (لا يوجد) "ليسع". وهذا لا يلزم، لأنه مثل: "ضيغم" و "زينب".
واختار الطبري أن يكون بلام واحدة، لأنه أعجمي، وقد تواترت الأخبار بهذا الاسم بهذا اللفظ، وقال: ولم يُحفظ عن أحد من أهل العلم أنَّ اسمه "ليسع"، (إنما قالوا: اسمه "اليسع").
قال زيد بن أسلم: كان يوشع بن نون خليفة موسى في قومه، وكان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم، فشكر الله له ذلك، و [نبّأه]. بعد موسى في بني إسرائيل، وسماه "اليسع" بلسان العرب.
قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل - وهو يعقوب - إلا عشرة: نوح وهود ولوط وصالح وشعيب وإبراهيم وإسماعيل "وإسحاق" وعيسى ومحمد.
الأنعام 6:87
قوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ الآية.
المعنى: وهدينا من آباء هؤلاء المذكورين، ومن ذرياتهم، ومن إخوانهم)، أي: بعض ذلك، ﴿وَٱجْتَبَيْنَاهُمْ﴾ أي: أَخْلَصْنَاهم، ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: سدّدناهم وأرشدناهم الى طريق الحق، وهو الإسلام. وهو مشتق من "جَبَيْتُ الماءَ في الحوض: إذا جمعته".
الأنعام 6:88
قوله: ﴿ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ﴾ الآية.
أي ذلك الهدى الذي هُدِي به هؤلاء ﴿ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: أي: يوفق به من يشاء، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُواْ﴾ أي: "لو" أشرك هؤلاء الأنبياء لذهب عنهم جزاء أعمالهم، لأن الله لا يقبل مع الشرك عملاً.
الأنعام 6:89
قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ الآية.
المعنى: أولئك الذين سميناهم من الأنبياء هم الذين أعطوا الكتاب، يعني صحف إبراهيم وموسى، وزبور داوود، وإنجيل عيسى، ﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ يعني: الفهم بالكتاب.
قال مجاهد: ﴿ٱلْحُكْمَ﴾: اللب.
* *
وقوله: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰؤُلاۤءِ﴾ أي: بالآيات التي أنزلت عليك يا محمد، يريد القرآن، (هؤلاء) "أي" مَن بحضرتك من المشركين. وقيل: الاشارة الى قريش، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ يعني الأنصار:
قال قتادة: ﴿هَـٰؤُلاۤءِ﴾: إشارة إلى أهل مكة، والقوم الذين ليسوا بالآيات بكافرين: أهل المدينة، وكذلك قال الضحاك والسدي، وروي عن ابن عباس ذلك.
وقال: (أبو رجاء): ﴿قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ﴾: الملائكة.
وعن قتادة قال: هم الأنبياء المذكورون، فهم ثمانية عشر. وأكثرهم قال: الإشارة في هؤلاء لكفار قريش.
الأنعام 6:90
قوله تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ الآية.
المعنى: أن ﴿أُوْلَـٰئِكَ﴾ إشارة الى من تقدم ذكره من النبيين، فأمر النبي ﷺ أن يقتدي بهداهم، ويسلك طريقهم، والاقتداء: الاتباع. والمراد: اتّباعهم على ما كانوا عليه من الإسلام والتوحيد، لا ما كانوا عليه من الشرائع، لأن شرائعهم كانت مختلفة، وغير جائز أن يؤمر النبي باتباع "شرائع" مختلفة، ولا يمكن ذلك، لأن ما حرم "عليهم" في شريعة نبي، أُحِلَّ في شريعة نبي آخر، فكيف يَقْدِر النبي ﷺ على اتباع ذلك؟، والعمل بالشيء وضده - في حال هذا - لا يمكن ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: ٤٨] فهذا هو الصحيح، ليست الآية في الاقتداء بشرائعهم لاختلافها، إنما الآية في الاقتداء بهم فيما لم يختلفوا فيه، وهو التوحيد ودين الإسلام. وأما الشرائع فقد اختلفوا فيها بأمر الله "لهم" بذلك وفَرضِه على كل واحد ما شاء.
وأكثر النحويين "على" تلحين" من كسر الهاء من ﴿ٱقْتَدِهْ﴾ وهي قراءة ابن عامر، إلا ما قال أحمد بن محمد بن عرفة: إنه يجوز أن تكسر على التشبيه بهاء الإضمار، كما جاز إسكان هاء الإضمار على التشبيه بهاء السكت.
وقال بعض النحويين: من كسر الهاء، يجوز أن تكون الهاء لغير السكت، وأن تكون للمصدر، كأنه: "فبهداهم (اقتد الاقتداء)"، "قال": ويجوز أن تكون كناية عن الهدى، والمعنى: فبهداهم اقتد "هداهم"، على التكرير للتأكيد.
والوقف على هذه الهاء أسلم، وهو الاختيار عند أكثر النحويين، لأنه تمام، ولأنه إنما جيء بها للوقف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين: لا أسألكم على تذكيري إياكم أجراً "ولا" عوضاً، إن القرآن الذي جئتكم به ﴿إِلاَّ ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ﴾.
الأنعام 6:91
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
المعنى: وما عظموا الله حق عظمته ﴿إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾.
وقيل: المعنى: وما عرفوه حق معرفته.
والذي قال ذلك هو رجل من اليهود، جاء يخاصم النبي، فقال له النبي: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟، وكان الرجل حبراً سميناً، فغضب اليهودي وقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء!، فقال له: أصحابه: ويحك، ولا على موسى؟. فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء!، فأنزل الله: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية
وقال محمد بن كعب القرظي: جاء ناس من اليهود إلى النبي فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى ألواحاً يحملها من عند الله؟، فأنزل الله ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [النساء: ١٥٣] الآية، ثم ﴿قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾، فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية، ثم قال الله لنبيه محتجا عليهم: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ "نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ"﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾.
وقيل: إن هذا خبر عن مشركي العرب أنكروا أن يكون الله أنزل على أحد كتاباً.
* *
وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ هم يهود أخفوا من التوراة ما أرادوا، وأبدوا ما أرادوا.
واختيار الطبري أن يكون ذلك خطاباً لقريش، لأنه في سياق الحديث عنهم، ولأن اليهود لم يَجْرِ لهم ذكر.
قال مجاهد: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَىٰ نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ هو خطاب لمشركي العرب، ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ إخبار عن اليهود، ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ للمسلمين.
فمن قرأ بالياء في (يجعلونه) و (يبدون) و (يخفون)، رَدَّهُ على الناس. ومن قرأ بالتاء، فعلى المخاطبة لليهود، والمعنى: علمتم علماً فلم يكن لكم علم لتضييعكم إياه، ولا لآبائكم لتضييعهم إياه، لأن من عَلِمَ شيئاً وضيّعه، فليس له علم.
ويجوز أن يكون المعنى: وعلمتم علماً لم تكونوا تعلمونه أنتم ولا آباؤكم، على الامتنان عليهم بإنزال التوراة عليهم، والأول: قول أهل التفسير.
﴿وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ وقف على قراءة من قرأ بالياء في ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ وما بعده، ﴿وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ﴾ تمام عند نافع، ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ التمام عند الفراء، لأن المعنى عنده: قل الله عَلَّمَكُم.
وقيل: المعنى: قل يا محمد: الله أنزله، ولا جواب لقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ﴾.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ﴾ أي: دعهم في باطلهم، وهذا تهديد من الله لهم.
الأنعام 6:92
قوله: ﴿وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية.
المعنى: وهذا القرآن - يا محمد - كتاب، - ومعنى الكتاب هنا -: مكتوب - أنزلناه إليك مباركاً، ﴿مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: يصدق ما قبله من كتب الله التي أنزلها على أنبيائه، ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ﴾ أي: لتنذر عذاب الله وبأسه أم القرى.
وأم القرى: مكة، (ومن حولها): شرقاً وغرباً.
وسميت: ﴿أُمَّ ٱلْقُرَىٰ﴾، لأن الأرض دُحيت منها، أي: بُسِطَت. وقيل: سميت بذلك، لأن فيها أول بيت وضع للناس. وقيل: سميت بذلك لأنها تُقصد من كل قرية.
ومن قرأ (وليَنذِرَ) رَدَّهُ على (الكتاب)، ومن قرأ بالتاء فعلى المخاطبة للنبي عليه السلام.
* *
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ﴾ أي: يصدقون بالبعث، ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بهذا الكتاب, والهاء في (به) للقرآن، وقيل: لمحمد.
وقيل: إنه لما نزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، فقال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقال له النبي ﷺ: أكُتبْها، فكذلك نُزِّلَت عليّ.
* *
قوله: ﴿وَهُمْ عَلَىٰ صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: على الصلوات التي افترضها الله.
الأنعام 6:93
قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ الآية.
قوله: وَ (مَن) قال في موضع جر، عطفٌ على (مَن) الأولى.
المعنى: ومن أخطأُ قولاً ممن اختلق على الله الكذب، فادَّعى أنه بعثه نبياً. وهذا تسفيه من الله عز وجل لمشركي العرب في معارضة عبد الله بن أبي سرح ومسيلمة للنبي، ادعى أحدهما النبوة، وادعى الآخر أنه جاء بمثل ما جاء به النبي.
فالَّذي قال: ﴿أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ هو مسيلمة الكذاب، والذي قال: ﴿سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ﴾ عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان عبد الله هذا قد كتب للنبي، فكان يملي عليه (عزيزٌ حكيمٌ) فيكتب (غفورٌ رحيمٌ)، وقال: قد أنزل "عليّ" مثل الذي أنزل على محمد، قد كتبتُ ما لم يُمْل عليَّ. وكان يقرأ على النبي ما يكتب، فيقول له النبي: نعم سواء.
وقيل: إنه لمّا نزل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخر القصة، عجب ابن أبي سرح من خلق الإنسان وانتقاله من حال إلى حال، فقال ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فقال له النبي: أكتُبها، فكذلك نُزِّلَت عليّ. فرجع عن الإسلام ولحق بقريش وأخبرهم بما كان يصنع، وأن النبي ﷺ يقول له في الذي يكتب: نعم سواء. ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة. وفيه نزل: ﴿وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾ [النحل: ١٠٦].
وقيل: إن قائل القولين هو عبد الله هذا. وقيل: هو مسيلمة. وقال ابن عباس: الذي افترى على الله كذباً هو مسيلمة، والذي قال: "سأنزل مثل ما أنزل الله" هو عبد الله بن أبي سرح.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىۤ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ﴾ أي: لو ترى يا محمد حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين المفترين على الله الكذب وقد قرب "فناء" آجالهم، والملائكة قد بسطت أيديها، يضربون وجوههم وأدبارهم.
قال ابن عباس: البسط هنا: الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم. وقال الضحاك: بسطت الملائكة أيديها بالعذاب. وقيل المعنى: (باسِطو أَيْديهم) لإخراج أنفسهم
﴿أَخْرِجُوۤاْ أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: يقولون لهم: أخرجوا أنفسكم من العذاب، أي: خلصوها اليوم.
* *
قوله: ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ﴾ أي: عذاب جهنم، وهو عذاب الهوان، وهذا إخبار من الملائكة للكفار "بما" يصيرون إليه في الآخرة.
والهون - بالضم -: الهوان، والهَوْن بالفتح: الرفق والدَّعَة، تقول: "هُوَ هَوْنُ الْمؤوَنه"، ومنه قوله: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾ [الفرقان: ٦٣] يعني بالرفق والسكينة.
قال أبو أمامة: يقبضون [روح الكافر] ويعدونه بالنار ويشدد عليه وإن رأيتم أنه (يُهّون عليه، ويقبضون روح المؤمن ويعدونه بالجنة ويهون عليه وإن رأيتم) "أنه" يُشَّدد عليه.
* *
قوله: ﴿فِي غَمَرَاتِ ٱلْمَوْتِ﴾ ليس يوقف، لأن ما بعده في موضع الحال. و ﴿مِثْلَ مَآ أَنَزلَ ٱللَّهُ﴾: وقف حسن. ﴿أَيْدِيهِمْ﴾: وقف، ﴿غَيْرَ ٱلْحَقِّ﴾ وقف عند نافع، ﴿تَسْتَكْبِرُونَ﴾ تمام حسن، لأنه آخر قول الملائكة.
الأنعام 6:94
قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَى﴾ الآية.
قرأ أبو حَيْوَةَ ﴿فُرَٰدَى﴾ بالتنوين، وهي لغة تميم، ويقولون في الرفع "فُرادٌ" وحكى أحمد بن يحيى "فُرادُ" بغير تنوين مثل "رُباع".
قال القتبي: ﴿فُرَٰدَى﴾ جمع فَرْدٍ، كأنه جمع على "فَرْدان"، ثم جمع على "فرادى"، ككَسْلان وكُسالى.
وقال الطبري: واحد ﴿فُرَٰدَى﴾: "فَرَدٌ"، بالفتح.
ومن قرأ (بَيْنَكم) بالنصب، فمعناه: لقد تقطع (الأمر بينكم) والسبب بينكم، ونصبه على الظرف.
ومن رفع، جعله غيرَ ظرف، بمعنى الوَصْل، تقديره: لقد تقطع وصلُكم.
ومعنى الآية: أنها خبر من الله عما هو قائل يوم القيامة لهؤلاء المشركين، يقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَى﴾ أي: وُحداناً لا مال معكم، ولا أثاث، ولا شيء مما كان الله خَوَّلَكُم في الدنيا. ومعنى ﴿كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾: قيل: منفردين لا شيء لكم، وقيل: عراة.
وروي أن عائشة رضي الله عنها قرأت هذه الآية فقالت: يا رسول الله، واسوأتاه إن الرجال (والنساء يحشرون جميعاً ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟، فقال لها رسول الله ﷺ: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، لا ينظر الرجال) إلى النساء، ولا النساء إلى الرجال، شُغِل بعض عن بعض
ومعنى ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي: في الدنيا، ﴿مَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ﴾ أي: ليس نرى معكم مَن كنتم تزعمون أنهم (لكم شفعاء) عند ربكم يوم القيامة.
وكان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الآلهة، لأنها تشفع لهم عند الله، و [إنها] شركاء له.
قال عكرمة: قال النضر بن [الحارث]: "سوف تشفع لي اللات والعزى"، فنزلت هذه الآية.
الأنعام 6:95
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ﴾ الآية.
معنى الآية: أنها تنبيه لهؤلاء المشركين على قدرة الله، وأن ما يعبدون لا يقدر على ذلك. ومعنى فَلْقِه الحبَّ والنوى: يريد به النبات، فلق الحبة عن السنبلة، والنوى عن النخلة.
وقال الضحاك: معنى ﴿فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ﴾ خالقهما، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقيل: معنى ذلك أنه هو الذي جعل الشق في النواة وفي الحبة، قال مجاهد: هما (الشقان اللّذان) فيهما.
واختيار الطبري أن يكون المعنى: فلقهما للنبات، لأنه أتبع ذلك بقوله: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ﴾، (فخروج الحي من الميت) كخروج النبات عن الحب والنوى، قال: ولا يعرف في اللغة "فلق" بمعنى خلق.
* *
وقوله: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ﴾ معناه: يخرج السنبل الحي من الحب الميت، ويخرج "الحب" الميت من السنبل الحي، والشجر الحي من النوى الميت، والنوى الميت من الشجر الحي. والعرب تسمي النبات والشجر ما دام لم يَيْبَس "حياً"، فإذا يبس وجف سمي "ميتاً". فتقديره: يخرج النبات الأخضر الغض من الحبة اليابسة، ويخرج اليابس من الأخضر الغض.
وقال ابن عباس في معنى ذلك: يخرج النطفة الميتة من الحي، ويخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة.
﴿فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ أي: من أين تُصْرَفون عن الحق ولا تتدبرون.
الأنعام 6:96
قوله: ﴿فَالِقُ (ٱلإِصْبَاحِ) وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً﴾ الآية.
قرأ الحسن: (فالِقُ الأَصباح) بفتح الهمزة، "و" جعله جمع صبح.
وقرأ النخعي ﴿فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ﴾ بالنصب في (الإصباح) وكسر الهمزة، يقدر حذف التنوين لالتقاء الساكنين، كأنه "قال" فالق الإصباح، فالإصباح: مفعول به، لكن حذف التنوين لسكونه وسكون اللام.
* *
ومعنى ﴿فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ﴾: مضيء الصبح عن سواد الليل.
﴿وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً﴾ أي: يَسْكُن فيه كل مُتحرك، ويستقر فيه كل متصرف.
قوله ﴿وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً﴾ أي: وجعل الشمس والقمر يجريان في أفلاكهما بحساب. قال ابن عباس: يعني عدد الأيام والشهور والسنين.
وقال قتادة: ﴿حُسْبَاناً﴾: ضياء.
والحسبان - بضم الحاء - "و" الحِساب بكسر الحاء: جمع حسبانة، وهي الوسادة الصغيرة.
قال الأخفش: "حُسبان" جمع "حساب": كشهبان وشهاب. وقال يعقوب: حسبان: مصدر "حَسِبْت الشيء حُسباناً"، والحساب: الاسم.
﴿ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ﴾ أي: هذا الفعل الذي فعله الله: تقدير عزيز عليم، أي: عزيز في سلطانه، وعليم بمصالح خلقه.
الأنعام 6:97
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ﴾ الآية.
المعنى: والله "الذي" جعل لكم النجوم أيها المشركون به، جعلها أدلة في ظلمات البر والبحر لكم إذا ضللتم وتحيرتم ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ﴾ أي: "قد" بيناها لِتَفْقَهوها وتعلموا أن الله مدبر ذلك كله، فلا تعبدوا غيره.
الأنعام 6:98
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ الآية.
المعنى: والله الذي قد تركتم عبادته هُوَ الذي أنشأكم من نفس واحدة، وهو آدم.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي في الرحم، ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: في الصلب.
وعن ابن مسعود: المستودع: المكان الذي يموت فيه، وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ [هود: ٦] أي في الأرحام، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] أي في الأصلاب، وقيل: حيث تموت.
وقال ابن جبير: المستودع: ما كان في الأصلاب، والمستقر: ما كان في البطون وعلى الأرض وفي بطنها.
وقال ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ [هود: ٦]: ما كان على وجه الأرض وفي الأرض، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦]: في الصلب. وعن ابن عباس "أيضاً": المستقر: في الأرض، والمستودع: "عند الله، وكذلك روي عن مجاهد. وقال الحسن: المستقر: في القبر، والمستودع": في الدنيا يوشك أن يلحق بصاحبه.
ومن قرأ بالفتح في ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾، فمعناه: أن الله استقره. ومن كسر، رد الفعل إلى المذكور عند الاستقرار.
﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ﴾ أي: بيّنّا الحجج والعلامات، ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ مواقِعَ الحجة. ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾، وقف، و ﴿يَفْقَهُونَ﴾ التمام.
الأنعام 6:99
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿وَجَنَّٰتٍ﴾ قراءة الجماعة بالنصب والتاء مكسورة، عطف على ﴿نَبَاتَ﴾، كأنه [قال]: وأخرجنا به جنات. وقيل: هو معطوف على ﴿خَضِراً﴾.
وقرأ الأعمش بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: ولهم جنات.
وقيل: هو معطوف على المعنى، (فعطف) على القنوان، كأنه قال: وثم قنوان وجنات.
وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ بالضم: لغة، وقرأ محمد بن السَّمَيفَع ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: مدركه.
والمعنى: والله هو الذي أنزل من السماء (ماء ففعل) به ما ذكر، وأخرج به ما ذكر.
* *
ومعنى ﴿خَضِراً﴾ (أخضر)، أي: نباتاً أخضر، ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: من الخضر، ﴿حَبّاً مُّتَرَاكِباً﴾ وهو السنبل ونخرج من الماء من النخل من طلعها ما قنوانه دانية، أي: قريبة مُتَهَدَلة، يعني قصار النخْل التي قد لصقت عُذُوقُها بالأرض، والقنوان طلعه.
* *
وقوله: ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ﴾ أي: (قد) اشتبه في الخلق واختلف في الطعم.
* *
قوله: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ أي: نضجه. ومن قرأ (يانعة) فمعناه: ناضجة.
وقد قيل: إن ﴿يَنْعِهِ﴾ - بالفتح - جمع يانع، كتاجر وتَجْر. و (قد) قيل: هو مصدر "يَنِع الثمر يَنْعاً" اذا نضج.
وقرأ محمد بن السَّمَيفَع اليماني (ويانعه)، وقرأه ابن أبي اسحاق (ويُنْعه) بالضم، على معنى: ونُضجه.
﴿دَانِيَةٌ﴾ وقف إن رفعت "الجنات"، ﴿وَيَنْعِهِ﴾ تمام.
الأنعام 6:100
قوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ﴾ الآية.
﴿ٱلْجِنَّ﴾: مفعول أول لـِ (جَعَلوا)، و ﴿شُرَكَآءَ﴾: مفعول ثان، ويجوز "أن يكون ﴿ٱلْجِنَّ﴾ بدلاً من ﴿شُرَكَآءَ﴾"، والمفعول الثاني: اللام في (لله) وما عملت (فيه)، وأجاز الكسائي رفع (الجن) على معنى: هم الجن.
وقرأ يحيى بن يعمر: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ بالنصب وإسكان اللام، على معنى: وجعلوا لله خَلْقَهُم شركاء، لأنهم يخلقون الشيء، بمعنى: يقدرونه ويعبدونه.
ومعنى: {وَخَرَقُواْ لَهُ): اختلقوا كذباً. والتشديد فيه معنى التكثير.
ومعنى الآية: أن المشركين جعلوا الجن شركاء لله، كما قال عنهم ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]، ومعنى جَعلِهم الجن شركاء لله: أنهم أطاعوهم كطاعة الله. وقيل: نسبوا إليهم الأفاعيل التي لا تكون إلا لله.
قال ابن جريج: هم الزنادقة. وقال القتبي: هم "الزنادقة جعلوا إبليس يخلق الشر، والله يخلق الخير".
ومعنى الآية ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾: أي: والله خلقهم، والهاء والميم تعود على الفاعلين ذلك.
﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَٰتٍ (بِغَيْرِ عِلْمٍ)﴾ قالت العرب: الملائكة بنات الله، وجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون، وهم البنون، وقال اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله كذباً واختراقاً منهم.
﴿سُبْحَٰنَهُ﴾: أي: تنزيهاً له عما يقولون، ﴿وَتَعَٰلَىٰ﴾ عن ذلك.
الأنعام 6:101
قوله: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَد﴾ الآية.
المعنى: هو بديع السماوات، أي: (مبتدعها ومحدثها) بعد أن لم تكن.
﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَد﴾ أي: من أي: وجه يكون له ولد ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ﴾؟ أي: إن الولَدَ إنما يكون للذَّكَر من الأنثى، ولا ينبغي أن تكون له صاحبة، فيكون له وَلد، لأنه خالق كل شيء. وقيل: المعنى: من أين يكون له ولد وولد كل شيء يشبهه، ولا شبيه لله. وهو خالق كل شيء، وهو عليم بكل شيء، لا يمكن أن يكون وَلدٌ لِمَن هذه صِفَته، تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
الأنعام 6:102
قوله: ﴿ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية.
والمعنى: فذلكم الذي ذكرت صفته هو الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء.
وقد تعلق القائلون بخلق القرآن بقوله: ﴿خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، قالوا: القرآن شيء، فهو داخل تحت الخلق. وقد جرت هذه المسألة بين عبد العزيز بن يحيى المكي وبين بشر ابن غياث المريسي القدري بحضرة المأمون، اختصرت الحكاية لطولها:
قال عبد العزيز: قلت لبشر: ما حجتك في خلق القرآن؟، وانظر: إلى أَحدّ سهمٍ في كنانتك فَاْرمِنِي به. قال: فقال لي بشر: تقول: إن القرآن شيء أم غير شيء؟. (قال عبد العزيز): فقلت له إن كنتَ تريد أنَّه شيء إثباتاً للوجود ونفياً للعدم، فَنَعَم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم لذاته وأنه كالأشياء فلا. قال له بشر: قد أَقْرَرْتَ أنه شيء وادّعيتَ أنه لا كالأشياء، فأت بنصٍ على ما زَعَمتَ. قال عبد العزيز: فقلت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فبِقولِه تكون الأشياء، وليس هو كهي. وإنما تكون الأشياء بقوله وأمْرِه. فقولُه خارج عن الأشياء المخلوقة، ألا ترى الى قوله: ﴿أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فجمع في لفظة "الخلق" جميع المخلوقات، ثم قال: ﴿وَٱلأَمْرُ﴾ يريد الذي كانت به هذه المخلوقات كلها. والأمر غير المخلوقات، وهو قوله: ﴿كُنْ﴾ [النحل: ٤٠]. وقال (الله) تعالى: ﴿لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] أي: من قبل الخلق ومن بعد الخلق. وقد أخبر عن الأشياء المخلوقات في غير موضع من كتابه، وأنه خلقها بأمره وقوله، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ [وَمَا بَيْنَهُمَآ] إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥، الأحقاف: ٣]، والحقُّ هو كلامُه. فأمُره، كلامُه، وكلامُه: أمرُه، وأمرُه: الحقُّ، والحقُّ: أمرُه، وكلامُه: الحقُّ، والحقُّ: كلامُه.
فهذا يدل على أن كلامه لا كالأشياء المخلوقة، لأنها به كانت (وحَدَثَت). وأما ما يدل على أنه "شيء" فقوله: ﴿إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٣]، فدل على أن الوحي شيء، ودل ما تَقدَّم على أنه لا كالأشياء.
قال بشر: قد زعمت أن الله يخلق الأشياء، وادّعيتَ أنَّها تكون بقوله، وأنَّها تكون بالحق، وأنَّها تكون بأمره، وهذا متناقض.
قال عبد العزيز: إِنّ قولَه هو كلامُه، وقولَه هو الحقُّ، وأمرَه هو كلامُه: فالألفاظ الثلاثة ترجع إلى معنى واحد، كما سمى كلامه: نوراً وهدىً وشفاءً ورحمةً و ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾، وكله يرجع إلى شيء واحد، [كذلك ذاك. وكما سمى نفسه: فرداً صمداً واحداً]، وهو شيء واحد لا كالأشياء. وهذا إنّما منعه بِشْر لجِهلِه بِلُغةِ العرب.
قال بشر: (لَستُ) أَقْبَلُ لغةَ العرب، ولا أَقَبل إلا النص.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، ثم قال: ﴿كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، فسمى القرآن كلامه، ثم سماه: قوله، وقال: ﴿وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: ٩١]، فسمى القرآن حقاً، وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦]، وقال: ﴿لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ [يونس: ٩٤]، ومثل هذا كثير.
قال بشر: قد أقررت يا عبد العزيز أن القرآن شيء على صفة ما، وقد قال تعالى: ﴿خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦، الزمر: ٦٢، غافر: ٦٢]، وهذه لفظة لم تدع شيئاً من الأشياء إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء، قد تقَصَّتْ جميع الأشياءِ، فصار القرآن مخلوقاً بنص القرآن.
قال عبد العزيز: فقلت: قال الله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فهل أبقت الريح - يا بشر - شيئاً لم تدمره؟
قال بشر: لا. قال عبد العزيز: فقلت له: قد - والله - أَكْذَب الله قائل هذا بقوله: ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، فأخبر أن مساكنهم كانت باقية وهي أشياء كثيرة، وقال تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]، وقد أتت على الجبال والشجر والأرض فلم تجعله رميماً، وقال عز وجل: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، يعني بلقيس، فهل أوتيت ملك سليمان وهو أضعاف ملكها؟. فهذا تكسير لقولك يا بشر. ولكن ما تقول - يا بشر - في قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ﴾ [هود: ١٤].
وقال: ﴿وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١، فصلت: ٤٧]!، فأخبر تعالى أن له علماً. أفتقر - يا بشر - أن له علماً كما أخبر في كلامه أو تخالف التنزيل؟.
فعلم بشر أنه (إنْ) قال: "له علم"، فيقول له: أهو داخل في الأشياء المخلوقة أم لا؟. فإن قال: "دخل"، كفر. وإن قال: لا. أجاز ما منع في الكلام. وأبى أن ينفي العلم فخالف التنزيل، فحاد، ثم قال: معنى علمه: أنه لا يجهل.
قال عبد العزيز: لم أسألك عن هذا، قد علمت أن الله لا يجهل، انما سألتك: هل تثبت له علماً كما أثبته لنفسه؟، وليس نفيك السوء - يا بشر - عن الله يوجب إيجاب المدح، لأن قولك: "هذه الأسطوانة لا تجهل" ليس هو إثباتاً أن لها علماً. ولم يمدح الله ملكاً (ولا نبياً ولا مؤمنا بِنَفِي الجهل) ليدل على (أنه) إثبات العلم، وإنما مدحهم بالعلم، فقال: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢]، ولم يقل: "لا يجهلون"، وقال لنبيه: ﴿(وَتَعْلَمَ) ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]، ولم يقل: "ولا تجهل"، وقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، ولم يقل: "الذين لا يجهلون"، فمن أثبت العلم نفى الجهل، وليس (كل) من نفى الجهل أثبت العلم، (و) على الخلق جميعاً أن يثبتوا ما أثبت الله لنفسه.
فقال بشر: أتقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥، لقمان: ٢٨] وإن له (سمعاً وبصراً) كما أثبت (له عِلْماً)؟.
قال عبد العزيز: فقلت: إنما على الناس أن يُثبتوا ما أثَبتَ، وينفوا ما نفى، ويُمسكوا عن ما أمسك الله. فأخبرنا تعالى أن له علماً، فقلت: "له علم"، ولم يخبرنا أن له سمعاً ولا بصراً، فأمسكنا عن ذلك.
فقال بشر: قد زعمت أن لله علماً، فما معنى علم الله؟.
قال عبد العزيز: هذا ما لا يعلمه إلا الله، قد تَفرَّد بذلك، وقد أمرني بشر أن أترك قول الله وأَمرَه، واتبع أمر الشيطان، لأن الله أخبر عن الشيطان أنه (يأمرنا أن) نقول (على) الله ما لا نعلم، وحرم الله علينا أن نقول عليه ما لا نعلم بقوله: ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩، الأعراف: ٣٣]، فقد اتبع بشر طريق الشيطان، وارتكب ما حرم الله علينا.
قال عبد العزيز: فانقطع بشر، فقلت له: يا بشر، ألست تقول إن لله نَفْساً بقوله: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]، وبقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨، ٣٠]؟.
قال بشر: نعم له نفس كما أخبرنا.
قال عبد العزيز: فقلت له: قال الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ (ٱلْمَوْتِ)﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أفتقول - يا بشر - إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس المخلوقة؟. فأبى بشر من القول بذلك، فقال له عبد العزيز: وكذلك كلام الله ليس بداخل في الأشياء المخلوقة. فسكت بشر.
قال عبد العزيز ثم قلت له: القرآن نزل على أربعة أخبار:
- خبر مخرجه مخرج الخصوص، ومعناه الخصوص، كقوله: ﴿ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ [البقرة: ٣٤، الأعراف: ١١، الاسراء: ٦١، الكهف: ٥٠، طه: ١١٦]، وكقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]: هذا خاص في لفظه ومعناه.
- والثاني: خبر مخرجه مخرج العموم، ومعناه معنى العموم، كقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ [النمل: ٩١]، فكل شيء له، مخلوقاً كان أو غيرَ مخلوقٍ، وصفاته له، وخلقه له.
- والثالث: خبر مخرجه العموم ومعناه الخصوص، نحو قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ﴾ [الحجرات: ١٣]، و (النّاسُ) يجمع آدم وعيسى وغيرهما، ولم يكونا من ذكر وانثى. ومنه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وهي لم تَسَع إبليس والكفار، لقوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ﴾ [ص: ٨٥].
- والرابع: (خبر) مخرجه الخصوص ومعناه العموم، كقوله: ﴿وَأَنَّهُ (هُو(َ رَبُّ ٱلشِّعْرَىٰ﴾ [النجم: ٤٩]، فخص "الشعرى"، والمعنى: أنه رب كل شيء: الشعرى وغيرها، ولكن خصّها الله باللفظ، لأنهم كانوا يعبدونها.
فهذا اختصار بعض ما جرى بينهما، فنرجع إلى ما كنا فيه. قوله: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾: قال الفراء: الوكيل: الكافي. ومنه قولهم: "﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي: كافينا الله ونعم الكافي". وقال قتادة: الوكيل: الحفيظ. وقيل: الوكيل: الولي. وقيل: الرب. وقيل: الكفيل.
الأنعام 6:103
قوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ﴾ الآية.
قال ابن عباس: معناه: لا تحيط به الأبصار، وهو يحيط بها.
وليس معناه: لا تراه، كما زعمت المعتزلة القدرية، وقد قال الله عن فرعون: ﴿إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ﴾ [يونس: ٩٠] فوصف بأن الغرق أدرك فرعون) ولم يخبر أنه رآه، لأن الغرق ليس مما يُرى، فليس الإدراك هو الرّؤيةَ، وقد يرى الشيءُ الشيءَ ولا يُدرِكه، كما حكي عن أصحاب موسى حين قرب منهم أصحاب فرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]، وكان أصحاب فرعون قد رأوا أصحاب موسى، ولم يكونوا ليدركوهم، لأن الله قد وعد نبيَّه أنهم لا يُدرَكون بقوله: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ [طه: ٧٧]، ولذلك قال لهم موسى: (كَلاّ) أي: ليس يُدرِكونا، فليس (قوله): ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ﴾ بمعنى: لا تراه الأبصار. وإنما معناه: لا تحيط به الأبصار، لأنه غير جائز أن تحيط به الأبصار، ومثل هذا وصفه بأنه يُعلم ولا يحاط به.
وقيل: معناه: لا تراه الأبصار في الدنيا، قال السدي وغيره.
والكلام على جواز رؤية الله جل ذكره في الآخرة يطول، وبجوازه يقول أهل السنة والجماعة، و (به) تواترت الأخبار وتتابعت الروايات عن النبي عليه السلام، وهو معنى قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وهو المفهوم من قوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فلو كان الخلق كلهم محجوبين عن ربهم، ما خص ذكر الكفار بالحجاب. وفي تخصيصه الكفار (بالحجاب) دليل على أن المؤمنين غير محجوبين عن ربهم، فأما قول من قال: إن معناه: "عن رحمة ربك" وقال في (الآية الأخرى): "إلى رحمة ربها ناظرة"، فهو قول متقاحم بالباطل، مُدَّعٍ ما ليس لفظُه في الكلام، مُخرِج للخطاب عن ظاهره، متكلِّف إضمارَ ما ليس في الكلام عليه دليل، ألْجَأَهُ إلى ذلك كله نَصْرُ باطله (بباطل مثله)، أعاذنا الله من ذلك كله.
وقيل: معنى (الأبصار) هي في هذا: أبصار العقول، كما قال: ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ [الأنعام: ١٠٤]، فالمعنى: لا يدركه نفاذ العقول فتتوهمه وتُكيّفه إذ ليس كمثله شيء متوهّم محدود.
* *
قوله: ﴿وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ): (ٱللَّطِيفُ)﴾: مشتق من اللطف وهو التأني يقال: "أُلطُفْ لِفُلانٍ في هذا الأمرِ"، أي: "تأن له" من وجه يَخلُص (منه) إلى بغيته، (فالله لطيف بالخلق) حتى صاروا إلى ما يصلحهم. وقيل: ﴿ٱللَّطِيفُ﴾ هو الذي فعل أفعالاً لطيفة، و ﴿ٱلْخَبِيرُ﴾: العالم بالشيء. فهو لطيف لإِحْكامهِ الخَلْقَ، وهو العظيم، لأنه خلق الخلق العظيم.
الأنعام 6:104
قوله: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أمر نبيه أن يقول للمشركين ذلك. والبصائر: الهدى. وقيل: الآيات الدالة على الهدى.
﴿فَمَنْ أَبْصَرَ﴾ أي: استدل وعرف نفع نفسه، ﴿وَمَنْ عَمِيَ﴾: أي: من ضَلّ فعلى نفسه، ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لست عليكم برقيب أحصي أعمالكم، إنما أنا مُبلِّغ.
وقيل: المعنى: (لست) آخذُكم بالإيمان أخذَ الوكيل عليكم، وهذا قبل الأمرِ بالقتال، فلّما أُمِر النبي بالقتال، صار حفيظاً ومسيطراً على كل من تولى. وقيل: المعنى لم أُؤْمَرْ بحفظكم عن أن تَهلكوا.
الأنعام 6:105
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ الآية.
المعنى: وكما صرفنا لكم الحجج والعلامات فيما تقدم مثل ذلك أفعل في كل ما جهلتموه ولم تعرفوه، ومعنى (نُصَرّف): نبيّن.
* *
وقوله: ﴿وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ﴾ أي: "ولئلا يقولوا درست".
وقيل: المعنى: وليقولوا درست صرفناها، لأنهم لما آل أمرهم بَعدُ - (عند تصريف الآيات) - إلى أن يقولوا لمحمد: "درست". صار كأنه إنما صرَّفها ليقولوا ذلك، مثل ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ﴾ [يونس: ٨٨]، و ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً (وَحَزَناً)﴾ [القصص: ٨] وشبهه، وأهل اللغة يسمون هذه اللام لام الصيرورة، لأن السبب الذي "صيرهم ليقولوا له": "درست"، هو تصريف ﴿ٱلآيَاتِ﴾.
ومعنى (دَرَسْتَ): قَرأْتَ وتَعلَّمْتَ كتب الأولين.
ومن قرأ (دارَسْتَ) فمعناه: قارَأْتَ أهل الكتاب فتعلمت منهم وتعلموا منك.
ومن قرأ (دَرَسَتْ) بإسكان التاء، فمعناه: تقادمت وَاّمَحتْ، أي: الذي تتلوه علينا قد مَرَّ بنا قديماً و (تطاولت) مدته.
وروى الحسن: (دَارَسَتْ) بألف وإسكان التاء. ولا يجيزها أبو حاتم، لأن الآيات لا تدارس. ومعنى الآية عند غيره: وليقولوا: دارستك أمتك.
﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: صرفناها لنبين القرآن لقوم يعلمون. فالهاء (في) ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ للقرآن، وقيل: للتصريف.
الأنعام 6:106
قوله: ﴿ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ الآية.
المعنى: أن الله أمر نبيه باتباع القرآن والإعراض عن المشركين ثم نسخ ذلك بآية القتال في "براءة".
الأنعام 6:107
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُواْ﴾ الآية.
أعلم الله نبيه أنه لو شاء الله لهداهم فلم يشركوا. وقيل: المعنى: لو شاء لأنزل عليهم آية تضطرهم إلى الإيمان.
ثم قال لنبيه: وما أرسلناك عليهم حفيظاً، أي: إنما أرسلناك مبلغاً، لم ترسل لتحفظ عليهم أعمالهم، ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: بِقَيّم تقوُمُ بأرزاقهم وأقواتهم. وهذا كله قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نُسخَ الأمرُ بالقتال هذا كله.
الأنعام 6:108
قوله: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الآية.
﴿عَدْواً﴾: مصدر، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله.
وفي قراءة المكيين: ﴿عَدْواً﴾ جعلوه واحداً يدل على الجمع، كما قال: ﴿إِنَّ ٱلْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١٠١]، ونصبه على الحال. وقد روي عنهم: (عُدُوّاً) بضمتين، وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وقتادة، ونصبه على المصدر، يقال: عدا يعدو عَدْوا (وعُدُوّاً) وعُدْواناً.
ومعنى الآية: أن المشركين قالوا: لتنتهن عن سَبّ آلهتنا أو نهجو ربكم، فأمر (الله) المسلمين ألا يسبوا آلهتهم لئلا يسبوا الله جهلاً منهم بخالقهم ورازقهم.
(ثم قال تعالى): ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (أي) كما زيّنَا لهؤلاء عبادة الأوثان، كذلك زيَنّا لكل جماعةٍ - اجتمعت على عمل من الأعمال، طاعة أو معصية - عَمَلَهم، ثم مرجعهم بعد ذلك إلى الله فيخبرهم بأعمالهم ويجازيهم عليها.
الأنعام 6:109
قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ﴾ الآية.
المعنى: أن الله جل ذكره لمّا نزّل في "الشعراء" ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، أقسم كفار قريش: ﴿لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربَّك أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فأنزل الله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وهو خطاب للمؤمنين السائلين النبي في ذلك.
وقيل: معنى الآية: أن الكفّار سألوا النبي ﷺ أن يأتيهم بآية، وحلفوا ليؤمنن إِنْ أتت، فقال المؤمنون: يا رسول الله، سل ربك أن ينزلها (عليهم) حتى يؤمنوا، (فأنزل الله): وما يشعركم أيُّها المؤمنون بذلك؟، أي: بصحة قولهم (ثم قال) مستأنفاً مخبراً عنهم - بما يفعلون لو نزلت -: إنها إذا جاءت لا يؤمنون. وهذا معنى الكسر، وهو الاختيار عند أكثر النحويين.
وهذه الآية هي التي توعّدوا بها في الشعراء في قوله: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فقال الله لنبيه: ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلآيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ وهو القادر على إنزالها.
والذي سألوه هم أنهم قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً. فسأل النبي ﷺ في ذلك، فجاءه جبريل فقال: إن شئت أصبح ذهباً، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك لَيُعذِبَنّهم الله، وَ (إِنْ) شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال النبي ﷺ: "بل يَتوبُ تائِبُهم"، فأنزل الله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ الآية.
ومن قرأ بالتاء، فإنما هو خطاب للمشركين الذي سألوا الآية، ويحتمل وجهين:
- أحدهما: أن تكسر (إِنّ) على معنى: وما يشعركم ذلك، ثم استأنف بالإخبار عما سبق في علمه، وعِلم ما لو كان كيف كان يكون، فقال: إنها إذا جاءت لا تؤمنون أيها المشركون.
- ويحتمل أن تفتح (أنَّ)، ويكون المعنى: وما يُشعركم - أيُّها المشركون - أنها إذا جاءت تؤمنون؟، وتكون (لا) زائدة.
ومن قرأ بالياء فهو خطاب للمؤمنين الذين سألوا النبي أن يسأل آية ليؤمن المشركون عند نزولها على ما سألوا، وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، ويحتمل معنيين:
أحدهما: فتح (أنَّ) ويكون المعنى: وما يشعركم - أيُّها المؤمنون - أنَّها إذا جاءت يؤمنون؟، أي: (ما) يدريكم أنَّهم يؤمنون إذا نزلت الآية. وتكون (لا) زائدة.
- والوجه الآخر: أن تكون (إنِّ) مكسورة، ويكون المعنى: وما يشعركم - أيها المؤمنون - ذلك. ثم استأنف فقال: ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُون﴾، يخبر بما يكون لو فعل بهم ذلك.
ويجوز في القراءتين جميعاً - الياء والتاء - أن تكون (أنَّها) - إذا فتحت - بمعنى "لعلها"، وتكون (لا) غير زائدة.
والياء اختيار الطبري مع فتح (أنَّ) بمعنى "لعلها".
ولو فتحت (أنَّها) ولم تقدر زيادة (لا) ولا كون (أنَّها) بمعنى "لعلها"، لكان ذلك عذراً لهم.
ولا يتم فتح (أنَّها) إلا بأحد وجهين:
- إمَّا أَنْ تقدرها بمعنى "لعلها"
- أو تقدر زيادة (لا). فاعلم ذلك.
وقد حكى الخليل عن العرب: "ائت السوق أنَّكَ تشتري لنا"، أي: لعلك. وسمع الكسائي رجلاً يقول: "ما أدري أنه صاحبها"، أي: لعله. وسمع الفراء أبا الهيثم العُقيلي يقول: "أنَّها (تركته لفاقة حاله)"، يريد "لعلها تركته". وفي قراءة أُبيّ ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، وفي حرف عبد الله: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ إِذَا (جَاءَتْ) لاَ يُؤْمِنُونَ).
ومن قدر زيادة (لآ) هنا، أوقع ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ على ﴿أَنْ﴾ ففتحها، ويجعل (لا) صلة كهي في قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، المعنى: حرام عليهم أن يرجعوا، ومثله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]. قال الفراء: العرب تجعل "لا" صلة في كل كلام دخل في آخره (أو في أوله) جحد، أو في أوله جحد غير مصرح.
وقيل: في الآية قول حسن، وهو أن يكون المعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون. ثم حذف الأخير لدلالة الأول عليه، فيِعمل (يُشْعِرُكُم) في (أَنَّها)، ويفتح (أَنَّ)، ولا يقدر زيادة (لا)، ولا يقدر (أنَّها) بمعنى "لعلها"، ولا تكون عذرا لهم.
(والوقف على (يُشْعرِكُم) في قراءة من كسر (إنّ)، وفي قراءة من فتح على تقدير "لعلها" حسن، ولا يحسن الوقف على (يُشعِركم) على غير هذين الوجهين).
الأنعام 6:110
قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ﴾ الآية.
المعنى: أنهم لما أشركوا وجَحدوا، لم يثبت الله قلوبهم على شيءٍ. قال ابن زيد: (المعنى): نمنعهم من الإيمان كما فعلنا بهم أول مرة. وقيل: المعنى: لو جئناهم بآية ما آمنوا كما لم يؤمنوا أول مرة، لأن الله حال بينهم وبين ذلك.
وقال مجاهد: المعنى: يَحُولُ بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنون كما حُلْنا بينهم وبين الإيمان أولَ مرةٍ. كأن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والمعنى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ كما لم يؤمنوا به أول مرة، وذلك قبل إتيان الآية: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ﴾، ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقيل: المعنى: أن الله جل ذكره جعل عقوبة الإعراض عن الحق - بعد أن بين لهم - الطبعَ على قلوبهم، و (الغشاوة) على أبصارهم.
والهاء في (بِهِ) للقرآن. وقيل: لمحمد. وقيل: للمسؤول، أي: كما لم يؤمن أوائلهم بما سألوا من الآيات بعد نزولها، فكذلك يفعل كفار قريش لو نزل عليهم ما سألوا من الآيات.
وعن ابن عباس: (أن المعنى): أن الله (أخبرنا ما يفعل بعباده) لو ردهم إلى الدّنيا، فقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: لو ردُّوا إلى الدنيا لَحِيلَ بينهم وبين الهدى، كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.
قال الطبري: المعنى: ونُقلّبُ أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحقِّ، كما لو لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها أول مرة، أي: قبل ذلك.
والهاء عنده تعود على التقليب، وفيما تقدّم من الأقوال، تعود على الهدى، أو على الإيمان، وقد قيل: على الرسول، وقيل: (على القرآن). وقيل: على الله جل ذكره.
* *
وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: نتركهم في حيرتهم يترددون. قال النحاس: المعنى: نُقلّب أفئدتهم وأبصارهم على لهب النَّار كما لم يؤمنوا به في الدنيا. ثم قال: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، أي: ونمهلهم في الدنيا فلا نعاقبهم، أي: ونتركهم في طغيانهم يتحيرَّون.
الأنعام 6:111
قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ﴾ الآية.
وهذه الآية من الله (إعلام) يُزيل بها طمع النبي من (أن يؤمن) هؤلاء العادلون بربهم الأوثانَ، الذين سألوا الآية وأقسموا إنهم يؤمنون إذا نزلت، فأخبر تعالى أنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كلُّ آيةٍ، فقال تعالى: لو نزّلتُ إليهم الملائكة، أي: عياناً ﴿وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ بأنك مُحِقٌّ فيما تقول، ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: جمعنا عليهم، ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ أي: عياناً.
وقيل: معناه: آتيناهم بما غاب عنهم من أمور الآخرة، ما آمنوا ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾، عزى الله نبيه بهذا، وأعلمه أن من سبق في علم الله ألا يؤمن، فلا ينفعه شيء.
* *
قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾: أي: يجهلون ما في مخالفتك - يا محمد - وهم يعلمون أنك نبي صادق فيما جئتهم به.
وروي أن النبي عليه السلام كان يداعب أبا سفيان بمِخْصَرَة في يده، يطعن بها أبا سفيان، فإذا أخرقته قال له: نح عني مخِصَرَتَك، فوالله لو أسلمتُ إليك هذا الأمر، ما اختلف عليك فيه اثنان. فقال له النبي: أسألك بالذي أسلمت له، (عن أي: شيء كان قتالُك إيّايَ)؟.
قال له أبو سفيان: تظنُّ (أنيِّ كَنْتُ) أقاتلك تكذيباً مني، والله ما شككت في صِدقك، وما كنت أقاتلك إلا حسداً مني لك، فالحمد لله الذي نزع ذلك من قلبي. فكان النبي يشتهي ذلك منه، ويَتَبَسَّم إليه. ومن قرأ (قُبُلاً) بالضم، احتمل ثلاثة أَوْجُهٍ:
- أحدها: أن يكون جمع "قبيل"، كرغيف ورُغُف. والقبيل: الضمين والكفيل، ويكون المعنى: وجمعنا عليهم كل شيء يَكتفِل الملائكة لهم بصحة هذا، لم يؤمنوا، كما قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الاسراء: ٩٢] أي: ضميناً.
- والوجه الثاني: أن يكون "القُبُل" واحداً، بمعنى المقابلة، تقول:"أَتَيْتُكَ قِبَلاً لا دُبُرا": إذ أتيته من قِبَل وجهه، فالمعنى وجمعنا عليهم كل شيء من قِبَل وُجوهِهم.
- والوجه الثالث: أن يكون (قُبُلاً) جمع "قبيل" أيضاً، ويكون "قبيل" بمعنى: فِرْقة وصنف. فالمعنى: وحشرنا عليهم كل شيء صنفاً صنفاً وقبيلة (قبيلة)، فيكون (قبلاً) جمع "قبيل" و "قبيل" جمع "قبيلة". ومن قرأ (قِبَلاً) فمعناه: عياناً، أي: معاينة.
وهذا (إعلام) للنبي كإعلام نوح: ﴿أَنَّهُ (لَن يُؤْمِنَ) مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
وقال المبرد: (قِبَلاً) بمعنى ناحية: أي: وجمعنا عليهم كل شيء ناحية، كما تقول: "لي قِبَلَ فلانٍ مالٌ"، أي: ناحِيتَه، فكان نصبه - على هذا - على الظرف، وعلى الأقوال المتقدمة: على الحال.
الأنعام 6:112
قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ﴾ الآية.
﴿عَدُوّاً﴾ مفعول أول لـ (جَعَلنْا)، و ﴿لِكُلِّ نِبِيٍّ﴾: المفعول الثاني، و (شياطين) بدل من ﴿عَدُوّاً﴾. ويجوز أن يكون (شياطينَ) مفعولاً ثانياً، و (عَدُوّاً) أولا.
حكى سيبويه أنَّ ("جَعَلَ" بمعنى: "وَصَفَ")، فَيَتَعدَّى إلى مفعولين، ويكون التقدير: وكذلك جعلَّنا شياطين الإنسِ والجنِّ أعداء للأنبياء.
﴿غُرُوراً﴾ مصدر، أي: يَغرُّون غُروراً. ويجوز أن يكون في موضع بالحال. ومعنى الآية: أنه فيها حذف، والمعنى: وكما جعلنا لك - يا محمد - ولأمَّتِك شياطين الإِنِّسِ والجنِّ أعداء يوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرف القول غروراً، كذلك جعلنا لكل من تقدمك من الأنبياء وأممهم، وهذا تسلِّية للنبي عليه السلام فيما لقي من (كفر) قومه.
ومعنى (شياطينَ الإنس (والجنِّ): قال السدي: للإنسِ شياطينِ تضلهم، ومثله للجن، فَيَلْقى شيطان الإنسي شيطان الجنِّي، فيقول أحدهما للآخر: "إني قد أضللت صاحبي بكذا وكذا، (فأَضْلِلْ أنت) صاحبك بذلك"، فيُعَلِم بعضهم بعضاً، فشياطينِ الإِنس من الجِنِّ، وشياطين الجنِّ من الجِنِّ. وكذلك قال عكرمة.
وقيل: المعنى: أن مَرَدَة الإنس شياطينَ، ومثل ذلك من مردة الجِنِّ، يوحي بعضهم إلى بعضٍ من القولِ ما يؤذونهم به. وقال مجاهد: شيَّاطين الإنِّسِ: كفارهم ، وشياطينَ الجِنِّ: كفارهم.
والشيِّطان - في اللغة - هو المتمرِّد في معاصي الله.
* *
ومعنى ﴿زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ﴾ هو تزيين الباطل، يُقال: "زَخرفَ باطِلَه": إذا حسَّنه، فهو تزيين الباطل بالألسنة.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي لو شاء الله ما فعل هؤلاء الشياطين العداوة بالأنبياء وأممهم، ولكن لم يشأ ذلك ليبتلي بعضهم ببعض، فيستحق كلُّ فريقٍ منهم ما سبق له في (أم) الكتاب.
والهاء في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ تعود على الإيحاء لدلالة (يوحي) عليه، وقيل: على العداوة وذكر لأن التأنيث غير حقيقي.
* *
وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: دعَّهم وافتراءهم. هذا فيه معنى التهديد والوعيد.
الأنعام 6:113
قوله: ﴿وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ﴾ (الآية).
يقال: صَغَى يَصْغَى، وصَغَا يَصْغُو، (وَصَغَا يَصْغَا).
قرأ الحسن: ﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ﴾ بإسكان اللامين.
ومعنى الآية: أنَّها معطوفة على ما قبلها، والتقدير: يوحي بعض هؤلاء الشياطين إلى بعضٍ المُزَيّن من القول ليَغرُّوا به المؤمنين، و (لكي تصغى) إليه أفئدة الذين لا يؤمنون [بالآخرة].
فالهاء في (إليْهِ) تعود على (زُخْرُف الْقَوْل)، وهو المُزَيَّن له. ومعنى "تصغى": تميل إليه.
* *
ومعنى ﴿وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون. يُقال: خرج فلان يقترف لأهله"، أي: يكتسب.
الأنعام 6:114
قوله: ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ الآية.
﴿حَكَماً﴾ نَصْبٌ على البيان أو على الحال.
والمعنى: قل لهم يا محمد: (أأبتغي) غير الله حَكَماً؟، أي: [أأبتغي] حُكماً غير حُكمِه ولا حُكْمَ أَعْدَلُ من حُكْمِهِ، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَابَ﴾ (أي القرآن)، ﴿مُفَصَّلاً﴾ أي: مبيّناً.
* *
﴿وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾ يريد أهل التوراة والإنجيل المؤمنين منهم بمحمد، يعلمون أنه حق، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: من الشاكين فيما جاءك من الأنباء، وفي ﴿وَٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾.
الأنعام 6:115
قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ (الآية).
حجة من قرأ (كلمات) - بالجمع - أنها في المصحف بالتاء، ولإجماع الجميع على قوله: ﴿لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾.
ومن قرأ بالتوحيد، احتج بإجماع الجميع على التوحيد في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وإنما كتبت بالتاء عند من وحّد، لأنها كتبت على اللفظ، بمنزلة ﴿وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ [المجادلة: ٨، ٩] و ﴿فِطْرَتَ ٱللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وشبهه.
والمعنى: أن الله سمى القرآن (كلمة)، كما تقول العرب للقصيدة: "هذه كلمة فلان"، والموصوف هنا بالتمام هو القرآن، لا مبدل له، أي: لا مغير لما أخبر في كتابه أنه كائن، وهذا مثل قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ ٱللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] والذي أرادوا أن يبدلوا هو قوله: ﴿لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، فتقدم في علم الله أنهم لا يتبعون النبي، فأرادوا أن يبدلوا ذلك فقالوا للنبي: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥]، وقد تقدم من الله أنهم لا يتبعونهم فأرادوا أن يغيِّروا ما تقدَّم في علم الله وقد كان أخبره الله في كتابه بقوله: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ (فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن)﴾ [التوبة: ٨٣] إلى ﴿ٱلْخَالِفِينَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فكلام الله هنا: ما أخبر أنهم لن يتبعوا، فأرادوا أن يبدلوا خبر الله ويتبعوه، وكذلك قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: أنَّه لا بُدَّ واقع كل ما أخبر به، لا يحيلهُ أحد ولا يغيره.
﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ أي: السميع لما يقول العادلون الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئِّن جاءتهم آية ليؤمنن بها، وغير ذلك مما يَقولُ خَلْقهُ، ﴿ٱلْعَلِيمُ﴾ بما يؤول إليه أمرهم من صدق وإيمان أو كفر.
الأنعام 6:116
قوله: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ (يُضِلُّوكَ)﴾ الآية.
والمعنى: أن هذه الآية نزلت في أكل الميتة، قال المشركون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل ربكم، فأنزل الله عز وجل خطاباً للنبي وأمّته: وإن تطيعوا هؤلاء وأكثر من في الأرض فيما دعوكم إليه من أكل الميتة أو أكل ذبائحهم لآلهتهم وما أهلوا به لغير الله، يضلوكم عن الحق، فإنهم ليس يتبعون في أمرهم إلا الظن، وليس ما يصنعون على يقين من أمرهم، إذ ليس عندهم به كتاب ولا رسول، ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ الكذب، ويقولون ما لا يحب الله، والله (يعذب) الكفار على ظنهم وجهلهم. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: ٢٧] ثم قال: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
الأنعام 6:117
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ الآية.
(مَن) استفهام، وهي في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: هو أعلم أي: الناس يضل بمنزلة ﴿أَيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: ١٢].
وقيل: موضعها خفض بإِضَّمَارِ الباء.
وقد قيل: هي في موضع نصب، و ﴿أَعْلَمُ﴾ بمعنى: يعلم، وهذا بعيد، لأن بَعدَه ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾، فدخول الباء هنا يدل على أن ﴿أَعْلَمُ﴾ ليس بفعل، إذ لو كان فعلا لم يصل بالباء، لا يقال: "هو يعلم بزيد" بمعنى: "يعلم زيداً".
فالمعنى: أن الله أعلم بأهل الإضلال عن سبيله، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق من غيره.
الأنعام 6:118
قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية.
هذا أمر للنبي وأمته أن يأكلوا مما ذبحوا وذكروا اسم الله عليه. وفي هذا دليل على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه متعمداً، ثم بَيَّنَ ذلك فقال: ﴿(فَكُلُواْ) مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
الأنعام 6:119
قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية.
المعنى: وأي شيء لكم في ترك أكل ما ذكر اسم الله عليه، وقد فصل لكم الحرام من الحلال؟
وقرأ عطية العَوْفي (وَقَدْ فَصَلَ) بالتخفيف، على معنى: (أبان لكم)، ﴿إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ يريد لحم الميتة للمُضطَّر.
* *
ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ﴾ من فتح الياء أضاف الضلال إليهم في أنفسهم، وتصديقه قوله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ [النحل: ١٢٥، النجم: ٣٠، القلم: ٧] و ﴿قَدْ ضَلُّواْ﴾ [النساء: ١٦٧، المائدة: ٧٧، الأنعام: ١٤٠، الأعراف: ١٤٩] و ﴿هُمُ ٱلضَّآلُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٠].
وحجة من ضم أنه أبلغ، لأنَّ كلُّ من أضلَّ غيره فهو ضَالْْ، وليس كل من ضلَّ أضلَّ غَيْرَهُ، فالضم أبلغ في الإخبار عنهم. وحجَّته أيضاً، أنَّهم قد وصفوا قبل بالكفر الذي هو الضَّلال، فلا معنى لوصفهم بذلك، فوجب وَصْفُهم بأنَّهم مع ضلالتهم يُضِلُّون غيرهم. وكذلك الحجة فيما كان مثله مثل ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ ٱلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]، الضم أبلغ لأنَّ شراء لهو الحديث ضلال، (فوصفه بفائدة) أخرى أولى من وصفه بما قد دَلَّ عليه الكلام الاول.
فالإضلال - هنا - أمكن من الضلال. وقد أجمع الجميع على قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] أنه بالضم، وعلى ﴿فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ﴾ [الأحزاب: ٦٧].
* *
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ (بِٱلْمُعْتَدِينَ)﴾ أي: بمَنْ اعتدى حدوده فتجاوزها.
الأنعام 6:120
قوله: ﴿وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ (وَبَاطِنَهُ)﴾ الآية.
المعنى: أن الله أمر بأن يترك الإثم، (علانيته وسرّه)، قليله وكثيره.
وقيل: الظاهر هو ما نهى عنه من قوله:﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والباطن: الزنى، قاله ابن جبير.
وقال السدي: الظاهر: الزواني [اللاتي] في الحوانيت، والباطن: الصديقة تؤتى سراً، (و) قال الضحاك في قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: كان أهل الجاهلية يستسرّون بالزنى ويرونه سراً حلالاً، فحرّم الله السر والعلانية. وقال ابن زيد: الظاهر: التعري والتجرد في الطواف، والباطن: الزنا، وقال في: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ)﴾ [الأنعام: ١٥١]: الظاهر: تعريتهم إذا طافوا، والباطن: الزنا.
* *
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ﴾ أي: يعملون به، سيجزون به.
الأنعام 6:121
قوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية.
المعنى: ولا تأكلوا - أيها المؤمنون - مما مات ومما ذبح لغير الله، أو ذبحه (غير) مسلم، أو مما تُعُمِّدَ ترك (ذكر) اسم الله عليه، فإن أكله فسق.
قال ابن عباس: هذا جواب للمشركين حين قالوا للنبي: لا تأكل ما قتل ربك وتأكل ما قتلت. فالمعنى على هذا: إنما هو (النهي) عن أكل الميتة.
ومذهب مالك وأكثر الفقهاء أن المسلم إذا نسي التسمية وذبح، أنه تؤكل ذبيحته.
ومعنى التسمية - عند أكثر المفسرين - في هذه الآية: المِلّة، لأن المجوس لو سموا ذبائحهم لم تؤكل.
وتؤكل ذبائح اليهود والنصارى، لأنهم آمنوا بالتوراة والانجيل. (وكره) مالك ما ذبحوا لِكنائسهم ولم يحرمه.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ يعني بذلك شياطين فارس، وهم مَرَدَتُهم من المجوس يوحون إلى أوليائهم من مردة قريش زخرف القول ليجادلوا به المؤمنين. قال عكرمة: كاتب مشركو قريش فارس على الروم، وكتبت فارس إلى مشركي قريش: "إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر الله، (فما ذبحه) (الله) بسكين من ذهب فلا يأكله محمد وأصحابه، وما ذبحوا هم يأكلون"، فكتب به المشركون الى أصحاب محمد، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء، فنزلت: ﴿(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: إبليس هو الذي يوحي إلى مشركي قريش، (يقول): كيف تعبدون شيئاً لا تأكلون ما قتل.
* *
قوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أكل الميتة، ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي: إنكم مثلهم، وهذا يدل على من حلَّل ما حرَّم الله أنه مشرك. قال الحسن وعكرمة: حُرِمَ أكل ما لم يُذكرْ اسم الله عليه في هذه الآية، واستثنى من ذلك فقال: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: لمعصية. وقيل: لكفر.
والهاء تعود على أكل الميتة، أو على أكل ما ذبح للأصنام وشبهه.
الأنعام 6:122
قوله: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ﴾ الآية.
رَوَى المسيَّبي عن نافع (أومَنْ كان) بإسكان الواو.
والمعنى: أن هذا الكلام جرى على التحذير من طاعة المشركين، والأخذ بطاعة المؤمنين، والمعنى: أطاعة من كان ميتاً فأحييناه، وهو المؤمن كان كافراً فصار مؤمناً، كطاعةِ من مَثَلُه كَمَثل من في الظلمات ليس بخارج منها، يتردَّدُ فيها، وهو الكفر يتردَّدُ فيه الكفار؟، فكان تحقيق ذلك: أطاعة المؤمنين كطاعة الكافر؟.
وهذه الآية نزلت في رجلين مؤمن وكافر: فالمؤمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والكافر أبو جهل.
وقيل: المؤمن عمار بن ياسر، والكافر أبو جهل. وقيل: المؤمن حمزة حيي بالإيمان بعد أن كان ميتاً بالكفر، وقيل: هو النبي حيي بالنبوة.
﴿كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ أي: كمن هو في الظلمات، وهي الكفر، يراد به أبو جهل، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ الى نور الإسلام أبداً.
روي أن أبا جهل رَمَى النبي بفرث - وحمزة عم النبي عليه السلام، لم يؤمن بَعْدُ - فأخبر أبو جهل حمزة بما فعل بالنبي، وبيد حمزة قوس، فَعَلا به أبا جهل غضباً للنبي، فأقبل أبو جهل يتضرع إلى حمزة ويقول: يا أبا يعلى، أما ترى ما جاء به: سفَّه عقولنا وعقول آبائنا؟. فقال له حمزة رضي الله عنه: ومن أسفهُ منكم وأحمقُ حيث تعبدون الحجارة من دون الله؟، أشهد (أن لا) إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فحيي بالإيمان الذي وَفَّقَه الله إليه، وبقي أبو جهل في ظلمات الكفر حتى مات كافراً، وفيهما نزل ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ [القصص: ٦١] يعني حمزة، ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [القصص: ٦١] يريد أبا جهل.
ومعنى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً﴾ قال ابن عباس: يعني بالنور القرآن يَهتدِي به وقال ابن زيد: (نوراً) هو "الإسلام الذي هداه الله إليه".
الأنعام 6:123
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾.
المعنى: وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون، كذلك جعلنا في كل قرية عظماء مجرميها، يعني أهل الكفر والمعصية ﴿لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ﴾ أي: ما يحيق مكرهم ذلك إلا بأنفسهم، لأن الله من وراء عقوبتهم على ما يمكرون. والأكابر: العظماء، جمع أكبر.
وذكر ابن قتيبة أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، والتقدير عنده: وكذلك "(جعلنا) في (كل) قرية مجرميها (أكابر)". فَنَصَب (مُجْرمِيها بـ (جَعَلْنَا) و (أكَابِرَ) مفعول ثان لـ "جَعَلَ"، كأن جعل عنده بمعنى "صَيَّرَ"، يتعدى الى مفعولين.
وحُكِيَ عن العرب "الأكابرة" بالهاء.
وقوله تعالى: ﴿لِيَمْكُرُواْ فِيهَا﴾ هو مِثْل ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ [القصص: ٨]، لما كان عاقبة أمرهم فيما تقدم من علمه تؤول إلى ذلك، صار كأنهم جُعِلُوا في كل قرية ليمكروا.
الأنعام 6:124
قوله: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ﴾ الآية.
المعنى: وإذا جاءت هؤلاء المشركين آية، (أي علامة)، تدل على نبوتك - يا محمد - وصدق ما جئت به، ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ﴾ بما جئتنا به، ﴿حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِ﴾ أي: حتى نؤتى من المعجزات مثل ما أوتي موسى وعيسى، ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ أي: إن الآيات لم يعطها الله من البشر إلا (رسولاً)، ولستم - أيها العادلون - بِرُسلٍ فَيُعْطيَكم الآيِات، بل هو أعلم من هو أولى بها. وقيل: المعنى: الله يعلم من يصلح لنبوته ويختص بالرسالة، كما قال: ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
(ثم قال): ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ﴾ أي: ذلة، أي: هم وإن كانوا أكابر، فَستُصِيبهُم ذلَّة عند الله، ومعنى ﴿صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: عند الله صغار. وقيل: المعنى: صغار ثابت عند الله. وقال الفرَّاء: المعنى: صغار من عند الله.
والصغار: المصدر من قول القائل: "صَغَرَ صغاراً".
الأنعام 6:125
قوله: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ﴾ الآية.
من قرأ (ضَيْقاً) بالتخفيف، فيحتمل أن يكون مخففاً "ضَيقِ"، مثل ("ميْت، "وميّت")، ويحتمل أنْ مصدر "ضاقَ ضَيْقاً".
ومن قرأ (حَرِجاً) بالكسر، فهو اسم الفاعل لـ "حَرِجَ يَحَرجُ، فهو حَرِجٌ"، ومن فتحه جعله مصدرا لـ "حَرِجَ حَرَجاً".
ومعنى الكسر: ضَيقاً (ضيّقاً)، وهو الذي قد ضاق فلم يجد منفذاً إلا أن يصعد في السماء، وليس يقدر على ذلك. ومن فتح جعله صفة لـ (ضيقاً)، كما يقال: "رجلٌ عدْلٌ" و "رضىً"، فكأنه يجعل صدره شديد الضيق.
ومعنى الآية: من يرد الله أن يهديه للإيمان، ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ أي: يفسحه ويهون عليه ويُسَهّله.
قال النبي عليه السلام - وقد سُئِلَ عن هذه الآية: إذا دخل النور القلب، انفسح وانشرح، قالوا: هل لذلك من علامة تعرف؟. قال نعم، الإنابة إلى دار الخلود، و (التجافي عن) دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت
وقال ابن جريج: "﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَٰمِ﴾ بلا إله إلا الله".
﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ﴾ أي: إضلاله عن سبيله، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً﴾ بخذلانه إياه، وغَلَبةِ الكفر عليه.
والحرج: أشدُّ الضيق، وهو الذي لا ينفذه من شدَّةِ ضيقه شيءٌ"، وهو - هنا - الصدر الذي لا تصل إليهُ موعظة، ولا يدخله نور الإيمان، وأصل (حرجاً) أنه جمع "حَرَجَة" وهي الشجرة الملتف بها الأشجار، لا يدخل بينها وبينها شيء من شدة التفافها.
وسأل عُمَرُ رجلاً من العرب فقال له: ما الحرجة فيكم؟, فقال: الحرجة فينا: الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعيةٌ ولا وحشيّة ولا شيء، فقال عمر: وكذلك قلب المنافق لا يصل اليه شيء من الخير.
وقال مجاهد: معنى ﴿ضَيِّقاً حَرَجاً﴾: شاكاً. وقال قتادة: ملتبساً وقال ابن جبير: لا يجد الإيمان إليه منفذاً ولا مسلكاً.
وهذه الآية (من) أدل دليل على أن قدرة الطاعة غير قدرة المعصية، وأن كلا القدرتين من عند الله تعالى، لأنه أخبر أنه يشرح صدر من أراد (هدايته، ويضيق صدر من أراد) دَفْعَهُ عن الإيمان، فَتَضْيِيقُه للصدر منع الإيمان، ولو كان يوصل الى الإيمان مع تضييق الصدر عنه، لم يكن بين تضييقه وشرحه فرق.
* *
وقوله: ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾: هذا مثل ضربه الله لصدر الكافر في شدة ضيق صدره عن قبول الإسلام ونفوره عنه، فهو بمنزلة من تكلَّف ما لا يُطِيْقُهُ، كما أن من تكَلَّف صعود السماء تكلَّفَ ما لا يُطَاق.
ومعنى التشديد - على قراءة من شدد: أنه أتى به على "يَتَفَعَّل" ثم أدغم كأنه يتكلف شيئاً بعد شيء، وكُلُّهُ لا يطيقه.
ومن قرأ (يَصّاعد) أراد "يتصاعد"، ثم أدغم، ومعناه: كأنه يتعاطى ما لا يقدر عليه، لأن الله قد خذله عن أن يقبل الإيمان، وضيّق صدره عن قبوله.
وتحقيق معنى ﴿ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ - فيمن كسر -: ضيّقا جداً، كقولك: "مريض دَنِفٌ". ومن فتح فمعناه: ضيقاً ذا حرج، كقولك: "رجل عدلٌ"، أي: ذو عدلٍ.
(والرّجْسُ) هنا: "ما لا خير فيه"، قاله مجاهد.
وقال ابن زيد: "الرجس: عذاب الله".
وقال بعض البصريين: الرِّجزُ والرّجسُ: العذاب والرّجس (و) النجسُ: الشيء القذر. وقيل: "الرجس: اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة".
الأنعام 6:126
قوله: ﴿وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ الآيتان.
المعنى: وهذا الذي بيَّنّا لك في هذه السورة وغيرها، ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾ أي: طريق ربك، ودينه الذي جعله مستقيماً، ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ﴾ أي: بيّناها لقومٍ يذكرون.
(و) قال ابن عباس: "يعني به الإسلام".
* *
وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ﴾ أي: للقوم الذين يذّكّرون دار السلام، والسلام: اسم من أسماء الله.
فالله هو السلام، والدار: الجنة. وقيل: المعنى: دار السلامة أي: الدار التي يُسلِّم فيها من الآفات.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: والله ناصرهم بعملهم، أي: جزاء بعملهم.
﴿مُسْتَقِيماً﴾ تمام.
الأنعام 6:127
قوله: ﴿وَهَـٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ الآيتان.
المعنى: وهذا الذي بيَّنّا لك في هذه السورة وغيرها، ﴿صِرَاطُ رَبِّكَ﴾ أي: طريق ربك، ودينه الذي جعله مستقيماً، ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَاتِ﴾ أي: بيّناها لقومٍ يذكرون.
(و) قال ابن عباس: "يعني به الإسلام".
* *
وقوله: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ﴾ أي: للقوم الذين يذّكّرون دار السلام، والسلام: اسم من أسماء الله.
فالله هو السلام، والدار: الجنة. وقيل: المعنى: دار السلامة أي: الدار التي يُسلِّم فيها من الآفات.
﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ أي: والله ناصرهم بعملهم، أي: جزاء بعملهم.
﴿مُسْتَقِيماً﴾ تمام.
الأنعام 6:128
قوله: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ﴾ الآية.
﴿جَمِيعاً﴾ نصب على الحال. والمعنى: واذكر يوم نحشر هؤلاء العادلين (و) أولياءَهُم من الشياطين، ﴿يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ﴾ أي: يقول لهم: يا معشر الجن، ومعنى ﴿قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُمْ مِّنَ ٱلإِنْسِ﴾ أي: قد استكثرتم من إضلال الإنس.
﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم﴾ أي: أولياء الشياطين من الإنس، ﴿رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ ومعنى الاستمتاع هنا: (أن) الرجل كان في الجاهلية ينزل الأرض فيقول: "أعود بكبير هذا الوادي"، فهذا استمتاع الإنس. وأما استمتاع الجن فهو تشريف الإنس لهم واستعاذتهم بهم واعتقادهم أن الجن يقدرون على ذلك.
وقيل: معنى الاستمتاع: أن الجن أَغْوَتِ الإنس، وقَبِلت الإنس منها.
وقيل: المعنى: أن الإنس تلذذوا بقبولهم من الجن، (وأن الجن) تلذذوا بطاعة الإنس لهم.
وقالوا: ﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيۤ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ وهو الموت. (قَالَ) الله: ﴿ٱلنَّارُ مَثْوَٰكُمْ﴾ أي: مقامكم بها خالدين.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ استثناءٌ ليس من الأول، والمعنى: إلا ما شاء الله من الزيادة في عذابكم. وسيبويه يمثل هذا بمعنى "لكنَّ". والفراء يمثّله بمعنى: "سوى".
ومثله في "هود": ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أي: ما شاء من الزيادة، وقال الزجاج: معنى الاستثناء هنا إنِّما هو: إلاّ ما شاء رَبُّك من محشرهم ومحاسبتهم. وقال الطبري: المعنى فيه أنه استثنى مدة محشرهم من قبورهم الى مصيرهم الى جهنم، فتلك المدة التي استثنى الله تعالى من خُلُودِهِمِ في النَّار. (و) قال ابن عباس: جعل الله أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إلى مشيئته، وروي عنه أنه قال: هذه آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، لا ينزلهم جنةٌ ولا ناراً. وقال: هذا الاستثناء لأهل الايمان.
﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ﴾ العليم: هو العالم الذي كمل فيه علمه، والحكيم: الذي قد أكمل في حكمته، ويكون "الحكيم": الحاكم، أو بمعنى الحكم.
الأنعام 6:129
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضاً﴾ الآية.
المعنى: وكما فعلنا بهؤلاء ما ذكرنا، نجعل بعضهم لبعض ولياً على الكفر بالله، استدراجاً لهم وجزاء على مخالفتهم أمر الله، وما اجترحوا من المعاصي.
قال مجاهد: يجعل بعضهم ولياً لبعض. وقال قتادة: المؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان.
وقيل: المعنى: يتبع بعضهم بعضاً في النار. قال ابن زيد: المعنى: يسلط ظَلَمَةِ الجن على ظَلَمَةَ الإنس. وقيل: المعنى: يجعل ظَلَمَةَ الجن أولياء لَظَلَمَةِ الإنس جزاء بما كانوا يكسبون، وهذا كقوله: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] الى ﴿فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨].
الأنعام 6:130
قوله: ﴿يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ﴾ (الآية).
معنى الآية: أنها خبر من الله ما هو قائل لهم يوم القيامة، ومعنى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ أي: يخبرونكم بحجتي وأدلتي على توحيدي، ﴿وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾ أي: يحذرونكم لقاء عذاب يومكم هذا، وهذا تقريع يكون لهم يوم القيامة على ما سلف منهم.
قال الضحاك: أرسل الله إلى الجن رسلاً منهم بدلالة هذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾.
وقيل: معناه: أَنَّ (مِنْكُمْ) للإنس خاصة، والرسل من الإنس لا غير، وهذا كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، واللؤلؤ إنّما يخرج من الملح دون العذب.
وتأول ابن عباس أن رسلُ الإنس رسلٌ من الله، ورسل الجن رسلٌ (رسلِ) الله منهم، وهم النذر، وهم الذين سمعوا القرآن وَلَّوْا إلى قومهم منذرين. فهذا قول حسن.
وقيل: إنه لما كانت الإنس والجن تخاطب وتعقل، قيل: ﴿رُسُلٌ مِّنْكُمْ﴾ وإن كان من أحد النوعين، ومعنى (مِنْكُمْ): أي: منكم في الخلق والتكليف والمخاطبة.
(و) قرأ الأعرج ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ بالتاء، على تأنيث المخاطبة.
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ شَهِدْنَا﴾ أخبر الله عنهم بما يقولون يوم القيامة إذا قيل لهم ذلك، ومعنى الشهادة: أنهم شهدوا أن الرسل قد أتتهم بآياته وأنذرتهم عذابه، ولم يؤمنوا، ﴿وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا﴾ أي: غرتهم زينتها فلم يؤمنوا، ﴿وَشَهِدُواْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾ (بالكفر).
الأنعام 6:131
قوله: ﴿ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ (مُهْلِكَ) ٱلْقُرَىٰ (بِظُلْمٍ)﴾ إلى ﴿(يَعْمَلُونَ)﴾ [الآيتان].
﴿ذٰلِكَ﴾ في موضع رفع على معنى: الأمر ذلك، هذا مذهب سيبويه. وهو عند الفراء في موضع نصب، (المعنى: فعل) ذلك.
والمعنى: لم يكن ربك - يا محمد - مهلك القرى بشرك من أشرك وأهل القرى غافلون عن شرك من أشرك، فمعنى ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشرك قوم آخرين فيهم، وهذا مِثْلُ: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [فاطر: ١٨].
وقيل: المعنى: لم يكن الله يعاجل قوماً بالعقوبة قبل أن يرسل إليهم الرسل، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، [فيقولوا]: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيظلمهم.
* *
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ أي: ولكل عامل - في طاعة أو معصية - منازل ومراتب يبلغه الله إياها، إن خيراً فخيراً وإن شراً (فشراً) وليس الله بغافلٍ عما يعملون.
وروي عن النبي أنه قال: "الدَّرجةُ في الجنَّةِ فوقَ الدرجةِ كما بين السماءِ والأرض، وَإِنَّ العَبْدَ - من أهلِ الجنةِ - لَيَرْفَعُ بصرَهُ فَيَلْمَع له برقٌ يكاد يَخطَف بصرَهُ، فيقول: ما هَذا؟ فيقال له: هذا نورُ أخيكَ فلان. فيقول: أخي فلان!، كنا في الدُّنيا نعمَلُ جميعاً، وقد فُضِّلَ عَليَّ هَكذا! فيُقالُ: إِنَّهُ أفضلُ منكَ عملاً. ثم يُجْعَلُ في قلبِه الرِضى فَيَرْضى بمنزلتِهِ
الأنعام 6:132
قوله: ﴿ذٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ (مُهْلِكَ) ٱلْقُرَىٰ (بِظُلْمٍ)﴾ إلى ﴿(يَعْمَلُونَ)﴾ [الآيتان].
﴿ذٰلِكَ﴾ في موضع رفع على معنى: الأمر ذلك، هذا مذهب سيبويه. وهو عند الفراء في موضع نصب، (المعنى: فعل) ذلك.
والمعنى: لم يكن ربك - يا محمد - مهلك القرى بشرك من أشرك وأهل القرى غافلون عن شرك من أشرك، فمعنى ﴿بِظُلْمٍ﴾: بشرك قوم آخرين فيهم، وهذا مِثْلُ: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [فاطر: ١٨].
وقيل: المعنى: لم يكن الله يعاجل قوماً بالعقوبة قبل أن يرسل إليهم الرسل، ولم يكن بالذي يأخذهم غفلة، [فيقولوا]: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيظلمهم.
* *
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ﴾ أي: ولكل عامل - في طاعة أو معصية - منازل ومراتب يبلغه الله إياها، إن خيراً فخيراً وإن شراً (فشراً) وليس الله بغافلٍ عما يعملون.
وروي عن النبي أنه قال: "الدَّرجةُ في الجنَّةِ فوقَ الدرجةِ كما بين السماءِ والأرض، وَإِنَّ العَبْدَ - من أهلِ الجنةِ - لَيَرْفَعُ بصرَهُ فَيَلْمَع له برقٌ يكاد يَخطَف بصرَهُ، فيقول: ما هَذا؟ فيقال له: هذا نورُ أخيكَ فلان. فيقول: أخي فلان!، كنا في الدُّنيا نعمَلُ جميعاً، وقد فُضِّلَ عَليَّ هَكذا! فيُقالُ: إِنَّهُ أفضلُ منكَ عملاً. ثم يُجْعَلُ في قلبِه الرِضى فَيَرْضى بمنزلتِهِ
الأنعام 6:133
قوله: ﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ﴾ الآية.
المعنى: وربك - يا محمد - الغني عن عبادة من أَمَرَهُ بالعبادة، وطاعة من أمره بالطاعة؛ وهم المحتاجون إليه، لأن بيده موتهم وحياتهم ورحمتهم وعقابهم.
* *
وقوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ معناه: إن يشأ الذي خلَق خلْقَه لغير حاجة منه إليهم، يذهبهم، أي: يهلكهم، ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ (أي) يأتي بخلقٍ غيرهم. ﴿كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾: أي: أنشأكم مكان خَلَقٍ آخرين، لم يرد أنهم من أصلاب قوم آخرين، انما المعنى: مكانهم. كما تقول: "أعطيتك من دينارك ثوباً"، بمعنى: مكان الدينار ثوباً، وليبس معناه: أن الثوب بعض الدينار.
وقرأ زيد بن ثابت (ذِرِيّةِ) بالكسر، وقرأ أبان بن عثمان (ذَريَّة) بفتح الذال وتخفيف الراء.
الأنعام 6:134
قوله: ﴿(إِنَّ مَا) تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ الآية.
المعنى: أن الذي توعدون به - أيها المشركون - آت، أي: واقِعٌ بكم، ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ليس تعجزون ربكم هرباً، (أنتم) في قبضته.
الأنعام 6:135
قوله: ﴿قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾ الآية.
المعنى: قل لهم يا محمد: اعملوا على مكانتكم: أي: على حيالكم وناحيتكم.
وقال القتبي: "على موضعكم".
وتحقيق معناه: اعملوا على ما أنتم عليه، كما تقول للرجل: "اثبت مكانك"، أي: اثبت على ما أنت عليه.
وفي الكلام تهديد، فلذلك جاز أن يؤمروا بالثبات على ما هم عليه، وهو الكفر، إنّما هو توعد وتهديد، كما قال: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾ [التوبة: ٨٢]، ودل على ذلك قوله: ﴿(فَسَوْفَ) تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ﴾، فالمعنى: اثبتوا على ما أنتم عليه إن رضيتم بالنار، فأنا عامل بما أمرني به ربي، فسوف تعلمون غداً من هو على الحق، وتكون له العاقبة الحسنة، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾.
* *
وقوله: ﴿مَن تَكُونُ﴾: (مَنْ) في موضع رفع على أنه استفهام، وفعل "العلم" معلق، والجملة في موضع المفعولين. ويجوز أن تكون (مَنْ) في موضع نصب، وهي بمعنى: "الذي"، ويكون ﴿تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى: "تعرفون"، (و) يتعدى الى مفعول واحد.
الأنعام 6:136
قوله: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ (وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً)﴾ الآية.
المعنى: أنه حكاية عما كان يعمل أهل الجاهلية:
كانوا يجعلون لله نصيباً من حرثهم وأنعامهم، ولآلهتهم وشياطينهم (نصيباً، وهو) شركاؤهم من الأوثان والشياطين: قال ابن عباس: كانوا يجعلون الطعام حُزَماً، يجعلون منها لله، ومنها لآلهتهم، فكان إذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لآلهتهم إلى الذي جعلوه لله، ردوه الى الذي جعلوه لآلهتهم ، وإذا هبت الريح من نحو الذي جعلوه لله إلى الذي جعلوه لآلهتهم، لم يردوه، فذلك قوله: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء الحكم في حكمهم، قال: وكذلك جعلوا من ثمرهم نصيباً لله، ونصيباً للشياطين ولأوثانهم، فإن سقط من نصيب الله شيء في نصيب الأوثان تركوه، وإن سقط من نصيب الأوثان (شيء في نصيب الله) ردوه في نصيب الأوثان، وإن انفجر من سِقْيِ ما جعلوه لله في نصيب الشيطان والأوثان تركوه، وإن انفجر من سِقْي ما للأوثان في نصيب الله رَدُّوه (وسَدُّوهُ)، فهذا ما جعلوا من الحرث، وأما الأنعام: فهو جعلهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وقد ذكر ذلك في "المائدة".
وقال السدي: كانوا يزرعون زرعاً يجعلونه لله يتصدقون به، ويزرعون آخر يجعلونه لآلهتهم وينفقونه عليها، فاذا أَجْدَبَ ما لآلهتهم، أخذوا ما كان لله فأنفقوه على آلهتهم، وإذا أَجْدَب ما كان لله، لم يأخذوا مما لآلهتهم شيئاً، (و) يقولون: "لَوْ شَاءَ اللهُ لَزَكَّى الذي لَهُ".
وقال ابن زيد: كل شيء جعلوه لله من ذبح لا يأكلونه حتى يذكروا عليه اسم الآلهة، وما كان من ذبح للآلهة لا يذكرون عليه اسم الله.
وفي الكلام حَذْفٌ، والمعنى: "من الحرث والأنعام نصيباً، وجعلوا لأصنامهم نصيباً"، ودل على ذلك قوله: ﴿وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾.
والفتح في "الزعم" لغة أهل الحجاز، والضم: لغة بني أسد، والكسر: لغة تميم وقيس، وقد أنكر أبو حاتم الكسر، وحكاه الكسائي والفراء.
الأنعام 6:137
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ الآية.
روي عن ابن عامر (زُيِّنَ) بالضم، (قَتْلُ) بالرفع: اسم ما لم يسم فاعله، (أوْلادِهِم) بالخفض على الإضافة، (شركاؤُهم) بالرفع على إضمار فعل دل عليه (زُيِّنَ)، كأنه قيل: زَيَّنَهُ شركاؤهم، وحكى النحويون أنه يجوز: "ضُرِبَ زَيْدٌ عَمْرُو"، كأنه قيل: "ضَرَبَهُ عَمْرُو"، كما قال (الشاعر):
؎ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارعٌ لخُصومةٍ.
كأنه قال: يبكيه ضارع.
وروى أبو عبيد عن ابن عامر (زُيّنَ) بالضم مثل الأول، (قَتْلُ) بالرفع، (أولادَهم) بالنصب، (شركائِهم) بالخفض على التفريق بين المضاف والمضاف اليه، وهو بعيد في الكلام، وبذلك قرأنا لابن عامر، وهي رواية الشاميين عنه، وإنما يجوز في (الظرف وحروف) الخفض. وقد روي بيت يجوز ذلك فيه وهو:
؎ فَزَجَجْتُها مُتَمَكّناً زَجَّ القَلوصَ أبي مَزادَه وهو بعيد.
وقد روي عن ابن عامر أيضاً مثل القراءة الأولى، إلا أنه خفض الشركاء مع خفض "الأولاد"، فهذا يجوز على أن تبدل "الشركاء" من "الأولاد"، لأن الأولاد شركاؤهم في النسب والميراث.
وأما قراءة الجماعة بفتح الزاي، ونصب (قَتْلَ)، وخفض "الأولاد"، ورفع "الشركاء" فهو ظاهر الكلام ووجهه.
ومعنى الآية: (و) كما زين لهؤلاء أن جعلوا لله نصيباً، ولآلهتهم نصيباً، فحكموا فيه بما لا يجب، كذلك زين لكثير من المشركين قتلهم: أن قتلوا أولادهم خيفة العَيْلَةٍ، وهو وَأد البنات ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أي: ليهلكوهم، ﴿وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فعلوا ذلك (بهم) ليخلطوا عليهم دينهم) فيضلوا، ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾: أي: لوفقهم إلى الصواب، ولكن خذلهم فقتلوا أولادهم وأطاعوا الشياطين. ولم يضطرهم إلى ذلك، إنما خَذَلَهُم وحَالَ بينهم وبين التوفيق.
* *
قوله: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ هذا تهدد وتوعد من الله لهم، أي: ذرهم - يا محمد - وما يكذبون، فإني لهم بالمرصاد.
الأنعام 6:138
قوله: ﴿وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ الآية.
قرأ أبان بن عثمان (حُجُر) بالضم (للحاء والجيم). وقرأ قتادة والحسن (حُجْر) بضم الحاء وإسكان الجيم. وهي لغات في (حِجْر).
والحِجْرُ: الحرام، يقال: حُجُرٌ وحُجْرٌ وحِجْرٌ، وفيها لغة أخرى وهي "حِرْجٌ" بتقديم الراء، مثل: "جَبَذَ" و "جذب".
وقيل: معنى "حِرْج": ضيق، من قولهم: "فلان يتحرَّج" أي: يُضَيِّق على نفسه.
وعن ابن عباس: (وحَرْثٌ حِرْجٌ الراء قبل الجيم، وكذا في مصحف أبُيّ، ومعناه ما ذكرنا.
ومعنى الآية: أن الله حكى عن المشركين أنهم يحرمون ويحللون من عند أنفسهم تَخرُّقاً منهم وتَقُّولاً بما لم ينزل الله ولا أمر به، و "الحرث" - هنا - (هو) ما ذكر في الآية الأولى من جعلهم لله ثم يردونه إلى آلهتهم، و (الانعام: قيل) إنهم كانوا يجعلون لله أنعاماً، فإذا ولدت الأنثى أكلوه، ويجعلون لآلهتهم أنعاماً، فإذا ولدت الأنثى عظموه، ويأكلون الميتة مما لله. وقيل: الأنعام هنا (هي) البحيرة وما بعدها مما ذكر في "المائدة".
والحجر: الحرام، ومنه: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] أي: حراماً محرماً.
﴿وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ هو الحامي: وقيل: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها. والحامي: البعير الذي يحمى ظهره، وهو الذي قد ألقح ولد ولده، فلا يركب ولا يجز (له وبر)، ولا يمنع من مرعى، وأي إبل ضرب فيها لم (يمنع منها).
والبحيرة: هي التي يبحر أذنها، أي: يشق، ويحرم لحمها على الرجال والنساء. وقيل: البحيرة: ابنة السائبة. والسائبة: الناقة كانت إذا نتجت سبعة أبطن سيبت فلم تركب ولم يجز لها وَبَرٌ، وبحرت أذن ابنتها وأجريت مجراها. وقد ذكر هذا في "المائدة" بأشبع من هذا.
* *
وقوله: ﴿وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾: هو ما ذبحوه لآلهتهم، لا يذكرون اسم الله [عليه]. وقوله: ﴿إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ كانوا يذبحون أشياء لا يأكلها إلا خدمة الأصنام. وقيل: كانت البحيرة لا تركب ولا يحمل عليها شيء ذكر عليه اسم الله.
﴿ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ﴾ أي: كذباً على الله، سيجزيهم بكذبهم.
وقد روي عن الدوري عن الكسائي (افتراء) بالإمالة، والفتح أشهر، وكذلك ذكر أبو الحارث عن الكسائي، (قال الكسائي) لأنه مصدر لا أميله.
الأنعام 6:139
قوله: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿خَالِصَةٌ﴾: أُنّثت (ما) لتأنيث (الأنْعَامِ)، لأن ما في بطونها ملتبس بها، كما قال:
؎ (مشين كما اهتزّت رماح) تَسَفّهَتْ ∗∗∗ أعاليها مَرُّ الرِيّاح النواسم
فأنِّث، لأن المَرُّ من الرياح، هذا قول الفراء. وقال الكسائي والأخفش: دخل التأنيث للمبالغة. وقيل: "التأنيث على معنى (ما)، والتذكير على اللفظ"، كذا قرأ ابن عباس (خَالِصُهُ) بالتذكير، والمعنى: ما خلص منه حياً لذكورنا.
﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا﴾ يعني الإناث".
وقرأ الأعمش (خَالصٌ) بغير هاء، على التذكير على اللفظ، ولأن بعده ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾.
وهذه الآية - في قراءة الجماعة - أتت على خلاف نظائرها في القرآن، لأن ما يحمل على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، إنما يتقدم أولاً الحمل على اللفظ ثم يليه الحمل على المعنى، نحو: ﴿مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٢] ثم قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٦٢]، ونحو ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ [الرعد: ١٥] ثم قال: ﴿وَظِلالُهُم﴾ [الرعد: ١٥]، وهو كثير، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب، يتقدم الحمل على اللفظ، ثم يحمل بعد ذلك على المعنى. وهذه الآية تقدم الحمل (فيها) على المعنى فقال: (خالِصَة)، ثم حمل بعد ذلك على اللفظ فقال ﴿وَمُحَرَّمٌ﴾. ومثله قوله: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: ٣٨]، فقال أولاً (سَيئةً) فأنث وحمل على معنى (كل)، لأنها اسم لجميع ما تقدم مما نهى عنه من الخطايا، ثم قال بعد ذلك (مَكْروهاً)، فذكّر على لفظ (كل)، وهذا إنما هو على قراءة نافع ومن تابعه. وكذلك ﴿مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٢-١٣]، فجمع "الظهور" حملاً على معنى (ما)، ووحّد الهاء حملاً على لفظ (ما). وحكي عن العرب: "ليت هذا الجراد قد ذهب فأراحنا (من) أَنْفُسِهِ"، فجمع "الأنفس" ووحّدُ الهاء وذكّرَها.
ومن قرأ (يَكُن) بالياء، رده على لفظ (ما)، وردّه أيضاً على ما بعده، لأن بعده (فَهُمْ فيه)، ولم يقل: "فيها"، والمعنى: (وإن) يكن ما في بطونها ميتةً.
ومن رفع (مَيْتَةٌ) جعل "كان" بمعنى "وقع"، وقال الأخفش: التقدير: "وإن تكن في بطونها ميتةٌ"، جعل الخبر محذوفاً.
ومن قرأ بالتاء، أنّث على معنى (ما). وقيل: التقدير: "وإن تكن النّسمة ميتةً".
و (هي لما) في بطون الأنعام التي يسمونها الوصيلة، وهي الشاة: كانت إذا ولدت ستة أبطن: عناقَيْن (عناقيْن)، وولدت في السابع عناقاً وجدياً، قالوا: وصلت أخاها، فكان لبنها حلالاً للرجال حراماً للنساء، فإن ماتت أحل لحمها للرجال والنساء، فعابهم (الله) بهذه الأحكام التي لم يؤمروا بها.
ومعنى الآية - في قول ابن عباس - أن الذي ذكروه مما في بطون الأنعام: هو اللبن، جعلوه حلالاً للذكور، (وحراماً على الإناث. قال قتادة: هو ألبان البحائر، حلّلوه للذكور)، وحرموه على الإناث، وإنْ يَكن ميتة اشترك فيه الذكور والإناث. قال ابن عباس: كانت الشاة اذا ولدت ذكراً وذبحوه، أكله الرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، (وإن) كانت ميتة فهم فيه شركاء. قال السدي وغيره: عنى بذلك ما في بطون الأنعام من الحمل، إن ولد حياً، فهو للرجال دون النساء، وإن ولد ميتاً أكله الرجال والنساء.
والأزواج هنا: نساؤهم. وقال ابن زيد: الأزواج هنا: بناتهم. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ أي: سيكافئهم وصفهم، أي: على وصفهم، وهو قولهم الكذب، قال قتادة: وصفهم: كذبهم، أي: يجزيهم عليه.
الأنعام 6:140
قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلَٰدَهُمْ﴾ الآية.
المعنى: قد هلك الذين قتلوا أولادهم وحرموا ما رزقهم الله، وهم الذين تقدم ذكرهم، وقوله ﴿سَفَهاً﴾ أي: جهلاً منهم، افتراء عليه، أي: كذباً عليه وتخرصاً، ﴿قَدْ ضَلُّواْ﴾ أي: تركوا الحق في فعلهم، ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ أي: لم يهتدوا الى الحق في فعلهم ذلك، ولا وقفوا له.
قال قتادة: نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم خوف السباء والفاقة، ونسبوا البنات إلى الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقوله: ﴿وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ﴾: هو تحريمهم أكل البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.
الأنعام 6:141
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ﴾ الآية.
هذه الآية إعلام من الله وتذكير لعباده بنعمه، ومعنى ﴿أَنشَأَ﴾ أحدث وابتدع، الجنات وهي البساتين، والمعروشات: ما عُرِشَ كهيئة الكرم ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ﴾: ما لم يُعرَش.
وقيل: المعروشات: ما غرس الناس، وغير معروشات: ما نبت في البر والجبال من غير غرس (الناس) له من الثمرات. وقيل: معروشات: "عليها حيطان".
﴿وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ﴾ أي: وأنشأ ذلك. ﴿مُخْتَلِفاً﴾ أي: مقدراً فيه الاختلاف ولم ينشأ في أول مرة مختلف، وهذا كما تقول: "لَتَدْخُلَنَّ الدَّارَ آكلِينَ شَارِبينَ"، أي: مقدرين ذلك.
والمعنى: "مختلفاً ما يخرج منه مما يؤكل". ﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ﴾ أي: وأنشأ الزيتون والرمان ﴿مُتَشَٰبِهاً﴾ ((أي)) في اللون والمنظر، ﴿وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ﴾ ((أي)) في الطعم. وقيل: المعنى: أن منه ما يشبه بعضه بعضاً في الطعم، ومنه ما لا يشبه بعضه بعضاً في الطعم والمنظر. ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ﴾ أي: من رُطَبِهِ (وعنبه).
* *
قوله: ﴿حَصَادِهِ﴾: بالفتح تميمية، وبالكسر حجازية.
* *
وقوله: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾: قال سعيد بن جبير: هذا منسوخ بالزكاة، وهو قول عكرمة، وبه يقول الطبري.
و "قال الضحاك: نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن".
وقال ابن عباس: هو منسوخ بالسنة، بقول النبي: العشر ونصف العشر، وهو قول السدي وابن الحنيفة والنخعي؟.
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي عليه السلام قال: هو ما يسقط من السنبل والآية - على هذا - نَدْبٌ.
وقال أنس بن مالك: هي محكمة، والمراد بها الزكاة المفروضة، وهو قول الحسن وابن المسيب وجابر بن زيد وعطاء وقتادة وزيد بن أسلم، وهو مروي عن مالك.
واختلف فيه أصحاب الشافعي: فمنهم من تأول عنها أنَّها منسوخة، لأنه ليس في الرمان ولا في شيء من الثمار زكاة إلا في النخل والكرم. ومنهم من قال: هي محكمة على تأويل مذهبه.
وقال سفيان: الآية في شيء آخر سوى الزكاة، وهو أن [يدع] المساكين لما يسقط من الحصادين، (وهي) محكمة. و (قد) قيل: إنَّها على الندب.
وقد عورض من قال: إنَّها في الزكاة المفروضة، بأنَّ هذه الآية مكية والسورة كذلك، ولم يختلف العلماء أنَّ الزكاة إنما فرضت بالمدينة، ولو كانت الزكاة المفروضة لوجب أن تعطى وقت الحصاد على نص الآية وقد جاءت السُّنَة أنَّ الزكاة لا تعطى إلا بعد الكيل.
وفي الآية: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾ فلا يجوز أَنْ يكون هذا في الزكاة، لأَنَّها معلومة محدودة، ويجب أَنْ تكون الزكاة في كل الثمر ولو كانت في الزكاة المفروضة، وهذا لا يقوله أحد، وقد قال أبو حنيفة: إن في كل ما أخرجت الأرض الزكاة إلا الحطب والحشيش والقَصَبِ. فخص الآية ولم يجرها على عمومها، وتفرد بذلك.
وروي أن قوله ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾ نزل في ثابت بن قيس لما صرم نخله خلى بين الناس وبينه كله فلم يبق لأهله شيئاً منه، فنزل ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾، أي: في العطاء فتبقوا لا شيء لكم.
ولم يختلف العلماء أن في أربعة أشياء الزكاة: الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وجماعة منهم على أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة، وهو قول الحسن والشعبي والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن سيرين ويحيى بن آدم وغيرهم.
وزاد ابن عباس على هذه الأربعة: الزيتون (والسلت.
وزاد الزهري على هذه الأربعة: الزيتون) والحبوب كلها. وهو قول عطاء وعمر بن عبد العزيز ومكحول ومالك والأوزاعي والليث، وهو قول الشافعي بالعراق، ثم رجع بمصر. عن الزيتون فلم ير فيه زكاة، قال: لأنه أُدُمٌ وليس يُؤْكَلُ بنفسه.
وهذا كله يدل على أَنَّ الآية منسوخة، إذ ليس أحد منهم أوجب ظاهر نص الآية. ومن قال: إنَّها محكمة وإنَّها في شيء غير الزكاة، احتج بحديث رواه الخدري عن النبي عليه السلام أنه فسره فقال: ما سقط عن السنبل. وهذا الحديث، لو صح لكان منسوخاً بالإجماع، لأنه قد أجمع على أنه لا فرض في المال سوى الزكاة.
فأما من قال بالندب فهو جائز، إلا أن قائله غير معروف. ومعنى ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾ - عند ابن المسيب -: لا تمتنعوا من الزكاة المفروضة.
وقال أبو العالية: كانوا يعطون حتى يجحفون في الإعطاء، فأنزل الله ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾، وهذا قبل فرض الزكاة. قال السدي: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء.
قال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس جَدَّ نخلاً (له)، فحلف ألا يأتيه أحد إلا أعطاه، فأمسى ليست له ثمرة فأنزل الله ﴿وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ﴾.
وقال مجاهد: ((و) لا تُسْرِفوا): لا تحرموا ما حرمت الجاهلية من الحرث والأنعام.
وقال ابن زيد: هذا للسعاة، أي: لا تأخذوا للولاة ما لا يجب على الناس.
قال أصبغ بن الفرج: (و) لا تُسْرِفوا) (أي) لا تأخذوه بغير حقه ولا تضعوه في غير حقه.
الأنعام 6:142
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ (الآية).
﴿حَمُولَةً﴾ منصوبة بـ (أَنْشأَ)، أي: وأنشأ من الأنعام حمولةً وفرشاً مع ما أنشأ من الجنات.
والحمولة: ما حمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار التي لم يحمل عليها بعد، وقيل: الحمولة: الإبل والبقر التي يحمل عليها.
وقيل: هي ما حمل عليه من الإبل والخيل والبغال وغير ذلك، والفرش: ما لم يحمل عليه من الصغار، وقيل: الفرش الغنم قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. وقال السدي: الفرش: الفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو "حمولة". قال ابن زيد: "الحمولة": ما تركبون، والفرش: ما تأكلون وتحلبون".
وقيل: الحمولة المُذَلَّلَة للحمل، والفرش: ما خلقه الله من الجلود والصوف مما يُتَمَهَّدُ عليه ويُتَوَطَّأُ به.
ومما يدل على أَنَّها الإبل والبقر والغنم قوله: ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] بعده، فجعل: ﴿ثَمَٰنِيَةَ﴾ بدلاً من ﴿حَمُولَةً﴾، ثم فسرها بالإبل والبقر والغنم. فلا معنى للصوف والجلود في قوله: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية: هذا (أمر للمؤمنين)، معناه: الإباحة لهم بأن يأكلوا من ثمراتهم وحروثهم ولحوم أنعامهم، ولا يحرموا ما حرم المشركون، ثم قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ﴾ كما اتبعها هؤلاء، بحروا البحائر وسيبوا السوائب. ومعنى ﴿خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ﴾ أي: طرقه التي يتخطى فيها الحلال إلى الحرام والأنعام: الإبل. وقيل: الإبل والبقر والغنم. وقيل: هي كل ما أحله من الحيوان.
الأنعام 6:143
قوله: ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾ الآية.
في نصب ﴿ثَمَٰنِيَةَ﴾ خمسة أقوال:
- قال الكسائي: (هو) منصوب بـ ﴿أَنشَأَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
- وقال الأخفش: نصبه على البدل من ﴿وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] - وإن شئت: على الحال.
- وقال علي بن سليمان: (هو) منصوب بـ ﴿كُلُواْ﴾، أي: كلوا [لحم] ثمانية أزواج.
- وقيل: هو منصوب على البدل من (ما) على الموضع.
* *
وقوله: ﴿ٱثْنَيْنِ﴾ بدل من (ثَمانِيَةَ، وكذا ﴿وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾.
وقرأ أبان بن عثمان: (مِنَ الضَّأنِ اثْنَان) برفع "الاثْنَيْنِ" على الابتداء والخبر.
ومعنى الآية: أَنَّ الله نَبَّه المؤمنين على ما أحل لهم لَئلاَّ يكونوا كمن ذكر ممن يحرموا ما أحل الله. ومعنى: ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾ أي: أفراد لأن كل فرد يحتاج الى غيره، فهو زوج، والثمانية الأزواج قد فسرها (تعالى)، وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، وسماها ثمانية وهي أربعة، لأن (كل) واحد: ذكر وأنثى، ألا ترى إلى قوله: ﴿مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ﴾ أي: ذكر وأنثى، وكذلك: ﴿وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾، وما بعده مثله. وقوله: ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ (أَمِ) ٱلأُنثَيَيْنِ﴾ أي: ما الذي حُرِّمَ عليكم فيما زعمتم: (أذكر) الضأن والمعز، أم أنثى الضأن والمعز؟، فإن كان التحريم من جهة الذكر فيجب أن تحرموا على أنفسكم كل ذكر، وأنتم تستمتعون ببعض الذكور وتأكلونه، وإن كان من جهة الأنثى فحرموا كل أنثى، أم حرم عليكم ما اشتملت عليه أرحام (الانثيين؟، فيلزمكم أن تحرموا كل ما اشتملت (عليه) الأرحام، فتحرموا الذكر والأنثى.
قال الطبري: أَمَرَ الله نبيه أن يقول لهم ذلك، فإن ادعوا تحريم الذكرين أَوْجَبُوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم لا يفعلون ذلك، بل يستمتعون بلحوم بعض الذكران وظهورها، وإن قالوا: الأنثيين، أوجبوا تحريم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك، وإنما هذا إبطال لما ادعوا أن الله حرم عليهم ذلك.
* *
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أي: أخبروني عن علم ﴿إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية.
أي: أجاءكم به نبي، أم حضرتم ربكم إذْ أَمَر بهذا، فسمعتم ذلك منه، وهذا على التبكيت لهم والقطع لحجتهم، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: اخترق الكذب ﴿لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: من أشد ظلماً منه.
الأنعام 6:144
قوله: ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾ الآية.
في نصب ﴿ثَمَٰنِيَةَ﴾ خمسة أقوال:
- قال الكسائي: (هو) منصوب بـ ﴿أَنشَأَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
- وقال الأخفش: نصبه على البدل من ﴿وَفَرْشاً﴾ [الأنعام: ١٤٢] - وإن شئت: على الحال.
- وقال علي بن سليمان: (هو) منصوب بـ ﴿كُلُواْ﴾، أي: كلوا [لحم] ثمانية أزواج.
- وقيل: هو منصوب على البدل من (ما) على الموضع.
* *
وقوله: ﴿ٱثْنَيْنِ﴾ بدل من (ثَمانِيَةَ، وكذا ﴿وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾.
وقرأ أبان بن عثمان: (مِنَ الضَّأنِ اثْنَان) برفع "الاثْنَيْنِ" على الابتداء والخبر.
ومعنى الآية: أَنَّ الله نَبَّه المؤمنين على ما أحل لهم لَئلاَّ يكونوا كمن ذكر ممن يحرموا ما أحل الله. ومعنى: ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾ أي: أفراد لأن كل فرد يحتاج الى غيره، فهو زوج، والثمانية الأزواج قد فسرها (تعالى)، وهي الضأن والمعز والإبل والبقر، وسماها ثمانية وهي أربعة، لأن (كل) واحد: ذكر وأنثى، ألا ترى إلى قوله: ﴿مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ﴾ أي: ذكر وأنثى، وكذلك: ﴿وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾، وما بعده مثله. وقوله: ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ (أَمِ) ٱلأُنثَيَيْنِ﴾ أي: ما الذي حُرِّمَ عليكم فيما زعمتم: (أذكر) الضأن والمعز، أم أنثى الضأن والمعز؟، فإن كان التحريم من جهة الذكر فيجب أن تحرموا على أنفسكم كل ذكر، وأنتم تستمتعون ببعض الذكور وتأكلونه، وإن كان من جهة الأنثى فحرموا كل أنثى، أم حرم عليكم ما اشتملت عليه أرحام (الانثيين؟، فيلزمكم أن تحرموا كل ما اشتملت (عليه) الأرحام، فتحرموا الذكر والأنثى.
قال الطبري: أَمَرَ الله نبيه أن يقول لهم ذلك، فإن ادعوا تحريم الذكرين أَوْجَبُوا تحريم كل ذكر من ولد الضأن والمعز، وهم لا يفعلون ذلك، بل يستمتعون بلحوم بعض الذكران وظهورها، وإن قالوا: الأنثيين، أوجبوا تحريم كل أنثى من ولد الضأن والمعز على أنفسهم، وهم لا يفعلون ذلك، وإنما هذا إبطال لما ادعوا أن الله حرم عليهم ذلك.
* *
﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أي: أخبروني عن علم ﴿إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾.
* *
ثم قال: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ﴾ الآية.
أي: أجاءكم به نبي، أم حضرتم ربكم إذْ أَمَر بهذا، فسمعتم ذلك منه، وهذا على التبكيت لهم والقطع لحجتهم، ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: اخترق الكذب ﴿لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: من أشد ظلماً منه.
الأنعام 6:145
قوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية.
المعنى: قل لهم يا محمد: لست أجد شيئاً قد حرمه الله على آكل يأكله - فيما أوحي إليَّ من كتاب الله - إلا الميتة، والدم المسفوح - وهو الجاري السائل - ولحم الخنزير، وما ذبح للأصنام والأوثان: وهو قوله: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ﴾
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ﴾ (أي) إلى أكل هذا المحرم، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: (أي يبغي) الميتة، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ في الأكل. وقيل: باغ على المسلمين، من خرج لقطع السبيل، فليس له اذا جاع أن يأكل الميتة، قال ابن جبير. قال ابن عباس: من أكل الميتة غير مضَّطَر فقد بغى واعتدى. وقد تقدم ذكر هذا في سورة البقرة.
ومن قرأ (تكون) بالتاء ونصب ﴿مَيْتَةً﴾ فتقديره: إلا أن ﴿يَكُونَ﴾ المأكولة ميتة.
ومن قرأ بالتاء ورفع "الميتة" جعل "كان" بمعنى "وقع"، وعطف ﴿أَوْ دَماً﴾ على (أَنْ) المستثناةِ.
والرجس هنا: النجس.
وفي هذه الآية خمسة أقوال:
- قيل: إنها منسوخة بالسنة، لأن النبي عليه السلام قد حرّم لحوم الحَمُر الأهلية وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. والآية تدل على أنه لا محرّم إلا ما فيها. وهذا قَولٌ مَرْدودٌ، لأنه خبر، والأخبار لا تنسخ.
- وقيل: إن الآية محكمة ولا حرام إلا ما فيها. وهو قول ابن جبير والشعبي، وبه قالت عائشة: لا حرام إلا ما في الآية.
- وقال الزهري ومالك بن أنس وغيرهما. الآية محكمة، ويضم ما سَنَّهُ النبي ﷺ، فيكون داخلاً في المحرمات.
والقول الرابع: إن الآية جواب لقوم سألوا عن أشياء فأجيبوا عنها، ثم بيّن النبي عليه السلام تحريم ما لم يسألوا عنه، ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فالنبي عليه السلام يحرم بالوحي الذي في القرآن، ويحرم بما ليس في القرآن، وعلى الناس اتباع ذلك لقوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣]: ولقوله: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾ [النور: ٥٤].
وأكثرهم يرى الضبع صيداً، منهم علي بن أبي طالب وابن عباس. قال عكرمة: رأيتُها على مائدة ابن عباس. وأجازه ابن عمر.
وقال أبو هريرة: الضبع نَعْجَةُ الغنم. وكَرِهَهَا مالك.
وقال الحسن البصري والنخعي والزهري: الثعلب سبع. وبه قال مالك، وكذلك روي عن أبي هريرة. ورخص في أكله عطاء وطاوس وقتادة والشافعي وأبو ثور.
وأكثرهم على منع أكل الهَرِّ. وبه قال مالك. ورخص فيه الليث. وذكره مجاهد وطاوس ثمن السنَّوِر، وبيعه، وأكل لحمه، وأنْ يُنْتَفَعَ بجلده.
وكلهم على أن ما قطع من الحي مما يؤلمه فهو ميتة. ورخص مالك رحمه الله في جواز قطع أَلْيَةِ الكبش ليُكْثِرَ لحمه، ومنع من أكل ما قطع.
وكره عمر بن الخطاب إخصاء الذكور، وكذلك ابن عمر، ورخص. فيه الحسن وطاوس وعروة بن الزبير. ولم ير مالك بإخصاء ذكور الغنم بأساً، لأنه صلاح للحومها.
قال ابن عمر: نهى النبي ﷺ عن إخصاء الإبل والبقر والغنم والخيل.
وأكثرهم على منع أكل لحم القرد.
وأجاز الشعبي أكل لحم الفيل، ولم يجزه الشافعي، ومنع من الانتفاع بعظمه.
وأرخص مالك لحوم الحيات، يعمل بها الدّرْيَاقُ، وقال: تَذّكى.
وكره ذلك سفيان والحسن البصري وابن سيرين.
وسُئِلَ الأوزاعي عن أكل الذُبَّانِ، فقال: ما أراه حراماً.
وأكثرهم على جواز شرب أبوال ما أُكِلَ لحمه.
وقال مالك رحمه الله: أكره الفأر والعقارب والحيَّةَ من غير أن أراه حراماً بَيِنّاً، ومن أكل حيَّةَ فلا يأكلها حتى يذبحها.
(وسُئِلَتْ عائشة رضي الله عنها عن الفأرة، فقرأت: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ إلى آخر الآية، تريد تحليلها).
ولا يجوز - عند الشافعي - أكل شيء مما أبيح للمحرم قتله.
وسُئِل مالك رحمه الله عن أكل الغراب والحِدَإِ، فقال: لم أدرك أحداً ينهى عن أكل ذلك (ولا يأمر بأكلها.
وكره جماعة أكل الخيل، وكرهه مالك)، وأجازه جابر بن عبد الله وعطاء والحسن وغيرهم، وبه قال الشافعي وابن حنبل.
وأكثرهم على إجازة أكل (لحم) الضَّبِّ والأرنب واليربوع، وهو مذهب مالك والشافعي، ووقف مالك في القنفد.
الأنعام 6:146
قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية.
قرأ الحسن ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ بالإسكان، وقرأ أبو السمّأل ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ بكسر الظاء، وأنكر ذلك أبو حاتم.
(و) قوله: ﴿أَوِ ٱلْحَوَايَآ﴾ في موضع رفع على معنى: "أو إلاّ ما حملت الحوايا"، فهو عطف على "الظهور"، فتكون داخلة في الذي هو حلال، وكذلك (ما) الثانية داخلة في الحلال، وقيل: هي في موضع نصب، عطف على المستثنى وهو (ما). وقيل: هو معطوف على "الشحوم"، والمعنى: حرمنا عليهم شحومهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم إلا ما حملت ظهورهما فتكون الحوايا داخلة في التحريم على هذا، و (ما) الثانية عطف عليها.
ومعنى الآية أن الله أخبر نبيه أنه حرم على اليهود - جَزاءً بِبغْيِهِمْ - كل ذي ظُفُرٍ، وهو من البهائم (و) الطير ما لم يكن مشقوق [الأصابع] كالإبل والنَّعَام والإوز والبط، وأَنَّهُ حُرَمَ عليهم شحوم ثروب الغنم والبقر. وقيل: إنَّما حرّم عليهم كل شحمٍ غير مختلط بعظمٍ ولا على عظمٍ.
وقال السدي: الذي حرّم عليهم هو شحوم الثروب و [الكلى]. ﴿إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾: يعني شحوم الجنب والظهر ونحوه.
وواحد "الحوايا": "حاوياء"، مثل نافقاء، هذا مذهب سيبويه. وقال الكسائي: واحدها "حاوية"، مثل ضاربة. وهي ما تَحَوّى في البطن ويَسْتَدير، وهي "المباعر"، فاستثنى في الحلال ما حملت الحوايا، فهذا يدل على عطف "الحوايا" على "الظهور" في موضع رفع. وأكثرهم على أن الحوايا: المباعر، تدعى عند العرب: "المرابض".
﴿أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾: يعني شحم الألية وشبهه حلال.
وقيل: واحد الحوايا "حوية".
الأنعام 6:147
قوله تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ﴾ الآية.
المعنى: فإِنْ (كذبك) - يا محمد - (هؤلاء) اليهود فيما أوحينا إليك أَنَّا حرمنا عليهم، ﴿فَقُلْ: رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ بالمؤمنين، تَسَعُ المسيء والمحسن منهم، ولا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ﴿وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ إذا أراد حلوله بهم، و "المجرمون": الذين أجرموا أي: اكتسبوا الذنوب واجترحوا السيئات.
وكان نزول هذه الآية بسبب أن اليهود قالت: لم يحرم الله علينا شيئاً، إنَّما حرُّمَ إسرائيل على نفسه الثرب وشحم الكليتين، فنحن نحرمه. فذلك قوله: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾، أي: قالوا: لم يحرم الله علينا ذلك، فقل: ربكم ذو رحمة واسعة.
الأنعام 6:148
قوله: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ (الآية).
والمعنى: سيقول المشركون من قريش وغيرهم - الذين تقدم ذكرهم - إذا تبين لهم أنُّهم على باطل، قالوا: لو شاء الله ما فعلنا ذلك، ثم أخبرنا الله أن قولهم هذا (قد) قال به من كان قبلهم حتى نزلت بهم العقوبة، وهو قوله: ﴿كَذٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ أي: نزلت بهم عقوبة فعلهم.
وقد تعلقت المعتزلة بهذه الآية فقالوا: إن الله لم يشأ شرك المشركين، لأن الله لم يذكر هذه الآية إلا على جهة الذم لهم في قولهم: إن الله لو شاء ما أشركوا. فأضافوا ما هم عليه من الشرك أنه عن مشيئته كان ولو أن قولهم صحيح. ما ذَمَّهُمْ عليه. قالوا: فَدَلَّ ذلك على أن الله لم يشأ شرك المشرك.
وفي قوله تعالى - بعد الآية -: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ [الأنعام: ١٤٤، الأعراف: ٣٧، يونس: ١٧، الكهف: ١٥] ما يدل على بطلان كذلك، بل الله المقدر لكل أمر من شرك وغيره.
ومعنى: ﴿لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا﴾ أي: لو شاء لأرسل الى آبائنا رسولاً يردهم عن الشرك، فنتبعهم. وقيل: إِنَّما قالوا ذلك على جهة الهُزْء واللعب والاستخفاف، ولو قالوه على يقين وحق لما رَدَّ عليهم ذلك.
ثم قال لنبيه: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾: (قل) لهم يا محمد: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ على ما تقولون وتدّعون أن الله رضي ما صنعتم من عبادتكم الأوثان وتحريمكم ما لم يأمركم به؟، ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ أي: فتظهروا العلم بذلك، وما تتبعون إلا الظن في عبادتكم وتحريمكم، وما أنتم إلاّ تخرصون، أي: تتقَوّلون الكذب والباطل على الله ظناً بغير علم ولا برهان.
الأنعام 6:149
قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد بعد عجزهم عن إقامة الحُجَّة فيما ادَّعَوا: لله الحُجَّة البالغة عليكم. ومعنى ﴿ٱلْبَالِغَةُ﴾ التي تبلغ مراده في ثبوتها على من احَتَجَّ بها عليه من خلقه، ﴿فَلَوْ شَآءَ﴾ ربكم، ﴿لَهَدَاكُمْ﴾ أي: لوفقكم للهدى. وذلك أنْهم جعلوا قولهم ﴿لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] حُجَّة في إقامتهم على شركهم، جعلوا أنّ كل من كان على شيء من الأديان فهو على صواب، لأنه يجري - فيما يعتقدون - على مشيئة الله.
وهذا يريدون به إبطال الرسالة، إذ لا معنى لها على هذا القول فيُقَال لهم: فالذين على خلافكم في الدّينِ، أليس هم أيضاً على مشيئة الله؟، فينبغي أن لا تقولوا إنهم ضالون، والله يفعل ما يشاء، قادر على أن يهدي الخلق أجمعين، وليس للعباد عليه أن يفعل بهم كل ما يقدر عليه، لا معقب لحكمه، ولا راد لفعله.
الأنعام 6:150
قوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ الآية.
المعنى: قل يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن الله حَرَّمَ عليهم ما ذكروا من الأنعام والحروث وغيرها: هاتوا شهداءكم يشهدون أن الله حرم عليكم ما ذكرتم، ﴿فَإِن شَهِدُواْ﴾ أي: فإن جاءوك بشهداء يشهدون أن الله حرم ما يزعمون، ﴿فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ فإنهم كذبة.
وهذا خطاب للنبي، والمراد به أصحابه.
﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ أي: لا تتابعهم على ما هم عليه من التكذيب وتحريم ما لم يحرِم الله، ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يجعلون له عديلاً، أي: ولا تتبع أهواء هؤلاء أيضاً.
الأنعام 6:151
قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
(ألا تشركوا): (أن) في موضع نصب على البدل من (ما). وقيل: هي في موضع نصب على معنى: "كراهة ألا تشركوا"، ويكون - على ذلك - المتلو عليهم غير الإشراك.
ويجوز أن تكون في موضع رفع على معنى: "هو (أَنْ لاَ) تشركوا" فيكون متلواً كالقول الأول، و ﴿تُشْرِكُواْ﴾ في موضع جزم على أَنْ (لا) للنهي، وهو اختيار الفراء، قال: لأن بعده: "ولا تفعلوا كذا".
وإن شئت جعلت ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ خبراً في موضع نصب، كما تقول: "أمرتك ألا تذهب إلى زيد"، و "ألا تذهب" بالجزم والنصب. ولك أن تجعل ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ نصباً، وما عطفته عليه جزماً على النهي.
* *
قوله: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: ﴿مَا﴾ في موضع نصب بدل من ﴿ٱلْفَوَاحِشَ﴾.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: "ذلك" في موضع رفع على معنى: الأَمْرُ ذلكم. ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: بَيَّنَ ذلكم.
ومعنى الآية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المحرمين ما لم يحرمه الله عليهم: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حقاً يقيناً (ووحياً) أوحي إلي، (وتنزيلاً) أنزله علي: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ أي: وأوصى بالوالدين إحساناً، ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ﴾ أي: خشية الفقر، فإنَّ الله هو رازقكم وإيَّاهم، وعنى بالأولاد هنا: الموؤدة التي زين قتلها للمشركين شركاؤهم، والإملاق: (مصدر "أملق) الرجل من (الزاد) "إذا فني زاده وافتقر، ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ أي: الظاهر منها والباطن.
والظاهر: هو ما كان من الزنى الظاهر، والباطن: هو ما كان منه في خفاء، قاله السدِّي وغيره. وقيل: هو كل منهي عنه وكل محرم (و) لا يأتونه ظاهراً ولا باطناً. وقيل: إنَّهم كانوا يستقبحون الزنى (الظاهر) ولا يرون بأساً بالبالطن، فنهوا عن الظاهر والباطن، قاله الضَحَّاك. وقيل: الظاهر: الجمع بين الأختين وتزويج الرجل امرأة أبيه بعده، والباطن: الزنى: قاله ابن عباس. وقال ابن جبير: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: نكاح الأمهات، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنى.
* *
قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: بنفس مؤمنةٍ أو مُعَاهَدَةٍ أو يزني وهو محصن، أو يرتد عن دينه الحق ولا يعود، ﴿ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ أي: هذا الذي وصاكم به وإيانا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي تعقلون ما وصاكم به. ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تمام إن جعلت (أَنْ) رفعاً.
الأنعام 6:152
قوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الآية.
والمعنى: وأوصى ألا تقربوا مال اليتيم، ﴿إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: يعني التجارة فيه. وقال السَدِّي: يُثَمَّرُ ماله.
وقال الضَحَّاك: يبتغي له فيه الربح ولا يأخذ من ربحه شيئاً. وقال ابن زيد: أن يأكل بالمعروف إن افتقر، ولا يأكل منه إن استغنى.
﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: الحُلُم عند مالك وغيره. قال السَدَّي: ﴿أَشُدَّهُ﴾: ثلاثون سنة. وروي عنه: ثلاث وثلاثون. وقيل: بلوغ الأشد: أن يؤنس مع بلوغ الحلم. وهذا قول حسن، وبه يقول أهل المدينة.
ومعنى: ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: فإذا بلغ فادفعوا إليه ماله إن آنستم منه قوله رشداً، هذا المعنى محذوف من الكلام للدلالة عليه، إذ لو تركنا والظاهر، ولم نقدر حذفاً، لكان المعنى: أن يقرب ماله إذا بلغ أَشُدَّه، لأنَّ النهي إنَّما وقع على المدة التي هي قبل الأشدِ. قوله: ﴿وَأَوْفُواْ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ﴾ أي: لا تبخسوا الناس الكيل والميزان، ولكن اعطوهم حقوقهم، (بالقسط) أي: بالعدل، ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾: أي: لا نكلفها في إيفَاءِ الكيل والوزن إلا طاقتها، لا نُضِيّقُ عليها إلا أن تعطي الحق مبلغ طاقتها، قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ﴾ أي: إذا تكلمتم بين النَّاس فأَنْصِفُوا وقولوا الحَقَّ، ولو كان الذي يتوجه عليه الحَقَّ ذا قرابة منكم، فلا تحملنكم قرابته على القول بغير الحقِّ.
وقيل المعنى: إذا شَهِدتُم فقولوا الحقَّ ولو كان المشهود عليه ذا قرابة منكم. ﴿وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُواْ﴾ أي: بوصيته التي وصاكم بها أوفوا، ﴿ذٰلِكُمْ وَصَّـٰكُمْ (بِهِ)﴾ أي: وصاكم الله بهذه الأمور التي في هاتين الآيتين، وأمركم بالعمل بها لا بما قد سننتم من البحائر والسوائب والوصائل والحامي وقتل الأولاد ووَأْدِ البنات وتحريم بعض الأنعام واتباع خطوات الشيطان، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أمركم بذلك لعلكم تذكرون نعمته عليكم وما قد هداكم إليه.
وكان ابن عباس يقول: هذه الآيات من الآيات المحكمات. وقال كعب: - وقد سمع رجلاً يقرأ ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] -: والذي نفس كعب بيده إنّ هذا لأول شيء في التوراة: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآية.
الأنعام 6:153
قوله: ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً (فَٱتَّبِعُوهُ)﴾ الآية.
قوله ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا﴾ من فتح، جعلها في موضع نصب عطف على ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، أو في موضع رفع عطف على ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: ١٥١] على مذهب من أضمر الابتداء مع ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ﴾ [الأنعام: ١٥١].
ومذهب الفراء أنها في موضع خفض بإضمار الخافض، تقديره عنده: "ذلكم وصاكم به وبأن هذا صراطي"، وهذا بعيد، لأن المضمر المخفوض لا يعطف عليه إلا بإعادة الخافض عند سيبويه وجميع البصريين. ومن خفف (أن) جعلها مخففة من الثقيلة. وقيل: خففها عطفاً على أن لا تشركوا)، فخفف كما كان المعطوف عليه مخففاً. ويجوز أن تكون (أن) في موضع رفع بالابتداء.
ويجوز أن تكون مخففة حكمها حكم المثقلة. ويجوز أن تكون (أَنْ) زائدة للتوكيد.
و ﴿هَـٰذَا﴾ في موضع رفع على قراءة من خفف ومن جعل (أن) زائدة، وفي موضع نصب على قراءة من شدد.
ومعنى الآية: وهذا الذي وصاكم به ربكم - في هاتين الآيتين - وأمركم بالوفاء به: هو صراطه، أي: طريقه. ودينه المستقيم، (أي) الذي لا اعوجاج به، ﴿فَٱتَّبِعُوهُ﴾ أي: اجعلوه منهاجاً تتبعونه، ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ﴾ أي: تسلكوا طرقاً غيره، ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: عن طريقه ودينه، وهو الإسلام، ﴿ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾: وصاكم بذلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
الأنعام 6:154
قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً﴾ الآية.
﴿تَمَاماً﴾ مفعول من أجله، وقيل: مصدر، و ﴿أَحْسَنَ﴾ فعل ماضي صلة ﴿ٱلَّذِيۤ﴾، وأجاز الكسائي والفراء أن يكون (اسماً) نعتاً "للذي" في موضع جر، وأجازا: "مررت بالذي أخيك"، ينعتان "الذي" بالمعرفة وما قاربها. وهذا خطأ عند البصريين، لأن "الذي" لم يتم بعد، فكيف ينعت بعض الاسم؟. والمعنى عند البصريين: تماما على (المحسن).
وأجاز الكسائي والفراء أن يكون ﴿ٱلَّذِيۤ﴾ بمعنى "الذين" هنا. وقال المبرد: تقديره: تماماً على الذي أحسنه (الله) إلى موسى من الرسالة، والهاء محذوفة.
قال مجاهد: معناه تماماً على المحسنين، ومعناه: أنه آتاه الكتاب فضيلة له على ما آتى المحسنين من عباده. فهذا يرد قول الكسائي والفراء: إن ﴿ٱلَّذِيۤ﴾ بمعنى "الذين". وروي عنه أن المعنى: تماماً على (المحسن)، فهو اسم للجنس كله من المحسنين، كما قال البصريون.
قال الحسن: كان في قوم موسى محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتابا تماماً على المحسنين، وقرأ ابن مسعود: (تماما على الذين أحسنوا). وقيل: المعنى: تماماً على الذي ﴿أَحْسَنَ﴾ موسى من طاعة ربه.
وقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق (تماماً على ﴿تَمَاماً﴾ ﴿ٱلَّذِيۤ﴾ ﴿أَحْسَنَ﴾ بالرفع على إضمار "هو" والمعنى: تماما على الذي هو أحسن الأشياء.
الأنعام 6:155
قوله: ﴿وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية.
المعنى: وهذا القرآن - الذي أنزلناه إليك - كتاب منزل لنا مبارك، ﴿فَٱتَّبِعُوهُ﴾ أي: اجعلوه (إماماً) تعملون بما فيه، ﴿وَٱتَّقُواْ﴾ أي: احذروا أن تضيعوا العمل (بما) فيه وتتعدوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. (فاتبعوه) وقف حسن.
والتقوى: الحذر من مخالفة ما أمر الله في السر والعلانية، وحقيقة ذلك القيام بما أوجب الله لله، وترك ما نهى الله عنه (لله).
الأنعام 6:156
قوله: ﴿أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ﴾ الآية.
﴿أَن تَقُولُوۤاْ﴾: (أنْ) في موضع نصب على تقدير: كراهية أن تقولوا.
وقال الفراء: المعنى: (واتقوا أن تقولوا إنما أنزل الكتاب وهو متعلق بالآية التي قبلها. وقيل: المعنى:) لئلا تقولوا، أي: أنزلناه مباركاً لئلا تقولوا، أو: كراهية أن تقولوا.
ومعنى الآية: أنها خطاب للمشركين أنه تعالى أنزل عليه كتابا مباركا، وأمرهم باتباعه، وإنما أنزله لئلا تقول قريش - ومن دان بدينها -: ﴿إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾، وهم اليهود والنصارى، ولم ينزل علينا، ولا نعلم ما (يقرأون)، وما كنا عن دراستهم إلا غافلين، أي: ما نعلم ما هي، لأنه ليس بلساننا، فيجعلوا ذلك حجة لهم، فقطع الله حجتهم بإنزال القرآن بلسانهم، فقال: ﴿وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] لئلا (يقولوا: "إنما) أُنزِلَ الكتاب على اليهود والنصارى، ولم يَنزِل علينا شيء"، وفي هذا عذر لهم في تخلفهم عن الإيمان بالتوراة والإنجيل إذ لم ينزل عليهم ولا أرسل موسى وعيسى إليهم. وفيه بيان (أن لا) عذر لهم في التخلف عن الإيمان بالقرآن إذ محمد رسول إلى جميع الخلق، وإذ القول بلسانهم.
الأنعام 6:157
قوله: ﴿أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ﴾ الآية.
والمعنى: ولئلا تقولوا: ﴿لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ﴾، (أي) من هاتين الطائفتين: اليهود والنصارى، ثم قال لهم: ﴿فَقَدْ جَآءَكُمْ﴾ - أيها المشركون - ﴿بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: كتاب بلسانكم تعرفون ما يتلى عليكم فيه، فهو لا يغيب عنكم كما غاب ((عنكم)) ما أنزل على الطائفتين ((من)) قبلكم، إذ هو بغير لسانكم، فهو حجة عليكم ﴿وَهُدًى﴾ أي: بيان للحق، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي: لمن عمل به.
* *
وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: من أشد ظلماً منكم إذ كذبتم بآيات الله وصدفتم عنها، أي: أعرضتم فلم تؤمنوا بها. ﴿سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ أي: سنثيب الذين يعرضون عن ﴿آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ﴾ أي:
شديده، ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: يعرضون عن آيات الله في الدنيا.
الأنعام 6:158
قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ)﴾ الآية.
(والمعنى): هل ينظر هؤلاء المشركون ﴿إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾، يعني عند الموت، تقبض أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أي: لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة، ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ﴾ وذلك طلوع الشمس من مغربها، قاله مجاهد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ أي: إذا طلعت (الشمس) من مغربها، لم ينفع الكافر إيمانه. روى أبو هريرة أن النبي عليه السلام قال:لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين ﴿لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً﴾.
وعنه ﷺ أنه قال: إن باب التوبة مفتوح قبل المغرب عرضُهُ مسيرة سبعين عاما، لا يزال مفتوحاً حتى تطلع من قبله الشمس، ثم قرأ الآية.
قال عبد الله بن عمر: يمكث الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة.
قال النبي عليه السلام: وآية تلكم الليلة أن تطول كقدر ثلاث ليال. وقال ابن مسعود: بقي من الآيات أربع: "طلوع الشمس من مغربها، ودابة الأرض، والدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، والآية التي تختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها".
المعنى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً﴾ أي (و) عملت في تصديقها بالله عملاً صالحاً، فمن عمل - قبل الآية - خيراً قُبِل منه ما يعمله بعد الآية، ومن لم يعمل - قبل الآية - خيراً لم يُقْبَل منه ما يعمله بعد الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: انتظروا إتيان الملائكة لقبض أرواحكم، أو يأتي ربكم لفصل القضاء بينكم، أو يأتي بعض آيات ربكم، أي: التي (أنا) منتظر لذلك معكم.
الأنعام 6:159
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ (وَكَانُواْ شِيَعاً)﴾ الآية.
من قرأ (فارقوا) بألف، فمعناه تركوا دينهم الذي أمرهم الله به، وخرجوا عنه وارتدوا.
ومن قرأ (فرَّقوا)، فمعناه: تَنَصَّر بعضهم وتَهَوَّد بعضهم وَتَمَجَّس بعضهم، وتصديق ذلك قوله: ﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾ أي: فرقاً وأحزاباً. وقيل المعنى: آمنوا ببعضه وكفروا ببعض. قال قتادة: "هم اليهود والنصارى". وقال مجاهد: هم اليهود.
قال أبو هريرة عن النبي عليه السلام: هم أهل البدع من هذه الأمة. وروي عن النبي عليه السلام أنه قال: هم أهل الضلالة والبدع و (أهل) الشبهات من هذه (الأمة)
وروي عنه ﷺ أنه قال: هم الخوارج
(و) قوله: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ﴾ نزل هذا قبل إيجاب فرض القتال ثم نسخه الأمر بالقتال في "براءة"، قال السدي وغيره.
وقيل: الآية محكمة، وإنما هو خبر من الله لنبيه أن من أمته من يُحدِثُ بعده في دينه، أي يكفر.
وقال ابن عباس: نزلت بمكة ونسخها: ﴿(قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ) لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقيل: المعنى: إنما أمرهم - في مجازاتهم - إلى الله فينبئهم بما كانوا يفعلون، فهي محكمة خبر من الله لنبيه.
الأنعام 6:160
قوله: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (الآية).
المعنى: من جاء يوم القيامة من هؤلاء الذين فارقوا دينهم بالتوبة عماهم عليه، فله - من الجزاء - عشرة أضعاف ما يجب له، ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ﴾ أي: (و) من وافى يوم القيامة - وهو مقيم على مفارقة دينه - فلا يجزى إلا مثل عمله ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾، وليس معنى ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾: "عشر أمثال التوبة"، إنما المعنى: فله ثواب عشر أمثالها.
وقيل: المعنى: "فله عشر حسنات أمثالها"، أي: أمثال الحسنات العشر التي حسنة العامل موازنة لها، فالهاء في ﴿أَمْثَالِهَا﴾ ترجع على الحسنات المحذوفة، وفي حذف الهاء من عشر دليل على أن المعنى: فله عشر حسنات أمثال (حسنة)، وهو من باب حذف المنعوت وإقامة النعت مقامه إن قدرت الانفصال في (أمثالها)، أي: "أمثال لها"، وإن لم تقدر الانفصال، فهو من باب حذف المبدل منه وإقامة البدل مقامه.
وقرأ الحسن: (عَشْرٌ) منون، (أمثالُها) بالرفع على الصفة للعشر. وهي قراءة عيسى بن عمر ويعقوب.
وكن حذف الهاء من (عشر) للحمل على المعنى، لأن المراد: عشر حسنات, وقيل: الهاء تعود على الحسنة المذكورة.
والمثل المجازى به على الحسنة، هو معروف عند الله، لكنه تعالى يجازيه على حسنته (عشرة أمثال) ذلك القدر - الذي هو معلوم عنده - جزاء على الحسنة فإنما يقع التضعيف على قدر معلوم عنده يجازي به على حسنة (حسنةً) واحدة.
وقال سفيان وغيره: الحسنة هنا: لا إله إلا الله، والسيئة: الشرك، وهو قول مجاهد والقاسم وابن عباس والضحاك والحسن.
وروى قتادة أن النبي عليه السلام كان يقول: الأعمال ستة: موجبة وموجبة، ومضْعِفَة (ومضْعِفة) ومثل (ومِثْلٌ)، فأما الموجبة والموجبة: فمن لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة ومن لقي الله يشرك به شيئاً دخل النار وأما المُضْعِفة (والمُضْعِفة): فنفقة الرجل المؤمن في سبيل الله سبع مائة ضعف، ونفقته على أهل بيته عشر أمثالها. وأما مِثْل (ومِثْل): فإذا هَمَّ العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة (واحدة)، وإذا هم بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة
وقال أبو سعيد الخدري: هذه الآية للأعراب، وللمهاجرين سبع مائة ضعف وقال ابن عمر: هذا للإعراب، وللمهاجرين ما هو أعظم من ذلك.
قال: الربيع: كانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، ويؤدون عُشر أموالهم فنزلت هذه الآية، ثم نزلت الفرائض - بعد - بصوم (رمضان) والزكاة.
الأنعام 6:161
قوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ الآية.
* *
قوله: ﴿دِيناً﴾ نصب عند الأخفش (بـ (هدَاني). وقيل: المعنى: أنه نصب بـ "عَرَّفَني ديناً". كما تقول: "(هو يَدَعُهُ) ترْكا".
وقيل: هو بدل من (صراطٍ) على الموضع. وقيل: هو منصوب على المصدر، والمعنى: فَدِنْتُ ديناً. وقيل: المعنى: هداني فَاهْتَدَيتُ ديناً، ودل (هداني) على "اهْتَدَيْتُ".
و ﴿مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ مثله في التقدير. وقيل: هو بدل من "دين". وشاهد من قرأ (قيّما) - بالتشديد - قوله: ﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦، يوسف: ٤٠، الروم: ٣٠]، و ﴿دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، و ﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]، فأجمعوا على تشديد ذلك.
ومن قرأ (قِيَماً) بالتخفيف، جعله مصدراً مثل: الصِّغَر والكِبَر. و ﴿حَنِيفاً﴾ حال من ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: هو نصب بإضمار "أعني".
ومعنى الآية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين: ﴿إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّيۤ﴾، أي: أرْشَدَني ودَلّني على الصراط المستقيم، أي: الطريق القويم، وذلك الحنيفية.
الأنعام 6:162
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ الآية.
روى أحمد بن صالح عن ورش أنه فتح ﴿وَمَحْيَايَ﴾. وروى داود بن (أبي) طيبة وأبو الأزهر ويونس والأصبهاني عن أصحابه عن ورش بالإسكان. واختار ورش الفتح فيما روى هؤلاء عنه:
روى أبو بكر الأدفوي عن أحمد بن إبراهيم عن بكر بن سهل الدمياطي عن أبي الأزهر عبد الصَّمَدِ عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح.
ومعنى الآية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين، ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ﴾ أي: حياتي، ﴿وَمَمَاتِي﴾ أي: وفاتي، ﴿لِلَّهِ﴾ أي: ذلك كله له خالصاً.
﴿وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أول من خضع وذل لربه.
وقرأ ابن (أبي) إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري (ومحييّ) بياءٍ شديدة من غير ألف، ووجه ذلك أن ياء الإضافة يكسر ما قبلها، فلما لم يكن سبيل إلى كسر الألف، غُيِّرت الألف إلى الياء وأدغمت في الياء التي بعدها، جعل قلبها عِوضاً من تغييرها إلى الكسر.
والنُّسُك هنا: الذَّبْحُ في الحج والعمرة.
الأنعام 6:163
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ﴾ الآية.
روى أحمد بن صالح عن ورش أنه فتح ﴿وَمَحْيَايَ﴾. وروى داود بن (أبي) طيبة وأبو الأزهر ويونس والأصبهاني عن أصحابه عن ورش بالإسكان. واختار ورش الفتح فيما روى هؤلاء عنه:
روى أبو بكر الأدفوي عن أحمد بن إبراهيم عن بكر بن سهل الدمياطي عن أبي الأزهر عبد الصَّمَدِ عن ورش أنه اختار من نفسه الفتح.
ومعنى الآية: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين، ﴿إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ أي: ذبحي، ﴿وَمَحْيَايَ﴾ أي: حياتي، ﴿وَمَمَاتِي﴾ أي: وفاتي، ﴿لِلَّهِ﴾ أي: ذلك كله له خالصاً.
﴿وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ﴾ أي: أمرني ربي، ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: أول من خضع وذل لربه.
وقرأ ابن (أبي) إسحاق وعيسى وعاصم الجحدري (ومحييّ) بياءٍ شديدة من غير ألف، ووجه ذلك أن ياء الإضافة يكسر ما قبلها، فلما لم يكن سبيل إلى كسر الألف، غُيِّرت الألف إلى الياء وأدغمت في الياء التي بعدها، جعل قلبها عِوضاً من تغييرها إلى الكسر.
والنُّسُك هنا: الذَّبْحُ في الحج والعمرة.
الأنعام 6:164
قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي (رَبّاً)﴾ الآية.
(و) المعنى: ﴿قُلْ﴾ (يا محمد لهم): ﴿أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾، أي: طلب رباً ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: مالك كل شيء.
وأصل "الرب" أنه مصدر "ربه يربه (رباً)، إذا قام بصلاحه. وإنما سمي به، كما قيل: "رجل عدلٌ" و "رضىً"، فرّبٌّ الدار، معناه: مالكها، وحقيقته ذو ملكها.
﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ (أي لا تجترح (إثماً إلا) عليها)، أي: لا تؤخذ نفس إلاّ بما كسبت، ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ أي: لا يؤخذ أحد بذنب آخر، كل ذي إثم معاقب بإثمه.
وحقيقة معناه: أن الله أمر نبيه عليه السلام أن يخبر المشركين أنهم مأخوذون بآثامهم، وأنّا لسنا مأخوذين بإجرامكم ولا معاقبين بها، ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
الأنعام 6:165
قوله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ﴾ الآية.
"جعل" - هنا - بمعنى "صيّر"، فلذلك تعدت إلى مفعولين. وإذا كانت بمعنى "خلق" تعدت إلى مفعول واحد.
ومعنى الآية: أنها خطاب للنبي وأمته، والمعنى: والله (الذي) جعلكم تخلفون مَن كان قبلكم من الأمم، والخلائفُ: جمع خليفة.
وقيل: هذا لأمة محمد ﷺ، لأنهم آخر الأمم، قد خلفوا في الأرض مَن كان قبلهم من الأمم، ومحمد ﷺ خاتم النبيين، وقيل: سموا (خلائف)، لأن بعضهم (يخلف بعضاً) إلى قيام الساعة.
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فضَّل هذا على هذا بسعة الرزق (و) بالقُوَّة، ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: (ليختبركم فيما) آتاكم من ذلك، فيعلم الشاكر من غيره، والمطيع من العاصي، ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ﴾ أي: لمن (لم) يتبع أمره و (ينته) عن نهيه. وإنما وصف عقابه بالسرعة من أجل أن الدنيا بعيدُها قريب.
﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ﴾ أي: غفور لمن تاب وأطاعه، و ﴿رَّحِيمٌ﴾ بترك عقوبته على سالف ذنوبه.