Tafsir Makhi — الأعراف 7:190 – الأنفال 8:75
المحتويات
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
الأعراف 7:190
قوله: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾، إلى قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
والمعنى: قل يا محمد، لسائليك عن الساعة: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أن يملكنيه، بأن يُقوِّيني عليه، ويعينني، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: أعلم ما هو كائن ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: من العمل الصالح.
وقال ابن جريج: ﴿لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً﴾ أي: هدى ولا ضلالة، ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: متى أموت، لاستكثرت من العمل الصالح.
وقال مجاهد مثله.
وقال ابن عباس: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: أعلم السَّنَةَ الجَدْبَة من الخصبة، لاستكثرت من الرُّخْصِ.
وقيل: ﴿[وَ]لَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾، أي: مَا كَتَبَ الله.
وقيل: لو كنت أعلم ما تسرونه وما يقع بكم حتى تحذروا مكروهه أن تجيبوني إلى ما أدعوكم ﴿لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾، أي: من إجابتكم إلى ما أدعوكم.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ﴾، منكم بتكذيب أو عداوة.
وقال الحسن ﴿مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾: من الوحي.
وقيل: المعنى: لو كنت أعلم النصر في الحرب لقاتلت فلم أُغلب.
وقيل المعنى: لو كنت أعلم ما يريد الله مني من قبل أن يُعَرِّفَنِيه لفعلت. وهو اختيار النحاس.
﴿وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ﴾، أي: الضر.
وقيل: ﴿وَمَا [مَسَّنِيَ]﴾ تكذيبكم وقولكم: مجنون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
يعني: آدم، [عليه السلام].
* *
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
يعني: حواء خلقت من ضِلْعٍ من (أَضْلاَعِ) آدَمَ.
* *
﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾.
ليأوي إليها، لقضاء حاجته ولذته.
* *
﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾.
كناية عن الجِمَاعِ.
* *
﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾.
يعني: الماء الذي حملته حواء في رحمِها من آدم، عليهما السلام.
* *
﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾.
أي: استمرت به، قامت وقعدت، وأتمت الحَمْلَ.
وقيل: المعنى: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، وجاءت لم يثقلها الحَمْلَ أولاً.
قال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، استبان حَمْلُها.
وقال مجاهد: [استمر] حَمْلُها.
وقيل معنى "فَمَرَّتْ بِهِ": فشكَّت، أحملت أم لا؟ رُوِيَ ذلك عن ابن عباس، وقاله: يحيى بن يعمر.
ورُوي: أن البطن الذي ثقل عليها حمله، كان البطن التاسع، وكانت البطون التي قبله خفيفة عليها، فلما أثقلت بهذا البطن التاسع، مرَّ بِهَا إبليسُ فشكت إليه ثِقْل حملها، فقال لها، عدو الله، سَمِيّه: "عبد الحارث" يخف عليك. ففعلت.
قال أبو حاتم المعنى: فاستمر بها الحمل، فَقُلِبَ الكَلاَمُ. يقال: أدْخَلْتُ الخُفَّ رجلي.
﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَتْ﴾. أي: صار حَمْلُها الخَفِيفَ ثَقِيلاً. وقال السدي ﴿أَثْقَلَتْ﴾،: كبر الولد.
﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا﴾: يعني: آدم وحواء.
* *
﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾.
أي: غلاماً. قاله الحسن، ومعمر.
وقيل: إنهما أشفقا أن يكون الحمل غَيْرَ إِنْسَانٍ، فسألا أن يكون إنساناً.
قال ابن عباس: إنهما أشفقا أن يكون بَهِيمَةً.
﴿فَلَمَّآ آتَاهُمَا صَالِحاً﴾. أي: بشراً.
* *
﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا﴾.
قال ابن جبير: جاءها إبليس فَخَوَّفَهَا أن يكون حَمْلُهَا بهيمة. وقال: أطيعيني وَسَمِّيهِ: "عبد الحارث" تلدين شبَهكما، فذكرت ذلك لآدم، فقال: هو صاحبنا الذي علمت: فمات الولد، ثم حملت أخرى، فعاد إليها إبليس بمثل ذلك، وكان الملعون اسمه في الملائكة: "الحارث". وقال لها: أنا قتلت الأول، فذكرت ذلك لآدم (عليه السلام)، فأبى. ثم حملت ثالثاً، وعاد إليها إبليس بمثل الأول، فذكرت ذلك لآدم، فكأنه لم يكرهه، فسمَه: "عبد الحارث".
قال ابن جبير: لم يكن إلا أن أصابها آدم فحملت، فليس إلا أن حملت تحرك في بطنها ولدها. وذلك كله بعد أن أُهْبِطَا إلى الأرض.
وقول آدم: هو صاحبنا، يعني: هو الذي أخرجنا من الجنة.
قال السدي: لما حملت أتاها إبليس فخوفها أن يكون بهيمة، فعند ذلك
* *
﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ﴾.
ومن قرأ ﴿شُرَكَآءَ﴾، فقد منعه الأخفش، وقال: كان يجب أن يقرأ على هذه القراءة: جعلا لغيره شِرْكاً، وهو إبليس؛ لأن الأصل له، والشرك لغيره، فإنما جعلا لغيره الشرك.
والقراءة عند غيره جائزة، ومعناها: جَعَلاَ لَهُ ذَا شِرْكٍ، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فالشرك على هذا لإبليس، وهو المضاف المحذوف.
و "الشرك" مصدر: شَرِكْتُهُ في الأمر.
ومن قرأ ﴿شُرَكَآءَ﴾: جعله جمع شريك. وإنَّما جاءت بالجمع وهو واحد، إذ المراد به: إبليس ومعه تُّباعٌ؛ لأن له جنوداً وشياطين معه، فإذا جعل هو شريك، فحكمهم حكمه، فخرج الخبر عن جميعهم.
وقيل: إنما ذلك؛ لأن العرب تخرج الخبر عن الواحد مخرج الخبر عن الجماعة، إِذَا لَمْ تَقْصِدْ وَاحِداً بِعَيْنِهِ، وَلَمْ تُسَمْهِ، نحو قوله: ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَإِنَّمَا هُوَ وَاحِدٌ.
روى سمرة بن جندب عن النبي ﷺ، أنه قال: "كانت حواء لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش لها ولد لتسميه: "عبد الحارث" فعاش لها ولد، فسمته "عبد الحارث"، وإنما كان ذلك عن وحي الشيطان
وقال بكر بن عبد الله: سمى آدم ولده عبد الشيطان.
قال عكرمة: كان لا يعيش لهما ولد، فأتاهما الشيطان وقال لهما: إِنْ سَرَّكُما أن يعيش لكما ولد فسمياه: "عبد الحارث". ففعلا، فذلك قوله: ﴿جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ﴾.
قال ابن جبير: لما أثقلت حواء في أول ولد ولدته، أتاها إبليس قبل أن تلد فقال: يا حواء، ما هذا الذي في بطنك؟ قالت: ما أدري! قال: من أين يخرج؟ من أنفك، أو من عينك، أو من أذنك؟ قالت: لا أدري قال: أرأيت إن خرج سليماً، أتطيعني أنت فيما آمرك به؟ قالت: نعم! قال: سَمِّيهِ "عبد الحارث"، فأتت آدم فأعلمته، فقال لها: ذلك الشيطان فاحذريه، فإنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة! ثم أتاها إبليس ثانية فأعاد عليها، فقالت: نعم فلما وضعته سمته: "عبد الحارث".
قال السدي: لما ولدت غلاماً أتاها إبليس فقال: سمّيه عبدي وإلا قتلته! قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنة فأبى أن يطيعه، فسمَّاه "عبد الرحمن" فَسُلِّط عليه إبليس فقتله. فحملت بآخر فعاد بمثل ذلك، فلم يفعل (ذلك) آدم، وسماه: "صالحاً" فسلط الله عليه إبليس فقتله. فلما كان الثالثة قال لهما: فإذ غلبتموني فسموه": "عبد الحارث" وكان اسمه في الملائكة "الحارث"، فسماه "عبد الحارث".
ورُوِيَ عن الحسن أنه قال: هذا كان في بعض الملل ولم يكن بآدم. يعني: "الشِّرْك"، إنما كان في بعض الأمم.
وقيل المعنى: جعل أولادهما لله شركاء، يعني: اليهود والنصارى.
وروى قتادة عن الحسن: أنه قال: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله الأولاد فَهَوَّدُوا ونصَّرُوْا.
وَرُوِىَ عن عكرمة أنه قال: لم يخص بهذا آدم وحواء؛ وإنما المراد بذلك الجنس.
كأنه قال: خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أي: من جنسها، ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا﴾، يعني: الجنس لا يخصُّ به واحد دون آخر، ﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا﴾، يراد به الجنسان الكافران. ثُمَّ يُحْمَل قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، على الجمع؛ لأنهما جنسان.
الأعراف 7:191
(قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقيل: إن قوله: ﴿فِيمَآ آتَاهُمَا﴾، هو تَمَامُ الكَلاَمِ في قصة آدم وحواء، ثم ابتدأ إِخْبَاراً عن المشركين من بني آدم، فقال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، الآية.
قال محمد بن عرفة نِفْطَويْه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعض ما أُمرا بتركه، أَطَاعَاهُ طَاعَةَ مُغْتَرٍ مُكَادٍ، لاَ طَاعَةَ مُلْحِدٍ مُصِرٍّ. قال: فأما قول: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، دليله (قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، إلى قوله: ﴿صَٰمِتُونَ﴾، فلم يعبد آدم وحواء أصناماً فيكون هذا خطاباً لهما، إنما عبد ذلك أولادهما.
فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني تسميتهما ولدهما: "عبد الحارث".
رُوِيَ أنّ النبي، ﷺ، قال: "خَدَعَهُما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض
وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: "عبد الله" فمات، ثم ولد لهما أخرى فسمياه: "عبد الله" فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهب بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فَسَمّيَاهُ: "عبد شمس" فذلك قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني: الشمس.
وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها مثل الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون.
وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عَبَدَةَ الأَوْثَانِ.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)﴾.
أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يُعْبَدُ من إذا دُعِي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان دعاؤه وتركه سواء، فكيف يُعْبَدُ من هذه صفته، وكيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاهاً؟
* *
﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ﴾.
أي صَمَتُّم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين الاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاتِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقد مضى بيانه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
يعني: المعبودين.
قرأ ابن جبير: "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ"، بتخفيف ﴿إِنَّ﴾، بجعلها بمعنى: "ما"، وبنصب "العبادَ" و "الأمثال" على النفي، أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ.
والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) "إِنْ" إذا كانت بمعنى "ما"؛ لأن "ما" عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف.
وزعم الكسائي: أن العرب لا تأتي بـ "إنْ" بمعنى "ما" في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَا إِيجَابٌ، كقوله: ﴿إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠].
الأعراف 7:192
(قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقيل: إن قوله: ﴿فِيمَآ آتَاهُمَا﴾، هو تَمَامُ الكَلاَمِ في قصة آدم وحواء، ثم ابتدأ إِخْبَاراً عن المشركين من بني آدم، فقال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، الآية.
قال محمد بن عرفة نِفْطَويْه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعض ما أُمرا بتركه، أَطَاعَاهُ طَاعَةَ مُغْتَرٍ مُكَادٍ، لاَ طَاعَةَ مُلْحِدٍ مُصِرٍّ. قال: فأما قول: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، دليله (قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، إلى قوله: ﴿صَٰمِتُونَ﴾، فلم يعبد آدم وحواء أصناماً فيكون هذا خطاباً لهما، إنما عبد ذلك أولادهما.
فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني تسميتهما ولدهما: "عبد الحارث".
رُوِيَ أنّ النبي، ﷺ، قال: "خَدَعَهُما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض
وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: "عبد الله" فمات، ثم ولد لهما أخرى فسمياه: "عبد الله" فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهب بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فَسَمّيَاهُ: "عبد شمس" فذلك قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني: الشمس.
وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها مثل الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون.
وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عَبَدَةَ الأَوْثَانِ.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)﴾.
أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يُعْبَدُ من إذا دُعِي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان دعاؤه وتركه سواء، فكيف يُعْبَدُ من هذه صفته، وكيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاهاً؟
* *
﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ﴾.
أي صَمَتُّم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين الاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاتِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقد مضى بيانه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
يعني: المعبودين.
قرأ ابن جبير: "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ"، بتخفيف ﴿إِنَّ﴾، بجعلها بمعنى: "ما"، وبنصب "العبادَ" و "الأمثال" على النفي، أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ.
والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) "إِنْ" إذا كانت بمعنى "ما"؛ لأن "ما" عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف.
وزعم الكسائي: أن العرب لا تأتي بـ "إنْ" بمعنى "ما" في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَا إِيجَابٌ، كقوله: ﴿إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠].
الأعراف 7:193
(قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقيل: إن قوله: ﴿فِيمَآ آتَاهُمَا﴾، هو تَمَامُ الكَلاَمِ في قصة آدم وحواء، ثم ابتدأ إِخْبَاراً عن المشركين من بني آدم، فقال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، الآية.
قال محمد بن عرفة نِفْطَويْه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعض ما أُمرا بتركه، أَطَاعَاهُ طَاعَةَ مُغْتَرٍ مُكَادٍ، لاَ طَاعَةَ مُلْحِدٍ مُصِرٍّ. قال: فأما قول: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، دليله (قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، إلى قوله: ﴿صَٰمِتُونَ﴾، فلم يعبد آدم وحواء أصناماً فيكون هذا خطاباً لهما، إنما عبد ذلك أولادهما.
فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني تسميتهما ولدهما: "عبد الحارث".
رُوِيَ أنّ النبي، ﷺ، قال: "خَدَعَهُما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض
وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: "عبد الله" فمات، ثم ولد لهما أخرى فسمياه: "عبد الله" فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهب بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فَسَمّيَاهُ: "عبد شمس" فذلك قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني: الشمس.
وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها مثل الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون.
وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عَبَدَةَ الأَوْثَانِ.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)﴾.
أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يُعْبَدُ من إذا دُعِي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان دعاؤه وتركه سواء، فكيف يُعْبَدُ من هذه صفته، وكيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاهاً؟
* *
﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ﴾.
أي صَمَتُّم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين الاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاتِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقد مضى بيانه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
يعني: المعبودين.
قرأ ابن جبير: "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ"، بتخفيف ﴿إِنَّ﴾، بجعلها بمعنى: "ما"، وبنصب "العبادَ" و "الأمثال" على النفي، أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ.
والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) "إِنْ" إذا كانت بمعنى "ما"؛ لأن "ما" عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف.
وزعم الكسائي: أن العرب لا تأتي بـ "إنْ" بمعنى "ما" في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَا إِيجَابٌ، كقوله: ﴿إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠].
الأعراف 7:194
(قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقيل: إن قوله: ﴿فِيمَآ آتَاهُمَا﴾، هو تَمَامُ الكَلاَمِ في قصة آدم وحواء، ثم ابتدأ إِخْبَاراً عن المشركين من بني آدم، فقال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، الآية.
قال محمد بن عرفة نِفْطَويْه: لم يشركا بربهما، إنما أطاعا إبليس في بعض ما أُمرا بتركه، أَطَاعَاهُ طَاعَةَ مُغْتَرٍ مُكَادٍ، لاَ طَاعَةَ مُلْحِدٍ مُصِرٍّ. قال: فأما قول: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فإنما أريد به: من عبد غير الله من اولاد آدم وحواء، دليله (قوله): ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، إلى قوله: ﴿صَٰمِتُونَ﴾، فلم يعبد آدم وحواء أصناماً فيكون هذا خطاباً لهما، إنما عبد ذلك أولادهما.
فالمعنى: أيشركون في عبادة الله، فيعبدون ﴿مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني تسميتهما ولدهما: "عبد الحارث".
رُوِيَ أنّ النبي، ﷺ، قال: "خَدَعَهُما (إبليس) مرتين، في الجنة وفي الأرض
وقال ابن زيد: لما ولد لهما ولد سمياه: "عبد الله" فمات، ثم ولد لهما أخرى فسمياه: "عبد الله" فأتاهما إبليس فقال: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما؟ لا والله، ليذهبن به كما ذهب بالآخر! ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما، فَسَمّيَاهُ: "عبد شمس" فذلك قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً﴾، يعني: الشمس.
وإنما أخرج الخبر بلفظ الجميع لأنهم كانوا يعظمون ما يعبدون ويخبرون عنها مثل الإخبار عمن يعقل، فخوطبوا بما كانوا يعقلون.
وقيل: إنما هذا خطاب للمشركين عَبَدَةَ الأَوْثَانِ.
* *
ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلآ أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ)﴾.
أي: ما يعبد هؤلاء، لا ينصرون من يعبدهم، ولا ينصرون أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ﴾.
والمعنى: إنكم إن دعوتم آلهتكم إلى رشاد لم تفهم، فكيف يُعْبَدُ من إذا دُعِي إلى الرشاد وعُرِّفه لم يعرفه، ولم يفهم رشاداً من ضلال، وكان دعاؤه وتركه سواء، فكيف يُعْبَدُ من هذه صفته، وكيف يُشْكِل عظيمُ جهل من اتخذ ما هذه صفته إلاهاً؟
* *
﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَٰمِتُونَ﴾.
أي صَمَتُّم. كل ذلك على آلهتكم سواء، لا تعقل ولا تفهم فهذا في الظاهر وقع للداعين الاستواء وهو في المعنى المقصود وقع للمدعويين؛ لأن حال الداعي في الصُّمَاتِ والدعاء مختلفة؛ لأنه ممن يدعو ويصمت، وحال المدعويين في الدعاء والصُّمَات سواءٌ، لأنها أصنام، قد استوى الدعاء لها وتركه، إذ لا تعقل، ولا تختلف أحوالها، فلما استوى على الأصنام الدعاء والصُّمَاتُ، استوى على الداعي ذلك أيضاً، إذ يدعو ويصمت فلا يجاب فجاز لذلك، فصار الدعاء والصَّمت للداعي في الظاهر لهذا المعنى، وهو مثل قوله: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]. وقد مضى بيانه.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
يعني: المعبودين.
قرأ ابن جبير: "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَاداً أَمْثَالَكُمْ"، بتخفيف ﴿إِنَّ﴾، بجعلها بمعنى: "ما"، وبنصب "العبادَ" و "الأمثال" على النفي، أي: ليست هي مثلكم؛ وَإِنَّمَا هِيَ خَشَبٌ وَحِجَارَةٌ.
والاختيار عند سيبويه: الرفع (مع) "إِنْ" إذا كانت بمعنى "ما"؛ لأن "ما" عملها ضعيف، فعمل ما هو في معناها أضعف.
وزعم الكسائي: أن العرب لا تأتي بـ "إنْ" بمعنى "ما" في الكلام، إلا أن يكون بَعْدَهَا إِيجَابٌ، كقوله: ﴿إِنِ ٱلْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠].
الأعراف 7:195
قوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ﴾، الآية.
كل هذا خطاب للمشركين من عبدة الأوثان و (هو) توبيخ لهم وتقريع على عبادتهم من لا رِجْل له ولا يَدَ ولا عين، ولا يفهم، ولا يضر ولا ينفع.
فالمعنى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ﴾، فيسعون معكم في حوائجكم، ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ﴾، فيدفعون عنكم الضر وتنتصرون بها عند قصد من يقصدكم بسوء، ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ﴾، فيعرفونكم ما عاينوا مما تغيبون عنه، ﴿أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾، فيخبرونكم بما سمعوا دونكم مما لم تسمعوه. فإن كانت هذه آلهتكم المُعَظَّمَةُ عِنْدَكُمْ، فما وجه عبادتكم لها، وهي خالية من هذه المنافع كلها؟.
ثم قال الله تعالى، لنبيه عليه السلام:
﴿قُلِ﴾ لهم: ﴿ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ﴾، أي: ادعوهم لمعونتكم عَلَيَّ، ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أنتم وهم، "فلا تنظرون"، أي: لا تؤخرون بالكيد، ولكن عَجِّلُوا كلَّ هذا. يُنَبِّئُهُمِ أَنَّ آلِهَتَهُمْ لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ.
الأعراف 7:196
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾، إلى قوله: ﴿عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قرأ الجَحْدَري: "إِنَّ وَلِيَّ اللهِ"، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني به جبريل، عليه السلام.
ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ﴾، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾ عَلَيَّ بِالحَقَّ، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾.
[أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر نفسه ولا نصر من عبده؟
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾.
أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم ﴿إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾ دعاءكم.
﴿وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، يعني: آلهتكم، ﴿وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، يعني: الآلهة.
﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر. وقد تَأوَّلهُ بمعنى: "النَّظَرِ" المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه.
وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى،
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إليه.
وقيل معنى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَ.
وحكى الكسائي: "الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك.
وحكى: "دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ"، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
ودَلَّ قوله ﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: "وتراها".
وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُوطِبُوا هُمْ كَذَلِكَ. فمن جعله للمشركين، كان "ترى" على بابه، من رؤية العين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، ﷺ: "أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ
فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في "أخذ العفو": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي "الأمر بالمعروف": تقوى الله (عز وجل)، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ "عُرْفاً"؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه.
وفي "الإعراض عن الجاهلين": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ.
وقال أهل التفسير في قوله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ. وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما.
وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد.
وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال. وهو قول ابن زيد.
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة.
وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
* *
﴿وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾.
قال عروة، والسدي: "العُرْفُ": المعروف.
وفي الحديث معنى الآية: "أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ
قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك.
وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، فذهب فمكث شيئاً، ثم رجع فقال: إن الله (عز وجل)، يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل.
وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين. وذكر سفيان بن عيينة أن جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، (عز وجل)، نبيه، (عليه السلام) (بها) وَدَلَّهُ عليها.
ورُويَ: أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ﷺ، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك.
ورُوِيَ أن "العُرْفَ"، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي ﷺ، أن يأمر الناس بقولها.
الأعراف 7:197
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾، إلى قوله: ﴿عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قرأ الجَحْدَري: "إِنَّ وَلِيَّ اللهِ"، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني به جبريل، عليه السلام.
ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ﴾، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾ عَلَيَّ بِالحَقَّ، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾.
[أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر نفسه ولا نصر من عبده؟
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾.
أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم ﴿إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾ دعاءكم.
﴿وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، يعني: آلهتكم، ﴿وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، يعني: الآلهة.
﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر. وقد تَأوَّلهُ بمعنى: "النَّظَرِ" المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه.
وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى،
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إليه.
وقيل معنى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَ.
وحكى الكسائي: "الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك.
وحكى: "دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ"، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
ودَلَّ قوله ﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: "وتراها".
وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُوطِبُوا هُمْ كَذَلِكَ. فمن جعله للمشركين، كان "ترى" على بابه، من رؤية العين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، ﷺ: "أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ
فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في "أخذ العفو": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي "الأمر بالمعروف": تقوى الله (عز وجل)، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ "عُرْفاً"؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه.
وفي "الإعراض عن الجاهلين": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ.
وقال أهل التفسير في قوله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ. وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما.
وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد.
وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال. وهو قول ابن زيد.
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة.
وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
* *
﴿وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾.
قال عروة، والسدي: "العُرْفُ": المعروف.
وفي الحديث معنى الآية: "أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ
قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك.
وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، فذهب فمكث شيئاً، ثم رجع فقال: إن الله (عز وجل)، يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل.
وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين. وذكر سفيان بن عيينة أن جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، (عز وجل)، نبيه، (عليه السلام) (بها) وَدَلَّهُ عليها.
ورُويَ: أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ﷺ، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك.
ورُوِيَ أن "العُرْفَ"، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي ﷺ، أن يأمر الناس بقولها.
الأعراف 7:198
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾، إلى قوله: ﴿عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قرأ الجَحْدَري: "إِنَّ وَلِيَّ اللهِ"، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني به جبريل، عليه السلام.
ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ﴾، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾ عَلَيَّ بِالحَقَّ، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾.
[أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر نفسه ولا نصر من عبده؟
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾.
أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم ﴿إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾ دعاءكم.
﴿وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، يعني: آلهتكم، ﴿وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، يعني: الآلهة.
﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر. وقد تَأوَّلهُ بمعنى: "النَّظَرِ" المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه.
وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى،
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إليه.
وقيل معنى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَ.
وحكى الكسائي: "الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك.
وحكى: "دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ"، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
ودَلَّ قوله ﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: "وتراها".
وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُوطِبُوا هُمْ كَذَلِكَ. فمن جعله للمشركين، كان "ترى" على بابه، من رؤية العين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، ﷺ: "أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ
فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في "أخذ العفو": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي "الأمر بالمعروف": تقوى الله (عز وجل)، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ "عُرْفاً"؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه.
وفي "الإعراض عن الجاهلين": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ.
وقال أهل التفسير في قوله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ. وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما.
وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد.
وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال. وهو قول ابن زيد.
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة.
وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
* *
﴿وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾.
قال عروة، والسدي: "العُرْفُ": المعروف.
وفي الحديث معنى الآية: "أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ
قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك.
وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، فذهب فمكث شيئاً، ثم رجع فقال: إن الله (عز وجل)، يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل.
وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين. وذكر سفيان بن عيينة أن جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، (عز وجل)، نبيه، (عليه السلام) (بها) وَدَلَّهُ عليها.
ورُويَ: أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ﷺ، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك.
ورُوِيَ أن "العُرْفَ"، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي ﷺ، أن يأمر الناس بقولها.
الأعراف 7:199
قوله: ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾، إلى قوله: ﴿عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قرأ الجَحْدَري: "إِنَّ وَلِيَّ اللهِ"، بياء مفتوحة شديدة، وخفض الاسم. يعني به جبريل، عليه السلام.
ومعنى الآية على قراءة الجماعة: قل، يا محمد، لعبدة الأوثان، ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ﴾، أي: (إنَّ) نصيري عليكم، ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ﴾ عَلَيَّ بِالحَقَّ، ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: يَنْصُرُهُمْ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ فِيهِ.
* *
ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾.
[أي: وقل لهم بعد إخبارك أن الله، تعالى، ينصرك: والذين تدعون من دون الله، لا يستطيعون نصركم] كما نصرني الله، ولا يستطيعون نصر أنفسهم. فأي هذين أولى بالعبادة؟ من نَصَرَ نَفْسَهُ، وَنَصَرَ مَنْ عَبَدَهُ، أو من لا يستطيع نصر نفسه ولا نصر من عبده؟
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾.
أي: وإن تدعوا، أيُّها المشركون، آلهتكم ﴿إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ﴾ دعاءكم.
﴿وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، يعني: آلهتكم، ﴿وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾، يعني: الآلهة.
﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ في هذا بمعنى: الظن والحِسْبَان، لا من النَّظَر. وقد تَأوَّلهُ بمعنى: "النَّظَرِ" المُعْتَزِلَةُ، وغَلِطُوا فيه.
وقال السدي: يعني بذلك المشركين، لا يسمعون الهدى،
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ ما تدعوهم إليه.
وقيل معنى: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ هنا: يُوَاجِهُونَك ولا يَرَوْنَكَ.
وحكى الكسائي: "الحَائِطُ يَنْظُرَ إِلَيْكَ". أي: يواجهك، إذا كان قريباً منك.
وحكى: "دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلاَنَ"، أي تواجه وتحاذي وتقابل.
ودَلَّ قوله ﴿وَتَرَٰهُمْ﴾ على أن المراد المُشْرِكُونَ، إذ لو كان للآلهة لقال: "وتراها".
وقيل: هي للآلهة؛ لأنها مثل بني آدم في صورها التي مَثَّلُوها؛ ولأنهم يعظمونها ويخاطبونها بمخاطبة من يعقل، فَخُوطِبُوا هُمْ كَذَلِكَ. فمن جعله للمشركين، كان "ترى" على بابه، من رؤية العين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال بعض أهل المعاني: في هذه الآية بيان قول النبي، ﷺ: "أُوتيتُ جَوَامِعَ الكَلاَمِ
فهذه الآية قد جمعت معاني كثيرة، وفوائد عظيمة، وجمعت كل خُلُقٍ حسن؛ لأن في "أخذ العفو": صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.
وفي "الأمر بالمعروف": تقوى الله (عز وجل)، وطاعته، (جلت عظمته)، وصلة الرحم، وصون اللسان عن الكذب، وغض الطرف عن الحُرُمات.
وسُمِّيَ ذلك وَنَحْوَهُ "عُرْفاً"؛ لأن كل نفس تعرفه وتركن إليه.
وفي "الإعراض عن الجاهلين": الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مخالطة السفيه، ومنازعة اللَّجُوج، وغير ذلك من الأفعال المَرْضَيَّةِ.
وقال أهل التفسير في قوله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: خذ فضل أموالهم، وهو حق في المال نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ. وهو قول: ابن عباس، والسدي، وغيرهما.
وقيل: هو الزكاة. وهو قول مجاهد.
وقيل: هو أمْرٌ بالاحتمال وترك الغِلْظة، ثم نسخ بالأمر بالغلظة والأمر بالقتال. وهو قول ابن زيد.
وقال القاسم، وسالم: هو حق في المال سوى الزكاة.
وقال عبد الله، وعروة بن الزبير: روى هشام بن عروة عن أبيه ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾، أي: من أخلاق الناس، أي: السَّهْلَ مِنْهَا.
* *
﴿وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾.
قال عروة، والسدي: "العُرْفُ": المعروف.
وفي الحديث معنى الآية: "أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ
قال سفيان بن عيينة: بلغني أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، جئتك بِمَكَارِمِ الأَخْلاَقِ في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك.
وروى ابن عيينة عن الشعبي أنه قال: إن جبريل، عليه السلام، (لما) نزل بهذه الآية على النبي عليه السلام، قال له النبي (عليه السلام)،: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العَالمِ، فذهب فمكث شيئاً، ثم رجع فقال: إن الله (عز وجل)، يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك
وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن زيد: هذا منسُوخٌ بالقتل.
وقيل: هي مُحْكَمةٌ، إنما أُمر بالاحتمال واللِّين. وذكر سفيان بن عيينة أن جبريل، (عليه السلام)، فسر هذا للنبي (ﷺ)، فقال: يا محمد، إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
قال قتادة: هذه أخلاق أمر الله، (عز وجل)، نبيه، (عليه السلام) (بها) وَدَلَّهُ عليها.
ورُويَ: أن جبريل، عليه السلام، نزل على النبي ﷺ، فقال يا محمد، أتيتك بمكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ﴾، وذلك يا محمد، أن تصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتَحْلُمَ عمن هو دونك.
ورُوِيَ أن "العُرْفَ"، قول: لا إله إلا الله، أُمِر النبي ﷺ، أن يأمر الناس بقولها.
الأعراف 7:200
قوله: ﴿وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ﴾، إلى قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾.
والمعنى: وإما يغضبَنَّكَ من الشيطان، غَضَبٌ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم ﴿فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾، أي: اسْتَجِرْ بِهِ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يذهب عند نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وبغير ذلك.
وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة.
وقيل "نَزْغُهُ". وسوسته.
وقيل: "نَزْغُهُ": فساده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾.
و "الطَّائِفُ" و "الطَّيْفُ" عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلِمُّ بِكَ.
وقيل: إن "طيفاً" مخفف من: "طيّفٍ"، مثل: مَيْتٌ ومَيِّتٌ.
وقال بعض الكوفيين: "الطَّائِفُ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و "الطَّيْفُ": من اللَّمم والمَسِّ.
وقال الكسائي: "الطَّيْفُ": اللهو، و "الطَّائفُ": كل ما طاف حول الإنسان.
وقرأ ابن جبير: "طَيِّفٌ" مشدوداً.
و "الطَّيْفُ" عند أهل العربية: مصدر طاف.
وقال الكسائي: هو مخفف من "طَيِّفٍ".
وقال الكسائي: "طَافَ" من: الواو.
وقال الأَحْمَرُ سمعت: "طِفْتُ أطِيفُ".
وحكى البصريون: "طَاف بطيف" و "طِفْتُ أطِيفُ".
قال ابن جبير ومجاهد: "الطَّيْفُ": الغضب.
وقال ابن عباس "طَائِفٌ": لمَّةٌ من الشيطان.
وقال السدي: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾، أي: تذكروا عقاب الله، (عز وجل)، فتابوا، أي: تابوا إذا زَلُّوا.
قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، أي: منتهون عن المعصية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ﴾.
أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي.
* *
﴿ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾.
أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
وهذا خبر من الله، (عز وجل) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن.
و "المَدُّ": الزيادة، ف "الهاء" و "الميم" في: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ تعود على الشياطين. ودَلَّ "الشيطان" في قوله ﴿طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾، على الشياطين. و "الإخوان" كناية عن الكفار.
والضمير المرفوع في: "يُمِدُّونَ" يعود على "الشياطين".
و "الهاء" و "الميم" في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ تعود على "الكفار"، وهم الإخوان.
وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة.
وقال: ﴿لاَ يُقْصِرُونَ﴾ عنهم ولا يرحمونهم. فالضمير في ﴿يُقْصِرُونَ﴾ للشياطين. وعلى القول الأول للمشركين، وَهُوَ الأَكْثَرُ.
و "الغَيُّ": الجهل والوقوع في الهلكة.
وهذا الكلام عند أبي إسحاق مُقَدَّمٌ مُتَّصِلٌ في النية بقوله: ﴿وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
* *
ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، يعنى: الكفار.
يقال: "قَصَّر" عن الشيء و "أَقْصَرَ".
وقد أنكر أبو حاتم وأبو عُبَيْد قراءه نافع، بـ: "ضَمِّ اليَاءِ" في: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، وهي مشهورة.
حكى المبرد: "مَدَدَتْ لَهُ في كَذَا": "زينته له، واسْتَدْعَيْتُه أن يفعله، و "أمْدَدْتُّهُ في كذا" أي: أعنته برأيي وغير ذلك.
وحكى غير المبرد: "مَدَّهُ" و "أمَدَّهُ" بمعنىً.
وقيل ﴿فِي ٱلْغَيِّ﴾: متعلق بـ "الإخوان"، التقدير: وَإِخْوَانُهُمْ فِي الغَيِّ يُمِدُّونَهُمُ، والأول أحسن، كما قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
الأعراف 7:201
قوله: ﴿وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ﴾، إلى قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾.
والمعنى: وإما يغضبَنَّكَ من الشيطان، غَضَبٌ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم ﴿فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾، أي: اسْتَجِرْ بِهِ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يذهب عند نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وبغير ذلك.
وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة.
وقيل "نَزْغُهُ". وسوسته.
وقيل: "نَزْغُهُ": فساده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾.
و "الطَّائِفُ" و "الطَّيْفُ" عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلِمُّ بِكَ.
وقيل: إن "طيفاً" مخفف من: "طيّفٍ"، مثل: مَيْتٌ ومَيِّتٌ.
وقال بعض الكوفيين: "الطَّائِفُ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و "الطَّيْفُ": من اللَّمم والمَسِّ.
وقال الكسائي: "الطَّيْفُ": اللهو، و "الطَّائفُ": كل ما طاف حول الإنسان.
وقرأ ابن جبير: "طَيِّفٌ" مشدوداً.
و "الطَّيْفُ" عند أهل العربية: مصدر طاف.
وقال الكسائي: هو مخفف من "طَيِّفٍ".
وقال الكسائي: "طَافَ" من: الواو.
وقال الأَحْمَرُ سمعت: "طِفْتُ أطِيفُ".
وحكى البصريون: "طَاف بطيف" و "طِفْتُ أطِيفُ".
قال ابن جبير ومجاهد: "الطَّيْفُ": الغضب.
وقال ابن عباس "طَائِفٌ": لمَّةٌ من الشيطان.
وقال السدي: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾، أي: تذكروا عقاب الله، (عز وجل)، فتابوا، أي: تابوا إذا زَلُّوا.
قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، أي: منتهون عن المعصية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ﴾.
أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي.
* *
﴿ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾.
أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
وهذا خبر من الله، (عز وجل) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن.
و "المَدُّ": الزيادة، ف "الهاء" و "الميم" في: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ تعود على الشياطين. ودَلَّ "الشيطان" في قوله ﴿طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾، على الشياطين. و "الإخوان" كناية عن الكفار.
والضمير المرفوع في: "يُمِدُّونَ" يعود على "الشياطين".
و "الهاء" و "الميم" في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ تعود على "الكفار"، وهم الإخوان.
وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة.
وقال: ﴿لاَ يُقْصِرُونَ﴾ عنهم ولا يرحمونهم. فالضمير في ﴿يُقْصِرُونَ﴾ للشياطين. وعلى القول الأول للمشركين، وَهُوَ الأَكْثَرُ.
و "الغَيُّ": الجهل والوقوع في الهلكة.
وهذا الكلام عند أبي إسحاق مُقَدَّمٌ مُتَّصِلٌ في النية بقوله: ﴿وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
* *
ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، يعنى: الكفار.
يقال: "قَصَّر" عن الشيء و "أَقْصَرَ".
وقد أنكر أبو حاتم وأبو عُبَيْد قراءه نافع، بـ: "ضَمِّ اليَاءِ" في: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، وهي مشهورة.
حكى المبرد: "مَدَدَتْ لَهُ في كَذَا": "زينته له، واسْتَدْعَيْتُه أن يفعله، و "أمْدَدْتُّهُ في كذا" أي: أعنته برأيي وغير ذلك.
وحكى غير المبرد: "مَدَّهُ" و "أمَدَّهُ" بمعنىً.
وقيل ﴿فِي ٱلْغَيِّ﴾: متعلق بـ "الإخوان"، التقدير: وَإِخْوَانُهُمْ فِي الغَيِّ يُمِدُّونَهُمُ، والأول أحسن، كما قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
الأعراف 7:202
قوله: ﴿وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ﴾، إلى قوله: ﴿يُقْصِرُونَ﴾.
والمعنى: وإما يغضبَنَّكَ من الشيطان، غَضَبٌ يَصُدُّكَ عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم ﴿فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ﴾، أي: اسْتَجِرْ بِهِ، ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ لجهل الجاهل عليك، ولاستعاذتك به من نزغ الشيطان، ولغير ذلك من أمورك، ﴿عَلِيمٌ﴾، بما يذهب عند نَزْغَ الشَّيْطَانِ، وبغير ذلك.
وقال أبو عبيدة المعنى: وإما يستخفنك منه خفة.
وقيل "نَزْغُهُ". وسوسته.
وقيل: "نَزْغُهُ": فساده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾.
و "الطَّائِفُ" و "الطَّيْفُ" عند جماعة من البصريين، سواء، وهو ما كان كالخيال، والشيء يُلِمُّ بِكَ.
وقيل: إن "طيفاً" مخفف من: "طيّفٍ"، مثل: مَيْتٌ ومَيِّتٌ.
وقال بعض الكوفيين: "الطَّائِفُ": ما طاف به من وسوسة الشيطان. و "الطَّيْفُ": من اللَّمم والمَسِّ.
وقال الكسائي: "الطَّيْفُ": اللهو، و "الطَّائفُ": كل ما طاف حول الإنسان.
وقرأ ابن جبير: "طَيِّفٌ" مشدوداً.
و "الطَّيْفُ" عند أهل العربية: مصدر طاف.
وقال الكسائي: هو مخفف من "طَيِّفٍ".
وقال الكسائي: "طَافَ" من: الواو.
وقال الأَحْمَرُ سمعت: "طِفْتُ أطِيفُ".
وحكى البصريون: "طَاف بطيف" و "طِفْتُ أطِيفُ".
قال ابن جبير ومجاهد: "الطَّيْفُ": الغضب.
وقال ابن عباس "طَائِفٌ": لمَّةٌ من الشيطان.
وقال السدي: ﴿تَذَكَّرُواْ﴾، أي: تذكروا عقاب الله، (عز وجل)، فتابوا، أي: تابوا إذا زَلُّوا.
قال ابن عباس: ﴿فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، أي: منتهون عن المعصية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي ٱلْغَيِّ﴾.
أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي.
* *
﴿ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ﴾.
أي: لا يقصرون عما أقصر عنه الذين اتقوا ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
وهذا خبر من الله، (عز وجل) عن حال المؤمنين وحال الكفار، أن المؤمن إذا أصاب الذنب تذكر العقوبة فتاب ورجع وأبصر رشده، والكافر يمد له إخوانه من الشياطين في الغي، ثم لا يقصر عن غيه، ولا يرجع كما فعل المؤمن.
و "المَدُّ": الزيادة، ف "الهاء" و "الميم" في: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ تعود على الشياطين. ودَلَّ "الشيطان" في قوله ﴿طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ﴾، على الشياطين. و "الإخوان" كناية عن الكفار.
والضمير المرفوع في: "يُمِدُّونَ" يعود على "الشياطين".
و "الهاء" و "الميم" في ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ تعود على "الكفار"، وهم الإخوان.
وقيل المعنى: ثم لا يقصر الشياطين في مدهم في الغي للكفار. قاله: قتادة.
وقال: ﴿لاَ يُقْصِرُونَ﴾ عنهم ولا يرحمونهم. فالضمير في ﴿يُقْصِرُونَ﴾ للشياطين. وعلى القول الأول للمشركين، وَهُوَ الأَكْثَرُ.
و "الغَيُّ": الجهل والوقوع في الهلكة.
وهذا الكلام عند أبي إسحاق مُقَدَّمٌ مُتَّصِلٌ في النية بقوله: ﴿وَلاۤ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧].
* *
ثم قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾، أي: وإخوانهم يعني: الشياطين، ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، يعنى: الكفار.
يقال: "قَصَّر" عن الشيء و "أَقْصَرَ".
وقد أنكر أبو حاتم وأبو عُبَيْد قراءه نافع، بـ: "ضَمِّ اليَاءِ" في: ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾، وهي مشهورة.
حكى المبرد: "مَدَدَتْ لَهُ في كَذَا": "زينته له، واسْتَدْعَيْتُه أن يفعله، و "أمْدَدْتُّهُ في كذا" أي: أعنته برأيي وغير ذلك.
وحكى غير المبرد: "مَدَّهُ" و "أمَدَّهُ" بمعنىً.
وقيل ﴿فِي ٱلْغَيِّ﴾: متعلق بـ "الإخوان"، التقدير: وَإِخْوَانُهُمْ فِي الغَيِّ يُمِدُّونَهُمُ، والأول أحسن، كما قال: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
الأعراف 7:203
قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا﴾، إلى قوله: ﴿تُرْحَمُونَ﴾.
المعنى: إنهم يقولون للنبي (عليه السلام)، إذا سألوه في آية فلم يأت بها: هلا افتعلتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش للنبي، ﷺ.
وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك.
* *
﴿قُلْ﴾، يا محمد، ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾.
أي: هذا الذي دللتكم عليه ﴿بَصَآئِرُ﴾، أي: لِيُسْتَبْصَرَ بِهِ، وهذا إشارة إلى القرآن والوحي، فلذلك وُحِّدَ.
و ﴿بَصَآئِرُ﴾: حُجَجٌ وبيان لكم من ربكم.
﴿وَهُدًى﴾، أي: بيان، ﴿وَرَحْمَةً﴾ رحم الله بها عباده المؤمنين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾.
هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا للقراءة ليرحمهم الله.
قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذَلِكَ في الصَّلاَةِ، وكان بعضنا يُسَلِّمُ على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
وقاله أبو هريرة.
وقال الزهري: نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كانوا يقرأون مع النبي، ﷺ، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأُمروا بالإنصات.
وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة. وهو قول: مجاهد، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم.
والخطبة من الصلاة: فَالإِنْصَاتُ لَهَا وَاجِبٌ.
الأعراف 7:204
قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ ٱجْتَبَيْتَهَا﴾، إلى قوله: ﴿تُرْحَمُونَ﴾.
المعنى: إنهم يقولون للنبي (عليه السلام)، إذا سألوه في آية فلم يأت بها: هلا افتعلتها من عند نفسك، فهذا قول كفار قريش للنبي، ﷺ.
وعن ابن عباس: هلا أجتبيتها: تقبلتها من ربك.
* *
﴿قُلْ﴾، يا محمد، ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾.
أي: هذا الذي دللتكم عليه ﴿بَصَآئِرُ﴾، أي: لِيُسْتَبْصَرَ بِهِ، وهذا إشارة إلى القرآن والوحي، فلذلك وُحِّدَ.
و ﴿بَصَآئِرُ﴾: حُجَجٌ وبيان لكم من ربكم.
﴿وَهُدًى﴾، أي: بيان، ﴿وَرَحْمَةً﴾ رحم الله بها عباده المؤمنين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ﴾.
هذا أمر للمؤمنين أن يستمعوا القرآن ويتعظوا به، ويتدبروه، وينصتوا للقراءة ليرحمهم الله.
قال المسيب بن رافع عن ابن مسعود: ذَلِكَ في الصَّلاَةِ، وكان بعضنا يُسَلِّمُ على بعض في الصلاة، فجاء القرآن: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ﴾.
وقاله أبو هريرة.
وقال الزهري: نَزَلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كانوا يقرأون مع النبي، ﷺ، كلما قرأ، فنهوا عن ذلك، وأُمروا بالإنصات.
وكذلك قال النخعي، وابن شهاب، والحسن: إنه أمر في الصلاة. وهو قول: مجاهد، وابن المسيب، وقتادة، والضحاك، والشعبي وعطاء وغيرهم.
والخطبة من الصلاة: فَالإِنْصَاتُ لَهَا وَاجِبٌ.
الأعراف 7:205
قوله: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، إلى آخرها.
* *
قوله: ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾: مصدران. ﴿وَٱلآصَالِ﴾: جمع "أُصُلٍ"، ك: "طُنُبٍ" وأطنابٍ". وقال الفراء: هو جمع "أصِيلٍ"، ك: "يَمِينٍ" و "أَيْمَانٍ".
وقيل: [الأُصُلُ] جمع "أصيلٍ".
﴿وَٱلآصَالِ﴾: جمع "الأُصُل"، وقد تجعل العرب "الأُصُل" وَاحِداً، فيقولون: "قَدْ دَنَا الأصُلُ".
* *
ومعنى ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ﴾: الدُّعَاءُ، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن يذكر الله في نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ.
﴿تَضَرُّعاً﴾، أي: تخشعاً وتواضعاً.
﴿وَخِيفَةً﴾، أي: وخوفاً من الله.
﴿وَدُونَ ٱلْجَهْرِ﴾، أي: واذكره دون الجهر ذِكْراً خَفِيّاً باللِّسَانِ. قال ذلك ابن زيد وغيره.
قال الحسن: كانوا يتكلمون في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾. أي: مخافة منه.
* *
﴿وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ (بِٱلْغُدُوِّ) وَٱلآصَالِ﴾.
ما بين المغرب إلى العصر.
وقيل: هي العَشِيُّ.
* *
﴿وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ﴾.
أي: من اللاهين.
قال مجاهد: ﴿بِٱلْغُدُوِّ﴾: آخر الفجر، صلاة الصبح، ﴿وَٱلآصَالِ﴾: آخر العَشِيِّ، صلاة العصر.
وهذا إنما كان إذا كانت الفريضة ركعتين "غدوة"، وركعتين "عشية"، قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾.
يعني: الملائكة.
﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾. أي: لا يستكبرون عن التواضع له والتَخَشُّعِ.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾. أي: يُعَظِّمُونه ويُنَزِّهُونه عن السوء.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. أي: يُصَلُّون.
الأعراف 7:206
قوله: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾، إلى آخرها.
* *
قوله: ﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾: مصدران. ﴿وَٱلآصَالِ﴾: جمع "أُصُلٍ"، ك: "طُنُبٍ" وأطنابٍ". وقال الفراء: هو جمع "أصِيلٍ"، ك: "يَمِينٍ" و "أَيْمَانٍ".
وقيل: [الأُصُلُ] جمع "أصيلٍ".
﴿وَٱلآصَالِ﴾: جمع "الأُصُل"، وقد تجعل العرب "الأُصُل" وَاحِداً، فيقولون: "قَدْ دَنَا الأصُلُ".
* *
ومعنى ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ﴾: الدُّعَاءُ، وهو أمر للمستمع للقرآن بأن يذكر الله في نفسه بالدعاء، ويعتبر بما يسمع ويتعظ.
﴿تَضَرُّعاً﴾، أي: تخشعاً وتواضعاً.
﴿وَخِيفَةً﴾، أي: وخوفاً من الله.
﴿وَدُونَ ٱلْجَهْرِ﴾، أي: واذكره دون الجهر ذِكْراً خَفِيّاً باللِّسَانِ. قال ذلك ابن زيد وغيره.
قال الحسن: كانوا يتكلمون في الصلاة حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾. أي: مخافة منه.
* *
﴿وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ (بِٱلْغُدُوِّ) وَٱلآصَالِ﴾.
ما بين المغرب إلى العصر.
وقيل: هي العَشِيُّ.
* *
﴿وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ﴾.
أي: من اللاهين.
قال مجاهد: ﴿بِٱلْغُدُوِّ﴾: آخر الفجر، صلاة الصبح، ﴿وَٱلآصَالِ﴾: آخر العَشِيِّ، صلاة العصر.
وهذا إنما كان إذا كانت الفريضة ركعتين "غدوة"، وركعتين "عشية"، قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ﴾.
يعني: الملائكة.
﴿لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾. أي: لا يستكبرون عن التواضع له والتَخَشُّعِ.
﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾. أي: يُعَظِّمُونه ويُنَزِّهُونه عن السوء.
﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. أي: يُصَلُّون.
الأنفال 8:1
قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾.
قال أبو حاتم: الوقف على ﴿ذَاتَ﴾ بـ: "الهاء"، وكل العلماء قال: بـ: "التاء"؛ لأَنَّها مُضَافَةٌ، ولا يحسن الوقف عليها البتة إلا عن ضرورة.
وقرأ سعد بن أبي وقاص: "يسئلونك الأنفال"، بغير ﴿عَنِ﴾.
والمعنى: يسألك أصحابك، يا محمد، عن الغنائم التي غنمتها يوم بدر، لمن هي؟ فقيل للنبي، ﷺ: قل يا محمد: هي لله والرسول.
و ﴿ٱلأَنْفَالِ﴾: الغنائم. بذلك قال عكرمة، ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، وابن زيد، وعطاء.
فأكثر العلماء الذين جعلوها: الغنائم، على أنها منسوخة بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١]، الآية.
وقيل: ﴿ٱلأَنفَالُ﴾ هي زِيَادَاتٌ تزيدها الأئمة لمن شاء، إذا كان في ذلك صلاح للمسلمين، فهي مُحْكَمَةٌ. وروي ذلك عن ابن عمر، وعن ابن عباس.
وقيل ﴿ٱلأَنْفَالِ﴾: ما شذَّ من العدو، من عبد أو دابة، للإمام أن يُنْفِلَ ذلك من شاء إذا كان ذلك صلاحاً. قاله الحسن.
﴿ٱلأَنفَالُ﴾: جمع "نَفَلٍ"، و "النَّفَلُ": الغنيمة، سميت بذلك، لأنها تَفَضُّلٌ من الله، عز وجل، على هذه الأمة، لم تحل لأحد قبلها.
* *
وقوله: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ﴾، يَدُلُّ على أنهم سألوا لمن هي.
* *
وقوله: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾، يَدُلُّ على أن سؤالهم كان بعد تَنَازُعٍ فيها.
وقيل ﴿ٱلأَنْفَالِ﴾: السَّرايا. قاله علي بن صالح.
وقال مجاهد ﴿ٱلأَنْفَالِ﴾: الخُمُسُ.
وهذه الآية نزلت في غنائم بدر، وذلك أن النبي ﷺ، زَادَ قَوْماً لِبَلاَءٍ أَبْلَوْا، فاختلفوا فيها، بعد تَقَضِّي الحرب، فنزلت الآية تعلمهم أنَّ ما فعل النبي ﷺ، ماضٍ جائز.
وروى ابن عباس (رضي الله عنه)، أن النبي، ﷺ، قال: "من أتى مكان كذا، وفعل كذا، فله كذا"، فتسارع الشبان، وبقي الشيوخ، فلما فتح الله عليهم، طلب الشبان ما جعل لهم النبي ﷺ، فقال الأشياخ: لا يذهبوا بذلك دوننا! فأنزل الله، عز وجل: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ الآية.
وقيل: إن النبي ﷺ، سُئِلَ شيئاً من الغنائم قبل أن تقسم فامتنع من ذلك، فنزلت: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾، فرخّص الله، عز وجل، له أن يعطي مَنْ أَرَادَ.
و [قيل]: إنهم سألوه الغنيمة يوم بدر، فَأُعْلِمُوا أن ذلك لله والرسول.
و ﴿عَنِ﴾ في موضع: "مِنْ".
وقرأ ابن مسعود على هذا التأويل: "يسئلونك الانفال".
وذكر ابن وهب: أنها نزلت في رجلين أصابا سيفاً من النَّفْلِ، فاختصما فيه إلى رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ: "هُوَ لي وَلَيْسَ لَكُمَا"، فنزل: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾، وأمر الرجلين أن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله في ما أمرهما به النبي ﷺ، من دفع السيف إليه، ثم نُسِخَ ذلك بقوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
وَرُوِيَ أن الرجلين اللذين اختصما في السيف إلى النبي ﷺ،: سعد بن مالك بن وُهَيْب الزُّهري، ورجل من الأنصار، فَأُمِرا في الآية أن يسلماه إلى النبي، ﷺ، وأن يصلحا ذات بينهما، وأن يطيعا الله ورسوله فيما يأمرانهما من تسليم السيف إلى النبي ﷺ، وغير ذلك.
وقيل: إن أَهْلَ القُوّة يوم بدر غنموا أكثر مما غنم أَهْلُ الضُّعْفِ، فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.
وقيل: إنهم اختلفوا في الغنائم، فَنَزَلَتْ: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾.
"والبَيْنُ" هنا: "الوَصْلُ".
أُمِروا بصلاح وصلهم، وألا يتقاطعوا في الاختلاف على الغنائم، كأنه قال: كونوا مُجْتَمِعِي القُلُوب.
وأُنِثَتْ ﴿ذَاتَ﴾؛ لأنه يراد بها الحال التي هم عليها.
وذكر إسماعيل القاضي: أنهم اختلفوا ثلاث فرق، فقالت فرقة اتبعت العدو: نحن أولى بالغنائم، وقالت فرقة حَفَّت بالنبي ﷺ، نحن أولى، وقالت فرقة أحاطت بالغنائم، نحن أولى، فأنزل الله، تعالى، الآيات في ذلك.
الأنفال 8:2
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، الآية.
فهذه الصفة صفة الكمال والتمام في الإيمان.
والمعنى: ليس المؤمن من الذي يخالف الله ورسوله، ويترك أمرهما، وإنما المؤمن الذي إذا سمع ذكر الله، عز وجل، وَجِلَ قَلْبُهُ، وَخَضَعَ، وانْقَادَ لأِمْرِهِ، تبارك وتعالى، وإذا قرئت عليه آيات كتاب الله، سبحانه، صدق بها وأيقن أنها من عند الله، جلت عظمته، فازداد إيماناً إلى إيمانه.
قال ابن عباس: المنافق لا يدخل قَلْبَهُ شَيْءٌ من ذلك، ولا يؤمن بشيء من كتاب الله، أي: من آيات الله سبحانه، ولا يتوكل على الله، عز وجل، ولا يصلي إذا غاب عن عيون الناس، ولا يؤتي الزكاة فليس هذا بمؤمن، وإنما المؤمن من الذي وصفه الله عز وجل، بالخشية وازدياد الإيمان عند سماع آيات الله، عز وجل، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة.
قال مجاهد ﴿وَجِلَتْ﴾: فَرِقت.
وقال السدي: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيذكر الله، عز وجل، فَيَنْزَعُ عنها خَوْفاً من الله، سبحانه.
الأنفال 8:3
﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾، أي يقيمونها في أوقاتها، وقيل: يقيمونها بحدودها.
الأنفال 8:4
﴿أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ الآية، المعنى: أولئك الذين هذه صفتهم هم المؤمنون حقاً.
قال ابن عباس: ﴿ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾، أي: بَرِئُوْا من الكفر.
وَهَذَا بَابٌ تُذْكَرُ فَيهَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ وَتَفْسِيرُهُ، وَمَا رُوِيَ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، عز وجل.
وحقيقة الإيمان عند أَهْلِ السُّنَّة: أنه المعرفة بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح، وكذلك رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ.
وقالت المُرجئة الإيمان: قول ومعرفة بالقلب بلا عمل.
وقال الجهمية الإيمان: المعرفة بلا قول ولا عمل.
وأهل السنة والطريقة القويمة على أنه: المَعْرِفَةُ وَالقَوْلُ وَالعَمَلُ، كما رواه علي عن النبي ﷺ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ إِجْمَاعِ الأُمَّةِ.
قد أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على أنه من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم أخبر أن قلبه غَيْرُ مُصَدِّقٍ بشيء من ذلك، أنَّهُ كَافِرٌ، فدل على أَنَّ الاعتقاد لا بد منه.
ثم أَجْمَعُوا على أَنَّ الكافل إذا قال: قد اعتقدت في قلبي الإيمان ولم يقله ويسمع منه، [أن حكمه حكم الكافر] حتى يقوله ويسمع منه، فَإنَّ دمه لو قتل لا تلزم منه دية، فدل على أن القول مع الاعتقاد لا بد منه.
ثم أَجْمَعُوا على أن شهد الشهادتين، وقال: اعتقادي مثل قولي، ولكني لا أصوم ولا أصلي ولا أعمل شيئاً من الفروض أنه يستتاب، فإن تاب وعمل وإلا قتل كما يقتل الكافر، فدل على وجوب العمل.
فصح من هذا الإجماع، أن الإيمان هو الاعتقاد والقول والعمل، وتمامه: موافقة السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ [البينة: ٥]، ثم قال: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ٱلقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، أي: دين الملة القيمة. ومن لم يقل: إن الله تعالى، أراد الإقرار والعمل من العباد فهو كافر. فإن قيل: لو أن رجلاً أسلم فأقر بجميع ما جاء به محمد ﷺ، أيكون مؤمناً بهذا الإقرار أم لا؟ قيل له: لا يطلق عليه اسم مؤمن إلا ونيته أنه إذا جاء وقت العمل عمل ما افترض عليه، ولو علم منه وقت إقراره أنه لا يعمل لم يطلق عليه اسم مؤمن، ولو أنه أقرّ في الوقت وقال: لا أعمل إذا جاء وقت العمل، لم يطلق عليه اسم مؤمن.
والأعمال لا يقبل منها إلا ما أريد به وجه الله، (سبحانه)، فأما من أراد بعمله مَحْمَدَةَ الناس وَرَايَا به فليس مما يقبله الله، عز وجل، وصاحبه في مشيئة الله سبحانه. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ مَا يُقْضَى فيه يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأمر به، فَعَرَّفَهُ نِعمهُ فَعَرَفَهَا؛ قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كَذبْتَ ولكن قاتلت ليقال: جَريءٌ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تَعَلَّمَ العلم وعَلَّمَهُ، وقرأ القرآن، فأُتِيَ به، فعرَّفه نعمه، فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: تعلمت فيك العلم وعلَّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كَذَبْتَ، ولكنَّك تعلمت العلم ليقال: إنك عالم، فقد قيل، وقرأت القرآن ليقال: إنك قارئ، فقد قيل، ثم أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار. ورَجل وسَّع الله عليه، وأعطاهُ أنواع المال كله، فَعَرَّفه نِعمه فَعَرَفَها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت في سبيل الله شيئاً تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: جَوَادٌ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فسحب على وجهه حتى ألقي في النار
وروى أبو هريرة أيضاً، أن النبي ﷺ، قال: "قال الله جلّ ذكره من قائل،: أَنَا خَيْرُ الشُّرَكَاءِ، فمن عَمِل عَمَلاً أشرك فيه غيري، فهو للذي أشركه، وَأَنَا بَرِيءٌ منه
وفي خبر آخر: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ، قال: "أَشَدُّ النَّاسِ يوم القيامة عَذَاباً، من يرى النَّاس أَنَّ فِيهِ خَيْراً وَلاَ خَيْرَ فِيهِ
وعنه، ﷺ،: "مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعمله، سمَّع الله به يوم القيامة وصَغّرهُ وحَقَّرهُ
وعنه، ﷺ: "مَنْ رَاءَا بأمر يريد به سُمْعَةً فإنه في مَقْتٍ من اللهِ عز وجل، حتى يجلس
وقال النبي ﷺ: "لا تخادعوا الله فإنه من خادع الله بخدعة فنفسه يخدع لو يشعر". قالوا: يا رسول الله، وكيف يُخادع الله، قال: "تعمل ما أمرك به تطلب غيره، فاتقوا الرياء، فإنه الشرك، فإن المرائي يدعى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأربعة أسماء، ينسب إليها: يا كافر، يا خاسر، يا فاجر، يا غادر، ضل أجرك، وبطل عملك، فلا خلاق لك اليوم، فالتمس أجرك ممن كنت تعمل له يا خادع"
وعنه، ﷺ،: "إن أدنى الرِّياء شِرْكٌ
فيجب على المؤمن الراجي ثواب الله عز وجل، الخائف من عقابه، سبحانه، أن يخلص العمل لله سبحانه، ويريد به وجهه، تبارك وتعالى. وألاَّ يتباهى بعمله عند أحد فيشركه في علمه.
فإنَّ عَمِلَ عاملٌ عَمَلاً مُخْلِصاً لله عز وجل، في السر، فَسُرّ به، وأُعْجِبَ به إذ وفقه الله عز وجل، لذلك فهو حسن، وليس ذلك برياء، وهو ممدوح إنْ سلم من الإعجاب بنفسه؛ فَإنَّ الإعجاب ضَرْبٌ من التكبر، والتكبر يُحْبِطُ الأَعْمَالَ.
فإن ظَهَرَ عَمَلُهُ الذي أَسَرَّه للناس من غير أن يُشَهِّره هو على طريق الافتخار به، فأثنوا عليه بفعله فَسَرَّه ذلك فليس برياء، بل له أجر على ذلك؛ لأن الأصل كان لله عز وجل، والناس يَتَأَسَّونَ به في فعله.
وقد روى أبو هريرة: أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، دخل علي رجل وأنا أصل فأعجبني الحال التي رآني عليها، فقال له النبي ﷺ: "فلك أجران: أَجْرُ السَّرِ، وأَجْرُ العَلاَنِيَّة"
وروى حبيب بن ثابت عن أبي صالح قال: أتى النبي ﷺ، [رجل]، فسأله عن رجل يعمل العمل من الخير يُسِرُّه، فإذا ظهر أعجبه ذلك، فقال له النبي ﷺ: "له أجران: أجرُ السّرِّ وأجرُ العلانيَّة"
وروى حبيب: أن ناساً من أصحاب النبي ﷺ، قالوا: يا رسول الله، إنَّا نعمل أعمالاً في السر، فنسمع الناس يذكرونها فيعجبنا أن تُذْكَر بِخَيْرٍ، فقال: "لكم أجر السر وأجر العلانية"
وقد روى أنس أن النبي ﷺ، وجد ذات ليلة شيئاً، فلما أصبح قيل: يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن، فقال: "أما إني على ما ترون بحمد الله، قد قرأت البارحة السبع الطُّوَلُ"
وهذا من رسول الله ﷺ، استدعاءٌ بأن يعمل الناس مثل عمله، ويرغبوا في الخير، ويجتهدوا، ولو وقع مثل هذا لمن صح قصده ونيته، وأراد به مثل ما أراد النبي ﷺ، ولم يرد المَحْمَدَةَ والافتخار، لكان حسناً، وصاحِبُهُ مَأْجُورٌ؛ لأَِنَّهُ يَفْعَلُهُ لِيَقْتَدَى بِهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلُ عَمَلِهِ، وهذا طريق من الدعاء إلى الخير، إذا صحت النية، فهو طريق شريف غير مستنكر.
فحق العامل المجتهد أن يُجْهِدَ نفسه في تكذيب وساوس الشيطان، ولا يلتفت ما يوسوس إليه، وليقبل على عمله بنية خالصة لله، ويجهد نفسه في طاعة الله، عز وجل، والعمل لله، سبحانه، فلا شيء أبغض إلى الشيطان من طاعة العبد لربه، (عز وجل)، ولا شيء أسر إليه من عصيان العبد لربه، سبحانه، نعوذ بالله منه.
فحسب أَهْلِ الخَيْرِ أن لا تأتي عليهم حال إلا وهم للشيطان مرغمون، ولطمعه في أنفسهم حاسمون. فإن عجزوا عن ذلك في كل الأوقات فليفعلوه في حال اشتغالهم بأعمال الطاعة حتى تخلص أعمالهم لله عز وجل، وتسلم من الشيطان من أولها إلى آخرها فإن عجزوا عن ذلك فلا يعجزوا عن أن يكون ذلك منهم في أول أعمالهم، وفي آخرها، فإن عجزوا عن ذلك، فلا بد من إخلاصها في أولها ليكون الابتداء بالنية لله عز وجل، والإخلاص له، سبحانه؛ فإنه إذا كان [ذلك] كذلك، ثم عرض في أضعاف العمل عوارض الشيطان ووساوسه، رجي له ألا يضره ذلك، فإن عجز عن ذلك وغلبه الشيطان حتى ابتدأ بغير إخلاص. ثم حدث له في بعض العمل إخلاص وإنابة عما فعل رجي له، لقوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠].
فإن ابتدأ بغير إِخْلاَصٍ وتمادى حتى فرغ عن ذلك، كان ثمرة عمله سخط ربه.
والله عز وجل، حسن العفو كريم. روينا في بعض الأخبار عن النبي ﷺ: "أَنَّ الرجل إذا ابتدأ العمل بنية لله، عز وجل، ثم عرض له الشيطان في آخر عمله فَغَيّر نيته، أن الله سبحانه، يعفو له عما عرض له، ويكتب له عمله على ما ابتدأه به، وأَنَّ الرجل ليبتدئ بالعمل بغير نية، فتحدث له نية لله عز وجل، في آخره أن الله، يعفو له عن أوله، ويكتب له عمله على ما حدث له في آخره. هذا معنى الحديث الذي روينا، وهو حديث مشهور بنحو هذا اللفظ وبمثله في المعنى.
فقال ابن حازم: انظر إلى العمل الذي تُحِبُّ أن يأتيك الموت وأنت عليه، فخذه الساعة، وإذا قال لك الشيطان: أنت مُراءٍ فلست مرائياً، وإذا خرجت من بيتك، وأنت صادق النية، فلا يضرك ما جاء به الشيطان.
وكان رجل حَسَنُ الصَّوْتِ بالقرآن يأتي الحسن، فربما قال له الحسن: اقرأ، فقال: يا أبا سعيد، إني أقوم من الليل فيأتيني الشيطان إن رفعت صوتي، فيقول: إنما تريد الناس، فقال له الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك.
فالشيطان، عليه لعنة الله، عدو الله، سبحانه، لطيف المدخل لابن آدم، كثير الرصد له بما يُوبِقُهُ. قد أَوْبَقَ كثيراً من القرون السالفة، فَنَفَذَت فيهم سهامه، وصدق عليهم ظنه، فاللَّجَأُ منه إلى الله، عز وجل، والمستغاث على دفع شره الله، تبارك وتعالى.
وروى معقل بن يسار عن أبي بكر الصديق، (رضي الله عنه)، أَنَّ النبي ﷺ، قال: "الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ". فقال أبو بكر: يا رسول الله، وهل الشرك إلا أن يُدعى مع الله إله آخر، فقال: "الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ" ثم قال: "يا أبا بكر، ألا أدلك على ما يذهب صغير ذلك وكبيره؟ قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِي أَعُوذَ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لاَ أَعْلَمُ"
قوله: ﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
أي: يَكِلُونَ أمرهم إلى الله (سبحانه).
وَهَذَا بَابٌ يُذْكَرُ فِيهِ بَعْضُ مَا رُوِيَ في التَّوكُّلِ وَصِفَتِهِ وَفَضْلِهِ.
روى ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَرَّهُ أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يديه
روى عمر رضي الله عنه، أنّ النبي ﷺ قال:
"لو أنكم تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصاً، وَتَرُوحُ بِطَاناً
وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: "من انقطع إلى الله كفاه كُلَّ مُونَتِهِ ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وَكَلَهُ الله إليهاً
وروى أبو سعيد الخدري أنَّ النبي ﷺ قال: "لَوْ فَرَّ أَحَدَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ لأَدْرَكَهُ كَمَا يُدْرِكُهُ المَوْتُ
وعن أبي ذر مثله.
وقد قال الله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣]. وقال: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١].
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ: "يقول الله، جلّ ذكره: يَابْنَ آدم تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأُ صدرك غِنىً، وأَسُدَّ فقرك، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَلأَتْ صَدْرَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فُُقْرَكَ
وعن أبي [بن] كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ كَانَتْ نِيّتَهُ الآخِرَةَ جعل الله غناه في قلبه، وكَفَّ عنه ضَيْعَتَهُ، وأَتَتْهُ الدُّنْيا [وهي] رَاغِمَةٌ، ومن كانت نيته الدنيا شتت الله، عز وجل، عليه ضَيْعَتَه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتِبَ له
وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ: يقول: "مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا نِيَّتَهُ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت نيته الآخرة جمع الله [له] أمره وجعل غناه في قلبه وأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ
وفي هذه الآية دلالة على زيادة الإيمان ونقصه؛ لأن قوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً﴾ [الأنفال: ٢]، يَدُلُّ على نقصٍ كان قبل الزيادة.
وعن أبي الدرداء، قال رسول الله ﷺ: "تَفَرَّغُوا مِنْ هُمُومِ الدُّنْيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكْبَر همِّهِ، أقضى الله عليه ضَيْعَةَ، وجعل فقره بين عَيْنَيْه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله أمره وجعل غناه في قلبه، وما أَقْبَلَ عَبْدٌ بِقَلْبِهِ إِلَى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خَيْرٍ أَسْرَعَ
والتوكل على الله، عز وجل عند أهل النظر والمعرفة بالأصول، هو: الثقة بالله، سبحانه، في جميع الأمور، والاستسلام له، (عز وجل)، والمعرفة بأَنَّ قضاءه ماضٍ، واتباع أمره، وليس هو أن يطرح العبد بنفسه فلا يخاف شيئاً ولا يحذر أمراً، ويلقى بنفسه في التهلكة؛ لأن الله، سبحانه، يقول لأصحاب نبيه، عليه السلام: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فأمرهم أن يتزودوا في أسفارهم: لأنهم كانوا ربما خرجوا بلا زاد، فليس يجوز لأحدٍ أن يلقى عَدُوَّه بغير سلاح ولا عُدّةٍ ويجعل هذا تَوَكُلاً. فقد لَبِسَ النبي ﷺ، السلاح، وقال الله، عز وجل،: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقد دخل النبي ﷺ، وأبو بكر الغار. ودخل مكة وعلى رأسه المِغْفَرُ، وخرج يوم أُحد وعليه درعان. وفرّ أصحاب النبي ﷺ، إلى أرض الحبشة، وإلى المدينة بعد ذلك خوفاً على أنفسهم، فلو كان من التوكل إلقاء العبد نفسه في التهلكة، وترك الاحتراز من المَخُوفِ، ولَقْيُ العدو بغير سلاح، ومباشرةُ السباع، لكان رسول الله ﷺ، وأصحابه أولى بذلك بل خافوا وفرُّوا، وسلحوا واحترزوا.
وقد حكى الله عز وجل، عن موسى، عليه السلام، الخَوْفَ فقال: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ٢١]، وقال: ﴿فَأَصْبَحَ فِي ٱلْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]، وقال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾ [طه: ٦٧-٦٨].
فالملقي بيده إلى التهلكة من عدو أو سبع، ولا علم عنده أن الله عز وجل، لا يسلطه عليه آثم في نفسه، مُعِينٌ على قتل نفسه، مُجَرِّبٌ لقدرة ربه، جلت عظمته، مُعْجَبٌ بنفسه، دَالٌ على ربه، سبحانه، وليس هذا من صفات الصالحين، بل أنفسهم عندهم أَنْقَصُ وَأَذَلُّ، هم وَجِلُون ألا تقبل منهم أعمالهم! فكيف يدلون بأعمالهم! قال الله عز وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أي: يعلمون ما عملوا من الخير وهم خائفون ألاَّ يقبل منهم [عملهم]، فهذه صفات الصالحين. ليس صفاتهم الإعجاب بأعمالهم والدالة على الله عز وجل، بأفعالهم، وقد قال عمر: رأيت رسول الله ﷺ يَظَلُّ اليوم يلتوى، ما يجد ما يملأ به بطنه. وقد روي عَمَّنْ مضى، وعن النبي ﷺ، وأصحابه من الجوع والشدة ما لا يُحْصَى.
فهذا يدفع قول من يدعي في توكله نزول الطعام الكَوْنِي، ووجود الرُّطَب في غير وقته، وشبه ذلك من المعجزات التي لا تكون إلاَّ للنبي، تدل على صدقه في ما أتى به.
فأما كرامات الله، سبحانه لأوليائه وإجابة دعائهم، فليس ينكر ذلك أحدٌ مِنْ أهْلِ السُّنَّة، وإنما ينكرون على ما أجاز حدوث المعجزات على يدي غير الأنبياء؛ لأن في ذلك إبطال النبوة وهدم الشريعة.
* *
وقوله: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.
الدَّرجات: منازل ومراتب رفيعة في الجنة بقدر أعمالهم.
قال مجاهد [الدَّرَجَات]: أعمال رفيعة.
وقال ابن مُحَيْرِيز الدَّرَجَاتُ: سبعون درجة، كل درجة خطو الفرس الجواد المُضَمَّر ستين سنة.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾، أي: مغفرة لذنوبهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: الجنة.
قال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي فوق، فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الأسفل أنه فضل عليه أحد.
الأنفال 8:5
قوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية.
قال الكسائي: "الكاف": نعت لمصدر: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾، والتقدير: يجادلونك في الحق مُجَادَلَةً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
وقال الأخفش: "الكاف" نعت لـ: "حق"، والتقدير: هم المؤمنون حقاً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
وقيل: "الكاف" في موضع رفع، والتقدير: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾ ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، كأنه ابتداء وخبر.
وقال أبو عبيدة: هو قَسَمٌ، أي: لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، والذي أخرجك من بيتك بالحق، فـ: "الكاف" بمعنى: "الواو".
وقال الزجاج: "الكاف" في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لك ثباتاً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، والمعنى: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾ وهم كارهون، كذلك تَنْفُلُ من رأيت.
وقال الفراء التقدير: امض لأمرك في الغنائم، ونَفِّلْ من شئت وإن كرهوا ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾.
وقيل: "الكاف" في موضع رفع، والتقدير:
* *
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، إلى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، هذا وعد وحق ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾.
وقيل المعنى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ ذلك خير لكم ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾، فـ: "الكاف": نعت لخبر ابتداء محذوف هو الابتداء.
وقيل التقدير: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
قال عكرمة في الآية: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: الطاعة خَيْرٌ لَكُمْ، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيراً لك.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.
قال ابن عباس: لما سمع رسول الله ﷺ، بأبي سفيان أنه مقبل من الشام، ندب إليه من المسلمين، وقال: هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لَعَلَّ الله أن يُنْفِلَكُمُوهَا! فانتدب الناس، فَخَفّ بعضهم وثَقُلَ بَعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حرباً. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾
قال السدي ﴿لَكَارِهُونَ﴾: لطلب المشركين.
﴿للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾، وقف.
و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾، وقف.
ويكون تقدير الآية وتفسيرها: أنّ النبي ﷺ، لما نظر إلى قلة المسلمين يوم بدر وإلى كثرة المشركين قال: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وإِنْ أَسِرَ أَسِيراً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا"، ليرغبهم في القتال، فلما هزمهم الله، عز وجل وأَظْفَرَه بهم، قام إليه سعد بن عبادة، فقال له: يا رسول الله، إن أعطيت هؤلاء ما وعدتهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء، فأنزل الله: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾، أي: يصنع فيها ما يشاء. فأمسكوا لما سمعوا ذلك على كراهية منهم له، فَأَنْزَلَ الله، عز وجل،: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: امض لأمر الله في الغنائم، وهم كارهون لذلك، أي: بعضهم، كما مضيت لأمر الله عز وجل، في خروجك، وهم له كارهون، أي: بعضهم.
فإن جعلت التقدير: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ﴾ كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: لم تخرجنا للقتال فنستعد له، إنما أخرجتنا للغنيمة، فلا يحسن الوقف على ما قبل "الكاف" على هذا.
وعلى قول أبي عبيدة أن "الكاف" في موضع: واو القسم، يحسن الوقف على ما قبل "الكاف" كأنه قال: والذي أخرجك من بيتك بالحق، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾ [الليل: ٣]، أي: والذي خلق الذكر.
* *
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ﴾، الآية.
قال ابن عباس: لما شاور النبي ﷺ، في لقاء القوم، قال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبّوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأَنْزَلَ الله، عز وجل، ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
قال ابن اسحاق: خرجوا مع النبي ﷺ، يريدون العِيَر طمعاً بالغنيمة، فلما عرفوا أن قريشاً قد سارت إليهم، كرهوا ذلك، وكأنهم يساقون إلى الموت؛ لأنهم لم يخرجوا للقتال. فالذي عُني بهذا هم المؤمنون، فَأَنْزَلَ الله عز وجل، ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى: ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
وقال ابن زيد: عني بذلك المشركون، قال: هم المشركون جادلوا في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ﴾ حين يدعون إلى الإسلام، ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
قال الطبري: المراد بذلك المؤمنون. ودَلَّ عليه قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، لما كرهوا القتال جادلوا فقالوا: لم تعلمنا أنَّا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، إِنَّمَا خرجنا لِلْعِير. وَيَدُلُّ على ذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ففي هذا دليل أنّ القوم كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم في القتال، [كما] قال مجاهد، كراهية منهم له.
وروي عن ابن عباس: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ﴾، أي: في القتال، ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾، أي: بعد ما أمرت به.
الأنفال 8:6
قوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية.
قال الكسائي: "الكاف": نعت لمصدر: ﴿يُجَادِلُونَكَ﴾، والتقدير: يجادلونك في الحق مُجَادَلَةً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
وقال الأخفش: "الكاف" نعت لـ: "حق"، والتقدير: هم المؤمنون حقاً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
وقيل: "الكاف" في موضع رفع، والتقدير: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾ ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، كأنه ابتداء وخبر.
وقال أبو عبيدة: هو قَسَمٌ، أي: لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، والذي أخرجك من بيتك بالحق، فـ: "الكاف" بمعنى: "الواو".
وقال الزجاج: "الكاف" في موضع نصب، والتقدير: الأنفال ثابتة لك ثباتاً ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾، والمعنى: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾ وهم كارهون، كذلك تَنْفُلُ من رأيت.
وقال الفراء التقدير: امض لأمرك في الغنائم، ونَفِّلْ من شئت وإن كرهوا ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾.
وقيل: "الكاف" في موضع رفع، والتقدير:
* *
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، إلى: ﴿لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، هذا وعد وحق ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾.
وقيل المعنى: ﴿وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ﴾ ذلك خير لكم ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾، فـ: "الكاف": نعت لخبر ابتداء محذوف هو الابتداء.
وقيل التقدير: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ﴾.
قال عكرمة في الآية: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: الطاعة خَيْرٌ لَكُمْ، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيراً لك.
* *
وقوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾.
قال ابن عباس: لما سمع رسول الله ﷺ، بأبي سفيان أنه مقبل من الشام، ندب إليه من المسلمين، وقال: هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها، لَعَلَّ الله أن يُنْفِلَكُمُوهَا! فانتدب الناس، فَخَفّ بعضهم وثَقُلَ بَعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ يلقى حرباً. فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾
قال السدي ﴿لَكَارِهُونَ﴾: لطلب المشركين.
﴿للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾، وقف.
و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾، وقف.
ويكون تقدير الآية وتفسيرها: أنّ النبي ﷺ، لما نظر إلى قلة المسلمين يوم بدر وإلى كثرة المشركين قال: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا، وإِنْ أَسِرَ أَسِيراً فَلَهُ كَذَا وَكَذَا"، ليرغبهم في القتال، فلما هزمهم الله، عز وجل وأَظْفَرَه بهم، قام إليه سعد بن عبادة، فقال له: يا رسول الله، إن أعطيت هؤلاء ما وعدتهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء، فأنزل الله: ﴿قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾، أي: يصنع فيها ما يشاء. فأمسكوا لما سمعوا ذلك على كراهية منهم له، فَأَنْزَلَ الله، عز وجل،: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، أي: امض لأمر الله في الغنائم، وهم كارهون لذلك، أي: بعضهم، كما مضيت لأمر الله عز وجل، في خروجك، وهم له كارهون، أي: بعضهم.
فإن جعلت التقدير: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ﴾ كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: لم تخرجنا للقتال فنستعد له، إنما أخرجتنا للغنيمة، فلا يحسن الوقف على ما قبل "الكاف" على هذا.
وعلى قول أبي عبيدة أن "الكاف" في موضع: واو القسم، يحسن الوقف على ما قبل "الكاف" كأنه قال: والذي أخرجك من بيتك بالحق، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ﴾ [الليل: ٣]، أي: والذي خلق الذكر.
* *
وقوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ﴾، الآية.
قال ابن عباس: لما شاور النبي ﷺ، في لقاء القوم، قال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبّوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأَنْزَلَ الله، عز وجل، ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
قال ابن اسحاق: خرجوا مع النبي ﷺ، يريدون العِيَر طمعاً بالغنيمة، فلما عرفوا أن قريشاً قد سارت إليهم، كرهوا ذلك، وكأنهم يساقون إلى الموت؛ لأنهم لم يخرجوا للقتال. فالذي عُني بهذا هم المؤمنون، فَأَنْزَلَ الله عز وجل، ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى: ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
وقال ابن زيد: عني بذلك المشركون، قال: هم المشركون جادلوا في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ﴾ حين يدعون إلى الإسلام، ﴿وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
قال الطبري: المراد بذلك المؤمنون. ودَلَّ عليه قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، لما كرهوا القتال جادلوا فقالوا: لم تعلمنا أنَّا نلقى العدو فنستعد لقتالهم، إِنَّمَا خرجنا لِلْعِير. وَيَدُلُّ على ذلك قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، ففي هذا دليل أنّ القوم كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم في القتال، [كما] قال مجاهد، كراهية منهم له.
وروي عن ابن عباس: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ﴾، أي: في القتال، ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾، أي: بعد ما أمرت به.
الأنفال 8:7
قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾.
والمعنى: واذكروا، أيها المؤمنون ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾، والطائفتان: إحداهما فرقة أبي سفيان والعير، والطائفة الأخرى: فرقة المشركين الذين خرجوا من مكة لمنع العير.
* *
وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾.
أي: أن ما معهم غنيمة لكم.
* *
وقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.
أي: تحبون أن تكون لكم العير التي لا قتال فيها ولا سلاح دون فرقة المشركين المقاتلة المسلحين.
وكان أصحاب النبي ﷺ، أحبوا أن يَظْفَروا بالعير، فأراد الله عز وجل، غير ذلك، أراد أن يَظْفَروا بالمقاتلة، فيكون ذلك أذل لهم وأخزى وأهيب في قلوب المشركين؛ لأن المسلمين لو ظَفِروا بالعير ولا مقاتلة معها ما كان في ذلك هيبة ولا ردعة عند المشركين، وإذا ظَفِروا بالمقاتلة وأهل الحرب والبأس كان ذلك أهيب وأروع لمن بقي منهم.
و ﴿ٱلشَّوْكَةِ﴾: السلاح.
وقال أبو عبيدة: غير ذات الحد.
يقال: فلان شَائِكٌ في السلاح وشَاكٌ، من الشِّكَةِ.
وقال ابن عباس: لما خُبِّر رسول الله ﷺ، بأبي سفيان مُقْبلاً من الشَّأْم، ندب المسلمين إليهم، فقال: هذه عير قريش، فيها أموالٌ، أخرجوا إليها لعلّ الله أن يملككموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ، يلقى حرباً، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفاً على أموال الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان: "إن محمداً قد استنفر [أصحابه] لك ولِعِيرك" فَحَذِرَ عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضَمْضَم. وخرج النبي ﷺ، في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي ﷺ الناس، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر، فقال فأحسن. وقام عمر، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب (أنت) وربك فقاتلا، إِنَّا معكم مقاتلون! والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد، يعنى: مدينة الحبشة، لجالدنا معك مَنْ دونه! ثم قالت الأنصار بعد ان استشارها: امض يا رسول الله، لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فمضى رسول الله ﷺ، حتى التقى بالمشركين ببدر، فسبقوا الماء، والتقوا، ونصر الله عز وجل، النبي ﷺ، وأصحابه، فَقُتِلَ من المشركين سبعون، وَأُسِرَ منهم سبعون، وغنم المسلمون ما كان معهم، وسلمت العير مع أبي سفيان، وكان قد أخذ بها الساحل، أسفل من موضع القتال، وهو قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قيل للنبي ﷺ، حين فرغ من بدر، عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس: لا يصلح، فقال له النبي ﷺ: "لِمَ"؟ قال: لأن الله عز وجل، وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: "صَدَقْتَ"
الأنفال 8:8
قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾.
والمعنى: واذكروا، أيها المؤمنون ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾، والطائفتان: إحداهما فرقة أبي سفيان والعير، والطائفة الأخرى: فرقة المشركين الذين خرجوا من مكة لمنع العير.
* *
وقوله: ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾.
أي: أن ما معهم غنيمة لكم.
* *
وقوله: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾.
أي: تحبون أن تكون لكم العير التي لا قتال فيها ولا سلاح دون فرقة المشركين المقاتلة المسلحين.
وكان أصحاب النبي ﷺ، أحبوا أن يَظْفَروا بالعير، فأراد الله عز وجل، غير ذلك، أراد أن يَظْفَروا بالمقاتلة، فيكون ذلك أذل لهم وأخزى وأهيب في قلوب المشركين؛ لأن المسلمين لو ظَفِروا بالعير ولا مقاتلة معها ما كان في ذلك هيبة ولا ردعة عند المشركين، وإذا ظَفِروا بالمقاتلة وأهل الحرب والبأس كان ذلك أهيب وأروع لمن بقي منهم.
و ﴿ٱلشَّوْكَةِ﴾: السلاح.
وقال أبو عبيدة: غير ذات الحد.
يقال: فلان شَائِكٌ في السلاح وشَاكٌ، من الشِّكَةِ.
وقال ابن عباس: لما خُبِّر رسول الله ﷺ، بأبي سفيان مُقْبلاً من الشَّأْم، ندب المسلمين إليهم، فقال: هذه عير قريش، فيها أموالٌ، أخرجوا إليها لعلّ الله أن يملككموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنوا أن رسول الله ﷺ، يلقى حرباً، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفاً على أموال الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان: "إن محمداً قد استنفر [أصحابه] لك ولِعِيرك" فَحَذِرَ عند ذلك، فاستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فمضى ضَمْضَم. وخرج النبي ﷺ، في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي ﷺ الناس، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر، فقال فأحسن. وقام عمر، فقال فأحسن. ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب (أنت) وربك فقاتلا، إِنَّا معكم مقاتلون! والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا إلى بَرْك الغِماد، يعنى: مدينة الحبشة، لجالدنا معك مَنْ دونه! ثم قالت الأنصار بعد ان استشارها: امض يا رسول الله، لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فمضى رسول الله ﷺ، حتى التقى بالمشركين ببدر، فسبقوا الماء، والتقوا، ونصر الله عز وجل، النبي ﷺ، وأصحابه، فَقُتِلَ من المشركين سبعون، وَأُسِرَ منهم سبعون، وغنم المسلمون ما كان معهم، وسلمت العير مع أبي سفيان، وكان قد أخذ بها الساحل، أسفل من موضع القتال، وهو قوله تعالى: ﴿وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: قيل للنبي ﷺ، حين فرغ من بدر، عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس: لا يصلح، فقال له النبي ﷺ: "لِمَ"؟ قال: لأن الله عز وجل، وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال: "صَدَقْتَ"
الأنفال 8:9
قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قرأ عيسى بن عمر: "إنِّي مُمِدُّكُم"، أي: قال: إني ممدكم.
ومن قرأ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصباً على الحال من الضمير في: ﴿مُمِدُّكُمْ﴾.
وقيل: هو في موضع خفض نعت لـ: "ألف".
ومن كسر الدال فمعناه: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يتبع بعضهم بعضاً. يقال: رَدِفْتُهُ وأَرْدَفْتُهُ: إذا تَبِعْته.
وأنكر أبو عبيد أن يكون المعنى: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يحمله خَلْفَهُ، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل.
والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضاً في الإتيان لا في الركوب، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: وَرَاءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
فمعنى الكسر: أَنَّ الملائكة يُرْدِفُ بعضها بعضاً، أي: يتبع.
ومعنى الفتح: أن الله أَرْدَفَ بهم المؤمنين.
حكى سيبويه "مُرَدِّفينَ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها.
وأصله: "مُرْتدفِيِنَ"، ثم أدَغم "التاء" في "الدال" بعد أن ألقى حركتها على "الراء".
وحكى أيضاً: "مُرِدِفِّينَ" بكسر الراء، على أنه "مُرْتَدِفِينَ" أيضاً، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة "التاء".
ومعنى الآية: ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، أي: حين ذلك، أي تستجيرون به من عدوكم، ﴿فَٱسْتَجَابَ﴾ ربكم﴿لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾، أي: بأني ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾ يردف بعضهم بعضاً، أي: يتلو. وَرُوِيَ عن عاصم: "آلفٌ"، على وزن "أَفْعُلٍ".
قال ابن عباس: لمَّا اصطفَّ القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع النبي ﷺ، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً.
قال السدي: فاستجاب الله، عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما نظر النبي ﷺ، إلى المشركين وَهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مدَّ يدَهُ، وجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز ما وعدتني"، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه ﷺ، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كَذَلك مناشدتك ربك، فَإِنَّه سينجز لك ما وعدك!.
* *
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ﴾.
"الهاء" تعود على "الإمْدَادِ".
وقيل: على "الإِرْدَافِ".
وقيل: على "الأَلْفِ".
وقيل: على قبول الدعاء.
والمعنى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ﴾: إرداف الملائكة بعضها بعضاً. ﴿إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، أي: ولكي تسكن إلى ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله عز وجل، فليس النصر إلا من عند الله، سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾، أي: لا يقهره شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
و "الهاء"، في: ﴿بِهِ﴾ تحتمل ما جاز في "الهاء" في: ﴿جَعَلَهُ﴾.
ويجوز رجوعها على "البشرى"؛ لأنها تعني الاستبشار.
الأنفال 8:10
قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قرأ عيسى بن عمر: "إنِّي مُمِدُّكُم"، أي: قال: إني ممدكم.
ومن قرأ: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، بفتح الدال، يجوز أن يكون نصباً على الحال من الضمير في: ﴿مُمِدُّكُمْ﴾.
وقيل: هو في موضع خفض نعت لـ: "ألف".
ومن كسر الدال فمعناه: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يتبع بعضهم بعضاً. يقال: رَدِفْتُهُ وأَرْدَفْتُهُ: إذا تَبِعْته.
وأنكر أبو عبيد أن يكون المعنى: يُرْدِف بعضهم بعضاً، أي: يحمله خَلْفَهُ، ودفع قراءة الكسر على هذا التأويل.
والوجه أنهم يتبعون بعضهم بعضاً في الإتيان لا في الركوب، وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: وَرَاءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ.
فمعنى الكسر: أَنَّ الملائكة يُرْدِفُ بعضها بعضاً، أي: يتبع.
ومعنى الفتح: أن الله أَرْدَفَ بهم المؤمنين.
حكى سيبويه "مُرَدِّفينَ": بفتح الراء، وتشديد الدال وكسرها.
وأصله: "مُرْتدفِيِنَ"، ثم أدَغم "التاء" في "الدال" بعد أن ألقى حركتها على "الراء".
وحكى أيضاً: "مُرِدِفِّينَ" بكسر الراء، على أنه "مُرْتَدِفِينَ" أيضاً، لكن أدغم وكسر الراء لالتقاء الساكنين، ولم يلق عليها حركة "التاء".
ومعنى الآية: ﴿لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾، أي: حين ذلك، أي تستجيرون به من عدوكم، ﴿فَٱسْتَجَابَ﴾ ربكم﴿لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ﴾، أي: بأني ﴿مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ﴾ يردف بعضهم بعضاً، أي: يتلو. وَرُوِيَ عن عاصم: "آلفٌ"، على وزن "أَفْعُلٍ".
قال ابن عباس: لمَّا اصطفَّ القوم، قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره! ورفع النبي ﷺ، يده وقال: يا رب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً.
قال السدي: فاستجاب الله، عز وجل، له ونصره بالملائكة، وذلك يوم بدر.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما نظر النبي ﷺ، إلى المشركين وَهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائة وبضعة عشر، استقبل القبلة، ثم مدَّ يدَهُ، وجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز ما وعدتني"، فما زال يهتف حتى سقط رداؤه ﷺ، عن منكبيه، فرده أبو بكر على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله كَذَلك مناشدتك ربك، فَإِنَّه سينجز لك ما وعدك!.
* *
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ﴾.
"الهاء" تعود على "الإمْدَادِ".
وقيل: على "الإِرْدَافِ".
وقيل: على "الأَلْفِ".
وقيل: على قبول الدعاء.
والمعنى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ﴾: إرداف الملائكة بعضها بعضاً. ﴿إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، أي: ولكي تسكن إلى ذلك قلوبكم، وتوقن بنصر الله عز وجل، فليس النصر إلا من عند الله، سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾، أي: لا يقهره شيء، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
و "الهاء"، في: ﴿بِهِ﴾ تحتمل ما جاز في "الهاء" في: ﴿جَعَلَهُ﴾.
ويجوز رجوعها على "البشرى"؛ لأنها تعني الاستبشار.
الأنفال 8:11
قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ﴾، الآية.
من قرأ: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾، احتج بإجماعهم على: ﴿يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
ومن قرأ: ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾، مشدداً، فرد الفعل إلى الله، عز وجل، احتج بقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم﴾، وهو لله بلا اختلاف. فكون الكلام على نظام واحد أحسن.
* *
وقوله: ﴿أَمَنَةً﴾: مفعول من أجله.
وقيل: هو مصدر.
وقوله ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾: العامل في ﴿إِذْ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ بُشْرَىٰ﴾ [الأنفال: ١٠]، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾، أي: حين يغشيكم.
* *
ومعنى ﴿يُغَشِّيكُمُ﴾: يلقى عليكم، و ﴿أَمَنَةً﴾: أماناً من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم، وذلك يوم أحد أنزل الله، عز وجل، عليكم النعاس أمنة من الخوف الذي أصابهم يوم أُحد.
* *
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾.
كان هذا يوم بدر، أصبح المسلمون مُجْنِبِين على غير مَاءٍ، فأنزل الله عز وجل، (عليهم) مطراً فاغتسلوا، وكان الشيطان قد وسوس إليهم بما حَزَنَهم به من إصباحهم مُجنبين على غير ماء؛ لأنَّ المشركين سبقوا المسلمين ببدر إلى الماء فأصبح المسلمون عِطَاشاً مُجْنبين ومُحدثين، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: عدوكم على الماء، وأنتم تزعمون أنكم مسلمون، فأزال الله الأحداث والعطش والوسوسة بالمطر الذي أنزل عليهم، وسكن به الغبار، وتمهدت الأرض للوطء عليها.
قيل: كانت سَبْخَةً لا تثبت عليها الأقدام.
وقيل: كانت رَمْلاً.
وكانت آية عظيمة في ثبات أقدامهم في المطر على سَبِخَةٍ.
وقول من قال: كانت الأرض رَمِلَةً أَوْلَى، لقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ﴾.
قال قتادة: ذكر لنا أنهم مُطِروا يومئذ حتى سال الوادي ماءً، وكانوا قد التقوا على كثيب أعفر فَلَبَّده الله عز وجل بالماء، وشرب المسلمون واستقوا، [و] أذهب الله عز وجل، عنهم وساوس الشيطان وأحزانه.
وكان المشركون سبقوا إلى الماء وإلى الأرض الشديدة، ونزل المسلمون على غير ماء وعلى رمل، فأراهم الله، عز وجل، بنزول المطر قدرته، وأثبت في قلوبهم أمارة النصر والغلبة فتقَّوت نفوسهم وتشجعوا، وذهب عنهم وسوسة الشيطان.
* *
وقوله: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ﴾.
أي: بالمطر، وذلك أنهم التقوا مع عدوهم على رَمْلة فَلَبَّدَهَا المطر حتى تثبت الأقدام عليها، وكان هذا كله ليلة اليوم الذي ألقوا فيه في بدر.
* *
وقوله: ﴿وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ﴾.
أي: وساوسه.
وقال القُتَيْبِي: كيده.
الأنفال 8:12
والعامل في ﴿إِذْ يُوحِي﴾، ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ﴾.
وقيل المعنى: واذكر ﴿إِذْ يُوحِي﴾.
وقيل: أوحى الله، عز وجل، ﴿إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾، فكان المَلَكُ يظهر للرجل من أصحاب النبي ﷺ في صورة رجل فيقول: سمعت أبا سفيان وأصحابه يقولون: لئن حَمَلَ علينا هؤلاء لَنُهْزَمَنَّ! فتقوى بذلك قلوب المؤمنين.
* *
وقوله: ﴿فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ﴾.
أي: اضربوا الأعناق.
وقال الأخفش: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة.
وقيل المعنى: اضربوا الرؤوس؛ لأنها فوق الأعناق.
وقال أبو عبيدة: ﴿فَوْقَ﴾ بمعنى: "على"، والمعنى "فاضربوا على الأعناق. يقال: ضَرَبْتُهُ على رَأْسِهِ وَفَوْقَ رَأْسِه بِمعنى.
* *
وقوله: ﴿وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾.
أي: اضربوا الأطراف من الأيدي والأرجل.
و "البَنَانُ": [أطراف] أصابع اليدين والرجلين.
وقال عطية، والضحاك: "البَنَانُ": كل مَفْصلٍ.
وواحد "البَنَانِ" "بَنَانَةٌ"، وهي: الأصابع وغيرها من الأعضاء، وهذا قول الزجاج.
* *
وقوله: ﴿فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾.
هذا أمر من الله، عز وجل للملائكة.
وقيل: إِنَّ الملَكَ كان يأتي أصحاب النبي ﷺ، فيقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين، يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن! فيتحدث بذلك المسلمون، وتقوى نفوسهم.
وقيل معنى ثَبِتُّوهم أي: بالمدد.
الأنفال 8:13
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.
* *
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
أي: يخالفه.
أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين.
والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: "الحشر".
ويحسن "الرَّوْمُ"، في الوقف في: "الحشر" ؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو "القاف" الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن "الرّوْمُ" في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله "القاف" الثانية غير لازم في الوقف] وهو "اللام" من اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
* *
﴿وَأَنَّ﴾: في موضع رفع عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلكم الأمر.
وقيل: ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال.
؎ يَا لَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ∗∗∗ مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رُمحاً.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين.
ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ﴾ الآية.
والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض عند القتال.
وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم.
ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم.
يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ.
قال الضحاك: "المُتَحَرِّفُ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و "المُتَحَيَزُ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه.
قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم.
وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر.
وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر.
ومعنى: ﴿بَآءَ بِغَضَبٍ﴾.
أي: رجع به.
* *
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾.
أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾.
أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وبنصره تَمَّ.
رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ﷺ، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل، فلم يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾، يخاطب النبي ﷺ، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي ﷺ، الكفار فهزمهم الله.
قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل.
وقيل: إن النبي ﷺ، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله ﷺ، وأصحابه، وقال: "شاهت الوجوه!" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ الآية
قال قتادة: أخذ النبي ﷺ، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
وقيل: إن النبي ﷺ، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فكسر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله.
وَيُرْوَى أن النبي ﷺ، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر عن يمينه، والنبي ﷺ، يدعو ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني"، فألح النبي ﷺ، في الدعاء، فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: "خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ﷺ]، من نعسة نعسها، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: "أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع". فلما التقى الجمعان خرج النبي ﷺ من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: "شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا" فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة
قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبْتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك.
وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
* *
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً﴾.
يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم:
عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: "الصَّفْرَاءِ"، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ.
وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك.
وذو الشِّمَالَيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة.
وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ.
ومَهْجَع، مولى عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر.
وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم.
سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث.
وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب.
وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو.
ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم.
[وحارثة] بن عدي بن سُرَاقَة.
وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي ﷺ يقول: "إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل"، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي ﷺ، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأمه: ابنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: "ابنك في الرفيق الأعلى"، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالك بن النضر.
وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَا عَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أَنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ﷺ]، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. قلت: بأبي أنتما وأمي، وأشرت لهما إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما.
قال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف رديء، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي ﷺ، فأخبرته بقتلي لأبي جهل فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً.
وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون.
وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام إليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي ﷺ وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: "الصَّفْراء".
فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان.
وقيل معنى: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء نبيكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم.
وقيل معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
الأنفال 8:14
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.
* *
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
أي: يخالفه.
أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين.
والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: "الحشر".
ويحسن "الرَّوْمُ"، في الوقف في: "الحشر" ؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو "القاف" الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن "الرّوْمُ" في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله "القاف" الثانية غير لازم في الوقف] وهو "اللام" من اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
* *
﴿وَأَنَّ﴾: في موضع رفع عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلكم الأمر.
وقيل: ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال.
؎ يَا لَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ∗∗∗ مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رُمحاً.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين.
ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ﴾ الآية.
والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض عند القتال.
وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم.
ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم.
يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ.
قال الضحاك: "المُتَحَرِّفُ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و "المُتَحَيَزُ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه.
قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم.
وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر.
وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر.
ومعنى: ﴿بَآءَ بِغَضَبٍ﴾.
أي: رجع به.
* *
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾.
أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾.
أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وبنصره تَمَّ.
رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ﷺ، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل، فلم يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾، يخاطب النبي ﷺ، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي ﷺ، الكفار فهزمهم الله.
قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل.
وقيل: إن النبي ﷺ، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله ﷺ، وأصحابه، وقال: "شاهت الوجوه!" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ الآية
قال قتادة: أخذ النبي ﷺ، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
وقيل: إن النبي ﷺ، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فكسر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله.
وَيُرْوَى أن النبي ﷺ، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر عن يمينه، والنبي ﷺ، يدعو ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني"، فألح النبي ﷺ، في الدعاء، فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: "خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ﷺ]، من نعسة نعسها، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: "أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع". فلما التقى الجمعان خرج النبي ﷺ من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: "شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا" فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة
قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبْتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك.
وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
* *
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً﴾.
يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم:
عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: "الصَّفْرَاءِ"، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ.
وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك.
وذو الشِّمَالَيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة.
وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ.
ومَهْجَع، مولى عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر.
وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم.
سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث.
وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب.
وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو.
ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم.
[وحارثة] بن عدي بن سُرَاقَة.
وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي ﷺ يقول: "إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل"، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي ﷺ، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأمه: ابنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: "ابنك في الرفيق الأعلى"، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالك بن النضر.
وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَا عَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أَنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ﷺ]، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. قلت: بأبي أنتما وأمي، وأشرت لهما إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما.
قال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف رديء، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي ﷺ، فأخبرته بقتلي لأبي جهل فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً.
وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون.
وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام إليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي ﷺ وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: "الصَّفْراء".
فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان.
وقيل معنى: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء نبيكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم.
وقيل معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
الأنفال 8:15
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.
* *
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
أي: يخالفه.
أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين.
والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: "الحشر".
ويحسن "الرَّوْمُ"، في الوقف في: "الحشر" ؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو "القاف" الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن "الرّوْمُ" في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله "القاف" الثانية غير لازم في الوقف] وهو "اللام" من اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
* *
﴿وَأَنَّ﴾: في موضع رفع عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلكم الأمر.
وقيل: ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال.
؎ يَا لَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ∗∗∗ مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رُمحاً.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين.
ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ﴾ الآية.
والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض عند القتال.
وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم.
ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم.
يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ.
قال الضحاك: "المُتَحَرِّفُ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و "المُتَحَيَزُ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه.
قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم.
وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر.
وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر.
ومعنى: ﴿بَآءَ بِغَضَبٍ﴾.
أي: رجع به.
* *
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾.
أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾.
أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وبنصره تَمَّ.
رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ﷺ، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل، فلم يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾، يخاطب النبي ﷺ، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي ﷺ، الكفار فهزمهم الله.
قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل.
وقيل: إن النبي ﷺ، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله ﷺ، وأصحابه، وقال: "شاهت الوجوه!" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ الآية
قال قتادة: أخذ النبي ﷺ، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
وقيل: إن النبي ﷺ، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فكسر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله.
وَيُرْوَى أن النبي ﷺ، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر عن يمينه، والنبي ﷺ، يدعو ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني"، فألح النبي ﷺ، في الدعاء، فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: "خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ﷺ]، من نعسة نعسها، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: "أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع". فلما التقى الجمعان خرج النبي ﷺ من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: "شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا" فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة
قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبْتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك.
وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
* *
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً﴾.
يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم:
عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: "الصَّفْرَاءِ"، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ.
وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك.
وذو الشِّمَالَيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة.
وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ.
ومَهْجَع، مولى عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر.
وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم.
سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث.
وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب.
وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو.
ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم.
[وحارثة] بن عدي بن سُرَاقَة.
وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي ﷺ يقول: "إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل"، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي ﷺ، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأمه: ابنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: "ابنك في الرفيق الأعلى"، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالك بن النضر.
وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَا عَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أَنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ﷺ]، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. قلت: بأبي أنتما وأمي، وأشرت لهما إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما.
قال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف رديء، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي ﷺ، فأخبرته بقتلي لأبي جهل فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً.
وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون.
وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام إليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي ﷺ وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: "الصَّفْراء".
فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان.
وقيل معنى: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء نبيكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم.
وقيل معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
الأنفال 8:16
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.
* *
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
أي: يخالفه.
أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين.
والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: "الحشر".
ويحسن "الرَّوْمُ"، في الوقف في: "الحشر" ؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو "القاف" الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن "الرّوْمُ" في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله "القاف" الثانية غير لازم في الوقف] وهو "اللام" من اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
* *
﴿وَأَنَّ﴾: في موضع رفع عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلكم الأمر.
وقيل: ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال.
؎ يَا لَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ∗∗∗ مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رُمحاً.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين.
ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ﴾ الآية.
والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض عند القتال.
وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم.
ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم.
يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ.
قال الضحاك: "المُتَحَرِّفُ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و "المُتَحَيَزُ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه.
قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم.
وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر.
وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر.
ومعنى: ﴿بَآءَ بِغَضَبٍ﴾.
أي: رجع به.
* *
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾.
أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾.
أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وبنصره تَمَّ.
رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ﷺ، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل، فلم يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾، يخاطب النبي ﷺ، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي ﷺ، الكفار فهزمهم الله.
قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل.
وقيل: إن النبي ﷺ، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله ﷺ، وأصحابه، وقال: "شاهت الوجوه!" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ الآية
قال قتادة: أخذ النبي ﷺ، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
وقيل: إن النبي ﷺ، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فكسر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله.
وَيُرْوَى أن النبي ﷺ، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر عن يمينه، والنبي ﷺ، يدعو ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني"، فألح النبي ﷺ، في الدعاء، فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: "خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ﷺ]، من نعسة نعسها، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: "أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع". فلما التقى الجمعان خرج النبي ﷺ من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: "شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا" فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة
قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبْتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك.
وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
* *
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً﴾.
يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم:
عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: "الصَّفْرَاءِ"، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ.
وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك.
وذو الشِّمَالَيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة.
وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ.
ومَهْجَع، مولى عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر.
وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم.
سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث.
وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب.
وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو.
ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم.
[وحارثة] بن عدي بن سُرَاقَة.
وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي ﷺ يقول: "إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل"، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي ﷺ، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأمه: ابنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: "ابنك في الرفيق الأعلى"، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالك بن النضر.
وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَا عَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أَنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ﷺ]، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. قلت: بأبي أنتما وأمي، وأشرت لهما إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما.
قال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف رديء، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي ﷺ، فأخبرته بقتلي لأبي جهل فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً.
وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون.
وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام إليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي ﷺ وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: "الصَّفْراء".
فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان.
وقيل معنى: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء نبيكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم.
وقيل معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
الأنفال 8:17
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: هذا الفعل الذي فُعل بهم من ضرب الأعناق وغير ذلك، ﴿بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: خالفوه، كأنهم صاروا فِي شِقٍّ آخر بمخالفتهم له.
* *
﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
أي: يخالفه.
أَجْمَعَ القراء على الإظهار، إذ هو في الخَطِّ بقافين.
والإظهَارُ لغة أهل الحجاز، وغيرهم يُدْغِمُ، وعليه أُجْمِعَ في: "الحشر".
ويحسن "الرَّوْمُ"، في الوقف في: "الحشر" ؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله الثاني لازم في الوقت، وهو "القاف" الأولى المُدْغَمة في الثانية، ولا يحسن "الرّوْمُ" في الوقوف [في الأفعال؛ لأن الساكن الذي حرك من أجله "القاف" الثانية غير لازم في الوقف] وهو "اللام" من اسم الله، جل ذكره، فقس عليه ما كان مثله.
* *
وقوله: ﴿ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
* *
﴿وَأَنَّ﴾: في موضع رفع عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
وقيل المعنى: وذلك وأن للكافرين، و﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى: الأمر ذلكم، أو: ذلكم الأمر.
وقيل: ﴿أَنَّ﴾ في موضع نصب على معنى: واعلموا أن للكافرين، كما قال.
؎ يَا لَيْتَ زَوْجَكَ قَدْ غَدَا ∗∗∗ مُتَقَلِّداً سَيْفاً وَرُمْحاً
أي: وحاملاً رُمحاً.
ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: وأن للكافرين.
ومعنى الكلام: هذا الذي عُجَّلَ لكم من ضرب الأعناق وضرب كلِّ بنان في الدنيا ذوقوه، أيها الكافرون، واعلموا أن لكم في الآخرة عذاب النار.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ﴾ الآية.
والمعنى: إن الله أمر المؤمنين ألا يَفِرُّوا من الكفار إذا تدانى بعضهم من بعض عند القتال.
وقيل: المعنى: إذا وَاقفَتْمُوهُم فلا تفروا منهم، ولكن أثبتوا فإنّ الله معكم.
ثم توعد من يتولى أنه يرجع بغضب من الله، وأنَّ مأواهم جهنم، وأرخص لهم أن يتحرف الرجل لتمكنه عودة إلى الظفر، لا ليولي هارباً، وأرخص أن ينحاز الرجل إلى فئة من المؤمنين ليكون معهم.
يقال: تحوَّزت وتحيّزتُ.
قال الضحاك: "المُتَحَرِّفُ": المتقدم من أصحابه ليظفر بعودة للعدو، و "المُتَحَيَزُ": الذي يرجع إلى أميره وأصحابه.
قال عطاء: هذا مَنْسُوخٌ، نسخه: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآية، فأُمِروا أن يَفِرُّوا ممن هو أكثر من مِثْلَيْهم.
وقال الحسن: الآية مخصوصة في أهل بدر خاصة، وليس الفرار من الكبائر.
وقال أبو سعيد الخدري: نَزَلَتْ في أهل بدر، يعني: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
ودليل أنها مخصوصة يوم بدر قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، فعلق الحكم بيوم معلوم.
وقال ابن عباس: الآية محكمة، وحكمها باق إلى اليوم، والفرار من الكبائر.
ومعنى: ﴿بَآءَ بِغَضَبٍ﴾.
أي: رجع به.
* *
وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾.
أي: لم تقتلوا أيها المسلمون المشركين.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾.
أضاف ذلك إلى نفسه، تعالى، إذ كان هو المسبِّب قتلهم، والمعين عليه، وعن أمره كان، وبنصره تَمَّ.
رُوِيَ أن جبريل عليه السلام، قال للنبي ﷺ، عند الزحف: خُذْ قبضة من تراب فَارْمِهِم بها، ففعل، فلم يبق أحد من المشركين إلا أصابت عينه وأنفه وفمه، فولَّوا مُدْبِرِين.
فلما أظْفَرَ الله المؤمنين بالمشركين، جعل كل واحد يقول: فعلت كذا، وصنعت كذا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾.
وهذا يدلُّ على خلاف قول من يقول: إنَّ العبد يفعل حقيقة.
* *
ثم قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾، يخاطب النبي ﷺ، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ أي: الله المسبِّب للرمية، وهذا حين حَصَبَ النبي ﷺ، الكفار فهزمهم الله.
قال عكرمة: ما وقع منها شيء إلا عَيْنِ رجل.
وقيل: إن النبي ﷺ، أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، لما دنوا من رسول الله ﷺ، وأصحابه، وقال: "شاهت الوجوه!" فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، فكانت هزيمتهم من رَمْيَةٍ رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ الآية
قال قتادة: أخذ النبي ﷺ، يوم بدر ثلاثة أحجار فرمى بها وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث.
وقيل: إن النبي ﷺ، رمى أُبَيَّ بن خلف الجمحي يوم بدر بحربة في يده فكسر له ضلعاً فمات منه، وكان النبي، عليه السلام، قد أوْعَدَهُ أنه يقتله.
وَيُرْوَى أن النبي ﷺ، كان جالساً يوم بدر في عريش، وأبو بكر عن يمينه، والنبي ﷺ، يدعو ويقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد! اللهم النصر الذي وعدتني"، فألح النبي ﷺ، في الدعاء، فقال له أبو بكر، رضي الله عنه: "خفض يا رسول الله، دعاءك، فإنَّ الله متممٌّ لك ما وعدك، فَخَفَقَ رسول الله [ﷺ]، من نعسة نعسها، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر، فقال: "أبشر بنصر الله، رأيت في منامي بقلبي جبريل عليه السلام، يَقْدُمُ الخيل على ثنية النقع". فلما التقى الجمعان خرج النبي ﷺ من العريش، فأخذ حَصْباً من الأرض فرمى بها في وجوههم، ثم قال: "شاهت الوجوه ثم لا ينصرون، لا ينبغي لهم أن يظهروا" فرمى مقابل وجوههم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم ثلاث مرات فلم تقع تلك الحصباء على أحد إلا قتل وانهزم، وصار في جسده خضرة
قال أبو عبيدة معناه: ما ظفرت ولا أَصَبْتَ، ولكن الله أظفرك ونصرك. يقال: رمى الله لك، [أي]: نصرك.
وحُكِى أن بعض العلماء قال في معناها: وما رميت قلوب المشركين إذ رميت وجوههم بالرمل والتراب، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع فهزمهم عنك برميته لا برميتك.
* *
وقوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً﴾.
يريد به من استشهد ذلك اليوم، وكان قد استشهد من المؤمنين ذلك اليوم أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وهم:
عُبَيْدَة بن الحارث بن عبد المطلب، توفي بـ: "الصَّفْرَاءِ"، من ضَرْبَةٍ في سَاقِهِ.
وعُمَيْرُ بن مالك بن وُهَيْب.
وأبو سعيد بن مالك.
وذو الشِّمَالَيْنِ: عمير بن عمرو بن نَضْلة.
وغَافِلُ بن البُكَيْر، سماه النبي: عاقل بن بكير وهو حليف لبني عَدِيٍّ.
ومَهْجَع، مولى عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه)، وهو أول من قتل يوم بدر.
وصفوان بن بَيْضاء، من بني الحارث بن فِهر.
وثمانية من الأنصار من الأوس، وهم.
سَعْد بن خيثمَةَ بن الحارث.
وَمُبَشِّر بن عبد المنذر، وهو أخو أبي لُبابة، وهو نقيب.
وعُمَير بن الحُمام.
وابنا عفراء: معاذ وعمرو.
ورَافِعُ بن المُعَلّى.
ويزيد بن الحارث ابن فُسْحُم.
[وحارثة] بن عدي بن سُرَاقَة.
وكان حارثة صغير السن بعثته أمه مع عمر بن الخطاب يخدمه، فكان يعجن، فسمع النبي ﷺ يقول: "إن الله ليضحك إلى عبده يخرج [متفضلاً في ثوبه شاهراً سيفه فيقاتل حتى يقتل"، فترك العجين وخرج] إلى القتال فاستشهد، فلما قدم النبي ﷺ، المدينة، أتت أمه وأخته إلى عمر فسألتاه عن حارثة، فقال: استشهد، ثم ذهبتا إلى أبي بكر فسألتاه عن حارثة، فقال لأمه: ابنك في الجنة، ثم ذهبت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله ابني، فقال: "ابنك في الرفيق الأعلى"، فحمدت الله، وقالت: طوبى لمن كان منزله في الرفيق الأعلى، فكان الناس يعدون، وهي تهنأ
وأم حارثة هذه هي بنت النضر، عمة أنس بن مالك بن النضر.
وروى ابن وهب: أنّ عبد الرحمن بن عوف؛ قال: بينا أنا يوم بدر في الصَّفِّ إذا غلام عن يمين وآخر عن يساري، يغمزني أحدهما سراً من الآخر، فقال: يَا عَمَّ، فقلت: ما تشاء، قال: أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا؛ إنه بلغني أَنَّهُ يَسُبُّ رسول الله [ﷺ]، قال عبد الرحمن بن عوف: (ثم غمزني) الآخر سراً، فقال: يا عم، أين أبو جهل؟ قال: قلت: فاعل ماذا؟ قال: عاهدت الله لئن رأيته لأضربنه بسيفي هذا. قلت: بأبي أنتما وأمي، وأشرت لهما إليه، فبلغني أنه قتلهما، وهما: ابنا عفراء، وقطعا يده ورجله قبل أن يقتلهما.
قال ابن مسعود: فجئت أبا جهل، وهو فرعون هذه الأمة فوجدته مقطوع اليد والرجل، فقلت: أخزاك الله، فقال: رُوَيْع غنم ادْنُهْ فإن الفحل يحمي إبله وهو معقول. قال ابن مسعود: وكان معه سيف جيّد، ومعي سيف رديء، فأدرت به حتى أخذت سيفه، ثم ضربته به حتى مات، ثم جئت النبي ﷺ، فأخبرته بقتلي لأبي جهل فقال: آلله، قلت آلله، فقال: آلله، قلت: آلله، مرتين أو ثلاثاً.
وقتل يومئذ من المشركين أكثر من سبعين، وأسر سبعون.
وكان الأسود بن عبد الأسد المخزومي حلف قبل القتال بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد، وليهدمنّ منه، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب. فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في الحوض، وهدم منه، وأتبعه حمزة فقتله فكان أول من قتل من المشركين، فاحتمى له المشركون، فبرز منهم ثلاثة: عُتْبة بن ربيعة، وشيبة [بن ربيعة]، والوليد بن عتبة [بن ربيعة]، ونادوا بالمبارزة فقام إليهم نفر من الأنصار. فاستحيى النبي ﷺ وأحبَّ أن يَبْرَزَ إليهم من بني عمه، فناداهم: أن ارجعوا إلى مصافكم. وليقم إليهم بنو عمهم، فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب بن عبد المطلب. وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فبرز حمزة: لعتبة، وعبيدة: لشيبة، وعلي: للوليد فقتل حمزة: عتبة، وقتل علي: الوليد، وقتل عبيدة: شيبة، بعد أن ضرب شيبةُ رِجْل عبيدة فقطعها، فَحُمِل حتى توفي بـ: "الصَّفْراء".
فكان قتل هؤلاء النفر أن يلتقي الجمعان.
وقيل معنى: ﴿وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: وليُنعم عليهم نعمة حسن بالظفر والغنيمة والأجر.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء نبيكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحكم.
وقيل معناه: وليختبر الله المؤمنين اختباراً حسناً.
الأنفال 8:18
قوله: ﴿ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾ إلى: ﴿ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* *
﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى الأمر: ﴿ذٰلِكُمْ﴾.
أو: الأمْرُ.
ويجوز فيها، وفيما تقدم أن تكون في موضع نصب على معنى فعل: ﴿ذٰلِكُمْ﴾.
و ﴿ذٰلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم من قتل المشركين والظفر بهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾، أي: واعلموا أن الله مُضْعِفٌ ﴿كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ﴾، حتى ينقادوا.
وكل ما جاز في ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٤]، جاز في هذه.
وقيل معنى ﴿مُوهِنُ﴾: يلقي الرعب في قلوبهم.
* *
وقوله: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾.
هذا خطاب للكفار، قالوا: اللهم انصر أحب الفريقين إليك.
* *
ومعنى ﴿تَسْتَفْتِحُواْ﴾: تستحكموا على أقطع الحزبين للرحم. أي: إن تستدعوا الله أن يحكم بينكم في ذلك ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾، أي: الحكم.
* *
﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: إن تنتهوا عن الكفر بالله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
قال السدي: كان المشركون إذا خرجوا من مكة إلى قتال النبي ﷺ أخذوا أستار الكعبة فاستنصروا الله.
* *
وقوله: ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾.
أي: إن عدتم إلى القتال عُدْنا لمثل الوقعة التي أصابتكم يوم بدر.
* *
﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً﴾.
أي: جنودكم وإن كانت كثيرة.
وقيل: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾: للمؤمنين، وما بعده للكفار.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، عطف على: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾.
وقيل المعنى: ولأنَّ الله مع المؤمنين.
وقيل المعنى: واعلموا أنّ الله.
فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول.
وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قَبْل الإذن ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نَعُدْ إلى توبيخكم، كما قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ (لَمَسَّكُمْ)﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية.
وقيل المعنى: ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ أيها الكفار، إلى مثل قولكم واستفتاحكم نعد إلى نصرة المؤمنين.
الأنفال 8:19
قوله: ﴿ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾ إلى: ﴿ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* *
﴿ذٰلِكُمْ﴾: في موضع رفع على معنى الأمر: ﴿ذٰلِكُمْ﴾.
أو: الأمْرُ.
ويجوز فيها، وفيما تقدم أن تكون في موضع نصب على معنى فعل: ﴿ذٰلِكُمْ﴾.
و ﴿ذٰلِكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم من قتل المشركين والظفر بهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾، أي: واعلموا أن الله مُضْعِفٌ ﴿كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ﴾، حتى ينقادوا.
وكل ما جاز في ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٤]، جاز في هذه.
وقيل معنى ﴿مُوهِنُ﴾: يلقي الرعب في قلوبهم.
* *
وقوله: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾.
هذا خطاب للكفار، قالوا: اللهم انصر أحب الفريقين إليك.
* *
ومعنى ﴿تَسْتَفْتِحُواْ﴾: تستحكموا على أقطع الحزبين للرحم. أي: إن تستدعوا الله أن يحكم بينكم في ذلك ﴿فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾، أي: الحكم.
* *
﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: إن تنتهوا عن الكفر بالله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
قال السدي: كان المشركون إذا خرجوا من مكة إلى قتال النبي ﷺ أخذوا أستار الكعبة فاستنصروا الله.
* *
وقوله: ﴿وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ﴾.
أي: إن عدتم إلى القتال عُدْنا لمثل الوقعة التي أصابتكم يوم بدر.
* *
﴿وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً﴾.
أي: جنودكم وإن كانت كثيرة.
وقيل: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ﴾: للمؤمنين، وما بعده للكفار.
* *
وقوله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، عطف على: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ﴾.
وقيل المعنى: ولأنَّ الله مع المؤمنين.
وقيل المعنى: واعلموا أنّ الله.
فيجوز الابتداء بها مفتوحة على هذا القول.
وقيل: إنه كله خطاب للمؤمنين، أي: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتم من أخذ الغنائم والأسرى قَبْل الإذن ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نَعُدْ إلى توبيخكم، كما قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ (لَمَسَّكُمْ)﴾ [الأنفال: ٦٨] الآية.
وقيل المعنى: ﴿وَإِن تَعُودُواْ﴾ أيها الكفار، إلى مثل قولكم واستفتاحكم نعد إلى نصرة المؤمنين.
الأنفال 8:20
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي ﷺ، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾، بآذاننا ﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وإنَّما قيل:
﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ﴾.
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله ﴿ٱلصُّمُّ﴾: عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، ﴿ٱلْبُكْمُ﴾: عن قول الحق والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾: العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾.
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يعتقدونه ﴿لأَسْمَعَهُمْ﴾، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾.
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: ﴿وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصرارهم على الكفر، وتماديهم عليه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، حسداً ومُعاندةً.
وقيل: المعنى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾. أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين.
الأنفال 8:21
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي ﷺ، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾، بآذاننا ﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وإنَّما قيل:
﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ﴾.
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله ﴿ٱلصُّمُّ﴾: عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، ﴿ٱلْبُكْمُ﴾: عن قول الحق والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾: العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾.
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يعتقدونه ﴿لأَسْمَعَهُمْ﴾، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾.
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: ﴿وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصرارهم على الكفر، وتماديهم عليه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، حسداً ومُعاندةً.
وقيل: المعنى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾. أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين.
الأنفال 8:22
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي ﷺ، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾، بآذاننا ﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وإنَّما قيل:
﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ﴾.
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله ﴿ٱلصُّمُّ﴾: عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، ﴿ٱلْبُكْمُ﴾: عن قول الحق والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾: العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾.
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يعتقدونه ﴿لأَسْمَعَهُمْ﴾، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾.
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: ﴿وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصرارهم على الكفر، وتماديهم عليه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، حسداً ومُعاندةً.
وقيل: المعنى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾. أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين.
الأنفال 8:23
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، إلى قوله: ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾.
المعنى: إنّ الله نهى المؤمنين أن يُدْبِروا عن النبي ﷺ، مخالفين لأمره، وهم يسمعون أمره، ولا يكونوا كالكفار الذين قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾، بآذاننا ﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، بقلوبهم، ولا يعتبرون ما يتلى عليهم. وإنَّما قيل:
﴿وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ﴾، وقد سمعوا؛ لأنّ من لم ينتفع بما سمع كان بمنزلة من لم يسمع.
* *
وقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ﴾.
أي: إنَّ شرَّ ما دبّ على وجه الأرض من خلق الله عند الله ﴿ٱلصُّمُّ﴾: عن الحق، فلا ينتفعون به. ولا يتدبرونه، ﴿ٱلْبُكْمُ﴾: عن قول الحق والإقرار بالله، عز وجل، ورسله، صلوات الله عليه ﴿ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ﴾: العُمْيُ عن الهدى.
قال مجاهد هم صُمُّ القُلوبِ وبُكْمها وعُميها، وقرأ: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ [الحج: ٤٦] الآية.
وعُني بهذه الآية عند ابن عباس: نفر من بني عبد الدار.
وقيل عُني بها: المنافقون.
* *
ثم قال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾.
أي: لأسمعهم جواب كل ما يسألون عنه. أي: لو علم من نياتهم وضمائرهم مثل ما ينطقون به بأفواههم من الإيمان الذي لا يعتقدونه ﴿لأَسْمَعَهُمْ﴾، أي لجعلهم يعتقدون بقلوبهم مثل ما ينطقون به بأفواههم، فالإسماع في هذا إسماع القلوب وقبولها ما تسمع الآذان.
* *
وقوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾.
عاقبهم بالطبع على قلوبهم، لِمَا علم من إعراضهم عن الإيمان، وما علم من كفرهم، ولذلك دعا موسى عليه السلام. على قومه، فقال: ﴿وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]. عاقبهم بالدعاء عليهم لِمَا تبين من إصرارهم على الكفر، وتماديهم عليه، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، حسداً ومُعاندةً.
وقيل: المعنى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ﴾. أي: لَفَهَّمَهُم مواعظ القرآن حتى يعقلوا، ولكنه علم أنه لا خير فيهم، وأنهم ممن كتب عليهم الشقاء، فلو فهَّمهم ذلك ﴿لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾؛ لأنه قد سبق فيهم ذلك، والآية للمشركين، وقيل: للمنافقين.
الأنفال 8:24
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، إلى قوله: ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
قال أبو عبيدة معنى ﴿ٱسْتَجِيبُواْ﴾: أجيبوا، كما قال: فلم يستجب عند ذاك مُجيب، أي: يجبه.
ومعنى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
أي: للإيمان. وقيل: للإسلام. وقيل: للحق. وقيل: للقرآن وما فيه.
وقيل: إلى الحرب وجهاد العدو.
وسماه "حياةً"؛ لأنَّ الكافر مثل الميِّت.
وقيل معنى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، أي: لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى الحياة الدائمة في الآخرة.
ورُوِيَ أن النبي ﷺ، دعا أُبيّا وهو يصلي فلم يجبه أبيّ، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي، قال له: أفلم تجد فيما أوحي إليَّ: ﴿ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ قال: بلى، يا رسول الله، ولا أعُودُ
فهذا يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله ﷺ. إلى ما فيه حياة لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه.
* *
وقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.
قال ابن جبير: يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر.
وكذلك قال ابن عباس.
وقال الضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
وقال مجاهد معناه: يحول بين المرء وعقله (حتى لا يدري ما يصنع.
وقال السدي في معناه: يحول بين الإنسان وقلبه). فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.
وقيل المعنى: يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك.
وقال قتادة معناه: إنَّه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء أظْهَرَهُ، ولا شيء أسَرَّهُ، وهو مثل قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
وقال الطبري: هو خبر من الله عز وجل، أنه أملك بقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً من الإيمان ولا الكفر، ولا يَعِي شيئاً. ولا يفهم شيئاً، إلا بإذنه ومشيئته.
وقد كان النبي ﷺ، كثيراً ما يقول في دعائه: يا مُقَلِّب القُلُوبِ قَلِّبْ قلبي إلى طَاعَتِك
وفي رواية أخرى: ثبِّتْ قلبي على طاعتك
وكان يحلف: "لاَ ومُقلِّب القُلُوب
ومن هذا يقال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله، فمعناه: لا حولَ عن معصية، ولا قوة عن طاعةٍ إلا بالله.
(وقال النبي ﷺ، إذ نظر إلى زوجة زيد) فاستحسنها، وقد كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها: "سُبْحَانَ مُقلِّبَ القُلُوبِ".
* *
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
أي: تردون.
* *
وقوله: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
المبرد يذهب إلى أنَّ ﴿تُصِيبَنَّ﴾، نَهْيٌ، فلذلك دخلت "النون".
والمعنى في النَّهي: للظالمين، أي: لا تقربوا الظلم، وهو مثل ما حكى سيبويه من قوله: (لا أرينَّك هاهنا)، أي: لا تكن هاهنا؛ فإنَّ من يكون هاهنا أراه.
وقال الزجاج: هُوَ خَبَرٌ. ودخلته "النون"؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال: وزعم بعضهم أنه جزاء فيه ضرب من النهي. ومثله مِمَّا اخْتلفَ فيه: ﴿ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨].
ومعنى ذلك: أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختباراً وبلاء يبتليهم به، لا يُصيبنَّ ذلك ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، بل يصيب الظالمين وغيرهم. فالظالمون هم الفاعلون الكفر.
وقيل: نَزَلَتْ في قوم من أصحاب النبي ﷺ، وهم أصحاب الجمل.
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألاّ يُقِرُّوا المنكر بين أظهُرِهِمْ، فيعمهم الله بالعذاب.
وقال الزبير، يوم الجمل لما لقي ما لقي،: ما توهمت أن هذه الآية نزلت في أصحاب محمد ﷺ، إلا اليوم.
وقال القُتَيْبي معناه: لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧].
يَدُلُّ على أنَّ العقوبة تخص الظالم. وقد يدخل المداهن الساكت على رؤية المنكر في الظُّلم، فيكون ممن يلحقه العقاب مع الظالم.
وقد قال الحسن: إنَّ الآية نزلت في علي، وعثمان. وطلحة، والزبير [رضي الله عنهم].
وأكثر النَّاس على أن حكمها باقٍ في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار المنكر، وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على نفسه، أنكر على قدر استطاعته أو بقلبه.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
أي: لمن عصاه وخالف أمره.
الأنفال 8:25
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾، إلى قوله: ﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
قال أبو عبيدة معنى ﴿ٱسْتَجِيبُواْ﴾: أجيبوا، كما قال: فلم يستجب عند ذاك مُجيب، أي: يجبه.
ومعنى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾.
أي: للإيمان. وقيل: للإسلام. وقيل: للحق. وقيل: للقرآن وما فيه.
وقيل: إلى الحرب وجهاد العدو.
وسماه "حياةً"؛ لأنَّ الكافر مثل الميِّت.
وقيل معنى: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، أي: لما تصيرون به إذا قبلتموه إلى الحياة الدائمة في الآخرة.
ورُوِيَ أن النبي ﷺ، دعا أُبيّا وهو يصلي فلم يجبه أبيّ، فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: ما منعك إذ دعوتك أن تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي، قال له: أفلم تجد فيما أوحي إليَّ: ﴿ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ قال: بلى، يا رسول الله، ولا أعُودُ
فهذا يبين أن المعنى يراد به الذين يدعوهم رسول الله ﷺ. إلى ما فيه حياة لهم من الخير بعد الإسلام المدعو إيمانه.
* *
وقوله: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.
قال ابن جبير: يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين المؤمن أن يكفر.
وكذلك قال ابن عباس.
وقال الضحاك: يحول بين الكافر وطاعته، وبين المؤمن ومعصيته.
وقال مجاهد معناه: يحول بين المرء وعقله (حتى لا يدري ما يصنع.
وقال السدي في معناه: يحول بين الإنسان وقلبه). فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلا بإذنه.
وقيل المعنى: يحول بين المرء وبين ما يتمناه بقلبه من طول العيش وامتداد الآمال والتسويف بالتوبة، فيعاجله الموت قبل بلوغ شيء من ذلك.
وقال قتادة معناه: إنَّه قريب من قلب الإنسان، لا يخفى عليه شيء أظْهَرَهُ، ولا شيء أسَرَّهُ، وهو مثل قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].
وقال الطبري: هو خبر من الله عز وجل، أنه أملك بقلوب العباد منهم، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء، حتى لا يدرك الإنسان شيئاً من الإيمان ولا الكفر، ولا يَعِي شيئاً. ولا يفهم شيئاً، إلا بإذنه ومشيئته.
وقد كان النبي ﷺ، كثيراً ما يقول في دعائه: يا مُقَلِّب القُلُوبِ قَلِّبْ قلبي إلى طَاعَتِك
وفي رواية أخرى: ثبِّتْ قلبي على طاعتك
وكان يحلف: "لاَ ومُقلِّب القُلُوب
ومن هذا يقال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلاَّ بالله، فمعناه: لا حولَ عن معصية، ولا قوة عن طاعةٍ إلا بالله.
(وقال النبي ﷺ، إذ نظر إلى زوجة زيد) فاستحسنها، وقد كان عرضت عليه نفسها فلم يستحسنها: "سُبْحَانَ مُقلِّبَ القُلُوبِ".
* *
﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
أي: تردون.
* *
وقوله: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾.
المبرد يذهب إلى أنَّ ﴿تُصِيبَنَّ﴾، نَهْيٌ، فلذلك دخلت "النون".
والمعنى في النَّهي: للظالمين، أي: لا تقربوا الظلم، وهو مثل ما حكى سيبويه من قوله: (لا أرينَّك هاهنا)، أي: لا تكن هاهنا؛ فإنَّ من يكون هاهنا أراه.
وقال الزجاج: هُوَ خَبَرٌ. ودخلته "النون"؛ لأن فيه قوة الجزاء، قال: وزعم بعضهم أنه جزاء فيه ضرب من النهي. ومثله مِمَّا اخْتلفَ فيه: ﴿ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ﴾ [النمل: ١٨].
ومعنى ذلك: أنها أمر من الله للمؤمنين أن يتقوا اختباراً وبلاء يبتليهم به، لا يُصيبنَّ ذلك ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، بل يصيب الظالمين وغيرهم. فالظالمون هم الفاعلون الكفر.
وقيل: نَزَلَتْ في قوم من أصحاب النبي ﷺ، وهم أصحاب الجمل.
قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين ألاّ يُقِرُّوا المنكر بين أظهُرِهِمْ، فيعمهم الله بالعذاب.
وقال الزبير، يوم الجمل لما لقي ما لقي،: ما توهمت أن هذه الآية نزلت في أصحاب محمد ﷺ، إلا اليوم.
وقال القُتَيْبي معناه: لا تخص الظالم، ولكنها تعم الظالم وغيره.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧].
يَدُلُّ على أنَّ العقوبة تخص الظالم. وقد يدخل المداهن الساكت على رؤية المنكر في الظُّلم، فيكون ممن يلحقه العقاب مع الظالم.
وقد قال الحسن: إنَّ الآية نزلت في علي، وعثمان. وطلحة، والزبير [رضي الله عنهم].
وأكثر النَّاس على أن حكمها باقٍ في الظالم، والمداهن الساكت على إنكار المنكر، وهو يقدر على إنكاره، فإن كان لا يقدر على الإنكار، وخاف على نفسه، أنكر على قدر استطاعته أو بقلبه.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
أي: لمن عصاه وخالف أمره.
الأنفال 8:26
قوله: ﴿وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
هذه الآية تذكيرٌ من الله عز وجل، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد أن كان المشركون يستضعفونهم. وهُم قَلِيلٌ، ويفتنونهم عن دينهم، ويسمعونهم المكروه.
* *
قوله: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾. أي: يقتلونكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾. أي: جعل لكم مأْوى تأوون إليه منهم.
* *
﴿وَأَيَّدَكُم﴾.
أي: قوّاكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. أي: أحلَّ لكم غنائمهم.
فـ: ﴿ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، هنا: الحلال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. و "لعلّ" هاهنا: ترج يعود إليهم.
والطبري يجعلها بمعنى: "كَيْ".
و ﴿ٱلنَّاسُ﴾، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش بمكة، كان المسلمون قِلَّةً يُستضعفونَ بمكة.
قال الكلبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون أن يتخطفهم الناس، فقوَّاهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالاً.
وقال وهب بن مُنَبِّه: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾: فارس.
وقيل هي: فارس والروم.
وقال الطبري معنى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾، أي: إلى المدينة، ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾، أي: بالأنصار.
وكذلك قال السدي.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾.
* *
قوله: ﴿وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ﴾.
في موضع نصب على الجواب. على معنى: أنكم إذا خنتم الله والرسول خنتم أماناتكم.
وقيل: هو في موضع جزم على النهي نسَقاً على: ﴿لاَ تَخُونُواْ﴾.
ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سر المسلمين.
وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته.
وقليل: نزلت في أبي لُبَابَة. لما بعثه النبي ﷺ، إلى بني قريظة فأشار إليهم إلى حلقه: إنَّه الذَّبحُ. قال الزُّهْري: فقال أبو لُبابة: لا والله، لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتَّى خَرَّ مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك، قال: لا والله، لا أَحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يَحُلُّني. فجاءه رسول الله ﷺ، فحلَّهُ بيده. ثم قال أبو لبابة: إنَّ توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع عن مالي، قال: يَجْزِيك الثلث أن تتصدَّق به.
وقيل: الآية عامة. نُهوا ألاَّ يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.
* *
وقوله: ﴿وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ﴾.
أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم.
وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم.
و "الأمانة" هاهنا: ما يُخفى عن أعين النَّاس من ترك فرائض الله، عز وجل، وركوب معاصيه.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
أي: اختباراً اختبرتم بها. وابتلاءً ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها عاملون.
* *
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: جزاء وثواباً على طاعتكم.
الأنفال 8:27
قوله: ﴿وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
هذه الآية تذكيرٌ من الله عز وجل، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد أن كان المشركون يستضعفونهم. وهُم قَلِيلٌ، ويفتنونهم عن دينهم، ويسمعونهم المكروه.
* *
قوله: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾. أي: يقتلونكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾. أي: جعل لكم مأْوى تأوون إليه منهم.
* *
﴿وَأَيَّدَكُم﴾.
أي: قوّاكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. أي: أحلَّ لكم غنائمهم.
فـ: ﴿ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، هنا: الحلال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. و "لعلّ" هاهنا: ترج يعود إليهم.
والطبري يجعلها بمعنى: "كَيْ".
و ﴿ٱلنَّاسُ﴾، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش بمكة، كان المسلمون قِلَّةً يُستضعفونَ بمكة.
قال الكلبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون أن يتخطفهم الناس، فقوَّاهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالاً.
وقال وهب بن مُنَبِّه: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾: فارس.
وقيل هي: فارس والروم.
وقال الطبري معنى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾، أي: إلى المدينة، ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾، أي: بالأنصار.
وكذلك قال السدي.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾.
* *
قوله: ﴿وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ﴾.
في موضع نصب على الجواب. على معنى: أنكم إذا خنتم الله والرسول خنتم أماناتكم.
وقيل: هو في موضع جزم على النهي نسَقاً على: ﴿لاَ تَخُونُواْ﴾.
ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سر المسلمين.
وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته.
وقليل: نزلت في أبي لُبَابَة. لما بعثه النبي ﷺ، إلى بني قريظة فأشار إليهم إلى حلقه: إنَّه الذَّبحُ. قال الزُّهْري: فقال أبو لُبابة: لا والله، لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتَّى خَرَّ مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك، قال: لا والله، لا أَحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يَحُلُّني. فجاءه رسول الله ﷺ، فحلَّهُ بيده. ثم قال أبو لبابة: إنَّ توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع عن مالي، قال: يَجْزِيك الثلث أن تتصدَّق به.
وقيل: الآية عامة. نُهوا ألاَّ يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.
* *
وقوله: ﴿وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ﴾.
أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم.
وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم.
و "الأمانة" هاهنا: ما يُخفى عن أعين النَّاس من ترك فرائض الله، عز وجل، وركوب معاصيه.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
أي: اختباراً اختبرتم بها. وابتلاءً ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها عاملون.
* *
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: جزاء وثواباً على طاعتكم.
الأنفال 8:28
قوله: ﴿وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
هذه الآية تذكيرٌ من الله عز وجل، للمؤمنين بما أنعم عليهم من العز، بعد أن كان المشركون يستضعفونهم. وهُم قَلِيلٌ، ويفتنونهم عن دينهم، ويسمعونهم المكروه.
* *
قوله: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾. أي: يقتلونكم.
﴿فَآوَاكُمْ﴾. أي: جعل لكم مأْوى تأوون إليه منهم.
* *
﴿وَأَيَّدَكُم﴾.
أي: قوّاكم بنصره إياكم عليهم حتى قتلتموهم.
﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. أي: أحلَّ لكم غنائمهم.
فـ: ﴿ٱلطَّيِّبَاتِ﴾، هنا: الحلال. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. و "لعلّ" هاهنا: ترج يعود إليهم.
والطبري يجعلها بمعنى: "كَيْ".
و ﴿ٱلنَّاسُ﴾، في هذا الموضع: الذين كانوا يخافون منهم، كفار قريش بمكة، كان المسلمون قِلَّةً يُستضعفونَ بمكة.
قال الكلبي، وقتادة: نزلت هذه الآية في يوم بدر، كانوا يومئذ قلة يخافون أن يتخطفهم الناس، فقوَّاهم الله بنصره، ورزقهم غنائم المشركين حلالاً.
وقال وهب بن مُنَبِّه: ﴿تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ﴾: فارس.
وقيل هي: فارس والروم.
وقال الطبري معنى: ﴿فَآوَاكُمْ﴾، أي: إلى المدينة، ﴿وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ﴾، أي: بالأنصار.
وكذلك قال السدي.
* *
ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾.
* *
قوله: ﴿وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ﴾.
في موضع نصب على الجواب. على معنى: أنكم إذا خنتم الله والرسول خنتم أماناتكم.
وقيل: هو في موضع جزم على النهي نسَقاً على: ﴿لاَ تَخُونُواْ﴾.
ومعنى خيانة الله والرسول: هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
وقيل: هذه الآية نزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سر المسلمين.
وقيل: خيانة الرسول (صلى الله عليه سلم): ترك العمل بسنته.
وقليل: نزلت في أبي لُبَابَة. لما بعثه النبي ﷺ، إلى بني قريظة فأشار إليهم إلى حلقه: إنَّه الذَّبحُ. قال الزُّهْري: فقال أبو لُبابة: لا والله، لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله عليَّ، فمكث سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب حتَّى خَرَّ مغشياً عليه، حتى تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تاب الله عليك، قال: لا والله، لا أَحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يَحُلُّني. فجاءه رسول الله ﷺ، فحلَّهُ بيده. ثم قال أبو لبابة: إنَّ توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع عن مالي، قال: يَجْزِيك الثلث أن تتصدَّق به.
وقيل: الآية عامة. نُهوا ألاَّ يخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.
* *
وقوله: ﴿وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ﴾.
أي: لا تفعلوا الخيانة، فإنها خيانة لأماناتكم.
وقيل المعنى: ولا تخونوا أماناتكم.
و "الأمانة" هاهنا: ما يُخفى عن أعين النَّاس من ترك فرائض الله، عز وجل، وركوب معاصيه.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.
أي: اختباراً اختبرتم بها. وابتلاءً ابتليتم بها. لينظر كيف أنتم فيها عاملون.
* *
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
أي: جزاء وثواباً على طاعتكم.
الأنفال 8:29
قوله: ﴿يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، إلى قوله: ﴿خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ﴾.
والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسول الله ﷺ: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، أي: فَصْلاً. وفرْقاً بين حقكم وباطل مَنْ يبغيكم السوء، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، أي: يمحها، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. أي: يستتر لكم على ذنوبكم، ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾، عليكم وعلى غيركم.
وقيل: ﴿فُرْقَاناً﴾: مخرجاً.
وقيل: نجاةً.
وقيل: نصراً.
وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه.
وقال مجاهد: مخرجاً من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق.
* *
قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، الآية.
المعنى: واذكر، يا محمد، إذ يمكر.
وهذه الآية تذكير للنبي ﷺ، بنعم الله عز وجل عليه، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هم مشركو قريش.
قال [ابن عباس] معنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، أي: ليُوثِقُوك وليثقفوك.
وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة.
وقال السدي: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليحبسوك ويوثقوك.
وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك.
وقال ابن عباس: اجتمع نَفَرٌ من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأَوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نَجْد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولَنْ يَعْدَمَكم منِّي رأيٌ ونُصْحٌ. قالوا: أجَل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثَاق. ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ النَّجدي وقال: والله، ما هذا لكم بِرأْي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمنُ أنْ يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألمْ تروا حلاوةَ قوله ولطافةَ لسانه، وأخْذَ القلوب لما يُسْمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً وسيطاً شاباً، ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظُنّ هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش، وإنَّهم إذا رأوا ذلك قَبِلوا العقل واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأيُ، القول ما قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبيَّ) ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: "الأنفال" يذكره نِعَمه عليه في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾، الآية. فأنزل في قولهم "نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه "يوم الزحمة".
ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي ﷺ، وأبو بكر إلى الغار، وأمر النبي ﷺ، عليّاً أنْ يبيت في موضعه، فتوهم المشركون أنه [النبي] ﷺ، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح وجَدوا عليًّا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول يطلبونه، ومَرُّوا بالغار قد نسج على فمه العنكبوت، فمكث النبي ﷺ، فيه ثلاثاً.
ويُرْوَى أن النبي ﷺ، قال لعليّ: نَمْ على فراشي وتَسَجَّ بِبُرْدي هذا الحَضْرَمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيءٌ تكرهه، ثم خرج النبي ﷺ، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي ﷺ، حَفْنَة من تُراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: ﴿يسۤ﴾، إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ فلم يبق منهم رجلٌ إلا وضع النبي ﷺ، على رأسه تراباً، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آتٍ فأعلمهم بحالهم، فوضع كُلُّ رجل منهم يده على رأسه فوجد تُراباً، فانصرفوا بِخِزْي وَذُلٍّ
الأنفال 8:30
قوله: ﴿يِٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، إلى قوله: ﴿خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ﴾.
والمعنى: إن تتقوا الله في أداء فرائضه، واجتناب معاصيه، وترك خيانته وخيانة رسول الله ﷺ: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾، أي: فَصْلاً. وفرْقاً بين حقكم وباطل مَنْ يبغيكم السوء، ﴿وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، أي: يمحها، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾. أي: يستتر لكم على ذنوبكم، ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ﴾، عليكم وعلى غيركم.
وقيل: ﴿فُرْقَاناً﴾: مخرجاً.
وقيل: نجاةً.
وقيل: نصراً.
وقال ابن زيد معناه: يفرق في قلوبكم بين الحق والباطل حتى تعرفوه.
وقال مجاهد: مخرجاً من الضيق إلى السعة، ومن الباطل إلى الحق.
* *
قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، الآية.
المعنى: واذكر، يا محمد، إذ يمكر.
وهذه الآية تذكير للنبي ﷺ، بنعم الله عز وجل عليه، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: هم مشركو قريش.
قال [ابن عباس] معنى ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾، أي: ليُوثِقُوك وليثقفوك.
وكذلك قال مجاهد: وقتادة. وذلك بمكة.
وقال السدي: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليحبسوك ويوثقوك.
وقال ابن زيد، وابن جريج: ليحبسوك.
وقال ابن عباس: اجتمع نَفَرٌ من قريش من أشرافهم، في دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأَوْهُ قالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نَجْد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولَنْ يَعْدَمَكم منِّي رأيٌ ونُصْحٌ. قالوا: أجَل، ادخل، فدخل معهم، فقال: انظروا في أمر هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. فقال قائل منهم: احبسوه في وثَاق. ثم تربصوا به ريب المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء. فصرخ عدو الله الشيخ النَّجدي وقال: والله، ما هذا لكم بِرأْي، والله ليخرجنه رأيه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمنُ أنْ يخرجوكم من بلادكم، فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه. فقال الشيخ النجدي: والله ما هذا برأي، ألمْ تروا حلاوةَ قوله ولطافةَ لسانه، وأخْذَ القلوب لما يُسْمع من حديثه؟ والله لئن فعلتم ليستعرضن وليجمعن عليكم، ثم ليأتينَّ إليكم حتى يخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق، قال أبو جهل: والله لأشيرنَّ عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً وسيطاً شاباً، ثم نعطي كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فلا أظُنّ هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش، وإنَّهم إذا رأوا ذلك قَبِلوا العقل واسترحنا. فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأيُ، القول ما قال الفتى، فتفرقوا على ذلك، وأتى جبريل (النبيَّ) ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، ثم أمره بالخروج، فأنزل الله عليه بالمدينة: "الأنفال" يذكره نِعَمه عليه في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾، الآية. فأنزل في قولهم "نتربص به حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠].
وكان يسمى ذلك اليوم الذي اجتمعوا فيه "يوم الزحمة".
ولما أجمعوا على ذلك باتوا يحرسونه ليوقعوا به بالغداة. فخرج النبي ﷺ، وأبو بكر إلى الغار، وأمر النبي ﷺ، عليّاً أنْ يبيت في موضعه، فتوهم المشركون أنه [النبي] ﷺ، فباتوا يحرسونه، فلما أصبح وجَدوا عليًّا، فقالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري، فركبوا وراءه كل صعب وذلول يطلبونه، ومَرُّوا بالغار قد نسج على فمه العنكبوت، فمكث النبي ﷺ، فيه ثلاثاً.
ويُرْوَى أن النبي ﷺ، قال لعليّ: نَمْ على فراشي وتَسَجَّ بِبُرْدي هذا الحَضْرَمي؛ فإنه لن يخلص إليك شيءٌ تكرهه، ثم خرج النبي ﷺ، وأبو جهل وأصحابه على الباب، وأخذ النبي ﷺ، حَفْنَة من تُراب، وأخذ الله بأبصارهم فلا يرونه، فجعل يثير التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ: ﴿يسۤ﴾، إلى قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ فلم يبق منهم رجلٌ إلا وضع النبي ﷺ، على رأسه تراباً، وانصرف إلى حيث أراد، فآتاهم آتٍ فأعلمهم بحالهم، فوضع كُلُّ رجل منهم يده على رأسه فوجد تُراباً، فانصرفوا بِخِزْي وَذُلٍّ
الأنفال 8:31
قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ [قَدْ] سَمِعْنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
المعنى: أنَّ الله عز وجل، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يُتلى عليهم القرآن: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا﴾ مثله: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأُمم.
قال ابن جريج: كان النضرُ بنُ الحارث يختلف تاجراً إلى فارس، فيَمرُّ بالعبادِ وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد محمداً ﷺ، قد أُنْزِلَ عليه وهو يركع ويسجد، فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾، مثل هذا ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا﴾، يعني: ما سمع من العِبَادِ.
وقال السدي: كان النَّضْر يختلف إلى الحيرة. فيسمع سجْع أهْلها وكلامهم، فلما سمع بمكة كلام النبي ﷺ، والقرآن، قال: قد سمِعْتُ مثله: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، يقول: أسَاجيع أهل الحيرة. و ﴿أَسَاطِيرُ﴾: جمع الجمع، فهو جمع "أسطر"، و "أسطر" جمع سطر.
وقيل: إنه جمع، وواحده: "أسطورة".
وقُتِل النَّضر هذا وهو أسير يوم بدر صَبْراً. أسره المقداد. فقال النبي ﷺ، اقتله؛ فإنَّه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه المقداد ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل.
* *
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ﴾، الآية.
معناه: واذكر، يا محمد، إذْ قالوا ذلك.
والذي قاله عند ابن جُبير: هو النَّضْر بن الحارث.
وقال مجاهد: هو النَّضْر بن كَلَدَة، وأنَّه قتل بمكة بدليل قوله: ﴿وَمَا كَانَ (ٱللَّهُ) لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.
ومعناه أنه قال: اللهم إنْ كان هذا الذي أتى به مُحمّدٌ هو الحق، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله:
﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، الآية، ومنها: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ﴾ [الأنعام: ٩٤]، الآية.
ومنها: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآية.
قال أبو عبيدة: كلُّ شيء من العذاب فهو "أمطرت"، ومن الرحمة "مَطِرت".
الأنفال 8:32
قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ [قَدْ] سَمِعْنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
المعنى: أنَّ الله عز وجل، حكى عنهم: أنهم يقولون إذا يُتلى عليهم القرآن: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا﴾ مثله: ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: سطَّره الأولون وكتبوه من أخبار الأُمم.
قال ابن جريج: كان النضرُ بنُ الحارث يختلف تاجراً إلى فارس، فيَمرُّ بالعبادِ وهم يقرأون الإنجيل ويركعون ويسجدون. فجاء مكة، فوجد محمداً ﷺ، قد أُنْزِلَ عليه وهو يركع ويسجد، فقال: ﴿قَدْ سَمِعْنَا﴾، مثل هذا ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا﴾، يعني: ما سمع من العِبَادِ.
وقال السدي: كان النَّضْر يختلف إلى الحيرة. فيسمع سجْع أهْلها وكلامهم، فلما سمع بمكة كلام النبي ﷺ، والقرآن، قال: قد سمِعْتُ مثله: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، يقول: أسَاجيع أهل الحيرة. و ﴿أَسَاطِيرُ﴾: جمع الجمع، فهو جمع "أسطر"، و "أسطر" جمع سطر.
وقيل: إنه جمع، وواحده: "أسطورة".
وقُتِل النَّضر هذا وهو أسير يوم بدر صَبْراً. أسره المقداد. فقال النبي ﷺ، اقتله؛ فإنَّه يقول في كتاب الله ما يقول، فراجعه المقداد ثلاث مرات، كل ذلك يأمره بقتله، فقتل.
* *
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ﴾، الآية.
معناه: واذكر، يا محمد، إذْ قالوا ذلك.
والذي قاله عند ابن جُبير: هو النَّضْر بن الحارث.
وقال مجاهد: هو النَّضْر بن كَلَدَة، وأنَّه قتل بمكة بدليل قوله: ﴿وَمَا كَانَ (ٱللَّهُ) لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.
ومعناه أنه قال: اللهم إنْ كان هذا الذي أتى به مُحمّدٌ هو الحق، ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
قال عطاء: لقد نزل فيه بضع عشرة آية، منها: ما ذكرنا ومنها قوله:
﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ [ص: ١٦]، الآية، ومنها: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ﴾ [الأنعام: ٩٤]، الآية.
ومنها: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] الآية.
قال أبو عبيدة: كلُّ شيء من العذاب فهو "أمطرت"، ومن الرحمة "مَطِرت".
الأنفال 8:33
قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: وما كان الله ليعذِّب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأْنت مقيم بين أظهرهم. وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة. ثم خرج النبي ﷺ، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ثم خرج أولئك البقية من المؤمنين، فأنزل الله، عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، الآية، بالمدينة، فعذَّب الله، (عز وجل). الكفار، إذْ أذِنَ للنبي ﷺ، بفتح مكة، فهو العذاب الذي وُعِدوا به. قال ذلك ابن أبي أبزى.
وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ [ٱللَّهُ] لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يعني: النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ [ٱللَّهُ] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: من بِها من المسلمين ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: من بمكة من الكفار.
فمعنى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، أي: خاصة، فعذبهم الله (عز وجل). بالسيف، وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، الآية. وهو النَّضْر. سأل العذاب.
ورُوِيَ عن ابن عباس [أنَّ] المعنى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يا محمد، أيْ: حتى نخرجك من بين أظهرهم، ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: "لبَّيْك لبَّيْك، لا شريك لك"، فيقول النبي ﷺ "قَدْ، [قَدْ]"، فيقولون: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقولون: "غُفرانك، غُفرانك"، فهذا استغفارهم. قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني في الآخرة.
وقال قتادة المعنى: ﴿وَمَا كَانَ (ٱللَّهُ) مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم يعذّبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، فلذلك قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، وهم لا يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام.
وهو اختيار الطبري. قال: كما نقول: "ما كنتُ لأُحسن إليك وأنت تسيء إليَّ"، يراد به: لا أحسن إليك إذا أسَأْتَ إليَّ، أي: لو أسَأْتَ إِلَيَّ لم أُحسن إليك.
وكما قال:
؎ بِأَيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُُيُوفَهُمْ ∗∗∗ وَلَمْ تَكْثُرِ الْقَتْلَى بِهَا حِين سُلَّتِ
أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى.
وشمتُ السيف من الأضداد، شمتُه: سللته وأغمدته.
وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله عز وجل، فالواحد قد مضى وهو النبي ﷺ، والثاني باق وهو استغفار من الذنوب، فمن استغفر (أمِنَ) من نزول العذاب به في الدنيا.
وقال ابن زيد معنى: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم أعذبهم. وهم لا يستغفرون، فما لهم ألاَّ يُعَذَّبوا.
وهو قول قتادة الأول.
ومعنى ذلك قال السدي.
وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يُسلمون.
و "الاستغفار" هنا: الإسلام.
وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: وهم مسلمون، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: قريشاً، بصدهم ﴿عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.
ورُوِيَ عن ابن عباس، أيضاً أنَّه قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، [أي:] فيهم من سبق له [من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم يكون قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: يوم بدر بالسيف.
ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: وهم يصلون.
ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وفيهم مؤمنون يستغفرون، فلما خرجوا مع النبي ﷺ، أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: من بقي من الكفار بمكة.
وعن مجاهد أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون.
وكذلك قال الضحاك.
ورُوِيَ عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ [ٱللَّهُ] وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.
وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، عز وجل، أنهم يؤمن أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال. وقد سبق أنهم يلدون من يؤمن ويستغفر.
وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون. وهم من كان بمكة بين أظْهُرهم من المؤمنين لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك. قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: الكفار خاصة.
قال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون، يعني: من بمكة من المؤمنين.
* *
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
"أنْ": في موضع نصب.
والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم. وهذه حالهم.
وقيل: هي زائدة.
وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا. وهذه حالهم.
* *
قوله: ﴿وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ﴾.
يعني: مشركي قريش.
* *
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
يعني: أصحاب النبي ﷺ.
وقال مجاهد ﴿إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ﴾، أي كانوا أو حيث كانوا.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾.
أي: أكثر المشركين: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أنّ أولياء الله هم المتقون، بل يحسبون أنهم هم أولياء الله.
ومن قال: إنّ قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني به المؤمنين، وقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾؛ لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، وهو قول الضحاك، وعطية، وابن عباس في بعض الروايات عنه.
ومن قال: إنّ الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، والسدي، لم يقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.
﴿وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ﴾، وقف.
والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمنُ فيستغفر، وقد علم الله عز وجل، ذلك منهم، فهو قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: سيكون منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم الذين قيل فيهم: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، والسورة مدنية كلها.
الأنفال 8:34
قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
والمعنى: وما كان الله ليعذِّب هؤلاء الذين تمنوا العذاب وأْنت مقيم بين أظهرهم. وكان قد نزلت عليه وهو مقيم بمكة. ثم خرج النبي ﷺ، من مكة، فاستغفر من بها من المؤمنين، فنزلت عليه بعد خروجه: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ثم خرج أولئك البقية من المؤمنين، فأنزل الله، عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، الآية، بالمدينة، فعذَّب الله، (عز وجل). الكفار، إذْ أذِنَ للنبي ﷺ، بفتح مكة، فهو العذاب الذي وُعِدوا به. قال ذلك ابن أبي أبزى.
وقال أبو مالك نزل الجميع بمكة، فقوله: ﴿وَمَا كَانَ [ٱللَّهُ] لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يعني: النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ [ٱللَّهُ] مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: من بِها من المسلمين ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: من بمكة من الكفار.
فمعنى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، أي: خاصة، فعذبهم الله (عز وجل). بالسيف، وفي ذلك نزلت: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، الآية. وهو النَّضْر. سأل العذاب.
ورُوِيَ عن ابن عباس [أنَّ] المعنى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾، يا محمد، أيْ: حتى نخرجك من بين أظهرهم، ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت يقولون: "لبَّيْك لبَّيْك، لا شريك لك"، فيقول النبي ﷺ "قَدْ، [قَدْ]"، فيقولون: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقولون: "غُفرانك، غُفرانك"، فهذا استغفارهم. قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني في الآخرة.
وقال قتادة المعنى: ﴿وَمَا كَانَ (ٱللَّهُ) مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم يعذّبهم، ولكنهم ليس يستغفرون، فلذلك قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، وهم لا يستغفرون، ويصدون عن المسجد الحرام.
وهو اختيار الطبري. قال: كما نقول: "ما كنتُ لأُحسن إليك وأنت تسيء إليَّ"، يراد به: لا أحسن إليك إذا أسَأْتَ إليَّ، أي: لو أسَأْتَ إِلَيَّ لم أُحسن إليك.
وكما قال:
؎ بِأَيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُُيُوفَهُمْ ∗∗∗ وَلَمْ تَكْثُرِ الْقَتْلَى بِهَا حِين سُلَّتِ
أي: إنما شاموها بعد أن كثرت القتلى.
وشمتُ السيف من الأضداد، شمتُه: سللته وأغمدته.
وقال بعض العلماء: هما أمانان أنزلهما الله عز وجل، فالواحد قد مضى وهو النبي ﷺ، والثاني باق وهو استغفار من الذنوب، فمن استغفر (أمِنَ) من نزول العذاب به في الدنيا.
وقال ابن زيد معنى: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: لو استغفروا لم أعذبهم. وهم لا يستغفرون، فما لهم ألاَّ يُعَذَّبوا.
وهو قول قتادة الأول.
ومعنى ذلك قال السدي.
وقال عكرمة المعنى: لم يكن الله ليعذبهم وهم يُسلمون.
و "الاستغفار" هنا: الإسلام.
وقال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: وهم مسلمون، ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: قريشاً، بصدهم ﴿عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.
ورُوِيَ عن ابن عباس، أيضاً أنَّه قال: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، [أي:] فيهم من سبق له [من الله] الدخول في الإسلام، فاستغفار مقدر فيهم يكون قال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: يوم بدر بالسيف.
ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: وهم يصلون.
ورُوِيَ عنه أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وفيهم مؤمنون يستغفرون، فلما خرجوا مع النبي ﷺ، أنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: من بقي من الكفار بمكة.
وعن مجاهد أيضاً: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون.
وكذلك قال الضحاك.
ورُوِيَ عن عكرمة، والحسن أنهما قالا: قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني: المشركين، ثم نسخ ذلك قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ [ٱللَّهُ] وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾.
وقيل المعنى: وأولادهم يستغفرون، قد سبق في علم الله، عز وجل، أنهم يؤمن أولادهم ويستغفرون، فلم يكن ليعذب هؤلاء بالاستئصال. وقد سبق أنهم يلدون من يؤمن ويستغفر.
وقيل المعنى: وفيهم من يستغفرون. وهم من كان بمكة بين أظْهُرهم من المؤمنين لم يخرجوا بعد من المستضعفين وغيرهم، وقاله الضحاك. قال: وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني: الكفار خاصة.
قال مجاهد: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾: يصلون، يعني: من بمكة من المؤمنين.
* *
وقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
"أنْ": في موضع نصب.
والمعنى: وأي شيء لهم في دفع العذاب عنهم. وهذه حالهم.
وقيل: هي زائدة.
وقيل المعنى: وما كان يمنعهم من أن يعذبوا. وهذه حالهم.
* *
قوله: ﴿وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ﴾.
يعني: مشركي قريش.
* *
﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
يعني: أصحاب النبي ﷺ.
وقال مجاهد ﴿إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ﴾، أي كانوا أو حيث كانوا.
* *
﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾.
أي: أكثر المشركين: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أنّ أولياء الله هم المتقون، بل يحسبون أنهم هم أولياء الله.
ومن قال: إنّ قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، يعني به المؤمنين، وقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾؛ لأن الأول للكافرين، والثاني للمؤمنين، وهو قول الضحاك، وعطية، وابن عباس في بعض الروايات عنه.
ومن قال: إنّ الكلام كله للكفار، وهو ما روي عن ابن عباس، وأبي زيد، والسدي، لم يقف على: ﴿وَأَنتَ فِيهِمْ﴾.
﴿وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ﴾، وقف.
والأحسن في هذه الآيات أن يكون المعنى: أن منهم من سيؤمنُ فيستغفر، وقد علم الله عز وجل، ذلك منهم، فهو قوله: ﴿وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: سيكون منهم ذلك، ومنهم من يموت على الكفر، علم الله ذلك منهم، فهم الذين قيل فيهم: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ﴾، والسورة مدنية كلها.
الأنفال 8:35
قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾.
رُوي عن أبي بكر عن عاصم:
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ﴾، بالنصب، ﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، بالرفع، مثل قول الشاعر:
؎ يكون مِزَاجَهَا عسل وماء.
ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام ﴿إِلاَّ مُكَآءً﴾، أي: تصفيراً، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾، أي: تصفيقاً.
يُقال: مَكا يَمْكُو مَكْواً ومُكاءً، إذا صَفَر.
وصدَّى يُصدِّي تصدية، إذا صفَّق.
وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله.
وهذا إنما يجوز على أن تقدر أنَّ "الياء" بدل من "دال"، مثل: تظَنَّيتُ في تَظَنَّنْتُ.
وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: "صدَّ يَصُدُّ" إذا ضجَّ.
وتبدل من إحدى "الدالين" "ياء" أيضاً كالأول، وأصله: "تَصْدِدَة" في القولين جميعاً، ثم أبدلت من "الدال الثانية" "ياء".
قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يُصفرون ويصفقون، فأنزل الله عز وجل، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فأُمروا بلبس الثياب.
وقال مجاهد "المُكاء": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و "التَّصْدِيَةُ": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمداً ﷺ عن الصلاة.
وقال قتادة "المُكَّاءُ": الصَّفير بالأيدي، و "التَّصْدِيَةُ": صياح كانوا يعارضون به القرآن.
وقال السدي "المُكاء": صفير على لحن طير أبيض يقال له: "المُكَّاء"، يكون بأرض الحجاز.
* *
وقوله: ﴿فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ﴾.
هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر.
وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى القلب فسمي ذوْقاً لذلك.
ثم أخبرنا، تعالى، أنّ الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ليتقوَّوا بها على قتال النبي ﷺ، فيصدون بذلك عن سبيل الله، وهو الإسلام، فيسنفقون أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقتهم عليهم ﴿حَسْرَةً﴾؛ لأنَّ الأموال تذهب، ولا يصلون إلى ما أمَّلوا، فذهابها في الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا من إثمها عليهم حسرة في الآخرة أيضاً، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في المعاد.
قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أُحد ألفين ليقاتل بهم النبي عليه السلام، سوى من استجاش من العرب.
قيل: إنَّه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان وأربعون مثقالاً.
وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله ﷺ في العام المقبل إلى أحد. وكانت بدر في رمضان، يوم جمعة صبيحة عشرة من رمضان. وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة.
وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] كانت العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب النبي عليه السلام، ليطلبوا أَثْأَرهُم ففعلوا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
الأنفال 8:36
قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾.
رُوي عن أبي بكر عن عاصم:
﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ﴾، بالنصب، ﴿إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً﴾، بالرفع، مثل قول الشاعر:
؎ يكون مِزَاجَهَا عسل وماء.
ومعنى الآية: وما كان يا محمد، صلاة هؤلاء المشركين عند البيت الحرام ﴿إِلاَّ مُكَآءً﴾، أي: تصفيراً، ﴿وَتَصْدِيَةً﴾، أي: تصفيقاً.
يُقال: مَكا يَمْكُو مَكْواً ومُكاءً، إذا صَفَر.
وصدَّى يُصدِّي تصدية، إذا صفَّق.
وقال ابن زيد، وابن جبير: (التصدية): صدهم عن سبيل الله.
وهذا إنما يجوز على أن تقدر أنَّ "الياء" بدل من "دال"، مثل: تظَنَّيتُ في تَظَنَّنْتُ.
وحكى النحاس: أنه يجوز أن يكون معناه: الضجيج والصياح، من قولهم: "صدَّ يَصُدُّ" إذا ضجَّ.
وتبدل من إحدى "الدالين" "ياء" أيضاً كالأول، وأصله: "تَصْدِدَة" في القولين جميعاً، ثم أبدلت من "الدال الثانية" "ياء".
قال ابن عباس: كانت قريش تطوف حول البيت عراة يُصفرون ويصفقون، فأنزل الله عز وجل، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فأُمروا بلبس الثياب.
وقال مجاهد "المُكاء": إدخالهم أصابعهم في أفواههم ينفخون، و "التَّصْدِيَةُ": الصفير، يريدون أن يشغلوا بذلك محمداً ﷺ عن الصلاة.
وقال قتادة "المُكَّاءُ": الصَّفير بالأيدي، و "التَّصْدِيَةُ": صياح كانوا يعارضون به القرآن.
وقال السدي "المُكاء": صفير على لحن طير أبيض يقال له: "المُكَّاء"، يكون بأرض الحجاز.
* *
وقوله: ﴿فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ﴾.
هو العذاب بالسيف الذي نزل بهم يوم بدر.
وهذا ذوق بالحس يصل ألمه إلى القلب كما يصل الذوق في مرارته وطيبه إلى القلب فسمي ذوْقاً لذلك.
ثم أخبرنا، تعالى، أنّ الذين كفروا يعطون أموالهم للمشركين مثلهم ليتقوَّوا بها على قتال النبي ﷺ، فيصدون بذلك عن سبيل الله، وهو الإسلام، فيسنفقون أموالهم ﴿ثُمَّ تَكُونُ﴾ نفقتهم عليهم ﴿حَسْرَةً﴾؛ لأنَّ الأموال تذهب، ولا يصلون إلى ما أمَّلوا، فذهابها في الدنيا حسرة عليهم، وما اجترحوا من إثمها عليهم حسرة في الآخرة أيضاً، ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾، ولا تنفعهم نفقتهم، وهم إلى ربهم يحشرون في المعاد.
قال ابن أبزى: نزلت هذه الآية في أبي سفيان، استأجر يوم أُحد ألفين ليقاتل بهم النبي عليه السلام، سوى من استجاش من العرب.
قيل: إنَّه أنفق أربعين أوقية [من ذهب]، يوم أحد، والأوقية يومئذ: اثنان وأربعون مثقالاً.
وذلك أنه لما وصل بالعير إلى مكة دعا الناس إلى القتال، فغزا رسول الله ﷺ في العام المقبل إلى أحد. وكانت بدر في رمضان، يوم جمعة صبيحة عشرة من رمضان. وكانت أحد في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت منه في العام الثاني من بدر، وهو العام الرابع من الهجرة.
وروى جماعة من التابعين: أن أبا سفيان لما سلم بعيره [إلى مكة] كانت العير لجماعة، فتكلم قريش إلى أصحاب العير أن يعينوهم بمالها على حرب النبي عليه السلام، ليطلبوا أَثْأَرهُم ففعلوا، فأنزل الله، عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.
الأنفال 8:37
قوله: ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ (مِنَ ٱلطَّيِّبِ)﴾، إلى قوله: ﴿سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾.
المعنى: إن الله عز وجل، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة من أهل الشقاء.
وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض. (أي: يجعل الكافر بعضهم على بعض، أي: فوق بعض).
* *
﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾.
أي: يجمعه بعضه إلى بعض. و "الرُّكَامُ": المُجْتمع، ومنه قوله في السحاب: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يجمع المفترق، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [النور: ٤٣]، أي: مجتمعاً كثيفاً.
* *
﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾.
أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخراً رداً على المعنى.
وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون في معصية الله، سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به. و ﴿ٱلطَّيِّبِ﴾: ما أنفقه المسلمون في رضوان الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ﴾.
أي: ﴿قُل﴾، يا محمد، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ﴾، أي: عما نُهوا عنه، ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: ما سلف وتقدم من ذنوبهم، ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾، أي: إلى ما نهوا عنه من الصد عن سبيل الله عز وجل، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل قتالك يوم بدر، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو مثلهم في إهلاك الله عز وجل، إياهم يوم بدر وغيرها.
الأنفال 8:38
قوله: ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ (مِنَ ٱلطَّيِّبِ)﴾، إلى قوله: ﴿سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾.
المعنى: إن الله عز وجل، يحشرهم ليميز الخبيث من الطيب، أي: أهل السعادة من أهل الشقاء.
وقيل: المؤمن من الكافر، فيجعل الخبيث بعضه على بعض. (أي: يجعل الكافر بعضهم على بعض، أي: فوق بعض).
* *
﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾.
أي: يجمعه بعضه إلى بعض. و "الرُّكَامُ": المُجْتمع، ومنه قوله في السحاب: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يجمع المفترق، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [النور: ٤٣]، أي: مجتمعاً كثيفاً.
* *
﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾.
أي: الخبيث فوحد اللفظ ليرده على الخبيث، ثم جمع آخراً رداً على المعنى.
وقيل معنى: ليميز الخبيث من الطيب، أي: ما أنفقه الكافرون في معصية الله، سبحانه، فيجمعه فيجعله في جهنم، فيعذبون به. و ﴿ٱلطَّيِّبِ﴾: ما أنفقه المسلمون في رضوان الله عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ﴾.
أي: ﴿قُل﴾، يا محمد، ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ﴾، أي: عما نُهوا عنه، ﴿يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: ما سلف وتقدم من ذنوبهم، ﴿وَإِنْ يَعُودُواْ﴾، أي: إلى ما نهوا عنه من الصد عن سبيل الله عز وجل، والكفر بآيات الله سبحانه، وإلى مثل قتالك يوم بدر، ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ﴾، أي: سنة من قتل يوم بدر، ومن هو مثلهم في إهلاك الله عز وجل، إياهم يوم بدر وغيرها.
الأنفال 8:39
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، إلى قوله: ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾.
المعنى: إن الله (عز وجل)، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون ﴿فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. فـ "الفتنة" هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه.
وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله.
وقال الحسن: ﴿فِتْنَةٌ﴾: بلاء.
وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصاً.
* *
﴿إِنِ انْتَهَوْاْ﴾.
أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم.
* *
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.
عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم وناصركم، ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لكم، أي: المعين، ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: الناصر.
الأنفال 8:40
قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، إلى قوله: ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾.
المعنى: إن الله (عز وجل)، أمر المؤمنين بقتالهم لئلا تكون ﴿فِتْنَةٌ﴾، أي: شرك. فـ "الفتنة" هنا: الشرك، ولا يعبد إلا الله سبحانه.
وقال قتادة: المعنى: حتى يقال: لا إله إلا الله.
وقال الحسن: ﴿فِتْنَةٌ﴾: بلاء.
وقال ابن إسحاق معناه: حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصاً.
* *
﴿إِنِ انْتَهَوْاْ﴾.
أي: عن الفتنة، وهي: الشرك، فإن الله لا يخفى عليه عملهم.
* *
﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.
عن الإيمان، وأبو إلا الفتنة، فقاتلوهم، واعلموا أن الله معينكم وناصركم، ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ﴾ هو لكم، أي: المعين، ﴿وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، أي: الناصر.
الأنفال 8:41
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ الآية.
هذه الآية تعليم من الله عز وجل، للمؤمنين، أن كل ما غنموه من غنيمة، وهو: "الفيء".
وقيل: "الغّنِيمَةُ": ما أُخذ عنوة، و "الفَيْءُ": ما أُخذ صلحا.
فـ: "الغَنِيمَةُ": أربعة أخماسها لمن شهد القتال، للراجل: سهم، وللفارس: سهمان.
والصلح على ما صُولحوا عليه، وليس فيه خمس، إنما هو لمن سمى الله عز وجل، في قوله: ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ﴾ [الحشر: ٧].
وقيل: "الغنيمة"، و "الفيء" واحد، فيه الخمس في "الحشر" قاله قتادة.
* *
وقوله: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾.
مفتاح كلام، والدنيا والآخرة لله، عز وجل وكان النبي ﷺ، يقسم "الخمس" على خمسة: فخمس لله وخمس لرسوله هو [خمس] واحد.
وقيل: إنَّ خمس لخمس لله وللرسول، كان النبي ﷺ، يقبض في "الخمس" قبضة فيجعله للكعبة، ثم يقسم باقي الخمس إلى خمسة.
وقال ابن عباس: لم يكن النبي ﷺ، يأخذ من "الخمس" شيئاً، إنما كان يعطي ذلك لقرابته مع نصيبهم.
وقد أجْمَعُوا على أنَّ "الخمس" لا يقسم على ستة.
ومذهب الشافعي أن يقسم الآن على: خمسة، فيجعل جزء فيما كان النبي ﷺ، يجعله، وذلك أن يجعل تقوية للمسلمين، وكذا رُوي أنه كان يفعل، ويعطي الأربعة الأخماس: الخمس ﴿لِذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ سهماً سهماً.
وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة: للفقراء: ثلث، وللمساكين ثلث، ولابن السبيل ثلث؛ لأنَّ النبي ﷺ قال: "لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ"، فسقط خمس رسول الله ﷺ وخمس ذوي القربى.
ومذهب مالك رضي الله عنه: أنَّ الإمام يعطي من رأى من هؤلاء المذكورين من هو أحوج، فإذا جعلت في بعض دون بعض جاز.
ومعنى: ﴿وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾.
هم قرابة رسول الله ﷺ، من بني هاشم.
وقال أبو سعيد الخدري عن ابن عباس: إنهم قريش كلهم.
* *
﴿وَٱلْيَتَامَىٰ﴾.
أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم.
* *
﴿وَٱلْمَسَاكِينِ﴾.
أهل الفاقة.
* *
﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
المجتاز مسافراً قد انقطع به.
* *
﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ﴾.
أي: صدقتم بتوحيده، وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا.
* *
﴿يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ﴾.
وهو يوم بدر، فرق فيه بين الحق والباطل.
* *
﴿يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾.
يعني: جمع المسلمين وجمعْ المشركين، وهو أول مشهد شهده رسول الله ﷺ، كان المشركون ما بين الألف والتسعمئة والمسلمون ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فقتل من المشركين أزيد من سبعين، وأسر مثل ذلك.
وقال بعض نحويي البصرة قوله: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِٱللَّهِ﴾، متعلق بقوله: ﴿نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾.
وقيل: هو متعلق بما قيل من ذكر الغنيمة وقسمتها، وجواب الشرط محذوف، والمعنى: إن كنتم [آمنتم] بالله فاقبلوا ما أمرتم به.
* *
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
أي: على إهلاك أهل الكفر، وغير ذلك مما يشاء قدير.
الأنفال 8:42
قوله: ﴿إِذْ أَنتُمْ بِالْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
العامل في ﴿إِذْ﴾ قوله: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] ﴿إِذْ أَنتُمْ﴾.
والمعنى: إذ أنتم نزُولُ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة، وعدوكم بشفير الوادي الأقصى إلى مكة.
* *
﴿وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾.
أي: والعير التي فيها أبو سفيان وأصحابه أسفل منكم إلى ساحر البحر.
ولا يقال: ركب إلا للذين على الإبل.
وكان أبو سفيان قد أتى هو وأصحابه تجاراً من الشام، لم يشعروا بأصحاب بدر، ولم يشعر أصحاب محمد ﷺ. بكفار قريش، ولا كفار قريش بأصحاب محمد عليه السلام، حتى التقوا على ماء بدر.
* *
﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي ٱلْمِيعَادِ﴾.
أي: لو كان اجتماعكم في الموضع الذي اجتمعتم فيه عن ميعاد، لاختلفتم، لكثرة عدد عدوكم، وقلة عددكم.
* *
﴿وَلَـٰكِن لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
أي: جمعكم الله عز وجل، وإياهم ﴿لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل، ﴿أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾، وذلك القضاء هو نصره للمؤمنين، وتعذيبه للمشركين بالسيف والأسر.
وقيل المعنى: لو كان [ذلك] [عن] ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم مع قلة عددكم، ما لقيتموهم.
قال كعب بن مالك: إنما خرج النبي ﷺ، إلى بدر يريد عِيرَ قريش، حتى جمع الله عز وجل، بينهم وبين عدوهم؛ لأن أبا جهل خرج ليمنع النبي ﷺ، من العير، فالتقوا ببدر، ولا يشعر كل واحد بصاحبه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾.
أي: ليموت من مات عن حجة، أي: جمعهم على غير ميعاد، ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ﴾، أي: عن حجة قطعت عذره، ويعيش من عاش عن حجة قد ظهرت له.
وقيل المعنى: ليكفر من كفر عن أمر بيّن، ويؤمن من آمن عن أمر بَيّن.
* *
﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: لقولكم: ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضمره نفوسكم في كل حال.
* *
قوله: ﴿مَنْ حَيَّ﴾.
من قرأ بـ "الإِدْغَامِ"، فإنه أدْغم لاجتماع المثلين؛ ولأنه في السواد بـ: "يَاءٍ" واحدة.
ومن أظهر أجراه مجرى المستقبل، فلما لم يجز الإدغام في المستقبل (أجري الماضي على ذلك، فأظهر، وقد أجاز الفراء الإدغام في المستقبل)، ومنعه جميع البصريين؛ لأنه يجتمع في المستقبل حرفان متحركان، فـ: "الياء" الثانية حق أصلها أن تكون ساكنة، ولا يقاس هذا على ما صح لم يخف؛ لأنَّ "يحيى" يحذف ياؤه للجزم، ولا يحذف في "يخف" شيء للجزم.
الأنفال 8:43
قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، إلى قوله: ﴿تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
والمعنى: إنّ الله عز وجل، يا محمد، ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لما يقول أصحابك ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيراً، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾، من ذلك بما أراك في منامك من قلتهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما تُجِنُّه الصدور.
قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيّه عليه السلام، في منامه قليلاً، فأخبر أصحابه، فكان تثبيتاً لهم.
وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام.
والمعنى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ [ٱللَّهُ]﴾ بعينك التي تنام بها ﴿قَلِيلاً﴾، فالمعنى على هذا: في موضع منامك.
وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن. فأمّا قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ﴾، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي ﷺ، وأصحابه.
ومعنى: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾.
أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهم.
وقيل المعنى: سلم أمره فيهم.
وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم ﷺ. من قلتهم. قاله ابن عباس.
يقال: فَشِل الرجل، أي: جَبُن.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.
أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلاً، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم.
قال عبد الله بن مسعود: قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً.
وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلّل الله عز وجل، المسلمين في عَيْنَيْه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خُذُوهم أَخْذاً، فاربطوهم بالحبال.
* *
ثم قال: ﴿لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
* *
﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بما كسبت.
الأنفال 8:44
قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، إلى قوله: ﴿تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
والمعنى: إنّ الله عز وجل، يا محمد، ﴿لَسَمِيعٌ﴾ لما يقول أصحابك ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يضمرون، إذ يريك عدوك وعدوهم ﴿فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾، فتخبر أصحابك بذلك، فتقوى نفوسهم، ويجترئون على حرب عدوهم، ولو أراك ربك عدوك وعدوهم كثيراً، لفشل أصحابك فجبنوا على قتالهم، وتنازعوا في ذلك، ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾، من ذلك بما أراك في منامك من قلتهم ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾، بما تُجِنُّه الصدور.
قال مجاهد: أراهم الله عز جل، نبيّه عليه السلام، في منامه قليلاً، فأخبر أصحابه، فكان تثبيتاً لهم.
وقال الحسن: كان ذلك رؤية حق غير منام.
والمعنى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ [ٱللَّهُ]﴾ بعينك التي تنام بها ﴿قَلِيلاً﴾، فالمعنى على هذا: في موضع منامك.
وهو عند جميع أهل التفسير رؤيا في النوم كانت، إلا الحسن. فأمّا قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ﴾، فهي رؤية حق لا منام، وهذا خطاب للنبي ﷺ، وأصحابه.
ومعنى: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ﴾.
أي: سلم للمؤمنين أمرهم حتى أظفرهم.
وقيل المعنى: سلم أمره فيهم.
وقيل: سلم القوم من الفشل بما أرى نبيهم ﷺ. من قلتهم. قاله ابن عباس.
يقال: فَشِل الرجل، أي: جَبُن.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِيۤ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾.
أي: أراكم، أيها المؤمنون، عدوكم، قليلاً، وهم كثير ليهون عليكم أمرهم، فلا تجزعوا ولا تجبنوا، ويقلل المؤمنين في أعينهم، ليتركوا الاستعداد لهم، فتهون على المؤمنين شوكتهم.
قال عبد الله بن مسعود: قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجل إلى جانبي: أراهم سبعين؟ قال: أراه مائة، قال: فأسرنا رجلاً منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفاً.
وكان من قول أبي جهل لأصحابه لما قلّل الله عز وجل، المسلمين في عَيْنَيْه: يا قوم، لا تقتلوهم بالسلاح، ولكن خُذُوهم أَخْذاً، فاربطوهم بالحبال.
* *
ثم قال: ﴿لِيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾.
أي: فعل ذلك، فيظفركم بعدوكم، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.
* *
﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾.
أي: تصير في الآخرة إليه، فيجازي كل نفس بما كسبت.
الأنفال 8:45
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، وأمرهم بذكر الله، سبحانه ﴿كَثِيراً﴾، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في النصر على عدوهم، ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾.
﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ﴾ عز وجل، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ عليه السلام، أي: فيما أمركم به، ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ﴾، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾، أي: تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي: قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، ﴿وَٱصْبِرُوۤاْ﴾، أي: اصبروا مع نبي الله عز وجل، عند لقاء عدوكم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾، أي: معكم.
قال مجاهد، وابن جريج: ذهب ريح أصحاب رسول الله ﷺ، حين نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرُّماة.
قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الرِّيحُ) ريح النّصر.
قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل، يضرب بها وجوه العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قِوَامٌ.
فمعنى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
(أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: ﴿رِيحُكُمْ﴾: نصركم.
الأنفال 8:46
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
هذه الآية تحريض من الله، عز وجل، للمؤمنين في الثبات عند لقاء العدو، وأمرهم بذكر الله، سبحانه ﴿كَثِيراً﴾، أي: يذكرونه في الدعاء إليه في النصر على عدوهم، ﴿لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾.
﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ﴾ عز وجل، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ عليه السلام، أي: فيما أمركم به، ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ﴾، أي: تختلفوا فتفترق قلوبكم، ﴿فَتَفْشَلُواْ﴾، أي: تضعفوا وتجبنوا، ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، أي: قوتكم وبأسكم ودولتكم، فتضعفوا، ﴿وَٱصْبِرُوۤاْ﴾، أي: اصبروا مع نبي الله عز وجل، عند لقاء عدوكم، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾، أي: معكم.
قال مجاهد، وابن جريج: ذهب ريح أصحاب رسول الله ﷺ، حين نازعوه يوم أحد، أي: تركوا أمره، يعني: الرُّماة.
قال ابن زيد، ومجاهد، وغيرهم: (الرِّيحُ) ريح النّصر.
قال ابن زيد: لم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله عز وجل، يضرب بها وجوه العدو، فإذا كان ذلك لم يكن لهم قِوَامٌ.
فمعنى: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
(أي): الريح التي هي النصر، وعلى ذلك قال قتادة ومجاهد: ﴿رِيحُكُمْ﴾: نصركم.
الأنفال 8:47
قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ﴾، الآية.
هذه الآية تنبيه للمؤمنين ألاّ يعملوا عملاً إلا لله عز وجل، وطلب ما عنده تبارك وتعالى، ولا يفعلوا كفعل المشركين في مسيرهم إلى بدر طلب رئاء الناس. وذلك أنهم أُخبروا أن العير قد فاتت النبي ﷺ، [وأصحابه]، وقيل لهم: ارجعوا فقد سلمت العير التي جئتم لنصرتها، فأبوا الرجوع، وقالوا: نأتي بدراً فنشرب بها الخمر، وتعزف علينا بها القيان، وتتحدث بنا العرب، فسُقُوا مكان الخمر المنايا.
وفيهم نزل: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ الآية.
قال ابن عباس: لما رأى أبو سفيان أنه أحرز عيره، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عِيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نجت، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نَرِد بدراً، وكان "بدر" موسماً من مواسم العرب، تجتمع لهم بها سوق كل عام، فنقيم عليهم ثلاثاً، وننحر الجُزُر، ونطعم الطعام، فمضوا حتّى أتوا بدراً، فاجتمع السقاة على الماء من هؤلاء ومن هؤلاء، فجاز المشركون الماء.
ومعنى "البَطَرُ": التقوية بنعم الله، تعالى على المعاصي، فأمر الله عز وجل المؤمنين بإخلاص العمل له، ولا يكونوا كهؤلاء، الذين أتوا بدراً للرياء والسمعة بَطَراً منهم.
الأنفال 8:48
قوله: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، الآية.
المعنى: اذكر إذ زيّن لهؤلاء الكفار الشيطان أعمالهم.
وقيل المعنى: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، في هذه الأحوال، وحين زيَّنَ لهم الشيطان أعمالهم.
قال الضحاك: جاءهم إبليس يوم بدر بجنوده فزين لهم أنهم لن ينهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم، وأنه جَارٌ لهم، فلما التقوا، ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، أي: رجع مدبراً، وقال لهم: ﴿إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ﴾.
قال السدي: أتى المشركين إبليس في صورة سراقة بن مالك الكِناني الشاعر على فرس فقال: ﴿لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جَارُكُمْ سراقة بن مالك، وهؤلاء كنانة قد أتوكم.
وقال قتادة: لما رأى الملعون جبريل عليه السلام تنزل معه الملائكة، علم أنه لا يدين له بالملائكة، فقال: ﴿إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ﴾، وقال: ﴿إِنَّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ﴾، وكذب الملعون، ما به مخافة الله عز وجل، ولكن لما رأى ما لا منعة له منه، فرق وقال ذلك، وهو كاذب على نفسه.
وقيل: إنه ظنَّ أنَّ الوقت الذي أُنظِر إليه قد حضر، فخاف.
وقال النبي ﷺ: "ما رُئِيَ إبليس يوماً هو فيه أصْغَرُ، [ولا أدحر]، ولا أحْقَرُ، ولا أغيظُ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل الرحمة والعفو عن الذنوب، إلا ما رأى يوم بدر"، قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: "أما إنه رأى جبريل عليه السلام، يَزَعُ الملائكة"
قال الحسن: رأى جبريل عليه السلام، مُعْتَجِراً بِبُرْد، يمشي بين يدي النبي عليه السلام، وفي يده اللجام.
* *
ومعنى ﴿نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾. رجع القهقري.
وقيل معناه: رجع من حيث جاء.
وكانت وقعة بدر لسبع عشرة خلت من رمضان على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم النبي عليه السلام، من مكة.
قال مالك: على رأس سنة ونصف.
وكانت وقعة أحد بعد بدر بسنة.
الأنفال 8:49
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِّلْعَبِيدِ﴾.
المعنى: واذكر، يا محمد، ﴿إِذْ يَقُولُ﴾.
وقيل المعنى: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، في هذه الأحوال، وحين يقول المنافقون: كذا وكذا.
و ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ هنا: نَفَرٌ لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من مشركي قريش، خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب محمد ﷺ قالوا: ﴿غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ﴾، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم.
وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: "منافقين".
وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ﴾.
قال ابن عباس: إنّما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، فظنوا أنهم يغلبون لا محالة.
* *
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
أي: يسلم أمره إلى الله عز وجل ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾، أي: لا يغلبه شيء، ولا يقهره أمر ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
فـ ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ﴾: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: هما واحد، كما قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، وهما واحد.
ويُروى أن رجلاً من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، فذهب بصره، فكان يقول: لولا ما ذهب بصري لأرَيْتكُم الشِّعْب الذي خرجت منه الملائكة.
قال: ولقد سمعت حَمْحَمة الخيل.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمراً عظيماً، يضربون وجوههم وأستاههم، يقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، أي: النار. فـ: "يقولون" محذوفة من الكلام.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وشبه هذا.
وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم.
وقيل: إنما يكون يوم القيامة.
وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد.
قال مجاهد ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾: أستاههم، ولكن الله كريم يَكْنِي.
قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولَّوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم.
* *
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله الذين كفروا، ثم تبتدئ: ﴿ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، على الابتداء والخبر.
ويدل على هذا المعنى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على ﴿ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾، وهو مروي عن نافع، وجعلت ﴿يَضْرِبُونَ﴾، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون.
والأحسن الوقف على ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾، وهو التمام وتبتدئ: ﴿وَذُوقُواْ﴾، على معنى: ويقولون.
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ تمام، إن قدرت "الكاف" في ﴿كَدَأْبِ﴾ [الأنفال: ٥٢]، متعلقة بقوله: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، لم تقف على: ﴿ٱلْحَرِيقِ﴾؛ لأنّ المعنى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ ذوْقاً ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. فـ: "الكاف" على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف.
و ﴿ذٰلِكَ﴾، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والتقدير: ذلك العذاب لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: من الآثام.
وقيل: هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾، "أن" في موضع خفض عطفاً على "ما".
أو في موضع نصب على حذف حرف الجر.
أو في موضع رفع نَسَقاً على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أنَّ الله.
الأنفال 8:50
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِّلْعَبِيدِ﴾.
المعنى: واذكر، يا محمد، ﴿إِذْ يَقُولُ﴾.
وقيل المعنى: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، في هذه الأحوال، وحين يقول المنافقون: كذا وكذا.
و ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ هنا: نَفَرٌ لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من مشركي قريش، خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب محمد ﷺ قالوا: ﴿غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ﴾، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم.
وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: "منافقين".
وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ﴾.
قال ابن عباس: إنّما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، فظنوا أنهم يغلبون لا محالة.
* *
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
أي: يسلم أمره إلى الله عز وجل ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾، أي: لا يغلبه شيء، ولا يقهره أمر ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
فـ ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ﴾: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: هما واحد، كما قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، وهما واحد.
ويُروى أن رجلاً من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، فذهب بصره، فكان يقول: لولا ما ذهب بصري لأرَيْتكُم الشِّعْب الذي خرجت منه الملائكة.
قال: ولقد سمعت حَمْحَمة الخيل.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمراً عظيماً، يضربون وجوههم وأستاههم، يقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، أي: النار. فـ: "يقولون" محذوفة من الكلام.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وشبه هذا.
وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم.
وقيل: إنما يكون يوم القيامة.
وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد.
قال مجاهد ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾: أستاههم، ولكن الله كريم يَكْنِي.
قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولَّوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم.
* *
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله الذين كفروا، ثم تبتدئ: ﴿ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، على الابتداء والخبر.
ويدل على هذا المعنى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على ﴿ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾، وهو مروي عن نافع، وجعلت ﴿يَضْرِبُونَ﴾، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون.
والأحسن الوقف على ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾، وهو التمام وتبتدئ: ﴿وَذُوقُواْ﴾، على معنى: ويقولون.
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ تمام، إن قدرت "الكاف" في ﴿كَدَأْبِ﴾ [الأنفال: ٥٢]، متعلقة بقوله: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، لم تقف على: ﴿ٱلْحَرِيقِ﴾؛ لأنّ المعنى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ ذوْقاً ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. فـ: "الكاف" على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف.
و ﴿ذٰلِكَ﴾، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والتقدير: ذلك العذاب لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: من الآثام.
وقيل: هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾، "أن" في موضع خفض عطفاً على "ما".
أو في موضع نصب على حذف حرف الجر.
أو في موضع رفع نَسَقاً على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أنَّ الله.
الأنفال 8:51
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِّلْعَبِيدِ﴾.
المعنى: واذكر، يا محمد، ﴿إِذْ يَقُولُ﴾.
وقيل المعنى: ﴿لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢]، في هذه الأحوال، وحين يقول المنافقون: كذا وكذا.
و ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ﴾ هنا: نَفَرٌ لم يستحكم الإيمان في قلوبهم من مشركي قريش، خرجوا مع المشركين من مكة وهم على الارتياب، فلما رأوا قلة أصحاب محمد ﷺ قالوا: ﴿غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ﴾، حتى قدموا على ما قدموا عليه، مع قلة عددهم.
وقال الحسن: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر، فسموا: "منافقين".
وقال معمر: هم قوم أقروا بالإسلام بمكة، ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَـٰؤُلاۤءِ دِينُهُمْ﴾.
قال ابن عباس: إنّما قالوا ذلك حين قلل الله المسلمين في أعين المشركين، فظنوا أنهم يغلبون لا محالة.
* *
وقوله: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
أي: يسلم أمره إلى الله عز وجل ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾، أي: لا يغلبه شيء، ولا يقهره أمر ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبيره.
فـ ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ﴾: هم الذين أظهروا الإيمان، وأبطنوا الشرك، ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾: هم الشاكون في أمر الإسلام. وقيل: هما واحد، كما قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، وهما واحد.
ويُروى أن رجلاً من الأنصار رأى الملائكة يوم بدر، فذهب بصره، فكان يقول: لولا ما ذهب بصري لأرَيْتكُم الشِّعْب الذي خرجت منه الملائكة.
قال: ولقد سمعت حَمْحَمة الخيل.
* *
قوله: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
أي: لو عاينت ذلك، يا محمد، رأيت أمراً عظيماً، يضربون وجوههم وأستاههم، يقولون لهم: ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، أي: النار. فـ: "يقولون" محذوفة من الكلام.
وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف. والمعنى: ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً، وشبه هذا.
وهذا إنما يكون عند قبض أرواحهم.
وقيل: إنما يكون يوم القيامة.
وقيل: أريد به يوم بدر، قاله مجاهد.
قال مجاهد ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾: أستاههم، ولكن الله كريم يَكْنِي.
قال ابن عباس: كان المشركون إذا أقبلوا بوجوهم يوم بدر إلى المسلمين، ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولَّوا، أدركتهم الملائكة يضربون أدبارهم.
* *
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، وقف، إن جعلت المعنى: إذ يتوفى الله الذين كفروا، ثم تبتدئ: ﴿ٱلْمَلاۤئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، على الابتداء والخبر.
ويدل على هذا المعنى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وإن جعلت الملائكة هم يتوفونهم، وقفت على ﴿ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾، وهو مروي عن نافع، وجعلت ﴿يَضْرِبُونَ﴾، على إضمار مبتدأ، أي: هم يضربون.
والأحسن الوقف على ﴿أَدْبَارَهُمْ﴾، وهو التمام وتبتدئ: ﴿وَذُوقُواْ﴾، على معنى: ويقولون.
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ تمام، إن قدرت "الكاف" في ﴿كَدَأْبِ﴾ [الأنفال: ٥٢]، متعلقة بقوله: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. فإن قدرت أنها متعلقة بقوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، لم تقف على: ﴿ٱلْحَرِيقِ﴾؛ لأنّ المعنى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾ ذوْقاً ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. فـ: "الكاف" على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف.
و ﴿ذٰلِكَ﴾، في موضع رفع بالابتداء، والخبر: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والتقدير: ذلك العذاب لكم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، أي: من الآثام.
وقيل: هو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والتقدير: الأمر ذلك.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾، "أن" في موضع خفض عطفاً على "ما".
أو في موضع نصب على حذف حرف الجر.
أو في موضع رفع نَسَقاً على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
أو على إضمار مبتدأ، والتقدير: وذلك أنَّ الله.
الأنفال 8:52
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
"الدَّأْبُ": العادة، وأصله من قولهم: "فلان يَدْأَبُ على الشيء":
أي: يدوم عليه ويلزمه.
و "الكاف" متعلقة بقوله: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
من المعاصي كعادة آل فرعون والذين من قبلهم.
و "الكاف" من: ﴿كَدَأْبِ﴾، في موضع رفع على إضمار مبتدأ.
أي: العادة في تعذيبكم عند قبض الأرواح وفي القبور مثل العادة في آل فرعون.
ويجوز أن تكون "الكاف" متعلقة بـ: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، فتكون في موضع نصب على معنى: ذوقوا مثل عادة آل فرعون في إذاقتا إياهم العذاب.
فالمعنى: فعل هؤلاء المشركون كما فعل آل فرعون، أو فعلنا، بهم كفعلنا بآل فرعون، فإذا رددت التشبيه إلى فعل المشركين وفعل آل فرعون جاز، وإذا رددته إلى فعل الله عز وجل بهؤلاء كفعله بهؤلاء جاز، ويتمكن في كلا الوجهين في: "الكاف" الرفع والنصب.
قال مجاهد المعنى: كَسُنَنِ آل فرعون.
* *
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
أي: فعاقبهم الله بتكذيبهم.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ﴾.
أي: لا يغلبه غالب.
* *
﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
لمن كفر به.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ﴾، الآية.
﴿ذٰلِكَ﴾: في موضع نصب، على معنى: فعلنا ذلك.
ويجوز أن يكون في موضع رفع، على معنى: هذا ذلك.
* *
وقوله: ﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ﴾: في موضع رفع أو نصب عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
والمعنى: فعلنا ذلك بمشركي قريش ببدر بذنوبهم، بأنّهم غيَّروا نعم الله عليهم، وهو محمد ﷺ، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وتغييرهم لها هو كفرهم بما أتاهم به، وإخراجه من بين أظهرهم، وحربهم إياه.
قال السدي "نعمة الله" على قريش: محمد ﷺ كفروا بها، فنقله الله إلى الأنصار.
﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: تمام، إن جعلت المعنى فيما بعده: عادتهم كعادة فرعون، فتضمر مبتدأ تكون "الكاف" خبره.
وإن جعلت ﴿كَدَأْبِ﴾ [الأنفال: ٥٤] متعلقة بقوله: ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لم تقف على: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ويكون التقدير في التعلق: ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، كعادة آل فرعون في التغيير والإهلاك.
الأنفال 8:53
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
"الدَّأْبُ": العادة، وأصله من قولهم: "فلان يَدْأَبُ على الشيء":
أي: يدوم عليه ويلزمه.
و "الكاف" متعلقة بقوله: ﴿ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
من المعاصي كعادة آل فرعون والذين من قبلهم.
و "الكاف" من: ﴿كَدَأْبِ﴾، في موضع رفع على إضمار مبتدأ.
أي: العادة في تعذيبكم عند قبض الأرواح وفي القبور مثل العادة في آل فرعون.
ويجوز أن تكون "الكاف" متعلقة بـ: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾، فتكون في موضع نصب على معنى: ذوقوا مثل عادة آل فرعون في إذاقتا إياهم العذاب.
فالمعنى: فعل هؤلاء المشركون كما فعل آل فرعون، أو فعلنا، بهم كفعلنا بآل فرعون، فإذا رددت التشبيه إلى فعل المشركين وفعل آل فرعون جاز، وإذا رددته إلى فعل الله عز وجل بهؤلاء كفعله بهؤلاء جاز، ويتمكن في كلا الوجهين في: "الكاف" الرفع والنصب.
قال مجاهد المعنى: كَسُنَنِ آل فرعون.
* *
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
أي: فعاقبهم الله بتكذيبهم.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ﴾.
أي: لا يغلبه غالب.
* *
﴿شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾.
لمن كفر به.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ﴾، الآية.
﴿ذٰلِكَ﴾: في موضع نصب، على معنى: فعلنا ذلك.
ويجوز أن يكون في موضع رفع، على معنى: هذا ذلك.
* *
وقوله: ﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ﴾: في موضع رفع أو نصب عطف على: ﴿ذٰلِكَ﴾.
والمعنى: فعلنا ذلك بمشركي قريش ببدر بذنوبهم، بأنّهم غيَّروا نعم الله عليهم، وهو محمد ﷺ، يخرجهم من الظلمات إلى النور، وتغييرهم لها هو كفرهم بما أتاهم به، وإخراجه من بين أظهرهم، وحربهم إياه.
قال السدي "نعمة الله" على قريش: محمد ﷺ كفروا بها، فنقله الله إلى الأنصار.
﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: تمام، إن جعلت المعنى فيما بعده: عادتهم كعادة فرعون، فتضمر مبتدأ تكون "الكاف" خبره.
وإن جعلت ﴿كَدَأْبِ﴾ [الأنفال: ٥٤] متعلقة بقوله: ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ لم تقف على: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ويكون التقدير في التعلق: ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، كعادة آل فرعون في التغيير والإهلاك.
الأنفال 8:54
قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
﴿كَدَأْبِ﴾ في هذه ليست بتكرير للأولى، لأن المعنى في الأولى: العادة في التعذيب، أو العادة في فعل المشركين بنبيهم كالعادة في آل فرعون، وهذا الثاني المعنى فيه: العادة في التغيير من هؤلاء كعادة آل فرعون في ذلك، فأهلك من كان قبل فرعون بذنوبهم، وأغرق (آل) فرعون، والجميع كانوا ظالمين، فكذلك أهلك هؤلاء بالسيف ببدر، إذ غيّروا نعمة الله وهي الكفر بمحمد ﷺ.
الأنفال 8:55
قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾.
المعنى: إنّ شر من دَبَّ على وجه الأرض، الذين كفروا بالله ورسوله.
و ﴿ٱلدَّوَابِّ﴾: يقع على الناس وعلى البهائم، وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾، بدل من ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
والمعنى: الذين أخذوا عهدك ألاّ يحاربوك، ولا يعاونوا عليك كقريظة، إذ والت على النبي عليه السلام، يوم الخندق أعداءه بعد عهدهم له ألا يفعلوا ذلك، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾، الله في ذلك، ولا يخافون أن يوقع بهم الهلاك لفعلهم ذلك.
الأنفال 8:56
قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾.
المعنى: إنّ شر من دَبَّ على وجه الأرض، الذين كفروا بالله ورسوله.
و ﴿ٱلدَّوَابِّ﴾: يقع على الناس وعلى البهائم، وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦].
* *
وقوله: ﴿ٱلَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ﴾، بدل من ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
والمعنى: الذين أخذوا عهدك ألاّ يحاربوك، ولا يعاونوا عليك كقريظة، إذ والت على النبي عليه السلام، يوم الخندق أعداءه بعد عهدهم له ألا يفعلوا ذلك، ﴿وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ﴾، الله في ذلك، ولا يخافون أن يوقع بهم الهلاك لفعلهم ذلك.
الأنفال 8:57
قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلخَائِنِينَ﴾.
"إمّا": للشرط، وتلزمه النون الشديدة توكيداً، لدخول "ما" من "إنْ"، هذه علة البصريين.
وقال الكوفيون: تدخل "النون" الخفيفة والشديدة مع "إمّا" للفرق بين كونها للشرط وكونها للتخيير.
ومعنى الآية: إنْ لقيت يا محمد، هؤلاء الذين عاهدتم، ثم نقضوا عهدك في الحرب ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾.
أي: افعل بهم فعلاً يكون مُشَرَّداً لمن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عَهْد.
و "التَّشْرِيدُ": التطريد والتبديد والتفريق.
فأُمر بذلك ﷺ ليكون أدباً لغيرهم، فلا يجترئوا على مثل ما فعله [هؤلاء] من نقض العهد.
وقال السدي: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾، أي: نكل بهم، ليحذر من خلفهم ممن بينك وبينه عهد.
* *
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: يتعظون إذا رأوا ما صنع بمن نقض العهد.
* *
وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾.
أي: إن خفت يا محمد، من قوم بينك وبينهم عهد (وعقد) أن يخونوك وينقضوا عهدك، ﴿فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾، أي: حاربهم وأعلمهم قبل إتيانك لحربهم أنك فسخت عهدهم، لِمَا كان منهم من أمارة نقض العهد، وإتيان الغدر والخيانة منهم، فيستوي علمك وعلمهم في الحرب، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ﴾، أي: من خان عهداً، أو نقض عهداً.
و "الخَوْفُ" هنا: ظهور ما يتيقن منهم من إتيان الغدر، وليس هو الظن.
ومعنى: ﴿فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: انبذ إليهم العهد، وأعلمهم بأنك قد طرحته، لما ظهر إليك منهم، وأنك محارب لهم، فيستوي أمركما في العلم.
قال الكسائي: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾: على عدل، أي: تعدل بأن يستوي علمك وعلمهم.
وقال الفراء المعنى: افعل بهم كما يفعلون سواء.
وقال أيضاً: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾: جهراً لا سراً.
قال أبو عبيدة معنى: ﴿تَخَافَنَّ﴾: تُوقِنَنَّ.
الأنفال 8:58
قوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي ٱلْحَرْبِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلخَائِنِينَ﴾.
"إمّا": للشرط، وتلزمه النون الشديدة توكيداً، لدخول "ما" من "إنْ"، هذه علة البصريين.
وقال الكوفيون: تدخل "النون" الخفيفة والشديدة مع "إمّا" للفرق بين كونها للشرط وكونها للتخيير.
ومعنى الآية: إنْ لقيت يا محمد، هؤلاء الذين عاهدتم، ثم نقضوا عهدك في الحرب ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾.
أي: افعل بهم فعلاً يكون مُشَرَّداً لمن خلفهم من نظرائهم، ممن بينك وبينه عَهْد.
و "التَّشْرِيدُ": التطريد والتبديد والتفريق.
فأُمر بذلك ﷺ ليكون أدباً لغيرهم، فلا يجترئوا على مثل ما فعله [هؤلاء] من نقض العهد.
وقال السدي: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾، أي: نكل بهم، ليحذر من خلفهم ممن بينك وبينه عهد.
* *
﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: يتعظون إذا رأوا ما صنع بمن نقض العهد.
* *
وقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾.
أي: إن خفت يا محمد، من قوم بينك وبينهم عهد (وعقد) أن يخونوك وينقضوا عهدك، ﴿فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾، أي: حاربهم وأعلمهم قبل إتيانك لحربهم أنك فسخت عهدهم، لِمَا كان منهم من أمارة نقض العهد، وإتيان الغدر والخيانة منهم، فيستوي علمك وعلمهم في الحرب، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلخَائِنِينَ﴾، أي: من خان عهداً، أو نقض عهداً.
و "الخَوْفُ" هنا: ظهور ما يتيقن منهم من إتيان الغدر، وليس هو الظن.
ومعنى: ﴿فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾.
أي: انبذ إليهم العهد، وأعلمهم بأنك قد طرحته، لما ظهر إليك منهم، وأنك محارب لهم، فيستوي أمركما في العلم.
قال الكسائي: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾: على عدل، أي: تعدل بأن يستوي علمك وعلمهم.
وقال الفراء المعنى: افعل بهم كما يفعلون سواء.
وقال أيضاً: ﴿عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾: جهراً لا سراً.
قال أبو عبيدة معنى: ﴿تَخَافَنَّ﴾: تُوقِنَنَّ.
الأنفال 8:59
قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾.
خطَّأ أبو حاتم من قرأ بـ: "الياء"، ووجهها عند غيره ظاهر حسن.
والمعنى في "الياء": ولا يَحْسَبَنَّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا، فيكون ضمير الفاعل في ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، يعود على ﴿مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: مفعول أول، و ﴿سَبَقُوۤاْ﴾ في موضع الثاني.
وقال الفراء التقدير: أن سَبَقوا.
وقال: وفي حرف عبد الله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾.
ورُوي عنه: "ولا يَحْسَبَ"، بفتح الباء، على إرادة النون [الخفيفة].
ومن فتح: ﴿إِنَّهُمْ﴾، وقرأ بـ "الياء" أو بـ: "التاء" فمعناه: لأنهم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً بـ: "حسب"، كما لا يجوز: حَسَبْتَ زيداً أنه قائم؛ لأن زيداً غير قيامه، ولو قلت: حسبت أمرك أنك قائم، جاز فتح "أن" لأن أمرك هو قيامك.
ومعنى ذلك: لا يحسب من ظفر بالخلاص مَنْ هذه الوقعة سبق.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، لا يفوتون.
ومن قرأ بـ: "الياء" فمعناه: لا يحسب مَنْ خلفهم الذين كفروا سبقوا،
أي: بالخلاص، ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، أي: لا يفوتون.
ثم حضّ المؤمنين على أن يُعِدُّوا لهؤلاء الذين خِيَف منهم نقض العهد ما استطاعوا ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾.
أي: من الآلات التي تكون قوة في الحرب مثل: السلاح، والنبل، والخيل.
و "القوَّة: الرَّمْيُ"، روي ذلك عن النبي ﷺ.
قال عكرمة: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾: الحصون.
وقال مجاهد: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾: ذكور الخيل، ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾: إناثها.
* *
قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ﴾.
أي: تخيفونهم به.
ورُوَي: أن النبي ﷺ، قال: "ألاَ إنَّ القُوةَ الرَّمْيُ"، وأعادها ثلاثاً.
قال عكرمة: [القُوّة]: ذكور الخيل، ورباطها: إناثها.
قال عقبة بن عامر الجُهَني: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانِعُه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنْبِلَه، فارموا واركبوا، وأن تَرْمُوا أحب إلي من أن تركبوا، وليس اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسَه، وملاعبتَه امرأته، ورميه بقوسه ونَبْله. ومن ترك الرّمي من بعد ما علمه فإنه نعمة كفرها أو كفر بها
قال أبو نجيح السُّلَمي: حاصَرْنا قصر الطائف فسمعت رسول الله ﷺ، يقول: "مَنْ رمى بسهم في سبيل الله، فهو له عدل رقبة، ومن شاب شيبة في الإسلام فهو له عدل مُحَرَّرٍ من النار
وقال النبي ﷺ "الخَيْل مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْر إلى يوم القيامة: الأجر والمَغْنَمُ"، رواه عروة البَارِقِيُّ عنه، وكذلك رواه أبو هريرة وابن عمر.
وروى أنس بن مالك عنه أنه قال: "البَرَكَةُ في نواصي الخَيْل
وروى عنه أبو هريرة أنه قال: "من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعد الله، كان شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَبَوْلُهُ ورَوْثُه حسناتٍ في ميزانه يوم القيامة
قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾.
يعني بهم: بني قريظة.
قال السدي: هم أهل فارس.
وهذان القولان يردهما علم المؤمنين ببني قريظة وبفارس، وقد قال تعالى: ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾.
وقال ابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم؛ لأنهم [معكم]، يقولون: لا إله إلا الله، لا يعلمهم إلا الله.
وهذا قول حسن موافق لقوله: ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾، فالله هو المطلع على سرائرهم.
وقيل: هم الجن.
وهو اختيار الطبري.
وهو أحسن الأقوال، لما رُوي أن الجن تفرُّ من صهيل الخيل.
ورُوِيَ: أن الجن لا تقرب داراً فيها فرس، وأيضاً: فإنا لا نعلمهم، كما قال عز وجل.
روى ابن مِقْسَمِ: أن رجلاً أتى ابن عباس، فشكا إليه ابنته تُعترى، فقال له: ارتبط فرساً، إن كنت ممن يركب الخيل وإلا فاتخذه، فإن الله جل اسمه، يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فإن الجن من الذين لا تعلمونهم، ففعل الرجل ما أمره، فانصرف عن ابنته العارض.
* *
وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾.
أي: لا يضيع (لكم) عند الله أجره في الآخرة، ولا خَلَفه في الدنيا.
* *
قوله: ﴿وَآخَرِينَ﴾.
منصوب على معنى ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ﴾: وتَوَقَّوا آخرين، فلا تقف على ما قبله على هذا.
ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل غير هذا، فتبتدئ به إن شئت.
وإن جعلته معطوفاً على: ﴿عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، أي: وترهبون آخرين، لم تقف أيضاً قبله.
﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ وقف.
الأنفال 8:60
قوله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾.
خطَّأ أبو حاتم من قرأ بـ: "الياء"، ووجهها عند غيره ظاهر حسن.
والمعنى في "الياء": ولا يَحْسَبَنَّ من خلفهم الذين كفروا سبقوا، فيكون ضمير الفاعل في ﴿يَحْسَبَنَّ﴾، يعود على ﴿مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾: مفعول أول، و ﴿سَبَقُوۤاْ﴾ في موضع الثاني.
وقال الفراء التقدير: أن سَبَقوا.
وقال: وفي حرف عبد الله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوۤاْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾.
ورُوي عنه: "ولا يَحْسَبَ"، بفتح الباء، على إرادة النون [الخفيفة].
ومن فتح: ﴿إِنَّهُمْ﴾، وقرأ بـ "الياء" أو بـ: "التاء" فمعناه: لأنهم، ولا يجوز أن يكون مفعولاً ثانياً بـ: "حسب"، كما لا يجوز: حَسَبْتَ زيداً أنه قائم؛ لأن زيداً غير قيامه، ولو قلت: حسبت أمرك أنك قائم، جاز فتح "أن" لأن أمرك هو قيامك.
ومعنى ذلك: لا يحسب من ظفر بالخلاص مَنْ هذه الوقعة سبق.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، لا يفوتون.
ومن قرأ بـ: "الياء" فمعناه: لا يحسب مَنْ خلفهم الذين كفروا سبقوا،
أي: بالخلاص، ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ﴾، أي: لا يفوتون.
ثم حضّ المؤمنين على أن يُعِدُّوا لهؤلاء الذين خِيَف منهم نقض العهد ما استطاعوا ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾.
أي: من الآلات التي تكون قوة في الحرب مثل: السلاح، والنبل، والخيل.
و "القوَّة: الرَّمْيُ"، روي ذلك عن النبي ﷺ.
قال عكرمة: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾: الحصون.
وقال مجاهد: ﴿مِّن قُوَّةٍ﴾: ذكور الخيل، ﴿وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ﴾: إناثها.
* *
قوله: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ﴾.
أي: تخيفونهم به.
ورُوَي: أن النبي ﷺ، قال: "ألاَ إنَّ القُوةَ الرَّمْيُ"، وأعادها ثلاثاً.
قال عكرمة: [القُوّة]: ذكور الخيل، ورباطها: إناثها.
قال عقبة بن عامر الجُهَني: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يُدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانِعُه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومُنْبِلَه، فارموا واركبوا، وأن تَرْمُوا أحب إلي من أن تركبوا، وليس اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسَه، وملاعبتَه امرأته، ورميه بقوسه ونَبْله. ومن ترك الرّمي من بعد ما علمه فإنه نعمة كفرها أو كفر بها
قال أبو نجيح السُّلَمي: حاصَرْنا قصر الطائف فسمعت رسول الله ﷺ، يقول: "مَنْ رمى بسهم في سبيل الله، فهو له عدل رقبة، ومن شاب شيبة في الإسلام فهو له عدل مُحَرَّرٍ من النار
وقال النبي ﷺ "الخَيْل مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيْر إلى يوم القيامة: الأجر والمَغْنَمُ"، رواه عروة البَارِقِيُّ عنه، وكذلك رواه أبو هريرة وابن عمر.
وروى أنس بن مالك عنه أنه قال: "البَرَكَةُ في نواصي الخَيْل
وروى عنه أبو هريرة أنه قال: "من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعد الله، كان شِبَعُهُ وَرِيُّهُ وَبَوْلُهُ ورَوْثُه حسناتٍ في ميزانه يوم القيامة
قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾.
يعني بهم: بني قريظة.
قال السدي: هم أهل فارس.
وهذان القولان يردهما علم المؤمنين ببني قريظة وبفارس، وقد قال تعالى: ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾.
وقال ابن زيد: هم المنافقون لا تعلمونهم؛ لأنهم [معكم]، يقولون: لا إله إلا الله، لا يعلمهم إلا الله.
وهذا قول حسن موافق لقوله: ﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾، فالله هو المطلع على سرائرهم.
وقيل: هم الجن.
وهو اختيار الطبري.
وهو أحسن الأقوال، لما رُوي أن الجن تفرُّ من صهيل الخيل.
ورُوِيَ: أن الجن لا تقرب داراً فيها فرس، وأيضاً: فإنا لا نعلمهم، كما قال عز وجل.
روى ابن مِقْسَمِ: أن رجلاً أتى ابن عباس، فشكا إليه ابنته تُعترى، فقال له: ارتبط فرساً، إن كنت ممن يركب الخيل وإلا فاتخذه، فإن الله جل اسمه، يقول: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، فإن الجن من الذين لا تعلمونهم، ففعل الرجل ما أمره، فانصرف عن ابنته العارض.
* *
وقوله: ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾.
أي: لا يضيع (لكم) عند الله أجره في الآخرة، ولا خَلَفه في الدنيا.
* *
قوله: ﴿وَآخَرِينَ﴾.
منصوب على معنى ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ﴾: وتَوَقَّوا آخرين، فلا تقف على ما قبله على هذا.
ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل غير هذا، فتبتدئ به إن شئت.
وإن جعلته معطوفاً على: ﴿عَدْوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، أي: وترهبون آخرين، لم تقف أيضاً قبله.
﴿لاَ تَعْلَمُونَهُمُ﴾ وقف.
الأنفال 8:61
قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا﴾، إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قد تقدم ذكر "السلم" في الفتح والكسر في "البقرة".
والمعنى: إن جنح هؤلاء الذين أمرت أن تنبذ إليهم على سواء إلى الصلح، أي: [مالوا إليه] فمل إليه، إمّا بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما بموادعة.
قال قتادة: وهي منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال ابن عباس نسخها: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥].
وقال عكرمة والحسن نسخها: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، الآية.
وقيل: إنها مُحْكَمةٌ.
والمعنى: إن دعوك إلى الإسلام فصالحهم. قاله ابن إسحاق.
* *
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
أي: فوض أمرك إلى الله، ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾.
أي: إن يرد هؤلاء الذين أمرناك أن تجنح إلى السلم إن جنحوا لها خداعك وخيانتك، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾، أي: كافيك الله.
* *
﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: قوَّاك بذلك على أعدائك، ﴿وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هنا: الأنصار. وهذا كله في بني قريظة.
* *
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: بين قلوب الأنصار: الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾، أي من ذهب وفضة ﴿مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ [أَلَّفَ] بَيْنَهُمْ﴾، على الهدى، فقواك بهم.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز جل: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، الآية.
وقال مجاهد: [إذا] التقى المسلمان وتصافحا غُفِر لهما.
الأنفال 8:62
قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا﴾، إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قد تقدم ذكر "السلم" في الفتح والكسر في "البقرة".
والمعنى: إن جنح هؤلاء الذين أمرت أن تنبذ إليهم على سواء إلى الصلح، أي: [مالوا إليه] فمل إليه، إمّا بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما بموادعة.
قال قتادة: وهي منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال ابن عباس نسخها: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥].
وقال عكرمة والحسن نسخها: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، الآية.
وقيل: إنها مُحْكَمةٌ.
والمعنى: إن دعوك إلى الإسلام فصالحهم. قاله ابن إسحاق.
* *
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
أي: فوض أمرك إلى الله، ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾.
أي: إن يرد هؤلاء الذين أمرناك أن تجنح إلى السلم إن جنحوا لها خداعك وخيانتك، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾، أي: كافيك الله.
* *
﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: قوَّاك بذلك على أعدائك، ﴿وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هنا: الأنصار. وهذا كله في بني قريظة.
* *
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: بين قلوب الأنصار: الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾، أي من ذهب وفضة ﴿مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ [أَلَّفَ] بَيْنَهُمْ﴾، على الهدى، فقواك بهم.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز جل: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، الآية.
وقال مجاهد: [إذا] التقى المسلمان وتصافحا غُفِر لهما.
الأنفال 8:63
قوله: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا﴾، إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قد تقدم ذكر "السلم" في الفتح والكسر في "البقرة".
والمعنى: إن جنح هؤلاء الذين أمرت أن تنبذ إليهم على سواء إلى الصلح، أي: [مالوا إليه] فمل إليه، إمّا بالدخول في الإسلام، أو بإعطاء الجزية، وإما بموادعة.
قال قتادة: وهي منسوخة بقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وقال ابن عباس نسخها: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوۤاْ إِلَى ٱلسَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥].
وقال عكرمة والحسن نسخها: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]، الآية.
وقيل: إنها مُحْكَمةٌ.
والمعنى: إن دعوك إلى الإسلام فصالحهم. قاله ابن إسحاق.
* *
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾.
أي: فوض أمرك إلى الله، ﴿إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾.
* *
ثم قال: ﴿وَإِن يُرِيدُوۤاْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾.
أي: إن يرد هؤلاء الذين أمرناك أن تجنح إلى السلم إن جنحوا لها خداعك وخيانتك، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ﴾، أي: كافيك الله.
* *
﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: قوَّاك بذلك على أعدائك، ﴿وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هنا: الأنصار. وهذا كله في بني قريظة.
* *
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: بين قلوب الأنصار: الأوس والخزرج، بعد التفرق والتشتت، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً﴾، أي من ذهب وفضة ﴿مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ [أَلَّفَ] بَيْنَهُمْ﴾، على الهدى، فقواك بهم.
وروي عن ابن مسعود أنه قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله عز جل: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، الآية.
وقال مجاهد: [إذا] التقى المسلمان وتصافحا غُفِر لهما.
الأنفال 8:64
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾، الآية.
﴿حَسْبُكَ ٱللَّهُ﴾: تمام، إن جعلت ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾ ابتداء.
أي: ومن اتبعك من المؤمنين حسبه الله، أي: يكفيك ويكفيه.
وقال الكسائي: ﴿وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ﴾: في موضع نصب عطفاً على موضع "الكاف" في التأويل.
وقيل عنه: ﴿مَنِ﴾ في موضع رفع عطفاً على اسم ﴿ٱللَّهُ﴾، جل ذكره، أي: يكفيك الله ويكفيك من اتبَعَك من المؤمنين.
ولا يحسن الوقف على: ﴿حَسْبُكَ ٱللَّهُ﴾ على هذين التأويلين.
الأنفال 8:65
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
والمعنى: إن الله، تبارك وتعالى، أمر نبيه عليه السلام، أن يحث من آمن به على قتال المشركين.
و "التَّحْرِيضُ": الحث الشديد، وهو مأخوذ من: "الحَرَضِ"، وهو: مقاربة الهلاك.
* *
قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾.
أي: يصبرون على لقاء العدو، ويثبتون ﴿يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾.
من عدوهم، ﴿وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً﴾، من العدو، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾، أي: من أجل أنّ المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر، فهم لا يثبتون عند اللقاء، خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم.
ثم خفف تعالى ذلك عن المؤمنين، فقال: ﴿ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، أي: تضعفون عن أن يلقى الواحد منكم عشرة منهم، ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾، على المكاره عند لقاء العدو، ﴿يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ من العدو ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾، أي: بمعونته ﴿وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
قال عطاء: لما نزلت الآية الأولى، ثقل ذلك على المسلمين، وأَعْظَموا أن يقاتل عشرون منهم مئتين، ومئة ألفاً فَخَفَّف [الله] ذلك عنهم، فنسخها بالآية الأخرى فردهم يقفون إلى من هو مثلا عددهم، فإن (كان) المشركون أكثر من المسلمين، لم يلزم المسلمين الوقوف لهم، وحلَّ لهم أن يَتَحَوَّزُوا عنهم.
وقاله: عطاء، وعكرمة، والحسن، والسدي.
وقيل: إن هذا من الله تخفيف وليس بنسخ، فإنه لم يقل: لا يقاتل الواحد العشرة، إنما خفف عنهم ما كان فرض عليهم، ونظير ذلك: إفطار الصائم في السفر، إنما هو تخفيف، ولا يقال له نسخ، ألا ترى أنه لو صام لم يأثم، وأجزأه صومه.
ومن قرأ: ﴿وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ﴾، بـ: "التاء"، فعلى تأنيث اللفظ.
ومن قرأ بـ: "الياء"، فلأنه تأنيث غير حقيقي، إذ المعنى: مائة رجل.
وقرأ أبو جعفر: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، بالمد، جمع ضعيف.
الأنفال 8:66
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
والمعنى: إن الله، تبارك وتعالى، أمر نبيه عليه السلام، أن يحث من آمن به على قتال المشركين.
و "التَّحْرِيضُ": الحث الشديد، وهو مأخوذ من: "الحَرَضِ"، وهو: مقاربة الهلاك.
* *
قوله: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾.
أي: يصبرون على لقاء العدو، ويثبتون ﴿يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾.
من عدوهم، ﴿وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً﴾، من العدو، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾، أي: من أجل أنّ المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر، فهم لا يثبتون عند اللقاء، خشية أن يقتلوا فتذهب دنياهم.
ثم خفف تعالى ذلك عن المؤمنين، فقال: ﴿ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، أي: تضعفون عن أن يلقى الواحد منكم عشرة منهم، ﴿فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ﴾، على المكاره عند لقاء العدو، ﴿يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ﴾ من العدو ﴿وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾، أي: بمعونته ﴿وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ﴾.
قال عطاء: لما نزلت الآية الأولى، ثقل ذلك على المسلمين، وأَعْظَموا أن يقاتل عشرون منهم مئتين، ومئة ألفاً فَخَفَّف [الله] ذلك عنهم، فنسخها بالآية الأخرى فردهم يقفون إلى من هو مثلا عددهم، فإن (كان) المشركون أكثر من المسلمين، لم يلزم المسلمين الوقوف لهم، وحلَّ لهم أن يَتَحَوَّزُوا عنهم.
وقاله: عطاء، وعكرمة، والحسن، والسدي.
وقيل: إن هذا من الله تخفيف وليس بنسخ، فإنه لم يقل: لا يقاتل الواحد العشرة، إنما خفف عنهم ما كان فرض عليهم، ونظير ذلك: إفطار الصائم في السفر، إنما هو تخفيف، ولا يقال له نسخ، ألا ترى أنه لو صام لم يأثم، وأجزأه صومه.
ومن قرأ: ﴿وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ﴾، بـ: "التاء"، فعلى تأنيث اللفظ.
ومن قرأ بـ: "الياء"، فلأنه تأنيث غير حقيقي، إذ المعنى: مائة رجل.
وقرأ أبو جعفر: ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾، بالمد، جمع ضعيف.
الأنفال 8:67
قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
المعنى: ما كان لنبيٍ أن يَحْبَسٍ كافراً قَدَر عليه للفدية والمن.
و "الأسْر": الحبْس.
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم.
وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، أن قتل من فادى به يوم بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم.
* *
وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾.
هذا للمؤمنين الذين رَغِبُوا في أخذ المال في الفداء.
﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ﴾، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها.
قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل، في الأسرى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: ٤]، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أسَارَاهُم.
وقال مجاهد: "الإثْخان": القتل.
وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسَارى، قال رسول الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه: يا رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم.
وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
وقال عمر رضي الله عنه، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعناقهم.
ورُوي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضْرمه عليهم. فقال له العباس: قطعتك رحمك. فسكت رسول الله ﷺ فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر. وقال ناس: نأخذ برأي عمر.
وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليُليّنُ قلوب رجال [حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي [فَإِنَّهُ] مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦]، ومثلك يا عبد الله كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، ثم قال رسول الله ﷺ: "أنتم اليوم عالة، فلا يقتلنّ أحد منكم إلا بفداءٍ أو ضربة عُنُق".
قال قتادة: فَادَوْهُم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي ﷺ لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين.
قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خيف منه.
وقال جماعة من العلماء: الإمام مُخيَّر، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء فادى، وهو قول الشافعي وغيره).
من قتل أسيراً قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل صبياً أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره.
وقال الأوزاعي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، فإن قتله بعدما وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا غرم عليه.
* *
قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء.
وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي ﷺ: "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر، رضي الله عنه
وذلك أن عمر رضي الله عنه أشار على النبي ﷺ، بقتل الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي ﷺ: كذّبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم. وخالفه أبو بكر رضي الله عنه، وغيره في ذلك.
والمعنى: لولا أنّ الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ذلك، لعوقبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل أمة محمد ﷺ، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل أن ينزل عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، عليه السلام، إذا غَنِمُوا شيئاً جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام عليهم، لا يحل لأحد منهم شيء منه.
وقيل المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم إياها عذاب عظيم.
وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير.
وقال ابن زيد: سبق في علمه العفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ولولا ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم.
وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يُعذَّبَ أحد بفعل أتاه جهلاً، لمسكم فيما جهلتم فيه، من أخذكم الغنائم عذاب عظيم.
ورُوي عن النبي ﷺ، أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعب، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت جوامع الكَلِمَ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأُعْطِيتَ الشفاعة، خمس لم يؤتهنَّ نبي كان قبلي
وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي، لعذبتكم بأخذكم للغنائم.
واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم.
وقيل المعنى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ﴾، فآمنتم به، وهو القرآن فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والعفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم.
قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدراً إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قوم نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله.
ثم أحلَّ لهم ذلك فقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم تؤمروا به.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾.
أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: ساتر عليها، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
قال الطبري: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، يراد به التأخير بعد ﴿رَّحِيمٌ﴾.
الأنفال 8:68
قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
المعنى: ما كان لنبيٍ أن يَحْبَسٍ كافراً قَدَر عليه للفدية والمن.
و "الأسْر": الحبْس.
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم.
وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، أن قتل من فادى به يوم بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم.
* *
وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾.
هذا للمؤمنين الذين رَغِبُوا في أخذ المال في الفداء.
﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ﴾، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها.
قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل، في الأسرى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: ٤]، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أسَارَاهُم.
وقال مجاهد: "الإثْخان": القتل.
وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسَارى، قال رسول الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه: يا رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم.
وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
وقال عمر رضي الله عنه، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعناقهم.
ورُوي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضْرمه عليهم. فقال له العباس: قطعتك رحمك. فسكت رسول الله ﷺ فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر. وقال ناس: نأخذ برأي عمر.
وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليُليّنُ قلوب رجال [حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي [فَإِنَّهُ] مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦]، ومثلك يا عبد الله كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، ثم قال رسول الله ﷺ: "أنتم اليوم عالة، فلا يقتلنّ أحد منكم إلا بفداءٍ أو ضربة عُنُق".
قال قتادة: فَادَوْهُم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي ﷺ لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين.
قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خيف منه.
وقال جماعة من العلماء: الإمام مُخيَّر، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء فادى، وهو قول الشافعي وغيره).
من قتل أسيراً قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل صبياً أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره.
وقال الأوزاعي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، فإن قتله بعدما وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا غرم عليه.
* *
قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء.
وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي ﷺ: "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر، رضي الله عنه
وذلك أن عمر رضي الله عنه أشار على النبي ﷺ، بقتل الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي ﷺ: كذّبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم. وخالفه أبو بكر رضي الله عنه، وغيره في ذلك.
والمعنى: لولا أنّ الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ذلك، لعوقبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل أمة محمد ﷺ، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل أن ينزل عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، عليه السلام، إذا غَنِمُوا شيئاً جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام عليهم، لا يحل لأحد منهم شيء منه.
وقيل المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم إياها عذاب عظيم.
وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير.
وقال ابن زيد: سبق في علمه العفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ولولا ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم.
وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يُعذَّبَ أحد بفعل أتاه جهلاً، لمسكم فيما جهلتم فيه، من أخذكم الغنائم عذاب عظيم.
ورُوي عن النبي ﷺ، أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعب، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت جوامع الكَلِمَ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأُعْطِيتَ الشفاعة، خمس لم يؤتهنَّ نبي كان قبلي
وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي، لعذبتكم بأخذكم للغنائم.
واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم.
وقيل المعنى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ﴾، فآمنتم به، وهو القرآن فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والعفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم.
قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدراً إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قوم نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله.
ثم أحلَّ لهم ذلك فقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم تؤمروا به.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾.
أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: ساتر عليها، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
قال الطبري: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، يراد به التأخير بعد ﴿رَّحِيمٌ﴾.
الأنفال 8:69
قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
المعنى: ما كان لنبيٍ أن يَحْبَسٍ كافراً قَدَر عليه للفدية والمن.
و "الأسْر": الحبْس.
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
أي: حتى يبالغ في قتل المشركين وقهرهم.
وهذا تعريف من الله عز وجل لنبيه عليه السلام، أن قتل من فادى به يوم بدر، كان أولى من المفاداة وإطلاقهم.
* *
وقوله: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا﴾.
هذا للمؤمنين الذين رَغِبُوا في أخذ المال في الفداء.
﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ﴾، أي: يريد لكم زينة الآخرة وخيرها.
قال ابن عباس: كان هذا يوم بدر، والمسلمين قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل، في الأسرى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: ٤]، فجعل الله المؤمنين بالخيار في أسَارَاهُم.
وقال مجاهد: "الإثْخان": القتل.
وقال ابن مسعود: لما كان يوم بدر وجيء بالأسَارى، قال رسول الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر، رضي الله عنه: يا رسول الله، قومك وأهلك، فأستبقهم، لعل الله أن يتوب عليهم.
وروي عنه أنه قال: يا رسول الله، بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام.
وقال عمر رضي الله عنه، كذبوك وأخرجوك، فاضرب أعناقهم.
ورُوي عنه أنه قال: لا والله الذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي قال أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فإنّ هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضْرمه عليهم. فقال له العباس: قطعتك رحمك. فسكت رسول الله ﷺ فقال ناس: نأخذ برأي أبي بكر. وقال ناس: نأخذ برأي عمر.
وقال ناس: نأخذ برأي عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليُليّنُ قلوب رجال [حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة]، وإن مثلك يا أبا بكر، مثل إبراهيم عليه السلام، قال: ﴿فَمَن تَبِعَنِي [فَإِنَّهُ] مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [نوح: ٢٦]، ومثلك يا عبد الله كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]، ثم قال رسول الله ﷺ: "أنتم اليوم عالة، فلا يقتلنّ أحد منكم إلا بفداءٍ أو ضربة عُنُق".
قال قتادة: فَادَوْهُم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وكان النبي ﷺ لم يثخن في الأرض، وكان أول قتاله المشركين.
قال مالك: الإمام مخير في الرجال، إن شاء قتل، وإن شاء فادى بهم أسارى المسلمين، قال: وأمثل ذلك عندنا أن يقتل من خيف منه.
وقال جماعة من العلماء: الإمام مُخيَّر، إن شاء قتل، وإن شاء أسر، وإن شاء فادى، وهو قول الشافعي وغيره).
من قتل أسيراً قبل أن يوصله إلى الإمام فلا شيء عليه، وقد أساء، فإن قتل صبياً أو امرأة عوقب وغرم الثمن، هذا قول الشافعي وغيره.
وقال الأوزاعي والثوري: لا يقتل الأسير حتى يبلغ الإمام، إلا أن يخافه، فإن قتله بعدما وصل به إلى الإمام غرم ثمنه، وإن قتله قبل أن يصل عوقب ولا غرم عليه.
* *
قوله: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
هذا خطاب لأهل بدر في أخذهم الغنائم والفداء.
وروي أن هذه الآية لما نزلت قال النبي ﷺ: "لو نزل عذاب ما سلم منه إلا عمر، ولو بعث بعدي نبي لبعث عمر، رضي الله عنه
وذلك أن عمر رضي الله عنه أشار على النبي ﷺ، بقتل الأسارى، وألا تؤخذ منهم الفدية، وقال للنبي ﷺ: كذّبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم. وخالفه أبو بكر رضي الله عنه، وغيره في ذلك.
والمعنى: لولا أنّ الله قد سبق قضاؤه في اللوح المحفوظ، أنه يحل لكم ذلك، لعوقبتم بما فعلتم؛ لأنه تعالى لم يكن يحل ذلك لأحد من الأمم قبل أمة محمد ﷺ، ولكنهم أخذوا الغنائم وقبلوا الفداء، قبل أن ينزل عليهم ما قد سبق منه، تعالى، أن يحله لهم، وكانت الأمم قبل محمد، عليه السلام، إذا غَنِمُوا شيئاً جعلوه للقربان فتأكله النار، فهو حرام عليهم، لا يحل لأحد منهم شيء منه.
وقيل المعنى: لولا أن سبق في علمي أني سأحل لكم الغنائم، لمسكم في أخذكم إياها عذاب عظيم.
وقيل المعنى: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر، أن لا يعذبهم لمسهم في أخذهم الغنائم عذاب عظيم، قال ذلك: الحسن، وقتادة وابن جبير.
وقال ابن زيد: سبق في علمه العفو عنهم، والمغفرة لهم، يعني: أهل بدر، ولولا ذلك، لمسهم إذ أخذوا الغنائم التي لم تحل لأحد قبلهم عذاب عظيم.
وقال مجاهد: لولا أنه سبق في علمه أن لا يُعذَّبَ أحد بفعل أتاه جهلاً، لمسكم فيما جهلتم فيه، من أخذكم الغنائم عذاب عظيم.
ورُوي عن النبي ﷺ، أنه قال: "نُصِرْتُ بالرُّعب، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت جوامع الكَلِمَ، وأُحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي كان قبلي، وأُعْطِيتَ الشفاعة، خمس لم يؤتهنَّ نبي كان قبلي
وقيل المعنى: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي، لعذبتكم بأخذكم للغنائم.
واختار النحاس، وغيره، أن يكون المعنى: لولا أنه سبق من الله تعالى، أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، لعذبكم بأخذكم الغنائم.
وقيل المعنى: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ﴾، فآمنتم به، وهو القرآن فاستوجبتم بإيمانكم الصفح والعفو، لعذبتم على أخذكم الغنائم.
قال ابن زيد: لم يكن أحد ممن حضر بدراً إلا أحب أخذ الغنائم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإنه جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال: يا رسول الله، ما لنا وللغنائم، نحن قوم نجاهد في سبيل الله حتى يعبد الله.
ثم أحلَّ لهم ذلك فقال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: خافوه فيما حرم عليكم، وما نهاكم عنه، وفي أن تركبوا بعد هذا فعل ما لم تؤمروا به.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾.
أي: لذنوب أهل الإيمان، أي: ساتر عليها، ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
قال الطبري: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، يراد به التأخير بعد ﴿رَّحِيمٌ﴾.
الأنفال 8:70
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
* *
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿فِيۤ أَيْدِيكُمْ﴾، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى.
وقيل المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى.
وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته.
والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء: ﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾، أي: إسلاماً، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾، في الفداء، ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: يسترها عليكم، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، ﴿رَّحِيمٌ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة.
قال العباس بن عبد المطلب: فيَّ نزلت هذه الآية.
وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: فأعطاني الله أربعين عبداً، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله عز وجل، بها.
قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أُسروا يوم بدر، وهم سبعون.
وروى ابن وهب أن النبي ﷺ، لما قدم بالأسارى المدينة، قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي طالب. ونوفل بن الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفاً للعباس. قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي ﷺ: "الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أُوقِيَّةً من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالاً، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال النبي ﷺ: "ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك"، فقال له العباس: مالي مال غيره، فقال له النبي ﷺ: "يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عند أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أُصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم الفضل. ففدى العباس نفسه، وابنَيْ أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، الآية.
فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: مَنَّ علي بالإسلام، وغفر لي، ويعطيني خيراً مما أخذ مني. فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ورحمه.
قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عُمير بن وهب إلى صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عُمير: أجل، ما في العيش خير بعدهم، ولولا دَيْنٌ عليّ وعيالي، لرحلت إلى محمد فلنقتلنه إن ملأت عيني منه، فإن لهم عندي عِلّة أقول: قدمت لتفادوني في أسيرٍ لي، ففرح صفوان بقوله، وقال له: عليّ دَيْنُكَ، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لن يسعني شيء ويعجز عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فسُم وصقل. وقال عمير لصفوان: اكتمني ليالٍ. وأقبل عُمير حتى وصل المدينة، فنزل بباب المسجد، وعَقَلَ راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله ﷺ، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر من عُمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي حرَّش بيننا وحزرنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله [ﷺ]، وقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا رسول الله لا تأمنه! فقال ﷺ: أدخله عليّ فدخل، وأمر عمر أصحابه أن يحْتَرزوا منه، ويدخلوا بالسلام على النبي ﷺ: فقال النبي عليه السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عُمير من النبي عليه السلام قال: أنْعِمُوا صباحاً، قال النبي ﷺ: قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عُمير؟ قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل. فقال له النبي ﷺ: [وما شَرَطْتَ لصفوان بن أمية في الحِجْرِ؟ ففزع عُمير، وقال]: وما شرطت له؟ قال: تحمّلت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دَيْنَكَ، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر السماء، وأنّ هذا الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحِجْرِ كما قلت يا رسول الله، لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله عز وجل، به فآمنتُ بالله ورسوله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون حين هَدَاه الله، فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إليّ منه حين أتى، ولَهُوَ اليوم أحب إلي من بعض بني. فقال له النبي عليه السلام: "اجلس نواسك. وقال [لأصحابه]: عَلِّمُوا أخاكم القرآن. وأطلق له أسيره، فقال له عُمير: يا رسول الله، قد كنت جاهداً ما استطعت في إطفاء نور الله سبحانه، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأْذن لي ألحق بقريش فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويَسْتَنْقِذَهُم من الهلكة، فأذن له النبي عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان [بها] من حدث؟ وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عُمير، حتى قدم عليه رجل من المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ عُمير. وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبداً، ولا أكلمه بكلمة أبداً، وقدم عليهم عُمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير.
ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمسَّ رأسه ذُهْنٌ، ولا يقرب أهله حتى يغزو محمداً ﷺ فغزاه إلى أُحد، فكانت وقعة أُحد بعد بدر بسنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾.
يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، ﴿فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل وقعة بدر، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، يعني ببدر.
قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سَرْح كان يكتب الوحي للنبي ﷺ، ثم نافق، وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب إلا ما شِئْتُ فَنَذَر رجل من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمّن النبي ﷺ، الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح [ومِقْيَس بن صُبَابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي عليه السلام، كل صباح. فجاءه عثمان بابن أبي سَرْح، وكان رضيع عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل تائباً نادماً، فأعرض عنه النبي ﷺ، فلما سمع به الأنصاري، أقبل متقلداً سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه السلام، رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله ﷺ، قدم يده فبايعه، فقال: "أما والله لقد تَلُومَنَّكَ فيه لتوفي نذرك"، فقال: يا نبي الله، إني هبتك، فلولا أَوْمَضَتَ إليّ فقال له النبي ﷺ: "إنه لا ينبغي لنبيٍ أن يُومِضَ".
* *
ومعنى ﴿خَانُواْ ٱللَّهَ﴾: خانوا أولياءه.
الأنفال 8:71
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ﴾، إلى قوله: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
* *
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ﴾، ثم قال: ﴿فِيۤ أَيْدِيكُمْ﴾، إنما ذلك؛ لأن المعنى: قل لمن في يديك، ويدي أصحابك من الأسرى.
وقيل المعنى: يا أيها النبي قل لأصحابك: قولوا لمن في أيديكم من الأسرى.
وقيل: المخاطبة له مخاطبة لأمته.
والمعنى: يا محمد، قل لمن في يديك ويدي أصحابك من الأسرى الذين أخذ منهم الفداء: ﴿إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾، أي: إسلاماً، ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ﴾، في الفداء، ويغفر لكم ذنوبكم التي سلفت منكم، وقتالكم نبيكم، أي: يسترها عليكم، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ﴾، أي: ساتر لذنوب عباده إذا تابوا، ﴿رَّحِيمٌ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة.
قال العباس بن عبد المطلب: فيَّ نزلت هذه الآية.
وكان العباس فدى نفسه يوم بدر بأربعين أوقية من الذهب، قال العباس: فأعطاني الله أربعين عبداً، كلهم تاجر، وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله عز وجل، بها.
قال الضحاك: نزلت في العباس وأصحابه أُسروا يوم بدر، وهم سبعون.
وروى ابن وهب أن النبي ﷺ، لما قدم بالأسارى المدينة، قال لعمه العباس: افد نفسك يا عم، وافد ابني أخويك، يعني: عقيل بن أبي طالب. ونوفل بن الحارث، وافد حليفك، يعني: عتبة بن عمرو من بني فهر، كان حليفاً للعباس. قال له العباس: يا رسول الله إني كنت مسلماً ولكن القوم استكرهوني، فقال له النبي ﷺ: "الله أعلم بإسلامك، أما ظاهرك فقد كان علينا". وكان النبي عليه السلام، قد وجد مع العباس أربعين أُوقِيَّةً من ذهب، كل أوقية أربعون مثقالاً، فقال العباس: احسبها لي يا رسول الله في فدائي، فقال النبي ﷺ: "ذلك مال أفاءه الله علينا، ولست أحسبه لك"، فقال له العباس: مالي مال غيره، فقال له النبي ﷺ: "يا عم، أنت سيد قريش وتكذب! فأين المال الذي دفنته بمكة عند أم الفضل بنت الحارث، ثم قلت لها: ما أدري ما يكون، فإن أُصبت في سفري فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، فقال العباس: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والله ما حضر ذلك أحد إلا الله وأم الفضل. ففدى العباس نفسه، وابنَيْ أخويه، وحليفه، ففي ذلك نزل: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيۤ أَيْدِيكُمْ مِّنَ ٱلأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، الآية.
فلما سمعها العباس، قال: قد أنصفني ربي: مَنَّ علي بالإسلام، وغفر لي، ويعطيني خيراً مما أخذ مني. فأعطاه الله عز وجل، يوم خيبر أكثر مما أخذ منه في الفداء، وغفر له، ورحمه.
قال ابن وهب: لما رجع المشركون من بدر إلى مكة، جلس عُمير بن وهب إلى صفوان بن أمية، فقال له صفوان: قبح العيش بعد قتلى بدر! فقال عُمير: أجل، ما في العيش خير بعدهم، ولولا دَيْنٌ عليّ وعيالي، لرحلت إلى محمد فلنقتلنه إن ملأت عيني منه، فإن لهم عندي عِلّة أقول: قدمت لتفادوني في أسيرٍ لي، ففرح صفوان بقوله، وقال له: عليّ دَيْنُكَ، وعيالك أسوة عيالي في النفقة، لن يسعني شيء ويعجز عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فسُم وصقل. وقال عمير لصفوان: اكتمني ليالٍ. وأقبل عُمير حتى وصل المدينة، فنزل بباب المسجد، وعَقَلَ راحلته وأخذ السيف، وعمد إلى رسول الله ﷺ، فنظر إليه عمر وهو في نفر من الأنصار، ففزع عمر من عُمير، وقال لأصحابه: هذا عدو الله الذي حرَّش بيننا وحزرنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله [ﷺ]، وقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد، ومعه السلاح، وهو الفاجر الغادر، يا رسول الله لا تأمنه! فقال ﷺ: أدخله عليّ فدخل، وأمر عمر أصحابه أن يحْتَرزوا منه، ويدخلوا بالسلام على النبي ﷺ: فقال النبي عليه السلام: يا عمر، تأخر عنه، فلما دنا عُمير من النبي عليه السلام قال: أنْعِمُوا صباحاً، قال النبي ﷺ: قد أكرمنا الله عن تحيتك، وجعل تحيتنا السلام، وهي تحية أهل الجنة، فما أقدمك يا عُمير؟ قال: قدمت تفادوني في أسيري؛ فإنكم العشيرة والأهل. فقال له النبي ﷺ: [وما شَرَطْتَ لصفوان بن أمية في الحِجْرِ؟ ففزع عُمير، وقال]: وما شرطت له؟ قال: تحمّلت له قتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دَيْنَكَ، والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من خبر السماء، وأنّ هذا الحديث الذي كان بيني وبين صفوان في الحِجْرِ كما قلت يا رسول الله، لم يطلع عليه أحد غيري وغيره، ثم أخبرك الله عز وجل، به فآمنتُ بالله ورسوله، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، ففرح المسلمون حين هَدَاه الله، فقال عمر: والله لخنزير كان أحب إليّ منه حين أتى، ولَهُوَ اليوم أحب إلي من بعض بني. فقال له النبي عليه السلام: "اجلس نواسك. وقال [لأصحابه]: عَلِّمُوا أخاكم القرآن. وأطلق له أسيره، فقال له عُمير: يا رسول الله، قد كنت جاهداً ما استطعت في إطفاء نور الله سبحانه، فالحمد لله الذي ساقني هذا المساق، فأْذن لي ألحق بقريش فأدعوهم إلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويَسْتَنْقِذَهُم من الهلكة، فأذن له النبي عليه السلام، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر، وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان [بها] من حدث؟ وكان يرجو قتل النبي، عليه السلام، على يد عُمير، حتى قدم عليه رجل من المدينة، فسأله صفوان عن عمير، فقال: قد أسلم، فقال المشركون: صبأ عُمير. وقال صفوان: إن لله علي ألا أنفعه بنافعه أبداً، ولا أكلمه بكلمة أبداً، وقدم عليهم عُمير، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم، فأسلم بشر كثير.
ونذر أبو سفيان بن حرب بعد وقعة بدر أن لا يمسَّ رأسه ذُهْنٌ، ولا يقرب أهله حتى يغزو محمداً ﷺ فغزاه إلى أُحد، فكانت وقعة أُحد بعد بدر بسنة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ﴾.
يعني الأسارى الذين افتدوا وأسلموا في ظاهر أمرهم، ﴿فَقَدْ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل وقعة بدر، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، يعني ببدر.
قال قتادة: هو عبد الله بن أبي سَرْح كان يكتب الوحي للنبي ﷺ، ثم نافق، وسار إلى المشركين بمكة وقال لهم: ما كان محمد يكتب إلا ما شِئْتُ فَنَذَر رجل من الأنصار لئن أمكنه الله به ليضربنه بالسيف. فلما كان يوم الفتح أمّن النبي ﷺ، الناس إلا عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح [ومِقْيَس بن صُبَابة]، وابن خطل، وامرأة كانت تدعو على النبي عليه السلام، كل صباح. فجاءه عثمان بابن أبي سَرْح، وكان رضيع عبد الله، فقال: يا نبي الله، هذا فلان أقبل تائباً نادماً، فأعرض عنه النبي ﷺ، فلما سمع به الأنصاري، أقبل متقلداً سيفه، فأطاف به، وجعل ينظر إلى النبي عليه السلام، رجاء أن يومئ إليه. ثم إن رسول الله ﷺ، قدم يده فبايعه، فقال: "أما والله لقد تَلُومَنَّكَ فيه لتوفي نذرك"، فقال: يا نبي الله، إني هبتك، فلولا أَوْمَضَتَ إليّ فقال له النبي ﷺ: "إنه لا ينبغي لنبيٍ أن يُومِضَ".
* *
ومعنى ﴿خَانُواْ ٱللَّهَ﴾: خانوا أولياءه.
الأنفال 8:72
قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
من فتح "الواو" في: "الوَلاية" جعله مصدر "وَليَ" يقال: هو ولي بَيِّنُ الوَلاَيَةِ.
ومن كسر فهو مصدر "والي"، يقال: هو والٍ بيّن الوِلاَيةِ.
ومعنى الآية: إن الذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وما جاء به، وهجروا قومهم وعشيرتهم وأرضهم إلى أرض الإسلام، والهجرة هجرتان: هجرة كانت إلى أرض الحبشة، وهجرة إلى المدينة، وهذا إنما كان في أول الإسلام، ثم انقطع ذلك الآن: لأن الدار كلها دار الإسلام، ﴿وَجَاهَدُواْ﴾، أي: أتعبوا أنفسهم في حرب أعداء الله، ﴿وَٱلَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ﴾، أي: آووا رسول [الله] ﷺ والمهاجرين معه ونصروهم، وهم الأنصار، ﴿أُوْلَـٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، أي: المهاجرون أولياء الأنصار وإخوانهم.
و "الوليُّ" في اللغة: النصير. فاختيار الطبري أن يكون: ﴿أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ بمعنى أنصار بعض.
قال ابن عباس: كانت هذه الولاية في الميراث، فكان المهاجرون والأنصار يرث بعضهم بعضاً بالهجرة دون القرابة، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ﴾، فكانوا يتوارثون على ذلك حتى نزلت بعده: ﴿وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، فنسخت مواريث المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض.
وكذلك قال مجاهد.
قال قتادة: لبث المسلمون زماناً يتوارثون بالهجرة، وليس يرث المؤمن الذي لم يهاجر من المؤمن المهاجر شيئاً، وإن كان ذا رحم، ولا الأعرابي من المهاجر شيئاً، فنسخ ذلك قوله: ﴿وَأُوْلُو ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوۤاْ إِلَىٰ أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٦]، يعني: من أهل الشرك، يوصون لهم إن أرادوا، ولا يتوارث أهل مِلَّتَيْن.
وقال عكرمة والحسن: نسخها آخر السورة: ﴿وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥].
* *
وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾.
أي: الذين آمنوا بمكة، ولم يفارقوا دار الكفر، ﴿مَا لَكُمْ﴾.
أيها المهاجرون، ﴿مِّن وَلاَيَتِهِم﴾، أي: نصرهم وميراثهم، ﴿مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ﴾، هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا، ﴿فِي ٱلدِّينِ﴾، أي: على أهل الكفر، ﴿فَعَلَيْكُمُ﴾ نصرهم ﴿إِلاَّ﴾ أن يستنصروكم ﴿عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، أي عهد وذمة، فلا تنصروهم عليهم، ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: [بصير] فيما أمركم به من ولاية بعضكم بعضاً.
وقال ابن عباس: ﴿وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾، يعني: الأعراب المسلمين، فعليكم أن تنصروهم، ﴿إِلاَّ عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾، فلا تنصروهم عليهم.
الأنفال 8:73
قوله: ﴿وَٱلَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، الآية.
المعنى: والذين كفروا بعضهم أحق ببعض الميراث، [أي:] أحق من قرابتهم من المؤمنين.
وقيل معناه: بعضهم أعوان بعض.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ وَفَسَادٌ﴾.
أي: إن تفعلوا موارثة المهاجرين والأنصار بعضهم من بعض، دون ذوي الأرحام من المهاجرين الذين آمنوا ولم يهاجروا، ودون قراباتهم من المؤمنين والكفار: ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ﴾، أي: يحدث بلاء في الأرض بسبب ذلك، ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾، أي: معاص.
قال ابن عباس: إلا تأخذوا في الميراث بما أمرتكم ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
قال ابن زيد: كان المؤمن المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان، وإن كانا أخوين، فلما كان الفتح انقطعت الهجرة، وتوارثوا حيث ما كانوا بالأرحام.
وقال ابن جريج: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾: إلا تناصروا وتتعاونوا ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
فـ "الهاء" في : ﴿تَفْعَلُوهُ﴾ تعود على التوارث، أو على التناصر.
الأنفال 8:74
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ﴾، الآية.
المعنى: والذين صدقوا بمحمد عليه السلام، وبما جاء به، ﴿وَهَاجَرُواْ﴾، أي: هجروا أهلهم ودارهم، ومضوا إلى دار الإسلام ﴿وَجَٰهَدُواْ﴾، أي في سبيل الله، ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوۤاْ﴾، أي: آووا النبي ﷺ، ومن معه من المهاجرين، ونصروهم، وهم الأنصار، ﴿أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾، أي: ستر: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي: لهم في الجنة مطعم هنيّ كريم، لا يتغير في أجوافهم فيصير نجواً، ولكنه يصير رَشْحاً كرشح المِسْكِ.
الأنفال 8:75
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ [فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ]﴾، الآية.
المعنى: والذين آمنوا بمحمد ﷺ، وبما جاء به، من بعد ما أمرتكم بموالاة المهاجرين والأنصار وتوارثهم، وهاجروا إليكم وجاهدوا معكم ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ﴾، يعني الذين آمنوا من بعد الحديبية، ﴿وَهَاجَرُواْ﴾، ويقال لها: الهجرة الثانية، ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ مِنكُمْ﴾، أي: مثلكم في النصر والموالاة والمواريث.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأْوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾.
هذا نسخ لما تقدم من التوارث بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة.
قال اسماعيل القاضي: عنى بذوي الأرحام من يرث منهم، هم أولى ممن لا يرث من ذوي الأرحام، ومن غيرهم ممن لا نسب بينه وبين الميّت، فأما الولاء فهو قائم بنفسه في الميراث كما جعله النبي ﷺ.
* *
ومعنى ﴿فِي كِتَابِ ٱللَّهِ﴾، في اللوح المحفوظ، هو كذلك قد سبق في علمه تعالى أنه كذلك بأمرنا.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
أي: يعلم ما ينقلكم إليه قبل أن ينقلكم، لا إله إلا هو.