Tafsir Makhi — التوبة 9:1 – التوبة 9:129
المحتويات
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:3
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:8
- التوبة 9:9
- التوبة 9:10
- التوبة 9:11
- التوبة 9:12
- التوبة 9:13
- التوبة 9:14
- التوبة 9:15
- التوبة 9:16
- التوبة 9:17
- التوبة 9:18
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:21
- التوبة 9:22
- التوبة 9:23
- التوبة 9:24
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:27
- التوبة 9:28
- التوبة 9:29
- التوبة 9:30
- التوبة 9:31
- التوبة 9:32
- التوبة 9:33
- التوبة 9:34
- التوبة 9:35
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:51
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:68
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:71
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:88
- التوبة 9:89
- التوبة 9:90
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:94
- التوبة 9:95
- التوبة 9:96
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:102
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:105
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:108
- التوبة 9:109
- التوبة 9:110
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:113
- التوبة 9:114
- التوبة 9:115
- التوبة 9:116
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:120
- التوبة 9:121
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- التوبة 9:124
- التوبة 9:125
- التوبة 9:126
- التوبة 9:127
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
التوبة 9:1
قوله: ﴿بَرَآءَ﴾، مبتدأ والخبر: ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ﴾، وحَسُنَ الابتداء بِنَكِرَةٍ، لأنها موصوفة.
ويجوز أن تكون رفعت على إضمار مبتدأ، أي: هذه براءة.
يقال: بَرِئْتُ من العهد براءةً، وبَرِئْتُ من المرض وبَرَأْتُ [أيضاً] بُرْءاً، وَبَرَيْتُ القلم بَرْياً، غير مهموز مفتوح وأَبْرَيْتُ الناقة: جعلت في أنفها بُرَةً وهي حلقة من حديد.
وسورة "براءة" من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قلّ المنسوخ فيها.
ويدل على ذلك أن ابن عباس قال لعثمان، رضي الله عنهما: ما حملكم على أن عمدتم إلى "الأنفال" وهي من المثاني، وإلى "براءة" وهي من المئين ففرقتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما: "بسم الله الرحمن الرحيم" ووضعتموهما في السبع الطُّوَل؟ فقال: كان رسول الله ﷺ، تنزل عليه السور ذوات العدد، فإذا نزلت عليه الآية قال: "اجعلوها في سورة كذا وكذا"، وكانت "الأنفال" من أول ما نزل بالمدينة، وكانت "براءة" من آخر ما نزل، وكانت قصتها تشبه قصتها، ولم يبين لنا رسول الله ﷺ، في ذلك شيئاً، فلذلك فرق بينهما ولم يكتب بينهما سطر "بسم الله الرحمن الرحيم".
ورُوي أن عثمان قال: ظننت أنها منها. وكانت تُدْعَيَانِ في زمن رسول الله ﷺ: القرينتَين، فلذلك جعلتهما في السبع الطُّوَلِ.
ففي قول عثمان هذا: دليل على أن تأليف القرآن عن الله، عز وجل، وعن رسول الله ﷺ، كان، ويدل على أن ترتيب السور على ما في المصحف إنما كان على اجتهاد من عثمان وأصحابه، ألا ترى إلى قول ابن عباس له: ما حملكم على كذا وكذا؟ يدل على أنهم هم رتبوا السور، وأن تأليف السور إلى تمام كل سورة كان على تعليم النبي عليه السلام إياهم ذلك.
وقد صح أن أبيَّ [بن] كعب، وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، وأبا زيد عم أنس، كانوا قد جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ.
قال الشعبي: وأبو الدرداء حفظ القرآن على عهد النبي ﷺ، ومُجَمَّع ببن جارية، بقيت [عليه] سورتان [أَ]وْ ثلاث. قال: ولم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء إلا عثمان.
وحفظ سالم مولى أبي حذيفة القرآن في عهد النبي عليه السلام إلا شيئاً بقي عليه.
فهذا يدل على أنه كان مؤلفاً؛ لأن هؤلاء لم يحفظوه إلا وهو مؤلَّف مرتَّبٌ عن النبي ﷺ، عن جبريل، صلوات الله عليه، جل ذكره.
وقال أبي بن كعب: آخر ما نزل "براءة" وكان رسول الله ﷺ يأمر في أول كل سورة بـ: "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولم يأمر في سورة "براءة" بشيء، فلذلك ضُمّت إلى سورة "الأنفال"، وكانت أولى بها لشبهها بها.
وقال رسول الله ﷺ: "أُعطيت السبع الطُّول مكان التوراة وأعطيت المِئِينَ مكان الزَّبور، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وفُضِّلْتُ بالمفصّل
فهذا الترتيب يدل على أن التأليف كان معروفاً عند رسول الله [ﷺ]، وبذلك أتى لفظه، عليه السلام.
ومعنى ما رُوِيَ: أن عثمان أمر زيد بن ثابت أن يجمع القرآن، وأنه ضم إليه جماعة، أنه إنما (أمر) بجمعه في المصحف ليرسل به إلى الأمصار، لا أنه كان غير مؤلف ثم ألفه، هذا ما لا يجوز، لأن تأليفه من المعجز، لا يكون إلا عن الله عز وجل.
وقد قيل: إنما أمر بجمعه على حرفٍ واحدٍ؛ لأنهم كانوا قد وقع بينهم الخلاف لاختلاف اللغات السبعة التي بها نزل القرآن، فأراد عثمان أن يختار حرفاً واحداً، هو أفصحها ليثبته في المصحف، وإنما خص عثمان زيد بن ثابت لجمعه دون غيره ممن هو أفضل منه؛ لأنه كان يكتب الوحي للنبي ﷺ.
واختلف في الحرف الذي كتب عليه المصحف فقيل: حرفُ زيد بن ثابت.
وقيل: حرفُ أُبَي بن كعب؛ لأن قراءته كانت على [آخر] عَرْضةٍ عرضها النبي على جبريل عليهما السلام.
وعلى الأول أكثر الرواة.
ومعنى: حرف زيد، أي: روايته وطريقته.
"فَلْيَقْرَأُه بقراءة ابن أُمِّ عبد"، يعني: ابن مسعود. فإنه إنما أراد به ترتيل ابن مسعود، وذلك أنه كان يرتل القرآن إذا قرأه، فخصه النبي عليه السلام، بهذا الوصف لترتيله لا غير ذلك.
قال الحسين بن علي الجعفي: فقراءة عبد الله هي قراءة الكوفيين؛ لأن عمر رضي الله عنه، بعث به إلى الكوفة ليعلمهم، فأخذت عنه قراءته قيل أن يجمع الناس عثمان على حرف واحد، ثم لم تزل في أصحابه ينقلها الناس عنهم.
وأصحابه منهم: علقمة، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وزِرُّ ابن حُبَيْش، وأبو وائل، وأبو عمرو الشيباني وعبيدة، وغيرهم.
فلما جمع عثمان الناس على حرف واحد، كان أول من قرأ به بالكوفة أبو عبد الرحمن السَّلّمِي: عبد الله بن حبيب، فأقرأ بجامع الكوفة أربعين سنة، إلى أن توفي، رحمه الله، في إمارة الحجاج. وقد أخذ القرآن عن عثمان، وعن علي، وعن ابن مسعود، وزيد، وأُبي. وكان قد قرأ على علي، وقرأ عليه علي، وهو يمسك المصحف. وأقرأ هو الحسن والحسين. فلما مات أبو عبد الرحمن خلفه عاصم. وكان عاصم أخذ عن أبي عبد الرحمن، وعرض على زِرٍ. وكان زر قد قرأ علي ابن مسعود.
ثم انتهت قراءة ابن مسعود إلى الأعمش. وقرأ حمزة على الأعمش بالكوفة، وقرأ أيضاً حمزة على ابن أبي ليلى، وعلى حُمران بن أعين، وقرأ حُمران على عُبَيد الله بن نُضَيْلة، وقرأ عبيد الله على علقمة.
وقرأ علقمة على ابن مسعود، وقرأ ابن مسعود على النبي ﷺ.
وقرأ أيضاً حمران على أبي الأسود وقرأ أبو الأسود على علي.
وقد قال المبرد: إنما لم تكتب "بسم الله الرحمن الرحيم" قبل "براءة"؛ لأن "بسم الله الرحمن الرحيم" خير، و "براءة" أولها وعيد[و] نقض للعهود.
وعن عاصم أنه قال: "بسم الله الرحمن الرحيم" لم تكتب أول "براءة"؛ لأنها رحمة، و "براءة" عذاب.
* *
قوله: ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾.
إنما ذلك، لأن عقد النبي على أمته كعقدهم لأنفسهم.
وهؤلاء الذين بَرِئَ الله عز وجل، ورسوله ﷺ، إليهم من العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، وأذن لهم في السياحة في الأرض أربعة أشهر، جنس من المشركين كان مدة العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ، أقل من أربعة أشهر، وأُمهلوا بالسياحة تمام أربعة أشهر (ليرتاد كل واحد). والجنس الآخر كما عهده إلى غير أجل محدود ، فَقُصِرَ به على أربعة أشهر ليرتاد كل واحد لنفسه، ثم هو حرب بعد ذلك، يقتل حيث وجد، إلا أن يُسلم.
فكان نزول "براءة" في بعض ما كان بين رسول الله ﷺ، وبين المشركين من العهود، و[في] كشف المنافقين الذين تخلفوا عن النبي ﷺ، في تبوك وغيرهم ممن سر خلاف ما أظهر.
وقيل: إنما أمهل أربعة أشهر، من كان بينه وبين رسول الله ﷺ، عهد، فأما من لم يكن له عهد، فإنما جعل أجله خمسين ليلة، عشرين من ذي الحجة والمحرم، ودلّ على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
قال ذلك ابن عباس.
وكان النداء بـ: "براءة" يوم النحر.
وقيل: يوم عرفة، وبه تتم خمسون ليلة.
ونزلت "براءة" أول شوال، ومن ذلك اليوم كان أجل أربعة أشهر لأهل العهد.
وقيل: أول شوال كان نزول "براءة" وذلك سنة تسع، ومن ذلك الوقت أول أربعة الأشهر للجميع. وهو قول الزهري.
فكان أجل من كان له عهد أربعة أشهر من ذلك الوقت، ومن لم يكن له عهد انسلاخ الأشهر الحرم، وذلك أربعة أشهر أيضاً.
وقال ابن عباس: إنما كان أول الآجال من يوم أُذِّنَ بـ: "براءة"، وذلك يوم النحر، فجعل لمن له عهداً أربعة أشهر من ذلك اليوم، وذلك إلى عشر من ربيع الآخر. ولمن لم يسم له عهد آخر الأشهر الحرم خمسين يوماً، ثم لا عهد لهم بعد ذلك ولا ذمة، يقتلون حتى يدخلوا في الإسلام.
وكان علي هو الذي نادى بـ: "براءة"، وكان أبو بكر أميراً عليهم، فلم يحج المشركون بعد ذلك [العام]، وكانوا يحجون مع المسلمين قبل ذلك.
قال قتادة: كان النبي ﷺ، عاهد قريشاً زمن الحديبية، وكان بقي من مدتهم أربعة أشهر بعد يوم النحر، فأمر الله عز وجل، نبيه عليه السلام، أن يُوفِّيَ بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخروا من لا عهد له انسلاخ المحرم، ثم يقاتلون حتى يشهدوا [أن] لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وألا يقبل منهم إلا ذلك.
وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر لعشر خلون من ربيع الآخر، وهذا كله كان في موسم سنة تسع.
وقال الكلبي: إنما أمر النبي ﷺ، بالأربعة الأشهر لمن كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون، فأما من كان عهده، أكثر من أربعة أشهر، فهو الذي أمر النبي ﷺ، أن يتم له عهده، فقال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤].
وذلك أن النبي ﷺ، فتح مكة سنة ثمان عَنْوةً، واستخلف على الحج سنة تسع أبا بكر. ونزلت "براءة" بعد خروج أبي بكر في شوال. وكانوا يحجون على رسومهم التي كانوا عليها، ولم يكن فرض الحج ولا أمر به، فأنفذ رسول الله ﷺ "براءة" مع علي رضي الله عنه، ليتلو الآيات على الناس وينادي بالناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عُريان فنادى بذلك علي، وأعانه على النداء أبو هريرة وغيره بمنىً وفي سائر أسواقهم.
فحج النبي ﷺ، في العام المقبل سنة عشر، ولم يحج معه مشرك، وهي حجة الوداع، وفي ذلك نزل: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فلما نزل ذلك وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عنهم من الأطعمة والتجارات التي كان المشركون يقدمون بها، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ﴾ [التوبة: ٢٨]، الآية، ثم أحل [في] الآية التي تتبعها الجزية، ولم تكن قبل ذلك ، جعلها الله عوضاً مما يفوتهم من تجارتهم مع المشركين. وهو اختيار الطبري [ومما يدل على صحة ما اختار الطبري] من أنه أمر الله عز وجل، نبيه عليه السلام، أن يتم لمن عهده [أربعة أشهر فما دون أربعة أشهر، ومن كان عهده أكثر أتم له عهده]، إلا أن يكون نقض عهده قبل انقضاء المدة، فأما الذين لم ينقضوا ولا تظاهروا عليه، فإن الله عز وجل، أمر نبيه، عليه السلام، بإتمام العهد لهم، وأمره أن يؤخر الذين نقضوا العهد أربعة أشهر، وإن كان عهدهم أكثر مدة. وهو قول الضحاك.
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ فَمَا ٱسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَٱسْتَقِيمُواْ [لَهُمْ]﴾ [التوبة: ٧].
فأمر الله عز وجل، نبيه [عليه السلام]، بالاستقامة لهم على عهدهم، ما استقاموا. وأمر الله عز وجل، أن يؤخر الذين نقضوا وظاهروا عليه أربعة أشهر.
وقد رُوي: أن علياً كان يقول في ندائه: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته.
التوبة 9:2
قوله: ﴿فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾، الآية.
المعنى: فسيحوا يا أيها الذين لهم عهد وقد نقضوا قبل إتيان الأجل. وأما من له عهد أربعة أشهر فما دون، فقيل لهم: سيحوا في الأرض أربعة أشهر من يوم النحر، أي: تصرفوا مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لكم بعدها إلاّ بالإسلام.
وأشهُرُ [السياحة] على قول مجاهد، وغيره: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر.
وعند الزهري: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وتسمى أيضاً أشهر السياحة، أي: سمح لهم فيها بالتصرف آمنين.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾.
أي: مُفيتيه أنفسكم، أين كنتم، وأين ذهبتم بعد الأربعة الأشهر وقبلها، لا منجي منه ولا ملجأ إلا الإيمان به، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
* *
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخْزِي ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: مذلهم ومورثهم العار في الدنيا والآخرة.
التوبة 9:3
قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ﴾، الآية.
و "الأذان" في اللغة: الإعلام.
و ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: يوم عرفة؛ لأن علياً يوم عرفة قرأ على الناس أربعين آية من "براءة" بعثه بها النبي ﷺ، ثم قرأها عليهم في مِنًى لتبلغ جميعهم، فمن ثم قال قوم: ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: يوم النحر. وهو قول مالك.
ورُوِيَ أن النبي ﷺ، خطب يوم عرفة فقال: "أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر". [وهو قول عمر، وابن الزبير، وعطاء، وغيرهم.
وروي عن علي أنه قال: ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾]: يوم النحر. وهو قول مالك، واختلف عن ابن عباس. وهو قول ابن عمر، والسدي، والشعبي، وغيرهم.
وقال مجاهد ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾ معناه: حين الحج، وهو أيام الحج كلها، لا يوم بعينه.
وقال ابن جريج: ﴿ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: أيام منى كلها.
واختار الطبري: أن يكون يوم النحر؛ لأن في ليلته يتم الحج، وليس من فاته يوم عرفة أو ليلته يفوته الحج، ومن فاته ليلة يوم النحر إلى الفجر فقد فاته الحج. وحق الإضافة أن تكون إلى المعنى الذي يكون في الشيء، فلما كان الحج في ليلة يوم النحر أضيف اسم الحج إلى يوم النحر. ولما كان [من] لم تغب له الشمس يوم عرفة لم يحج، وإن كان قد وقف بعرفة طول نهاره، علم بأنه ليس بيوم الحج إذ لا يتم الحج به ألا ترى أنهم يقولون: يوم النحر من أجل أن [النحر فيه، ويقولون: يوم عرفة من أجل أن] الوقوف بعرفة فيه يكون، و: يوم الفطر من أجل أن الإفطار بعد الصوم فيه يكون، فكذلك يوم الحج يقال لليوم الذي فيه، أو في ليله يتم الحج ويحصل، وفي يومه تعمل أعمال الحج، من النحر، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق، وغير ذلك.
وسمي: ﴿ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: لأنه كان في سنة اجتمع فيها المسلمون والمشركون.
وقيل: سمي بذلك؛ (لأنه) من النحر والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحِلاق وغير ذلك.
وسمي بذلك؛ لأنه كان يوم حج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيد اليهود والنصارى.
وقال مجاهد ﴿ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: القِرانُ في الحج، والأصغر: الإفرادُ.
وأكثر الناس على أن الأكبر: الحجُّ، والأصغر: العُمْرة.
وقال الشعبي الحج الأصغر: العمرة في رمضان.
وقد ثبت أن النبي ﷺ، بعث علياً بأول سورة "براءة"، إثر أبي بكر عام حجَّ بالناس أبو بكر، وذلك سنة تسع، فنادى علي بـ: "براءة" في الموسم.
وقيل: يوم النحر نادى بها.
وقيل: يوم عرفة.
وقيل: فيهما جميعاً.
ثم حج النبي ﷺ، في سنة عشر.
* *
ومعنى ﴿بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، أي: من عهدهم بعد هذه الحَجَّةِ.
* *
﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: تبتم عن كفركم ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾، أدبرتم عن الإيمان، ﴿فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾، أي: لا تفيئون الله أنفسكم، ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: مؤلم، أي: أعلمهم، يا محمد، بذلك.
﴿بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، وقف، إن جعلت ﴿وَرَسُولُهُ﴾: ابتداء أضمر خبره، أي: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ منهم.
وإن جعلته معطوفاً وقفت ﴿وَرَسُولِهِ﴾، وكذلك من نصب، وهي قراءة ابن أبي إسحاق.
﴿غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾، وقف حسن.
﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ليس بوقف حسن؛ لأن بعده الاستثناء.
ومن العلماء من يقول: ألاّ وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما قبل.
قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل [الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
* *
ومعنى ﴿إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾: إن كانت أكثر من أربعة أشهر.
التوبة 9:4
قوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ﴾، الآية.
و "الأذان" في اللغة: الإعلام.
و ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: يوم عرفة؛ لأن علياً يوم عرفة قرأ على الناس أربعين آية من "براءة" بعثه بها النبي ﷺ، ثم قرأها عليهم في مِنًى لتبلغ جميعهم، فمن ثم قال قوم: ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: يوم النحر. وهو قول مالك.
ورُوِيَ أن النبي ﷺ، خطب يوم عرفة فقال: "أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر". [وهو قول عمر، وابن الزبير، وعطاء، وغيرهم.
وروي عن علي أنه قال: ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾]: يوم النحر. وهو قول مالك، واختلف عن ابن عباس. وهو قول ابن عمر، والسدي، والشعبي، وغيرهم.
وقال مجاهد ﴿يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾ معناه: حين الحج، وهو أيام الحج كلها، لا يوم بعينه.
وقال ابن جريج: ﴿ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: أيام منى كلها.
واختار الطبري: أن يكون يوم النحر؛ لأن في ليلته يتم الحج، وليس من فاته يوم عرفة أو ليلته يفوته الحج، ومن فاته ليلة يوم النحر إلى الفجر فقد فاته الحج. وحق الإضافة أن تكون إلى المعنى الذي يكون في الشيء، فلما كان الحج في ليلة يوم النحر أضيف اسم الحج إلى يوم النحر. ولما كان [من] لم تغب له الشمس يوم عرفة لم يحج، وإن كان قد وقف بعرفة طول نهاره، علم بأنه ليس بيوم الحج إذ لا يتم الحج به ألا ترى أنهم يقولون: يوم النحر من أجل أن [النحر فيه، ويقولون: يوم عرفة من أجل أن] الوقوف بعرفة فيه يكون، و: يوم الفطر من أجل أن الإفطار بعد الصوم فيه يكون، فكذلك يوم الحج يقال لليوم الذي فيه، أو في ليله يتم الحج ويحصل، وفي يومه تعمل أعمال الحج، من النحر، والوقوف بمزدلفة، ورمي الجمار، والحلق، وغير ذلك.
وسمي: ﴿ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: لأنه كان في سنة اجتمع فيها المسلمون والمشركون.
وقيل: سمي بذلك؛ (لأنه) من النحر والوقوف بمزدلفة ورمي الجمار والحِلاق وغير ذلك.
وسمي بذلك؛ لأنه كان يوم حج اجتمع فيه المسلمون والمشركون، ووافق عيد اليهود والنصارى.
وقال مجاهد ﴿ٱلْحَجِّ ٱلأَكْبَرِ﴾: القِرانُ في الحج، والأصغر: الإفرادُ.
وأكثر الناس على أن الأكبر: الحجُّ، والأصغر: العُمْرة.
وقال الشعبي الحج الأصغر: العمرة في رمضان.
وقد ثبت أن النبي ﷺ، بعث علياً بأول سورة "براءة"، إثر أبي بكر عام حجَّ بالناس أبو بكر، وذلك سنة تسع، فنادى علي بـ: "براءة" في الموسم.
وقيل: يوم النحر نادى بها.
وقيل: يوم عرفة.
وقيل: فيهما جميعاً.
ثم حج النبي ﷺ، في سنة عشر.
* *
ومعنى ﴿بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، أي: من عهدهم بعد هذه الحَجَّةِ.
* *
﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: تبتم عن كفركم ﴿وَإِن تَوَلَّيْتُمْ﴾، أدبرتم عن الإيمان، ﴿فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾، أي: لا تفيئون الله أنفسكم، ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: مؤلم، أي: أعلمهم، يا محمد، بذلك.
﴿بَرِيۤءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، وقف، إن جعلت ﴿وَرَسُولُهُ﴾: ابتداء أضمر خبره، أي: وَرَسُولُهُ بَرِيءٌ منهم.
وإن جعلته معطوفاً وقفت ﴿وَرَسُولِهِ﴾، وكذلك من نصب، وهي قراءة ابن أبي إسحاق.
﴿غَيْرُ مُعْجِزِي ٱللَّهِ﴾، وقف حسن.
﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ليس بوقف حسن؛ لأن بعده الاستثناء.
ومن العلماء من يقول: ألاّ وقف من أول السورة يحسن؛ لأن الاستثناء مما قبل.
قال قتادة: هم مشركو قريش، الذين عاهدهم النبي عليه السلام، زمن الحديبية، أمر أن يتم لهم مدتهم، وكان قد بقي منها أربعة أشهر من يوم النحر، وأمر أن يصبر على من لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، ثم يقاتل [الجميع] حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
* *
ومعنى ﴿إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾: إن كانت أكثر من أربعة أشهر.
التوبة 9:5
قوله: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية.
* *
قوله: ﴿كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، منصوب عند الأخفش على حذف: "على".
وقد حكى سيبويه: ضُرب الظهر والبطن، أي: "على"، فنصب لما حذف "على".
ونصبه على الظرف حسن، كما تقول: "قَعَدْتُ لّهُ كُلَّ مَذْهَبٍ".
أي في كل مذهب.
والمعنى: فإذا انقضت الأشهر الحرم عن الذين لا عهد لهم، أو عن الذين كان لهم عهد، فنقضوا وظاهروا المشركين على المسلمين، أو كان عهدهم إلى غير أجل معلوم. ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، من الأرض، في الحرم، وفي غيره، وفي الأشهر الحرم وفي غيرها. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾، أي: أسروهم، والعرب تسمي "الأسير": أخِيذاً، ﴿وَٱحْصُرُوهُمْ﴾، أي: امنعوهم من التصرف في بلاد المسلمين، وأصل "الحصر": المنع (والحبس)، ﴿وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، أي: طالبوهم في كل طريق. ﴿فَإِن تَابُواْ﴾، أي: رجعوا عن الشرك، ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ﴾، أي: أدوها بحدودها، ﴿وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، أي: أعطوا ما يجب عليهم في أموالهم ، ﴿فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ أي: دعوهم يتصرفون [في أمصاركم]، ويدخلون البيت الحرام ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾، أي: ساتر ذنوب من رجع وأناب، ﴿رَّحِيمٌ﴾، أن يعاقبه على ذنوبه السابقة قبل توبته، [بعد التوبة].
روى أنس عن النبي ﷺ، أنه قال: "من فارق الدنيا على الإخلاص لله عز وجل، وعبادته، جلت عظمته، لا يشرك به فارقها والله عنه راض
و ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾، هنا: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وأريد في هذا الموضع انسلاخ المحرم وحده؛ لأن الأذان بـ: "براءة" كان يوم الحج الأكبر. فمعلوم أنهم لم يكونوا أُجِّلوا الأشهر [الحرم] كلها، ولكنه لما كان المحرم متصلاً بالشهرين الآخرين الحرامين وكان لهما تالياً قيل: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾.
وقال السدي: ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾ هنا هي: من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر.
وسميت "حُرُماً"؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين، وأذاهم.
وقال مجاهد: ﴿ٱلأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾، هنا هي: الأربعة التي قال الله عز وجل: ﴿فَسِيحُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢].
وهو قول السدي.
ومثله قال ابن زيد، قال: أمر الله سبحانه أن يتركوا أربعة أشهر يسيحون ثم يتبرأ منهم، ثم أمر إذا انسلخت تلك الأشهر الحرم أن يقتلوا حيث وجدوا.
وسماها "حُرُماً"؛ لأنه حرم قتل المشركين فيها.
وقال الضحاك، والسدي: الآية منسوخة لا يحل قتل أسير صبرا، والذي نسخها هو قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ [محمد: ٤]. وهو قول عطاء.
وقال قتادة: هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾، ولا يجوز أن يمنّ على أسير ولا يُفادى، وقد روي مثله عن مجاهد.
وقال ابن زيد: وهو الصواب إن شاء الله، [إن] الآيتين محكمتان.
أمر هنا: أن يؤخذوا إما للقتل، وإما للمنّ، وإما للفداء، وأمر ثَمَّ، إما المن، وإما الفداء، فهما محكمتان، وقد فعل هذا كله رسول الله ﷺ: قتل الأساري، وفادى ببعض، ومنَّ على بعض، وذلك يوم بدر.
التوبة 9:6
قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ﴾، الآية.
والمعنى: وإن استأمنكم، يا محمد، أحد من المشركين الذين أمرتك بقتالهم بعد انسلاخ الأشهر الأربعة، ليسمع كلام الله، سبحانه، منك، فأَمِّنْه حتى يسمعه، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، أي: إن أسمع ولم يتعظ، فرده إلى حيث يأمن منك ومن أصحابك، ويلحق بداره.
وإضافة الكلام إلى الله، جل ذكره، في هذا إضافة تخصيص من طريق القيام به، فهي إضافة صفة إلى موصوف، وليست بإضافة ملك إلى مالك، ولا بإضافة خلق إلى خالق، ولا بإضافة تشريف، بل هي إضافة على معنى: أن ذاته [غير] متعدية منه. فافهم.
* *
قوله: ﴿ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: يفعل ذلك بهم؛ لأنهم قوم جهلة لا يعلمون قدر ما دُعُوا إليه.
التوبة 9:7
قوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ﴾، الآية.
المعنى: أنّى يكون للمشركين عهد يوفى لهم به، فيتركون من أجله آمنين؟ إلا الذين أُعطوا العهد عند المسجد الحرام منهم ﴿فَٱسْتَقِيمُواْ لَهُمْ﴾، أيها المؤمنون على عهدهم، ما استقاموا لكم عليه.
قال الفراء: في ﴿كَيْفَ﴾، هنا معنى التعجب.
وهؤلاء القوم: بنو جذيمة بن الدُّئِل.
وقيل: هم قريش.
قال ابن زيد: فلم يستقيموا، فضرب لهم أجل أربعة أشهر، ثم أسلموا قبل تمام الأجل.
وقال قتادة: نقضوا ولم يستقيموا، أعانوا أحْلاَفَهُمْ من بني بكر، على حِلْفِ النبي ﷺ، خزاعة.
وقال [مجاهد]: هم قوم من خزاعة.
التوبة 9:8
قوله: ﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ﴾، الآية.
﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب، وكذلك ﴿كَيْفَ يَكُونُ﴾ [التوبة: ٧].
والمعنى: كيف يكون لهؤلاء المشركين عهد، وهم قد نقضوا العهد، ومنهم من لا عهد له، وهم: ﴿إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.
و ﴿كَيْفَ﴾ هذه، قد حذف الفعل بعدها لدلالة ما تقدم من الكلام عليه.
قال الأخفش المعنى: ﴿كَيْفَ﴾ لا تقتلونهم.
وقال أبو إسحاق، التقدير: كيف يكون لهم عهد، ﴿وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، وحذف هذا الفعل؛ لأنه قد تقدم ما يدل عليه، ومثله قول الشاعر:
؎ وخَبَّرتُماني أَنَّما المَوْتُ في القُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبةٌ وَقَلِيبُ
والمعنى: فكيف يكون الموت في القُرى، وهاتا هضبة وقليبُ، لا ينجو فيهما منه أحد؟
و "الإلُّ": القرابة و "الذِّمَّةُ": العهد. قاله ابن عباس.
وقال قتادة "الإلُّ": الله، و "الذِّمَّةِ": العهد.
وقال مجاهد "الإلُّ": الله، و "الذِّمَّةُ": العهد.
وقال ابن زيد: "الإلّ": العهد، و "الذمة": العهد، لكنهما كررا لما اختلف لفظهما.
وجمع "الإلّ" الذي هو القرابة: الآلٌ، بمنزلة "عدل وأعدل"، وفي الكثير: ألول ألالُ.
* *
وقوله: ﴿يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
أي: يعطونكم بألسنتهم خلاف ما يضمرون في نفوسهم.
* *
﴿وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: تأْبى أن تذعن بتصديق ما يبدوا بألسنتهم.
* *
﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
أي: خارجون عن أمر الله عز وجل، بنقضهم وكفرهم.
التوبة 9:9
قوله: ﴿ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْمُعْتَدُونَ﴾.
المعنى: إن الله عز وجل أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير.
وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ، بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب.
* *
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ساء عملهم.
* *
﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.
قد تقدم ذكره.
وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين.
* *
وقوله: ﴿ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾، يعني اليهود، باعوا حجج الله عز وجل، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة.
* *
﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ﴾.
أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم.
التوبة 9:10
قوله: ﴿ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْمُعْتَدُونَ﴾.
المعنى: إن الله عز وجل أخبر عن المشركين، أنهم باعوا آيات الله سبحانه وعهده، (جلت عظمته)، بثمن يسير.
وذلك أنهم نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ، بأكلة أطعمها لهم أبو سفيان بن حرب.
* *
﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
أي: فمنعوا الناس من الدخول في الإسلام.
* *
﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
أي: ساء عملهم.
* *
﴿لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً﴾.
قد تقدم ذكره.
وقال النحاس: هذا لليهود، والأول للمشركين.
* *
وقوله: ﴿ٱشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾، يعني اليهود، باعوا حجج الله عز وجل، وآياته، سبحانه بطلب الرئاسة.
* *
﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُعْتَدُونَ﴾.
أي: المتجاوزون إلى ما ليس لهم.
التوبة 9:11
قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، فهم إخوانكم في الدين، ﴿وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ﴾، أي: نبين لهم الحجج، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ذلك.
قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعُزّى، وشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، فهم إخوانكم في الدين.
قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً، فلم يفرق بينهما. وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
* *
وقوله: ﴿وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم﴾.
أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ما عاهدوكم.
* *
﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾.
أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه.
* *
﴿فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ﴾.
أي: رؤوس أهل الكفر.
* *
﴿إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
من قرأ بـ: "فتح الهمزة" فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع "يمينٍ".
ومن كسر احتمل معنيين:
أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا أسلم.
ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تُؤَمِّنُوهُمْ، ولكن اقتلوهم.
و ﴿أَئِمَّةَ﴾: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم الذين هَمُّوا بإخراجه.
وقال السدي: هم قريش.
وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
وأصل "النكثِ": النقض.
* *
﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
أي: ينتهون عن الشرك ونقض العهود.
التوبة 9:12
قوله: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
المعنى: فإن تاب هؤلاء المشركون الذين أمرتكم بقتلهم، ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، فهم إخوانكم في الدين، ﴿وَنُفَصِّلُ ٱلأيَـٰتِ﴾، أي: نبين لهم الحجج، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ذلك.
قال قتادة المعنى: فإن تركوا اللات والعُزّى، وشهدوا: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ﴿وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ﴾، فهم إخوانكم في الدين.
قال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً، فلم يفرق بينهما. وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
* *
وقوله: ﴿وَإِن نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُم﴾.
أي: وإن نكث هؤلاء المشركون عهودهم من بعد ما عاهدوكم.
* *
﴿وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ﴾.
أي: قدحوا فيه، وثلبوه وعابوه.
* *
﴿فَقَاتِلُوۤاْ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ﴾.
أي: رؤوس أهل الكفر.
* *
﴿إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾.
من قرأ بـ: "فتح الهمزة" فمعناه: لا عهود لهم، وهو جمع "يمينٍ".
ومن كسر احتمل معنيين:
أحدهما أن يكون معناه: لا إسلام لهم، فيكون مصدر: آمن الرجل يؤمن: إذا أسلم.
ويحتمل أن يكون مصدر: آمنته من الأمن، فيكون المعنى: لا تُؤَمِّنُوهُمْ، ولكن اقتلوهم.
و ﴿أَئِمَّةَ﴾: جمع إمام، وهو: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ونظراؤهم الذين هَمُّوا بإخراجه.
وقال السدي: هم قريش.
وقال حذيفة: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.
وأصل "النكثِ": النقض.
* *
﴿لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾.
أي: ينتهون عن الشرك ونقض العهود.
التوبة 9:13
قوله: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُوۤاْ أَيْمَانَهُمْ﴾، الآية.
﴿أَلاَ﴾: تحضيض وتحريض.
﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾، ألف تقرير وتوبيخ.
ومعنى الآية: أنها تحضيض، على قتال المشركين الذين نقضوا عهود النبي ﷺ، وطعنوا في الدين، وعاونوا أعداء المسلمين عليهم، ﴿وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ﴾ من مكة: ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: بدأوا بالقتال ببدر: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ أي: تخافونهم على أنفسكم: ﴿فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ﴾، أي: أن تخافوه في ترككم قتال عدوكم وعدوه، الذي هو [لا] يضر و[لا] ينفع.
قال السدي: هموا بإخراجه وأخرجوه.
﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقف عند الأخفش.
وعند أبي حاتم، الوقف: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾.
التوبة 9:14
قوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ﴾، الآية.
والمعنى: قاتلوا هؤلاء الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، فإنكم إن تقاتلوهم: ﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾، أي: يقتلهم بأيديكم، ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾، أي: يذلهم بالأسر: ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾، أي: يعطكم الظفر عليهم، ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: بقتلهم وأسرهم.
و "القوم المؤمنون" (هنا) هم: خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ، وذلك أن قريشاً نقضوا العهد بينهم وبين رسول الله ﷺ، بمعونتهم بكراً على خزاعة. قاله مجاهد، والسدي.
وذلك أن النبي ﷺ حين قاضى المشركين يوم الحديبية، أدخل بني كعب بن خزاعة معه في القضية، [وأدخل المشركون بني بكر بن كنانة معهم في القضية]، ثم إن المشركين أغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب، قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي ﷺ، لذلك فقال: "واله لأَنْتَصِرَنَّ لَهُمْ"، فنصره الله عليه يوم الفتح، وشفى صدور بني كعب.
التوبة 9:15
قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: غيظ قلوب خزاعة على هؤلاء: بني بكر بن كنانة الذين نقضوا عهد النبي عليه السلام، وأعانوا المشركين على خزاعة، وهم مؤمنون، حلفاء النبي [ﷺ].
* *
﴿وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾.
مستأنف فالابتداء به حسن، والمعنى: وسوف يتوب الله، وهو مثل: ﴿فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخْتِمْ عَلَىٰ قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤]، ثم قال: ﴿وَيَمْحُ﴾ [الشورى: ٢٤] فاستأنف.
وقرأ ابن أبي إسحاق، وعيسى، والأعرج:
"وَيَتُوبَ" بـ: "النصب".
على الصَّرْفِ.
فلا تقف على ما قبل: ﴿وَيَتُوبُ﴾ على هذه القراءة.
* *
قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾.
أي: عالم بسرائر عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في تصريفه عباده من حال كفر إلى حال إيمان، بتوفيقه، ومن حال إيمان إلى حال كفر، بخذلانه من خذل منهم عن طاعته.
التوبة 9:16
قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ﴾، الآية.
﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾: في موضع مفعولي "حسبت" عند سيبويه.
وقال المبرد: ﴿أَن تُتْرَكُواْ﴾: مفعول أول، والثاني مفعول محذوف.
و ﴿أَمْ﴾ هنا: استفهام، والمعنى: أحسبتم أيها المؤمنون كذا وكذا؟.
ومعنى الآية: أنها خطاب للمسلمين الذين أمرهم الله بقتال المشركين الذين نقضوا العهد، وأخرجوا الرسول، يقول تعالى: أحسبتم، أيها المؤمنون أن يترككم الله بغير محنة، وبغير اختبار، ليعلم الصادق منكم من الكاذب، علم مشاهدة. وقد كان علم ذلك، تعالى، قبل خلق العالم، ولكن المجازاة إنما تقع على المشاهدة، فيعلم المجاهدين الذين لم ﴿لَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾، أي: بِطَانَةً من المشركين، يفشون إليهم من سرهم.
قال الطبري: إنما دخلت ﴿أَمْ﴾ في موضع الألف هنا؛ لأنه من الاستفهام المعترض في وسط الكلام، فدخلت لتفرق بين الاستفهام الذي يبتدأ به، والاستفهام الذي يعترض.
في وسط الكلام.
ومثله: ﴿الۤـمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ [فِيهِ] مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ١-٢]، ثم قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ [السجدة: ٣]، بمعنى: أيقولون.
ومثله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٥١-٥٢]، أي: أنا خير.
وهذه ﴿أَمْ﴾ هي التي تسمى "المنقطعة، ولا يقدر الكلام معها بـ: "أيهم" ولا بـ: "أيهما".
* *
﴿وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أي: ذو خبر بعملكم إن اتخذتم بطانةً من المشركين تفشون إليهم سر المؤمنين.
ونظير هذه الآية: ﴿الۤـمۤ * أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١-٢]، أي: يختبرون، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣]، إلى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣].
التوبة 9:17
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْمُهْتَدِينَ﴾.
والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر الله، والمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها.
* *
﴿شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾.
فيه ثلاثة تأويلات.
أحدها: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، فكأنَّ ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم. قاله الحسن.
والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم. قاله الكلبي.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك.
* *
﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ لم تكن لله، عز وجل، وكانت للشياطين.
* *
﴿وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون أبداً، لا أحياءً ولا أمواتاً.
ومن قرأ: ﴿مَسَاجِدَ اللهِ﴾ بالتوحيد، عَنَى به: المسجد الحرام، ودليله قوله: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله: ﴿وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩].
ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ﴾ فجمع ولم يُخْتَلفْ فِيهِ.
والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام وحده، ولا يجوز لمن وَحَّدَ أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت محدود.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾.
أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل.
﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾، (أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين.
وكل "عسى" في القرآن من الله فهي واجبة.
ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل الحَرَم وسقاة الحاجِّ، وعُمّار هذا البيت، فأنزل الله عز وجل، صِفة من يجب أن يعمر مساجد الله، سبحانه.
التوبة 9:18
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ اللهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْمُهْتَدِينَ﴾.
والمعنى: ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد الله؛ لأنهم ليسوا ممن يذكر الله، والمساجد إنما بنيت لذكر الله والصلاة، فليس لهم أن يعمروها.
* *
﴿شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾.
فيه ثلاثة تأويلات.
أحدها: أن فيما يقولونه ويفعلونه دليل على كفرهم، كما يدل على إقرارهم، فكأنَّ ذلك منهم شهادتهم على أنفسهم. قاله الحسن.
والثاني: شهادتهم على رسولهم بالكفر؛ لأنهم كذبوه وأكفروه وهو من أنفسهم. قاله الكلبي.
والثالث: ما ذكره في الكتاب، وهم يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لأنهم يقال للرجل منهم: أيش أنت؟ فيقول: نصراني، يهودي، صابئ، مشرك.
* *
﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
في الدنيا، أي: بطلت وذهبت، إذ لم تكن لله، عز وجل، وكانت للشياطين.
* *
﴿وَفِي ٱلنَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون أبداً، لا أحياءً ولا أمواتاً.
ومن قرأ: ﴿مَسَاجِدَ اللهِ﴾ بالتوحيد، عَنَى به: المسجد الحرام، ودليله قوله: ﴿فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وقوله: ﴿وَعِمَارَةَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩].
ومن جمع، أراد: جميع المساجد، ودليله قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ﴾ فجمع ولم يُخْتَلفْ فِيهِ.
والجمع: يستوعب المسجد الحرام وغيره، والتوحيد: يخص المسجد الحرام وحده، ولا يجوز لمن وَحَّدَ أن يريد به الجنس؛ لأنه مضاف، والمضاف موقت محدود.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾.
أي: إنما يعمرها من صدق بالله ورسوله، وما أتت به الرسل.
﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاَةَ وَآتَىٰ ٱلزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾، (أي): فحقيق أن يكون من هذه صفته من المهتدين.
وكل "عسى" في القرآن من الله فهي واجبة.
ونزلت هذه الآية في قريش؛ لأنهم كانوا يفتخرون، فيقولون: نحن أهل الحَرَم وسقاة الحاجِّ، وعُمّار هذا البيت، فأنزل الله عز وجل، صِفة من يجب أن يعمر مساجد الله، سبحانه.
التوبة 9:19
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ألف ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: ألف تقرير وتوبيخ.
* *
ومعنى ﴿كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾، أي: كإيمان من آمنم.
ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله.
ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل ذكره: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم.
وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، فقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج بيت الله، وقال شيبة: [أنا].
أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله ﷺ، وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾.
ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكرم حسباً منا؟ قالا: نعم، قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله ﷺ، فسكت رسول الله ﷺ، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية.
وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَيِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله عز وجل، الآية.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾.
أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين.
ثم أخبر أنهم ﴿هُمُ ٱلْفَائِزُونَ﴾: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة.
ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾، لهم ﴿وَرِضْوَانٍ﴾، منه عنهم، ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: لا يزال أبداً، ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: ماكثين، ﴿أَبَداً﴾، لا حد لذلك، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: لا حد له من عظمه.
* *
ومعنى ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: يعلمهم بذلك في الدنيا.
التوبة 9:20
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ألف ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: ألف تقرير وتوبيخ.
* *
ومعنى ﴿كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾، أي: كإيمان من آمنم.
ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله.
ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل ذكره: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم.
وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، فقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج بيت الله، وقال شيبة: [أنا].
أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله ﷺ، وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾.
ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكرم حسباً منا؟ قالا: نعم، قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله ﷺ، فسكت رسول الله ﷺ، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية.
وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَيِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله عز وجل، الآية.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾.
أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين.
ثم أخبر أنهم ﴿هُمُ ٱلْفَائِزُونَ﴾: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة.
ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾، لهم ﴿وَرِضْوَانٍ﴾، منه عنهم، ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: لا يزال أبداً، ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: ماكثين، ﴿أَبَداً﴾، لا حد لذلك، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: لا حد له من عظمه.
* *
ومعنى ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: يعلمهم بذلك في الدنيا.
التوبة 9:21
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ألف ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: ألف تقرير وتوبيخ.
* *
ومعنى ﴿كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾، أي: كإيمان من آمنم.
ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله.
ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل ذكره: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم.
وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، فقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج بيت الله، وقال شيبة: [أنا].
أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله ﷺ، وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾.
ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكرم حسباً منا؟ قالا: نعم، قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله ﷺ، فسكت رسول الله ﷺ، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية.
وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَيِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله عز وجل، الآية.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾.
أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين.
ثم أخبر أنهم ﴿هُمُ ٱلْفَائِزُونَ﴾: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة.
ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾، لهم ﴿وَرِضْوَانٍ﴾، منه عنهم، ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: لا يزال أبداً، ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: ماكثين، ﴿أَبَداً﴾، لا حد لذلك، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: لا حد له من عظمه.
* *
ومعنى ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: يعلمهم بذلك في الدنيا.
التوبة 9:22
قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، إلى قوله: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
ألف ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾: ألف تقرير وتوبيخ.
* *
ومعنى ﴿كَمَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ﴾، أي: كإيمان من آمنم.
ومعنى الآية: إن المشركين من قريش افتخروا بالسقاية وسدانة البيت، فأعلمهم الله عز وجل، أن الفخر إنما هو بالإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله.
ورُويَ أن العباس بن عبد المطلب حين أُسر يوم بدر قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام، والهجرة والجهاد، لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونسقي الحاج، ونفك العاني، فأنزل الله، جل ذكره: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية، فذلك لا ينفعكم، أيها المشركون مع شرككم.
وقال السدي، وغيره: افتخر علي، والعباس، وشيبة، فقال العباس: أنا أفضلكم، أنا أسقي حاج بيت الله، وقال شيبة: [أنا].
أعمر مسجد الله. وقال علي: أنا هجرت مع رسول الله ﷺ، وجاهدت معه في سبيل الله عز وجل، فأنزل الله عز وجل، الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ﴾.
ورُوِيَ أن علياً قال للعباس وشيبة: ألا أنبئكم بمن هو أكرم حسباً منا؟ قالا: نعم، قال: مَنْ ضرب خَرَاطِيمَكُم بالسيف حتى قادكم إلى الإسلام كَرْهاً، فشق ذلك عليهما، [فشكيا] إلى رسول الله ﷺ، فسكت رسول الله ﷺ، هُنَيْهة، إذ جاءه جبريل عليه السلام، بهذه الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ ٱلْحَاجِّ﴾، الآية.
وقال الضحاك: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه يوم بدر، وهم قد أسروا، يُعَيِّرونَهُمْ بالشرك، فافتخر العباس بالسقاية وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله عز وجل، الآية.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْتَوُونَ﴾.
أي: لا يعتدل هؤلاء وهؤلاء عند الله.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم لصالح الأعمال.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ﴾.
أي: هؤلاء الذين هذه صفتهم، أعظم درجة عند الله من أهل السقاية والعمارة مع الشرك، فهذا قضاء من الله عز وجل، بين المفتخرين.
ثم أخبر أنهم ﴿هُمُ ٱلْفَائِزُونَ﴾: أي: الناجون من النار، الفائزون بالجنة.
ثم قال تعالى مخبر [بما] يصيرون إليه: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾، لهم ﴿وَرِضْوَانٍ﴾، منه عنهم، ﴿وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: لا يزال أبداً، ﴿خَالِدِينَ﴾، أي: ماكثين، ﴿أَبَداً﴾، لا حد لذلك، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: عنده لهؤلاء الذين هذه صفتهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، أي: لا حد له من عظمه.
* *
ومعنى ﴿يُبَشِّرُهُمْ﴾: يعلمهم بذلك في الدنيا.
التوبة 9:23
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي عليه السلام، وَيُؤْثِرُون المُكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ﴾ أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر المقام معهم على الهجرة، ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾.
وهذا كله قبل فتح مكة. قاله مجاهد.
﴿وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾، وقف عند نافع.
ومثله ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ اليهود والنصارى أولياء على كل حال.
وهنا إنما نُهُوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر على الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا يتخذوا أولياء على كل حال كاليهود والنصارى.
﴿عَلَى ٱلإِيمَانِ﴾، الوقف الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، مع أهليهم وأموالهم ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، أي: المقام مع هؤلاء بمكة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: من الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله، ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، أي: بفتح مكة. قاله مجاهد.
والثاني: ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: من عقوبة عاجلة أو آجلة. قاله ابن زيد.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم للهدى.
التوبة 9:24
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
ومعنى الآية: أن الله، جل ذكره، نهى المؤمنين أن يتخذوا آباءهم وإخوانهم الكفار أولياء، يفشون إليهم سر المؤمنين، ويطلعونهم على أسرار النبي عليه السلام، وَيُؤْثِرُون المُكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ﴾ أي: من يتخذهم أولياء وبطانة، ويؤثر المقام معهم على الهجرة، ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾.
وهذا كله قبل فتح مكة. قاله مجاهد.
﴿وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾، وقف عند نافع.
ومثله ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في سورة المائدة، فصح الوقف عليه؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ اليهود والنصارى أولياء على كل حال.
وهنا إنما نُهُوا عن اتخاذ الآباء والإخوان أولياء إن هم استحبوا الكفر على الإيمان، فإن لم يفعلوا ذلك فاتخاذهم حسن، والوقف عليه يوجب ألا يتخذوا أولياء على كل حال كاليهود والنصارى.
﴿عَلَى ٱلإِيمَانِ﴾، الوقف الحسن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، للمتخلفين على الهجرة، المقيمين بدار الشرك، مع أهليهم وأموالهم ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾، أي: المقام مع هؤلاء بمكة، ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ﴾، أي: من الهجرة إلى دار الإسلام، ومن الجهاد في سبيل الله، ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾، أي: بفتح مكة. قاله مجاهد.
والثاني: ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾: من عقوبة عاجلة أو آجلة. قاله ابن زيد.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم للهدى.
التوبة 9:25
قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿حُنَيْنٍ﴾: مذكر، اسم واد بين مكة والطائف.
ومن العرب من يجعله اسماً للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف.
وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز.
لغة بني تميم: "كِثْرةَ"، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح.
ومعنى الآية: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم حنين أيضاً.
وهو يوم قاتل فيه النبي عليه السلام، هَوَازِن وثقيفاً، وخرج مع النبي ﷺ، في تلك الغزوة إثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ونزل النبي ﷺ، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام [بغلة] النبي عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في الناس فتراجع الأنصار، وكان المنادي ينادي: "يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عُنُقاً واحداً، ثم أنزل الله عز وجل، نصره، وأخذ النبي ﷺ، كفًّا من تراب، وقبضة من حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فانهزموا. فأخذ رسول الله ﷺ، الغنائم، ورجع إلى الجِعِرَّانَة، فقسم بها الغنائم، مغانم حنين، وزاد أُناساً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وسهيل بن عمرو، وغيرهم، تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار، وقالت: "آثر قومه"، فبلغ ذلك النبي ﷺ، وهو في قبة له من أدمٍ، فقال: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلاَّلاً فهداكم الله، وكنتم أذِلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي ﷺ، والذي نفسي بيده، لو سلكتم وادياً وسلك الناس وادياً، لسلكتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. ثم مدحهم بغير هذا، ثم قال: أما ترضون أن ينقلب النَّاس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله ﷺ، والله ما قلنا ذلك إلا ظناً بالله ورسوله، فقال النبي ﷺ، الله ورسوله يُصدقانكم ويعذِرَانكم.
قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي عليه السلام، يوم حنين، وقد كانوا إثنى عشر ألفاً: يا رسول الله لن نُغْلَبَ اليوم من قلَّةٍ وأعجبته كثرة الناس، فَوُكِّلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين [يدي] النبي ﷺ. فنادى النبي ﷺ، بالأنصار: أين الأنصارُ الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله عز وجل، الملائكة بالنَّصر، فهزم المشركون يومئذ، وغنموا.
وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ: "إنّ عندي من ترون، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أَصْدَقُهُ، فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و[إمّا] أموالكم. فقالوا ما كنا نعدل بالأحْسَاب شيئاً، فأمر النبي ﷺ، من طابت نفسه [أن يرد ما عنده من الذراري ومن لم تَطِبْ نفسه] أن يجعله قرْضاً عند النبي ﷺ، حتى يعوضه مكانه. فَرَضُوا كلهم وسلموا بأن يردوا الذَّراري بطيب نفس.
* *
ومعنى ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾، أي: بسعتها.
وقال الطبري: "الباء" بمعنى: "في".
فأعلم الله عز وجل، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما يغلبون] بنصره.
وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي ﷺ، إليها خرج معه أهل مكة مشاة وركباناً، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء والصبيان وهم على غير الإسلام وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله [صلى الله] عليه وسلم.
وفرق رسول الله ﷺ، الغنائم على الجميع، ووفَّر على أهل مكة اسْتِيلاَفاً لهم ليدخلوا في الإسلام، وزَوَى كثيراً من المقاسم عن أصحابه، فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا وهو يريد المقام بين ظَهْرَانَيْهِم، فعاتبهم النبي ﷺ، [على ذلك.
فنصر الله النبي ﷺ، وهو السَّكِينَةُ التي أنزلت على النبي ﷺ] وعلى المؤمنين، ﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾، وهي الملائكة بالنصر: ﴿وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله.
وقيل: هو جزاء من بقي منهم.
* *
﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
التوبة 9:26
قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿حُنَيْنٍ﴾: مذكر، اسم واد بين مكة والطائف.
ومن العرب من يجعله اسماً للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف.
وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز.
لغة بني تميم: "كِثْرةَ"، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح.
ومعنى الآية: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم حنين أيضاً.
وهو يوم قاتل فيه النبي عليه السلام، هَوَازِن وثقيفاً، وخرج مع النبي ﷺ، في تلك الغزوة إثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ونزل النبي ﷺ، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام [بغلة] النبي عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في الناس فتراجع الأنصار، وكان المنادي ينادي: "يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عُنُقاً واحداً، ثم أنزل الله عز وجل، نصره، وأخذ النبي ﷺ، كفًّا من تراب، وقبضة من حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فانهزموا. فأخذ رسول الله ﷺ، الغنائم، ورجع إلى الجِعِرَّانَة، فقسم بها الغنائم، مغانم حنين، وزاد أُناساً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وسهيل بن عمرو، وغيرهم، تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار، وقالت: "آثر قومه"، فبلغ ذلك النبي ﷺ، وهو في قبة له من أدمٍ، فقال: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلاَّلاً فهداكم الله، وكنتم أذِلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي ﷺ، والذي نفسي بيده، لو سلكتم وادياً وسلك الناس وادياً، لسلكتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. ثم مدحهم بغير هذا، ثم قال: أما ترضون أن ينقلب النَّاس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله ﷺ، والله ما قلنا ذلك إلا ظناً بالله ورسوله، فقال النبي ﷺ، الله ورسوله يُصدقانكم ويعذِرَانكم.
قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي عليه السلام، يوم حنين، وقد كانوا إثنى عشر ألفاً: يا رسول الله لن نُغْلَبَ اليوم من قلَّةٍ وأعجبته كثرة الناس، فَوُكِّلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين [يدي] النبي ﷺ. فنادى النبي ﷺ، بالأنصار: أين الأنصارُ الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله عز وجل، الملائكة بالنَّصر، فهزم المشركون يومئذ، وغنموا.
وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ: "إنّ عندي من ترون، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أَصْدَقُهُ، فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و[إمّا] أموالكم. فقالوا ما كنا نعدل بالأحْسَاب شيئاً، فأمر النبي ﷺ، من طابت نفسه [أن يرد ما عنده من الذراري ومن لم تَطِبْ نفسه] أن يجعله قرْضاً عند النبي ﷺ، حتى يعوضه مكانه. فَرَضُوا كلهم وسلموا بأن يردوا الذَّراري بطيب نفس.
* *
ومعنى ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾، أي: بسعتها.
وقال الطبري: "الباء" بمعنى: "في".
فأعلم الله عز وجل، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما يغلبون] بنصره.
وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي ﷺ، إليها خرج معه أهل مكة مشاة وركباناً، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء والصبيان وهم على غير الإسلام وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله [صلى الله] عليه وسلم.
وفرق رسول الله ﷺ، الغنائم على الجميع، ووفَّر على أهل مكة اسْتِيلاَفاً لهم ليدخلوا في الإسلام، وزَوَى كثيراً من المقاسم عن أصحابه، فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا وهو يريد المقام بين ظَهْرَانَيْهِم، فعاتبهم النبي ﷺ، [على ذلك.
فنصر الله النبي ﷺ، وهو السَّكِينَةُ التي أنزلت على النبي ﷺ] وعلى المؤمنين، ﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾، وهي الملائكة بالنصر: ﴿وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله.
وقيل: هو جزاء من بقي منهم.
* *
﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
التوبة 9:27
قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
﴿حُنَيْنٍ﴾: مذكر، اسم واد بين مكة والطائف.
ومن العرب من يجعله اسماً للبقعة فلا يصرفه للتأنيث والتعريف.
وقيل: هو واد إلى جنب ذي المجاز.
لغة بني تميم: "كِثْرةَ"، بكسر الكاف، وجمعه: كثر، والفتح لغة أكثرهم، وجمعه: كثرات، وهما مصدران وجمعهما قبيح.
ومعنى الآية: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ﴾، أيها المؤمنون في أماكن حرب، ونصركم يوم حنين أيضاً.
وهو يوم قاتل فيه النبي عليه السلام، هَوَازِن وثقيفاً، وخرج مع النبي ﷺ، في تلك الغزوة إثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطلقاء، فأعجب القوم كثرهم، فانهزموا ونزل النبي ﷺ، عن بغلته الشهباء، وكان العباس أخذ بلجام [بغلة] النبي عليه السلام، فأمر النبي صلى الله عليه سلم، بالأذان في الناس فتراجع الأنصار، وكان المنادي ينادي: "يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فجاء الناس عُنُقاً واحداً، ثم أنزل الله عز وجل، نصره، وأخذ النبي ﷺ، كفًّا من تراب، وقبضة من حصباء، فرمى بها وجوه القوم الكفار، وقال: "شَاهَتِ الوُجُوهُ"، فانهزموا. فأخذ رسول الله ﷺ، الغنائم، ورجع إلى الجِعِرَّانَة، فقسم بها الغنائم، مغانم حنين، وزاد أُناساً منهم: أبو سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، وسهيل بن عمرو، وغيرهم، تألف بالزيادة قلوبهم، فتكلمت الأنصار، وقالت: "آثر قومه"، فبلغ ذلك النبي ﷺ، وهو في قبة له من أدمٍ، فقال: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني؟ ألم تكونوا ضُلاَّلاً فهداكم الله، وكنتم أذِلَّةً فأعزكم الله، وكنتم وكنتم. فتكلموا إليه، فقال النبي ﷺ، والذي نفسي بيده، لو سلكتم وادياً وسلك الناس وادياً، لسلكتُ وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. ثم مدحهم بغير هذا، ثم قال: أما ترضون أن ينقلب النَّاس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم. فقالت الأنصار: رضينا عن الله عز جل، وعن رسوله ﷺ، والله ما قلنا ذلك إلا ظناً بالله ورسوله، فقال النبي ﷺ، الله ورسوله يُصدقانكم ويعذِرَانكم.
قال السدي: قال رجل من أصحاب النبي عليه السلام، يوم حنين، وقد كانوا إثنى عشر ألفاً: يا رسول الله لن نُغْلَبَ اليوم من قلَّةٍ وأعجبته كثرة الناس، فَوُكِّلُوا إلى كلمة الرجل، فانهزموا عن رسول الله ﷺ، غير العباس، وأبي سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، قتل يومئذ بين [يدي] النبي ﷺ. فنادى النبي ﷺ، بالأنصار: أين الأنصارُ الذين بايعوا تحت الشجرة؟ فتراجع الناس، فأنزل الله عز وجل، الملائكة بالنَّصر، فهزم المشركون يومئذ، وغنموا.
وأصاب المسلمون ستة آلاف سبية، فجاء قومهم مسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أنت خير الناس، وأبرُّ الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ: "إنّ عندي من ترون، وإنّ خَيْرَ القَوْلِ أَصْدَقُهُ، فاختاروا: إما ذراريكم ونسائكم، و[إمّا] أموالكم. فقالوا ما كنا نعدل بالأحْسَاب شيئاً، فأمر النبي ﷺ، من طابت نفسه [أن يرد ما عنده من الذراري ومن لم تَطِبْ نفسه] أن يجعله قرْضاً عند النبي ﷺ، حتى يعوضه مكانه. فَرَضُوا كلهم وسلموا بأن يردوا الذَّراري بطيب نفس.
* *
ومعنى ﴿بِمَا رَحُبَتْ﴾، أي: بسعتها.
وقال الطبري: "الباء" بمعنى: "في".
فأعلم الله عز وجل، المؤمنين في هذه الآية أنه ليس بكثرهم يغلبون، [إنما يغلبون] بنصره.
وكانت غزوة حنين بعد فتح مكة، ولما خرج النبي ﷺ، إليها خرج معه أهل مكة مشاة وركباناً، يمشون يرجون الغنائم حتى خرج معه النساء والصبيان وهم على غير الإسلام وليس يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله [صلى الله] عليه وسلم.
وفرق رسول الله ﷺ، الغنائم على الجميع، ووفَّر على أهل مكة اسْتِيلاَفاً لهم ليدخلوا في الإسلام، وزَوَى كثيراً من المقاسم عن أصحابه، فعند ذلك وجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: ما نرى فعل ذلك إلا وهو يريد المقام بين ظَهْرَانَيْهِم، فعاتبهم النبي ﷺ، [على ذلك.
فنصر الله النبي ﷺ، وهو السَّكِينَةُ التي أنزلت على النبي ﷺ] وعلى المؤمنين، ﴿وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾، وهي الملائكة بالنصر: ﴿وَعذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، أي: بالسيف، وسبي الأهل وأخذ الأموال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ﴾، أي: هذا الذي فعله بهم، هو جزاء من كفر بالله ورسوله.
وقيل: هو جزاء من بقي منهم.
* *
﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: يتفضل على من يشاء بالتوبة من الكفر والإنابة إليه، يعني من بقي منهم، حتى ينقلهم إلى طاعته إذا شاء، ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
التوبة 9:28
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
ومعنى الآية: أن الله أمر المؤمنين أن يمنعوا المشركين من دخول المسجد الحرام.
* *
وقوله: ﴿نَجَسٌ﴾.
قال قتادة: "النَّجَسُ" هنا: الجُنُب.
وأصل "النَّجَسِ": القذر. وإذا ذكرت قبل "النجس": "الرجس" كسرت "النون"، وأسكنت "الجيم"، فقلت: هو رِجْسٌ نِجْسٌ على الاتباع.
وعنى بذلك: الحرم كله أن يمنعوا من دخوله، وعلى ذلك قال عطاء: الحَرَمُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وَمَسْجِدٌ.
وَبِظَاهِرِ هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك النبي ﷺ. وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي واستحبه، قال: إلاَّ أن يكون يعلم أنه جنُبٌ فعليه أن يغتسل.
وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، واستحبا غسل الإزار والسراويل.
وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ما كان في وقته.
وأكثَرُهُمْ على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك.
وهذه الآية نَاسِخَةٌ، لما كان النبي عليه السلام، قد صالح عليه المشركين أن لا يَمْنَع أحد من البيت.
قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ودخول كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة.
وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعاً من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول سائر المساجد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام، ولا من غيره، ولا يمنع من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان.
وقول الله عز وجل، في اليهود والنصارى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِّن دُونِ ٱللَّهِ]﴾ [التوبة: ٣١] الآية، يدلُّ على جوازهم تسميتهم مشركين، وقد نصّ الله على ذلك بقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في آخر الآية.
* *
وقوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾.
هو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، بالناس، ونادى عليّ بـ: "براءة" في الموسم، وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحجَّ النبي ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ في العام المقبل سنة عشر من الهجرة.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾.
[أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقراً، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى الحرم بالتجارات، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فأغناهم الله بأخذ الجزية منهم بقوله: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ﴾.
وقيل: أغناهم بإدْرَارِ المطر عليهم.
قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزن، عن منع المشركين من دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل الله عز وجل:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ﴾.
أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، ﴿حَكِيمٌ﴾، في تدبيره.
و "العَيْلَةُ" مصدر "عَالَ يَعِيلُ": إذا افتقر.
وحُكِي: "عال يعول" [في] الفاقة.
وبمصحف عبد الله: "عائلة"، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: شقَّ عليَّ واشتد.
ثم قال: تعالى آمراً للمؤمنين: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾، الآية، أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب كانوا أو من غيرهم.
و "الجِزْية" كـ: "القِعْدة" و "الجِلسة"، وجمعها: جِزَى، كـ: "لِحَىً"، فهو من "جَزَى فلان فلاناً ما عليه": إذا قضاه.
وهي الخراجُ عن الرقاب.
ومعنى: ﴿عَن يَدٍ﴾، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: عن إنعامٍ منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية وأمَّنْتُمُوهُمْ في نفوسهم وأموالهم وَذَرَارِيهمْ.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: نقداً لا نسيئة.
وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار.
وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة.
* *
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
أي: أذلاء مقهورون.
فهذه الآية نزلت في حرب الروم، فغزا رسول الله ﷺ، بعد نزولها غزوة تبوك. قاله مجاهد.
قال عكرمة: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: هم قائمون [وأنت جالس].
وقال ابن عباس: يمشون بها مُلَبَّبين.
وهذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين. قاله ابن عباس.
هي ناسخة لقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وأجمع علماء الأمصار على أخذ الجزية من المجوس.
وكان ملك يرى: أخذ الجزية من سائر أهل الشرك، وحكمهم عنده حكم المجوس، تؤخذ منهم الجزية، ولا ينكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم.
وتوضع الجزية عمن أسلم عند مالك ولم يبق من السنة إلا يوم واحد.
وتؤخذ الجزية من أهل الوَرقِ: أربعون درهماً، ومن أهل الذهب: أربعة دنانير، وهي فرض عمر رضي الله عنه.
التوبة 9:29
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
ومعنى الآية: أن الله أمر المؤمنين أن يمنعوا المشركين من دخول المسجد الحرام.
* *
وقوله: ﴿نَجَسٌ﴾.
قال قتادة: "النَّجَسُ" هنا: الجُنُب.
وأصل "النَّجَسِ": القذر. وإذا ذكرت قبل "النجس": "الرجس" كسرت "النون"، وأسكنت "الجيم"، فقلت: هو رِجْسٌ نِجْسٌ على الاتباع.
وعنى بذلك: الحرم كله أن يمنعوا من دخوله، وعلى ذلك قال عطاء: الحَرَمُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وَمَسْجِدٌ.
وَبِظَاهِرِ هذه الآية يجب على المشرك إذا أسلم أن يغتسل، وقد أمر بذلك النبي ﷺ. وهو مذهب مالك، وابن حنبل، ولم يوجبه الشافعي واستحبه، قال: إلاَّ أن يكون يعلم أنه جنُبٌ فعليه أن يغتسل.
وقال الثوري، والشافعي: ثياب المشركين على الطهارة حتى تعلم النجاسة، واستحبا غسل الإزار والسراويل.
وقال مالك: إذا صلى في ثوب كان المشرك يلبسه، أعاد من الصلاة ما كان في وقته.
وأكثَرُهُمْ على أن لا بأس بالصلاة فيما نسجوا، وهو مذهب مالك.
وهذه الآية نَاسِخَةٌ، لما كان النبي عليه السلام، قد صالح عليه المشركين أن لا يَمْنَع أحد من البيت.
قال مالك: يمنع المشركون كلهم من أهل الكتاب وغيرهم من دخول الحرم، ودخول كل المساجد. وهو قول عمر بن عبد العزيز، وقتادة.
وقال الشافعي: يمنع المشركون جميعاً من دخول الحرم، ولا يمنعون من دخول سائر المساجد.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام، ولا من غيره، ولا يمنع من ذلك إلا المشركون أهل الأوثان.
وقول الله عز وجل، في اليهود والنصارى: ﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِّن دُونِ ٱللَّهِ]﴾ [التوبة: ٣١] الآية، يدلُّ على جوازهم تسميتهم مشركين، وقد نصّ الله على ذلك بقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ في آخر الآية.
* *
وقوله: ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا﴾.
هو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، بالناس، ونادى عليّ بـ: "براءة" في الموسم، وذلك لتسع سنين مضين من الهجرة، وحجَّ النبي ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ في العام المقبل سنة عشر من الهجرة.
* *
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾.
[أي]: إن خفتم، أيها المؤمنون، فقراً، بمنعنا المشركين أن يأتوكم إلى الحرم بالتجارات، ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فأغناهم الله بأخذ الجزية منهم بقوله: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ﴾.
وقيل: أغناهم بإدْرَارِ المطر عليهم.
قال ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحَزن، عن منع المشركين من دخول الحرام، وقال لهم: من أين تأكلون، وقد انقطعت عنكم العير؟ فأنزل الله عز وجل:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ﴾.
أي: عليم بما حدثتكم به نفوسكم من خوف العيلة، بمنعنا المشركين أن يأتوا إليكم، وبغير ذلك من مصالحكم، ﴿حَكِيمٌ﴾، في تدبيره.
و "العَيْلَةُ" مصدر "عَالَ يَعِيلُ": إذا افتقر.
وحُكِي: "عال يعول" [في] الفاقة.
وبمصحف عبد الله: "عائلة"، أي: خصلة شاقة، يقال: عالني الأمر، أي: شقَّ عليَّ واشتد.
ثم قال: تعالى آمراً للمؤمنين: ﴿قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾، الآية، أي: قاتلوهم حتى يعطوكم الجزية، من أهل الكتاب كانوا أو من غيرهم.
و "الجِزْية" كـ: "القِعْدة" و "الجِلسة"، وجمعها: جِزَى، كـ: "لِحَىً"، فهو من "جَزَى فلان فلاناً ما عليه": إذا قضاه.
وهي الخراجُ عن الرقاب.
ومعنى: ﴿عَن يَدٍ﴾، أي: عن يده إلى يد من يدفعه إليه.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: عن إنعامٍ منكم عليهم إذا رضيتم بالجزية وأمَّنْتُمُوهُمْ في نفوسهم وأموالهم وَذَرَارِيهمْ.
وقيل: ﴿عَن يَدٍ﴾: نقداً لا نسيئة.
وقيل: يؤدونها بأيديهم لا يوجهون بها كما يفعل الجبار.
وأهل اللغة يقولون: عن قهر وقوة.
* *
﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
أي: أذلاء مقهورون.
فهذه الآية نزلت في حرب الروم، فغزا رسول الله ﷺ، بعد نزولها غزوة تبوك. قاله مجاهد.
قال عكرمة: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾: هم قائمون [وأنت جالس].
وقال ابن عباس: يمشون بها مُلَبَّبين.
وهذه الآية ناسخة للعفو عن المشركين. قاله ابن عباس.
هي ناسخة لقوله: ﴿فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وأجمع علماء الأمصار على أخذ الجزية من المجوس.
وكان ملك يرى: أخذ الجزية من سائر أهل الشرك، وحكمهم عنده حكم المجوس، تؤخذ منهم الجزية، ولا ينكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم.
وتوضع الجزية عمن أسلم عند مالك ولم يبق من السنة إلا يوم واحد.
وتؤخذ الجزية من أهل الوَرقِ: أربعون درهماً، ومن أهل الذهب: أربعة دنانير، وهي فرض عمر رضي الله عنه.
التوبة 9:30
قوله: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾.
﴿عُزَيْرٌ﴾: مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: صاحبنا عزير، ﴿ٱبْنُ﴾: نعت له، فيكون حذف التنوين لكثرة الاستعمال.
ويجوز أن يكون ﴿ٱبْنُ﴾، خبراً [عن] ﴿عُزَيْرٌ﴾، ويكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
وكلا الوجهين في قراءة من نَوَّن عُزَيْراً.
وقال أبو حاتم لو قال قائل: إن عزيراً اسم أعجمي لا يتصرف جاز.
وهو عند النحويين عربي مشتق، من: عزره يعزِرُهُ ومنه قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
* *
﴿ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
أي: لا بيان عندهم بما يقولون، ولا برهان، وإنما هو قول لا غير.
* *
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
أي: يُشَبِّهون قولهم بقولهم، وهم اليهود الذين قالوا:
﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾، [سبحانه وتعالى]، أي: يشبه قول هؤلاء النصارى في الكذب على الله، (تعالى)، قول من تقدمهم في "العُزَيْر" من اليهود.
وقيل المعنى: إن من كان على عهد النبي ﷺ، من اليهود والنصارى قولهم يشبه قول أوّليهم.
* *
﴿قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
أي: لعنهم الله.
* *
﴿أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: من أين يصرفون عن الحق.
* *
﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ ٱللَّهِ]﴾.
الأحبار: العلماء.
والرهبان: العباد، أصحاب الصوامع.
﴿أَرْبَاباً﴾: أي سادة، يطيعونهم في المعاصي، فيحلون ما حرم الله عز وجل، ويحرمون ما أحل الله، سبحانه، ولم يكونوا يَعْبِدُونَهُمْ، إنما كانوا يَطِيعُونَهُم فيما لا يجوز، ولا يحل.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْمَسِيحَ﴾.
أي: واتّخذوا المسيح رَبّاً.
* *
﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
[أي]: تنزيهاً له وتطهيراً من شركهم.
التوبة 9:31
قوله: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿يُشْرِكُونَ﴾.
﴿عُزَيْرٌ﴾: مرفوع بإضمار مبتدأ، أي: صاحبنا عزير، ﴿ٱبْنُ﴾: نعت له، فيكون حذف التنوين لكثرة الاستعمال.
ويجوز أن يكون ﴿ٱبْنُ﴾، خبراً [عن] ﴿عُزَيْرٌ﴾، ويكون حذف التنوين لالتقاء الساكنين.
وكلا الوجهين في قراءة من نَوَّن عُزَيْراً.
وقال أبو حاتم لو قال قائل: إن عزيراً اسم أعجمي لا يتصرف جاز.
وهو عند النحويين عربي مشتق، من: عزره يعزِرُهُ ومنه قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩].
* *
﴿ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾.
أي: لا بيان عندهم بما يقولون، ولا برهان، وإنما هو قول لا غير.
* *
﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
أي: يُشَبِّهون قولهم بقولهم، وهم اليهود الذين قالوا:
﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾، [سبحانه وتعالى]، أي: يشبه قول هؤلاء النصارى في الكذب على الله، (تعالى)، قول من تقدمهم في "العُزَيْر" من اليهود.
وقيل المعنى: إن من كان على عهد النبي ﷺ، من اليهود والنصارى قولهم يشبه قول أوّليهم.
* *
﴿قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
أي: لعنهم الله.
* *
﴿أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾.
أي: من أين يصرفون عن الحق.
* *
﴿ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً [مِّن دُونِ ٱللَّهِ]﴾.
الأحبار: العلماء.
والرهبان: العباد، أصحاب الصوامع.
﴿أَرْبَاباً﴾: أي سادة، يطيعونهم في المعاصي، فيحلون ما حرم الله عز وجل، ويحرمون ما أحل الله، سبحانه، ولم يكونوا يَعْبِدُونَهُمْ، إنما كانوا يَطِيعُونَهُم فيما لا يجوز، ولا يحل.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْمَسِيحَ﴾.
أي: واتّخذوا المسيح رَبّاً.
* *
﴿وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُوۤاْ إِلَـٰهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
[أي]: تنزيهاً له وتطهيراً من شركهم.
التوبة 9:32
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، إنما دخلت ﴿إِلاَّ﴾؛ لأن في الكلام معنى النفي، وهو: ﴿يَأْبَىٰ﴾، لأن قولك: "أبيت الفعل" كقولك: "لم أفعل"، فلذلك دخلت ﴿إِلاَّ﴾، وهي لا تدخل إلا بعد نفي.
وقال الزجاج التقدير: ﴿وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ﴾ كل شيء ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
وقال علي بن سليمان: إنما جاز دخول ﴿إِلاَّ﴾ ها هنا؛ لأن ﴿يَأْبَىٰ﴾ منع، فضارعت النفي.
ومعنى الآية: يريد أحبار هؤلاء ورهبانهم ﴿أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ﴾، (عز وجل)، ﴿بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾، أي: يحاولون بتكذيبهم وصدهم الناس عن محمد ﷺ، أن يبطلوا القرآن الذي جعله الله ضياء لخلقه، وهو نور الله سبحانه، ﴿وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، أي: يعلو دينه وتظهر كلمته.
قال السدي: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم، والله مُتِم نوره ولو كره الكافرون إتمامه.
* *
﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
وهو الإسلام وشرائعه ﴿وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾، الإيمان، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: ليعلي الإسلام على الملل كلها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾، ذلك ﴿ٱلْمُشْرِكُونَ﴾.
قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام.
وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها.
فتكون "الهاء" للنبي ﷺ، وهو قول ابن عباس.
وفي القول الأول: "الهاء" تعود على: الدِّينِ.
التوبة 9:33
قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، إنما دخلت ﴿إِلاَّ﴾؛ لأن في الكلام معنى النفي، وهو: ﴿يَأْبَىٰ﴾، لأن قولك: "أبيت الفعل" كقولك: "لم أفعل"، فلذلك دخلت ﴿إِلاَّ﴾، وهي لا تدخل إلا بعد نفي.
وقال الزجاج التقدير: ﴿وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ﴾ كل شيء ﴿إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾.
وقال علي بن سليمان: إنما جاز دخول ﴿إِلاَّ﴾ ها هنا؛ لأن ﴿يَأْبَىٰ﴾ منع، فضارعت النفي.
ومعنى الآية: يريد أحبار هؤلاء ورهبانهم ﴿أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ﴾، (عز وجل)، ﴿بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾، أي: يحاولون بتكذيبهم وصدهم الناس عن محمد ﷺ، أن يبطلوا القرآن الذي جعله الله ضياء لخلقه، وهو نور الله سبحانه، ﴿وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾، أي: يعلو دينه وتظهر كلمته.
قال السدي: يريدون أن يطفئوا الإسلام بكلامهم، والله مُتِم نوره ولو كره الكافرون إتمامه.
* *
﴿هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ﴾.
وهو الإسلام وشرائعه ﴿وَدِينِ ٱلْحَقِّ﴾، الإيمان، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: ليعلي الإسلام على الملل كلها، ﴿وَلَوْ كَرِهَ﴾، ذلك ﴿ٱلْمُشْرِكُونَ﴾.
قال أبو هريرة: ذلك عند خروج عيسى عليه السلام.
وقيل: المعنى ليعلمه شرائع الدين كلها، فيطلعه عليها.
فتكون "الهاء" للنبي ﷺ، وهو قول ابن عباس.
وفي القول الأول: "الهاء" تعود على: الدِّينِ.
التوبة 9:34
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ﴾، إلى [قوله]: ﴿مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾.
﴿وَٱلَّذِينَ﴾: في موضع رفع عطف على الضمير في: "يأكلون"، فيكون التقدير: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب.
وقيل: ﴿ٱلَّذِينَ﴾: في موضع رفع بالابتداء.
ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ، وبما جاء به، إن كثيراً من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل ﴿ٱلأَحْبَارِ﴾: القراء: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾، ويأكلها معهم ﴿ٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ﴾، وذلك الرُّشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله عز وجل، يكتبون بأيديهم كتباً، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمناً قليلاً، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام.
و "الكَنْزُ": كل مَالٍ وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ زكاته.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾.
أي: لا يؤدون زكاتها.
قال ابن عمر: كل ما مَالٍ أُدِّيتُ زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكلُّ مالٍ لم تُؤدّ زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفوناً.
ورُوي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها "نفقة" فإن زادت فهو "كنز"، أدّيت زكاته أو لم تُؤد.
قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤدِّ زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤدِّ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا.
وقال عمر بن عبد العزيز: أراها مَنْسوخَةً بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
و "الكنْزُ" في كلام العرب: كل شيء جُمع بعضُه إلى بَعْضٍ.
* *
قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾.
ولم يقل: "يُنفقونهما"، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة.
وقيل: إن الضمير يرجع على: "الأموال" التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل.
وقيل: الضمير يعود على: "الفضة"، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و "يُنفقونه"، ثم حذف كما قال:
؎ نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنتَ بِمَا ∗∗∗ عِنْدكَ رَاضٍ....
وقيل الضمير: "للذهب"، وضمير "الفضة" محذوف، تقديره: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و "يُنفقونها"، والعرب تقول: "هي الذهب [الحمراء]"، فتؤنث.
وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة.
* *
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: اجعل موضع البشارة لهم عذاباً أليماً، أي: مؤلماً، بمعنى مُوجع.
وليس ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بتمام؛ لأن ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾، منصوب بـ: ﴿أَلِيمٍ﴾.
و (الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾، فيه من الوجوه، ما في: ﴿يُنفِقُونَهَا﴾، وكذلك الضمير في ﴿بِهَا﴾.
قال النبي ﷺ: "مَا مِن عَبْدٍ لا يُؤدّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا أُتِي بِهِ وبماله فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله بين عباده
وقال ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾، قال حَيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به.
وقال النبي ﷺ: "مَن ترك بعده كنزاً مَثَلَ له يوم القيامة شُجاعاً أَقْرَع له زَبِيبَتَانِ، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يُلْقِمَه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده
التوبة 9:35
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلأَحْبَارِ وَٱلرُّهْبَانِ﴾، إلى [قوله]: ﴿مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾.
﴿وَٱلَّذِينَ﴾: في موضع رفع عطف على الضمير في: "يأكلون"، فيكون التقدير: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾، ويأكلها معهم الذين يكنزون الذهب.
وقيل: ﴿ٱلَّذِينَ﴾: في موضع رفع بالابتداء.
ومعنى الآية: يا أيها الذين صدقوا بمحمد ﷺ، وبما جاء به، إن كثيراً من أحبار اليهود والنصارى ورهبانهم، وهم: علماؤهم وعبادهم. وقيل ﴿ٱلأَحْبَارِ﴾: القراء: ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلنَّاسِ بِٱلْبَاطِلِ﴾، ويأكلها معهم ﴿ٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ﴾، وذلك الرُّشى في الحكم، وفي تحريف كتاب الله عز وجل، يكتبون بأيديهم كتباً، ويقولون: هذا من عبد الله، يأخذون بها ثمناً قليلاً، ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، أي: يمنعون من أراد الدخول في الإسلام.
و "الكَنْزُ": كل مَالٍ وجبت فيه الزكاة، فلم تُؤَدَّ زكاته.
* *
وقوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾.
أي: لا يؤدون زكاتها.
قال ابن عمر: كل ما مَالٍ أُدِّيتُ زكاته ليس بكنز، وإن كان مدفوناً، وكلُّ مالٍ لم تُؤدّ زكاته، فهو كنز يكوى [به] صاحبه، وإن لم يكن مدفوناً.
ورُوي عن علي رضي الله عنه: أربعة آلاف درهم فما دونها "نفقة" فإن زادت فهو "كنز"، أدّيت زكاته أو لم تُؤد.
قال ابن عباس: هي خاصة للمسلمين لمن لم يؤدِّ زكاته منهم، وهي عامة في أهل الكتاب، من أدى الزكاة ومن لم يؤدِّ؛ لأنهم لا تقبل منهم نفقاتهم وإن أنفقوا.
وقال عمر بن عبد العزيز: أراها مَنْسوخَةً بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
و "الكنْزُ" في كلام العرب: كل شيء جُمع بعضُه إلى بَعْضٍ.
* *
قوله: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾.
ولم يقل: "يُنفقونهما"، إنما ذلك لأن الضمير رجع على الكنوز، والكنوز تشتمل على الذهب والفضة.
وقيل: إن الضمير يرجع على: "الأموال" التي تقدم ذكرها أنها تؤكل بالباطل.
وقيل: الضمير يعود على: "الفضة"، وحذف العائد على الذهب لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و "يُنفقونه"، ثم حذف كما قال:
؎ نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنتَ بِمَا ∗∗∗ عِنْدكَ رَاضٍ....
وقيل الضمير: "للذهب"، وضمير "الفضة" محذوف، تقديره: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَهَا﴾ و "يُنفقونها"، والعرب تقول: "هي الذهب [الحمراء]"، فتؤنث.
وقال معاوية: هذه الآية في أهل الكتاب خاصة.
* *
وقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: اجعل موضع البشارة لهم عذاباً أليماً، أي: مؤلماً، بمعنى مُوجع.
وليس ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بتمام؛ لأن ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾، منصوب بـ: ﴿أَلِيمٍ﴾.
و (الضمير في ﴿عَلَيْهَا﴾، فيه من الوجوه، ما في: ﴿يُنفِقُونَهَا﴾، وكذلك الضمير في ﴿بِهَا﴾.
قال النبي ﷺ: "مَا مِن عَبْدٍ لا يُؤدّي زَكَاةَ مَالِهِ إلا أُتِي بِهِ وبماله فأحمى عليه في نار جهنم، فتكوى بها جنباه وجبهته وظهره، حتى يحكم الله بين عباده
وقال ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا﴾، قال حَيَّة تنطوي على جنبيه وجبهته، تقول: أنا مالك الذي بخلت به.
وقال النبي ﷺ: "مَن ترك بعده كنزاً مَثَلَ له يوم القيامة شُجاعاً أَقْرَع له زَبِيبَتَانِ، يتبعه فيقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلم يزل يتبعه حتى يُلْقِمَه يده فيقضمها، ثم يتبعه سائر جسده
التوبة 9:36
قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾، الآية.
* *
قوله: ﴿كَآفَّةً﴾.
مصدر مثل: "عافاه الله عافيةً"، ومثله: "عامَّةً" و "خاصَّةً"، فـ: ﴿كَآفَّةً﴾ كـ: "العافية" و "العاقبة"، ولا تدخل فيهما "الألف واللام"، كما لم تدخلا في "معاً" و "جميعاً".
ومعنى الآية: إن الله قدر أنّ السنة اثنا عشر شهراً في كتابه الذي سبق فيه ما هو [كائن] إلى يوم القيامة، منها أربعة حرم، وهن: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، وكان القتال فيها حراماً حتَّى نزل في "براءة" قتال المشركين.
و ﴿ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ﴾.
أي: المستقيم، إنها اثنا عشر شهراً.
وقيل ﴿ٱلدِّينُ﴾ هنا: الحساب، أي: الحسابُ المستقيم.
وقال ابن عباس معناه: ذلك القضاء القيم.
* *
وقوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.
أي: لا تستحلوا ما حرم الله عز وجل.
قال ابن عباس: ﴿فِيهِنَّ﴾ يعني كلهن.
قال ابن عباس: ﴿فِيهِنَّ﴾، يعني: كلهن.
وهو قول مقاتل بن حيان، والضحاك، جعلاً الضمير يعود على: ﴿ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً﴾.
وليس قوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إذا جعلناه الأربعة الأشهر بمبيح لنا أن نظلم أنفسنا في غير الأربعة الأشهر، ولو كان ذلك كذلك لكان قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] دليلاً على إباحة قتلهم إذا لم يخشوا إملاقاً، ولكان قوله: ﴿وَٱلْفُلْكِ [ٱلَّتِي] تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] دليلاً على أنها لا تجري بما يضر الناس، وهي تجري بما ينفع وما يضر.
وأصل هذا: أن كلَّ نهي إنما يوجب الامتناع عما نهى عنه دون غيره، وكل أمر فهو نافٍ لأضداده فإذا قلت: "قُمْ"، فقد أمرته بترك أضداد القيام من القعود والاضطجاع، وإذا قلت: "لا تَقُمْ"، فلم تنهه عن الاضطجاع ولا عن الاتكاء ولا عن شيء من أضداده، فاعلمه.
فالنهي عن الشيء لا يكون نهياً عن أضداد ذلك الشيء، والأمر بالشيء أمر عن أضداد ذلك الشيء على ما بينا، فافهمه.
وقال قتادة، وغيره: ﴿فِيهِنَّ﴾ في الأربعة الحرم، جعل الذنب فيهن أعظم منه في غيرهن.
وأكثر ما تستعمل العرب "الهاء" و "النون" فيما دون العشرة، و "الهاء" و "الألف" في ما جاوز العشرة.
فالظلم في جميعها لا يجوز، ولكن هو فيها أعظم وزراً لشرفها، فلذلك خصها بالذكر، تعالى، وهذا كقوله: ﴿وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أفردها بعد أن ذكرها مجملة لشرفها، وليس إفرادها بالمحافظة يدل على ترك المحافظة فيما سواها، فكذا هذا.
وقال ابن إسحاق المعنى: لا تجعلوا حرامها حلالاً ولا حلالها حراماً، تعظيماً لها، فإنما نهوا عن "النسئ" الذي المشركون يصنعونه.
* *
﴿وَقَاتِلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾.
أي: جميعاً.
* *
ومعنى ﴿كَآفَّةً﴾، أي: يكف بعضهم بعضاً عن التخلف كما يفعلون.
* *
﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: مع من اتقى أمره ونهيه وأطاعه.
ومن جعل ﴿فِيهِنَّ﴾ يعود على: "الاثنا عشر شهراً" وقف على: ﴿ٱلْقَيِّمُ﴾، ومن جعله يعود على: "الأربعة الحرم" وقف على : ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾، وهو قول نافع والأخفش. والأول قول أبي حاتم ويعقوب.
التوبة 9:37
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ﴾، الآية.
روى أحمد بن صالح، وداود، وأبو الأزهر عن ورش: ﴿ٱلنَّسِيۤءُ﴾، مشدداً غير مهموز.
وكذلك قال أحمد بن صالح عن قالون.
وقال الحلواني عن قالون: مهموز.
وكذلك روى إسماعيل بن جعفر عن نافع.
وهو من "نسأتُه" و "أَنْسَأْتُه": إذا أخرته.
ومن قرأ بغيْرِ همزٍ احتمل أن يكون على تخفيف الهمز.
واحتمل أن يكون من "نسيت" الشيء: تركته.
ومن قرأ ﴿يُضَلُّ﴾، بفتح الياء، فمعناه: أنهم يَضِلون بتأخير شهر الحج وتقديمهم غيره.
ومن قرأ ﴿يُضَلُّ﴾ بضم الياء، على ما لم يُسمَّ فاعله احتج بقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ﴾، فأجراه عليه للمشاكلة.
وقرأ الحسن، وأبو رجاء: ﴿يُضَلُّ﴾، بالضم، من: "أضَلَّ"، على معنى: أنهم يضلون به مَنْ قَبِلَ منهم ذلك.
و ﴿ٱلَّذِينَ﴾ في القراءتين المتقدمتين في موضع رفع.
وفي هذه القراءة يجوز أن يكون في موضع رفع على أنهم يضلون به من قَبِل منهم.
ويجوز أن يكون في موضع نصب، على معنى: يُضل الله به الذين كفروا.
ومعنى الآية عند الطبري: ما النسيء إلا زيادة في الكفر، على معنى: إنما التأخير الذي يؤخِّره أهل الشرك من شهور الحرم، وتصييرهم الحرام حلالاً، والحلال حراماً، زيادة في كفر من فعل ذلك.
وذلك أنَّ أبا ثُمامة بن عوف، كان يحرم عليهم صفراً عاماً، ويحلله عاماً، فيحرم صفراً والمحرم عاماً، وهو قوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾.
وذلك أنهم (كانوا) قد تمسكوا بتحريم الأربعة الأشهر الحرم من ملة إبراهيم، عليه السلام، فربما احتاجوا إلى تحليل المحرّم لحرب تكون بينهم، فيؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، ويقاتلون في المحرم. (هذا قول أبي عبيد، قال: فيحرمون صفراً إذا قاتلوا في المحرم)، ويقولون: هذا أحدُ الصفرين.
وقد تأول قوم قول النبي ﷺ: "لا صَفَرَ" أنه إنما نفى هذا المعنى.
ثم كانوا يحتاجون إلى صفر لقتال، فيؤخرون تحريمه إلى ربيع، ثم يتمادون على تحريمه، ثم كذلك يؤخرون من شهر إلى شهر حتى استدار المحرم عن السنة كلها، فأتى الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به، وذلك بعد دهر طويل؛ لأنهم كانوا ينتقلون إلى تحريم شهر، ويقيمون عليه مدة، (ثم يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده، ويقيمون عليه مدة ثم يحتاجون إلى القتال فيه، فيحرمون ما بعده ويقيمون عليه مدة)، حتى صاروا إلى المحرم، فأتى الإسلام وقد رجع الشيء إلى حقه، فذلك قول النبي ﷺ: "إنَّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض
فقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً﴾، هو أنه يحلون صفراً، ثم يحتاجون إلى تحريمه [فيحرمونه]، ويحلون ما قبله، ثم يحتاجون إلى تحليل صفر، فيحلونه، ويحرمون ما بعده، كذا يصنعون.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، أي: وقد استقر الحج الآن في ذي الحجة فلا جدال فيه.
وقال مجاهد: كانت العرب تحج عاميْن في ذي القعدة، وعاميْن في ذي الحجة، فلما حج النبي ﷺ، كان الحج تلك السنة في ذي الحجة، فهو معنى: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾، أي: قد استقر في ذي الحجة.
وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: إن المعنى، أن رجلاً [كان] يأتي الموسم، فيحل لهم المحرم سنة ويحرم صفراً، ويحلل صفر العام المقبل، ويحرم المحرم.
قال ابن زيد: كان اسم الرجل: الْقَلَمَّس، قال شاعرهم:
؎ ومنَّا الذي يُنْسي الشُّهورَ الْقَلَمَّسُ
ومعنى ﴿زِيَادَةٌ﴾، (أي): ازدادوا به كفراً إلى كفرهم.
ومعنى: ﴿لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾. أي: ليشابهوا به الذي حرم الله، ويوافقوه به في العدة، لا يزيدون ولا ينقصون، إنما يؤخرون ذا، ويأخذون ذا.
وروى ابن أبي شيبة أن اسم الرجل: نسيء.
* *
﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوۤءُ أَعْمَالِهِمْ﴾.
أي: حبب ذلك إليهم.
* *
﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: لا يوفقهم للهدى.
التوبة 9:38
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
هذه الآية تحريضٌ من الله، عز وجل، وحثَّ للمؤمنين على غزو الروم، وذلك غزوة تبوك. بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد خيبر، وحنين، أُمروا بالغزو في الصيف حين أحرقت الأرض، وطابت الثمار.
* *
ومعنى ﴿ٱنفِرُواْ﴾: اخرجوا غزاة.
ومعنى: ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ﴾، أي: تثاقلتم فلزمتم الأرض والمقام بمساكنكم.
* *
﴿أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ﴾.
أي: بخفض الدَّعةِ في الدنيا عوضاً من نعيم الآخرة.
* *
﴿فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾.
أي: ما الذي تستمتعون به في الدنيا من عيشها في نعيم الآخرة إلا يسير.
قال النبي ﷺ: "مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّة أفضلُ من الدُّنيا وما فيها
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
يتوعدهم على ترك الغزو إلى الروم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾: أي عاجلاً في الدنيا، بترككم النَّفْر إليهم.
* *
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾.
(أي: ويستبدل الله، عز وجل، نبيَّه عليه السلام قوماً غيركم)، ينفرون معه إذا استنفروا.
* *
﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾.
أي: لا تضروه، بترككم النفير، شيئاً، إذ لا حاجة به إليكم ولا إلى غيركم.
* *
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
على إهلاككم واستبدال قوم غيركم [بكم]، وعلى سائر الأشياء.
قال ابن عباس: استنفر النبي عليه السلام، حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم القطر، فكان ذلك العذاب الأليم.
ورُويَ عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتْهَا: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الحسن، وعكرمة، وأكثر العلماء على أنهما محكمتان، لأن معنى ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، [أي]: إذا احتيج إليكم.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، معناه: أنه لا بد أن يبقى بعض المؤمنين لئلا تخلى دار الإسلام. وقد قاله: الحسن، والضحاك.
* *
وقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، الآية، نَسَخَتْهَا (أيضاً) التي بعدها: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]،. وكذلك نسخت: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، الآية.
التوبة 9:39
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
هذه الآية تحريضٌ من الله، عز وجل، وحثَّ للمؤمنين على غزو الروم، وذلك غزوة تبوك. بعد الفتح، وبعد الطائف، وبعد خيبر، وحنين، أُمروا بالغزو في الصيف حين أحرقت الأرض، وطابت الثمار.
* *
ومعنى ﴿ٱنفِرُواْ﴾: اخرجوا غزاة.
ومعنى: ﴿ٱثَّاقَلْتُمْ﴾، أي: تثاقلتم فلزمتم الأرض والمقام بمساكنكم.
* *
﴿أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ﴾.
أي: بخفض الدَّعةِ في الدنيا عوضاً من نعيم الآخرة.
* *
﴿فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾.
أي: ما الذي تستمتعون به في الدنيا من عيشها في نعيم الآخرة إلا يسير.
قال النبي ﷺ: "مَوْضِعُ سَوْطٍ في الجنَّة أفضلُ من الدُّنيا وما فيها
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾.
يتوعدهم على ترك الغزو إلى الروم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾: أي عاجلاً في الدنيا، بترككم النَّفْر إليهم.
* *
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾.
(أي: ويستبدل الله، عز وجل، نبيَّه عليه السلام قوماً غيركم)، ينفرون معه إذا استنفروا.
* *
﴿وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾.
أي: لا تضروه، بترككم النفير، شيئاً، إذ لا حاجة به إليكم ولا إلى غيركم.
* *
﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
على إهلاككم واستبدال قوم غيركم [بكم]، وعلى سائر الأشياء.
قال ابن عباس: استنفر النبي عليه السلام، حيًّا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم القطر، فكان ذلك العذاب الأليم.
ورُويَ عن ابن عباس أنه قال: نَسَخَتْهَا: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال الحسن، وعكرمة، وأكثر العلماء على أنهما محكمتان، لأن معنى ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، [أي]: إذا احتيج إليكم.
* *
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، معناه: أنه لا بد أن يبقى بعض المؤمنين لئلا تخلى دار الإسلام. وقد قاله: الحسن، والضحاك.
* *
وقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، الآية، نَسَخَتْهَا (أيضاً) التي بعدها: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]،. وكذلك نسخت: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، الآية.
التوبة 9:40
قوله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾، الآية.
﴿ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ﴾: نصب على الحال.
وقال علي بن سليمان: نصبه على المصدر، والمعنى ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، فخرج ﴿ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ﴾.
مثل: ﴿وَٱللَّهُ أَنبَتَكُمْ [مِّنَ ٱلأَرْضِ [نَبَاتاً]﴾ [نوح: ١٧]... .
ومعنى الآية: أنها إعلام] من الله لأصحاب النبي عليه السلام، أن الله، عز وجل، قد تكفل بنصره على أعدائه في كل وقت، وحين: ﴿أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ يعني: قريشاً، مفرداً مع صاحبه أبي بكر، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، يعني [النبي] عليه السلام، يقول لأبي بكر: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، ذلك أن أبا بكر خاف من أن يعرف مكانه، فمكث النبي عليه السلام، وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام.
والغار بجبل يسمى: "ثوراً".
وكان عامر بن فهيرة في غنم لأبي بكر بـ: "ثور" هذا، يروح بتلك الغنم على النبي ﷺ، بالغار، وكان أبو بكر قد أرسله بتلك الغنم إلى "ثور" قبل خروجه مع النبي ﷺ عدة.
قال أبو بكر رضي الله عنه: بينا أنا مع النبي ﷺ، [في الغار] وأقدام المشركين فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله ﷺ الله، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا، قال: "يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالِثُهُما"
والمعنى: الله ثالثهما، بالحفظ والكلاءة والمنع منهما.
وفي فعل النبي ﷺ، هذا مع أبي بكر سُنّةٌ لكل من خاف من أمر لا قوام له به، أن يفر منه، ولا يُعرّض نفسه إلى ما لا طاقة له به، اتباعاً لفعل نبيه، عليه السلام، ولو شاء الله، عز جل، أن يسكنه معهم، ويُعمي أبصارهم عنه لفعل، ولو شاء لمشى بين أيديهم ولا يرونه، ولو شاء أن يهلكهم بما أرادوا أن يفعلوا لفعل، ولم يكن ذلك عليه عزيزاً، ولكن أراد [الله] تعالى، أن يبلغ الكتاب أجله، ولتستنَّ بفعله ﷺ، أمتُه بعده.
وفي فعل النبي ﷺ، وأبي بكر دليلٌ على فساد قول من قال: من خاف شيئاً سوى الله عز وجل، لم يوقن بالقدر. فحذر أبي بكر من أن يراهم المشركون دليل على الحذر من قدر الله، عز وجل، لم يوقن بالقدر. فقال ذلك، رضي الله عنه، إشفاقاً على رسول الله ﷺ، أن يُنَالَ بأذى أو يُفْتَنَ هو في دينه إن قدر عليه، فخف من ذلك، مع علمه أنّ الله عز وجل، بالغ أمره فلي كل ما أراد. وقال الله حكاية عن موسى، عليه السلام.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [طه: ٦٧] ﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾ [طه: ٦٨].
* *
وقوله: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾.
أي: [على] أبي بكر، والنبي عليه السلام، لم تفارقه السكينة قط.
والسكينة: الطمأنينة من السكون.
وقد قيل: إنَّ "الهاء" تعود على النبي ﷺ.
والأول أحسن؛ لأن النبي عليه السلام، معصوم من ذلك، على أنه قد قال تعالى: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦]، وذلك أن النبي عليه السلام، خاف على المؤمنين يوم حنين لما اضطربوا، فلما أيد الله عز وجل، المؤمنين بنصره، سكن خوف النبي ﷺ، عليهم.
* *
وقوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾.
"الهاء" عائدة على النبي ﷺ.
أي: قوّاه بالملائكة.
* *
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ﴾.
أي: قهر الشرك وأذله.
* *
﴿وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا﴾.
أي: كذلك هي، ولم تزل كذلك.
وقرأ علقمة، والحسن، ويعقوب: "وكلمة الله" بالنصب، وهو بعيد من وجوه.
أحدهما: أن الرفع أبلغ؛ لأنها لم تزل كذلك، والنصب يدل على أنها جُعلت كذلك بعد أن لم تكن علياً.
وَبَعيدٌ أيضاً: من أنه يلزم أن يقال: "وَكَلِمَتَهُ هي العُلْيَا"، لأنه لا يجوز في الكلام: "أَعْتَقَ زَيْدٌ غُلاَمَ أبي زَيْدٍ" والثاني هو الأول.
وزعم قول إن إظهار الضمير في هذا حسن؛ لأنّ فيه معنى التعظيم، ولأن المعنى لا يشكل، وليس بمنزلة زيد ونحوه الذي يشكل، قال: وهو مثل ما أنشد سيبويه:
؎ لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ∗∗∗ .................
ومثل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢].
* *
﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾.
أي: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، ﴿حَكِيمٌ﴾، في تدبيره.
قال نافع: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ﴾، وقف، وهو بعيد، لأن ﴿إِذْ﴾، قد عمل فيها: ﴿نَصَرَهُ﴾.
* *
﴿ٱلسُّفْلَىٰ﴾، وقف حسن إن رفعت ﴿وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ﴾، وإن نصبت، كان الوقف: ﴿ٱلْعُلْيَا﴾.
﴿وَجَعَلَ﴾ في هذا الموضع بمعنى: "صيَّر" ويلزم المعتزلة أن يجعلوها بمعنى "خَلَقَ" وهم لا يفعلون ذلك. لأنهم يقولون: كفر الكافر ليس بخلق الله عز وجل، ثم يقولون في قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف: ٣]، معناه: خلقناه، فيجعلون "جعل" بمعنى "خلق" في هذا الموضع، ويمتنعون منه في هذا الموضع الآخر.
و "جعل" يكون:
بمعنى "صَيّرَ".
وبمعنى: "سَمَّى".
وبمعنى "خَلََقَ".
فإذا كانت بمعنى: "صَيَّرَ" تعدت إلى مفعولين وكذلك إذا كانت بمعنى: "سمّى" كقوله: (﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً ﴾.
وإذا كانت بمعنى: "خَلَقَ" تعدت إلى مفعول واحد، كقوله): ﴿وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] هي بمعنى: "صيَّر" تعدت إلى مفعولين وهما: ﴿ٱبْنَ﴾، و﴿آيَةً﴾.
و ﴿كَلِمَةُ ٱللَّهِ﴾، في هذا الموضع: لا إله إلا الله.
التوبة 9:41
قوله تعالى: ﴿ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً﴾، إلى قوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾.
المعنى في قول الحسن: ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، شباناً وشيوخاً، وهو قول عكرمة، وأبي صالح.
ورُوي عن أبي طلحة: ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، شباناً وكهولاً، وكذلك قال الضحاك، ومقاتل بن حيان.
وروى سفيان، عن منصور عن الحكم ﴿ٱنْفِرُواْ﴾: مشاغيل وغير مشاغيل.
وعن أبي صالح أنَّ المعنى ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، أغنياء وفقراء.
وعن ابن عباس وقتادة ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، نشاطاً وغير نِشاط.
وقال الأوزاعي المعنى ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، [ركباناً ومشاة.
وفيه قول سابع قاله ابن زيد أن المعنى ﴿ٱنْفِرُواْ﴾]: من كان ذا ضَيْعَةٍ ومن [كان] غير ذي ضَيْعة، فـ "الثقيلُ" الذي له ضيعة يكره أن يتكر ضيعته، و "التَّخْفِيفُ": الذي لا ضيعة عنده تمنعه من الخروج.
وفيه قول ثامن مرويٌّ عن الحسن أنَّ المعنى: في العُسْر واليسر.
وفيه قول تاسع قاله زيد بن أسلم: أنَّ المعنى "الثقيل": الذي له عيال، و "الخفيف": الذي لا عيال له.
وقد قيل: إنّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ [كَآفَّةً]﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقيل: هي محكمة.
أمر الله أصحاب النبي عليه السلام بالخروج معه على كل حال.
* *
﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
أي: ابذلوهما في الجهاد.
* *
﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: في معادكم وعاجلكم وآجلكم، فالعاجل: الغنيمة، والآجل: الأجر والرضى من الله، عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ﴾.
وذلك أن جماعة استأذنوا النبي ﷺ، إذ خرج إلى تبوك في التخلف والمُقام، فأذن لهم، فقال له الله، عز وجل، ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾، أي: غنيمة حاضرة، ﴿وَسَفَراً﴾: قريباً، ﴿لاَّتَّبَعُوكَ﴾، ولم يتخلفوا عنك.
* *
﴿وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ﴾.
[و ﴿ٱلشُّقَّةُ﴾: الغاية التي يقصد إليها.
قال أبو عبيدة: ﴿ٱلشُّقَّةُ﴾: المشقة].
فالمعنى: ولكن استنهضتهم إلى مكان بعيد، فشق ذلك عليهم، فسألوك في التخلف.
* *
وقوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾.
أي: سيحلف هؤلاء لكم بالله، إنهم لو قدروا لخرجوا معك، وذلك منهم كذب.
* *
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
أي: يوجبون لها بالتخلف والكذب، والهلاك والغضب في الآخرة.
* *
﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
في اعتذارهم.
التوبة 9:42
قوله تعالى: ﴿ٱنْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً﴾، إلى قوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾.
المعنى في قول الحسن: ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، شباناً وشيوخاً، وهو قول عكرمة، وأبي صالح.
ورُوي عن أبي طلحة: ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، شباناً وكهولاً، وكذلك قال الضحاك، ومقاتل بن حيان.
وروى سفيان، عن منصور عن الحكم ﴿ٱنْفِرُواْ﴾: مشاغيل وغير مشاغيل.
وعن أبي صالح أنَّ المعنى ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، أغنياء وفقراء.
وعن ابن عباس وقتادة ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، نشاطاً وغير نِشاط.
وقال الأوزاعي المعنى ﴿ٱنْفِرُواْ﴾، [ركباناً ومشاة.
وفيه قول سابع قاله ابن زيد أن المعنى ﴿ٱنْفِرُواْ﴾]: من كان ذا ضَيْعَةٍ ومن [كان] غير ذي ضَيْعة، فـ "الثقيلُ" الذي له ضيعة يكره أن يتكر ضيعته، و "التَّخْفِيفُ": الذي لا ضيعة عنده تمنعه من الخروج.
وفيه قول ثامن مرويٌّ عن الحسن أنَّ المعنى: في العُسْر واليسر.
وفيه قول تاسع قاله زيد بن أسلم: أنَّ المعنى "الثقيل": الذي له عيال، و "الخفيف": الذي لا عيال له.
وقد قيل: إنّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ [كَآفَّةً]﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقيل: هي محكمة.
أمر الله أصحاب النبي عليه السلام بالخروج معه على كل حال.
* *
﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
أي: ابذلوهما في الجهاد.
* *
﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: في معادكم وعاجلكم وآجلكم، فالعاجل: الغنيمة، والآجل: الأجر والرضى من الله، عز وجل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ﴾.
وذلك أن جماعة استأذنوا النبي ﷺ، إذ خرج إلى تبوك في التخلف والمُقام، فأذن لهم، فقال له الله، عز وجل، ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾، أي: غنيمة حاضرة، ﴿وَسَفَراً﴾: قريباً، ﴿لاَّتَّبَعُوكَ﴾، ولم يتخلفوا عنك.
* *
﴿وَلَـٰكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ ٱلشُّقَّةُ﴾.
[و ﴿ٱلشُّقَّةُ﴾: الغاية التي يقصد إليها.
قال أبو عبيدة: ﴿ٱلشُّقَّةُ﴾: المشقة].
فالمعنى: ولكن استنهضتهم إلى مكان بعيد، فشق ذلك عليهم، فسألوك في التخلف.
* *
وقوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾.
أي: سيحلف هؤلاء لكم بالله، إنهم لو قدروا لخرجوا معك، وذلك منهم كذب.
* *
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
أي: يوجبون لها بالتخلف والكذب، والهلاك والغضب في الآخرة.
* *
﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
في اعتذارهم.
التوبة 9:43
قوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾، إلى قوله: ﴿بِٱلْمُتَّقِينَ﴾.
"النون" من: ﴿عَنكَ﴾، وحيث ما سكنت مع "الكاف" وأخواتها خرجت بغُنّة من الخياشيم.
والمعنى: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾، يا محمد، ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم.
وقيل المعنى: إنه افتتاح كلام بمنزلة: "أصلحك الله" و "أعزك الله".
وقال الطبري: هذا عِتابٌ من الله، عز وجل لنبيه عليه السلام، في إذنه لمن أذن له من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، حتى يعلم الصادق منهم من الكاذب في قولهم: ﴿لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، فيعلم من له عذر ومن لا عذر له، فيتبين لك الصادق من الكاذب، ويكون إذنك على علم بهم.
ثم أرخص الله، عز وجل، له الإذن في سورة "النور" فقال: ﴿فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].
قال بعضُ المفسرين: اثنين فعل رسول الله عليه السلام، لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وأخذه من الأسارى الفداء.
ومن قال هو افتتاح كلام، وقف على: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾.
ومن قال هو عتاب، لم يقف عليه.
وقال محمد بن عرفة نفطويه: ذهب ناس إلى [أنّ] النبي ﷺ مُعاتبٌ بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لجَعَلْتُهَا عُمْرةً"؛ لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال له الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، لأنه كان له أن يفعل ما شاء، فلما كان له أن يفعل ما شاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرماً وتفضلاً منه، ﷺ، فأبان الله، عز وجل أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا، للنفاق الذي في قلوبهم، وإنهم كاذبون في إظهار الطاعة له والمشاورة.
فـ: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾، عنده افتتاح كلام، أعلمه الله عز وجل، به أنه لا حرج عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفواً عن ذنب، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه بترك. الإذن لهم، كما قال عليه السلام: "عَفَا اللهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ وَمَا وَجَبَتَا قَطُّ". ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ الآية.
أجاز سيبويه في: ﴿أَن يُجَاهِدُواْ﴾، أن تكون ﴿أَن﴾: في موضع جر على حذف الجار، قال: لأنَّ حذف حرف الجر جائزٌ مع ظهور "أن"، ألا ترى أنك لو جعلت مع "أنْ" والفعل: المصدر، لم يجز حذف الجر، لا يجوز: "لا يستأذنك القوم الجهاد"، حتى تقول: "في الجهاد" ويجوز ذلك مع "أن".
ومعنى ذلك أن الله عز وجل، أعلم نبيه عليه السلام، بسيما المنافقين وأن من علاماتهم الاستئذان في التخلف لئلا يجاهدوا في سبيل الله، ومن علامات المؤمنين أنهم لا يستأذنون في ذلك.
وقيل المعنى: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ في القعود عن الجهاد.
التوبة 9:44
قوله: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾، إلى قوله: ﴿بِٱلْمُتَّقِينَ﴾.
"النون" من: ﴿عَنكَ﴾، وحيث ما سكنت مع "الكاف" وأخواتها خرجت بغُنّة من الخياشيم.
والمعنى: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾، يا محمد، ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم.
وقيل المعنى: إنه افتتاح كلام بمنزلة: "أصلحك الله" و "أعزك الله".
وقال الطبري: هذا عِتابٌ من الله، عز وجل لنبيه عليه السلام، في إذنه لمن أذن له من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، حتى يعلم الصادق منهم من الكاذب في قولهم: ﴿لَوِ ٱسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، فيعلم من له عذر ومن لا عذر له، فيتبين لك الصادق من الكاذب، ويكون إذنك على علم بهم.
ثم أرخص الله، عز وجل، له الإذن في سورة "النور" فقال: ﴿فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢].
قال بعضُ المفسرين: اثنين فعل رسول الله عليه السلام، لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وأخذه من الأسارى الفداء.
ومن قال هو افتتاح كلام، وقف على: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾.
ومن قال هو عتاب، لم يقف عليه.
وقال محمد بن عرفة نفطويه: ذهب ناس إلى [أنّ] النبي ﷺ مُعاتبٌ بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: "لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لجَعَلْتُهَا عُمْرةً"؛ لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال له الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، لأنه كان له أن يفعل ما شاء، فلما كان له أن يفعل ما شاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرماً وتفضلاً منه، ﷺ، فأبان الله، عز وجل أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا، للنفاق الذي في قلوبهم، وإنهم كاذبون في إظهار الطاعة له والمشاورة.
فـ: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾، عنده افتتاح كلام، أعلمه الله عز وجل، به أنه لا حرج عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفواً عن ذنب، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه بترك. الإذن لهم، كما قال عليه السلام: "عَفَا اللهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ وَمَا وَجَبَتَا قَطُّ". ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.
* *
قوله: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ الآية.
أجاز سيبويه في: ﴿أَن يُجَاهِدُواْ﴾، أن تكون ﴿أَن﴾: في موضع جر على حذف الجار، قال: لأنَّ حذف حرف الجر جائزٌ مع ظهور "أن"، ألا ترى أنك لو جعلت مع "أنْ" والفعل: المصدر، لم يجز حذف الجر، لا يجوز: "لا يستأذنك القوم الجهاد"، حتى تقول: "في الجهاد" ويجوز ذلك مع "أن".
ومعنى ذلك أن الله عز وجل، أعلم نبيه عليه السلام، بسيما المنافقين وأن من علاماتهم الاستئذان في التخلف لئلا يجاهدوا في سبيل الله، ومن علامات المؤمنين أنهم لا يستأذنون في ذلك.
وقيل المعنى: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ في القعود عن الجهاد.
التوبة 9:45
قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [بِٱللَّهِ] وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾.
أي: في القعود، يدل على ذلك قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ٱئْذَن﴾، أي: في القعود.
* *
وقوله: ﴿وَٱرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
يعني المنافقين الذين يستأذنون في التخلف، أي: وشكت قلوبهم في الله عز وجل، وفي ثوابه وعقابه، سبحانه، فهم في شكهم ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾، أي: يتحيرون، لا يعرفون حقاً من باطل.
رُوي عن عكرمة، والحسن: أن قوله: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾، [إلى]: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، نسختها الآية التي في "النور": ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الآية: ٦٢] إلى: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الآية: ٦٢].
التوبة 9:46
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ ٱلْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾.
والمعنى: ولو أراد هؤلاء الذين استأذنوك في التخلف الخروج معك، ﴿لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾، أي: لتأهّبوا للسفر.
* *
﴿وَلَـٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنبِعَاثَهُمْ﴾.
أي: خروجهم.
* *
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾.
أي: فثقّل عليهم الخروج، حتى استحسنوا القعود، وسألوا فيه.
* *
﴿وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ﴾.
أي: زيَّن لهم ذلك.
فـ: ﴿ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ﴾، أي: مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان.
والذين استأذنه هو: عبد الله بن أُبي بن سلول، ومن كان مثله.
والفاعل المحذوف من: ﴿وَقِيلَ﴾، ذُكر أنه النبي ﷺ، لأنه هو سمح لهم في التخلف.
ويجوز أن يكون المعنى: وقال لهم أصحابهم هذا.
التوبة 9:47
قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم﴾ الآية.
المعنى: لو خرج هؤلاء فيكم، ﴿مَّا زَادُوكُمْ﴾ بخروجهم ﴿إِلاَّ خَبَالاً﴾ أي: فساداً ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾، أي: ولأسرعوا بركائبهم للسير فيكم.
و "الإيضاع": ضرب من الإسراع في الخيل والإبل.
وكتبت: ﴿ولأَوْضَعُواْ﴾ بألف زائدة.
وكذلك: ﴿أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ [النمل: ٢١].
وكذلك: ﴿لإِلَى ٱلْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٨].
والعلة في ذلك: أنّ الفتحة كانت تكتب قبل العربي الفاً، فكتبت هذه الحروف على ذلك الأصل، جعلوا للفتحة صورة فزادوا الألف التي بعد اللام، والألف الثانية هي صورة الهمزة.
* *
ومعنى ﴿خِلاَلَكُمْ﴾، فيما بينكم، وهي الفُرَجُ تكون بين القوم في الصفوف.
وقال أبو إسحاق معنى ﴿خِلاَلَكُمْ﴾: فيما يخل بكم، أي: يسرعوا فيما ينقصكم.
* *
﴿يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ﴾.
أي: يبغونها لكم، أي: يطلبون ما تفتنون به.
وقيل ﴿ٱلْفِتْنَةَ﴾ هنا: الشرك.
قال ابن زيد: سلّى الله عز وجل، نبيه ﷺ، بهذه الآية في تخلف المنافقين عنه، فأخبره أنهم ضررٌ لا نفع فيهم.
* *
وقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.
أي: فيكم، يا أصحاب محمد، من يستمع حديثكم ليخبرهم بذلك، كأنهم عيون للمنافقين. كذلك قال: مجاهد والحسن وابن زيد.
وقال قتادة المعنى: وفيكم من يستمع كلامهم ويطيعهم، فلو صحبوكم أفسدوهم عليكمك.
* *
﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ﴾.
أي: ذو علم بمن يقبل من كلام المنافقين، ومن يؤدي إليهم أخبار المؤمنين، وبغير ذلك.
التوبة 9:48
قوله: ﴿لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ﴾، إلى قوله: ﴿بِٱلْكَافِرِينَ﴾.
المعنى: لقد التمس هؤلاء المنافقون لأصحابك، يا محمد، ﴿ٱلْفِتْنَةَ﴾، أي: خبالهم وصدهم عن دينهم ﴿مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن ينزل عليك أمرهم وكشف سرهم واعتقادهم ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ﴾، أي: أجالوا فيك وفي إبطال ما جئت به الرأي ﴿حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ﴾، أي: نصر الله: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾، أي دينه وهو الإسلام، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، لذلك.
ثم أخبر الله عز وجل، عن المنافقين أن منهم من يقول للنبي ﷺ: ﴿ٱئْذَن لِّي﴾، أي: ائذن لي يا محمد، في المُقام ولا أخرج معك، ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾، أي: لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، فإني بالنساء مغرمٌ، فآثم بذلك.
قال مجاهد: قال النبي ﷺ: "اغزوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم"فقال بعض المنافقين: ائذن لي، ولا تفتني بالنساء.
وقال قتادة معنى: ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾، أي: لا تؤثمني، بالتخلف عنك بغير رأيك، ائذن لي في المُقام.
قال ابن عباس: قال الجد بن قيس للنبي ﷺ، لما حضّ على غزو الروم: قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكني أعينك بمالي.
ففي الجد بن قيس نزلت الآية.
* *
وقوله: ﴿أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾.
أي: ألا في الإثم وقعوا، ومنه هربوا في زعمهم.
* *
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: مُحدقةٌ بهم، جامعةٌ لهم يوم القيامة.
﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾: وقف حسن.
التوبة 9:49
قوله: ﴿لَقَدِ ٱبْتَغَوُاْ ٱلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ﴾، إلى قوله: ﴿بِٱلْكَافِرِينَ﴾.
المعنى: لقد التمس هؤلاء المنافقون لأصحابك، يا محمد، ﴿ٱلْفِتْنَةَ﴾، أي: خبالهم وصدهم عن دينهم ﴿مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن ينزل عليك أمرهم وكشف سرهم واعتقادهم ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلأُمُورَ﴾، أي: أجالوا فيك وفي إبطال ما جئت به الرأي ﴿حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ﴾، أي: نصر الله: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾، أي دينه وهو الإسلام، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، لذلك.
ثم أخبر الله عز وجل، عن المنافقين أن منهم من يقول للنبي ﷺ: ﴿ٱئْذَن لِّي﴾، أي: ائذن لي يا محمد، في المُقام ولا أخرج معك، ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾، أي: لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، فإني بالنساء مغرمٌ، فآثم بذلك.
قال مجاهد: قال النبي ﷺ: "اغزوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم"فقال بعض المنافقين: ائذن لي، ولا تفتني بالنساء.
وقال قتادة معنى: ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾، أي: لا تؤثمني، بالتخلف عنك بغير رأيك، ائذن لي في المُقام.
قال ابن عباس: قال الجد بن قيس للنبي ﷺ، لما حضّ على غزو الروم: قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكني أعينك بمالي.
ففي الجد بن قيس نزلت الآية.
* *
وقوله: ﴿أَلا فِي ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾.
أي: ألا في الإثم وقعوا، ومنه هربوا في زعمهم.
* *
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ﴾.
أي: مُحدقةٌ بهم، جامعةٌ لهم يوم القيامة.
﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾: وقف حسن.
التوبة 9:50
قوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرورٌ وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا [مِن قَبْلُ]﴾، أي: أخذنا الحذر بتخلفنا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن تصيبهم هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ [فَرِحُونَ]﴾، أي: يُدْبروا عن محمد ﷺ، [وهم]: فرحون بما أصابه.
* *
ثم قال: ﴿قُل﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس ﴿يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: ﴿هُوَ مَوْلاَنَا﴾ أي ناصرنا، ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾، أي: إحدى الخلّتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما القتل والظفر بالشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾، أي: بعقوبة عاجلة، تهلككم: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، أي: يسلطنا عليكم فنقتلكم.
قال ابن جريج: ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾: بالموت، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: بالقتل.
* *
﴿فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه يصير كل فريق منا ومنكم.
التوبة 9:51
قوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرورٌ وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا [مِن قَبْلُ]﴾، أي: أخذنا الحذر بتخلفنا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن تصيبهم هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ [فَرِحُونَ]﴾، أي: يُدْبروا عن محمد ﷺ، [وهم]: فرحون بما أصابه.
* *
ثم قال: ﴿قُل﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس ﴿يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: ﴿هُوَ مَوْلاَنَا﴾ أي ناصرنا، ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾، أي: إحدى الخلّتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما القتل والظفر بالشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾، أي: بعقوبة عاجلة، تهلككم: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، أي: يسلطنا عليكم فنقتلكم.
قال ابن جريج: ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾: بالموت، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: بالقتل.
* *
﴿فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه يصير كل فريق منا ومنكم.
التوبة 9:52
قوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرورٌ وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا [مِن قَبْلُ]﴾، أي: أخذنا الحذر بتخلفنا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن تصيبهم هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ [فَرِحُونَ]﴾، أي: يُدْبروا عن محمد ﷺ، [وهم]: فرحون بما أصابه.
* *
ثم قال: ﴿قُل﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس ﴿يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: ﴿هُوَ مَوْلاَنَا﴾ أي ناصرنا، ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ﴾، أي: إحدى الخلّتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما القتل والظفر بالشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾، أي: بعقوبة عاجلة، تهلككم: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، أي: يسلطنا عليكم فنقتلكم.
قال ابن جريج: ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾: بالموت، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: بالقتل.
* *
﴿فَتَرَبَّصُوۤاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه يصير كل فريق منا ومنكم.
التوبة 9:53
قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من دينكم، خارجون عن الإيمان بذلك.
وخرج قوله: ﴿أَنفِقُواْ﴾، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل العرب ذلك في الموضع الذي يحسن فيه "إنْ" التي للجزاء، [و] منه قوله تعالى: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء خبر، ومنه قول كثير:
؎ أسيئ بِنَا أوْ أحْسِني، لاَ مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلاَ مَقْلَّيةً إِنْ تَقلَّتِ.
فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهين فلن يقبل منكم.
وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى الطلب والأمر، تقول: "غَفَرَ اللهُ لِزَيْدٍ" معناه: الطلب والدعاء، ولفظه لفظ الخبر، والمعنى: "اللهم اغفر لزيد".
وهذه الآية نزلت في الجدّ بن قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام [عليه] الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه يفتتن، ثم قال للنبي ﷺ: هذا مالي أعينك به.
ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾، أي: بأن تقبل، ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ﴾، "أنّ" في موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم.
وأجاز الزجاج، أن تكون "أَنَّ" في موضع نصب، على معنى: إلا لأنَّهم كفروا، ويكون الفاعل مضمراً في ﴿مَنَعَهُمْ﴾، والتقدير وما منعهم الله من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا لأنهم كفروا.
ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض.
ومن قرأ: ﴿أَن تُقْبَلَ﴾ بـ: "الياء"، رده على معنى الإنفاق، لأنه والنفقات سواء.
فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثواباً، ولا يخافون بالتفريط فيها عقاباً، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ينفقون شيئاً من أموالهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، إذ لا يرجون ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ﴾.
أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ليعذبهم بها في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، يريد به التقديم. والمعنى: ولا تعجبك يا محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما.
وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله، عز وجل، وهو اختيار الطبري. على معنى: أنهم يخرجونها تقيةً وخوفاً، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها من أيديهم، فهي لهم عذابٌ.
وقال ابن زيد المعنى: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: بالمصائب فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: تخرج وهم على كفرهم.
قال أبو حاتم: ﴿وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾، وقف كاف.
فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف.
ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: ﴿وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
و ﴿فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، ليس بتمام؛ لأن ﴿وَتَزْهَقَ﴾، معطوف عليه.
التوبة 9:54
قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من دينكم، خارجون عن الإيمان بذلك.
وخرج قوله: ﴿أَنفِقُواْ﴾، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل العرب ذلك في الموضع الذي يحسن فيه "إنْ" التي للجزاء، [و] منه قوله تعالى: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء خبر، ومنه قول كثير:
؎ أسيئ بِنَا أوْ أحْسِني، لاَ مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلاَ مَقْلَّيةً إِنْ تَقلَّتِ.
فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهين فلن يقبل منكم.
وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى الطلب والأمر، تقول: "غَفَرَ اللهُ لِزَيْدٍ" معناه: الطلب والدعاء، ولفظه لفظ الخبر، والمعنى: "اللهم اغفر لزيد".
وهذه الآية نزلت في الجدّ بن قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام [عليه] الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه يفتتن، ثم قال للنبي ﷺ: هذا مالي أعينك به.
ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾، أي: بأن تقبل، ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ﴾، "أنّ" في موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم.
وأجاز الزجاج، أن تكون "أَنَّ" في موضع نصب، على معنى: إلا لأنَّهم كفروا، ويكون الفاعل مضمراً في ﴿مَنَعَهُمْ﴾، والتقدير وما منعهم الله من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا لأنهم كفروا.
ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض.
ومن قرأ: ﴿أَن تُقْبَلَ﴾ بـ: "الياء"، رده على معنى الإنفاق، لأنه والنفقات سواء.
فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثواباً، ولا يخافون بالتفريط فيها عقاباً، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ينفقون شيئاً من أموالهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، إذ لا يرجون ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ﴾.
أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ليعذبهم بها في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، يريد به التقديم. والمعنى: ولا تعجبك يا محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما.
وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله، عز وجل، وهو اختيار الطبري. على معنى: أنهم يخرجونها تقيةً وخوفاً، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها من أيديهم، فهي لهم عذابٌ.
وقال ابن زيد المعنى: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: بالمصائب فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: تخرج وهم على كفرهم.
قال أبو حاتم: ﴿وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾، وقف كاف.
فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف.
ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: ﴿وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
و ﴿فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، ليس بتمام؛ لأن ﴿وَتَزْهَقَ﴾، معطوف عليه.
التوبة 9:55
قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من دينكم، خارجون عن الإيمان بذلك.
وخرج قوله: ﴿أَنفِقُواْ﴾، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل العرب ذلك في الموضع الذي يحسن فيه "إنْ" التي للجزاء، [و] منه قوله تعالى: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء خبر، ومنه قول كثير:
؎ أسيئ بِنَا أوْ أحْسِني، لاَ مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلاَ مَقْلَّيةً إِنْ تَقلَّتِ.
فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهين فلن يقبل منكم.
وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى الطلب والأمر، تقول: "غَفَرَ اللهُ لِزَيْدٍ" معناه: الطلب والدعاء، ولفظه لفظ الخبر، والمعنى: "اللهم اغفر لزيد".
وهذه الآية نزلت في الجدّ بن قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام [عليه] الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه يفتتن، ثم قال للنبي ﷺ: هذا مالي أعينك به.
ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾، أي: بأن تقبل، ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ﴾، "أنّ" في موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم.
وأجاز الزجاج، أن تكون "أَنَّ" في موضع نصب، على معنى: إلا لأنَّهم كفروا، ويكون الفاعل مضمراً في ﴿مَنَعَهُمْ﴾، والتقدير وما منعهم الله من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا لأنهم كفروا.
ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض.
ومن قرأ: ﴿أَن تُقْبَلَ﴾ بـ: "الياء"، رده على معنى الإنفاق، لأنه والنفقات سواء.
فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثواباً، ولا يخافون بالتفريط فيها عقاباً، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ينفقون شيئاً من أموالهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، إذ لا يرجون ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ﴾.
أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ليعذبهم بها في الآخرة.
* *
وقوله: ﴿فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، يريد به التقديم. والمعنى: ولا تعجبك يا محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما.
وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة والنفقة في سبيل الله، عز وجل، وهو اختيار الطبري. على معنى: أنهم يخرجونها تقيةً وخوفاً، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها من أيديهم، فهي لهم عذابٌ.
وقال ابن زيد المعنى: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: بالمصائب فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: تخرج وهم على كفرهم.
قال أبو حاتم: ﴿وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾، وقف كاف.
فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف.
ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: ﴿وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
و ﴿فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا﴾، ليس بتمام؛ لأن ﴿وَتَزْهَقَ﴾، معطوف عليه.
التوبة 9:56
قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة.
قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.
ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منكم: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم. و "الجَمْحُ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.
قال ابن عباس: "المَلْجَأُ" الحِرْزُ في الجبل.
وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السَّربُ.
وواحد المغارات: "مغارة"، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه.
وأجاز الأخفش: "مُغارات"، من: "أَغَارَ يُغِيرُ"، كما قال:
؎ الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ∗∗∗ .................
وواحدها "مغارة" وجمعها "مغاور".
وَقَرأ عيسى بن عمر، والأعمش: "أوْ مُدَّخَّلاً" بتشديد "الدال" و "الخاء"، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.
وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.
وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من "أدخل.
وفي حرف أُبيّ: "مُدَخَّلاً" بتخفيف "الدال" وتشديد "الخاء".
ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.
يقال: "لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ"، لغتان.
والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
و "الهُمَزَة اللُّمَزَة": العياب للناس.
وقيل: "الهُمَزَةُ": الذي يشير بعينه، و "اللُّمَزَة": الذي يعيب في السر.
* *
وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.
أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها.
قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.
قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
التوبة 9:57
قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة.
قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.
ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منكم: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم. و "الجَمْحُ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.
قال ابن عباس: "المَلْجَأُ" الحِرْزُ في الجبل.
وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السَّربُ.
وواحد المغارات: "مغارة"، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه.
وأجاز الأخفش: "مُغارات"، من: "أَغَارَ يُغِيرُ"، كما قال:
؎ الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ∗∗∗ .................
وواحدها "مغارة" وجمعها "مغاور".
وَقَرأ عيسى بن عمر، والأعمش: "أوْ مُدَّخَّلاً" بتشديد "الدال" و "الخاء"، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.
وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.
وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من "أدخل.
وفي حرف أُبيّ: "مُدَخَّلاً" بتخفيف "الدال" وتشديد "الخاء".
ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.
يقال: "لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ"، لغتان.
والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
و "الهُمَزَة اللُّمَزَة": العياب للناس.
وقيل: "الهُمَزَةُ": الذي يشير بعينه، و "اللُّمَزَة": الذي يعيب في السر.
* *
وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.
أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها.
قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.
قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
التوبة 9:58
قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة.
قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.
ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منكم: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم. و "الجَمْحُ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.
قال ابن عباس: "المَلْجَأُ" الحِرْزُ في الجبل.
وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السَّربُ.
وواحد المغارات: "مغارة"، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه.
وأجاز الأخفش: "مُغارات"، من: "أَغَارَ يُغِيرُ"، كما قال:
؎ الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ∗∗∗ .................
وواحدها "مغارة" وجمعها "مغاور".
وَقَرأ عيسى بن عمر، والأعمش: "أوْ مُدَّخَّلاً" بتشديد "الدال" و "الخاء"، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.
وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.
وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من "أدخل.
وفي حرف أُبيّ: "مُدَخَّلاً" بتخفيف "الدال" وتشديد "الخاء".
ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.
يقال: "لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ"، لغتان.
والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
و "الهُمَزَة اللُّمَزَة": العياب للناس.
وقيل: "الهُمَزَةُ": الذي يشير بعينه، و "اللُّمَزَة": الذي يعيب في السر.
* *
وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.
أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها.
قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.
قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
التوبة 9:59
قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾.
والمعنى، أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة.
قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدون خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.
ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها. ﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منكم: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم. و "الجَمْحُ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.
قال ابن عباس: "المَلْجَأُ" الحِرْزُ في الجبل.
وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السَّربُ.
وواحد المغارات: "مغارة"، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه.
وأجاز الأخفش: "مُغارات"، من: "أَغَارَ يُغِيرُ"، كما قال:
؎ الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ∗∗∗ .................
وواحدها "مغارة" وجمعها "مغاور".
وَقَرأ عيسى بن عمر، والأعمش: "أوْ مُدَّخَّلاً" بتشديد "الدال" و "الخاء"، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.
وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.
وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من "أدخل.
وفي حرف أُبيّ: "مُدَخَّلاً" بتخفيف "الدال" وتشديد "الخاء".
ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.
يقال: "لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ"، لغتان.
والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
و "الهُمَزَة اللُّمَزَة": العياب للناس.
وقيل: "الهُمَزَةُ": الذي يشير بعينه، و "اللُّمَزَة": الذي يعيب في السر.
* *
وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.
أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا من أجل أنك منعتهم منها.
قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.
قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا هواه، فنزلت الآية.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
التوبة 9:60
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، الآية.
﴿فَرِيضَةً﴾: نصب على المصدر.
ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن.
فقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَاكِينِ﴾.
قال مجاهد، وعكرمة، والزُّهري، وجابر بن زيد: "الفقير": الذي لا يسأل و "المسكين": الذي يسأل.
وقال ابن عباس: "المسكين": الطواف، و "الفقير": فقير المسلمين.
وقال قتادة "الفقير": المحتاج الذي به زمانة، و "المسكين": الصحيح المحتاج.
وقال الضحاك "الفقراء": فقراء المجاهدين، و "المساكين": [الذين] لم يهاجروا.
وذكر ابن وهب، عنه، أنّ "الفقراء": من المهاجرين، و "المساكين"): من الأعراب. قال: وكان ابن عباس يقول: "الفقراء" من المسلمين، و "المساكين" من أهل الذمة.
وقال الشافعي "الفقراء": الذين لا مال لهم ولا حرفة تغنيهم، و "المساكين" الذين لهم مال، أوْ حرفة لا تغنيهم.
وقال أبو ثور "الفقير": الذي لا شيء له، و "المسكين": الذي لا يكسب من كسبه ما يقوته.
وقال عبيد الله بن الحسن "المسكين" الذي يخشع ويستكين، بأن لم يسأل و "الفقير"، الذي يتحمل، ويقبل الشيء سراً، ولا يخشع.
وقال محمد بن مَسْلمة "الفقير": الذي له مسكن يسكنه والخادم إلى ما هو أسفل من ذلك، و "المسكين": الذي لا مال له.
وقال أهل اللغة: "المسكين": الذي لا شيء له، و "الفقير": الذي له شيء يكفيه.
قال يونس: قلت لأعرابي: أفقير أنت؟ قال: لا، بل مسكين.
وقال عكرمة "الفقراء": من اليهود والنصارى، و "المساكين": من المسلمين.
واختار الطبري، وغيره أن يكون "الفقير": الذي يعطى بفقره فقط، و "المسكين": الذي يكون عليه مع فقره خضوع وذل السؤال.
وأنشد أهل اللغة قول الراعي:
؎ أمَّا الفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ∗∗∗ وَفْقَ الِعيَالَ فَلَمْ يُتْركْ لَهُ سَبَدُ
فجعل للفقير حَلُوبَةً، مقدار ما يكفي العيال.
فـ: "المسكين" أشد حاجة من "الفقير" فكل مسكين فقير، وليس كل فقير مسكيناً.
فـ: "الفقير": الذي لا غنى له فوق قوت يومه، وهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُول، كأنَّه مفقور الظهر، وهو الذي نزعت فَقْره [من فِقَر] ظهره، فانقطع ظهره من شدة الفقر، وهذا الاشتقاق يدل على أنّ "الفقير" أشدُّ حاجةً من "المسكين" وقد قال تعالى: ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩]، فسماهم: مساكين، ولهم سفينة. ولا حجة في قراءة من قرأ: "مَسَّاكِينَ"، بالتشديد؛ لأن الجماعة على التخفيف.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾.
هم السعاة في قبضها من أهلها، يُعْطَوْنَ عليها، أغنياء كانوا أو فقراء.
وذلك عند مالك إلى الإمام، يجتهد فيما يعطيهم، وليس لهم فريضةٌ مسماة.
وأما ﴿ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، فقال ابن عباس: هم قوم كانوا يأتون رسول الله ﷺ، قد أسلموا، فكان النبي عليه السلام، يَرْضَخُ لهم من الصدقات، فإذا أصابوا خيراً، قالوا: هذا دين صالح، وإن كان غير ذلك، عابوه وتركوه.
وقال الزُّهري: ﴿وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾: من أسلم من يهودي أو نصراني، غنياً كان أو فقيراً.
وقال الحسن: أما ﴿ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، فليس اليوم.
وكذا رُوي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.
وقال الشعبي: كانت "المؤلفة"، على عهد النبي ﷺ، فلما وَلِيَ أبو بكر انقطع ذلك.
وهو قول مالك، قال: يرجع سهم المؤلف إلى أهل السهام الباقية.
وقال الشافعي "المؤلفة": من دخل في الإسلام.
وقال ابن حنبل وغيره: ﴿ٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، في كل زمان.
وهو اختيار الطبري.
و "اللام" في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾، وما بعد ذلك، بمعنى: "في"، ولو حملت على ظاهرها لوجب أن يعطوا الصدقات، يفعلون فيها ما يشاؤون. وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾، يدل على أنَّ "اللام" بمعنى "في".
والمعنى إنما توضع الصدقات في هؤلاء على ما يستحقون، فيأخذونها لأنفسهم، فـ "اللام" توجب استحقاقها كلها لهم يعملون فيها ما يشاؤون.
* *
وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾.
قال ابن عباس: تعتق منها الرقبة.
قال: لا بأس أن يُعطى الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق منها الرقبة.
وممن قال يعتق من الزكاة الرقاب: الحسن البصري، ومالك، وابن حنبل، وغيرهم.
وكره مالك أن يعان بها المكاتبون.
وقال الحسن، والزهري، وابن زيد، والشافعي: معنى ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾، يعني المكاتبين.
والمعنى على هذا: وفي فك الرقاب، ورُوِيَ ذلك عن أبي موسى الأشعري.
وولاء من أعتق من الزكاة لجميع المسلمين عند مالك.
وقال الحسن، وابن حنبل، وإسحاق: يجعل ما يتركه المعتّق في الرقاب.
وقال أبو عبيد: الولاء للمعتق.
* *
وقوله: ﴿وَٱلْغَارِمِينَ﴾.
قال مجاهد الغارَمُ: من احترق بيته، أو يصيبه السيل فيذهب ماله.
وقيل: هم المستدينون في غير سرف، ينبغي للإمام أن يقضي عنهم من بيت المال.
وقال الزهري: ﴿ٱلْغَارِمِينَ﴾، أصحاب الدين.
(وقال قتادة: الغارمون)، قوم غرَّقتهم الديون في غير تبذير ولا فساد.
وأجاز الحسن أن يحتسبَ الرجل من زكاته بالدين، يكون له على المعسر. وهو قول عطاء.
وأجازه الليث إذا حَلَّ الأجَلُ، وكان الذي عليه الدَّيْنُ مُسْتَوْجِباً للصدقة.
* *
وقوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
المعنى: وفي نصر دين الله يعطى الغازي منها وإن كان غنياً.
هذا قول مالك، والشافعي.
* *
وقوله: ﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾.
هو الضيف والمسافر، والمنقطع بهما.
وقال مالك: الحاج المنقطع به هو ابن السبيل، يعطى من الزكاة.
وأكثر الناس على أن المتصدق بزكاته يجزيه أن يضعها في أي الأصناف المذكورين شاء. وهو قول: ابن عباس، والحسن، والنخعي، وعطاء، والثوري، ومالك، وأبي حنيفة.
قال مالك: تجعل في أي الأصناف كانت فيه الحاجة.
قال مالك: من له دارٌ وخادمٌ ليس في ثمنها زيادة تكفيه لو باعهما واشترى ما هو دون منهما، فإنه يأخذ من الزكاة، فإن فضل له ما يعينه على عيشه ويكفيه إذا باعهما، واشترى غيرهما لم يأخذ من الزكاة. وهو قول الحسن، والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي.
وقال الشافعي: إنه قد يكون للرجل الجملة من الدنانير والدراهم، وَعَلَيْهِ عِيَالٌ، وهو محتاج إلى أكثر منها، فله أن يأخذ من الزكاة.
[وقال أبو حنيفة: من معه عشرون ديناراً أو مائتا درهمٍ، فليس له أن يأخذ من الزكاة].
وقيل: من له خمسون درهماً فلا يحل له أن يأخذ من الزكاة. وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وفيه حديث عن النبي ﷺ، أنه قال: "مَنْ سَأَلَ، وَلَهُ مَالٌ يُغْنِيهِ، جاءت - يعني مسألته - في وجهه يوم القيامة خُمُوشاً أو كُدُوحاً"، قالوا: يا رسول الله، وماذا غناه؟ قال: "خمسون درهماً أو حسابها من الذهب"
وقيل: لا يأخذ من يملك أربعين درهماً من الزكاة.
ورُوِيَ عن النبي ﷺ، أنه قال: "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ أربعون درهماً، فقد سأل إِلحَافاً". "والأوقية: أربعون درهماً".
وقد رُوِيَ هذا عن مالك، والأول أشهر عنه. وهو [قول] أبي عبيد.
قال مالك: إذا كان الإمام يعدل فلا يسع أحداً أن يفرق زكاة ماله النَّاضِّ، ولا غيره، ولكن يدفعه إلى الإمام.
ويبعث الإمام في زكاة الماشية، وما أنبتت الأرض، ولا يبعث في زكاة العين، ولكن إن كان عدلاً سألهم ذلك، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، ويصدق الناس في ذلك.
التوبة 9:61
قوله: ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.
روى الأعمش عن أبي بكر: "قُلُ أُذْنٌ خَيْرٌ لَّكُمْ"، بالتنوين والرفع فيهما، وهي قراءة الحسن.
ومعنى ذلك: قُل هو أذن خَيْرٍ لا أذن شّرٍٍّ، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع من كل أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه.
فقوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: أذنٌ سامعة تسمع من كل أحد.
وأصله من "أَذِنَ" إذا تَسمَّعَ.
ومنه الخبر عن النبي ﷺ: "مَا أُذِنَ اللهُ لِشَيء كَأَذِنه لِنَبِيٍ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ
ويُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، كان نَبْتَلُ يأتي النبي ﷺ، يتحدث إليه فيستمع النبي ﷺ منه، فينقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد أُذُنٌ، من حَدَّثهُ سمِعَ منه وصدَّقَه.
وهو الذي قال النبي ﷺ، فيه: "من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث"
وكان جسيماً، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين.
ومعنى قراءة من نوَّن، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم من أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم يقبل اعتذاركم.
* *
وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾.
أي: يُصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق المؤمنين لا الكافرين والمنافقين.
والعرب تقول: "آمنتُ له، وآمنْتُه" بمعنى، أي: صدَّقته، كما قال: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، بمعنى: ردفكم وكما قال: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أي: ربَّهم يرهبون.
و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. يعني: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، و﴿يَرْهَبُونَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: يسمع من كلِّ أحد.
قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أُذُن، لا يُحدَّث بشيء إلا صدَّقه.
* *
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: وهو رحمة.
ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أُذُن خير وَأُذُن رحمة لمن اتبعه.
* *
﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾.
أي: يعيبونه، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلم.
ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، أي: ليرضوكم إذا بلغهم عنكم أنّكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحَلَفُوا أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم لعلى دينكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾.
التقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه.
والتقدير عند المبرد: أنَّه لا حذف في الكلام، وأنَّ فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور[سوله].
وقد رُدّ هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال اللفظ على ظاهره، فإذا حَسُنَ استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ترتيبه.
وقد رُدَّ أيضاً قول سيبويه بأن قيل: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز استعمال اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله بغير زيادة على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف.
* *
وقوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: مصدقين فيما زعموا.
ذكر بعض المفسرين: أنّ رجلاً من المنافقين، انتقص النبي ﷺ، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي عليه السلام، فأخبره، فوجه النبي ﷺ، إلى المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ فأقبل المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول: اللهم صِدّق الصادق، وكِذّب الكاذب، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَحْلِفُونَ [بِٱللَّهِ] لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، الآية.
التوبة 9:62
قوله: ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾، إلى قوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.
روى الأعمش عن أبي بكر: "قُلُ أُذْنٌ خَيْرٌ لَّكُمْ"، بالتنوين والرفع فيهما، وهي قراءة الحسن.
ومعنى ذلك: قُل هو أذن خَيْرٍ لا أذن شّرٍٍّ، وذلك أنهم قالوا: هو يسمع من كل أحد، ويسمع ما يقال له ويصدقه.
فقوله: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: أذنٌ سامعة تسمع من كل أحد.
وأصله من "أَذِنَ" إذا تَسمَّعَ.
ومنه الخبر عن النبي ﷺ: "مَا أُذِنَ اللهُ لِشَيء كَأَذِنه لِنَبِيٍ يَتَغَنَّى بالقُرْآنِ
ويُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في نبتل بن الحارث، ونفر معه من المنافقين، كان نَبْتَلُ يأتي النبي ﷺ، يتحدث إليه فيستمع النبي ﷺ منه، فينقل حديثه إلى المنافقين، ويقول: إنما محمد أُذُنٌ، من حَدَّثهُ سمِعَ منه وصدَّقَه.
وهو الذي قال النبي ﷺ، فيه: "من أحب أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل ابن الحارث"
وكان جسيماً، ثائر شعر الرأس، أسفع الخدين، أحمر العينين.
ومعنى قراءة من نوَّن، قل: أذن يسمع ما تقولون ويصدقكم في قولكم خير لكم من أن يكذبكم في قولكم، فالتقدير: إن كان الأمر كما تقولون فهو خير لكم يقبل اعتذاركم.
* *
وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ﴾.
أي: يُصدق بالله، ويصدق المؤمنين، أي: لا يقبل إلا من المؤمنين. فأكذبهم الله فيما قالوا عنه: إنه يقبل من كل أحد، فأخبرهم أنه إنما يصدق المؤمنين لا الكافرين والمنافقين.
والعرب تقول: "آمنتُ له، وآمنْتُه" بمعنى، أي: صدَّقته، كما قال: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]، بمعنى: ردفكم وكما قال: ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أي: ربَّهم يرهبون.
و (اللام) عند الكوفيين زائدة، وعند المبرد متعلقة بمصدر دل عليه الفعل. يعني: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾، و﴿يَرْهَبُونَ﴾.
قال ابن عباس: ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾، أي: يسمع من كلِّ أحد.
قال قتادة: كانوا يقولون: محمد أُذُن، لا يُحدَّث بشيء إلا صدَّقه.
* *
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: وهو رحمة.
ومن قرأ: بالخفض، فعلى معنى: هو أُذُن خير وَأُذُن رحمة لمن اتبعه.
* *
﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾.
أي: يعيبونه، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي: مؤلم.
ثم قال تعالى حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، أي: ليرضوكم إذا بلغهم عنكم أنّكم سمعتم بأذاهم للنبي، فحَلَفُوا أنهم ما فعلوا ذلك، وأنهم لعلى دينكم.
* *
﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾.
التقدير عند سيبويه: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف الأول لدلالة الكلام عليه.
والتقدير عند المبرد: أنَّه لا حذف في الكلام، وأنَّ فيه تقديماً وتأخيراً، والمعنى عنده: والله أحق أن يرضوه ور[سوله].
وقد رُدّ هذا القول؛ لأن التقديم والتأخير إنما يلزم إذا لم يكن استعمال اللفظ على ظاهره، فإذا حَسُنَ استعمال اللفظ على سياقه لم يقدر به غير ترتيبه.
وقد رُدَّ أيضاً قول سيبويه بأن قيل: الإضمار إنما يلزم إذ لم يجز استعمال اللفظ بظاهره من سياقه، أو من تقدير فيه، فأما إذا جاز استعماله بغير زيادة على وجه ما، لم يجز تقدير إضمار وحذف.
* *
وقوله: ﴿إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾.
أي: مصدقين فيما زعموا.
ذكر بعض المفسرين: أنّ رجلاً من المنافقين، انتقص النبي ﷺ، فسمعه ابن امرأته، فمضى إلى النبي عليه السلام، فأخبره، فوجه النبي ﷺ، إلى المنافق، فأتاه، فقال: ما حملك على ما قلت؟ فأقبل المنافق يحلف بالله ما قال ذلك، وجعل ابن امرأته يقول: اللهم صِدّق الصادق، وكِذّب الكاذب، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَحْلِفُونَ [بِٱللَّهِ] لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾، الآية.
التوبة 9:63
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿تَحْذَرُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾.
"أنّ" بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه.
وقال المبرد والجَرْمِي: "أنَّ" الثانية مكررة للتوكيد.
وقال الأخفش: "أنّ" في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: فوجوب النار له.
وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأنَّ "أنَّ" المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ويضمر الخبر.
وقال علي بن سليمان: "أَنَّ" في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: فالواجب أن له النار.
وكلهم أجاز كسر "أَنَّ"، واستحسنه سيبويه.
ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ﴾، أي: يجانبه ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حادَّ فلانٌ فلاناً، أي: صار في حد غيره حده، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً (فِيهَا)﴾، أي: لابثاً أبداً، ﴿ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: الهوان والذل.
ثم قال تعالى إخباراً عما يُسِرُّ المنافقون: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾، الآية.
المعنى: يَخْشى المنافقون، أن ينزّل الله عز وجل، سورة يخبر فيها بما في قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي ﷺ، وأصحابه بينهم، ويقولون: عسى الله ألاّ يفشي سِرَِّنا علينا.
ورُوي أنهم كانوا سبعين رجلاً، أنزل الله عز وجل، أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا مسلمين.
* *
قوله: ﴿قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ﴾.
هذا تهديد من الله عز وجل، لهم.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾.
أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر.
قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: "الفاضحة"؛ لأنها فضحت المنافقين.
التوبة 9:64
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى قوله: ﴿تَحْذَرُونَ﴾.
* *
قوله: ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾.
"أنّ" بدل من الأولى عند الخليل وسيبويه.
وقال المبرد والجَرْمِي: "أنَّ" الثانية مكررة للتوكيد.
وقال الأخفش: "أنّ" في موضع رفع بالابتداء، والمعنى: فوجوب النار له.
وأنكر ذلك أبو العباس؛ لأنَّ "أنَّ" المشددة المفتوحة لا يبتدأ بها، ويضمر الخبر.
وقال علي بن سليمان: "أَنَّ" في موضع رفع على إضمار مبتدأ، والمعنى: فالواجب أن له النار.
وكلهم أجاز كسر "أَنَّ"، واستحسنه سيبويه.
ومعنى الآية: ألا يعلم هؤلاء المنافقون ﴿أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ﴾، أي: يجانبه ويعاديه وحقيقته: أنه يقال: حادَّ فلانٌ فلاناً، أي: صار في حد غيره حده، ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً (فِيهَا)﴾، أي: لابثاً أبداً، ﴿ذٰلِكَ ٱلْخِزْيُ ٱلْعَظِيمُ﴾، أي: الهوان والذل.
ثم قال تعالى إخباراً عما يُسِرُّ المنافقون: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾، الآية.
المعنى: يَخْشى المنافقون، أن ينزّل الله عز وجل، سورة يخبر فيها بما في قلوبهم. وكانوا يقولون القول القبيح في النبي ﷺ، وأصحابه بينهم، ويقولون: عسى الله ألاّ يفشي سِرَِّنا علينا.
ورُوي أنهم كانوا سبعين رجلاً، أنزل الله عز وجل، أسماءهم وأسماء آبائهم في القرآن، ثم رفع ذلك ونسخ رحمة ورأفة منه على خلقه؛ لأن أبناءهم كانوا مسلمين.
* *
قوله: ﴿قُلِ ٱسْتَهْزِءُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ﴾.
هذا تهديد من الله عز وجل، لهم.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾.
أي: مظهر سركم الذي تخافون أن يظهر.
قال قتادة: كنا نسمي هذه السورة: "الفاضحة"؛ لأنها فضحت المنافقين.
التوبة 9:65
قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، إلى قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾.
المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ذلك لعباً وخوضاً وهزؤاً، ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهم: ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، هذا توبيخ وتقريع لهم.
قال الفراء: أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله ﷺ، والقرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، يعني: الضاحك، ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾، يعني المستهزئين. فـ "الطائفة" تقع للواحد والاثنين.
وذكر أبو الحسن الدَّارَقُطِني في كتاب الرواة عن مالك أنّ اسماعيل بن داود المخراقي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله بن أُبيٍ يشتد قدام رسول الله ﷺ، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، أي: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ، فهذا متصل بقوله: ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ﴾، وهو الوقف عند نافع.
﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، وقف.
وَيُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في غزوة النبي ﷺ، إلى تبوك ويُخَوّفون المسلمين من الروم، فسألهم النبي عليه السلام عن قولهم، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وقال قتادة: نزلت في أُنَاس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله عز وجل، نبيه عليه السلام، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا نبي الله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول حقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فأعلم الله عز وجل، نبيه عليه السلام، بذلك، فقال لهم: ما كنتم تقولون، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ "الطائفة" التي عفا عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما سمع، يُسمّى: مَخشِي بن حُمَيّر الأَشْجَعِي.
وقيل: إنَّه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادماً تائباً، فهو"الطائفة" المعفو عنها.
فالمعنى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، بإنكار ما أنكر عليكم من قول الكفر ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ بقولهم ورضاهم بالكفر، واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله ﷺ، وآياته.
وقيل: المعنى، إن تتب طائفة منكم، يعف الله عز وجل، عنها، تعذب طائفة بترك التوبة.
قال أبو إسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد.
* *
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.
أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، سبحانه، والطعن على رسوله عليه السلام.
التوبة 9:66
قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، إلى قوله: ﴿مُجْرِمِينَ﴾.
المعنى: ولئن سألتهم، يا محمد، عما قالوه من الباطل، ليقولن: إنما قلنا ذلك لعباً وخوضاً وهزؤاً، ﴿قُلْ﴾، يا محمد، لهم: ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، هذا توبيخ وتقريع لهم.
قال الفراء: أنزلت في ثلاثة نفر، استهزأ رجلان منهم برسول الله ﷺ، والقرآن، وضحك إليهما الثالث، فنزلت: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، يعني: الضاحك، ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾، يعني المستهزئين. فـ "الطائفة" تقع للواحد والاثنين.
وذكر أبو الحسن الدَّارَقُطِني في كتاب الرواة عن مالك أنّ اسماعيل بن داود المخراقي روى عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه قال: رأيت عبد الله بن أُبيٍ يشتد قدام رسول الله ﷺ، والحجارة تنكيه وهو يقول: يا محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي ﷺ يقول: ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، أي: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ، فهذا متصل بقوله: ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾.
﴿لاَ تَعْتَذِرُواْ﴾، وهو الوقف عند نافع.
﴿نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، وقف.
وَيُرْوَى أنَّ هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين، كانوا يرجفون في غزوة النبي ﷺ، إلى تبوك ويُخَوّفون المسلمين من الروم، فسألهم النبي عليه السلام عن قولهم، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وقال قتادة: نزلت في أُنَاس من المنافقين، قالوا في غزوة تبوك: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشأم وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله عز وجل، نبيه عليه السلام، على ذلك، فأتاهم النبي فقال: قلتم كذا كذا. فقالوا: يا نبي الله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
وقال ابن جبير: قال ناس من المنافقين في غزوة تبوك: لئن كان ما يقول حقاً لنحن شرٌّ من الحمير، فأعلم الله عز وجل، نبيه عليه السلام، بذلك، فقال لهم: ما كنتم تقولون، فقالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ "الطائفة" التي عفا عنها هاهنا، رجل منهم كان قد أنكر ما سمع، يُسمّى: مَخشِي بن حُمَيّر الأَشْجَعِي.
وقيل: إنَّه أقر على نفسه وصاحبيه بما قالوا نادماً تائباً، فهو"الطائفة" المعفو عنها.
فالمعنى: ﴿إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ﴾، بإنكار ما أنكر عليكم من قول الكفر ﴿نُعَذِّبْ طَآئِفَةً﴾ بقولهم ورضاهم بالكفر، واستهزائهم بالله سبحانه، ورسوله ﷺ، وآياته.
وقيل: المعنى، إن تتب طائفة منكم، يعف الله عز وجل، عنها، تعذب طائفة بترك التوبة.
قال أبو إسحاق: كانت الطائفتان ثلاثة نفر، استهزأ اثنان، وضحك واحد.
* *
﴿بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.
أي: باكتسابهم الجرم، وهو الكفر بالله، سبحانه، والطعن على رسوله عليه السلام.
التوبة 9:67
قوله: ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد..
* *
﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه.
* *
﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام.
وعدهم الله: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أبداً، أي: ماكثين، لا يحيون ولا يموتون.
* *
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾.
أي: كافيتهم عقاباً على كفرهم.
* *
﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
أي: أبعدهم من رحمته.
* *
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: دائم لا ينقطع ولا يزول.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وقف عند نافع.
* *
وقوله: ﴿كَٱلَّذِينَ﴾.
في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعداً، كما وعد الذين من قبلهم.
فعلى هذا لا يوقف على ما قبل "الكاف".
ومثله: ﴿كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ﴾، [أي: خوضاً كما الذي خاضوا].
والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في الآخرة، فقد ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ [قُوَّةً]﴾، أي: بطشاً، وأكثر منكم أموالاً، ﴿فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ﴾، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها المنافقون، ﴿بِخَلاَقِكُمْ﴾، أي: بنصيبكم من دنياكم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ مثل خوضهم.
وهذا يدل على أن "الكاف" في موضع نصب، نعت لمصدر "يستهزءون".
وقد قال النبي ﷺ، في هذا المعنى: "لتأخُذنَّ كما أخذت الأُمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً دخل جُحْرَ [ضَبٍّ] لَدَخَلْتُمُوه"، رواه عنه أبو هريرة:
ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، الآية.
قال أبو هريرة: "الخَلاَق": الدِّينُ.
* *
﴿أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
يعني الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم الهالكين.
ومعنى: ﴿حَبِطَتْ﴾: بطلت ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه.
التوبة 9:68
قوله: ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد..
* *
﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه.
* *
﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام.
وعدهم الله: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أبداً، أي: ماكثين، لا يحيون ولا يموتون.
* *
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾.
أي: كافيتهم عقاباً على كفرهم.
* *
﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
أي: أبعدهم من رحمته.
* *
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: دائم لا ينقطع ولا يزول.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وقف عند نافع.
* *
وقوله: ﴿كَٱلَّذِينَ﴾.
في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعداً، كما وعد الذين من قبلهم.
فعلى هذا لا يوقف على ما قبل "الكاف".
ومثله: ﴿كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ﴾، [أي: خوضاً كما الذي خاضوا].
والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في الآخرة، فقد ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ [قُوَّةً]﴾، أي: بطشاً، وأكثر منكم أموالاً، ﴿فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ﴾، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها المنافقون، ﴿بِخَلاَقِكُمْ﴾، أي: بنصيبكم من دنياكم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ مثل خوضهم.
وهذا يدل على أن "الكاف" في موضع نصب، نعت لمصدر "يستهزءون".
وقد قال النبي ﷺ، في هذا المعنى: "لتأخُذنَّ كما أخذت الأُمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً دخل جُحْرَ [ضَبٍّ] لَدَخَلْتُمُوه"، رواه عنه أبو هريرة:
ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، الآية.
قال أبو هريرة: "الخَلاَق": الدِّينُ.
* *
﴿أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
يعني الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم الهالكين.
ومعنى: ﴿حَبِطَتْ﴾: بطلت ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه.
التوبة 9:69
قوله: ﴿ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، أي: ليسوا من المؤمنين، ولكن ﴿بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ﴾، أي: متشابهون في الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقبض أيديهم عن الجهاد..
* *
﴿نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
أي: تركوا الله فتركهم، أي تركوا أمره، فتركهم من رحمته وتوفيقه.
* *
﴿إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
أي: هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله، عليه السلام.
وعدهم الله: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أبداً، أي: ماكثين، لا يحيون ولا يموتون.
* *
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾.
أي: كافيتهم عقاباً على كفرهم.
* *
﴿وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾.
أي: أبعدهم من رحمته.
* *
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾.
أي: للفريقين من أهل الكفر والنفاق ﴿عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾، أي: دائم لا ينقطع ولا يزول.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾، وقف عند نافع.
* *
وقوله: ﴿كَٱلَّذِينَ﴾.
في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، والمعنى: وعد الله هؤلاء بكذا وعداً، كما وعد الذين من قبلهم.
فعلى هذا لا يوقف على ما قبل "الكاف".
ومثله: ﴿كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ﴾، [أي: خوضاً كما الذي خاضوا].
والمعنى عند الطبري: قل لهم، يا محمد، ﴿أَبِٱللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾، ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فعلوا كفعلكم، فأهلكهم الله، وأعد لهم العقوبة والنكال في الآخرة، فقد ﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ [قُوَّةً]﴾، أي: بطشاً، وأكثر منكم أموالاً، ﴿فَٱسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ﴾، أي: بنصيبهم من دنياهم، كما استمتعتم، أيها المنافقون، ﴿بِخَلاَقِكُمْ﴾، أي: بنصيبكم من دنياكم، ﴿وَخُضْتُمْ﴾ مثل خوضهم.
وهذا يدل على أن "الكاف" في موضع نصب، نعت لمصدر "يستهزءون".
وقد قال النبي ﷺ، في هذا المعنى: "لتأخُذنَّ كما أخذت الأُمم من قبلكم، ذراعاً بذراع، وشبراً بشبر، وباعاً بباع، حتى لو أنَّ أحداً دخل جُحْرَ [ضَبٍّ] لَدَخَلْتُمُوه"، رواه عنه أبو هريرة:
ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، الآية.
قال أبو هريرة: "الخَلاَق": الدِّينُ.
* *
﴿أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾.
يعني الذين قالوا: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾، ركبوا فعل من سبقهم من الأمم الهالكين.
ومعنى: ﴿حَبِطَتْ﴾: بطلت ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ﴾.
أي: المغبونون صفقتهم، لبيعهم نعيم الأبد بعرض الدنيا اليسير منه.
التوبة 9:70
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾، الآية.
والمعنى: ألم يأْت هؤلاء المنافقين خبر من كان قبلهم، من قوم نوح، وعاد، وثمود وشبههم، الذين خالفوا أمر الله عز وجل، وعصوه، جلت عظمته، فأهلكهم ودمرهم، فيتعظون بذلك، وينتهون ويتفكرون ما في خبر قوم نوح، إذ غرقوا بالطوفان، وعاد، وهم قوم هود، إذ هلكوا بريح صرصر عاتية، وخبر ثمود، وهم قوم صالح، إذ هلكوا بالرجفة، وخبر قوم إبراهيم، إذ سلبوا النعمة وأهلك نمرود ملكهم، وخبر أصحاب مدين، وهم قوم شعيب، إذ أهلكوا بعذاب يوم الظُلَّة.
ويُروى: أن شعيباً اسمه مدين، على اسم المدينة، فكان قوله: ﴿وَأَصْحَـٰبِ مَدْيَنَ﴾، معناه: وأصحاب شعيب.
وقوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف: ٨٥].
يدل على أن مدين مدينة.
وخبر المؤتفكات، وهي مدائن قوم لوط، إذ صيَّر أعلاها أسفلها، وإنما سموا مؤتفكات؛ لأن أرضهم ائتفكت بهم، أي: انقلبت بهم، وهي مأخوذة من "الإفْكِ" وهو الكذب، لأنه مقلوب على الصدق، وكانت قرى ثلاثة، ولذلك جُمِعَت.
* *
﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾.
أي: أتى كل أمة رسولها، فجمع الرسل، لأن لكل أمة رسولها.
* *
﴿بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾.
أي: بالآيات الظاهرات، والحجج النيّرات، فكذبوا وردوا وكفروا.
* *
﴿فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾.
أي: فما كان الله ليضع عقوبته في غير مستحقيها.
* *
﴿وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
إذ عصوا الله عز وجل، وكذبوا برسوله حتى أسخطوا ربهم، سبحانه، واستوجبوا العقوبة، فظلموا بذلك أنفسهم.
التوبة 9:71
قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
المعنى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، أي المصدقون بالله، عز وجل ورسوله عليه السلام ﴿(يَأْمُرُونَ) بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام.
وينهونهم عن الكفر، والمنافقون [هُمْ] بضد ذلك، ينهون عن الإيمان، ويأمرون بالمنكر، وهو الكفر بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
قال أبو العالية: كل ما ذكر الله عز وجل، في القرآن من "الأمر بالمعروف" هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من "النهي عن المنكر" فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.
* *
﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾.
يعني: الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها.
* *
﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾.
يعني: المفروضة في وقتها.
* *
﴿وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه.
* *
﴿أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ [ٱللَّهُ]﴾.
أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (أبداً).
أي: ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾، أي: منازل يسكنونها.
قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فقالا: على الخبير سقَطْتَ، سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراءَ، في كل بيت سبعون سريراً".
* *
ومعنى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عند ابن عباس، أي: "معدن الرجل" الذي يكون فيه.
وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود.
والعرب تقول: "عَدَنَ فلانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا"، إذا أقام به.
ورُوي عن النبي ﷺ، أنه قال: "لا يدخلها إلا النبيّون والصديقون والشهداء
وقال كعب: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام.
وقال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي اسم لبُطْنَان الجنة، يعني وسطها.
وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صِدّيقٌ، أو شهيد أو حَكَمٌ عَدْلٌ.
وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ، قال: "إن الله عز وجل، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر
وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.
وقال عطاء ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاته على حافتيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
[أي: أكبر] من ذلك كله، رضوان الله عز وجل، عن أهل الجنة.
قال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ: "إنَّ الله عز وجل، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ لكم رضواني فلا أسْخَطُ عليكم أبداً
ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ بالرضوان، فرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: هذه الأشياء التي وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقف.
﴿أَكْبَرُ﴾، وقف.
التوبة 9:72
قوله: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
المعنى: ﴿وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، أي المصدقون بالله، عز وجل ورسوله عليه السلام ﴿(يَأْمُرُونَ) بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أي: يأمرون الناس بالإيمان بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام.
وينهونهم عن الكفر، والمنافقون [هُمْ] بضد ذلك، ينهون عن الإيمان، ويأمرون بالمنكر، وهو الكفر بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
قال أبو العالية: كل ما ذكر الله عز وجل، في القرآن من "الأمر بالمعروف" هو دعاء لمن أشرك إلى الإسلام، وما ذكره من "النهي عن المنكر" فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين.
* *
﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ﴾.
يعني: الصلوات الخمس، في أوقاتها وبحدوها.
* *
﴿وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ﴾.
يعني: المفروضة في وقتها.
* *
﴿وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
يعني فيما أمرهم به، ونهاهم عنه.
* *
﴿أُوْلَـٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ [ٱللَّهُ]﴾.
أي: يتعطف عليهم، فينجيهم من عذابه، ويدخلهم جناته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾.
والمعنى: وعد الله النساء والرجال من المؤمنين بساتين. ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (أبداً).
أي: ماكثين لا يزول نعيمهم ولا ينقطع، ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾، أي: منازل يسكنونها.
قال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فقالا: على الخبير سقَطْتَ، سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: "قصر في الجنة من لؤلؤة، فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراءَ، في كل بيت سبعون سريراً".
* *
ومعنى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عند ابن عباس، أي: "معدن الرجل" الذي يكون فيه.
وقيل المعنى: جنات إقامة وخلود.
والعرب تقول: "عَدَنَ فلانٌ بِمَوْضِعِ كَذَا"، إذا أقام به.
ورُوي عن النبي ﷺ، أنه قال: "لا يدخلها إلا النبيّون والصديقون والشهداء
وقال كعب: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي الكروم والأعناب، السريانية. يعني أن لغة العرب وافقت السريانية في هذا الكلام.
وقال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، هي اسم لبُطْنَان الجنة، يعني وسطها.
وقال الحسن: هو اسم لقصر في الجنة من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صِدّيقٌ، أو شهيد أو حَكَمٌ عَدْلٌ.
وروى أبو الدرداء أن النبي ﷺ، قال: "إن الله عز وجل، يفتح الذكر لثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى [منهن]، ينظر في الكتاب الذي لا ينظره غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ينزل في الساعة الثانية إلى جنات عدن، وهي داره التي لم يرها غيره، ولم تخطر على قلب بشر
وقال الضحاك: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، مدينة في الجنة، فيها الرسل، والأنبياء، والشهداء، وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها.
وقال عطاء ﴿عَدْنٍ﴾: نهر في الجنة جنَّاته على حافتيه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
[أي: أكبر] من ذلك كله، رضوان الله عز وجل، عن أهل الجنة.
قال أبو سعيد الخدري: قال النبي ﷺ: "إنَّ الله عز وجل، يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبّيك ربَّنا وسَعْدَيكَ، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، لقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: يا ربّ، وأيُّ شيء أفضل من ذلك، فيقول: أُحِلُّ لكم رضواني فلا أسْخَطُ عليكم أبداً
ومن أجل تفضيل الرضوان على ما قبله مما وعدوا به، انقطع الكلام، وابتدأ بالرضوان، فرفع.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: هذه الأشياء التي وعدوا بها، وهي الظفر الجسيم.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، وقف.
﴿أَكْبَرُ﴾، وقف.
التوبة 9:73
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
المعنى: جاهدهم بالسيف.
قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع فليكفهِّر في وجهه.
وقال ابن عباس: أمر النبي ﷺ، بجهادهم، باللسان للمنافقين، وبالسيف للكفار.
وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المنافقين بالكلام.
وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم.
وهو قول قتادة.
وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم.
ثم قال حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ﴾، وذلك أن رجلاً من المنافقين، يسمّى: الجُلاَس بن سُوَيْد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً، لَنَحْنُ شَرٌّ من الحَمِيرِ، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد،: والله، إنَّ محمداً ﷺ لَصَادِقٌ، ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرنّ رسول الله ﷺ، بما قلت وإلا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي عليه السلام بذلك، فدعا النبي ﷺ، الرجل، فحلف ما قال، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته.
وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي أخبر النبي عليه السلام، بذلك، فأحضر للنبي ﷺ الجُلاَس وعامراً، فحلف الجُلاَس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيّك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال النبي ﷺ: آمين، فأنزل الله تصديق عامر، فقال الجُلاَس: قد عرض الله علي التوبة، والله، لقد قلته وصدق عامر، وتاب الجُلاَس وحسنت توبته.
وَيُرْوَى أن عامراً، قال للنبي ﷺ: إنه ليريد قتلك، وفيه نزل: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾، أي: هموا بقتلك ولا ينالونه.
وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأى رجلاً من غفار، تَقَاتَلَ مع رجل من جُهينة، وكانت جُهينة حُلفاء الأنصار، فَعلا الغفاريُّ الجُهَنيَّ، فقال عبد الله للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مَثَلُنَا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سَمّنْ كلبك يأكلك، ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ فأرسل إليه النبي عليه السلام فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله عز وجل، ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾.
قيل: هو الجُلاَس بن سويد [هَمَّ] بقتل ابن امرأته خوفاً أن يفشي عليه ما سمع منه.
وقال مجاهد: هَمَّ رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي، عليه السلام.
وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، هم بإخراج النبي عليه السلام، من المدينة وهو ما حكاه الله عز وجل، عنه: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
وقيل: هو الجُلاَس، همّ بقتل النبي ﷺ.
* *
وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
والمعنى: أنهم ليس ينقمون شيئاً.
قال الطبري، وغيره: كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنَّه ما قال، قُتِل له مولىً، فأعطاه رسول الله ﷺ، ديته، فأغناهُ بها، فقال الله عز وجل، ما أنكروا على رسول الله ﷺ، شيئاً: ﴿إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
وهو الجُلاَس.
وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أُبيّ دية، فأخرجها رسول الله ﷺ [له].
* *
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾.
أي: إن تاب هؤلاء القائلون كلمة الكفر يكُ ذلك خيراً لهم من النفاق.
* *
﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾.
أي: يدبروا عن التوبة.
* *
﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي: بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
* *
﴿وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله عز وجل.
﴿بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾، وقف.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾، وقف.
﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾، وقف.
التوبة 9:74
قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَاهِدِ ٱلْكُفَّارَ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
المعنى: جاهدهم بالسيف.
قال ابن مسعود: الجهاد يكون باليد، واللسان، والقلب، فإن لم يستطع فليكفهِّر في وجهه.
وقال ابن عباس: أمر النبي ﷺ، بجهادهم، باللسان للمنافقين، وبالسيف للكفار.
وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، وأغلظ على المنافقين بالكلام.
وقال الحسن المعنى: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم.
وهو قول قتادة.
وقيل: معنى جاهد المنافقين: إقامة الحجة عليهم.
ثم قال حكاية عنهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ﴾، وذلك أن رجلاً من المنافقين، يسمّى: الجُلاَس بن سُوَيْد بن الصامت، قال: إن كان ما جاء به محمد حقاً، لَنَحْنُ شَرٌّ من الحَمِيرِ، فقال له ابن امرأته، واسمه عمير بن سعد،: والله، إنَّ محمداً ﷺ لَصَادِقٌ، ولأنت شر من الحمار، والله، لأخبرنّ رسول الله ﷺ، بما قلت وإلا أفعل أخاف أن تصيبني قارعة وأؤخذ بخطيئتك، فأعلم الله النبي عليه السلام بذلك، فدعا النبي ﷺ، الرجل، فحلف ما قال، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: بلغني أنه لما نزل فيه القرآن، تاب وحسنت توبته.
وقيل: إنه سمعه يقول ذلك، عاصم بن عدي الأنصاري، وهو الذي أخبر النبي عليه السلام، بذلك، فأحضر للنبي ﷺ الجُلاَس وعامراً، فحلف الجُلاَس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: والله، لقد قاله، ورفع عامر يديه، وقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيّك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب، فقال النبي ﷺ: آمين، فأنزل الله تصديق عامر، فقال الجُلاَس: قد عرض الله علي التوبة، والله، لقد قلته وصدق عامر، وتاب الجُلاَس وحسنت توبته.
وَيُرْوَى أن عامراً، قال للنبي ﷺ: إنه ليريد قتلك، وفيه نزل: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾، أي: هموا بقتلك ولا ينالونه.
وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأى رجلاً من غفار، تَقَاتَلَ مع رجل من جُهينة، وكانت جُهينة حُلفاء الأنصار، فَعلا الغفاريُّ الجُهَنيَّ، فقال عبد الله للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مَثَلُنَا ومَثَلُ محمد إلا كما قال القائل: سَمّنْ كلبك يأكلك، ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي ﷺ فأرسل إليه النبي عليه السلام فسأله، فحلف ما قاله، فأنزل الله عز وجل، ﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ﴾.
* *
وقوله: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾.
قيل: هو الجُلاَس بن سويد [هَمَّ] بقتل ابن امرأته خوفاً أن يفشي عليه ما سمع منه.
وقال مجاهد: هَمَّ رجل من قريش يقال له الأسود، بقتل النبي، عليه السلام.
وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، هم بإخراج النبي عليه السلام، من المدينة وهو ما حكاه الله عز وجل، عنه: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
وقيل: هو الجُلاَس، همّ بقتل النبي ﷺ.
* *
وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوۤاْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
والمعنى: أنهم ليس ينقمون شيئاً.
قال الطبري، وغيره: كان المنافق الذي قال كلمة الكفر، حلف أنَّه ما قال، قُتِل له مولىً، فأعطاه رسول الله ﷺ، ديته، فأغناهُ بها، فقال الله عز وجل، ما أنكروا على رسول الله ﷺ، شيئاً: ﴿إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾.
وهو الجُلاَس.
وقال قتادة: كانت لعبد الله بن أُبيّ دية، فأخرجها رسول الله ﷺ [له].
* *
قوله: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾.
أي: إن تاب هؤلاء القائلون كلمة الكفر يكُ ذلك خيراً لهم من النفاق.
* *
﴿وَإِن يَتَوَلَّوْا﴾.
أي: يدبروا عن التوبة.
* *
﴿يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي: بالقتل، وفي الآخرة بالنار.
* *
﴿وَمَا لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
يمنعهم من العقاب، ولا نصير ينصرهم من عذاب الله عز وجل.
﴿بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾، وقف.
﴿مِن فَضْلِهِ﴾، وقف.
﴿خَيْراً لَّهُمْ﴾، وقف.
التوبة 9:75
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْغُيُوبِ﴾.
والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ لئن رزقه الله عز وجل، ووسَّع عليه، لَيَصَّدَّقَنَّ، وليعْمَلَنَّ، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه ﴿مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾، وأدبروا عن عهدهم، ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ الله عز وجل، بذنوبهم ﴿نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾، أي: يموتون.
وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه.
وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالاً أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تُطِيقُهُ"، ثم عاود ثانية، فقال له النبي ﷺ: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضةً لَسَارَتْ"، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ، فاتَّخذَ غَنماً، فَنَمَتْ كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فَتَنَحَّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمِي حتى ترك الجمعة. وطفِق يلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه السلام عنه فأُخْبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي ﷺ، "يا ويح ثَعْلَبَة" ثلاث مرات، فنزلت ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي ﷺ، رجلين على الصدقة، رجُلاً من جُهَينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يَمُرَّا بثعلبة، (وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه الأجرة، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي، فعمد إلى خِيَارِ إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى [مرّا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي ﷺ، كتب لهما كتاباً في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي ﷺ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز وجل، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ الآية، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبلَ منه صدقته فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: "قد أمرتك فلم تطعني"، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض رسول الله ﷺ، ولم يَقْبِضْ منه شيئاً. ثم أتى إلى أبي بكر فلم يَقْبِضَ منه شيئاً [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئاً. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئاً]. وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.
وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودَلَّ على ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول].
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾.
أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله عز وجل، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أنَّ الله علام الغيوب.
التوبة 9:76
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْغُيُوبِ﴾.
والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ لئن رزقه الله عز وجل، ووسَّع عليه، لَيَصَّدَّقَنَّ، وليعْمَلَنَّ، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه ﴿مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾، وأدبروا عن عهدهم، ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ الله عز وجل، بذنوبهم ﴿نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾، أي: يموتون.
وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه.
وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالاً أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تُطِيقُهُ"، ثم عاود ثانية، فقال له النبي ﷺ: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضةً لَسَارَتْ"، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ، فاتَّخذَ غَنماً، فَنَمَتْ كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فَتَنَحَّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمِي حتى ترك الجمعة. وطفِق يلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه السلام عنه فأُخْبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي ﷺ، "يا ويح ثَعْلَبَة" ثلاث مرات، فنزلت ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي ﷺ، رجلين على الصدقة، رجُلاً من جُهَينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يَمُرَّا بثعلبة، (وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه الأجرة، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي، فعمد إلى خِيَارِ إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى [مرّا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي ﷺ، كتب لهما كتاباً في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي ﷺ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز وجل، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ الآية، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبلَ منه صدقته فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: "قد أمرتك فلم تطعني"، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض رسول الله ﷺ، ولم يَقْبِضْ منه شيئاً. ثم أتى إلى أبي بكر فلم يَقْبِضَ منه شيئاً [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئاً. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئاً]. وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.
وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودَلَّ على ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول].
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾.
أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله عز وجل، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أنَّ الله علام الغيوب.
التوبة 9:77
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْغُيُوبِ﴾.
والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ لئن رزقه الله عز وجل، ووسَّع عليه، لَيَصَّدَّقَنَّ، وليعْمَلَنَّ، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه ﴿مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾، وأدبروا عن عهدهم، ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ الله عز وجل، بذنوبهم ﴿نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾، أي: يموتون.
وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه.
وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالاً أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تُطِيقُهُ"، ثم عاود ثانية، فقال له النبي ﷺ: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضةً لَسَارَتْ"، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ، فاتَّخذَ غَنماً، فَنَمَتْ كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فَتَنَحَّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمِي حتى ترك الجمعة. وطفِق يلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه السلام عنه فأُخْبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي ﷺ، "يا ويح ثَعْلَبَة" ثلاث مرات، فنزلت ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي ﷺ، رجلين على الصدقة، رجُلاً من جُهَينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يَمُرَّا بثعلبة، (وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه الأجرة، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي، فعمد إلى خِيَارِ إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى [مرّا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي ﷺ، كتب لهما كتاباً في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي ﷺ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز وجل، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ الآية، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبلَ منه صدقته فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: "قد أمرتك فلم تطعني"، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض رسول الله ﷺ، ولم يَقْبِضْ منه شيئاً. ثم أتى إلى أبي بكر فلم يَقْبِضَ منه شيئاً [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئاً. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئاً]. وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.
وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودَلَّ على ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول].
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾.
أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله عز وجل، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أنَّ الله علام الغيوب.
التوبة 9:78
قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْغُيُوبِ﴾.
والمعنى: ومن هؤلاء المنافقين ﴿مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ لئن رزقه الله عز وجل، ووسَّع عليه، لَيَصَّدَّقَنَّ، وليعْمَلَنَّ، بما يعمل أهل الصلاح فلما أغناهم الله، سبحانه ﴿مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ﴾، وأدبروا عن عهدهم، ﴿وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ الله عز وجل، بذنوبهم ﴿نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾، أي: يموتون.
وفعل ذلك بهم عقوبة لبخلهم، ونقضهم ما عاهدوا الله عليه.
وهذه الآية نزلت في ثعلبة بن حاطب، قال للنبي ﷺ: ادع الله أن يرزقني مالاً أتصدق به، فقال له النبي عليه السلام: "ويحك يا ثعلبة، قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تُطِيقُهُ"، ثم عاود ثانية، فقال له النبي ﷺ: "أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهباً وفضةً لَسَارَتْ"، فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله يرزقني لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له النبي ﷺ، فاتَّخذَ غَنماً، فَنَمَتْ كما تَنْمِي الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل وادياً من أوديتها حتى جعل يصلي الظهر في جماعة، والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما. ثم نمت وكثرت، فَتَنَحَّى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تَنْمِي حتى ترك الجمعة. وطفِق يلقى الركبان يوم الجمعة، يسألهم عن الأخبار، فسأل النبي عليه السلام عنه فأُخْبر بخبره، بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي ﷺ، "يا ويح ثَعْلَبَة" ثلاث مرات، فنزلت ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾
ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي ﷺ، رجلين على الصدقة، رجُلاً من جُهَينة، والآخر من بني سليم، وأمرهما أن يَمُرَّا بثعلبة، (وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة)، فقال: ما هذه الأجرة، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا، انطلقا حتى تفرغا، وعودا. فانطلقا، وسمع بهما السُّلمي، فعمد إلى خِيَارِ إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد [أن] نأخذ منك هذا. قال: بل فخذوه فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذوها منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى [مرّا] بثعلبة، فقال: أروني كتابكما، وكان النبي ﷺ، كتب لهما كتاباً في حدود الصدقة، وما يأخذانه من الناس، فأعطياه الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أُخت الجزية، انطلقا عني حتى أرى رأيي. فأتيا النبي ﷺ، فلما رآهما قال: "يا ويح ثعلبة" قبل أن يكلمهما، ودعا للسُّلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع السلمي، وبالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله عز وجل، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ﴾ الآية، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله عز وجل، فيك كذا وكذا، فخرج حتى أتى النبي عليه السلام فسأله أن يقبلَ منه صدقته فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك"، فجعل يحثو التراب على رأسه، فقال له النبي عليه السلام: "قد أمرتك فلم تطعني"، فرجع ثعلبة إلى منزله، وقُبض رسول الله ﷺ، ولم يَقْبِضْ منه شيئاً. ثم أتى إلى أبي بكر فلم يَقْبِضَ منه شيئاً [ثم أتى إلى عمر بعد أبي بكر فلم يقبض منه شيئاً. ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئاً]. وتوفي في خلافة عثمان رضي الله عنه.
وقيل: إن إنما نوى العهد في نفسه فلم يف به، ودَلَّ على ذلك قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
وعلامة المنافق: نقض العهد، وخلف الوعد، وكذب القول].
* *
قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾.
أي: [ألم] يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله عز وجل، ورسوله عليه السلام، ويظهرون الإيمان، أن الله عز وجل، يعلم ما يسرون من ذلك وما يظهرون فيحذروا عقوبته، وألم يعلموا أنَّ الله علام الغيوب.
التوبة 9:79
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
والمعنى: الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة فيقولون لهم: إنما تصدقون رياءً وسمعةً، ولم تريدوا وجه الله عز وجل.
* *
﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾.
أي: من المؤمنين، ومن ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ﴾، عطفه على ﴿ٱلْمُطَّوِّعِينَ﴾، لأنَّ الاسم لم يتم، إذ قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ في الصلة عطف على ﴿يَلْمِزُونَ﴾.
و "الجُهْدُ و "الجَهْدُ" عند البصريين [بمعنى]، لغتان.
وقال بعض الكوفيين: الجُهدُ، بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة.
والسُّخْريُّ من الله: الجزاء على فعلهم.
قال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي ﷺ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: و [الله] ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان الله ورسوله لَغَنِيَّيْن عن هذا الصاع. فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، يعني: عبد الرحمن بن عوف، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾، يعني: الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير.
وقال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، وقال: مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأُقرضُها الله، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له النبي ﷺ: "بارك الله [لك] فيما أمسكت وما أعطيت" فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، فأنزل الله عز وجل، عذره
وقال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، يكنى بأبي عقيل، بصاع من تمر لم يكن له غيره، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي وجئت بصاع من تمر، فلمزهُ المنافقون، وقالوا: إن الله غنيٌّ عن طياع هذا، فنزل فيه: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾.
قال ابن زيد: أمر النبي ﷺ [المسلمين] أن يتصدَّقوا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأَلْفَى مالي ذلك كثيراً، فأخذت نصفه، فجئت أحمل مالاً كثيراً، فقال له رجل من المنافقين: تُرائي يا عمر، فقال: نعم أُرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه بصاعين، فترك صاعاً لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: [إنّ] الله ورسوله عن صاعك لَغَنِيَّانِ، فأنزل الله عز وجل، عُذْرهما في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾.
ثم قال لنبيه عليه السلام، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي: ادع الله لهم بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء خبر.
والمعنى: إن استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم.
قال الضحاك: قال النبي ﷺ، حين نزلت هذه الآية: "لأزيدنَّ على السبعين"، فنزلت:
﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ [لَمْ] تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، فهي عنده منسوخة بهذه.
وقيل: إنها ليست بمنسوخة، وإنما هي على التهدد، وما كان النبي عليه السلام ليستغفر لمنافق؛ لأن المنافق كافر بنص الكتاب.
وهذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على أصحاب محمد لانفضوا من حوله، وهو القائل: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
رُوي أن عبد الله هذا لما حضرته الوفاة أرسل إلى النبي ﷺ، يسأله أحد ثوبَيْه، فأرسل إليه النبي ﷺ، أحد ثوبيه، فقال: إنما أريد الذي على جلدك من ثيابك، فبعث إليه به، فقيل للنبي ﷺ، في ذلك، فقال: "إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئاً إذا كُفِّن فيه، وإني آمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير بهذا السبب"
فَرُوِيَ أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب النبي، عليه السلام.
وكان عبد الله هذا رأس المنافقين وسيِّدَهُم.
التوبة 9:80
قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلْفَاسِقِينَ﴾.
والمعنى: الذين يعيبون الذين تطوعوا بصدقاتهم على أهل المسكنة والحاجة فيقولون لهم: إنما تصدقون رياءً وسمعةً، ولم تريدوا وجه الله عز وجل.
* *
﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾.
أي: من المؤمنين، ومن ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ﴾، عطفه على ﴿ٱلْمُطَّوِّعِينَ﴾، لأنَّ الاسم لم يتم، إذ قوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ﴾ في الصلة عطف على ﴿يَلْمِزُونَ﴾.
و "الجُهْدُ و "الجَهْدُ" عند البصريين [بمعنى]، لغتان.
وقال بعض الكوفيين: الجُهدُ، بالضم: الطاقة، وبالفتح: المشقة.
والسُّخْريُّ من الله: الجزاء على فعلهم.
قال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب إلى النبي ﷺ، وجاء رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: و [الله] ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان الله ورسوله لَغَنِيَّيْن عن هذا الصاع. فأنزل الله عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾، يعني: عبد الرحمن بن عوف، ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾، يعني: الأنصاري الذي أتى بصاع من شعير.
وقال ابن عباس: جاء عبد الرحمن بمائة أوقية من ذهب، وترك لنفسه مائة، وقال: مالي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأُقرضُها الله، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له النبي ﷺ: "بارك الله [لك] فيما أمسكت وما أعطيت" فلمزه المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن بن عوف عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، فأنزل الله عز وجل، عذره
وقال قتادة: جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف صدقته، وجاء رجل من الأنصار، يكنى بأبي عقيل، بصاع من تمر لم يكن له غيره، فقال: يا رسول الله، آجرت نفسي بصاعين، فانطلقت بصاع إلى أهلي وجئت بصاع من تمر، فلمزهُ المنافقون، وقالوا: إن الله غنيٌّ عن طياع هذا، فنزل فيه: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾.
قال ابن زيد: أمر النبي ﷺ [المسلمين] أن يتصدَّقوا، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فأَلْفَى مالي ذلك كثيراً، فأخذت نصفه، فجئت أحمل مالاً كثيراً، فقال له رجل من المنافقين: تُرائي يا عمر، فقال: نعم أُرائي الله ورسوله، وأما غيرهما فلا، وأتى رجل من الأنصار لم يكن عنده شيء، فآجر نفسه بصاعين، فترك صاعاً لعياله، وجاء بصاع يحمله، فقال له بعض المنافقين: [إنّ] الله ورسوله عن صاعك لَغَنِيَّانِ، فأنزل الله عز وجل، عُذْرهما في قوله: ﴿ٱلَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾.
ثم قال لنبيه عليه السلام، استغفر لهؤلاء المنافقين، أي: ادع الله لهم بالمغفرة أو لا تدع لهم بذلك، فلفظه لفظ الأمر ومعناه الجزاء، والجزاء خبر.
والمعنى: إن استغفرت لهم، أو لم تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم.
قال الضحاك: قال النبي ﷺ، حين نزلت هذه الآية: "لأزيدنَّ على السبعين"، فنزلت:
﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ [لَمْ] تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، فهي عنده منسوخة بهذه.
وقيل: إنها ليست بمنسوخة، وإنما هي على التهدد، وما كان النبي عليه السلام ليستغفر لمنافق؛ لأن المنافق كافر بنص الكتاب.
وهذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على أصحاب محمد لانفضوا من حوله، وهو القائل: ﴿لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨].
رُوي أن عبد الله هذا لما حضرته الوفاة أرسل إلى النبي ﷺ، يسأله أحد ثوبَيْه، فأرسل إليه النبي ﷺ، أحد ثوبيه، فقال: إنما أريد الذي على جلدك من ثيابك، فبعث إليه به، فقيل للنبي ﷺ، في ذلك، فقال: "إن قميصي لن يغني عنه من الله شيئاً إذا كُفِّن فيه، وإني آمل أن يدخل في الإسلام خلق كثير بهذا السبب"
فَرُوِيَ أنه أسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب النبي، عليه السلام.
وكان عبد الله هذا رأس المنافقين وسيِّدَهُم.
التوبة 9:81
قوله: ﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾.
﴿خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق.
والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله عليه السلام، بجلوسهم في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله عليه السلام، لأنه أمرهم بالخروج معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر.
وذلك أن النبي ﷺ، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، فقال بعضهم لبعض: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ﴾، قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾، لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، عليه السلام من هذا الحر الذي تتواصون به بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حراً، يجب أن يتقي ﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، عن الله عز جل، وَعْظَه.
وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي عليه السلام، في غزوة تبوك من المنافقين نيفاً وثمانين رجلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾.
أي: [في] هذه الدنيا الفانية، ﴿وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾، في جهنم ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، من التخلف عن رسول الله ﷺ، ومعصيته.
قال النبي عليه السلام: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحِكْتُمْ قليلاً، ولبكيتم كثيراً
وروي أن النبي ﷺ نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي.
قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا، استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبداً.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾.
أي: إن ردَّك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى، ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: في غزوة تبوك، ﴿فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾، [أي: مع الذين] قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله ﷺ، لأنكم منهم.
قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله ﷺ، رجال في غزوة تبوك فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئاً، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، فلحقوا رسول الله ﷺ فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله، عز وجل، ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾، الآية. فقال النبي عليه السلام: "هلك الذين تخلفوا"، فأنزل الله عز وجل، عذرهم لما تابوا فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
وقال قتادة ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾، مع النساء.
وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين.
وقال ابن عباس "الخالفون": الرجال.
ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزَّمَانة والضعفاء.
وقيل "الخالفون": الرجال الضعفاء والنساء، وغلَّب المذكر على الأصول العربية.
وقال الطبري: ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾ مع أهل الفساد، من قولهم: "خَلَفَ الرَّجُل على أهله يَخْلُفُ خُلُوفاً"، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوءٍ"، ومن قولهم: "خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ"، إذا تغير ريحه، ومن قولهم: "خَلَفَ اللَّبَنِ يخلُفُ" إذا حَمُضَ.
التوبة 9:82
قوله: ﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾.
﴿خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق.
والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله عليه السلام، بجلوسهم في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله عليه السلام، لأنه أمرهم بالخروج معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر.
وذلك أن النبي ﷺ، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، فقال بعضهم لبعض: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ﴾، قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾، لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، عليه السلام من هذا الحر الذي تتواصون به بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حراً، يجب أن يتقي ﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، عن الله عز جل، وَعْظَه.
وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي عليه السلام، في غزوة تبوك من المنافقين نيفاً وثمانين رجلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾.
أي: [في] هذه الدنيا الفانية، ﴿وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾، في جهنم ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، من التخلف عن رسول الله ﷺ، ومعصيته.
قال النبي عليه السلام: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحِكْتُمْ قليلاً، ولبكيتم كثيراً
وروي أن النبي ﷺ نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي.
قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا، استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبداً.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾.
أي: إن ردَّك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى، ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: في غزوة تبوك، ﴿فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾، [أي: مع الذين] قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله ﷺ، لأنكم منهم.
قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله ﷺ، رجال في غزوة تبوك فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئاً، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، فلحقوا رسول الله ﷺ فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله، عز وجل، ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾، الآية. فقال النبي عليه السلام: "هلك الذين تخلفوا"، فأنزل الله عز وجل، عذرهم لما تابوا فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
وقال قتادة ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾، مع النساء.
وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين.
وقال ابن عباس "الخالفون": الرجال.
ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزَّمَانة والضعفاء.
وقيل "الخالفون": الرجال الضعفاء والنساء، وغلَّب المذكر على الأصول العربية.
وقال الطبري: ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾ مع أهل الفساد، من قولهم: "خَلَفَ الرَّجُل على أهله يَخْلُفُ خُلُوفاً"، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوءٍ"، ومن قولهم: "خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ"، إذا تغير ريحه، ومن قولهم: "خَلَفَ اللَّبَنِ يخلُفُ" إذا حَمُضَ.
التوبة 9:83
قوله: ﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾.
﴿خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾: مفعول من أجله، أو مصدر مطلق.
والمعنى: فرح الذين تخلفوا عن الغزو مع رسول الله عليه السلام، بجلوسهم في منازلهم، على الخلاف منهم لرسول الله عليه السلام، لأنه أمرهم بالخروج معه فتخلفوا عنه، وفرحوا بتخلفهم، وكرهوا الخروج في الحر.
وذلك أن النبي ﷺ، استنفرهم في غزوة تبوك في حر شديد، فقال بعضهم لبعض: ﴿لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ﴾، قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً﴾، لمن خالف أمر الله، وعصى رسوله، عليه السلام من هذا الحر الذي تتواصون به بينكم أن لا تنفروا فيه، فالذي هو أشد حراً، يجب أن يتقي ﴿لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾، عن الله عز جل، وَعْظَه.
وكان عدة من تخلف عن الخروج مع النبي عليه السلام، في غزوة تبوك من المنافقين نيفاً وثمانين رجلاً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾.
أي: [في] هذه الدنيا الفانية، ﴿وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾، في جهنم ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾، من التخلف عن رسول الله ﷺ، ومعصيته.
قال النبي عليه السلام: والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لَضَحِكْتُمْ قليلاً، ولبكيتم كثيراً
وروي أن النبي ﷺ نودي عند ذلك، أو قيل له: لا تُقَنِّط عبادي.
قال ابن عباس: الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا، فإذا انقطعت الدنيا، استأنفوا بكاء لا ينقطع عنهم أبداً.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَٱسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾.
أي: إن ردَّك الله من غزوتك إلى المنافقين، فاستأذنوك للخروج معك في غزوة أخرى، ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِٱلْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: في غزوة تبوك، ﴿فَٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾، [أي: مع الذين] قعدوا من المنافقين خلاف رسول الله ﷺ، لأنكم منهم.
قال ابن عباس: تخلف عن رسول الله ﷺ، رجال في غزوة تبوك فأدركتهم أنفسهم، فقالوا: والله ما صنعنا شيئاً، فانطلق منهم ثلاثة نفرة، فلحقوا رسول الله ﷺ فلما أتوه تابوا، ثم رجعوا إلى المدينة فأنزل الله، عز وجل، ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾، الآية. فقال النبي عليه السلام: "هلك الذين تخلفوا"، فأنزل الله عز وجل، عذرهم لما تابوا فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
وقال قتادة ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾، مع النساء.
وكانوا اثني عشر رجلاً من المنافقين.
وقال ابن عباس "الخالفون": الرجال.
ومعناه: اقعدوا مع مرضى الرجال وأهل الزَّمَانة والضعفاء.
وقيل "الخالفون": الرجال الضعفاء والنساء، وغلَّب المذكر على الأصول العربية.
وقال الطبري: ﴿مَعَ ٱلْخَالِفِينَ﴾ مع أهل الفساد، من قولهم: "خَلَفَ الرَّجُل على أهله يَخْلُفُ خُلُوفاً"، إذا فسد، ومن قولهم: هو خلف سوءٍ"، ومن قولهم: "خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ"، إذا تغير ريحه، ومن قولهم: "خَلَفَ اللَّبَنِ يخلُفُ" إذا حَمُضَ.
التوبة 9:84
قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾، إلى قوله ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
هذه الآية نَهْيٌّ للنبي ﷺ، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين عنه.
* *
﴿وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
أي: لا تتولَّ دفنه.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله عز وجل، ورسالة رسوله عليه السلام.
* *
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام.
وَيُرْوَى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وذلك أنَّ ابنه أتى النبي ﷺ، فقال أعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِنّه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي ﷺ: بل خَيّرني فقال: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ﴾، فصلى] النبي ﷺ. فنزل ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية، فترك الصلاة عليهم.
وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
ثم قال الله عز وجل، لنبيه، عليه السلام: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم.
* *
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها، فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووَبَالاً في الآخرة.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: جاحدون.
﴿وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقف عند أبي حاتم، على أنَّ عذابهم بها في الدنيا.
وغيره يقول: ﴿ٱلدُّنْيَا﴾، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: ﴿أَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا.
ثم أخبر الله عز وجل، عنهم بحالهم فقال: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾.
أي: إذا أنزل الله عز وجل، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان بالله، عز وجل، وبالجهاد معك.
* *
﴿ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾.
أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون.
* *
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾.
أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خَالِفة.
* *
﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم.
وقد يقال للرجل: "خالفة" إذا كان غير نجيب.
وقد يجمع "فاعل" صفةً على "فواعل" في الشعر، قالوا: "فَارِسٌ" و "فَوَارِس" و "هَالِكٌ" و "هوالك".
وأصل "فواعل" أن يكون جمع: "فاعلة".
التوبة 9:85
قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾، إلى قوله ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
هذه الآية نَهْيٌّ للنبي ﷺ، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين عنه.
* *
﴿وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
أي: لا تتولَّ دفنه.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله عز وجل، ورسالة رسوله عليه السلام.
* *
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام.
وَيُرْوَى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وذلك أنَّ ابنه أتى النبي ﷺ، فقال أعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِنّه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي ﷺ: بل خَيّرني فقال: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ﴾، فصلى] النبي ﷺ. فنزل ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية، فترك الصلاة عليهم.
وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
ثم قال الله عز وجل، لنبيه، عليه السلام: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم.
* *
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها، فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووَبَالاً في الآخرة.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: جاحدون.
﴿وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقف عند أبي حاتم، على أنَّ عذابهم بها في الدنيا.
وغيره يقول: ﴿ٱلدُّنْيَا﴾، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: ﴿أَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا.
ثم أخبر الله عز وجل، عنهم بحالهم فقال: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾.
أي: إذا أنزل الله عز وجل، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان بالله، عز وجل، وبالجهاد معك.
* *
﴿ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾.
أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون.
* *
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾.
أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خَالِفة.
* *
﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم.
وقد يقال للرجل: "خالفة" إذا كان غير نجيب.
وقد يجمع "فاعل" صفةً على "فواعل" في الشعر، قالوا: "فَارِسٌ" و "فَوَارِس" و "هَالِكٌ" و "هوالك".
وأصل "فواعل" أن يكون جمع: "فاعلة".
التوبة 9:86
قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾، إلى قوله ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
هذه الآية نَهْيٌّ للنبي ﷺ، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين عنه.
* *
﴿وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
أي: لا تتولَّ دفنه.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله عز وجل، ورسالة رسوله عليه السلام.
* *
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام.
وَيُرْوَى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وذلك أنَّ ابنه أتى النبي ﷺ، فقال أعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِنّه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي ﷺ: بل خَيّرني فقال: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ﴾، فصلى] النبي ﷺ. فنزل ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية، فترك الصلاة عليهم.
وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
ثم قال الله عز وجل، لنبيه، عليه السلام: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم.
* *
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها، فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووَبَالاً في الآخرة.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: جاحدون.
﴿وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقف عند أبي حاتم، على أنَّ عذابهم بها في الدنيا.
وغيره يقول: ﴿ٱلدُّنْيَا﴾، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: ﴿أَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا.
ثم أخبر الله عز وجل، عنهم بحالهم فقال: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾.
أي: إذا أنزل الله عز وجل، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان بالله، عز وجل، وبالجهاد معك.
* *
﴿ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾.
أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون.
* *
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾.
أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خَالِفة.
* *
﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم.
وقد يقال للرجل: "خالفة" إذا كان غير نجيب.
وقد يجمع "فاعل" صفةً على "فواعل" في الشعر، قالوا: "فَارِسٌ" و "فَوَارِس" و "هَالِكٌ" و "هوالك".
وأصل "فواعل" أن يكون جمع: "فاعلة".
التوبة 9:87
قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾، إلى قوله ﴿فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾.
هذه الآية نَهْيٌّ للنبي ﷺ، عن الصلاة على هؤلاء المتخلفين عنه.
* *
﴿وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
أي: لا تتولَّ دفنه.
* *
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله عز وجل، ورسالة رسوله عليه السلام.
* *
﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
أي: ولم يتوبوا من ذلك، بل ماتوا وهم خارجون عن الإسلام.
وَيُرْوَى: أن هذه الآية نزلت في أمر عبد الله بن أُبيّ بن سلول، وذلك أنَّ ابنه أتى النبي ﷺ، فقال أعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِنّه فيه، وصَلِّ عليه، واستغفر له، فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم فآذوني، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهاك الله أن تصلي على المنافقين؟ [فقال النبي ﷺ: بل خَيّرني فقال: ﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ﴾، فصلى] النبي ﷺ. فنزل ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم﴾ الآية، فترك الصلاة عليهم.
وقال أنس: أراد النبي عليه السلام، أن يصلي على عبد الله بن أبي بن سلول، فأخذ جبريل، عليه السلام، بثوبه، وقيل: بردائه، وقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾.
ثم قال الله عز وجل، لنبيه، عليه السلام: ﴿وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾.
أي: لا يعجبك ذلك، فتصلي عليهم.
* *
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا﴾.
أي: بالغموم والهموم فيها، ويفارق روحه جسده، وهو في حسرة عليها، فتكون حسرة عليه في الدنيا، ووَبَالاً في الآخرة.
* *
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَٰفِرُونَ﴾.
أي: جاحدون.
﴿وَأَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقف عند أبي حاتم، على أنَّ عذابهم بها في الدنيا.
وغيره يقول: ﴿ٱلدُّنْيَا﴾، يراد بها التقديم، والمعنى: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في الدنيا، فعلى هذا [لا] تقف على: ﴿أَوْلَـٰدُهُمْ﴾ وقد شرح هذا فيما تقدم بأكثر من هذا.
ثم أخبر الله عز وجل، عنهم بحالهم فقال: ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ﴾.
أي: إذا أنزل الله عز وجل، عليك، يا محمد، سورة يأمرهم فيها: بالإيمان بالله، عز وجل، وبالجهاد معك.
* *
﴿ٱسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾.
أي: [ذوو] الغنى منهم في التخلف عنك، والقعود بعدك مع الضعفاء والمرضى، ومن لا يقدر على الخروج وهم القاعدون.
* *
﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلْخَوَالِفِ﴾.
أي: مع النساء اللواتي لا فرض عليهن في الجهاد، جمع خَالِفة.
* *
﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم.
وقد يقال للرجل: "خالفة" إذا كان غير نجيب.
وقد يجمع "فاعل" صفةً على "فواعل" في الشعر، قالوا: "فَارِسٌ" و "فَوَارِس" و "هَالِكٌ" و "هوالك".
وأصل "فواعل" أن يكون جمع: "فاعلة".
التوبة 9:88
قوله: ﴿لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها.
وواحد ﴿ٱلْخَيْرَاتُ﴾، "خَيْرَةٌ" مخففة، و "خيرات" كل شيء، أفضله.
* *
﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه.
وأصل "الفلاح": البقاء في الخير، وقولهم: "حَيَّ على الفَلاَحِ" أي: تعالوا إلى الفوز، يقال: "أفْلَحَ الرَّجُلُ"، إذا فاز وأصاب خيراً.
* *
﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
أي: بساتين.
* *
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
أي: لابثين فيها أبداً.
* *
﴿ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾.
والمعنى: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، في التخلف، ﴿وَقَعَدَ﴾ عن الإتيان إلى رسول الله ﷺ، فيعتذروا أو يجاهدوا، و ﴿ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله عليه السلام.
* *
﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه عليه السلام.
* *
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: مؤلم، أي: موجع.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾، ليس من "عذَّر"، يقال: "عَذَّرَ الرَّجُلُ في الأمْرِ" إذا لم يبالغ فيه، ولم يُحكمه، ولم تكن هذه صفة هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ما ينهضهم مع النبي ﷺ فوَصْفُهم بأنُّهم قد اْعتَذَروا أو أَعْذَروا، أولى من وصفهم بأنهم قد عَذَّروا فإنما هم المُعْتَذِرون، ثم أدغم.
وقد قرأ ابن عباس: "المُعْذِرُونَ" من: "أعذر".
ويجوز: "المُعذِّرُون" بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم.
ويجوز: "المُعِذِّرُون" بكسر العين لالتقاء الساكنين).
وقد قيل: إنّ "المُعَذِّرَ" من "عذَّر" إذا قَصر في الأمر فهم مذمومون على هذا المعنى.
وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى "المُعْتَذِرينَ" غير مذمومين، إذا أتوا بعذر واضح.
ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال "اعْتَذَرَ الرَّجُلُ": إذا أتى بعذر واضح، و "اعْتَذَرَ": إذا لم يأت بعذر، قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين يعتذرون ولا عذر لهم.
ومنع المبرد أن يكون أصله: "المُعْتَذِرِين" ثم أدغم لأنه يقع اللبس.
وذكر إسماعيل القاضي: أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّه لا عذر لهم وأنهم مذمومون، لأنهم جاءوا ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا.
وقول العرب: "مَنْ عَذِيرِي مِنْ فُلاَنٍ"، معناه: قد أتى فلانٌ أمراً عظيماً يستحق عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يَعْذِرُني إن عاقَبْتُه.
قال مجاهد: هم نفر من بني غِفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله عز وجل.
وكذلك قال قتادة.
فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون بالإعْذَارِ.
وقرأ ابن عباس: "المُعْذِرُون" بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله المعتذرين، يذهب إلى أن "المعتذرين" بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح.
و ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم.
التوبة 9:89
قوله: ﴿لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها.
وواحد ﴿ٱلْخَيْرَاتُ﴾، "خَيْرَةٌ" مخففة، و "خيرات" كل شيء، أفضله.
* *
﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه.
وأصل "الفلاح": البقاء في الخير، وقولهم: "حَيَّ على الفَلاَحِ" أي: تعالوا إلى الفوز، يقال: "أفْلَحَ الرَّجُلُ"، إذا فاز وأصاب خيراً.
* *
﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
أي: بساتين.
* *
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
أي: لابثين فيها أبداً.
* *
﴿ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾.
والمعنى: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، في التخلف، ﴿وَقَعَدَ﴾ عن الإتيان إلى رسول الله ﷺ، فيعتذروا أو يجاهدوا، و ﴿ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله عليه السلام.
* *
﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه عليه السلام.
* *
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: مؤلم، أي: موجع.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾، ليس من "عذَّر"، يقال: "عَذَّرَ الرَّجُلُ في الأمْرِ" إذا لم يبالغ فيه، ولم يُحكمه، ولم تكن هذه صفة هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ما ينهضهم مع النبي ﷺ فوَصْفُهم بأنُّهم قد اْعتَذَروا أو أَعْذَروا، أولى من وصفهم بأنهم قد عَذَّروا فإنما هم المُعْتَذِرون، ثم أدغم.
وقد قرأ ابن عباس: "المُعْذِرُونَ" من: "أعذر".
ويجوز: "المُعذِّرُون" بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم.
ويجوز: "المُعِذِّرُون" بكسر العين لالتقاء الساكنين).
وقد قيل: إنّ "المُعَذِّرَ" من "عذَّر" إذا قَصر في الأمر فهم مذمومون على هذا المعنى.
وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى "المُعْتَذِرينَ" غير مذمومين، إذا أتوا بعذر واضح.
ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال "اعْتَذَرَ الرَّجُلُ": إذا أتى بعذر واضح، و "اعْتَذَرَ": إذا لم يأت بعذر، قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين يعتذرون ولا عذر لهم.
ومنع المبرد أن يكون أصله: "المُعْتَذِرِين" ثم أدغم لأنه يقع اللبس.
وذكر إسماعيل القاضي: أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّه لا عذر لهم وأنهم مذمومون، لأنهم جاءوا ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا.
وقول العرب: "مَنْ عَذِيرِي مِنْ فُلاَنٍ"، معناه: قد أتى فلانٌ أمراً عظيماً يستحق عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يَعْذِرُني إن عاقَبْتُه.
قال مجاهد: هم نفر من بني غِفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله عز وجل.
وكذلك قال قتادة.
فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون بالإعْذَارِ.
وقرأ ابن عباس: "المُعْذِرُون" بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله المعتذرين، يذهب إلى أن "المعتذرين" بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح.
و ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم.
التوبة 9:90
قوله: ﴿لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
المعنى: هؤلاء لهم خيرات الآخرة ونعيمها.
وواحد ﴿ٱلْخَيْرَاتُ﴾، "خَيْرَةٌ" مخففة، و "خيرات" كل شيء، أفضله.
* *
﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾.
أي: الباقون في النعيم، المخلدون فيه.
وأصل "الفلاح": البقاء في الخير، وقولهم: "حَيَّ على الفَلاَحِ" أي: تعالوا إلى الفوز، يقال: "أفْلَحَ الرَّجُلُ"، إذا فاز وأصاب خيراً.
* *
﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾.
أي: بساتين.
* *
﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
أي: لابثين فيها أبداً.
* *
﴿ذٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾.
أي: النجاء العظيم، والحظ الجزيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾.
والمعنى: ﴿وَجَآءَ ٱلْمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، في التخلف، ﴿وَقَعَدَ﴾ عن الإتيان إلى رسول الله ﷺ، فيعتذروا أو يجاهدوا، و ﴿ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، واعتذروا بالباطل بينهم، لا عند رسول الله عليه السلام.
* *
﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ﴾.
أي: جحدوا توحيد الله ونبوة نبيه عليه السلام.
* *
﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: مؤلم، أي: موجع.
* *
وقوله: ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾، ليس من "عذَّر"، يقال: "عَذَّرَ الرَّجُلُ في الأمْرِ" إذا لم يبالغ فيه، ولم يُحكمه، ولم تكن هذه صفة هؤلاء، بل كانوا أهل اجتهاد في طلب ما ينهضهم مع النبي ﷺ فوَصْفُهم بأنُّهم قد اْعتَذَروا أو أَعْذَروا، أولى من وصفهم بأنهم قد عَذَّروا فإنما هم المُعْتَذِرون، ثم أدغم.
وقد قرأ ابن عباس: "المُعْذِرُونَ" من: "أعذر".
ويجوز: "المُعذِّرُون" بضم العين لالتقاء الساكنين، (يتبع الضم الضم.
ويجوز: "المُعِذِّرُون" بكسر العين لالتقاء الساكنين).
وقد قيل: إنّ "المُعَذِّرَ" من "عذَّر" إذا قَصر في الأمر فهم مذمومون على هذا المعنى.
وعلى المعنى الآخر إذا حملته على معنى "المُعْتَذِرينَ" غير مذمومين، إذا أتوا بعذر واضح.
ويجوز أن يكونوا مذمومين إذا أتوا بعذر غير واضح، يقال "اعْتَذَرَ الرَّجُلُ": إذا أتى بعذر واضح، و "اعْتَذَرَ": إذا لم يأت بعذر، قال تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾، فهؤلاء اعتذروا بالباطل، فهم الذين يعتذرون ولا عذر لهم.
ومنع المبرد أن يكون أصله: "المُعْتَذِرِين" ثم أدغم لأنه يقع اللبس.
وذكر إسماعيل القاضي: أنَّ سياق الكلام يدل على أنَّه لا عذر لهم وأنهم مذمومون، لأنهم جاءوا ﴿لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، ولو كانوا من الضعفاء والمرضى، والذين لا يجدون ما ينفقون لم يحتاجوا إلى أن يستأذنوا.
وقول العرب: "مَنْ عَذِيرِي مِنْ فُلاَنٍ"، معناه: قد أتى فلانٌ أمراً عظيماً يستحق عليه العقوبة، ولم يعلم الناس به، فمن يَعْذِرُني إن عاقَبْتُه.
قال مجاهد: هم نفر من بني غِفار، جاءوا فاعتذروا، فلم يعذرهم الله عز وجل.
وكذلك قال قتادة.
فهذا يدل على أنهم كانوا أهل اعتذار بالباطل لا بالحق، فلا يوصفون بالإعْذَارِ.
وقرأ ابن عباس: "المُعْذِرُون" بإسكان العين، وكان يقول: لعن الله المعتذرين، يذهب إلى أن "المعتذرين" بإسكان العين، ليس لهم عذر صحيح.
و ﴿ٱلْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتشديد: المفرطون المقصرون ولا عذر لهم.
التوبة 9:91
قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
ومعنى الآية: أنه بيانٌ من الله، عز وجل، أنَّه لا حرج على الزَّمْنَى والمرضى، ومن لا يجد ما ينفق في التخلف عن الغزو، ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني في مغيبهم عن الجهاد.
* *
﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
أي: ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله عليه السلام، سبيل.
قال ابن عباس: لما أمر النبي عليه السلام، بالخروج إلى الغزو، وجاءه عصابة من أصحابه يقال: كانوا سبعة، فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، فأنزل الله عذرهم في كتابه.
﴿لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقف.
و ﴿مِن سَبِيلٍ﴾، وقف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في بني مُقَرِنٍ من مُزَيْنَةَ، أتوا النبي عليه السلام، ليحملهم ويغزو معهم فقال: ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، إذا لم يجدوا ما ينفقون في غزوهم.
وقيل: منهم العِرباض بن سارية.
قال إبراهيم بن أدهم في الآية: ليس يعني الدواب، ولكن النعال.
التوبة 9:92
قوله: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
ومعنى الآية: أنه بيانٌ من الله، عز وجل، أنَّه لا حرج على الزَّمْنَى والمرضى، ومن لا يجد ما ينفق في التخلف عن الغزو، ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني في مغيبهم عن الجهاد.
* *
﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
أي: ليس على من أحسن فنصح لله ورسوله عليه السلام، سبيل.
قال ابن عباس: لما أمر النبي عليه السلام، بالخروج إلى الغزو، وجاءه عصابة من أصحابه يقال: كانوا سبعة، فقالوا: يا رسول الله احملنا. فقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولوا ولهم بكاء، فأنزل الله عذرهم في كتابه.
﴿لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقف.
و ﴿مِن سَبِيلٍ﴾، وقف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَآ أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في بني مُقَرِنٍ من مُزَيْنَةَ، أتوا النبي عليه السلام، ليحملهم ويغزو معهم فقال: ما أجد ما أحملكم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، إذا لم يجدوا ما ينفقون في غزوهم.
وقيل: منهم العِرباض بن سارية.
قال إبراهيم بن أدهم في الآية: ليس يعني الدواب، ولكن النعال.
التوبة 9:93
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾، إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾.
والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو غني، ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت.
* *
﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم عليها.
* *
﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي ﷺ.
ثم قال تعالى إخباراً عما يفعلون: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب.
﴿قُل﴾ لهم، يا محمد، ﴿لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ [لَكُمْ]﴾. أي: لن نُصدِّقكم قد أخبرنا الله بأخباركم.
* *
﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: فيما بعد، هل تتوبون أم لا.
* *
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾.
أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها.
رُوِيَ أن النبي ﷺ، قال: "لو أن رجلاً عبد الله في صخرة لا باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان
فالله عز وجل، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر.
ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: يحلفون لكم إذا رجعتم إليهم من غزوكم، ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، لتتركوا تأنيبهم وتعييرهم بتخلفهم، ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، أي: فاتركوهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم إليها جزاء بكسبهم.
قيل: إنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً.
التوبة 9:94
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾، إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾.
والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو غني، ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت.
* *
﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم عليها.
* *
﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي ﷺ.
ثم قال تعالى إخباراً عما يفعلون: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب.
﴿قُل﴾ لهم، يا محمد، ﴿لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ [لَكُمْ]﴾. أي: لن نُصدِّقكم قد أخبرنا الله بأخباركم.
* *
﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: فيما بعد، هل تتوبون أم لا.
* *
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾.
أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها.
رُوِيَ أن النبي ﷺ، قال: "لو أن رجلاً عبد الله في صخرة لا باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان
فالله عز وجل، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر.
ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: يحلفون لكم إذا رجعتم إليهم من غزوكم، ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، لتتركوا تأنيبهم وتعييرهم بتخلفهم، ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، أي: فاتركوهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم إليها جزاء بكسبهم.
قيل: إنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً.
التوبة 9:95
قوله: ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾، إلى قوله: ﴿يَكْسِبُونَ﴾.
والمعنى: إنما السبيل بالعقوبة على من استأذن في التخلف عن الغزو، وهو غني، ورضي بأن يخلف مع النساء اللواتي من خوالف للرجال في البيوت.
* *
﴿وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾.
أي: ختم عليها.
* *
﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
سوء عاقبة تخلفهم، يعني: عن النبي ﷺ.
ثم قال تعالى إخباراً عما يفعلون: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
أي: يعتذر هؤلاء المتخلفون بالأباطيل والكذب.
﴿قُل﴾ لهم، يا محمد، ﴿لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ [لَكُمْ]﴾. أي: لن نُصدِّقكم قد أخبرنا الله بأخباركم.
* *
﴿وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾.
أي: فيما بعد، هل تتوبون أم لا.
* *
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾.
أي: يعلم السر والعلانية، فيخبركم بأعمالكم فيجازيكم عليها.
رُوِيَ أن النبي ﷺ، قال: "لو أن رجلاً عبد الله في صخرة لا باب لها، ولا كوة بها لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان
فالله عز وجل، يطلع قلوب المؤمنين على ما [في] قلوب إخوانهم من الخير والشر، فيحبون أهل الخير ويبغضون أهل الشر.
ثم أخبرهم بما يفعلون إذا رجع المؤمنون من غزوهم فقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ إِذَا ٱنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: يحلفون لكم إذا رجعتم إليهم من غزوكم، ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، لتتركوا تأنيبهم وتعييرهم بتخلفهم، ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾، أي: فاتركوهم، ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم إليها جزاء بكسبهم.
قيل: إنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً.
التوبة 9:96
قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: يحلف، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم ﴿لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، وأنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾؛ لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾.
"أن": في موضع نصب، على تقدير: "وأجدر بأن لا".
تقول: "هو جدير بأن يفعل"، و "خليق بأن يفعل"، وإن شئت حذفت "الباء"، ولا يحسن حذف "الباء" إلا مع "أنْ"، لو قلت: هو جدير بالفعل، لم يكن بُدُّ من "الباء".
والمعنى: الأعراب أشَدُّ جحوداً لتوحيد الله سبحانه، ونفاقاً على رسوله عليه السلام، من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم.
* *
﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾.
أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾.
والمعنى: ومن الأعراب من يَعُدُّ ما ينفق فيما ندبه الله، عز وجل، إليه ﴿مَغْرَماً﴾ لا ثواب له فيه، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم ما تدور به الأيام والليالي من المكروه والسوء، ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾، أي: عليهم يرجع المكروه والسوء.
وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد.
* *
وقوله: ﴿دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾.
ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و ﴿دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾: البلاء.
قال الفراء: ولا يجوز على هذا "هذا امرؤُ سوء"، كما لا يجوز "هذا امرؤ عذاب".
وقال المبرد "السَّوء" بالفتح: الرداءة.
قال سيبويه: "مَرَرْتُ بِرَجُلِ صِدْقِ"، معناه: مررت برجل صالح، وليس هو من صِدْق اللسان، وكذلك تقول: "مررت برجل سوء، أي: برجل فسادٍ، وليس هو من: سُوءتُهُ (سَوْءاً.
وقال الفراء: "السَّوْء" بالفتح، مصدر من: سُوْءتُهُ سَوْءاً ومَسَاءَة) وسَوَائِيةً وَمَسَائِية.
وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السُّوءَ الاسم، والسَّوء المصدر، فافهم.
التوبة 9:97
قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: يحلف، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم ﴿لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، وأنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾؛ لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾.
"أن": في موضع نصب، على تقدير: "وأجدر بأن لا".
تقول: "هو جدير بأن يفعل"، و "خليق بأن يفعل"، وإن شئت حذفت "الباء"، ولا يحسن حذف "الباء" إلا مع "أنْ"، لو قلت: هو جدير بالفعل، لم يكن بُدُّ من "الباء".
والمعنى: الأعراب أشَدُّ جحوداً لتوحيد الله سبحانه، ونفاقاً على رسوله عليه السلام، من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم.
* *
﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾.
أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾.
والمعنى: ومن الأعراب من يَعُدُّ ما ينفق فيما ندبه الله، عز وجل، إليه ﴿مَغْرَماً﴾ لا ثواب له فيه، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم ما تدور به الأيام والليالي من المكروه والسوء، ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾، أي: عليهم يرجع المكروه والسوء.
وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد.
* *
وقوله: ﴿دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾.
ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و ﴿دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾: البلاء.
قال الفراء: ولا يجوز على هذا "هذا امرؤُ سوء"، كما لا يجوز "هذا امرؤ عذاب".
وقال المبرد "السَّوء" بالفتح: الرداءة.
قال سيبويه: "مَرَرْتُ بِرَجُلِ صِدْقِ"، معناه: مررت برجل صالح، وليس هو من صِدْق اللسان، وكذلك تقول: "مررت برجل سوء، أي: برجل فسادٍ، وليس هو من: سُوءتُهُ (سَوْءاً.
وقال الفراء: "السَّوْء" بالفتح، مصدر من: سُوْءتُهُ سَوْءاً ومَسَاءَة) وسَوَائِيةً وَمَسَائِية.
وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السُّوءَ الاسم، والسَّوء المصدر، فافهم.
التوبة 9:98
قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
والمعنى: يحلف، أيها المؤمنون، هؤلاء المنافقون لكم ﴿لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾، وأنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَرْضَىٰ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ﴾؛ لأنه يعلم سرائرهم وصدقهم وكذبهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾.
"أن": في موضع نصب، على تقدير: "وأجدر بأن لا".
تقول: "هو جدير بأن يفعل"، و "خليق بأن يفعل"، وإن شئت حذفت "الباء"، ولا يحسن حذف "الباء" إلا مع "أنْ"، لو قلت: هو جدير بالفعل، لم يكن بُدُّ من "الباء".
والمعنى: الأعراب أشَدُّ جحوداً لتوحيد الله سبحانه، ونفاقاً على رسوله عليه السلام، من أهل الحضر والأمصار، وذلك لجفائهم، وقسوة قلوبهم.
* *
﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ﴾.
أي: وأخلق أن يجهلوا العلم والسنن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً﴾.
والمعنى: ومن الأعراب من يَعُدُّ ما ينفق فيما ندبه الله، عز وجل، إليه ﴿مَغْرَماً﴾ لا ثواب له فيه، ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم ما تدور به الأيام والليالي من المكروه والسوء، ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾، أي: عليهم يرجع المكروه والسوء.
وهذا كله في منافقين من الأعراب، قاله: ابن زيد.
* *
وقوله: ﴿دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾.
ومن قرأ بالضم، فمعناه: دائرة العذاب، و ﴿دَآئِرَةُ ٱلسَّوْءِ﴾: البلاء.
قال الفراء: ولا يجوز على هذا "هذا امرؤُ سوء"، كما لا يجوز "هذا امرؤ عذاب".
وقال المبرد "السَّوء" بالفتح: الرداءة.
قال سيبويه: "مَرَرْتُ بِرَجُلِ صِدْقِ"، معناه: مررت برجل صالح، وليس هو من صِدْق اللسان، وكذلك تقول: "مررت برجل سوء، أي: برجل فسادٍ، وليس هو من: سُوءتُهُ (سَوْءاً.
وقال الفراء: "السَّوْء" بالفتح، مصدر من: سُوْءتُهُ سَوْءاً ومَسَاءَة) وسَوَائِيةً وَمَسَائِية.
وقال اليزيدي في الضم، يعني: دائرة الشر، فكأن السُّوءَ الاسم، والسَّوء المصدر، فافهم.
التوبة 9:99
قوله: ﴿وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾، الآية.
المعنى: ومن الأعراب من يصدق بالله وبالبعث والثواب والعقاب، وينوي بما ينفق من صدقه، والتقرب إليه، ﴿وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ﴾، أي: دُعَاءَه واستغفاره له.
قال مجاهد: هم بنو مُقرِّن، من مُزينة، وهم الذين نزل فيهم: ﴿وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢]، الآية.
* *
﴿أَلاۤ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾.
أي: ألا إنَّ صلوات الرسول عليه السلام، أي: استغفاره ودعاءه، قربةٌ لهم عند الله عز وجل.
وقيل المعنى: ألا إنَّ نفقتهم قُربةٌ لهم عند الله عز وجل.
و ﴿قُرْبَةٌ﴾، و ﴿قُرْبَةٌ﴾ لغتان، كـ: "جُمُعة" و "جُمُعَة" ويجوز في الجمع فتح الراء وضمها وإسكانها، ويجوز "قُرَبٌ".
* *
ثم قال تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾.
أي: يدخلهم فيمن رحمه.
التوبة 9:100
قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ﴾، الآية.
المعنى: والذين سبقوا إلى الإيمان، ﴿مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾، أي: سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله: ﴿رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾، أي: أجزل لهم في الثواب.
قال الشافعي : ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ﴾: من أدرك بيعة الرضوان.
ورُوي عنه: من أدرك بيعة الشجرة. و "المهاجرون الأولون" من (هاجر قبل البيعة.
وقال أبو موسى الأشعري ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلأَوَّلُونَ﴾: المهاجرون الأولون من) صلى القبلتين.
وهو قول ابن المسيب، والحسن، وقتادة، وابن سيرين.
ورُوي عن عمر: أنه قرأ: "والأنصار" بالرفع، عطف على: السابقين، وبذلك قرأ الحسن، وهي قراءة يعقوب الحضرمي.
وعن عمر رضي الله عنه، أنه قرأ: "الذين اتَّبَعُوهم" بغير واو، فرد عليه زيد بـ "الواو" فسأل عمر أبيّاً، فقال له: "بالواو" فرجع عمر إلى زيادة "الواو". وهم إجماع من القراء والمصاحف.
ومن قرأ: ﴿مِن تَحْتِهَا﴾، بزيادة ﴿مِن﴾ فمن أجل أنها في مصاحف أهل مكة كذلك، وفي سائر المصاحف بغير ﴿مِن﴾.
وهذا باب في خطوط المصاحف في الحروف التي اختلف فيها القراء
من ذلك:
قوله في سورة البقرة: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾، هي في مصاحف أهل الشام بغير "واو"، وفي سائر المصاحف بـ: "الواو".
وفيها: ﴿وَأوصىٰ﴾، هي في مصاحف المدينة والشام بـ: "ألف" وفي سائر المصاحف بـ: "الواو" بغير ألف.
وفي آل عمران: ﴿سَارِعُوۤاْ﴾، في مصاحف أهل المدينة، وأهل الشام بغير "واو"، وفي سائر المصاحف بـ "الواو".
وفي آل عمران أيضاً: ﴿جَآءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾، بزيادة "باء" [في] ﴿وَالزُّبُرِ﴾، وفي سائر المصاحف بغير "باء" في ﴿الزُّبُرِ﴾، وكلهم حذفها من "وَبِالْكِتَبِ".
وقد قرأ هشام بن عمار: "وبِالْكِتَبِ" بالباء، ولا أصل لهذه "الباء" في مصاحف أهل الشام ولا غيرهم.
وفي النساء: ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾، بألف في مصاحف أهل الشام، وبغير "ألف" في سائر المصاحف.
وفي المائدة، في مصحف أهل مكة والمدينة والشام: ﴿يَقُولُ الذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بغير "واو"، وفي سائر المصاحف بالواو.
وفي المائدة أيضاً: ﴿مَن يَّرْتَدِدْ﴾، بـ: "دالَيْن"، وفي مصاحف المدينة والشام، وفي باقي المصاحف بـ: "دال" واحدة.
وفي سورة الأعراف، في مصاحف أهل الشام: ﴿مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ﴾ بغير "واو"، وفي سائر المصاحف: ﴿وَمَا﴾ بـ: "الواو".
وفيها: في قصة صالح: ﴿وقَالَ ٱلْمَلأُ﴾، بزيادة و[او]، في مصاحف الشام، وفي سائر المصاحف: ﴿قَالَ﴾ بغير "واو".
وفي براءة ﴿مِن تَحْتِهَا﴾، بزيادة "من" في مصاحف مكة، وفي سائر المصاحف، بغير "مِن".
وفيها: ﴿الذِينَ اتَّخَذُواْ﴾، بغير "واو"، في مصحف أهل الشام، وأهل المدينة، وفي سائر المصاحف: ﴿وَالَّذِينَ﴾، بزيادة "واو".
وفي سورة بني إسرائيل ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ بـ: "ألف"، في مصاحف أهل مكة والشام، [و] في سائر المصاحف: ﴿قُلْ﴾، بغير ألف.
وفي الكهف: ﴿خَيْراً مِّنْهُمَا﴾، بزيادة "ميم"، في مصحف أهل المدينة ومكة والشام، وفي سائر المصاحف: ﴿مِّنْهَا﴾ بغير "ميم".
وفيها: ﴿مَا مَكَّنِّي﴾، بنونين، في مصحف أهل مكة خاصة، وفي سائر المصاحف بـ "نون" واحدة.
وفي سورة الأنبياء: ﴿قُلَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾، ﴿قُلَ رَبِّ احْكُم﴾، بألف فيهما، في مصحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: ﴿قُل﴾، بغير ألف.
وفيها: ﴿لَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ﴾، بغير "واو"، في مصحف أهل مكة، وفي سائر المصاحف: ﴿أَوَلَمْ﴾ بواو.
وفي سورة المؤمنين: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، في الأول. [و] في الثاني والثالث:
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، بالألف، في مصحف أهل البصرة، وفي سائر المصاحف: ﴿لِلَّهِ﴾، من غير "ألف" في الثلاثة.
وفي سورة الشعراء: ﴿فَتَوكَّلْ﴾ بالفاء، في مصحف أهل المدينة، [و] الشام، وفي سائر المصاحف، ﴿فَتَوكَّلْ﴾ بالواو.
وفي النمل: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي﴾، بنونين، في مصحف أهل مكة، وفي سائر المصاحف، بنون واحدة.
وفي القصص: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيۤ أَعْلَمُ﴾، بغير "واو"، في مصحف أهل مكة، وفي سائر المصاحف: ﴿وَقَالَ﴾، بالواو.
وفي غافر: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ بالكاف، في مصاحف الشام، وفي سائر المصاحف: (منهم)، بالهاء.
وفيها: ﴿وَأَن يُظْهِرَ﴾، بغير ألف قبل الواو، في مصاحف أهل المدينة والبصرة والشام، وفي مصاحف الكوفة: ﴿أَنْ أَوَ﴾، بزيادة ألف.
وفي عَسِق في مصاحف أهل المدينة والشام: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، بغير فاء، وفي سائر المصاحف: ﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾، بالفاء.
وفي الزخرف: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾، بالهاء، في مصاحف أهل المدينة والشام والكوفة، وفي سائر المصاحف: ﴿تَشْتَهِيهِ﴾، بغير "هاء".
وقد قيل: إنَّها غير مثبتة في مصاحف أهل الكوفة، وبذلك قرأوا.
وفي الأحقاف: ﴿حُسْناً﴾، بألف في مصاحف أهل الكوفة، وفي سائر المصاحف: ﴿حُسْناً﴾، بغير ألف، أعني قبل الحاء.
وفي سورة الرحمن في آخرها: ﴿ذِي ٱلْجَلاَلِ﴾، بالواو، في مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: ﴿ذِي﴾، بالياء.
وفي سورة الحديد: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾، بغير ألف، [في مصاحف أهل الشام، وفي سائر المصاحف: ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ ٱللَّهُ﴾ بألف.
وفيها: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾، بغير (هو)، في مصاحف أهل المدينة [و] الشام، وفي سائر المصاحف: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ ٱلْغَنِيُّ﴾، بزيادة (هو).
وفي سورة الشمس وضحيها: ﴿فَلاَ يَخَافُ﴾، بالفاء، في مصاحف أهل المدينة والشام، وفي سائر المصاحف: بالواو: "ولا يخاف".
وذكر أبو حاتم في هذه الحروف أنّ في مصاحف المدينة، خاصة: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ايتُونِي﴾، بغير ياء قبل التاء.
وفي الحج والملائكة ﴿وَلُؤْلُؤاً﴾، بألف، في مصاحف المدينة، وبعض مصاحف الكوفة.
وفي الزخرف: ﴿يٰعِبَادِ﴾، [بياء]، لا حذف في مصاحف المدينة [و] الكوفة.
و﴿قَوَارِيرَاْ﴾ الثاني بألف في مصاحف المدينة.
وفي: (قل أوحى): ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَدْعُواْ﴾، بغير ألف في مصاحف الكوفة.
وفي النساء: ﴿فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ على التوحيد، في مصاحف البصرة،
ولم يقرأ به أحد.
قال: وفي يَس: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ﴾ بغير "هاء"، في مصاحف أهل الكوفة.
ومثله: ﴿حُسْناً﴾، بـ: "ألف"، في الأحقاف.
ومثله: ﴿لَّئِنْ أَنجَيْتَنَا﴾، في الأنعام.
وقال: في مصاحف أهل الشام خاصة في الأنعام: ﴿وَلَلدَّارُ ٱلآخِرَةُ﴾، "الآخرة" بلام واحدة.
ومثله في: الأعراف: "تحتها" في موضع: ﴿مِن تَحْتِهِمْ﴾، ولم يقرأ به أحد.
ومثله: ﴿(وَإِذْا) نْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ﴾، بألف فيهما.
ومثله: ﴿كِيدُونِ﴾ بالياء في الأعراف.
ومثله: "ما كان للنبي أن يكون له أسرى، بلامين في الأنفال، ولم يقرأ به أحد.
ومثله: (ينشركم) بالشين، في يونس.
وهذا باب آخر نذكر فيه سبب اختلاف القراء واختلاف هذه المصاحف
فكان سبب هذا الاختلاف، أن النبي ﷺ، قال: "نزل هذا القرآن على سبعة أحرُفٍ"، فكان من قرأ عليه من أصحابه بأي حرف قرأ تركه، ودلّ على ذلك حديث عمر مع هشام بن حكيم، إذ سمعه عمر يقرأ القرآن على غير ما قرأ هو على النبي عليه السلام، فلما توجها إلى النبي ﷺ، وتحاكما لديه، قرأ عليه، أجاز قراءة كل واحد منهما، وقال: "هكذا أُنْزِلَ". وكان اختلافها في أحرفٍ من سورة الفرقان.
فدل على أنه ﷺ، كان يترك كل واحد يقرأ على لُغَتِهِ، فإذا صح أنه كان يقرأ كل واحد على لغته، وصح عنه ﷺ، أنه كان يرسل أصحابه إلى البلدان، يعلمونهم القرآن والفقه في الدين، وأنه وجّه معاذ بن جبل إلى اليمن وكان قد خَلَفَه قبل ذلك، وأبا موسى الأشعري بمكة [حين] توجه إلى حنين لحرب هَوَازِن ليعَلِّمَا من كان بها القرآن والعلم.
وبعث إلى الطائف في مثل ذلك عثمان بن أبي العاص الثقفي.
ثم توفي النبي ﷺ، وفتحت البلدان، فمضى على سيرته وزيراه: أبو بكر وعمر. فوجه عمر ابن مسعود إلى الكوفة مُعَلِّماً لهم، ووجه أبا (موسى) إلى البصرة بمثل ذلك. وكان بالشام معاذ بن جبل، وأبو الدرداء. وكان بالمدينة جماعة من أصحاب النبي ﷺ، من أهل حفظ القرآن منهم: أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، فكان كل واحد يقرئ في موضعه بحرفٍ من السبعة التي أمر الله عز وجل، بها نبيه عليه السلام.
فلما انتشر ذلك في البلدان، وتعلم الناس، وسافروا من كل بلد، وتلاقوا في الغزوات، واجتمعوا في الموسم، قرأ كل قوم كما عُلِّمُوا، فأنكر بعضهم على بعض، الزيادة والنقص، والرفع والنصب، وكذَّبَ بعضهم بعضاً، وعظم الأمر فيهم، وذلك في أيام عثمان.
فتكلم بعض أصحاب النبي عليه السلام إلى عثمان أن يكتب للناس مصحفاً يجمعهم عليه، وكان ممن كلمه في ذلك حُذَيْفَة [بن] اليمان، وقد كان أراد أن يكلم عمر في مثل ذلك، حتى مات عمر رضي الله عنه، وكان حذيفة قدم من غزوة شهدها بإرمينية، فرأى اختلاف الناس في القرآن، فلما قدم المدينة لم يدخل (بيته) حتى أتى عثمان، فقال: يا أمير المؤمنين، أدْرِك الناس، فقال عثمان: وما ذلك؟ فقال: غزوة إرمينية يحضرها أهل العراق، وأهل الشام، فإذا أهل المدينة يقرأون بقراءة: أُبَيّ بن كعب، فيكفرهم أهل العراق، و (أهل العراق) يقرأون بقراءة ابن مسعود، فيأتون بما لم يسمع أهل الشام، فيكفرهم أهل الشام.
فجعل عثمان زيداً يكتب مصحفاً وأدخل معه رجلاً فصيحاً، وهو أبان بن سعيد بن العاص، وقال لهما: إذا اجتمعتما فاكتبا، وإذا اختلفتما فارفعا إليّ ما تختلفان فيه.
قال أنس بن مالك: اجتمع لغزوة أَذْرَبِيجان وإرمينية أهل الشام والعراق، فتذاكرا القرآن فاختلفوا فيه، حتى كاد يكون بينهم فتنة، فركب حذيفة بن اليمان في ذلك إلى عثمان، فقال: إن الناس قد اختلفوا في القرآن، حتى أني والله خشيت أن يصيبهم ما أصاب اليهود والنصارى من الاختلاف.
فَفَزِع لذلك عثمان رضي الله عنه، فزعاً شديداً، وأرسل إلى حفصة فاستخرج المصحف الذي كان أبو بكر، رضي الله عنه، أمر زيداً بجمعه، فنسخ منه مصاحف فبعث بها إلى البلدان.
وكان عثمان قد انتسخ من المصحف الذي عند حفصة، بحضرة زيد بن ثابت وأبان بن سعيد بن العاص.
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، وقال : ما اختلفتم فيه فاكتبوه بلسان قريش.
قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في ﴿ٱلتَّابُوتُ﴾، فقال القرشيون:
﴿ٱلتَّابُوتُ﴾، وقال زيد: "التَّابُوه".
فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه بلغة قريش.
فلما كتب عثمان النسخة، جعلها أربع نسخ، فأنفذ مُصْحفاً إلى: الشام، ومصحفاً إلى العراق، ومصحفاً إلى اليمن، واحْتَبس مُصحفاً.
وقيل: بل وجه واحداً إلى الشام، وآخر إلى الحجاز، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى البصرة.
وقيل: بل كتب سبعة مصاحف، فبعث مصحفاً إلى مكة، ومصحفاً إلى الكوفة، ومصحفاً إلى البصرة، ومصحفاً إلى الشام، ومصحفاً إلى اليمن، ومصحفاً إلى البحرين، واحتبس مصحفاً.
فأما مصحف اليمن والبحرين فليس يعرف لهما خبر.
ولم يمت النبي ﷺ، إلاَّ والقُرْآنُ مُؤَلَّفٌ في الصُّدُور، إلا أنه لم يكتب في مصحف.
وأول من جمعه أبو بكر رضي الله عنه في المصحف، ومات وتركه عند عمر، ومات عمر وتركه [عند] حفصة ابنته. قال ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذكره السدي.
وروى الزهري عن عبيد بن السّبَّاق أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلي أبو بكر، فأتيته، فإذا عنده عمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إن القتل اسْتَحَرَّ بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخْشَى أن يَسْتَحِرَّ القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإنّي أرى أنْ تأْمر بجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت: فكيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ، فقال عمر: هو والله خير، قال أبو بكر: فلم [يزل] عمر يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري له، ورأيت فيه الذي رأى عمر. قال زيد: قال لي أبو بكر: إنَّك رجل شاب عاقل لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فَتَتَبَّعْ القرآن فاجمعه. قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال لكان أثقل عليّ من ذلك. فقلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال أبو بكر:
هو والله خير. فلم يزل يراجعي في ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، حتى شرح الله صدري للذي شرح إليه صدرهما، فتتبعت القرآن من الرِّقَاع والعُسُبِ، ومن صدور الرجال، فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩]، إلى آخرها، وكانت الصحف عند أبي بكر حتى مات، ثم كانت عند عمر حتى مات، ثم كانت عند حفصة، ثم نسخ عثمان من عند حفصة المصاحف، ووجه إلى كل أُفقٍ مصحفاً، وأمر بما سوى ذلك أن يُحَرَّق.
ومعنى قول النبي ﷺ: "أُنْزِل القرآن على سبعة أَحْرُف"، أي: على سبع لغات متفرقة في القرآن، (لا أن كُلَّ حرف من القرآن) يقرأ على سبع لغات.
قال الشيخ أبو بكر، رضي الله عنه، وَجْهُ هذه الزيادة والنقص في المصاحف، أنها كتبت على قراءة من كان وجه إلى كل بلد من الصحابة، ويدل على ذلك أنَّ القراء يُسْنِدُونَ قراءتهم إلى إمام مِصْرهم من الصحابة، وقد كانت هذه الحروف يقرأ بها على عهد رسول الله ﷺ، وتنقص، ولولا ذلك ما أثبتت في بعض المصاحف وحذفت من بعض ولا يجوز أن يُتَوَهَّم أنها وهم من الكاتب؛ لأن الله قد حفظه، ويدل على ذلك أن علياً لما صارت إليه الخلافة لم يغير منها شيئاً بل استحسن فعل عثمان، وقد كانوا يكرهون النقط في المصاحف خوف الزيادة، فكيف يزيدون الحروف وتجوز عليهم الزيادة.
وكره النخعي الفصل بين السور، والتَّعْشِيرِ، بالحمرة.
وقال يحيى بن كثير: كان القرآن مُجَرَّداً، فأول ما أُحْدِثَ فيه العَجْمُ: نقط التاء والثاء، فلم ينكره أحد، ثم أحدثوا نَقْطاً على منتهى الآي، ثم أحدثوا التعشير، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.
وقال قتادة: وددت أنَّ الأيدي قُطِعت في هذه النقط.
فليس يجوز على هذا الاحتياط أن تقع هذه الحروف إلا بنصّ وَمَعْرِفَةٍ، ولم تقع على وهم من الكاتب.
وقد ذكر أبو بكر عن بعض العلماء أنه قال: إنَّ أصحاب رسول الله ﷺ، لما جمعوا القرآن ونسخوه من عند حفصة في نسخ، عمدوا إلى كل حَرْفٍ سمعوا رسول الله ﷺ، قرِأه على وجهين، فأثبتوا في مصاحف وجهاً، وفي مصاحف وجهاً آخر. لتحصل الوجهان للمسلمين، ولا يسقط عنهم وجه قراءته، فحصل هذا الاختلاف في المصاحف على هذا الوجه، وهو داخل في السبعة، وهذا إن شاء الله هو الحق والصواب.
فأما اختلافهم في الحركات والمْدَ والْقَصْر والهمز وشِبْهه من إبدال حرف مكان آخر بصورته، فإن السبب في ذلك أن المصاحف التي وجهت إلى الأمصار لم تضبط ولا نقطت، وإنما كانت حروفاً أشخاصاً. فلما خلت الحروف من النقط والضبط صارت التاء (التي) هي غير منقوطة محتملة لأن تكون: ياءً أو باءً أو تاءً، واشتركت الصور في الحروف. ألا ترى أنك لو كتبت "لم يقم"، ولم تنقط الحرف الأول جاز أن يكون تاء، وباء، ونوناً، فقرأ أهل كل مصر على ما كانوا تعلموا من إمامهم الصحابي قبل إتيان المصاحف إليهم، فقرأ أهل البصرة على ما كان علمهم أبو موسى الأشعري، وأهل الكوفة على ما علمهم علي، وابن مسعود، وأهل الحرمين على ما تعلموا من أُبيّ، وزيد، وأهل الشام على ما تعلموا من معاذ بن جبل، وأبي الدرداء، ووافقوا بقراءتهم خط المصحف الذي وجه إليهم، فقرأ هؤلاء بنصبٍ وهؤلاء برفعٍ، وهؤلاء بِهَمْزٍ، وهؤلاء بِيَاءٍ، وهؤلاء بِتَاءٍ والصور واحدة، كل قوم قرأوا على ما كانوا تعلموا قبل وصول المصحف إليهم، فوافقوا بقراءتهم المصحف الذي وجه إليهم من زيادة أو نقص. فهذا سبب الاختلاف.
وقد كان جَمَعَ القرآن على عهد النبي ﷺ، ستة نفرٍ من الأنصار: معاذ بن جبل، وأُبيُّ بن كعب، وأبو الدرداء، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وسعد، بن عبيد. وجمعه مُجَمَّعُ بن جارية، إلا سورتين، ولم يجمعه من الأئمة إلا عثمان.
وذكر أنس والشعبي أنه لم يجمعه على عهد النبي عليه السلام، أحدٌ. والدليل على ذلك أن عثمان لم يتكل فيه على أحدٍ حتى جمع إليه جماعة، وأن زيد بن ثابت قال: جمعته من صدور الرجال، ومن كذا وكذا، فهذا يدل على أنه لم يكن يحفظه.
وإنما اختار عثمان زيداً، لأنه كان يكتب الوحي؛ ولأن قراءته كانت على العرضة الآخرة؛ ولأنه وهو الذي اختار أبو بكر لجمعه.
التوبة 9:101
قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة ﴿مُنَٰفِقُونَ﴾، أي: قوم منافقون.
* *
﴿مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾.
أي: دربوا عليه وخَبُثُوْا.
وقيل معناه: عتوا، على النفاق. من قولهم: "شَيْطانٌ مَارِدٌ" أي: عاتٍ.
* *
﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ﴾.
أي: من أهلها مثلهم.
وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم ﴿مَرَدُواْ﴾. فلا يكن في الكلام على هذا تقديم ولا تأخير. وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير.
قال ابن زيد ﴿مَرَدُواْ﴾: أقاموا عليه، ولم يتوبوا.
وقال ابن إسحاق ﴿مَرَدُواْ﴾، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره.
* *
﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾.
أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتهم.
* *
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾.
قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب الآخرة. قاله ابن عباس. وذكر: أنَّ النبي ﷺ أخرج قوماً من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس منهم، فهذا عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر.
وقال مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع.
والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة.
وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والآخر: عذاب النار.
وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهم غير راضين، والآخرة: عذاب القبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً﴾.
والمعنى: ومنهم آخرون، أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، ﴿ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، أي: أقروا بها: ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً﴾، هو إقرارهم وتوبتهم، ﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾، هو تخلفهم عن النبي ﷺ في غزوة تبوك.
والواو [في] قوله: ﴿وَآخَرَ﴾، بمعنى: "مع" عند البصريين، كما تقول: "استوى الماء والخشبة".
وقال قوم: هي بمعنى: "الباء"، وقدروا "الواو" في "والخشبة" بمعنى: بالخشبة.
وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة "استوى الماء والخشبة"؛ لأن هذا لا يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة "خلطت الماء واللبن"، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي ﷺ، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعَةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إذا رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء؟
قالوا: أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال رسول الله ﷺ: "فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية.
فأطلقهم النبي عليه السلام، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة
وقيل: كانوا ستةً، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لُبابة ورجلان معه.
وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوا أنفسهم ثمانية.
وقال قتادة: كانوا سبعة، وفيهم نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
وقال مجاهد: هو أبو لُبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ أشار لهم إلى حَلْقِهِ، يريد أن رسول الله ﷺ، ذابحكم إن نزلتم على حكم الله، سبحانه.
وقال الزهري: نزلت في أبي لُبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، عز وجل، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خَرَّ مغشيّاً عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لُبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يحلني، فجاء رسول الله ﷺ، فحله بيده، ثم قال أبو لُبابة: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله، قال له النبي ﷺ: "يجزيك يا أبا لُبابة الثلث"
والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم.
وقيل: حضورهم بدراً مع النبي ﷺ.
﴿مُنَٰفِقُونَ﴾، وقف، إن جعلت ﴿مَرَدُواْ﴾، نعتاً لأهل المدينة، فإن جعلته نعتاً للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم.
وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لُبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من الأنصار. لما رجع رسول الله ﷺ، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، وكانو رسول الله ﷺ، إذا ابتدأ سفراً أو رجع منه ابتدأ بالمسجد، فصلى في ركعتين، فدخل فرأى فيه قوماً موثقين، فسأل عنهم، فأُخبر بخبرهم، وأنهم أقسموا ألاَّ يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "وأنا أقسم لا أطلق عنهم حتى أُومر، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، فلما نزل فيهم القرآن حلهم النبي ﷺ.
التوبة 9:102
قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ومعنى الآية: ومن القوم الذين حولكم، أي: حول المدينة ﴿مُنَٰفِقُونَ﴾، أي: قوم منافقون.
* *
﴿مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾.
أي: دربوا عليه وخَبُثُوْا.
وقيل معناه: عتوا، على النفاق. من قولهم: "شَيْطانٌ مَارِدٌ" أي: عاتٍ.
* *
﴿وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ﴾.
أي: من أهلها مثلهم.
وقيل: المعنى: ومن أهل المدينة قوم ﴿مَرَدُواْ﴾. فلا يكن في الكلام على هذا تقديم ولا تأخير. وعلى القول الأول يكون فيه تقديم وتأخير.
قال ابن زيد ﴿مَرَدُواْ﴾: أقاموا عليه، ولم يتوبوا.
وقال ابن إسحاق ﴿مَرَدُواْ﴾، عليه، أي: لجوا فيه وأبوا غيره.
* *
﴿لاَ تَعْلَمُهُمْ﴾.
أي: لا تعلمهم يا محمد، بصفتهم.
* *
﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ﴾.
قيل: هما فضيحتهم في الدنيا وإظهار سرائرهم، ثم عذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب الآخرة. قاله ابن عباس. وذكر: أنَّ النبي ﷺ أخرج قوماً من المسجد يوم الجمعة، فقال: اخرج يا فلان، فإنك منافق، لناس منهم، فهذا عذابهم الأول، والثاني: عذاب القبر.
وقال مجاهد هما: عذاب السيف بالقتل وعذاب الجوع.
والآخر: عذاب القبر، ثم عذاب الآخرة.
وقال ابن زيد: العذاب الأول، عذابهم بالمصائب في أموالهم وأولادهم، والآخر: عذاب النار.
وقيل الأول: أخذ الزكاة من أموالهم، وإجراء الحدود عليهم، وهم غير راضين، والآخرة: عذاب القبر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً﴾.
والمعنى: ومنهم آخرون، أي: من أهل المدينة منافقون آخرون، ﴿ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، أي: أقروا بها: ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً﴾، هو إقرارهم وتوبتهم، ﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾، هو تخلفهم عن النبي ﷺ في غزوة تبوك.
والواو [في] قوله: ﴿وَآخَرَ﴾، بمعنى: "مع" عند البصريين، كما تقول: "استوى الماء والخشبة".
وقال قوم: هي بمعنى: "الباء"، وقدروا "الواو" في "والخشبة" بمعنى: بالخشبة.
وأنكر الكوفيون أن يكون هذا بمنزلة "استوى الماء والخشبة"؛ لأن هذا لا يجوز فيه تقديم الخشبة على الماء، وإنما هو عندهم بمنزلة "خلطت الماء واللبن"، أي: باللبن، فكل واحد منهما يجوز أن يتقدم، مثل الآية.
قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في عشرة أنفس تخلفوا عن النبي ﷺ، في غزوة تبوك، فلما رجع النبي عليه السلام أوثق سبعَةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي عليه السلام إذا رجع في المسجد عليهم. فلما رآهم قال: من هؤلاء؟
قالوا: أبو لُبابة وأصحابٌ له تخلفوا عنك، يا رسول الله، حتى تطلقهم وتعذرهم. فقال رسول الله ﷺ: "فأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما بلغهم ذلك قالوا: ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذي يطلقنا. فأنزل الله عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية.
فأطلقهم النبي عليه السلام، و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبة
وقيل: كانوا ستةً، والذين أوثقوا أنفسهم ثلاثة: أبو لُبابة ورجلان معه.
وقال زيد بن أسلم: الذين ربطوا أنفسهم ثمانية.
وقال قتادة: كانوا سبعة، وفيهم نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
وقال مجاهد: هو أبو لُبابة وحده، اعترف بذنبه الذي كان في بني قريظة، إذ أشار لهم إلى حَلْقِهِ، يريد أن رسول الله ﷺ، ذابحكم إن نزلتم على حكم الله، سبحانه.
وقال الزهري: نزلت في أبي لُبابة إذ تخلف عن غزوة تبوك، يربط نفسه، حتى أنزل الله، عز وجل، توبته، ومكث سبعة أيام لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خَرَّ مغشيّاً عليه، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لُبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يحلني، فجاء رسول الله ﷺ، فحله بيده، ثم قال أبو لُبابة: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقةً إلى الله ورسوله، قال له النبي ﷺ: "يجزيك يا أبا لُبابة الثلث"
والعمل الصالح الذي عملوه، قيل: هو توبتهم.
وقيل: حضورهم بدراً مع النبي ﷺ.
﴿مُنَٰفِقُونَ﴾، وقف، إن جعلت ﴿مَرَدُواْ﴾، نعتاً لأهل المدينة، فإن جعلته نعتاً للمنافقين لم تقف دونه؛ لأنه ينوي به التقديم.
وقيل: كانوا ثلاثة، أبو لُبابة، ووداعة بن ثعلبة، وأوس بن خدام من الأنصار. لما رجع رسول الله ﷺ، أوثقوا أنفسهم في سواري المسجد، وكانو رسول الله ﷺ، إذا ابتدأ سفراً أو رجع منه ابتدأ بالمسجد، فصلى في ركعتين، فدخل فرأى فيه قوماً موثقين، فسأل عنهم، فأُخبر بخبرهم، وأنهم أقسموا ألاَّ يحلوا أنفسهم حتى يحلهم رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "وأنا أقسم لا أطلق عنهم حتى أُومر، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله، فلما نزل فيهم القرآن حلهم النبي ﷺ.
التوبة 9:103
قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، إلى قوله: ﴿ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
* *
قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾، هو خطاب للنبي عليه السلام.
أي: فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج.
وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول الأخفش، قال: ويكون ﴿بِهَا﴾ توكيداً.
فـ: "التاء" على القول الأول للمخاطبة، وفي ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير النبي ﷺ. وهي على القول الثاني: الثانية للصدقة لا للمخاطبة، وفي ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير الصدقة.
وقيل: هما للنبي عليه السلام، وهما في موضع الحال منه.
وقيل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للصدقة، صفة [لها]، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للنبي عليه السلام، حال منه.
وأجاز بعض النحويين، في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الجزم؛ لأنه جواب الأمر.
وحجة من قرأ: ﴿صَلَٰوتَك﴾ بالجمع هنا، وفي "هود"، وفي "المؤمنين" إجماعهم على الجمع في: ﴿وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين، يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت من الكتاب.
وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات.
ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في "الأنعام"، و ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١].
وأيضاً فإن قوله: إنَّ صَلاَتَكَ أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو لما دون العشرة، فكأنه: "إنّ دعواتك"، والتوحيد بمعنى: "إنَّ دعاءك"، والدعاء أعم من "الدعوات" وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة.
ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾، أي: تنميهم]، وترفعهم بها، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: ادع لها بالمغفرة، ﴿إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم، ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ذلك.
قال ابن عباس: أتى أبو لُبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم إلى النبي ﷺ، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله، عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية.
وقد قيل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: منسوخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: ٨٤].
وقيل: إنَّها محكمة.
والمعنى: وادع لهم إذا جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء.
وقال قتادة: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، وقَارٌ لهم.
وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأبى النبي ﷺ، أن يأخذ. فأنزل الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية.
قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم).
اشتكى الآخران مثله، وكان قد عَمِيَ، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِيَ.
وقال ابن عباس: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾: رحمه لهم.
وقيل: إنَّ هذا إنَّما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾.
أخبر الله عز وجل، في هذه الآية بقَبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، وأخذ الصدقات من أموالهم.
فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموا وربطوا أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسنا حتى يكون النبي ﷺ، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ صدقة من تصدق، بصدقةٍ، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم.
قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يُجَالَسُون، فما لهم اليوم يُكلَّمون ويُجالَسُون؟ فأنزل الله عز وجل، ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين تُبت عليهم ﴿أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ﴾، الآية.
قال ابن عباس: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾، يعني إن استقاموا على التوبة.
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ، أنه قال: "إن الله يقْبلُ، الصدقة ويأخذها بيمينه، فيرُبِّيها لأحدكم كما يُربِّى أحدكم مهرة، حتى إنَّ اللقمة لَتَصير مثل أحد. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ﴾ و ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾
وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلاّ وقعت في يد الله قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ﴾.
التوبة 9:104
قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾، إلى قوله: ﴿ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
* *
قوله: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾، هو خطاب للنبي عليه السلام.
أي: فإنك تطهرهم بها وتزكيهم، وهذا قول الزجاج.
وقيل: هما للصدقة، لا للمخاطبة، وهما في موضع النعت للصدقة، وهو قول الأخفش، قال: ويكون ﴿بِهَا﴾ توكيداً.
فـ: "التاء" على القول الأول للمخاطبة، وفي ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير النبي ﷺ. وهي على القول الثاني: الثانية للصدقة لا للمخاطبة، وفي ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ ضمير الصدقة.
وقيل: هما للنبي عليه السلام، وهما في موضع الحال منه.
وقيل: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ للصدقة، صفة [لها]، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾ للنبي عليه السلام، حال منه.
وأجاز بعض النحويين، في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الجزم؛ لأنه جواب الأمر.
وحجة من قرأ: ﴿صَلَٰوتَك﴾ بالجمع هنا، وفي "هود"، وفي "المؤمنين" إجماعهم على الجمع في: ﴿وَصَلَوَاتِ ٱلرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] ولا فرق بينها والتي في سورة المؤمنين، يراد بها الصلوات الخمس، فالجمع أولى به؛ ولأنها مكتوبة في المصحف بالواو، فدل ذلك على الجمع، وعلى أن الألف التي بعد الواو اختصرت من الكتاب.
وقد كتبوا ما عدا هذه الثلاثة بالألف، فدلت الواو في هذه الثلاثة على أنه جمع، وحذفت الألف بعد الواو كما حذفت من درجات وبينات.
ومن قرأ بالتوحيد، احتج بالإجماع في: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢]، بالتوحيد، وإجماعهم على التوحيد في "الأنعام"، و ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١].
وأيضاً فإن قوله: إنَّ صَلاَتَكَ أعم من: إن صلواتك؛ لأن الجمع إنما هو لما دون العشرة، فكأنه: "إنّ دعواتك"، والتوحيد بمعنى: "إنَّ دعاءك"، والدعاء أعم من "الدعوات" وأكثر؛ لأن المصدر أعم من الجمع الذي لما دون العشرة.
ومعنى الآية: خذ يا محمد من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم [﴿صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ من دنس ذنوبهم، ﴿وَتُزَكِّيهِمْ﴾، أي: تنميهم]، وترفعهم بها، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، أي: ادع لها بالمغفرة، ﴿إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، أي: إن دعاءك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم، ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾، أي: سميع لدعائك إذا دعوت، ولغير ذلك.
قال ابن عباس: أتى أبو لُبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم، بأموالهم إلى النبي ﷺ، فقالوا يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا، واستغفر لنا، فقال: ما أُمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً، فأنزل الله، عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية.
وقد قيل: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾: منسوخٌ بقوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: ٨٤].
وقيل: إنَّها محكمة.
والمعنى: وادع لهم إذا جاءوك بالصدقات، وعلى هذا أكثر العلماء.
وقال قتادة: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، وقَارٌ لهم.
وقال زيد بن أسلم: قالوا: يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها، فأبى النبي ﷺ، أن يأخذ. فأنزل الله عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، الآية.
قال سعيد بن جبير: كان الثلاثة إذا (اشتكى أحدهم).
اشتكى الآخران مثله، وكان قد عَمِيَ، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِيَ.
وقال ابن عباس: ﴿سَكَنٌ لَّهُمْ﴾: رحمه لهم.
وقيل: إنَّ هذا إنَّما هو في الزكاة، أمر أن يأخذ زكاة أموالهم التي عليهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾.
أخبر الله عز وجل، في هذه الآية بقَبول توبة من تاب من المناقين وغيرهم، وأخذ الصدقات من أموالهم.
فالمعنى: ألم يعلم هؤلاء الذين تخلفوا عن الجهاد، ثم ندموا وربطوا أنفسهم بالسواري وقالوا: لا نطلق أنفسنا حتى يكون النبي ﷺ، هو الذي يطلقنا، أن ذلك (ليس) إلى النبي صلى الله عليه [وسلم]، ولا إلى غيره، وإنما هو إلى الله سبحانه، هو يقبل توبتهم، وتوبة غيرهم، ويأخذ صدقة من تصدق، بصدقةٍ، ويعلموا أن الله هو التواب الرحيم.
قال ابن زيد: قال المنافقون لما تاب الله على هؤلاء: كانوا بالأمس، لا يُكلَّمون ولا يُجَالَسُون، فما لهم اليوم يُكلَّمون ويُجالَسُون؟ فأنزل الله عز وجل، ألم يعلم هؤلاء الذين لم يتوبوا وتكلموا في هؤلاء الذين تُبت عليهم ﴿أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ﴾، الآية.
قال ابن عباس: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾، يعني إن استقاموا على التوبة.
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ، أنه قال: "إن الله يقْبلُ، الصدقة ويأخذها بيمينه، فيرُبِّيها لأحدكم كما يُربِّى أحدكم مهرة، حتى إنَّ اللقمة لَتَصير مثل أحد. وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ ٱلصَّدَقَاتِ﴾ و ﴿يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ﴾
وقال ابن مسعود: ما تصدق رجل بصدقة إلاّ وقعت في يد الله قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، ثم تلا: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ﴾.
التوبة 9:105
وقوله: ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
والمعنى: ﴿وَقُلِ﴾، يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: ﴿ٱعْمَلُواْ﴾، أي: اعملو بما يرضي الله، ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، وسيراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: تردون يوم القيامة، إلى الله الذي يعلم السر والعلانية، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي يخبركم بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المحسنين أو جزاء المسيء.
وقال مجاهد: الآية وعيد من الله.
و ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ﴾، من رؤية العين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾.
هذا معطوف على ما قبله. والمعنى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ﴾ قوم ﴿مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾. فالتقدير: من هؤلاء المتخلفين عنكم، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾، وقضائه فيهم.
* *
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾.
وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ، وندموا على ما صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
قال ابن عباس: لما نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، يعني: أبا لُبابة وصاحبيه، يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا التوبة، فلم يذكروا بشيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فـأنزل الله، عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾، الآية، فيهم فجعل الناس يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عُذْرٌ. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ يعني: الثلاثة الذين أُرْجُوْا، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
وقال عكرمة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾: هم الثلاثة الذين خُلَّفُوْا.
والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومُرارةَ بن الربيع، وكعب بن مالك، الثلاثة من الأوس.
وقال الضحاك: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: توبة أبي لُبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان أصحاب محمد ﷺ، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: عسى الله أن يعفو عنهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، وأرجأ رسول الله ﷺ، أمرهم حتى نزلت توبتهم.
* *
وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾.
ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم.
﴿حَكِيمٌ﴾، وقف، على قراءة من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ﴾، بغير واو. وغير وقف على قراءة من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ﴾ بالواو.
التوبة 9:106
وقوله: ﴿وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
والمعنى: ﴿وَقُلِ﴾، يا محمد، لهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم: ﴿ٱعْمَلُواْ﴾، أي: اعملو بما يرضي الله، ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾، وسيراه رسوله والمؤمنون، في الدنيا، ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾، أي: تردون يوم القيامة، إلى الله الذي يعلم السر والعلانية، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي يخبركم بعملكم، ويجازيكم عليه جزاء المحسنين أو جزاء المسيء.
وقال مجاهد: الآية وعيد من الله.
و ﴿فَسَيَرَى ٱللَّهُ﴾، من رؤية العين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾.
هذا معطوف على ما قبله. والمعنى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ مُنَٰفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ﴾ قوم ﴿مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ومنهم ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾. فالتقدير: من هؤلاء المتخلفين عنكم، ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾، وقضائه فيهم.
* *
﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾.
وهم قوم تخلفوا ولم يعتذروا إلى النبي ﷺ، وندموا على ما صنعوا، فتاب الله عليهم، إذ علم صحة توبتهم وندمهم، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨].
قال ابن عباس: لما نزل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، يعني: أبا لُبابة وصاحبيه، يعني: الثلاثة الذين لم يربطوا أنفسهم، ولم يظهروا التوبة، فلم يذكروا بشيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فـأنزل الله، عز وجل: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ﴾، الآية، فيهم فجعل الناس يقولون: هلكوا، إذ لم ينزل فيهم عُذْرٌ. وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يتوب عليهم، فصاروا مرجئين، لا يقطع لهم بشيء، حتى نزل: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾ يعني: الثلاثة الذين أُرْجُوْا، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
وقال عكرمة: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾: هم الثلاثة الذين خُلَّفُوْا.
والثلاثة في قول مجاهد: هلال بن أمية، ومُرارةَ بن الربيع، وكعب بن مالك، الثلاثة من الأوس.
وقال الضحاك: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾، هم الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن التوبة، يعني: توبة أبي لُبابة وصاحبيه، فضاقت عليهم الأرض، وكان أصحاب محمد ﷺ، فيهم فئتين، فئة تقول: هلكوا، وفئة تقول: عسى الله أن يعفو عنهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، وأرجأ رسول الله ﷺ، أمرهم حتى نزلت توبتهم.
* *
وقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾.
ومعناه: إما يحجزهم عن التوبة، فيعذبهم، وإما يوفقهم فيتوب عليهم.
﴿حَكِيمٌ﴾، وقف، على قراءة من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ﴾، بغير واو. وغير وقف على قراءة من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ﴾ بالواو.
التوبة 9:107
قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً﴾، الآية.
من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بالواو، فهو في موضع رفع، والخبر محذوف، والمعنى: ومنهم الذين، مردود على: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].
وقيل: هو مردود على ﴿وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ﴾، (والَّذِينَ اتَّخّذُوا مَسْجِداً).
ومن قرأ ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ﴾ بغير واو، فهو في موضع بالابتداء، وفي الخبر تقديران:
قال الكسائي الخبر: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ﴾، أي: لا تقم في مسجدهم.
وقيل الخبر: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ﴾، وهذا أحسن.
﴿ضِرَاراً﴾ مصدر، وإن شئت مفعولاً من أجله.
ومعنى الآية: إنّ اثني عشر رجلاً من المنافقين كلهم ينتمون إلى الأنصار، ويعتدون إلى بني عوف، يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، بنوا مسجداً ضراراً بمسجد "قُباء"، وأتوا النبي ﷺ، قبل خروجه إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجداً لذِي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن تأْتينا فتصلي لنا فيه، فقال النبي ﷺ: إني على جَنَاحِ سَفَرٍ وشُغْل، ولو قد قدمنا، إن شاء الله، أتيناكم فصلينا لكم فيه. فلما نزل النبي ﷺ، راجعاً [من سفره]، بقرب المدينة، بلغه الخبر، فأرسل قوماً لهدمه، فَهُدم وأُحْرِق.
* *
ومعنى ﴿ضِرَاراً﴾ أي: ضِرِاراً لمسجد رسول الله ﷺ، وكفراً بالله، لمخادعتهم النبي عليه السلام.
* *
﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يريدون أن يتفرق جماعة المسلمين في صلواتهم.
* *
﴿وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن [قَبْلُ]﴾.
أي: إعداداً له، وهو أبو عامر الذي كان حَزَّبَ الأحزاب لقتال رسول الله ﷺ، فلما خذله الله عز وجل، لحق بالروم، يطلب النصر من ملكهم على رسول الله ﷺ، وكتب إلى أهل مسجد الضِّرار، وأمرهم ببناء المسجد الذي بنوه ليصلي لهم فيه، إذا رجع.
* *
﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
أي: يحلف من بناه ما أردنا بذلك إلا الخير، والرفق بالمسلمين في المطر، والتوسعة على الضعفاء، ﴿وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، في قولهم ذلك، بل بنوه لتفريق المؤمنين.
قال ابن عباس: وجه أبو عامر إلى ناس من الأنصار أن يبنوا مسجداً، ويستعدوا ما يستطيعون من قوة ومن سلاح، وقال لهم: إني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتى بجند من الروم، فأخرج محمداً وأصحابه.
وكان أبو عامر من الروم أصله، وكان يقول: إنه راهب، فبنوا المسجد له، ليأتي ويصلي فيه، وليكون اجتماعهم للطعن على رسول الله ﷺ، وأصحابه فيه. فلما فرغوا من مسجدهم، أتوا النبي ﷺ، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة.
فأنزل الله عز وجل: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾.
قال قتادة: لما دعوا رسول الله ﷺ ليصلي في مسجدهم دعا بقميصه ليأتي إليهم، فأطلعه الله على أمرهم.
قال الضحاك: بنوا مسجد الضرار بقُباء، وكذلك قال قتادة.
قال ابن عباس: لما بنى النبي عليه [السلام] مسجد قُباء، بنى [قوم] من الأنصار مسجداً للضِّرار، ليضاهوا به النبي عليه السلام والمؤمنين في مسجدهم.
* *
قوله: ﴿مِن قَبْلُ﴾، وقف في قراءة من قرأ: ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بغير واو إن قدرت أنَّ الخبر: ومنهم الذين.
وإن قدرت أن يكون ﴿لاَ يَزَالُ﴾ الخبر، أو ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾، لم يجز الوقف على: ﴿مِن قَبْلُ﴾.
و ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ وقف، وكذلك يقدر جميع هذه الآية.
التوبة 9:108
قوله: ﴿لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ﴾، الآية.
والمعنى: لا تقم، يا محمد، في المسجد الذي بناه المنافقون، ضِراراً وتفريقاً بين المؤمنين، أبداً.
ثم أقسم، فقال: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقْوَىٰ﴾، أي: ابتدئ أساسه وبناؤه على طاعة الله عز وجل، ورضوانه ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ابتدئ بنيانه، ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾، أي: أولى أن تقوم فيه، مصلياً لله، عز وجل.
و ﴿مِنْ﴾ هاهنا، بمعنى: منذ.
وقيل: [المعنى]، من تأسيس أول يوم.
* *
ومعنى ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾: أول الأيام: كما تقول: أتيت على كل رجل، أي: على كل الرجال.
قال ابن عمر، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري وابن المسيب، وخارجة بن ثابت، وابن جريج: هو مسجد رسول الله ﷺ، الذي فيه اليوم قبره.
وقال ابن عباس، وابن زيد، وعروة بن الزبير، وأبو زيد: هو مسجد قُباء. وقاله ابن جبير، وقتادة.
وروي عن النبي ﷺ، أنه قال: "هو مسجدي هذا
وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾.
"الهاء" لمسجد النبي ﷺ وقال الشعبي: هي لمسجد قُباء. وكذلك قال شَهْرَ بْنُ حَوْشَب.
فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين.
* *
وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾.
مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا التفسير بين أهل التفسير.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ، لأهل قُباء: إنّ الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنّا أَثر الغائط والبول
قوله: ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وقف، إن جعلت الضمير مخالفاً للضمير الأول: فإن جعلته مثله وقفت على: ﴿يَتَطَهَّرُواْ﴾.
التوبة 9:109
قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾، الآية.
قرأ نصر بن علي: "أَسَسُ بُنْينِه"، بتخفيف السين ورفعه، وخفض البنيان.
وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: "أفمن أساس بُنْيَنِهِ"، برفع أساس، وخفض البنيان.
و "أسَسُ" و "أُسُّ" سواء كـ: عَرَبٍ وعُرْب. و "أساسٌ" واحد، وجمعه: أُسُس.
وحكى أبو حاتم، أيضاً، قراءة أخرى: "أفمن أسس بنيانه" برفع "آساس" ومده، وخفض البنيان، وهو جمع "أُسّ" كـ: "خُفٍ" و "أَخْفَافٍ" والكثير "إسَاسٌ" كـ "خِفَاف".
و ﴿جُرُفٍ﴾، و ﴿جُرُفٍ﴾ لغتان، وهو شفير ما ينفى من جُرُف الوادي إذا أخذه السيل.
قال أبو حاتم: أصل ﴿هَارٍ﴾: هاورُ، ثم قلب، كـ: شاكي السلاح وشائك السلاح.
وحكى الكسائي: "تَهَوّر" و "تَهَيَّر". والهائر المتقدم. وحكى: هَارَ يَهُورُ ويَهيرُ ويهار.
ومعنى الآية: أنها مثل. والمعنى: أيُّ هذين الفريقين خير؟ وأي هذين البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس بنيانه على طاعة الله، أم من ابتدأه على ضلال وخطأ من دينه؟
* *
قوله: ﴿فَٱنْهَارَ [بِهِ]﴾.
يحسن أن تكون الألف من "واو" أو "ياء" على ما تقدم.
قال ابن عباس: [﴿بِهِ فَٱنْهَارَ﴾]، يعني قواعده ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
وذُكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان.
قال ابن جريج: (فلما فرغوا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار اليوم الرابع ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾. قال ابن جريج: ذكر لنا أنَّ رجلاً حفر فيه، فأبصر الدخان يخرج منه.
وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ﷺ.
التوبة 9:110
قوله: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكًّا في قلوبهم ونفاقاً، ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا.
قال ابن عباس ومجاهد: ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، إلا أن يموتوا.
وقال السدي ﴿رِيبَةً﴾: كفراً.
وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم).
وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه.
التوبة 9:111
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* *
قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ﴾: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد.
ومن قرأ: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، فبدأ بالمفعول.
قيل: الفاعل بمعناه فيُقْتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم.
* *
قوله: ﴿وَعْداً﴾، مصدر مؤكد، و ﴿حَقّاً﴾ نعت له.
والمعنى: وعدهم الله الجنة وعداً حقاً عليه.
قال ابن عباس: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ] بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم.
ورُوي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي ﷺ: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل
فنزلت: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾، الآية.
ثم مدحهم الله، عز وجل، فقال: ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾، أي: هم التائبون.
وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون.
وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لهم الجنة.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾، على النعت للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح.
وقيل: ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾ مبتدأ، وما بعدها إلى "الساجدين" عطف عليه، و ﴿ٱلآمِرُونَ﴾ خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم ﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾.
* *
ومعنى ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾: الراجعون مما يكرهه الله عز وجل، إلى ما يحبه.
وقال الحسن: ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾، أي: عن الشرك، ﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾، الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم.
* *
ومعنى ﴿ٱلْحَامِدُونَ﴾، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر.
وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام.
* *
ومعنى ﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾: الصائمون روي ذلك عن النبي ﷺ.
وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك.
وأصل السياحة: الذهاب في الأرض.
﴿ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ﴾، يعني: في الصلاة المفروضة.
﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أي: بالإيمان بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
﴿وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾، عن الشرك ﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾، أي: العاملون بأمر الله عز وجل، ونهيه، سبحانه.
* *
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم يغزوا.
وقال الحسن في هذه الآية: ﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله عز وجل، في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن كما قال العبد الصالح: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣١].
قال: و ﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾ الصائمون. وقال: ﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، ﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾، قال: هم القائمون على فرائض الله.
التوبة 9:112
قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* *
قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ﴾: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد.
ومن قرأ: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، فبدأ بالمفعول.
قيل: الفاعل بمعناه فيُقْتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين. والعرب تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم.
* *
قوله: ﴿وَعْداً﴾، مصدر مؤكد، و ﴿حَقّاً﴾ نعت له.
والمعنى: وعدهم الله الجنة وعداً حقاً عليه.
قال ابن عباس: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ] بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ﴾، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم.
ورُوي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي ﷺ: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة. قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل
فنزلت: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾، الآية.
ثم مدحهم الله، عز وجل، فقال: ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾، أي: هم التائبون.
وقال الزجاج: هو بدل. والمعنى: يقاتل التائبون.
وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء، والخبر محذوف، أي: لهم الجنة.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ٱلتَّائِبُونَ ٱلْعَابِدُونَ﴾، على النعت للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح.
وقيل: ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾ مبتدأ، وما بعدها إلى "الساجدين" عطف عليه، و ﴿ٱلآمِرُونَ﴾ خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم ﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾.
* *
ومعنى ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾: الراجعون مما يكرهه الله عز وجل، إلى ما يحبه.
وقال الحسن: ﴿ٱلتَّائِبُونَ﴾، أي: عن الشرك، ﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾، الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم.
* *
ومعنى ﴿ٱلْحَامِدُونَ﴾، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر.
وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام.
* *
ومعنى ﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾: الصائمون روي ذلك عن النبي ﷺ.
وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك.
وأصل السياحة: الذهاب في الأرض.
﴿ٱلرَّاكِعُونَ ٱلسَّاجِدونَ﴾، يعني: في الصلاة المفروضة.
﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أي: بالإيمان بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
﴿وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾، عن الشرك ﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾، أي: العاملون بأمر الله عز وجل، ونهيه، سبحانه.
* *
﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم يغزوا.
وقال الحسن في هذه الآية: ﴿ٱلْعَابِدُونَ﴾: الذين عبدوا الله عز وجل، في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن كما قال العبد الصالح: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: ٣١].
قال: و ﴿ٱلسَّائِحُونَ﴾ الصائمون. وقال: ﴿ٱلآمِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، ﴿وَٱلْحَافِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِ﴾، قال: هم القائمون على فرائض الله.
التوبة 9:113
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾.
والمعنى: ما ينبغي للنبي ﷺ، والمؤمنين: ﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ﴾ منهم، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أنّ) من مات على الشرك، أنَّه من أهل النار.
وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله، عز وجل، عن ذلك.
وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيءٍ تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك. فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية، ونزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، الآية
الزهري عن ابن المسَيَّب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه السلام، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله ﷺ، أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم يداً، لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات.
فقال النبي ﷺ: والله لأستغفرنَّ له ما لم أُنه عن ذلك، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية.
وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافراً؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾، الآية.
وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه.
فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعَمِّه، فأنزل الله، عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾، إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾.
وقيل: نزلت في أُمِّ رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك.
رُوي أن النبي ﷺ، لما قدم مكة، وقف على قبر أُمه حتى سَخِنَت عليه الشمس، رجاء أن يُؤْذن له فيستغفر لها ، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾، الآية قال ذلك ابن عباس، وغيره.
ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما داما حيين، على أيّ دين كانا، يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على كفرهما لم يستغفر لهما.
رُوي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه ﷺ، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عنه، يُؤَمِّنُ، فنهي عن ذلك، وأُعلم أنّ إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يُسْلِمَ، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعاً أن يُؤْمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه.
و "المَوْعِدَةُ" التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن.
وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾ [مريم: ٤٧]، فلزمه إتمام وعده.
* *
وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾.
فنهى الله، عز وجل، عن الاستغفار له تبرؤاً منه.
وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه.
[فدل قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه.
وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ذلك ابن عباس، وغيره.
وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فيلتفت إليه، فيتبرأ منه.
و "الأَوَّاهُ" الدَّعَّاء.
وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وعن ابن عباس: أنَّه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء.
وعن ابن عباس أيضاً: "الأوّاه" بلسان الحبشة)، المؤمن التواب.
وقال كعب: "الأوَّاهُ" الذي إذا ذكر النار تأوّه.
وعن ابن جبير: أنه المُسبِّحُ، الكثير الذكر لله عز وجل.
وروي ذلك عن النبي عليه السلام.
وروي عن النبي ﷺ، أنه قال لرجل: "يرحمك الله إن كنت لأواهاً"يعني تلاءً للقرآن.
وقال كعب "الأوَّاه" الكثير التَّأوُّهِ.
وعن مجاهد أيضاً: أنه الفقيه..
وروى شَدَّاد بن الهادي، قال رجل لرسول الله ﷺ،: ما الأواه فقال: المتضرع
وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع
ومعنى ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: حليم عمن ظلمه.
وعن النبي ﷺ، أيضاً "الأوّاه"، الدَّعّاء.
وقاله ابن مسعود.
وأصل "التأوه": الترجُّع والتوجع بحزنه.
التوبة 9:114
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾.
والمعنى: ما ينبغي للنبي ﷺ، والمؤمنين: ﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ﴾ منهم، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ﴾، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أنّ) من مات على الشرك، أنَّه من أهل النار.
وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله، عز وجل، عن ذلك.
وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، دخل عليه النبي ﷺ، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيءٍ تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي ﷺ: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك. فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية، ونزلت ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، الآية
الزهري عن ابن المسَيَّب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه السلام، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله ﷺ، أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم يداً، لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات.
فقال النبي ﷺ: والله لأستغفرنَّ له ما لم أُنه عن ذلك، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية.
وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافراً؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾، الآية.
وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه.
فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعَمِّه، فأنزل الله، عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾، إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾.
وقيل: نزلت في أُمِّ رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك.
رُوي أن النبي ﷺ، لما قدم مكة، وقف على قبر أُمه حتى سَخِنَت عليه الشمس، رجاء أن يُؤْذن له فيستغفر لها ، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾، الآية قال ذلك ابن عباس، وغيره.
ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما داما حيين، على أيّ دين كانا، يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على كفرهما لم يستغفر لهما.
رُوي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه ﷺ، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عنه، يُؤَمِّنُ، فنهي عن ذلك، وأُعلم أنّ إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يُسْلِمَ، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعاً أن يُؤْمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه.
و "المَوْعِدَةُ" التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن.
وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ﴾ [مريم: ٤٧]، فلزمه إتمام وعده.
* *
وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾.
فنهى الله، عز وجل، عن الاستغفار له تبرؤاً منه.
وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه.
[فدل قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه.
وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ذلك ابن عباس، وغيره.
وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فيلتفت إليه، فيتبرأ منه.
و "الأَوَّاهُ" الدَّعَّاء.
وقيل: الرحيم. قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وعن ابن عباس: أنَّه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء.
وعن ابن عباس أيضاً: "الأوّاه" بلسان الحبشة)، المؤمن التواب.
وقال كعب: "الأوَّاهُ" الذي إذا ذكر النار تأوّه.
وعن ابن جبير: أنه المُسبِّحُ، الكثير الذكر لله عز وجل.
وروي ذلك عن النبي عليه السلام.
وروي عن النبي ﷺ، أنه قال لرجل: "يرحمك الله إن كنت لأواهاً"يعني تلاءً للقرآن.
وقال كعب "الأوَّاه" الكثير التَّأوُّهِ.
وعن مجاهد أيضاً: أنه الفقيه..
وروى شَدَّاد بن الهادي، قال رجل لرسول الله ﷺ،: ما الأواه فقال: المتضرع
وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع
ومعنى ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: حليم عمن ظلمه.
وعن النبي ﷺ، أيضاً "الأوّاه"، الدَّعّاء.
وقاله ابن مسعود.
وأصل "التأوه": الترجُّع والتوجع بحزنه.
التوبة 9:115
قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، ويبيِّنه لكم فتتقوه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: له سلطان ذلك، لا رادّ لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم.
وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال.
* *
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم أمره فأراد بكم سوءاً.
التوبة 9:116
قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، ويبيِّنه لكم فتتقوه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء.
* *
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
أي: له سلطان ذلك، لا رادّ لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم.
وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال.
* *
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم أمره فأراد بكم سوءاً.
التوبة 9:117
قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
* *
قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، رفع القلوب عند سيبويه بـ: ﴿يَزِيغُ﴾، و ﴿كَادَ﴾، فيها إضمار الحديث.
ويجوز أن ترفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ.
وقال أبو حاتم: من قرأ: ﴿يَزِيغُ﴾ بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع.
والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإنابة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
وكانوا أيضاً في قلة من الظَّهر وقلة من مال.
قال مجاهد: أصابهم جَهْد شديد، حتى إنَّ الرجلين يشقان التمرة بينهما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾.
أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: اثبتوا على الإيمان.
وقيل: المعنى: ثم فسح عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا.
وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة.
يقال: "تاب الله عليه"، أي: دعاه إلى التوبة، و "تاب عليه"، أي: وفقه للتوبة، و "تاب عليه" قَبِل توبته.
* *
وقوله: ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦].
أي: وإما يوفقهم للتوبة.
وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه.
وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلاع عن المعصية، وترك الإصرار.
﴿وَٱلأَنصَارِ﴾ وقف.
* *
ثم قال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾.
أي: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فلم يفعلوا فعل أبي لُبابة وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نَطْعم ولا نَحُل حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يحلنا بتوبة من الله والثلاثة هم الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم.
قال عكرمة وقتادة: خُلِّفُوا عن التوبة.
وقرأ عكرمة: "خَلَفُوا" أي: أقاموا بِعَقِبِ رسول الله ﷺ.
قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذروا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب.
وقرأ جعفر بن محمد: "خَالَفُوا".
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾.
أي: بسعتها، غمًّا منهم وندماً على تخلفهم عن رسول الله ﷺ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾.
أي: بما نالهم من الكرب ﴿وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ﴾، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، ﴿إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾، أي: لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: هو الوهّاب لعباده الإنابة إليه، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل التوبة.
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، كلهم من الأنصار.
وفي رواية: مُرارة بن الربيع.
وفي أخرى: مُرارة بن ربْعي.
وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك.
وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع وثمانون رجلاً، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قُوما حتى يقضي الله فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، الآية [التوبة: ١٠٢]، وقال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، الآية.
قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي ﷺ، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المُغْضَب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ، حضرني بَثِّي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إنِّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطِه بعذر، لقد أُعطيت جدلاً.
ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قَطُّ أقوى ولا أيْسَر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أمَّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدراً، فكان لي فيهم أُسوة. وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله ﷺ، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي ﷺ، فأُكذِّب نفسي. ثم نهى رسول الله ﷺ، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكَنَّا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوفُ الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ، وهو في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام؟ ثم أفكر في غيره، ثم أبكي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عنِّي، ثم أمرني رسول الله ﷺ، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل.
فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه.
التوبة 9:118
قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
* *
قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، رفع القلوب عند سيبويه بـ: ﴿يَزِيغُ﴾، و ﴿كَادَ﴾، فيها إضمار الحديث.
ويجوز أن ترفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ.
وقال أبو حاتم: من قرأ: ﴿يَزِيغُ﴾ بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع.
والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإنابة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلْعُسْرَةِ﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم. قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
وكانوا أيضاً في قلة من الظَّهر وقلة من مال.
قال مجاهد: أصابهم جَهْد شديد، حتى إنَّ الرجلين يشقان التمرة بينهما.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾.
أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أي: اثبتوا على الإيمان.
وقيل: المعنى: ثم فسح عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا.
وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة.
يقال: "تاب الله عليه"، أي: دعاه إلى التوبة، و "تاب عليه"، أي: وفقه للتوبة، و "تاب عليه" قَبِل توبته.
* *
وقوله: ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦].
أي: وإما يوفقهم للتوبة.
وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه.
وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلاع عن المعصية، وترك الإصرار.
﴿وَٱلأَنصَارِ﴾ وقف.
* *
ثم قال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾.
أي: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فلم يفعلوا فعل أبي لُبابة وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نَطْعم ولا نَحُل حتى يكون رسول الله ﷺ، هو الذي يحلنا بتوبة من الله والثلاثة هم الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم.
قال عكرمة وقتادة: خُلِّفُوا عن التوبة.
وقرأ عكرمة: "خَلَفُوا" أي: أقاموا بِعَقِبِ رسول الله ﷺ.
قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذروا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب.
وقرأ جعفر بن محمد: "خَالَفُوا".
* *
قوله: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾.
أي: بسعتها، غمًّا منهم وندماً على تخلفهم عن رسول الله ﷺ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾.
أي: بما نالهم من الكرب ﴿وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ﴾، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، ﴿إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ﴾، أي: لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ أي: هو الوهّاب لعباده الإنابة إليه، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل التوبة.
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، كلهم من الأنصار.
وفي رواية: مُرارة بن الربيع.
وفي أخرى: مُرارة بن ربْعي.
وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك.
وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع وثمانون رجلاً، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قُوما حتى يقضي الله فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: ﴿وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، الآية [التوبة: ١٠٢]، وقال: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلاَثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾، الآية.
قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي ﷺ، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المُغْضَب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله ﷺ، حضرني بَثِّي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إنِّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطِه بعذر، لقد أُعطيت جدلاً.
ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنّ الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قَطُّ أقوى ولا أيْسَر مني حين تخلفت عنك. فقال رسول الله ﷺ: أمَّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك. فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدراً، فكان لي فيهم أُسوة. وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله ﷺ، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي ﷺ، فأُكذِّب نفسي. ثم نهى رسول الله ﷺ، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه. فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكَنَّا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوفُ الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ، وهو في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام؟ ثم أفكر في غيره، ثم أبكي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عنِّي، ثم أمرني رسول الله ﷺ، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل.
فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه.
التوبة 9:119
قوله: ﴿يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ﴾.
والمعنى: يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله، ﴿ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أن تخالفوه، ﴿وَكُونُواْ﴾، في الآخرة ﴿مَعَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ ، أي: مع النبي عليه السلام، وأصحابه. كذلك، قال زيد بن أسلم، والضحاك، وابن جبير.
قال الضحاك: ﴿مَعَ ٱلصَّادِقِينَ﴾، مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.
وقال ابن جريج: مع المهاجرين الصادقين.
وتأويل ذلك عند ابن مسعود: أن يَصْدُقوا في قولهم، وأنَّه نهي عن الكذب.
وكان يقرأ: "وكونوا مع الصادقين".
التوبة 9:120
قوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾.
يعني: في غزوة تبوك. أي لا ينبغي لهم ذلك، ولا ينبغي لهم [أن ﴿يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ] عَن نَّفْسِهِ﴾ في الجهاد.
وإنما لم يكن لهم ذلك؛ لأنهم ﴿لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾، في سفرهم، أي: عطش، ﴿وَلاَ نَصَبٌ﴾، أي: تعب: ﴿وَلاَ مَخْمَصَةٌ﴾، أي مجاعة ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، عز وجل: أي: في إقامة دين الله سبحانه ﴿وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ﴾، أي: لا يطئون أرضاً ﴿يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ﴾، وطؤهم [إياها] ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾، أي: في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾، بذلك كله ثواب عمل صالح، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾، أي: يجازيهم على أعمالهم.
وهذه الآية مخصوصة للنبي عليه السلام، لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا من عذر. فأما الآن فبعض الناس يحمل عن بعض. قاله قتادة.
وقال ابن زيد: كانت إذا كان المسلمون قِلة فرضاً، فلما كثروا نسخها: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، فأباح التخلف لمن شاء.
وقال الطبري معنى الآية: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين تخلفوا، أن يفعلوا ذلك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه.
و "النَّيل" مصدر: "نالني [ينالني] نَيْلاً"، فأنا "مَنِيلٌ".
وليس هو من "التَّنَاولِ"، لأن "التناول" من "النَّوَالِ" يقال منه: "نُلْتُ، أَنُولُ"، من العطية.
التوبة 9:121
قال تعالى: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾.
أي: في سبيل الله وإظهار دينه ﴿وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾، أي: كتب لهم أجر عملهم ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾، أي: فعل ذلك ليجزيهم أحسن عملهم، أي: يجزيهم جزاء كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم.
التوبة 9:122
قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
المعنى: لم يكن لهم ليفعلوا ذلك، فظاهره خبر ومعناه نهي، أي: ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، أي: لا يفعلوه، وذلك أن رسول الله ﷺ، بعث قوماً، ليعلموا الناس الإسلام، فلما نزل قوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾، الآية، رجع أولئك من البوادي إلى النبي عليه السلام، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه.
فأنزل الله، عز وجل، عذرهم: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، وكره انصرافهم من البادية إلى المدينة، قال ذلك مجاهد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، هَلاَّ أتى للخروج من هؤلاء الذين يعلمون الناس ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، ويبقى الباقون ليتفقه أهل البوادي في الدين ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾، أي: يخبرونهم بما تعلموا ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، مخالفة أمر الله، سبحانه.
وقال ابن عباس المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا في غزوهم جميعاً، ويتركوا نبيهم عليه السلام، ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، يعني: السرايا، فلما رجعت السرايا، ونزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي عليه السلام، قالوا للسرايا: إن الله عز وجل، قد أنزل على نبيكم عليه السلام، قرآنا بعدكم وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل بعدهم، ويمضي الآخرون الذين كانوا مقيمين للسرايا، فذلك قوله: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾.
فمعنى الكلام: فهلاَّ نفر من كل فرقة طائفة لتيفقه المتخلفون في الدين ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: ليعلم القاعدون القادمين من السرايا ما تعلموا في مغيبهم، وهو قول قتادة.
وقال: هذا في الجيوش أمرهم الله [أن] لا يُعَرُّوا نبيهم عليه السلام، وأن تقيم طائفة مع رسول الله ﷺ، تتفقه في الدين وتنطلق طائفة تدعو قومها إلى الله سبحانه، فإذا رجعوا علمهم المقيمون ما نزل بعدهم.
ومثل ذلك قال الضحاك.
وعن ابن عباس أيضاً: أنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا النبي عليه السلام، [على مُضر] بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تُقبل بأسرها إلى المدينة يعتلون في إقبالهم بالإسلام وليس كذلك، إنما بهم الجَهْد الذي نزل بهم، فأخبر الله، عز وجل، نبيه عليه السلام، أنهم ليسوا من المؤمنين، وأنهم لو كانوا مؤمنين ما أتوا بأجمعهم، ولكن يأتي بعضهم يتفقه في الدين، ويعود فينذر من بقي لعله يحذر ما حرم الله سبحانه، فإتيانهم بجماعتهم يدل على أنهم إنما أتوا من أجل الجَهْد لا من أجل الإيمان.
وقال عكرمة: إنما هو تكذيب للمنافقين، وذلك أنه لما نزل: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾، الآية، قال المنافقون: هلك من تخلف، فألحقوا من عذره الله في التخلف بمن لم يعذره الله سبحانه، فأنزل الله عز وجل، عذراً ثانياً لمن تخلف من الأعراب بعذر، فقال ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾.
وقال الحسن: المعنى، لتتفقه الطائفة الغائبة، بما يؤيدهم الله عز وجل، من الظهور على المشركين، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
أي: يخبر الغائبون في الجهاد الحاضرين، بما فتح الله عز وجل، عليهم فيزداد إيمانهم، وهو اختيار الطبري. قال: تتفقه الطائفة النافرة بما ترى من نصر الله عز وجل، ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: يخبرونهم بما فتح الله سبحانه عليهم فيحذرونهم أن ينزل بهم بأس الله، سبحانه.
فـ: "قومهم" على هذا القول: من بقي من أهليهم مشركين، يحذرونهم ليؤمنوا، وهو قول الحسن.
وهذه الآية دليل على جواز قبول خبر الواحد.
وقد رُوي: أنها نزلت في أعرابٍ قدموا على رسول الله ﷺ، المدينة فَعَلَوْا الأسعار، وملأوا الطرق بالعَذِرَة فنزلت: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ﴾.
والمعنى: أنَّها تحضيض من الله، عز وجل، للمؤمنين، أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم. والمراد به يومئذ: الروم، لأنهم كانوا سكاناً بالشأم، والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. والفرض على أهل [كل] بلد أن يقاتلوا من يليهم دون الأبعد منهم، إلا أن يضطروا إلى ذلك، فيقاتلون الأبعد دون الأقرب.
وقد سئل ابن عمر عن قتال الروم والدَّيْلَم.
فقال: الروم أولى.
وكذلك قال الحسن.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وأيقنوا أن الله عز وجل، معكم عند قتالكم لهم ما اتقيتموه.
التوبة 9:123
قوله: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
المعنى: لم يكن لهم ليفعلوا ذلك، فظاهره خبر ومعناه نهي، أي: ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، أي: لا يفعلوه، وذلك أن رسول الله ﷺ، بعث قوماً، ليعلموا الناس الإسلام، فلما نزل قوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾، الآية، رجع أولئك من البوادي إلى النبي عليه السلام، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه.
فأنزل الله، عز وجل، عذرهم: ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، وكره انصرافهم من البادية إلى المدينة، قال ذلك مجاهد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، هَلاَّ أتى للخروج من هؤلاء الذين يعلمون الناس ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، ويبقى الباقون ليتفقه أهل البوادي في الدين ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾، أي: يخبرونهم بما تعلموا ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، مخالفة أمر الله، سبحانه.
وقال ابن عباس المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا في غزوهم جميعاً، ويتركوا نبيهم عليه السلام، ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، يعني: السرايا، فلما رجعت السرايا، ونزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي عليه السلام، قالوا للسرايا: إن الله عز وجل، قد أنزل على نبيكم عليه السلام، قرآنا بعدكم وقد تعلمناه. فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل بعدهم، ويمضي الآخرون الذين كانوا مقيمين للسرايا، فذلك قوله: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ﴾.
فمعنى الكلام: فهلاَّ نفر من كل فرقة طائفة لتيفقه المتخلفون في الدين ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ﴾، أي: ليعلم القاعدون القادمين من السرايا ما تعلموا في مغيبهم، وهو قول قتادة.
وقال: هذا في الجيوش أمرهم الله [أن] لا يُعَرُّوا نبيهم عليه السلام، وأن تقيم طائفة مع رسول الله ﷺ، تتفقه في الدين وتنطلق طائفة تدعو قومها إلى الله سبحانه، فإذا رجعوا علمهم المقيمون ما نزل بعدهم.
ومثل ذلك قال الضحاك.
وعن ابن عباس أيضاً: أنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا النبي عليه السلام، [على مُضر] بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تُقبل بأسرها إلى المدينة يعتلون في إقبالهم بالإسلام وليس كذلك، إنما بهم الجَهْد الذي نزل بهم، فأخبر الله، عز وجل، نبيه عليه السلام، أنهم ليسوا من المؤمنين، وأنهم لو كانوا مؤمنين ما أتوا بأجمعهم، ولكن يأتي بعضهم يتفقه في الدين، ويعود فينذر من بقي لعله يحذر ما حرم الله سبحانه، فإتيانهم بجماعتهم يدل على أنهم إنما أتوا من أجل الجَهْد لا من أجل الإيمان.
وقال عكرمة: إنما هو تكذيب للمنافقين، وذلك أنه لما نزل: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ ٱلأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ﴾، الآية، قال المنافقون: هلك من تخلف، فألحقوا من عذره الله في التخلف بمن لم يعذره الله سبحانه، فأنزل الله عز وجل، عذراً ثانياً لمن تخلف من الأعراب بعذر، فقال ﴿وَمَا كَانَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾.
وقال الحسن: المعنى، لتتفقه الطائفة الغائبة، بما يؤيدهم الله عز وجل، من الظهور على المشركين، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
أي: يخبر الغائبون في الجهاد الحاضرين، بما فتح الله عز وجل، عليهم فيزداد إيمانهم، وهو اختيار الطبري. قال: تتفقه الطائفة النافرة بما ترى من نصر الله عز وجل، ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: يخبرونهم بما فتح الله سبحانه عليهم فيحذرونهم أن ينزل بهم بأس الله، سبحانه.
فـ: "قومهم" على هذا القول: من بقي من أهليهم مشركين، يحذرونهم ليؤمنوا، وهو قول الحسن.
وهذه الآية دليل على جواز قبول خبر الواحد.
وقد رُوي: أنها نزلت في أعرابٍ قدموا على رسول الله ﷺ، المدينة فَعَلَوْا الأسعار، وملأوا الطرق بالعَذِرَة فنزلت: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾.
* *
ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ ٱلْكُفَّارِ﴾.
والمعنى: أنَّها تحضيض من الله، عز وجل، للمؤمنين، أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم. والمراد به يومئذ: الروم، لأنهم كانوا سكاناً بالشأم، والشأم أقرب إلى المدينة من العراق. والفرض على أهل [كل] بلد أن يقاتلوا من يليهم دون الأبعد منهم، إلا أن يضطروا إلى ذلك، فيقاتلون الأبعد دون الأقرب.
وقد سئل ابن عمر عن قتال الروم والدَّيْلَم.
فقال: الروم أولى.
وكذلك قال الحسن.
* *
قوله: ﴿وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: وأيقنوا أن الله عز وجل، معكم عند قتالكم لهم ما اتقيتموه.
التوبة 9:124
قوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ﴾، إلى قوله ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾.
والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: أيكم أيها الناس، زادته، هذه السورة إيماناً؟
أي: تصديقاً بالله وآياته، قال الله عز وجل، عن نفسه، ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾، السورة ﴿إِيمَاناً﴾، وهم يفرحون بما أعطاهم الله عز وجل، من الإيمان واليقين.
ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في السورة التي نزلت. فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة في إيمانهم الأول.
وقال الربيع: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾، أي: خشية.
* *
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
أي: شك في دين الله، سبحانه ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ السورة إذا نزلت، ﴿رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ﴾، أي: كفراً إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، سبحانه، ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفراً على كفرهم المتقدم، ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، أي: بالله، سبحانه، وآياته، جلت عظمته.
* *
قوله: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾.
من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟
ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل عام؟
* *
ومعنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ﴿ثُمَّ﴾، هم مع البلاء الذي يحل بهم ﴿لاَ يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون من الحجج لله، عز وجل، فيتعظون بها.
و "الاختبار" هنا، قيل: بالجوع والجدب.
وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد.
وقيل: إنه هو ما كان يُشيعَ المشركون من الأكاذيب على رسول الله ﷺ، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قلبه مرض.
وقال حذيفة: كنا نسمع كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس.
يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم.
التوبة 9:125
قوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ﴾، إلى قوله ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾.
والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: أيكم أيها الناس، زادته، هذه السورة إيماناً؟
أي: تصديقاً بالله وآياته، قال الله عز وجل، عن نفسه، ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾، السورة ﴿إِيمَاناً﴾، وهم يفرحون بما أعطاهم الله عز وجل، من الإيمان واليقين.
ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في السورة التي نزلت. فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة في إيمانهم الأول.
وقال الربيع: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾، أي: خشية.
* *
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
أي: شك في دين الله، سبحانه ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ السورة إذا نزلت، ﴿رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ﴾، أي: كفراً إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، سبحانه، ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفراً على كفرهم المتقدم، ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، أي: بالله، سبحانه، وآياته، جلت عظمته.
* *
قوله: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾.
من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟
ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل عام؟
* *
ومعنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ﴿ثُمَّ﴾، هم مع البلاء الذي يحل بهم ﴿لاَ يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون من الحجج لله، عز وجل، فيتعظون بها.
و "الاختبار" هنا، قيل: بالجوع والجدب.
وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد.
وقيل: إنه هو ما كان يُشيعَ المشركون من الأكاذيب على رسول الله ﷺ، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قلبه مرض.
وقال حذيفة: كنا نسمع كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس.
يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم.
التوبة 9:126
قوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ﴾، إلى قوله ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾.
والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: أيكم أيها الناس، زادته، هذه السورة إيماناً؟
أي: تصديقاً بالله وآياته، قال الله عز وجل، عن نفسه، ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾، السورة ﴿إِيمَاناً﴾، وهم يفرحون بما أعطاهم الله عز وجل، من الإيمان واليقين.
ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في السورة التي نزلت. فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة في إيمانهم الأول.
وقال الربيع: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾، أي: خشية.
* *
﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
أي: شك في دين الله، سبحانه ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ السورة إذا نزلت، ﴿رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ﴾، أي: كفراً إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، سبحانه، ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفراً على كفرهم المتقدم، ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، أي: بالله، سبحانه، وآياته، جلت عظمته.
* *
قوله: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾.
من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟
ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل عام؟
* *
ومعنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ﴿ثُمَّ﴾، هم مع البلاء الذي يحل بهم ﴿لاَ يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون من الحجج لله، عز وجل، فيتعظون بها.
و "الاختبار" هنا، قيل: بالجوع والجدب.
وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد.
وقيل: إنه هو ما كان يُشيعَ المشركون من الأكاذيب على رسول الله ﷺ، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قلبه مرض.
وقال حذيفة: كنا نسمع كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس.
يريد حذيفة أنهم كانوا يفعلون ذلك قبل إسلامهم.
التوبة 9:127
قوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ الآية.
والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة، وهم جلوس عند النبي عليه السلام، فكان فيها إظهار سرهم ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾، هل رآكم أحد إذ قلتم وتناجيتم، ثم قاموا فانصرفوا ولم يسمعوا قراءته.
وقيل المعنى: إذا ما أُنزلت سورة فيها أسرارهم، ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ﴾، أحد إن قمتم، فإن قالوا: نعم، قاموا ولم يسمعوا القرآن.
﴿صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم﴾، أي: عن الخير والتوفيق، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾، أي: لا يفقهون عن الله، عز وجل، مواعظه، استنكاراً ونفاقاً.
وقد كره ابن عباس: أن يقال: "انصرفنا من الصلاة"، قال: لا يقال ذلك، فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: "قد قضينا الصلاة".
وقيل عنه: ولكن قولوا: "قد صلينا".
ومعنى: ﴿نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾: [قال بعضهم إلى بعض]، ولذلك قال: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾، ولو كان من نظر العين لم يؤت بـ: "هل" بعده.
وقيل: النظر هنا، إنما هو النظر الذي يجلب الاستفهام، كقولك: "قد تناظروا أيهم أعلم"، و "اجتمعوا أيهم أفقه"، أي: لينظر أيهم أفقه.
التوبة 9:128
قوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، إلى آخر السورة.
المعنى: لقد جاءكم، أيها المؤمنون وأيها العرب، ﴿رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، أي: تعرفونه، لا من غيركم فتتهموه في النصيحة لكم.
وقيل معنى ﴿أَنفُسِكُمْ﴾ بشر مثلكم.
* *
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾.
أي: ما عنتكم، أي: ما أدخل عليكم المشقة.
وأصل "العنت": الهلاك.
وقيل معنى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: عزيز عليه أن تدخلوا النار، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أن تدخلوا الجنة.
وقيل معنى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: حريص على هدى ضُلاَّلِكُم وتوبتهم.
وقال قتادة: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: عزيز عليه عَنَت مؤمنيكم.
وقال ابن عباس ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾: ما ضللتم.
وقال قتادة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: حريص على هُدَى ضُلاَّلِكُم.
وهذا مخاطبة لأهل مكة.
* *
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.
أي: إن تولى هؤلاء يا محمد، عن الإيمان، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ﴾، أي: يكفيني الله، ﴿لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾.
قال أبيُّ بن كعب: آخر آية نزلت:
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾، إلى آخر السورة.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، وقف تام عند الأخفش، لأن هذا مخاطبة لأهل مكة، وقوله: ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ (رَّحِيمٌ)﴾، لكل المؤمنين.
التوبة 9:129
قوله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، إلى آخر السورة.
المعنى: لقد جاءكم، أيها المؤمنون وأيها العرب، ﴿رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، أي: تعرفونه، لا من غيركم فتتهموه في النصيحة لكم.
وقيل معنى ﴿أَنفُسِكُمْ﴾ بشر مثلكم.
* *
﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾.
أي: ما عنتكم، أي: ما أدخل عليكم المشقة.
وأصل "العنت": الهلاك.
وقيل معنى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: عزيز عليه أن تدخلوا النار، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أن تدخلوا الجنة.
وقيل معنى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: حريص على هدى ضُلاَّلِكُم وتوبتهم.
وقال قتادة: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: عزيز عليه عَنَت مؤمنيكم.
وقال ابن عباس ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾: ما ضللتم.
وقال قتادة: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: حريص على هُدَى ضُلاَّلِكُم.
وهذا مخاطبة لأهل مكة.
* *
﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾.
أي: إن تولى هؤلاء يا محمد، عن الإيمان، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ ٱللَّهُ﴾، أي: يكفيني الله، ﴿لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾.
قال أبيُّ بن كعب: آخر آية نزلت:
﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾، إلى آخر السورة.
﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، وقف تام عند الأخفش، لأن هذا مخاطبة لأهل مكة، وقوله: ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ (رَّحِيمٌ)﴾، لكل المؤمنين.