Lafzullah

Tafsir Makhi — المؤمنون 23:1 – المؤمنون 23:78

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. المؤمنون 23:1
  2. المؤمنون 23:2
  3. المؤمنون 23:3
  4. المؤمنون 23:4
  5. المؤمنون 23:5
  6. المؤمنون 23:6
  7. المؤمنون 23:7
  8. المؤمنون 23:8
  9. المؤمنون 23:9
  10. المؤمنون 23:10
  11. المؤمنون 23:11
  12. المؤمنون 23:12
  13. المؤمنون 23:13
  14. المؤمنون 23:14
  15. المؤمنون 23:15
  16. المؤمنون 23:16
  17. المؤمنون 23:17
  18. المؤمنون 23:18
  19. المؤمنون 23:19
  20. المؤمنون 23:20
  21. المؤمنون 23:21
  22. المؤمنون 23:22
  23. المؤمنون 23:23
  24. المؤمنون 23:24
  25. المؤمنون 23:25
  26. المؤمنون 23:26
  27. المؤمنون 23:27
  28. المؤمنون 23:28
  29. المؤمنون 23:29
  30. المؤمنون 23:30
  31. المؤمنون 23:31
  32. المؤمنون 23:32
  33. المؤمنون 23:33
  34. المؤمنون 23:34
  35. المؤمنون 23:35
  36. المؤمنون 23:36
  37. المؤمنون 23:37
  38. المؤمنون 23:38
  39. المؤمنون 23:39
  40. المؤمنون 23:40
  41. المؤمنون 23:41
  42. المؤمنون 23:42
  43. المؤمنون 23:43
  44. المؤمنون 23:44
  45. المؤمنون 23:45
  46. المؤمنون 23:46
  47. المؤمنون 23:47
  48. المؤمنون 23:48
  49. المؤمنون 23:49
  50. المؤمنون 23:50
  51. المؤمنون 23:51
  52. المؤمنون 23:52
  53. المؤمنون 23:53
  54. المؤمنون 23:54
  55. المؤمنون 23:55
  56. المؤمنون 23:56
  57. المؤمنون 23:57
  58. المؤمنون 23:58
  59. المؤمنون 23:59
  60. المؤمنون 23:60
  61. المؤمنون 23:61
  62. المؤمنون 23:62
  63. المؤمنون 23:63
  64. المؤمنون 23:64
  65. المؤمنون 23:65
  66. المؤمنون 23:66
  67. المؤمنون 23:67
  68. المؤمنون 23:68
  69. المؤمنون 23:69
  70. المؤمنون 23:70
  71. المؤمنون 23:71
  72. المؤمنون 23:72
  73. المؤمنون 23:73
  74. المؤمنون 23:74
  75. المؤمنون 23:75
  76. المؤمنون 23:76
  77. المؤمنون 23:77
  78. المؤمنون 23:78

المؤمنون 23:1

قوله تعالى ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. قال مجاهد إن الله تعالى وجلّ ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...﴾ الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحَر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمداً وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل الفلاح، البقاء في الخير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم. يقال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، وكان يستحب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدباً لقوم كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. قال ابن سيرين كان رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء في صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صَلاتك. وقال معمر عن الحسن: خاشعون" خائفون. وعن ابن عباس: خاشعون"، خائفون ساكنون. وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالاً لله ورهبة منه. وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. والسكون فيها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾. أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. قال ابن عباس: عن الباطل. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال ابن زيد: هم النبي ﷺ وأصحابه، كانوا عن اللغو [معرضين]. وقال الضحاك: اللغو: الشك. وقيل: الغناء. وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جلّ ذكره يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. "واللغو" في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون.

المؤمنون 23:2

قوله تعالى ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. قال مجاهد إن الله تعالى وجلّ ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...﴾ الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحَر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمداً وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل الفلاح، البقاء في الخير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم. يقال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، وكان يستحب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدباً لقوم كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. قال ابن سيرين كان رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء في صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صَلاتك. وقال معمر عن الحسن: خاشعون" خائفون. وعن ابن عباس: خاشعون"، خائفون ساكنون. وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالاً لله ورهبة منه. وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. والسكون فيها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾. أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. قال ابن عباس: عن الباطل. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال ابن زيد: هم النبي ﷺ وأصحابه، كانوا عن اللغو [معرضين]. وقال الضحاك: اللغو: الشك. وقيل: الغناء. وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جلّ ذكره يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. "واللغو" في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون.

المؤمنون 23:3

قوله تعالى ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. قال مجاهد إن الله تعالى وجلّ ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...﴾ الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحَر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمداً وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل الفلاح، البقاء في الخير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم. يقال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، وكان يستحب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدباً لقوم كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. قال ابن سيرين كان رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء في صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صَلاتك. وقال معمر عن الحسن: خاشعون" خائفون. وعن ابن عباس: خاشعون"، خائفون ساكنون. وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالاً لله ورهبة منه. وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. والسكون فيها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾. أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. قال ابن عباس: عن الباطل. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال ابن زيد: هم النبي ﷺ وأصحابه، كانوا عن اللغو [معرضين]. وقال الضحاك: اللغو: الشك. وقيل: الغناء. وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جلّ ذكره يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. "واللغو" في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون.

المؤمنون 23:4

قوله تعالى ذكره: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. قال مجاهد إن الله تعالى وجلّ ثناؤه غرس جنة عدن بيده، ثم قال حين فرغ، ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ...﴾ الآيات، ثم أغلقت فلم يدخلها إلا من شاء الله، ولا تفتح إلا بالسحَر مرة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون. وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله جنة عدن بيده، فتكلمت فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة. فالمعنى: قد بقي الذي صدقوا محمداً وما جاء به في النعيم الدائم، وأصل الفلاح، البقاء في الخير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. أي: هم متذللون لربهم إذا قاموا إلى صلاتهم. يقال أنهم خشعت قلوبهم، فلا يعرف أحدهم من عن يمينه ولا من عن شماله، وكان يستحب أن لا يجاوز المصلي ببصره موضع سجوده إلا بمكة، فإنه يستحب أن ينظر إلى البيت ولم يوقت مالك في ذلك وكان يقال: نزلت أدباً لقوم كانوا يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء فنهوا عن ذلك. قال ابن سيرين كان رسول الله ﷺ ينظر إلى السماء في صلاته، فلما أنزل الله هذه الآية، جعل رسول الله وجهه حيث يسجد. وقال مجاهد والزهري: الخشوع: سكون الأطراف في الصلاة. وقال الحسن: خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك البصر، وخفضوا به الجناح. وقال علي بن أبي طالب: خشوع في القلب، لا تلتفت في صَلاتك. وقال معمر عن الحسن: خاشعون" خائفون. وعن ابن عباس: خاشعون"، خائفون ساكنون. وحقيقة الخاشع، المنكسر قلبه إجلالاً لله ورهبة منه. وقال مالك: الخشوع في الصلاة: الإقبال عليها. والسكون فيها. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾. أي: هم عن الباطل وما يكرهه الله معرضون. قال ابن عباس: عن الباطل. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال ابن زيد: هم النبي ﷺ وأصحابه، كانوا عن اللغو [معرضين]. وقال الضحاك: اللغو: الشك. وقيل: الغناء. وروى مالك عن محمد بن المنكدر أنه قال: يقول الله جلّ ذكره يوم القيامة أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللغو ومزامير الشيطان، أدخلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثنائي علي وأخبروهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقال الضحاك: اللغو: الشرك بالله. "واللغو" في اللغة، ما يجب أن يلغى ويطرح ويترك من اللعب والهزل والمعاصي. والمعنى، والذين شغلهم الجد عن اللغو. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ﴾. أي: مؤدون زكاة أموالهم، فمدح الله مخرجي الزكاة، وإن لم يخرجوا غيرها، وذم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا يزكون.

المؤمنون 23:5

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:6

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:7

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:8

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:9

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:10

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:11

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:12

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:13

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:14

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. أي: والذين يحفظون فروج أنفسهم فلا يستعملونها في شيء إلا في أزواجهم التي أحلها لهم النكاح، أو في ملك أيمانهم، يعني: الإماء، فليس يلامون على ذلك. * * ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾. أي: فمن التمس لفرجه منكحاً سوى زوجته أو ملك يمينه، فهم العادون حد الله، المجاوزون ما أحل الله لهم إلى ما حرم عليهم. قال ابن عباس: الزاني من العادين. وقاله عطاء. قال ابن زيد: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ يقول: الذين يبعدون من الحلال إلى الحرام. وقال الزهري سألت القاسم بن محمد عن المتعة، فقال: هي محرمة في كتاب الله، ثم تلا. ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْعَادُونَ﴾ أي: فمن طلب سوى أربع نسوة وما ملكت يمينه فهو متعد إلى ما لا يحل له. وهذه الآية عمت تحليل الأزواج وملك اليمين على كل حال، وفي الجمع بين الأختين من ملك اليمين اختلاف، وكذلك الجمع بين المملوكة وعمتها، وبين المملوكة وخالتها، وفيها تخصيص بالتحريم لوطإ الحائض، وتحريم وطئ الأمة إذا زوجت وتحريم وطئ المظاهر منها حتى يكفر. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. أي: يقومون على حفظ أماناتهم وعهدهم ويرعون ذلك. قيل: عنى بالأمانات هنا، الصلاة والطهر من الجنابة وجميع الفرائض. وقيل: هو عام في كل أمانة. وأصل الرعي في اللغة القيام على إصلاح ما يتولاه الراعي لأحواله. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾. أي: يحافظون على وقتها وأدائها بحدودها، لا يفوتهم وقتها. وقال النخعي: "يحافظون" يداومون على أداء المكتوبة. * * ثم قال تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾. أي: أولئك الذين تقدمت صفتهم هم الوارثون يوم القيامة منازل أهل النار في الجنة. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ما منكم أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله. قال: فذلك قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ﴾ قال أبو هريرة: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وقال مجاهد يرث [الذي] من أهل الجنة، أهله وأهل غيره، ومنزل الذي من أهل النار. فهم يرثون أهل النار، فلهم منزلان في الجنة وأهلان، وذلك أن له منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فأما المؤمن فيبني منزله الذي في الجنة، ويهدم منزله الذي في النار، وأما الكافر فيورث منزله الذي في الجنة، ويبني منزله الذي في النار. وروى عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: لقد أنزلت عَليَّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة يعني: من قام عليهن ولم يخالف ما فيهن، يعني: ثمان آيات في أول هذه السورة، وآيتين فيهما فرض الصوم والحج. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أي: يرثون الجنة، مقامهم دائم فيها. والفردوس عند العرب، البستان ذو الكرم. وروى قتادة عن أنس أن الفردوس ربوة الجنة، أو وسطها وأفضلها. وقال كعب: خلق الله جلّ ذكره بيده جنة الفردوس، وغرسها بيده، ثم قال لها: تكلمي، فقالت: "قد أفلح المؤمنون". وقال داود بن بقيع لما خلقها الله قال لها: تزيني، فتزينت. ثم قال لها: تكلمي، فقالت: طوبى لمن رضيت عنه. وقال أحمد بن حنبل في كتاب التفسير: إن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب ولبنة من فضة وجعل جبالها المسك الأذفر. وعن أبي هريرة أنه قال: الفردوس جبل في الجنة من مسك تفجر من أصله أنهار [أهل] الجنة وروى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ "الجنة مائة درجة، أعلاها وأوسطها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ﴾. يعني: آدم استل من الطين. والسلالة: القليل منه، وكذلك باب الفعالة، يأتي للتقليل من الشيء، كالقلالة والنخالة، فالسلالة المستلة من كل تربة فكان خلق آدم عليه السلام من تربة أخذت من أديم الأرض، وخلقت حواء من ضلعه. وقيل: خلقت من فضلة طين آدم. قال قتادة: استل آدم من الطين، وخلقت ذريته من ماء مهين. وقيل: معناه، ولقد خلقنا الإنسان، يعني: ولد آدم من سلالة، وهي النطفة استلت من ظهر الرجل "من طين" وهو آدم الذي خلق من طين، وهو قول مجاهد، وهو اختيار الطبري. كأنه قال: ولقد خلقنا ولد آدم من سلالة آدم. وآدم: هو الطين، لأنه منه خلق، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وآدم لم يكن نطفة، إنما كان ولده نطفة، فدل على أن المراد بالإنسان ولد آدم، دون آدم. فالطين كناية عن آدم، كأنه قال: خلقنا ولد آدم من سلالة والسلالة من طين، أي: من آدم. والعرب تسمى ولد الرجل ونطفته سليلته وسلالته لأنه مسلول منه. قال ابن عباس: السلالة، صفوة الماء. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. أي: ثم جعلنا الإنسان الذي خلقناه من سلالة من طين نطفة في قرار مكين، يعني: الرحم، وسمي "مكين" لأنه مكن لذلك، وهيء له ليستقر فيه إلى بلوغ أمره. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. أي: قطعة من دم ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي القطعة من اللحم، وسميت مضغة لأنها قدر ما تمضغ ﴿فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾. أي: كل عضو عظم، ﴿فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَامَ لَحْماً﴾ أي: ألبسنا كل عظم لحماً. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾. أي: أنشأنا الإنسان خلقاً آخر. وقيل: المعنى، ثم أنشأنا هذا الخلق المتقدم ذكره وانتقاله خلقاً آخر، وهو نفخه الروح فيه، فيصير إنساناً، وكان قبل ذلك صورة، هذا قول: ابن عباس وأبي العالية والشعبي وابن زيد. وقال ابن عباس: هو انتقاله في الأحوال بعد الولادة من الطفولة إلى الصبا إلى الكهولة، ونبات الشعر وخروج السن وغير ذلك من الأحوال. وقال قتادة قيل: هو نبات الشعر وقيل هو نفخ الروح. وقال مجاهد: هو استواء شبابه. وقيل: هو خلقه ذكراً أو أنثى. وقال ابن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه ملك فينفخ فيه الروح وروي: أن النطفة تقيم في الرحم أربعين يوماً نطفة، ثم تصير علقة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير مضغة فتقيم أربعين يوماً، ثم تصير عظاماً مكسواً لحماً، وذلك في تمام أربعة أشهر، ثم في العشر الأول من الشهر الخامس يصور وينفخ فيه الروح ويتحرك، ولذلك جعل الله عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً، لأنها تعلم في ذلك هل في جوفها حمل أو لا، إذ مدة تحرك المولود في البطن أربعة أشهر وعشر، فإذا تحرك، انتقلت عدتها إلى أن تضع حملها. * * ثم قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾ أي: أحسن الصانعين قاله مجاهد. ويروى: أن هذا مما تكلم به عمر قبل أن ينزل، فنزل على ما قاله عمر و "تبارك" تفاعل من البركة. وقال ابن جريج: كان عيسى يخلق بأمر الله تعالى فلذلك قال: ﴿أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. وقال مجاهد: يصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين، وهذا اختيار الطبري. لأن العرب تسمي كل صانع خالقاً. قال الشاعر، وهو زهير: ؎ ولأَنْتَ تَفْرِيَ ما خَلقْتَ وَبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لاَ يَفْري. أي: ما صنعت. وقيل: معناه، أحسن المقدرين. فالناس يقدرون. ولا يتم ما يريدون لعجزهم والله يتمم ما يقدر، فهو خير المقدرين. وقيل المعنى، أن المشركين صنعوا تماثيل ولا ينفخون فيها الروح فخلق الله آدم ونفخ فيه الروح، فهو أحسن الصانعين، إذ لا يطيق أحد نفخ الروح غيره. ورويَ: أن عمر بن الخطاب لما سمع الآيات إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾. فنزلت ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ﴾.

المؤمنون 23:15

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:16

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:17

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:18

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:19

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:20

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:21

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:22

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:23

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:24

قوله تعالى ذكره: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾. إلى قوله: ﴿فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾. أي: ثم إنكم يا بني آدم بعد إنشاء الله لكم خلقاً آخر تموتون تصيرون رفاتاً، ثم إنكم بعد موتكم وتصييركم رفاتاً تبعثون فتحيون للحساب والجزاء في القيامة. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾. يعني: سماوات بعضها فوق بعض. والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة. فلذلك قيل للسماوات طرائق، إذ بعضها فوق بعض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾. أي: لم نغفل عن خلق السماوات أن تسقط عليكم، بل كنا حافظين لهن. وهذا بمنزلة قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ [الأنبياء: ٣٢] أي: محفوظاً أن يسقط عليكم. وقيل: محفوظاً من الشياطين. وقيل: المعنى، إنا لحفظنا إياكم خلقنا السماوات هذا الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: ليس يغفل عن أعمال الخلق، وأحصى أفعالهم مع كون سبع طرائق فوقهم. * * ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾، يعني: مياه الأرض كلها أصلها من السماء، أسكنه الله الأرض لينتفع به خلقه. قال ابن جريج: "ماء الأرض هو ماء السماء". فماء الآبار والأدوية والعيون، هو من ماء السماء أصله، أسكنه الله الأرض. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾. أي: وإنا لقادرون على أن نذهب بالماء الذي أسكناه الأرض فتهلكوا بالعطش وتهلك مواشيكم وهذا مثل قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. فمن نعمة الله على خلقه أن أسكن لهم الماء في الأرض مخزوناً يشربونه ويسقون مواشيهم ويسقون زرعهم وأَجْنُنَهم، ويتطهرون به وغير ذلك من منافعهم به. وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم، وذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ﴾ وإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، أرسل الله عز وجل جبريل ﷺ، فرفع من الأرض القرآن والعلم وهذه الأنهار الخمسة، فيرفع ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ﴾ ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. أي: فأحدثنا لكم بالماء بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيهَا﴾ أي: من الجنات فواكه كثيرة، ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: ومن الفواكه تأكلون. وقيل المعنى: ومن الجنات تأكلون. وقيل المعنى: من النخيل والأعناب تأكلون. وخص ذكر النخيل والأعناب دون سائر الثمار، لأن القوم الذين نزل عليهم القرآن كان عامة فاكهة بلدهم النخيل والأعناب، فخوطبوا بما عندهم من الثمار ليذكروا أنعم الله عليهم، فكان النخيل لأهل الحجاز والمدينة، وكانت الأعناب لأهل الطائف. * * ثم قال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾. أي: وأنشأنا لكم ذلك، يعني شجرة الزيتون تخرج من جبل فلسطين. "وطور سيناء" الجبل الحسن. فالمعنى وأنشأنا لكم شجرة خارجة من هذا الجبل. ومن كسر السين من "سيناء" جعله فعلالاً وليس بفعلاء إذ ليس في الكلام هذا المثال فيه همزة التأنيث، ولم يصرف لأنه اسم للبقعة، ولأنه معرفة. وقال الأخفش: هو اسم أعجمي. فأما من فتح السين، فإنه فعلاء، كحمراء، فلم ينصرف للتأنيث وهما لغتان. وقال أبو عمرو: الفتح لغة بني تميم. وقال الفراء: لم يكسر السين إلا بنو كنانة. وقال مجاهد: معنى سيناء: المبارك. وقال ابن عباس: هو جبل بالشام مبارك. وقال قتادة: معنى "سيناء" و "سينين"، حسن. وقال ابن عباس أيضاً: سيناء، الجبل الذي نودي منه موسى. وقال ابن زيد: هو الطور الذي بالشام جبل ببيت المقدس ممدود من مصر إلى أيلة. وقيل: هو جبل ذو شجر. والمعنى فيه: أن سيناء اسم معرفة، أضيف إليه الطور فعرف به كما قيل: جبلا طيء، وهو معنى قول ابن عباس: أن سيناء الجبل الذي نودي منه موسى، وهو مع ذلك مبارك. ويلزم من قال معناه جبل مبارك أو جبل حسن أن ينون طوراً ويجعل سيناء له نعتاً. * * وقوله: ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ مذهب أبي عبيدة أن الباء زائدة والتقدير، تنبت الدهن. ومذهب الفراء وأبي إسحاق أن الباء متعلقة بالمصدر الذي دلّ عليه الفعل، فالمصدر في كل الأفعال يحسن دخول الحرف معه على المفعول، وإن كان لا يحسن مع الفعل. ألا ترى أنك تقول: هو ضارب لزيد، فتدخل اللام. وتقول: أعجبني أكل للخبز زيد، ولو قلت: هو ضارب لزيد لم يجز، لأن اسم الفاعل أضعف في العمل من الفعل. فكذلك المصدر، هو أضعف في العمل من الفعل. فجاز دخول حرف الجر معه، وإن كان لا يدخل مع الفعل لقوة الفعل في التعدي. وتنبُتُ وتنبِتُ لغتان بمعنى كما يقال: مطرت السماء، وأمطرت وسرى وأسرى بمعنى والتقدير في العربية تنبت وفيها دهن أو معها دهن. * * وقوله: ﴿وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ يعني الزيتون. قال ابن عباس: يصطبغ بالزيت الذي يأكلونه. يعني يأتدمون به . * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾. أي: وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم والمعز لعبرة تعتبرون بها فتعرفون نعم الله عندكم، وأنه لا يعجزه شيء أراده فهو يسقيكم من اللبن الخارج من بين الفرث والدم، ولكم فيها أيضاً مع ذلك منافع كثيرة، كالإبل يحمل عليها، وكالبقر يحرث بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾. أي: من لحومها تأكلون. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أي: وعلى الإبل والسفن يحملون براً وبحراً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾. أي: أرسل نوحاً إلى قومه داعياً لهم إلى الإيمان بالله وإلى طاعته. فقال لهم: ﴿يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلوا له بالطاعة لا معبود لكم غيره ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: تخشون بعبادتكم سواه العقوبة أن تحل بكم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾. أي: فقال جماعة أشراف قومه الذين جحدوا توحيد الله وكذبوه لقومهم: يا قوم، ما هذا إلا بشر مثلكم. أي: ما نوح إلا ابن آدم ﴿مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يريد أن يكون له الفضل عليكم، فيكون متبوعاً وأنتم له تبع. * * ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾. أي: لو شاء الله ألا نعبد سواه لأرسل إلينا ملائكة تدعونا إلى ذلك. ﴿مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: قالوا لهم: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه نوح من أنه لا إله لنا غير الله في القرون الماضية، وهم آباؤهم.

المؤمنون 23:25

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:26

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:27

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:28

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:29

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:30

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:31

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:32

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:33

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:34

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:35

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:36

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:37

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال أشراف قوم نوح: ما نوح إلا رجل به جنون ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ أي: تمهلوا به إلى وقت ما. قال نوح: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بتكذيبهم إياي. دعا ﷺ واستنصر بالله لما طال عليه أمرهم وأبوا إلا تكذيبه. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾. أي: فقلنا له حين استنصرنا على كفرة قومه: اصنع الفلك بمرأى منا وتعليم لك بما تصنع. ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا﴾ أي: قضاؤنا في قومك بالعذاب والهلاك. ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ قد تقدم في "هود" ومعنى "فار التنور". وقد قال علي بن أبي طالب: "فار التنور" من مسجد الكوفة. وعنه أنه قال: "فار التنور" هو تنوير الصبح. قال الضحاك: كان التنور آية فيما بين الله وبين نوح، قال له: إذا رأيت الماء قد خرج من التنور فاعلم أن الهلاك والغرق قد أتى قومك. * * ثم قال: ﴿فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾. أي: فادخل في الفلك، يقال سلكته في كذا وأسلكته أدخلته. ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ أي: وأدخل أهلك في الفلك يعني ولده ونساءه. ﴿إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ أي: لا تحمل من سبق عليه القول من الله أنه هالك مع أهلك يعني ابنه الذي غرق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾. أي: لا تسألني في الذين كذبوك أن أنجيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ أي: قضيت أن أغرق جميعهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ﴾. أي: إذا اعتدلت أنت ومن حملته معك في السفينة، فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين ﴿وَقُل﴾ أيضاً يا نوح: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾، إذا خرجت من السفينة وسلمك الله ومن معك. قاله مجاهد. ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ أي: خير من أنزل عباده المنزل المبارك ومن قرأ "مُنزَلاً" بضم الميم، جعله مصدراً، لأن صدر الكلام قد مضى على: أنزل، فصار بمنزلة ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] يقال: أنزلته إنزالاً ومنزلاً. ومن قرأ بفتح الميم جعله اسماً لكل ما نزل فيه، فمعناه: أنزلني مكاناً مباركاً وموضعاً مباركاً. ويجوز في النحو فتح الميم والزاي بجعله مصدر نزل، كالمدخل مصدر دخل. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾. أي: إن فيما فعلنا بنوح وقومه من إنجائه وإهلاكهم حين كذبوه لَعِبراً لقومك وغيرهم، فيزدجروا عن كفرهم لئلا يحل عليهم مثل ما حل على قوم نوح من العذاب. وقوله: ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: وإن كنا لمختبرين لقومك بتذكيرنا إياهم بآياتنا لننظر ما هم عاملونه قبل حلول العقوبة بهم. وقيل معنى "لمبتلين" لمتعبدين الخلق بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، فيعرفون شكره ونعمه عليهم، فيخلصون له العبادة. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾. أي: ثم أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح قوماً آخرين فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن يدعوهم إلى الإيمان، فقال لهم: ﴿أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي: ما لكم معبود تجب له العبادة غير الله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي: أفلا تخافون عقاب الله بعبادتكم الأصنام من دون الله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. أي: قال أشراف قومه المكذبون، الكفار بالبعث، يعني قوم هود عليه السلام. وقوله تعالى: ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي ٱلْحَيـاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي: ونعمناهم في الدنيا بسعة الرزق حتى بطروا وعتوا، فكفروا وكذبوا الرسل. * * ﴿مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. أي: إنسان مثلكم، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مثل ما تشربون، وليس بملك فتصدقه. (ولئن أطعتم بشراً مثلكم، فاتبعتموه) أي: قالوا ذلك لقومهم وسفلتهم. ﴿إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ﴾. أي: لمغبونون حظوظكم من الشرف والرفعة باتباعكم إياه. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾. "أنّ" الثانية، بدل من الأولى عند سيبويه. المعنى عنده أنكم مخرجون إذا متم. وقال الفراء والجرمي "أنَّ" الثانية مكررة للتأكيد. وحسن تكريرها لما طال الكلام. وذهب الأخفش إلى "أنّ" الثانية في موضع رفع بفعل مضمر، دل عليه إذا، ومعناه عنده: أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً يحدث إخراجكم. كما تقول: اليوم القتال. المعنى عنده اليوم يحدث القتال. ومعنى الآية أن الأشراف من قوم هود قالوا لقومهم: أيعدكم هود أنكم تبعثون بعد أن تكونوا تراباً وعظاماً فتخرجون من قبوركم. ثم قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾. مذهب سيبويه والكسائي أن يوقف عليها بالهاء، لأنها واحدة، وفتحت للبناء، وبنيت لأنها لم تشتق من فعل فأشبهت الحروف واختير لها الفتح للأف التي قبلها ولأن هاء التأنيث بمنزلة اسم ضم إلى اسم فصارت بمنزلة عشر في خمسة عشر، وموضعها رفع. معناها: البعد البعد لما توعدون. وقال الفراء الوقف عليها بالتاء. فأما من كسر التاء فإنه يقف بالتاء عند الجماعة نُوِّنَ أو لم يُنَوَّنْ، لأنه جمع كبيضات واحدها هيهة كبيضة، والتنوين في جمع المؤنث لازم. وقيل: "هو" في هذا فرق بين المعرفة والنكرة وهي عند سيبويه كناية عن البعد، كما يكنى بقولهم "صه" عن السكوت. فالتقدير: البعد البعد لما توعدون من البعث بعد الموت يقوله أشراف قوم هود لقومهم. قال ابن عباس: "هيهات هيهات": بعيد بعيد. ودخول اللام مع هيهات وخروجها جائزان تقول هيهات ما تريد وهيهات لما تريد. فإذا أسقطت اللام رفعت الاسم، كما قال [الشاعر]. ؎ فَهَيْهَات هَيْهَات العَقِيقُ وَمَنْ به ∗∗∗ وَهَيْهَاتَ خِلّ بالعُقِيقِ نُوَاصِلُهُ كأنه قال: بعيد العقيق ومن به وأهله. وقد قيل إنها في موضع نصب على المصدر، كأنه قال: بعداً بعداً لما توعدون. * * ثم قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. أي: قال الإشراف من قوم هود: ما حياتنا إلا حياتنا في الدنيا نموت فلا نرجع، ويحيى آخرون فيولدون أحياء وما نحن بمبعوثين بعد الموت، وهذا مثل قولهم: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] فتحقيق المعنى أنهم قالوا: نموت نحن ويحيا أولادنا، ولا بعث بعد الموت. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: نحيا ونموت فلا نحيا. وقيل: المعنى: نكون أمواتاً نطفاً، ثم نحيا في الدنيا.

المؤمنون 23:38

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:39

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:40

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:41

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:42

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:43

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:44

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:45

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:46

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:47

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:48

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:49

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:50

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرَىٰ عَلَىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. أي: قالوا: ما هود إلا رجل افترى على الله كذبا في قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ﴾ وفي وعده إياكم بالخروج بعد موتكم وكونكم تراباً وعظاماً. ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بمصدقين له فيما قال. * * ﴿قَالَ رَبِّ ٱنْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾. أي: قال، هود يا رب، انصرني بتكذيبهم إياي، وذلك لما يئس من إيمان قومه، فأجابه الله جلّ ذكره: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ أي: عن وقت قليل ليندمن على تكذيبهم لك وذلك حين ينزل بهم العذاب. * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: فانتقمنا منهم ونصرناه عليهم، فأرسلنا الصيحة عليهم، فأخذتهم بالحق. أي: باستحقاقهم لذلك. فمعنى "بالحق" باستحقاقهم للهلاك بكفرهم. وقيل: معنى "بالحق" بالعدل من الله لهم، لم يظلمهم فيما أنزل عليهم من العذاب. * * ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَآءً﴾. أي: بمنزلة الغثاء، وهو ما ارتفع من السيل ونحوه مما لا ينتفع به في شيء، فهو مثل. وتقدير الكلام: فأهلكناهم، فجعلناهم كالشيء الذي لا ينتفع به. قال ابن عباس: جُعِلوا كالشيء البالي من الشجر". وقال مجاهد: "كالرميم الهامد الذي يحتمل السيل"، وهم قوم صالح. روي أن الله جلّ ذكره بعث ملكاً من ملائكته فصاح بهم صيحة هلكوا بأجمعهم. وروي أنه جبريل ﷺ وعليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي: أبعد الله القوم الكافرين بهلاكهم إذ كفروا بربهم فأبعدهم من كل خير ومنفعة. وقال مجاهد أولئك ثمود. وقيل: هم عاد، لأن عاداً كانوا قبل ثمود. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي: ثم خلقنا من بعد هلاك ثمود قروناً آخرين، ما يتقدم هلاك أمة من تلك الأمم قبل مجيء أجلها الذي أجله الله تعالى لهلاكها. ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عن الهلاك بعد مجيء الأجل الذي أجل لهلاكها وهذا كله وعيد لقريش وإعلام منه أن تأخيره في آجالهم مع كفرهم إنما ذلك ليبلغوا الأجل الذي أجل لهم، فتحل بهم نقمته كسنته فيمن قبلهم من الأمم السابقة وفيه دلالة على رد قول من يقول إن الإنسان يجوز أن يقتل قبل أجله الذي سماه الله له وقدره أجلاً لموته، وهو قول خارج عن مذاهب أهل الحق، بل كل يموت عند انقضاء أجله بموت أو قتل أو غرق أو حرق أو بغير ذلك. لا تموت نفس قبل أجلها الذي كتبه الله لها، ولا تتأخر في البقاء بعد ذلك الأجل. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾. أي: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأناها بعد ثمود رسلاً يتبع بعضها بعضاً، وبعضها في أثر بعض، قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد. * * ثم قال: ﴿كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي: بالهلاك، أهلك بعضهم في آثار بعض. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: يتحدث بهم من يأتي بعدهم في الشر. ولا يقال: جعلناهم أحاديث في الخير. والأحاديث جمع أحدوثة وقيل جمع حديث. * * ثم قال تعالى: ﴿فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: فابعد الله قوماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون رسله. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ أي: ثم أرسلنا موسى بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم وأخاه هارون بأدلتنا ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: وحجة ظاهرة لمن رآها إنها من عند الله. ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾، أي وأشراف قومه من القبط، فاستكبروا عن الإيمان بها، ﴿وَكَانُواْ قَوْماً عَالِينَ﴾، أي: قد علوا على من في ناحيتهم وعلى بني إسرائيل بالظلم وقهروهم. وقال ابن زيد: ﴿قَوْماً عَالِينَ﴾ أي: علوا على رسلهم وعصوا ربهم. * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾. أي: لنا مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم. يقال لكل من دان لملك: هو عابد له. * * ثم قال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾. أي: فكذب فرعون وملاؤه موسى وهارون فكانوا ممن أهلكهم الله. كما أهلك من قبلهم من الأمم بتكذيبها رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾. أي: ولقد أعطينا موسى التوراة ليهتدي بها بنو إسرائيل ويعملوا بما فيها، ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ أي: حجة لنا ودلالة على قدرتنا على إنشاء الأجسام من غير أصل، كما أنشأنا خلق عيسى من غير أب. وقال آية، لم يقل آيتين، لأن الآية فيهما واحدة. وقيل في الكلام حذف، مثل والله ورسوله أحق أن يرضوه. تقديره: وجعلنا ابن مريم آية وأمه آية، ثم حذف إحدى الآيتين لدلالة الباقية عليها. فالآية في مريم، ولادتها من غير ذكر، والآية في عيسى، إحياؤه الموتى، وإبراؤه الأكمة والأبرص وإخراجه من الطين طيراً يطير. وكل بإذن الله جلّ ذكره. * * ثم قال: ﴿وَآوَيْنَاهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي وضممناهما إلى ربوة، أي إلى مكان مرتفع عما حوله. قال أبو هريرة هي الرملة من فلسطين. وروي أن النبي ﷺ قال: هي الرملة. وقال ابن المسيب هي دمشق، وقاله ابن عباس وقال قتادة هي بيت المقدس. وكان كعب يقول بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلاً. وقال وهب بن منبه هي مصر وكذلك قال ابن زيد عن أبيه زيد. قال ابن زيد: الربوة من ربا مصر. وليس الربا إلا بمصر والماء يرسل فتكون الربا عليها القرى ولولا الربا لغرقت تلك القرى. قال ابن جبير الربوة: النشز من الأرض. وقال الضحاك: ما ارتفع من الأرض. وقال ابن عباس: الربوة المستوى، وكذلك قال مجاهد. وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ أي: ذات أرض منبسطة وساحة واسعة وذات ماء طاهر لعين الناظر. قال ابن عباس "ومعين" هو الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾". وقال الضحاك: "ومعين" الماء الظاهر. وقال قتادة ذات قرار أي ثمار "ومعين" وماء وهي بيت المقدس. وقوله: "ومعين" هي فعيل بمعنى مفعول على قول من جعله لما يرى بالعين فالميم زائدة. وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول والميم أصلية. قال علي بن سليمان: يقال معن الماء إذا جرى وكثر، فهو معين وممعون. وحكى ابن الأعرابي: معن الماء يمعن: إذا جرى وسهل وأمعن أيضاً. وقيل يجوز أن يكون فعيلاً من المعنى مشتقاً من الماعون والمعن في اللغة: الشيء القليل، والماعون، فاعول وهو الزكاة، مشتق أيضاً من المعن، سميت الزكا. ماعوناً، لأنها شيء قليل من المال، إذ هي ربع عشرة في العين.

المؤمنون 23:51

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:52

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:53

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:54

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:55

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:56

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:57

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:58

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:59

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:60

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾ إلى قوله ﴿إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. معناه وكلوا من الحلال الطيب دون الحرام ﴿وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً﴾ أي: بما أمرتكم به. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر الأنبياء بما أمر به المؤمنينفقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ﴾. وقد قيل: إن قوله يا أيها الرسل مخاطبة للنبي وحده كما قال: "الذين قال لهم الناس" يعني نعيم بن مسعود وحده. وقيل: إنما قيل للنبي وحده ﴿يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ﴾ "لتدل بذلك على أن الرسل كلهم أمروا بأكل الطيبات وهو الحلال الذي طيبه الله تعالى لآكله. وقيل: هو مخاطبة لعيسى، وهو قول الزجاج وهو اختيار الطبري. روى: أن عيسى ﷺ كان يأكل من غزل أمه. ثم قال: "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" فتح "إن" في هذا على معنى "ولأن هذه". هذا قول البصريين. وقال الكسائي والفراء: هي في موضع خفض عطف على ما في قوله: إني بما تعلمون. وقال الفراء أيضاً: تكون في موضع نصب على إضمار فعل، والتقدير: واعلموا أن هذه أمة: نصب على الحال. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: "أمة واحدة"، بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: هي أمة وعلى البدل من أمتكم، أو على أنها خبر بعد خبر، والمعنى أن الأمة هنا الدين: أي: وأن هذا دينكم دين واحد قاله ابن جريج. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾. أي فاتقون بطاعتي، تأمنوا عقابي. * * ثم قال: ﴿فَتَقَطَّعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً﴾. أي: فتفرق القوم الذين أمروا بالإيمان واتباع عيسى ليجتمعوا على الدين الواحد زبراً، أي كتباً قد بان كل فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي بان به الفريق الآخر، كاليهود الذين زعموا أنهم دانوا بحكم التوراة، وكذبوا بحكم الإنجيل والقرآن وكالنصارى الذين دانوا بالإنجيل وكذبوا بحكم القرآن. قال قتادة: "زبراً" كتباً. وقال مجاهد: كتباً لله فرقوها قطعاً. والزبر: جمع زبور، كعمود وعمد. وقيل: المعنى، فتفرقوا دينهم بينهم كتباً أحدثوها يحتجون بها لمذاهبهم. قال ابن زيد: هو ما اختلفوا فيه من الأديان والكتب، وكل واحد منهم كان له أمر وكتب، وكل قوم يعجبون برأيهم، ليس أهل هوى إلا وهم يعجبون برأيهم وبصاحبهم الذي اخترق ذلك لهم وقرأ الأعمش "زُبراً" بفتح الباء جعله جمع زبرة، ومعناه، فتفرقوا عن دينهم بينهم قطعاً كزبر الحديد، فصار بعضهم يهود، وبعضهم نصارى. * * وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. أي: كل فريق من تلك الأمم بما اختاره من الدين لأنفسهم فرحون معجبون به لا يرون أن الحق سواه. * * ثم قال: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾. أي: فذر هؤلاء الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبراً في غمرتهم، أي: في ضلالتهم وغيهم. قال ابن زيد: الغمرة العمى. ﴿حَتَّىٰ حِينٍ﴾: أي إلى حين ما يأتيهم ما وعدوا به العذاب، وقال مجاهد "حتى حين" حتى الموت. * * ثم قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾. أي: أيحسب هؤلاء الأحزاب الذين تفرقوا في دينهم زبراً أن الذي نعطيهم في عاجل الدنيا من مال وبنين "فسارع لهم" "أي نسابق لهم في خيرات الآخرة ونبادر فيها ثم أكذبهم فيما يحسبون، فقال: ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ أي: بل لا يعلمون أن امدادنا إياهم ما نمدهم به من ذلك إنما هو إملاء واستدراج لهم. * * وقوله: ﴿فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ معه إضمار، أي: نسارع لهم به في الخيرات، قاله الزجاج. وقال هشام: تقديره: نسارع لهم فيه، ثم أظهر فقال: "في الخيرات" كما قال: ولا أدى الموت سبق الموت بشيء. وإنما احتيج إلى هذا التقدير لأن الخبر لا بد أن يكون فيه ضمير يعود على اسم "أن". وقرأ عبد الرحمن بن أبي بكرة: "يُسارع" بالياء رده على الإمداد، فلا يحتاج هذا إلى ضمير محذوف، لأن ما والفعل مصدره ففي "يسارع" ضمير اسم أن، وهو ضمير المصدر. ومذهب الكسائي أن "إنما" حرف واحد، فلا يحتاج الكلام إلى شيء، من الإضمار والحذف، ويقف على مذهبه على "بنين" ولا يقف عليه على مذهب غيره. وتقدير الآية أيحسبون الذين نمدهم به من مال وبنين في الدنيا نسارع لهم به في الخيرات، أي: نجعله لهم ثواباً، فليس الأمر كذلك، إنما هو استدراج ومحنة لهم. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ﴾. أي: من خوف عذاب ربهم مشفقون، فهم دائمون على طاعته جادون في طلب مرضاته. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾. أي: بكتابه يصدقون ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ﴾. أي: يخلصون عبادتهم لربهم، لا يشركون به فيها أحداً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. أي يعطون أهل سهمان الصدقة، ما فرض الله لهم من أموالهم فما أتوا معناه: ما أعطوهم إياه من صدقة. ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فيخافون ألا ينجيهم ذلك من عذابه. قال الحسن: إن المؤمن جمع إحساناً وشفقة، وأن المنافق جمع إساءة وأمناً، ثم تلا هذه الآية إلى ﴿رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾. وقال الحسن: يعملون ما عملوا من أعمال البر وهم خائفون ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله. وقال ابن عباس: مال المؤمن ينفق يتصدق به وقلبه وجل أنه إلى ربه راجع. وسئلت عائشة: عن هذه الآية فقالت: كانوا يقرأونها، يأتون ما أتوا بألف. وكذلك روى عنها أنها كانت تقرأه من المجيء، تعني إتيان الذنوب، أي: يأتون الذنوب وهم خائفون. وقال ابن عمر: "يؤتون ما أتوا": الزكاة. وقال مجاهد: المؤمن ينفق ماله وقلبه وجل. وقال ابن جبير: يفعلون ما فعلوا وهم يعلمون أنهم صائرون إلى الموت وهي من المبشرات. وقال قتادة: يعطون ما أعطوا، ويعملون ما عملوا من خير، وقلوبهم وجلة خائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قلت يا رسول الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أهم الذين يذنبون وهم مشفقون؟ فقال: لا بل هم الذين يصلون وهم مشفقون، ويصدقون وهم مشفقون، ويصومون وهم مشفقون وروي عن عائشة أيضاً أنها قالت: قلت للنبي: يا رسول الله، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أي، هو الرجل يزني أو يسرق أو يشرب الخمر، قال: لا يا ابنة أبي بكر، أو قال يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف ألا يتقبل منه وقرأ ابن عباس: (يأتون ما أتوا من المجيء). وروى ذلك عن عائشة على تقدير: يعملون ما عملوا وهم خائفون.

المؤمنون 23:61

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:62

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:63

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:64

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:65

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:66

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:67

قوله تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ﴾ إلى قوله ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. معناه: أولئك يسارعون في الخيرات، أي: الذين [هم] هذه صفتهم "يسارعون" أي: يسابقون في الأعمال الصالحة. قال ابن زيد: "الخيرات" المخافة، والوجل، والإيمان، والكف عن الشرك بالله. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾. أي: قد سبقت لهم من الله السعادة فذلك سبقهم في الخيرات كل من عنده. قال ابن عباس: "وهم لها سابقون" سبقت لهم من الله تعالى السعادة. وقيل معناه: وهم إليها سابقون. وقيل المعنى: وهم من أجلها سابقون، أي من أجل اكتسابهم الخيرات يسبقون إلى رحمة الله. وقيل المعنى: فهم إلى أوقاتها سابقون، لأن الصلاة في أول الوقت أفضل. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾. أي: إلا ما تطيق من العبادة. ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ﴾ أي: وعندنا كتاب يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا. * * ﴿وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يزاد على أحد من سيئات غيره ولا ينقص من حسناته، وهو الكتاب الذي كتبت فيه أعمال الخلق عند الملائكة تحتفظ به. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾. أي في عماية من هذا القرآن. وقيل: المعنى: بل قلوبهم في غطاء عن المعرفة بأن الذي نمدهم به من مال وبنين، إنما هو استدراج لهم. وقال قتادة: المعنى، بل قلوبهم في غمرة من وصف أهل البر ببرهم، وهو ما تقدم من صفة المؤمنين. والغمرة، الغطاء والغفلة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. أي: ولهؤلاء الكفار أعمال من المعاصي والكفر من دون أعمال أهل الإيمان بالله، قاله قتادة. قال مجاهد: "من دون ذلك" من دون الحق. وقال الحسن: معناه: ولهم أعمال لم يعملوها، سيعملونها يعني الكفار. وقيل: معناه، لهؤلاء الكفار أعمال سبقت في اللوح المحفوظ أنهم سيعملونها وسيعلمونها. وقال مجاهد: لم يعملوها وسيعملونها. * * ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. أي: لكفار قريش أعمال من الشر من دون أعمال أهل البر هم لها عاملون إلى أن يأخذ الله أهل النعمة والبطر منهم بالعذاب إذا هم يضجون ويستغيثون. قال ابن زيد: "المترفين" العظماء. قال مجاهد: "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب". قال: بالسيوف يوم بدر. وقال الربيع بن أنس: ﴿يَجْأَرُونَ﴾ يجزعون. قال ابن جريج: "بالعذاب" يعني عذاب يوم بدر، ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يعني أهل مكة، يعني يضجون ويستغيثون على قتالهم. قال الضحاك: أهل بدر أخذوا بالعذاب يوم بدر. * * ثم قال: ﴿لاَ تَجْأَرُواْ ٱلْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ﴾. أي: لا تضجوا وتستغيثوا قد نزل بكم العذاب، فلا ناصر لكم منه. وقد قيل: هو عذاب الآخرة. وعلى القول الأول أكثر الناس. * * ثم قال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾. هنا مخاطبة للمشركين، أي: قد كانت آيات القرآن تتلى عليكم. قال الضحاك: وذلك قبل أن يعذبوا بالقتل، فكنتم تولون مدبرين عنها تكذيباً بها وكراهة أن تسمعوها. تقول العرب لكل من رجع من حيث جاء، نكص فلان على عقبيه. قال ابن عباس: يعني بذلك أهل مكة. * * ثم قال تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. أي: بالحرم قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والحسن وأبو مالك. قال أبو مالك وذلك لأمنهم والناس يتخطفون من حولهم. وقيل: الهاء عائدة على الكتاب، أي مستكبرين بالكتاب. أي: يَحْدُثُ لكم بتلاوته عليكم استكبارٌ. * * وقوله: ﴿سَامِراً تَهْجُرُونَ﴾. أي: تسمرون بالليل في الحرم. يقال لجماعة يجتمعون للحديث "سامر" كما يقال: "باقر" لجماعة البقر، "وجامل" لجماعة الجمال. وأكثر ما يستعمل "سامراً" للذين يسمرون بالليل، وأصله من قولهم لا أكلمه السمر والقمر أي: الليل والنهار. وقال الثوري: يقال لظل القمر، السمر، ومنه السمرة في اللون وقرأ أبو رجاء: سُمّاراً، جعله جمع سامر. قال ابن عباس وابن جبير: معناه: يسمرون بالليل حول الكعبة، يقولون المنكر. وقال الضحاك: يعني سمر الليل. قال الطبري: إنما وحد "سامر"، وهو في موضع جمع، لأنه وضع موضع الوقت، ومعنى الكلام تهجرون ليلاً، فوضع السامر موضع الليل فوحد لذلك. ومن قرأ: تُهجرون بالضم في التاء، أخذه من أهجر يهجر، إذا نطق بالفحش. وقيل: الخنا ومعناه التجاوز ومنه قيل: "الهاجرة، لأنه وقت تجاوز الشمس من الشرق إلى الغرب". وأما معناه، فقال ابن عباس فيه: معناه، تسمرون برسول الله ﷺ وتقولون الهجر. وقال عكرمة: تشركون. وقال الحسن: تسبون النبي ﷺ. وقال مجاهد: تقولون القول السيء في القرآن. ومن قرأ بفتح التاء فهو من هجر المريض إذا هذى، هذا قول الكسائي. ويقال هجر المحموم، إذا غلب على عقله، فيكون معناه: إنكم كالهاذي في مرضه بما لا ينتفع به، وكذلك أنتم تتكلمون في النبي عليه السلام بما لا يضره. وقيل: معناه من هَجَرَهُ، إذا لم يكلمه فمعناه على هذا: تهجرون النبي ﷺ وأصحابه. وقد قال الحسن: تهجرون نبيي وكتابي. وقال ابن عباس: معناه: تهجرون ذكر الله والحق. وقال السدي: تهجرون البيت. وقال ابن جبير: تسمرون بالليل وتخوضون في الباطل. وقال أهل اللغة: يقال هجر وأهجر في كلامه، إذا أفحش غير أن الأصمعي قال: هجر يهجر، إذا هذى، وأهجر إذا تكلم بالقبيح. "ومستكبرين" وقف عند أبي حاتم ثم تبتدئ: "سامراً تهجرون" أي في البيت. وقيل: "مستكبرون به" الوقف. وقيل: تهجرون التمام.

المؤمنون 23:68

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:69

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:70

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:71

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:72

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:73

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:74

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:75

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:76

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:77

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. معنى هذا القول التوقيف والتقبيح كقول العرب: الخير أحب إليك أم الشر. أي: إنك قد اخترت الشر. ومعناه: أفلم يدبر هؤلاء المشركون كلام الله فيعلموا ما فيه من العبر والحجج ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ يعني أسلافهم من الأمم المكذبة قبلهم، بل جاءهم محمد ﷺ بمثل ما أتت به الرسل قبله لآبائهم، فواجب عليهم ألا ينكروا ما جاءهم به محمد عليه السلام، لأنه أتى بمثل جاء به غيره من الرسل لآبائهم. وقيل: "أم" هنا بمعنى "بل"، والتقدير: بل جاءهم ما لم يأت أسلافهم فتركوا تدبره إذ لم يكن عند من سلف لهم مثله ولا أرسل إليهم مثله. * * ثم قال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ﴾. أي: أم لم يعرفوا صدق محمد وأمانته "فهم لهم منكرون" أي: فينكروا قوله إذ لم يعرفوه بالصدق فكيف يكذبونه وهم يعرفونه بالصدق والأمانة. ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾. أي: أيقولون بمحمد مجنون فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم. * * ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: جاءهم بحق لا تخفى صحته والمجنون لا يتكلم بكلام فيه حكمة ولا يصح له معنى، فكيف يكون مجنوناً من يأتي بالحق والحكمة، وإنما نسبوه إلى الجنون لأن الذي جاءهم به بَعُدَ عندهم قبولهم له كما يقال لمن سأل ما لا يتمكن فعله هو مجنون أي: لا يسأل مثل هذا السؤال إلا مجنون . فلما دعاهم مع شرفهم عند أنفسهم إلى اتباعه والقبول لقوله وذلك عندهم متعذر منهم، نسبوه إلى الجنون. * * ثم قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: قد علموا أنه محق فيما جاءهم به، وليس بمجنون، ولكن أكثرهم كاره لاتباع الحق الذي قد صح عندهم وعلموه حسداً منهم له، وبغياً عليه واستكباراً في الأرض. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ﴾. أي: ولو اتبع الله عز وجل أهواء الكفار، قاله السدي. وتقديره على قوله: ولو اتبع صاحب الحق أهواء المشركين ﴿لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ﴾ باتباع آرائهم، لأنهم لا يعلمون العواقب، وأهواء أكثرهم على إيثار الباطل على الحق، والسماوات والأرض وما بينها لم يقمن إلا بالحق. وقيل: الحق هنا: القرآن، والمعنى: ولو نزل القرآن بما يحبون لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. وقيل: هو مجاز، والتقدير: ولو وافق الحق أهواءهم، فجعل موافقته اتباعاً، مجازاً، ويكون التقدير على هذا، لو كانوا يكفرون بالرسل، ويعصون الله، ولا يجازون على ذلك ويعاقبون لفسدت السماوات والأرض. وقيل: المعنى: لو كان الحق فيما يقولون من اتخاذ آلهة مع الله لتعالت بعضها على بعض واضطرب التدبير ففسدت لذلك السماوات والأرض. * * ثم قال: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾. أي: بينا لهم الحق، قاله ابن عباس. وقيل: معناه: بل آتيناهم بشرفهم إذ نزل القرآن بلغتهم وعلى رجل منهم. ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ أي: فاعرضوا عنه فكفروا به، ومثله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]. وقال قتادة: "بذكرهم": بالقرآن، وتقديره: بل آتيناهم بذكر ما فيه النجاة لو اتبعوه. * * ثم قال: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: أم تسألهم يا محمد على ما جئت به أجراً فيعرضوا عما جئتهم به من أجل أخذك منهم الأجر عليه، وهو قوله: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: ٢٣]. * * ثم قال: ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾. أي: لم تسألهم رزقاً على ما جئتهم به. فرزق ربك خير. قال الأخفش: الخَرْج والخراج واحد، إلا أن اختلاف الكلام أحسن. وقال أبو حاتم: الخرج: الجعل والخراج: العطاء. وقال المبرد: الخرج: المصدر، والخراج الاسم. وأصل الخراج الغلة والضريبة، كخراج العبد والدار وغيرهما. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ﴾. أي: الله خير من أعطى عوضاً على عمل ورزق رزقاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ﴾. يخاطب النبي ﷺ ﴿إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو دين الإسلام، وسمي مستقيماً لأنه يؤدي إلى الجنة والنجاة من النار. * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. أي: إن من ينكر البعث والمعاد إلى الآخرة عن محجة الحق وقصد السبيل - وهو دين الله الذي ارتضاه لعباده - لناكبون أي: لعادلون. قال السدي: ﴿عَنِ ٱلصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾: عن دين الله لمعرضون. وقيل: عن صراط جهنم لناكبون في جهنم، وذلك في الآخرة. وقيل: عن طريق الجنة لعادلون إلى طريق النار. * * ثم قال: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ﴾. أي: لو رحمنا هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة، ﴿وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِّن ضُرٍّ﴾. أي: ورفعنا عنهم ما بهم من القحط والجدب، وضر الجوع. ﴿لَّلَجُّواْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: لتمادوا في عتوهم وجراءتهم على الله. ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يترددون. قال ابن جريج: هو كشف الجوع عنهم. وقيل: المعنى، لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجو في طغيانهم يعمهون. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. يعني أهل مكة أحل بهم الجوع والجدب وقتل سراتهم بالسيف، ﴿فَمَا ٱسْتَكَانُواْ لِرَبِّهِمْ﴾ أي: فما خضعوا لربهم، فينقادوا لأمره ونهيه: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون. ويروى أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حين أخذ الله قريشاً بسني الجدب إذ دعا عليهم رسول الله ﷺ. قال ابن عباس: جاء أبو سفيان إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نشدتك الله والرحمن، لقد أكلنا العلهز يعني الوبر بالدم، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾. الآية. وروى في هذا الحديث أن أبا سفيان قال للنبي عليه السلام: أليس قد بعثت رحمة للعالمين. قال: نعم قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ...﴾ الآية. قال الحسن: إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء فإنما هي نقمة، فلا تستقبلوا نقمة الله بالحمية، ولكن استقبلوها بالاستغفار، واستكينوا وتضرعوا إلى الله، وقرأ هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِٱلْعَذَابِ﴾... الآية. قال ابن جريج، هو الجوع والجدب. * * ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. قال ابن عباس: هو يوم بدر، وقد مضى، وقاله ابن جريج. وقال مجاهد: هو الجوع أيضاً مثل الأول. وقال عكرمة: هو باب آخر من أبواب جهنم، عليه من الخزنة أربع مائة ألف، سود وجوههم، كالحة أنيابهم، قد قلعت الرحمة من قلوبهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة، لو يخطر الطائر من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، حتى إذا انتهوا إليه فتحه الله عليهم فهو قوله: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: يائسون من الخير. وقيل: المبلس، الساكت المتحير. وقيل المعنى: نادمون على ما سلف.

المؤمنون 23:78

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.