Lafzullah

Tafsir Makhi — المؤمنون 23:79 – النور 24:32

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. المؤمنون 23:79
  2. المؤمنون 23:80
  3. المؤمنون 23:81
  4. المؤمنون 23:82
  5. المؤمنون 23:83
  6. المؤمنون 23:84
  7. المؤمنون 23:85
  8. المؤمنون 23:86
  9. المؤمنون 23:87
  10. المؤمنون 23:88
  11. المؤمنون 23:89
  12. المؤمنون 23:90
  13. المؤمنون 23:91
  14. المؤمنون 23:92
  15. المؤمنون 23:93
  16. المؤمنون 23:94
  17. المؤمنون 23:95
  18. المؤمنون 23:96
  19. المؤمنون 23:97
  20. المؤمنون 23:98
  21. المؤمنون 23:99
  22. المؤمنون 23:100
  23. المؤمنون 23:101
  24. المؤمنون 23:102
  25. المؤمنون 23:103
  26. المؤمنون 23:104
  27. المؤمنون 23:105
  28. المؤمنون 23:106
  29. المؤمنون 23:107
  30. المؤمنون 23:108
  31. المؤمنون 23:109
  32. المؤمنون 23:110
  33. المؤمنون 23:111
  34. المؤمنون 23:112
  35. المؤمنون 23:113
  36. المؤمنون 23:114
  37. المؤمنون 23:115
  38. المؤمنون 23:116
  39. المؤمنون 23:117
  40. المؤمنون 23:118
  41. النور 24:1
  42. النور 24:2
  43. النور 24:3
  44. النور 24:4
  45. النور 24:5
  46. النور 24:6
  47. النور 24:7
  48. النور 24:8
  49. النور 24:9
  50. النور 24:10
  51. النور 24:11
  52. النور 24:12
  53. النور 24:13
  54. النور 24:14
  55. النور 24:15
  56. النور 24:16
  57. النور 24:17
  58. النور 24:18
  59. النور 24:19
  60. النور 24:20
  61. النور 24:21
  62. النور 24:22
  63. النور 24:23
  64. النور 24:24
  65. النور 24:25
  66. النور 24:26
  67. النور 24:27
  68. النور 24:28
  69. النور 24:29
  70. النور 24:30
  71. النور 24:31
  72. النور 24:32

المؤمنون 23:79

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:80

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:81

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:82

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:83

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:84

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:85

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:86

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:87

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:88

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:89

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:90

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:91

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:92

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:93

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:94

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:95

قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنْشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: والله الذي أحدث لكم أيها المكذبون السمع لتسمعوا به والأبصار لتنظروا بها، والأفئدة: أي والقلوب لتفهموا بها فكيف يتعذر على من أنشأ ذلك على غير مثال الإعادة، وقد تقدم المثال. * * ثم قال تعالى: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾. أي: قليلاً شكركم على ما أعطاكم من النفع بهذه الجوارح وغيرها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: أنشأكم فيها ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: بعد مماتكم، أي تصيرون إلى حكمه فيكم وعدله، وليس هو حشر وصيرورة إلى قرب مكان، لأن القرب والبعد في الأمكنة إنما يجوز على المحدثين الذين تحويهم الأمكنة، والله لا يجوز عليه ذلك، إنما هو حشر إلى وعده وحكمه فيهم، وكذلك كل ما كان في القرآن من قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ﴾ و ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كله معناه تصيرون إلى حكمه ووعده ومجازاته ليس هو صيرورة إلى قرب مكان، سبحانه لا تحويه الأمكنة ولا تحيط به المواضع، وليس كمثله شيء. الأمكنة كلها مخلوقة والأزمنة محدثة وهو قديم إلا إله إلا هو، فلا يحوي المحدث إلا محدثاً. فافهم هذا واستعمله في كل ما جاءك منه في كتاب الله، ولا تتوهم فيه قرب مكان ولا دنوا من موضع دون موضع ألزم فهمك ونفسك أنه تعالى لا يشبهه شيء ولا مثله شيء. * * ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: والله الذي جعل خلقه أحياء بعد أن كانوا نطقاً أمواتاً فنفخ فيهم الروح، وهو يميتهم بعد إحيائهم. * * ﴿وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ﴾. أي: هو الذي خلق الليل والنهار مختلفين. * * ثم قال: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾. أي: تفهمون ما وُصف لكم ونُبهتم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلأَوَّلُونَ﴾. أي: بل قال المكذبون لك يا محمد من قريش مثل ما قال الأولون من الأمم المكذبة بالبعث . قالوا: أنبعث إذا كنا تراباً وعظاماً. استبعدوا ذلك فأنكروه. * * ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ﴾. أي: لقد وعدنا ووعد آباؤنا من قبل بالبعث بعد الموت فلم نر له حقيقة، ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: ما سطره الأولون في كتبهم من الأحاديث والأخبار التي لا صحة لها ولا حقيقة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين البعث من قومك: لمن ملك الأرض ومن فيها من الخلق إن كنتم تعلمون من مالكها، ثم اعلمه جل ذكره، أنهم سيقولون لله ملكها. فقل لهم إذا جاوبوك ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون أن من خلق ذلك وابتدأه وملكه أنه يقدر على إحيائكم بعد مماتكم وإعادتكم خلقاً كما كنتم. * * ثم قال: ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾. أي: من خالق ذلك ومالكه، سيقولون لك: ذلك كله لله وهو ربه. فقل لهم أفلا تتقون عقابه على كفركم به، وتكذيبكم رسله. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. أي: من بيده خزائن كل شيء، قاله مجاهد. * * ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ﴾ من عذابه من خلقه من شاء ﴿وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. أي: ولا يجير عليه أحد من خلقه ولا من عذابه، ومعنى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: من يملك كل شيء. وذكر اليد في هذا إنما يعني به الملك لا الجارحة تعالى الله عن ذلك. وهذا أتى على لسان العرب. تقول: هذه الدار بيد فلان، أي: في ملكه، لا يريدون أن ذلك مستقر في يده يد الجارحة، إنما يريدون أنه مستقر في ملكه. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي تعلمون مَن هذه صفته، فإنهم سيقولون أن ذلك هو الله، وملك ذلك كله لله، فقل لهم: ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أي: من أي وجه تصرفون عن التصديق بآيات الله والإقرار برسوله. ومن قرأ الثاني والثالث الله الله، جعل السؤال والجواب من جهة واحدة، لأن الله جل ذكره علم بجوابهم وسؤالهم قبل خلقهم، فأخبر عن جوابهم من جهة السؤال. ومن قرأ: لله لله، أتى بالجواب من عند المسؤول، وهو الأصل. قال ابن عباس: "تسحرون": تكذبون. وحقيقة السحر أنه تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئته. فكذلك معنى ﴿فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ أي: من أي وجه يخيل لكم الكذب حقاً، والفاسد صحيحاً، فتصرفون عن الإقرار بالحق الذي يدعوكم إليه محمد ﷺ وفي هذه الآيات دلالة على جواز محاجة الكفار والمبطلين وإقامة الحجة عليهم، وإظهار إبطال الباطل من قولهم ومذهبهم، ووجوب النظر في الحجج على من خالف دين الله وقد أمر الله تعالى نبيه في غير ما موضع بالاحتجاج عليهم وعلمه كيف يحتج عليهم، وكذلك أخبر عن إبراهيم عليه السلام بما احتج به على قومه، وأخبرنا الله تعالى أنها حجة أتاها إبراهيم عليه السلام وعلمه إياها، فاحتج بها عقى قومه وبينا لهم خطأهم فيما يعبدون، وكذلك أخبرنا الله في غير موضع باحتجاج الأنبياء على قومهم، وإقامة حجة الله عليهم، ومناظرتهم لهم، وهو كثير في القرآن، دل على جواز إقامة الحجة على أهل الزيغ الكفر. فأما قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فقد ذكرنا معناها في موضعها. وليست في هذا الباب، ولها معاني قد بيناها. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون أن الملائكة بنات الله أو أن لهم آلهة دون الله، بل أتيناهم باليقين، وهو ما أتاهم به محمد ﷺ من الإسلام، وأن لا يُعبد شيء سوى الله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يضيفون إلى الله من الولد والشريك ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ﴾ في القدم حين ابتدع الأشياء. ﴿مِنْ إِلَـهٍ﴾ أي: لاعتزل كل إله منهم بما خلق فانفرد به ﴿وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. أي: ولتغالبوا، فغلب القوي الضعيف، لأن القوي لا يرضى أن يحاده الضعيف، والضعيف لا يصلح أن يكون إلهاً ، لأنه عاجز بضعفه. والعاجز مذلول مغلوب مقهور، وليس هذه من صفات المعبود الخالق، وإنما هي من صفات المخلوق المملوك. * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. أي: عما يصفون به الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿عَالِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ﴾. أي: يعلم ما غاب عن خلقه من جميع الأشياء. فلم يروه ولم يعلموه وما شاهدوه، فرأوه وعلموه. والرفع الاختيار عند النحويين البصريين والكوفيين في "عالم الغيب" على إضمار مبتدأ، أو على البعث لله في قوله: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ﴾ عالم الغيب، وحجة البصريين في اختيارهم الرفع أن قبله رأس آية، وقد تم الكلام دونه، فاستؤنف على إضمار مبتدأ. وحجة الكوفيين منهم الفراء أن الرفع أولى به، لأنه لو كان مخفوضاً لقال: (وتعالى) بالواو. فدخول الفاء بعده يدل على أنه أراد "هو عالم" واحتج في ذلك بأنك لو قلت: مررت بعبد الله المحسن وأحسنت إليه، جئت بالواو، لأنك خفضت ولم تستأنف، تريد: مررت بعبد الله الذي أحسن وأحسنت إليه. قال: ولو قلت: "المحسن" بالرفع، لم يكن إلا بالفاء، تريد: هو المحسن فأحسنت إليه، فالفاء عنده تدل على انقطاع الكلام. وقد خالف هو نفسه هذا الأصل في المزمل، فاختار: "ورب المشرق" بالخفض، وبعده "فاتخذه" ومن أصله أن الفاء تدل على الاستئناف. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾. أي: قل يا محمد: رب أن ترني ما يهلك به هؤلاء المشركين، فلا تهلكني بما تهلكهم به، أي: إذا أردت بهم عقوبة فأخرجني عنهم ولا تجعلني في القوم الظالمين، ولكن اجعلني فيمن قد رضيت عنه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾. أي: إنا نقدر يا محمد أن نريك تعجيل العذاب في هؤلاء المشركين فلا يحزنك كفرهم وتكذيبهم إياك، فإنما نؤخرهم ليبلغ الكتاب أجله فيستوفوا أيامهم وما قدر لهم من رزق.

المؤمنون 23:96

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:97

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:98

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:99

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:100

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:101

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:102

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. أي: ادفع يا محمد فعل هؤلاء المشركين بالخلة التي هي أحسن، وذلك الإغضاء والصفح عن جهلهم، والصبر على أذاهم، وهذا قبل أن يأمره بحربهم. فهو منسوخ بالأمر بالقتال. والسيئة هنا هي أذى المشركين إياه، وتكذيبهم له. قال مجاهد: معناه: أعرض عن أذاهم إياك. وروي عنه أنه قال: هو السلام يسلم عليهم إذا لقيهم. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾. أي: ما يصفون الله به جل ذكره من السوء، وهو مجازيهم عليه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ﴾. أي: رب استجيرك من وسوسة الشياطين". وقال ابن زيد: "همزات الشياطين" خنقهم للناس. * * ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾. أي: يحضرون في شيء من أموري. وقيل: "همزات الشياطين" الجنون الذي يعرض للناس والصرع وكان النبي ﷺ يتعوذ من الشيطان، ويقول: "من همزه ونفثه ونفخه فقيل: يا رسول الله، وما همزه فذكر هيئة الموتة الذي تأخذ الناس، وهو الجنون والصرع، فقيل له: وما نفثه؟ قال: الشِعر. فقيل له: وما نفخه؟ قال: الكفر ثم قال: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ﴾. أي: إذا عاين أحد هؤلاء المشركين الموت ونزل به أمر الله تعالى: ﴿قَالَ﴾ لعظيم ما يعاين من عذاب الله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ إلى الدنيا ﴿لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قبل اليوم من العمل فضيعته وفرطت فيه. وذلك تندماً منه على ما فات وتلهفاً. يقول الجبار: ﴿كَلاَّ﴾ أي: لا ترد، وذلك لا ينفعه، لأنه وقت رفع عنه حد التكليف، فلا تنفع فيه توبة، وذلك عند اليقين بالموت، والبشارة بما أعد له من العذاب، والإعلام بما كان عليه من الخطأ في دينه، فإذا عاين ذلك كله، لم ينفعه ندم ولم يتقبل منه توبة ولم يقل من ندامته. وليست "لعل" في هذا للشك، لم يرد لعلي أعمل أو لا أعمل إنما هي لليقين، أي: إن رددت عملت، وهو لا يرد أبداً. قال ابن زيد: ذلك حين تنقطع الدنيا، ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إذا حضر الإنسان الموت جمع له كل شيء كان يمنعه من ماله من حقه، فجعل بين يديه، فعند ذلك يقول: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ...﴾ الآية. وروى ابن جريج أن النبي ﷺ قال: إذا عاين المؤمن الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا، فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدماً إلى الله جل ثناؤه، وأما الكافر فيقول: رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت قال الضحاك: يعني به أهل الشرك. * * وقوله: ﴿رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾، بالتوحيد ثم بالجمع فإنما ذلك لأن الكافر ابتدأ سؤاله إلى الله، ثم رجع إلى خطاب الملائكة الذين يتولون القبض روحه، فأتى بلفظ الجمع لأنهم جماعة، ووحد أولاً لأن الله واحد. وقيل: إنه إنما جمع لأن الجبار يخبر عن نفسه بلفظ الجماعة تعظيماً، فإذا خوطب جرى أيضاً على ذلك، فجرى أول الكلام على التوحيد وآخره على لفظ الجمع للتعظيم. وقيل: إنما جاء "ارجعون" بلفظ الجمع، لأنه بمعنى: ارجع ارجع ففيه معنى التكرير، وكذلك قال المازني في قوله: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤] قال: معناه: الق الق. * * ثم قال: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا﴾. قال ابن زيد: لا بد كل مشرك أن يقولها. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. البرزخ هو مقامهم تحت التراب إلى يوم البعث فهو حاجز بينهم وبين الرجوع. قال ابن عباس: "برزخ" أجل إلى حين. وقال ابن جبير: برزخ ما بعد الموت. وحضر أبو أمامة جنازة، فلما وضعت في اللحد قال: هذا برزخ إلى يوم يُبعثون. وقال مجاهد: "البرزخ". ما بين الموت إلى البعث. وقال الضحاك: "البرزخ" ما بين الدنيا والآخرة. وحقيقة البرزخ في اللغة أنه كل حاجز بين شيئين. وقال رجل بحضرة الشعبي رحم الله فلاناً صار من أهل الآخرة فقال: لم يصر من أهل الآخرة، ولكنه صار من أهل البرزخ، وليس من الدنيا ولا من الآخرة. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾. أي: فإذا نفخ إسرافيل في القرن. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة، ومعناه: فإذا نفخ في صور الناس الأرواح. قال ابن مسعود: "الصور": قرن. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن وحنى جبهته وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر ثم قال: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾. وقد قال في موضع آخر: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فمعنى قول ابن عباس فيه، أنه إذا نفخ في الصور أول نفخة، تقطعت الأرحام، وصعق من في السماوات ومن في الأرض، وشغل بعض الناس عن بعض بأنفسهم، فعند ذلك لا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فإذا نفخت النفخة الثانية قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فذلك في وقتين مختلفين. وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم بالأنساب في القيامة كما يتفاخرون في الدنيا بالأنساب. ولا يتساءلون في الآخرة كما يتساءلون في الدنيا فيقولون من أي قبيلة الرجل. وعن ابن عباس: أيضاً أن رجلاً سأله عن الآيتين فقال: أما قوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ فذلك في النفخة الأولى، لا يبقى على الأرض شيء، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وأما قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون "فإنهم لما دخلوا الجنة، أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وبذلك قال السدي. وعن ابن مسعود أن ذلك في الموقف في النفخة الثانية قال: يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين قال وينادي مناد: هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبلهُ فليأت إلى حقه. قال: فتفرح المرأة يومئذ أن يكون لها حق على أبيها أو على ابنها أو على أخيها أو على زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فيقول الرب عز وجل للعبد: اعط هؤلاء حقوقهم، فيقول: أي: رب، فنيت الدنيا، فمن أين أعطيهم، فيقول للملائكة: خذوا من أعماله الصالحة وأعطوا كل إنسان مقدار طلبته، فإن كان له فضل مثقال حبة من خردل ضاعفها الله له حتى يدخله بها الجنة، ثم تلا ابن مسعود: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَٰعِفْهَا﴾. الآية، وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة: ربنا فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول تعالى: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته، وصكوا له صكاً إلى النار. وقال ابن جريج في الآية: لا يسأل يومئذ أحد شيئاً، ولا يمت إليهم برحم، ولا يتساءلون. وقال قتادة: ليس شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة من أن يرى من يعرفه مخافة أن يدعى عليه شيئاً، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾... إلى ... ﴿يُغْنِيهِ﴾. وقال النبي ﷺ: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى مناد من تحت العرش. يا أهل المظالم تداركوا مظالمكم وأدخلوا الجنة ومعنى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: لا يتفاخرون بالأنساب يوم القيامة ولا يتساءلون بها كما كانوا يفعلون في الدنيا. وقيل: إن يوم القيامة مقداره خمسين ألف عام، ففيه أزمنة فأحوالهم تختلف فيه، فمرة يتساءلون، ومرة لا يتساءلون.

المؤمنون 23:103

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:104

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:105

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:106

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:107

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:108

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:109

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:110

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:111

قوله تعالى ذكره: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾. أي: فمن ثقلت موازين حسناته، وخفت موازين سيئاته فأولئك هم الباقون في النعيم، ومن خفت موازين حسناته وثقلت موازين سيئاته ﴿فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ﴾، أي: غبنوا أنفسهم حظها من رحمة الله في جهنم، ﴿خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ﴾ أي: تنفح وجوههم النار. * * ثم قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. قال ابن مسعود: "الكالح": الذي قد بدت أسنانه، وتقلصت شفتاه، كالرأس المشيط بالنار. وقال ابن عباس: "كالحون" عابسون. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: تشوي أحدهم النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته قال الحسن: لفحتهم النار لفحة، فلم تدع لحماً ولا جلداً إلا ألقتهُ عند العراقيب وبقيت العظام بيضاء تلوح. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾. أي: يقال لهم: ألم تكن آيات القرآن تتلى عليكم في الدنيا فكنتم بها تكذبون. * * ثم قال: ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾. أي: غلب علينا ما سبق في سابق علمك وخط لنا في أم الكتاب. قال مجاهد: شقوتنا التي كتبت علينا. قال ابن جريج: بلغنا أن أهل النار نادوا خزنة جهنم أن ﴿ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فلم يجيبوهم ما شاء الله، فلما أجابوهم بعد حين قالوا: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. قال: ثم نادوا مالكاً: ﴿يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] قال: فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة ثم أجابهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ثم نادى الأشقياء ربهم فقالوا: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾ ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾: قال: فسكت عنهم مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك ﴿ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾. وروى أن لأهل جهنم أربع دعوات، أولها ما حكى الله جل ذكره في غافر من قولهم: ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، والثانية، ما حكى الله عنهم في غافر أيضاً قوله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فأجابتهم الخزنة: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ﴾، قالوا: "بلى"، قالت لهم الخزنة: ﴿فَٱدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ ٱلْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ [غافر: ٥٠]. والثالثة ما حكى الله تعالى عنهم في الزخرف من قوله: ﴿وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] فأجابهم مالك فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، والرابعة في قد أفلح: قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فيجيبهم الرب اخسئوا فيها ولا تكلمون، فتصير لهم همهمة كنباح الكلاب. ومعنى: "اخسئوا" ابعدوا من رحمتي وعطفي، يقال: خسأت الكلب، أبعدته، وقال تعالى ذكر، ينقلب إليك البصر خاسئاً" أي مبعداً. وقال محمد بن كعب: بلغني أن أهل النار استغاثوا بالخزنة: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب، فردوا عليهم ما قال الله جل ذكره، فلما يئسوا نادوا: يا مالك، وهو عليهم، وله مجلس في وسطها تمر عليه ملائكة العذاب، وهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا يا مالك ليقض علينا ربك، سألوا الموت فمكثوا لا يجيبهم ثمانين سنة من سني الآخرة، ثم لفظ إليهم فقال: إنكم ماكثون، فلما سمعوا ذلك قالوا: فاصبروا، فلعل الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال: فصبروا، فطال صبرهم، فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾، أي: منجى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، إلى قوله: ﴿أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، فلما سمعوا مقالته، مقتوا أنفسهم قال فنودوا: ﴿لَمَقْتُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُـمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِّن سَبِيلٍ﴾ ... قال فيجيبهم الله جل ذكره فيها: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحْدَهُ كَـفَرْتُمْ﴾ إلى ﴿ٱلْكَبِيرِ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد. قال ثم دعوا مرة أخرى، فيقولون: ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾... إلى... ﴿مُوقِنُونَ﴾. قال: فيقول الرب: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد قال: فيدعون مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَ﴾. قال: فيقول لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.. الآية. قال: فيقولون: ما أيأسنا بعد ثم قالوا مرة أخرى: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ ٱلَّذِي كُـنَّا نَعْمَلُ﴾. قال: فيقول لهم: * * ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ من تذكر... ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾... قال: ثم مكث عنهم ما شاء الله ثم ناداهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، فلما سمعوا ذلك قالوا: الآن يرحمنا، فقالوا عند ذلك: ربنا غلبت علينا شقوتنا أي: الكتاب الذي تقدم فيه أنا أشقياء، ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ...﴾ إلى ﴿... ظَالِمُونَ﴾. فقال لهم عند ذلك: اخسئوا فيها ولا تكلمون قال: فلا يتكلمون فيها أبداً. قال: فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأطبقت النار عليهم قال عبد الله بن المبارك: فذلك قوله: ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾. وروي عن زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون. وقال أبو الدرداء يلقى على أهل النار الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ألا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون، فيغاثون بطعام ذي غصه، فيغصون به، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلابيب الحديد، فإذا دنا من وجوههم، شوى وجوههم، فإذا دخل بطونهم، قطع أمعاءهم وما في بطونهم، فيدعون خزنة جهنم، فيقولون لهم: ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب كالحديث الأول. * * وقوله: ﴿وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ﴾. أي: ضللنا عن سبيل الرشد وقصد الحق. والشقوة والشقاوة لغتان بمعنى عند الكسائي والفراء. وقيل: معنى ذلك: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسميت اللذات والأهواء شقوة، لأنهما يؤديان إليها، كما قال: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾. فسمى أكل مال اليتيم ناراً لأنه يؤدي إلى النار. ومعنى: "اخسئوا فيها": تباعدوا تباعد سخط. يقال: خسأت الكلب، إذا زجرته ليتباعد. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا﴾. أي: كان جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله. قال مجاهد: هم: صهيب وبلال وخباب وشبههم من ضعفاء المسلمين، كان أبو جهل وأصحابه يهزؤون بهم، وكانوا يقولون ربنا آمنا. فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها علينا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء. ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً﴾ أي جعلتم تهزءون منهم. هذا على قراءة من كسر السين ومن ضمها فمعناه فجعلتم تسخرونهم. هذا مذهب أبي عمرو وأبي عبيدة وقطرب. وهو قول الحسن وقتادة. وهما لغتان عند الكسائي والفراء. بمعنى الهزء، فإذا كان بمعنى السخرة والتسخير فهو بالضم لا غير، نحو: ﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣٢]، ثم قال: ﴿حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾. أي: لم تزالوا تستهزءون بهم حتى أنساكم ذلك من فعلكم بهم ذكري فألهاكم عنه. قال ابن زيد: أنساهم الاستهزاء بهم والضحك ذكر الله، وقرأ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]... إلى قوله .. ﴿لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢]. ومثله في إضافة الفعل إلى غير فاعله قوله ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاس﴾ [إبراهيم: ٣٦] أي: ضل بهن كثير من الناس لم يكن له صنام فعل يضل به الناس. الناس هم الضالون لعبادتهم الأصنام، فكذلك أنسوكم ذكري، لم ينسيهم المؤمنون ذكر الله بل نسوا ذلك، أي تركوه.

المؤمنون 23:112

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

المؤمنون 23:113

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

المؤمنون 23:114

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

المؤمنون 23:115

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

المؤمنون 23:116

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

المؤمنون 23:117

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

المؤمنون 23:118

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

النور 24:1

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ﴾. إلى آخر السورة أي: إني جزيت الذين اتخذهم الكفار سخرياً بصبرهم على دينهم وعلى ما كانوا يلقون في الدنيا من أذى الكفار، الفوز وهو النجاة من النار، والخلود في الجنة. * * ثم قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: قال الله لهؤلاء الأشقياء الذين كانوا يظنون أنهم لا يبعثون، وأن الدنيا باقية: كم لبثتم في الأرض من الزمان بعد موتكم، فأجابوا وقالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم، فنسوا عظيم ما كانوا فيه من البلاء وطول مكثهم في القبور في العذاب لما حل عليهم من نقم الله في الآخرة حتى ظنوا أنهم لم يلبثوا في البرزخ إلاّ يوماً أو بعض يوم. وروي أن الله جل ذكره ينسيهم ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى الثانية. * * وقوله: ﴿فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾. أي: قالوا: فاسأل الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمال بني آدم ويحصون عليهم ساعاتهم. قال مجاهد: العادين الملائكة. وقال قتادة: هم الحساب. وعنه: يعني أهل الحساب. وقوله: "عَدَدَ سنين" منصوب على التفسير. وقرأ الأعمش: "عدداً" بالتنوين، فيكون "سنين". في موضع نصب على التفسير أيضاً، أو على البدل من عدد. * * ثم قال: ﴿قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: ما لبثتم على قولكم إذاً في الأرض إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون مقدار لبثكم فيها، وقد كنتم تزعمون أن الدنيا باقية أبداً، لا بعث ولا حشر، ثم قلتم الآن لم نلبث إلا يوماً أو بعض يوم، فقد صار الباقي عندكم يوماً أو بعض يوم. وجعل الله لبثهم قليلاً لفنائه وقلة دوامه، فكل ما يفنى، فبقاؤه قليل وإن تطاول زمانه قال الله جل ذكره: ﴿قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧] أي ما تستمتع به الخلق من طول أيام الدنيا قليل، إذ مصيره إلى الفناء والذهاب. * * ثم قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾. أي: أفحسبتم أيها الأشقياء أنا إنما خلقناكم لعباً وباطلاً، وإنكم إلى ربكم بعد مماتكم لا ترجعون فتجزون بأعمالكم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾. أي: فتعالى الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من اتخاذه الولد والشريك. * * ﴿لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ أي: لا معبود ولا رب إلا الله الملك الحق ﴿رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾. أي: ومن يعبد مع الله معبوداً آخر، لا حجة له بما صنع ولا بينة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾. أي: حساب عمله السيء عند ربه فيوفيه جزاءه إذا قدم عليه. ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلْكَافِرُونَ﴾ أي: لا ينجح ولا يدرك البقاء والخلود في النعيم أهل الكفر بالله. وهذا يدل على أن الحق يثبت بالبرهان والحجة، والباطل يذهب بالبرهان، والحجة على بطلانه. فالتقليد لمن قدر على الحجة والبرهان خطأ منه. ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ﴾ أي: استر علي ذنوبي بعفوك عنها، وارحمني بقبول توبتي منها، وأنت خير من رحم من أذنب فقبلت توبته.

النور 24:2

قوله تعالى ذكره: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. سورة مرفوعة على إضمار مبتدأ، أي هذه سورة، وأنزلناها نعت للسورة، وقبح رفعها على الابتداء لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرات إذ لا فائدة فيها، وقد أجازه أبو عبيدة. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: اتل سورة، أو على معنى: أنزلنا سورة أنزلناها. ومن شدد ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ جعله بمعنى: فضلناها، فجعلنا فيها فرائض مختلفة. وقيل: معنى التشديد أنه فرضها على من أنزلت عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة، فشدد ليدل على معنى التكثير من المأمورين. ومن خفف جعله على معنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام فجعلناه فرضاً عليكم. وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يدل على اختيار التخفيف، لأنه فيه معنى تكثير المأمورين، لأنه فرض علينا وعلى من بعدنا ومن قبلنا، وفيه فرائض مختلفة أيضاً، وقد أجمع على تخفيفه. قال ابن عباس ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ بيناها. وقيل ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ فرضنا العمل بما فيها، وهذا يدل على التخفيف. وقول ابن عباس يدل على التشديد. * * وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي دلالات وحجج على الحق، واضحات لمن تأملها وآمن بها. قال ابن جريج: آياتٍ بينات: يعني الحلال، والحرام، والحدود. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي تذكرون بهذه الآيات التي أنزل عليكم. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾. كل القراء على الرفع إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ بالنصب، وهو اختيار الخليل وسيبويه لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما في هذا الاختيار، واستدل المبرد على خلافهما، بإجماع الجميع على الرفع في قوله: ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وإنما اختار النحويون الرفع لأنه مبهم لا يقصد به شخص بعينه (زنى)، وتقدير الرفع عند سيبويه والخليل" وفيما يتلى عليكم الزانية والزاني، ويحسن الرفع بالابتداء وما بعده خبره، والمعنى من زنى من الرجال والنساء، وهو حر بكر غير محصن فاجلدوه ضرباً مائة جلدة. ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ أي رقة، ورحمة عند الجلد في دين الله، أي في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدود، فكل من أقام الحد. فهو ممن لا تأخذه رأفة في حدود الله. والرأفة من الآدميين، رقة القلب، وهي من الله تعالى رحمة وإنعام ولا يجوز عليه رقة القلب. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ لأن لا تقصروا في إقامة الحدود. ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وهذا يدل على أن إقامة حدود الله من الإيمان بخلاف ما تدعيه المرجئة من أن الإيمان قول بلا عمل. وقال ابن المسيب والحسن: معناه لا تخففوا الضرب ولكن أوجعوا، قالا: هو الجلد الشديد. وقيل: معناه انزعوا الثياب عنهما قبل الجلد، قاله حماد. وقال الزهري: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشارب. وقال قتادة: يخفف في الشارب والفرية، ويجتهد في الزاني فهذا حد الزاني، وليس في كتاب الله تعالى دلالة على كيفية الجلد، ولكن أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط سوط بين السوطين. وروي أن عمر رضي الله عنه أتي برجل وجب عليه حد فدعا بسوط فقال: إيتوني بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: إيتوني بأشد، فأوتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. والزنا من أعظم الكبائر والفواحش. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلغنا أنه يرسل يوم القيامة على الناس ريح منتنة حتى تؤذي كل بر وفاجر حتى إذا بلغت من الناس كل مبلغ، وكادت أن تمسك بأنفاس الناس ناداهم مناد يسمع صوته كلهم: أتدرون ما هذه الريح التي آذتكم؟ فيقولون: لا ندري غير أنها قد بلغت منا كل مبلغ، فقال: ألا إنها ريح فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم لم يتوبوا منه، ثم ينصرف بهم ولم يذكر جنة ولا ناراً. وهذه الآية ناسخةٌ للآيتين اللتين في سورة النساء، قوله تعالى ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] إلى ﴿رَّحِيماً﴾ [النساء: ١٦]. ورأى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن مسعود والمغيرة ابن شعبة: أن لا يجرد ثوب المضروب، وبه قال الشعبي والنخعي وطاوس وقتادة. وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضرب قاذفاً مجرداً. وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء نزع، وإن شاء ترك. وقال مالك: لا تجرد المرأة، ويترك عليها ما يسترها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يضرب الرجال قياماً، والنساء قعوداً، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: يضرب المرأة والرجل وهما قاعدان، ومنع ابن مسعود والحسن والثوري وابن حنبل من مد المضروب. وقال الشافعي: لا يمد ويترك له يد يتقي بها ولا يربط. وأمر عمر بضرب امرأة، فقال: اضرباها ولا تحرق جلدها. وقال الحسن: يضرب السكران ضرباً غير مبرح. وقال مالك: يضرب ضرباً لا يشق ولا يضع سوطاً فوق سوط. قال الشافعي: لا يبلغ أن ينهمر الدم في شيء من الحدود والعقوبات؛ لأنه من أسباب التلف، وليس يراد بالجلد التلف، إنما يراد به النكال والكفارة. وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، يعطى كل عضو من الضرب حقه. قال الشافعي: ويترك الجلاد في الوجه والفرج. وقال الشافعي: يجلد العليل المضني بأنكول النخل، ولم يرد ذلك مالك، ولا أرى أنه يبرئ الرجل من يمينه إذا حلف على ضربات وإن كان فيه قضبان كثيرة. وثبت عن النبي ﷺ: نفي البكر، والزاني بعد جلد مائة، وكذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. وروي ذلك عن ابن عمر، وأبيّ بن كعب، وبه قال عطاء، وطاووس، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن ابن عمر أنه رأى نفي المملوك البكر إذا زنى، وهو قول الشافعي، وأبي ثور. وقال الشافعي، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا نفي على المملوك. ونفى عمر إلى فدك. وقال الشعبي: ينفى الزاني عن عمله إلى عمل غير عمله. وقال ابن أبي ليلى: ينفى سنة إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه. وقال مالك: يغرب عاماً في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد وابن أبي نجيح: أقل الطائفة رجل، وكذلك قال النخعي. وقال الحسن، والشعبي: الطائفة رجل فما زاد. وقال عطاء، وعكرمة: أقل الطائفة هما رجلان. وقال الزهري: الطائفة ثلاثاً فصاعداً. وقال قتادة: هم نفر من المسلمين. وقال ابن زيد: الطائفة هنا أربعة، وكذا قال: مالك، والليث. وإنما جعلت الطائفة أربعة ليشهدوا أنه محدود على الزنا متى قذفه أحد بالزنا، فسقط حد القذف عن القاذف بتلك الشهادة، والزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة، ومنع الزجاج أن تكون الطائفة واحداً، لأن معناها معنى الجماعة، ولا تكون الجماعة لأقل من اثنين، واختار الطبري قول من رأى أن أقل الطائفة رجل واحد. قال: واستحب أن لا يقصر على أربعة عدد، من تقبل شهادته على ذلك لأنه إجماع. وأجاز جماعة من أهل اللغة أن يقال للواحد طائفة، وللجماعة طائفة، لأن معنى طائفة: قطعة، يقول: أكلت طائفة من الشاة، أي قطعة منها. واستدل من قال: إن الطائفة تقع على الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولم يختلف أن الواحد إذا نفر من جماعة لطلب العلم والتفهم في الدين: أنه يجزئ: فهو طائفة.

النور 24:3

قوله تعالى ذكره: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. سورة مرفوعة على إضمار مبتدأ، أي هذه سورة، وأنزلناها نعت للسورة، وقبح رفعها على الابتداء لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرات إذ لا فائدة فيها، وقد أجازه أبو عبيدة. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على معنى: اتل سورة، أو على معنى: أنزلنا سورة أنزلناها. ومن شدد ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ جعله بمعنى: فضلناها، فجعلنا فيها فرائض مختلفة. وقيل: معنى التشديد أنه فرضها على من أنزلت عليهم، وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة، فشدد ليدل على معنى التكثير من المأمورين. ومن خفف جعله على معنى: أوجبنا ما فيها من الأحكام فجعلناه فرضاً عليكم. وقوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، يدل على اختيار التخفيف، لأنه فيه معنى تكثير المأمورين، لأنه فرض علينا وعلى من بعدنا ومن قبلنا، وفيه فرائض مختلفة أيضاً، وقد أجمع على تخفيفه. قال ابن عباس ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ بيناها. وقيل ﴿فَرَضْنَاهَا﴾ فرضنا العمل بما فيها، وهذا يدل على التخفيف. وقول ابن عباس يدل على التشديد. * * وقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي دلالات وحجج على الحق، واضحات لمن تأملها وآمن بها. قال ابن جريج: آياتٍ بينات: يعني الحلال، والحرام، والحدود. ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي تذكرون بهذه الآيات التي أنزل عليكم. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾. كل القراء على الرفع إلا عيسى بن عمر فإنه قرأ بالنصب، وهو اختيار الخليل وسيبويه لأن الأمر بالفعل أولى، وسائر النحويين على خلافهما في هذا الاختيار، واستدل المبرد على خلافهما، بإجماع الجميع على الرفع في قوله: ﴿وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: ١٦] وإنما اختار النحويون الرفع لأنه مبهم لا يقصد به شخص بعينه (زنى)، وتقدير الرفع عند سيبويه والخليل" وفيما يتلى عليكم الزانية والزاني، ويحسن الرفع بالابتداء وما بعده خبره، والمعنى من زنى من الرجال والنساء، وهو حر بكر غير محصن فاجلدوه ضرباً مائة جلدة. ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ أي رقة، ورحمة عند الجلد في دين الله، أي في طاعة الله فيما أمركم به من إقامة الحدود، فكل من أقام الحد. فهو ممن لا تأخذه رأفة في حدود الله. والرأفة من الآدميين، رقة القلب، وهي من الله تعالى رحمة وإنعام ولا يجوز عليه رقة القلب. * * وقوله: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ لأن لا تقصروا في إقامة الحدود. ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وهذا يدل على أن إقامة حدود الله من الإيمان بخلاف ما تدعيه المرجئة من أن الإيمان قول بلا عمل. وقال ابن المسيب والحسن: معناه لا تخففوا الضرب ولكن أوجعوا، قالا: هو الجلد الشديد. وقيل: معناه انزعوا الثياب عنهما قبل الجلد، قاله حماد. وقال الزهري: يجتهد في حد الزاني والفرية، ويخفف في حد الشارب. وقال قتادة: يخفف في الشارب والفرية، ويجتهد في الزاني فهذا حد الزاني، وليس في كتاب الله تعالى دلالة على كيفية الجلد، ولكن أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط سوط بين السوطين. وروي أن عمر رضي الله عنه أتي برجل وجب عليه حد فدعا بسوط فقال: إيتوني بألين منه، فأتي بألين منه، فقال: إيتوني بأشد، فأوتي بسوط بين السوطين، فقال: اضرب ولا ترين إبطك، وأعط كل عضو حقه. والزنا من أعظم الكبائر والفواحش. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: بلغنا أنه يرسل يوم القيامة على الناس ريح منتنة حتى تؤذي كل بر وفاجر حتى إذا بلغت من الناس كل مبلغ، وكادت أن تمسك بأنفاس الناس ناداهم مناد يسمع صوته كلهم: أتدرون ما هذه الريح التي آذتكم؟ فيقولون: لا ندري غير أنها قد بلغت منا كل مبلغ، فقال: ألا إنها ريح فروج الزناة الذين لقوا الله بزناهم لم يتوبوا منه، ثم ينصرف بهم ولم يذكر جنة ولا ناراً. وهذه الآية ناسخةٌ للآيتين اللتين في سورة النساء، قوله تعالى ﴿وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] إلى ﴿رَّحِيماً﴾ [النساء: ١٦]. ورأى عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأبو عبيدة بن الجراح، وابن مسعود والمغيرة ابن شعبة: أن لا يجرد ثوب المضروب، وبه قال الشعبي والنخعي وطاوس وقتادة. وعن عمر بن عبد العزيز أنه ضرب قاذفاً مجرداً. وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء نزع، وإن شاء ترك. وقال مالك: لا تجرد المرأة، ويترك عليها ما يسترها. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يضرب الرجال قياماً، والنساء قعوداً، وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: يضرب المرأة والرجل وهما قاعدان، ومنع ابن مسعود والحسن والثوري وابن حنبل من مد المضروب. وقال الشافعي: لا يمد ويترك له يد يتقي بها ولا يربط. وأمر عمر بضرب امرأة، فقال: اضرباها ولا تحرق جلدها. وقال الحسن: يضرب السكران ضرباً غير مبرح. وقال مالك: يضرب ضرباً لا يشق ولا يضع سوطاً فوق سوط. قال الشافعي: لا يبلغ أن ينهمر الدم في شيء من الحدود والعقوبات؛ لأنه من أسباب التلف، وليس يراد بالجلد التلف، إنما يراد به النكال والكفارة. وقال عمر، وعلي، وابن مسعود، يعطى كل عضو من الضرب حقه. قال الشافعي: ويترك الجلاد في الوجه والفرج. وقال الشافعي: يجلد العليل المضني بأنكول النخل، ولم يرد ذلك مالك، ولا أرى أنه يبرئ الرجل من يمينه إذا حلف على ضربات وإن كان فيه قضبان كثيرة. وثبت عن النبي ﷺ: نفي البكر، والزاني بعد جلد مائة، وكذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. وروي ذلك عن ابن عمر، وأبيّ بن كعب، وبه قال عطاء، وطاووس، ومالك، والثوري، وابن أبي ليلى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروي عن ابن عمر أنه رأى نفي المملوك البكر إذا زنى، وهو قول الشافعي، وأبي ثور. وقال الشافعي، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، وأحمد، وإسحاق: لا نفي على المملوك. ونفى عمر إلى فدك. وقال الشعبي: ينفى الزاني عن عمله إلى عمل غير عمله. وقال ابن أبي ليلى: ينفى سنة إلى بلد غير البلد الذي فجر فيه. وقال مالك: يغرب عاماً في بلد يحبس فيه لئلا يرجع إلى البلد الذي نفي منه. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد وابن أبي نجيح: أقل الطائفة رجل، وكذلك قال النخعي. وقال الحسن، والشعبي: الطائفة رجل فما زاد. وقال عطاء، وعكرمة: أقل الطائفة هما رجلان. وقال الزهري: الطائفة ثلاثاً فصاعداً. وقال قتادة: هم نفر من المسلمين. وقال ابن زيد: الطائفة هنا أربعة، وكذا قال: مالك، والليث. وإنما جعلت الطائفة أربعة ليشهدوا أنه محدود على الزنا متى قذفه أحد بالزنا، فسقط حد القذف عن القاذف بتلك الشهادة، والزنا لا يقبل فيه أقل من أربعة، ومنع الزجاج أن تكون الطائفة واحداً، لأن معناها معنى الجماعة، ولا تكون الجماعة لأقل من اثنين، واختار الطبري قول من رأى أن أقل الطائفة رجل واحد. قال: واستحب أن لا يقصر على أربعة عدد، من تقبل شهادته على ذلك لأنه إجماع. وأجاز جماعة من أهل اللغة أن يقال للواحد طائفة، وللجماعة طائفة، لأن معنى طائفة: قطعة، يقول: أكلت طائفة من الشاة، أي قطعة منها. واستدل من قال: إن الطائفة تقع على الواحد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣] ولم يختلف أن الواحد إذا نفر من جماعة لطلب العلم والتفهم في الدين: أنه يجزئ: فهو طائفة.

النور 24:4

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:5

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:6

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:7

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:8

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:9

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:10

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:11

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. أي والذين يشتمون العفائف من الحرائر المسلمات فيرمونهن بالزنا ثم لم يأتوا على ما رموهن به من ذلك بأربعة شهداء عدول يشهدون عليهن بالزنا، ﴿فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ﴾، أي الخارجون عن أمر الله وطاعته، ومعنى أبداً مدة حياتهم، ووقع اللفظ على رمي النساء، ورمي الرجال مثل ذلك، كما وقع الحكم على رمي الرجال في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ﴾، والنساء كذلك يحددن إن قذفن. وقيل إن المعنى: والذين يرمون الأنفس المحصنات فهو للرجال والنساء. وهذه الآية نزلت في الذين رموا عائشة رضي الله عنها بما رموها به من الإفك، قاله ابن جبير. وقال الضحاك: هي في نساء المسلمين. وقال ابن زيد: الفاسقون: الكاذبون. ومعنى الإحصان هنا العفة. * * ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أي إلا من تاب من بعد قذفه، وأخذ الحد منه وهو استثناء من قوله: ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾، فإذا تاب قبلت شهادته وهو مذهب أكثر الفقهاء منهم: الشعبي، والزهري، وأبو الزناد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد وهو قول عمر بن الخطاب، وابن أبي طلحة عن ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عتبة، وابن المسيب. وقال شريح: لا تجوز شهادته وإن تاب، يجعل الاستثناء من الفاسقين لأنه قد منع قبول شهادته بالأبد، فلا تقبل أبداً. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: لا تجوز شهادة محدود في الإسلام، وبهذا القول يقول ابن عباس في رواية عطاء عنه، وبه قال سعيد بن جبير، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي. فيكون أبداً وقف على قول من قال: لا تقبل شهادته ولا يوقف عليه، وعلى قول من قال: تقبل إذا تاب. واحتج الشافعي على من منع قبول شهادته إذا تاب بأنهم يقبلونها إذا تاب قبل أن يحد، فينبغي إذا حد أن يكون قبولها أولى، لأن الحدود كفارات للذنوب، وهم كلهم يقبلون شهادة المحدود في الزنا، وشرب الخمر، والمسكر إذا تاب، وكذلك الزنديق، والمشرك. وقد قال تعالى: ﴿إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾، فهو راجع إلى كل من تقدم ذكره، إلا أن يأتي خبر يدل على الخصوص. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾. ارتفعت الشهادة بالابتداء، أي فعليه أن يشهد أربع شهادات بالله، وكسرت إن في "إنه لمن"، و "إنها لمن" لأنها جواب القسم. وقوله: "أربع" من نصبه أعمل فيه فشهادة أحدهم، لأن التقدير: فإن شهد أحدهما أربع شهادات بالله فهو مصدر ولا يحسن أن يكون مفعولاً به، لأنّ شهد لا يتعدى إلا أن يكون من الحضور نحو: شهدت العيد أي حضرته، ومعنى الآية والذين يرمون نساءهم بالزنا، وليس لهم من يشهد بصحة قولهم فالذي يقوم مقام الشهداء في دفع الحد عنه أن يحلف بالله أربعة أيمان أنه صادق في قوله فيها، يقول: أشهد بالله إني لصادق أربع مرات. وقيل بل يقول: بالله الذي لا إله إلا هو أربع مرات أنه رأى رجلاً جامع امرأته، ويقول في الخامسة: اللهم العنيّ إن كنت كذبت عليها، وقيل: بل يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن كان كاذباً عليها ومن نصب الخامسة عطفها على أربع شهادات، وتقديره: ويشهد الشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان كاذباً فيما رماها به من الزنا، والذي يزيل عنها حد الزنا أن تحلف أيضاً بعد يمينه أربع شهادات أنه لكاذب عليها، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كان صادقاً في قوله. وهذه الآية نزلت في هلال بن أمية رجل من الأنصار وغيره رأوا زنا نسائهم وتيقنوه فأتوا النبي عليه السلام فأخبروه، فشق ذلك على النبي وهمَّ بحدهم على القذف، فأنزل الله ما يقوم مقام الحد لمن لم يكن عنده شهداء، فدعا رسول الله بامرأة هلال، فتلاعنا بين يديه ففرق رسول الله بينهما، وقضى بالولد لأمه ولا يدعى لأب. قال ابن عباس: ولا يجتمعان أبداً فمن لم يحلف منهما أقيم عليه الحد. * * وقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ﴾، يعني الحد أي يدفع عنها حد الزانية شهادتها بالله أربع شهادات أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقيل: العذاب هنا: الرجم، ومعناه العذاب الذي عهدتم من فعل نبيكم، ولذلك أتى بالألف واللام. وقيل: هو الجلد إن كانت غير محصنة، والرجم إن كانت محصنة، ولو امتنعت هي أو هو من الخامسة لوجب الحد، ولا يجب عليها الحد إلا إذا امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج أو من الخامسة، لأن التعان الزوج قد جعله الله يقوم مقام أربعة شهداء، فكما يلزمها الحد لو أتى بأربعة شهداء، كذلك يلزمها إن التعن. فإن التعنت هي دفع ذلك عنها الحد، ولا يكون لعان إلا أن يقول: رأيت بعيني أو ينكر الحمل، ويدعي الاستبراء قبله، أو ينكر ولداً فإن أنكر الحمل فولدت لأقل من ستة أشهر فلا لعان بينهما وعليها الحد، فإذا تلاعنا فرق بينهما، ولم يلحقه الولد ولا يتزوجها أبداً. فإن اعترف بعد ذلك بالولد لحق به وحُدَّ حَدّ الفرية. وإذا امتنعت من الالتعان أو من الخامسة فحُدَّت بالرجم ورثها زوجها وإن كان لم يدخل بها فحدت بالجلد بقيا على نكاحهما، وإنما يسقط الميراث، ويقع الفراق بإكمالها للالتعان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾، جواب لولا محذوف أي: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم، لأن الله تواب يتوب على من تاب إليه من الزنا ومن غيره، حكيم في تدبيره. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بالكذب والبهتان جماعة منكم. ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾، أي لا تحسبوا ما جاءوا به من الكذب عليكم شراً لكم عند الله وعند الناس، بل هو خير لكم عند الله وعند المؤمنين، لأن الله يجعل ذلك كفارة لمن كذب عليه، وتطهيراً له، ويجعل له منه مخرجاً. ويروى أن الذي عني بالذين جاءوا بالإفك حسان بن ثابت، ومسطح ابن أثاثة، وحمنة بنت جحش. قال عبد الله بن عباس: عبدالله بن أبي بن سلول المنافق وهو الذي تولى كبره. والخطاب في هذه الآيات كلها لعائشة رضي الله عنها وأهلها. وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ﴾، يعني لكل واحد من الذين جاءوا بالإفك جزاء ما جاء به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، يعني والذي يحمل معظم الإثم، والإفك منهم وهو الذي بدأ بالخوض في ذلك. روي أنه حسان بن ثابت، وكان قد ذهب بصره في كبره. وقالت عائشة رضي الله عنها: لعل الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره في الدنيا، رحمة ورقة عليه رضي الله عنها. وقيل: هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، قاله ابن عباس وابن زيد، ومجاهد، وهو ابتدأ الكلام في ذلك. وحديث الإفك طويل مشهور في أكثر الكتب فتركته لطوله واشتهاره.

النور 24:12

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:13

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:14

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:15

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:16

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:17

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:18

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:19

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:20

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:21

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:22

قوله تعالى ذكره: ﴿لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ هذه الآية عتاب "من الله تعالى لأهل الإيمان فيما وقع في أنفسهم من أمر عائشة، فالمعنى: هلا إذ سمعتم أيها المؤمنون ما قال أهل الإفك في عائشة، ظننتم خيراً بمن قذف، ولا تظنوا الفاحشة. قال ابن زيد معناه: هلا ظن المؤمن أن المؤمن لم يكن يفجر بأمه. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾، أي وقال المؤمنون: هذا الذي جاء به هؤلاء كذب ظاهر. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾، أي هلا جاء هؤلاء المبطلون القائلون في عائشة الكذب بأربعة شهداء على تصحيح قولهم فيها، فإذ لم يأتوا بالشهداء على ما رموها به فأولئك عند الله هم الكاذبون فيما جاءوا به من الإفك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾، يعني الخائضين في الإفك. ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، أي لعجل عليكم بالعقوبة، ولكن تفضل عليكم بتأخيرها، ورحمكم فقبل توبتكم من ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾، أي لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم حين تتلقونه بألسنتكم، أي تتلقون الإفك: أي يأخذه بعضكم عن بعض، ويقبله منه. روي أن الرجل منهم كان يلقى الرجل فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ لتشيع بذلك عليها الفاحشة. قال مجاهد: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ يرويه بعضكم عن بعض. وقرأت عائشة رضي الله عنها: "إذ تلقونه" بكسر اللام وضم القاف مخففاً. يقال: ولق، يلق إذا أسرع في الكذب واشتقاقه من الولق، وهو الخفة والسرعة. * * وقوله: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي تقولون من الخبر الذي تروونه ولا تعلمون حقيقته ولا صحته. وقال ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾، أي وتحسبون أن قول ذلك وروايتكم الكذب والبهتان هيناً أي سهلاً، لا إثم فيه عليكم، وهو عند الله عظيم؛ لأنكم تؤذون به النبي ﷺ وحليلته. ولا يوقف على ذلك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنه عامل في "إذا"، والوقف على ﴿وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾، أي هلا إذ سمعتم الإفك أيها الخائضون فيه قلتم: ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك أي تنزيهاً لك وبراءة لك من السوء، هذا القول بهتان عظيم. * * ثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً﴾، أي يذكركم الله، وينهاكم بأي كتابه لئلا تعودوا لمثله، أي لمثل فعلكم في تلقيكم الإفك، وقبولكم له، وخوضكم فيه ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي إن كنتم تتعظون بعظات الله وتأتمرون لأمره. * * ثم قال: ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ﴾ أي يبين ما تهلكون بوقوعكم فيه لتجتنبوه. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي عليم بخلقه ومصالحهم، حكيم في تدبيره. * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي إن الذين يحبون أن يذيع الزنا في الذين صدقوا الله ورسوله لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار إن مات مصراً على ذلك غير تائب منه. قال ابن زيد: عني به الخبيث عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، هو أشاع على عائشة ما أشاع من الفرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، أي والله يعلم كذب الذين جاءوا بالإفك وأنتم أيها الناس لا تعلمون ذلك لأنكم لا تعلمون الغيب. وقيل: المعنى والله يعلم مقدار عظم هذا الذنب، والمجازاة عليه، وأنتم لا تعلمون ذلك. * * ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، أي ولولا أن الله تفضل عليكم أيها الناس ورحمكم لهلكتم فيما أفضتم فيه، ولكن الله ذو رأفة، ورحمة بخلقه فلم يعاجلكم بالعقوبة. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي لا تسلكوا سبيل الشيطان وطرقه فتشيعوا الفاحشة في من لم يأتها. ﴿وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ﴾، أي من يسلك طرقه وسبله. ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ﴾، أي بالزنا والمنكر من القول. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾، أي يطهر من يشاء من خلقه. قال ابن عباس: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ أي ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير ينفع به نفسه، ولم يتق شيئاً من الشر يدفعه عن نفسه. وقال ابن زيد: "ما زكى" ما أسلم، قال: وكل شيء في القرآن زكى وتزكى فهو الإسلام. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي سميع لما تقولون بألسنتكم وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من سائر الأمور. وقال الكسائي: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ﴾، جواب لولا الأولى والثانية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾، أي: ولا يحلف بالله ذو الفضل والجدة أن لا يؤتوا أولي القربى. ويأتل: يفتعل من الآلية، وقرأ أبو جعفر، وزيد بن أسلم: يتأل على يفتعل من الآلية أيضاً، عني بذلك أبا بكر رضي الله عنه حلف ألا ينفق على مسطح وهو ابن خالته، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان قد خاض في أمر الإفك مع من خاض فيه. * * ثم قال: ﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ﴾، أي لِيَعْفُ أبو بكر عما فعل مسطح من الإشاعة في أمر عائشة، وليترك عقوبته على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾، أي ألا يحب أبو بكر أن يستر الله عليه ذنوبه ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: قال أبو بكر لما نزلت هذه الآية: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه. وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس: معناها لا تقسموا ألا تنفعوا أبداً. وعن ابن عباس أن ناساً رموا عائشة بالقبيح، فأقسم ناس من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر ألا يتصدقوا عليهم ولا يصلوهم، فنزلت الآية في ذلك فرجعوا إلى الصلة والصدقة هذا معنى قوله. وكذلك قال الضحاك: كان أبو بكر وغيره من المسلمين ينفقون كالأول فلذلك أتى الخطاب بلفظ الجماعة. وقد قيل: إن معنى ﴿وَلاَ يَأْتَلِ﴾، لا يقصر، من قولهم ما ألوت في كذا أي ما قصرت، فيكون التقدير: ولا يقصر أولو الفضل عن أن يؤتوا أولي القربى، وعلى القول الأول: ولا يحلف بالله أولوا الفضل كراهة أن يؤتوا، ولئلا يؤتوا.

النور 24:23

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة. وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي ﷺ كلهن خاصة. وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤]، إلى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي ﷺ فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. وقد روى الخدري أن النبي ﷺ قال:إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية. قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله ﷺ طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله ﷺ. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة. وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهم جميع الأيامى. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان هذا قول ابن جبير. وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك. وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ * * ثم قال: ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ * * ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.

النور 24:24

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة. وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي ﷺ كلهن خاصة. وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤]، إلى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي ﷺ فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. وقد روى الخدري أن النبي ﷺ قال:إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية. قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله ﷺ طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله ﷺ. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة. وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهم جميع الأيامى. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان هذا قول ابن جبير. وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك. وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ * * ثم قال: ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ * * ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.

النور 24:25

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة. وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي ﷺ كلهن خاصة. وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤]، إلى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي ﷺ فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. وقد روى الخدري أن النبي ﷺ قال:إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية. قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله ﷺ طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله ﷺ. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة. وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهم جميع الأيامى. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان هذا قول ابن جبير. وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك. وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ * * ثم قال: ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ * * ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.

النور 24:26

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة. وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي ﷺ كلهن خاصة. وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤]، إلى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي ﷺ فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. وقد روى الخدري أن النبي ﷺ قال:إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية. قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله ﷺ طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله ﷺ. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة. وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهم جميع الأيامى. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان هذا قول ابن جبير. وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك. وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ * * ثم قال: ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ * * ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.

النور 24:27

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي إن الذين يرمون بالفاحشة المحصنات، أي العفيفات الغافلات عن الفواحش، المؤمنات بالله ورسوله لعنوا في الدنيا والآخرة، أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابن جبير: هذا في عائشة خاصة لأن الزنا أشد من قذف المحصنة وقد جعل الله في الزنا التوبة. وقال الضحاك: ذلك لأزواج النبي ﷺ كلهن خاصة. وقال ابن زيد: هو في عائشة، ولمن صنع ذلك اليوم في المسلمات فله مثل ذلك. وقال ابن عباس: هي في أزواج النبي ﷺ رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ [النور: ٤]، إلى ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٥] فأنزل الله عز وجل الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد. فقول ابن عباس، والضحاك يوجب أن من قذف أزواج النبي ﷺ فهو ملعون في الدنيا والآخرة، ومن قذف غيرهن فهو فاسق. واختار النحاس أن يكون عاماً للمذكر والمؤنث والتقدير: والذين يرمون الأنفس المحصنات، فيدخل فيه المذكر والمؤنث، وإنما غلب المؤنث هنا لأنه إذا قذف امرأة فقد قذف معها رجلاً فاستغنى بذكر المرأة عن الرجل. * * ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي ولهم عذاب عظيم في يوم تشهد عليهم جوارحهم بعملهم، يعني: يوم القيامة، وألسنتهم تشهد عليهم بعد الختم على أفواههم. وقيل: إن ألسنة بعضهم تشهد على بعض. وقد روى الخدري أن النبي ﷺ قال:إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقول الله عز وجل: أتحلفون؟ فيحلفون ثم يصمتهم الله وتشهد ألسنتهم، ثم يدخلهم النار ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾، أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بالحق يوفيهم الله في جزاءهم الحق على أعمالهم، والدين: الجزاء والحساب. * * ثم قال: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ﴾، أي ويعلمون يومئذ أن الله هو الحق، أي هو الذي يبين لهم حقائق ما كان يعدهم في الدنيا من العذاب، فمجازاة الكافر والمسيء بالحق والعدل، ومجازاة المحسن بالفضل والإحسان. ثم قال تعالى ذكره: ﴿ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾، الآية. قال ابن جبير، وعطاء، ومجاهد: معناها الكلمات الخبيثات للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من القول والطيبات من الكلام للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول. وتقديره: الكلمات الخبيثات لا يقولهن إلا الخبيث من الناس، والكلمات الطيبات لا يقولهن إلا الطيب من الناس، ودل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي عائشة وصفوان بن المعطل مبرءون مما يقول الخبيثون والخبيثات، وجمع وهما اثنان كما قال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ يريد أخوين فأكثر وقيل: معناه الخبيثات من الكلام إنما يلصق بالخبيثين والخبيثات من الناس، لا بالطيبين والطيبات. وقيل: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، قاله ابن زيد، قال: كان عبد الله بن أبيّ خبيثاً فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة ويكون لها، وكان رسول الله ﷺ طيباً وكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة طيبة، فكانت أولى بأن يكون لها الطيب، ولذلك سميت عائشة بالطيبة. وقيل: سميت بالطيبة لأن الله طيبها لرسول الله ﷺ. روي أن جبريل عليه السلام أتاه بها في سرقة من حرير قبل أن تصور في رحم أمها فقال له، هذه عائشة: ابنة أبي بكر زوجتكها في الدنيا، وزوجتكها في الجنة. وقيل: إن هذه الآية مبنية على صدر السورة في قوله: ﴿ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]، فبين في هذا أن الخبيثات وهن الزواني للخبيثين من الرجال، وهم الزناة، والخبيثون من الرجال وهم الزناة للخبيثات من النساء وهن الزواني وكذلك الطيبات المؤمنات العفائف للطيبين المؤمنين الأعفاء، فهذا مثل ما في أول السورة، ثم نسخ ذلك كله بما نسخ به ما في أول السورة، وقد مضى ذكره على الاختلاف المتقدم الذكر، وهذا كله هو يرجع إلى قول ابن زيد المذكور، فالمعنى على هذا نكاح الزواني للزناة، ونكاح الزناة للزواني، ونكاح العفائف للأعفاء، ونكاح الأعفاء للعفائف، ثم نسخ ذلك بقوله جل ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فهم جميع الأيامى. * * ثم قال: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي لعائشة، وصفوان ستر من الله على ذنوبهما ولهم الجنة كذلك. قال قتادة: ثم قال تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾، الآية، يعني به البيوت التي لها أرباب، أمر المؤمنين ألا يدخلوها حتى يستأذنوا، ويسلموا على أربابها، ثم أعلمهم أن ليس عليهم جناح أن يدخلوا البيوت التي ليس لها أرباب ولا سكان بغير استئذان هذا قول ابن جبير. وروي عن ابن عباس، وعكرمة أن الآية فيها تقديم وتأخير يعني: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ثم استثنى البيوت التي على طرق الناس، والتي ينزلها المسافرون فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾ [النور: ٢٩]، ومعنى متاع لكم أي منفعة لكم، ومنعة من الحر والبرد وغير ذلك. وعن ابن جبير أنه قال: أخطأ الكاتب إنما هو حتى تستأذنوا، وهذا القول منكر عند أهل العلم، لأن الله قد حفظ كتابه من الخطأ. ومعنى: حتى تستأنسوا: تستأذنوا، قاله عكرمة. وقال مجاهد: هو التنحنح والتنخم. وقال أهل اللغة: معنى تستأنسوا: تستعلموا، من قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً﴾ [النساء: ٦] أي إن علمتم. فالمعنى حتى تستعلموا أيؤذن لكم أم لا؟ * * ثم قال: ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي الاستعلام، والسلام على أهل البيت خير لكم لأنكم لا تدرون لو دخلتموه بغير استئذان على ما تهجمون أعلى ما يسؤكم أم على ما يسركم؟ * * ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي لتذكروا بفعلكم ذلك أمر الله لكم فتطيعوه.

النور 24:28

قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحداً يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها، لأن دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها ﴿هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾، أي الرجوع أزكى لكم: أي أطهر لكم عند الله. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أي بما تعملون من رجوعكم إذا قيل لكم ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به. * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي ليس عليكم إثم أن تدخلوا بيوتاً لا يسكنها أحد بغير استئذان. قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: الفنادق. وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار. وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة. * * وقوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي منفعة للمسافرين في الشتاء والصيف يأوي إليها. وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة. وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، يعني الخلاء، والبول، والاستتار فيها. وقال ابن زيد: هي بيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في القياسير. وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتاً لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن يكون قد علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم كالإذن. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، أي ما تظهرون من الاستئذان على أهل البيوت المسكونة ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، أي ما تضمرون في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ أطاعة الله تريدون أو غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل لهم والنظر إليه ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها. أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم. وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين. ولما كان استعمال الفرج فيما لا يحل منهياً عنه، لم تدخل "من" فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فدخلت "من" للتبعيض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عوداً ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر لهم عند الله، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، أي ذو خبر بما يصنعون مما أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج. قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها. * * ثم قال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، يعني التستر. قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم. قال ابن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: "يغضوا من أبصارهم"، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على الكف عنها، لأنها فجأة. قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصاً أن يدخلوا الحمام بغير مئزر. وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. وسأل جرير بن عبد الله النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركاً لما أمره الله به، ناظراً اختياراً وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: إن لك كنزاً في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة وروي عن أم سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت:استأذن ابن أم مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا: احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفَعَمْيَاوَانِ أنتما قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميراً بين مرفوع ومخفوض، كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في ﴿يَغْضُضْنَ﴾ وآخرها الضمير المخفوض في قوله تعالى: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ ولا أعلم لهذه الآية نظيراً في القرآن في كثرة ضمائرها فاعلمه. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، أي ولا يظهرن لمن ليس بذي محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، والقُرْطِ، والقلادة. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن. وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم. وقال ابن جبير: هو الوجه والكف. وقال عطاء: الكفان والوجه. وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم. وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القُلْبُ والفَتْحَة، يعني السوار والخاتم. وقيل: الفتحة حَلَقٌ من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن. وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك. وقد روي عن النبي ﷺ: أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قرب النصف، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا كان لها ذلك مباحاً في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز لها إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما استثناه الله جل ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، وما بعد ذلك من القرابة، يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال والدملج والقرط، وما أمرت أن تغطيه بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما فوق ذلك . وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس. قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها. وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان. وقيل: معنى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي ليغط شعرها وصدرها وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، ومن بعدهم أي لا يضعن جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء المذكورين. * * وقوله: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ﴾ يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات منهن. قاله ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن تكون لها، فذلك قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنهما "أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات، معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه"، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلاً، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني المماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلتا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكاً فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. وقيل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، إنما هو للإماء خاصة. قال ذلك ابن المسيب. وقيل: للصغار خاصة. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال. قال قتادة: "هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك". وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلتْ، أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبي ﷺ لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم فحجبوه وقال عكرمة: "غير أولي الإربة"، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد العنين. وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنتى، والمعتوه، والطفل، والعنّين. والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيراً نصبه على الحال. وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتاً للتابعين. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ﴾، أي الذين لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها. قال مجاهد: الذين لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك. قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال الخلخال فيظهر صوته. * * ثم قال: ﴿وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم. روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:الندم على الدنيا توبة وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: لله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه

النور 24:29

قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحداً يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها، لأن دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها ﴿هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾، أي الرجوع أزكى لكم: أي أطهر لكم عند الله. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أي بما تعملون من رجوعكم إذا قيل لكم ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به. * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي ليس عليكم إثم أن تدخلوا بيوتاً لا يسكنها أحد بغير استئذان. قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: الفنادق. وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار. وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة. * * وقوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي منفعة للمسافرين في الشتاء والصيف يأوي إليها. وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة. وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، يعني الخلاء، والبول، والاستتار فيها. وقال ابن زيد: هي بيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في القياسير. وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتاً لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن يكون قد علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم كالإذن. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، أي ما تظهرون من الاستئذان على أهل البيوت المسكونة ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، أي ما تضمرون في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ أطاعة الله تريدون أو غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل لهم والنظر إليه ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها. أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم. وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين. ولما كان استعمال الفرج فيما لا يحل منهياً عنه، لم تدخل "من" فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فدخلت "من" للتبعيض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عوداً ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر لهم عند الله، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، أي ذو خبر بما يصنعون مما أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج. قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها. * * ثم قال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، يعني التستر. قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم. قال ابن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: "يغضوا من أبصارهم"، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على الكف عنها، لأنها فجأة. قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصاً أن يدخلوا الحمام بغير مئزر. وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. وسأل جرير بن عبد الله النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركاً لما أمره الله به، ناظراً اختياراً وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: إن لك كنزاً في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة وروي عن أم سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت:استأذن ابن أم مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا: احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفَعَمْيَاوَانِ أنتما قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميراً بين مرفوع ومخفوض، كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في ﴿يَغْضُضْنَ﴾ وآخرها الضمير المخفوض في قوله تعالى: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ ولا أعلم لهذه الآية نظيراً في القرآن في كثرة ضمائرها فاعلمه. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، أي ولا يظهرن لمن ليس بذي محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، والقُرْطِ، والقلادة. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن. وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم. وقال ابن جبير: هو الوجه والكف. وقال عطاء: الكفان والوجه. وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم. وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القُلْبُ والفَتْحَة، يعني السوار والخاتم. وقيل: الفتحة حَلَقٌ من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن. وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك. وقد روي عن النبي ﷺ: أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قرب النصف، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا كان لها ذلك مباحاً في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز لها إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما استثناه الله جل ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، وما بعد ذلك من القرابة، يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال والدملج والقرط، وما أمرت أن تغطيه بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما فوق ذلك . وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس. قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها. وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان. وقيل: معنى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي ليغط شعرها وصدرها وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، ومن بعدهم أي لا يضعن جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء المذكورين. * * وقوله: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ﴾ يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات منهن. قاله ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن تكون لها، فذلك قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنهما "أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات، معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه"، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلاً، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني المماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلتا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكاً فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. وقيل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، إنما هو للإماء خاصة. قال ذلك ابن المسيب. وقيل: للصغار خاصة. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال. قال قتادة: "هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك". وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلتْ، أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبي ﷺ لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم فحجبوه وقال عكرمة: "غير أولي الإربة"، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد العنين. وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنتى، والمعتوه، والطفل، والعنّين. والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيراً نصبه على الحال. وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتاً للتابعين. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ﴾، أي الذين لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها. قال مجاهد: الذين لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك. قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال الخلخال فيظهر صوته. * * ثم قال: ﴿وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم. روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:الندم على الدنيا توبة وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: لله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه

النور 24:30

قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحداً يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها، لأن دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها ﴿هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾، أي الرجوع أزكى لكم: أي أطهر لكم عند الله. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أي بما تعملون من رجوعكم إذا قيل لكم ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به. * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي ليس عليكم إثم أن تدخلوا بيوتاً لا يسكنها أحد بغير استئذان. قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: الفنادق. وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار. وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة. * * وقوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي منفعة للمسافرين في الشتاء والصيف يأوي إليها. وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة. وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، يعني الخلاء، والبول، والاستتار فيها. وقال ابن زيد: هي بيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في القياسير. وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتاً لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن يكون قد علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم كالإذن. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، أي ما تظهرون من الاستئذان على أهل البيوت المسكونة ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، أي ما تضمرون في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ أطاعة الله تريدون أو غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل لهم والنظر إليه ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها. أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم. وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين. ولما كان استعمال الفرج فيما لا يحل منهياً عنه، لم تدخل "من" فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فدخلت "من" للتبعيض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عوداً ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر لهم عند الله، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، أي ذو خبر بما يصنعون مما أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج. قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها. * * ثم قال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، يعني التستر. قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم. قال ابن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: "يغضوا من أبصارهم"، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على الكف عنها، لأنها فجأة. قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصاً أن يدخلوا الحمام بغير مئزر. وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. وسأل جرير بن عبد الله النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركاً لما أمره الله به، ناظراً اختياراً وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: إن لك كنزاً في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة وروي عن أم سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت:استأذن ابن أم مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا: احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفَعَمْيَاوَانِ أنتما قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميراً بين مرفوع ومخفوض، كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في ﴿يَغْضُضْنَ﴾ وآخرها الضمير المخفوض في قوله تعالى: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ ولا أعلم لهذه الآية نظيراً في القرآن في كثرة ضمائرها فاعلمه. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، أي ولا يظهرن لمن ليس بذي محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، والقُرْطِ، والقلادة. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن. وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم. وقال ابن جبير: هو الوجه والكف. وقال عطاء: الكفان والوجه. وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم. وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القُلْبُ والفَتْحَة، يعني السوار والخاتم. وقيل: الفتحة حَلَقٌ من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن. وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك. وقد روي عن النبي ﷺ: أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قرب النصف، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا كان لها ذلك مباحاً في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز لها إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما استثناه الله جل ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، وما بعد ذلك من القرابة، يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال والدملج والقرط، وما أمرت أن تغطيه بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما فوق ذلك . وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس. قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها. وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان. وقيل: معنى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي ليغط شعرها وصدرها وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، ومن بعدهم أي لا يضعن جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء المذكورين. * * وقوله: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ﴾ يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات منهن. قاله ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن تكون لها، فذلك قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنهما "أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات، معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه"، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلاً، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني المماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلتا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكاً فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. وقيل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، إنما هو للإماء خاصة. قال ذلك ابن المسيب. وقيل: للصغار خاصة. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال. قال قتادة: "هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك". وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلتْ، أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبي ﷺ لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم فحجبوه وقال عكرمة: "غير أولي الإربة"، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد العنين. وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنتى، والمعتوه، والطفل، والعنّين. والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيراً نصبه على الحال. وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتاً للتابعين. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ﴾، أي الذين لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها. قال مجاهد: الذين لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك. قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال الخلخال فيظهر صوته. * * ثم قال: ﴿وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم. روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:الندم على الدنيا توبة وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: لله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه

النور 24:31

قوله تعالى ذكره: ﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي فإن لم تجدوا في البيوت التي تستأذنون فيها أحداً يأذن لكم بالدخول فلا تدخلوها، لأن دخولها لا يحل إلا بإذن أهلها، فإن قال لكم أهل البيوت: ارجعوا عنها فارجعوا ولا تدخلوها ﴿هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾، أي الرجوع أزكى لكم: أي أطهر لكم عند الله. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، أي بما تعملون من رجوعكم إذا قيل لكم ارجعوا، وطاعتكم لما أمركم به. * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي ليس عليكم إثم أن تدخلوا بيوتاً لا يسكنها أحد بغير استئذان. قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق، والخانات: الفنادق. وقال قتادة: هي الخانات وبيوت أهل الأسفار. وقال الضحاك: هي البيوت التي تكون في الطرق والخربة. * * وقوله: ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، أي منفعة للمسافرين في الشتاء والصيف يأوي إليها. وعن ابن الحنفية: أنها بيوت مكة. وقال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: هي الخرب، ومعنى ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ﴾، يعني الخلاء، والبول، والاستتار فيها. وقال ابن زيد: هي بيوت التجار فيها أمتعة الناس يعني الحوانيت والتي في القياسير. وتحقيق الآية: لا حرج على من دخل بيتاً لا ساكن له، ولا دافع عنه من غير أن يستأذن، فبيوت التجار مملوكة لهم لا يحسن دخولها إلا بإذنهم إلا أن يكون قد علم منهم أنهم إنما فتحوها ليدخل عليهم فلا يستأذن، لأن فعلهم كالإذن. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾، أي ما تظهرون من الاستئذان على أهل البيوت المسكونة ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، أي ما تضمرون في صدوركم عند فعلكم ذلك؛ أطاعة الله تريدون أو غير ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾، أي يكفوا عن نظر ما لا يحل لهم والنظر إليه ﴿وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ﴾، أن يراها من لا يحل له أن يراها. أي يلبسوا ما يسترها عن أبصارهم. وقيل لا يستمتعون إلا لمن يحل لهم من زوجة أو ملك يمين. ولما كان استعمال الفرج فيما لا يحل منهياً عنه، لم تدخل "من" فلم يقل ويحفظوا من فروجهم، ولما كانت النظرة الأولى لا تملك، قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فدخلت "من" للتبعيض. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إن من خير عين تنشر يوم القيامة عين رجل من بني إسرائيل، بينما هو قائم يصلي نظر إلى امرأة بإحدى عينيه، فهوى إلى الأرض فأخذ عوداً ففقأ به العين التي نظر بها إلى المرأة ثم قال: ﴿ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾، أي حفظها، وغض أبصارهم أطهر لهم عند الله، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، أي ذو خبر بما يصنعون مما أمركم به من غض البصر، وحفظ الفرج. قال أبو العالية: كل فرج ذكر في القرآن فهو من الزنا إلا في هذه الآية، يريد أنه إنما أمروا أن يستروا فروجهم لئلا يراها من لا يحل له رؤيتها. * * ثم قال: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾، يعني التستر. قال ابن عباس: يغضوا من أبصارهم عن سوآتهم. قال ابن زيد: يغض من بصره أن ينظر إلى ما لا يحل له، إذا رأى ما لا يحل له، غض بصره، ولا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغض بصره كله، إنما قال: "يغضوا من أبصارهم"، يريد أن النظرة الأولى لا يقدر أحد أن يملكها، فالنهي إنما وقع على النظرة بعد النظرة الأولى، ولذلك قال: ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ولم يقل: يغضوا أبصارهم؛ لأن النظرة الأولى لا يقدر على الكف عنها، لأنها فجأة. قال بعض العلماء: حرم الله على المسلمين نصاً أن يدخلوا الحمام بغير مئزر. وأجمع المسلمون أن السوءتين عورة من الرجل، وأن المرأة كلها عورة، إلا وجهها ويديها، فإنهم اختلفوا فيهما. وأكثر أهل العلم: على أن من سرة الرجل إلى ركبته عورة، لا يجوز أن ترى. وسأل جرير بن عبد الله النبي ﷺ عن نظرة الفجأة، فقال: اصرف بصرك، لأنه لو لم يصرف بصره لكان تاركاً لما أمره الله به، ناظراً اختياراً وروي عن النبي ﷺ أنه قال لعلي بن أبي طالب يا علي: إن لك كنزاً في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة وروي عن أم سلمة: زوج النبي عليه السلام: أنها قالت:استأذن ابن أم مكثوم، وأنا وعائشة عند النبي عليه السلام، فقال لنا: احتجبن فقلنا: أو ليس بأعمى لا يبصرنا، فقال: أفَعَمْيَاوَانِ أنتما قال أبو محمد: وهذه الآية تضمنت خمسة وعشرين ضميراً بين مرفوع ومخفوض، كلها تعود على المؤمنات، أولها الضمير المرفوع في ﴿يَغْضُضْنَ﴾ وآخرها الضمير المخفوض في قوله تعالى: ﴿مِن زِينَتِهِنَّ﴾ ولا أعلم لهذه الآية نظيراً في القرآن في كثرة ضمائرها فاعلمه. * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، أي ولا يظهرن لمن ليس بذي محرم زينتهن في بيوتهن، كالخلخال، والسوارين، والقُرْطِ، والقلادة. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال ابن مسعود: هي زينة الثياب، وكذلك قال النخعي، والحسن. وقال ابن عباس: هو الكحل، والخاتم. وقال ابن جبير: هو الوجه والكف. وقال عطاء: الكفان والوجه. وقال قتادة: الكحل، والسوار، والخاتم. وعن ابن عباس أنه قال: الزينة الظاهرة الوجه، وكحل العين، وخضاب الكف، والخاتم، قال: فهذا ما تظهر في بيتها لمن دخل عليها من الناس. وقالت عائشة رضي الله عنها: هو القُلْبُ والفَتْحَة، يعني السوار والخاتم. وقيل: الفتحة حَلَقٌ من فضة، تجعلها النساء في أصابعهن. وقول من قال: هو الوجه والكفان أحسنها، لأن العلماء قد أجمعوا أن للمرأة أن تكشف وجهها، وكفيها في صلاتها، وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك. وقد روي عن النبي ﷺ: أنه أباح لها أن تبدي من ذراعيها إلى قرب النصف، فالكحل، والخاتم، والخضاب، والبنان داخل تحت هذا، فإذا كان لها ذلك مباحاً في الصلاة علم أنها ليس بعورة، وإذا لم يكن عورة جاز لها إظهاره، كما أن ما ليس بعورة من الرجل جائز له إظهاره، فيكون هذا مما استثناه الله جل ذكره. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي وليلقين خمرهن، وهو جمع خمار على جيوبهن، ليسترن شعورهن وأعناقهن. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، وما بعد ذلك من القرابة، يعني الزينة التي هي غير ظاهرة كالخلخال والدملج والقرط، وما أمرت أن تغطيه بخمارها من فوق الجيب، وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة للأجنبيين من الناس، من الذراعين إلى ما فوق ذلك . وقال قتادة: يبدين لهؤلاء الرأس. قال ابن عباس: الذي يبدين لهؤلاء هو قرطاها، وقلادتها وسوارها، وأما خلخالاها ومعضداها، ونحرها وشعرها، فإنه لا تبديه إلا لزوجها. وقال ابن مسعود: أي هو الطوق والقرطان. وقيل: معنى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، أي ليغط شعرها وصدرها وتوائبها، وكلما زين وجهها، ومعنى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾، ومن بعدهم أي لا يضعن جلابيبهن، وهي المقانع التي فوق الخمار، إلا لهؤلاء المذكورين. * * وقوله: ﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ﴾ يعني بذلك نساء المسلمين، يعني المؤمنات منهن. قاله ابن جريج، قال: ولا يحل لمسلمة أن تري مشركة عورتها، إلا أن تكون لها، فذلك قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنهما "أما بعد فإنه بلغني، أن نساء يدخلن الحمامات، معهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك وحل دونه"، ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام متبتلاً، فقال: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة، ولا سقم، تريد البياض لزوجها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. وقوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني المماليك، لها أن تبدي له من الزينة، ما تبدي لغيره من ذوي المحارم، وهو قول عائشة وأم سلمة جعلتا العبد بمنزلة ذي المحرم في هذه الآية، فلا يحل له أن يتزوج سيدته، وهو في ملكها، لأنه ما دام مملوكاً فهو بمنزلة (ذوي المحارم)، وهذا هو قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ [النور: ٥٨]. وقيل: إنه ليس للعبد أن يرى منها إلا ما يرى الأجنبي. قال ابن عباس: لا ينظر عبدها إلى شعرها ولا إلى نحرها وهو مذهب: ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، فأما الخلخالان عند ابن عباس فلا ينظر إليه إلا الزوج، فيكون التقدير على هذا القول الثاني: أو ما ملكت أيمانهن غير أولي الإربة أو التابعين غير أولي الإربة ثم حذف. وقيل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، إنما هو للإماء خاصة. قال ذلك ابن المسيب. وقيل: للصغار خاصة. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ﴾، أي والذين يتبعونكم لطعام يأكلونه عندكم ممن لا أرب له في النساء من الرجال. قال قتادة: "هو الرجل يتبعك ليصيب من طعامك". وقال ابن عباس: هو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وقاله الزهري. قال مجاهد: هو الذي يريد الطعام ولا يريد النساء، ولا يهمه إلا بطنه ولا يخاف منه على النساء. وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، فدخل عليه النبي يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، فقال: إنها إذا أقبلتْ، أقبلتْ بأربع، وإذا أدبرتْ أدبرتْ بثمان، فقال النبي ﷺ لأرى هذا يعلم ما ها هنا، لا يدخلن عليكم فحجبوه وقال عكرمة: "غير أولي الإربة"، هو المخنث، الذي لا يقوم له: يريد العنين. وقيل: هو الشيخ الهرم، والخنتى، والمعتوه، والطفل، والعنّين. والإربة والأرب: الحاجة. ومن نصب غيراً نصبه على الحال. وقيل: على الاستثناء، ومن خفضه جعله نعتاً للتابعين. * * وقوله: ﴿أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ﴾، أي الذين لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فتطلعوا عليها. قال مجاهد: الذين لم يدروا ما هي من الصغر قبل الحلم، وقيل: لم يظهروا: لم يطيقوا ذلك، كما يقال: ظهر فلان على فلان: أي قدر عليه وغلبه. والطفل هنا بمعنى الأطفال، دل على ذلك نعته بالذين. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، أي لا يجعلن في أرجلهن من الحلي ما إذا مشين أو حركنهن علم الناس ما يخفين من ذلك. قال ابن عباس: هو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو يكون في رجليها خلاخل فتحركهن عند الرجال فنهى الله جل ثناؤه عن ذلك لأنه من عمل الشيطان. وقال السدي: عن أبي مالك: كانت المرأة تلبس في رجليها الخلاخل، وتمر على المجلس، فتضرب برجليها ليسمع صوت خلاخلها، فنزلت هذه الآية في ذلك. وعن ابن عباس أنه قال: لا تضرب إحدى رجليها بالأخرى ليقرع الخلخال الخلخال فيظهر صوته. * * ثم قال: ﴿وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾، أي ارجعوا إلى طاعة الله فيما أمركم به ونهاكم عنه من غض البصر، وحفظ الفرج، وترك دخول بيوت غيركم إلا بعد الاستئذان، وغير ذلك من أمره ونهيه. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي لعلكم تدركون طلباتكم عنده بالنجاة والبقاء في النعيم. روى ابن مسعود أن النبي ﷺ قال:الندم على الدنيا توبة وروى ابن مسعود: أن النبي عليه السلام قال: لله أفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه من رجل ضلت منه راحلته بداوية قفر عليها طعامه وشرابه، فطلبها حتى إذا جهده الطلب، قال: أرجع فأموت في موضع رحلي، فجاء موضع رحله فوضع رأسه فبينما هو كذلك، إذا هو براحلته عليها طعامه، وشرابه عند رأسه

النور 24:32

قوله تعالى ذكره: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وزوجوا أيها المؤمنون الأيامى منكم، أي من لا زوج لها من المسلمات الحرائر، ومن لا زوجة له من الرجال، وأهل الصلاح من عبيدكم، ومن مملوكاتكم. والأيامى جمع أيم مشبهة بيتيمة ويتامى، يقال: أيم وأيامى، وأيايم، وأيام مثل: جيد وجياد. والأيم عند أهل اللغة: من لا زوج لها كانت بكراً أو ثيباً. حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما، وهو قول مالك وغيره. يقال: رجل أيم، وامرأة أيم وأيمة: إذا لم يكن لواحد منهما زوج. وقرأ الحسن: ﴿وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ وعبيد اسم للجمع. وروى عكرمة عن ابن عباس: أنه قال: من كانت له جارية فلم يصبها، أو لم يزوجها، أو كان له عبد فلم يزوجه، فما صنعا من فاحشة فإثم ذلك على السيد. وهذا يدل على أن الآية على الحتم والأمر للسادة بذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، أي إن يكن هؤلاء الذين أمرتم بإنكاحهم ذوي فاقة، وفقر يغنهم الله من فضله، فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم. وقال ابن عباس: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى فقال: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح، يقول الله سبحانه: * * ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. ويروى عن عمر أنه قال: عجبت لامرئ كيف لا يرغب في الباءة، والله يقول: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾. وقيل: معنى الآية: يغنهم الله من فضله بالنكاح، وكذلك: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] أي بالنكاح يعني بالتزويج، لأنه لم يجعل كل زوج مقصوراً على زوج أبداً. وقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، أي واسع الفضل يغني من يشاء من فضله عليم بمصالح خلقه وأعمالهم.