Lafzullah

Tafsir Makhi — النور 24:33 – الفرقان 25:41

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. النور 24:33
  2. النور 24:34
  3. النور 24:35
  4. النور 24:36
  5. النور 24:37
  6. النور 24:38
  7. النور 24:39
  8. النور 24:40
  9. النور 24:41
  10. النور 24:42
  11. النور 24:43
  12. النور 24:44
  13. النور 24:45
  14. النور 24:46
  15. النور 24:47
  16. النور 24:48
  17. النور 24:49
  18. النور 24:50
  19. النور 24:51
  20. النور 24:52
  21. النور 24:53
  22. النور 24:54
  23. النور 24:55
  24. النور 24:56
  25. النور 24:57
  26. النور 24:58
  27. النور 24:59
  28. النور 24:60
  29. النور 24:61
  30. النور 24:62
  31. النور 24:63
  32. النور 24:64
  33. الفرقان 25:1
  34. الفرقان 25:2
  35. الفرقان 25:3
  36. الفرقان 25:4
  37. الفرقان 25:5
  38. الفرقان 25:6
  39. الفرقان 25:7
  40. الفرقان 25:8
  41. الفرقان 25:9
  42. الفرقان 25:10
  43. الفرقان 25:11
  44. الفرقان 25:12
  45. الفرقان 25:13
  46. الفرقان 25:14
  47. الفرقان 25:15
  48. الفرقان 25:16
  49. الفرقان 25:17
  50. الفرقان 25:18
  51. الفرقان 25:19
  52. الفرقان 25:20
  53. الفرقان 25:21
  54. الفرقان 25:22
  55. الفرقان 25:23
  56. الفرقان 25:24
  57. الفرقان 25:25
  58. الفرقان 25:26
  59. الفرقان 25:27
  60. الفرقان 25:28
  61. الفرقان 25:29
  62. الفرقان 25:30
  63. الفرقان 25:31
  64. الفرقان 25:32
  65. الفرقان 25:33
  66. الفرقان 25:34
  67. الفرقان 25:35
  68. الفرقان 25:36
  69. الفرقان 25:37
  70. الفرقان 25:38
  71. الفرقان 25:39
  72. الفرقان 25:40
  73. الفرقان 25:41

النور 24:33

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾. أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس لباس. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ومع إقامة فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه. وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيراً، إذا سأله العبد ذلك، وقاله عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على أنه ندب إجماع أو سنة. ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. وقال الثوري: لا يجبر السيد على المكاتبة. وكره ابن عمر أن يُكَاتَبَ العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي الناس. قال ابن عباس: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، أي إن علمتم أن لهم حيلة لا يُلقون مؤنتهم على الناس. وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد. وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقاً، ووفاء وأداء الأمانة. وقال مجاهد وطاوس: مالاً وأمانة. وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم خيراً لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم لهم مالاً. ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك لحاطب بن أبي بلتعة، وكان صالحاً، ثم هي عامة لجميع المسلمين. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ﴾، يعني هبوههم من مال الكتابة. قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه. وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قول مالك. وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). وقيل: إن قوله: "وآتوهم" ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغّب الناس أن يعطوهم من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب للأزواج. وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾، أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: تعففاً ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. وقيل قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ * إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾. ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجاً من زنائهما، قبل أن يسلما، فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى الله عن ذلك، وأعلم المكره له أنه له غفور رحيم. * * وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله ﷺ في زوجها، وفي ذلك نزل: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] الآية. ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾ الآية. وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك. ومن قال: إن ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ندب، و ﴿آتُوهُمْ﴾ حتم، وقف على ﴿خَيْراً﴾ ثم ابتدأ بالحتم بعد تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجبر السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة. ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً: عنده الحتم. ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضاً إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني أيضاً معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً الندب وهو مذهب مالك والثوري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، من كسر الياء من ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾. فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ٦٤] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ويدل على صحة قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولاً بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى بيّنها وأظهرها، والكسر يدل على أن الآيات فاعلات أي بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر. وقوله تعالى ذكره: ﴿مَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي مضوا قبلكم من الأمم. ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا فيها. قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض. قاله ابن عباس ثم استأنف فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافياً، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن. وعن ابن عباس أيضاً، وعن مجاهد: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما. وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: مثل نور محمد ﷺ كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد ﷺ، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني به الزهرة ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار ثم مثل الله. إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى. وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضاً فيما بعد إن شاء الله. وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها. وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نوراً. وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام. قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم رجع في المصباح إلى قلبه فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾، أي يكاد محمد ﷺ يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. قال أبيّ: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي مثله كمثل شجرة التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. * * ثم قال تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى الجنة. وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل هدى الله في قلب المؤمن. وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله والنور معنى الهدى. وقيل: تعود على المؤمن. وقيل: على محمد عليه السلام. وقد مضى هذا. قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان والقرآن من نوره، لكنه بدأ بنفسه فقال: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض. ثم قال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يعني مثل نور المؤمن. وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. وكان أبيّ يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن عباس وغيره: الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخلوقان لله جل ذكره، ومعنى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل على أن معنى ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يُشَبَّه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده. * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال قتادة: "لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى للزيت كأنه يقول: إن الشمس لا تفارقها". وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. وقال ابن زيد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص. فهذا مثل ضربه الله لنوره. وقال مجاهد: المشكاة القنديل. وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قاله أيضاً مجاهد. واختار الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ. * * ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات. * * ثم قال: ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: ﴿ٱلزُّجَاجَةُ﴾ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومعنى قراءة من قرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بالتشديد وضم الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر على سائر الحَبّ، ومن قرأ دِرئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع. وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين. وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له بالاندفاع لأنها كلها تندفع. فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في الكلام. فُعَيلٌ، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عتي. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأِنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو لا يكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتياً مصدراً فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري إذا جعل أصله دروي ظرفاً فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كَمُريق، على أن مُريقاً أعجمي، فلا يجب أن يحتج به. والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قاله الضحاك. ومن قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ على تفعل جعله فعلاً ماضياً خبراً عن المصباح. وقيل، خبراً عن الكوكب. ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلاً لم يسم فاعله راجعاً إلى المصباح. ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلاً لم يسم فاعله مستقبلاً أيضاً راجعاً على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، وكقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في اليوم جعل وصفاً لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب. وأنشد الفراء: ؎ "يومين غيمين، ويوماً شمساً" فجعل الغيمين وصفاً لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون. ومعنى قوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾، أي توقد من دهن شجرة. * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه تمثل بالنور. وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر في فجوة من ذلك فهي في ظل أبداً قد سترها ما حولها من الشجر. وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي لم يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم. وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضاً. وعن مجاهد أنه قال: لا يُكنها جبل ولا وادي. وقال قتادة: هي شجرة بارزة للشمس. وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب عليها. وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للشمس، لا يصيبها الظل فيقال لها شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضاً قول ابن عباس بعينه وهو قول عكرمة. * * وقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده. * * وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾ يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. * * وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أي ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً، فأنزل القرآن إليهم منبهاً لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان. * * وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على خلقه يستضيئون به. وقوله ﴿عَلَىٰ نُورٍ﴾ يعني الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن. قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن. * * قوله: ﴿يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده. * * ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]، تمام إن جعلت في "بيوت" متعلقاً بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى. وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد عليه السلام إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، شبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب. وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.

النور 24:34

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾. أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس لباس. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ومع إقامة فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه. وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيراً، إذا سأله العبد ذلك، وقاله عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على أنه ندب إجماع أو سنة. ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. وقال الثوري: لا يجبر السيد على المكاتبة. وكره ابن عمر أن يُكَاتَبَ العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي الناس. قال ابن عباس: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، أي إن علمتم أن لهم حيلة لا يُلقون مؤنتهم على الناس. وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد. وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقاً، ووفاء وأداء الأمانة. وقال مجاهد وطاوس: مالاً وأمانة. وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم خيراً لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم لهم مالاً. ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك لحاطب بن أبي بلتعة، وكان صالحاً، ثم هي عامة لجميع المسلمين. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ﴾، يعني هبوههم من مال الكتابة. قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه. وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قول مالك. وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). وقيل: إن قوله: "وآتوهم" ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغّب الناس أن يعطوهم من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب للأزواج. وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾، أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: تعففاً ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. وقيل قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ * إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾. ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجاً من زنائهما، قبل أن يسلما، فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى الله عن ذلك، وأعلم المكره له أنه له غفور رحيم. * * وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله ﷺ في زوجها، وفي ذلك نزل: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] الآية. ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾ الآية. وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك. ومن قال: إن ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ندب، و ﴿آتُوهُمْ﴾ حتم، وقف على ﴿خَيْراً﴾ ثم ابتدأ بالحتم بعد تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجبر السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة. ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً: عنده الحتم. ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضاً إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني أيضاً معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً الندب وهو مذهب مالك والثوري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، من كسر الياء من ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾. فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ٦٤] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ويدل على صحة قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولاً بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى بيّنها وأظهرها، والكسر يدل على أن الآيات فاعلات أي بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر. وقوله تعالى ذكره: ﴿مَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي مضوا قبلكم من الأمم. ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا فيها. قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض. قاله ابن عباس ثم استأنف فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافياً، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن. وعن ابن عباس أيضاً، وعن مجاهد: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما. وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: مثل نور محمد ﷺ كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد ﷺ، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني به الزهرة ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار ثم مثل الله. إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى. وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضاً فيما بعد إن شاء الله. وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها. وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نوراً. وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام. قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم رجع في المصباح إلى قلبه فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾، أي يكاد محمد ﷺ يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. قال أبيّ: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي مثله كمثل شجرة التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. * * ثم قال تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى الجنة. وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل هدى الله في قلب المؤمن. وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله والنور معنى الهدى. وقيل: تعود على المؤمن. وقيل: على محمد عليه السلام. وقد مضى هذا. قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان والقرآن من نوره، لكنه بدأ بنفسه فقال: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض. ثم قال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يعني مثل نور المؤمن. وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. وكان أبيّ يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن عباس وغيره: الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخلوقان لله جل ذكره، ومعنى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل على أن معنى ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يُشَبَّه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده. * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال قتادة: "لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى للزيت كأنه يقول: إن الشمس لا تفارقها". وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. وقال ابن زيد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص. فهذا مثل ضربه الله لنوره. وقال مجاهد: المشكاة القنديل. وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قاله أيضاً مجاهد. واختار الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ. * * ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات. * * ثم قال: ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: ﴿ٱلزُّجَاجَةُ﴾ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومعنى قراءة من قرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بالتشديد وضم الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر على سائر الحَبّ، ومن قرأ دِرئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع. وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين. وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له بالاندفاع لأنها كلها تندفع. فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في الكلام. فُعَيلٌ، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عتي. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأِنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو لا يكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتياً مصدراً فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري إذا جعل أصله دروي ظرفاً فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كَمُريق، على أن مُريقاً أعجمي، فلا يجب أن يحتج به. والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قاله الضحاك. ومن قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ على تفعل جعله فعلاً ماضياً خبراً عن المصباح. وقيل، خبراً عن الكوكب. ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلاً لم يسم فاعله راجعاً إلى المصباح. ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلاً لم يسم فاعله مستقبلاً أيضاً راجعاً على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، وكقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في اليوم جعل وصفاً لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب. وأنشد الفراء: ؎ "يومين غيمين، ويوماً شمساً" فجعل الغيمين وصفاً لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون. ومعنى قوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾، أي توقد من دهن شجرة. * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه تمثل بالنور. وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر في فجوة من ذلك فهي في ظل أبداً قد سترها ما حولها من الشجر. وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي لم يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم. وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضاً. وعن مجاهد أنه قال: لا يُكنها جبل ولا وادي. وقال قتادة: هي شجرة بارزة للشمس. وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب عليها. وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للشمس، لا يصيبها الظل فيقال لها شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضاً قول ابن عباس بعينه وهو قول عكرمة. * * وقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده. * * وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾ يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. * * وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أي ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً، فأنزل القرآن إليهم منبهاً لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان. * * وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على خلقه يستضيئون به. وقوله ﴿عَلَىٰ نُورٍ﴾ يعني الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن. قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن. * * قوله: ﴿يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده. * * ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]، تمام إن جعلت في "بيوت" متعلقاً بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى. وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد عليه السلام إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، شبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب. وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.

النور 24:35

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾. أي وليمتنع عن الحرام الذين لا يجدون ما ينكحون حتى يوسع الله عليهم من فضله، فالنكاح في هذا الموضع: اسم لما ينكح به من المهر، والنفقة فسمي ما ينكح به نكاح، كما قيل: لما يلتحف به كاف ولما يرتدي به رداء، ولما يلبس لباس. * * ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، هذا ندب ندب الله عباده إليه ومعنى ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ إن علمتم فيهم مقدرة على التكسب لأداء ما كتب عليه مع القيام بما يلزمه من أمر نفسه، ومع إقامة فروضهم، فالمكاتبة معلومة ما هي، وولاء المكاتب لمن كاتبه. وقد قال ابن جريج: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيراً، إذا سأله العبد ذلك، وقاله عطاء، وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وهو اختيار الطبري لأن ظاهر الآية الأمر بالمكاتبة، وأمر الله فرض، إلا أن يدل على أنه ندب إجماع أو سنة. ومذهب أهل المدينة مالك وأصحابه: أنه ندب من غير فرض. وقال الثوري: لا يجبر السيد على المكاتبة. وكره ابن عمر أن يُكَاتَبَ العبد إذا لم تكن له حرفة وقال: تطعمني أوساخ أيدي الناس. قال ابن عباس: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، أي إن علمتم أن لهم حيلة لا يُلقون مؤنتهم على الناس. وقال مالك: إنه ليقال: الخير القوة والأداء، وهو قول ابن زيد. وقال الحسن: معناه: إن علمتم فيهم صدقاً، ووفاء وأداء الأمانة. وقال مجاهد وطاوس: مالاً وأمانة. وعن ابن مسعود: الخير إقامة الصلاة، وكذا قال ابن سيرين، وعبيدة. وقال مالك: الخير القوة على الأداء، وقال أبو صالح وعطاء: إن علمت فيهم خيراً لنفسك يؤدي إليك، ويصدقك ما حدثك فكاتبه. وقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابن جريج: معناه: إن علمتم لهم مالاً. ويقال: إن هذه الآية نزلت في صبيح القبطي مملوك لحاطب بن أبي بلتعة، وكان صالحاً، ثم هي عامة لجميع المسلمين. قال تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ﴾، يعني هبوههم من مال الكتابة. قال علي بن أبي طالب: ربع الكتابة يحطها عنه. وقال ابن عباس: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه، وكان ابن عمر: يضع عن المكاتب في آخر كتابته ما شاء، وهو قول مالك. وقال النخعي: هو أمر للمسلمين أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم يتقوون بها على أداء الكتابة، وهو قوله: (في الصدقات وفي الرقاب). وقيل: إن قوله: "وآتوهم" ترغيب لكل الناس من الموالي وغيرهم حضهم الله أن يعطوا المكاتبين من صدقاتهم ليتقووا بها على أداء كتابتهم. وقيل: هو خطاب لغير الموالي المخاطبين بالمكاتبة رغّب الناس أن يعطوهم من زكواتهم، والضميران مختلفان بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] هو خطاب للأولياء، وصدر الكلام خطاب للأزواج. وقال ابن زيد: ذلك من الزكاة. * * ثم قال: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾، أي: الزنا ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ أي: تعففاً ﴿لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾، أي: ليكسبن لكم من زنائهن. وقيل قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ * إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾. ويقال: إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق، كانت له جاريتا: معاذة وزينب، وكانتا تردان عليه خرجاً من زنائهما، قبل أن يسلما، فلما دخلتا في الإسلام، امتنعتا من الزنا فكان يكرههما على الزنا، فنهى الله عن ذلك، وأعلم المكره له أنه له غفور رحيم. * * وقوله: ﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ومعاذة هذه أم خولة، وخولة هي التي جادلت رسول الله ﷺ في زوجها، وفي ذلك نزل: ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ [المجادلة: ١] الآية. ويروى أن عبد الله بن أبي: أمر جاريته أن تزني فجاءته ببرد، فأمرها أن تعود إلى الزنا، فأنزل الله جل ذكره: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ﴾ الآية. وقال جابر: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية يقال لها مسيكة، وكان يأمرها بالبغاء لتكسب له فنهى الله عن ذلك. قال مجاهد: معناه: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم. وقيل إن معاذة وزينب جاريتا عبد الله بن أبي لما أسلمتا أتيا إلى النبي عليه السلام، فشكتا إليه أن مولاهما يكرههما على الزنا فنزلت الآية في ذلك. ومن قال: إن ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ندب، و ﴿آتُوهُمْ﴾ حتم، وقف على ﴿خَيْراً﴾ ثم ابتدأ بالحتم بعد تقدم الندب، لأنه ليس بمعطوف عليه لاختلاف معنييهما، وهذا قول الشافعي. قال: المكاتبة: ندب، ويجبر السيد أن يضع عن عبده من المكاتبة. ومن قال: هما واجبان لم يقف إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً: عنده الحتم. ومن قال: كلاهما ندب لم يقف أيضاً إلا على ﴿آتَاكُمْ﴾ لأن الثاني أيضاً معطوف على الأول إذ معناهما جميعاً الندب وهو مذهب مالك والثوري. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، من كسر الياء من ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾. فمعناه موضحات للأحكام والشرائع، لدلالة قوله: ﴿يَحْذَرُ ٱلْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم﴾ [التوبة: ٦٤] فأضاف الفعل إلى السورة، والبيان في الحقيقة إلى الله جل ذكره، ولكن أضيف إلى السورة وإلى الآيات لعلم السامعين بالمراد، فمن كسر الياء جعل الآيات فاعلات، وأما من فتح الياء، فمعناه مفصلات، كما قال تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، ويدل على صحة قوله ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فهي الآن مبينة، فالله جل ذكره هو الذي بينها كما قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ﴾ [آل عمران: ١١٨] فمنه فتح الياء جعل الآيات مفعولاً بها والفاعل هو الله، لأنه تعالى بيّنها وأظهرها، والكسر يدل على أن الآيات فاعلات أي بينات لكم الأحكام والفرائض، والفاعل هو الله في المعنى في القراءة بالكسر على ما ذكرنا فافهم. والمعنى: ولقد أنزلنا إليكم دلالات وعلامات مفصلات أو موضحات، على ما تقدم من الفتح والكسر. وقوله تعالى ذكره: ﴿مَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي مضوا قبلكم من الأمم. ﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ أي لمن اتقى الله فخاف عقابه. * * ثم قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. قال أبو محمد: قد كثر الاختلاف في معنى هذه الآية ونحن نذكر ما بلغنا فيها. قيل: المعنى: الله ذو السماوات والأرض مثل ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. وقيل: معناه: الله هادي أهل السماوات والأرض. قاله ابن عباس ثم استأنف فقال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ الآية، أي مثل هداه في قلب المؤمن كالكوة التي هي غير نافذة. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك المصباح في زجاجة، الزجاجة صافية اللون كالكوكب الدري، يوقد ذلك المصباح من شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء من غير نار لصفاه، الكوة التي هي غير نافذة أجمع للضوء فيها إذا كان فيها المصباح، والمصباح إذا كان في زجاجة كان أظهر لضوئه، فإن كانت الزجاجة صافية اللون كان ذلك أظهر للضياء، وإذا كان الزيت الذي فيها صافياً، كان أظهر وأكثر للضوء، فذلك كله مبالغة للضياء والنور، فكذلك الهدى في قلب المؤمن. ومعنى هذا القول مروي: عن ابن عباس فهو مثل ضربه الله لنور الهدى والإيمان في قلب المؤمن. وعن ابن عباس أيضاً، وعن مجاهد: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي مدبرهما: شمسهما وقمرهما ونجومهما. وقال أبي بن كعب: بدأ الله بنوره وذكره، ثم ذكر نور المؤمن في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾. وقيل المعنى: مثل ما أنار الله من الحق بهذا التنزيل كمشكاة على هذه الصفة، فالهاء في نوره تعود على الله جل ذكره أي مثل هداه في قلب المؤمن وهو القرآن. والتقدير: الله هادي أهل السماوات بآياته البينات، مثل هداه وآياته التي هدى الله بها خلقه في قلوب المؤمنين، كنور هذا المصباح الموصوف بهذه الصفات. وهو قول ابن عباس الذي تقدم ذكره. وقال: كعب الأحبار: النور هنا لمحمد، والهاء لمحمد عليه السلام والمعنى: مثل نور محمد ﷺ كمشكاة، وكذلك روي عن ابن جبير. فيكون المعنى: الله هادي أهل السماوات والأرض ثم استأنف فقال: مثل نور محمد إذا كان مستودعاً في الأصلاب كمشكاة هذه صفتها، والمصباح عني به قلب محمد ﷺ، شبه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره كأنها كوكب دري أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة، ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني به الزهرة ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار ثم مثل الله. إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب، فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا إذا طلعت فزيتها على هذا أطيب، وأصفى وأضوى. وهذا التفسير قد روي من طرق وغيره أشهر وأكثر، وقد ذكرناه ونذكره أيضاً فيما بعد إن شاء الله. وقال زيد بن أسلم والحسن: الهاء لله والتقدير: الله نور السماوات والأرض مثل نوره، ونوره القرآن أي مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة هذه صفتها. وعن ابن عباس: إن النور هنا الطاعة سمى طاعته نوراً. وقيل: الهاء تعود على المؤمن أي مثل نور المؤمن والذي في قلبه من الإيمان، والقرآن كمشكاة، قاله: أبي بن كعب. وقال ابن جبير والضحاك: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، مثل نور المؤمن كمشكاة والمشكاة كل كوة لا منفذ لها. وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب محمد عليه السلام. قال كعب الأحبار: المصباح قلب محمد في زجاجة الزجاجة صدره كأنها كوكب دري، شبه صدر النبي عليه السلام بالكوكب الدري، ثم رجع في المصباح إلى قلبه فقال: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي لم يمسها شمس المشرق، ولا شمس المغرب ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾، أي يكاد محمد ﷺ يتميز للناس، ولو لم يتكلم، أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم يتمسه نار ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾. وقال ابن عباس: المشكاة كوة البيت. وقال آخرون: عني بالمشكاة صدر المؤمن، والمصباح القرآن والإيمان والزجاجة قلبه. وهذا المثل ضربه الله للمؤمنين. هذا قول أبي بن كعب. قال أبيّ: جعل القرآن والإيمان في صدر المؤمن كمشكاة، فالمشكاة صدره. ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ المصباح القرآن والإيمان اللذان جعلا في صدره. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، قال: فالزجاجة قلبه فيه القرآن والإيمان ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قال: فمثل ما استنار فيه من القرآن والإيمان كأنه كوكب دري أي مضيء ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، فالشجرة المباركة أصله وهو الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي مثله كمثل شجرة التفت بها شجرة، فهي ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات. * * ثم قال تعالى: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة: إلى الجنة. وقال ابن عباس: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل هدى الله في قلب المؤمن. وقال قتادة: مثل نور الله في قلب المؤمن، فالهاء في نوره تعود على الله والنور معنى الهدى. وقيل: تعود على المؤمن. وقيل: على محمد عليه السلام. وقد مضى هذا. قال القتبي: هو مثل ضربه الله تعالى لقلب المؤمن، وما أودعه من الإيمان والقرآن من نوره، لكنه بدأ بنفسه فقال: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي بنوره يهتدي من في السماوات والأرض. ثم قال ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، يعني مثل نور المؤمن. وقيل: معناه: مثل نور الله في قلب المؤمن ونور الله الإيمان به. وكان أبيّ يقرأ (مثل نور المؤمن) وقد مضى أكثر هذا، فالمعنى على قول ابن عباس وغيره: الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض إلى أمور دينهم ومصالحهم والكلام فيه توسع ومجاز لأنه قد علم أن الله لا يكون نوراً ولا ضياء ولا من جنس النور ولا الضياء، لأن النور والضياء مخلوقان لله جل ذكره، ومعنى ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي صفة هدى الله للمؤمنين في قلوبهم. وهذا يدل على أن معنى ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي هاديهن وليس الله هو النور لأنه قد شبه النور المذكور بالمشكاة الموصوفة، والله لا يشبهه شيء، ولا يُشَبَّه بشيء، فنوره إنما هو هداه ودلالة خلقه إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم، فإنما شبه هداه لخلقه بما يعقلون من المشكاة فيها المصباح الذي هو في زجاجة، تلك الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد بزيت من شجرة صفتها كذا، وذلك كله مبالغة في صفة هدى الله عباده. * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال قتادة: "لا يفيء عليها ظل الشرق ولا ظل الغرب ضاحية، وذلك أصفى للزيت كأنه يقول: إن الشمس لا تفارقها". وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا. وعن ابن عباس ومجاهد: أنه مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن، والمشكاة مثل الجوف. وقال الحسن: معناه مثل القرآن في قلب المؤمن كمشكاة هذه صفتها. وقال ابن زيد: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، نور القرآن الذي أنزله الله على رسوله، فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره، ويعملون به، ويأخذون به، وهو لا ينقص. فهذا مثل ضربه الله لنوره. وقال مجاهد: المشكاة القنديل. وقيل: هو الحديد الذي يعلق فيه القنديل: قاله أيضاً مجاهد. واختار الطبري أن يكون هذا المثل، مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد - الذي أنزله إليهم فآمنوا به، في قلوب المؤمنين - مثل مشكاة وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة وهو نظير الكوة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة لأنه غير نافذ وهو أجوف مفتوح إلى الأعلى، وهو كالكوة في الحائط التي لا تنفذ. * * ثم قال: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، وهو السراج، والمصباح، مثل لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات البينات. * * ثم قال: ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني إن السراج الذي في المشكاة، في القنديل وهو الزجاجة وذلك مثل القرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله به قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشك فيه، واستنارته، بنور القرآن بالكوكب الدري، فقال: ﴿ٱلزُّجَاجَةُ﴾ وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ومعنى قراءة من قرأ ﴿دُرِّيٌّ﴾ بالتشديد وضم الدال أنه نسبه إلى الدر ومعناه: أن فضل هذا الكوكب في النور على سائر الكواكب كفضل الدر على سائر الحَبّ، ومن قرأ دِرئ بكسر الدال والمد والهمز جعله من إندرأ الحريق إذا اندفع. وحكى الأخفش سعيد: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا. وقيل: هو فعيل من درأت لأن معناه يدفع ويرجم به الشياطين. وأنكر أبو عبيدة هذه القراءة إن كانت من درأت إذا دفعت وضعفها لأن الكواكب كلها تندفع فلا فضل لأحدهما على الآخر فلا فائدة في وصفه له بالاندفاع لأنها كلها تندفع. فأما قراءة من قرأ بضم الدال والمد والهمز، فقد أنكرها جماعة، إذ ليس في الكلام. فُعَيلٌ، وقد جوزها أبو عبيدة وقال: هو فعول مثل سيوح، وأصله درؤ وأبدلوا من الواو ياء كما قالوا: عتي. وأنكر هذا القول على أبي عبيدة لأِنه لا يشبع عتي إن كان جمع عات، فالبدل فيه لازم لأن الجمع باب تغيير والواو لا يكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فاعتلاله لازم، فإن كان عتياً مصدراً فيجب قلب الواو لأنها ظرف في فعول وليست الواو في دري إذا جعل أصله دروي ظرفاً فلا يشتبهان، ووجه هذه القراءة، عند بعض النحويين أنه فعيل كَمُريق، على أن مُريقاً أعجمي، فلا يجب أن يحتج به. والكوكب الذي شبه بالزجاجة، هو الزهرة قاله الضحاك. ومن قرأ ﴿يُوقَدُ﴾ على تفعل جعله فعلاً ماضياً خبراً عن المصباح. وقيل، خبراً عن الكوكب. ومن قرأ بالياء، على يفعل جعله فعلا مستقبلاً لم يسم فاعله راجعاً إلى المصباح. ومن قرأ بالتاء على تفعل جعله فعلاً لم يسم فاعله مستقبلاً أيضاً راجعاً على الزجاجة لأنها أقرب إليه، فلما كان الاتقاد فيها جاز أن توصف هي به لعلم السامعين بالمعنى، كما قالوا: ليل نائم، وسر كاتم، وقد نام ليلك، وكقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] فوصف اليوم بالعصوف والعصوف للريح، لكن لما كان الريح في اليوم جعل وصفاً لليوم لعلم السامعين بالمعنى وهو كثير في كلام العرب. وأنشد الفراء: ؎ "يومين غيمين، ويوماً شمساً" فجعل الغيمين وصفاً لليومين لأنهما في اليومين يكونان، فكذلك وصف الزجاجة بأنها توقد لأن الإيقاد فيها يكون. ومعنى قوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ﴾، أي توقد من دهن شجرة. * * وقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾. قال ابن عباس: لا شرقية بغير غرب ولا غربية بغير شرق. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة في الأرض، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه تمثل بالنور. وقال أبو مالك: لا يصيبها الشمس وقت الشرق ولا وقت الغرب ولكنها بين شجر في فجوة من ذلك فهي في ظل أبداً قد سترها ما حولها من الشجر. وقيل إنها يصيبها الشمس عند الشروق وعند الغروب، ولم تخلص للشروق فيقال لها شرقية، ولا للغروب فيقال لها غربية، ولكنها قد جمعتهما كما يقال: فلان لا أبيض ولا أسود إذا كان فيه بياض وسواد، ويقال: هذا لا حلو ولا حامض أي لم يخلص له أحد الطعمين، فهذا قول مختار وهو معنى قول ابن عباس المتقدم. وقال عكرمة: لا تخلو من الشمس وقت الغروب والشروق، وذلك أصفى لذهنها وهذا موافق لمذهب ابن عباس أيضاً. وعن مجاهد أنه قال: لا يُكنها جبل ولا وادي. وقال قتادة: هي شجرة بارزة للشمس. وقال الضحاك: لا تصيبها الشمس، وعنه مثل قول قتادة. وعن مجاهد أيضاً أنه قال: هي شجرة تكون فوق جبل تطلع عليها الشمس وتغرب عليها. وقال القتبي: المعنى أنها: ليست بارزة للشمس، لا يصيبها الظل فيقال لها شرقية، وليست في الظل لا تصيبها الشمس فيقال لها غربية. وقال الطبري: معناه: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالغداة، من الشرق دون العشي، ولا غربية تطلع عليها الشمس بالعشي دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية، وهذا أيضاً قول ابن عباس بعينه وهو قول عكرمة. * * وقوله: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، قال الطبري: معناه أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة التي وصفها بعده. * * وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ﴾ يعني أن حجج الله على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر. * * وقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، أي ولو لم يزدها الله بياناً ووضوحاً، فأنزل القرآن إليهم منبهاً لهم على توحيده، فكيف وقد نبههم وذكرهم بآياته فزادهم حجة إلى حجة عندهم قبل ذلك. فذلك بيان من الله جل ذكره ونور على البيان. * * وقوله: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾ النور الأول النار، والثاني الزيت الذي يكاد يضيء من صفاه قبل أن تمسه النار، قاله مجاهد. قال: الطبري: هو مثل للقرآن، أي هذا القرآن نور من عند الله أنزله على خلقه يستضيئون به. وقوله ﴿عَلَىٰ نُورٍ﴾ يعني الحجج والبيان الذي نصبه الله لهم مما يدل على وحدانيته قبل مجيء القرآن. قال ابن زيد: ﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ﴾، يضيء بعضه بعضاً يعني القرآن. * * قوله: ﴿يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي يوفق الله لاتباع نوره وهو القرآن من يشاء من عباده. * * ثم قال: ﴿وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾، أي ويمثل الله الأمثال للناس، يعني به ما مثل لهم من مثل القرآن في قلب المؤمن، بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في الآية من الأمثال. * * ثم قال: ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾، أي عليم بالأشياء كلها، ومن قال: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي نور المؤمن جاز له أن يقف على ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، ومن قال المعنى: مثل نور الله لم يقف إلا على مصباح ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، تمام، ﴿دُرِّيٌّ﴾ تمام ﴿تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾، تمام [للناس]، قطع. و [عليم]، تمام إن جعلت في "بيوت" متعلقاً بيسبح. فإن جعلته على قول ابن زيد متعلقاً بقوله: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾، لم تقف إلى ﴿عَلَيِمٌ﴾ وكذلك إن جعلته متعلقاً ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ وهو قول الطبري. وكذلك إن جعلته حالاً مما تقدم لم تقف على ﴿عَلَيِمٌ﴾ وهو قول: أحمد بن يحيى. وفي هذه الآية، قول غريب منه ما يوافق ما تقدم، ومنه ما يخالف. ذكره الدمياطي في تفسيره وهو أن قوله ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي مثل نور محمد عليه السلام إذ كان مستودعاً في صلب عبد المطلب كمشكاة يعني كوة غير نافذة على لغة الحبش، ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ يعني قلب النبي، شبهه بالمصباح في ضيائه ونوره لما فيه من الحكمة والإيمان. ﴿ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾، يعني قلبه في صدره ﴿ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، أي صدره في صفاه ونوره لما فيه من الإيمان والحكمة ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ يعني الزهرة. ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، أي استنار نور محمد من نور إبراهيم، فإبراهيم هو الشجرة المباركة، ومحمد عليه السلام على ملته ودينه، فمنه استنار، ثم مثل إبراهيم فقال: ﴿زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لم يكن يصلي إلى المشرق ولا إلى المغرب فهو في الضياء مثل هذه الزيتونة التي لا تصيبها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، فزيتها أضوى وأطيب. وقيل معنى ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾، أي إن إبراهيم لا يهودي ولا نصراني بل هو حنيف مسلم. وهذا التفسير مخالف في أكثره لجميع ما قدمناه. والله أعلم بحقيقة ذلك، فهذا ما وصل إلينا في تفسير هذه الآية، والله أعلم بصحة معناها وبما أراد فيها.

النور 24:36

قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، إلى قوله: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت. وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. قال ابن عباس وأبو صالح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ. وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته وقوله: ﴿أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى. وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان. * * وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه. قال ابن عباس: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾، أي يتلى فيها كتابه. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة. وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال. وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع. وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ﴾، كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. * * ثم قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء. ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾. وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره. قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال:إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلأَبْصَارُ﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل. قال: ثم يحاسب سائر الناس وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ﴾، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها. وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قام المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء. قال الشاعر: ؎ إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ∗∗∗ واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا يريد عدة الأمر. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾ وقوله: ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وقوله: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غطاؤها فتنظر الحق، ومثله ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة. وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح. وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، أي: نقلبها في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا، ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محاسبة، ولا يوقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء. وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. و ﴿يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً. وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله. * * ثم قال: ﴿وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً. وقوله ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه. وقال ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.

النور 24:37

قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، إلى قوله: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت. وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. قال ابن عباس وأبو صالح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ. وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته وقوله: ﴿أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى. وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان. * * وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه. قال ابن عباس: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾، أي يتلى فيها كتابه. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة. وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال. وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع. وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ﴾، كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. * * ثم قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء. ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾. وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره. قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال:إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلأَبْصَارُ﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل. قال: ثم يحاسب سائر الناس وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ﴾، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها. وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قام المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء. قال الشاعر: ؎ إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ∗∗∗ واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا يريد عدة الأمر. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾ وقوله: ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وقوله: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غطاؤها فتنظر الحق، ومثله ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة. وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح. وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، أي: نقلبها في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا، ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محاسبة، ولا يوقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء. وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. و ﴿يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً. وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله. * * ثم قال: ﴿وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً. وقوله ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه. وقال ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.

النور 24:38

قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، إلى قوله: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت. وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. قال ابن عباس وأبو صالح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ. وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته وقوله: ﴿أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى. وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان. * * وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه. قال ابن عباس: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾، أي يتلى فيها كتابه. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة. وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال. وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع. وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ﴾، كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. * * ثم قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء. ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾. وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره. قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال:إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلأَبْصَارُ﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل. قال: ثم يحاسب سائر الناس وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ﴾، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها. وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قام المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء. قال الشاعر: ؎ إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ∗∗∗ واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا يريد عدة الأمر. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾ وقوله: ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وقوله: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غطاؤها فتنظر الحق، ومثله ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة. وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح. وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، أي: نقلبها في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا، ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محاسبة، ولا يوقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء. وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. و ﴿يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً. وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله. * * ثم قال: ﴿وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً. وقوله ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه. وقال ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.

النور 24:39

قوله تعالى ذكره: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، إلى قوله: ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي الله نور السماوات والأرض مثل نوره أي نور القرآن ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ ظرف للمصباح ويتعلق به فيكون على قول ابن زيد: يسبح له فيها: من صفة البيوت. وقيل: المعنى ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ فيكون متعلقاً ﴿يُوقَدُ﴾ ويسبح أيضاً وما بعده صفة للبيوت. وقيل: المعنى كمشكاة في بيوت، فيسبح أيضاً وما بعده صفة، فلا يقف على هذه الأقوال على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ وقيل: المعنى: يسبح له رجال في بيوت فتقف على هذا على ما قبل ﴿فِي بُيُوتٍ﴾. قال ابن عباس وأبو صالح، ومجاهد، والحسن، وابن زيد: هي المساجد. قال ابن عباس: نهي عن اللغو فيها. وقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: المساجد بيوت الله، وأنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها. وقال عكرمة: هي البيوت كلها. وقال: الحسن: يعني به بيت المقدس. وعن مجاهد أنه قال: هي بيوت النبي ﷺ. وقيل: في الكلام معنى الإغراء والمعنى: صلوا في بيوت أذن الله أن ترفع أي يرفع قدرها وتصان وتجل، وأذن الله أن يذكر فيها اسمه، وهي المساجد. وروى ابن زيد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ما من أحد يغدو أو يروح إلى المسجد يؤثره على ما سواه، إلا وله عند الله منزلاً يعد له في الجنة، كلما غدا وراح، كما أن رجلاً منكم لو زاره من يحب زيارته لاجتهد في كرامته وقوله: ﴿أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾، قال مجاهد: ترفع: تبنى. وقال الحسن: ترفع: تعظم لذكره وتصان. وقول مجاهد أولى لقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، أي يبنيان. * * وقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾ أي وأذن لعباده أن يذكروا فيها اسمه. قال ابن عباس: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ﴾، أي يتلى فيها كتابه. * * ثم قال: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ * رِجَالٌ﴾، أي: يصلي لله في هذه البيوت بالغدوات والعشيات رجال، يعني صلاة الصبح، وصلاة العصر وهما أول ما افترض الله من الصلاة. وعن ابن عباس: أن كل تسبيح في القرآن فهو صلاة. قال الحسن: أذن أن تبنى يصلى له فيها بالغدو والآصال. وواحد الآصال: أُصُلٌ وواحد الأُصُل أصيل، والآصال: جمع الجمع. وذكر ابن أبي مُلَيْكة عن ابن عباس أنه قال: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله عز وجل وما يغوص عليها إلا غواص ثم قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ﴾، كأن ابن عباس جعل تسبيح الغدو صلاة الضحى. * * ثم قال: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: لا يُشغلهم عن صلاتهم في هذه المساجد شيء. ونظر سالم بن عبد الله إلى قوم من أهل السوق، قاموا وتركوا أشغالهم يريدون الصلاة فقال: هؤلاء الذين ذكر الله في كتابه: ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾. وذكر الله هنا: الصلاة المكتوبة، قاله ابن عباس وغيره. قال عطاء: ﴿عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، أي: عن حضور الصلاة المكتوبة. وعن عبد الله بن عمر، وعن ابن مسعود مثل قول سالم بن عبد الله. في القائمين عن أشغالهم إلى الصلاة. وروت أسماء بنت يزيد الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال:إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة نادى مناد يسمع الخلائق كلهم سيعلم الله الجمع من أولى بالكرم اليوم، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ الآية قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانت ﴿لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿ٱلأَبْصَارُ﴾ قال: فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء، فيقومون وهم قليل. قال: ثم يحاسب سائر الناس وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله. ثم قال: ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَـاةِ﴾، أي: ولا يلهيهم شيء عن إقامة الصلاة عند مواقيتها، وعن أداء الزكاة عند وقتها. وإقام مصدر أقمت وأصله إقواماً، ثم قلبت الواو ألفاً، فاجتمع ألفان، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، فبقي إقاماً فدخلت الهاء عوضاً من المحذوف، فصارت إقامة، فلما أضيف المصدر: قام المضاف إليه مقام الهاء التي دخلت عوضاً من الألف المحذوفة فإذا اضفت هذا المصدر جاز حذف الهاء، لأن المضاف إليه يقوم مقامها. ألا ترى أنك تقول: وعدته عدة فتثبت الهاء لأمها عوضاً من الفاء، فإن أضفته جاز حذف الهاء. قال الشاعر: ؎ إن الخليط أَجَدُّوا البين فانجردوا ∗∗∗ واخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا يريد عدة الأمر. وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله جل ذكره، والإخلاص، وكذلك عنده ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾ وقوله: ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾ [مريم: ٥٥] وقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٣١]، وقوله: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ [النور: ٢١]، وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ وقوله: ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ [مريم: ١٣]، هذا كله ونحوه عنده. عني به الطاعة لله والإخلاص. ثم قال: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ﴾، أي: تعرف القلوب فيه الأمر عياناً ويقيناً، فتنقلب عما كانت عليه من الشك والكفر إلى اليقين، ويزداد المسلمون يقيناً، ويكشف عن الأبصار غطاؤها فتنظر الحق، ومثله ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقيل: المعنى. تتقلب فيه القلوب من هوله بين طمع بالنجاة، وحذر من الهلاك، وتنقلب الأبصار في نظرها، أي ناحية يؤخذ بهم لذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يوتون كتابهم، أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل؟ وذلك يوم القيامة. وقيل: معناه تنقلب في النار من حال إلى حال، ومن عذاب إلى عذاب مرة إنضاج، ومرة إحراق، ومرة لَفْح. وقيل: هو تقلبها على جمر جهنم، كما قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ﴾ [الأحزاب: ٦٦]، وكما قال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠]، أي: نقلبها في النار. * * ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾، أي وأطاعوا، وعملوا ما تقدم ذكره خوف عقاب الله ولكي يثيبهم يوم القيامة بأحسن أعمالهم في الدنيا، ولكي يزيدهم من ثوابه ومن فضله. ﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي يتفضل على من يشاء بما لم يستحقه من ثواب عمله بغير محاسبة، ولا يوقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً مرفوعون بيسبح، فأما على قراءة من قرأ يسبح على ما لم يسم فاعله، فيقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾ لأن رجالاً عند سيبويه: مرفوعون بإضمار فعل، كأنه قيل: من يسبحه؟ فقيل: يسبحه رجال. ومن رفع رجالاً على هذه القراءة بالابتداء، و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الخبر لم يقف على ﴿ٱلآصَالِ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾، هذا مثال ضربه الله لأعمال الكفار، أي والذين جحدوا آيات الله، أعمالهم التي عملوها في الدنيا مثل سراب. والسراب ما لصق بالأرض وذلك يكون نصف النهار، وحين يشتد الحر. وإذا أري من بعد ظن أنه ماء. والآل ما رأيت أول النهار وآخره الذي يرفع كل شيء. وقوله ﴿بِقِيعَةٍ﴾ هو جمع قاع، كالجيرة: جمع جار، هذا قول الفراء. وقال: أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، والقاع والقيعة ما انبسط من الأرض، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب. و ﴿يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً﴾، أي يحسب العطشان ذلك السراب ماء حتى إذا جاء السراب ليشرب منه لم يجده شيئاً. وقيل: المعنى: جاء موضع السراب لأن السراب ليس بشيء، وكذلك الكافر بالله، عمله يحسب أنه ينجيه عند الله من عذابه. حتى إذا هلك وجاء وقت حاجته إلى عمله لم يجده شيئاً يفعله إذا كان على كفر بالله. * * ثم قال: ﴿وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ﴾، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد، فوفاه حساب عمله وجازاه عليه. هذا معنى قول ابن عباس وأبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد. فالضمير في لم يجده و ﴿جَآءَهُ﴾ للظمآن، والضمير في ﴿وَجَدَ﴾ للكافر الذي ضرب الله مثلاً بالظمآن. فالمعنى أن الكافر يأتي يوم القيامة أحوج ما كان إلى عمله فلا يجد شيئاً، كهذا الظمآن يأتي إلى السراب الذي يظنه ماء أحوج ما كان إليه لشدة عطشه فلا يجد شيئاً. وقوله ﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، أي لا يحتاج إلى عقد عند حساب، هو عالم بذلك كله قبل أن يعمله العبد وإنما، سماه حساباً لأنه أعطاه جزاء عمله على قدر ما استحقه. وقال ﴿سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾، لأن محاسبته لعبد وإعطاءه جزاء عمله لا يشغله عن محاسبة غيره من عبيده، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن.

النور 24:40

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: "لا أرى الموت يسبق الموت شيء". وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ. * * ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً. وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر". ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ. وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. * * وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. * * ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء. وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. * * ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.

النور 24:41

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: "لا أرى الموت يسبق الموت شيء". وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ. * * ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً. وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر". ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ. وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. * * وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. * * ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء. وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. * * ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.

النور 24:42

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: "لا أرى الموت يسبق الموت شيء". وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ. * * ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً. وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر". ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ. وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. * * وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. * * ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء. وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. * * ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.

النور 24:43

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: "لا أرى الموت يسبق الموت شيء". وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ. * * ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً. وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر". ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ. وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. * * وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. * * ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء. وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. * * ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.

النور 24:44

قوله تعالى ذكره: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾، إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً﴾ ﴿لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، الكاف في ﴿كَظُلُمَاتٍ﴾، في موضع رفع عطف على الكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، والكاف في ﴿كَسَرَابٍ﴾، في موضع رفع خبر الابتداء، وهو أعمالهم. وقيل: التقدير أو هي كظلمات، فتقف على هذا القول على ما قبل ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ ولا تقف على القول الأول لأنه معطوف على ما قبله. وهنا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفار في أنها عملت على خطأ، وفساد، وضلالة من، فأعمالهم مثل ظلمات في بحر لجي، أي عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ووسطه. ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، أي يغشى البحر موج، من فوق ذلك الموج موج، من فوق ذلك الموج سحاب. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾، فالظلمات مثل لأعمال الكفار، والبحر اللجي مثل لقلب الكافر، أي عمله بنية قلب قد غمره الجهل، وغشيته الضلالة والحيرة. كما يغشى هذا البحر موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب الكافر الذي عملُه كالظلمات يغشاه الجهل بالله، إذ الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وعلى بصره غشاوة، فلا يبصر حجج الله، فتلك الظلمات بعضها فوق بعض. قال: ابن عباس: الظلمات: الأعمال، والبحر اللجي: قلب الإنسان. وقوله: ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، إلى ﴿فَوْقَ بَعْضٍ﴾، يعني به الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر. وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة في النار، فأعلمنا الله بهذه الآيات أمثال المؤمنين وأعمالهم، وأمثال الكفار وأعمالهم، وأن المؤمن يجد عمله عند الله فيجازيه عليه، ويزيده تفضلاً، وأن الكافر لا يجد شيئاً إذ لم يكن معه توحيد تقبل الأعمال معه. ولا تقف على ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾، لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، نعت له، وكذا ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾، لا تقف عليه لأن ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾، نعت له، وتقف على ﴿سَحَابٌ﴾ على قراءة من رفع "سحاباً" و "ظلمات" وإن كسرت التاء، وأضفت سحاباً إلى ظلمات لم تقف على سحاب لأنه مضاف إلى الظلمات، فإن نونت وكسرتها، لم تقف على سحاب أيضاً، لأن ظلمات بدل من ظلمات الأول. * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، أي إذا أخرج الناظر يده من هذه الظلمات التي وصفت لم يكد يراها، أي رآها بعد تعب وشدة. رؤية خفية، فإن قيل: كيف رآها مع هذه الظلمات المتضاعفة، فالجواب: أنه كقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة أي ما رأيتك إلا بعد نظر وشدة، وتعب، فكذلك هذا. وقيل: المعنى إذا أخرج يده رائياً لها لم يكد يراها، أي لم يقرب من أن يراها، فهو لم يرها من شدة الظلمة. وقيل: المعنى: إذا أخرج يده لم يرها، ويكد داخل كدخول الظل فيما معناه اليقين كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّواْ مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ [فصلت: ٤٨]. وقيل: المعنى لم يرها ولم يكد أي لم يقرب من الرؤية لشدة الظلمة. * * ثم قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾، أي من لم يرزقه الله إيماناً وهدى من الضلالة، ومعرفة بكتابه فما له من هدى ولا إيمان ولا معرفة. وقال الزجاج: ذلك في الدنيا: أي من لم يجعل الله له هداية إلى الإسلام في الدنيا لم يهتد. وغيره يتأوله في في الآخرة، أي من لم يجعل الله له نوراً إلى الجنة، والنور الإيمان بالله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ﴾، أي أَلَم تر يا محمد بعين قلبك أن الله يصلي له من في السماوات والأرض من مَلَكٍ، وإنس، وجن، والطير صافات أيضاً في الهواء تسبح لله، كل قد علم الله صلاته وتسبيحه، قال مجاهد: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من الخلق. وقيل: المعنى كل قد علم صلاة الله. أي الصلاة التي فرض الله وتسبيح الله. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، يدل على قوة قول من قال: معناه: قد علم الله صلاته وتسبيحه. وإظهار اسم الله في ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، يدل على قوة كون الضمير في الموضعين لغير الله، إذ لو كان لله لم يظهر الاسم، لتقدم ذكره في قوله تعالى: ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ﴾، وكان يلزم أن يكون "وهو عليم". وإنما يجوز في هذا لأن المعنى لا يشكل، فلا يظن فيه أن الثاني غير الأول، وهو مثل: "لا أرى الموت يسبق الموت شيء". وقيل: معنى التسبيح من الخلق كلهم، في هذا هو أن ما في الخلق من الدلالة على قدرة الله، تنزيه له من كل سوء، ومن أن يعبد غيره، وليس هو تسبيح على الحقيقة، إذ لو كانت الطير تسبح على الحقيقة لكانت مكلفة بالطاعة، ولكانت بمنزلة العقلاء من الناس المكلفين، فهو مجاز في ما لا يعقل. والقول الأول عليه أكثر الناس. ومعنى ﴿عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، أي هو ذو علم بما يفعل كل مصل ومسبح منهم، لا يخفى عليه شيء. وتقف على ﴿تَسْبِيحَهُ﴾، إذا جعلت الضمير يعود على المصلي والمسبح، ثم تبتدئ ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وإن جعلت الضمير يعود على الله أو جعلت الضمير في علم الله، لم تقف إلا على ﴿يَفْعَلُونَ﴾ لأن الاسم قد ظهر وهو أفخم عند سيبويه من إضماره في مثل هذا المعنى لا يشكل. * * ثم قال تعالى: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: له سلطانهما وملكهما دون كل من هو دونه من سلطان ومَلِكٍ. * * ثم قال: ﴿وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، أي: الله مرجعكم بعد موتكم فيوفيكم أجور أعمالكم فأحسنوا العمل تدركوا الأمل. * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، يزجي يسوق السحاب حيث يريد ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أي: يؤلف قطعه أي يلصق بعضها إلى بعض ويقربها، لأن السحاب يحدث قطعاً، قطعاً. وقيل: معناه يؤلف متفرقه لأن السحاب جمع سحابة. وقال عبيد بن عمر: "الرياح أربع: يبعث الله الريح الأولى: فَتَقُمُّ الأرض قَمّاً، ثم يبعث الثانية فتنشئه سحاباً، ثم يبعث الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، أي متراكماً بعضه على بعض، ثم يبعث الرابعة فتمطره، والودق المطر". ومعنى: ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾، أي: من بين السحاب، والهاء من ﴿خِلاَلِهِ﴾ تعود على السحاب والخلال جمع خَلَلٍ. وقرأ ابن عباس، والضحاك: من خلَلِه بالتوحيد لأنه مثل: جمل وجمال. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾، فمن برد صفة للجبال، كما يقول: أعطيتك من طعام من بُرٍٍّ، فالجبال هي من برد مخلوقة، وفيها صفة أيضاً لجبال، كأنه قال: وينزل من السماء من جبال مستقرة في السماء مخلوقة من برد. وقيل: المعنى: وينزل من السماء قدر جبال أو أمثال جبال، من برد إلى الأرض. فيكون ﴿مِن بَرَدٍ﴾، في موضع نصب على البيان كقوله: ﴿أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً﴾ [المائدة: ٩٥]. وقال الزجاج: معناه وينزل من السماء من جبال من برد فيها. كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي خاتم حديد في يدي وإنما جئت في (هذا) وفي الآية بـ (من) لما فرقت، ولأنك إذا قلت: هذا خاتم من حديد، وخاتم حديد، كان المعنى واحداً، ويجوز أن يكون من برد في موضع نصب كما تقول: مررت بخاتم حديداً على الحال عند سيبويه. وعلى البيان عند المبرد، وإن شئت كان في موضع خفض على البدل كما تقول: مررت بخاتم حديد على البدل. وقيل: التقدير من جبال برد بتنوينهما، قاله الفراء. كما تقول: الإنسان من لحم ودم، والإنسان لحم ودم، فالجبال عنده هي البرد وليست الآية كالتمثيل الذي مثل، لأن حرف العطف في التمثيل وليس في الآية حرف عطف. وذهب الأخفش إلى أن من زائدة فيهما، ومن جبال، ومن برد في موضع نصب عنده. * * وقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: فيصيب بالبرد من يشاء فيهلكه أو يهلك به زرعه، ويصرفه عن من يشاء أي عن إهلاك من يشاء. * * ثم قال: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾، أي: ضوؤه يذهب بالأبصار لشدة لمعانه. وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: ﴿يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ﴾، بالضم وخطأه الأخفش، وأبو حاتم لأن "الباء" تعاقب الهمزة. وقيل: إن "جوازه" على زيادة الباء. وقيل: الباء متعلقة بالمصدر. والتقدير: يذهب إذهابه بالأبصار. وكذلك أجازوا أُدِخِلَ بالمُدْخَلِ "السجن" الدار فجمعوا بين الهمزة والباء على أن يتعلق الباء بالمصدر. وهو قول علي بن سلمان عن المبرد. * * ثم قال: ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ﴾، أي: يقلب من هذا في هذا، ومن هذا في هذا. وقيل: معناه يعقب بينهما: إذا ذهب هذا أتى هذا، فيقلب موضع الليل نهاراً وموضع النهار ليلاً. * * ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ﴾، أي: إن في إنشاء السحاب، ونزول المطر والبرد، وتقليب الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر، والكاف من ذلك خطاب للنبي ﷺ.

النور 24:45

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن. * * ﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. * * ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً. قال مجاهد: مذعنين سراعاً. وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما. * * ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

النور 24:46

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن. * * ﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. * * ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً. قال مجاهد: مذعنين سراعاً. وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما. * * ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

النور 24:47

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن. * * ﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. * * ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً. قال مجاهد: مذعنين سراعاً. وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما. * * ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

النور 24:48

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن. * * ﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. * * ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً. قال مجاهد: مذعنين سراعاً. وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما. * * ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

النور 24:49

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن. * * ﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. * * ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً. قال مجاهد: مذعنين سراعاً. وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما. * * ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

النور 24:50

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾، إلى قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، معناه: والله خلق كل ما يدب من نطفة، فمنهم من يمشي على بطنه كالحيات، ومنهم من يمشي على رجلين: كبني آدم، والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم. وجاز أن تأتي ﴿مَّن﴾ هنا لأنه لما خلط من يعقل لمن لا يعقل غَلَّبَ ما يعقل فقوله: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ﴾، قد يدخل فيه الناس وغيرهم من البهائم ولذلك قال: "فمنهم" ولم يقل: فمنها ولا منهن. * * ﴿يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: يحدث من يشاء من الخلق ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ﴾، أي: علامات واضحات دالات على طريق الحق. * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾، أي: يرشد من يشاء من خلقه إلى دين الإسلام وهو الطريق المستقيم. * * وقوله: ﴿عَلَىٰ أَرْبَعٍ﴾، تمام. قوله مبينات، قطع حسن. * * ثم قال: ﴿وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾، أي: ويقول المنافقون: صدقنا بالله وبالرسول وأطعناهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾، أي: ثم تُدْبِرُ طائفة منهم من بعد قولهم وإقرارهم بالإيمان. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ليس قائلو هذه المقالة بمؤمنين. ﴿مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾ قطع. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني هؤلاء المنافقين إذا دعوا إلى كتاب الله، وإلى رسوله ليحكم بينهم فيما اختصموا فيه بحكم الله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ﴾، أي: يعرضون عن قبول الحق. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، أي: إن يكن لهؤلاء المنافقين حق قِبَلَ الذين يدعونهم إلى كتاب الله يأتون إلى رسول الله منقادين لحكمه طائعين غير مكرهين. يقال: أذعن فلان بالحق إذا أقر به طائعاً. قال مجاهد: مذعنين سراعاً. وقال عطاء: هم قريش. ثم قال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ﴾، أي: أشكّوا في رسول الله أنه نبي ورسول فيأبوا الإتيان إليه أم يخافون أن يحيف الله عليهم، أن يجور عليهم بحكمه فيهم ومعناه: أن يحيف رسول الله، ولكن بدأ باسمه جل ذكره تعظيماً. كما يقال: قد أعتقك الله ثم أعتقك، وما شاء الله ثم شئت. ويدل على ذلك قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾، ولم يقل ليحكما. * * ثم قال: ﴿بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾، أي: لم يخافوا أن يحيف رسول الله عليهم فيتخلفون عنه لذلك، بل تخلفوا لأنهم قوم ظالمون لأنفسهم بخلافهم أمر ربهم.

النور 24:51

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾. قرأ الحسن ﴿قَوْلَ﴾ بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك. * * وقوله: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن أبي كُريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون. الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم. وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي الناجون من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي أغلظ أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب. وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم. وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم. وأجاز الزجاج: ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾، تمام. ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾، يصلح أن يكون ماضياً، ومستقبلاً، ولكن هو هنا مستقبلاً بدليل قوله: ﴿عَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾، ولو كان ماضياً لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: "عليكم ما حملتم" أي عليكم فعل ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من التبليغ. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغاً بيناً، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم.

النور 24:52

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾. قرأ الحسن ﴿قَوْلَ﴾ بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك. * * وقوله: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن أبي كُريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون. الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم. وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي الناجون من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي أغلظ أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب. وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم. وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم. وأجاز الزجاج: ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾، تمام. ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾، يصلح أن يكون ماضياً، ومستقبلاً، ولكن هو هنا مستقبلاً بدليل قوله: ﴿عَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾، ولو كان ماضياً لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: "عليكم ما حملتم" أي عليكم فعل ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من التبليغ. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغاً بيناً، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم.

النور 24:53

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾. قرأ الحسن ﴿قَوْلَ﴾ بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك. * * وقوله: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن أبي كُريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون. الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم. وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي الناجون من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي أغلظ أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب. وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم. وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم. وأجاز الزجاج: ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾، تمام. ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾، يصلح أن يكون ماضياً، ومستقبلاً، ولكن هو هنا مستقبلاً بدليل قوله: ﴿عَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾، ولو كان ماضياً لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: "عليكم ما حملتم" أي عليكم فعل ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من التبليغ. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغاً بيناً، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم.

النور 24:54

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾. قرأ الحسن ﴿قَوْلَ﴾ بالرفع على اسم كان، وهذه الآية تأديب للمؤمنين ليسارعوا إلى طاعة الله ورسوله إذا دعوا إلى حكم. ولفظه لفظ الخبر ومعناه التحضيض أن يفعل المؤمنون كذلك. * * وقوله: ﴿وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، معناه المدركون طلباتهم بفعلهم. ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال ابن أبي كُريمة: معناه من يطع الله فيوحده، ورسوله فيصدقه، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه، ويتقه فيما بقي من عمره فأولئك هم الفائزون. الفوز في اللغة: النجاة، والفلاح: البقاء في النعيم. وقيل: المعنى: من يطع الله فيما أمره به، ونهاه عنه ويسلم لحكمه له وعليه، ويخشى عاقبة معصية الله، ويتق عذاب الله، فأولئك هم الفائزون أي الناجون من عذاب الله. * * ثم قال: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾، أي: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم الله ورسوله إذا دعوا إليه: جهد أيمانهم، أي أغلظ أيمانهم وأشدها لئن أمرتهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد ليخرجن. قل لهم يا محمد: لا تقسموا أي لا تحلفوا هذه طاعة معروفة بينكم فيها التكذيب. وقيل: المعنى لا تحلفوا طاعة معروفة أمثل: من قسمكم. وقال مجاهد: معنى طاعة معروفة: أي قد عرفت طاعتكم أي أنكم تكذبون. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، من طاعتكم له ولرسوله وخلاف أمرهما وغير ذلك من أموركم. وأجاز الزجاج: ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب على المصدر ﴿لاَّ تُقْسِمُواْ﴾، تمام. ثم قال: ﴿قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المقسمين ليخرجن معك إذا أمرتهم: أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعوا الرسول ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾، يصلح أن يكون ماضياً، ومستقبلاً، ولكن هو هنا مستقبلاً بدليل قوله: ﴿عَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ﴾، ولو كان ماضياً لقال: عليهم ما حملوا. ومعنى: "عليكم ما حملتم" أي عليكم فعل ما أمركم به الرسول. وعليه ما حمل أي ما كلف من التبليغ. * * ثم قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ﴾، أي: إن تطيعوا الرسول فيما أمركم به، ونهاكم عنه: تهتدوا أي ترشدوا وتصيبوا الحق ﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ﴾، أي: ليس على من أرسله الله إلى قوم برسالة إلا أن يبلغهم رسالات الله بلاغاً بيناً، ويفهمهم ما أراد الله منهم فيما أرسله به إليهم.

النور 24:55

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي وعد الله المؤمنين منكم أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعده به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ﷺ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي ﷺ لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة. وقال النبي ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهذا موافق للآية ومعنى: ﴿كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم. * * ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و "يعبدون": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه السلام شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم. قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح. فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية. * * وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين. وقال علي بن سليمان: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ﴾. قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾. قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة. وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن.. * * وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ﴾، إلى قوله: ﴿صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد. قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة، والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها. وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يُتجرد فيها من الثياب، وتنكشف العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه الأوقات خاصة. وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يُعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما قال ابن عباس. قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ندب. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات. وقيل: هو ظرف والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه. وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات. * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات. وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن. * * وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه الأوقات الثلاثة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ﴾، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم.

النور 24:56

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي وعد الله المؤمنين منكم أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعده به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ﷺ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي ﷺ لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة. وقال النبي ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهذا موافق للآية ومعنى: ﴿كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم. * * ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و "يعبدون": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه السلام شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم. قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح. فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية. * * وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين. وقال علي بن سليمان: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ﴾. قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾. قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة. وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن.. * * وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ﴾، إلى قوله: ﴿صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد. قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة، والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها. وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يُتجرد فيها من الثياب، وتنكشف العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه الأوقات خاصة. وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يُعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما قال ابن عباس. قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ندب. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات. وقيل: هو ظرف والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه. وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات. * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات. وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن. * * وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه الأوقات الثلاثة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ﴾، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم.

النور 24:57

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي وعد الله المؤمنين منكم أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعده به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ﷺ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي ﷺ لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة. وقال النبي ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهذا موافق للآية ومعنى: ﴿كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم. * * ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و "يعبدون": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه السلام شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم. قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح. فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية. * * وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين. وقال علي بن سليمان: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ﴾. قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾. قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة. وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن.. * * وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ﴾، إلى قوله: ﴿صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد. قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة، والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها. وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يُتجرد فيها من الثياب، وتنكشف العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه الأوقات خاصة. وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يُعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما قال ابن عباس. قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ندب. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات. وقيل: هو ظرف والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه. وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات. * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات. وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن. * * وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه الأوقات الثلاثة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ﴾، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم.

النور 24:58

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. أي وعد الله المؤمنين منكم أيها الناس، وعملوا الأعمال الصالحات ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ قيل: أرض المشركين بعد النبي. فأخبر الله نبيه ووعده أنه سيمكن من آمن به من ملك أرض العدو، وأنه سيستخلفهم في تلك آمنين، فكان ما وعده به، وهذا من أدل ما يكون على صحة نبوة محمد عليه السلام لأنه أخبر بما يكون قبل أن يكون، فكان كما أخبر ﷺ، فلا يكون ذلك إِلا عن وحي من الله إليه بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا الإخبار من متخرص يصيب ويخطئ، ويصيب بعضاً ويخطئ في بعض لأنه قد كان كل ما وعدهم به، لم يمتنع منه شيء، والمتخرص يقع خبره كذباً في أكثر أقواله، وربما وافق بعض ما أخبر به، وأخطأ في بعض، ولا يصيب المتخرص في كل ما وعد به، فلما كان كل ما أخبر به النبي ﷺ لم يمتنع منه شيء علمنا أنه بوحى، والوحي لا يكون إلا للنبي والرسول الصادق في أخباره، فكان في ذلك دلالة على نبوة محمد عليه السلام. لأن الله تعالى ذكره قد أنجز له وعده. وفيها دلالة على خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعلى أمانتهم، لأنه لم يستخلف بعد رسول الله أحد ممن خوطب بهذه الآية غيرهم. لأن هذه الآية نزلت قبل فتح مكة. وقال النبي ﷺ: الخلافة بعدي ثلاثون سنة. وهذا موافق للآية ومعنى: ﴿كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، عني به بنو إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بالشام وجعلهم ملوكها وسكانها، فدل ذلك أن الله هو الذي استخلفهم في الأرض، وبأمره صاروا خلفاء وأئمة، وأنهم كانوا يعبدون الله تعالى لا يشركون به شيئاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ﴾، أي: ليوطنن لهم دينهم وهو الإسلام الذي ارتضاه لهم وأمرهم به، وإنما جاء ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ في جواب ﴿وَعَدَ﴾ لأن الوعد قول فصار بمنزلة: قال لهم: ليستخلفنهم. * * ثم قال: ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾، أي: يخضعون لي بالطاعة، لا يشركون في عبادتهم في الأوثان والأصنام، و "يعبدون": حال أي وعدهم في هذه الحال، ويجوز أن يكون مستأنفاً على الثناء عليهم. ويروى أن بعض أصحاب النبي عليه السلام شكى إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة الخوف، وما يلقون من الأذى فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم. فأنجزه الله لهم، وملكهم ما وعدهم وأظهرهم على عدوهم. قال أبو العالية: مكث النبي عليه السلام عشر سنين خائفاً، يدعو إلى الله سراً وجهراً ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فمكث بها واصحابه خائفين يصبحون في السلاح، ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع هنا السلاح. فقال النبي ﷺ كلمة معناها: لا تَغْبُرون إلا يسيراً، حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبياً ليس بيده حديدة، فأنزل الله هذه الآية. * * وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ﴾، أي: من كفر بالنعمة لا بالله قاله: أبو العالية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ﴾، أي: بحدودها ﴿وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ﴾، يعني التي فرض الله ﴿وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ﴾، يعني فيما أمر به ونهى عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل ربكم يرحمكم، ولعل من الله خبر واجب يفعله بفضله. * * ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾، من قرأه بالياء فالمفعول الأول لحسب محذوف على قول الفراء. والتقدير لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين. وقال علي بن سليمان: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. والتقدير لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين. ويجوز أن يكون المعنى: لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين. فأما من قرأ بالتاء فهو الأمر الظاهر، والنبي عليه السلام هو المخاطب، وهو الفاعل، و ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، في موضع نصب. و ﴿مُعْجِزِينَ﴾، مفعول ثان. ومعنى الآية لا تحسبن يا محمد الذين كفروا معجزين في الأرض إذا أراد الله هلاكهم، وتم الكلام على الأرض. ثم ابتدأ بخبر آخر عن عاقبة أمرهم، فقال: ﴿وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ﴾. قيل: هو معطوف على محذوف تقديره: بل هم تحت القدرة ومأواهم النار بعد هلاكهم. ﴿وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ أي: بئس الذي يصيرون إليه. * * ثم قال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾. قال ابن عمر: هي محكمة. ودل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩]، يعني البالغين، أي يستأذن هؤلاء الأطفال إذا بلغوا على كل حال، كما استأذن البالغون في كل وقت، يعني من الرجال خاصة. وقيل: عني به من مَلَكْتَهُ من الرجال والنساء ألا يدخل عليك في هذه الثلاثة الأوقات إلا بإذن.. * * وقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ﴾، يعني من لم يحتلم من الأحرار. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾، أي: في ثلاث مرات، يعني: بالمرات ثلاث أوقات. ثم بين الثلاث أوقات متى هن فقال: ﴿مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ﴾، إلى قوله: ﴿صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ﴾، ولو حُمِلَ الكلام على ظاهره لوجب ألا يدخل إلا بعد استئذان ثلاث مرات، وليس الأمر كذلك إنما هو إذن واحد. قال ابن عباس: إن الله رفيق حليم رحيم بالمؤمنين يحب السترة عليهم، وكان القوم ليس لهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو مع أهله في حال جماع، فأمر الله تعالى بالاستئذان في هذه الأوقات الثلاث، ثم جاء الله باليسر وبسط في الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعنه أنه قال: الآية محكمة، والعمل بها لازم، ولكن الناس لا يعملون بها. وقيل: إنما أمروا بالاستئذان لأنها أوقات يُتجرد فيها من الثياب، وتنكشف العورات، ودلت الآية على أن البالغين من ذوي المحارم عليهم الاستئذان في هذه الأوقات، وفي غيرها، وهؤلاء المذكورون في الآية إنما يستأذنون في هذه الأوقات خاصة. وقال ابن المسيب: هي منسوخة: لا يُعمل بها اليوم. يعني أن الأبواب قد صنعت، والستور قد منعت من دخول هؤلاء وغيرهم على الإنسان، ودل على ذلك ما قال ابن عباس. قال ابن عباس: جاء الله باليسر، وبسط الرزق فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس ذلك قد كفاهم من الاستيذان الذي أمروا به. فكأنها على هذا القول ندب. * * ثم قال: ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾، من نصب ثلاث رده على ثلاث مرات. وقيل: هو ظرف والتقدير أوقات ثلاث عورات، والرفع على الابتداء وما بعده الخبر، والعورات الساعات التي تكون فيها العورة، والخلوة سميت عورة لكون ظهور العورة فيها، كما قالوا: ليلك نائم: لكون النوم فيه. وقيل: التقدير: ثلاث أوقات ظهور عورات. * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: ليس عليكم معشر أهل البيوت ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار إثم في الدخول عليكم بغير استئذان بعد الأوقات. وهذا يدل على أن على الموالي من الاستئذان في الدخول على العبيد في هذه الأوقات، مثل ما على العبيد. لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد هذه الأوقات في الدخول حرج. ويدل عليه أيضاً قوله: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوفون عليهم، كما يطوفون عليكم في هذه الأوقات، فعليكم من الاستئذان مثل ما عليهم. لكن خص الله الموالي بالخطاب والذكر، لأنهم هم الذين عرفت لهم الخدمة من عبيدهم. * * ثم قال تعالى: ﴿طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ﴾، أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار: طوافون عليكم: أي يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن. * * وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾، أي: يطوف بعضكم على بعض في سوى هذه الأوقات الثلاثة. * * ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأَيَـٰتِ﴾، أي: كما بين لكم أوقات الاستئذان كذلك يبين لكم جميع أعلامه، وأدلته ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾، أي: ذو علم بمصالح عباده، حكيم في تدبيره إياهم.

النور 24:59

ثم قال: ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ﴾، أي: إذا بلغ الأطفال من أولادكم وأقربائكم الحلم فليستأذنوا أي إذا أرادوا الدخول عليكم في كل الأوقات. ﴿كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني البالغين. وقيل: يعني الكبار من ولد الرجل وأقربائه الأحرار. قال ابن عباس: أما من بلغ الحلم، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله، إلا بإذن على كل حال. وهو معنى الآية ﴿وَإِذَا بَلَغَ﴾. وقال عطاء: واجب على الناس كلهم إذا بلغوا الحلم أن يستأذنوا على من كان من الناس. وقال الزهري وابن المسيب: يستأذن الرجل على أمه. * * ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ معناه كالأول. * * قوله: ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ﴾ قال يعقوب: هو تمام. وقال غيره: التمام العشاء. لأن ما بعد مرات تبيين لها، فأما من قرأ ﴿ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ﴾، بالنصب فلا يكون الوقف على قوله إلا ثلاث عورات لكم، (وبعدهن) تمام.

النور 24:60

قوله تعالى: ﴿وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: واللواتي قعدن من النساء عن التزويج وعن الولد من الكبر، ولا يرجون نكاحاً، ولا يرغب في نكاح مثلهن، فلا إثم عليهن، أن يضعن القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء عند أولي المحارم من الرجال غير متبرجات بزينة. خفف الله تعالى عنهن في وضع ثيابهن، إذ لا يرغب في النظر إليهن الرجال، ولا في نكاحهن، والنظر إلى شعورهن وما هو عورة منهن، لا يجوز لأحد فعله بمثل الشابة. وإنما خفف الله تعالى ذلك عنها ولم يبح للرجال النظر إلى شيء من عوراتهن من شعر وغيره، وإن كن لا يرغب في نكاحهن. واحدتهن قاعد بغير هاء وحذفت الهاء عند البصريين على النسبة. وقال الكوفيون: لما كان لا يقع إلا لمؤنث حذفت الهاء. وقيل: حذفت منه الهاء ليفرق بينه وبين القاعدة التي هي الجالسة. وقوله تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾، أي: ألا يضعن ذلك خير لهن. وقال مجاهد: معناه: أن يلبسن جلابيبهن فلا يضعنه خير لهن. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾، أي: يسمع ما تنطق ألسنتهم عليم بما تضمره صدورهم. * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، الآية. هذه الآية نزلت ترخيصاً للمسلمين أن يأكلوا مع العميان والعرج والمرضى، وأن يأكلوا في بيوت غيرهم، وعلى بمعنى "في" وذلك أنهم تحرجوا من ذلك لما نزلت ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: كان أهل المدينة قبل النبي ﷺ لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا أعرج، ولا مريض على طريق التقزز. وقيل: على طريق التحرج. لأن المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج المحتبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام، فأنزل الله تعالى إباحة ذلك في هذه الآية. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية. لأن قوماً من أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله، وكان أهل الزمانة يتحرجون أن يطعموا ذلك الطعام، قال ذلك مجاهد. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة. وكان الغزاة يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك. قاله الزهري. وقيل: بل عني بذلك الجهاد، أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد. ثم ابتدأ كلاماً آخر فقال: ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، قاله ابن زيد. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]، فإذا فرض عليهم ألا يدخلوا حتى يستأذنوا، فالدخول والأكل آكد ألا يفعل إلا بعد إذن، ولا يأكل حتى يدخل، وقد فرض عليه ألا يدخل إذا لم يجد فيها أحداً، فالأكل ممتنع لامتناع الدخول فهو ناسخ له. قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ﴾، الآية. هذا شيء قد انقطع ونسخ؛ إنما كان هذا في أول الإسلام، ولم تكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت ولا أحد فيه، وهو جائع فيجد طعاماً فسوغه الله أن يأكله، وقد ذهب ذلك، اليوم البيوت فيها أهلها وإذا خرجوا أغلقوها ولا يحل لأحد أن يفتح باب أحد، فليأكل متاعه بإجماع. وأكثر أهل النظر على أن الآية منسوخة بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وبقوله: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبقول النبي ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه وقيل: نزلت ترخيصاً لمن كان يتقي مؤاكلة الزمنى. فالآية على قول ابن زيد: منسوخة، وهي ناسخة لتحرجهم عن الأكل مع الزمنى على قول ابن عباس المتقدم، وهو قول جماعة من أهل العلم. وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، يعني وكيل الرجل وقيِّمه في ضيعته أنه لا بأس أن يأكل من الثمر ونحوه. قاله ابن عباس. قال أبو عبيد: هذا كله إنما هو بعد الإذن لأن الناس توقفوا أن يأكلوا لأحد شيئاً بإذن أو بغير إذن لما نزلت: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقيل: عني به منزل الرجل نفسه. أنه لا بأس عليه أن يأكل منه. وقال مجاهد: يعني خزائن الرجل ومتاعه. وقرأ قتادة: ﴿مَّفَاتِحهُ﴾ وهي لغة، ومفتح أكثر من مفتاح والمفتح: الخزانة. وقرأ ابن جبير: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، على من لم يسم فاعله، ومعنى ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، ولا عليكم أيها الناس. ولما اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب المخاطب. فقوله ﴿تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، وما بعده من المخاطبة، يراد به جميع من ذكر من الأعمى، والأعرج، والمريض، وأصحاب البيوت. * * وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره لم يكن بذلك بأس. * * وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، وما بعده، ولم يذكر بيوت الأبناء يدل على أن بيت الابن داخل في بيت الرجل، فهو داخل في قوله: ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، فبيت ابن الرجل مثل بيته، فدل ذلك على صحة قول النبي ﷺ: أنت ومالك لأبيك فمال ابن الرجل كمال الرجل، إلا ما أحكمته السنة في غير المأكول في بيت الإبن، وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه بغير إذنه، كما يأكل من بيته نفسه، لأن له أن يأخذ ماله ويستحل كسبه، وهو غني عن ذلك، فإن كان الأب فقيراً، فليس له على الابن إلا ما أحكمته السنة من النفقة بالمعروف. * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، أي إثم وحرج أن تأكلوا جميعاً أي مع الفقراء والزمنى ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ أي متفرقين، وأشتاتاً نصب على الحال، وكذلك جميعاً. قال ابن عباس: كان الرجل الغني يدخل على الفقير، من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى الطعام، فيتحرج أن يأكل معه، لأنه فقير، فأمروا أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً. وقيل: عني بذلك حي من العرب، كان لا يأكل أحدهم شيئاً وحده، ولا يأكل إلا مع غيره، فأذن الله أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء مع غيره. وعن ابن عباس أيضاً قال: كانوا يأنفون أن يأكل الرجل وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك. وقال ابن جريج: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده، حتى نزلت الآية. وقال الضحاك: كانوا لا يأكلون متفرقين ديناً لهم فأنزل الله إباحة ذلك. وقيل: عني به قوم من الأنصار. كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. روي في ذلك عن أبي صالح وعكرمة. وروى مطرف عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أنه كان يقول في هذه الآية: إنها نزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ في مغازيه وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم، إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم طيبة بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية أباح لهم الأكل منها. * * وقوله: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، ولم يذكر الأبناء، يدل على أن بيت الابن بيت الأب مع قول النبي ﷺ "أنت ومالك لأبيك"، ولما كانت بيوت الأب لا يملكها الابن قال: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، لو كان يملكها لكانت كبيته وبيت أبيه. وقوله عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] يدل على أن الرجل يملك أمر ابنه وماله حتى يبلغ، إذ لم تنذر أم مريم إلا فيما تملك، فإذا بلغ الولد فعل بنفسه ما شاء بالإجماع على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، أي يسلم بعضكم على بعض، أي سلموا على أهليكم وعيالكم. قال عمرو بن دينار: فإن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وقال ابن عباس: يقول إذا لم يكن في البيت أحد: السلام علينا من ربنا. وعن ابن عباس أنه: عني به المساجد تسلم إذا دخلت فإن لم يكن فيها أحد قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا لم يكن في البيت أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال الحسن معناه: إذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم على بعض. وقيل معناه: إذا دخلتم بيوتاً لا أحد فيها: فسلموا على أنفسكم. * * وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾، أي ليحيي بعضكم بعضاً، والتحية البركة، ويكون في غير هذا الملك نعتت بطيبة لأن سامعها يستطيب سماعها. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ﴾، أي هكذا يفصل لكم معالم دينكم، لعلكم تعقلون عنه أمره، ونهيه، وأدبه.

النور 24:61

قوله تعالى: ﴿وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: واللواتي قعدن من النساء عن التزويج وعن الولد من الكبر، ولا يرجون نكاحاً، ولا يرغب في نكاح مثلهن، فلا إثم عليهن، أن يضعن القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء عند أولي المحارم من الرجال غير متبرجات بزينة. خفف الله تعالى عنهن في وضع ثيابهن، إذ لا يرغب في النظر إليهن الرجال، ولا في نكاحهن، والنظر إلى شعورهن وما هو عورة منهن، لا يجوز لأحد فعله بمثل الشابة. وإنما خفف الله تعالى ذلك عنها ولم يبح للرجال النظر إلى شيء من عوراتهن من شعر وغيره، وإن كن لا يرغب في نكاحهن. واحدتهن قاعد بغير هاء وحذفت الهاء عند البصريين على النسبة. وقال الكوفيون: لما كان لا يقع إلا لمؤنث حذفت الهاء. وقيل: حذفت منه الهاء ليفرق بينه وبين القاعدة التي هي الجالسة. وقوله تعالى: ﴿وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ﴾، أي: ألا يضعن ذلك خير لهن. وقال مجاهد: معناه: أن يلبسن جلابيبهن فلا يضعنه خير لهن. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾، أي: يسمع ما تنطق ألسنتهم عليم بما تضمره صدورهم. * * ثم قال: ﴿لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، الآية. هذه الآية نزلت ترخيصاً للمسلمين أن يأكلوا مع العميان والعرج والمرضى، وأن يأكلوا في بيوت غيرهم، وعلى بمعنى "في" وذلك أنهم تحرجوا من ذلك لما نزلت ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: كان أهل المدينة قبل النبي ﷺ لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا أعرج، ولا مريض على طريق التقزز. وقيل: على طريق التحرج. لأن المريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج المحتبس لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام، فأنزل الله تعالى إباحة ذلك في هذه الآية. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية. لأن قوماً من أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله، وكان أهل الزمانة يتحرجون أن يطعموا ذلك الطعام، قال ذلك مجاهد. وقيل: نزلت ترخيصاً لأهل الزمانة أن يأكلوا من بيوت من خلفهم في بيوته من الغزاة. وكان الغزاة يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك. قاله الزهري. وقيل: بل عني بذلك الجهاد، أي لا إثم عليهم في التخلف عن الجهاد. ثم ابتدأ كلاماً آخر فقال: ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، قاله ابن زيد. وقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ﴾ [النور: ٢٧]، فإذا فرض عليهم ألا يدخلوا حتى يستأذنوا، فالدخول والأكل آكد ألا يفعل إلا بعد إذن، ولا يأكل حتى يدخل، وقد فرض عليه ألا يدخل إذا لم يجد فيها أحداً، فالأكل ممتنع لامتناع الدخول فهو ناسخ له. قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ﴾، الآية. هذا شيء قد انقطع ونسخ؛ إنما كان هذا في أول الإسلام، ولم تكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت ولا أحد فيه، وهو جائع فيجد طعاماً فسوغه الله أن يأكله، وقد ذهب ذلك، اليوم البيوت فيها أهلها وإذا خرجوا أغلقوها ولا يحل لأحد أن يفتح باب أحد، فليأكل متاعه بإجماع. وأكثر أهل النظر على أن الآية منسوخة بقوله: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وبقوله: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وبقول النبي ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه وقيل: نزلت ترخيصاً لمن كان يتقي مؤاكلة الزمنى. فالآية على قول ابن زيد: منسوخة، وهي ناسخة لتحرجهم عن الأكل مع الزمنى على قول ابن عباس المتقدم، وهو قول جماعة من أهل العلم. وقوله ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، يعني وكيل الرجل وقيِّمه في ضيعته أنه لا بأس أن يأكل من الثمر ونحوه. قاله ابن عباس. قال أبو عبيد: هذا كله إنما هو بعد الإذن لأن الناس توقفوا أن يأكلوا لأحد شيئاً بإذن أو بغير إذن لما نزلت: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. وقيل: عني به منزل الرجل نفسه. أنه لا بأس عليه أن يأكل منه. وقال مجاهد: يعني خزائن الرجل ومتاعه. وقرأ قتادة: ﴿مَّفَاتِحهُ﴾ وهي لغة، ومفتح أكثر من مفتاح والمفتح: الخزانة. وقرأ ابن جبير: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ﴾، على من لم يسم فاعله، ومعنى ﴿وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، ولا عليكم أيها الناس. ولما اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب المخاطب. فقوله ﴿تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، وما بعده من المخاطبة، يراد به جميع من ذكر من الأعمى، والأعرج، والمريض، وأصحاب البيوت. * * وقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، قال قتادة: فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره لم يكن بذلك بأس. * * وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، وما بعده، ولم يذكر بيوت الأبناء يدل على أن بيت الابن داخل في بيت الرجل، فهو داخل في قوله: ﴿أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ﴾، فبيت ابن الرجل مثل بيته، فدل ذلك على صحة قول النبي ﷺ: أنت ومالك لأبيك فمال ابن الرجل كمال الرجل، إلا ما أحكمته السنة في غير المأكول في بيت الإبن، وهذه الآية تدل على أن للرجل أن يأكل من بيت ابنه بغير إذنه، كما يأكل من بيته نفسه، لأن له أن يأخذ ماله ويستحل كسبه، وهو غني عن ذلك، فإن كان الأب فقيراً، فليس له على الابن إلا ما أحكمته السنة من النفقة بالمعروف. * * ثم قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾، أي إثم وحرج أن تأكلوا جميعاً أي مع الفقراء والزمنى ﴿أَوْ أَشْتَاتاً﴾ أي متفرقين، وأشتاتاً نصب على الحال، وكذلك جميعاً. قال ابن عباس: كان الرجل الغني يدخل على الفقير، من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى الطعام، فيتحرج أن يأكل معه، لأنه فقير، فأمروا أن يأكلوا جميعاً أو أشتاتاً. وقيل: عني بذلك حي من العرب، كان لا يأكل أحدهم شيئاً وحده، ولا يأكل إلا مع غيره، فأذن الله أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء مع غيره. وعن ابن عباس أيضاً قال: كانوا يأنفون أن يأكل الرجل وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك. وقال ابن جريج: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده، حتى نزلت الآية. وقال الضحاك: كانوا لا يأكلون متفرقين ديناً لهم فأنزل الله إباحة ذلك. وقيل: عني به قوم من الأنصار. كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا. روي في ذلك عن أبي صالح وعكرمة. وروى مطرف عن مالك عن ابن شهاب، عن ابن المسيب: أنه كان يقول في هذه الآية: إنها نزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ في مغازيه وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن يأكلوا مما في بيوتهم، إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقون أن يأكلوا منها، ويقولون: نخشى ألا تكون أنفسهم طيبة بذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية أباح لهم الأكل منها. * * وقوله: ﴿مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، ولم يذكر الأبناء، يدل على أن بيت الابن بيت الأب مع قول النبي ﷺ "أنت ومالك لأبيك"، ولما كانت بيوت الأب لا يملكها الابن قال: ﴿أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ﴾، لو كان يملكها لكانت كبيته وبيت أبيه. وقوله عن أم مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ [آل عمران: ٣٥] يدل على أن الرجل يملك أمر ابنه وماله حتى يبلغ، إذ لم تنذر أم مريم إلا فيما تملك، فإذا بلغ الولد فعل بنفسه ما شاء بالإجماع على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾، أي يسلم بعضكم على بعض، أي سلموا على أهليكم وعيالكم. قال عمرو بن دينار: فإن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله. وقال ابن عباس: يقول إذا لم يكن في البيت أحد: السلام علينا من ربنا. وعن ابن عباس أنه: عني به المساجد تسلم إذا دخلت فإن لم يكن فيها أحد قلت: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال النخعي: إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله، وإذا لم يكن في البيت أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال الحسن معناه: إذا دخلتم بيوتاً من بيوت المسلمين فليسلم بعضكم على بعض. وقيل معناه: إذا دخلتم بيوتاً لا أحد فيها: فسلموا على أنفسكم. * * وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾، أي ليحيي بعضكم بعضاً، والتحية البركة، ويكون في غير هذا الملك نعتت بطيبة لأن سامعها يستطيب سماعها. * * ثم قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَٰتِ﴾، أي هكذا يفصل لكم معالم دينكم، لعلكم تعقلون عنه أمره، ونهيه، وأدبه.

النور 24:62

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمُ﴾، آخر السورة، أي إنما المؤمنون حق الإيمان: الذين صدقوا الله ورسوله وإذا كانوا مع رسوله على أمر يجتمع إليه الجميع من حرب، أو صلاة، أو تشاور في رأي يعم نفعه لم يذهبوا عنه حتى يستأذنوه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إن الذين يستأذنونك يا محمد في الانصراف، ولا يمضون عنك بغير رأيك أولئك هم المؤمنون بالله ورسوله حقاً. ثم قال تعالى لنبيه: ﴿فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض حاجاتهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾، في الانصراف عنك ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ﴾، أي: وادع لهم الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. وقيل: المعنى: واستغفر لهم الله لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذراً. ويروى: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك"، فأمر الله نبيه بالإذن لمن استأذنه، وأمره، يستغفر لهم، ودل قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، على أن العمل بأوامر الله هو من الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من الإيمان. ثم قال تعالى يخاطب المؤمنين: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾، أي: اتقوا دعاء الرسول عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعاءه مجاب. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، كما يخاطب بعضكم بعضاً. وهذا مثل قوله: ﴿لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ، وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم قبله من المعنى. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾، الآية، هذه الآية نزلت في حفر الخندق حول المدينة، وذلك أن اليهود سعت في البلاد على حرب النبي ﷺ، فأتت قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت غطفان من قيس وقائدها عيينة بن حصن، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وذلك في شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل رسول الله ﷺ في الخندق بيده، وعمل معه المسلمون، وتخلف عن العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن من رسول الله وجعل المؤمنون يستأذنون النبي عليه السلام إذا عرضت لهم حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ذلك. قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذاً مصدر لاوذ ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به لئلا يُرى عند انصرافه. قال مجاهد: لواذاً خلافاً. ولم يعتل لواذاً، كما اعتل قياماً، لأن الواو صحت في الفعل، فقيل لاوذ يُلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياماً فما عرفه. * * ثم قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي ليحذر من يخالف أمر النبي عليه السلام أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه. قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي ﷺ، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي في الدنيا على صنعهم ذلك. وقال أبو عبيدة: "عن" هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره لأن "عن" و "على" لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه السلام. وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه معرضين. * * ثم قال: ﴿أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي ملك ما فيها، فلا ينبغي لمخلوقٍ مملوكٍ أن يخالف أمر مالكه، وخالقه فيستوجب عقوبته. ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الطاعة والمعصية والمعنى: قد علم ذلك، فيجازيكم على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي يرجع الذين يخالفون عن أمر الله ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، أي يخبرهم بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾. أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو يجازي كلاًّ بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة.

النور 24:63

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمُ﴾، آخر السورة، أي إنما المؤمنون حق الإيمان: الذين صدقوا الله ورسوله وإذا كانوا مع رسوله على أمر يجتمع إليه الجميع من حرب، أو صلاة، أو تشاور في رأي يعم نفعه لم يذهبوا عنه حتى يستأذنوه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إن الذين يستأذنونك يا محمد في الانصراف، ولا يمضون عنك بغير رأيك أولئك هم المؤمنون بالله ورسوله حقاً. ثم قال تعالى لنبيه: ﴿فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض حاجاتهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾، في الانصراف عنك ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ﴾، أي: وادع لهم الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. وقيل: المعنى: واستغفر لهم الله لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذراً. ويروى: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك"، فأمر الله نبيه بالإذن لمن استأذنه، وأمره، يستغفر لهم، ودل قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، على أن العمل بأوامر الله هو من الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من الإيمان. ثم قال تعالى يخاطب المؤمنين: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾، أي: اتقوا دعاء الرسول عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعاءه مجاب. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، كما يخاطب بعضكم بعضاً. وهذا مثل قوله: ﴿لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ، وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم قبله من المعنى. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾، الآية، هذه الآية نزلت في حفر الخندق حول المدينة، وذلك أن اليهود سعت في البلاد على حرب النبي ﷺ، فأتت قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت غطفان من قيس وقائدها عيينة بن حصن، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وذلك في شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل رسول الله ﷺ في الخندق بيده، وعمل معه المسلمون، وتخلف عن العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن من رسول الله وجعل المؤمنون يستأذنون النبي عليه السلام إذا عرضت لهم حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ذلك. قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذاً مصدر لاوذ ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به لئلا يُرى عند انصرافه. قال مجاهد: لواذاً خلافاً. ولم يعتل لواذاً، كما اعتل قياماً، لأن الواو صحت في الفعل، فقيل لاوذ يُلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياماً فما عرفه. * * ثم قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي ليحذر من يخالف أمر النبي عليه السلام أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه. قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي ﷺ، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي في الدنيا على صنعهم ذلك. وقال أبو عبيدة: "عن" هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره لأن "عن" و "على" لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه السلام. وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه معرضين. * * ثم قال: ﴿أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي ملك ما فيها، فلا ينبغي لمخلوقٍ مملوكٍ أن يخالف أمر مالكه، وخالقه فيستوجب عقوبته. ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الطاعة والمعصية والمعنى: قد علم ذلك، فيجازيكم على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي يرجع الذين يخالفون عن أمر الله ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، أي يخبرهم بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾. أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو يجازي كلاًّ بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة.

النور 24:64

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمُ﴾، آخر السورة، أي إنما المؤمنون حق الإيمان: الذين صدقوا الله ورسوله وإذا كانوا مع رسوله على أمر يجتمع إليه الجميع من حرب، أو صلاة، أو تشاور في رأي يعم نفعه لم يذهبوا عنه حتى يستأذنوه. * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي إن الذين يستأذنونك يا محمد في الانصراف، ولا يمضون عنك بغير رأيك أولئك هم المؤمنون بالله ورسوله حقاً. ثم قال تعالى لنبيه: ﴿فَإِذَا ٱسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض حاجاتهم ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾، في الانصراف عنك ﴿وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ﴾، أي: وادع لهم الله أن يتفضل عليهم بالمغفرة، إن الله غفور لذنوب عباده التائبين، رحيم بهم أن يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها. وقيل: المعنى: واستغفر لهم الله لخروجهم عن الجماعة إن رأيت لهم عذراً. ويروى: أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه: استأذن النبي ﷺ في العمرة فأذن له ثم قال: "يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك"، فأمر الله نبيه بالإذن لمن استأذنه، وأمره، يستغفر لهم، ودل قوله: ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، على أن العمل بأوامر الله هو من الإيمان، فالعمل بالاستئذان الذي أمرهم به من الإيمان. ثم قال تعالى يخاطب المؤمنين: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾، أي: اتقوا دعاء الرسول عليكم إن مضيتم بغير أمره، فتهلكوا ولا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فإن دعاءه مجاب. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: أمروا أن يدعوا الرسول بلين وتواضع، ولا يدعوه بغلظ وجفاء، كما يخاطب بعضكم بعضاً. وهذا مثل قوله: ﴿لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ، وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ﴾ [الحجرات: ٢]. وقال قتادة: أمروا أن يفخموه ويشرفوه، وقول ابن عباس: أليق بما تقدم قبله من المعنى. * * ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾، الآية، هذه الآية نزلت في حفر الخندق حول المدينة، وذلك أن اليهود سعت في البلاد على حرب النبي ﷺ، فأتت قريش وقائدها أبو سفيان، وأتت غطفان من قيس وقائدها عيينة بن حصن، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ضرب الخندق على المدينة، وذلك في شوال من سنة خمس من الهجرة فعمل رسول الله ﷺ في الخندق بيده، وعمل معه المسلمون، وتخلف عن العمل رجال من المنافقين، وجعلوا يعتذرون بالضعف ويتسللون إلى أهليهم بغير إذن من رسول الله وجعل المؤمنون يستأذنون النبي عليه السلام إذا عرضت لهم حاجة، فأنزل الله هذه الآية في ذلك. قال الضحاك: كان يستتر بعضهم ببعض فيقومون. ولواذاً مصدر لاوذ ويجوز أن يكون في موضع الحال، أي متلاوذين أي مخالفين، يلوذ بعضهم ببعض، فيستتر به لئلا يُرى عند انصرافه. قال مجاهد: لواذاً خلافاً. ولم يعتل لواذاً، كما اعتل قياماً، لأن الواو صحت في الفعل، فقيل لاوذ يُلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياماً فما عرفه. * * ثم قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي ليحذر من يخالف أمر النبي عليه السلام أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه. قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي ﷺ، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي في الدنيا على صنعهم ذلك. وقال أبو عبيدة: "عن" هنا زائدة. وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره لأن "عن" و "على" لا تزادان. ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه السلام. وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه معرضين. * * ثم قال: ﴿أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي ملك ما فيها، فلا ينبغي لمخلوقٍ مملوكٍ أن يخالف أمر مالكه، وخالقه فيستوجب عقوبته. ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الطاعة والمعصية والمعنى: قد علم ذلك، فيجازيكم على ذلك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي يرجع الذين يخالفون عن أمر الله ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، أي يخبرهم بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾. أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو يجازي كلاًّ بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة.

الفرقان 25:1

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:2

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:3

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:4

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:5

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:6

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:7

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:8

قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾. قال ابن عباس تبارك من البركة. وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة. وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره. وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه. وقيل: معناه: دام بقاء ﴿ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل. وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة. وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: الخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر. والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس. ﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد ﷺ. وقيل: هو القرآن. * * وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] يدل على أنه: محمد ﷺ ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد. * * ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب في التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك). * * ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت. وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه. * * ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهى من فعلهم وعبادتهم ما لا يخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع. ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته. وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته. * * ثم قال: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ ٱفْتَرَاهُ﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً ﷺ. ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد. وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً. * * ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد ﷺ إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته. والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُوۤاْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به محمد ﷺ: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿ٱكْتَتَبَهَا﴾، محمد ﴿فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً. ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة. قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي ﷺ، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي ﷺ إذا جلس مجلساً فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، ففيه نزل. وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أشعارهم وكهانتهم. وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث. وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل. وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من في السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء. قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم. * * ثم قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾. أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،. أي يحدث الله له جنة يأكل منها. قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر الله في بني إسرائيل. وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم. فقال النبي ﷺ، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض. وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي: وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.

الفرقان 25:9

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:10

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:11

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:12

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:13

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:14

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:15

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:16

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:17

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ﴾، إلى قوله: ﴿ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾. أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به. قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك. ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد ﷺ فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا. * * ثم قال ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته. قاله مجاهد. وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش. ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة. فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيۤ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ﴾ الآية. قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة. وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان. * * ثم قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ما فعل هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد. ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد. ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً. يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه. وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً. وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار. فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد. فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل الناس بنصف يوم. ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون. * * وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر: ؎ إن تميما خلقت ملوما فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال: ؎ قوما ترى واحدهم صهميما. والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس. قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليجر إلى النار. فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث. وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم وغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: ٤٨]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣] فرجع الخبر عن أهل القرية. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين. ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك. وقال ابن عباس: ثبورا: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه. والمثبور المصروف عن الخير. وروي عن النبي ﷺ: أنه قال: والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قاله ابن عمر وغيره. وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما فرطت. وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ قال:أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً. وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ويأسهم من النجاة. * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، "وذا" إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير، ﴿أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع. ﴿ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد. حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه. وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن "خيراً" ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال: ؎ فشركما لخيركما الفداء. وقيل: المعنى: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، على علمكم وما تعقلون. وقيل: إن قوله: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: ٧]، وما قالوا بعده. وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أَذٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ ٱلْخُلْدِ﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: ١٠] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها. * * ثم قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً. ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم إياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد. وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: ٨]. وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً. ﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله. * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، من الملائكة والانس والجن. قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي. ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق. وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.

الفرقان 25:18

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي قال عيسى ﷺ وعزيراً، والملائكة تنزيهاً لك يا ربنا وبراءةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون. ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بل أنت ولينا من دونهم. ﴿وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ بالمال في الدنيا والصحة ﴿حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: ذكرك. ﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى. قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا. قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ابن زيد، والعرب تقول لما فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق "ومن في ﴿مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ زائدة، زيدت للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذ، والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذنا أحد أولياء من دونك، وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه لغيرنا، ووقع هذا الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ ولكن حمل الجواب على المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى شيئا فالمتولى ولي للمتولي، فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ فجاء الجواب على المعنى هذا يسمى التدريج عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: ﴿أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ فكأنه قال: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ وكذلك قوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا. فقالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾. وقرأ الحسن وأبو جعفر ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بضم النون وفتح الخاء. قال أبو عمرو: لو كانت نُتخذ لحُذفت "من" الثانية: فقلت أن نتخذ من دونك أولياء. وأجازه الفراء والكسائي: على بُعد وقُبح، وذلك لا يجوز عند البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع وإنما تدخل "من" على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ما رأيت رجلاً، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في قراءة من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو قلت: ما اتخذت أحداً وليّاً لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن أحدا في معنى الجماعة، أحداً من ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ثبات "من" قبل أولياء فافهمه. ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك. ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم. "بما تقولون"، أي: بقولكم فمعناه كذبوكم بكذبكم. وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﷺ من عند الله أي: بما تقولون من الحق. قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون. هذا كله على قراءة من قرأ بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ﴾ الآية، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾. قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون. وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفاً عن الحق ولا نصراً لأنفسهم مما هم فيه من البلاء. وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة. قال ابن زيد: ينادي منادٍ يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عُبد من دون الله لم ينصر اليوم من عَبده. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ أي: من يشرك بالله فقد ظلم نفسه بذلك. قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾، الآية: رد على المشركين الذين قالوا: ﴿مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾ أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا أنه ليأكل الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ذلك لا نقص ولا حجة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، أي: بلاءً واختباراً، اختبرنا بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبياً، وهذا ملكاً، وهذا فقيراً، وهذا غنياً. قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان. وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم يعطين مثل ما أعطى فلاناً، ويُبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله فيقول: أعيّر بسبقه إياي. وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن غنياً صحيحاً فأسلم. ثم قال عز وجل: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: إن صبرتم فقد علمتم أجر الصابرين. قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق. وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي: إن ربكم لبصير بمن يصبر، ويجزع.

الفرقان 25:19

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي قال عيسى ﷺ وعزيراً، والملائكة تنزيهاً لك يا ربنا وبراءةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون. ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بل أنت ولينا من دونهم. ﴿وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ بالمال في الدنيا والصحة ﴿حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: ذكرك. ﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى. قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا. قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ابن زيد، والعرب تقول لما فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق "ومن في ﴿مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ زائدة، زيدت للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذ، والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذنا أحد أولياء من دونك، وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه لغيرنا، ووقع هذا الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ ولكن حمل الجواب على المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى شيئا فالمتولى ولي للمتولي، فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ فجاء الجواب على المعنى هذا يسمى التدريج عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: ﴿أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ فكأنه قال: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ وكذلك قوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا. فقالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾. وقرأ الحسن وأبو جعفر ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بضم النون وفتح الخاء. قال أبو عمرو: لو كانت نُتخذ لحُذفت "من" الثانية: فقلت أن نتخذ من دونك أولياء. وأجازه الفراء والكسائي: على بُعد وقُبح، وذلك لا يجوز عند البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع وإنما تدخل "من" على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ما رأيت رجلاً، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في قراءة من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو قلت: ما اتخذت أحداً وليّاً لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن أحدا في معنى الجماعة، أحداً من ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ثبات "من" قبل أولياء فافهمه. ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك. ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم. "بما تقولون"، أي: بقولكم فمعناه كذبوكم بكذبكم. وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﷺ من عند الله أي: بما تقولون من الحق. قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون. هذا كله على قراءة من قرأ بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ﴾ الآية، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾. قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون. وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفاً عن الحق ولا نصراً لأنفسهم مما هم فيه من البلاء. وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة. قال ابن زيد: ينادي منادٍ يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عُبد من دون الله لم ينصر اليوم من عَبده. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ أي: من يشرك بالله فقد ظلم نفسه بذلك. قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾، الآية: رد على المشركين الذين قالوا: ﴿مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾ أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا أنه ليأكل الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ذلك لا نقص ولا حجة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، أي: بلاءً واختباراً، اختبرنا بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبياً، وهذا ملكاً، وهذا فقيراً، وهذا غنياً. قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان. وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم يعطين مثل ما أعطى فلاناً، ويُبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله فيقول: أعيّر بسبقه إياي. وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن غنياً صحيحاً فأسلم. ثم قال عز وجل: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: إن صبرتم فقد علمتم أجر الصابرين. قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق. وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي: إن ربكم لبصير بمن يصبر، ويجزع.

الفرقان 25:20

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي قال عيسى ﷺ وعزيراً، والملائكة تنزيهاً لك يا ربنا وبراءةً مما أضاف إليك هؤلاء المشركون. ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بل أنت ولينا من دونهم. ﴿وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ بالمال في الدنيا والصحة ﴿حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكْرَ﴾ أي: ذكرك. ﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى. قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا. قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ابن زيد، والعرب تقول لما فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق "ومن في ﴿مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ زائدة، زيدت للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذ، والمعنى: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذنا أحد أولياء من دونك، وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه لغيرنا، ووقع هذا الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ ولكن حمل الجواب على المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى شيئا فالمتولى ولي للمتولي، فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ فجاء الجواب على المعنى هذا يسمى التدريج عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: ﴿أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ فكأنه قال: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ وكذلك قوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا. فقالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾. وقرأ الحسن وأبو جعفر ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بضم النون وفتح الخاء. قال أبو عمرو: لو كانت نُتخذ لحُذفت "من" الثانية: فقلت أن نتخذ من دونك أولياء. وأجازه الفراء والكسائي: على بُعد وقُبح، وذلك لا يجوز عند البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع وإنما تدخل "من" على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ما رأيت رجلاً، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في قراءة من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو قلت: ما اتخذت أحداً وليّاً لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن أحدا في معنى الجماعة، أحداً من ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ثبات "من" قبل أولياء فافهمه. ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك. ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم. "بما تقولون"، أي: بقولكم فمعناه كذبوكم بكذبكم. وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد ﷺ من عند الله أي: بما تقولون من الحق. قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون. هذا كله على قراءة من قرأ بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ﴾ الآية، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾. قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون. وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفاً عن الحق ولا نصراً لأنفسهم مما هم فيه من البلاء. وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة. قال ابن زيد: ينادي منادٍ يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عُبد من دون الله لم ينصر اليوم من عَبده. * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ أي: من يشرك بالله فقد ظلم نفسه بذلك. قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ﴾، الآية: رد على المشركين الذين قالوا: ﴿مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ﴾ أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا أنه ليأكل الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ذلك لا نقص ولا حجة. * * ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، أي: بلاءً واختباراً، اختبرنا بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبياً، وهذا ملكاً، وهذا فقيراً، وهذا غنياً. قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان. وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم يعطين مثل ما أعطى فلاناً، ويُبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله فيقول: أعيّر بسبقه إياي. وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن غنياً صحيحاً فأسلم. ثم قال عز وجل: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: إن صبرتم فقد علمتم أجر الصابرين. قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق. وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي: إن ربكم لبصير بمن يصبر، ويجزع.

الفرقان 25:21

قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد ﷺ: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ﴿أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وهذا مثل قولهم في سورة "سبحان" ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف. وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجراً محجوراً. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة. قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ "قدمنا" معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. * * ثم قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل. والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني. كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه "من" أو الذي يضاف إليه "أفعل" بعض ما في الأول. تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب "مستقر" على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،. قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط. وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. * * ثم قال: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ. وأجاز الزجاج، "الحق" بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. * * قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.

الفرقان 25:22

قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد ﷺ: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ﴿أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وهذا مثل قولهم في سورة "سبحان" ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف. وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجراً محجوراً. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة. قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ "قدمنا" معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. * * ثم قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل. والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني. كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه "من" أو الذي يضاف إليه "أفعل" بعض ما في الأول. تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب "مستقر" على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،. قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط. وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. * * ثم قال: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ. وأجاز الزجاج، "الحق" بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. * * قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.

الفرقان 25:23

قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد ﷺ: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ﴿أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وهذا مثل قولهم في سورة "سبحان" ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف. وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجراً محجوراً. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة. قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ "قدمنا" معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. * * ثم قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل. والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني. كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه "من" أو الذي يضاف إليه "أفعل" بعض ما في الأول. تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب "مستقر" على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،. قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط. وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. * * ثم قال: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ. وأجاز الزجاج، "الحق" بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. * * قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.

الفرقان 25:24

قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد ﷺ: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ﴿أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وهذا مثل قولهم في سورة "سبحان" ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف. وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجراً محجوراً. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة. قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ "قدمنا" معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. * * ثم قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل. والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني. كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه "من" أو الذي يضاف إليه "أفعل" بعض ما في الأول. تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب "مستقر" على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،. قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط. وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. * * ثم قال: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ. وأجاز الزجاج، "الحق" بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. * * قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.

الفرقان 25:25

قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد ﷺ: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ﴿أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وهذا مثل قولهم في سورة "سبحان" ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف. وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجراً محجوراً. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة. قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ "قدمنا" معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. * * ثم قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل. والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني. كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه "من" أو الذي يضاف إليه "أفعل" بعض ما في الأول. تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب "مستقر" على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،. قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط. وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. * * ثم قال: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ. وأجاز الزجاج، "الحق" بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. * * قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.

الفرقان 25:26

قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ﴾، إلى قوله: ﴿عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد ﷺ: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا ﴿أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك. قاله ابن جريج وغيره. غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وهذا مثل قولهم في سورة "سبحان" ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٩٢] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة. وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف. وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا. فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة. قالوا حجراً محجوراً. يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم. وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة. قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم. وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ "قدمنا" معنى التحذير من الاغترار بالإمهال. وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به. لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل. هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من حطام الشجر، وكذلك قال قتادة. وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار. * * ثم قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم. وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له: العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل. والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني. كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه. ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه "من" أو الذي يضاف إليه "أفعل" بعض ما في الأول. تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول. وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير، فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب "مستقر" على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان. والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون. فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة. وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،. قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: ٨]. وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾. وفي بعض الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: إن يوم القيامة يقصر على المؤمن يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد. قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل. وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]. وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة. وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط. وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس. وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو صفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو. * * ثم قال: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ. وأجاز الزجاج، "الحق" بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد. * * قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى ٱلْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.

الفرقان 25:27

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً، أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف). قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف. وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف. وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي ﷺ لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي ﷺ بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي ﷺ، كذباً منهم وبهتاناً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً. قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه. * * ثم قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك. وقيل، الوقف على "واحدة"، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾. أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك. وقيل، إن "ذا" من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال ابن عباس: نزل متفرقاً على النبي ﷺ ليعلمه عن ظهر قلب. وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه. لأنه لم يكن ﷺ: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. و "ذا" من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف "كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد. وقيل: إن "ذا" إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. * * ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.

الفرقان 25:28

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً، أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف). قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف. وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف. وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي ﷺ لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي ﷺ بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي ﷺ، كذباً منهم وبهتاناً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً. قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه. * * ثم قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك. وقيل، الوقف على "واحدة"، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾. أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك. وقيل، إن "ذا" من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال ابن عباس: نزل متفرقاً على النبي ﷺ ليعلمه عن ظهر قلب. وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه. لأنه لم يكن ﷺ: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. و "ذا" من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف "كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد. وقيل: إن "ذا" إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. * * ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.

الفرقان 25:29

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً، أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف). قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف. وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف. وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي ﷺ لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي ﷺ بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي ﷺ، كذباً منهم وبهتاناً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً. قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه. * * ثم قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك. وقيل، الوقف على "واحدة"، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾. أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك. وقيل، إن "ذا" من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال ابن عباس: نزل متفرقاً على النبي ﷺ ليعلمه عن ظهر قلب. وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه. لأنه لم يكن ﷺ: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. و "ذا" من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف "كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد. وقيل: إن "ذا" إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. * * ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.

الفرقان 25:30

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً، أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف). قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف. وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف. وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي ﷺ لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي ﷺ بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي ﷺ، كذباً منهم وبهتاناً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً. قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه. * * ثم قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك. وقيل، الوقف على "واحدة"، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾. أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك. وقيل، إن "ذا" من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال ابن عباس: نزل متفرقاً على النبي ﷺ ليعلمه عن ظهر قلب. وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه. لأنه لم يكن ﷺ: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. و "ذا" من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف "كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد. وقيل: إن "ذا" إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. * * ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.

الفرقان 25:31

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً، أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف). قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف. وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف. وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي ﷺ لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي ﷺ بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي ﷺ، كذباً منهم وبهتاناً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً. قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه. * * ثم قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك. وقيل، الوقف على "واحدة"، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾. أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك. وقيل، إن "ذا" من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال ابن عباس: نزل متفرقاً على النبي ﷺ ليعلمه عن ظهر قلب. وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه. لأنه لم يكن ﷺ: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. و "ذا" من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف "كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد. وقيل: إن "ذا" إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. * * ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.

الفرقان 25:32

قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ﴾، إلى قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾. أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على ما فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً، أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله. والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف). قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف. وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف. فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف. وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية. وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي ﷺ لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقلته، وليس من نفسي، فأما عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي ﷺ بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي ﷺ بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة. روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان. وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿يَٰوَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر. ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له. وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان. وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكْرِ﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية. ﴿وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه. وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي ﷺ، كذباً منهم وبهتاناً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً. قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر. وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه. * * ثم قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله. قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل. * * ثم قال: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة. كما نزلت التوراة والإنجيل. قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك. وقيل، الوقف على "واحدة"، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾. أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك. وقيل، إن "ذا" من كذلك: إشارة إلى التوراة. أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة. ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي. فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا. قال ابن عباس: نزل متفرقاً على النبي ﷺ ليعلمه عن ظهر قلب. وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه. لأنه لم يكن ﷺ: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه. و "ذا" من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،. وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره. فيكون الوقف "كذلك"، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد. وقيل: إن "ذا" إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت. * * ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة. قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.

الفرقان 25:33

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:34

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:35

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:36

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:37

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:38

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:39

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ﴾، إلى قوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾. أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به. ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً. * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا. قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم. وروى أنس: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف. صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم. وقيل: إن هذا تمثيل. كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ﴾، الآية، أي: آتينا موسى التوراة. كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً ﴿فَقُلْنَا ٱذْهَبَآ إِلَى ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم. وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف. وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] والناسي يوشع وحده. وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرجان من الملح. وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز. والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون. وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون بتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾. * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح. وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن. والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. * * وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع. وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء. فجمع على المعنى. * * ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ ٱلرَّسِّ﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر. وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعذبنا عاداً وثموداً. * * وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ ٱلأَمْثَالَ﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير. وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً وأصحاب الرس. قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود. وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج. وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر. وقاله مجاهد. قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر. والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو. وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي ﷺ قال: إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها. ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي ﷺ يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي ﷺ، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم. * * وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا. وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين. قال قتادة: القرن سبعون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة.

الفرقان 25:40

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾. أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها. وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم. * * ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. * * ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة. وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها. قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك. وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله. وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم. وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها. وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا. * * ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس. وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو. وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً. وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك. وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه. قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه. وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً. وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين. وقال مجاهد: يسيراً: خفياً. قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط. وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء. وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث. وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.

الفرقان 25:41

قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾. أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها. وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم. * * ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك. * * ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة. وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي. * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها. قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم. * * ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك. وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله. وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير. * * ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم. وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها. وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا. * * ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد. * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس. وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو. وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت. * * وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً. وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك. وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه. قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه. وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً. وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين. وقال مجاهد: يسيراً: خفياً. قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط. وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء. وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث. وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.