Tafsir Makhi — الفرقان 25:42 – الشعراء 26:40
المحتويات
- الفرقان 25:42
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:47
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:49
- الفرقان 25:50
- الفرقان 25:51
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:53
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:56
- الفرقان 25:57
- الفرقان 25:58
- الفرقان 25:59
- الفرقان 25:60
- الفرقان 25:61
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:65
- الفرقان 25:66
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:69
- الفرقان 25:70
- الفرقان 25:71
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:73
- الفرقان 25:74
- الفرقان 25:75
- الفرقان 25:76
- الفرقان 25:77
- الشعراء 26:1
- الشعراء 26:2
- الشعراء 26:3
- الشعراء 26:4
- الشعراء 26:5
- الشعراء 26:6
- الشعراء 26:7
- الشعراء 26:8
- الشعراء 26:9
- الشعراء 26:10
- الشعراء 26:11
- الشعراء 26:12
- الشعراء 26:13
- الشعراء 26:14
- الشعراء 26:15
- الشعراء 26:16
- الشعراء 26:17
- الشعراء 26:18
- الشعراء 26:19
- الشعراء 26:20
- الشعراء 26:21
- الشعراء 26:22
- الشعراء 26:23
- الشعراء 26:24
- الشعراء 26:25
- الشعراء 26:26
- الشعراء 26:27
- الشعراء 26:28
- الشعراء 26:29
- الشعراء 26:30
- الشعراء 26:31
- الشعراء 26:32
- الشعراء 26:33
- الشعراء 26:34
- الشعراء 26:35
- الشعراء 26:36
- الشعراء 26:37
- الشعراء 26:38
- الشعراء 26:39
- الشعراء 26:40
الفرقان 25:42
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾.
أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها.
وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم.
* *
ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.
* *
ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة.
وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها.
قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك.
وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله.
وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم.
وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها.
وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس.
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً.
وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك.
وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه.
قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه.
وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً.
وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين.
وقال مجاهد: يسيراً: خفياً.
قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط.
وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء.
وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث.
وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.
الفرقان 25:43
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾.
أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها.
وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم.
* *
ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.
* *
ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة.
وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها.
قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك.
وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله.
وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم.
وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها.
وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس.
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً.
وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك.
وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه.
قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه.
وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً.
وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين.
وقال مجاهد: يسيراً: خفياً.
قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط.
وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء.
وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث.
وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.
الفرقان 25:44
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾.
أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها.
وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم.
* *
ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.
* *
ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة.
وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها.
قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك.
وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله.
وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم.
وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها.
وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس.
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً.
وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك.
وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه.
قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه.
وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً.
وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين.
وقال مجاهد: يسيراً: خفياً.
قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط.
وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء.
وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث.
وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.
الفرقان 25:45
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾.
أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها.
وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم.
* *
ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.
* *
ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة.
وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها.
قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك.
وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله.
وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم.
وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها.
وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس.
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً.
وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك.
وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه.
قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه.
وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً.
وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين.
وقال مجاهد: يسيراً: خفياً.
قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط.
وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء.
وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث.
وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.
الفرقان 25:46
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِيۤ أُمْطِرَتْ مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، إلى قوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾.
أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ ٱلسَّوْءِ﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها.
وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم.
* *
ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.
* *
ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة.
وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له. ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها.
قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي، ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً. كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده. ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي ﷺ أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك.
وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله.
وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان. أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾، من البهائم لأن البهائم تهتدي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم.
وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها.
وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كانوا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا.
* *
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾،. مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة والضحاك، وابن زيد.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس.
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول. وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها. لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه. وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت.
* *
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا ٱلشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً.
وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك.
وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي بها فتنسخه.
قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه.
وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً.
وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً. وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين.
وقال مجاهد: يسيراً: خفياً.
قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط.
وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء.
وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث.
وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحيي.
الفرقان 25:47
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾، إلى قوله: ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما تستترون بالثياب التي تلبسونها.
* *
وقوله: ﴿وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
* *
ثم قال: ﴿لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
ثم قال تعالى ذكره": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
* *
وقوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس.
وقيل "به": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
الفرقان 25:48
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾، إلى قوله: ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما تستترون بالثياب التي تلبسونها.
* *
وقوله: ﴿وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
* *
ثم قال: ﴿لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
ثم قال تعالى ذكره": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
* *
وقوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس.
وقيل "به": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
الفرقان 25:49
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾، إلى قوله: ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما تستترون بالثياب التي تلبسونها.
* *
وقوله: ﴿وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
* *
ثم قال: ﴿لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
ثم قال تعالى ذكره": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
* *
وقوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس.
وقيل "به": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
الفرقان 25:50
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾، إلى قوله: ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما تستترون بالثياب التي تلبسونها.
* *
وقوله: ﴿وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
* *
ثم قال: ﴿لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
ثم قال تعالى ذكره": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
* *
وقوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس.
وقيل "به": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
الفرقان 25:51
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾، إلى قوله: ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما تستترون بالثياب التي تلبسونها.
* *
وقوله: ﴿وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
* *
ثم قال: ﴿لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
ثم قال تعالى ذكره": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
* *
وقوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس.
وقيل "به": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
الفرقان 25:52
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً﴾، إلى قوله: ﴿جِهَاداً كَبيراً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما تستترون بالثياب التي تلبسونها.
* *
وقوله: ﴿وَٱلنَّوْمَ سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
* *
وقوله: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
* *
ثم قال: ﴿لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي. قاله المبرد، وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر. قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
ثم قال تعالى ذكره": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء. ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
* *
وقوله: ﴿فَأَبَىٰ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى. لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا. قاله ابن عباس.
وقيل "به": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
الفرقان 25:53
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:54
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:55
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:56
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:57
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:58
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:59
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:60
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:61
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.
وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
* *
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى ﴿وَبَنَاتُ ٱلأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخر ذكر الصهر.
وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختَن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ ٱلْمَآءِ بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء. وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
* *
ثم قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يجلب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه. وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه. وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه. فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾، أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
* *
ثم قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
* *
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على الحي الذي له الحياة الدائمة... ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه ﴿وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة. ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، ولا يحد، ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات. وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين. فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.
وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض. ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض. والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
* *
ثم قال: ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً. الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]، أي: عن عذاب، ومعناه عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها. والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير. وهو قول ابن جريج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله. ومعنى نفوراً فراراً. وقيل: إنما عنوا هنا بالرحمن: رحمان اليمامة: مسيلمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن. وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم. قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]، وعلى هذا القول يحسن القراءة بالياء، والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي ﷺ.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً. كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي: مضيئاً. ومن قرأ "سُرُجاً" بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم. ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في "فيها" على القراءة، من قرأ: "سرجاً" بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ "سرجاً" بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و "قُمرا" بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
الفرقان 25:62
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥].
وقيل: الخبر ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت "تعالوا".
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: "سلاماً منك" أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
* *
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾، أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
* *
ثم قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال:
﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
الفرقان 25:63
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥].
وقيل: الخبر ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت "تعالوا".
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: "سلاماً منك" أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
* *
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾، أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
* *
ثم قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال:
﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
الفرقان 25:64
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥].
وقيل: الخبر ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت "تعالوا".
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: "سلاماً منك" أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
* *
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾، أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
* *
ثم قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال:
﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
الفرقان 25:65
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥].
وقيل: الخبر ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت "تعالوا".
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: "سلاماً منك" أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
* *
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾، أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
* *
ثم قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال:
﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
الفرقان 25:66
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥].
وقيل: الخبر ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت "تعالوا".
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: "سلاماً منك" أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
* *
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾، أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
* *
ثم قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال:
﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
الفرقان 25:67
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، إلى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾.
أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلفاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر. قاله عمر رضي الله عنه، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك. ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر. ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ﴾ [الفرقان: ٧٥].
وقيل: الخبر ﴿ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت "تعالوا".
* *
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسلم، لا من التسليم تقول: "سلاماً منك" أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة. إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين. ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب. ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة. وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
* *
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون، وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: ٨٣].
وقال الحسن يمشون حلماء، علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾، أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
* *
ثم قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه. ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. فيكون المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر. وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر. كما قال:
﴿وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
* *
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله. وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم، ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق. وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
الفرقان 25:68
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً. قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله ﷺ فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: "يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال:إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عن ما يسخطه إلى ما يرضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله. والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ أنه قالها في خطبة له. تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً. ويقول: نهيت فلاناً فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً. فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
؎ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ∗∗∗ ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
الفرقان 25:69
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً. قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله ﷺ فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: "يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال:إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عن ما يسخطه إلى ما يرضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله. والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ أنه قالها في خطبة له. تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً. ويقول: نهيت فلاناً فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً. فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
؎ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ∗∗∗ ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
الفرقان 25:70
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً. قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله ﷺ فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: "يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال:إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عن ما يسخطه إلى ما يرضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله. والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ أنه قالها في خطبة له. تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً. ويقول: نهيت فلاناً فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً. فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
؎ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ∗∗∗ ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
الفرقان 25:71
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً. قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله ﷺ فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: "يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال:إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عن ما يسخطه إلى ما يرضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله. والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ أنه قالها في خطبة له. تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً. ويقول: نهيت فلاناً فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً. فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
؎ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ∗∗∗ ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
الفرقان 25:72
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً. قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله ﷺ فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: "يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال:إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عن ما يسخطه إلى ما يرضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله. والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ أنه قالها في خطبة له. تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً. ويقول: نهيت فلاناً فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً. فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
؎ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ∗∗∗ ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
الفرقان 25:73
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ﴾، إلى قوله: ﴿صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً. قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم. وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم. فنزلت هذه الآية، ونزل: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج. وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله ﷺ فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: ١].
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات. أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه. قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وبنكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: "يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي ﷺ قال:إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة. ثم قال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام بنقلهم عن ما يسخطه إلى ما يرضاه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾ أي: ومن تاب من الشرك بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله. والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم. والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله. ثم قرأ الآية، وروي مثل ذلك عن النبي ﷺ أنه قالها في خطبة له. تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب. فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له. قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة. ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج ربهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها. ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظل يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً. ويقول: نهيت فلاناً فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً. فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
؎ بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ∗∗∗ ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
الفرقان 25:74
قوله تعالى: ذكره ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾، إلى آخر السورة.
أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، من أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم إياهم يعملون بطاعة الله.
قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي شيء أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته وولده مطيعين لله.
قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك.
وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾، أي: اجعلنا يقتدي بنا من بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: المعنى اجعلنا أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في السعادة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال في أهل الشقاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا.
وقوله ﴿إِمَاماً﴾ وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام.
وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو.
وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾، أي: هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل الجنة.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: دائمين المقام، ماكثين فيها.
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: حسنت تلك الغرفة مستقراً، أي: قراراً ﴿وَمُقَاماً﴾، أي: إقامة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء يصنع بكم ربي، لولا دعاؤكم إلى الإيمان؟
قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جلّ ذكره الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه.
قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. ومعنى: ما يعبأ أي: ما يصنع بكم.
قال الزجاج: لولا دعاؤكم. أي: لولا توحيدكم إياه. ومعنى ما يعبأ بكم أي: وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر.
قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل.
* *
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، هو يوم بدر.
وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر. والتقدير: فسوف يكون عاقبة تكذيبهم اللزام.
وعن مجاهد أنه قال في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً وقد مضى اللزام وهو يوم بدر.
وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون.
وقال القتيبي: المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا شرككم به.
وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، أي: فقد كذبتم رسولكم فسوف يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاماً، أي: ملازماً لكم، أي: عذاباً ملازماً وهو ما حل بكم يوم بدر.
وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر.
وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن زيد: اللزام: القتل يوم بدر.
وقال ابن عباس: اللزام: الموت.
وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاماً أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير أو شر.
الفرقان 25:75
قوله تعالى: ذكره ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾، إلى آخر السورة.
أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، من أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم إياهم يعملون بطاعة الله.
قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي شيء أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته وولده مطيعين لله.
قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك.
وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾، أي: اجعلنا يقتدي بنا من بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: المعنى اجعلنا أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في السعادة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال في أهل الشقاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا.
وقوله ﴿إِمَاماً﴾ وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام.
وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو.
وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾، أي: هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل الجنة.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: دائمين المقام، ماكثين فيها.
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: حسنت تلك الغرفة مستقراً، أي: قراراً ﴿وَمُقَاماً﴾، أي: إقامة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء يصنع بكم ربي، لولا دعاؤكم إلى الإيمان؟
قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جلّ ذكره الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه.
قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. ومعنى: ما يعبأ أي: ما يصنع بكم.
قال الزجاج: لولا دعاؤكم. أي: لولا توحيدكم إياه. ومعنى ما يعبأ بكم أي: وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر.
قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل.
* *
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، هو يوم بدر.
وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر. والتقدير: فسوف يكون عاقبة تكذيبهم اللزام.
وعن مجاهد أنه قال في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً وقد مضى اللزام وهو يوم بدر.
وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون.
وقال القتيبي: المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا شرككم به.
وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، أي: فقد كذبتم رسولكم فسوف يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاماً، أي: ملازماً لكم، أي: عذاباً ملازماً وهو ما حل بكم يوم بدر.
وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر.
وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن زيد: اللزام: القتل يوم بدر.
وقال ابن عباس: اللزام: الموت.
وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاماً أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير أو شر.
الفرقان 25:76
قوله تعالى: ذكره ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾، إلى آخر السورة.
أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، من أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم إياهم يعملون بطاعة الله.
قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي شيء أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته وولده مطيعين لله.
قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك.
وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾، أي: اجعلنا يقتدي بنا من بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: المعنى اجعلنا أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في السعادة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال في أهل الشقاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا.
وقوله ﴿إِمَاماً﴾ وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام.
وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو.
وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾، أي: هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل الجنة.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: دائمين المقام، ماكثين فيها.
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: حسنت تلك الغرفة مستقراً، أي: قراراً ﴿وَمُقَاماً﴾، أي: إقامة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء يصنع بكم ربي، لولا دعاؤكم إلى الإيمان؟
قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جلّ ذكره الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه.
قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. ومعنى: ما يعبأ أي: ما يصنع بكم.
قال الزجاج: لولا دعاؤكم. أي: لولا توحيدكم إياه. ومعنى ما يعبأ بكم أي: وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر.
قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل.
* *
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، هو يوم بدر.
وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر. والتقدير: فسوف يكون عاقبة تكذيبهم اللزام.
وعن مجاهد أنه قال في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً وقد مضى اللزام وهو يوم بدر.
وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون.
وقال القتيبي: المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا شرككم به.
وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، أي: فقد كذبتم رسولكم فسوف يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاماً، أي: ملازماً لكم، أي: عذاباً ملازماً وهو ما حل بكم يوم بدر.
وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر.
وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن زيد: اللزام: القتل يوم بدر.
وقال ابن عباس: اللزام: الموت.
وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاماً أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير أو شر.
الفرقان 25:77
قوله تعالى: ذكره ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾، إلى آخر السورة.
أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، من أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم إياهم يعملون بطاعة الله.
قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي شيء أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته وولده مطيعين لله.
قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك.
وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾، أي: اجعلنا يقتدي بنا من بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: المعنى اجعلنا أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في السعادة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقال في أهل الشقاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ﴾ [القصص: ٤١].
قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا.
وقوله ﴿إِمَاماً﴾ وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام.
وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو.
وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ﴾، أي: هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل الجنة.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: دائمين المقام، ماكثين فيها.
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: حسنت تلك الغرفة مستقراً، أي: قراراً ﴿وَمُقَاماً﴾، أي: إقامة.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء يصنع بكم ربي، لولا دعاؤكم إلى الإيمان؟
قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جلّ ذكره الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه.
قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام. ومعنى: ما يعبأ أي: ما يصنع بكم.
قال الزجاج: لولا دعاؤكم. أي: لولا توحيدكم إياه. ومعنى ما يعبأ بكم أي: وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر.
قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل.
* *
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، هو يوم بدر.
وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر. والتقدير: فسوف يكون عاقبة تكذيبهم اللزام.
وعن مجاهد أنه قال في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً وقد مضى اللزام وهو يوم بدر.
وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون.
وقال القتيبي: المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا شرككم به.
وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، أي: فقد كذبتم رسولكم فسوف يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاماً، أي: ملازماً لكم، أي: عذاباً ملازماً وهو ما حل بكم يوم بدر.
وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر.
وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن زيد: اللزام: القتل يوم بدر.
وقال ابن عباس: اللزام: الموت.
وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاماً أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير أو شر.
الشعراء 26:1
قوله تعالى ذكره: ﴿طسۤمۤ﴾، إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم خاضعة أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
الشعراء 26:2
قوله تعالى ذكره: ﴿طسۤمۤ﴾، إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم خاضعة أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
الشعراء 26:3
قوله تعالى ذكره: ﴿طسۤمۤ﴾، إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم خاضعة أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
الشعراء 26:4
قوله تعالى ذكره: ﴿طسۤمۤ﴾، إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم خاضعة أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
الشعراء 26:5
قوله تعالى ذكره: ﴿طسۤمۤ﴾، إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم خاضعة أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
الشعراء 26:6
قوله تعالى ذكره: ﴿طسۤمۤ﴾، إلى قوله ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يتبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه. يعقل أنه من عند الله لم يتخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾، أي: هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
* *
ثم قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم خاضعة أعناقهم لها. قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً. فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أعناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم. وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد. فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه. ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا. ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك. ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِيهِمْ أَنبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب. وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
الشعراء 26:7
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:8
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:9
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:10
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:11
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:12
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:13
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:14
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:15
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:16
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:17
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:18
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:19
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:20
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:21
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:22
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى ٱلأَرْضِ كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون. ثم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
* *
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله "عزيز رحيم" فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك "موسى" بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل. فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
* *
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ﴾، يعني أخاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
* *
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿يَقْتُلُونِ﴾.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك. فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز. وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة. يقول: أرسلت رسالة ورسولاً. وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
* *
ثم قال: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن تطلقهم وتخلي سبيلهم.
* *
ثم قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، يمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو "عُمْرك" بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في "لعمرك" فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك. وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال والهيئة كما تقول: هو حسن المشبه والركبة والجلسة.
* *
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا. وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك. فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله. يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
* *
ثم قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منكم خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تستعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بما لا يجب أن تمن به.
وقيل: المعنى وتلك نعمة تمنها علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن عبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني. وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي. لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها. فلما منّ عليه فرعون بتربيته له. قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
الشعراء 26:23
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:24
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:25
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:26
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:27
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:28
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:29
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:30
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:31
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:32
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:33
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:34
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:35
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:36
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:37
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:38
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:39
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:40
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.