Tafsir Makhi — الشعراء 26:41 – الشعراء 26:116
المحتويات
- الشعراء 26:41
- الشعراء 26:42
- الشعراء 26:43
- الشعراء 26:44
- الشعراء 26:45
- الشعراء 26:46
- الشعراء 26:47
- الشعراء 26:48
- الشعراء 26:49
- الشعراء 26:50
- الشعراء 26:52
- الشعراء 26:53
- الشعراء 26:54
- الشعراء 26:55
- الشعراء 26:56
- الشعراء 26:57
- الشعراء 26:58
- الشعراء 26:59
- الشعراء 26:60
- الشعراء 26:61
- الشعراء 26:62
- الشعراء 26:63
- الشعراء 26:64
- الشعراء 26:65
- الشعراء 26:66
- الشعراء 26:67
- الشعراء 26:68
- الشعراء 26:69
- الشعراء 26:70
- الشعراء 26:71
- الشعراء 26:72
- الشعراء 26:73
- الشعراء 26:74
- الشعراء 26:75
- الشعراء 26:76
- الشعراء 26:77
- الشعراء 26:78
- الشعراء 26:79
- الشعراء 26:80
- الشعراء 26:81
- الشعراء 26:82
- الشعراء 26:83
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:85
- الشعراء 26:86
- الشعراء 26:87
- الشعراء 26:88
- الشعراء 26:89
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:92
- الشعراء 26:93
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:95
- الشعراء 26:96
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:98
- الشعراء 26:99
- الشعراء 26:100
- الشعراء 26:101
- الشعراء 26:102
- الشعراء 26:103
- الشعراء 26:104
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:107
- الشعراء 26:108
- الشعراء 26:109
- الشعراء 26:110
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:112
- الشعراء 26:113
- الشعراء 26:114
- الشعراء 26:115
- الشعراء 26:116
الشعراء 26:41
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:42
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:43
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:44
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:45
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:46
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:47
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:48
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:49
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:50
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، إلى قوله ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين. قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون. وهذا من إعجاز القرآن، وإِيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة. ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين. قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس المعلومات ترك جوابه، وأجابه بدلالة أفعال الله، ومحدثاته من السماوات والأرض، ولم يخبره أنه جنس إذ لا يجوز، فعجّب فرعون قومه من جواب موسى له فقال لمن حوله من القبط: ألا تستمعون إلى قول موسى، فزادهم موسى من البيان ما هو أقرب عليهم من الأول وأقرب إلى أفهامهم، فقال لهم ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي الذي دعوته إليه وإلى عبادته: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: خالقكم، وخالق آبائكم الأولين فدل عليه بأفعاله، وترك ظاهر جواب فرعون، لأنه سأل عن الجنس، والأجناس كلها محدثة، فلم يجبه موسى عن ذلك إذ سؤاله ممتنع، وأجابه بأفعاله الدالة على قدرته، وتوحيده، فأتى بدليل يقرب من أفهامهم فلم يحتجّ فرعون عليه فيما قال بأكثر من أن نسبه إلى الجنون، لأنه قد قرر عند قومه أنه لا رب لهم غيره.
فقال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمغلوب على عقله، لأنه يقول قولاً لا نعرفه ولا نفهمه؛ يُلبس بذلك على قومه. يريد فرعون أن موسى مجنون إذ أجابني بغير ما سألته عنه، فلم يجبهم موسى إلا بما يجوز أن يوصف به رب العالمين. فقال موسى عند ذلك محتجّاً على فرعون وزائداً له في البيان ﴿رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾، أي: مشرق الشمس، ومغربها وما بينهما من شيء.
﴿إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ما يقال لكم فأخبرهم أن ملك الله جلّ ذكره ليس كملك فرعون الذي لا يملك إلا بلداً واحداً، فلما علم فرعون صحة ما يقول موسى وتبين له ولقومه ذلك توعد موسى استكباراً وتجبراً فقال ﴿لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ﴾، أي: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله، فرفق به موسى، وقال له ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بآية ظاهرة تدلك على صدق ما نقول، وما ندعوك إليه إن قبلت، قال له فرعون: فأت بها إن كنت صادقاً، فإني لا أسجنك بعد ذلك ﴿فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾، أي: تحولت ثعباناً ذكراً، وهي الحية. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾، أي: أخرج يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع للناظرين من غير برص.
قيل: كان بياضهما يغلب على ضوء الشمس.
وقيل: نزعها من قميصه.
وقال المنهال: ارتفعت الحية في السماء قدر ميل، ثم سفلت حتى صار رأس فرعون بين نابيها فجعلت تقول: يا موسى: مرني بما شئت، فجعل فرعون يقول: يا موسى أسألك بالذي أرسلك قال: فأخذه بطنه، ثم قال فرعون للملا حوله أي للأشراف من قومه ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال ذلك بعدما أراه الآيتين، وأزال عنه ما خاف منه من الثعبان أن يبتلعه فلم يمكنه إنكار ما رأى فقال لقومه، ما قال عند ذلك: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾، أي: يريد أن يخرج بني إسرائيل من أرضكم إلى الشام بقهره إياكم بالسحر، فالخطاب منه لأشراف قومه من القبط والمراد بنو إسرائيل لأن القبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل. فالمعنى: يريد أن يخرج خدمكم من أرض مصر إلى الشام، ويبين هذا قوله في طه: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧] وقوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧]، ثم قال فرعون لأشراف قومه من القبط: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ يشاورهم في أمر موسى فهذان كلامان اتصلا باللفظ، وهما من آيتين ومثله: اتصال كلام يوسف بكلام امرأة العزيز في قولها ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١] انقضى كلام امرأة العزيز فقال يوسف ﴿ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] ومثله اتصال كلام بلقيس بكلام الله جلّ ذكره في قولها: ﴿وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ [النمل: ٣٤] تم كلامها فقال الله جل ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] وقد قيل: إنه من كلام سليمان عليه السلام، ولهذا نظائر كثيرة ﴿قَالُوۤاْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾، أي: أخرهما ﴿وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ﴾، يجمعون إليك، كل ساحر علم بالسحر.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾، أي: فجمع الحاشرون السحرة لوقت معلوم، تواعد فرعون وموسى بالاجتماع فيه وذلك يوم الزينة.
﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]، ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾، لتنظروا لمن الغلبة ألموسى أم للسحرة؟ وقيل: المعنى: وقال بعض الناس لبعض: هل أنتم مجتمعون لننظر لمن الغلبة لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين موسى.
وروى: أن الاجتماع كان بالاسكندرية قاله ابن زيد.
فبلغ ذنب الحية يومئذ من وراء البحيرة وهربوا وأسلموا فرعون فهمّت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما يلي الناس به منه أنه لا يضع على الأرض شيئاً فأحدث يومئذٍ تحته، وكان إرساله الحية في القبة الخضراء. فكل ذلك قاله ابن زيد.
وقال ابن لهيعة: كان فرعون لحيته خضراء، وكانت تضرب ساقه إذا رهب، وكانت له جمة خضراء مثل ذلك من خلفه، وكان إذا ركب غطى شعره، من خلفه الظهر، ومن بين يديه لحيته.
* *
ثم قال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً﴾، أي: لما جاء السحرة فرعون لموسى قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً قبلك على سحرنا إن كنا نحن الغالبين موسى. قال لهم فرعون: نعم لكم الأجر قبلي إن غلبتهم وإنكم إذا غلبتهم لمن المقربين مني، فقالوا عند ذلك لموسى ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١٥]، وحذف هذا لدلالة الكلام عليه وقد نصه تعالى في غير هذا الموضع ولم يحذفه للإفهام وحذفه هنا للاختصار والإيجاز، ودلالة الكلام عليه. فقال لهم موسى ﴿أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾، يعني من حبالهم وعصيهم، فألقوا ذلك. ﴿وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ﴾، أي: أقسموا بعزة فرعون وسلطانه ﴿إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ﴾، موسى ﴿فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ﴾، حين ألقت السحرة حبالها وعصيها ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾، أي: تزدري ما يأتون به من القرية والسحر الذي لا حقيقة له.
روي: أن حبالهم وعصيهم كانت حمل ثلاث مائة بعير، فابتلعت العصا جميع ذلك، ثم دنا موسى فقبض عليها بيده فصارت عصا، كما كانت أولاً وليس لتلك الحبال والعصي أثر، فألقي السحرة عند ذلك ساجدين مذعنين أي تبين لهم كذب ما أتوا به وصدق ما جاء به موسى وإنه لا يقدر على ذلك ساحر، وقالوا في سجودهم ﴿آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، الذي دعا موسى إلى عبادته. ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾، والتقدير: فألقي الذين كانوا السحرة ساجدين لأنهم لم يسجدوا حتى آمنوا، وزال عنهم ذنب السحر فلا يسموا سحرة إلا على ما كانوا عليه. وذكر ابن وهب عن القاسم بن أبي بزة أنه قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتى جعل موسى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: ٦٦] فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ مبين فاغرٌ فاه يبلع حبالهم وعصيهم، فألقى السحرة عند ذلك ساجدين، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار وثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات، قال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون. فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء، فأبصرت بيتها في الجنة، فمضت على قولها وانتزع روحها فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
قوله: قال فرعون ﴿آمَنتُمْ لَهُ﴾، أي: قال فرعون للسحرة آمنتم له أي: بأنّ ما جاء به حق ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، في ذلك أي: قبل أن آمركم به.
قال ابن زيد: خطاياهم: السحر، والكفر اللذان كانوا عليهما. قال ابن زيد: كانوا يومئذ أول من آمن بموسى، وكان قد آمن بموسى ست مائة ألف وسبعون ألفاً من بني إسرائيل، فأول من آمن من عند ظهور الآية السحرة.
الشعراء 26:52
قال ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ﴾، أي: أوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه، أن اسر ببني إسرائيل من أرض مصر ﴿ۤ إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ﴾ أي: يتبعكم فرعون وجنوده ليمنعوكم الخروج من أرض مصر.
الشعراء 26:53
أي: جامعين يجمعون الناس لطلب موسى ومن معه، والمدائن يجوز أن يكون مفاعل ويكون همزها سماعاً على غير أصل، فتكون مشتقة من دان يدين. ويجوز أن يكون فعائل، ويكون همزها على الأصل وتكون مشتقة من مدن، وهذا أحسن من الأول.
الشعراء 26:54
أي: قال فرعون لمن جمع من الناس: إن موسى ومن معه لشرذمة قليلون. والشرذمة الطائفة، وشرذمة كل شيء بقيته القليلة.
قال أبو عبيدة: كانوا ست مائة ألف وسبعين ألفاً فوصفهم بالقلة.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: اجتمع يعقوب، وولده إلى يوسف وهم اثنان وسبعون وخرجوا مع موسى وهم ست مائة ألف غير من مات، وخرج فرعون على فرس أدهم حصان في عسكره ثمان مائة ألف.
قال الزجاج: كانت مقدمة فرعون: سبع مائة ألف، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة.
وقال قيس بن عباد: كانت مقدمة فرعون ست مائة ألف، كل رجل منهم على حصان على رأسه بيضة، في يده حربة وهو خلفهم في الدهم، فلما انتهى موسى ببني إسرائيل البحر، قالت بنو إسرائيل: يا موسى أين ما وعدتنا؟ هذا البحر بين أيدينا، وهذا فرعون وجنوده قد دهمنا من خلفنا، فقال موسى للبحر: إنفلق يا أبا خالد، فقال: لا أنفلق يا موسى، أنا أقدم منك خلقاً، فنودي موسى ﴿أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾ فضربه فانفلق البحر، وكانوا اثني عشر سبطاً، فسار لكل سبط طريق، فلما انتهى أول جنود فرعون إلى البحر، هابت الخيل البحر، ومثل الحصان منها وديق فرس، فوجد ريحها فاشتد، واتبعته الخيل فلما تتام آخر جنوده في البحر، وخرج آخر بني إسرائيل، أمر البحر فانطبق عليهم، فقالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون وما كان ليموت أبداً، فسمع الله تكذيبهم لنبيه، فرمى به على الساحل كأنه ثور أحمر فرآه بنو إسرائيل.
قال مالك: خرج مع موسى رجلان من التجار إلى البحر، فلما أتيا إليه قالا له: ماذا أمرك ربك به؟ قال: أمرني ربي أن أضرب البحر بعصاي هذه فيجف، فقالا له: إفعل ما أمرك به ربك فلن يخلفك، قال ثم ابتدرا إلى البحر، فألقيا أنفسهما فيه تصديقاً به.
قال ابن جريج: أوحى الله جلّ ذكره إلى موسى قبل أن يسري بهم أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن فاضربوا بدمائها على الأبواب فإني سآمر الملائكة ألا تدخل بيتاً على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار آل فرعون ثم اخبزوا خبزاً فطيراً، فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنهي البحر، فيأتيك أمري، ففعل فلما أصبحوا، قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا، فأرسل في أثرهم ألف ألف وخمس مائة ألف وخمس مائة ملك مصور، مع كل ملك ألف رجل، وخرج فرعون في الكرسي العظيم، وقال: ﴿إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾، وكانوا ست مائة ألف، منهم أبناء عشرين سنة إلى الأربعين.
وقال ابن عباس كان مع فرعون يومئذ ألف جبار كلهم عليه تاج، وكلهم أمير على خيل.
قال ابن جريج: كان ثلاثون ألفاً يعني من الملائكة ساقة، خلف فرعون يحسبون أنهم معهم، وجبريل عليه السلام أمامهم يرد أوائل الخيل على آخرها، فأتبعهم حتى انتهوا إلى البحر.
الشعراء 26:55
أي: بقتلهم أبكارنا.
وقيل: معناه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ بذهابهم بالعواري التي كانوا استعاروها من الحلي.
وقيل: ﴿لَغَآئِظُونَ﴾ بخروجهم من أرضنا بغير رضانا.
وقال عمرو بن ميمون: قالوا لفرعون: إن موسى قد خرج ببني إسرائيل، فقال: لا تكلموهم حتى يصيح الديك، فلم يصح تلك الليلة ديك فلما أصبح: أحضر شاة فذبحت، وقال: لا يتم سلخها حتى يحضر خمسمائة ألف فارس من القبط فحضروا.
الشعراء 26:56
من قرأ بألف وبغير ألف فمعناه عند أبي عبيدة واحد، وهو مذهب سيبويه لأنه أجاز أن تعدى بحذراً كما يعدى حاذراً.
وقال الجرمي: لا يجوز: حذر زيداً إلا على حذف (من).
وقال الكسائي والفراء والمبرد: رَجُل حَذِرٌ. إذا كان الحَذَرُ في خلقته فهو متيقظ منتبه، فلا يتعدى على هذا المعنى كما لا يتعدى كريم وشريف. ومعنى حاذر عندهم: مستعد فيكون المعنى على قراءة من قرأ بغير ألف: وإنا لجميع قد استشعرنا الحذر حتى صار كالخلقة وقيل معناه: وإنا لجميع حاملون السلاح، وإن بني إسرائيل لا سلاح معهم. ومن قرأ بألف فمعناه: مستعدون بالسلاح، فهو أمر محدث فيهم.
قال ابن مسعود حاذرون مؤدون في الكراع والسلاح أي: معهم أداة ذلك.
وقيل حاذرون: شاكون في السلاح: وقرأ ابن أبي عمار حادرون بالدال غير معجمة بمعنى: ممتلئين غيظاً. تقول العرب جمل حادر: إذا كان ممتلئاً غيظاً.
وقيل: حاذرون ممتلئون بالسلاح.
الشعراء 26:57
أي: أخرج الله فرعون وقومه من بساتين وعيون، وكنوز ذهب وفضة.
الشعراء 26:58
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، أي: حسن، يعني المنابر.
وقال عبد الله بن عمرو: نيل مصر: سيد الانهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب وذلَّله له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر يمده، فتمده الأنهار بمائها، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
وقال: كانت الجنات بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً من أسوان إلى رشيد.
وقال: المقام الكريم: المنابر، كان بها ألف منبر.
وقيل: المقام الكريم: الفيوم.
الشعراء 26:59
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:60
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:61
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:62
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:63
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:64
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:65
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:66
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:67
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:68
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:69
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:70
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:71
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:72
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:73
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:74
قوله تعال يذكره: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ،
أي: هكذا أخرجناهم من ذلك، كما وصفت لكم في هذه الآية .
﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾، أي: أورثنا تلك الجنات، والعيون والكنوز، والمقام الكريم: بني إسرائيل.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾، أي: اتبع فرعون وأصحابه موسى ومن معه وقت الشروق.
وقال أبو عبيدة: نحو المشرق، يقال: أشرقنا: دخلنا في الشروق، كما يقال: أصبحنا دخلنا في الصباح. ويقال: شرقنا، إذا أخذوا نحو المشرق، وغربنا إذا أخذوا نحو المغرب. فعلى هذا لا يصح قول أبي عبيدة إلا لو كان مُشْرِقين.
قال مجاهد: خرج موسى ليلاً فكسف بالقمر، وأظلمت الأرض وقال أصحابه: إن يوسف أخبرنا أنا سنُنَجَّى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا: فخرج موسى من ليلته سأل عن قبره، فوجد عجوزاً بيتها على قبره، فأخرجته له بحكمها، وكان حكمها أن قالت: احملني فاجر بي معك، فجعل عظام يوسف في كسائه، وجعله على رقبته، وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم، وهي لا تبرح، حبست عن موسى، وأصحابه حين تراءوا. الوقف عند نافع "كذلك" وعند أبي حاتم ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الشعراء: ٥٨].
* *
ثم قال تعالى ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ﴾، أي: رأى بعضهم بعضاً: قال أصحاب موسى ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أي: الملحقون.
وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير ﴿لَمُدْرَكُونَ﴾ بالتشديد وهو مفتعلون، ومعنى التخفيف لملحقون، ومعنى التشديد: لمجتهد في لحاقنا، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت. وأكسبت بمعنى اجتهدت وطلبت.
وروي: أنهم قالوا ذلك تشاءموا بموسى وقالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعدما جئتنا.
قال: السدي: لما نظرت بنو إسرائيل إلى فرعون، وقد ردفهم قالوا: إنا لمدركون، قالوا: يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا، فكانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيون نساءنا، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا إنا لمدركون، البحر من بين أيدينا، وفرعون من خلفنا.
وعن ابن عباس أنه قال: لما انتهى موسى البحر، هاجت الريح العواصف والقواصف، فنظر أصحاب موسى خلفهم إلى الرهج وإلى البحر أمامهم فقالوا يا موسى: إنا لمدركون. ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أي: ليس الأمر كما ذكرتم لا يدركونكم، إن معي ربي سيهدين طريقاً أنجو فيه من فرعون وقومه.
قال عبد الله بن شداد بن الهاد: لقد بلغني أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفاً من دهم الخيل سوى ما في جنده من شية الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف، طلع فرعون في جنده من خلفهم ثم قال تعالى ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ﴾ روي: أن الله جلّ ذكره: أمر البحر أن لا ينغلق حتى يضربه موسى بعصاه.
قال السدي تقدم هارون فضرب البحر، فأبى البحر أن ينفتح: وقال: من هذا الحبل الذي يضربني حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد وضربه فانفلق.
قال ابن جريج انفلق على اثني عشر طريقاً، في كل طريق سبط وكان بنو إسرائيل اثني عشر سبطاً فكانت الطريق كجدران، فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى، دعا الله فجعلها لهم بقناطر كهيئة الطيقان ينظر بعضهم إلى بعض، على أرض يابسة، كأن الماء لم يصبها قط حتى عبروا.
وقوله تعالى: ﴿كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ﴾، أي: كالجبل العظيم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ﴾، أي: قربنا "ثم" أي: هنالك الآخرين يعني قوم فرعون من البحر، وقدمناهم إليه.
قال ابن عباس: أزلفنا قدمناهم إلى البحر.
وقال ابن جرير: قربنا، وكذلك قال قتادة.
وقال أبو عبيدة: أزلفنا: جمعنا، ومنه ليلة المزدلفة. أي: ليلة جمع.
وقيل: أزلفنا أهلكنا. وقرأ أبيُّ بن كعب: "أزلقنا" بالقاف. قال السدي، دنا فرعون، وأصحابه بعدما قطع موسى ببني إسرائيل البحر من البحر، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال: ألا ترون: أن البحر فرق مني، قد تفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أتت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل عليه السلام على ما ذيانة فشمت الحُصُن ريح الماذيانة، فاقتحمت في إثرها حتى إذا همّ أولهم أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ﴾، يعني بني إسرائيل ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ﴾، يعني فرعون وقومه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: إن في فعلنا بهم لعلامة، وحجة، ووعظاً لقومك يا محمد أن ينالهم مثل ذلك على تكذيبهم لك. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أن أكثر قومك يا محمد لم يكونوا مؤمنين، في سابق علم الله. ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ﴾، أي: عزيز في انتقامه ممن كفر به، رحيم بمن أنجاه من الغرق ﴿لآيَةً﴾، قطع كاف، و ﴿مُّؤْمِنِينَ﴾ تمام، و ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ تمام.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾، أي: واقصص يا محمد على مشركي قومك خبر إبراهيم، حين قال لأبيه وقومه، أي: شيء تعبدون ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، أي: نثبت خدماً مقيمين على عبادتها.
قال ابن جريج: هو الصلاة لأصنامهم. قال إبراهيم: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، أي: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعونهم.
قال الأخفش التقدير هل يسمعون منكم أو هل يسمعون دعاءكم ثم حذف، وقرأ قتادة: هل يُسمِعونكم بضم الياء، أي: هل يُسمعونكم كلامهم.
وقيل: المعنى: هل يسمعونكم إذا دعوتموهم لصلاح أموركم، وهل يستجيبون لكم، ويعطونكم ما سألتموهم، وهل ينفعونكم إذ عبدتموهم وهل يضرون من لا يعبدهم، كل ذلك توبيخاً لهم وتقريعاً.
* *
وقوله: ﴿أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، أي: هل تنفعكم هذه الأصنام فترزقكم شيئاً على عبادتكم لها، أو يضرونكم إذا تركتم عبادتها. فقالوا: ﴿بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: نحن نفعل ذلك، كما فعله آباؤنا وإن كانت لا تسمع ولا تنفع، ولا تضر، إنما نتبع في عبادتها فعل آبائنا لا غير. وهذا الجواب: حائد على السؤال لأنه سألهم: هل يسمعون الدعاء، أو ينفعون أو يضرون، فحادوا عن الجواب وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وليس هذا جوابه، ولكن لما لم يكن لهم جواب، حادوا لأنهم لو قالوا: يسمعون، وينفعون، ويضرون لبان كذبهم عند أنفسهم وعند جماعهم، ولو قالوا: لا يسمعون، ولا ينفعون، ولا يضرون، لشهدوا على أنفسهم بالخطأ والضلال في عبادتهم من لا يسمع، ولا ينفع ولا يضر، فلم يكن لهم بد من الحيدة عن الجواب، فجاوبوا بما لم يسألوا عنه وقالوا: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، ولم يُسألوا عن ذلك، وهذا من علامات انقطاع حجة المسؤول، ويبين أنهم حادوا عن الجواب، إدخال بل مع الجواب، وبل للإضراب عن الأولى والإيجاب للثاني فهم أضربوا عن سؤاله، وأخذوا في شيء آخر لم يسألهم عنه انقطاعاً منهم عن جوابه، وإقراراً بالعجز.
الشعراء 26:75
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:76
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:77
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:78
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:79
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:80
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:81
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:82
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:83
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:84
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:85
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:86
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:87
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:88
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:89
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:90
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:91
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:92
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:93
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:94
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:95
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:96
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:97
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:98
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:99
قوله تعالى ذكره: قال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ .
أي: ما تعبدون من الأصنام انتم وآباؤكم المتقدمون قبلكم.
﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ﴾، أي: يوم القيامة كما قال ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ [مريم: ٨٢] وأخبرنا الله تعالى عن الأصنام، كما يخبر عن من يعقل. جاز أن يقول هنا: "عدو لي". وعدو يقع للجمع والمؤنث بلفظ واحد وقد قالوا: عدوة الله بمعنى معادية.
وقيل: هذا من المقلوب، لأن الأصنام لا تعادي أحداً، ولا تعقل، والمعنى فإني عدو لهم أي: عدو لمن عبدهم. وأصل العداوة، من عدوت الشيء، إذا تجاوزته وتخلفته.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، هو استثناء ليس من الأول أي: لكن رب العالمين، ويجوز أن يكون من الأول، على أن يكونوا قد كانوا يعبدون الله والأصنام، وتقدير الآية: أفرأيتم كل معبود لكم، ولآبائكم فإني منه بريء لا أعبد إلا رب العالمين.
* *
ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾، أي: يهدين للصواب من القول والعمل. ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، أي: وهو الذي يغذيني بالطعام والشراب، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، أي: يبرءني ويعافين ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي﴾، إذا شاء ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، إذا أراد بعد مماتي.
﴿وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾، أي: يوم الجزاء على الأعمال، والطمع ها هنا بمعنى اليقين، كما جاء الظن بمعنى اليقين.
وقيل: الطمع على بابه. لكن أراد أنه يطمع أن يغفر الله للمؤمنين ذنوبهم يوم القيامة بإيمانهم، وهو على يقين من مغفرة الله له، لكن إجراء الخبر عن نفسه، والمراد غيره من المؤمنين.
قال مجاهد: الخطيئة قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وقوله في سارة إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها.
وقرأ الحسن: خطاياي: بالجمع، وقال: ليست: خطيئة واحدة، والخطيئة تقع معنى الخطايا كما يقع الذنب بمعنى الذنوب.
قال تعالى ذكره: ﴿فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ [الملك: ١١] أي: بذنوبهم، وكما قال: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: الصلوات.
* *
ثم قال ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾، أي: نبوة ﴿وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ﴾، أي: أرسلني إلى خلقك حتى أكون ممن ائتمنته على وحيك، ﴿وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ﴾، أي: ذِكراً جميلاً، وثناء حسناً باقياً فيمن يجيء من القرون بعدي. قاله ابن زيد.
وقيل: ذلك اللسان الصدق: إيمان جميع الأمم به. فأعطاه ذلك؛ فليس يهودي ولا نصراني ولا غيرهما من أهل الكتاب إلا يؤمن به ويحبه ويثني عليه، ويقول: هو خليل الله، وقد قطع الله تعالى ولاية جميع أهل الكتاب منه لما تولوه وادعوه، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم ألحق ولايته بهذه الأمة فقال: ﴿إِنَّ أَوْلَى ٱلنَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَـٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [آل عمران: ٦٨] وهذا كله أجره الذي عجل له وهي الحسنة. إذ يقول ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي ٱلْدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ وهو اللسان الصدق الذي سأل ربه، هذا كله قول عكرمة. أو معنى قوله.
وقيل: معنى سؤاله، هو أن يجعل الله من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، ويدعو إليه، وهذا الدعاء هو لمحمد ﷺ، لأنه الذي قام بذلك في آخر الزمان وهو من ولد إبراهيم، فأجاب الله دعاءه، وبعث محمداً من ولده، فأقام الحق وبين الدين، فهو اللسان الصادق الذي أتى في الآخرين.
* *
ثم قال: ﴿وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾، أي: أورثني من منازل من هلك من أعدائك من الجنة.
﴿وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ﴾ من شركه بك فلا تعاقبه عليه.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾، أي: ممن ضل عن سبيل الهدى، وكفر بك.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾، أي: لا تذلني بعقابك إيأي: يوم تبعث عبادك من قبورهم لموقف القيامة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون. فيقول الله جلّ ذكره: إني حرمت الجنة على الكافرين
وروى أبو هريرة أيضاً أن النبي ﷺ قال: إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة
﴿يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ﴾، أي: لا ينفع من كفر بك وعصاك في الدنيا، ما كان له من مال وبنين.
﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، أي: لا ينفع إلا القلب السليم من الشك في توحيد الله، والبعث بعد الممات. قاله مجاهد.
وقال قتادة: هو السليم من الشرك.
قال ابن زيد: سلم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد.
وقال الضحاك: السليم، الخالص.
وقال سفيان: بلغني في قول الله تعالى ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، إنه الذي يلقى ربه وليس في قلبه أحداً غيره.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: أدنيت وقربت، أي: قرب دخولهم إياها.
﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾، أي: أظهرت النار للذين غووا.
يروى: أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام، تتلظى على أعداء الله. ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾، أي: قيل للغاوين: أين الذين كنتم تعبدونهم من دون الله، هل ينصرونكم من عذاب الله، أو ينتصرون لأنفسهم فينحونها مما يراد بها.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ﴾، أي: رمي بهم في الجحيم، بعضهم على بعض مكبين على وجوههم. وأصل كبكبوا: كببوا، فأبدل من الباء الثاني كاف، استثقالاً لثلاث باءات.
وعن ابن عباس: كبكبوا: جمعوا فيها.
قال ابن زيد: كبكبوا: طرحوا، والمعنى: فكبب هؤلاء الأنداد التي كانت تعبد من دون الله في الجحيم والغاوين.
قال قتادة: الغاوون هنا: الشياطين، فيكون معنى الآية: فكبب فيها الكفار والشياطين.
وقال السدي: فكبكبوا: يعني مشركي قريش، والغاوون الآلهة وجنود إبليس. وحقيقة معنى كبكبوا: تكرير الانكباب، كأنه إذا ألقي ينكب مرة، بعد مرة حتى يستقر فيها نعوذ بالله منها.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: وكذلك جاث فيها مع الأنداد جنود إبليس، وجنوده كل من كان من تباعه، ومن ذريته كان أم من غير ذريته.
وقيل: جنود إبليس هنا: كل من دعاه إلى عبادة الأصنام، فساعد إبليس على ما يريد فهم جنوده.
* *
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: في جهنم: يعني قول الغاوين للأنداد، وجنود إبليس، وتخاصمهم في جهنم، ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: إنا كنا لفي ضلال مبين، أي: في حيرة ظاهرة.
وقال الزجاج: المعنى تالله ما كنا إلا في ضلال عن الحق ظاهر.
﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾ في العبادة والتعظيم.
﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾، يعني إبليس وابن آدم القاتل أخاه.
الشعراء 26:100
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:101
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:102
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:103
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:104
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:105
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:106
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:107
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:108
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:109
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:110
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:111
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:112
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:113
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:114
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:115
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
الشعراء 26:116
قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،
أي: فما لنا من شافع يشفع لنا عند الله من الأباعد، ولا صديق من الأقارب.
قال ابن جريج من شافعين: من الملائكة، ولا صديق حميم من الناس. وقال مجاهد: حميم: شقيق.
وقال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً: شفع.
وقال بعض أهل اللغة: الحميم الخاص.
* *
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾، أي: رجعة إلى الدنيا.
﴿فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، بالله.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وذا إشارة إلى ما تقدم ذكره، والكاف خطاب النبي ﷺ، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: الشديد الانتقام، ممن عبد غيره من دونه ثم لم يتب من، كفره، الرحيم لمن تاب منهم.
* *
ثم قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كذبت جماعة قوم نوح المرسلين. وإنما جمع المرسلين ولم يرسل إليهم إلا نوح، لأن من كذب رسولاً بمنزلة من كذب جميع الرسل، ويجوز أن تكون قد كذبت جميع الرسل مع تكذيبها لنوح، ولم تؤمن برسول كان قبله.
وقيل: إنما أخبر عنهم: بتكذيب الرسل، لأنهم كذبوا نوحاً فيما أتاهم به عن الله، وكذبوا كل من دعا إلى توحيد الله من سائر المسلمين قبل نوح، الذين بلغهم خبرهم، ودعاتهم إلى توحيد الله، فقد كان قبل نوح رسل، ودعاة إلى الله جلّ ذكره إدريس وغيره.
* *
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، سمي نوح أخاهم لأنه كان من قبيلتهم.
﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من الله إليكم، أمين على وحيه إلي، ورسالته إيأي: إليكم. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم به ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، وأطيعون في نصيحتي لكم، وأمري إياكم.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على نصحي لكم، من ثواب ولا جزاء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما جزائي وثوابي على دعائي لكم إلا على رب العالمين، دونكم، ودون جميع الخلق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾، أي: عقابه على كفركم، وخافوا حلول سخطه بكم على كفركم.
* *
ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ﴾، أي: كيف نؤمن لك، ونصدقك، وإنما اتبعك منا سفلة الناس، دون الأشراف وذوي الأموال.
روي: أنه إنما اتبعه، وآمن به سفلة الناس، وأصحاب الصناعات الخسيسة مثل الحاكة: فاتقوا أن تكونوا مثلهم، وتفعلوا فعلهم تجبراً على الله وكفراً به. ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، أي: إنما لي منهم ظاهرهم دون الباطن.
وقيل: "كان" زائدة. والتقدير: وما علمي بما يعملون الآن، فأما ما كانوا يعملون فقد كان يعلمه.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾، وما علمي بما يعملون أي: لست أسأل عما كانوا يعملون، ولا أطلب علم ذلك. ذلك إلى الله يحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها، فقد أظهروا الإيمان فليس لي إلا ما ظهر، والله المطلع على الباطن، فأما فقرهم فلا يضرهم ذلك عند الله، يغني من يشاء، ويفقر من يشاء. ليس الفقر بضار في الدين، ولا الغنى بنافع في الدين، إنما ينفع الإيمان ويضر الكفر.
قال مجاهد وقتادة: الأرذلون: الحاكة.
وقيل: هم الحجامون.
وقرأ يعقوب: وأتباعك
* *
ثم قال: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾، يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
﴿إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
﴿قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء. وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: ﴿فِي ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ﴾، والفلك جمع واحده فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ ٱلْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
* *
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من الغرق. والكاف خطاب للنبي ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾، أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿ٱلرَّحِيمُ﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
* *
ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿ٱلْمُرْسَلِينَ﴾. و "عاد" قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، أي: رسول من عند الله. أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً. [ما] ﴿أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
* *
ثم قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مكان مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف. وعنه: بكل طريق. وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
* *
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة. ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
* *
ثم قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء. والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسميه العرب مصنعة.
* *
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا. قاله الزجاج.
* *
ثم قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾، أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط. وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
﴿إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يوم القيامة.
﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ ٱلْوَاعِظِينَ﴾ أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أي: دين الأولين. قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين. ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
* *
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.