Lafzullah

Tafsir Makhi — الواقعة 56:1 – الواقعة 56:55

المؤلف / المصدر: Tafsir Makhi

المحتويات
  1. الواقعة 56:1
  2. الواقعة 56:2
  3. الواقعة 56:3
  4. الواقعة 56:4
  5. الواقعة 56:5
  6. الواقعة 56:6
  7. الواقعة 56:7
  8. الواقعة 56:8
  9. الواقعة 56:9
  10. الواقعة 56:10
  11. الواقعة 56:11
  12. الواقعة 56:12
  13. الواقعة 56:13
  14. الواقعة 56:14
  15. الواقعة 56:15
  16. الواقعة 56:16
  17. الواقعة 56:17
  18. الواقعة 56:18
  19. الواقعة 56:19
  20. الواقعة 56:20
  21. الواقعة 56:21
  22. الواقعة 56:22
  23. الواقعة 56:23
  24. الواقعة 56:24
  25. الواقعة 56:25
  26. الواقعة 56:26
  27. الواقعة 56:27
  28. الواقعة 56:28
  29. الواقعة 56:29
  30. الواقعة 56:30
  31. الواقعة 56:31
  32. الواقعة 56:32
  33. الواقعة 56:33
  34. الواقعة 56:34
  35. الواقعة 56:35
  36. الواقعة 56:36
  37. الواقعة 56:37
  38. الواقعة 56:38
  39. الواقعة 56:39
  40. الواقعة 56:40
  41. الواقعة 56:41
  42. الواقعة 56:42
  43. الواقعة 56:43
  44. الواقعة 56:44
  45. الواقعة 56:45
  46. الواقعة 56:46
  47. الواقعة 56:47
  48. الواقعة 56:48
  49. الواقعة 56:49
  50. الواقعة 56:50
  51. الواقعة 56:51
  52. الواقعة 56:52
  53. الواقعة 56:53
  54. الواقعة 56:54
  55. الواقعة 56:55

الواقعة 56:1

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:2

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:3

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:4

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:5

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:6

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:7

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:8

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:9

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:10

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:11

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:12

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:13

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:14

قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ الآيات. المعنى: إذا نزلت صيحة القيام، وذلك حين ينفخ في الصور لقيام الساعة. والواقعة والآزفة والطاعة والحاقة والقارعة والصاخة، كلها من أسماء يوم القيامة. قال الضحاك: الواقعة: الصيحة. وقال الحسن: هي القيامة. * * وقوله: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾. أي ليس لقيام الساعة رجعة ولا مثنوية، قاله الحسن. وقال سفيان: ليس لوقعتها أحد يكذب بها. وقيل المعنى: ليس في الأخبار بأنها تكون كذب. وكذب وكاذبة مصدر كالعاقبة. ويجوز أن يكون نعتا كأنه قال: جماعة كاذبة. * * ثم قال: ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾. قال عبد الله بن سراقة خفت أعداء الله إلى النار ورفعت أولياء الله إلى الجنة. قال قتادة: تخللت كل سهل وجبل حتى أسمعت القريب والبعيد، ثم رفعت أقواما في كرامة الله جل ثناؤه، وخفضت أقواماً في عذاب الله سبحانه. وقال عكرمة والضحاك خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعه الأقصى فكان القريب والبعيد من الله سبحانه سواء. وقال ابن عباس أسمعت القريب والبعيد. وقيل المعنى أنها تخفض أقواماً كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع أقواماً كانوا في الدنيا متضعين. * * ثم قال: ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلأَرْضُ رَجّاً﴾. إذا زلزلت الأرض فتحركت تحريكا قاله ابن عباس. وقتادة ومجاهد. * * ثم قال: ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً﴾ أي: وفتت الجبال فتاً، قاله ابن عباس والشعبي وأبو صالح فصارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول، كما قال ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً﴾ [المزمل: ١٤]. وقال قتادة: كما يبس الشجر تذروه الرياح يمينا وشمالا. * * ثم قال: ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي: فكانت الجبال هباء، وهو الغبار الذي يكون في شعاع الشمس من الكوة كهيئة الغبار، قاله ابن عباس وعطاء ومجاهد. وقال علي الهباء المنبت: رهج الدواب. وعن ابن عباس الهباء: الذي يطير من النار إذا اضطرمت، يطير منه الشرر فإذا وقع لم يكن شيئاً. وقال قتادة: هباء منبثاً كيبيس الشجر تذروه الرياح يميناً وشمالا. وقوله ﴿مُّنبَثّاً﴾ يعني به متفرقاً. * * ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي: وكنتم أيها الناس أنواعاً ثلاثة. قال ابن عباس أزواجاً: أصنافاً ثلاثة. وقال قتادة: هي منازل الناس يوم القيامة ثلاثة منازل. * * ثم قال: ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ هذا أحد الأزواج الثلاثة. والثاني قوله: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾ والثالث قوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ﴾ فأتى الخبر عنهم مغنيا عن البيان عنهم لدلالة الكلام على معناه. وفي الكلام بما معنى التعجب، يعجب الله عز وجل نبيه عليه السلام، أي: ماذا لهم، وما أعد لهم من نعيم أو من عذاب. ومعنى: أصحاب الميمنة: أي: الذين أخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة وهي علامة لمن نجا. وكذلك أصحاب المشئمة، هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. والعرب تقول لليد الشمال الشؤمى، وللجانب الأيسر الأشام، ومنه اليمن والشؤم، وقيل إنما سموا بذلك لأنهم أعطوا كتبهم بإيمانهم أو بشمائلهم. وقيل إنما سموا بذلك لأن الجنة عن يمين الناس والنار عن شمالهم. وقيل سموا بذلك لأن أصحاب الميمنة ميامين على أنفسهم، وأصحاب المشئمة مشائيم على أنفسهم، مأخوذ من اليمن والشوم. وقال أبو العباس ثعلب: العرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك "أي اجعلني ضمن المتقدمين عندك ولا تجعلني من المتأخرين. وقال في قوله تعالى ﴿فَأَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْمَشْأَمَةِ﴾، قال أصحاب الميمنة هم أصحاب التقدم، وأصحاب المشئمة هم أصحاب التأخر. وانشدوا لابن الدمينة: ؎ أي بني أخي يُمني يديك جعلتني ∗∗∗ أم صيرتين في شمالك فأفرح. معناه: أخبرني أنا من المتقدمين عنك أم من المتأخرين. وقيل هذا مردود على الخبر الذي أتى: أن الله جل ذكره خلق الطيب من ذرية آدم ﷺ في الجانب اليمين من آدم، وخلق الخبيث من الجانب الشمال منه، فلذلك ينادون يوم القيامة بأصحاب اليمين وأصحاب الشمال، فذلك ستة أقوال. * * وقوله: ﴿وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ * أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ والذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المقربون وهم المهاجرون الأولون، وهم المقربون من الله، وقيل هم الذين صلوا إلى القبلتين، قاله ابن سيرين. وعن النبي ﷺ أنه قال السابقون من الأمم الماضية أكثر من سابقي هذه الأمة. وقال مجاهد: هم السابقون إلى الجهاد في سبيل الله جل وعز. وقيل هم أول الناس رواحاً إلى المساجد وأسرعهم خفوفا في سبيل الله عز وجل. ﴿أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: هم الذين يقربهم الله سبحانه منه يوم القيامة ويدخلهم جنات النعيم. (وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: أتدرون من السابقون يوم القيامة: قالوا الله ورسوله أعلم، قال: "الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وحكموا للناس بحكمهم لأنفسهم ثم قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، يعني من الأمم الماضية. ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وقليل من الأمة الآخرة: يعني أمة محمد ﷺ، قاله الحسن. وروى عن النبي ﷺ أنه قال: "الثلثان جميعاً من أمتي وقيل عني بذلك النبيئين والمرسلين ومن يشبههم من الصديقين فقال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾، لأن الأنبياء والمرسلين كانوا في الأولين دون الآخرين. وقال أبو هريرة لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ، فنزلت: ثلة من الأولين وثلة من الأخرين فقال رسول الله ﷺ إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة وتغلبوهم في النصف الباقي

الواقعة 56:15

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:16

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:17

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:18

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:19

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:20

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:21

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:22

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:23

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:24

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:25

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:26

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:27

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:28

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:29

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:30

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:31

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:32

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:33

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:34

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:35

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:36

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:37

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:38

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:39

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:40

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:41

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:42

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:43

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:44

قوله: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ﴾. إلى قوله: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ الآيات. قوله: على سرر: أي: هم على سرر، والسرر جمع سرير. ومعنى موضونة عند ابن عباس وغيره: مصفوقة. قال أبو عبيدة موضونة: منسوجة مدخل بعضها فوق بعض، والوضين: البطان من السيور: إذا نسج بعضه على بعض مضاعفاً كحلق الدرع، فهو فعيل في معنى مفعول. وقال مجاهد: وعكرمة الموضونة: المرمولة بالذهب. وقال قتادة: هي المشبكة بالذهب. وعن عكرمة مشبكة بالدر والياقوت. وقيل السرير الموضون هو الذي سطحه بمنزلة المنسوج، وذلك ألين من الخشب، ويقال وضنت الشيء بمعنى نسجته وضمنته. * * ثم قال: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: وجه بعضهم حذاء بعض لا ينظر بعضهم إلى قفاء بعض، يعني به المؤمن وأزواجه. وقيل يعني المؤمنين بعضهم مع بعض، فوصفهم الله عز وجل بحسن العشرة وتهذيب الأخلاق، كما قال تعالى ﴿إِخْوَٰناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]. * * ثم قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ أي: يطوف عليهم بالأكواب غلمان باقون لا يموتون ولا يهرمون على سن واحد كأنهم ولدوا في وقت واحد. والأكواب جمع كوب، وهو من الأباريق ما اتسع رأسه ولم يكن له خرطوم. وقال ابن عباس الأكواب: الجرار من الفضة. وقال مجاهد: الأباريق ما كان لها آذان، والأكواب ما ليس لها آذن. وعنه الأكواب ما ليس له عرى ولا آذان وهو قول الفراء، وما كان له أذن وعرى فهو إبرايق. وقال قتادة: الأكواب دون الأباريق وليس له عرى. وقال الضحاك الأكواب جرار (ليس لها عرى). وقال أبو صالح الأكواب التي ليست لها عرى، المستديرة أفواهها والأباريق التي لها خراطيم. ثم قال: الكأس: ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ الكأس: القدح الذي فيه الخمر، لا يقال لها كأس حتى تكون فيه، فإن كان فارغاً فهو زجاجة. * * وقوله: ﴿مِّن مَّعِينٍ﴾ أي: من عيون جارية. قال ابن عباس وكأس من معين: الخمر. وقال قتادة: من معين: من خمر جارية ترى بالعين. * * ثم قال: ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا يصدع رؤوسهم شربها. وقيل معناه (لا يتفرقون عنها عرقاً كخمر الدنيا). * * ثم قال: ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي: لا تنزف عقولهم، قاله مجاهد. وقال قتادة: لا تغلب أحدا على عقله. وقال أبو عبيدة لا يصدعون عنها: لا تصدع رؤوسهم، ولا ينزفون: لا يكسرون ومن قرأ بكسر الزاي فمعناه لا ينفذ شرابهم. وقيل: لا ينزفون: لا تتغير ألوانهم لشربها، وهو زوال الدم من الوجه. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يطوف عليهم هؤلاء الولدان بفاكهة مما يتخيرون لأنفسهم من الجنة وتشتهيها قلوبهم. ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال بعض المفسرين: يخلق الله جل ذكره لهم لحما على ما يشتهون من (شواء وطبخ) من جنس الطير. وبعضهم يقول لهم لحم طير من الجنة على الحقيقة. وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: ما هو إلا تشتهي الطائر في الجنة وهو يطير فيقع بين يديك مشوياً ويروى أن رجلاً من أهل الجنة يجني الفاكهة فيخطر على قلبه غيرها، وهي في يده فتحول التي جنى إلى جنس التي خطرت بقلبه، ويخطر على قلبه الطير فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى. * * ثم قال: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ من رفع فعلى الابتداء. والتقدير: وحور عين لهم. ويجوز أن يكون معطوفاً على ولدان أي: ويطوف عليهم حور عين، هذا قول اليزيدي، ومذهب سيبويه أن الرفع محمول على المعنى، لأن المعنى: لهم فاكهة أو فيها فاكهة وأباريق وكأس ولحم وحور عين، وأنشد على ذلك أبياتاً حمل الآخر على المعنى الأول ولم يحمله على اللفظ. والرفع اختيار أبي عبيدة والفراء، لأن الحور لا يطاف بهن. وقد قرأ حمزة والكسائي بالخفض جعلا ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ﴾ معطوفة على ﴿فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ (أي هم في جنات النعيم) وفي فاكهة، وفي لحم طير، وفي (حور) عين وما بين ﴿وَفَاكِهَةٍ﴾ "وجنات اعتراض" ودل على ذلك قوله بعد ﴿سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ وما ذكر بعده إلى ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾. * * ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ فكنى عن الحور ولم يجر لهن ذكر من لدن قوله ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾، وإنما ذلك لأنه لما ذكر الفرش استغنى عن ذكر من يفترش عليها من الحور ثم أخرج الكناية عنهن للمعنى المفهوم في الكلام. وقال الفراء الخفض على الاتباع وهو ضعيف. وقال قطرب هي معطوفة على الأكواب والأباريق، فجعل الحور يطاف بهن. قال بعض العلماء (أي يطاف بهن عليهم) ويكون لأهل الجنة في ذلك اللذة، لأن فيها ما تشتهي الأنفس. وقيل الخفض محمول على المعنى، لأن معنى يطوف عليهم بكذا وكذا ينعمون به فيصير المعنى: ينعمون بفاكهة وبلحم وبحور عين. وقرأ أبي "حورا عينا" [بالنصب حمله على المعنى أيضاً لأن معنى يطوف عليهم بكذا: يعطون كذا ويعطون حورا عينا]. وتقدير النصب عند أبي حاتم "ويزوجون حورا عينا". * * وقوله: ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ أي: هن في بياضهن وحسنهن كاللؤلؤ المكنون الذي صين في كن. وقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله تبارك وتعالى ﴿كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾، فقال: صفاؤهن كصفاء الدر الذي في الأصداف الذي لا تمسه الأيدي. وسمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق الخالص الحواري، ومنه الحواريون لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين يبيضون الثياب. والحور في العين: شدة سواد الحدقة مع شدة بياض ما حولها، وسمين ﴿عَيْناً﴾ لشدة سواد الحدقة وشدة بياض ما حولها، وهي المقلتان. وقيل: "العين" الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عينا ورجل أعين: كبير العين. * * ثم قال: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾. (أي ثواباً لهم بعملهم في الدنيا، وعوضاً من طاعة الله عز وجل). والحوراء: الشديدة سواد العين (والشديدة بياض) العين، قاله الحسن. وقال الضحاك: هي عظام العين. وقال ابن عباس: (سواد الحدقة). وقال الحسن الحور: صوالح بني آدم. وقال الليث بن أبي سليمان بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران، وكذلك روى ليث عن مجاهد وعن مجاهد أيضاً أنه إنما سمين حورا (لأنهن يحار) فيهن الطرف. * * ثم قال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي: لا يسمعون في الجنة باطلا من القول، وليس فيها ما يؤثمهم. وقيل اللغو: ما يلغى. * * ثم قال: ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي: لا يسمعون فيه ما يكرهون، إنما يسمعون أسلم مما تكره. وقيل المعنى إلا قيلا يسلم فيه من الإثم. * * ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَابُ ٱلْيَمِينِ﴾ (أي ماذا لهم من النعيم، وفي الكلام معنى التعجب يعجب الله عز وجل نبيه ﷺ ما أعده لهم من الفضل، وأصحاب اليمين) هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين يوم القيامة، والجنة عن يمين الخلق، والنار عن يسارهم. وقيل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين أقسم الله أن يدخلهم الجنة. (وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عمر). هم أطفال المسلمين. وقيل هم الميامين على أنفسهم إذا عملوا ما أنجاهم من النار، وأدخلهم الجنة، وقيل: هم الذين خلقوا في الجانب الأيمن من أدم ﷺ. وقيل: هم المتقدمون في الفضل عند الله تعالى، فذلك سبعة أقوال، وقد تقدم هذا بأشرح منه. * * ثم قال: ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي: في ثمر (سدر موقر) من حمله (قد ذهب) شوكه، قاله ابن عباس. وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: حصده: وقره من الحمل. وقال عكرمة وقتادة هو الموقر الذي لا شوك فيه. وقال الضحاك ومجاهد المخضود: الموقر. وقال ابن جبير ثمره أعظم من القلال. * * ثم قال: ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ وقرأ علي بن أبي طالب "وطلع" بالعين. وذكر أبو عبيدة أن الطلح: عند العرب شجر عظيم كثير الشوك. قال الزجاج يجوز أن يكون في الجنة، وقد أزيل شوكه. وأهل التفسير يقولون: الطلح: الموز، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وهو قول أبي هريرة وأبي سعيد، فهذا مما يجوز أن يكون أهل اللغة قد غاب عنهم اسمه أنه الموز. وقال مجاهد: كانوا يتعجبون من طلح "وج" فأعلمهم الله تعالى أن في الجنة طلحاً. وأما في قراءة علي فإنه جعله من طلع النخيل بمنزلة لها طلع نفيد. ونفيد بمعنى منفود، ومعناه قد ضم بعضه إلى بعض. قال قتادة: قد ضمنه الحمل الورق. وقال ابن عباس منفود بعضه على بعض. قال قتادة: شجر الجنة موقر بالحمل من أسفله إلى أعلاه. * * ثم قال: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي: دائم لا تنسخه شمس ولا ليل فيذهبا. وكل ما لا انقطاع له فهو ممدود. وقال عمر بن ميمون: "وظل ممدود" (خمس مائة ألف سنة). وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: أن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم "وظل ممدود"فبلغ ذلك كعباً فقال صدق أبو هريرة، والذي أنزل التوراة (على موسى) والفرقان على محمد لو أن رجلاً ركب حقة أو جدعة ثم دار حول تلك الشجرة ما قطعها حتى يسقط هرماً، إن الله جل ذكره غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور الجنة وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: "وظل ممدود" هي شجرة في الجنة على ما ساق يسير الراكب في ظلها من نواحيها كلها مائة عام، للراكب المحث. قال: فينزل أهل الغرف، وأهل الجنة فيجلسون مجالس في ظللها فيتحدثون فيذكرون لهو الدنيا، فيأمر الله عز وجل ريحا من الجنة فتهب فتتحرك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. * * ثم قال: ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي: مصبوب سائل في غير أخدود حصباؤه الياقوت الأحمر، وحماته المسك الأذفر، وترابه الكافور، وحافتا جريه الزعفران. * * ثم قال: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي: لا تنقطع لقلتها ولا تزول في صيف ولا شتاء، ولا عليها مانع يمنع ثم من أخذها ويحول بينهم وبينها ولا عليها شوك [فيتعذر أخذ ثمرتها لشوكها. قال قتادة: لا يمنعهم منها شوك ولا بعد]. وروى أن الرجل إذا اشتهى الثمرة وقعت على فيه أو تدنو منه حتى يتناولها بيده. * * ثم قال: ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي: طويلة بعضها فوق بعض. وروى الخدري عن النبي ﷺ أنه قال (ارتفاعها كما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض، لمسيرة خمس مائة عام ). ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: أنا أنشأنا الحور لأن الفرش دلت على من عليها من الحور. وقال أبو عبيدة الضمير في ﴿أَنشَأْنَاهُنَّ﴾ يعود على "وحور عين" الأولى، فالمعنى: إنا خلقنا الحور خلقاً جديداً فجعلناهن أبكاراً. روي عن النبي ﷺ أنه قال: الثيب والأبكار يريد الآدميات وروى أبو هريرة عنه عليه السلام أنه قال: منهن العجائز يعني أنهن من بني آدم وقال ابن عباس هن من بني آدم، نساؤكم في الدنيا ينشئهن الله أبكاراً عذارى. ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ أي: أقراناً. قال مجاهد: خلقهن الله من الزعفران. * * وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي: صيرناهن عذارى. وعربا جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الغنجة وهو قول مجاهد والحسن وعكرمة. وقال أبو صالح هي الشكلة. وقال زيد بن أسلم هي الحسنة الكلام. وقال ابن عباس هي المقلة، وعنه: عواشق. وعن الحسن هي العاتق. وأصله كله من أعرب: أذا بَيّن، ومنه الإعراب. وقيل يراد بقوله: إنا أنشأناهن: الحور العين، بمعنى إنشاء لم يولدن. وقيل يراد به بنات آدم على ما تقدم، أي: أنشأنا الصبية (و) العجوزة إنشاء واحداً. * * وقوله: ﴿لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ﴾ أي: أنشأ هؤلاء لأصحاب اليمين، وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة. * * ثم قال: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ أي: جماعة من الأمم الماضية قبل محمد ﷺ، وجماعة من أمة محمد ﷺ قاله الحسن. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمتي ربع أهل الجنة فكبر أصحابه، ثم قال: لأرجو أن تكونوا الشطر، فكبر أصحابه، ثم تلا هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلآخِرِينَ﴾ وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في الآية هما جميعاً من أمتي ثم قال: ﴿وَأَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَابُ ٱلشِّمَالِ﴾ أي: ماذا أعد الله لهم من الهوان والعذاب. يعجب نبيه عليه السلام من ذلك، ففيه معنى التعجب وهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار. وقيل هم الذين أعطوا كتبهم بشمائلهم. * * ثم قال: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي: في سموم جهنم وحميمها. ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي: من دخان شديد السواد، والعرب تصف الشديد السواد باليحموم. قال ابن عباس وعكرمة [ومجاهد] هو دخان جهنم، وقاله قتادة وابن زيد. * * ثم قال: ﴿لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ليست ذلك الظل ببارد كبرد ظلال الدنيا، لكنه حار إذ هو دخان. * * وقوله: ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي: ولا حسن لأنه عذاب. قال الضحاك كل شراب ليس بعذب فليس بكريم، والعرب تنفي الكرم عن كل شيء ليس بمحمود.

الواقعة 56:45

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:46

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:47

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:48

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:49

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:50

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:51

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:52

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:53

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:54

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

الواقعة 56:55

قوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ الآيات. أي إن أصحاب الشمال كانوا (قبل ذلك) في الدنيا منعمين بالحرام. * * ثم قال: ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ أي: يصرون على الشرك بالله، قال الضحاك وقتادة والفراء وغيرهم، أي: كانوا يتمادون عليه ولا يتوبون (سبحانه عما يصفون) منه، ولا يستغفرون من شركهم بالله عز وجل. وقال مجاهد: ﴿عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ على الذنب العظيم، وقاله ابن زيد ثم فسره ابن زيد فقال هو الشرك. وقيل هو قسمهم أن الله لا يبعث أحداً، ودل على ذلك قوله بعده ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. (أنكروا البعث) فقيل لهم: ﴿قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾. أي إنكم وأباؤكم ومن بعدكم، ومن قبل أبائكم لا بد من بعثكم يوم القيامة ومجازاتكم على أعمالكم. * * ثم قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ * لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾. أي أنكم بعد البعث أيها الضالون عن الحق لأكلون من شجر جهنم، وهي الزقوم. ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ﴾ أي: من الشجرة، أو من الشجر. * * ثم قال: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْحَمِيمِ﴾ أي: على الزقوم من الحميم، وهو الماء الذي قد بلغ في الحرارة. ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ [الهيمُ جمع أهيم، وهي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، وقد قيل الهيم] جمع هائم وهائمة. قال ابن عباس شرب الهيم: شرب الإبل العطاش. وقال عكرمة هي الإبل المراض تمص الماء معا ولا تروى، وعنه أنها الإبل يأخذها العطش، فلا تزال تشرب حتى تهلك. (وقال الضحاك) الهيم: الإبل العطاش تشرب فلا تروى يأخذها داء يقال له الهيام. وقال ابن عباس الهيم: الهيام من الأرض يعني الرمل. * * ثم قال: ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ أي: هذا الذي وصف رزق هؤلاء يوم الجزاء. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي: نحن خلقناكم يا مكذبون بالبعث، ولم تكونوا شيئاً، فهل لا تصدقون من أنشأكم أولاً، أنه ينشئكم آخرا. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾ أي: أفرأيتم أيها المكذبون بالبعث، المنكرون قدرة الله عز وجل على إحيائكم بعد موتكم هذه النطفة التي تمنون في أرحام نسائكم، يقال (أمنى ومنى، وأمنى): أكثر. [﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أي: تخلقون ذلك المني حتى يصير فيه الروح]. * * ﴿أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ﴾. * * ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ﴾ أي: عجلناه على قوم وأخرناه عن قوم إلى وقت مسمى، أي: منكم قريب الأجل ومنكم بعيد الأجل. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: في أجالكم لا يسبق متقدم فيتأخر، ولا متأخر فيتقدم، بل لا يتقدم أجل قبل وقته ولا يتأخر عن وقته. * * ثم قال: ﴿عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ﴾. قال الطبري معناه: نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم فنحيي بأخرين من جنسكم. وقيل التقدير: وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم، (أي إن أردنا) أن نبدل أمثالكم منكم لم يسبقنا إلى ذلك سابق. * * وقوله: ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ في أي: خلق شاء. وقيل: قردة وخنازير. وقيل يخلق لهم أبداناً للبقاء، لأن هذه للفناء خلقت. وقيل معناه في عالم لا تعلمون، أو في مكان لا تعلمون. وقيل المعنى: وننشئكم في غير هذه الصور، فننشئ المؤمنين يوم القيامة في أحسن الصور وإن كانوا في الدنيا قبحاً، وننشئ الكافرين في أقبح الصور وإن كان في الدنيا نبلاً. * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ولقد علمتم الأحداث الأول، فلقد أحدثناكم ولم تكونوا شيئاً، فهلا تذكرون فتعلمون أن من فعل ذلك قادر على إنشاء آخر متى شاء. وقال قتادة: ولقد علمتم النشأة الأولى (بعد خلق) آدم عليه السلام فلست تسأل أحداً من الناس إلا نبأك أن الله جل ذكره خلق آدم من طين. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ﴾. أي أفرأيتم أيها الناس الحرث الذي تحرثونه أنتم تنبتونه وتصيرونه زرعاً أم نحن نجعله كذلك. وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقل زرعت لكن قل حرثت، ثم تلا أبو هريرة الآية. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي: لجعلنا الزرع هشيماً لا ينتفع به في مطعم ولا ثمر. * * ثم قال: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي: فظلتم تتعجبون مما نزل بكم وبزرعكم من المصيبة، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقال عكرمة معناه فظلتم تلاومون بينكم في تفريطكم في طاعة ربكم بما نزل بكم. وقال الحسن تفكهون: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله جل وعز التي أوجبت عليكم العقوبة، وروي مثل ذلك أيضاً عن قتادة. وقال ابن زيد تفكهون: تفجعون، ومعنى فظلتم: فأقمتم. * * ثم قال: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لمولع بنا، قاله عكرمة ومجاهد. وعن مجاهد أيضاً لمغرمون: لملقون للشر. وقيل معناه لمعذبون، والغرام عند العرب الهلاك والعذاب. * * ثم قال: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: [مجدون لا حظ لنا]. وقال قتادة: معناه: محارفون. * * ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ﴾ أي: أنتم أنزلتموه من السحاب إلى قرار الأرض، أم نحن المنزلون. قال مجاهد: وقتادة وابن زيد المزن: السحاب. وقال ابن عباس المزن: السماء والسحاب، وهو قول سفيان. * * ثم قال: ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي: جعلنا الماء مراً مالحاً فلا تشربون منه ولا تنتفعون به في زروعكم وكرومكم. ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.